بسم الله الرحمن الرحيم اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا
العدد ١٩/ رجب / ١٤٤٦ هـ

دور الأئمةِ المعصومين (عليهم السلام) في تحصينِ العقيدةِ المهدويةِ

 

دور الأئمةِ المعصومين (عليهم السلام) في تحصينِ العقيدةِ المهدويةِ
تربية الأصحابِ والأتباعِ
نماذجٌ تاريخية في الاقتداء والاسترشاد

 

مرتضى علي الحلّي
 

 

↑صفحة ٠↑

فهرس محتويات البحث

مدخل تمهيدي:.....................١٥٩
نماذجُ قيِّمَةٌ في بناءِ مرتكزاتِ العقيدة المهدوية المستقيمة وآثارها:.....................١٦٥
النموذج الأوَّل: دور أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في تحصين المسلمين بعد الانقلاب العقائدي على النبي محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله) - التصحيح والمسار:.....................١٦٥
النموذج الثاني: دور الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في تحصين الأُمَّة بعد الانقلاب عليه:.....................١٧٠
النموذج الثالث: نبذةٌ من أدوار الإمام علي بن الحُسَين والإمام محمّد الباقر والإمام جعفر الصادق (عليهم السلام) في التحصين العقائدي للشيعة في عهد بني أمية الظالمين:.....................١٧٣
النموذج الرابع: ما قام به بقية الأئمة المعصومين (عليهم السلام) من تثبيت العقيدة الإسلامية والمهدوية الحقّة عند الأصحاب والموالين، مواجهةً للانحراف الخطير في عهد بني العبّاس:.....................١٧٨
نموذجية الإمام الكاظم (عليه السلام):.....................١٧٨
نموذجية الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام):.....................١٨٠
المحور الأوّل: رفض تسلُّط دولة بني أُمية المنحرفة عقائديّاً، ودور الأئمة (عليهم السلام) في تحديد الوجهة العقائدية المستقيمة ومُعطياتها القويمة:.....................١٨٧
المثال الأوَّل: الدور الاعتقادي للإمام الحُسَين (عليه السلام) بعد هلاك معاوية بن أبي سفيان:.....................١٨٧
المثال الثاني: أبو مسلم الخراساني ورهانات الظروف الموضوعية آنذاك، وموقف الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) منه:.....................١٩٣
المثال الثالث: الاختلاف العقائدي وضبط مساره وتصويبه وفق رؤية الحقِّ والواقع عند الأئمة المعصومين (عليهم السلام):.....................١٩٧
المحور الثاني: ويشتمل على ثلاثةٍ أمورٍ:.....................١٩٩
الأمر الأوَّل: انزلاق بعض أصحاب الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في مسألة التوقيت لظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):.....................١٩٩
الأمر الثاني: عدم جدوى التوقيت:.....................٢٠٢
الأمر الثالث: ضرورة الانتظار الراشد ولزوم استقامة الاعتقاد في التعاطي الموضوعي مع الأحداث المتسارعة، وضبط الموقف العملي والشرعي منها:.....................٢٠٥ 

↑صفحة ٠↑

مدخل تمهيدي:
قال الله تعالى:
﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٣).
﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤).
من المعلوم عقائديّاً أنَّ وظيفة الإمام المعصوم (عليه السلام) هي هداية الناس إلى الصراط المستقيم في مجمل تمثُّلاته النظرية والعملية على مستوى الإيمان بالله سبحانه واليوم الآخر وبعثة الأنبياء وأوصيائهم المنصوبين من بعدهم، كحججٍ على العبادِ بأمر الله سبحانه، وعلى مستوى العمل والطاعة وامتثال التكاليف الشرعية، وللتمييز بين الحقّ والباطل وبين الصلاح والفساد، فضلاً عن تعريفهم بالواجبات والمحرَّمات شرعاً وتقريبهم إلى الطاعات وتبعيدهم عن المعاصي.
إنَّ هداية المعصوم للناس تشتمل على إراءة الصراط المستقيم لهم في مصاديقه وموازينه، حتَّى لا يلتبس عليهم السلوك والاتِّباع في الاعتقاد والتشريع، مّما يسهم ذلك في ترسيخ البناء العقائدي السليم الذي يُقدِّم

↑صفحة ١٥٩↑

وضوحاً واقعيّاً واستشرافيّاً قويماً في الرؤية والمسار عند التعاطي مع متطلَّبات الإيمان والعمل، وخاصةً في ما يتعلَّق بمحلِّ البحث من الاعتقاد بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وجوداً وانتظاراً وترقُّباً، وحيثيّات ذلك من العلامات والحوادث قُبيل الظهور الشريف والقيام بالحقِّ.
ولم يقتصر دور الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بحسب المنظور العقائدي والتاريخي على التعريف بدين الله سبحانه ورسالته الخالدة التي بيَّنها القرآن الكريم(١) والنبي الأكرم محمّد (صلّى الله عليه وآله) ومَن خلفه من عترته الطاهرة إماماً معصوماً بعد إمامٍ معصومٍ منصوبٍ حتَّى وقت بدء الغيبة الكبرى للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، بشكلٍ عامٍّ، بل قاموا بدور التحصين العقلي النظري في ما يجب أن يُعرَف ويُعلَم من أصول الاعتقادات الدينية الحقّة تأسيساً وإبقاءً، والتحصين العقلي العملي في ما ينبغي أن يُعمَل ويُفعَل وما لا ينبغي أن يُعمَل أو يُتَّبع، من ضرورة الأخذ بقيم الفضائل وتجنّب الرذائل.
وكشواهدٍ تاريخية على ذلك التحصين العقائدي بقسميه النظري والعملي، ففي التحصين العقائدي النظري يُركِّز الأئمة الأطهار (عليهم السلام) على ضرورة معرفة الإمام المعصوم باسمه ونسبه وشخصه وعلامته، حتَّى لا يقع الخلط في المصداق أو تصديق المتقمِّص لمقام الإمامة ظلماً وزوراً، ولكي يحصل القطع واليقين في الاعتقاد بالمصداق الحقّ، وما لذلك مِن آثارٍ على مستوى الانتظار أو المصير، كما روي عن عمر بن أبان قال: سمعتُ أبا عبد الله - الإمام الصادق - (عليه السلام) يقول: «اعرف العلامةَ(٢)، فإذا عرفته لم يضرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر، إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، فمن عرفَ إمامَه كان كمَن كان في فسطاط المنُتَظَر».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) وفي الرواية عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) أنَّه قال: «والإمام يهدي إلى القرآن والقرآن يهدي إلى الإمام» [معاني الأخبار - الصدوق: ص١٣٢].
(٢) وفي غيبة الشيخ الطوسي (إمامك) [الغيبة للشيخ الطوسي: ص٤٥٩، ح٤٧٢].

↑صفحة ١٦٠↑

ويعني بالعلامة الإمام على هذه النسخة، كما ورد عنهم (عليه السلام) في قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: ١٦): إنَّ العلامات هم الأئمة، والنجم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أو يعني بها علامة الإمام ونعته المُختص به، وأنَّه مَن وابن مَن(٣).
فمعرفة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تضمن للمؤمن المعتقد به سلامة الدين والمصير، فضلاً عن تنزيل معرفته بالوجه الحقّ والمستقيم منزلةَ الكائن بين يديه في محلّه الشريف من حيث الثواب والفضل والدرجة.
وأمَّا على مستوى التحصين العقائدي العملي كمثالٍ، فقد أشهدَ الإمامُ الحَسن العسكري (عليه السلام) أصحابه الخلَّص على ولادة ابنه الحُجَّة القائم المهدي (عجَّل الله فرجه)، إثباتاً لوجود عقبه وخلفه الصالح، وإبطالاً لمزاعم النافين للعقب والولد، فعن أحمد بن محمد، قال: خرجَ عن أبي محمّد - الإمام الحسن العسكري - (عليه السلام) حين قُتِلَ الزبيري: «هذا جزاء مَن افترى على الله وعلى أوليائه زعمَ أنَّه يقتلني، وليس لي عقب، فكيف رأى قدرةَ الله، وولِدَ له ولدٌ، وسمّاه محمّداً سنة ست وخمسين ومائتين»(٤).
ومن أهمِّ ما قام به الأئمة المعصومون (عليهم السلام) في إطار البناء العقائدي القويم لأصحابهم وشيعتهم وأتباعهم، هو أنَّهم لم يتعاملوا بانفعالٍ عاطفي راهن مع القضية المهدوية الموعودة الحقّة في مشروعها التغييري الحتمي، والذي يستهدف القضاءَ على الفسادِ والظلم في الأرضِ قاطبةً، ليعمّ الصلاح والعدل والقسط، رغم قساوة الأحوال والأزمان والسلطان والدول التي عاصروها، التي مسَّهم ظلمها، وعانوا ما عانوا منها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) الوافي - الفيض الكاشاني: ج٢، ص٤٣٦، مكتبة أصفهان، ١٤٠٦هـ ق.
(٤) الغيبة - الطوسي: ص٢٣١، الطبعة المحققة الأولى، ١٤١١هـ ق.

↑صفحة ١٦١↑

ولم يجعلوها شعاراً يسهل تبنِّيه من قبل الأشخاص أو الجهات بحسب الأحداث المرحلية الآنية، الذي سرعان ما ينكشف زيفه وفق الدوافع والأغراض المختلفة تماماً مع الجوهر الأصيل للقضية فعلاً، كما قام بذلك بعض الفِرَق الضالَّة كالكيسانية والناووسية والفطحية والواقفية(٥)، وبعض العلويين(٦) والعبّاسيين آنذاك، بل وضعها الأئمة المعصومون (عليهم السلام) طبق شروطٍ ومواصفاتٍ وعلاماتٍ وظروفٍ وحيثيّاتٍ مركبّةٍ في تنجيزها وتحقّقها، تتأرجح بين إرادة الله سبحانه وإذنه وتمظهر ذلك بمصداقها الحقّ الجامع لشرائط التعيين والاستخلاف والعصمة والتنصيص، وهو الإمام المهدي الموعود (عجَّل الله فرجه).
وكشاهد موضوعي على هذه الحقيقة، هو تصدِّي الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بنفسه ومباشرةً لعبد الله بن الحَسن عندما ادَّعى أنَّ ابنه محمّداً هو المهدي، وطالب الناس ببيعته أيّام حكم المنصور العبّاسي، وقد روى الشيخ المفيد هذه الحادثة وقال: وجاء جعفر بن محمّد - الإمام الصادق - (عليه السلام) - فأوسع له عبد الله بن الحسن إلى جنبه، فتكلَّم بمثل كلامه، فقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «لا تفعلوا، فإنَّ هذا الأمر لم يأتِ بعد، إن كنتَ ترى - يعني عبد الله - أنَّ ابنك هذا هو المهدي، فليس به، ولا هذا أوانه، وإن كنت إنَّما تُريد أن تخرجه غضباً لله وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإنَّا والله لا ندعك - وأنت شيخنا - ونبايع ابنك في هذا الأمر»، فغضب عبد الله وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، ووالله ما أطلعك اللهُ على غيبه، ولكنه يحملك على هذا الحسد لابني،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) الكيسانية: وهم القائلون بإمامة محمد بن الحنفية، وأنَّه اليوم حيٌّ، وهو المهدي الذي يظهر، والناووسية: وهم القائلون بأنَّ الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) لم يمت، وهو المَهدي، والفطحية: وهم القائلون بإمامة عبد الله بن جعفر الصادق (عليه السلام)، وقيل إنَّه كان أفطح الرجلين. والواقفية: وهم القائلون بأنَّ الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) لم يمت، وأنّه المَهدي.
(٦) كفرقة زعمت أنَّ محمد بن عبد الله النفس الزكية بن الحسن بن الحسن المثنى ابن علي بن أبي طالب لم يمت ولا يموت، حتَّى يملأ الأرضَ عدلاً، وأنَّه القائم المهدي المنتظر عندهم، وكان محمّد بن عبد الله خرجَ على المنصور فقُتلَ بالمدينة. [انظر - المسائل الجارودية - الشيخ المفيد: ص١١].

↑صفحة ١٦٢↑

فقال الإمام الصادق: «والله ما ذاك يحملني، ولكن هذا وإخوته وأبناءهم دونكم»، وضرب بيده على ظهر أبي العباس، ثم ضرب بيده على كتف عبد الله بن الحسن، وقال: «إنَّها - واللهِ - ما هي إليك ولا إلى ابنيك ولكنها لهم، وإنَّ ابنيك لمقتولان»، ثم نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري، فقال: أرأيت صاحب الرداء الأصفر؟ يعني (أبا جعفر المنصور)، فقال له: نعم، فقال: إنّا والله نجده يقتله، قال له عبد العزيز: أيقتل محمداً؟ قال: نعم، فقلتُ في نفسي: حسده وربّ الكعبة! قال: ثم واللهِ ما خرجتُ مِن الدنيا حتَّى رأيته قتلهما(٧).
فالإمام جعفر الصادق (عليه السلام) إنَّما تصدَّى لهذه الدعوى بنفسه وعلانية، ليعرِّف النّاسَ والأتباعَ بأنَّ المهدي له هويته الخاصّة المعروفة نسباً ووقتاً ووصفاً، ولم يحن أوانُ ولادته بعد، وأنَّ أمره لم يأتِ بعد، ويقدِّم هذا التعاطي من لدن المعصوم مع هذه الدعوى رؤيةً جلية في ضرورة سلوك المسار المستقيم في مواجهة الظلم والفساد، وبطريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبشروطه المعروفة شرعاً، وأن لا تُتَّخَذ دعوى المهدوية سبيلاً للنهوض والمواجهة دون وجهٍ حقٍّ في الانطباق والمصداق.
وكشاهدٍ آخر أيضاً ما روي عن يونس بن عبد الرحمن قال: دخلتُ على موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقلتُ له: يا بن رسول الله أنتَ القائم بالحق؟ فقال: «أنا القائم بالحقِّ، ولكن القائم الذي يُطهر الأرضَ من أعداء الله (عزَّ وجلَّ) ويملأها عدلاً كما مُلِئت جوراً وظلماً هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتد فيها أقوامٌ ويثبت فيها آخرون»، ثم قال: «طوبى لشيعتنا، المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) الإرشاد - المفيد: ج٢، ص١٩٠-١٩٢، تحقيق مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، ط٢، ١٤١٤هـ ق، دار المفيد.

↑صفحة ١٦٣↑

والبراءة من أعدائنا، أولئك منا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمةً، ورضينا بهم شيعةً، فطوبى لهم، ثم طوبى لهم، وهم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة»(٨).
فقد وضع الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) أُسس الاعتقاد الحقّ بالإمام المهدي الموعود، وبيَّن مواصفاته وشروط ظهوره، وأحوال الناس في التعاطي معه ارتداداً وثباتاً.
ويدعو شيعته وأتباعه إلى التمسُّك بحبل أهل البيت المعصومين (عليهم السلام) الذي هو حبل الله سبحانه في امتداده وتمثّله وجعله، كي يتحقَّق الثبات منهم في معترك البلاء والإيمان والانتظار والترقُّب، وأنَّ التمسّك هذا إنَّما يكون باتِّباع وصاياهم وتوجيهاتهم (عليهم السلام) في مجمل مسائل الاعتقاد والعمل.
وحتَّى لا يبقى الإنسان المؤمن في تذبذبٍ أو حيرة من أمره، حين يواجه ضغط الظلم والفساد والشبهات والدعوات الباطلة ذات المآرب البعيدة عن وجهة القضية المهدوية الحقّة.
فالعقيدة المهدوية في وجهتها الدينية الإسلامية هي فكرةٌ ثابتةٌ راسخة بأوصافها وشروطها وحيثيّاتها الاعتقادية منذ وقت النبي الأكرم محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وعصر الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وقد عرفها المسلمون والمؤمنون آنذاك واعتقدوا بها، لذا نلاحظ بحسب الروايات في مختلف أوقات عصر المعصومين سؤال الأصحاب والأتباع عن الإمام القائم الموعود ومصداقه الحقّ، وأنَّهم كانوا يرجون القيام، ويحتملون أنَّ كلَّ إمامٍ في وقته هو القائم، وهي لم تكن فكرةً عاجلةً تولَّدت بفعل ظروف الظلم والفساد التي مرَّت بها الأُمَّة وحاجتها لمن يدفع الظلمَ عنها، كما يُصوّر ذلك بعض الكُتَّاب المستشرقين أو بعض المغالطين غير المنصفين، وللشيخ العلّامة محمّد رضا المظفّر (طاب ثراه) كلامٌ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: ص٣٦١، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة - إيران.

↑صفحة ١٦٤↑

قيّم بهذا الصدد، حيث قال: (وليست هي - أي العقيدة المهدوية - بالفكرة المستحدثة عند الشيعة دفعَ إليها انتشار الظلم والجور، فحلموا بظهور مَن يُطهِّر الأرض مِن رجس الظلم، كما يُريد أن يصوِّرها بعض المغالطين غير المنصفين، ولولا ثبوت (فكرة المهدي) عن النبي على وجهٍ عرفها جميع المسلمين وتشبَّعت في نفوسهم واعتقدوها، لما كان يتمكَّن مُدَّعو المهدية في القرون الأولى كالكيسانية والعباسيين وجملة من العلويين وغيرهم، مِن خدع الناس واستغلال هذه العقيدة فيهم طلباً للملك والسلطان، فجعلوا ادِّعاءهم المهدية الكاذبة طريقاً للتأثير على العامة وبسط نفوذهم عليهم)(٩).
نماذجُ قيِّمَةٌ في بناءِ مرتكزاتِ العقيدة المهدوية المستقيمة وآثارها:
النموذج الأوَّل: دور أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في تحصين المسلمين بعد الانقلاب العقائدي على النبي محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله) - التصحيح والمسار:
من المعلوم تاريخيّاً أنَّ أمير المؤمنين عليًّا (عليه السلام) بعد غصبِ حقّه في خلافة النبي الأكرم محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله) ودفعه عن مقامه الحقّ في تدبير أمر المسلمين وولايتهم، لم يترك دوره كإمامٍ معصومٍ يعمل على حفظ العقيدة الإسلامية الصحيحة والمستقيمة بعد ما واجهت الانحراف الخطير آنذاك، فانبرى جاهداً ومخلصاً لتقديم المشورة والنصح والإرشاد حتَّى لِمَن تقمَّص مقام الخلافة في وقته زوراً وغصباً، سيّما في ما يتعلَّق بوظيفة الإمام العادل من إقامة الحقّ ودفع الباطل ومراعاة أحوال الناس ورفض الظلم والفساد.
فمن خطبة له (عليه السلام) لمّا عزموا على بيعة عثمان، قال:
«لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي، ووَالله لأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً، الْتِمَاساً لأَجْرِ ذَلِكَ وفَضْلِه، وزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوه مِنْ زُخْرُفِه وزِبْرِجِه»(١٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) عقائد الإمامية - الشيخ محمّد رضا المظفّر: ص٧٨، الناشر: انتشارات أنصاريان - إيران - قم المقدّسة.
(١٠) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح: ص١٠٢، الطبعة الأولى - بيروت ١٣٨٧هـ - ١٩٦٧م.

↑صفحة ١٦٥↑

إنَّ الإمام عليًّا بن أبي طالب (عليه السلام) وبوصفه وصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، كان قد بيَّن وجه حقّه في الخلافة، ورغم ما حدث بعد ذلك، فإنَّه (عليه السلام) قد ركَّز على الدور الوظيفي المطلوب منه لو ثُنِيَت له الوسادة في الحكم والإدارة لشؤون الأُمَّة مباشرة، وهو القدر المُتيَقَّن والممكن القيام به من مراعاة مصالح الدين والمسلمين والرعية، ولأنَّ مسار الإمامة المعصومة المنصوصة فيه (عليه السلام) وفي مَن يَعقبه مِن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) باقٍ ومُمتَد ومحفوظٌ في دوره وتكليفه، حتَّى ظهور وقيام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، مهما كان حال الإمام المعصوم مبسوط اليدِ أو غير مبسوطٍ، «ظَاهِراً مَشْهُوراً أو خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ الله وبَيِّنَاته»(١١)، كما عبَّر (عليه السلام) في بعض خطبه.
ويتمثَّل الدور الوظيفي والتكليفي للإمام المعصوم في السعي لإقامة الحقّ أو دفع الباطل، وهو ما عانى منه بُعَيد انقلاب السقيفة المشؤوم، ولذا كان يوجِّه المسلمين والأصحاب في مجمل الأحداث إلى ذلك، ترسيخاً منه لهذا الدور المنشود في العقول والقلوب والسلوك والوعي راهناً واستشرافاً، ووعداً حقّاً وهدفاً قيميّاً حقيقيّاً يتجاوز حدود الزمان والمكان والعنوان والأحوال والأجيال، وكشاهدٍ على هذا المعنى التربوي، ما ورد في نهج البلاغة قَالَ عَبْدُ الله بْنُ عَبَّاسِ (رضي الله عنه): دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِذِي قَارٍ وهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَه فَقَالَ لِي: «مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ»، فَقُلْتُ: لَا قِيمَةَ لَهَا، فَقَالَ (عليه السلام): «والله لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ، إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً»(١٢).
فضلاً عن أنَّه (عليه السلام) قد بيَّن بنفسه للمسلمين سببَ طلبه الحكمَ، ووصفَ الإمامَ الحقّ بما نصّه: «أَيَّتُهَا النُّفُوسُ المُخْتَلِفَةُ والْقُلُوبُ المُتَشَتِّتَةُ، الشَّاهِدَةُ أَبْدَانُهُمْ والْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، أَظْأَرُكُمْ عَلَى الْحَقِّ، وأَنْتُمْ تَنْفِرُونَ عَنْه نُفُورَ المِعْزَى مِنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) نهج البلاغة - خطب الإمام علي (عليه السلام): ج٤، ص٣٧، ح١٤٧.
(١٢) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح: ص٧٦، الطبعة الأولى - بيروت ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧م.

↑صفحة ١٦٦↑

وَعْوَعَةِ الأَسَدِ، هَيْهَاتَ أَنْ أَطْلَعَ بِكُمْ سَرَارَ الْعَدْلِ، أَوْ أُقِيمَ اعْوِجَاجَ الْحَقِّ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ، أَنَّه لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ، ولَا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ، ولَكِنْ لِنَرِدَ المَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ، ونُظْهِرَ الإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ، فَيَأْمَنَ المَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ، وتُقَامَ المُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَنَابَ، وسَمِعَ وأَجَابَ، لَمْ يَسْبِقْنِي إِلَّا رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله) بِالصَّلَاةِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّه لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ، والدِّمَاءِ والمَغَانِمِ والأَحْكَامِ، وإِمَامَةِ المُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ، فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُه، ولَا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِه، ولَا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِه، ولَا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ، ولَا المُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ، فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ، ويَقِفَ بِهَا دُونَ المَقَاطِعِ، ولَا المُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الأُمَّةَ»(١٣).
ومن ضمن ما قام به أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في عملية التصحيح العقائدي بعد أحداث الانقلاب هو توسعة آفاق الوعي وتصعيده استقامةً في الاعتقاد بالإمامة الواجبة المنصوبة مِن الله تعالى إلى ما هو أبعد من رهانات الواقع، لأنَّ الجعل الإلهي لمقام الإمامة الحجّة الحقّة، لا يتبدَّل عمّا هو عليه، ولا يسقط الاعتقاد به، وإن تعذَّر جريانه في وقتٍ ما، بسبب الانحراف أو قلّة الناصر وكثرة الأعداء، وهذا أمرٌ اعتقادي مكين ينبغي وعيه وحفظه فكراً وسلوكا، وهو ما قاله (عليه السلام) في نهج البلاغة في قوله:
«يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ، إِنَّ هَذِه الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا، فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ، اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِله بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ الله وبَيِّنَاتُه، وكَمْ ذَا وأَيْنَ أُولَئِكَ، أُولَئِكَ والله الأَقَلُّونَ عَدَداً، والأَعْظَمُونَ عِنْدَ الله قَدْراً، يَحْفَظُ الله بِهِمْ حُجَجَه وبَيِّنَاتِه حتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ، ويَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ، هَجَمَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح: ص١٨٩، الطبعة الأولى - بيروت ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧م.

↑صفحة ١٦٧↑

بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ واسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَه المُتْرَفُونَ، وأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْه الْجَاهِلُونَ، وصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالمَحَلِّ الأَعْلَى، أُولَئِكَ خُلَفَاءُ الله فِي أَرْضِه والدُّعَاةُ إِلَى دِينِه، آه آه شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ»(١٤).
وللشيخ ابن ميثم البحراني شرحٌ قيِّم على هذا المقطع الشريف مناسبٌ لمحلّ البحثِ ذكرَ فيه (قالت الشيعة: هذا تصريحٌ منه (عليه السلام)، بوجوب الإمامة بين الناس في كلّ زمانٍ ما دام التكليف باقياً، وأنَّ الإمام قائمٌ بحجّة الله على خلقه ويجب بمقتضى حكمته. وهو إمّا أن يكون ظاهراً معروفاً كالذين سبقوا إلى الإحسان ووصلوا إلى المحلّ الأعلى مِن ولده الأحد عشر، وإمّا أن يكون خائفاً مستوراً، لكثرة أعدائه وقلَّة المُخلص من أوليائه كالحجّة المنتظر، لئلَّا يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل)(١٥).
ومن شواهد توسعة آفاق الوعي الاعتقادي المستقيم في شأن الإمامة المعصومة الباقية في كلِّ زمانٍ، هو الإشارة الشخصية الحسية من قبل الإمام علي (عليه السلام) إلى ابنه الإمام الحُسَين (عليه السلام)، ومن سيخرج مِن صلبه، وهو الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، حتَّى يكون ذلك مرتكزاً عقائدياً صحيحاً.
ففي الرواية عن أبي وائل، قال: نظرَ أميرُ المؤمنين (عليه السلام) إلى ابنه الحُسَين فقال: «إنَّ ابني هذا سيّد كما سمّاه رسول الله سيّداً، وسيخرج الله من صلبه رجلاً باسم نبيّكم، فيشبهه في الخَلق والخُلق، يخرج على حين غفلةٍ من الناس، وإماتةٍ من الحق، وإظهارٍ من الجور، والله لو لم يخرج لضرب عنقه، يفرح لخروجه أهل السماء وسكانها، يملأ الأرضَ عدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(١٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح: ص٤٩٧، الطبعة الأولى - بيروت ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧م.
(١٥) شرح نهج البلاغة - كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني المتوفى سنة ٦٧٩ هـ: ج٥، ص٣٢٦.
(١٦) بحار الأنوار - المجلسي: ج٥١، ص١٢٠، الطبعة الثانية المصححة ١٤٠٣هـ.

↑صفحة ١٦٨↑

ثُمّ تأتي التراتبية البيانية البالغة من لدن أمير المؤمنين (عليه السلام) في بناء الاعتقاد الحقّ بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وظهوره الموعود حتماً بعد امتداد الغيبة، وأنَّه من ولده الأئمة المعصومين (عليهم السلام) حصراً، سدّاً للباب أمام الأدعياء والمتقمِّصين والكذّابين في مجمل سلسلة أوقات إمامة المعصومين، وأنَّه (عجَّل الله فرجه) يفرق عن غيره بإتيانه بذخيرة الأنبياء (عليهم السلام)، وهذه إشارة بليغة إلى حقيقة رفع حَيرة وضلالة الأُمم آنذاك، بإقامة الحجّة عليها، وإفحامها بالبيّنات.
وفي المأثور الروائي ورد أنَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): المهدي مِن ولدِي، تكون له غيبةٌ وحَيرةٌ تضل فيها الأُممُ، يأتي بذخيرة الأنبياء (عليهم السلام)، فيملأها عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(١٧).
وأبعدُ من ذلك في مسار التركيز العقائدي المستقيم للعقيدة المهدوية، نلحظ سمةَ تفكّر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) نفسه في المولود المهدي الموعود، وهذا التفكّر في حدِّ ذاته استشراف بعيدُ المدى حتمي التحقق، يُقدِّم لنا صورة من صورة التعلّق الذهني المطلوب بما نذعن به وننتظره ونرقبه، ووفقه يتحدَّد الخيار.
عن الأصبغ ابن نباتة قال: أتيتُ أميرَ المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فوجدته متفكِّراً ينكت في الأرض، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين مالي أراكَ متفكِّراً تنكت في الأرض، أرغبتَ فيها؟ فقال: «لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوماً قط، ولكن فكَّرتُ في مولودٍ يكون مِن ظهري، الحادي عشر مِن ولدِي، هو المهدي يملأها عدلاً، كما مُلِئَت جوراً وظلماً، تكون له حيرة وغيبة، يضلُّ فيها أقوامٌ ويهتدي فيها آخرون»، فقلتُ: يا أمير المؤمنين وإنَّ هذا لكائن؟ فقال: «نعم، كما أنَّه مخلوقٌ، وأنَّى لكَ بالعلم بهذا الأمر يا أصبغ، أولئك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: ص٢٨٧، مؤسسة النشر الإسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (إيران).

↑صفحة ١٦٩↑

 خيار هذه الأُمَّة مع أبرار هذه العترة»، قلتُ: وما يكون بعد ذلك؟ قال: «ثم يفعل اللهُ ما يشاء، فإنَّ له إرادات وغايات ونهايات»(١٨).
النموذج الثاني: دور الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في تحصين الأُمَّة بعد الانقلاب عليه:
إنَّ الأحداث العصيبة التي مرَّ بها الإمام الحَسَنُ (عليه السلام) في مواجهة الطاغية معاوية بن أبي سفيان في فترة خلافته لأبيه الإمام علي (عليه السلام) كإمامٍ معصومٍ ومفترض الطاعة، وما حدث من خذلانٍ كبيرٍ من قادة العسكر والمسلمين، دفعته إلى قبول الصلح والسِلم، كي يحقن دماءَ شيعته من القتل من قبل الضال الباغي معاوية، وهذا القبول في حدِّ نفسه هو حكمةٌ قد جهلها المسلمون، بل حتَّى معظم الأصحاب آنذاك، فعن أبي سعيد عقيصاء قال: قلتُ للحسن بن علي بن أبي طالب: يا بن رسول الله لِمَ داهنت معاوية وصالحته، وقد علمتَ أنَّ الحقَّ لكَ دونه، وأنَّ معاوية ضالٌّ باغٍ؟ قال: «يا أبا سعيد إذا كنتُ إماماً من قِبَل الله (تعالى ذكره) لم يجب أن يُسفَّه رأيي فيما أتيته مِن مهادنة أو محاربة، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته مُلتبساً، ألا ترى الخضرَ (عليه السلام)، لما خرقَ السفينةَ وقتلَ الغلامَ وأقامَ الجدارَ، سخطَ موسى (عليه السلام) فعلَه لاشتباه وجه الحكمة عليه حتَّى أخبره فرضى، هكذا أنا، سخطتم عليَّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه، ولولا ما أتيتُ لَما تُرِكَ من شيعتنا على وجه الأرض أحدٌ إلَّا قُتِل»(١٩).
ورغم ما مرَّ به من محنةٍ ومصاعب في دفعه عن مقامه في الخلافة بعد أبيه (عليه السلام)، إلَّا أنَّه انبرى للتصحيح والتقويم في بنية اعتقاد المسلمين، وما حلَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق، ص٢٨٩، مؤسسة النشر الإسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (إيران).
(١٩) علل الشرائع - الشيخ الصدوق: ج١، ص٢١١، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف الأشرف - ١٣٨٥ هـ ق.

↑صفحة ١٧٠↑

بها من جهلٍ وتجهيلٍ وزيغٍ وتحريفٍ، وبيَّن أسباب صلحه وتركه الحكمَ، وركَّزَ أيضاً على وجه الحكمة في أفعاله كإمام معصوم ومفترض الطاعةِ، لما فيه مصلحة أتباعه وشيعته، بل حتَّى المسلمين، وربطَ ما جرى عليه بعقيدة الإمام المهدي الموعود (عجَّل الله فرجه)، الذي هو الوحيد المُستثنى من أن تكون في عنقه بيعةٌ في مسار المواجهة مع الطغاة.
ففي الرواية لما صالحَ الحَسن بن علي (عليه السلام)، معاويةَ بن أبي سفيان، دخل عليه الناسُ فلامه بعضهم على بيعته، فقال (عليه السلام): «ويحكم ما تدرون ما عملتُ؟ واللهِ الذي عملتُ خيرُ لشيعتي ممّا طلعتَ عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أنَّني إمامكم مفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدَي شباب أهل الجنة بنصٍّ مِن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)»؟ قالوا: بلى، قال: «أما علمتم أنَّ الخضرَ لما خرقَ السفينةَ وقتلَ الغلامَ وأقامَ الجدارَ، كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران (عليه السلام)، إذ خفي عليه وجه الحكمة فيه، وكان ذلك عند الله حكمةً وصواباً، أما علمتم أنَّه ما منّا أحدٌ إلَّا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلَّا القائم الذي يُصلّي روحُ اللهِ عيسى بن مريم خلفه، فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يخفي ولادته، ويغيب شخصه لئلا يكون لأحدٍ في عنقه بيعة، إذا خرج ذاك التاسع مِن ولد أخي الحُسين، ابن سيّدة الإماء يطيل اللهُ عمرَه في غيبته، ثم يُظهره بقدرته في صورة شاب ابن دون أربعين سنة، ذلك ليُعلَم أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قدير»(٢٠).
وكان الإمام الحَسن (عليه السلام) حتَّى في أحلك الظروف الصعبة التي عاشها، يُبيِّن ويرشد إلى أنَّ مسار الظلم والطغيان والفساد والانحراف والضلال والباطل الذي تسبّب في مصالحته وتركه الحكمَ باقٍ حتَّى ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: ٣١٦، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة - إيران.

↑صفحة ١٧١↑

عن زيد بن وهب الجهني قال: لما طُعِنَ الحَسن بن علي (عليهما السلام) بالمدائن أتيته، وهو متوجِّع - فقال -: فكذلك(٢١) حتَّى يبعث اللهُ رجلاً في آخرِ الزمانِ وكلبٍ مِن الدهر، وجهلٍ من الناس، يؤيِّده الله بملائكته، ويعصم أنصاره، وينصره بآياته، ويُظهره على الأرض، حتَّى يدينوا طوعاً وكرهاً: يملأ الأرضَ عدلاً وقسطاً ونوراً وبرهاناً، يدين له عرض البلاد وطولها، حتَّى لا يبقى كافرٌ إلَّا آمن، ولا طالح إلَّا صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتخرج الأرض نبتها، وتنزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز، يملك ما بين الخافقين أربعين عاماً، فطوبى لمن أدركَ أيامه وسمعَ كلامه»(٢٢).
وفي رواية أخرى قال: «فإنَّ الدنيا تسع البرَّ والفاجرَ حتَّى يبعث اللهُ إمامَ الحقّ مِن آلِ محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله)»(٢٣).
وعند النظر في متون بعض الروايات المأثورة، نجد أنَّ الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) يُركِّز على التسلسل الاعتقادي الصحيح والمستقيم في مسار الإمامة المنصوبة المعصومة بنحو عامٍّ رغم أحداث الانقلاب على أبيه، وبنحو خاصٍّ، يعني به نفسَه وأخاه الإمام الحُسَين (عليهما السلام)، ومَن يعقبه مِن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) إشارةٌ إلى ما تقدَّم من حوار بينه (عليه السلام) وبينه زيد بن وهب الجهني (قال: قلتُ: تترك يا ابن رسول الله شيعتك كالغنم ليس لهم راع؟ قال: «وما أصنع يا أخا جهينة؟ إنِّي والله أعلم بأمرٍ قد أُدّي به إليَّ عن ثقاته: إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لي ذات يوم وقد رآني فرحاً: يا حسن أتفرح؟ كيف بك إذا رأيت أباك قتيلاً؟ أم كيف بك إذا ولي هذا الأمر بنو أمية وأميرها الرحب البلعوم الواسع الأعفاج، يأكل ولا يشبع، يموت وليس له في السماء ناصر، ولا في الأرض عاذر، ثم يستولي على غربها وشرقها، تدين له العباد ويطول ملكه، يستن بسنن البدع والضلال، ويُميت الحقَّ وسُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، يقسم المالَ في أهل ولايته، ويمنعه من هو أحقّ به، ويذل في ملكه المؤمنُ ويقوى في سلطانه الفاسقُ، ويجعل المالَ بين أنصاره دولاً، ويتَّخذ عباد الله خولاً، ويدرس في سلطانه الحق، ويظهر الباطل، ويلعن الصالحون، ويقتل مَن ناواه على الحقّ، ويدين من والاه على الباطل»، [انظر - بحار الأنوار - المجلسي: ج٤٤، ص٢٠-٢١، الطبعة الثانية المصححة، ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م - بيروت].
(٢٢) بحار الأنوار - المجلسي: ج٤٤، ص٢٠-٢١، الطبعة الثانية المصححة - ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣م - بيروت.
(٢٣) مقاتل الطالبيين - أبو الفرج الأصفهاني: ٤٤، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف - ١٣٨٥هـ.

↑صفحة ١٧٢↑

صلبه الطاهر وآخرهم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، دفعاً لكلّ مدَّعٍ من بعده لمقام الإمامة الواجبة أو حتَّى مقام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أيضاً، عن الأصبغ قال: سمعتُ الحَسَنَ بن علي يقول: «الأئمةُ بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اثنا عشر، تسعةٌ مِن صلبِ أخي الحُسَين، ومنهم مَهدي هذه الأُمَّة»(٢٤).
إنَّ كلَّ ما يصدر من الإمام المعصوم الإمام الحسن (عليه السلام) أو غيره من بقية المعصومين من أقوالٍ وبياناتٍ، بل حتَّى السلوك، يُمثّل نوعاً من أنواع التربية الاعتقادية الحقّة لأصحابهم وأتباعهم ومَن بلغه ذلك، سواءٌ كان هذا في مقام بيان الأحكام الشرعية أو بيان أصول الدين ومسائلها الضرورية، لأنَّ الأغراض المنشودة من العبادات تهدف إلى تمكين أُسس الاعتقاد السوي في نفس الإنسان المسلم والمؤمن، فضلاً عن أنَّ نفس امتثال العبادات الواجبة هو إقرارٌ وإذعانٌ وتسليمٌ بمجمل الاعتقادات المستقيمة، وهذا الترابط المتبادل أمرٌ واضح ومشهود، يسهم في بناء شخصية المؤمن بقدرٍ كبير.
وسنشير إلى دور الإمام الحُسَين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في مسار التصحيح الاعتقادي بعد هلاك معاوية في المثال الأوَّل من المحور الأوَّل في محلِّه من البحث.
النموذج الثالث: نبذةٌ من أدوار الإمام علي بن الحُسَين والإمام محمّد الباقر والإمام جعفر الصادق (عليهم السلام) في التحصين العقائدي للشيعة في عهد بني أمية الظالمين:
إنَّ جميع الأئمة المعصومين (عليهم السلام) مارسوا دورهم في التبليغ الاعتقادي والشرعي بنحو مترابطٍ ومتداخلٍ في الأغراض والآثار والمعطيات، بحيث كانوا يوظِّفون كلِّ فرصةٍ أو واقعةٍ للتحصين العقائدي والثقافي والسلوكي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) كفاية الأثر - الخزاز القمّي: ص٢٢٣، مطبعة الخيام - قم المقدّسة - ١٤٠١هـ.

↑صفحة ١٧٣↑

العامّ والخاصّ سيّما في عقيدة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من أجل تأمين سلامة الاعتقاد ومساراته ومصاديقه الحقّة عند أصحابهم وأتباعهم وشيعتهم في خضمّ الأحداث الراهنة والقابلة.
فنلحظ هذا المعنى القيّم في تفسير العياشي: إنَّ علي بن الحُسين (عليهما السلام) قرأ آيةَ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ﴾(٢٥)، قال: «واللهِ هُم مُحبينا أهل البيت، يفعل اللهُ ذلك بهم على يدِ رجلٍ منّا، وهو مَهدي هذه الأُمَّة، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لو لم يبقَ مِن الدنيا إلَّا يومٌ لطوَّل الله ذلك اليوم، حتَّى يأتي رجل من عترتي، اسمه اسمي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(٢٦).
وكذلك ورد هذا المعنى التربوي العقائدي الذي يستهدف تحصين بُنية الإيمان والعقول والأفهام والمعرفة الدينية والتصديقية عند الأتباع المؤمنين بإمامة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في زمان غيبته وانتظاره، في الرواية المأثورة قال أبو خالد، قال الإمام علي بن الحُسَين: «ثم تمتد الغيبةُ بوليّ اللهِ (عزَّ وجلَّ) الثاني عشر مِن أوصياء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والأئمة بعده، يا أبا خالد، إنَّ أهل زمانِ غيبته القائلين بإمامته والمُنتظرين لظهوره أفضلُ مَن أهل كلِّ زمانٍ، لأنَّ الله تبارك وتعالى أعطاهم مِن العقول والأفهام والمعرفة، ما صارت به الغيبةُ عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلةِ المجاهدين بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالسيف، أولئك المخلصون حقاً وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله (عزَّ وجلَّ) سراً وجهراً»، وقال علي بن الحُسين (عليهما السلام): «انتظار الفرج مِن أعظم الفرج»(٢٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).
(٢٦) ينابيع المودة لذوي القربى - للشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي: ج٣، ص٢٤٥ - الطبعة الأولى - ١٤١٦هـ ق.
(٢٧) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: ص٣٢٠، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة - إيران.

↑صفحة ١٧٤↑

وأمَّا الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) فهو الآخر كان يوجِّه أصحابه وأتباعه في ما يخصّ قضية الاعتقاد بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إلى الوجهةِ الحقّة الكائنة في وقتها، وينفي عن نفسِه مقامَ صاحب الأمر أو المهدي، ففي الرواية عن عبد الله بن عطاء قال: قلتُ لأبي جعفر (عليه السلام): إنَّ شيعتك بالعراق كثيرون، فواللهِ ما في أهل بيتك مثلك فكيف لا تخرج؟ فقال: «يا عبد الله بن عطاء قد أمكنتَ الحشو من أذنيك، واللهِ ما أنا بصاحبِكم»، قلتُ: فمَن صاحبنا؟ قال: «انظروا مَن تخفى على الناس ولادته فهو صاحبكم»(٢٨).
ولم يقتصر التحصين العقائدي على دفع الشُبهات ومواجهة الانحراف عند بعض المسلمين والأتباع في المسائل والفروع، بل استهدف الحفاظَ على أصل الاعتقاد المهدوي وبُنيته، والناظر في متون بعض الروايات تارةً يرى الانحراف العقائدي يحدث في مسائل وفروع منبثقة عن الأصل، وأخرى يرى الزيغ قد يمسّ الأصل في حدِّ نفسه، كما هو محلّ الشاهد في أنَّ قيام القائم (عجَّل الله فرجه) هل هو من المحتوم أو لا؟ فإنَّ مجرَّد الإيمان الساذج بقيامه دون الجزم والتسليم بحتمية ذلك، يُعرّضه للشكّ والتذبذب، ولذلك بادرَ الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) أحد أصحابه الأجلَّاء، وهو أبو حمزة الثمالي بتوضيح أصل الاعتقاد بقيام القائم المهدي وأنَّه من المحتوم الذي لا تبديل له عند الله، ليجعلَ (عليه السلام) أصحابه على بيِّنةٍ عقائديةٍ سليمةٍ وراشدةٍ، وهذا نوع تحصينٍ مكينٍ وهادفٍ وفاعلٍ في أغراضه، فترسيخ الأصل الاعتقادي في حدِّ نفسه نافعٍ في التحصين في فروعه ومسائله.
فعن أبي حمزة الثمالي، قال: كنتُ عند أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عليه السلام) ذات يوم، فلما تفرَّق مَن كان عنده قال لي: «يا أبا حمزة، مِن المحتوم الذي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: ص٣٢٥، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة - إيران.

↑صفحة ١٧٥↑

لا تبديل له عند الله قيام قائمنا، فمَن شكَّ فيما أقول لقيَ اللهَ سبحانه وهو به كافر وله جاحد»، ثم قال: «بأبي وأُمّي المُسمَّى باسمي، والمُكنّى بكنيتي، السابع من بعدي، بأبي مَن يملأ الأرضَ عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً» - ثم قال: «يا أبا حمزة، مَن أدركه فلم يسلِم له فما سلّم لمحمّدٍ وعليِّ (عليهما السلام)، وقد حرَّم الله عليه الجنة، ومأواه النار وبئس مثوى الظالمين»(٢٩).
وثمة شواهد أخرى أشخصها الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لأصحابه الخُلَّص وأتباعه وشيعته في مسار التحصين والتصحيح والتقويم الذي شملَ بيان وقوع غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وعلَّتها، وحيثيّات انتظاره، وما سيطرأ فيه من شكٍّ في ولادته، وامتحانٍ لشيعته ومجمل ظروف القيام والخروج والفرج، تهدف هذه الشواهد إلى جعل المؤمنين المعتقدين على بيِّنةٍ واعية مِن أمرهم ووظيفتهم في قبال كلّ ما يدركوه من ذلك المُتغيِّر العقائدي الذي سيحدث في سلسلة الزمان والتكليف.
ومن أبرز هذه الشواهد التفصيلية الاستشرافية الهادفة هو ما روي عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله الإمام الصادق (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِلْغُلَامِ غَيْبَةً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ»، قَالَ: قُلْتُ: ولِمَ؟ قَالَ: «يَخَافُ» وأَوْمَأَ بِيَدِه إِلَى بَطْنِه، ثُمَّ قَالَ: «يَا زُرَارَةُ وهُوَ المُنْتَظَرُ وهُوَ الَّذِي يُشَكُّ فِي وِلَادَتِه، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: مَاتَ أَبُوه بِلَا خَلَفٍ، ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: حَمْلٌ، ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّه وُلِدَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيه بِسَنَتَيْنِ وهُوَ المُنْتَظَرُ، غَيْرَ أَنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يُحِبُّ أَنْ يَمْتَحِنَ الشِّيعَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَابُ المُبْطِلُونَ، يَا زُرَارَةُ»، قَالَ: قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ الزَمَانَ أَيَّ شَيْءٍ أَعْمَلُ، قَالَ: «يَا زُرَارَةُ إِذَا أَدْرَكْتَ هَذَا الزَّمَانَ فَادْعُ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) الغيبة - النعماني: ص٨٩، منشورات أنوار الهدى، الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ. ق.

↑صفحة ١٧٦↑

إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي...»(٣٠).
وهناك شواهد روائية أيضاً تشير إلى أنَّ بعض الأصحاب أنفسهم حينما كانوا يشعرون بأنَّهم على غير جادة الاعتقاد الحقّ أو الانحراف والغلو في الأصل أو في بعض مسائل العقيدة المهدوية، يُسارعون بالسؤال والتثبُّت عن صحة اعتقادهم طلباً للهداية والاستقامة والطمأنينة واليقين، وهذا ما يضعنا أمام هذا الخيار الصائب والحكيم استرشاداً في ضرورة التبيِّن والتأكّد من صحة ما نعتقد به ونسلكه، لأنَّ سلامة الاعتقاد من أهمّ الأمور الدينية والأخروية، وعليها يترتّب الجزاء والمصير.
فعن محمد بن إسماعيل بن بزيع عن حيّان السرّاج، قال: سمعتُ السيّد بن محمّد الحميري، يقول: كنتُ أقول بالغلو وأعتقد غيبةَ محمّد بن علي - ابن الحنفية - قد ضللتُ في ذلك زماناً، فمَنّ اللهُ عليَّ بالصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)، وأنقذني به من النار، وهداني إلى سواء الصراط، فسألته بعد ما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها منه أنَّه حجّة اللهِ عليَّ وعلى جميع أهل زمانه، وأنَّه الإمام الذي فرض الله طاعته وأوجب الاقتداء به، فقلتُ له: يا ابن رسول الله قد روي لنا أخبارٌ عن آبائك (عليهم السلام) في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بمَن تقع؟ فقال (عليه السلام): «إنَّ الغيبة ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الأئمة الهُداة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم بالحقّ، بقية الله في الأرض وصاحب الزمان، واللهِ لو بقيَ في غيبته ما بقيَ نوح في قومه لم يخرج من الدنيا، حتَّى يظهر فيملأ الأرضَ قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(٣١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) الكافي - الكليني: ج١، ص٣٣٧، الطبعة الثالثة ١٣٨٨هـ، الناشر: دار الكتب الإسلامية.
(٣١) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: ص٣٣، مؤسسة النشر الإسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (إيران).

↑صفحة ١٧٧↑

النموذج الرابع: ما قام به بقية الأئمة المعصومين (عليهم السلام) من تثبيت العقيدة الإسلامية والمهدوية الحقّة عند الأصحاب والموالين، مواجهةً للانحراف الخطير في عهد بني العبّاس:
نموذجية الإمام الكاظم (عليه السلام):
لقد واجه الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) مجموعةً من الضغوط السياسية والأمنية التعسفية الظالمة من قبل طغاة عصره، بحيث قضى سنينَ طويلةً في السجون تحت الأرض، فضلاً عن مواجهة الفِرَق الملحدة والعقائدية الضالة المنحرفة كالإسماعيلية(٣٢) والفطحية(٣٣) والزنادقة ممّن أنكروا وجودَ الله سبحانه وتوحيده والإمامة الواجبة المنصوصة وغيرها من مسائل أصول الدين، ومثَّلَت هذه تحدّياتٍ كبيرةً له، ولكنّه (عليه السلام) تمكّن مِن ردِّها بمناظراته المشهورة وإفحامها بمنهجه العلمي والمعرفي الرصين، ولا يسع البحث لذكرها، لأنَّها مِن المطوّلات ومفصّلة في بطون الكتب.
وللإمام الكاظم (عليه السلام) أيضاً دورٌ واضحٌ وهادفٌ في تربية أصحابه الخُلَّص من العلماء والفقهاء والمفكّرين، حيث أعدَّهم إعداداً عقائديّاً وشرعيّاً وتربويّاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢) (وإنَّما سُمّوا بذلك لادِّعائهم إمامة إسماعيل بن الإمام جعفر الصادق، وأمّا علَّتهم في النص على إسماعيل فهي أن قالوا: كان إسماعيل أكبر ولد جعفر، وليس يجوز أن ينص على غير الأكبر، قالوا: وقد أجمع مَن خالفنا على أنَّ أبا عبد الله - (عليه السلام) - نص على إسماعيل، غير أنَّهم ادَّعوا أنَّه بدا لله فيه، وهذا قول لا نقبله منهم) [ينظر: الفصول المختارة - الشيخ المفيد: ص٣٠٦، الطبعة الثانية، ١٤١٤هجرية].
(٣٣) الفطحية فرقة قالت: إنَّ الإمام بعد أبي عبد الله - الإمام الصادق - ابنه عبد الله، واعتلوا في ذلك بأنَّه كان أكبر ولد أبي عبد الله، وأنَّ أبا عبد الله (عليه السلام) قال: «الإمامة لا تكون إلَّا في الأكبر مِن ولد الامام»، وإنَّما سُمِّيت بذلك لأنَّ رئيساً لها يُقال له عبد الله بن أفطح، ويقال: إنَّه كان أفطح الرجلين، ويقال: بل كان أفطح الرأس. [يُنظَر: بحار الأنوار - المجلسي: ج٣٧، ص١١، الطبعة الثانية المصححة، ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م - بيروت].

↑صفحة ١٧٨↑

قويماً بدرجةٍ عالية ومكينةٍ كي تأخذ الأجيالُ والمؤسساتُ المعرفية والعلمية من مخزونهم العقائدي والفقهي والأصولي والتفسيري والحديثي.
ومن أبرز هؤلاءِ التلامذة هو علي بن يقطين بن موسى الكوفي البغدادي، وهو ثقة جليلُ القدرِ والمَكانة عند الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، بحيث لثقة الإمام بعدله أجازَ له العمل في وزارة هارون العباسي وحكومته الظالمة، ليخدمَ الصالح العام ويُحافظ على حرمة المؤمنين(٣٤).
وكذلك أعدَّ الإمامُ الكاظم (عليه السلام) يونسَ بن عبد الرحمن، فهو الآخر من خيرة أصحابه وعلّامة زمانه، حتَّى أنَّ الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) كان يُشير إليه في العِلم والفتيا(٣٥).
وفي جانب العقيدة المهدوية والإعداد لها وتحصينها، بيَّن الإمام الكاظم (عليه السلام) مصداقها الحقّ الموعود الُمنتَظَر، وأرسى معالمها الزمنية ووظيفة المؤمنين فيها، وعالج ما يطرأ في أذهان بعض الأصحاب والأتباع من الاشتباه في تحديد مصداق الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) شخصاً ونسباً ووقتاً، ففي الرواية عن يونس بن عبد الرحمن قال: دخلتُ على موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فقلتُ له: يا ابن رسول الله أنتَ القائم بالحقّ؟ فقال: «أنا القائم بالحقّ، ولكن القائم الذي يطهّر الأرضَ من أعداء الله (عزَّ وجلَّ) ويملأها عدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون»، ثم قال: «طوبى لشيعتنا، المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة مِن أعدائنا، أولئك منّا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمةً، ورضينا بهم شيعةً، فطوبى لهم ثم طوبى لهم، وهم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة»(٣٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) يُنظر: الخلاف - الطوسي: ج١، ص٢٢٠.
(٣٥) يُنظر: تحف العقول - ابن شعبة الحراني: ص٤٤٤.
(٣٦) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: ص٣٦١، مؤسسة النشر الإسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (إيران).

↑صفحة ١٧٩↑

إنَّ دور الإمام الكاظم (عليه السلام) في التصدّي العملي والعلاجي في مسار تصحيح الاعتقاد بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كان يستهدف الحفاظَ على بُنية الإمامة المنصوبة الباقية في منظومتها المفاهيمية والتطبيقية العقائدية إماماً بعد إمامٍ، دفعاً للانحراف والخطأ الذي قد يحصل في الإيمان والاتِّباع عند المؤمنين ومَن يليهم من بعدهم بحسب استمرار زمان التكليف والانتظار حتَّى الظهور والقيام بالحقّ بإذن الله سبحانه.
فعن الحسن بن الحسن - في حديثٍ له - قال: قلتُ لأبي الحَسَن موسى - الإمام الكاظم - (عليه السلام): أسألك؟ فقال: «سل إمامَك»، فقلتُ: مَن تعني؟ فإنِّي لا أعرف إماماً غيرك، قال: «هو علي ابني قد نحلته كنيتي»، قلتُ: سيّدي أنقذني من النار، فإنَّ أبا عبد الله (عليه السلام) قال: «إنّكَ أنتَ القائم بهذا الأمر»! قال: «أو لم أكن قائماً»؟ ثم قال: «يا حَسن ما مِن إمامٍ يكون قائماً في أُمّةٍ إلَّا وهو قائمهم، فإذا مضى عنهم، فالذي يليه هو القائم والحجّة حتَّى يغيبَ عنهم، فكلنا قائمٌ، فاصرف جميع ما كنتَ تعاملني به إلى ابني علي، واللهِ، واللهِ ما أنا فعلتُ ذاك به، بل الله فعلَ به ذاك حبّاً»(٣٧).
نموذجية الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام):
لم يكن الإمام الرضا (عليه السلام) بمعزلٍ عن تأثير مختلف الظروف والأحوال السياسية والعقائدية التي عصفت بالأُمَّة في وقت حكومة بني العبّاس، وظهور الفِرَق الضالة التي اتَّخذت من عقيدة المهدوية غطاءً لها لتمرير أهدافها ومصالحها الشخصية، تارةً طمعاً بالجاه والدنيا وأخرى طمعاً بالمال، فضلاً عن غيرها من الأغراض والدوافع.
ومن هذه الفِرَق المنحرفة التي واجهها الإمام الرضا (عليه السلام) وحصّن الأصحاب والأتباع منها، هي فرقة الواقفة التي وقف أصحابها في إمامة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) الغيبة - الطوسي: ص٤١، مؤسسة المعارف الإسلامية، الطبعة المحققة الأولى - ١٤١١هـ. ق.

↑صفحة ١٨٠↑

الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) وقالوا: إنَّه المهدي(٣٨)، وقد تعرَّض الشيخ الطوسي في كتابه (الغيبة) مفصَّلاً إلى مؤسِّسي هذه الفِرقة الضالة وأغراضهم الباطلة ودوافعهم الفاسدة، حيث ذكر أنَّه (روى الثقات أنَّ أوَّل مَن أظهرَ هذا الاعتقادَ علي بن أبي حمزة البطائني وزياد بن مروان القندي وعثمان بن عيسى الرواسي طمعوا في الدنيا، ومالوا إلى حطامها، واستمالوا قوماً فبذلوا لهم شيئاً ممّا اختانوه من الأموال، نحو حمزة بن بزيع وابن المكاري وكرام الخثعمي وأمثالهم - وذكرَ الشيخ الطوسي أيضاً روايةً مسندةً - عن يونس بن عبد الرحمن، قال: مات أبو إبراهيم - الإمام الكاظم - (عليه السلام)، وليس مِن قوّامه أحدٌ إلَّا وعنده المال الكثير، وكان ذلك سبب وقفهم وجحدهم موته، طمعاً في الأموال، كان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، فلمَّا رأيتُ ذلك وتبيَّنتُ الحقَّ وعرفتُ من أمر أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، ما علمتُ، تكلَّمتُ ودعوتُ الناسَ إليه، فبعثا إليَّ وقالا ما يدعوك إلى هذا؟ إن كنتَ تُريدُ المالَ فنحن نُغنيكَ وضمنَّا لي عشرة آلاف دينار، وقالا لي كُفّ فأبيتُ)(٣٩).
ومِن أشدِّ ما واجهه الإمام الرضا (عليه السلام) هو استهداف منظومة الإمامة المنصوصة المعصومة في تراتبيّتها التطبيقية الزمنية والتكليفية، ممّا يُشكِّل خطراً عقائديّاً على الاعتقاد بالمهدوية الموعودة المُنتَظرة مروراً بعقبه، أي ولده الإمام محمّداً الجواد (عليه السلام)، حيث اتَّهم بعض رؤساء فِرقة الواقفة الضّالة الإمامَ الرضا (عليه السلام) بأنَّه ليس بإمام، معلَّلاً ذلك بعقمه، وليس له وَلَد، إلَّا أنَّه (عليه السلام) ردَّه وأقرَّ بإمامة شخصه، وأنَّ اللهَ سبحانه سيرزقه بالولد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨) يُنظَر: غيبة - الطوسي: ص٢٣، مؤسسة المعارف الإسلامية، الطبعة المحققة الأولى - ١٤١١هـ. ق.
(٣٩) الغيبة - الطوسي: ص٦٤، مؤسسة المعارف الإسلامية، الطبعة المحققة الأولى - ١٤١١هـ. ق.

↑صفحة ١٨١↑

ففي الرواية عن عبد الرحمن بن أبي نجران وصفوان بن يحيى قالا: حدَّثنا الحسين بن قياما، وكان مِن رؤساء الواقفة فسألنا أن نستأذن له على الرضا (عليه السلام)، ففعلنا، فلما صار بين يديه قال له: أنتَ إمامٌ؟ قال: «نعم» قال: إنِّي أُشهد اللهَ أنَّك لستَ بإمام، قال: فنكتَ (عليه السلام)، في الأرض طويلاً منكس الرأس، ثم رفع رأسه إليه، فقال له: «ما علمكَ إنِّي لستُ بإمامٍ»؟ قال له: إنّا قد روينا عن أبي عبد الله - الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، إنَّ الإمام لا يكون عقيماً وأنت قد بلغتَ السِنَّ وليس لك ولَد، قال: فنكس رأسه أطول مِن المرّة الأولى، ثم رفع رأسه فقال: «إنِّي أُشهد اللهَ أنَّه لا تمضي الأيام والليالي حتَّى يرزقني اللهُ ولداً منّي»، قال عبد الرحمن بن أبي نجران: فعددنا الشهورَ من الوقت الذي قال، فوهب له أبا جعفر، الإمام محمّد الجواد (عليه السلام) في أقلّ مِن سنةٍ، قال: وكان الحُسين بن قياما هذا واقفاً في الطواف، فنظرَ إليه أبو الحسن الأوَّل (عليه السلام)، فقال: «ما لكَ حيّركَ اللهُ تعالى؟! فوقف عليه بعد الدعوة»(٤٠).
وفي رواية أخرى يتمثَّل فيها ذلك الاستهداف والتشكيك المغرض في منظومة الإمامة الواجبة المنصوصة من قبل بعض رؤساء الواقفة، بشكلٍ يُحاول حرفَ مسار العقيدة المهدوية الحقّة، ومحاولات قطع سلسلتها بتبنّي الوقف والترويج له، كما وقع بعد استشهاد الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) حيث أوهم القائلون بالوقف بعضَ الشيعة بأنَّ الإمام الكاظم لم يمت وأنَّه هو المهدي، فعن إسماعيل بن سهل، قال: حدّثنا بعض أصحابنا وسألني أن أكتم اسمه، قال: كنتُ عند الرضا (عليه السلام)، فدخل عليه علي بن أبي حمزة وابن السرّاج وابن المكاري، فقال له ابن أبي حمزة: ما فعلَ أبوك؟ قال: «مضى»،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) - الشيخ الصدوق: ج٢، ص٢٢٧، ط١، ١٤٠٤هـ - منشورات مؤسسة الأعلمي - بيروت.

↑صفحة ١٨٢↑

قال: مضى موتاً، قال: فقال: «نعم»، قال: فقال: إلى مَن عهدَ؟ قال: «إليَّ»، قال: فأنتَ إمامٌ مُفترَض الطاعة مِن الله؟ قال: «نعم»(٤١).
ورغم جميع التحدِّيات التي واجهها الإمام الرضا (عليه السلام) في حكم بني العبّاس وما حدث معه من محاولات تسلميه ولاية العهد واستغلال ذلك من قبل السلطة لتنفيذ مخططاتها السياسية والعقائدية المعادية لمنهج أئمة أهل البيت المعصومين (عليهم السلام)، إلَّا أنَّه حافظ على مسار العقيدة المهدوية في بيان مصداقها الموعود زمناً ونسباً ودوراً، فعَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام): إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ صَاحِبَ هَذَا الأَمْرِ، وأَنْ يَسُوقَه الله إِلَيْكَ بِغَيْرِ سَيْفٍ، فَقَدْ بُويِعَ لَكَ وضُرِبَتِ الدَّرَاهِمُ بِاسْمِكَ، فَقَالَ: «مَا مِنَّا أَحَدٌ اخْتَلَفَتْ إِلَيْه الْكُتُبُ وأُشِيرَ إِلَيْه بِالأَصَابِعِ وسُئِلَ عَنِ المَسَائِلِ وحُمِلَتْ إِلَيْه الأَمْوَالُ إِلَّا اغْتِيلَ أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِه حتَّى يَبْعَثَ الله لِهَذَا الأَمْرِ غُلَاماً مِنَّا خَفِيَّ الْوِلَادَةِ والمَنْشَأِ غَيْرَ خَفِيٍّ فِي نَسَبِه»(٤٢).
ولم يقف دور بقية الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بعد الإمام الرضا (عليه السلام) إماماً بعد إمامٍ على ضبطِ بوصلة الاستقامة الاعتقادية ومسيرتها في القضية المهدوية، بل استمرّ ذلك حتَّى ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ليضعوا شيعتهم ومواليهم وأتباعهم والمُكلّفين من المؤمنين من بعدهم على جادة الحقّ وبصيرة السلوك والتعاطي السليم والموقف الراشد.
وكعيِّناتٍ مختصرةٍ عن ذلك تحكي دور الإمام محمّد الجواد (عليه السلام) في مسار تحصين العقيدة المهدوية ما روي عن عبد العظيم الحسني، قال: دخلتُ على سيّدي محمّد - الإمام الجواد - بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وأنا أريد أن أسأله عن القائم أهو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١) بحار الأنوار - المجلسي: ج٤٨، ص٢٦٩، الطبعة الثانية المصححة، ١٤٠٣هـ.
(٤٢) الكافي - الكليني: ج١، ص٣٤٢، الطبعة الثالثة ١٣٨٨هـ، الناشر: دار الكتب الإسلامية.

↑صفحة ١٨٣↑

المهدي أو غيره، فابتدائي فقال لي: «يا أبا القاسم إنَّ القائم منّا هو المهدي الذي يجب أن يُنتَظَر في غيبته، ويُطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، والذي بعثَ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) بالنبوة وخصّنا بالإمامة إنَّه لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يومُ واحدُ لطوَّل اللهُ ذلك اليوم حتَّى يخرجَ فيه، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، وإنَّ اللهَ تبارك وتعالى ليصلح له أمره في ليلة، كما أصلح أمرَ كليمه موسى (عليه السلام)، إذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً فرجع وهو رسول نبي»، ثم قال (عليه السلام): «أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج»(٤٣).
وكذلك استمرّ الحال في وقت الإمام علي الهادي (عليه السلام)، حيث بدأت تقترب القضية المهدوية في سلسلة التحصين العقائدي والتبليغ المستقيم من التحقُّق والوقوع في مصداقها المنصوص والموعود، إعداداً للأصحاب والأتباع والموالين وعامة المؤمنين لمرحلةٍ جديدةٍ في مسار الاعتقاد والعمل والتكليف، لم تكن معهودةً في سلسلة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) من قبل، وهذه المرحلة تبدأ بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وغيبتيه الصغرى والكبرى، وإناطة الأمور في التعاطي العقائدي والشرعي والوظيفي إلى الوكلاء الخاصّين ومَن تنطبق عليهم الشرائط التي جعلها الإمام الحَسن العسكري (عليهم السلام) من الفقهاء والعلماء الثقات.
فعن أبي هاشم الجعفري(٤٤) قال: سمعتُ أبا الحَسَن صاحب العسكر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: ص٣٧٣، مؤسسة النشر الإسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (إيران).
(٤٤) أبو هاشم الجعفري (رحمه الله): كان عظيم المنزلة عند الأئمة (عليهم السلام)، شريف القدر، ثقة، روى أبوه عن أبي عبد الله (عليه السلام).
وقال الشيخ (٢٧٨): (داود بن القاسم الجعفري، يكنى أبا هاشم، من أهل بغداد، جليل القدر عظيم المنزلة عند الأئمة (عليهم السلام)، وقد شاهد جماعة منهم الرضا والجواد والهادي والعسكري وصاحب الأمر (عليهم السلام)، وقد روى عنهم كلّهم (عليهم السلام)، وله أخبار ومسائل) [يُنظَر: معجم رجال الحديث - السيّد الخوئي: ج٨، ص١٢٣، ط٥، ١٤١٣ه].

↑صفحة ١٨٤↑

- الإمام علي الهادي - (عليه السلام)، يقول: «الخلف مِن بعدي ابني الحَسَن فكيف لكم بالخلفِ من بعد الخلفِ»؟ فقلتُ: ولِمَ جعلني اللهُ فداك؟ فقال: «لأنَّكم لا ترون شخصه ولا يحلّ لكم ذكره باسمه»، قلتُ: فكيف نذكره؟ قال: «قولوا الحُجّة مِن آلِ محمّدِ (صلّى الله عليه وآله)»(٤٥).
وفي رواية أخرى تشتمل على دور الحُجَّة ووظيفته المُدَّخَرَة (قال الإمام علي الهادي (عليه السلام): «ومِن بعدي الحَسن ابني، فكيف للناس بالخلف من بعده»؟ قال: فقلتُ: وكيف ذاك، يا مولاي؟ قال: «لأنَّه لا يُرى شخصه، ولا يحلّ ذكره باسمه حتَّى يخرج فيملأ الأرضَ قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(٤٦).
وبعد الإمام الحَسَن العسكري (عليه السلام) اكتملت سلسلة الأئمة المعصومين المنصوصين (عليهم السلام) بولادة عقبه الخلف الصالح، الإمام محمّد المهدي (عجَّل الله فرجه)، وأشهدَ أصحابه الخُلَّص على الولادة المباركة وأراهم شخصه الشريف، وفنَّدَ زعمَ مَن قالَ إنَّه ليس له ولد أو عقب، حتَّى أقام الله سبحانه له الحجّة البالغة في الولادة المباركة، تحصيناً للعقيدة المهدوية في مصداقها الحقّ ودورها العظيم المُنتَظَر.
عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري، قال: دخلتُ على أبي محمد الحَسن بن علي - الإمام العسكري - (عليه السلام)، وأنا أريد أن أسأله عن الخلف مِن بعده، فقال لي مُبتدئاً: «يا أحمد بن إسحاق إنَّ الله تبارك وتعالى لم يخل الأرضَ منذ خلق آدم (عليه السلام) ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حُجّة الله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض وبه ينزل الغيث وبه يخرج بركات الأرض»، قال: فقلتُ له: يا بن رسول الله فمَن الإمامُ والخليفةُ بعدك؟ فنهض (عليه السلام)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥) بحار الأنوار - المجلسي: ج٥١، ص١٥٩، الطبعة الثانية المصححة ١٤٠٣هـ.
(٤٦) الأمالي - الصدوق: ص٤١٩، ط١ قم ١٤١٧هـ.

↑صفحة ١٨٥↑

مسرعاً فدخلَ البيتَ، ثم خرج وعلى عاتقه غلامٌ كأنَّ وجهه القمر ليلة البدر من أبناء ثلاثِ سنين، فقال: «يا أحمد بن إسحاق لولا كرامتك على الله (عزَّ وجلَّ) وعلى حججه ما عرضتُ عليك ابني هذا، إنَّه سَمي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكنيّه، الذي يملأ الأرضَ قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(٤٧).
وبذلك قد أبطل الإمامُ الحَسَنُ العسكري مزاعمَ الزبيري(٤٨) الذي قال: إنَّ الإمام العسكري سَيُقتَل ولا يكون له عقب، وأثبت ولادة عقبه وولده الحُجّة، بما يكفل ضمانَ اكتمال سلسلة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في مسار الاستقامة الاعتقادية بهم إماماً بعد إمامٍ، وخاتمهم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
ومرَّ ذكر هذا الدور الاعتقادي الفاعل للإمام الحَسَن العسكري (عليه السلام) في المدخل التمهيدي للبحث.
ثُم بعد ذلك التشييد العقائدي لمرتكز الولادة المقدّسة للحُجّة والإشهاد عليها أناطَ الإمام الحَسن العسكري (عليه السلام) الدورَ في حالِ الغيبة الكبرى إلى الفقهاء الجامعين لشرائط التقوى والعدالة والاجتهاد والاستقامة، ضبطاً للمسار والتكليف في مختلف الأجيال والأحوال والأزمان، وهو ما يُعبّر عنه بالتقليد والأخذ من مراجع الدين الثقات الحقيقيين على مستوى العبادات والمعاملات والوظائف الشرعية في الحوادث والمتغيرات والمستجدات.
فعن أبي محمد - الإمام العسكري (عليه السلام) - أنَّه قال: «فأمّا مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مُطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يُقلّدوه»(٤٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧) الوافي - الفيض الكاشاني: ج٢، ص٣٩٨، منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) العامة - أصفهان.
(٤٨) الزبيري: لقب بعض الأشقياء من ولد الزبير كان في زمان الإمام العسكري (عليه السلام) فهدَّده وقتله الله على يد الخليفة أو غيره، وصحَّفَ بعضهم وقرأ بفتح الزاء وكسر الباء من الزبير بمعنى الداهية كنايةً عن المهتدي العباسي حيث قتله الموالي.
(٤٩) عوائد الأيّام - المحقّق النراقي: ص٥٤٢، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ.

↑صفحة ١٨٦↑

وكذلك صنع الإمامُ المهدي في غيبته الصغرى في إحالة شيعته وأتباعه إلى العلماء الفقهاء الثقات تأميناً على سلامة الاعتقاد وديمومته بوجهٍ مستقيمٍ ومثمر، فعن إسحاق بن يعقوب، قال: سألتُ محمّد بن عثمان العمري (رحمه الله)، أن يوصل لي كتاباً قد سُئِلتُ فيه عن مسائل أشكلَت عليَّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الدار - الإمام الحُجّة - (عليه السلام) -: «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حُجّتي عليكم وأنا حُجّة اللهِ عليكم»(٥٠).
وللشيخ الأعظم مرتضى الأنصاري (طاب ثراه) تعليقٌ قيّم يوضِّح مسارَ تقليد العلماء المجتهدين الثقات ومشروعيّته في شأن فقرة «فإنَّهم حُجّتي عليكم» من هذه الرواية، حيث قال: (فمقتضى التعليل بأنَّهم حُجّة على الناسِ مِن قِبَل الإمام وجوب الأخذِ بفتاويهم أيضاً، لأنَّ المجتهدَ يجب اتِّباعه في كلّ ما يُخبر به سواءٌ كان نفس الحكم الشرعي أو دليله)(٥١).
وبعد تقديم النماذج التاريخية الراشدة من أدوار الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في تحصين العقيدة الإسلامية عامةً والعقيدة المهدوية خاصةً، نجمل البحثَ في محورين:
المحور الأوّل: رفض تسلُّط دولة بني أُمية المنحرفة عقائديّاً، ودور الأئمة (عليهم السلام) في تحديد الوجهة العقائدية المستقيمة ومُعطياتها القويمة:
المثال الأوَّل: الدور الاعتقادي للإمام الحُسَين (عليه السلام) بعد هلاك معاوية بن أبي سفيان:
عند مراجعة النصوص التاريخية يتبيَّن أنَّ الإمام الحُسَين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان قد أعلن رفضه القاطع علناً لاستمرار تسلُّط بني أُميَّة على

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠) الغيبة - الطوسي: ص٢٩٠، مؤسسة المعارف الإسلامية، الطبعة المحققة الأولى، ١٤١١هـ. ق.
(٥١) مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري: ص٢٩٠.

↑صفحة ١٨٧↑

المسلمين مطلقاً وتحريفهم للدّين والاعتقاد على وجه الخصوص، بعد هلاك معاوية اللعين سنة ستين للهجرة وتسليمه الحكمَ من بعده لولده يزيد (لعنه الله)، وذلك في الحوار الذي داره بينه وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان والي المدينة، والذي استدعاه لأخذ البيعة منه ليزيد.
إلَّا أنَّ الإمام الحُسَين (عليه السلام) وبحكم كونه الإمام المعصوم المنصوب المُعيَّن(٥٢) في الأُمَّة من بعد أخيه الإمام الحَسَن (عليه السلام) لم يفتر عن دوره العقائدي في مواصلة تصحيح مسار الانحراف والزيغ في مسألة الخلافة وقيادة المسلمين، وقد قال كلمته الحاسمة أمام والي المدينة بشدّة وصرامةٍ: «إنَّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا يختم الله، ويزيدٌ رجلٌ فاسقٌ شاربُ الخمرِ، قاتل النفس المحرَّمة، مُعلن بالفسق، ومِثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أيّنا أحقّ بالبيعة والخلافة»، ثم خرج (عليه السلام)(٥٣).
وقد صرَّح بهذا الرأي الشيخ باقر شريف القرشي (طاب ثراه)، حيث علَّق على هذا النصّ وذكرَ ما لفظه: (وكان هذا أول إعلان له على الصعيد الرسمي - بعد هلاك معاوية - في رفض البيعة ليزيد، وقد أعلن ذلك في بيت الإمارة ورواق السلطة بدون مبالاةٍ ولا خوف ولا ذعر، لقد جاء تصريحه بالرفض لبيعة يزيد معبّراً عن تصميمه، وتوطين نفسه حتَّى النهاية على التضحية عن سمو مبدأه، وشرف عقيدته، فهو بحكم مواريثه الروحية، وبحكم بيته الذي كان ملتقى لجميع الكمالات الإنسانية كيف يبايع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٢) (وقد صرَّح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالنص على إمامته وإمامة أخيه من قبله بقوله: «ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا»، ودلَّت وصية الحسن (عليه السلام)، إليه على إمامته، كما دلَّت وصية أمير المؤمنين إلى الحسن على إمامته، بحسب ما دلَّت وصية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين على إمامته من بعده) [يُنظَر: الإرشاد - المفيد: ج٢، ص٣٠، تحقيق مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، ط٢، ١٤١٤ه].
(٥٣) بحار الأنوار - المجلسي: ج٤٤، ص٣٢٥، الطبعة الثانية المصححة ١٤٠٣هـ.

↑صفحة ١٨٨↑

يزيدَ الذي هو من عناصر الفسق والفجور، ولو أقرَّه إماماً على المسلمين لساقَ الحياةَ الإسلامية إلى الانهيار والدمار وعصف بالعقيدة الدينية في متاهات سحيقة مِن مجاهل هذه الحياة، وكانت كلمة الحقّ الصارخة التي أعلنها أبو الأحرار قد أحدثت استياءً في نفس مروان بن الحكم، فاندفع يعنّف الوليد بن عتبه ويلومه على إطلاق سراحه - أي الإمام الحُسَين - قائلاً: عصيتني! لا واللهِ لا يمكنك مِثلها مِن نفسِه أبداً)(٥٤).
وبعد إعلان الإمام الحُسَين (عليه السلام) الرفض العملي العلني لبيعة يزيد (لعنه الله) في المدينة وفي أقسى الظروف والأحوال، عملَ على الإجابة على الكتب والمراسلات التي توالت عليه من زعماء الشيعة في الكوفة، والتي تمثَّلت برفضها بيعة يزيد، وطالبت بقدوم الإمام إليها ليتولّى زمام الأمر فيها.
وهذه الإجابة والردود منه (عليه السلام) إنَّما كانت بمثابة تحديد الصراط المستقيم في مصداقه الواقعي والحقّ المتمثِّل بشخصه المعصوم المعروف كإمام بين المسلمين والمؤمنين، في وقتٍ بلغ الانحرافُ فيه أعلى صوره البشعة والقبيحة، حيث تقمَّص الفاسق الفاجر يزيد مقامَ الخلافة وقيادة المسلمين من بعد نكث الوعود التي أُبرمت في مقرّرات الصلح بين الباغي معاوية والإمام الحَسَن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ومنها محلّ الشاهد (وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهدَ إلى أحدٍ مِن بعده عهداً)(٥٥)، وهذا ما دفع الإمام الحُسَين (عليه السلام) للردّ على مكاتبات كبار شيعة الكوفة، حيث ذكرَ (عليه السلام) نصّاً عقائديّاً قطعيّاً يرسم معالمَ شخصية الإمام الحقّ الواجب الاتِّباع والمفترض الطاعة في مقابل الطرف الأموي الذي قدّمَ للمسلمين شخصاً فاسقاً مزيَّفاً فرضَ نفسَه عليهم بالقوّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤) حياة الإمام الحُسَين (عليه السلام) - الشيخ باقر شريف القرشي: ج٢، ٢٥٥، ط١، ١٣٩٥هـ، مطبعة الآداب - النجف الأشرف.
(٥٥) الفصول المهمّة في معرفة الأئمة - ابن الصبّاغ (المالكي): ج٢، ص٧٢٩، ط١، ١٤٢٢هـ.

↑صفحة ١٨٩↑

والتنكيل وشراء الذمم، وقال (عليه السلام): «فلعمري ما الإمامُ إلَّا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحقّ، الحابس نفسه على ذاتِ الله، والسلام»(٥٦).
ومن المعلوم بعد موت معاوية بن أبي سفيان وانتهاء الهدنة أنَّ نهوض الإمام الحُسَين (عليه السلام) بأعباء مقام الإمامة في الأُمَّة وتصدّيه لم يكن طلباً للسلطة أو المنافسة فيها، وإنَّما إظهاراً لحقّه العقائدي والشرعي واستنصاراً بمن دعاه من شيعته على الأعداء.
وقد أوضح الشيخ المفيد (رضوان الله عليه) هذا المرتكز العقائدي الهادف في حَرَاكِ الإمام الُحسَين (عليه السلام) بعد انتهاء الهدنة بموت معاوية، وقال ما نصّه: (فلما مات معاويةُ وانقضت مدّة الهدنة التي كانت تمنع الحسينَ بن علي (عليهما السلام) من الدعوة إلى نفسه، أظهرَ أمرَه بحسب الإمكان، وأبانَ عن حقّه للجاهلين به حالاً بحالٍ، إلى أن اجتمع له في الظاهر الأنصار، فدعا (عليه السلام) إلى الجهاد وشمّر للقتال، وتوجّه بوِلده وأهل بيته مِن حَرمِ الله وحَرمِ رسوله نحو العراق، للاستنصار بمن دعاه مِن شيعته على الأعداء، وقدَّم أمامَه ابن عمه مسلم بن عقيل (رضي الله عنه وأرضاه) للدعوة إلى الله والبيعة له على الجهاد، فبايعه أهل الكوفة على ذلك وعاهدوه، وضمنوا له النصرةَ والنصيحةَ ووثقوا له في ذلك وعاقدوه، ثم لم تطل المدةُ بهم حتَّى نكثوا بيعته وخذلوه وأسلموه، فقُتِل بينهم ولم يمنعوه)(٥٧).
فالإمام الحُسَين (عليه السلام) قد وظَّفَ ظروف الواقع الموضوعي التي مرَّت بها الأُمَّةُ بعد موت معاوية لاستعادة حقّ مقام الإمامة المغصوب في تدبير أمور المسلمين بحسب الإمكان ومناسبة الأحوال من خلال الخروج لطلب الإصلاح في أُمَّة جدّه (صلّى الله عليه وآله) بفعل ما أصابها من انحرافٍ خطيرٍ، ولا يمكن لمثله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٦) الإرشاد - المفيد: ج٢، ص٣٩، تحقيق مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، ط٢، ١٤١٤هـ.
(٥٧) الإرشاد - المفيد: ج٢، ص٣١، تحقيق مؤسسة آل البيت لتحقيق التراث، ط٢، ١٤١٤هـ.

↑صفحة ١٩٠↑

القبول به مهما كلَّفه ذلك من ثمنٍ غالٍ وعزيزٍ، فضلاً عن عمله الرسالي على تثبيت أركان الإمامة الحقّة المجعولة في أئمة أهل البيت المعصومين (عليهم السلام) إماماً بعد إمامٍ حتَّى ظهور وقيام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بالحقّ، فروي عنه أنَّه قال: «منّا اثنا عشر مَهديّاً، أوَّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرُهم التاسع مِن ولدي، وهو القائم بالحقِّ، يحيي اللهُ تعالى به الأرضَ موتها ويظهر به دين الحقّ على الدّين كلّه، ولو كره المشركون، له غيبه يرتد فيها قومٌ ويثبت على الدين فيها آخرون، فيؤذون، فيقال لهم: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، أما أنَّ الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزله المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)»(٥٨).
إنَّ الدوافع والأهداف التي خرجَ من أجلها الإمامُ الحُسَين (عليه السلام) ضدّ الطاغية اللعين يزيد بن معاوية بعد هلاك أبيه ونقضه العهدَ، قد انطلقت من ثوابت عقائدية راسخة ومكينة في حَرَاكِ الإصلاح المنشود، وهي واحدةٌ في سيرة ومسيرة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وخاتمهم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ومن أهم هذه الثوابت.
١ - إنَّ الإمام الحُسَين (عليه السلام) لا يمكن أن يبايعَ يزيدَ الفاسق المعلن بالفجور «ومِثلي لا يبايع مثله»، لأنَّ تكليف الإمام المعصوم يأبى ذلك، وهذا الثابت يُمثّل مشتركاً قيميّاً مدخوراً في مُنتَظَم قيام وظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في وقته، فعن أبي عبد الله الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: «يُبعَث القائم وليس في عنقه بيعةٌ لأحدٍ»(٥٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٨) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) - الشيخ الصدوق: ج١، ص٦٩، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان - الطبعة الأولى - ١٤٠٤هـ.
(٥٩) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: ص٤٨٠، مؤسسة النشر الإسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (إيران).

↑صفحة ١٩١↑

٢ - إحياء معالم الدين ومناصرة الإصلاح وإظهاره على الفساد والظلم وردع محاولات طمس العقيدة الحقّة والشريعة المستقيمة، وهذا ما عبَّر عنه (عليه السلام) في مواضع من خطبه وكلامه، حيث قال: «اللَّهُم إنَّك تعلم أنَّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنري المعالمَ من دينك ونظهر الإصلاحَ في بلادك ويأمن المظلومون من عبادك ويعمل بفرائضك وسُننك وأحكامك، فإن لم تنصرونا وتنصفونا قويَ الظلمةُ عليكم وعملوا في إطفاء نور نبيكم، وحسبنا الله وعليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير»(٦٠).
وكذلك سيكون خروج الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وفق هذه الثوابت العقائدية الراسخة في مسيرة الإصلاح وإقامة العدل ورفض الظلم والفساد في الأرض قاطبةً.
وقد ورد في الرواية ما يناسب هذا المعنى في مقطعٍ عن أبي بصير، عن أبي عبد الله - الإمام جعفر الصادق - (عليه السلام) عن آبائه (صلوات الله عليهم) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) اختارني على جميع الأنبياء، واختار منّي عليّاً وفضّله على جميع الأوصياء، واختار مِن علي الحسنَ والحُسينَ، واختار مِن الحسين الأوصياء مِن ولده، ينفون عن التنزيل تحريفَ الغالين وانتحالَ المُبطلين وتأويل المُضلّين، تاسعهم قائمهم وظاهرهم وهو باطنهم»(٦١).
٣ - إزالة جميع مظاهر التحريف التي طرأت على الدين الإسلامي العزيز، والظلم والفساد والعدوان، وإعادته إلى ما كان عليه في عهدِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أصوله وفروعه وطريقته وواقعه، وقد روى هذا الغرضَ من خروج الإمام الحُسَين (عليه السلام) ابنُ الأثير في كتابه الكامل في التاريخ، حيث ذكرَ ما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠) تحف العقول عن آل الرسول - ابن شعبة الحرّاني: ص٢٣٩، الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ، مؤسسة النشر الإسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (إيران).
(٦١) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: ص٤٨١، مؤسسة النشر الإسلامي (التابعة) لجماعة المدرسين بقم المشرفة (إيران).

↑صفحة ١٩٢↑

نصّه: (ثم أنَّ الحُسين خطبهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيُّها النّاس إنَّ رسول الله [(صلّى الله عليه وآله)] قال مَن رأى سلطاناً جائرا مُستحلاً لحرمِ الله، ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسُنَّةِ رسول الله [(صلّى الله عليه وآله)]، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيِّر ما عليه بفعلٍ ولا قولٍ، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإنَّ هؤلاءِ قد لزموا طاعةَ الشيطان وتركوا طاعةَ الرحمن، وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدودَ واستأثروا بالفيء وأحلّوا حرامَ الله وحرّموا حلالَه، وأنا أحقّ من غيري...»(٦٢).
وهذا أيضاً يُمثِّل دوراً عقائديّاً تصحيحيّاً مُدَّخراً سيقوم به الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في ظهوره وقيامه بالحقّ، ففي الرواية المأثورة عن عبد الله بن عطاء، قال: سألتُ أبا جعفر الباقر (عليه السلام)، فقلتُ: إذا قام القائمُ (عليه السلام) بأيّ سيرةٍ يسير في الناس، فقال: «يهدم ما قبله كما صنع رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله)، ويستأنف الإسلامَ جديداً»(٦٣).
المثال الثاني: أبو مسلم الخراساني(٦٤) ورهانات الظروف الموضوعية آنذاك، وموقف الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) منه:
إنَّ تتبُّع الروايات المأثورة في استظهار تعاطي الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) مع ظروف وقته والأحداث التي عاصرها والمتغيِّرات التي طرأت بعد سقوط

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٢) الكامل في التاريخ - ابن الأثير: ج٤، ص٤٨، ط بيروت، ١٣٨٥هـ.
(٦٣) الغيبة - النعماني: ص٢٣٨، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ. ق.
(٦٤) (أبو مُسلِم عبد الرحمن بن مُسلم الخُرَاساني هو قائد عسكري عباسي من أصل فارسي، كان والياً على خُراسان حتَّى مقتله، تمكَّن من التقرُّب من إبراهيم الإمام إمام الدعوة العباسية الذي أعجب بذكائه وعقله فتدرَّج في الرُّتب وأرسله إلى خراسان حتَّى ولّاه منصبَ كبيرِ دُعاة بني العباس فيها، حيث قام بنشر الدَّعوة وحرَّض بدهاء للإطاحة بالدولة الأموية، وكان الساعد المُهم للخليفة العبّاسي الأوَّل أبي العباس السفاح، إلَّا أنَّه وبعد تولّي الخليفة الثاني أبي جعفر المنصور للخِلافة كان قد تنبَّه لخطر ونفوذ أبي مُسلم وتأثيرِه على الخُراسانيين وما يُمكن أن يقوم به، فدبَّر بدهاء مؤامرة لقتله فقُتل في مجلس الخليفة المنصور في مدينة المدائن من قبل الحُرَّاس في سنة ١٣٧هـ).

↑صفحة ١٩٣↑

دولة بني أُمية، وظهور الرايات السود في خراسان التي دعت إلى الرضا مِن آلِ محمدٍ وموالاة أهل البيت، يقدِّم نظراً واسعاً وسديداً في التثبُّت من الخيارات والعواقب، حيث اشتملت رؤية الإمام الصادق (عليه السلام) على تشخيص دقيق لرهانات الواقع آنذاك، وعدم جدوى القيام في وقتٍ لم يحن الأمرُ فيه بعد، ففي الرواية عن أبي بكر الحضرمي، قال: دخلتُ أنا وأبان على أبي عبد الله - الإمام الصادق (عليه السلام) - وذلك حين ظهرت الرايات السود(٦٥) بخراسان، فقلنا: ما ترى؟ فقال: «اجلسوا في بيوتكم، فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجلٍ - فانهضوا - إلينا بالسلاح»(٦٦).
وفي رواية أخرى عن المُعلّى بن خنيس، قال: ذهبتُ بكتابِ عبد السلام بن نعيم وسدير، وبكتبِ غير واحدٍ إلى أبي عبد الله - الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حين ظهرت المسودة، - أي الرايات السود - قبل أن يظهر ولد العباس بأنّا قد قدّرنا أن يؤولَ هذا الأمرُ إليكَ، فما ترى؟ قال: فضربَ بالكتبِ الأرضَ، ثم قال: «أفٍ أفٍ، ما أنا لهؤلاءِ بإمامٍ، أما يعلمون أنَّه إلى أن يُقتَل السفياني»(٦٧).
ويعني ذلك أنَّ ثمة اتِّجاهات عقائدية وسياسية كانت قد حاولت الضغطَ بأخذِ الشيعة والأتباع والموالين إلى مسارٍ آخر، وتحت شعار الرضا من آلِ محمّدٍ، فلم يقبله الإمامُ جعفر الصادق (عليه السلام) ورفضه رفضاً قاطعاً في خضمّ الأحداث المتسارعة، رغم انتظار الخلاص من تسلُّط دولة بني أُمية الظالمة وقسوتها على الأئمة المعصومين (عليهم السلام) والمعتقدين بإمامتهم، وقيام دولة بني العبّاس، وهذا الاتِّجاه تمثَّل آنذاك في حَرَاكِ أبي مسلم الخراساني الذي خرج

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٥) هي رايات أقبلت من خراسان، ساهمت في إسقاط دولة بني أُمية وقيام دولة بني العبّاس.
(٦٦) الغيبة - النعماني: ص٢٠٣، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ ق.
(٦٧) الوافي - الفيض الكاشاني: ج٢، ص٢٤٧، منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) العامة - أصفهان.

↑صفحة ١٩٤↑

من خراسان، وتسنّم مناصبَ في الدولة، وقد روي في المأثور أنَّه: أرسلَ أبو مسلم المروزي - الخراساني - صاحب الدولة إلى جعفر الصادق (عليه السلام) وقال: إنِّي دعوتُ النّاسَ إلى موالاة أهل البيت، فإن رغبتَ فيه فأنا أبايعكَ، فأجابه: «ما أنتَ مِن رجالي، ولا الزمان زماني»(٦٨).
وكذلك تمثَّل هذا الاتِّجاه في حَرَاكِ أبي سلَمة الخلّال(٦٩)، وما قام به مِن توجيه كتابٍ منه إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حيث أحرقه (عليه السلام) مِن فوره، كجوابٍ قاطعٍ على رفضه لأيّ مسارٍ غير مسار الاستقامة والهُدى والإخلاص، والذي يرى فيه الإمام المعصوم الوجهاتِ الصحيحةَ المحسوبة والمعطيات الدقيقة المنظورة في الخيارات والمواقف والعواقب دون أيّ استعجالٍ أو توظيفٍ اعتقادي غير مطابق للواقع، ففي المأثور أنَّ أبا سلَمة الخلّال وجَّه بالكتب مع رجلٍ مِن مواليهم مِن ساكني الكوفة فبدأ بجعفر بن محمد - الإمام الصادق (عليه السلام) -، فلقيه ليلاً وأعلمه أنَّه رسولُ أبي سلَمة وأنَّ معه كتاباً إليه منه، فقال: «وما أنا وأبو سلمة وهو شيعة لغيري»؟ فقال الرسول: تقرأ الكتابَ وتجيبُ عليه بما رأيتَ، فقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، لخادمه: «قدِّم منّي السراجَ»، فقدّمه فوضع عليه كتابَ أبي سلمة فأحرقه، فقال: ألا تجيبه؟ فقال: «قد رأيتَ الجوابَ»(٧٠).
وللسيّد جعفر مرتضى العاملي (طاب ثراه) تعليقٌ قيِّم على هذا الاتِّجاه وموقف الإمام الصادق (عليه السلام) منه، فذكر ما لفظه: (ومما تجدر الإشارة إليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٨) ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي الحنفي: ج٣، ص١٦١، الناشر: دار الأسوة للطباعة والنشر، ط١.
(٦٩) أبو سلمة الخلاَّل: حفص بن سليمان، نشأ بالكوفة، كان من أبرز الدعاة للعباسيين وكان يتمتَّع بقدرة على الإقناع وموهبة إدارية متميِّزة مكَّنته من النجاح في عمله السرّي ضد الأمويين، استوزره أبو العباس السفاح حين أصبح خليفة، قُتل بعدها بأربعة أشهر سنة اثنتين وثلاثين ومائة هجرية، قيل: قتله أبو مسلم الخراساني غيلة.
(٧٠) عمدة الطالب في أنساب أبي طالب - جمال الدين أحمد بن علي الحسيني المعروف بابن عنبة، المتوفى سنة ٨٢٨هـ: ص١٠٢، ط٢، ١٣٨٠هـ.

↑صفحة ١٩٥↑

هنا، هو ما تقدَّم: مِن رفض الإمام القاطع لعرض كلّ مِن أبي سلمة، وأبي مسلم في جعل الدعوة له، وباسمه، وما ذلك إلَّا لعلمه (عليه السلام) بأنَّ هؤلاءِ ليس لهم مِن هدفٍ، إلَّا الوصول إلى مآربهم من الحكم والسلطان، ثم يتخلَّصون مِن كلّ مَن لا يعودون بحاجة إليه، إذا اعتبروه عقبةً في طريقهم، كما كان الحال في قتلهم أبا مسلم، وسليمان بن كثير، وأبا سلمة وغيرهم، شاهدنا على ذلك جواب الإمام (عليه السلام) لأبي مسلم: «ما أنتَ من رجالي، ولا الزمان زماني» - وكذلك المحاورة التي جرت بينه (عليه السلام)، وبين عبد الله بن الحسن، عندما جاءه كتاب من أبي سلمة مثل كتابه)(٧١).
فالإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لم يعمل من أجل تسلّم السلطة، ولم يقبل مِن أيِّ أحدٍ أن يعمل باسمه آنذاك، لعلمه الواقعي القطعي بعدم توافر الشرائط الموضوعية والزمانية والبشرية لقيام دولة أهل البيت (عليهم السلام) الموعودة في وقته، وأحال ذلك الأمر في النهوض والقيام والتحقّق إلى ظهور وقيام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ممّا جعله يرفض وبشدّة قبول الخلافة وتسلَّمها من خلال الثوّار، سيّما من مسار أبي مسلم الخراساني وأبي سلَمة الخلّال.
فعن الْفَضْلِ الْكَاتِبِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله - الإمام جعفر الصادق - (عليه السلام)، فَأَتَاه كِتَابُ أَبِي مُسْلِمٍ - الخراساني -، فَقَالَ: «لَيْسَ لِكِتَابِكَ جَوَابٌ، اخْرُجْ عَنَّا»، فَجَعَلْنَا يُسَارُّ بَعْضُنَا بَعْضاً، فَقَالَ: «أَيَّ شَيْءٍ تُسَارُّونَ يَا فَضْلُ؟ إِنَّ الله (عَزَّ ذِكْرُه) لَا يَعْجَلُ لِعَجَلَةِ الْعِبَادِ ولإِزَالَةُ جَبَلٍ عَنْ مَوْضِعِه أَيْسَرُ مِنْ زَوَالِ مُلْكٍ لَمْ يَنْقَضِ أَجَلُه»، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ حتَّى بَلَغَ السَّابِعَ مِنْ وُلْدِ فُلَانٍ»، قُلْتُ: فَمَا الْعَلَامَةُ فِيمَا بَيْنَنَا وبَيْنَكَ جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ: «لَا تَبْرَحِ الأَرْضَ يَا فَضْلُ حتَّى يَخْرُجَ السُّفْيَانِيُّ فَإِذَا خَرَجَ السُّفْيَانِيُّ فَأَجِيبُوا إِلَيْنَا - يَقُولُهَا ثَلَاثاً - وهُوَ مِنَ المَحْتُومِ»(٧٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧١) الحياة السياسية للإمام الرضا (عليه السلام) - السيد جعفر مرتضى العاملي: ص٤٩، الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ ق.
(٧٢) الكافي - الكليني: ج٨، ص٢٧٤، الطبعة الثالثة ١٣٨٨هـ، الناشر: دار الكتب الإسلامية.

↑صفحة ١٩٦↑

وممّا تقدَّم من موقف الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في التعاطي مع الاتِّجاهات التي أفرزتها ظروف المرحلة آنذاك، وما قامت به من توظيفٍ للعنوان الاعتقادي الجاذب للشيعة والأتباع سواءٌ أكان باسم الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أم باسم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ينبغي ضرورة التروّي وأخذ الحسبان والتثبّت وفهم رهانات الدعوات والدوافع والآثار قبل أيّ استجابةٍ أو تبنّي لمثل تلك النماذج والدعوات، التي تتكرَّر في كلّ مرحلة من مراحل الضغط وقساوة الأحوال والأزمان، فالتغيير المهدوي الموعود مرهونٌ بأجلٍ مسمَّى في علم الله سبحانه، ووفق مقتضياتٍ إلهية آنية ووضعية تتظافر في ما بينها لإنجاز هذا الدور العالمي الكبير، والذي يشمل في تغييره الأرضَ قاطبةً والبشريةَ كافةً، ولا يقتصر نطاقه على الدين الإسلامي وحده، بل يشمل إصلاح الأديان والإنسان عامةً.
المثال الثالث: الاختلاف العقائدي وضبط مساره وتصويبه وفق رؤية الحقِّ والواقع عند الأئمة المعصومين (عليهم السلام):
إنَّ من أكثر ما عانى منه الأئمة المعصومون المنصوبون (عليهم السلام) هو إنكار حقّهم في مقام الإمامة الواجبة بالجعل الإلهي الحكيم، ودفعهم عن مراتبهم التي رتَّبهم الله تعالى فيها، وهذا في حدِّ ذاته يُمثِّل مُشكلاً اعتقاديّاً يجب معالجته وتصحيحه، وضبطه باتِّجاه بوصلة الحقّ ومصاديقه إماماً بعد إمامٍ، وبنحو الإيمان التام بمجموع الأئمة الاثني عشر قطعاً دون زيادة أو نقصان، وبحسب سلسلة الأزمان والأحوال والقيام والقعود وحيثيّات ذلك من المولاة والبراءة والاتِّباع.
ورغم ما حدث من نكوصٍ وانقلابٍ عقائدي بعد رحيل النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وغصب مقام الإمامة الحقّة للأئمة المعصومين (عليهم السلام) من بعده، إلَّا أنَّ مسيرة الإمامة المعصومة المنصوبة الواجبة استمرَّت في تمثّلها الصادق والواقعي

↑صفحة ١٩٧↑

في أشخاص الأئمة (عليهم السلام) ولم تقف عند نقطة الخلاف والاختلاف، وقد أشرنا إلى ذلك في المدخل التمهيدي، بل واصلت التبليغ والتصحيح والتصويب، حتَّى إحقاق الحقّ ونصرة أهله في خضمّ مواجهة الباطل وأتباعه، وتوجيه المسلمين والمؤمنين نحو وجهتهم المستقيمة في العقيدة والشريعة والسلوك.
فعن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر - الإمام الباقر - (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «إنَّ أقربَ الناسِ إلى الله (عزَّ وجلَّ) وأعلمهم به وأرأفهم بالناس مُحمّد (صلّى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، فادخلوا أين دخلوا وفارقوا مَن فارقوا - عنى بذلك حُسيناً وولده (عليهم السلام) - فإنَّ الحقَّ فيهم، وهم الأوصياء ومنهم الأئمة، فأينما رأيتموهم فاتَّبعوهم، وإن أصبحتم يوماً لا ترون منهم أحداً فاستغيثوا بالله (عزَّ وجلَّ)، وانظروا السُنَّة التي كنتم عليها واتَّبعوها، وأحبّوا مَن كنتم تحبون وأبغضوا مَن كنتم تبغضون، فما أسرع ما يأتيكم الفرج»(٧٣).
فالأئمة المعصومون (عليهم السلام) قد عملوا على تصويب الإيمان بمقام الإمامة الواجبة حتَّى عند مَن يواليهم ويتابعهم، وبيَّنوا لمواليهم أنَّ معرفة الأئمة إنَّما تكون بحسب ما هو مجعول من الله تعالى ورسوله الأكرم، وما هو منصوص عليه، دون تبعيضٍ في ذلك بالإيمان ببعضٍ والجهل والجحود ببعضٍ آخر.
فعن محمّد بن تمام، قال: قلتُ لأبي عبد الله - الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) -: إنَّ فلاناً يقرئك السلامَ ويقول لك: اضمن لي الشفاعةَ، فقال: «أمِن موالينا»؟ قلتُ: نعم، قال: «أمره أرفع مِن ذلك»، قال: قلتُ: إنَّه رجلٌ يوالي عليّاً ولم يعرف من بعده مِن الأوصياء، قال: «ضالٌ»، قلتُ: أقرَّ بالأئمةِ جميعاً وجحدَ الآخرَ، قال: «هو كمن أقرَّ بعيسى وجحدَ بمحمّدٍ، أو أقرَّ بمحمّدٍ وجحدَ بعيسى، نعوذ بالله من جحدَ حُجّةً مِن حججه»(٧٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٣) كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: ص٣٢٨، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة - إيران.
(٧٤) الغيبة للشيخ النعماني: ص١١٢، ح٤، باب٥.

↑صفحة ١٩٨↑

وقد علَّق على ذلك الشيخ الجليل النعماني صاحب كتاب الغيبة على هذه الرواية بما نصّه: فليحذر مَن قرأ هذا الحديثَ وبلغه هذا الكتابُ، أن يجحدَ إماماً مِن الأئمة أو يهلكَ نفسَه بالدخول في حال يكون منزلته فيها منزلة من جحدَ محمّداً أو عيسى (صلّى اللهُ عليهما) نبوتهما(٧٥).
فإذن لا ريب في أنَّ معرفة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) والإيمان بهم يجب أن تكون معرفة تامةً كاملةً من أوَّلهم نصباً وجعلاً في سلسلة مقام الإمامة الواجبة وحتَّى آخرهم وخاتمهم فيها، فمعرفتهم مترابطة في ما بينهم في الاعتقاد والاتِّباع والعمل والموقف، وبذلك تكون الهداية موصلةً إلى المطلوب ومحققّةً للغرض والحكمة، وبخلاف ذلك يطرأ الضلال في الإيمان والزيغ في الاتِّباع.
فعن محمّد بن مسلم، قال: قلتُ لأبي عبد الله - الإمام جعفر الصادق - (عليه السلام): رجلٌ قال: اعرف الأخيرَ مِن الأئمةِ ولا يضرّك أن لا تعرف الأوَّلَ، قال: فقال: «لعن اللهُ هذا، فإنِّي أبغضه ولا أعرفه، وهل يعرفُ الأخيرَ إلَّا بالأوَّل»(٧٦).
المحور الثاني: ويشتمل على ثلاثةٍ أمورٍ:
الأمر الأوَّل: انزلاق بعض أصحاب الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في مسألة التوقيت لظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
من المعلوم بداهةً أنَّ حرص الأئمة المعصومون على نهي أصحابهم عن التوقيت، تجنّباً لمخالفة الواقع وما هو مقدّرٌ في علم الله سبحانه وتعالى من المحو والإثبات بحسب الاعتقاد، ووفق الحكمة والمصلحة ورهانات الظروف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٥) الغيبة - النعماني: ص١١٢، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ. ق.
(٧٦) بحار الأنوار - المجلسي: ج٢٣، ص٩٨، الطبعة الثانية المصححة ١٤٠٣هـ.

↑صفحة ١٩٩↑

والزمان، أو أنَّ الأمر لم يحن وقته بعد كما مرَّ عن بعض الأئمة المعصومين (عليهم السلام) في بيان ذلك وتعاطيه مع أحداث المرحلة التي هو فيها، أو أنَّ عدم التوقيت من لدنهم (عليهم السلام) يدخل في نطاق كتمان الأمر والاحتياط فيه كنوعٍ من التربية العقائدية المكينة، وأيضاً بحكم التخوّف المشروع على شخص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من القتل والذي هو أحد علل غيبته وعدم ظهوره الشريف.
عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلتُ: لهذا الأمر وقتٌ؟ فقال: «كذبَ الوقّاتون، كذبَ الوقّاتون، كذبَ الوقّاتون، إنَّ موسى (عليه السلام) لمّا خرجَ وافداً إلى ربِّه واعدهم ثلاثين يوماً، فلمّا زاده الله (عزَّ وجلَّ) على الثلاثين عشراً، قال قومه: قد أخلفنا موسى، فصنعوا ما صنعوا، فإذا حدَّثناكم الحديثَ فجاء على ما حدَّثناكم فقولوا صدقَ اللهُ، وإذا حدَّثناكم الحديثَ فجاء على خلافِ ما حدَّثناكم به فقولوا صدقَ الله تؤجروا مرتين» - وللفيض الكاشاني على هذه الروايةِ بيانٌ ذكرَ فيه: إنَّما يجيء على خلاف ما حدَّثوا لاطِّلاعهم عليه في كتابِ المحو والإثبات قبل إثبات المحو ومحو الإثبات كما مرَّ تحقيقه، وإنَّما يؤجرون مرتين لإيمانهم بصدقهم أولاً وثباتهم عليه بعد ظهور خلاف ما أخبروا به ثانياً(٧٧).
ومن الدوافع نحو تبنّي التوقيت من قبل بعض المُدَّعين هو القياس المستعجل وتحميل الميول النفسية والفكرية والعقائدية وتطبيقها الخاطئ على مصاديق الدول الظالمة والأنظمة الجائرة التي لا تنسجم مع متطلَّبات الإصلاح والعدالة والحقّ والشرع، ولذا حذَّر الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) الأشخاصَ والاتِّجاهات في وقته، ممّن تبنّوا فكرة التغيير باسم أهل البيت عامةً وباسم الإمام المهدي خاصةً، وبيَّن لهم أنَّ الأمر لم يحن وقته بعد، وأنَّ الزمان غير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٧) الوافي - الفيض الكاشاني: ج٢، ص٤٢٨، منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) العامة - أصفهان.

↑صفحة ٢٠٠↑

الزمان، ونهى عن التوقيت وأمر بتكذيب أصحابه، وأنَّ الرهان على ذلك خسرانٌ مبين، وفعلاً وقعَ ما أنبأ به وحصل ما حصل دون جدوى.
فعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِهْزَمٍ عَنْ أَبِيه عَنْ أَبِي عَبْدِ الله - الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) -، قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَه مُلُوكَ(٧٨) آلِ فُلَانٍ فَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ النَّاسُ مِنِ اسْتِعْجَالِهِمْ لِهَذَا الأَمْرِ، إِنَّ الله لَا يَعْجَلُ لِعَجَلَةِ الْعِبَادِ، إِنَّ لِهَذَا الأَمْرِ غَايَةً يَنْتَهِي إِلَيْهَا، فَلَوْ قَدْ بَلَغُوهَا لَمْ يَسْتَقْدِمُوا سَاعَةً ولَمْ يَسْتَأْخِرُوا»(٧٩).
ووفق منطوق هذه الرواية يظهر أنَّ التوقيت هو نحو استعجال مذموم لأمر اللهِ سبحانه الذي هو أبعد ممّا يتصوَّره العباد في نطاق ظروفهم التي يتحدَّدون بها فيتعجّلون ويهلكون، والله سبحانه لا يربط أمره بأمور العباد ونظرهم وتصورهم، لأنَّ الغاية أبعد وأكبر من أفق ذهن الإنسان المستعجل.
وقد ورد في الرواية النهي عن التوقيت وتكذيب أصحابه، فعن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو عبد الله - الإمام جعفر الصادق - (عليه السلام): «يا محمّد مَن أخبرك عنّا توقيتاً فلا تهابه أن تكذِّبه فإنَّا لا نوقِّت وقتاً»(٨٠).
وفي قبال مسألة التوقيت ومَن يتبنَّاها ينبغي للمعتقدين المُنتظرِين المؤمنين تكذيب أصحاب دعوات وشبهة التوقيت والتطبيق والتسليم لأمر أهل البيت المعصومين (عليهم السلام) وخاتمهم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بشكل مطلق، والانتظار وفق ما حدَّدوه من علامات الظهور والقيام بالحقِّ.
وللشيخ الجليل أبي زينب النعماني صاحب كتاب الغيبة كلامٌ قيّم في شأن مسألة التوقيت والاستعجال والرهان على ذلك دون بصيرة، فقال ما نصّه: (وما ينبغي لعاقلٍ ذي بصيرة أن يطولَ عليه الأمدُ، وأن يستعجلَ أمرَ الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٨) آل فلان: كناية عن بني العبّاس.
(٧٩) الكافي - الكليني: ج١، ص٣٦٩، الطبعة الثالثة ١٣٨٨هـ، الناشر: دار الكتب الإسلامية.
(٨٠) بحار الأنوار - المجلسي: ج٥٣، ص١١٧، الطبعة الثانية المصححة ١٤٠٣هـ.

↑صفحة ٢٠١↑

قبل أوانه وحضور أيامه بلا تغيير، ولذكرا للوقت الذي ذكر أنَّه يظهرَ فيه مع انقضائه، فإنَّ قولهم (عليهم السلام) الذي يروى عنهم في الوقتِ إنَّما هو على جهة التسكين للشيعة والتقريب للأمرِ عليها إذ كانوا قد قالوا: إنَّا لا نوّقت، ومَن روى لكم عنّا توقيتاً فلا تصدقوه، ولا تهابوا أن تكذبوه، ولا تعملوا عليه، وإنَّما شأن المؤمنين أن يدينوا الله بالتسليم لكلّ ما يأتي عن الأئمة (عليهم السلام)، وكانوا أعلم بما قالوا، لأنَّ مَن سلَّم لأمرهم وتيقَّن أنَّه الحقَّ سعدَ به، وسَلَمَ له دينه، ومَن عارضَ وشكّ وناقضَ واقترحَ على الله تعالى واختار منع اقتراحه، وعدم اختياره، ولم يُعطَ مراده وهواه، ولم يرَ ما يحبه، وحصل على الحيرة والضلال والشك والتبلد والتلدد والتنقل من مذهب إلى مذهب، ومن مقالة إلى أخرى وكان عاقبة أمره خسراً)(٨١).
الأمر الثاني: عدم جدوى التوقيت:
إنَّ مسألة التوقيت هي واحدةٌ من جملة المسائل الابتلائية التي تحصل في إطار التعاطي مع العقيدة المهدوية في مختلف الأزمان والأجيال، وثمة عوامل عدَّة تدفع إلى تبنِّيها، منها المعاناة الروحية والنفسية من شدَّة الظروف وقسوتها، وتضيّق الأحوال وانتظار الفرج، وفي خضمّ ذلك تأتي فكرة التوقيت من مُدَّعيها لتسكين النفوس وشدِّها إلى الاعتقاد، فهنا يحصل الخطأ في التطبيق والاشتباه بفعل مقايسة حالٍ ما بحال آخر لم يحن وقته أصلاً، كما في مسألة حدوث أحداثٍ ما في بلدٍ ما مشابهة لما ذكرته روايات العلامات والوقائع والفتن، فيتبنَّى الموقِّت هذه الأحداث ويوظِّفها في مسألة التوقيت بدوافع مختلفة.
فالتوقيت والتطبيق في وقتنا المعاصر وإن صدرَ من كائنٍ مَن كان، أمرٌ مذمومٌ ومُستعجَل لما ورد من نهي عقائدي وشرعي عنه من لدن الأئمة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨١) الغيبة - النعماني: ص١٩٥، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ ق.

↑صفحة ٢٠٢↑

المعصومين (عليهم السلام) وأمرهم بتكذيب الموقّتين، فضلاً عن إخبارهم بأنَّهم لم يوقِّتوا أصلاً، وللزوم أنَّ الموقِّت نفسه يكون شخصاً كاذباً في توقيته، وذلك لوضوح عدم علمه بما في علم الله المكنون، إذ إنَّ وقتَ ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو مِن الغيب المستور بحسب لسان الروايات، أو لأنَّ أي وقتٍ يفرضه هذا الشخص لظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) فهو في معرض البداء الذي تقول به الشيعة الاثنا عشرية، ممّا يجعل إخباره غير صادق وغير مطابق للواقع، هذا فضلاً عن التاريخ والتجارب الماضية والواقع الراهن أو حتَّى القابل هو الآخر يفضح زيف هذه الدعوات والتكهنات والتوقيتات في حال عدم المطابقة.
فعَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ - الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) - يَقُولُ: «يَا ثَابِتُ، إِنَّ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى قَدْ كَانَ وَقَّتَ هَذَا الأَمْرَ فِي السَّبْعِينَ، فَلَمَّا أَنْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ (صَلَوَاتُ الله عَلَيْه) اشْتَدَّ غَضَبُ الله تَعَالَى عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَأَخَّرَه إِلَى أَرْبَعِينَ ومِائَةٍ، فَحَدَّثْنَاكُمْ فَأَذَعْتُمُ الْحَدِيثَ فَكَشَفْتُمْ قِنَاعَ السَّتْرِ(٨٢)، ولَمْ يَجْعَلِ الله لَه بَعْدَ ذَلِكَ وَقْتاً عِنْدَنَا ويَمْحُو الله مَا يَشَاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَه أُمُّ الْكِتَابِ»، قَالَ أَبُو حَمْزَةَ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ أَبَا عَبْدِ الله - الإمام الصادق (عليه السلام) - فَقَالَ: «قَدْ كَانَ كَذَلِكَ»(٨٣).
ومسألة التوقيت ليست بالجديدة في نطاق الأحاسيس النفسية في وقتنا المعاصر، بل كانت معهودة عند أصحاب الأئمة ومواليهم وأتباعهم آنذاك، لأنَّ مرتكز الاعتقاد بالقضية المهدوية والانتظار في الأذهان والنفوس والعقول يدفع باتِّجاه الاستفهام عن الوقت، ولذا نجد بعض الشيعة يسأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن وقت الظهور، والإمام يوجِّه المتلقّي نحو وجهة الحقِّ في الاعتقاد والانتظار والموقف، بعيداً عن استغلال الظروف النفسية والموضوعية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٢) وفي بعض النسخ (قناع السرّ).
(٨٣) الكافي - الكليني: ج١، ص٣٦٨، الطبعة الثالثة ١٣٨٨هـ، الناشر: دار الكتب الإسلامية.

↑صفحة ٢٠٣↑

في التوظيف أو التوقيت للأمر الذي لم يحن وقته بعد، ولا مناص من تكذيب الوقّاتين والتحذير من الاستعجال، فالنجاة في قبال ذلك إنَّما تكون بالتسليم بوصايا الأئمة الأطهار في تحديد وجهة الانتظار والمسار.
في الرواية المأثورة عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله - الإمام الصادق - (عليه السلام) - إِذْ دَخَلَ عَلَيْه مِهْزَمٌ، فَقَالَ لَه: جُعِلْتُ فِدَاكَ أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الأَمْرِ الَّذِي نَنْتَظِرُ مَتَى هُوَ؟ فَقَالَ: «يَا مِهْزَمُ كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ وهَلَكَ المُسْتَعْجِلُونَ ونَجَا المُسَلِّمُونَ»(٨٤).
وللمولى المازندراني شرحٌ على الاستفهام عن وقتِ الظهورِ في منطوق هذه الرواية، فذكر ما لفظه (قوله: أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره متى هو؟ سأله عن تعيين الوقت لظهور هذا الأمر فأجاب (عليه السلام) بأنَّ المُوقِّت له والمُخبِر بأنَّ وقته كذا كاذبٌ، إمَّا لعدم علمه به أو لأنَّ كلَّ وقتٍ فُرِضَ فهو في مَعرض البداء، وبأنَّ المُستعجل لظهوره هالكٌ لعدم رضائه بالقضاء الإلهي والتقدير الأزلي، وبأنَّ المُسلِّم لظهوره والقائل به في وقتٍ ما ناجٍ لاعتقاده بالحقّ مِن وجهين: أحدهما ظهوره، وثانيهما عدم الاستعجال المُستلزم لتفويض الأمر إليه تعالى والرضا بقضائه وتقديره)(٨٥).
وقد حذَّر سماحة المرجع الديني الأعلى السيِّد السيستاني (دامت بركاته) في بعض نصائحه للمؤمنين في عصر الغيبة الكبرى من هذا الانحراف العقائدي الخطير، وذكرَ ما نصّه: (وليحذروا عن مزاعم توقيت الظهور أو ما بمنزلتها أياً كان زاعمها، لما ورد من النهي المؤكَّد عن مثل ذلك وتكذيب مَن ادَّعاه، وتشهد عليه التجارب المتكرِّرة، حيث صدرت هذه المزاعم كثيراً في التاريخ، ثم استبان كذبُها والوهمُ فيها)(٨٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٤) الكافي - الكليني: ج١، ص٣٦٨، الطبعة الثالثة ١٣٨٨هـ، الناشر: دار الكتب الإسلامية.
(٨٥) شرح أصول الكافي - المازندراني: ج٦، ص٣٣٣، ط١، ١٤٢١هـ، بيروت.
(٨٦) مقطع من نصائح سماحته (دام ظلّه) للمؤمنين في عصر غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - موقع مكتب سماحة المرجع الديني الأعلى السيّد علي السيستاني على النت.

↑صفحة ٢٠٤↑

الأمر الثالث: ضرورة الانتظار الراشد ولزوم استقامة الاعتقاد في التعاطي الموضوعي مع الأحداث المتسارعة، وضبط الموقف العملي والشرعي منها:
إنَّ طريقة الانتظار الراشد الواعد هي الطريقة المُثلى في تسكين وتربية النفوس والقلوب في تحديد وجهة التعاطي العقائدي الروحي مع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وإعداد الذات لنصرته والاستجابة عند خروجه، وتسديد العقول والسلوك في التعاطي العملي مع ما يحدث قُبيل ظهوره، بعيداً عن التأثُّر بدعوات التوقيت للظهور والتطبيق للعلامات بما لا محصّل منه ولا ثمرة، ولذلك ركَّز الأئمة الأطهار (عليهم السلام) على أفضلية الانتظار عبادةً وخياراً وسلوكاً في غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)، لأنَّ الاعتقاد والإيمان بشخص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كإمامٍ مُفترَض الطاعة والانتظار يُحقِّق الغرضَ المطلوبَ في حدِّ نفسه، حتَّى وإن لم يدركه الإنسان المُنتَظِر، وهذا مقدارٌ كافٍ بحسب الإمكان في تحقيق المعرفة والتكليف والموقف والجزاء.
فعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: سَأَلَ أَبُو بَصِيرٍ أَبَا عَبْدِ الله - الإمام الصادق - (عليه السلام) وأَنَا أَسْمَعُ، فَقَالَ: تَرَانِي أُدْرِكُ الْقَائِمَ (عليه السلام)، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَصِيرٍ ألَسْتَ تَعْرِفُ إِمَامَكَ»؟ فَقَالَ: إِي والله وأَنْتَ هُوَ، وتَنَاوَلَ يَدَه، فَقَالَ: «والله مَا تُبَالِي يَا أَبَا بَصِيرٍ أَلَّا تَكُونَ مُحْتَبِياً بِسَيْفِكَ فِي ظِلِّ رِوَاقِ الْقَائِمِ (صَلَوَاتُ الله عَلَيْه)»(٨٧).
فالمناط يكمن في عملية الانتظار وحيثيَّاتها المنتجة على مستوى المصلحة الفردية في هذه الحياة الدنيا وحتَّى المصلحة المصيرية في الدار الآخرة، وإن كان الانتظار يستدعي الإعداد النفسي والشخصي للتفاعل مع ما هو مُنتَظَرٌ في الوقوع والتحقّق من ظهور الإمام وقيامه ودوره في نشر العدل والقضاء على الظلم والفساد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٧) الكافي - الكليني: ج١، ص٣٧١، الطبعة الثالثة ١٣٨٨هـ، الناشر: دار الكتب الإسلامية.

↑صفحة ٢٠٥↑

وفي رواية أخرى عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله - الإمام جعفر الصادق - (عليه السلام) - عَنْ قَوْلِ الله تَبَارَكَ وتَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، فَقَالَ: «يَا فُضَيْلُ اعْرِفْ إِمَامَكَ(٨٨) فَإِنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ إِمَامَكَ لَمْ يَضُرَّكَ تَقَدَّمَ هَذَا الأَمْرُ أَوْ تَأَخَّرَ، ومَنْ عَرَفَ إِمَامَه ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ صَاحِبُ هَذَا الأَمْرِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ قَاعِداً فِي عَسْكَرِه لَا بَلْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَعَدَ تَحْتَ لِوَائِه»، قَالَ: وقَالَ: «بَعْضُ أَصْحَابِه بِمَنْزِلَةِ مَنِ اسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله)»(٨٩).
وإذا أراد الإنسانُ المؤمنُ المُنتَظِرَ لإمامِ زمانه الموعود ورجاء قيام دولته الحقّة بالعدل أن يكون مُنتَظِرَاً فعلاً، فعليه أن يعرفَ مفهوم الانتظار نفسه، وما يستبطنه من مقوِّمات فكرية وعملية، لها دورها في مختلف مديات التأثير في تعجيل الفرج والظهور الشريف، فكما أنَّ عبادة الصلاة مثلاً تنهى عن الفحشاءِ والمُنكر، فكذلك عبادة الانتظار تقتضي تركَ كلِّ صورة من صور الظلم والفسادِ ورفض ذلك عملاً وسلوكاً، كما تقتضي عبادة الانتظار أيضاً ترويض النفس على قبول الحقّ والعدل والسعي لإحقاقه ونشره.
وإلى هذا المعنى القيِّم أشار الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره الأمثل، حيث بيَّن أنَّ مفهوم الانتظار يشتمل على حالتين، هما الإحساس بالأزمة والسعي نحو الأحسن، فقال ما نصّه: (الإحساس بالأزمة، والسعي نحو الأحسن هُما مِن الانتظار، فبناءً على ذلك، فإنَّ مسألة انتظار حكومة الحقّ والعدل، أي حكومة الإمام المهدي (عليه السلام) وظهور المصلح العالمي، مركبةٌ في الواقع من عنصرين: عنصر نفي، وعنصر إثبات، فعنصر النفي هو الإحساس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٨) أشار (عليه السلام) إلى أنَّ المراد بالإمام في الآية مَن وجب على الأُمَّة معرفته والتصديق به، وهو إمام كلّ عصر وإلى أنَّ معرفته على وجه يمتاز عن غيره كافية، وإن لم يرَ شخصه ولم يدرك ملازمته، لأنَّ ذلك ممّا لا يجب باتِّفاق الأُمَّة. [يُنظَر: شرح أصول الكافي - المازندراني: ج٦، ص٣٤٢، ط١، ١٤٢١هـ، بيروت].
(٨٩) الكافي - الكليني: ج١، ص٣٧١، الطبعة الثالثة ١٣٨٨هـ، الناشر: دار الكتب الإسلامية.

↑صفحة ٢٠٦↑

بغرابة الوضع الذي يُعانيه المُنتَظِر، وعنصر الإثبات هو طلب الحال الأحسن! وإذا قُدّر لهذين العنصرين أن يَحلّا في روح الإنسان، فإنهما يكونان مدعاة لنوعين من الأعمال وهذان النوعان هما:
١ - ترك كلِّ شكلٍ مِن أشكال التعاون مع أسباب الظلم والفساد، بل عليه أن يقاومها، هذا من جهة.
٢ - بناء الشخصية والتحرك الذاتي وتهيئة الاستعدادات الجسمية والروحية والمادية والمعنوية لظهور تلك الحكومة العالمية الإنسانية، من جهة أخرى.
ولو أمعنا النظر لوجدنا أنَّ هذين النوعين مِن الأعمال هما سببٌ في اليقظة والوعي والبناء الذاتي.
ومع الالتفات إلى مفهوم الانتظار الأصيل، ندرك بصورةٍ جيدةٍ معنى الروايات الواردة في ثواب المُنتظرين وعاقبةِ أمرهم، وعندها نعرف لِم سَمّت الرواياتُ المنتظرين بحقٍّ بأنَّهم بمنزلة من كان مع القائم تحت فسطاطه (عجَّل الله فرجه) أو أنَّهم تحت لوائه، أو أنَّهم كمَن يُقاتل في سبيل الله بين يديه كالمُستَشهِد بين يديه، أو كالمتشحط بدمه!)(٩٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٠) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: ج٦، ص٢٤، طبعة جديدة منقحة مع إضافات.

↑صفحة ٢٠٧↑

العدد ١٩/ رجب / ١٤٤٦ هـ : ٢٠٢٦/٠٦/٠٣ : ١٩ : ٠
: مرتضى علي الحلي
التعليقات:
لا توجد تعليقات.