بسم الله الرحمن الرحيم اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا
البحوث والمقالات

(٩١٣) وضوح العلاقة الوطيدة بين الصبر وانتظار الفرج في النصوص الشريفة

وضوح العلاقة الوطيدة بين الصبر وانتظار الفرج في النصوص الشريفة
 

السيد رياض عبد الأمير الفاضلي
 

إن المتأمّل في النصوص الدينيّة التي تناولت موضوع انتظار الفرج يجد أن الأحاديث الشريفة قرنت الفرج بالصبر، حتى كأنّ الصبر شرطاً لصدق الانتظار وكماله.
فالانتظار الحقيقي ليس حالة من الترقّب السلبيّ أو الأمل بلا شيء، بل هو موقف عمليّ يتطلب ثباتا على المبادئ، وتحملاً للمصاعب، ورفضاً للظلم قدر المستطاع، مع يقين قاطع بأنّ وعد الله آتٍ لا محالة.
لقد وردت في الروايات الكثيرة تأكيدات على أن انتظار الفرج من أفضل الأعمال، ومن أبرزها ما رواه الإمام الصادق (عليه السلام): "أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج" [الغيبة للنعماني، ص٢٠٠].
غير أن هذه الفضيلة لا تتحقق إلا إذا اقترنت بالصبر، إذ إن طول فترة الغيبة وكثرة الابتلاءات التي يمر بها المنتظرون تقتضي تحملًا ومصابرة لا يتزعزع معها الإيمان ولا يهن معها العزم.
وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: "انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله، فإن أحب الأعمال إلى الله عز وجل انتظار الفرج" [الغيبة للطوسي، ص١٧٧]. هنا يتجلى المعنى العميق لانتظار الفرج؛ فهو ليس مجرد انتظار زمني، بل هو استعداد روحي وسلوكي، يثمره الصبر.
ومن دون الصبر، قد يقع المنتظر في اليأس أو الانحراف أو اسقاط ما في النصوص على الواقع، وهذان من أخطر الآفات التي تحبط العمل وتزلزل العقيدة.
واللافت في النصوص أن أكثرها تربط بين الصبر والفرج، بصورة عامّة كما في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، وقوله: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦]. فالصبر ليس مجرد وسيلة لتحمل الشدائد، بل هو المفتاح الذي يفتح أبواب الفرج.
ووردت الاقتران بشكل خاصّ كما روي الإمام علي (عليه السلام): "الصبر مفتاح الفرج" [نهج البلاغة، الحكمة ١٥٣].
وفي الحديث العلويّ الشريف يمكن أن يكون الصبر مفتاح لكلّ شدّة وهو كذلك. ويمكن أن يكون الصبر والتسليم للفرج المراد منه ظهور الامام (عليه السلام) فمن يواجه الصعوبات بثبات، ويقاوم المغريات بحزم، ولا يتزعزع أمام طول الانتظار ينجو.
وفي حديث آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إن هذا الأمر لا يأتيكم إلّا بعد إياس، ولا والله حتى تميّزوا، ولا والله حتى تمحّصوا" الغيبة للطوسي، ص١٧٧.
ومن ذلك يتضح أن الصبر هو السلاح الذي يتسلح به المؤمنون في مواجهة فتن زمن الغيبة وظروفها القاسية؛ إذ قد يعاني المنتظرون من الضغوط الاجتماعية والاقتصاديّة والفكريّة، فلا ينجو إلّا من تحلى بالصبر الممزوج باليقين بالعقائد الحقّة.
ويجدر بالمنتظر أن يكون صبره صبرا إيجابيا، يدفعه إلى العمل الصالح والإصلاح في الأرض، لا صبر العاجز القانع بواقعه الذي لا ينبغي له؛ فلا يبخل المنتظر بمطالعة كتاب الغيبة للنعماني وعيره من كتبنا الروائيّة الأولى مع الرجوع لأهل العلم الأمناء ليستنير بهديهم.
فانتظار الفرج يتطلّب أن يكون المنتظر عنصرا فعالًا في مجتمعه، ساعيا للخير، ناهيا عن المنكر، محافظا على دينه، ملتزما بعهده مع الله ورسوله وأئمّته الأطهار (عليهم السّلام أجمعين).
ويمكن القول إن الصبر هو جوهرة الانتظار وسمت المنتظِر، إنّ النصوص الشريفة بتأكيدها على الصبر أثناء انتظار الفرج إنّما تؤسس لموقف إيماني عميق: أن زمن الغيبة ليس زمن الخمول، بل هو ميدان للابتلاء وصقل النفوس فمن صبر وثبت، كان من الفائزين بفضل الله وكرمه.

البحوث والمقالات : ٢٠٢٦/٠٧/٢٨ : ١٦ : ٠
: السيد رياض الفاضلي
التعليقات:
لا توجد تعليقات.