بسم الله الرحمن الرحيم اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة وليا وحافظا وقائدا وناصرا ودليلا وعينا حتى تسكنه ارضك طوعا وتمتعه فيها طويلا
البحوث والمقالات

(٩١٢) الانتظار علامة التعقّل

الانتظار علامة التعقّل
 

السيد رياض عبد الأمير الفاضلي
 

روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: ".. ولا عقل كالتدبير..".
قال في لسان العرب حرف العين: ".. والعقل: التثبّت في الأمور، والعقل: القلب، والقلب العقل، وسمي العقل عقلاً؛ لأنّه يعقل صاحبه عن التورّط في المهالك أيّ يحبسه، وقيل: العقل هو التمييز الذي به يتميّز الإنسان من سائر الحيوان، ويقال: لفلان قلب عقول، ولسان سؤول، وقلب عقول فهم، وعقل الشيء يعقله عقلاً: فهمه..". وذكر الشيخ المجلسي (رحمه الله تعالى) في ج١ من البحار بيان معنى العقل المراد منه حيث قال: ".. اعلم أن فهم أخبار أبواب العقل يتوقف على بيان ماهية العقل، واختلاف الآراء والمصطلحات فيه. فنقول: إن العقل هو تعقل الأشياء وفهمها في أصل اللغة، واصطلح إطلاقه على أمور:
الأول: هو قوة إدراك الخير والشر والتمييز بينهما، والتمكن من معرفة أسباب الأمور وذوات الأسباب، وما يؤدي إليها وما يمنع منها، والعقل بهذا المعنى مناط التكليف والثواب والعقاب.
الثاني: ملكة وحالة في النفس تدعو إلى اختيار الخير والنفع، واجتناب الشرور والمضار، وبها تقوي النفس على زجر الدواعي الشهوانية والغضبية، والوساوس الشيطانية وهل هذا هو الكامل من الأول أم هو صفة أخرى وحالة مغايرة للأولى؟ يحتملهما، وما يشاهد في أكثر الناس من حكمهم بخيرية بعض الأمور مع عدم إتيانهم بها، وبشريّة بعض الأمور مع كونهم مولعين بها يدل على أن هذه الحالة غير العلم بالخير والشر...".
وقد ورد في القران الكريم آيات كثيرة تبين بعض الأمور التي يقع فيها الإنسان بسبب عدم إعماله لقوّة العقل فسقط في المهالك منها قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
وفي آية أخرى ذكر سبحانه وتعالى إنّ من لا يختار الخير، إنّما يقدم اللهو واللعب ويقابل الواجبات التي أوجبها الله سبحانه وتعالى بالاستهزاء واللهو، ولا يعمل بمقتضى العقل الذي أنعم الله سبحانه وتعالى به عليه، حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨].
وفي آيات أخرى بيّن سبحانه وتعالى أنّ خطابه الذي يذكّر بها عباده، وإن من بتذكر ويقبل التذكير هو من يُعمل عقله، ويسميهم أولوا الألباب وقد ذكرهم في آيات كثيرة، وهم من له لبّ ويتدبّرون عواقب الأمور كما في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
فالعاقل هو من يتدبّر الأمور ويتأمّل في ما تؤول إليه وتنتهي للخير الذي يحكم بحسنه العقل الذي أودعه الله سبحانه وتعالى، والتعقّل هو الزينة التي تجعل من الإنسان خير قدوة، وتجعله من الشاكرين لنعمة الله سبحانه وتعالى، والآية التي ذكرت آنفاً واضح فيها أنّه لا يساوي العاقل بين العالم وغير العالم والعالم هو العاقل الذي يتذكّر إذا ذكّر وينتبه إذا نبّه، وهو من يختار ما فيه الصلاح على غيره.
العاقل هو من يختار الطاعة ويقترب منها؛ لأنّه يعمل بحكم العقل الذي يقضي بأنّ الله سبحانه وتعالى أعلم بمصلحته منه، و العاقل هو من يجتنب المعصية؛ لأنّه يعمل وفق ما يحكم به العقل من قبح المعصية فلا يقدم على المعصية وإن وقعت منه فالندب لا يفارقه ويبادر للتوبة من الذنب الذي اقترفه.
والعاقل له علامات تميّزه ويستدلّ بها على عقل من خلال ما ورد في تحف العقول: قال النبي (صلّى الله عليه وآله): "..صفة العاقل أن يحلم عمّن جهل عليه ويتجاوز عمّن ظلمه، ويتواضع لمن هو دونه، ويسابق من فوقه في طلب البرّ، وإذا أراد أن يتكلّم تدبّر فإنّ كان خيراً تكلم فغنم وإن كان شراً سكت فسلم، وإذا عرضت له فتنة استعصم بالله، وأمسك يده ولسانه، وإذا رأى فضيلة انتهز بها، لا يفارقه الحياء، ولا يبدو منه الحرص، فتلك عشر خصال يعرف بها العاقل. وصفة الجاهل أن يظلم من خالطه، ويتعدّى على من هو دونه ويتطاول على من هو فوقه، كلامه بغير تدبّر إن تكلّم أثم وإن سكت سها، وإن عرضت له فتنة سارع إليها فأردته، وإن رأى فضيلة أعرض وأبطأ عنها، لا يخاف ذنوبه القديمة، ولا يرتدع فيما بقي من عمره من الذنوب، يتوانى عن البرّ ويبطئ عنه، غير مكترث لما فاته من ذلك أو ضيعه، فتلك عشر خصال من صفة الجاهل الذي حُرم العقل..".

وهذا الحديث الشريف قد ذكر فيه سيد الرسل (صلى الله عليه وآله) ما نعرف به عقل العاقل، وما نعرف به الجاهل.
وأيّ عاقل لا يختار الانتظار لإمام الزمان (سلام الله عليه) بعد أن عرف ما ورد بحقه من فضل، والخير كلّه بيده (سلام الله تعالى عليه)؟

البحوث والمقالات : ٢٠٢٦/٠٧/٢٨ : ١٨ : ٠
: السيد رياض الفاضلي
التعليقات:
لا توجد تعليقات.