فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب أخرى

الكتب ابتلاءات الأمم

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: سعيد أيوب تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٨ المشاهدات المشاهدات: ٥٧٨٥ التعليقات التعليقات: ٠

ابتلاءات الأمم
تأملات في الطريق إلى المسيح الدجال والمهدي المنتظر في اليهودية والمسيحية والإسلام

تأليف: سعيد أيوب

فهرس المطالب

دعاء
المدخل
المقدمات والنتائج الحقيقة
الحجة والأروقة المتصدعة (اليهود والطريق إلى الدجال)
المسيح عليه السلام وأعمدة الأروقة المتصدعة
وجاء الحق
الطريق إلى المهدي عليه السلام

دعاء

اللهم لا تعذب عينا تنظر إلى علوم تدل عليك
ولا يدا تكتب في سبيلك
ولا لسانا يخبر عنك
ولا قدما تمشي في خدمتك
سيدي. بعزتك وجلالك لا تدخلني النار
سيدي. لا تدخلني النار. وجميع من قال آمين

المدخل
المقدمات والنتائج الحقيقية

إن للتاريخ حركة. ولمعرفة الحاضر معرفة حقيقية يجب التنقيب في أوراق الماضي. ثم ترتب المعلومات على امتداد الرحلة لاستنتاج المجهولات، والذي فطرت العقول عليه هو أن تستعمل مقدمات حقيقية يقينية لاستنتاج المعلومات التصديقية الواقعية، فالحاضر لا يمكنه الوقوف على حقيقة إلا بالرجوع القهقرى. وبتحليل الحوادث التاريخية للحصول على أصول القضايا وأعراقها. فعند الأصول ترى النتيجة على مرآة المقدمة، ولأن حركة التاريخ على صفحتها الصالح والطالح ويصنع أحداثها المحسن والمسيء. فلا بد من تحديد الدوائر والخطوط بدقة ليظهر أصحاب كل طريق، وظهور هؤلاء على صفحة الحاضر لا يتحقق إلا بعرض حركتهم في أحداث الماضي على قاعدة العلم، ولأن التشريع الديني والتقنين الإلهي هو الذي بني على علم فقط دون غيره، فلا بد من عرض الحركة البشرية على هذا التشريع والتقنين، فعلى قاعدة العلم تظهر حقيقة العمل، والقرآن الكريم قارن العلم بالعمل لتظهر الحقيقة عند المقدمة. ولا يحدث الالتباس أمام الباحث عند النتيجة.
ولكي تحصل على الحقيقة فلا بد من النظر في المقدمة الأزلية التي عندها بدأ الخلق، فعند هذه المقدمة نرى العلم الذي عليه حددت الحركة، وبعد النظر في المقدمة الأزلية نتدفق على المسيرة البشرية، لنبحث عن استقامة الفكر والحركة. وخلوصهما من شوائب الأوهام الحيوانية والإلقاءات الشيطانية.
١ - [حجة الفطرة]
للإنسان مهمة. ومهمته عبادة الله تعالى. قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)(١) والمعنى: أي إنما خلقتهم لأمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم(٢). وحقيقة العبادة نصب العبد نفسه في مقام الذلة والعبودية وتوجيه وجهه إلى مقام ربه(٣). ولأن العبادة هي الغرض الأقصى من الخلقة. جهز الله تعالى الإنسان بالفطرة وجعل ينبوع دينه سبحانه فطرة الإنسان نفسه، وقضى تعالى بأن تكون الفطرة ضمن النسيج الإنساني لا تتبدل ولا تتغير أبدا، لتكون حجة بذاتها على الإنسان يوم القيامة، وينبوع الدين في الفطرة يشهد به قوله تعالى: (وإذ أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا. أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين)(٤). قال المفسرون: إجتمعوا هناك جميعا وهم فرادى، فأراهم الله ذواتهم المتعلقة بربهم، وأشهدهم على أنفسهم (ألست بربكم).
وهو خطاب حقيقي لهم وتكليم إلهي لهم. وهم يفهمون مما يشاهدون أن الله سبحانه يريد منهم الاعتراف وإعطاء الموثق (قالوا بلى شهدنا).
وأعطوه الاقرار بالربوبية. فتمت له سبحانه الحجة عليهم يوم القيامة.
وإن كانوا في نشأة الدنيا على غفلة إلا أنهم إذا كان يوم البعث عادوا إلى مشاهدتهم ومعاينتهم وذكروا ما جرى بينهم وبين ربهم، ولو لم يفعل الله تعالى هذا ولم يشهد كل فرد على نفسه. لأقاموا جميعا الحجة عليه يوم القيامة. بأنهم كانوا غافلين في الدنيا عن ربوبيته. ولا تكليف على غافل ولا مؤاخذة(٥).
فعلى هذه الفطرة يولد الإنسان. قال رسول الله (ص) " كل مولود يولد على الفطرة " يعني على المعرفة بأن الله عز وجل خالقه(٦) ولما كانت المعرفة قد ثبتت عند المقدمة ونسي الإنسان الموقف في الدنيا وسيذكره في الآخرة، فإن الله سبحانه قد أقام على الإنسان الحجج في الدنيا لقوله على ما ثبت عند المقدمة. وتكون زادا له في سلوكه نحو الآخرة. ومن هذه الحجج ما هو ضمن النسيج الإنساني. قال تعالى:
(ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين)(٧) قال في الميزان: أي جهزنا الإنسان في بدنه بما يبصر به فيحصل له العلم بالمرئيات على سعة نطاقها، وجعلنا له لسانا وشفتين يستعين بهما على التكلم والدلالة على ما في ضميره من العلم، وعلمناه طريق الخير وطريق الشر بإلهام منا فهو يعرف الخير ويميزه من الشر. قال تعالى:
(ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)(٨). قال في الميزان: أي إنه تعالى عرف الإنسان صفة فعله من تقوى أو فجور، وميز له ما هو تقوى مما هو فجور(٩).
ومن هذه الحجج أيضا ما هو تحت سقف الكون الواسع.
وجميعها تدعو الإنسان للتقوى في التفكر والتذكر والتعقل للحصول على استقامة الفكر وإصابة العلم. قال تعالى: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه)(١٠).
إن للإنسان هدف وغاية. وكليات دين الله موجودة في فطرة الإنسان. ولا تبدل الفطرة أبدا لأنها حجة بذاتها وإنما يخطئ الإنسان في استعمالها، وعدم الانتباه إلى نداءات الفطرة يؤدي إلى فساد دين الإنسان الفطري. وعندما يفسد الدين لا تتعادل القوى الحسية الداخلية للإنسان. وينتج عن هذا أنه يتبع في عقيدته ما يزينه له الشيطان في الخارج.
٢ - [الهداية وأصول الاختلاف]
ركب الله تعالى في الإنسان السمع والبصر والفؤاد، ومن هذا التركيب نشأ فيه قوة الادراك والفكر وبهما يستحضر الإنسان ما هو ظاهر عنده من الحوادث. ويستقرئ ما كان لينطلق إلى ما سيكون. ولأن الإنسان ذو شعور وإرادة. فإن الله تعالى هيا له وجود يقبل الارتباط معه ويستطيع الانتفاع به، قال تعالى: (خلق لكم ما في الأرض جميعا)(١١).
وقال: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض)(١٢). إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بكون الأشياء مسخرة للإنسان.
وبعد قيام الإنسان بواجب الخلافة عند الله في الأرض. واجهت الفطرة أول اختلاف لها على الأرض. ومنشأ هذا الخلاف أن الإنسان موجود اجتماعي. وجد ليساير الأفراد من نوعه يريدون منه ما يريده منهم. ولما كان في الإنسان القوي والضيف والمريض إلى غير ذلك.
ونظرا لتعارض المصالح بين هذا وذاك. ظهر الاختلاف في الأغراض والمقاصد والآمال. وجاء الاختلاف في المعاش وهو الذي يرجع إلى الدعاوى وينقسم به الناس إلى مدع ومدعى عليه. وظالم ومظلوم ومتعد ومتعدى عليه وآخذ بحقه وضائع حقه.
ولأن الإنسان بحسب طبعه وفطرته سائر نحو الاختلاف في المعاش على أرضية الاجتماع المدني. ولأن الفطرة هي الهادية إلى الاختلاف نظرا لتعدد الأغراض وتعدد الأشياء التي سخرها الله للإنسان.
فإنها لم تتمكن من رفع الاختلاف. وكيف تدفع شيء ما تجذبه إليه نفسها. ولأن الفطرة لا تستطيع أن تقدم تشريع يكون على عاتق الناس.
وتأمرهم بإتيان أمور هي الواجبات وما في حكمها وتنهاهم عن أمور هي المحرمات وما في حكمها. استدعى ذلك وضع قوانين إلهية ترفع الاختلافات والمشاجرات في لوازم الحياة. فرفع الله سبحانه هذا الاختلاف بالنبوة والتشريع.
فالاختلاف الأول في أمر الدنيا فطري. وكان سببا لتشريع الدين.
ليكون الدين الإلهي هو السبب الوحيد لسعادة هذا النوع الإنساني والمصلح لأمر حياته. يصلح الفطرة بالفطرة ويعدل قواها المختلفة عند طغيانها. وينظم للإنسان مسلك حياته، ووضع الله سبحانه ما شرع من الشرائع والقوانين على أساس التوحيد. لأن التوحيد هو الحصن الحصين الذي يحفظ الإنسان من الخطأ والزلة، ومن أساس التوحيد بنى الدين أسلوبه الاجتماعي وقوانينه الجارية على أعمدة الأخلاق. ومن هذا الحصن يعرف الناس ما هو حقيقة أمرهم من مبدئهم إلى معادهم ليسلكوا في هذه الدنيا حياة تنفعهم في غد، ويعملون في العاجل ما يعيشون به في الآجل، وليعلموا أن التشريع الديني والتقنين الإلهي هو الذي بنى على علم فقط دون غيره، قال تعالى: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (سورة يوسف آية ٤٠).
وإصلاح الفطرة بالفطرة وتعديل قواها المختلفة عند طغيانها، إصلاح وتعديل داخل في الصنع والإيجاد. قال تعالى: (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (سورة طه آية ٥٥) قال في الميزان: بين أن من شأنه وأمره تعالى أن يهدي كل شيء إلى ما يتم به خلقه، ومن تمام خلقة الإنسان أن يهتدي إلى كمال وجوده في الدنيا والآخرة. وقال تعالى: (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا) (سورة الإسراء آية ٢٠) وهذه الآية تفيد أن شأنه تعالى هو الامداد بالعطاء يمد كل من يحتاج إلى إمداده في طريق حياته ووجوده ويعطيه ما يستحقه. وإن عطائه غير محذور ولا ممنوع من قبله تعالى. ومن المعلوم أن الإنسان غير متمكن من تتميم هذه النقيصة من قبل نفسه. فإن فطرته هي المؤدية إلى هذه النقيصة. فكيف يقدر على تتميمها وتسوية طريق السعادة والكمال في حياته الاجتماعية. وإذا كانت الطبيعة الإنسانية هي المؤدية إلى هذا الاختلاف العائق للإنسان عن الوصول إلى كماله. وهي قاصرة عن تدارك ما أدت إليه وإصلاح ما أفسدته فالإصلاح - لو كان - يجب أن يكون من جهة غير جهة الطبيعة. وهي الجهة الإلهية التي تأتي عن طريق النبوة بالوحي. والخلاصة: إن نوع الإنسان مستخدم بالطبع. وهذا الاستخدام الفطري يؤديه إلى الاجتماع المدني وإلى الاختلاف في جميع شؤون حياته. ويقضي التكوين والإيجاد رفع هذا الاختلاف وما يترتب عليه. ولا يرتفع إلا بقوانين تصلح الحياة الاجتماعية برفع الاختلاف عنها، وهداية الإنسان إلى كماله وسعادته يتحقق بأحد أمرين: إما بفطرته وإما بأمر ورائه، لكن الفطرة غير كافية فإنها هي المؤدية إلى الاختلاف في المعاش، فوجب أن تكون الهداية من غير طريق الفطرة والطبيعة. وهو التفهيم الإلهي المسمى بالنبوة والوحي(١٣).
وبعد نزول التشريع الإلهي. جاء الاختلاف الثاني. وهو الاختلاف في الدين. فعندما أصلحت الأمور ببعث النبيين وإرسال المرسلين. وظهر الانذار والتبشير والثواب والعقاب، جاء الاختلاف في معارف الدين أو أمور يوم القيامة، وترتب على هذا الاختلاف اختلال أمر الوحدة الدينية. وظهرت الفرق والأحزاب وتبع ذلك الاختلاف غيره، ولم يكن هذا الاختلاف الثاني إلا بغيا من الذين جاءهم النبيين بالكتاب ظلما وعتوا منهم. بعد ما تبين لهم أصول الدين ومعارفه وتمت عليهم الحجة.
وعلى هذا فإن المسيرة البشرية عصف بها اختلافان: اختلاف فطري في المعاش وأمور الحياة. ورفع هذا الاختلاف بالدين. ثم اختلاف في نفس الدين. وهذا الاختلاف أوجده العلماء ويستند إلى البغي. وفي هذين الاختلافين يقول تعالى: (كان الناس أمة واحدة. فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس في ما إختلفوا فيه. وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه) (سورة البقرة آية ٢١٣) قال في الميزان:
ذكر البعض أن المراد بالآية أن الناس كانوا أمة واحدة على الهداية. لأن الاختلاف أنما ظهر بعد نزول الكتاب بغيا بينهم، وقد غفل هذا القائل عن أن الآية تثبت اختلافين اثنين لا اختلافا واحدا. وعن أن الناس لو كانوا على الهداية فإنها واحدة من غير اختلاف. فما هو الموجب بل ما هو المجوز لبعث الأنبياء وإنزال الكتاب. وحملهم على البغي بالاختلاف وإشاعة الفساد؟ وذكر آخرون: أن المراد بالآية: أن الناس كانوا أمة واحدة على الضلالة. إذ لولاها لم يكن وجه لترتيب قوله تعالى: (فبعث الله النبيين.. الآية). وقد غفل هذا القائل عن أن الله سبحانه يذكر أن هذا الضلال الذي ذكره. وهو الذي أشار إليه بقوله سبحانه: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه.. الآية). إنما نشأ عن سوء سريرة علماء الدين بعد نزول الكتاب وبيان آياته للناس، فلو كانوا على الضلالة قبل البعث والإنزال وهي ضلالة الكفر والنفاق والفجور والمعاصي، فما المصحح لنسبة ذلك إلى علماء الدين؟(١٤).
ويقول صاحب الميزان: قوله تعالى: (وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) هو اختلاف سابق على الكتاب والمختلفون بهذا الاختلاف هم الناس، وقوله تعالى (وما اختلف فيه) أي في الكتاب (إلا الذين أوتوه) أي الذين حملوه، وهذا الاختلاف لاحق بالكتاب متأخر عن نزوله. والمختلفون بهذا الاختلاف حملته دون جميع الناس، فأحد الاختلافين غير الآخر أحدهما اختلاف عن بغي وعلم والآخر بخلافه(١٥).
فالأنبياء والرسل عليهم السلام بعد نزول الكتاب. أقاموا الحجة وشيدوا بناء الوحدة الدينية. ولأن دين الله واحد لا غير ولا تدعو النبوة إلا إليه. فإن الناس إذا كذبوا أحد الأنبياء فقد كذبوا كل الأنبياء في الحقيقة، ولما كان التشريع الديني والتقنين الإلهي يحتاج إلى بيان من الأنبياء والرسل عليهم السلام. فإن الله أيدهم بالعصمة وصانهم من الخطأ والغفلة في تلقي الوحي من الله وحفظه وتبليغه، وقد دل القرآن الكريم على عصمتهم عليهم السلام في قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) (سورة النساء آية ٦٤) وكما قطع الله تعالى عذر الناس بميثاق الفطرة قطعه أيضا بإرسال الرسل. فقال تعالى: (رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) (سورة النساء آية ١٦٥) وفي الآية إشارة إلى عصمتهم عليهم السلام. لأن من المعلوم أن قطع الرسل عذر الناس ورفعهم لحاجتهم. إنما يصح إذا لم يتحقق في ناحيتهم ما لا يوافق إرادة الله ورضاه. من قول أو فعل وخطأ أو معصية. وإلا كان للناس أن يتمسكوا به. ويحتجوا على ربهم سبحانه.
وبعد إقامة الحجة بواسطة الأنبياء والرسل. جاء الاختلاف في الدين من الذين أوتوه بغيا بينهم. والاختلاف في الدين يخالف الفطرة الإنسانية. ولقد أمر الله تعالى العلماء أن يبينوا الحق وينشروا علمهم بين الناس. وتوعد سبحانه الذين يكتمون ما أنزل الله. قال تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا) (سورة البقرة آية ١٥٩).
قال في الميزان: أفاد أن كتمانهم إنما هو بعد البيان والتبيين للناس لا لهم فقط. وذلك أن التبيين لكل شخص. إنما يكون باتصال الخبر إلى بعض الناس من غير واسطة وإلى بعض آخرين بواسطتهم بتبليغ الحاضر الغائب والعالم الجاهل، فالعالم يعد من وسائط البلاغ وأدواته كاللسان والكلام، وكتمان العالم علمه هو كتمان للعلم عن الناس بعد أن بينه الله لهم، ولقد عد الله تعالى هذا سببا لاختلاف الناس في الدين وتفرقهم.. وأفاد القرآن أن الاختلاف فيما يشتمل عليه الكتاب، إنما هو ناشئ عن بغي العلماء الحاملين له. فالاختلافات الدينية والانحراف عن جادة الصواب. معلول ببغي العلماء بالإخفاء والتأويل والتحريف وظلمهم. حتى أن الله عرف الظلم بذلك يوم القيامة. فقال: (وأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا) (سورة الأعراف آية ٤٤) وقد تبين أن الآية التي يقول فيها تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب) (سورة البقرة آية ١٥٩) مبتنية على قوله تعالى: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغيا بينهم) (سورة البقرة آية ٢١٣) وجزاء هذا البغي بذيل الآية السابقة وهو قوله تعالى: (أولئك يلعنهم الله)(١٦).
وبالجملة: إن اختلاف الناس في الدين الذي يكون سببا للطغيان والعناد، يختلف عن اختلافهم في أمور الدنيا الذي هو فطري. وجميع الاختلافات والتفرعات التي ظهرت في الأديان. كلها صنيعة الهوى والنفس البشرية. وتعلق بها شوائب الأوهام الحيوانية والإلقاءات الشيطانية.
٣ - [أضواء على الإلقاءات الشيطانية]
كان الاختلاف في الدين مقدمة لظهور الأحزاب والفرق التي أخلت بأمر الوحدة الدينية، والاختلاف في الدين سعى إليه الشيطان منذ اللحظة الأولى بعد أن شملته لعنة الله عندما رفض السجود لآدم، والشيطان قام ببناء منهجه ليعارض به مهمة الإنسان التي خلق من أجلها. وهو قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (سورة الذاريات آية ٥٦) والمنهج الشيطاني يقوم على عرقلة طريق العبادة. وقد بينه الله تعالى في كتابه فقال: (قال رب بما أغويتني لأزين لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) (سورة الحجر آية ٣٩).
فالزينة التي أودعها الله في الكون لتكون مدخلا للإيمان كما في قوله تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) (سورة ق آية ٦) وقوله: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) (سورة الأعراف آية ٣٢) فهذه الزينة وغيرها. قام الشيطان بتزيينها ليكون هذا التزيين مادة للإغواء ثم للاحتناك على طريق عبادة النجوم والكواكب وكافة الأرباب الأرضية.
والزينة والإغواء يخاطبان في الإنسان غرائزه. وعن طريقهما يتم إمداد الفرد بالطاقة العصبية المذمومة للتعبير عن هذه الغرائز، وتتوقف قوة الدفع حسب طبيعة الشيء الذي استمال الغريزة، ومع عملية الدفع تبدأ الاتجاهات. والاتجاهات هي تنظيم مستمر لعمليات الدوافع والانفعالات والإدراك والمعرفة فيما يتعلق بناحية معينة من عالم الفرد، وإذا كان الاتجاه الفطري قد غرست فيه معرفة الله عز وجل ومعرفة الخير والشر، فإن تغيير هذا الاتجاه يكون نتيجة لمعلومات جديدة أفرزتها دائرة التزيين والإغواء. فعلى هذه المعلومات يتغذى الإنسان الضعيف فينقلب مزاجه، ويقصد بالمزاج مجموعة الخصائص الانفعالية. أو بعبارة أخرى مجموعة الصفات التي يتسم بها سلوك الفرد وانفعالاته ودوافعه، ومع هذه الانقلابات تنشأ العواطف التي يقوم عليها صروح الحب في غير الله والعبادة لغير الله. وفوق هذه الصروح تنقسم الحياة الفعلية وفوق هذا الانقسام يكون الاحتناك الشيطاني. وهو قوله تعالى: (قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي، لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا، قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا) (سورة الإسراء آية ٦٣) قال في الميزان: والاحتناك في الآية: الالجام. وهو من قولهم: حنك الدابة بحبلها أي جعل في حنكها الأسفل حبلا يقودها به(١٧). فعلى طريق الاحتناك وهو طريق اللاعبادة واللادعوة واللاشعور.
تبرز القوافل التي على عاتقها يكون تنفيذ البرنامج الشيطاني الذي يعارض به مهمة الإنسان في الأرض. وهو قوله تعالى: (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم)(١٨) قال في الميزان: أي لأجلسن لأجلهم على صراطك المستقيم وسبيلك السوي الذي يوصلهم إليك وينتهي بهم إلى سعادتهم.. فالقعود على الصراط المستقيم كناية عن التزامه والترصد لعابريه ليخرجهم منه(١٩).
والشيطان لا يتمكن من إكراه الناس على المعصية. وإنما يدعو الناس إلى الضلال فقط. وهو قوله تعالى: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من أتبعك من الغاوين)(٢٠) والشيطان نفسه سيعترف بعدم إكراه الناس على المعصية يوم القيامة. وهو قوله تعالى: (وقال الشيطان لما قضي الأمر أن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم. وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم)(٢١) وكما ذكرنا أن مجال دعوة وعمل الشيطان هو أحاسيس الناس وعواطفهم ومشاعرهم، لإيجاد الدافع الذي يغير الاتجاه بعيدا عن إتجاه الفطرة.
وجحافل الشيطان تكون أشد عنفا عند الذين آمنوا في حياة الأنبياء. قال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا)(٢٢) قال في الميزان: ومعنى جعل العدو من المجرمين أن الله جزاهم على معاصيهم بالختم على قلوبهم. فعاندوا الحق وأبغضوا الداعي إليه وهو النبي(٢٣) وقال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي. إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم آياته والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد)(٢٤).
قال في الميزان: ومعنى الآية. وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى وقدر بعض ما يتمناه من توافق الأسباب على تقدم دينه وإقبال الناس عليه وإيمانهم به، ألقى الشيطان في أمنيته ووسوس للناس وهيج الظالمين وأغرى المفسدين ليفسدوا الأمر على ذلك الرسول أو النبي ويبطلوا سعيه، ولكن الله يزيل ما يلقي الشيطان ثم يحكم آياته بإنجاح سعي الرسول أو النبي وإظهار الحق. وقيل: والتمني ربما جاء بمعنى القراءة والتلاوة. فيكون معنى الآية على هذا المعنى:
وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا وقرأ آيات الله ألقى الشيطان شبها مضللة على الناس بالوسوسة ليجادلوه بها ويفسدوا على المؤمنين إيمانهم، فيبطل الله ما يلقيه الشيطان من الشبه.
٤ - [تأملات في الامتحان والابتلاء]
غرس الله تعالى في أعماق الفطرة معرفته تعالى، وحمل النسيج الفطري إلهاما يميز به الإنسان ما هو تقوى مما هو فجور، ويعرف به طريق الخير وطريق الشر، وخلاصة القول أن الإنسان خلقه الله في أحسن تقويم. وهو قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون)(٢٥) قال في الميزان: ومعنى كونه في أحسن تقويم. صلوحه بحسب الخلقة للعروج إلى الأهداف الرفيعة العليا، والفوز بحياة خالدة عند ربه. سعيدة لا شقاوة معها، وذلك بما جهزه الله به من العلم النافع ومكنه من العمل الصالح.
فالإنسان إذا آمن بما عمل وزاول صالح العمل. رفع الله عمله.
كما قال تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه)(٢٦) أما إذا وقف الإنسان تحت ولاية الشيطان. فإنه يندرج في أسفل سافلين أي في مقام منحط، والمراد بالسفالة على أي حال. الشقاء والعذاب.
والإنسان ينطلق إلى العلم النافع والعمل الصالح من مخزونه الفطري ومن الدين الذي بعث به الله الأنبياء والرسل عليهم السلام، فالفطرة تربط الإنسان بغاية وجوده. والدين هو الطريقة الخاصة في الحياة التي تؤمن صلاح الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، وشجرة الفطرة والدين تنبت في التوحيد. وأسلوب دين الله وقوانينه الجارية قامت على أساس الأخلاق التي تحفظ الإنسان من الخطأ والزلة، وعلى هذا الأساس الأخلاقي يكون العلم النافع. لأن المعارف الحقة والعلوم المفيدة لا تكون في متناول البشر إلا عندما تصلح أخلاقه.
ولما كان الإنسان قد خلقه الله في أحسن تقويم. وذلك بتآلف العناصر التي يتكون منها. بحيث تتجه اتجاها موحدا نحو غرض معين، ولما كان الإنسان قد أنشأه الله مختارا في فعله. بمعنى أنه يعرف ما هو تقوى مما هو فجور. وله أن يميل في كل عمل إلى كل من جانبي الفعل والترك، فإن تعالى أجرى عليه الامتحان والحكمة في إسكان الله تعالى في الأرض بعد أن زينها سبحانه بجميع اللذائذ المادية، هي امتحان النوع الإنساني فردا فردا لإظهار صلاحية الإنسان الباطنية لاستحقاق الثواب والعقاب، والامتحان ناموس إلهي ولا يستثنى منه المؤمن والكافر والمحسن والمسئ، وكل جزء من أجزاء العالم وكل حالة من حالاته التي لها صلة بالإنسان هي من الوسائل والعوامل التي يمتحن الله البشر بها، وتحت سقف الامتحان يوجد إلقاءات شيطانية نفذت من أودية التزيين والإغواء. وتوجد أعلام الأنبياء والرسل عليهم السلام التي تسوق أتباعها نحو صراط الله العزيز الحكيم، وبين هذا وذاك لا يخفى الحق. لأن الحق لا يخفى بأي وجه وعلى أي تقدير. لأن الحق في النسيج الفطري. ولا يمنع الناس من قبوله والخضوع الباطني أمامه. إلا البغي والظلم والجحود والعناد والاستكبار.
فالإنسان يمتحن فردا فردا ليتلبس السعيد بسعادته والشقي بشقائه والله غني عن العالمين، قال تعالى: (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها)(٢٧). وقال: (فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها)(٢٨). وقال: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها)(٢٩). وقال: (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين)(٣٠). وقال: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا)(٣١) وقال: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا)(٣٢).
وإذا كان الإنسان يمتحن داخل وعائه الفردي. فإنه يمتحن أيضا داخل وعائه الاجتماعي، يمتحن شعوبا وقبائل وأمم، قال تعالى: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات)(٣٣) قال في الميزان: والامتحان يكون فيما أعطى الله وأنعم.
وليست التكاليف الإلهية والأحكام المشرعة إلا امتحانا إلهيا للإنسان في مختلف مواقف الحياة، وفي قوله: (فاستبقوا الخيرات) فتح لأبواب الرحمة، أي فاستبقوا الخيرات وهي الأحكام والتكاليف. ولا تشتغلوا بأمر الاختلافات التي بينكم وبين غيركم(٣٤).
فلما كان على الفرد حجج من الله. كذلك على المجتمعات حجج من الله. لأن لكل أمة حياة اجتماعية وراء الحياة الفردية التي لكل واحد من أفرادها، ولما كان لكل فرد أجل محدد ومحتوم وله نهاية، فكذلك هناك أجل آخر وميقات أخر للوجود الاجتماعي لهؤلاء الأفراد. للأمة بوصفها مجتمعا ينشئ ما بين أفراده العلاقات والصلات القائمة على أساس من الأفكار والمبادئ، فهذا المجتمع الذي يسمى بالأمة. له أجل وله موت له حياة وله حركة، ولما كان الفرد يتحرك فيكون حيا ثم يموت. فكذلك الأمة تكون حية ثم تموت، وكما أن موت الفرد يخضع لأجل ولقانون ولناموس. كذلك الأمم أيضا لها آجالها المضبوطة، قال تعالى: (لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)(٣٥).
وحركة المجتمع تحت سقف الامتحان. حركة تحكمها سنة الاستخلاف وهي السنة التي يمتحن بها الله الحاكم والمحكوم قال تعالى: (ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون)(٣٦) وحركة المجتمعات على امتداد التاريخ الإنساني حركة ناطقة. بمعنى أن الله تعالى جعل الماضي ينطق في الكون ليتدبر الحاضر وهو منطلق نحو المستقبل، قال تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)(٣٧) فالحاضر إذا تدبر الماضي وجد أن الله تعالى يحيي الذين آمنوا وعملوا الصالحات حياة طيبة غير التي يعطيها للآخرين، وأن الحياة الدنيا التي يعتقد الموجود الحي إنها سعادة لنفسه وراحة لذاته.
إنما تكون سعادة فيها الراحة والبهجة إذا جرت على حقيقة مجراها.
ويجد الحاضر أن العذاب الذي رآه الناس هو نتيجة طبيعية لأعمالهم.
وأن الله لم يهلك أمة إلا بعد الانذار والحجة. وما هلكت أمة إلا بشركها بالله والإعراض عن آياته واستكبارهم في مقابل الحق وتكذيبهم الأنبياء والرسل. فإذا علم الحاضر هذا. استقام تحت مظلة الامتحان.
واستخدم جميع الموجودات واعتبرها وسيلته في الدنيا لبلوغ سعادة الآخرة.
وفي الوقت الذي يدعو فيه القرآن الكريم بتدبر الماضي، فإنه في الوقت نفسه يكشف عن المستقبل عندما يقف كل فرد للحساب أمام ربه. يوم ترى كل أمة جاثية وخشعت الأصوات للرحمن. ففي هذا اليوم يظهر التابع والمتبوع في كل مجتمع على حقيقته. يقول تعالى: (يوم نقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا)(٣٨) وفي مشهد آخر يقول تعالى: (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسئوا فيها ولا تكلمون)(٣٩).
وبالجملة: إن للإنسان هدف واضح ومحدد وهو عبادة الله تعالى. وهذا الهدف الواضح المحدد يملك إمكانية تسمح بتحقيقه. وإن الشيطان لا يملك السلطان الذي يغير هذا الهدف. وإنما يحمل لافتات الزينة والزخرف التي تدعو إلى الضلال. ويوم القيامة يتبرأ الشيطان من الذين اتبعوه.
والخلاصة: قال تعالى: (أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وإنكم إلينا لا ترجعون. فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم)(٤٠) قال في الميزان: " هل تظنون إنما خلقناكم عبثا تحيون وتموتون من غير غاية باقية في خلقكم وإنكم إلينا لا ترجعون " (فتعالى الله...) الآية.
ووصف سبحانه نفسه بأنه ملك وأنه حق وأنه لا إله إلا هو وأنه رب العرش الكريم، فله سبحانه أن يحكم بما شاء من بدء. وعود وحياة وموت ورزق، نافذ حكمه ماضيا أمره لملكه، وما يصدر عنه من حكم فإنه لا يكون إلا حقا فإنه حق ولا يصدر عن الحق بما هو حق إلا حق، ولا يفعل سبحانه إلا حقا. فللأشياء رجوع إليه وبقاء به وإلا كانت عبثا باطلة ولا عبث في الخلق ولا باطل في الصنع(٤١).
٥ - [الدين الخاتم]
أوجب الله تعالى على نفسه فتح الطريق لعباده وهدايتهم إليه.
فبعث سبحانه الأنبياء والمرسلين حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولأن مجال بحثنا هنا يبدأ من المسيرة الإسرائيلية لنقف على مشروع المسيح الدجال وينتهي إلى الأمة الخاتمة لنقف على مشروع المهدي المنتظر، فإننا سنلقي هنا بعض الضوء على المسيرة الإسرائيلية باعتبار إنها المسيرة السابقة على الدين الخاتم.
وبنظرة سريعة على المسيرة الإسرائيلية، نجد أن الدين الإلهي الذي بعث به موسى عليه السلام. نزل في وقت بدت فيه أعمال الكفار كالحجب المتراكمة والظلمات التي بعضها فوق بعض تخنق نور المعرفة في القلوب. وقامت فيه الحاجة الإنسانية للأمن والطعام بالهبوط بالإنسانية إلى درك أسفل سافلين، ويعود ذلك إلى العقائد التي رفع الشيطان أعلامها حول الأرباب المتعددة من كواكب ونجوم وأصنام وأوثان، ففي الوقت الذي كانت الإنسانية قد اكتسبت شعورا وجدانيا من الواقع يؤثر في سلوكها وشعورها. ويفرغ عليها طابعا خاصا. نزل الدين الإلهي على موسى عليه السلام. ليقود بني إسرائيل إلى صراط الله الحميد ويكونوا هم بدورهم حجة على غيرهم. ولقد أنعم الله تعالى على بني إسرائيل نعما عديدة. تبدأ ببعثة موسى وهدايتهم إلى دين الله.
وتمر بنجاتهم من آل فرعون وتنتهي بإنزال التوراة وتشريع الشريعة التي تزهو بسنة اجتماعية هي أحسن السنن وهي سنة التوحيد. تأمرهم بطاعة الله ورسوله والعدل التام في مجتمعهم وعدم الاعتداء على غيرهم من الأمم.
وفي خيمة الاجتماع بين لهم موسى أن الأخلاق الفاضلة. تحتاج إلى عامل يحرسها ويحفظها في ثباتها ودوامها وهذا العامل هو التوحيد، وبين أن أركان المجتمع الصالح لا تثبت إلا برجال تحددهم الدعوة من صفاتهم الرسوخ في العلم، وأخبرهم أن تفسير أحكام الشريعة موقوفة على هارون وبنيه(٤٢) وفي الوقت الذي كان موسى عليه السلام يبين فيه طريق الخير. أخبرهم بالغيب عن ربه بأنهم سيختلفون من بعده(٤٣)، وسينحرفون(٤٤) وسيفعلون ما يوجب لعنة الله عليهم(٤٥).
ووقع ما أخبر به موسى عليه السلام، وبرزت قيادات هدفها التصارع على الملك، وكان اختيار هذه القيادات يتم نتيجة لصفات القائد الشخصية وأحيانا الجسمانية، ولم يتطرق الاختيار إلى عامل الأصالة أو المركز الديني، وتحت قيادة هذه الزعامات تسللت ثقافات عبادة العجول وغيرها من الأمم إلى بني إسرائيل، وعندما بعث فيهم داود عليه السلام ساقهم بعيدا عن عبادة المادة ووحد الدولة، ولكن هذا الاصلاح لم يدم طويلا. فبعد سليمان بن داود عليهما السلام انقسمت الدولة إلى مملكتين لا قوة لهما ولا مهابة، كانت مملكة يهوذا في الجنوب وعاصمتها أورشاليم، بينما كانت مملكة إسرائيل في الشمال وعاصمتها (شكيم) ثم (السامرة)، وبين المملكتين اشتعلت الحروب والصراعات، وقامت في كل مملكة العديد من الانقلابات طمعا في الحكم، وكانت هذه الانقلابات تنتهي بمجازر دموية. وفي بعضها كان الطرف المنتصر يقوم بقتل الأسرة المالكة ليقضي على النسل الملكي في المملكة المهزومة، وفي وسط هذا الظلام المتراكم قامت المسيرة الإسرائيلية تحت أعلام المملكتين. بعبادة البعل وبناء المشارف لتقديم الذبائح وصنعوا الشر وحادوا عن طريق الفطرة.
وبينما كانت المسيرة الإسرائيلية تتخبط في دروب الانحراف. جاء ملك آشور على مملكة إسرائيل وقام بسبيهم (عام ٧٢١ ق). وجاء ملك بابل على مملكة يهوذا وقام بسبيهم (عام ٥٨٦ - ق م). وفي أرض السبي تغذت المسيرة الإسرائيلية من الثقافات العنصرية. ومن عقائد لا تؤمن بما وراء الحس. ولا ينقاد أتباعها إلا إلى اللذة والكمال المادي. وفي الحي اليهودي تلبست هذه الثقافات بلباس الدين. وظهرت مقولات الأخبار التي تصف اليهود بأنهم المخصوصون بالكرامة الإلهية لا تعدوهم إلى غيرهم. وبرروا ذلك بأن الله جعل فيهم نبوة وكتابا وملكا.
فلهم بذلك السيادة والتقدم على غيرهم. وأخذوا من أفواه أحبارهم أن الدين الموسوي لا يعدوا بني إسرائيل إلى غيرهم، وعلى هذا فهو جنسية بينهم، ولما كانت هذه الكرامة والسؤدد أمر جنسي خص بني إسرائيل، فالانتساب الإسرائيلي هو مادة الشرف وعنصر السؤدد والمنتسب إلى إسرائيل له التقدم المطلق على غيره. وتحت قيادة الحس والمادة أصبح القوم لا يقبلون قولا إلا إذا دل عليه الحس. وأن يقبلوا كل ما يريده أو يستحسنه لهم كبرائهم من جمال المادة وزخرف الحياة، وعلى امتداد هذا الفقه تناقضت الملكات الإنسانية قولا وفعلا بعد أن كفر أصحابها بنعمة الله، وأنتج هذا التناقض العديد من الفتن المهلكة.
ولأن هذه الفتن تقود أصحابها إلى المسيح الدجال. وقعت المسيرة إلا من رحم الله في شراك الدجال. يقول النبي في (ص) " وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال"(٤٦).
ومن لطف الله تعالى بعباده بعث فيهم المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، ولكن بنو إسرائيل كذبوه وطالبوه بأن يعيد لهم الملك إن كان هو المسيح حقا، وهذه الروح الباغية التي دبت في قلوبهم جعلتهم يفسدون في الأرض ويميتوا الروح الإنسانية وآثارها الحاكمة في الجامعة البشرية، وكانت مقولة شعب الله المختار وأرض الميعاد أصل أصيل في الصد عن سبيل الله. لأن الفطرة تقول بأن الأرض لله يورثها الله من يشاء من عباده، والله تعالى لا يصطفي أحدا بالاستخلاف اصطفاءا جزافا ولا يكرم أحدا إكراما مطلقا من غير شرط ولا قيد، لأن الكرامة الإلهية ليست بذاك المبتذل السهل التناول حتى ينالها كل ناعق.
أو يحسبها كل محتال أو مختال كرامة جنسية أو قومية، بل يشترط في نيلها الوفاء بعهد الله وميثاقه والتقوى في الدين، فإذا تمت الشرائط حصلت الكرامة وهي المحبة والولاية الإلهية التي لا تعدوا عباده المتقين. وأثرها النصرة الإلهية والحياة السعيدة التي تعمر الدنيا وتصلح بال أهلها وترفع درجات الآخرة.
وفي الوقت الذي كانت الظلمات فيه بعضها فوق بعض، بعث الله تعالى رسوله محمد (ص) بالرسالة الخاتمة إلى الإنسانية جمعاء، ولأن الإنسان كائن حي يرغب ويحس ويدرك وينفعل ويتذكر. ويتعلم ويتخيل ويفكر ويعبر ويريد ويفعل، ولأن العلاقة بين الإنسان وبيئته علاقة أخذ وعطاء وفعل وانفعال وتأثير متبادل وصراع موصول. وهو في تعامله معها يتأثر وينفعل بشتى الانفعالات. ويعبر عن أفكاره ومشاعره باللفظ تارة وبالحركة والإشارة تارة أخرى. ويكد ويسعى ويضرب في الأرض ويندمج في حلقات اجتماعية، فلأجل ذلك وغيره. قامت الرسالة الخاتمة بتوجيه الغرائز والانفعالات الإنسانية، ليتم التآلف بين العناصر المختلفة للشخصية وتتحد ويقوى ما بينها من ارتباطات. لتسلك مسلكا واحدا نحو هدف واحد.
وعلى امتداد عهد البعثة الخاتمة، خاطب القرآن والسنة المطهرة عقل الإنسان ووجدانه. وتم إرشاده إلى معرفة الله والإيمان به، وبينت له العبادات التي تدعم صلة الإنسان بربه وتزكي نفسه وتسمو بروحه، وانطلق الخطاب إلى المجتمع فبينت الأحكام والمبادئ التشريعية الأمور التي تنظم أمر المجتمع تنظيما عادلا متوازنا. وتخلصه من كل أسباب الصراع والانحراف وتتكافأ فيه الفرص لجميع الناس في حدود قدراتهم المختلفة، وأمر الشرع الحنيف برد أي اختلاف إلى الله ورسوله. قال تعالى: (وما اختلفتم في شيء فحكمه إلى الله)(٤٧).
وقال: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(٤٨). وأمر الله الذين آمنوا بأن لا يكون لهم اختيار أمام اختيار الله ورسوله. قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعصي الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)(٤٩). وعلى هذا فمن حكم بغير حكم الله ورسوله يكون قد وقف في دائرة من دوائر ثلاث: دائرة الكفر لقوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)(٥٠). أو دائرة الظلم. لقوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)(٥١) أو دائرة الفسق لقوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)(٥٢). وتحديد كل دائرة يخضع لفقه دقيق عال. فمن أراد الوقوف عليه فليراجع كتب العلماء.
والقرآن الكريم كتاب البعثة الخاتمة. يهدي العقول إلى استعمال ما فطرت على استعماله. وسلوك ما تألفه وتعرفه بحسب طبعها. ويحث حثا بالغا على تعاطي العلم ورفض الجهل. في جميع ما يتعلق بالسماويات والأرضيات والنبات والحيوان والإنسان من أجزاء عالمنا وما وراءه من الملائكة والشياطين وغير ذلك. ليكون ذريعة إلى معرفة الله سبحانه وتعالى، واشترط القرآن التقوى في التفكر والتذكر والتعقل وربط العلم بالعمل. للحصول على استقامة الفكر وإصابة العلم وخلوصه من الأوهام الحيوانية والإلقاءات الشيطانية. والقرآن الكريم يتعرض بمنطقه لجميع شؤون الحياة الإنسانية. ويحكم على الإنسان منفردا أو مجتمعا صغيرا أو كبيرا ذكرا أو أنثى. ويحكم على الحاضر والبادي والعالم والجاهل والشاهد والغائب، في أي زمان كان وفي أي مكان كان، وجميع المعارف الإلهية والحقائق الموجودة في القرآن تستند إلى حقيقة واحدة هي التوحيد.
والدعوة الخاتمة لا تفرق بين أحد من رسل الله، لأن الدعوة الإلهية للبشرية دعوة واحدة، قال تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله)(٥٣). فأمرت الدعوة بالإيمان بجميع الأنبياء والرسل. لأن من كذب نبي من الأنبياء يكون في الحقيقة قد كذب جميع الأنبياء وفرق بين الله ورسله. قال تعالى: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا)(٥٤).
وبالجملة:
إن البعثة الخاتمة تقضي بوقوف الاستكمال الإنساني. فعدم نسخ الدين وثبات الشريعة. يستوجب أن الاستكمال الفردي والاجتماعي للإنسان هو هذا المقدار الذي اعتبره القرآن في بيانه وتشريعه، والقرآن كتاب لا يقبل الإبطال والتهذيب والتغيير والنسخ، وثبات الشريعة يفيد بأن الحجة الدامغة قد أحاطت بالناس وهم يسيرون تحت سنة الامتحان لينظر الله إليهم كيف يعملون، وتحت هذه السنة نفى الله الدين الإجباري بعد أن تبين للناس الرشد من الغي. قال تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها)(٥٥).
٦ - [خاتمة المطاف]
قامت الرسالة الخاتمة بإرشاد بني إسرائيل إلى طريق الحق، وقامت بتصحيح ما لديهم من معلومات وما يحتفظون من ذكريات تتعلق بأحداث لم يشهدوها في الماضي، ابتداءا من هجرة إبراهيم عليه السلام إلى الأرض المباركة. ومرورا بخلافة داود عليه السلام وقيام مملكته وبناء سليمان عليه السلام للهيكل. وانتهاء ببعثة المسيح عليه السلام وما انتهت إليه، ولكن الذين كفروا من بني إسرائيل لم ينصتوا إلى الحق الذي أخبرتهم به الرسالة الخاتمة، وركنوا إلى مقولة الأخبار في عهودهم القديمة والتي تقول: إن داود إختاره الله وعينه ملكا. ومملكة داوود هي عنوان ووعاء عهد الله لإبراهيم. وأورشاليم اختارها الله عاصمة لهذا الملك. ولأن داوود هو مؤسس المملكة فهو المسيح المصطفى وعلى الجميع أن يخضعوا لسلطان مملكته الأزلية ولعاصمتها أورشاليم. لأن التعجد لله لا ينفصل عن الولاية للأرض وعاصمتها، ولما كانت المملكة قد زالت على أيدي الغزاة في الماضي. فإن على المؤمنين بها أن يعملوا من أجل عودتها. وأن يظل هذا العمل دائما حتى يأتي المسيح ابن داوود في المستقبل. ليعيد المملكة إلى الوجود ويعيد المجد والرفعة إلى اليهود.
وعندما ركن اليهود إلى هذه المقولة ولم يؤمنوا بالرسالة الخاتمة.
وقالوا يوما: ليس علينا في الأميين سبيل. ويوما آخر: نحن أولياء الله من دون الناس ونحن أبناء الله وأحبائه، ثم راحوا يسعون في الأرض فسادا. وينسبوا إلى الله تعالى ما لا يناسب ساحة قدسه وكبرياء ذاته جلت عظمته، فعندما فعلوا هذا وغيره. لعنهم الله. وألقى سبحانه بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. وقوله تعالى: (وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة)(٥٦) فيه ما لا يخفى من الدلالة على بقاء أمتهم إلى آخر الدنيا. وحذر الله تعالى المسلمين أن يردوا موردهم فيصيبهم ما أصابهم.
ولما كان الله تعالى قد توعد الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق بصرفهم عن آياته. وهو قوله تعالى: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنون بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا)(٥٧). ولما كانت في بطن الغيب آيات عندما تأتي لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل. وهو قوله تعالى: (يوم يأت بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون)(٥٨).
ولما كان خروج المسيح الدجال أحد هذه الآيات كما أخبر النبي (ص)، فإن الذين كفروا من بني إسرائيل قد وقعوا في شباك الدجال ولحق بهم الذين اتبعوا سنتهم وأمسكوا بذيولهم.
وإذا كانت النتيجة هي وقوعهم في شباك المسيح الدجال. فإن ذلك يستقيم مع ما قدموه لأنفسهم عند المقدمة. حيث لم ينقادوا إلا إلى اللذة والكمال المادي وما يستحسنه لهم كبرائهم. وعلى هذا الطريق نسجوا للبشرية شباكا من الفتن المتعددة. ومن صنع فتنة وقع فيها. قال تعالى: (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون. وحسبوا أن لا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون)(٥٩) قال في الميزان: والفتنة هي المحنة التي تغر الإنسان. أو هي أعم من شر وبلية. والعمى هو عدم إبصار الحق وعدم تمييز الخير من الشر. والصمم عدم سماع العظة وعدم الأعباء بالنصيحة. وهذا العمى والصمم معلولا حسبانهم أن لا تكون فتنة.
والظاهر أن حسبانهم ذلك معلول ما قدروا لأنفسهم من الكرامة بكونهم من شعب إسرائيل. وأنهم أبناء الله وأحباؤه فلا يمسهم السوء وإن فعلوا وارتكبوا ما ارتكبوا. ومعنى الآية: أنهم لمكان ما اعتقدوا لأنفسهم من كرامة التهود. ظنوا أن لا يصيبهم سوء أو لا يفتنون بما فعلوا. فأعمى ذلك الظن والحسبان أبصارهم عن إبصار الحق. وأصم ذلك آذانهم عن سماع ما ينفعهم من دعوة أنبيائهم.. على أن الله تعالى فتح لهم أبواب التوبة فرفع هذا الحسبان عن قلوبهم والعمى والصم عن أبصارهم وآذانهم.. ونجا بالتوبة بعضهم، وعلى امتداد المسيرة اعتقدوا ما اعتقدوه لأنفسهم من قبل كرامة التهود. وظنوا أن لا يصيبهم سوء أو لا يفتنون. فعموا وصموا كثيرا منهم(٦٠).
فعند بداية الطريق جهر الأنبياء بما ينفع المسيرة، وحذروا من الفتن التي تلقي بأصحابها تحت أقدام المسيح الدجال آخر الزمان، يقول النبي (ص): " إن الله لم يبعث نبيا إلا إمته الدجال(٦١)" وقال: "... وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال "(٦٢) وقال:
" إنه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال"(٦٣). ولكن المسيرة الإسرائيلية لم تنصت في نهاية المطاف إلى تحذيرات الأنبياء، ومع تحريفهم المستمر للأصول التقطوا تحذير الدجال ووضعوا عليه لباس التبشير، وذلك عندما وجدوا أن ما معه يلتقي مع فقه الحسن والزينة الذي تشربوا أصوله من أفواه الأخبار، ولقد صرحوا للنبي (ص) بأنهم ينتظرون أميرا يملكون به الأرض(٦٤). وما هذا الأمير إلا المسيح الدجال. وسنبين ذلك في موضعه إن شاء الله.
لقد عموا وصموا ولم ينفعهم ما قدروا لأنفسهم من الكرامة بل أعماهم وأوردهم مورد الهلكة والفتنة، لأن ما قدروه لأنفسهم لم تنطق به الفطرة ولا شرائع الأنبياء ولا حركة التاريخ.
وإذا كنا قد ألقينا شعاعا من الضوء على مسيرة الدجال. فإننا في هذا المدخل نلقي شعاعا آخر على مسيرة المهدي المنتظر التي حددها الدين الخاتم. وفي البداية نقول: لما كان الدجال شر مخبوء في بطن الغيب يلتقط الانحراف وأصحابه آخر الزمان، فإن المهدي المنتظر هو الخير المخبوء في بطن الغيب ومعسكره هو الذي سيواجه معسكر الدجال آخر الزمان، وبين المعسكرين ستدور معارك الفطرة والقدس، ومن عدل الله أن جعل أمام الشر المخبوء خير مخبوء آخر الزمان.
ليكون في ذلك حجة على جبين المستقبل. وهذا من سنن الوجود قال تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)(٦٥).
ولما كان الخير المخبوء والشر المخبوء يقرأ الحاضر أحداثهما كما رواها الأنبياء والرسل عليهم السلام وذلك لينظم الحاضر خطواته في إتجاه الطريق الصحيح. وهو يسير تحت سقف الامتحان والابتلاء لينظر الله إلى عباده كيف يعملون. فإن الحاضر إذ لم يصحح خطواته في يومه فلن ينفعه أن يصحح خطواته عند ظهور الأحداث واشتعال الملاحم في المستقبل، وذلك لأنه سيكون قد ارتبط ارتباطا وثيقا بما يعتقد من انحرافات سياسية واقتصادية واجتماعية، وهذا الارتباط يدعمه المسيح الدجال. الذي قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فتنته " ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال"(٦٦).
والقرآن الكريم أشار إلى آيات وفتن وملاحم وأحداث مستقبلية، وأخبر بأن الذين كفروا لن ينفعهم إيمانهم يومئذ. قال تعالى: (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين. قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون)(٦٧). قال المفسرون: معنى الفتح إزالة الإغلاق والإشكال.
وذكر ابن كثير. أن هذا الفتح لم يكن هو فتح مكة على زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما هو فتح ما زال في بطن الغيب. وقال تعالى:
(يوم يأت بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون)(٦٨). قال في الميزان: إن الآية تتضمن تهديدا جديا لا تخويفا صوريا فالإيمان لا ينفع نفسا لم تؤمن قبل ذلك اليوم إيمان طوع واختيار، أو آمنت قبله ولم تكن كسبت في إيمانها خيرا ولم تعمل صالحا. بل انهمكت في السيئات والمعاصي. إذ لا توبة لمثل هذا الإنسان، قال تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن)(٦٩). فالنفس التي لم تؤمن من قبل إيمان طوع ورضا. أو آمنت بالله وكذبت بآيات الله ولم تعتن بشيء من شرائع الله واسترسلت في المعاصي الموبقة. ولم تكتسب شيئا من صالح العمل فيما كان عليها ذلك. ثم شاهدت البأس الإلهي فحملها الاضطرار إلى الإيمان لترد به بأس الله تعالى لم ينفعها ذلك. ولم يرد عنها بأسا ولا يرد بأس الله عن القوم المجرمين.. وفي الآية دلالة على أن هذه الأمة سيشملهم القضاء بينهم بالقسط والحكم الفصل مما لا سترة عليها. كقوله: (ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون. ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل - إلى أن قال - ويستنبئونك أحق هو. قل أي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين)(٧٠) إلى آخر الآية.
ولما كان الطريق إلى المسيح الدجال هو طريق التزيين والإغواء والاحتناك. ورموزه هم أئمة الضلال على امتداد التاريخ الإنساني، فإن طريق المهدي المنتظر هو طريق الفطرة الذي يحمل أعلام التوحيد والأخلاق، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم حدد طريق المهدي تحديد دقيق، فبين أنه يحمل أعلام القسط والعدل آخر الزمان، يقول عليه الصلاة والسلام " لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلما وجورا وعدوانا، ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا"(٧١) وبين أن المهدي من ولد فاطمة عليها السلام، فقال " المهدي من عترتي من ولد فاطمة "(٧٢). وأخبر بأن طريق المهدي هو الطريق المنصور. لا يضر أتباعه من عاداهم أو من خذلهم، قال عليه الصلاة والسلام " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله"(٧٣).
وطريق المهدي رموزه هم أئمة الهدى. فعن جابر بن سمرة قال. قال رسول الله (ص) " يكون من بعدي اثنا عشر أميرا " قال: ثم تكلم بشيء لم أفهمه. فسألت الذي يليني فقال: " كلهم من قريش"(٧٤) ولما كان النبي قد ذم قريش وغلمانها في بعض الأحاديث. فلا يمكن فهم هذا الحديث إلا في ضوء الذين لم يذمهم النبي من قريش. وأيضا في النظر في أصول الدعوة الإلهية، وقد علمنا من هذه الأصول أن العلم بالله هو أشرف العلوم. لأن الله هو أشرف معلوم على الاطلاق، وهذا العلم لا يبوح بأسراره إلا لأهله، ولهذا وضعت النبوة أهل هذا العلم على ذروة المسيرة من بعدهم، لكي يحفظوا الدين من شطحات المنافقين وأحبار وعلماء السوء، ووجدنا في التوراة الحاضرة أن موسى عليه السلام أوقف هذا العلم على هارون وبنيه لا يتعداهم إلى غيرهم، فهم وحدهم الذين يفسرون الشريعة للشعب(٧٥). وعندما بغى بني إسرائيل على الراسخين في العلم. ضلوا وأضلوا كما بينا.
ولم يشذ الدين الخاتم عن هذه القاعدة لأن الدعوة الإلهية دعوة واحدة، وفي أحاديث كثيرة ربط النبي (ص) بين أهله بالكتاب ومن هذه الأحاديث قوله: " إني تارك فيكم خليفتين. كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض. أو ما بين السماء إلى الأرض. وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يتفرقا حتى يردوا على الحوض"(٧٦). وفي أحاديث أخرى ربط النبي في (ص) بينه وبين علي بن أبي طالب. كما ربط موسى عليه السلام بين نفسه وبين هارون أخيه، قال النبي (ص) لعلي " أنت مني بمنزلة هارون من موسى. إلا أنك لست نبيا. إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي "(٧٧).
ولما كانت منزلة علي بن أبي طالب من النبي صلى لله عليه وآله وسلم كمنزلة هارون من موسى، ولما كان أهل موسى من ذرية هارون هم وحدهم أهل الاختصاص بتفسير الشريعة، وأهل محمد (ص). هم وحدهم مع القرآن الكريم في حبل واحد ولن يفترقا حتى يردوا على الحوض، فعلى هذا يمكن فهم حديث الاثني عشر أميرا السابق ذكره والذي روي بألفاظ متعددة. ومنها قول النبي (ص) " إن عدة الخلفاء بعدي عدة نقباء موسى"(٧٨) وفي رواية " اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل"(٧٩).
والأمة الخاتمة امتحنها الله تعالى بأهل بيت النبي (ص) كما امتحن سبحانه بني إسرائيل بأهل بيت موسى من بعده، وروي أن النبي (ص) قال " أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي"(٨٠) وقال " يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي "(٨١). وانطلقت المسيرة تحت مظلة الامتحان. لينظر الله تعالى إلى عباده كيف يعملون. بعد أن استخلفهم كما إستخلف الذين من قبلهم، ومن معجزات النبوة قوله صلى الله عليه وآله وسلم " لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر. وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم " قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى.
قال "فمن"(٨٢) المراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم، وسيأتي تفصيل ذلك كله في موضعه من هذا الكتاب.
وكل مقدمة أول الزمان ستلحق بها نتيجتها آخر الزمان، والناس في بداية الطريق. يعرفون طريق الخير وطريق الشر. ولكن للأهواء زخرف وزينة. ومع الأهواء يسيرون في طريق لا يرون إلا بدايته أو وسطه ولا يرون في نهاية الطريق، لأن نهاية الطريق لا ترى إلا بعد أن تجيء.
٧ - [حكمة الإخبار بالغيب]
الإخبار بالغيب من الأمور التي يمتحن الله تعالى بها عباده. قال تعالى: (وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز)(٨٣) قال في الميزان: المراد بنصره ورسله. الجهاد في سبيله دفاعا عن مجتمع الدين وبسطا لكلمة الحق، والمراد بعلمه بمن ينصره ورسله تميزهم ممن لا ينصر، وقوله تعالى: (إن الله قوي عزيز) إشارة إلى إن أمره بالجهاد إنما هو ليميز الممتثل منهم من غيره، لا حاجة منه تعالى إلى ناصر ينصره. إنه تعالى قوي لا سبيل للضعف إليه. عزيز لا سبيل للذلة إليه(٨٤).
وعلى طريق الإخبار بالغيب يكون الثواب والعقاب في الحياة الدنيا والآخرة. ومن الذين يدخلون إلى دائرة الأمان كل من تحرك الحركة الصحيحة نحو الأحداث التي تستقبل الناس والتي أخبر بها الأنبياء والرسل. قبل أن تأتي آيات الله لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، فدائرة الأمان يدخلها من تعامل مع الإخبار بالغيب تعامل المتفكر المتذكر لتكون حركته في الدنيا مرتبطة بالله تعالى. وفي الآخرة يدخل الذين يخشون ربهم بالغيب. والذين أخذوا بأسباب الحياة الكريمة في مغفرة الله جل وعلا. قال تعالى: (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير)(٨٥) قال في الميزان:
وعد سبحانه خشيتهم بالغيب. لكون ما آمنوا به محجوبا عنهم تحت حجب الغيب.
والله تعالى يعلم الغيب لذاته قال سبحانه (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو)(٨٦) فالآية أفادت معنى الأصالة، فعلم الغيب في الأصل يختص بالله تعالى وغيره يعلمه منه سبحانه، وهو سبحانه يظهر لرسله ما شاء من الغيب. قال تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول)(٨٧).
وإخبار الأنبياء والرسل بالغيب عند ربهم. فيه لطف من الله لعبادة وهم تحت سقف الامتحان والابتلاء، فالله يعلم أن عباده يجهلون أكثر مصالحهم وطرقها في الحياة، ولذا سن سبحانه الشرايع وما فيه خيرهم.
ليدلهم على الصراط المستقيم والسعادة الدائمة ويزجرهم عما فيه الفساد، ولعلمه سبحانه أن أكثر عباده لا يطيعونه فيما شرع لهم، أظهر لرسله بعض ما يستقبل الناس من أحداث في الدنيا والآخرة، ليكون هذا الإخبار بالغيب حجة وسراج يهدي إلى الطريق المستقيم. ليهلك من هلك عن بينة، والإخبار بالغيب في خطوطه العريضة لطف ورحمة. ولا يرفع هذا اللطف وهذه الرحمة أن يكون العباد متمرسين على طاعته سبحانه غير منقادين إلى أوامره ونواهيه، لأنه سبحانه اللطيف بعباده الجواد الكريم. يلطف ويأمر بالطاعة لأنه مريد لها وينهى عن المعصية لأنه كاره لها.
ومنهج البحث في هذا الكتاب يتخذ من الإخبار بالغيب عمودا فقريا للوصول إلى الحقيقة التي يجلس على قمتها آخر الزمان " المهدي المنتظر " رمزا لطائفة الحق. و" المسيح الدجال " رمزا للانحراف والشذوذ، ومعنى تتبع الإخبار بالغيب للوصول إلى الحقيقة، هو إيماني بأن النبوءة هي التي تفسر التاريخ وليس العكس، فالأنبياء يخبرون بالغيب عن ربهم فيما يستقبل الناس، وهذا الإخبار إما في دائرة التحذير وإما في دائرة التبشير، وكل دائرة لا بد أن يكون لها أصحاب وأتباع، والله تعالى له في كل موضع في هذا الكون شاهد وهذا الشاهد حجة، وبالنظر إلى هذه الدوائر بضوء الإخبار بالغيب يمكن أن نرى حقيقة الحركة الإنسانية. حركة التاريخ تحت سقف الامتحان والابتلاء. ومن هذه الحركة يمكن أن نخرج بمضمون وبقضية وبهدف. ويمكن أن نضع أيدينا بكل يسر على العروة الوثقى التي نحكم بها على المسيرة التاريخية. تلك المسيرة التي ظهر على ساحتها العديد من أعلام الزينة والإغواء والأهواء ودخل أصحابها في دائرة التحذير. وعندما أصبحوا أعمدة في هذه الدائرة، حذرت النبوءة منهم ومن دوائرهم. ثم سلطت أضواءها على دائرة التبشير ليتحرك الناس الحركة التي يحبون أن ينظر الله إليهم وهم يتحركونها. لأن سنة استخلاف الإنسان في الأرض تقوم على حكمة " لينظر الله كيف تعملون ".
وبالجملة: لقد حذر الوحي من الشيطان. وحذرت النبوءة من المنافقين والمترفين الذين اتخذوا من الصد عن سبيل الله هدفا لهم، وفي دائرة التحذير وقف الشيطان وبرنامجه وأتباعه من أهل الأهواء تحت ضوء الإخبار بالغيب، ليتبين الناس الوقود الذي أمد المسيرة.
ويعلموا أن التاريخ وإن ظهر كوحدة واحدة، إلا أنه في الحقيقة وحدة إنسانية واحدة ذات حركتين، حركة حق وحركة باطل، ولأن الحاضر ابنا للماضي فإنه يرث هذه التركة وينطلق بها إلى المستقبل. وعلى الإنسان في هذه الحالة أن ينقب ويبحث وينظر فيما حوله من حجج عليه. لأنه مستخلف في الأرض. والاستخلاف يقتضي حركة. والحركة منظورة من الله.
. ولما كنا نهدف من هذه الدراسة أن نمسك بخيوط المسيح الدجال والمهدي المنتظر، فإننا لا يمكن أن ننحي مصادر أهل الكتاب جانبا، ومصادر أهل الكتاب وأقصد " الكتاب المقدس ". وأن كان قد ذهب منه الكثير من الوحي، ودخل فيه الشئ الكثير من الأوهام حتى أصبح الكتاب به الكثير من المتناقضات، وبهذا شهد علماء مقارنة الأديان والحضارة من أهل الكتاب أنفسهم، وشهد القرآن الكريم أن أيدي أهل الكتاب امتدت إلى النصوص بالحذف والإضافة. وبأنهم استبدلوا نصوص تحمل التوجيه الإلهي بغيرها تعبر عن المصلحة والهوى عند الأحبار والرهبان. إلا أن الكتاب المقدس لا يخلو من وحي إلهي ومعالم سماوية باهتة. وهذا الوحي الظاهر حجة على أهل الكتاب لأنه يرشدهم إلى دعوة النبي الخاتم (ص)، أما المعالم الباهتة والمتناقضات فهي دعوة لقبول البينة التي حملها رسول من الله يتلو صحفا مطهرة.
وفي دراستنا هذه سنسلط الأضواء على المسيرة التاريخية لبني إسرائيل. من واقع إخبار أنبيائهم بالغيب عن ربهم، وذلك لنقف على الانحراف وحجمه وإلى أين قاد أتباعه، وعلى امتداد عملية الرصد هذه سنسلط الأضواء القرآنية على هذه الأحداث والانحرافات، ليظهر طريق الخير وطريق الشر ونميز ما هو تقوى في هذه الأحداث مما هو فجور، وعند البحث عن الخلل في سيرة الأمة الخاتمة. سننطلق من الأصول وننظر في المسيرة من خلال إخبار النبي (ص) بالغيب عن ربه، ثم ننظر عليها وهي تشق طريقها نحو المستقبل، وعلى هذا التصور أقدم قراءتي لحركة التاريخ.

الحجة والأروقة المتصدعة
[الطريق إلى المسيح الدجال]

الحجة والأروقة المتصدعة
[نقض العهد]
١ - [القاعدة والذروة]
تذكر التوراة الحاضرة. أن الله أمر موسى عليه السلام ببناء خيمة الاجتماع لتكون مركزا للعبادة، وذكر سفر الخروج كيف تم تحديد المكان وكيف تم البناء(٨٨). فقال " وكلم الرب موسى قائلا: في الشهر الأول في اليوم الأول من الشهر تقيم مسكن خيمة الاجتماع "(٨٩) " وأخذ موسى الخيمة ونصبها"(٩٠).
ولأن العلم بالله هو أشرف العلوم وهو ذروة كل العلوم. فإن الله تعالى زكى من عباده طائفة ليحملوا هذا العلم الرفيع ويبينوا مراده وأسراره للناس. بعد أن أخذ الشيطان على عاتقه القعود على الصراط المستقيم يزخرف العلوم ويصد عن العبادة الحق. وفي عهد خيمة الاجتماع كان آل عمران وعلى رأسهم هارون وبنيه هم وحدهم الذين لهم الحق في تفسير الشريعة التي جاء بها موسى عليه السلام. وتروي التوراة أن الله تعالى طهرهم وأعطاهم فقه هذا العلم الرفيع. وفي اختيار الله تعالى لهم تذكر التوراة أن الله قال لموسى " تقدم هارون وبنيه إلى باب خيمة الاجتماع، وتغسلهم بماء وتلبس هارون الثياب المقدسة وتمسحه وتقدسه ليكهن لي، وتقدم بنيه وتلبسهم أقمصة وتمسحهم كما مسحت أباهم ليكهنوا لي، ويكون ذلك لتصير لهم مسحتهم كهنوتا أبديا في أجيالهم"(٩١). وتذكر التوراة أن موسى فعل ما أمر به الله " فقدم موسى هارون وبنيه وغسلهم بماء، وجعل عليه القميص.. وألبسه الجبة وجعل عليه الرداء... ووضع العمامة على رأسه... ومسحه لتقديسه. ثم قدم موسى بني هارون وألبسهم أقمصة... كما أمر الرب موسى"(٩٢).
وفي مرتبة هارون وبنيه الفقهية. تذكر التوراة أن الله كلم هارون وأمره بحفظ الشعائر التي علمها له. لتعليم بني إسرائيل الفرائض التي فرضها الله. " وكلم الرب هارون قائلا: خمرا ومسكرا لا تشرب أنت وبنوك معك.. للتمييز بين المقدس والمحلل وبين النجس والطاهر. ولتعليم بني إسرائيل جميع الفرائض التي كلم الرب بها بيد موسى"(٩٣) وكان الله تعالى يبين الشريعة لموسى وهارون تارة.
ويوصي موسى بأن يبين لهارون وبنيه أمور من الشريعة تارة أخرى " وكلم الرب موسى وهارون قائلا لهما: كلما بني إسرائيل قائلين هذه هي الحيوانات التي تأكلونها من جميع البهائم التي على الأرض"(٩٤) " وكلم الرب موسى قائلا: كلم هارون وبنيه قائلا: هذه شريعة ذبيحة الخطية.. "(٩٥) وبعد أن تم التطهير والتعليم وعلمت الجموع منزلة هارون وبنيه من موسى. تقول التوراة (ثم رفع هارون يده نحو الشعب وباركهم.. ودخل موسى وهارون إلى خيمة الاجتماع. ثم خرجا وباركا الشعب "(٩٦).
وتذكر التوراة أسماء بني هارون الذين اختارهم الله ليعلموا الشعب(٩٧) وذكرت أن هؤلاء وحدهم لهم حق تفسير الشريعة. " وتوكل هارون وبنيه فيحرسون كهنوتهم والأجنبي الذي يقترب يقتل "(٩٨) وأخبرت التوراة بأن سبط لاوي - ولاوي هو جد موسى وهارون - مهمته خدمة خيمة الاجتماع وحفظ أمتعته، وأن الله وهب هؤلاء لهارون وبنيه(٩٩).
ومما يذكر أن موسى وهارون هما ابنا عمران، وفي ذرية هارون أودع الله فقه الشريعة التي جاء بها موسى، وهذه الذرية من الذين اصطفاهم الله على العالمين، ومنها مريم ابنة عمران وابنها المسيح عليهما السلام.
واختتم الله بهما الشجرة الإسرائيلية، بعد أن حملت الخاتمة بعض أسماء المقدمة لتتذكر المسيرة البداية من عند النهاية، وسنبين ذلك في موضعه. فسبط لاوي جد موسى وهارون. يقول فيهم الله كما ذكرت التوراة " يخدمون خدمة المسكن. فيحرسون كل أمتعة خيمة الاجتماع.. وتعطي اللاويين لهارون وبنيه إنهم موهوبون له هبة من عند بني إسرائيل"(١٠٠) أما هارون بن عمران وبنوه. فيقول فيهم " وتوكل هارون وبنيه فيحرسون كهنوتهم والأجنبي الذي يقترب يقتل"(١٠١) وهكذا تم تحديد القاعدة وذروتها.
وبالجملة: كان الكاهن الأعلى يقوم بمهمته بعد اختيار الله له، وهذه قاعدة أصيلة في الدعوة الإلهية للناس، والله يزكي من يشاء ويختار من يشاء، والعهد الجديد يقر بذلك فيقول " ولم يكن أحد يتخذ لنفسه هذه الوظيفة الشريفة متى أراد بل كان يتخذها من دعاه الله إليها كما دعا هارون "(١٠٢) والرسالة الخاتمة أقرت بهذه الحقيقة، وذلك في قول النبي (ص) لعلي بن أبي طالب " أنت مني بمنزلة هارون من موسى. إلا أنك لست نبيا إنه لا ينبني أن أذهب إلا وأنت خليفتي في كل مؤمن بعدي "(١٠٣) وسيأتي الحديث عن هذه المنزلة في موضعه.
ولقد ألقى القرآن الكريم بأضوائه على منزلة هارون، وذلك لما سأل موسى عليه السلام ربه تعالى (اجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا)(١٠٤) قال في لسان العرب: الوزير الذي يحمل ثقل الملك ويعينه برأيه، والوزير في اللغة: اشتقاقه من الوزر. والوزر الجبل الذي يعتصم به لينجي من الهلاك(١٠٥). وقال في الميزان في تفسير الآية: وإنما سأل موسى ذلك. لأن الأمر كثير الجوانب متباعد الأطراف، ويحتاج فيه موسى إلى وزير يشاركه في ذلك. فيقوم ببعض الأمر فيخفف عنه.
ويكون مؤيدا لموسى فيما يقوم به موسى، وهذا معنى أقوله (اشدد به أزرى وأشركه في أمري) أي في أمر كان يخص موسى وهو تبليغ ما بلغه من ربه. فهذا هو الأمر الذي يخصه ولا يشاركه فيه أحد سوى هارون(١٠٦).
٢ - [التحذيرات]
تذكر التوراة أن موسى عليه السلام بعد أن أقام حجته أشهد الله تعالى على بني إسرائيل، وأخبر بالغيب عن ربه أن المسيرة من بعده ستختلف وستفترق وسترتكب جرائم تستحق عليها لعنة الله، تقول التوراة " أمر موسى اللاويين حاملي عهد الرب قائلا: خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب هناك شاهد عليكم، لأني أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة. هوذا وأنا معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب. فكم بالحري بعد موتي. اجمعوا إلى كل شيوخ أسباطكم وعرفاءكم. لأنطق في مسامعهم بهذه الكلمات وأشهد عليهم السماء والأرض. لأني عارف إنكم بعد موتي تفسدون وتزيغون عن الطريق الذي أوصيتكم به. ويصيبكم الشر في آخر الأيام لأنكم تعملون الشر أمام الرب"(١٠٧).
وفي هذا البيان إشارة إلى انقلاب القوم على الخط الرسالي الذي يقوده أبناء هارون، فبعد موت موسى عليه السلام يبدأ الفساد ويزيغون عن الطريق الذي أوصاهم به، وهذا يستوجب أن يصيبهم الشر في آخر الأيام، لأن الوتد الذي تم دقه عند البداية لم يبليه الزمان وأصبح له جذور عند النهاية..
وتذكر التوراة أن موسى عليه السلام ذكرهم في هذا اليوم بالله الذي خلقهم واستخلفهم. وذكرهم بأيام الله وكيف يأخذ الله الأمم الظالمة(١٠٨). وتذكر التوراة تحذيرات نطق بها موسى عليه السلام على مسامع القوم. منها " لا تصنعوا لكم أوثانا ولا تقيموا لكم تمثالا منحوتا أو نصبا ولا تجعلوا في أرضكم مصورا لتسجدوا له"(١٠٩). " إن لم تسمع لصوت الرب إلهك لتحرص أن تعمل بجميع وصاياه وفرائضه التي أنا أوصيك بها اليوم، تأتي عليك جميع هذه اللعنات وتدركك، ملعونا تكون في المدينة. ملعونا تكون في الحقل.. ملعونا تكون في دخولك ملعونا تكون في خروجك، ويرسل الرب عليك اللعنة والاضطراب والزجر في كل ها تمتد إليه يدك لتعمله.. يضربك الرب بجنون وعمى وحيرة قلب فتتلمس في الظهر كما يتلمس الأعمى في الظلام.. تأتي عليك جميع هذه اللعنات وتتبعك وتدركك حتى تهلك.. فتكون فيك آية وأعجوبة وفي نسلك إلى الأبد"(١١٠). " إن لم تسمعوا لي ولم تعملوا كل هذه الوصايا وإن رفضتم فرائضي. وكرهت أنفسكم أحكامي فما عملتم كل وصاياي بل نكثتم ميثاقي. فإني أعمل هذه بكم: أسلط عليكم رعيا وسلا وحمى تفني العين وتتلف النفس وتزرعون باطلا زرعكم فيأكله أعداؤكم واجعل وجهي ضدكم فتنهزمون أمام أعدائكم ويتسلط عليكم مبغضوكم وتهربون وليس من يطردكم "(١١١).
وبالجملة: انطلقت المسيرة الإسرائيلية تحت مظلة الامتحان لينظر الله إليهم كيف يعملون، بعد أن أخذ عليهم سبحانه العهود بأن يسمعوا ويطيعوا. وحذرهم من عواقب الكفر والانحراف، ومما ذكرته التوراة قوله لهم " أنظر. أنا واضع أمامكم اليوم بركة ولعنة. البركة إذا سمعتم لوصايا الرب إلهكم التي أنا أوصيكم بها اليوم، واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا إلهكم وزغتم عن الطريق التي أنا أوصيكم بها اليوم لتذهبوا وراء آلهة أخرى لم تعرفوها "(١١٢).
والقرآن الكريم أشار إلى الحكمة التي من وراء استخلاف بني إسرائيل في الأرض. فقال له (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون)(١١٣) وأشار إلى العهود التي أخذها الله عليهم ومنها أن لا يقولوا على الله إلا الحق(١١٤) وأن يذكروا ما في الكتاب لعلهم يتقون(١١٥) وأن يوفوا بعهده(١١٦) وأن يذكروا نعمته عليهم وتفضيله لهم في قيادة المسيرة(١١٧) وحذرهم من الكفر بآيات الله ومن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وقال تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذوي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة)(١١٨)، وقد بدأت الآية بقوله (لا تعبدون إلا الله) وختمت بقوله (وقولوا للناس حسنا) الآية.
وبين البداية والخاتمة كان للمسيرة وجوه، فعبدوا غير الله وأضاعوا حقوق القربى وعلى رأسهم قربى موسى عليه السلام، وأضاعوا حقوق اليتامى والمساكين وأفسدوا في الأرض، وأضاعوا الصلاة والزكاة واتبعوا الشهوات، وكل هذا شهد به الكتاب المقدس والقرآن الكريم وحركة التاريخ.
٣ - [الانقلاب على تعاليم خيمة الاجتماع]
ذكرت التوراة تحذير الله لبني إسرائيل " واللعنة إذا لم تسمعوا لوصايا إلهكم وزغتم عن الطريق " وأخبر القرآن الكريم أنهم لم يسمعوا وزاغوا عن الطريق. وقال تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين)(١١٩) والزيغ: الميل عن الاستقامة. ولازمه الانحراف عن الحق إلى الباطل. فهم زاغوا أولا. فأزاغ الله قلوبهم لسوء اختيارهم. وإزاغته تعالى إمساك رحمته وقطع هدايته عنهم كما يفيد التعليل بقوله (إن الله لا يهدي القوم الفاسقين) حيث علل الإزاغة بعدم الهداية(١٢٠).
والذين تلبسوا بالزيغ وفتحوا طريق الضلال. ظل منهجهم يعمل على طريق الصد عن سبيل الله على امتداد الرحلة الإسرائيلية. وانطلق تحت ظلاله الذين أخذوا بذيول آبائهم وخرجوا عن سبيل موسى وهارون عليهما السلام. وسنبين في موضعه أن الخط الذي خرج عن طريق هارون وبنيه. هو الذي صد عن سبيل المسيح عيسى عليه السلام وهو الذي مهد للمسيح الدجال بعد ذلك.
ويبين العهد القديم أن الانحراف فتحت أبوابه مع الفتوحات العسكرية من بعد موسى عليه السلام فمع القتال على الملك اتسعت رقعة الأرض ودخل السبي ومعهم آلهتهم الغريبة وثقافاتهم التي تفسد الفطرة، وسجل العهد القديم قول يوشع بن نون لبني إسرائيل " أنتم شهود على أنفسكم إنكم قد اخترتم لأنفسكم الرب لتعبدوه. فقالوا:
نحن شهود. فالآن انزعوا الآلهة الغريبة التي في وسطكم وأميلوا قلوبكم إلى الرب إله إسرائيل "(١٢١).
وتعليمات يوشع بن نون بنزع الآلهة الغريبة لم تلبث طويلا. لأنها ذابت في غبار المسيرة بعد وقت قصير، ويذكر سفر القضاة أن الشعب الإسرائيلي اختار لنفسه مجموعة من الزعماء تولوا قيادته، وكان هؤلاء الزعماء يتم اختيارهم وفقا لصفاتهم الجسمانية أو الشخصية، وكان معظمهم من العسكريين، وعلى أكتاف هذه الزعامة بدأت المسيرة تتجرد من المعنى الديني الذي وضعت أصوله في خيمة الاجتماع، ولبست المسيرة رداء الغزو والاحتلال، ولم يكن الشعب على امتداد هذه المدة يحكمه قائد واحد. فمع تمزيق الوحدة الدينية تمزقت الأرض من تحتهم وتحولت إلى رفع للأسباط والجنود، يقول سفر القضاء " وفي تلك الأيام لم يكن ملك في إسرائيل، كان كل واحد يعمل ما يحسن في عينيه"(١٢٢).
ومن القيادات التي ذكرها السفر، امرأة تدعى (ديورة) وكانت من العسكريين، يقول السفر " وديورة.. زوجة لفيدوت. هي قاضية إسرائيل في ذلك الوقت.. وكان بنو إسرائيل يصعدون إليها للقضاء"(١٢٣) ومنهم (جدعون) الذي قاد معارك ضد الجوالة، (والجلعاوي) الذي حارب بني عموت، و(شمشون) الذي حارب أهل فلسطين.
ويذكر السفر ما ترتب هذه الفتوحات وهذا القتال على الملك، فيقول " فسكن بنو إسرائيل في وسط الكنعانيين والحيثيين والآموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين، واتخذوا لأنفسهم نساء. وأعطوا بناتهم لبنيهم. وعبدوا آلهتهم. فعمل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب. ونسوا الرب إلههم. وعبدوا البعليم والسوارى "(١٢٤) " وعبدوا البعليم.
والعشتاروت. وآلهة آرام وآلهة صيدون. وآلهة مو آب وآلهة بني عمون وآلهة الفلسطينيين. وتركوا الرب ولم يعبدوه(١٢٥)" " وزنوا وراء البعليم وجعلوا لهم بعل يرث إلها "(١٢٦).
وهكذا جاءت النتيجة وفقا لمقدمة انقلبوا فيها على أعقابهم بعد وفاة موسى عليه السلام بزمن يسير. لقد ساروا بلا رأس وراء الزخرف والأهواء.
فانتهت بهم أقدامهم وهم تحت سقف الامتحان إلى التيه والضياع.
٤ - [عهد الهيكل]
١ - الطريق إلى الهيكل:
بعد أن تمزقت الوحدة الدينية واختلف الذين أوتوا الكتاب بعد أن جاءهم العلم، وبعد أن جرت الروح العسكرية حاملة للعدوان في جسد المسيرة، لم تجف الساحة من الأنبياء والمصلحين الذين حملوا مشاعل الفطرة على امتداد الطريق، ومن هؤلاء (طالوت) ويسميه العهد القديم (شاول). اصطفى الله طالوت وزاده بسطة في العلم والجسم، فكان علمه منارا في ساحة ليس فيها علم يرى، وكانت قوته معجزة في ساحة يختار أهلها الزعيم وفقا لصفاته الجسمية ومقدرته العسكرية، ويضاف إلى هذا وذاك أن طالوتا جاء إليهم بما ضيعوه على طريق الاختلاف والافتراق، لقد جاء ومعه تابوت موسى فيه سكينة من الله وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون، لعل المسيرة إن تتذكر وتتدبر وتؤمن.
قال تعالى: (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال. قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم. وقال لهم نبيهم إن آية ملكة أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين)(١٢٧).
فعندما أخبرهم نبيهم بملك طالوت حكموا الحس في الأمر، واعترضوا بأنهم أحق بالملك منه وأنه لم يؤت سعة من المال، فحمل الرد إليهم: أن الملك وهو استقرار السلطة على مجتمع من الناس، الغرض منه أن يدبر صاحبه المجتمع تدبيرا يوصل كل فرد من أفراده إلى كماله اللائق به، ويجمع الناس تحت إرادة واحدة فلا يزاحم فرد فردا.
ولا يتقدم فرد من غير حق ولا يتأخر فرد من غير حق، والذي يحقق هذا المطلب أمران: (أحدهما): العلم بجميع مصالح الناس ومفاسدها (وثانيهما) القدرة الجسمية على إجراء ما يراه من مصالح المملكة، وهما اللذان يشير إليهما قوله تعالى: (وزاده بسطة في العلم والجسم).
ثم حاصرهم الرد بحجة دافعة وهي قوله تعالى: (والله يؤتي ملكه من يشاء) أي له تعالى التصرف في ملكه كيف شاء وأراد. وليس لأحد أن يقول: لماذا أو بماذا. أي ليس لأحد أن يسأل عن علة التصرف لأن الله هو السبب المطلق.
ويذكر أبو الفتح السامري في تاريخه. أن طالوتا قاتل بني إسرائيل. وجعل ساحات البعل خالية وأبطل طرقها وإنه داهم بني إسرائيل في مرج البهاء وقتل كل من وجده في ساحة البعل. وحفظ الشريعة اثنين وعشرين عاما(١٢٨) ولم يقف طالوت أمام الشذوذ الداخلي في المسيرة فقط وإنما جهز جيشا لقتال عدوه الخارجي المتمثل في (جالوت) ويسميه العهد القديم (جليات)(١٢٩) وأثناء تقدم الجيش في إتجاه المعركة. أجرى طالوت على الجنود اختبارا على قاعدته يميز الصادق من المنافق، لتتعرى المسيرة العسكرية التي تاجر بها بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام، قال تعالى: (فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده. فشربوا إلا قليلا منهم. فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه. قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده. قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)(١٣٠).
ذكر في الميزان أن الجنود كانوا في الظاهر مع طالوت، ولكن لم يتميز بعد الطيب من الخبيث، ولم يتحقق بعد من هم الذين مع طالوت، فكان النهر الذي ابتلاهم به الله. ليتعين به من ليس منه وهو من شرب من النهر، ويتعين به من هو منه وهو من لم يطعمه، وبعد جواز النهر تمت المفاصلة وبقي معه الذين هم منه. والذين لم يخرجهم من المغترفين، والتدبر في الآيات يعطي أن يكون القائلون: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده. هم المغترفون، والذين قالوا " كم من فئة قليلة " هم الذين لم يطعموا الماء أصلا(١٣١).
وبدأت المعركة لتظهر اسم داوود من خلالها، قال تعالى: (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين. فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء)(١٣٢). وعلى هذا تكون مملكة طالوت مهدت الطريق لمملكة داوود. وبالجملة: لقد سجلت مملكة طالوت على المسيرة الإسرائيلية. أنها مسيرة ليس فيها علم يرى لاتجاهها نحو البعل والأصنام، وسجلت عليهم تولي أكثرهم عند إنجاز القتال قبل مجئ طالوت. وهو قوله تعالى: (فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين. وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا) الآية، وسجل عليهم الاعتراض على ملكه، والشرب من النهر، وقولهم: لا طاقة لنا بجالوت وجنوده.
ونظرا لأن طالوتا بعث عليهم بالحجة والقبضة الحديدية، فإن سيرته لم تجد لها حظا وافرا ضمن أمجاد بني إسرائيل، والذي يقرأ سفر صموئيل يجد أن كاتب السفر قد وقع في تناقضات عديدة، وهدم قيادة طالوت لحساب قيادة داوود، وأكد معنى يقول أن خلاص الشعب من طالوت كان على أيدي داوود، ويستلزم ذلك أن مملكة داوود هي المتنفس الذي ينبغي أن تتوجه إليه المسيرة وهي تجتر ذكرياتها، ولم ينسى كاتب السفر أن يجعل طالوت عدوا لدودا لداوود، فذكر أن طالوتا (شاول) قال لابنه " ما دام ابن عيسى (داوود) حيا على الأرض. لا تثبت أنت ومملكتك. والآن أرسل وأت به إلي لأنه ابن الموت هو "(١٣٣) وذكر أن طالوت أمر عبيده وجنوده بقتل داوود(١٣٤). وإن داوود هرب خوفا منه(١٣٥). وقال أن طالوت قتل كهنة الرب(١٣٦). وكانت نهايته نهاية المهزوم المكسور نتيجة لغضب الله عليه(١٣٧). لأنه حول الحرب اليهودية من حرب قومية مع الجيران. إلى حرب جانبية لتصفية الصراعات الشخصية.
وذكر كاتب السفر أن الله زاد (شاول) بسطة في الجسم، ولم يشر الكاتب إلى بسطة العلم، وأدى ذلك إلى الخلط بين الحقيقة وبين الأوهام التي دثرها الخيال على امتداد طريق تداول الذكريات.
وجاء داوود عليه السلام على أرضية فيها " التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ". وشد الله تعالى ملكه بالهيبة وحسن التدبير والمعارف الحقة. وكانت مملكة داوود عليه السلام دعوة من أجل العودة إلى الينبوع الفطري. وكان تسبيح داوود عين معجزته. فالجبال في تسبيحها توافق تسبيحه والطير يسبح معه وتقرع تسبيحها أسماع الناس. قال تعالى: (واذكر عبدنا داوود ذا الأيدي إنه أواب. إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق. والطير محشورة كل له أواب. وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب)(١٣٨) لقد كان التسبيح حجة على أصحاب القلوب التي قدت من حديد. وكان حجة من شأنها إنها ترفع الصدأ الذي على القلوب لمن أراد أن يتخذ إلى ربه سبيلا. ولم تفطن المسيرة إلى حكمة التسبيح في مملكة داوود.
وتصفحت أمام الأرض والطين وحدود مملكة داوود.
ومن بعد داوود جاء سليمان عليهما السلام، وأعطاه الله المعجزات التي يخضع لها أصحاب العقول والأفهام والذين أفنوا حياتهم في غيبوبة بناء المقابر والأهرامات ومعابد العجول، جاء سليمان عليه السلام بالمعجزة التي تذيب النحاس، وأسال الله له النحاس فكان كالعين الجارية. وسخر له الجن يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وصحائف الطعام وما يجمع فيه الماء. والقدور الراسيات التي يطبخ فيها الطعام وغير ذلك، ولم يكن هذا من أجل الأبهة، وإنما كان من أجل إقامة الحجة على مسيرة بشرية. تسير تحت سقف الامتحان لينظر الله إليهم كيف يعملون.
وذكر العهد القديم أن داوود لم يأمر ببناء المحراب في أورشاليم. وإنما أمر ببناء مذبحا في (بيدر أرونة) اليبوسي. وعندما أراد صاحب الأرض أن يتبرع مكان المذبح. رفض داوود عليه السلام أن يكون المكان مجانا واستشراه. وأقام عليه المذبح(١٣٩) وأتى بالتابوت وأمر آل هارون واللاويين فحملوا التابوت " كما أمر موسى حسب كلام الرب بالعصي على أكتافهم"(١٤٠) وعندما بعث سليمان عليه السلام. أمر الله تعالى ببناء البيت في أورشاليم. يقول العهد القديم أن الله قال لداوود " إنك أنت لا تبني البيت. بل ابنك الخارج من حلبك هو الذي يبني البيت الأسمي "(١٤١) وذكر العهد القديم أن سليمان قال " وهان ذا قائل على بناء بيت لاسم الرب إلهي. كما كلم الرب داوود أبي "(١٤٢).
٢ - [تحذيرات سليمان عليه السلام]
عندما فرغ سليمان من بناء البيت. ذكر العهد القديم أنه قال " ليعلم كل شعوب الأرض. أن الرب هو الله وليس آخر. فليكن قلبكم كاملا لدى الرب إلهنا إذ تسيرون في فرائضه وتحفظون وصاياه"(١٤٣) وأخبر بني إسرائيل أن الله يحذرهم من ترك فرائضه. فقال: " إن كنتم تنقلبون أنتم أو أبناؤكم من ورائي. ولا تحفظون وصاياي وفرائضي التي جعلتها أمامكم بل تذهبون وتعبدون آلهة أخرى وتسجدون لها. فإني أقطع إسرائيل عن وجه الأرض التي أعطيتهم إياها. والبيت الذي قدسته لاسمي أنفيه من أمامي. ويكون إسرائيل مثلا وهزأة في جميع الشعوب.
وهذا البيت يكون عبرة "(١٤٤).
٣ - [الانقلاب على تعاليم الهيكل]
بعد وفاة سليمان عليه السلام انقسمت الدولة الواحدة التي وضع داوود عليه السلام أساسها، ويمكن القول أنه بعد سليمان أصبح لدينا تاريخين لليهود الذين لم يتحدوا في مملكة واحدة بعد سليمان، تاريخ مملكة إسرائيل في الشمال. وتاريخ مملكة يهوذا في الجنوب، ويمكننا القول أيضا أنه بعد سليمان أصبح لليهود قبلتين لا قبلة واحدة. وتحديد القبلة في التوراة جاء كما يلي " وإذا جاء بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها. فاجعل البركة على جبل جرزيم. واللعنة على جبل عيبال "(١٤٥) وعلى أرضية الخلاف والاختلاف والافتراق، قال السامريون إنها جبل " جزريم " وعلى ذلك دونوا توراتهم، وقال العبرانيون إنها جبل " عيبال " وعلى ذلك دونوا توراتهم، وهذه الكلمة هي التي ميزت بين التوراتين. وفي عهد المسيح ابن مريم عليه السلام سألته امرأة سامرية عن هذا الاختلاف قالت له " يا سيد أرى إنك نبي.
آباؤنا عبدوا الله في هذا الجبل. وأنتم اليهود تصرون على أن أورشاليم يجب أن تكون المركز الوحيد للعبادة. فأجابها يسوع: صدقيني يا امرأة ستأتي الساعة التي فيها تعبدون الله لا في هذا الجبل ولا في أورشاليم "(١٤٦) وكان عليه السلام يشير بذلك إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة كما سنبين في موضعه.
وجماعة اليهود مختلفون في الصحيح بين النصين حتى الآن. فكل جماعة من اليهود تدعي أن الآخرين حرفوا هذا الموضع في التوراة. وما زال الخلاف بين العلماء. فآدم كلارك في تفسيره ١ / ٨١٧ ينقل عن المحقق " كنيكات " إنه يدعي صحة السامرية. والمحققان (باري) و(درشيور) يدعيان صحة العبرانية(١٤٧).
ويمكننا القول أيضا أنه بعد سليمان عليه السلام صدرت قرارات رسمية من القيادة بعبادة العجول، وأول من سن هذه السنة (يربعام) مؤسس مملكة إسرائيل الشمالية، فعندما وجد شعبه يذهب إلى أورشاليم عاصمة خصمه ملك يهوذا ليقربوا ذبانحهم في بيت الله هناك قال: " إن صعد هذا الشعب ليقربوا ذبائح في بيت الرب في أورشاليم. يرجع قلب هذا الشعب إلى سيدهم ملك يهوذا ويقتلوني "(١٤٨) ولهذا السبب أقدم على عمل واتخذ قرارا. يقول العهد القديم: " وعمل عجلين من ذهب. وقال لهم(١٤٩). كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشاليم، هوذا آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر. ووضع واحد في بيت إيل وجعل الآخر في دان(١٥٠).. وبنى المرتفعات وصير كهنة من أطراف الشعب لم يكونوا من أبناء لاوي"(١٥١) (والكهانة. في سبط لاوي موقوفة على أبناء هارون) وما لبثت هذه السنة أن انتشرت. وصدرت قرارات عليا على امتداد المسيرة تنظم هذه العبادة، وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية بعث الله تعالى الأنبياء إليهم في المملكتين. ليسوقوهم إلى سبيل الفطرة وليكونوا عليهم حجة وهم يتحركون تحت سقف الامتحان والابتلاء لينظر الله إليهم كيف يعملون، ويذكر الكتاب المقدس أن الأنبياء الذين بعثوا في مملكة إسرائيل الشمالية هم: إيليا، اليشع، عاموس، هوشع، أما الذين بعثوا في مملكة يهوذا الجنوبية فهم: يوئيل، أشعيا، ميخا، صفنيا حبقوق، أرميا، وكذب الشعب منهم من كذب وقتل منهم من قتل.
وسجل سفر الملوك انحرافات بني إسرائيل بعد سليمان في أكثر من موضع. منه " إن بني إسرائيل أخطأوا إلى الرب إلههم الذي أصعدهم من أرض مصر من تحت يد فرعون مصر. واتقوا آلهة أخرى وسلكوا حسب فرائض الأمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل وملوك إسرائيل الذين أقاموهم. وعمل بنو إسرائيل سرا ضد الرب إلههم أمور ليست بمستقيمة وبنوا لأنفسهم مرتفعات في جميع مدنهم... وأقاموا لأنفسهم أنصابا وسوارى على كل تل عال وتحت كل شجرة خضراء. وأوقدوا هناك على جميع المرتفعات مثل الأمم الذين ساقهم الرب من أمامهم. وعملوا أمورا قبيحة.. وعبدوا الأصنام التي قال الرب لهم عنها لا تعملوا هذا الأمر. وأشهد الرب على إسرائيل وعلى يهوذا عن يد جميع الأنبياء وكل راء قائلا: إرجعوا عن طرقكم الردية واحفظوا وصاياي فرائضي حسب كل الشريعة التي أوصيت بها آباءكم والتي أرسلتها إليكم عن يد عبيدي الأنبياء. فلم يسمعوا بل صلبوا أقفيتهم كأقفية آبائهم الذين لم يؤمنوا بالرب إلههم. ورفضوا فرائضه وعهده الذي قطعه مع آبائهم وشهاداته التي شهد بها عليهم.
وساروا وراء الباطل وصاروا باطلا وراء الأمم الذين حولهم الذين أمرهم الرب أن لا يعملوا مثلهم. وتركوا جميع وصايا الرب إلههم وعملوا لأنفسهم مسبوكات عجلين. وعملوا سوارى وسجدوا لجميع جند السماء وعبدوا البعل "(١٥٢).
وسجل أشعيا في سفره هذه الانحرافات، ومما قال كما ذكر العهد القديم: " أسمعي أيتها السماوات. واصغي أيتها الأرض، الآن الرب يتكلم، ربيت بنين ونشأتهم. أما هم فعصوا علي، الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه، أما إسرائيل فلا يعرف، شعبي لا يفهم، ويل للأمة الخاطئة، الشعب الثقيل الإثم. نسل فاعلي الشر. أولاد مفسدين، تركوا الرب. استهانوا بقدوس إسرائيل. ارتدوا إلى الوراء، على من تضربون بعد. تزدادون زيغانا، كل الرأس مريض وكل القلب سقيم. من أسفل القدم إلى الرأس ليس فيه صحة. بل جرح وإحباط وضربة طرية لم تعصر ولم تعصب ولم تلين بالزيت"(١٥٣) وقال: " وقد ارتد الحق إلى الوراء والعدل يقف بعيدا. لأن الصدق سقط في الشارع والاستقامة لا تستطيع الدخول. وصار الصدق معدوما. والحائد عن الشر يسلب "(١٥٤).
والخلاصة لقد أقام الله الحجة على بني إسرائيل ببعث الأنبياء فيهم، وأمرهم سبحانه أن يوفوا بعهده وأن يذكروا نعمته التي أنعمها عليهم وأن لا يعبدوا إلا إياه، وحذرهم سبحانه من عواقب العصيان والكفر، ولكن قست قلوبهم واندفعت قافلتهم في طريق الانحراف، رافعة لأعلام والاستكبار في الأرض بغير حق تصد بها عن سبيل الله، وعلى طريق الانحراف وضعوا مقدمات الفتن التي تنتهي نتائجها في سلة المسيح الدجال.
ولما كان اليهود قد رفعوا على امتداد مسيرتهم بعد ذلك لافتة تقول بأنهم شعب الله المختار، فإننا سنلقي بعض الضوء على مملكة إسرائيل في الشمال ومملكة يهوذا في الجنوب. لتظهر رموز المسيرة ويقف الباحث على الحركة الحقيقية للقافلة. ليقرر ماذا قدمت الصفوة والقدوة في مملكة إسرائيل الشمالية ومملكة يهوذا الجنوبية. وهل ما قدموه يستقيم مع صراط الفطرة. وهل تحليل حوادث هذه المرحلة التاريخية يقود إلى دوائر الأمان الغيبية التي بينها الأنبياء والرسل.
ثانيا [القتال على الملك]
بعد وفاة سليمان عليه السلام خلفه ابنه (رحبعام) فخرج عليه (يربعام بن نياط) وكان قد هرب إلى مصر من وجه سليمان. وعندما مات سليمان عاد وقاتل (رحبعام بن سليمان) لم انتهى النزاع بتقسم الدولة إلى مملكتين(١٥٥).
١ - [مملكة إسرائيل] (٩٣١ - ٧٢٢ ق. م)
قامت هذه المملكة بزعامة (يربعام) يتبعه الأسباط العشر، واتخذت المملكة شكيم عاصمة لها ثم (نابلس) فيما بعد، وهؤلاء يقيمون التوراة السامرية. فيعترفون بأسفار موسى الخمسة وسفري يوشع والقضاء ويرفضون باقي أسفار العهد القديم(١٥٦). وحكم هذه المملكة ثمانية عشر ملكا من تسع عائلات مختلفة(١٥٧) وكانت كل عائلة تتقلد الحكم تقوم بمجازر تقتل فيها عظماء ومعارف وكهنة البيت الحاكم السابق.
ويعود تأسيس هذه المملكة إلى (يربعام بن نياط) ويذكر العهد القديم " أن الكهنة واللاويين تركوا مسارحهم في إسرائيل وانطلقوا إلى يهوذا وأورشاليم. لان (يربعام) وبنيه رفضوهم من أن يكهنوا للرب، وأقام (يربعام) لنفسه كهنة للمرتفعات وللتيوس وللعجول التي عمل"(١٥٨).
وعلى طريق (يربعام) سار جميع ملوك إسرائيل.
ملك (يربعام) على إسرائيل ٢٢ سنة. وخلفه إبنه (ناداب) الذي استمر حكمه عامين(١٥٩). وانتهى بتمرد عليه قاده (بعشا). وعندما ملك. يذكر العهد القديم (إنه ضرب كل بيت يربعام. لم يبق نسمة ليربعام حتى أفناهم "(١٦٠) واستمر ملك بعشا ٢٤ سنة(١٦١). وملك بعده ابنه (إيلة) ولم يدم له الملك سوى عامين(١٦٢). ثم خرج عليه (زمري) الذي يقول عنه العهد القديم " عند تملكه وجلوسه على كرسيه ضرب كل بيت بعشا لم يبق له بائلا بحائط مع أوليائه وأصحابه وأفنى زمرى كل بيت بعشا "(١٦٣). ولم يدم الحكم لزمرى إلا سبعة أيام فقط(١٦٤) فقد خرج عليه (عمري) قائد الجيش. واستولى على المدينة. وعندما علم (زمرى) أن المدينة سقطت دخل إلى القصر وأشعل النار في نفسه(١٦٥). وملك (عمرى) على إسرائيل ١٢ سنة(١٦٦). وأسس مدينة السامرة. وذكر العهد القديم بأنه أساء أكثر من جميع الذين قبله(١٦٧).
بعد (عمرى) ملك إبنه (أخاب) وقام بإيعاز من امرأته إيزابيل بقتل أنبياء الرب(١٦٨)، وكانت أيام حكمه على إسرائيل ٢٢ سنة، وخلفه ابنه (أخزيا) لمدة عامين(١٦٩). ومن بعده تولى الحكم أخوه (يهورام)، وكانت أيام حكمه ١٢ سنة(١٧٠). ثم خرج عليه قائد جيشه (ياهو) ويذكر العهد القديم أن (باهو) بعث برسائله إلى الرؤساء والشيوخ، وفيها " إن كنتم سمعتم لقولي فخذوا رؤوس رجال بني سيدكم وتعالوا إلي"(١٧١)، وعندما وصلت الرسائل إلى الرؤساء والشيوخ، يقول العهد القديم " أخذوا بني الملك وقتلوا سبعين رجلا، ووضعوا رؤوسهم في سلال وأرسلوها إليه "(١٧٢) " وقتل ياهو كل الذين بقوا لبيت أخاب وكل عظمائه ومعارفه وكهنته حتى لم يبق له شارد"(١٧٣)، وفي أثناء تقدمه إلى السامرة. صادف جماعة من مملكة يهوذا تربطهم مصاهرة ببيت أخاب. فقال " أمسكوهم أحياء. فأمسكوهم. ثم أمر بقتلهم عند بئر عقد، اثنين وأربعين رجلا.
ولم يبق منهم أحدا"(١٧٤). وكانت الأيام التي ملك فيها ياهو على إسرائيل ٢٨ عاما، وخلفه ابنه (يهوأحاز) ملك على إسرائيل ١٧ عاما(١٧٥). وتولى الحكم من بعده ابنه (يهواش) لمدة ١٦ سنة(١٧٦) ثم ملك من بعده ابنه (يربعام الثاني) لمدة ٤١ سنة(١٧٧). ثم جاء من بعده ابنه (زكريا) وكانت مدة حكمه ٦ أشهز(١٧٨). خرج عليه (شلوم بن يابيش) وضربه أمام الشعب فقتله وملك عوضا عنة(١٧٩). ولم يدم حكمه إلا شهرا واحدا(١٨٠). خرج عليه (مخيم بن جادي) وضربه في السامرة فقتله. وملك عوضا عنه لمدة ١٠ سنوات(١٨١). وخلفه ابنه (فقحيا) وكانت مدة حكمه سنتين(١٨٢). خرج عليه (فتح بن رمليا) وضربه فقتله وملك عوضا عنه، وكانت مدة حكمه ٢٠ سنة(١٨٣)، خرج عليه (هوشع بن أيله) وضربه فقتله وملك عوضا عنه ٩ سنوات(١٨٤).
في عهد (منحيم بن جادي) بدأت نجم آشور في الظهور، ولقوة ساعدها بعث (منحيم) إلى (فول) ملك آشور. ألف وزنة من الفضة لتكون يداه معه ليثبت المملكة في يده، وفرض (منحيم) على إسرائيل الضرائب ليدفع بملك آشور خمسين شاقل فضة على كل رجل(١٨٥)، وفي عهد (فقح بن رمليا) جاء ملك آشور (تفلت فلاسر) إلى إسرائيل. واستولى على بعض الحصون والجبال وكل أرض نفتالي، وسبى أهلها إلى آشور(١٨٦) ثم طور الملك الآشوري (شلمنأسر) هجومه على إسرائيل على عهد (هوشع بن إبلة) يقول العهد القديم " صعد عليه شلمناسر ملك آشور، فصار له هوشع عبدا ودفع له جزية، ووجد ملك آشور في هوشع خيانة، لانه أرسل رسلا إلى سوا ملك مصر. ولم يؤد جزية إلى ملك آشور حسب كل سنة. فقبض عليه ملك آشور وأوثقه في السجن. وصعد ملك آشور على كل الأرض. وصعد إلى السامرة..
وأخذ ملك آشور السامرة وبني إسرائيل إلى آشور"(١٨٧).
وهكذا نزل الستار على مملكة قطعت شوطا كبيرا في عالم الانحراف الذي انطلقت فيه بوقود " فقه البقر "، نزل الستار بعد مسيرة استمرت ٢٠٠ سنة تقريبا (٩٣١ - ٧٢٢ ق. م). لم تقدم فيها قدوة عسكرية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، ولم تفتح فيها طريقا للفطرة. لأن طريق الفطرة لا ترفعه سواعد تحمل أعلام المثل الأعلى المتدني المنحط. حيث العجول والتيوس والسوارى والأصاب وغير ذلك.
أن الحركة الإسرائيلية التي قدمتها مملكة إسرائيل الشمالية. لم تكن من أجل أرض الميعاد أو هيكل سليمان أو المحافظة على نقاء الدم اليهودي، أو غير ذلك من العناوين البراقة التي تاجرت بها مؤسسات الصد عن سبيل الله فيما بعد، وإنما كانت الحركة من أجل الملك والأهواء التي خرجت من دوائر الزينة والإغواء والاحتنكاك، وإذا كنا قد القينا الضوء على الجناح الشمالي للتاريخ الإسرائيلي، فإننا نلقي فيما بعد الضوء على الجناح الجنوبي لهذا التاريخ وأقصد به مملكة يهوذا الجنوبية، لنقف على المقدمات الحقيقية في الماضي البعيد. ونستنتج منها معلومات واقعية في حاضرنا الذي نحياه. ومن هذا الاستنتاج نمد البصر إلى المستقبل لنرى الدوائر الغيبية التي تحدث بها الأنبياء والرسل. وهم يخبرون بالغيب عن ربهم جل وعلا..
٢ - [مملكة يهوذا] (٩٣١ - ٥٨٦ ق. م)
قامت هذه المملكة بزعامة (رحبعام بن سليمان) يتبعه قبيلتين واتخذت المملكة (أورشاليم) عاصمة لها. وهؤلاء يقيمون العهد القديم بأقسامه الثلاثة: التوراة والكتب والأنبياء.
دخل (رحبعام) في معارك طاحنة مع (يربعام) ملك إسرائيل، ولأن يربعام كان مدفوعا من مصر، ويحمل في قلبه عقيدة العجل التي كانت تدين بها الأسرة الفرعونية الثانية والعشرين (٩٤٥ - ٧١٢ ق. م). لم يتركه فرعون مصر شاشنق وحده في أرض المعركة، وتقدم بقواته نحو أورشاليم ليأخذ منها الخزائن. ويرعى عقيدة العجل التي بدأت تنمو في المملكة، يقول العهد القديم " وعمل يهوذا الشر.. وبنوا هم أيضا لأنفسهم مرتفعات وأنصابا وسوارى على كل تل مرتفع وتحت كل شجرة خضراء.. وفي السنة الخامسة للملك رحبعام صعد شيشق ملك مصر إلى أورشاليم وأخذ خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك، وأخذ كل شيء وأخذ جميع أتراس الذهب التي عملها سليمان، فعمل الملك رحبعام عوضا عنها أتراس نحاس "(١٨٨).
وملك رحبعام ١٧ سنة(١٨٩)، وبعد وفاته ملك أبنه (إبيام) ثلاث سنين(١٩٠). وبعد وفاته ملك إبنه (أسا) ٤١ سنة. نزع خلالها جميع الأصنام إلا أنه لم ينزع المرتفعات(١٩١) ثم ملك إبنه (يهوشافاط) ٢٥ سنة(١٩٢) وصاهر بيت الملك آخاب ملك إسرائيل، وكانت هذه المصاهرة بابا دخلت منه الأوثان بصورة أكبر وأشمل في عهد إبنه (يهورام). الذي ملك يهوذا ثماني سنوات. قال فيها العهد القديم " سار في طريق ملوك إسرائيل كما فعل بيت أخاب لأن بنت أخاب كانت له امرأة "(١٩٣)، " وتشدد وقتل جميع أخوته بالسيف "(١٩٤)، " وعمل مرتفعات في جبال يهوذا وجعل سكان أورشاليم يزنون"(١٩٥)، وملك من بعده ابنه (أخزيا) لمدة سنة واحدة(١٩٦). وقتل بيد (ياهو) ملك إسرائيل الذي خرج في إسرائيل على بيت آخاب وقتلهم جميعا(١٩٧).
وعندما قتل (أخزيا) قامت أمه بإعتلاء العرش في أورشاليم لمدة ٦ سنوات، ثم انتهت حياتها بالقتل(١٩٨). وتولى الحكم (يهواش). وكان ابن سبع سنين حين ملك، وملك ٤٠ سنة(١٩٩)، وسمح لرؤساء يهوذا بعبادة الأصنام، يقول العهد القديم " جاء رؤساء يهوذا وسجدوا للملك، حينئذ سمع الملك لهم، وتركوا بيت الرب إله آبائهم وعبدوا السوارى والأصنام، فكان غضب على يهوذا وأورشاليم لأجل إثمهم هذا، وأرسل إليهم أنبياء لإرجاعهم إلى الرب واشهدوا عليهم فلم يصغوا"(٢٠٠). وانتهت حياة يهواش بالقتل. قتله عبيده في بيت القلعة(٢٠١)، وملك عوضا عنه ابنه (أمصيا). وكان ابن خمس وعشرين سنة حين ملك. وملك ٢٩ سنة(٢٠٢)، يقول العهد القديم " أتى (أمصيا) بآلهة بني ساعير وأقامهم له آلهة. وسجد أمامها وأوقد لها"(٢٠٣)، وملك من بعده ابنه (عزريا) وكان ابن ست عشرة سنة حين ملك. وملك ٥٢ سنة(٢٠٤). وملك من بعده ابنه (يوثام) وكان ابن خمس وعشرين سنة حين ملك وملك ١٦ سنة(٢٠٥).
وملك بعد يوثام ابنه (آخاز) وكان ابن عشرين سنة حين ملك. وملك ١٦ سنة. يقول العهد القديم: " سار في طريق ملوك إسرائيل. وعمل أيضا تماثيل مسبوكة للبعليم.. وأحرق بنيه بالنار حسب رجاسات الأمم.. وذبح وأوقد على المرتفعات وعلى التلال. وتحت كل شجرة خضراء"(٢٠٦). وعندما أغار ملك آرام على مملكة يهوذا بعد الملك (أحاز) برسالة إلى ملك آشور (تغلث فلاسر) يقول له فيها: (أنا عبدك وابنك. اصعد وخلصني من يد ملك أرام ومن يد ملك إسرائيل(٢٠٧) القائمين علي، وأخذ آحاز الفضة والذهب الموجودة في بيت الرب. وأرسلها إلى ملك آشور هدية. فسمع له ملك آشور"(٢٠٨).
وبعد آحاز. ملك ابنه (حزقيا) وكان ابن خمس وعشرين سنة. وملك ٢٩ سنة(٢٠٩). وعاصر حزقيا سقوط مملكة إسرائيل وسبي أهلها إلى آشور، وكانت هذه إشارة تحمل عبرة، ولأنهم لم يسمعوا ولم يطيعوا، جاء إليهم ملك آشور (سنحاريب) واستولى على مدن يهوذا الحصينة، يقول العهد القديم: " صعد سنحاريب ملك آشور على جميع مدن يهوذا الحصينة وأخذها، وأرسل حزقيا ملك يهوذا إلى ملك آشور.. يقول:
قد أخطأت! ارجع عني! ومهما جعلت علي حملته! فوضع ملك آشور على حزقيا ملك يهوذا. ثلاث مئة وزنة من الفضة. وثلاثين وزنة من الذهب فدفع حزقيا جميع الفضة الموجودة في بيت الرب وفي خزائن بيت الملك، وفي ذلك الزمان. قشر حزقيا الذهب عن أبواب هيكل الرب والدعائم التي كان قد غشاها حزقيا، ودفعه لملك آشور "(٢١٠).
وبعد وفاة حزقيا. ملك ابنه (متي) وكان ابن اثنتي عشرة سنة.
وملك ٥٥ سنة(٢١١). يقول العهد القديم عنه: " عمل سواري وسجد لكل جند السماء وعبدها، وبنى مذابح في بيت الرب... وبنى مذابح لكل جند السماء في دارى بيت الرب، وعبر بنيه في النار.. وعاف وتفاءل وسحر واستخدم جانا.. ووضع تمثال الشكل الذي عمله في بيت الله"(٢١٢) " وسفك منى دما بريئا جدا. حتى ملا أورشاليم من الجانب إلى الجانب"(٢١٣)، وبعد موت منى ملك ابنه (آمون)، وكان ابن اثنين وعشرين سنة، وملك سنتين، وسار على طريق أبيه وعبد الأصنام التي عبدها وسجد لها، وتمرد عليه عبيده وقتلوه في بيته(٢١٤)، ثم ملك عوضا عنه ابنه (يوشيا) وكان ابن ثمان سنين حين ملك، وملك ٣١ سنة(٢١٥)، وكان يوشيا مرتبط بمعاهدة مع ملك آشور، وفي خضم الأحداث بين فرعون مصر وملك آشور، قتل فرعون مصر يوشيا(٢١٦)، وقام بتعيين ابنه (يهواحاز) عوضا عنه، ثم قام بعزله وأخذه أسيرا، وعين أخوه (الياقيم) عوضا عنه ملكا على يهوذا، بعد أن غير اسمه إلى (يهوياقيم) وكان ابن خمس وعشرين سنة حين ملك. وملك ٢١ سنة(٢١٧). يقول العهد القديم:
ودفع يهوياقيم الفضة والذهب لفرعون. إلا أنه قوم الأرض لدفع الفضة بأمر فرعون. كل واحد حسب تقويمه. وطالب الشعب بالفضة والذهب(٢١٨).
ولم يدم الحال لفرعون مصر في بسط سلطانه على مملكة يهوذا، ففي أيام يهوياقيم. ظهر نجم ملك بابل (نبوخذ ناصر) يقول العهد القديم: " في أيامه صعد نبوخذ ناصر ملك بابل، فكان له يهوياقم (ملك يهوذا) عبدا ثلاث سنين"(٢١٩). " ولم يعد ملك مصر يخرج من أرضه، لأن ملك بابل أخذ من نهر مصر إلى نهر الفرات. كل ما كان لملك مصر"(٢٢٠)، وبعد يهوياقيم الذي قيده نبوخذ ناصر بسلاسل نحاس(٢٢١) ملك ابنه (يهوياكين) عوضا عنه. وكان ابن ثمان عشر سنة حين ملك، وملك ثلاثة أشهر(٢٢٢). يقول العهد القديم: " في ذلك الزمان... جاء نبوخذ ناصر ملك بابل على المدينة وكان عبيده يحاصرونها، فخرج يهوياكين ملك يهوذا إلى ملك بابل، هو وأمه وعبيده ورؤساؤه وخصيانه. وأخذه ملك بابل.. وأخرج من هناك جميع خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك.. وسبى كل أورشاليم وكل الرؤساء وجميع جبابرة البأس عشرة آلاف مسبي، وجميع الصناع والأقيان.. لم يبق أحد إلا مساكين شعب الأرض، وسبى يهوياكين إلى بابل وأم الملك ونساء الملك وخصيانه.. سباهم من أورشاليم إلى بابل "(٢٢٣)، وقام ملك بابل بتعيين (متينا) عوضا عنه، وغير اسمه إلى (صدقيا) وكان ابن إحدى وعشرين سنة حين ملك(٢٢٤). ثم عاد نبوخذ ناصر مرة أخرى إلى أورشاليم، وأخذ (صدقيا) وقتل أولاده أمام عينيه.
وقلعوا عينه. وقيدوه بسلاسل من نحاس. وجاؤوا به إلى بابل(٢٢٥) وأحرقوا بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت أورشاليم. وأعمدة النحاس التي في بيت الرب. والقواعد كسروها وحملوا نحاسها إلى بابل(٢٢٦).
٣ - [نظرات على المسيرة]
لقد انطلقت المسيرة تحت سقف الامتحان والابتلاء، تحيط بهم حجة موسى عليه السلام في عهد خيمة الاجتماع وحجة داوود وسليمان في عهد الهيكل، ولقد أخبر الله تعالى في كتابه أن موسى عليه السلام قد أحاطهم علما. بأن استخلافهم في الأرض من أنواع الامتحان بالملك، قال تعالى: (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا. قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون)(٢٢٧) وشهد العهد القديم بأن مسيرة الشعب لم تسير على هدى الأنبياء. ولم تفتح للفطرة الإنسانية بابا وصدت عن سبيل الله. وانطلقت بزاد ووقود مرابط العجول والتيوس التي انتشرت عبادتها في مصر على امتداد العصور الفرعونية، ولقد ذكر القرآن الكريم أنهم بعد خروجهم من مصر عبدوا العجل في زمن موسى عليه السلام، وتوعد الله تعالى الذين أشربوا في قلوبهم حب العجل بغضب الله والذلة في الدنيا، ومن لطفه تعالى بالمسيرة وهي في مهدها أمرهم سبحانه بأن يذبحوا بقرة. ليعلموا أن الله هو الذي يحيي ويميت، فذبحوها وما كادوا يفعلون، وظل فقه كهنة البقر يدفع مسيرة الانحراف حتى صارت عبادة البقر والتيوس عبادة رسمية. الخارج عنها خارج عن الشرعية في مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا، وتحت هذا الفقه جرى القتال على الملك. وذكر العهد القديم: أن ملك إسرائيل قتل من يهوذا مائة وعشرين ألفا في يوم واحد، وسبى بنو إسرائيل من إخوتهم مئتي ألف من نساء وبنين وبنات، ونهبوا أيضا من غنيمة وافرة وأتوا بالغنيمة إلى السامرة(٢٢٨). وذكر القرآن الكريم أن الله تعالى أخذ عليهم الميثاق بأن لا يفعلوا ذلك. قال تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان. وإن يأتوكم أساري تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم..)(٢٢٩).
وذكر العهد القديم أن فقه كهنة البعل والقتال على الملك. أنتج في نهاية المطاف أنماطا بشرية لا يمكن بحال أن تقود مسيرة في إتجاه الفطرة، وفي هذا يقول أشعيا " ألان أيديكم تنجست بالدم، وأصابعكم بالإثم، وشفاهكم تكلمت بالكذب، ولسانكم يلهج بالشر، ليس من يدعو بالعدل وليس من يحاكم بالحق"(٢٣٠) وقال " رؤساؤك متمردون ولقضاء اللصوص، كل واحد منهم يحب الرشوة ويتبع العطايا، لا يقضون لليتيم. ودعوى الأرملة لا تصل إليهم"(٢٣١) وقال " تكلمنا بالظلم والمعصية، حبلنا ولهجنا من القلب بكلام الكذب، وقد ارتد الحق إلى الوراء والعدل يقف بعيدا. لأن الصدق سقط في الشارع والاستقامة لا تستطيع الدخول"(٢٣٢) وقال " قد حبلوا بتعب وولدوا أثما، فقسوا بيض أفعى ونسجوا خيوط العنكبوت الأكل من بيضهم يموت. والتي تكسر تخرج أفعى، خيوطهم لا تصير ثوبا، ولا يكتسبون بأعمالهم، أعمالهم أعمال إثم، وفعل الظلم في أيديهم، أرجلهم إلى الشر تجري وتسرع إلى سفك الدم الزكي، أفكارهم أفكار إثم، في طرقهم اغتصاب وسحق وطريق السلام لم يعرفوه، وليس في مسالكهم عدل، جعلوا لأنفسهم سبلا معوجة وكل من يسير فيها لا يعرف سلاما"(٢٣٣).
لقد قال أشعيا أن رؤساء الشعب فيهم لصوص يحبون الرشوة ويتبعون العطايا. وقال تعالى في كتابه (إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل)(٢٣٤) وقال أشعيا أن الشعب تكلم بالظلم والمعصية والكذب. وبأن أيديهم تنجست بالدماء وأصابعهم بالإثم.
وقال الله تعالى في كتابه: (وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان)(٢٣٥) وقال أشعيا أن بيضهم بيض أفعى الأكل منه يموت والتي تكسر تخرج أفعى. وقال تعالى في كتابه: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا)(٢٣٦) وقال أشعيا إن أرجلهم إلى الشر تجري وتسرع إلى سفك الدم الزكي. وقال تعالى في كتابه: (يسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين)(٢٣٧) وقال أشعيا أن في طرقهم اغتصاب وسحق وطريق السلام لم يعرفوه. وقال تعالى في كتابه:
(ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا)(٢٣٨) وقال أشعيا إنهم جعلوا لأنفسهم سبلا معوجة وكل من يسير فيها لا يعرف سلاما. وذكر تعالى في كتابه حركة الذين كفروا من أهل الكتاب. فقال: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم)(٢٣٩) وقال (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا)(٢٤٠) وقال (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم)(٢٤١) إلى آخر هذه الآيات التي تكشف مناهج سبلهم في الصد عن سبيل الله.
فالمسيرة لم تنتج هدى وإنما ظلاما. ولم تنتج خبزا وإنما دما.
لهذا قال أشعيا " نلتمس الحائط كعمي. وكالذي بلا أعين نتجسس. قد عثرنا في الظهر كما في العتمة"(٢٤٢) وقال " كيف صارت القرية الآمنة زانية.. كان العدل يبيت فيها. وأما الآن فالقاتلون"(٢٤٣) لهذا وقعوا تحت العقاب الإلهي، بما قدمت أيديهم. قال تعالى: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا، إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا)(٢٤٤) فالعقاب كان نتيجة لمقدمة. سلكوا فيها سبل الضلال بعد أن بين لهم الأنبياء والرسل والهدف الذي من أجله خلقهم الله. وبينوا الإمكانيات الإنسانية والإمكانيات التي في الكون التي تسمح لتحقيق هذا الهدف، ودعم الأنبياء والرسل أقوالهم بالحجة والمعجزة ليكون لكلامهم مشروعية القبول من أقوامهم ومن العصر، ثم بينوا لهم أصلح وأنضج العناصر التي ينبغي أن تكون في ذروة المسيرة لقيادة الناس نحو الهدف، ولكن المسيرة الإسرائيلية ضلت الطريق. لأن سلوكها كان استجابة لحاجة معينة صرخت بها بعض الغرائز التي تصنمت أمام لافتات التزيين والإغواء والإلقاءات الشيطانية، وتحت إلحاح هذه الحاجة نظمت المسيرة عمليات الدوافع والانفعالات والإدراك والمعرفة، فكان تغيير الاتجاه من النور إلى الظلام، وتغيير الاتجاه يبدأ حين يبدأ إما بالانقلاب على معالم اتجاه النور وإما بإضافة معلومات تحط من شأنه وتجعل الناس ينفضون من حوله، ولقد ترتب على تغيير الاتجاه الفطري أن المسيرة لم تنتج إلا ظلاما ودما كما ذكر أشعيا، ولهذا ضربها عذاب الذلة والمسكنة والاستدراج لتركيب طريق جهنم كما ذكر القرآن، ويخطئ من يظن أن المسيرة من بعد الأنبياء قد قدمت زادا فطريا، أو قاتلت وفقا لتعاليم الأنبياء، ولقد تبينا من خلال سردنا لحركة المملكتين إسرائيل ويهوذا أن القتال لم يكن إلا على الملك، وأن ما تاجر به الخلف فيما بعد بأن القتال كان من أجل أرض الميعاد أو لإقامة مملكة داوود، أو للمحافظة على نقاء الدم اليهودي.
فكل هذا وغيره. لا وجود له إلا على موائد التبرير والترقيع والتماس الأعذار وتغليب الأهواء.
فالمسيرة خرجت على تعاليم داوود ومزقت دولة سليمان، وقدمت كنوز الهيكل إما هدية وإما جزية للحفاظ على الملك، وأقامت داخل الهيكل أصنام الأمم. وفي نهاية المطاف أغلقوه، يقول العهد القديم " وجمع أحاز آنية بيت الله، وقطع آنية بيت الله، وأغلق أبواب بيت الله، وعمل لنفسه مذابح في كل زاوية في أورشاليم وفي كل مدينة من يهوذا. وعمل مرتفعات للايقاد للآلهة الأخرى"(٢٤٥).
وبتدبر انطلاقة المسيرة تحت سقف الامتحان والابتلاء، وبالوقوف أمام انحرافهم في اتجاه العجول، وما ترتب عليه من دق أوتاد الضلال في طريق التقدم البشري لتتعثر القافلة في طريق الاختيار، نجد أن الشباك التي صنعها الذين كفروا من بني إسرائيل ليقع فيها الناس، قد وقع فيها الذين كفروا وهم لا يشعرون قبل أن يقع الناس، فالقوم صنعوا الفتن أولا فقادتهم الفتن إلى فتنة الدجال، والطريق إلى الدجال لا يحمل إلا معالم الذلة والمسكنة وغضب الله، فتحت هذا السقف يسير الذين صنعوا الفتن وصدوا عن سبيل الله. بعد أن ضلوا ضلالا بعيدا وكفروا وظلموا، لأن الله تعالى أوجب على نفسه أن لا يهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها.
وطريق الذلة والمسكنة له معالم في العهد القديم وبينة القرآن الكريم، وما كانت آشور وبابل أول الزمان إلا بداية لهذا الطريق، بعد أن تعمقت المسيرة في الضلال ولم يكن تقدمها إلا إلى الخلف، يقول العهد القديم بعد سقوط مملكة إسرائيل في يد آشور " لم يبق إلا سبط يهوذا وحده. ويهوذا أيضا لم يحفظوا وصايا الرب إلههم. بل سلكوا في فرائض إسرائيل التي عملوها. فرذل الله كل نسل إسرائيل وأذلهم"(٢٤٦) فالمسيرة تحت سقف الذلة، وبداية هذا السقف تبدأ من عند الذين عبدوا العجل أيام موسى وهارون عليهما السلام، وقال فيهم تعالى: (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين)(٢٤٧). فالجزاء يقف تحت سقفه الذين اتخذوا العجل عند المقدمة، ثم المفترين الذين ساروا على طريقهم، ويقف تحته قتلة الأنبياء. وقال تعالى في الذين كفروا من بني إسرائيل (وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)(٢٤٨).
قال في الميزان: الذلة مضروبة عليهم كضرب السكة على الفلز، أو كضرب الخيمة على الإنسان، فهم مكتوب عليهم أو مسلط عليهم الذلة، قال تعالى في آية أخرى (ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة)(٢٤٩) وقد كرر الله تعالى لفظ الحبل بالإضافة إلى الله وإلى الناس لاختلاف المعنى بالإضافة، فإنه من الله القضاء والحكم تكوينا أو تشريعا، ومن الناس البناء والعمل. والمراد بضرب الذلة عليهم القضاء التشريعي بذلتهم، والدليل على ذلك قوله تعالى: (أينما ثقفوا).
وظاهر المعنى: أينما وجدهم الناس تسلطوا عليهم، والذلة التشريعية من آثارها الجزية إذا تسلط عليهم المؤمنون، ومعنى قوله تعالى: (وباؤا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة) باؤا: أي اتخذوا مباة ومكانا والمسكنة: أشد الفقر. والظاهر أن المسكنة: أن لا يجد الإنسان سبيلا إلى النجاة والخلاص مما يهدده من فقر وغيره(٢٥٠). ومن معالم الذلة بعث البعوث عليهم ويشهد بذلك قوله تعالى: (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يومهم سوء العذاب. إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم)(٢٥١). قال في الميزان: والمعنى: ليبعثن على هؤلاء الظالمين بعثا يدوم عليهم ما دامت الدنيا من يذيقهم ويوليهم سوء العذاب، وهو تعالى غفور رحيم بعباده، لكنه إذا قضى لبعض عباده بالعقاب لاستيجابهم ذلك بطغيان وعتو ونحو ذلك، فسرعان ما يتبعهم إذ لا مانع يمنع عنه ولا عائق يعوقه(٢٥٢). وآشور وبابل أول الزمان صورة تحمل معالم هذا العقاب وهذا الغضب.
لقد وقعوا تحت العقاب نتيجة لمقدمات قدموها وسار عليها الذين من خلفهم، وهذا العقاب له محطة في آخر الزمان يرفع أعلامها المسيح الدجال. وهو الفتنة الكبرى التي من أجلها صنعت جميع الفتن صغيرة أو كبيرة منذ كانت الدنيا، فالذين سقطوا أول الزمان يحمل بصماتهم الذين سيسقطون آخر الزمان، والله تعالى أعز وأمنع من أنه يظلم أو أن ينسب إلى نفسه الظلم.
ثالثا [فتن البحث عن هوية]
مما لا شك فيه أن وجود الفرد في بيئة معينة واتصاله المستمر بالعالم الخارجي يجعله يكتسب خبرات جديدة تعدل من استعداداته وميوله الفطرية، فالعالم الخارجي له أثرا بالغا على تنظيم الانفعال الذي يمد الفرد بالطاقة العصبية اللازمة. للتعبير عن الغريزة حتى تتجمع حول شخص معين أو حول شيء معين، والمسيرة الإسرائيلية لم تنقطع يوما عن العالم الخارجي. ولهذا اكتسبت مجموعة من الخصائص الانفعالية المميزة للفرد، أو بعبارة أخرى مجموعة الصفات التي يتسم بها سلوك الفرد وانفعالاته ودوافعه، وعلى امتداد المسيرة وفي كل مرة يحدث الاتصال بالعالم الخارجي. تتأثر مجموعة من الغرائز والانفعالات المختلفة. فإن كانت في مجموعها تلتقي مع الأهواء أدت إلى عاطفة حب. وإن كانت في مجموعها مؤلمة أدت إلى عاطفة كره.
والدين الإلهي لم يترك الإنسان للعالم الذي من حوله، وإنما قدم البناء اللازم الذي تتكامل به الشخصية وتتآلف عناصرها بحيث تتجه اتجاها موحدا نحو غرض معين، ولكن المسيرة الإسرائيلية إختلفت عناصر شخصيتها عندما ابتعدت عن خط الأنبياء، مما أدى إلى حدوث الانقسامات المختلفة بين العناصر وتعارضت اتجاهاتها، فكان من نتيجة ذلك ضعف الشخصية أمام الزينة والزخرف في العالم الخارجي، فراحت تأكل من ثماره وتجتر ذكرياتها على سبيله، وأنتج زاد الثمار والذكريات العقد النفسية التي هي في مجملها استعداد وجداني مكتسب دائم. يؤثر في سلوك المرء وشعوره ويفرغ عليهما طابعا خاصا، ومما لا شك فيه أن العقدة النفسية قد تنشأ من صدمة انفعالية عنيفة، أو قد تنشأ من صراع نفسي غير محسوم، أو قد تنشأ من تربية غير رشيدة، هذا كله له معالم على امتداد المسيرة الإسرائيلية التي أرغمتها العقد النفسية في نهاية المطاف على الخوف. حتى ولو لم يكن هناك داعيا إلى الخوف، وهذا كله نتيجة حقيقية. لمقدمة حقيقية. غيروا فيها اتجاههم الفطري.
وأصبحوا عالة على حركة وإنتاج الأمم من حولهم.
والباحث في المسيرة الإسرائيلية يجد أن المسيرة قد تأثرت بعقائد العالم الخارجي، ومن ثياب هذه العقائد اتخذت المسيرة ثوبا واحدا أضافت إليه معالم سماوية باهتة، تتفق مع أهوائهم وتنسجم مع العقد النفسية التي أفرزتها الأحداث على امتداد المسيرة، وفي نهاية المطاف رشحت ثقافات هذه العقائد على المدنية المعاصرة وهددت الإنسانية بالانهدام. ومهدت الطريق إلى المسيح الدجال. وفي إفرازات المسيرة الإسرائيلية يقول صاحب تفسير الميزان: إذا تأملت قصص بني إسرائيل المذكورة في القرآن، وأمعنت فيها. وما فيها من أسرار أخلاقهم وجدت أنهم كانوا قوما غائرين في المادة مكبين على ما يعطيه الحس من لذائذ الحياة الصورية، فقد كانت هذه الأمة لا تؤمن بما وراء الحس ولا تنقاد إلا إلى اللذة والكمال المادي، وهم اليوم كذلك، وهذا الشأن هو الذي صبر عقولهم وإرادتهم تحت انقياد الحس والمادة. لا يعقلون إلا ما يجوزانه، ولا يريدون إلا ما يرخصان لهم ذلك، فانقياد الحس يوجب لهم أن لا يقبلوا قولا إلا إذا دل عليه الحس، وانقياد المادة اقتضى فيهم أن يقبلوا كل ما يريده أو يستحسنه لهم كبرائهم من جمال المادة وزخرف الحياة، فأنتج ذلك فيهم التناقض قولا وفعلا، فهم يذمون كل اتباع باسم أنه تقليد وإن كان مما ينبغي إذا كان بعيدا من حسهم، ويمدحون كل اتباع باسم أنه حظ الحياة وإن كان مما لا ينبغي إذا كان ملائما لهوساتهم المادية، وقد ساعدهم على ذلك وأعانهم عليه مكثهم الممتد وقطونهم الطويل بمصر تحت استذلال المصريين، واسترقاقهم وتعذيبهم، وبالجملة: فكانوا لذلك صعبة الانقياد لما يأمرهم به أنبيائهم والربانيون من علمائهم مما فيه صلاح معاشهم ومعادهم، وسريعة اللحوق إلى ما يدعوهم المغرضون والمستكبرون منهم، وقد ابتليت الحقيقة والحق اليوم بمثل هذه البلية بالمدنية المادية، فهي مبنية القاعدة على الحس والمادة. فلا يقبل دليل فيما بعد عن الحس، ولا يسأل عن دليل فيما تضمن لذة مادية حسية، فأوجب ذلك إبطال الغريزة الإنسانية في أحكامها، وارتحال المعارف العالية والأخلاق الفاضلة من بيننا. فصار يهدد الإنسانية بالانهدام، وجامعة البشر بأشد الفساد وليعلمن نبأه بعد حين(٢٥٣).
. فالمسيرة اكتسبت من العالم الوثني الشئ الكثير، وكان لهذا أثرا بالغا على سلوك الفرد وانفعالاته ودوافعه، ودفعت المسيرة في صراع نفسي غير محسوم أدى إلى تناقض حركتها قولا وفعلا، وهذا الاهتزاز النفسي رشح فيما بعد على الجامعة البشرية وهددها بالفساد، ولبيان المكتسبات الإسرائيلية من الأمم الوثنية الاستكبارية، نلقي بعض الضوء على أهم المحطات التي تزودت منها المسيرة الإسرائيلية.
١ - [فتنة العجل]
لا شك أن أبرز ظاهرة في خصائص الديانة المصرية القديمة هي كثرة الآلهة، ولو ذرعنا المنطقة من منف إلى أسوان وبحثنا في كل مركز من مراكز العبادة، لوجدنا كائنات إلهية تتخذ صور الأبقار والتماسيح والكباش والكلاب الوحشية واللبؤات والعجول، وكثيرا من المخلوقات الأخرى ويطلق عليها عادة أسماء شتى في مختلف المدن، ورغم أن الآلهة تبعا لبلادها كانت تختلف في الشكل وفي الاسم. إلا أنه توجد عدة دلائل على أن المعتقدات الدينية كانت موحدة في أذهان المصريين أكثر مما نظن من واقع اختلاف أشكال الآلهة وأسمائهم(٢٥٤) ويجل جميع قدماء المصريين البقرة لأنها معطية اللبن ولأنها الأم السماوية للشمس كما يعتقدون، وأطلقوا على البقرة اسم (صخور) وكثيرا ما كانوا يبنون لها المعابد ويكرسون لها قطعانا كاملة من أخواتها، وكذلك للآلهة التي تتخذ صورة الثور (مثل: مونتو، ومين، وآمون) وللثيران التي تتجسد فيها الآلهة (مثل: منفيس، أبيس، هليوبوليس)(٢٥٥).
والعجل أبيس له بصمات واضحة على العقيدة المصرية القديمة، فهو رمز الاخصاب. واعتقد المصريون أن العجل أبيس اقترن بإله منف (بتاح) واندمج في (أوزيريس) فتكون منهما إله جنائزي. ومنذ ذلك الوقت اتخذ موت العجل أبيس أهمية بالغة، فيدفن بجنازة رسمية وسط جمع من الكهنة وغيرهم الذين كانوا يحضرون له الهدايا من كافة أرجاء المملكة، وكانوا يعتقدون أن أبيس عندما يموت يعود فيولد من جديد، ولهذا كان الكهنة يبحثون عنه بمجرد أن يموت، ويتوجهون إلى الحقول ويفحصون القطعان للعثور على ذلك الإله الذي يمكن التعرف عليه بعلامات خاصة فوق جلده، وعندما يعثرون عليه يحل الفرح محل الحزن ويتوج العجل الإلهي في الحظيرة المقدسة بمنف. حيث يعيش مع أمه يحيط به حريم الأبقار(٢٥٦).
فالبقرة ترمز إلى الاخصاب. وعقيدتها تقول أنها في (أبيس) بمجرد أن تموت تبعث من جديد. وهي في (صخور) حاكمة السماء وجسمها الحقيقي، والروح الحية للأشجار، ومربية ملك مصر، وأم حورس، وربة الذهب، وشخصية متعددة الألوان بوسعها أن تأخذ صورة لبؤة، وهي ربة للسعادة والرقص والموسيقى(٢٥٧).
فس هذه العقائد شربت قلوب الذين كفروا من بني إسرائيل حب العجول. وقبل أن تجف أقدامهم من عبور البحر مع موسى عليه السلام اتخذوا العجل إلها. قال تعالى: (ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم)(٢٥٨).
وعلى عقيدة بعث العجل بمجرد أن يموت، إنطلقوا في آشور وفي بابل تحت سقف السبي، يبحثون عن هوية جديدة تبعث عليها دولتهم، لتضاهي (حخور) حاكمة السماء وجسمها الحقيقي. وتكون كالروح الحية للأشجار كما تقول عقيدة الأبقار، وتحت سقف البحث عن هوية.
كانت يد الله تعمل في الخفاء وهم لا يشعرون، قال تعالى: (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين)(٢٥٩) وذلك لأن نظام العالم هو نظام الأسباب والمسببات، والمسيرة لم تأخذ بأسباب التوبة والرجوع إلى الله، وإنما أخذت بأسباب لا تحقق النجاة ولا تهدي طريقا إلا طريق الفتنة التي تقود أتباعها إلى جهنم.
٢ - [فتنة الدماء النقية]
لا شك في أن الشيطان صد عن العبادة الحق التي تصل الإنسان بربه. وتحقق له السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، وبرنامج الشيطان الذي صد به عن العبادة. هو نفس البرنامج الذي شوه به رموز هذه العبادة لينفق الناس من حولهم، فالله تعالى اصطفى من خلقه آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران وآل محمد. كما أخبر القرآن والسنة.
فهؤلاء من دون الناس الذين أخلصهم الله تعالى لعبادته، وباختصار:
اصطفى الله الأنبياء والرسل واختار سبحانه من عباده من يقوم بيان شريعته للناس. فهؤلاء أصحاب الدماء النقية، بمعنى أن الشيطان ليس له فيهم نصيب، والشيطان صد عن هذا السبيل بإلقاءاته. ومن معالم هذه الإلقاءات ظهور ثقافة تبناها الجبابرة والطواغيت على امتداد المسيرة البشرية. والعمود الفقري لهذه الثقافة. أن في عروق هؤلاء وأسرهم تجري دماء الآلهة، ووفقا لهذا الاعتقاد الذي فرضوه على شعوبهم. حكموا بالحديد وبالنار، وظل الحكم في هذه الأسر قرونا طويلة نتيجة لهذا الاعتقاد، وما أن تسقط أسرة حتى تقوم مكانها أسرة جديدة. تنطلق من هذا المستنقع الذي ابتليت به المسيرة البشرية.
وعلى هذا الاعتقاد كان الفراعنة وملوك آشور وملوك بابل والإغريق والبطالمة، وجميع هؤلاء احتكت بهم المسيرة الإسرائيلية.
وتأثرت ببرامجهم المادية والحسية، ولقد رشحت ثقافة تزكية الفرد والأسرة والقبيلة التي تحتويها هذه البرامج على المسيرة البشرية فيما بعد، ورد عليها القرآن الكريم. قال تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم. بل الله يزكي من يشاء ولا تظلمون فتيلا. أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا)(٢٦٠) وقال جل شأنه (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى)(٢٦١).
وفي آشور وبابل لم يضع بني إسرائيل أعمدة الأسرة المختارة وإنما وضعوا أعمدة الشعب المختار الذي يدخر له الغيب أميرا مختارا يمتلكون به الأرض، وكانت الأرضية التي وضعوا عليها هذه الأعمدة قولهم: سيغفر لنا، ولكي يتفق هذا المدخل مع ما ارتكبوه من جرائم، نسبوا إلى الأنبياء ما لا يتفق مع عصمتهم ومكانتهم، بمعنى أن الخطأ إذا وقع فيه الأنبياء. فإن من دونهم يلتمس له الأعذار، وبعد أن أدخلوا أنفسهم في دائرة المغفرة، أدخلوا أنفسهم في دوائر التبشير التي أخبر بها الأنبياء عن ربهم، بمعنى إذا كان في بطن الغيب أمه اختارها الله لقيادة البشرية ادعوا أن الأمة أمتهم، وأن الأوصاف التي بينها الأنبياء تنطبق عليهم في بطن الغيب لكونهم شعب الله المختار. الذين ينفردون عن الناس ولهم أفضليتهم على جميع المخلوقات في نظر الخالق، وبهذا وبغيره جعلوا الكتاب المقدس ينطق. بعد أن حرفوا النصوص وتأولوها. وبعد أن وضعوها في غير مواضعها.
وقولهم سيغفر لنا. أشار إليه قوله تعالى: (وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك. وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون. فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق..)(٢٦٢) قال ابن كثير: يذكر تعالى أنه فرقهم في الأرض طوائف وفرقا، فيهم الصالح وغير ذلك، واختبرهم بالرخاء والشدة والرغبة والرهبة والعافية والبلاء لعلهم يرجعون، فخلف من بعدهم خلف لا خير فيهم وقد ورثوا دراسة التوراة، لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه حلالا كان أو حراما ويقولون سيغفر لنا(٢٦٣).
وقال في الميزان: قولهم " سيغفر لنا " قول جزافي لهم قالوه، ولا معول لهم فيه إلا الاغترار بشعبهم الذي سموه شعب الله. كما سموا أنفسهم أبناء الله وأحباءه، ولم يقولوا ذلك لوعد النفس بالتوبة، ولا أنهم قالوا ذلك رجاء للمغفرة الإلهية، فليس ما تظاهروا به رجاءا صادقا بل أمنية نفسانية كاذبة، وتسويل شيطاني موبق، فمن كان يرجو لقاء ربه، فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا(٢٦٤).
ومن باب قولهم سيغفر لنا فتحوا أبوابا قالوا عندها يوما: نحن أولياء الله من دون الناس، ويوما: نحن أبناء الله وأحبائه، ووضعوا هذه الأقوال داخل عقيدة تقول خطوطها العريضة: ليس علينا في الأميين سبيل، ومن هذا النسيج قاموا ببناء نظرية تفوقهم على البشر وانفراديتهم عن الناس وأفضليتهم على جميع المخلوقات في نظر الخالق، وانطلقوا وراء الأحبار يرددون القول بأنهم أمة فريدة تقف من الأمم موقف المختار الذي يتمتع بحقوق ليس لغيره، ولأنهم أمة فريدة فإن أمتهم عندما تموت تبعث من جديد، لأنها كالروح الحية للأشجار، وكالأم السماوية معطية اللبن لجميع المواليد ليؤمنوا بالعهد الألفي السعيد.
ومن الترديد وراء الأحبار انطلقوا إلى دائرة العمل، وخطوطها العريضة تقول: إن داوود إختاره الإله وعينه ملكا، ومملكة داوود هي عنوان ودعاء عهد الإله لإبراهيم، وأورشاليم اختارها الله عاصمة لهذا الملك، وعلى الجميع أن يخضعوا لهذه المملكة ولعاصمتها، لأن التعبد لله لا ينفصل عن الدولة وعاصمتها، وإذا كانت الدولة قد اندثرت على أيدي الغزاة، فإنها عندما اندثرت من على الأرض ولدت من جديد داخل صدور بني إسرائيل، وعليهم أن يعملوا لبسط نفوذ الدولة وفقا لنظرية تفوقهم على البشر وانفراديتهم عن الناس، حتى يأتي ابن داوود أمير السلام آخر الزمان. فهو وحده المسيح الذي سيعيد المجد لإسرائيل على أرض الواقع، وعلى الجميع أن يخضع من اليوم لمملكته الأزلية ولعاصمتها أورشاليم.
وهكذا جعلوا الكرامة الإلهية سهلة التناول، وزعموا أن هذه الكرامة وضعت على عاتق العنصر العبري. أكرمهم الله بها إكراما مطلقا من غير شرط ولا قيد، ولما كانت هذه الكرامة والسؤدد أمر جنسي خص بني إسرائيل، جعلوا الانتساب الإسرائيلي مادة الشرف وعنصر السؤدد. والمنتسب إلى إسرائيل له التقدم المطلق على غيره، لأن هذه الروح الباغية إذا دبت في قالب قوم. بعثتهم إلى إفساد الأرض وإماتة روح الإنسانية وآثارها الحاكمة في الجامعة البشرية، بينت الرسالة الخاتمة على نبيها الصلاة والسلام. أن الكرامة الإلهية ليست بذاك المبتذل السهل التناول. يحسبها كل محتال أو مختال كرامة جنسية أو قومية. بل يشترط في نيلها الوفاء بعهد الله وميثاقه والتقوى في الدين، فإذا تمت الشرائط حصلت الكرامة. وهي المحبة والولاية الإلهية التي لا تعدوا عباده المتقين، وأثرها النصرة الإلهية والحياة السعيدة التي تعمر الدنيا وتصلح بال أهلها وترفع درجات الآخرة، وبالجملة: إن الله تعالى لا يصطفي أحدا بالاستخلاف اصطفاءا جزافا. ولا يكرم أحدا إكراما مطلقا من غير شرط ولا قيد، والاستخلاف تحت سقف الامتحان والابتلاء يخضع لسنة الله الحاكمة. ومنها النقل والإقالة، ولا يخص الله بحسن العاقبة إلا من يتقيه من عباده أينما وجدوا. ولقد رد القرآن الكريم على بني إسرائيل ومن حذى حذوهم من النصارى قولهم بأفضليتهم على البشر، فقال تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه. قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)(٢٦٥). ورد على بني إسرائيل قولهم بأنهم مغفور لهم. وأن مسيرتهم نحو أهدافهم مسيرة يتعبدون فيها لله، فقال جل شأنه (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين. ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين. ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة. وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون)(٢٦٦).
والخلاصة: لقد أخذت المسيرة الإسرائيلية بسنن الأولين، فأخذوا من عقائد البقر وعقائد الدماء النقية الأعمدة التي أقاموا عليها ديمومة الكرامة والحكم، والكتاب المقدس ينفي في أكثر من موضع مقولتهم بالدماء النقية. ويسجل أنهم سكنوا بين الأمم الوثنية واتخذوا بناتهم لأنفسهم نساء وأعطوا بناتهم لبنيهم. وعبدوا آلهتهم(٢٦٧) وقال نحميا في سفره " رأيت اليهود الذين ساكنوا نساء أشدوديات وعمونيات وموآبيات، ونصف كلام بينهم باللسان الأشدودي، ولم يكونوا يحسنون التكلم باللسان اليهودي، بل بلسان شعب وشعب "(٢٦٨) فكيف يكون نقاء الدم تحت سقف هذه الأصول وغيرها:؟.
٣ - [فتنة التأويل والتحريف]
لا شك في أن تحريف الأصول السماوية عمود أساسي يقوم عليه فساد الدين الفطري، وهذا الفساد يهدد الإنسانية بالانهدام، لأن الفرد الذي يفسد دينه الفطري لا تتعادل قواه الحسية الداخلية. فيتبع القوى الخارجية التي تنسجم مع هواه وباتباعه لها يقوى جانبها في الصد عن سبيل الله، وتحريف المسيرة الإسرائيلية للكتاب ونسيانهم حظا من الدين وكذبهم على الله بواسطة القصص التي قصوها على الشعب، كل ذلك لا شك فيه واعترف به العهد القديم وعلماء الكتاب المقدس وأخبر به القرآن الكريم.
والتحريف كان لهدف. وهدفه ما استقر عليه القوم فيما يتعلق بشعب الله المختار، ففي اتجاه هذا الهدف أولوا ما ورد في النبي الخاتم (ص) من بشارات. ومن قبل أولوا ما ورد في المسيح ابن مريم عليه السلام. وقالوا: إن المسيح الموعود لم يجئ بعد وهم ينتظرون قدومه إلى اليوم، ليحكموا به الشعوب ويعود به ملك داوود عنوان ووعاء عهد الله لإبراهيم، ونظرا لأن الجرائم والآثام تحيط بالمسيرة الإسرائيلية. فإن التحريف رفع عن المسيرة هذا الحرج فنسبوا إلى الأنبياء ما لا يجوز في حقهم، فالأنبياء عندهم أول من سن عبادة العجول وأول من سن إقامة التماثيل وعبادة آلهة الأمم! وعلى هذه القاعدة فبما أنه لا يمكن أن تخرج نبيا من الأنبياء من تحت سقف الأنبياء. لارتكابه معصية بهذا الحجم. فكذلك لا يمكن أن تخرج الشعب من تحت سقف شعب الله المختار. لاتباعه ما سنه الأنبياء ولارتكابه الجرائم والمعاصي، وبالجملة: كان التحريف من أجل رفع حرج وقعت فيه المسيرة على امتداد تاريخها، وكان من أجل هدف التقطته المسيرة من ديار العالم الخارجي. ثم أضفت عليه بعض المعالم السماوية الباهتة ليكون له مشروعية القبول.
وشهادة العهد القديم في نسيان بني إسرائيل حظا مما ذكروا به، جاء على لسان أرميا. قال: " أما وحي الرب فلا تذكروه بعد. لأن كلمة كل إنسان وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحي"(٢٦٩). وقال في تحريفهم وكذبهم على الله: " كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا حقا إنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب"(٢٧٠). وقال في ثقافة القص التي كذبوا على الله ليكون للشذوذ قاعدة: " الذين يأخذون لسانهم ويقولون قال - ها أنذا على الذين يتنبأون بأحلام كاذبة، يقول الرب: الذين يقصونها ويضلون شعبي بأكاذيبهم ومفاخراتهم. وأنا لم أرسلهم ولا أمرتهم. فلم يفيدوا هذا الشعب فائدة "(٢٧١).
أما شهادة علماء الكتاب المقدس. ومنهم المفسر (هارسلي) يقول: لا شك في تحريف الكتاب المقدس. في متنه وأصله. يدلنا على ذلك اختلاف النسخ حيث الاختلاف آية الاختلاق. فقد أدخلت كلمات وقحة في المتون المطبوعة مما لا يناسب ساحة الوحي(٢٧٢). ويقول الدكتور (همفري): إن تدخل الأوهام في العهد العتيق بين لحد يتضح للقارئ بأدنى تأمل. إنهم قضوا على البشارات المسيحية في العهد القديم). ويقول (كريزاستم): لقد انمحق الكثير من كتب الأنبياء(٢٧٣).
حيث حرفتها اليهود على غفلة وعلى عمد. فمزقوا البعض منها.
وحرفوا ما تبقى(٢٧٤).
أما شهادة القرآن الكريم بأن أهل الكتاب حرفوا أو نسوا حظا مما ذكروا به. فلقد جاءت في أكثر من آية. منها قوله تعالى: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه)(٢٧٥). ففي هذه الآية وصف تعالى هذه الطائفة بتحريف الكلم عن مواضعه. وذلك إما بتغيير مواضع الألفاظ بالتقديم والتأخير والإسقاط والزيادة. وإما بتفسير ما ورد عن موسى عليه السلام وعن سائر الأنبياء بغير ما قصد منه من المعنى الحق، وقوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظأ مما ذكروا به)(٢٧٦) قال في الميزان: إن أهل الكتاب إنما ابتلوا بما ابتلوا له لنسيانهم ميثاق الله سبحانه، ولم يكن إلا ميثاقا بالإسلام لله، وكان لازم ذلك أن يتقوا مخالفة ربهم ويتخذوه وكيلا في أمور دينهم يختارون ما يختاره لهم، ويتركون متابعة غير الله ورسله، لكنهم نبذوا الميثاق وراء ظهورهم فأبعدوا من رحمة الله، وحرفوا الكلم عن مواضعه وفسروها بغير ما أريد بها، فأوجب ذلك أن نسوا حظا من الدين ولم يكن إلا حظا وسهما يرتحل بارتحاله عنهم كل خير وسعادة، وأفسد ذلك ما بقي بأيديهم من الدين، فإن الدين مجموع من معارف وأحكام مرتبط بعضها ببعض يفسد بعضه بفساد بعض آخر، سيما الأركان والأصول(٢٧٧).
وإفسادهم للدين الفطري يتضح للقارئ بمجرد أن يتأمل عقيدتهم في الله ورسله عليهم السلام، فالتحريف جعل التوراة تشتمل على أمور في التوحيد لا يصح إسنادها إلى الله تعالى. كالتجسيم والحلول في المكان ونحو ذلك، ونسب ما لا يجوز العقل نسبته إلى الأنبياء الكرام من أنواع الكفر والفجور والزلات، وهذا المنهج إذا إختلط بعقيدة سماوية أفسد ما بقي منها، ويقول د. جوستاف لوبون عن عقيدة اليهود: في وادي الفرات وفي مصر نشأت ديانة بني إسرائيل. أو على الأصح مختلف العبادات التي مارسها بنو إسرائيل، وذلك بين إقامتهم بفلسطين وعودتهم من السبي، حتى أن أسماء آلهتهم تدل على أصلها، وليست الآلهة الكبرى الشهوانية عشتروت التي كان العبريون يعبدونها. إلا زهراء فينوس بابل عشتار.. وحتى في دور السبي كان شعب إسرائيل قد بلغ من الغرق في الاشراك. ما كان يتعذر معه عزيمة ملك أو خطب نبي تخليصه منه.. ودام دين اليهود القائل بتعدد الآلهة بعباداته الكثيرة وطقوسه المتنوعة وأساطيره المتكاتفة(٢٧٨).
وقال د. جوستاف لوبون عن عقيدة اليهود بعد دور السبي: لم يعبد بنو إسرائيل إلها يمكن أن يكون رب الأمم الأخرى، ثم يصل د. لوبون إلى نتيجة مفادها: لم تكن الديانة اليهودية في كل زمن. مطابقة لما نسميه اليوم باليهودية. ولا شبه بين إله اليهود الراهن وإله سيناء يهوه. فبنو إسرائيل كانوا يعبدون ألوهيمات في أثناء حياتهم البدوية التي قضتها أجيالهم الأولى. ولذلك لا ينبغي أن يطلب من هذا الشعب البسيط تعريف وثيق لموضوع عبادته(٢٧٩).
أما ما نسبوه إلى الأنبياء الكرام من أنواع الكفر والفجور، فكان الهدف منه تبرير أخطاء المسيرة، بمعنى أنهم إذا أجازوا على الأنبياء الوقوع في الزلات، تلتمس الأعذار لمن دونهم إذا وقعوا فيها أو في أشد منها، وإذا كان التحريف قد قطع شوطا كبيرا في نسبة الزلات إلى الأنبياء، إلا أن القارئ للعهد القديم يقع في حيرة عندما يجد نصوص أخرى تمتدحهم، وتزول الحيرة إذا علمنا أن القوم اعتمدوا في حركتهم على أشد الأمور فتكا وإثارة للفتنة، وهو تلبيس الحق بالباطل، ليكون عندهم لكل سؤال جواب.
فهارون عليه السلام. أشارت التوراة إلى تطهيره من المعاصي.
واختيار الله له ليكون مفسرا للشريعة، وغير ذلك من الأمور التي تبين وقع أقدامه على الطريق المستقيم(٢٨٠)، وفي مقابل هذا ذكرت التوراة أن هارون هو الذي أقام العجل لبني إسرائيل وبني مذبحه، يقول العهد القديم " فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها، فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها هارون، فأخذ ذلك من أيديهم. وصوره بالأزميل.
وصنعه عجلا مسبوكا. فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر، فلما نظر هارون بنى مذبحا أمامه"(٢٨١)! لم يشيروا إلى السامري الذي أضلهم وجاء ذكره في القرآن الكريم. لأن موقع السامري لا يرفع عن المسيرة حرج.
وفي موضع آخر من العهد القديم. افتروا على موسى وهارون عليهما السلام بفرية العصيان، ومن هذا: " فقال الرب لموسى وهارون من أجل أنكما لم تؤمنا بي حتى تقدساني أمام أعين بني إسرائيل. لذلك لا تدخلان هذه الجماعة إلى الأرض التي إعطيتهم إياها"(٢٨٢). وفي موضع آخر نرى نصا يقول بأن الله كان يأمر وموسى يطيع، وكان الله معه في كل خطواته، لقد قالوا ليوشع بن نون عندما قاتلوا معه " كل ما أمرتنا به نعمله وحيثما ترسلنا نذهب. حسب كل ما سمعنا لموسى نسمع لك.
إنما الرب إلهك يكون معك كما كان مع موسى"(٢٨٣).
وتناول العهد القديم سيرة سليمان عليه السلام، وبينما نجد نصوصا تمتدحه، نجد نصوصا أخرى تنسب إليه الزلات، فالنصوص التي امتدحته بينت كيف كان يحذرهم من مخالفة أوامر الله، وعندما قدم العهد القديم أمثال سليمان صدرها بقوله: أمثال سليمان بن داوود ملك إسرائيل. لمعرفة حكمة وأدب. لإدراك أقوال الفهم. لقبول تأديب المعرفة والعدل والحق والاستقامة. لتعطي الجهال ذكاء والشاب معرفة وتدبرا. يسمعها الحكيم فيزداد علما. والفهم يكتسب تدبيرا. لفهم المثل واللغز. أقوال الحكماء وغوامضهم. مخافة الرب رأس المعرفة"(٢٨٤) وتقابل هذه النصوص نصوص أخرى منها قولهم: " وأحب سليمان نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون. موآبيات وعمونياث وأدوميات وصيدونيات وحيثيات. من الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل لا تدخلوا إليهم وهم لا يدخلون إليكم. لأنهم يميلون قلوبكم وراء آلهة أخرى. فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة"(٢٨٥). وقال العهد القديم " إن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى"(٢٨٦) وقال " فذهب سليمان وراء عشتروت آلهة الصيدونيين"(٢٨٧) وقال " بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموآبيين"(٢٨٨) وقال " وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن"(٢٨٩). فمن هذه النصوص أخذوا تبريرا لاتجاه مسيرتهم نحو الآلهة المتعددة، ومن نص آخر أخذوا تبريرا للأسباب التي أدت إلى تمزيق مملكة سليمان إلى مملكتين، يقول " فقال الرب لسليمان من أجل أن ذلك عندك، ولم تحفظ عهدي وفرائضي التي أوصيتك بها. فإني أمزق المملكة عندك تمزيقا"(٢٩٠).
وبوقود التحريف ظهرت التربية الغير رشيدة. التي أثرت على سلوك المسيرة وشعورها وأفرغت عليها طابعا خاصا فيما بعد.
٤ - [السقوط في الفتنة]
حذر الأنبياء والرسل على امتداد المسيرة البشرية من إلقاءات الشيطان. وبينوا أن ما يلقيه الشيطان ما هو إلا فتنة تصيب الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم. ليكونوا علامة سوء على امتداد الطريق كي يحذر الناس برامجهم وأطروحاتهم، والقرآن الكريم بشر الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ولم يتوبوا بعذاب جهنم، وفي عالم الفتن انطلقت المسيرة الإسرائيلية بعد عهد السبي تبشر بالمسيح المنتظر الذي يعيد مجد المملكة الداوودية، وتولى التلمود عملية التبشير، ولليهود تلمودان، الأول: التلمود الاورشاليمي. وقد وضعه أحبار اليهود في أورشاليم، والثاني: التلمود البابلي وقد وضعه أحبار اليهود في بابل، ويزعم كثير من اليهود أن موسى تسلم القانون المكتوب على ألواح الحجر، كما تسلم من الله تفسيرات وشروحا لهذا القانون. وهو ما يدعى بالقانون الشفهي(٢٩١)، وذكرت مصادر أخرى أن فرقة الفريسيين اليهودية التي ظهرت قبل ميلاد المسيح ابن مريم عليه السلام بمائتي عام، هم الذين ابتدعوا القانون الشفهي. وهم الذين وضعوا التلمود(٢٩٢).
ونظرا لما أنتجه التحريف من تناقض وما أنتجه التلمود من اختلافات. ارتقى الأحبار منزلة كبيرة بين الشعب، وكانت مهمتهم النزول على الشعب بتفسيراتهم للتلمود، وهي تفسيرات لا ينبغي أن يناقشها غيرهم، ومن أجل هذه المهمة رفعهم التفسير التلمودي إلى مكانة عالية، قال " إن تعاليم الحاخامات لا يمكن نقضها ولا تغييرها"(٢٩٣)، وقال " من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت. وليس كذلك من احتقر أقوال التوراة. ولا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود واشتغل بالتوراة فقط"(٢٩٤)، وقال الحاخام روسكي: التفت يا بني إلى أقوال الحاخامات أكثر من التفاتك إلى شريعة موسى(٢٩٥)، وجاء في كتاب كرافت المطبوع سنة ١٥٩٠: إعلم أن أقوال الحاخامات أفضل من أقوال الأنبياء(٢٩٦)، وقال الحاخام في أقوال الحاخامات المناقض بعضها بعضا " إنها كلام الله مهما وجد فيها من تناقض، فمن لم يؤمن بها أو قال إنها ليست أقوال الله. فقد أخطأ في حق الله"(٢٩٧).
ومن أقوال الحاخامات في شعب الله المختار: " تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله كما أن الابن جزء من والده(٢٩٨)، ولهذا اختار الله الجنس العبري ليكون منه شعب الله المختار، وأعطى الله ميثاقه لهذا العنصر، وهو ليس عقدا بل عهدا لأنه جاء من جانب واحد، وهو عهد أزلي لا ينقض، وأنه تنفيذا لهذا الميثاق أخرج الله العنصر العبري من مصر وأنقذه من فرعون، وأهلك أهل فلسطين من أجله وأسكنهم أرضهم وملكها لهم، وإذا كان هذا الملك قد أفلت في عصر من العصور وآل للأمم، إلا أن هذا الملك لله أولا وأخيرا، ولقد قضى الله منذ الأزل أنه من نصيب شعبه، ومن ثم فلا خوف من ضياعه، وهذا العنصر العبري المختار سيظل لذلك يتطلع إلى أن يعيد الله هذا الملك لهذا الشعب كما قضى في كتابه، وسيكون تطلع هذا الشعب لإعادة هذا الملك بكل عقله وقلبه، وإنه لا يشك للحظة إنه سيستعيده.
وهو لا بد مسترجعه(٢٩٩).
واختلفوا في المسيح المنتظر الذي سيستعيد مملكة داوود وعاء عهد الله لإبراهيم، فزعم يهود السامرة أن المسيح سيكون من سبط يوسف عليه السلام، وزعم يهود أورشاليم أنه سيكون من سبط يهوذا من نسل داوود(٣٠٠). واتفقوا في أحداث مجئ المسيح. وقالوا " تطرح الأرض فطيرا وملابس من الصوف. وقمحا حبه بقدر كلاوي الثيران الكبيرة، وفي ذلك الزمان ترجع السلطة لليهود. وكل الأمم تخدم ذلك المسيح وتخضع له، وفي ذلك الوقت يكون لكل يهودي ألفان وثمانمائة عبد يخدمونه. وثلثمائة وعشرة أكوان تحت سلطته، ولكن لا يأتي المسيح إلا بعد القضاء على حكم الأشرار. ولذلك يجب على كل يهودي أن يبذل جهده لمنع امتلاك باقي الأمم في الأرض، كي تظل السلطة لليهود وحدهم، لأنه من الضروري أن تكون لهم السلطة أينما حلوا، فإن لم يتيسر لهم ذلك اعتبروا منفيين وأسارى، وإذا تسلط غير اليهود على وطن اليهود. حق لهؤلاء أن يندبوا عليه ويقولون: يا للعار ويا للخراب ويستمر ضرب الذل والمسكنة على بني إسرائيل حتى ينتهي حكم الأجانب، وقبل أن يحكم اليهود نهائيا باقي الأمم يجب أن تقوم الحرب على قدم وساق، ويهلك ثلثا العالم ويبقى اليهود سبع سنوات متواليات يحرقون الأسلحة التي كسبوها بعد النصر... ويعيش اليهود في حرب طاحنة مع باقي الشعوب في انتظار ذلك اليوم، وسيأتي المسيح الحقيقي ويحقق النصر المنتظر ويقبل المسيح إذ ذاك هدايا جميع الشعوب... وتكون الأمة اليهودية يومئذ في غاية الثراء.. وإن هذه الكنوز ستملأ بيوتا كثيرة لا يمكن حمل مفاتيحها وأقفالها إلا على ثلاثمائة حمار، وترى الناس كلهم حينئذ يدخلون في دين اليهود أفواجا.. ويتحقق أمل الأمة اليهودية بمجيء المسيح. وتكون هي الأمة المتسلطة على باقي الأمم عند مجيء المسيح"(٣٠١).
وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية، اكتسب التلمود في نفوس الجماعات الإسرائيلية قداسة وأهمية تفوقان كل مقدس وكل تصور. يقول د. طعيمة: والتلمود من بين جملة المصادر الدينية الإسرائيلية قد أصبح التوراة المهمة في عواطف القوم ومعتقداتهم، وهو جملة من القواعد والوصايا والشرائع والتعاليم الدينية والأدبية. والشروح والتفاسير والروايات المتعلقة بدين وتاريخ وجنس إسرائيل على مدى التاريخ، وكانت هذه التعاليم والقواعد والشرائع تتناقل وتدرس مشافهة من حين إلى آخر، ولما تعاظم شأن هذه التعاليم في نفوس الجماعات الإسرائيلية. وكثرة هذه التعاليم. قرر كبار الحاخامات أن يسجلوا هذه التعاليم حتى تضاف إلى ما لديهم من نصوص أو مستندات، وبدأت عملية التسجيل والتدوين على مراحل متعددة. وفي مواقع مختلفة(٣٠٢).
والخلاصة: لقد ركبت المسيرة طريق الانحراف الذي سلكته الأمم الوثنية، ومن هذا الطريق اكتسبت المسيرة مجموعة من النصائح الانفعالية. طرحتها ثقافات لا تصيب أصحابها إلا بصدمات نفسية، أو تجعلهم دائما وأبدا في صراع نفسي غير محسوم، وكان بين يدي المسيرة دوائر تبشير ودوائر تحذير. بينها الأنبياء والرسل وهم يخبرون بالغيب عن ربهم، ومن دائرة التبشير بشروا بمسيح تلده عذراء الزهد علامة من علاماته، ومن دائرة التحذير حذروا من مسيح يخرج آخر الزمان فتنة للناس. معه ماء وطعام. وذهب وأهواء، ولكن دوائر التحذير اختلطت بدوائر التبشير. عندما بدأ القوم يحرفون النصوص. وعندما أنستهم مناهج المادة والحس حظا مما ذكروا به، فالتقطوا من بين الخليط ما يتفق مع القاسية قلوبهم. وعندما بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، أقام الحجة على المسيرة البشرية، وأخبر أهل الكتاب بما كانوا يختلفون فيه، ولكن الذين كفروا منهم تكبروا وجادلوا في آيات الله، قال تعالى:
(إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير)(٣٠٣). قال ابن كثير:
نزلت الآية في اليهود، وذلك أنهم ادعوا أن المسيح منهم وأنهم يملكون به الأرض، فأمر الله نبيه. أن يستعذ من فتنة الدجال(٣٠٤) وقال في الميزان:
أخبر سبحانه أن هؤلاء المجادلين لا ينالوا بغيتهم ولن ينالوا، وقال لرسوله. فلا يحزنك جدالهم، وحصر سبحانه السبب الموجب لمجادلتهم في الكبر، يريدون به إدحاض الحق الصريح، وأمره الله أن يستعذ منهم بما لهم من كبر. كما استعاذ موسى من كل متكبر مجادل.

المسيح عليه السلام وأعمدة الأروقة المتصدعة

أولا [على طريق آل هارون]
١ - [الطريق إلى المسيح عليه السلام]
ذكر العديد من المحققين أن اليهود في عهد السبي. انخرطوا في المجتمع. وبالذات أن بابل كانت من أغنى المناطق في بلاد ما بين البحرين، وهذا أتاح لهم العمل في الزراعة والتجارة والأعمال الخاصة، وفي النهاية أصبحوا مواطنين عاديين داخل الدولة يتمتعون بكافة الحقوق السياسية والاجتماعية، وعندما زالت دولة بابل وظهرت الدولة الفارسية التي خضعت لسيطرتها دول المنطقة، استفاد اليهود من سياسة الملك الفارسي (قورش). وكانت المبادئ العامة لهذه السياسة إعادة السكان المبعثرين حول نهر دجلة والفرات إلى أوطانهم، فهذه السياسة أحيت الأمل لدى اليهود في بابل في العودة مرة أخرى إلى فلسطين، وبدأت الزعامة الدينية في الظهور تصنع الأحداث وتقود المسيرة، وذكر العديد من المحققين أن اليهود كانوا في قديم الزمان يسمون فقهاءهم بالحكماء، نظير تعليمهم الشعب القانون الشفهي وإشرافهم عليه، وكان لهؤلاء الحكماء من المدارس في بابل والمدائن والشام. ما لم يكن لأحد من الأمم مثله، وكان لهم في العصر الواحد كثير من الحكماء. في زمان دولة النبط البابليين والفرس ودولة اليونان ودولة الروم.
وبعد أن أحيت سياسة الملك الفارسي قورش الأمل في نفوس اليهود، اتفق السامريون والعبرانيون على إعادة كتابة التوراة في بابل، وشكل العلماء لجنة لهذا الغرض برآسة (عزرا)، وقد جمعت هذه اللجنة معلومات من التاريخ القديم للمسيرة الإسرائيلية. ومعلومات أرادوا إدخالها على النصوص الأصلية(٣٠٥)، وقبل أن تكمل هذه اللجنة عملها.
صدر الأمر الفارسي لليهود بالرجوع إلى أرض كنعان، ويقول أبو الحسن السامري في تاريخه: إن الفارسيين لما سمحوا لليهود بالعودة. طلبوا منهم أن يتحدوا تحت رآسة واحدة. وتكون لهم عاصمة واحدة ليسهل التعامل معهم، فانقسم اليهود. وأصر يهود السامرة أن تكون الرآسة فيهم. وأن يكون هيكلهم في نابلس، وأصر يهود أورشاليم أن تكون الرآسة فيهم. وبكون هيكلهم مكان الهيكل القديم، واشتد العداء بين الفريقين وسجل العهد القديم هذا العداء. عندما شرعوا في بناء الهيكل في أورشاليم(٣٠٦).
وبدأت خطوات المسيرة للقافلة الإسرائيلية بإعادة بناء الهيكل تحت حكم زربابل(٣٠٧) (٥٣٨ ق. م) ثم بدأ ما سمي بعصر الاصلاح تحت حكم عزرا(٣٠٨) (٤٥٨ ق. م) ثم قام نحميا ببناء السور(٣٠٩) (٤٤٥ ق. م) وانتهت مسيرة العهد القديم بسفر النبي ملاخى(٣١٠)، وكانت هناك فترة صمت لا يوجد فيها عهود جديدة. وقررت هذه الفترة بأربعمائة عام. ثم جاء العهد الجديد(٣١١). والشواهد الكتابية للمسيرة الإسرائيلية (من ٥٣٨ - ق. م) تنحصر في أسفار: عزرا، نحميا، استير، حبقون، زكريا، ملاخى، بالإضافة إلى رؤيا دنيال وما أخبر به حزقيال، وبالنظر في حركة المسيرة من خلال هذه الشواهد الكتابية، يجد الباحث أن المسيرة بدأت حركتها بالاختلاف. وعلى هذا الاختلاف ظهرت توراة سامرية تقول أن القبلة في جبل (جزريم)، وأخرى عبرانية تقول بأنها في جبل (عيبال)، وقال يهود السامرة أن المسيح المنتظر من سبط يوسف بن يعقوب، بينما قال أورشاليم أنه من سبط داوود.
وإذا أردنا أن نحكم على المسيرة من خلال الشواهد الكتابية، نجد (نحميا) يقول عند المقدمة: " في تلك الأيام رأيت في يهوذا قوما يدوسون معاصر في السبت... فخاصمت عظماء يهوذا وقلت لهم: ما هذا الأمر القبيح الذي تعملونه وتدنسون يوم السبت. ألم يفعل آباؤكم هكذا فجلب إلهنا علينا كل هذا الشر وعلى هذه المدينة، وأنتم تريدون غضبا على إسرائيل إذ تدنسون السبت"(٣١٢). ويقول " في تلك الأيام أيضا رأيت اليهود الذين ساكنوا نساء أشدوديات وعمونيات وموآبيات، ونصف كلام بنيهم باللسان الأشدودي، ولم يكونوا يحسنون التكلم باللسان اليهودي، بل بلسان شعب وشعب، فخاصمتهم ولعنتهم"(٣١٣).
أما عند النهاية. نجد في (ملاخى) الذي بسفره ينتهي العهد القديم، نجد إدانة واضحة للمسيرة ولقيادتها، قال: " قال لكم رب الجنود: أيها الكهنة المحتقرون اسمي. وتقولون: بم احتقرنا اسمك؟
تقربون خبزا نجسا على مذبحي وتقولون بم نجسناك"(٣١٤). ويقول " والآن إليكم هذه الوصية أيها الكهنة. إن كنتم لا تسمعون ولا تجعلون في القلب لتعطوا مجدا لإسمي، قال رب الجنود: فإني أرسل عليكم اللعنة وألعن بركاتكم، بل قد لعنتها لأنكم لستم جاعلين في القلب"(٣١٥). وقال لهم: " قال رب الجنود: من فيكم يغلق الباب بل لا توقدون على مذبحي مجانا، ليست لي مسرة بكم. قال رب الجنود: ولا أقبل تقدمة من أيديكم"(٣١٦).
وهكذا رأينا عند المقدمة كيف انحرفت المسيرة، ثم رأينا عند النتيجة كيف ضربها اللعن، وفي سفر (ملاخى) وهو آخر أسفار العهد القديم، نجد أن السفر بين للمسيرة قيادة الهدى التي يختتم بها الله المسيرة الإسرائيلية، وبشر بقيادة الهدى التي يختتم بها الله المسيرة البشرية، وفي تحديد قيادة الهدى للمسيرة الإسرائيلية، بين أن الباب الذي فتحه الله في سبط (لاوي). وجاء منه موسى وهارون وبنوه، هو نفس الباب الذي يأتي منه آخر قيادة هدى للمسيرة الإسرائيلية، لتنتقل القيادة بعد ذلك في اتجاه شعب آخر وأرض جديدة. قال (ملاخى) في قيادة الهدى التي ينبني على المسيرة انتظارها: " إني أرسلت إليكم هذه الوصية ليكون عهدي مع لاوي قال رب الجنود: كان عهدي معه للحياة والسلام، وأعطيته إياهما للتقوى فاتقاني، ومن اسمي ارتاع هو، شريعة الحق كانت في فيه، والإثم لم يوجد في شفتيه، سلك معي في السلام والاستقامة وأرجع كثيرين عن الإثم، لأن شفتي الكاهن تحفظان معرفة ومن فمه يطلبون الشريعة، لأنه رسول رب الجنود، أما أنتم فحدتم عن الطريق وأعثرتم كثيرين بالشريعة، أفسدتم عهد لاوي، فأنا أيضا صيرتكم محتقرين ودنيئين عند كل شعب. كما إنكم لم تحفظوا طرقي بل حابيتم في الشريعة"(٣١٧).
من هذه النصوص نجد أن (ملاخى) ذكرهم بالبداية التي عندها نصب الله هارون كاهنا للشريعة وجعلها من بعده في بنيه، وهؤلاء هم ذروة سبط لاوي، ثم بين لهم أن عهد الله مع هؤلاء وليس مع غيرهم، فغيرهم حاد عن الطريق وأفسد في الأرض، ثم أخبرهم بأن الله سيرسل إليهم واحد من هذا السبط ليسوق قاعدة السبط ومن ورائها بقية الأسباط، " ها أنذا أرسل ملاكي فيهئ الطريق أمامي. ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تسرون به، وهو ذا يأتي، قال رب الجنود: ومن يحتمل يوم مجيئه. ومن يثبت عند ظهوره. لأنه مثل نار المحص ومثل أشنان القصار، فيجلس ممحصا ومنقيا للفضة، فينقي بني لاوي ويصفيهم كالذهب والفضة. ليكونوا مقربين للرب تقدمة بالبر، فتكون تقدمة يهوذا وأورشاليم مرضية للرب. كما في أيام القدم وكما في السنين القديم"(٣١٨).
وبعد أن أشار السفر إلى بعثة آخر الأنبياء في سبط لاوي، وهو المسيح عيسى بن مريم كما سنبين في موضعه، تحدث عن اليوم المخوف الذي ينهي المسيرة البشرية، وأخبرهم بأن الله قبل هذا اليوم.
سيبعث إلى البشرية النبي (إيليا) ومهمته هي فتح أبواب الرحمة. قبل أن يضرب الله المستكبرين وكل فاعلي الشر ويحرقهم، قال: " فهوذا يأتي اليوم المتقد كالتنور، وكل المستكبرين وكل فاعلي الشر يكونون قشا، ويحرقهم اليوم الآتي. قال رب الجنود: فلا يبقى، لهم أصلا ولا فرعا، ولكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البر والشفاء في أجنحتها ". ثم قال " هأنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم، لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن "(٣١٩).
وإيليا النبي. وضعه اليهود وفقا لعلم حساب الحروف، ومجموع هذا الاسم يشير إلى اسم النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. الذي يختتم به الله المسيرة البشرية(٣٢٠).
وبهذه الخاتمة انتهى العهد القديم ليبدأ العهد الجديد، الذي يتحدث عن المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام.
٢ - [على أبواب المسيح عليه السلام]
١ - " آل عمران ":
انقسم اليهود حول المسيح المنتظر، ففريق قال إنه يأتي من نسل يوسف. وقال آخرون إنه يأتي من نسل داوود، وذكر (ملاخى) أن الله جعل عهده في سبط (لاوي بن يعقوب). وذكر العهد القديم أن من أبناء لاوي (نحشوم) وولد له (عمرام) وولد لعمرام موسى وهارون ومريم(٣٢١) ومن هذا النسل اختار الله تعالى الهداة الذين يسوقون المسيرة الإسرائيلية إلى الصراط المستقيم.
ولقد كشف يهود أورشاليم برامجهم وثقافاتهم التي تدعو إلى انتظار ابن داوود الذي يعيد مملكة داوود التي تعتبر عنوانا لعهد الله لإبراهيم، وهذه البرامج والثقافات تخالف نصوص قطعية في العهد القديم حدد فيها من أي سبط يأتي المسيح المنتظر، وإذا نظر الباحث في نسل داوود كما جاء في العهد القديم، يجد أن فاتحة النسل جاءت من الزنا كما ذكر العهد القديم، فيهوذا بن يعقوب زنى بامرأة ابنه المسماة (ثامارا) وأنجب منها فارص، وفارص أنجب حصرون، وحصرون أنجب أرام، وأرام أنجب عميناداب، وعميناداب أنجب نحشون، ونحشون أنجب سلمون، وسلمون أنجب بوعز، وبوعز أنجب عوبيد، وعبيد أنجب يس، ويس أنجب داوود، ولما كانت المقدمة بها زنا كما ذكر العهد القديم، فإن هذه المقدمة لا تؤهل النسل في الدخول في جماعة الرب كما ذكر العهد القديم أيضا، وهو قوله " لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب حتى الجيل العاشر. لا يدخل منه أحد في جماعة الرب"(٣٢٢).
وعندما بعث المسيح بن مريم عليهما السلام. وهو من نسل (عجرام) كما سنبين في موضعه. كانت ثقافة التفسير الشفهي للتوراة تغمر الساحة وتمد أتباعها بوقود انتظار بن داوود، وعندما لم يأت المسيح لليهود بما تشتهي أنفسهم رفضوه وتآمروا عليه، وبعد عصر المسيح عليه السلام أراد النصارى إثبات دعوة المسيح أمام اليهود، فألحقوا المسيح بنسل داوود، ليجعلوا اليهود بهذا الالحاق من الخارجين على المسيح عليه السلام، وترتب على هذا الالحاق إشكال، هو أنهم جعلوا للمسيح عليه السلام أربعة أجداد من الزنا، ومن كان كذلك فقد خرج من حزب الله كما صرح العهد القديم، والأجداد الأربعة هم: مؤاب. فارص. بن عمي. سليمان، (أما مؤاب وبن عمى) فهما ابنا لوط. ذكر العهد القديم. أن لوطا زنا سكرانا بابنتيه فولدت له الكبرى مؤاب وولدت الصغرى بن عمى(٣٢٣)، ومن الأول جاء الموابيون ومن الثاني جاء العمونيون، والعهد القديم يقول (لا يدخل عموني ولا موآبي في جماعة الرب حتى الجيل العاشر، لا يدخل منهم أحد في جماعة الرب إلى الأبد"(٣٢٤) (وأما فارص) فولد من ثامارا بعد أن زنى بها يهوذا(٣٢٥) (وأما سليمان) فولد من بت شبع امرأة أوريا حيث زنا بها داوود(٣٢٦) - وحاشاه! والعهد القديم يقول " لا يدخل ابن زنى في جماعة الرب حتى الجيل العاشر"(٣٢٧).
فوقها لهذه النصوص يكون الذين ألحقوا المسيح عليه السلام بنسل داوود، قد أخرجوه في الحقيقة من جماعة الرب إلا الأبد، لأنه لا يدخل جماعة الرب كل ولد زنا ولا سيما المؤابيين وبني عمي وهو منهما، ومما يزيد الإشكال إشكالا أنهم على الرغم من هذا النسب اعتبروا المسيح عليه السلام ابنا لله أو إلها متجسدا في الناسوت وتلك مصيبة كبرى.
وفي إشكال نسب المسيح يقول موريس بوكاي: تطرح شجرتا النسب اللتان يحتوي عليهما إنجيلا متي ولوقا، مشاكل تتعلق بالمعقولية وبالاتفاق مع المعطيات العلمية، ومن هنا فهي مشاكل تتعلق بالصحة، وهي مشاكل تحرج جدا المعلقين المسيحيين.. وبادئ ذي بدء يجب ملاحظة أن هذين النسبين من جهة الرجال كما ذكر إنجيلا متي ولوقا، معدوم المعنى فيما يتعلق بالمسيح، ولو كان من الضروري إعطاء المسيح نسبا وهو وحيد مريم أمه وليس له أب بيولوجي، فيجب أن يكون ذلك النسب من جهة مريم فقط(٣٢٨).
ولقد تضارب إنجيل متي مع إنجيل لوقا في نسب المسيح إلى داوود، فبينما يذكر متي أن من داوود إلى المسيح ٢٦ جيلا، يذكر لوقا إنه ٤١ جيلا، وبينما يذكر متي أن يوسف النجار ابن يعقوب، يذكر لوقا إنه ابن هالي، وبينما يذكر متي أن المسيح من ولد سليمان بن داوود، يذكر لوقا إنه من ولد ناثان بن داوود، وبينما يذكر متي أن شلتائيل ابن يكنيا، يذكر لوقا إنه ابن نيري، وبينما يذكر متي أن ابن زور بابل يدعى أبيهود، يذكر لوقا إنه يدعى ريسا(٣٢٩). وبالجملة: النسب في العهد القديم به ولد زنا، والنصوص القاطعة تفيد أن من جاء من هذا الطريق لا يدخل جماعة الرب، وبعد بعثة المسيح انطلق متي ولوقا في إنجيل كل منهما. من دائرة المسيح إلى دائرة نسب داوود التي ذكرها العهد القديم، لإثبات أن المسيح بن مريم عليه السلام. هو ابن داوود المذكور عند اليهود. فجاء الانطلاق من دائرة إلى دائرة محرجا أمام النصوص.
والقرآن الكريم ينسب المسيح إلى أمه نسبة الولادة، وينسبه إلى الله نسبة الخلقة، ولقد طهر الله تعالى المسيح عن العهر عبر الأصلاب والأرحام وعما ينافي الطهارة إطلاقا بكلمة واحدة، وهي قوله عند ولادته (وجعلني مباركا أينما كنت)(٣٣٠) أي أينما كنت قبل الولادة في رحم أمي وجداتي حتى أمي الأولى حواء، وفي صلب أبيها والآباء حتى آدم الأول، فقد كنت نورا في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة، لم تنجسني الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسني من مدلهمّات ثيابها، فقد كنت مباركا أينما كنت وحيثما كنت، لم أر صلب زان ولا رحم زانية، أو صلب مشرك جهول ورحم مشركة.
وجميع الأنبياء والرسل خرجوا من شجرة واحدة أصلها ثابت وفرعها في السماء، ولقد اصطفى الله الأنبياء وآلهم على العالمين كما في قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)(٣٣١) اصطفى سبحانه آدم عليه السلام لأنه أول خليفة له في الأرض، واصطفى نوح عليه السلام لأنه أول الخمسة أولي العزم من الرسل، وهو أيضا الأب الثاني للنوع الإنساني بعد الطوفان، لقوله تعالى: (وجعلنا ذريته هم الباقين)(٣٣٢) واصطفى سبحانه آل إبراهيم. وهم إسحاق وإسرائيل والأنبياء من بني إسرائيل عليهم السلام. وإسماعيل والطاهر من ذريته وسيدهم محمد (ص)، وقد جاء ذكره في دعاء إبراهيم وإسماعيل عند رفعهما قواعد بيت الله الحرام بمكة. (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) إلى قوله تعالى (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم)(٣٣٣) واصطفى الله آل عمران. وآل عمران من ذرية إبراهيم عليه السلام، ولكن الله أفردهم في آية الاصطفاء ليكون في هذا إشارة بأن الله تعالى قدمهم على الناس في أمر أو أمور لا يشاركهم فيه أو فيها غيرهم.
وآية الاصطفاء في خطوطها العريضة إعلان للبشر بأن هؤلاء الطيبين الذين خصهم الله والحق بهم من اختارهم، هم في الحقيقة خير أمة أخرجت للجنس البشري. ليقودوه على فترات إلى صراط الله العزيز الحميد، وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية كان عهد الله في سبط (لاوي) وذروة هذا السبط هو عمرام، وولد لعمرام موسى وهارون ومريم كما ذكر العهد القديم، وأمر الله بني إسرائيل بالطاعة لكهانة هارون ومن بعده لكهانة بنيه، وعلى امتداد المسيرة امتحن الله تعالى بني إسرائيل بهذه الذرية وبجملة عهوده ووصاياه تعالى، وشاء الله أن تختتم المسيرة بآل عمران، فجاءت الخاتمة يحمل عمودها الفقري نفس الأسماء التي وردت في المقدمة، لعل القافلة أن تتذكر وتنصت إلى أقوال ملاخى وغيره، ولا تلتفت لأقوال الفرق العديدة التي أفرزها التفسير الشفهي للتوراة.
إن المقدمة جاء ذكرها في العهد القديم. بقوله " إن امرأة عمرام يوكابد. ولدت لعمرام هارون وموسى ومريم"(٣٣٤) أما الخاتمة فقد جاء ذكرها في القرآن في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا)(٣٣٥) وقال تعالى: (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها)(٣٣٦) فالخاتمة أمام اليهود تحمل عناوين المقدمة، واليهود كانوا يعلمون أن مريم بنت عمران في حاضرهم تنتسب إلى عمران في ماضيهم. لكنهم ركبوا مراكب الاستكبار، ومن الدليل على ذلك. أن التشريع الوارد في سفر العدد.
يحتم أن تتزوج كل بنت من أسراتها إن أرادت الزواج من يهودي، لقوله " وكل بنت ورثت نصيبا من أسباط بني إسرائيل، تكون امرأة لواحد من عشرة سبط أبيها، لكي يرث بنو إسرائيل كل واحد نصيب آبائه"(٣٣٧) أي إن من هو من سبط روابين مثلا. يتزوج من سبطه ولا يتزوج من سبط شمعون. وهكذا، والنبي زكريا طبقا للشريعة تزوج من امرأة من بنات هارون فقد جاء في الإنجيل " كان في أيام هيرودوس ملك اليهودية. كاهن اسمه زكريا من فرقة إبيا، وامرأته من بنات هارون واسمها اليصابات"(٣٣٨) والعذراء مريم أم المسيح عليهما السلام. يحكي لوقا إنها كانت قريبة لأليصابات، ومعنى ذلك إنها تكون من نفس السبط الذي منه اليصابات، ولما ثبت أن اليصابات من بنات هارون. فإنه يثبت بالضرورة أن مريم عليها السلام من بنات هارون.
ومن الدليل أيضا على أن اليهود كانوا يعرفون حقيقة النسب، أنهم أفسحوا للمسيح الطريق ليلقي بمواعظه داخل الهيكل. ذكر يوحنا: أن المسيح حضر إلى الهيكل. وجاء إليه جميع الشعب فجلس يعلمهم(٣٣٩).
وذكر لوقا: دخل المسيح المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرأ(٣٤٠) وما كان اليهود ليسمحوا بذلك إلا لعلمهم أن المسيح الذي تربت أمه في الهيكل بعد أن كفلها زكريا الذي ينسب لهارون. يحمل العلم الذي علموا موضعه على امتداد المسيرة والقرآن الكريم أخبر في آياته أن اليهود كانوا يعرفون هذا. وأن الحجة قامت عليهم بما علموا وبما قدمه المسيح وحمله إليهم، وقال تعالى بعد أن وضعت العذراء ولدها (فأتت به قومها تحمله. قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا)(٣٤١) قال صاحب الكشاف: قوله " يا أخت هارون " إنما عنى هارون النبي، وكانت من أعقابه في طبقة الأخوة، وعن أبي طلحة والسدي في قوله " يا أخت هارون " أي أخي موسى. وكانت من نسله(٣٤٢).
لقد كانت شرافة النسب تقتضي القول: أنها أخت موسى لا هارون، لأفضلية موسى على هارون، ولكن جاء انتسابها لهارون دون أبيها عمران ودون موسى. لتكون الحجة عليهم دافعة وهم يتلون الكتاب ويفسرونه التفسير الذي لا يقره أبناء هارون.
والخلاصة: لقد وضع اليهود النسب الذي يتفق مع أهوائهم، ثم شيدوا على هذا النسب فتن لا تقود إلا إلى الدجال، ولقد بينت الرسالة الخاتمة أن للدجال كنى وأسماء تستقيم مع فتنته. منها: ابن داوود، أبو يوسف(٣٤٣) والنصارى الذين دونوا نسب المسيح لم يلتفتوا إلى أن المسيح ليس له أب بيولوجي، وأن نسبته إلى يوسف النجار لا جدوى من ورائها، لأن النسب يجب أن يكون من جهة العذراء فقط، لكنهم عملوا خلاف ذلك، واتبعوا النسب الذي وضعه اليهود، اعتقادا منهم أن متابعة اليهود في هذا، فيه إدانة لليهود الذين لم يؤمنوا بدعوة المسيح عليه السلام، ولكن هذا النسب الذي تجاهل سبط لاوي الذي على ذروته آل عمران، قاد الذين ينتظرون المسيح ابن داوود أو المسيح ابن يوسف، إلى فتنة وصفتها الرسالة الخاتمة بأنها أعظم فتنة منذ ذرأ الله ذرية آدم.
٢ - " الأعمدة المتصدعة وآل هارون ":
وقبل بعثة المسيح عليه السلام كانت المسيرة قد ارتوت من مياه الأمم الذين تعاقبوا على حكم فلسطين، وكان لهذا الارتواء أثرا بالغا في بناء الشخصية الإسرائيلية بعد عهد السبي، والدول التي تعاقبت على حكم فلسطين بعد السبي هي: فارس (٥٣٨ - ٣٣٣ ق. م)، اليونان (٣٣٣ - ٣٤٣ ق. م) مصر (٣٢٣ - ٢٠٤ ق. م)، سور يا (٢٠٤ - ١٦٧ ق. م)، المكابين (١٦٧ - ٦٣ ق. م) وفيها كان اليهود مستقلين من الناحية العملية، روما (٦٣ ق. م) وامتد حكم الرومان حتى (٦٣٣ م)(٣٤٤). وعلى امتداد هذه الفترة كان لليهود تجهيزاتهم التي أقاموها للحفاظ على تعاليمهم التي تقود إلى أهدافهم، وكان الحي اليهودي يذخر بالفرق المتعددة ومن أهم هذه الفرق: (الفريسيين) وهؤلاء أهم فرق اليهود وأكثرهم خطرا، ويتمسكون بالتفسير الشفهي (التلمود) وتقليد الشيوخ السابقين(٣٤٥). ولقد حذر المسيح عليه السلام من هذه الفرقة(٣٤٦). ومنهم جاء القديس بولس الذي قاد المسيرة المسيحية فيما بعد. وسنبين ذلك في موضعه، (الصدوقيين) وهؤلاء يتمسكون بالناموس المكتوب(٣٤٧)، (والأسنيين) وهؤلاء يمارسون حياة رهبانية وهم يمثلون اليهودية السرية(٣٤٨)، (الهيروديين) وهم حزب سياسي يريد إرجاع السلطة إلى عائلة هيرودس(٣٤٩)، (الغيورين) وهؤلاء حزب قومي مستقل يؤيد استعمال العنف والقسوة(٣٥٠)، وكان يوجد داخل الحي اليهودي العديد من المؤسسات أهمها: (المجمع اليهودي) وهو مبنى يجتمع فيه اليهود لقراءة الأسفار، وهو كان للتعليم(٣٥١)، (السنهدرين) وهم السلطة القضائية والدستورية العليا عند اليهود(٣٥٢)، (العشارين) وهم يهود يجمعون الضرائب للرومان(٣٥٣)، (الكتبة) وهم طبقة من الشعب مهمتهم شرح الناموس، ولقد أكثروا من التقاليد الشفاهية. وحددوا قواعد تشمل النواحي العملية للحياة اليومية، وهم يسمون بالمحامين والمعلمين والربيين(٣٥٤)، (الناموس الشفاهي) وهو مجموعة التعليقات والتفاسير التي تدور حول ناموس موسى(٣٥٥) ويشرف عليه كبار الحاخامات.
فتحت حكم الأمم تشكلت الشخصية الإسرائيلية بعد السبي، وهذا التشكيل حمل معالم الشخصية الإسرائيلية قبل وأثناء السبي، وقبل بعثة المسيح عليه السلام كانت الفرق الإسرائيلية المتعددة تتصارع على رقعة الاختلاف والجميع يتجه نحو هدف واحد، وهذا الهدف نسجته الفتن المتعددة. وفي النهاية ارتدى ثياب أمير السلام. الذي يعيد مجد مملكة داوود الوعد الإلهي لإبراهيم. وهذه الثياب يشرف على صيانتها العديد من المؤسسات التي تتمركز حول التفسير الشفهي للناموس (التلمود). وفي هذه الأجواء المشحونة بالرفض لكل منهج لا يخلص اليهود من حكم الأجانب، لطف الله تعالى بعباده وبعث إليهم من يقيم عليهم الحجة ويسوقهم إلى صراط الله العزيز الحميد، لينظر سبحانه إلى عباده كيف يعملون تحت سقف الامتحان والابتلاء.
وعند خاتمة المسيرة الإسرائيلية، بعث الله تعالى النبي يحيى والنبي عيسى، وكل منهما يحمل معالم جفاف المسيرة، ليتدبر فيها أصحاب العقول والأفهام، وليعلموا أن القيادة ستنزع من أيديهم وتكون لشعب آخر من أبناء إبراهيم، ومعالم الجفاف أن النبي يحيى ولد لأب اشتعل رأسه شيبا ولأم عاقر، أما المسيح عليه السلام فولد لعذراء لم يمسسها بشر، لقد جاء يحيى من طريق أبوين الذرية لهما أمر غير معهود. ليكون مصدقا بعيسى عليه السلام الذي جاء من جهة كلمة الايجاد (كن)، وذلك لأن سائر الأفراد من الإنسان يجري ولادتهم على مجرى الأسباب العادية المألوفة، ولكن ولادة المسيح عليه السلام لم تجر هذا المجرى. لأنه فقد بعض الأسباب العادية. لهذا كان وجوده بمجرد كلمة التكوين (كن) ولم يتخلل هذا الوجود الأسباب العادية.
لهذا كان الباب الذي دخل منه آخر أنبياء بني إسرائيل، باب يدعو المسيرة إلى التدبر والإيمان. وليحذروا المخالفة لأنها ستنتج على آخر الطريق فتنة، ومعنى أن يغلقوا على أنفسهم باب الفتنة. أن قيادة المسيرة البشرية لن تكون من داخل الأبواب المغلقة، إنما ستنتقل إلى مكان أوسع وأرحب، والله تعالى يورث الأرض لمن يشاء من عباده.
في نهاية المسيرة جاءت دعوة زكريا عليه السلام، وكان متزوجا من اليصابات من بنات هارون(٣٥٦) ويقول إنجيل لوقا فيهما إنهما بارين أمام الله سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه"(٣٥٧). وقال " لم يكن لهما ولد. إذ كانت اليصابات عاقرا وكلاهما قد تقدم في السن كثيرا"(٣٥٨). وذكر لوقا: بينما كان زكريا يؤدي خدمته الكهنوتية أمام الله سأله الولد. فظهر له ملاك وقال له: لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت. وزوجتك ستلد لك ابنا تسميه يوحنا. وسوف يكون عظيما أمام الرب، والقرآن الكريم ذكر هذه المعجزة في قوله تعالى: (قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا. وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا. فهب لي من لدنك وليا يرثني وبرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا. يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا)(٣٥٩).
وجاء يحيى وريث زكريا وآل يعقوب، ليكون حجة على مسيرة خرج معظمها عن سبيل آل يعقوب، وبدأ يحيى دعوته، جاء في إنجيل متي " في تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان (يحيى) يكرز في برية اليهودية قائلا: توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات. فإن هذا هو الذي قيل عنه بأشعيا النبي القائل: صوت صارخ في البرية. أعدوا طريق الرب.
اصنعوا سبله مستقيمة"(٣٦٠)، ويقول متي هنري في تفسيره: كانت مهمة يوحنا دعوة الناس للتوبة عن خطاياهم، فقوله " توبوا " هي في الأصل اليوناني " تأملوا أو فكروا مليا " أي: ليكن لكم فكرا آخر لتصلحوا أخطاء الماضي، تأملوا طرقكم. جددوا أذهانكم، لقد أخطأتم التفكير فأعيدوا التفكير وأحسنوا التفكير(٣٦١).
ولكن القوم لم يتأملوا ولم يفكروا وعكفوا على أطروحة أرض الميعاد التي كتبها الله لإبراهيم دون قيد وشرط. ورفعت فرقة (الفريسيين) أعلام الصد عن سبيل الله. يقول إنجيل متي " ولما رأى يوحنا كثيرين من الفريسيين والصدوقيين يأتون اليه ليتعمدوا قال لهم: يا أولاد الأفاعي. من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي. فأثمروا ثمرا يليق بالتوبة ولا تغللوا أنفسكم قائلين: لنا إبراهيم أبا. فإني أقول لكم:
إن الله قادر أن يطلع من هذه الحجارة أولاد إبراهيم، وها إن الفأس قد ألقيت على أصل الشجرة. فكل شجرة لا تثمر ثمرا جيدا تقطع وتطرح في النار"(٣٦٢)، ويقول متي هنري في تفسيره: نرى يوحنا يوجه حديثه إلى هؤلاء القوم بمنتهى الصراحة والأمانة، وما قاله يوجهه في نفس الوقت إلى كل الجموع.. فاللقب الذي ناداهم به هو " يا أولاد الأفاعي ". ولقد أعطاهم المسيح نفس هذا اللقب، لقد كانوا كالأفاعي إذ كانت لهم صورة التقوى والمظهر الخلاب. إلا أنهم مملوئين سما مشحونين خبثا وعداوة لكل ما هو حسن، وكانوا أولاد الأفاعي نسل وذرية الأفاعي، فكان السم يسري في دمهم وعظامهم. وكانوا يفتخرون بأنهم ولدوا من إبراهيم، ولكن يوحنا بين لهم أنهم من نسل الحية وإن إبليس هو أبوهم(٣٦٣). وقال لهم يوحنا (يحيى): " إن كنتم أولاد إبراهيم. فلا تفتكروا إنكم لا تحتاجون إلى التوبة وإنه لا شيء هنالك تتوبون عنه وإن علاقتكم بإبراهيم لص اهتمامكم بالعهد الذي قطع معه يجعلانكم مقدسين.
ولا يوجد هنالك داع لتجديد أذهانكم وإصلاح طرقكم، ولا تفتكروا بأنكم ستنجحون حتى وإن كنتم لا تتوبون... أو وأن الله سيتغاضى عن عدم توبتكم لأنكم أولاد إبراهيم"(٣٦٤) ويقول متي هنري " يقولون لنا إبراهيم أبا. ولذلك لنا الحق في امتيازات العهد الذي قطعه الله معهم..
يا لغباوتهم في هذا الادعاء الذي لا أساس له، لقد توهموا بأنهم وقد صاروا أولاد إبراهيم. فإنهم هم شعب الله الوحيد في هذا العالم، ولقد بين لهم يوحنا جهلهم الفاضح في هذا الادعاء الباطل والغرور الكاذب.
فقال " مهما افتكرتم أن تقولوا في أنفسكم. أن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاد إبراهيم، إن امتحانكم دقيق جدا وقريب جدا، الآن قد وضعت الفأس وقد رفعت أمام أنظاركم ووضعت على أصل الشجرة، الآن ستوضعون في كفة الميزان لحظة واحدة، الآن قد تحددت نهايتكم للهلاك الذي لا يمكن أن تفلتوا منه إلا بالتوبة العاجلة الصادقة، الآن قد منحكم الله آخر فرصة للاختبار، إما أن تنتهزوا الفرصة الآن. أو تضيع من أيديكم إلى الأبد، وبين كيف أن القصاص منهم سيكون صارما إن لم ينتهزوا الفرصة، الحقيقة يوضحها يوحنا بوضع الفأس على أصل الشجرة، ليبين لهم أن الله قضى أن كل شجرة مهما ارتفعت بمواهبها وأمجادها. ومهما بدت خضراء بمظهرها الخارجي، أن لم تصنع أثمارا صالحة تليق بالتوبة فإنها تقطع، لا يعترف بها كشجرة في كرم الله، تصبح غير جديرة بأن تحتل مكانا هناك وتلقى في النار، وهي أليق مكانا للأشجار الجافة لأنها لا تصلح لشئ آخر، إن لم تصلح للأثمار تصلح للنار(٣٦٥).
ويقول متي هنري: لقد كانوا عصابة الأفاعي كلهم متساوون في الشر، ورغم أنهم كانوا أعداء بعضهم لبعض. إلا إنهم كانوا متحالفين في الشر، إن نسل الشرير هو نسل الأفاعي، ولقد كان الانذار الذي وجهه لهم يوحنا " من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي " يتضمن أنهم كانوا في خطر الوقوع تحت طائلة الغضب الآتي. وأنه لا أمل لهم في النجاة منه، لأن قلوبهم قد قست، الفريسيين بسبب تمسكهم بمظهر الديانة. والصدوقيون بسبب كثرة مناقشتهم عن الديانة، حتى كان يصبح كل مجهود لمحاولة التأثير عليهم مقضيا عليه بالفشل، لقد كان هناك غضبا آتيا. ومن واجب كل واحد أن يهرب من هذا الغضب. ومن رحمة الله أنه يحذر للهروب من هذا الغضب.
لقد كان يحيى (يوحنا) يتحدث بالحق الذي تحدث به آل يعقوب، وكان عليه السلام يقف على أرضية آل عمران (آل هارون)، قال متي هنري: وكان يوحنا كاهنا على طقوس هارون(٣٦٦) وبينما كان يدعو الشعب للتوبة والإيمان بالله وسلوك سبيل آل هارون، كان يعلن أمامهم أنه يمهد الطريق للمسيح عيسى ابن مريم. ويقول " لست المسيح. بل أنا رسول يمهد له الطريق "(٣٦٧). وكان الشعب قد علم من قديم. على لسان الأنبياء والرسل ببشارة تقول " ها العذراء تحبل وتلد ابنا "(٣٦٨).
وعندما ولدت العذراء وشب ولدها عليه السلام، يقول إنجيل متي " جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليتعمد منه "(٣٦٩) ولأن حبل النبوة حبل واحد. وحلقات الأنبياء يكمل بعضها بعضا، قال يوحنا للمسيح: " هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر "(٣٧٠). وكان المسيح عليه السلام آخر أنبياء الشجرة الإسرائيلية التي جعلها الله حجة على المسيرة الإسرائيلية، وانتهت حياة نبي الله زكريا ونبي الله يحيى نهاية دموية، روى أن القوم عندما عقدوا العزم على قتل زكريا. هرب منهم فانفرجت له شجرة فدخل جوفها ثم التأمت عليه، وعندما علم القوم نشروا الشجرة فقطعوها وقطعوه نصفين، أما يحيى عليه السلام. فسجنوه. ثم قتلوه. ثم قطعوا رأسه. وحملت إلى ملك بني إسرائيل ليقدمها هدية لامرأة كان قد افتتن بها(٣٧١)
ثانيا [دعوة المسح عليه السلام]
١ - [أصول الدعوة]
تجري دعوة المسيح عليه السلام في اتجاهين يصبان في هدف واحد، الاتجاه الأول: دعوة بني إسرائيل وتصحيح عقائدهم واتجاهاتهم وسوقهم إلى صراط الله العزيز الحميد، وهذا الاتجاه ينطلق من التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام، والاتجاه الثاني: هو التبشير بنبي الإسلام خاتم الأنبياء والمرسلين، وهذا الاتجاه ينطلق من بشارات الأنبياء السابقين، ويبشر به المسيح عليه السلام وفقا لسنة الإخبار بالغيب عن الله، وهي سنة جارية. فكل نبي يخبر بالذي يليه، ويمكن القول بأن دعوة المسيح عليه السلام دعوة تربط بين الدعوة الإلهية التي حملها بنو إسرائيل. وبين الدعوة الإلهية التي يبعث بها النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، والدعوة الإلهية منذ ذرأ الله ذرية آدم هي دعوة واحدة. ولا تدعو النبوة إلا إلى دين واحد وهو التوحيد، وعلى هذا فإذا كذب الناس أحد الأنبياء فقد كذبوا كل الأنبياء في الحقيقة.
وأصول دعوة المسيح عليه السلام في قوله تعالى: (وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)(٣٧٢).
فالذي حكاه تعالى عن عيسى عليه السلام ملخص دعوته، وقد أعلن أصل دعوته بقوله " أني رسول الله إليكم " فأشار إلى أنه لا شأن له إنه حامل رسالة من الله إليهم، ثم بين متن ما أرسل إليهم لأجل تبليغه في رسالته بقوله " مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول " الخ.
فقوله " مصدقا لما بين يدي من التوراة " بيان أن دعوته لا تغاير دين التوراة. ولا تناقض شريعتها بل تصدقها ولم تنسخ من أحكامها إلا يسيرا، والنسخ بيان انتهاء أمد الحكم وليس بإبطال. ولذا جمع عليه السلام بين تصديق التوراة ونسخ بعض أحكامها فيما حكاه الله تعالى من قوله (مصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم)(٣٧٣)، ولم يبين لهم إلا بعض ما يختلفون فيه، كما في قوله (قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون)(٣٧٤).
وبالجملة: فالمسيح يحمل رسالة من الله إلى بني إسرائيل، وهذه الرسالة لا تناقض التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام، بل هو مصدقا لما علمه الله من التوراة النازلة على موسى، وأنه عليه السلام جاء لنسخ بعض الأحكام المحرمة المكتوبة عليهم، كما في قوله تعالى: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم)(٣٧٥). وما حرم عليهم أشار إليه قوله تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم)(٣٧٦).
والأناجيل الحاضرة أشارت إلى أن دعوة المسيح موجهة إلى بني إسرائيل دون غيرهم. جاء في إنجيل متي قول المسيح " لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة "(٣٧٧) وأشارت إلى أن الدعوة لا تغاير دين التوراة ولا تناقض شريعتها بل تصدقها. وإنها تنسخ بعض الأحكام التي انتهى أمد حكمها. جاء في إنجيل متي قول المسيح " لا تظنوا أني جئت لألغي الشريعة أو الأنبياء. ما جنت لألغي بل لأكمل"(٣٧٨) ويقول متي هنري في تفسيره: إن المسيح في كل النواحي خضع للناموس وأكمله.
أكرم والديه وقدس السبت وصلى وأعطى صدقه. وأطاع طاعة كاملة(٣٧٩).
وكان المسيح عليه السلام يحمل المعجزات التي تؤيد صدق دعوته. ومنها النفخ في الطين فيكون طيرا بإذن الله. وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. وينبأهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. وكان عليه السلام يحمل معجزة العلم بالكتاب والحكمة. وهو قوله تعالى: (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل)(٣٨٠) وما جاء به المسيح عليه السلام. أصاب علماء بني إسرائيل بالدهشة. وعلى الرغم من هذا حاولوا قتله. جاء في إنجيل يوحنا " صعد يسوع إلى الهيكل وبدأ يعلم الناس. فدهش اليهود وتساءلوا: كيف يعرف هذا الكتاب وهو لم يتعلم. فأجابهم يسوع: ليس تعليمي من عندي بل من عند الذي أرسلني. ومن أراد أن يعمل بمشيئة الله يعرف ما إذا كان تعليمي من عند الله أو أنني أتكلم من عندي. من يتكلم من عنده يطلب المجد لنفسه.
أما الذي يطلب المجد لمن أرسله فهو صادق لا إثم فيه. أما أعطاكم موسى الشريعة ولكن ما أحد منكم يعمل بالشريعة. لماذا تسعون إلى قتلي؟"(٣٨١). وجاء في إنجيل متي " بهت الجميع من تعاليمه لأنه يعلمهم كمن له سلطان "(٣٨٢).
كان هذا هو الشطر الأول من دعوته عليه السلام، أما الشطر الثاني فهو قوله " ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد " ومن المعلوم أن البشرى هي الخبر الذي يسر المبشر ويفرحه. ولا يكون إلا بشئ من الخير يوافيه ويعود إليه، والخير المترقب من بعثة النبي أحمد ودعوته. هو انفتاح باب من الرحمة الإلهية على الناس فيه سعادة دنياهم وعقباهم، من عقيدة حقة أو عمل صالح أو كليهما.
وقال صاحب الميزان: ويعود معنى كلامه " إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا.. " الآية. إلى: أني رسول الله إليكم أدعو إلى شريعة التوراة ومنهاجها - ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم - وهي شريعة سيكملها الله ببعث نبي يأتي من بعدي اسمه أحمد، وهو كذلك. فإمعان التأمل في المعارف الإلهية التي يدعو إليها الإسلام، يعطي أنها أدق مما في غيره من الشرائع السماوية السابقة، وخاصة ما يندب إليه من التوحيد. الذي هو أصل الأصول الذي يبتني عليه كل حكم ويعود إليه كل من المعارف الحقيقية، وكذا الشرائع والقوانين العملية التي لم تدع شيئا مما دق وجل من أعمال الإنسان الفردية والاجتماعية. إلا عدلته وحدت حدوده وقررته على أساس التوحيد ووجهته إلى غرض السعادة، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: (الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)(٣٨٣).
وقوله " اسمه أحمد " دلالة السياق على تعبير عيسى عليه السلام عنه صلى الله عليه وآله وسلم بأحمد، وعلى كونه اسما له يعرف به عند الناس، كما كان يسمى بمحمد ظاهرة لا سترة عليها، ويدل عليه قوله حسان:

صلى الإله ومن يحفف بعرشه * * والطيبون على المبارك أحمد

ومن أشعار أبي طالب قوله:

وقولوا لأحمد أنت أمرء * * خلوف اللسان ضعيف السبب
ألا إن أحمد قد جاءهم * * بحق ولم يأتهم بالكذب

وقوله مخاطبا للعباس وحمزة وجعفر وعلي بنصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

كونوا فدى لكم أمي وما ولدت * * في نصر أحمد دون الناس أتراسا

ومن شعره فيه صلى الله عليه وآله وسلم وقد سماه باسمه الآخر محمد:

ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * * نبيا كموسى خط في أول الكتب

ويستفاد من البيت أنهم عثروا على وجود البشارة به صلى الله عليه وآله وسلم. في الكتب السماوية التي كانت عند أهل الكتاب يومئذ ذاك، ويؤيده أيضا إيمان جماعة من أهل الكتاب من اليهود والنصارى وفيهم قوم من علمائهم كعبد الله بن سلام وغيره، وقد كانوا يسمعون هذه الآيات القرآنية التي تذكر البشارة به صلى الله عليه وآله وسلم، وذكره في التوراة والإنجيل. فتلقوه بالقبول ولم يكذبوه. ولا أظهروا فيه شيئا من الشك والترديد(٣٨٤) وخلو الأناجيل الدائرة اليوم من بشارات عيسى عليه السلام بما فيها من الصراحة. فالقرآن الكريم في غنى عن تصديقها. لأنه الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وهو المعجزة الباقية، والبشارات بنبي الإسلام (ص) لا يخلو الكتاب المقدس منها، وبعض هذه البشارات حرفت وغيرت إما بتغيير لفظ أو محل. وإما بزيادة أو نقصان. أو غير ذلك.
ولقد ذكر العهد القديم بشارات إذا تدبرها الباحث وجد أنها لا تستقيم إلا مع البعثة الخاتمة، وسنلقي ضوءا على هذه البشارات في موضعها، أما العهد الجديد فلقد بشر بالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم في مواضع، وبشر بشريعته تحت عنوان " اقترب ملكوت السماوات "، وكان المسيح عليه السلام يقول لتلاميذه " أكرزوا قائلين: إنه اقترب ملكوت السماوات"(٣٨٥)، ومعنى الملكوت الذي أشار إليه المسيح:
السلطنة والحكم، ويشير إليه قول الله تعالى لرسوله الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم (قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون. سيقولون لله. قل فأنى تسحرون. بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون. ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون)(٣٨٦)، وقال المفسرون: الملكوت هو الملك. بمعنى: السلطنة والحكم، وقد فسر تعالى ملكوته بقوله: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. فسبحانه الذي بيده ملكوت كل شيء)(٣٨٧)، فكون ملكوت كل شيء بيده أن ملكه تعالى محيط بكل شيء ونفوذ أمره ومضي حكمه ثابت على كل شئ، والنظر في ملكوت الأشياء يهدي الإنسان إلى التوحيد هداية قطعية، قال تعالى: (أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وإن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعد. يؤمنون)(٣٨٨).
فالمسيح عليه السلام بشر بالنبي الخاتم الذي تحقق شريعته الاستكمال الإنساني، ويقوم دينه على التوحيد الذي لا يرى غير الله من يملك أي شئ، وينطلق في دعوته من ينبوع دين الله في فطرة الإنسان نفسه. إلى صفحة الكون الواسع العريض التي تعليه على الوجود. إن الإيمان بالله أمر فطري ولا يحتاج إلى معجزة لتثبته، فدعوته من الفطرة وإلى الفطرة، ويؤكد هذا المعنى أن المسيح عليه السلام أشار إلى الفطرة وهو يتحدث عن ملكوت الله، جاء في إنجيل متي " في تلك الساعة تقدم التلاميذ إلى يسوع يسألونه: من هو الأعظم إذن في ملكوت السماوات؟ فدعا إليه بولد صغير وأوقفه وسطهم وقال: الحق أقول لكم إن كنتم لا تتحولون وتصيرون مثل الأولاد الصغار. فلن تدخلوا ملكوت السماوات أبدا"(٣٨٩) ويقول متي هنري في تفسيره: قوله " إن لم ترجعوا " وحسب الترجمة الإنجليزية " يجب أن تتجددوا " أو " تتغيروا، أي: يجب تجديد ذهنكم. يجب أن يكون لكم شكل آخر وطبع آخر وأفكار أخرى، سواء عن أنفسكم أو عن ملكوت السماوات، يجب أن ترجعوا إلى أنفسكم، يجب أن تصيروا مثل الأولاد(٣٩٠).
لقد دعا المسيح عليه السلام إلى طرح الاعتقادات الباطلة التي أنتجتها المسيرة وعليها شبت الأجيال، وعلى ثقافتها سارعوا في الأرض فسادا طمعا في نشر شباك التهويد والتوثين على الفطرة، وبين أن هناك الشباك ستكون عائقا أمام صاحبها عندما يبعث نبي شريعة الملكوت، ولأجل هذا فلا بد من طرح الشباك لكي تستقبل الفطرة زادها، وشباك الاعتقادات الباطلة هذه، أشار إليها النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. بقوله " ما من مولود إلا يولد على الفطرة. فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه "(٣٩١).
والمسيح عليه السلام كان يمهد الطريق أمام نبي الدعوة الخاتمة.
وأقام الحجة على أصحاب شباك التعتيم في المسيرة الإسرائيلية. لكي يستقبلوا وتستقبل أجيالهم الدعوة التي ما زالت في بطن الغيب. على أرضية ذات شكل آخر وطبع آخر وأفكار أخرى، ولكي يزيل المسيح عليه السلام شباك التعتيم، كان يكلم الشعب بطريقة ضرب الأمثال لهم لعلهم يفقهون، جاء في إنجيل متي " فتقدم إليه التلاميذ وسألوه: لماذا تكلمهم بالأمثال؟ فأجاب: لأنه قد أعطى لكم أن تعرفوا أسرار ملكوت السماوات، أما أولئك فلم يعط لهم ذلك، فإن من عنده يعطي المزيد فيفيض. وأما من ليس عنده ينتزع منه، لهذا السبب أكلمهم بأمثال، فهم ينظرون دون أن يبصروا ويسمعوا دون أن يسمعوا أو يفهموا، ففيهم قد تمت نبوءة أشعيا حيث يقول: سمعا تسمعون ولا تفهمون، ونظرا تنظرون ولا تبصرون، لأن قلب هذا الشعب قد صار غليظا. وصارت آذانهم ثقيلة السمع. وأغمضوا عيونهم. لئلا يبصروا بعيونهم. ويسمعوا بآذانهم. ويفهموا بقلوبهم. ويرجعوا إلي فأشفيهم"(٣٩٢) يقول متي هنري:
أجابهم المسيح أنه علم بالأمثال، لأن بها تصبح الأمور أكثر وضوحا وسهولة، للذين يريدون أن يتعلموا. وفي نفس الوقت تصبح أكثر صعوبة وغموضا للجهلاء بإرادتهم، إن للتلاميذ معرفة وأما الشعب فليس لهم معرفة، لأن قلب هذا الشعب قد ثقل، ولا غرابة لمن كان قلبه هكذا إذا صارت الآذان ثقيلة السمع، ولأنهم مصرين على أن لا يروا النور آتيا إلى العالم حينما أشرق شمس البر، بل أغلقوا نوافذهم.
لأنهم أحبوا الظلمة أكثر من النور. إن النظر والسمع والفهم لازمه للرجوع والتجديد(٣٩٣).
وفي أوامر المسيح للتلاميذ " أكرزوا قائلين إنه اقترب ملكوت السماوات"(٣٩٤) يقول متي هنري: هذا هو رأس الموضوع، ويجب أن يتوسعوا في شرحه، ليعرف الناس أن ملكوت المسيا(٣٩٥) يجب أن يؤسس الآن حسبما جاء في الكتب، الأمر الذي يتطلب أنهم يجب أن يتوبوا عن خطاياهم. ويتركوها لكي يؤهلوا لامتيازات هذا الملكوت، والتوبة تتفق مع تطبيق هذا التعليم الخاص باقتراب الملكوت، لذلك يجب أن ينتظروا وأن يسمعوا عن هذا المسيا الذي طال انتظاره. أكثر مما سمعوا. يجب أن يكونوا مستعدين لقبول تعاليمه والإيمان به والخضوع له، لقد كانت المناداة بهذا كنور الصباح الذي يبشر بقرب شروق الشمس(٣٩٦).
كانت هذه إشارات إلى رسالة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، يتبينها كل باحث عن الحقيقة. عند تدبره لأحداث المسيرة الإسرائيلية وما أنتجته من فتن واختلافات، وعند تدبره لمنهج البعثة الخاتمة. وما قدمه للبشرية من زاد ودواء يشفى من كل داء. وسنقدم المزيد من هذه البشارات في موضعها.
والخلاصة: كان الشطر الأول من دعوة المسيح عليه السلام، يتعلق الحجة التي تهدي إلى صراط الله، وكان الشطر الثاني من الدعوة هو تجهيز الماضي وحاضر الدعوة، لاستقبال دعوة جديدة في أرض جديدة، وعلى هذا فدعوة المسيح دعوة رابطة، تهدي مسيرة إلى مسيرة، لينطلق الجنس البشري تحت سقف الامتحان والابتلاء. لينظر الله كيف يعملون.
٢ - [الدعوة والمفاصلة]
بدأ المسيح عليه السلام في بث دعوته داخل بني إسرائيل. واختار عليه السلام اثني عشر رجلا ليلازموه ويرسلهم ليبشروا بملكوت السماوات، ولم تكن مهمة المسيح مهمة سهلة داخل الحي اليهودي.
لأن هذا الحي عج بالعديد من الفرق والمؤسسات التي تتجه نحو هدف واحد. حددته الأطروحات والثقافات التي تقول بشعب الله المختار.
وتنتظر المسيح بن داود ليعيد الميراث الذي أعطاه الله لإبراهيم، ولم تكن مهمة المسيح أن يأتي لهؤلاء بما تهوى أنفسهم، وإنما كانت مهمته أن يدعوهم إلى عبادة الله عبادة خالصة، وأن يعيدهم إلى الطريق الذي يخلو من جميع بصمات الأمم، ذكر إنجيل مرقص أن المسيح سئل " أية وصية هي أول الكل؟ وأجاب يسوع: إن أول كل الوصايا هي: إسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد، وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك، هذه هي الوصية الأولى"(٣٩٧) وهذه الوصية أشار إليها القرآن الكريم. في قوله تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب. يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون)(٣٩٨). وفي الآية إشارة إلى أن الدين هو الإسلام كما قال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام)(٣٩٩).
لم تكن المهمة سهلة في الحي اليهودي الذي أغلق الأبواب حتى لا تدخل الاستقامة. كما قال أشعيا: " قد ارتد الحق إلى الوراء والعدل يقف بعيدا. لأن الصدق سقط في الشارع والاستقامة لا تستطيع الدخول وصار الصدق معدوما"(٤٠٠) وعلى الرغم من هذا العسر وهذا الصد عن السبيل، حددت الدعوة للمسيح دائرة عمله، وهي قوله: " لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة"(٤٠١). ولهذا قال لتلاميذه " إلى طريق أمم لا تمضوا وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا. بل اذهبوا بالحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة"(٤٠٢).
ولأن الحي اليهودي يزخر بالثقافات التي أنتجتها العقائد الوثنية، ويزخر بالانحرافات التي أنتجها التحريف والتأويل لنصوص الكتاب، كان لا بد من المفاصلة بين الحق وبين الباطل داخل الحي اليهودي، ليعرف الشعب أين تكون القدوة الصالحة وتقام عليه الحجة، فالساحة شربت من قديم ثقافة يشير إليها قول أشعيا " صارت القرية الآمنة زانية.. كان العدل يبيت فيها وأما الآن فالقاتلون " وقوله " رؤسائك متمردون ولغفاء اللصوص. كل واحد منهم يحب الرشوة ويتبع العطايا "(٤٠٣) وعندما بعث المسيح تم الفصل بين ثقافة والتمرد والرشوة وقدوتها. وبين العقيدة التي تتميز بالزهد ويسهر عليها قدوة صالحة، ذكر الإنجيل أن المسيح قال لتلاميذه " مجانا أخذتم مجانا أعطوا. لا تقتنوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا في مناطقكم. ولا مزودا للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا "(٤٠٤).
ونظرا لتعدد الفرق والمؤسسات داخل الحي اليهودي، ونظرا لوجود تعاليم تلبست بالدين وأصبحت خطرا على الفطرة. وتهدد المسيرة البشرية بالفتن المهلكة، فإن حركة المسيح لتصحيح المسار.
تميزت من بدايتها بالمفاصلة بين الحق وبين الباطل حتى داخل البيت الواحد، ليهلك من هلك عن بينة، ذكر متي أن المسيح قال " لا تظنوا أني جئت لألقي سلاما على الأرض. ما جئت لألقي سلاما بل سيفا، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه والابنة ضد أمها. والكنة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته، من أحب أبا وأما أكثر مني فلا يستحقني. ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني "(٤٠٥)، ولأن الدعوة الإلهية دعوة واحدة. ولأن المفاصلة بين الحق وبين الباطل من الأمور الفطرية. فلقد روى أن النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"(٤٠٦).
ولما كانت المفاصلة تقتضي أن يكون القول موافق للعمل، أمر المسيح تلاميذه بأن لا يقتفوا أثر الكتبة الفريسيين وغيرهم من علماء الشعب، وقال " لا تعملوا مثل ما يعملون. لأنهم يقولون ولا يفعلون.
بل يحزمون أحمالا ثقيلة لا تطاق ويضعونها على أكتاف الناس، ولكنهم هم لا يريدون أن يحركوها بطرف الإصبع، وكل ما يعملونه فإنما يعملونه لكي يلفتوا نظر الناس اليهم، فهم يعرضون عصائبهم ويطيلون أطراف أثوابهم. ويحبون أماكن الصدارة في الولائم وصدور المجالس في المجامع، وأن تلقى عليهم التحيات في الساحات. وأن يدعوهم الناس: يا معلم يا معلم، أما أنتم فلا تقبلوا أن يدعوكم أحد: يا معلم لأن معلمكم واحد وأنتم جميعا أخوة"(٤٠٧) فالطريق الأول إتبع الأهواء وفصل بها بين القول والعمل، وأنتج برامج وثقافات لا تتفق بصورة مع كرسي موسى وهارون عليهما السلام، فجاء الطريق الثاني بالمفاصلة التي عليها يسير كل طريق نحو هدفه.
٣ - [الدعوة وبرامج التحريف]
بدأ المسيح عليه السلام في بث دعوته داخل الحي اليهودي، وعندما أظهر المعجزات التي أيد الله تعالى بها دعوته كانوا يقولون:
"فمن أين له هذه كلها"(٤٠٨) وآمن بيسوع كثيرون من اليهود عندما شاهدوا المعجزات(٤٠٩) ولكن فرقة الفريسيين أصحاب التفسير الشفهي. الذي يهدف إلى انتظار المسيح ابن داوود ليعيد مملكة داوود، وقفوا من الدعوة ومعجزاتها في موقف الصد عن سبيل الله، يذكر متي أن الفريسيين قالوا: إن المسيح لا يطرد الشياطين إلا ببلعز بول رئيس الشياطين(٤١٠) وأمام حركات الصد عن سبيل الله. يذكر متي: أن المسيح بدأ يوبخ المدن التي جرت فيها أكثر معجزاته. لكون أهلها لم يتوبوا(٤١١) وبدأ اليهود يتحدثون بالعقائد التي دونوها على امتداد مسيرتهم وأظهروا تقاليد شيوخهم. فقال لهم المسيح: " أنتم بهذا تلغون ما أوصى به الله محافظة على تقاليدكم. أيها المراؤون. أحسن أشعيا إذ تنبأ عنكم فقال: هذا شعب يكرمني بشفتيه أما قلبه فبعيد عني جدا، إنما باطلا يعبدونني وهم يعلمون تعاليم ليست إلا وصايا الناس"(٤١٢) وبدأ علماء الشريعة يدلون بدلوهم للصد عن دعوة المسيح عليه السلام، فقال لهم:
"الويل أيضا لكم يا علماء الشريعة. فإنكم تحملون الناس أحمالا مرهقة وأنتم لا تمسونها بإصبع من أصابعكم، الويل لكم. فإنكم تبنون قبور الأنبياء وآباؤكم قتلوهم. فأنتم إذن تشهدون موافقين على أعمال آبائكم، فهم قتلوا الأنبياء. وأنتم تبنون قبورهم، لهذا السبب أيضا قالت حكمة الله. سأرسل إليهم أنبياء ورسلا فيقتلون منهم ويضطهدون، حتى أن دماء جميع الأنبياء المكفولة منذ تأسيس العالم. يطالب بها هذا الجيل.
من دم هابيل إلى دم زكريا الذي قتل بين المذبح والمحراب، أقول لكم. نعم إن تلك الدماء يطالب بها هذا الجيل، الويل لكم يا علماء الشريعة، فإنكم خطفتم مفتاح المعرفة، فلا أنتم دخلتم ولا تركتم الداخلين يدخلون"(٤١٣) وإذا كان المسيح قد الحق الجيل الذي لم يشاهد الأحداث. بالجيل الذي شارك في الأحداث وسفك فيها دماء الأنبياء.
فإن النبي الخاتم قي قال " إذا عملت الخطيئة في الأرض. كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها. ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها"(٤١٤). وقال " لا تقتل نفسا ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل"(٤١٥) وقال تعالى في كتابه الكريم: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فسادا في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)(٤١٦).
كما بدأوا في طرح ثقافة أنهم الأحق بميراث إبراهيم. لأنهم أولاد إبراهيم، وكان يوحنا المعمدان قد رد قولهم من قبل وقال " يا أولاد الأفاعي من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي، فأثمروا ثمرا يليق بالتوبة ولا تغللوا أنفسكم قائلين: لنا إبراهيم أبا. فإني أقول لكم: إن الله قادر أن يطلع من هذه الحجارة أولاد إبراهيم"(٤١٧). ومن قبل يوحنا رد حزقيال عليهم قولهم وقال " قال الرب: إن الساكنين في هذه الخرب في أرض إسرائيل يتكلمون قائلين: إن إبراهيم كان واحدا وقد ورث الأرض. ونحن كثيرون لنا أعطيت الأرض ميراثا، لذلك قل لهم: هكذا قال السيد الرب. تأكلون بالدم وترفعون أعينكم إلى أصنامكم وتسفكون الدم. أفترثون الأرض؟"(٤١٨) وفي عهد المسيح بدؤا بالصد عن سبيل الله بهذه الثقافة، يذكر يوحنا أن المسيح قال لمن آمن به من اليهود " إن ثبتم في كلمتي كنتم حقا تلاميذي. وتعرفون الحق والحق يحرركم، فرد اليهود: نحن أحفاد إبراهيم ولم نكن عبيدا لأحد. كيف تقول لنا إنكم ستصيرون أحرارا"(٤١٩) فالقوم ليسوا في حاجة إلى الثبات على الإيمان الذي يعرفهم الحق ويحررهم من صدأ المادة وبريق الأهواء، واكتفوا بالوقوف في أروقة آبائهم الذين تاجروا بثياب إبراهيم، وذكر يوحنا أن المسيح قال لهم " (أنا أعرف إنكم أحفاد إبراهيم. ولكنكم تسعون إلى قتلي. لأن كلمتي لا تجد لها مكانا في قلوبكم " وقال " لو كنتم أولاد إبراهيم لعملتم أعمال إبراهيم " وقال لهم " لماذا لا تفهمون كلامي؟
لأنكم لا تطيقون سماع كلمتي. أنتم أولاد أبيكم إبليس وشهوات أبيكم ترغبون في أن تعملوا، فهو من البدء كان قاتلا للناس، ولم يثبت في الحق لأنه خال من الحق. لأنه كذاب وأبو الكذاب "(٤٢٠).
وواجه المسيح فرقة الكتبة وفرقة الفريسيين الذين يسهرون على ثقافة شعب الله المختار الذي يرث إبراهيم من دون خلق الله، وفيهم يقول متي هنري في تفسيره: كان الكتبة والفريسيين قساة.. لم يصروا على دقائق الناموس ولم يكتفوا بالتشديد في مراعاتها، بل أضافوا إليه بعض الإضافات وفرضوا اختراعاتهم وتقاليدهم تحت أشد العقوبات، وتظاهروا كثيرا بالعظمة والرآسة وافتخروا بذلك أيما افتخار، وكانوا يحتلون المراكز الرئيسية التي تقدم إليهم على أساس أنهم أعظم الناس وأفضلهم، وأحبوا أن يحييهم الناس عند التقائهم بهم في الشوارع، ولقد سرهم جدا أن يشار إليهم بالبنان ويقال: قفوا بعيدا هذا فريسي قادم. وأن يحيوا بهذا اللقب الرفيع " سيدي. سيدي "(٤٢١) وجاء في إنجيل متي أن المسيح قال للكتبة والفريسيين " الويل لكم أيها الكتبة والفريسيين المراؤون، فإنكم تنظفون الكاس والصفحة من الخارج، ولكنهما من الداخل ممتلئتان. مما كسبتم بالنهب والطمع " " الويل لكم.. فإنكم كالقبور المطلية بالكلس تبدو جميلة من الخارج. ولكنها من الداخل ممتلئة بعظام الموتى وكل نجاسة، كذلك أنتم أيضا تبدون للناس أبرار ولكنكم من الداخل ممتلؤون بالرياء والفسق"(٤٢٢) الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون، فإنكم تبنون قبور الأنبياء وتزينون مدافن الأبرار وتقولون: لو عشنا زمن آبائنا لما شاركناهم في سفك دماء الأنبياء، فبهذا تشهدون على أنفسكم بأنكم أبناء قاتلي الأنبياء. أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تفلتون من عقاب جهنم"(٤٢٣) " الويل لكم أيها الكتبة والفريسيين المراؤون، فإنكم تغلقون ملكوت السماوات في وجوه الناس فلا أنتم تدخلون ولا تدعون الداخلين يدخلون"(٤٢٤) " الويل لكم.. فإنكم تطوفون البحر لتكسبوا متهودا واحدا. فإذا تهود جعلتموه أهلا لجهنم ضعف ما أنتم عليه"(٤٢٥) فمن هذه النصوص نتبين أن القوم شهدوا على أنفسهم بأنهم أبناء قتلة الأنبياء. وعلى الرغم من ذلك فأنهم يقفون تحت مظلة الميراث الذي كتبه الله للأنبياء! ومن تحت هذه المظلة صدوا عن سبيل الله زمن المسيح عليه السلام، ووضعوا العراقيل في وجه الدعوة الخاتمة التي تحمل شريعة ملكوت الله، ويقول متي هنري في تفسيره: أغلقوا ملكوت السماوات. بتمسكهم بالناموس الطقسي وطمسهم النبوات.. وبتأثيرهم على عقول الشعب لرفض تعاليم المسيح. لقد كانوا ألد الأعداء لتجديد النفوس وكانوا في غاية النشاط لتضليل النفوس. وانضمامها إلى زمرتهم. وكانوا يستخدمون كل حيلة.
ويكتبون ويتكلمون ويعملون بلا كلل أو ملل. ويجعلون الدخيل تلميذا لهم يتشبع بآرائهم، وهكذا يصنعونه ابنا لجهنم(٤٢٦).
وكانت فرقة الفريسيين أنشط الفرق في الدعوة إلى ثقافة شعب الله المختار. وقد خصهم المسيح بقوله كما ذكر إنجيل لوقا " الويل لكم أيها الفريسيين. فأنكم تحبون تصدر المقاعد الأولى في المجامع وتلقي التحيات في الساحات العامة، الويل لكم، فإنكم تشبهون القبور المخفية يمشي الناس عليها وهم لا يعلمون"(٤٢٧).
بالجملة: قال المسيح عليه السلام لليهود " يا أولاد الأفاعي.
كيف تقدرون وأنتم أشرار أن تتكلموا كلاما صالحا، لأن الفم يتكلم بما يفيض به القلب، فالإنسان الصالح من الكنز الصالح في قلبه يطلع ما هو صالح، والإنسان الشرير يطلع ما هو شرير "(٤٢٨) ولقد سجل القرآن الكريم قسوة قلوبهم في مواضع عديدة. منها قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية)(٤٢٩). كما وصف المسيح رؤوس الفرق وأتباعهم بقوله " فهم عميان يقودون عميانا وإذا كان الأعمى يقود أعمى يسقطان معا في حفرة "(٤٣٠) وحذر تلاميذه من هذه الفرق ومن تعاليمهم التي وصفها بالخميرة، وذلك عندما كانوا يسيرون معه ونسوا أن يتزودوا بالخبز، يقول متي في إنجيله " ولما وصل تلاميذه إلى الشاطئ الآخر كانوا قد نسوا أن يتزودوا خبزا فقال لهم المسيح:
انتبهوا خذوا حذركم من خمير الفريسيين والصدوقيين، فبدأوا يحاجون بعضهم بعضا قائلين: هذا لأننا لم نتزود خبزا " " فقال لهم المسيح:
كيف لا تفهمون أني لم أكن أعني الخبز حين قلت لكم خذوا حذركم من خمير الفريسيين والصدوقيين، عندئذ أدرك التلاميذ أنه لم يكن يحذرهم من خمير الخبز بل من تعاليم الفريسيين والصدوقيين "(٤٣١) يقول متي هنري في تفسيره: أدرك التلاميذ أن المقصود بالخمير تعاليم وطرق الفريسيين والصدوقين الفاسدة والسيئة. التي دبروا أن تكون قابلة للانتشار في عقول البشر كالخمير، لقد كان أصحاب هذه الفرقة قادة للشعب. وقد ذاع صيتهم جدا بين الناس. الامر الذي جعل خطر عدواهم بأخطائهم أشد هولا، ونحن نستطيع القول: أننا في عصرنا الحاضر يمكننا تشبيه موجة الكفر والإلحاد وتسلط روح المادية بخمير الصدوقيين، والبدع والهرطقات بخمير الفريسيين(٤٣٢).
ورغم هذه التحذيرات، انطلقت قافلة النصارى بعد ذلك وراء القديس بولس. الذي يعود إليه تأسيس المسيحية الحاضرة التي تنادي بحق اليهود في ميراث إبراهيم بصفتهم شعب الله المختار، وبولس في رسائله كان يقول " إنني كنت فريسيا. أي تابعا للمذهب الأكثر تشددا في ديانتنا"(٤٣٣) وسيأتي الحديث عن ذلك في موضعه.
٤ - [التبشير بالانتقال]
على امتداد المسيرة تاجرت القافلة الإسرائيلية بهيكل أورشاليم وميراث إبراهيم، ولم يأتيهم نبي من الأنبياء إلا وتصدى لهذه المتاجرات، وبين لهم أن الله تعالى لا يصطفي أحدا بالاستخلاف اصطفاءا جزافا ولا يكرم أحدا إكراما مطلقا من غير شرط وقيد، ومن هؤلاء (أرميا) فلقد قال لهم كما ورد في العهد القديم (قال الرب...
أصلحوا طرقكم وأعمالكم فأسكنكم في هذا الموضع. لا تتكلوا على كلام الكذب قائلين: هيكل الرب هيكل الرب هو. لأنكم إن أصلحتم إصلاحا طرقكم وأعمالكم. إن أجريتم عدلا بين الإنسان وصاحبه. إن لم تظلموا الغريب واليتيم والأرملة ولم تسفكوا دما زكيا في هذا الموضع، ولم تسيروا وراء آلهة أخرى لاذائكم. فإني أسكنكم في هذا الموضع في الأرض " وبعد أن بين أرميا شرط الاستخلاف بين أن مسيرتهم لم تكن في اتجاه شرط الله " أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذبا. وتنجزون للبعل وتسيرون وراء آلهة أخرى لم تعرفوها. ثم تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت الذي دعي باسمي عليه. وتقولون قد أنقذنا. حتى تعلموا كل هذه الرجاسات، هل صار هذا البيت الذي دعى باسمي عليه مغارة لصوص في أعينكم"(٤٣٤).
وعندما بعث فيهم المسيح عليه السلام. منذ ادعاءاتهم وطردهم من الهيكل. يقول متي في إنجيله " ثم دخل يسوع الهيكل وطرد من ساحته جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون. وقلب موائد الصارفة.
ومقاعد باعة الحمام. وقال لهم: قد كتب أن بيتي بيتا للصلاة يدعى، أما أنتم فقد جعلتموه مغارة لصوص "(٤٣٥).
فالقوم تاجروا بالهيكل على امتداد المسيرة. في الوقت الذي جعلوا فيه البيت مغارة لصوص. كما جاء على لسان أرميا في العهد القديم وعلى لسان المسيح في العهد الجديد، والقوم كانوا يعلمون أن سلوكهم في اتجاه عبادة المادة. يعني انتقال القيادة إلى غيرهم. وأن أعلام الاستخلاف سيرفعها قوم آخرين. لينظر الله كيف يعملون تحت سقف الامتحان والابتلاء. ونصوص سلب أعلام الاستخلاف من أيديهم كثيرة. منها قول أرميا: قال الرب " ها أنذا أنساكم نسيانا وأرفضكم من أمام وجهي أنتم والمدينة التي أعطيتكم وآباءكم إياها. وأجعل عليكم عارا أبديا وخزيا أبديا لا ينسى "(٤٣٦).
فهذا النص يفيد رفض الله لهم وأبدية العار والخزي عليهم. فافهم ذلك. ثم يقول أرميا " وأجعلك تخدم أعداءك في أرض لم تعرفها.
لأنكم أضرمتم نارا بغضبي تتقد إلى الأبد "(٤٣٧). وهذا النص يفيد غضب الله على القاسية قلوبهم إلى الأبد، وقبل أرميا قال أشعيا. قال الرب " هو ذا من أجل آثامكم بعتم. ومن أجل ذنوبكم طلقت أمكم "(٤٣٨).
والقوم كانوا يعرفون إلى أين ستنتقل أعلام الاستخلاف، لكنهم عتموا على هذه البشارات بالتحريف أو بالتغيير. ولقد ذكر أشعيا وغيره هذه البشارات. وفيها رمز إلى المكان الجديد بأسماء عديدة منها: العاقر التي لم تلد. وهذا الاسم يعود وفقا للأوصاف التي ذكرت في أشعيا على بيت الله الحرام بمكة شرفها الله، يقول " ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد. أشيدي بالترنم أيتها التي لم تمخض لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل، قال الرب: أوسعي مكان خيمتك ولتبسط شقق مساكنك. لا تمسكي. أطيلي أطنابك وشددي أوتارك لأنك تمدين إلى اليمين وإلى اليسار. ويرث نسلك أمما ويعمر مدنا خربة. لا تخافي لأنك لا تحزنين "(٤٣٩). " قال وليك الرب: لأنه كمياه نوح هذه لي. كما حلفت أن لا تعبر بعد مياه نوح على الأرض. هكذا حلفت أن لا أغضب عليك ولا أزجرك. فإن الجبال تزول والآكام تتزعزع. أما إحساني فلا يزول عنك. وعهد سلامي لا يتزعزع(٤٤٠).
فالنصوص تحدثت عن خراب أبدي داخل الحي اليهودي، وأخبرت عن سلام أبدي لأبناء العاقر التي لم يبدأ أنبيائها بعد في إقامة حجة الله على المسيرة البشرية، ثم يقول أشعيا في ندائه الذي يدعو فيه المسيرة البشرية للتوجه إلى البناء الجديد، الذي بنى الله بالأثمد حجارته. وأسسه بالياقوت الأزرق. وجعل كل تخومه حجارة كريمة(٤٤١) فيقول: " أيها العطاشى جميعا هلموا إلى الحياة. وبالذي ليس له فضة تعالوا اشتروا وكلوا. هلموا اشتروا بلا فضة وبلا ثمن"(٤٤٢) ويقول أشعيا موجها حديثه إلى مسيرة الحي الإسرائيلي " أما أنتم الذين تركوا الرب ونسوا جبل قدسي(٤٤٣) فإني أعينكم للسيف وتجثون كلكم للذبح. لأني دعوت فلم تجيبوا. تكلمت فلم تسمعوا. بل عملتم الشر في عيني الرب واخترتم ما لم أسر به. لذلك هكذا قال السيد الرب: هوذا عبيدي يأكلون وأنتم تجوعون. هوذا عبيدي يشربون وأنتم تعطشون. هوذا عبيدي يفرحون وأنتم تحزنون. هوذا عبيدي يترنمون من طيبة القلب وأنتم تصرخون من كآبة القلب. ومن انكسار الروح تولولون. وتخلفون اسمكم لعنة لمختاري فيميتك السيد الرب. ويسمي عبيده اسما آخر.
فالذي يتبرك في الأرض. يتبرك بإله الحق. والذي يحلف في الأرض يحلف بإله الحق "(٤٤٤).
وبالجملة: لقد أخبرهم أشعيا بأن القيادة ستنتقل إلى أمة لا يزول إحسان الله عنها، وأخبرهم بأن قبلة هذه الأمة ليست في جبل من جبال الحي اليهودي. وإنما ستكون على أرض جديدة وتحت سماء جديدة ولها اسم جديد، قال " ها أنذا خالق سماوات جديدة وأرضا جديدة. فلا تذكر الأولى ولا تخطر على بال"(٤٤٥) وهذه النصوص التي ذكرها أشعيا في العهد القديم. فسرتها رؤيا يوحنا في العهد الجديد.
ففي وصفه للبيت الجديد يقول يوحنا " لم أجد في المدينة هيكلا "(٤٤٦).
وقال عن البناء الجديد " رأيت سماء جديدة وأرضا جديدة لا بحر فيها، لأن السماء والأرض القديمتين قد زالتا، وأنا رأيت المدينة المقدسة أورشاليم الجديدة(٤٤٧). نازلة من عند الله مجهزة كأنها عروس مزينة لعريسها. وسمعت صوتا هاتفا من العرش " الآن صار بيت الله وسط الناس "(٤٤٨)، ثم يقول يوحنا في رؤياه " وكانت أرض المدينة مربعة طولها يساوي عرضها"(٤٤٩)، قال مفسرو الكتاب المقدس: أي مكعبة(٤٥٠) ثم أخبر يوحنا أن أعلام الدعوة الجديدة بيد " الأمين الصادق "(٤٥١) وهذا الاسم يشير إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. وهو أيضا مختصر لسيرته الشريفة قبل البعثة وبعدها، وجاء ذكر الأمين الصادق في رؤيا يوحنا مرتين. المرة الأولى يشير فيها إلى النبي (ص) وإلى دعوته التي يقول فيها لأهل الكتاب وغيرهم. " نصيحتي إليك أن تشتري مني ذهبا نقيا صنفته النار فنفتني حقا. وثياب بيضاء ترتديها فتستر عريك المعيب. وكحلا لشفاء عينيك فيعود إليك البصر. إني أوبخ وأؤدب من أحبه. لذا كنا حارا وتب "(٤٥٢)، أما المرة الثانية التي ورد فيها اسم " الأمين الصادق " فقد جاءت عندما تحدث يوحنا عن معارك آخر الزمان، وورود الاسم في هذا الموضع يشير إلى المهدي المنتظر، ولقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " المهدي من عترتي من ولد فاطمة "(٤٥٣) وقال " لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي"(٤٥٤) وفي ذكر أحداث آخر الزمان يقول يوحنا في رؤياه " وإذا حصان أبيض يسمى راكبه " الأمين الصادق " الذي يقضي ويحارب بالعدل"(٤٥٥) وفي الحديث الشريف قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلما وجورا وعدوانا. ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا"(٤٥٦) وسيأتي الحديث عن المهدي في موضعه.
فالقوم على امتداد مسيرتهم كانوا على علم بأن الله سينزع الملك من أيديهم ويسلمه إلى أمة أخرى لينظر الله إلى قافلتها ماذا تفعل تحت سقف الامتحان والابتلاء، وعندما بعث الله تعالى المسيح عيسى بن مريم عليه السلام. كانت بعثته آخر ورقة أخرجها الله من الشجرة الإسرائيلية على أنبيائها ورسلها الصلاة والسلام، ولقد أخبرهم المسيح بهذا الانتقال وبشرهم بالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. وأخبرهم أن دعوة البعثة الخاتمة تقضي بوقوف الاستكمال الإنساني. فعدم نسخ الدين وثبات الشريعة. يستوجب أن الاستكمال الفردي والاجتماعي للإنسان هو هذا المقدار الذي اعتبره الدين الخاتم في بيانه وتشريعه.
وباختصار شديد أخبرهم أن شريعة الرسالة الخاتمة هي حكم الله الذي له ملك السماوات والأرض وإليه مصير الأمور، فمن آمن بها وخضع لها استظل بأمن صاحب الملكوت سبحانه وتعالى.
وإخبار المسيح عليه السلام بانتقال القيادة من أمة إلى أمة، جاء في أكثر من موضع في الأناجيل الحاضرة، ومن ذلك. عندما سألته امرأة عن الاتجاه الحقيقي للقبلة بعد أن اختلف اليهود في تحديدها، فبينما تصرح التوراة العبرانية أن القبلة في جبل (عيبال) تصرح التوراة السامرية أن القبلة في جبل (جرزيم)، وكان لهذا الاختلاف أثرا عميقا في المنازعات التي دارت بين يهود السامرة وبين يهود أورشاليم. على امتداد المسيرة الإسرائيلية..
جاء في كتاب سيرة المسيح(٤٥٧): أن المسيح مر بالسامرة. فأرسل خبرا إلى قرية السامرة قصد أن يبيت فيها مع تلاميذه، فهاج التعصب السامري لما سمعوا بقدومه ومعه جماعة من اليهود متجهين إلى أورشاليم ليؤدوا فيها فروض الدين، لأن السامريين يتمسكون بوجوب تأديتها في جبلهم المقدس(٤٥٨)، وهياج التعصب سجله لوقا في إنجيله فقال " وأرسل (المسيح) أمام وجهه رسلا. فذهبوا ودخلوا قرية للسامريين حتى يعدوا له، فلم يقبلوه لأن وجهه كان متجها نحو أورشاليم "(٤٥٩) ويقول يوحنا في إنجيله أن امرأة سامرية قالت يومئذ للمسيح يا سيدي. أرى إنك نبي. آباؤنا سجدوا في هذا الجبل. وأنتم تقولون إن في أورشاليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه، فأجابها يسوع: صدقيني يا امرأة. ستأتي الساعة التي فيها تعبدون الأب لا في هذا الجبل ولا في أورشاليم "(٤٦٠)..
إن الخطوط العريضة لهذا النص تفيد انتقال القبلة من مكان إلى مكان آخر. فوق أرض جديدة. وتحت سماء جديدة. تتحرك أعلامها لفتح الطريق أمام الفطرة. فيشتري الناس بلا فضة وبلا ثمن. ذهبا نقيا.
وثياب بيضاء تستر العري المعيب. وكحلا يشفي العين فيعود البصر من جديد.
وبعد ذكر خبر انتقال القبلة بشرهم المسيح عليه السلام بشريعة الله الذي له ملكوت كل شئ، وهي الشريعة التي كان يوحنا المعمدان يبشرهم بها من قبل، كما بشرهم المسيح عليه السلام بالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، جاء في إنجيل متي. أن المسيح دخل هيكل أورشاليم " وفيما هو يمشي في الهيكل. أقبل إليه رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ وقالوا له: بأي سلطان تفعل ما تفعله؟ ومن منحك هذه السلطة؟ فأجابهم يسوع قائلا: وأنا أيضا أسألكم أمرا واحدا. فإن أجبتموني أقول لكم أنا كذلك بأي سلطة أفعل ما أفعله، من أين كانت معمودية يوحنا من السماء أم من الناس؟ فتشاوروا فيما بينهم قائلين: إن قلنا له أنها من السماء. يقول لنا فلماذا لم تصدقوه، وإن قلنا من الناس نخشى أن يثور علينا جمهور الشعب لأنهم كانوا يعتبرون يوحنا نبيا فأجابوه: لا ندري. فرد قائلا: ولا أنا أقول لكم بأي سلطة أفعل ما أفعل "(٤٦١). يقول متي هنري في تفسيره: عندما عجزوا عن الاعتراف بالمعرفة. اعترفوا بالجهل. ثم يلاحظ أيضا أنهم كانوا كاذبين عندما قالوا: لا نعلم لأنهم كانوا يعرفون أن معمودية يوحنا (يحيى) كانت من الله. لقد برهنوا على أنهم ليسوا جديرين بالتحدث معهم. لأن أناسا هذه حالتهم لا يمكن اقتناعهم بالحق(٤٦٢) ثم أخبرهم المسيح عليه السلام بنبوءة فيما بين أيديهم من الكتاب فقال لهم كما جاء في إنجيل متي " ألم تقرؤا في الكتاب: الحجر الذي رفضه البناة هو نفسه صار حجر الزاوية الأساسي. من الرب كان هذا وهو عجيب في أنظارنا. لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله سينزع من أيديكم ويسلم إلى شعب يؤدي ثمره. فأي من يقع على هذا الحجر يتكسر، ومن يقع الحجر عليه يسحقه سحقا "(٤٦٣).
والمسيح عليه السلام كان يشير بموضع الحجر الذي رفضه البناة إلى النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. فلقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله. فجعل الناس يطيفون به يقولون: ما رأينا بنيانا أحسن من هذا ألا هذه اللبنة. فكنت أنا تلك اللبنة "(٤٦٤) وعنه أنه قال " مثلي ومثل الأنبياء من قبلي. كمثل رجل ابتنى بيوتا فأحسنها وأجملها وأكملها. إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها. فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت ههنا لبنة فيتم بنيانك. فكنت أنا اللبنة "(٤٦٥) وفي رواية " فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين "(٤٦٦) وفي رواية " فأنا موضع اللبنة. جئت فختمت الأنبياء "(٤٦٧).
وموضع الحجر الذي ورد على لسان المسيح ولسان محمد عليهما الصلاة والسلام وهما يضربان الأمثال للناس. جاء ذكره أيضا على لسان داوود عليه السلام في تسبيحة من تسبيحاته، جاء في العهد القديم أن داوود قال " (أحمدك لأنك استجبت لي وصرت لي خلاصا. الحجر الذي رفضه البناؤون قد صار رأس الزاوية... آه يا رب خلص! آه يا رب انقذ.. مبارك الآتي باسم الرب.. الرب هو الله. وقد أنار لنا... إلهي أنت. فأحمدك إلهي.. احمدوا الرب لأنه صالح. لأن إلى الأبد رحمته "(٤٦٨).
لقد علم القوم بما في بطون الأيام. وذلك عندما بشرهم الأنبياء وهم يخبرون بالغيب عن ربهم جل وعلا، عرفوا ذلك من داوود بعد أن أقام مملكته. وعرفوه من أشعيا قبل سبي الأسباط العشرة(٤٦٩).
وعرفوه من دنيال وحزقيال أثناء سبي مملكة يهوذا(٤٧٠)، وعرفوه من زكريا(٤٧١) ويوحنا (يحيى) الذي ورث زكريا وورث آل يعقوب. وعندما بعث فيهم المسيح آخر أبناء آل عمران وآخر وريث لآل يعقوب، قال لهم كما أخبر الله في كتابه (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد..)(٤٧٢) فبين لهم ما اختلفوا فيه وأقام عليهم الحجة بالكتاب، ثم بشرهم بخاتم الأنبياء والمرسلين فأقام عليهم الحجة بالبلاغ وبما هو مسطور عندهم في الكتاب وشهد به الله تعالى في قوله (الذين يتبعون النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل)(٤٧٣).
وبعد أن أتم المسيح عليه السلام دعوته بشطريها. شطر دعوة بني إسرائيل إلى التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى. وتبيينه لهم بعض ما يختلفون فيه، وشطر التبشير بالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، وإخبارهم بأن ملكوت الله سينزع من أيديهم ويسلم إلى شعب يؤدي ثمره، ورد في إنجيل مرقس أن أحد التلاميذ قال للمسيح وهو يغادر الهيكل الأورشاليمي " يا معلم أنظر. ما أجمل هذه الحجارة وهذه المباني العظيمة. فأجاب يسوع: لن يترك منها حجر فوق حجر إلا ويهدم "(٤٧٤) وتحققت نبوءة المسيح عليه السلام. فلقد حاصر تيطسى الروماني أورشاليم سنة (٧٠ م) حتى سقطت في يده وهدم الهيكل وأشعل فيه النار فلم يبق فيه حجر على حجر لم ينقض. وفي عام (١٢٥ م) طرد الإمبراطور (هادريا) اليهود من أورشاليم. وفي عام (٤٣٥ ميلادية) ألغى الإمبراطور (تيودوسيوس) الحاخامية اليهودية، وفي عام (٦١٤ م) تخلت فلسطين نهائيا عن زعامة اليهود. وفتحت الابواب لشعب آخر ليقود المسيرة تحت سقف الامتحان والابتلاء لينظر الله كيف يعملون. وسيأتي ذلك في موضعه.
(ثالثا) [الشك والتقدم إلى الخلف]
في زمن المسيح عليه السلام بلغت الأحداث ذروتها، عندما عزم اليهود على قتل المسيح لأنه لم يأت لهم بما تهوى أنفسهم. وفضح علمائهم الذين عكفوا على تقاليد آبائهم. وكشف مخططاتهم التي تسعى لتهويد الفطرة بما لم ينزل به الله سلطانا، ولقد سجلت الأناجيل محاولات اليهود العديدة للفتك بالمسيح وكيف كان اليهود يخافون من تنفيذ محاولاتهم. نظرا لأن الجموع كانوا يعتبرون المسيح عليه السلام رسولا نبيا مبعوثا من الله تعالى، يقول متي في إنجيله " ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيين المثلين الذين ضربهما المسيح. أدركوا أنه كان يعنيهم هم ومع أنهم كانوا يسعون إلى القبض عليه. فقد كانوا خائفين من الجموع لأنهم كانوا يعتبرونه نبيا "(٤٧٥). وسجلت الأناجيل أن المسيح عليه السلام كان يتخفى من اليهود. ولا يظهر لهم عندما يصل إلى علمه أنهم يبحثون عنه. ذكر يوحنا في إنجيله أن المسيح عليه السلام أمر تلاميذه بأن يشاركوا اليهود عيد الخيام " وبعدما ذهب أخوته إلى العيد.
ذهب هو أيضا كما لو كان متخفيا لا ظاهرا، وأخذ اليهود يبحثون عنه في العيد. ويسألون: أين ذاك الرجل. وثارت بين الجموع مناقشات كثيرة حوله فقال بعضهم: إنه صالح. وقال آخرون: لا بل إنه يضلل الشعب. ولكن لم يجرؤ أحد أن يتكلم عنه علنا خوفا من اليهود "(٤٧٦).
وبالجملة: جاء في إنجيل يوحنا " بدأ يسوع ينتقل في منطقة الجليل متجنبا التجول في منطقة اليهود، لأن اليهود كانوا يسعون إلى قتله "(٤٧٧).
فالنصوص تفيد أن المسيح عليه السلام كان يتحرك بين الجموع. يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويأمر تلاميذه بمشاركة اليهود الأعياد التي سنها أنبياء بني إسرائيل، وكان الجموع يعلمون أن المسيح نبيا ليس له من الأمر شيئا إلا أنه يحمل رسالة الله إلى بني إسرائيل.
وإنه عليه السلام كان يأخذ بالأسباب لدفع الضرر عنه، فكان يتخفى من اليهود ولا يدخل منطقتهم. إلا بعد أن يأخذ بالأسباب لتحقيق أمنه وأمن تلاميذه، وذكر الإنجيل كيف كان المسيح يضج من استكبار القوم وصدهم عن سبيل الله، رغم ما يقدمه إليهم من علم ومعجزة، وكان يقول " أيها الجيل غير المؤمن إلى متى أبقى معكم. إلى... أحتملكم "(٤٧٨). وشأنه في هذا كشأن جميع إخوته الأنبياء. كانوا يشعرون بالحزن عندما لا يأخذ الناس بأسباب الحياة الكريمة التي تحقق لهم السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، وكانوا يشكون حزنهم إلى الله تعالى.
ورغم حركة المسيح عليه السلام الواضحة كل الوضوح. إلا أن القوم أحاطوه بعد عهد البعثة بهالات تخرجه من دائرة البشرية إلى الألوهية، ووضعوا في الأناجيل نصوصا رشحت بهذا المعنى، وعندما جاء بولس وقاد المسيرة أصبحت ألوهية المسيح عمودا لدعوته، وبين النصوص التي تقول بنبوة المسيح وبين التي تقول بألوهيته تعددت الفرق والمذاهب، وكان هذا على حساب الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولما كان للدين الفطري شهود وأمناء على امتداد المسيرة البشرية، ولما كانت النبوءة هي التي تفسر التاريخ وليس العكس، فإننا لكي نمسك بخيط الأحداث. لا بد أن نتتبع الأحداث وفقا لنصوص أصول النبوة، فننظر إلى الأحداث وحركتها في الأناجيل. ثم نضع ذلك تحت الضوء القرآني، فبهذا وحده نصل إلى الحقيقة في مدونات أهل الكتاب، واضعين في الاعتبار أن الحق لا يخص بوجه وعلى أي تقدير، فهو بين السطور حجة على كل من قرأ وإن عتمت على السطور سحب التحريف والتأويل، وهو ظاهر في الكون الواسع وإن حاصرته أدوات الزينة والإغواء، وهو داخل النفس الإنسانية لأن الإنسان مجبول على قبول الحق والخضوع الباطني أمامه. وإن طوقت الأهواء النفس، فالحق واضح المعالم في كل مكان وزمان لأنه حجة بذاته، والحق ينتصر في الدنيا ظاهرا أو باطنا. لأن الله تعالى أوجب على نفسه أن يفنى الباطل بالحق.
ولما كان النصارى يؤمنون بألوهية المسيح. وأن أحد تلاميذه قد خانه وسلمه إلى أعدائه. فجردوه من ثيابه. وبصقوا في وجهه. وضربوه على رأسه بعد أن أوسعوه سخرية، ثم ساقوه إلى الصلب. وصلبوا معه لصين. وكان اللصان يسخران منه(٤٧٩) ولما كان القرآن الكريم قد نفى ما ادعاه النصارى في حق المسيح، وقال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم)(٤٨٠) وقال (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)(٤٨١) وقال في قصة الصلب (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم)(٤٨٢) فإننا سنلقي ضوءا على الأحداث كما ذكرت في الأصول.
لتظهر الحقيقة من تحت السحب وتكون واضحة وضوح الشمس في كبد السماء، وأول ضوء نلقيه سيكون على التلاميذ. لقولهم أن أحدهم قد خان المسيح. فإذا لم يظهر الخائن تحت الضوء. تصبح الدعوى منهدمة من أساسها ولا يبقى إلا الحق.
١ - [أضواء على أقوال المسيح في تلاميذه]
قال تعالى في كتابه الكريم: (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي. قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون)(٤٨٣) قال المفسرون: المراد بهذا الوحي وحي إلهام. كقوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه)(٤٨٤). وقوله: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا...)(٤٨٥) فالحواريين ألهموا الإيمان فامتثلوا ما ألهموا. وقيل:
ويحتمل أن يكون المراد. وإذ أوحيت إليهم بواسطتك فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله. واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك فقالوا: (آمنا بالله وأشهد بأننا مسلمون).
وعلى هذا فالحواريين ألهموا الإيمان أولا واستجابوا. فوهبهم الله تعالى للمسيح ليبشروا بين يديه، والمسيح عليه السلام أخبر بهذه الهبة الإلهية له. فقال في آخر أيامه على الأرض وهو يدعو ربه " أظهرت اسمك للناس الذي وهبتهم لي من العالم. كانوا لك فوهبتهم لي، وقد عملوا بكلمتك وعرفوا الآن أن كل ما وهبته لي فهو منك، لأني نقلت إليهم الوصايا التي أوصيتني بها فقبلوها.. وآمنوا أنك أرسلتني، من أجل هؤلاء أصلي إليك، لست أصلي الآن من أجل العالم. بل من أجل الذين وهبتهم لي لأنهم لك "(٤٨٦). وفي آخر أيامه عليه السلام دعا ربه قائلا: " أريد لهؤلاء الذين وهبتهم لي أن يكونوا معي حيث أكون أنا فليشهدوا مجدي الذي أعطيتني "(٤٨٧).
من النصوص السابقة علمنا أن القاعدة التي وقف عليها التلاميذ. هي قاعدة الإيمان بالله ورسوله. ولما كنا نبحث عن التلميذ الذي خان المسيح، فلا بد من الوقوف على عدد التلاميذ الذين وقفوا على قاعدة الإيمان من يومهم الأول وحتى يومهم الأخير، بمعنى أنهم إذا كانوا عند البداية اثنا عشر تلميذا. فيجب أن يكونوا عند الخاتمة إحدى عشر تلميذا. على اعتبار أن منهم خائن واحد.
جاء في إنجيل مرقس أن المسيح " عين اثني عشر ليلازموه ويرسلهم ليبشروا. وتكون لهم سلطة على طرد الشياطين "(٤٨٨) فعلى هذا يكون عند المقدمة اثني عشر تلميذا، فإذا نظرنا عند الخاتمة يوم القيامة. نجد أنهم لم ينقصوا تلميذا واحدا، جاء في إنجيل متي أن المسيح قال للتلاميذ " الحق أقول لكم. إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد. متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده. تجلسون أنتم أيضا على اثني عشر كرسيا. تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر "(٤٨٩). قال صاحب سيرة المسيح في تفسيره: أجاب المسيح بما يفيد أنهم ينالون التفاتا خصوصيا من العناية الإلهية في هذه الدنيا، ثم في الدهر الآتي يرثون الحياة الأبدية(٤٩٠).
فوفقا لهذه الأصول لا يوجد خائن بين التلاميذ الذين آمنوا بالله ورسوله. وأشهدوا الله ورسوله بأنهم مسلمين كما جاء في القرآن، والذين عملوا بكلمات الله. وقبلوا ما أوصى الله به المسيح كما ذكرت الأناجيل، وبشهادة الإنجيل إنهم عند البداية كانوا اثنا عشر تلميذا.
وعند الخاتمة يدين الاثني عشر تلميذا أسباط إسرائيل الاثني عشر.
ويرثون مع المسيح الحياة الأبدية. فأين الخائن الذي وضعوا على عاتقه قصة الصلب وعلى الصلب نشأت المذاهب والفرق، هناك نص في إنجيل لوقا يقول: " ودخل الشيطان في يهوذا الملقب بالإسخريوطي وهو في عداد الاثني عشر"(٤٩١). ولكن هذا يعارضه ما جاء في إنجيل مرقس أن المسيح " عين اثني عشر ليلازموه ويرسلهم ليبشروا، وتكون لهم سلطة على طرد الشياطين "(٤٩٢). فكيف تكون ليهوذا الإسخريوطي سلطة على طرد الشياطين أعطاها له المسيح، وبهذه السلطة مارس الدعوة والتبشير تحت رعاية المسيح، ثم يخترقه الشيطان بعد ذلك فيقوم بتسليم المسيح لأعدائه، فيجردوه من ثيابه ويسخرون منه ويبصقون عليه كما ذكر في الإنجيل، ورغم المقدمة التي فتحها يهوذا وما ترتب عليها من نتائج صدت عن سبيل الله. ومزقت أمة النصارى إلى فرق وأحزاب، تحدثنا نصوصا أخرى بأن يهوذا (وهو ضمن الاثني عشر تلميذا) دعا له المسيح دعاء ينال به التفاتة خصوصية من العناية الإلهية في هذه الدنيا، ويرث به الحياة الأبدية بعد أن يدين التلاميذ الاثني عشر أسباط إسرائيل الاثني عشر.
من هذه النصوص نرى أن المقدمة لا تنسجم مع النتيجة، ونرى أن اختيار المسيح ليهوذا وإعطائه السلطة على طرد الشياطين منذ البداية. ثم اختراق الشيطان ليهوذا بعد ذلك، نرى أن هذا في حد ذاته يهدم قولهم بألوهية المسيح. لأن العلم ووضع الشئ في محله قد اهتز اهتزازا كبيرا في دائرة يهوذا الإسخريوطي في حياته الدنيا، وأن العدل قد اهتز اهتزازا كبيرا في دائرته في الحياة الأبدية، ولا ندري كيف يجلس يهوذا ضمن الاثني عشر تلميذا ليدين أسباط إسرائيل الاثني عشر على اختلافهم وتفرقهم من بعد ما جاءهم العلم، في الوقت الذي فيه يهوذا عمودا فقريا لاختلاف النصارى وتفرقهم بعد أن جاءهم العلم.
وإذا نظرنا في القرآن الكريم وتدبرنا آياته الكريمة، نجد أن الله تعالى امتدح الحواريون في أكثر من موضع، واعتبر شهادتهم حجة على المسيرة الإسرائيلية. وحاذى سبحانه بين قاعدة الحواريين وبين قاعدة الذين آمنوا في الدعوة الخاتمة على نبيها الصلاة والسلام، وفي آيات أخرى، ربط الحواريين والذين آمنوا في الدعوة الخاتمة برباط واحد هو رباط الشهادة لله.
أما المحاذاة بين الحواريين وبين الذين آمنوا. ففي قوله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله. قال الحواريون نحن أنصار الله)(٤٩٣). والمراد بنصرتهم لله. أن ينصر الذين آمنوا النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. في سلوك السبيل الذي يسلكه إلى الله على بصيرة، ثم جاءت محاذاة الحاضر بالماضي في الدعوة الإلهية. فقال تعالى: (كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله. قال الحواريون نحن أنصار الله) ومعنى أن الحواريين أنصار الله. أي أنهم أنصارا لعيسى عليه السلام في سلوك سبيل الله وتوجهه إلى الله، وهو التوحيد وإخلاص العبادة لله.
وأما ربط الحواريين والذين آمنوا برباط واحد هو رباط الشهادة لله، ففي قوله تعالى: (قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله وأشهد بأنا مسلمون. ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين)(٤٩٤) ابن كثير في تفسيره: أن الشاهدين هم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم(٤٩٥). والشاهدين ذكروا في أكثر من موضع بالأناجيل.
وأفاض سفر الرؤيا في أوصافهم، وتفسيرات علماء أهل الكتاب كلها تشير إلى أنهم الأمة الخاتمة. ومنهج هذه الأمة بينه (الأمين الصادق) كما جاء في سفر الرؤيا. بأنه يقدم الذهب النقي الذي صفته النار، ويقدم الثياب البيضاء التي تستر العري المعيب. والكحل الذي يشفي العينين فيعود إليهما البصر من جديد.
وبهذا تنسجم المقدمة مع النتيجة. تنسجم خاتمة دعوة إلهية إلى بني إسرائيل مع مقدمة دعوة إلهية للبشرية جمعاء، وعلى هذا يمكن القول أن مقدمة التلميذ الخائن الذي وهبه الله للمسيح. ثم صد عن سبيل الله بعد ذلك. لا تنسجم مع النتيجة التي جاءت في النصوص الكتابية، وعلى هذا الضوء يسقط الاتهام الذي تم توجيهه إلى قاعدة الحواريين.
٢ - [الوصايا الأخيرة]
سارت دعوة المسيح عليه السلام بين الصخور وبين القلوب القاسية لتقيم حجتها، وعلى امتداد الطريق تعددت الأعداء، وتحالف اليهود مع خصومهم من الهيرودسيين أنصار الملك هيرودس. لكي يمسكوا المسيح بكلمة تدينه أمام السلطة الرومانية، يقول إنجيل مرقص " أرسلوا إليه بعضا من الفريسيين ومحازبي هيرودس لكي يوقعوه بكلمة يقولها. فجاؤوا وقالوا له: يا معلم نحن نعلم أنك صادق ولا تبالي بأحد لأنك لا تراعي مقامات الناس. بل تعلم طريق الله بالحق. أيحل أن تدفع الجزية للقيصر أم لا؟ أندفعها أم لا ندفع؟ ولكنه إذ علم ريائهم قال لهم: لماذا تجربونني؟ احضروا إلى دينارا لأراه، فأحضروا إليه دينارا، فسألهم: لمن هذه الصورة وهذا النقش؟ فقالوا له: للقيصر. فرد عليهم قائلا: اعطوا ما للقيصر للقيصر وما لله لله. فذهلوا منه"(٤٩٦).
فلقد تظاهر جنود الملك بالتدين ودخلوا مع الفريسيين أشد فرق اليهود تعصبا في دائرة واحدة، وانطلقوا إلى المسيح عليه السلام يحملون إليه سؤالا يقوم عليه اقتصاد الدولة الرومانية، وكانوا بهذا السؤال يريدون أن يوقعوا بالمسيح عليه السلام في شباكهم ليسلموه إلى الحاكم. بحجة أنه يناهض النظام ويضرب اقتصاده في مقتل، ولكن المسيح تفادى الصدام مع أصحاب القلوب القاسية بالإجابة التي أذهلتهم.
وعلى هذا المنوال بدأت التحالفات بين اليهود وبين خصومهم لاصطياد المسيح عليه السلام، وعندما ضاقت الحلقات، بدأ المسيح عليه السلام يخبر بالغيب عن ربه جلا وعلا. فحدث اليهود بما سيفعلوه للفتك به وكيف سينجيه الله من أيديهم، وحدث التلاميذ بأنه سيبقى معهم وقتا قليلا وإنهم لن يقدروا أن يذهبوا معه إلى حيث يذهب، وقال لهم إن عنده أمور كثيرة يريد أن يتحدث معهم فيها.
ولكن الوقت لن يسعفه لإتمام ذلك. وسوف يرسل الله إليهم. المحمد.
أو المحمود. روح الحق الذي يرشد إلى الحق كله. لأنه لا يقول شيئا من عنده. بل يخبر بما يسمعه. وتفصيل أقوال المسيح لليهود وللتلاميذ بين دفتي الأناجيل.
فعندما اشتد صد اليهود عن سبيل الله. وبدأوا يعدون العدة للفتك بالمسيح. قال لهم المسيح " أنا باق معكم وقتا قليلا. ثم أعود إلى الذي أرسلني. عندئذ تسعون في طلبي ولا تجدونني. ولا تقدرون أن تذهبوا إلى حيث أكون "(٤٩٧). ومن الطبيعي أن اليهود لا يستطيعون الصعود إلى السماء. وبعد أن أخبر المسيح عليه السلام اليهود بأمور مستقبلية. قال لتلاميذه " يا أولادي الصغار. سأبقى عندكم وقتا قصيرا بعد. ثم تطلبونني. ولكني أقول لكم ما سبق أن قلته لليهود. إنكم لا تقدرون أن تأتوا حيث أنا ذاهب. وصية جديدة أنا أعطيكم. أحبوا بعضكم بعضا كما أحببتكم أنا. تحبون بعضكم بعضا. بهذا يعرف الجميع إنكم تلاميذي إن كنتم تحبون بعضكم بعضا. فسأله سمعان بطرس: يا سيد أين تذهب؟ أجابه يسوع: لا تقدر أن تتبعني الآن حيث أذهب ولكنك ستتبعني فيما بعد "(٤٩٨) أي أنه لن يقدر أن يتبعه فيما ستسفر عنه الأحداث. حيث ينتهي الأمر بكف الله أيدي اليهود عن المسيح.
ورفعه إليه، وهذا معنى قوله " لا تقدر أن تتبعني الآن " ثم أخبره بأنه سيتبعه فيما بعد في الحياة الأبدية يوم القيامة. ولا يخلو النص من الإشادة بالاثني عشر. ومعنى أن المسيح يحبهم ويأمرهم بحب بعضهم بعضا. أن طريق الخيانة مغلق على هذا الدرب.
ويذكر القرآن الكريم. أن الله تعالى أخبر المسيح عليه السلام بعملية الرفع التي تحدث بها مع اليهود ومع التلاميذ فيما بعد، قال تعالى: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة)(٤٩٩). قال المفسرون: المراد بالتوفي هنا النوم. كما قال تعالى (وهو الذي يتوفاكم بالليل)(٥٠٠). وروي أن النبي (ص) كان يقول إذا قام من النوم " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا "(٥٠١). والمراد بالرفع إلى الله: أي رفعه إلى السماء. إذ لا مكان لله من سنخ الأمكنة الجسمانية، والآية من قبيل قوله تعالى في ذيل الآية (ثم إلي مرجعكم)، فالمراد برفعه إليه: رفعه بروحه وجسده حيا إلى السماء لأنها محل نزول البركات وسكن الملائكة المكرمين، ومعنى قوله (ومطهرك من الذين كفروا) أي: إبعاده من الكفار وصونه عن مخالطتهم والوقوع في مجتمعهم المتقذر بقذارة الكفر والجحود، ومعنى قوله (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) فالمراد باتباعه: هو الاتباع على الحق. الاتباع المرضي لله سبحانه، وعلى ذلك يكون الذين اتبعوه هم الحواريين والمستقيمين من النصارى قبل ظهور الإسلام، كما أن المسلمين بعد ظهور الإسلام أتباعه على الحق. قال في الميزان: ومحصل الآية. أن متبعيك من النصارى والمسلمين ستفوق حجتهم على حجة الكافرين بك من اليهود إلى يوم ا لقيامة "(٥٠٢).
فبعد هذا البيان الوافي الشافي. بدأ المسيح عليه السلام يحدث الجميع بما ستنتهي إليه الأحداث. وأخبرهم بأنهم لن يقدروا أن يتبعوه حيث يذهب. وقال لتلاميذه أنهم سيتبعوه فيما بعد. سيتبعوه بالحجة الدامغة التي تفوق حجة الذين كفروا إلى يوم القيامة، ثم يتبعوه في الحياة الأبدية بعد أن يفصل الله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.
ولأن معجزة الرفع إلى السماء سيكفر بها البعض وسيتأولها البعض الآخر ويضعها في غير موضعها. ولأنه على طريق هذه المعجزة فتن عديدة صنعها اليهود وتنتهي جميعا إلى الدجال. فإن من عدل الله ورحمته أنه أقام الحجة داخل الحي اليهودي. فجاءهم المسيح بالعلم الذي يبين بداية ونهاية المعجزة، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة، والله تعالى أوجب على نفسه فتح الطريق لعباده وهدايتهم إليه. وهو قوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم)(٥٠٣). ولما كان الحواريون في الصدارة من بعد المسيح. فلقد أخبرهم المسيح بأنهم سيشاهدون معجزة الرفع ليحدثوا الذين آمنوا بالحقيقة عندما يرى الناس الشبيه على الصليب، وجاء في إنجيل يوحنا أن المسيح قال للتلاميذ وهو يعدهم للقيام بالدعوة " الحق الحق أقول لكم: إنكم سترون السماء مفتوحة.
وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان "(٥٠٤) فهذا النص يفيد أنهم كانوا في بعض الأوقات يشاهدون نزول الملائكة بالوحي على امتداد البعثة، ثم شاهدوا معجزة الرفع التي تنسجم مع طريق نزول الوحي على المسيح، ليردوا الوحي والرفع إلى قدرة الله تعالى وهم يبينون للناس حقيقة الأحداث التي تجري حولهم، فلا يسقط في فتنتها إلا الذين صنعوا الفتن من القاسية قلوبهم ومن شابههم.
وذكر الإنجيل أن المسيح بشر قبل رفعه (بالمعزي) الذي سيرسله الله ليشهد الشهادة الحق. التي يشهدها التلاميذ للمسيح. لتفوق حجتهم على حجة الكافرين به إلى يوم القيامة، ذكر يوحنا أن المسيح قال: " وعندما يأتي المعزي.... روح الحق "(٥٠٥) " فهو يؤدي إلي الشهادة وتؤدونها لي أنتم أيضا. لأنكم معي من البداية، قلت لكم هذا لكي لا تتزعزعوا، ستطردون خارج المجامع. بل سيأتي وقت يظن فيه من يقتلكم أنه يؤدي خدمة لله"(٥٠٦). " قلت لكم هذا حتى متي جاء وقت حدوثه تذكرون أنه سبق أن أخبرتكم به. ولم أقل لكم هذا منذ البداية لأني كنت معكم. أما الآن فإني عائد إلى الذي أرسلني ولا أحد منكم يسألني: أين تذهب؟ عندما أخبرتكم بهذا ملأ الحزن قلوبكم. ولكني أقول لكم الحق: من الأفضل لكم أن أذهب. لأني إن كنت لا أذهب.
لا يأتيكم المعزي... وعندما يجئ يقدم للعالم البرهان على الخطيئة وعلى البر وعلى الدينونة"(٥٠٧) " ما زال عندي أمور كثيرة أقولها لكم.
ولكنكم الآن تعجزون عن احتمالها. ولكن عندما يأتيكم روح الحق.
يرشدكم إلى الحق كله. لأنه لا يقول شيئا من عنده. بل يخبركم بما يسمعه. ويطلعكم على ما سوف يحدث "(٥٠٨).
و(المعزي) الذي بشر به المسيح قبل رفعه إلى السماء، ترجمة للكلمة الإغريقية " البارقليط " ومعناها في قاموس اللغة اليونانية:
" المعزي. المحامي. الشفيع. المحمد. المحمود " وورد اسم " بار قليط. فارقليط. باراكليت. والمعزي. والمحامي. والمؤيد، في تراجم إنجيل يوحنا. ويقول الدكتور / حجازي السقا: والحق أن المسيح نطق لفظ " بيرقليط " وهو يترجم: أحمد. ويقول النصارى أن المسيح نطق " باراقليط " وعلى ذلك فليس هو أحمد. أي أن الخلاف في الكسرة والفتحة. فعلى الكسرة يكون اسم أحمد. وعلى الفتحة لا يكون اسم أحمد. بل صفته هي المعزي. وهم يعتمدون رواية الفتحة. ثم قدم الدكتور حجازي السقا الدليل على أن بيريكليت اسم والاسم هو أحمد.
فمن أراد الوقوف على هذا البحث فعليه بمصدره(٥٠٩).
لقد بشرهم عيسى عليه السلام بالمعزي. أو بالمحامي الذي يدافع عن الفطرة ويشهد الشهادة الحق في أحداث يعجزون عن احتمالها. وعندما بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم قال " أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة"(٥١٠) وقال " أنا أولى الناس بابن مريم. الأنبياء أولاد علات. وليس بيني وبينه نبي"(٥١١) وفي لسان العرب في معنى " أولاد علات " أي إنهم لأمهات مختلفة ودينهم واحد.
وبنو العلات: بنو رجل واحد من أمهات شتى(٥١٢).
وبشرهم المسيح بالمعزي أو بأحمد أو بالمحمود أو بالشفيع روح الحق. الذي يرشدهم إلى الحق كله. لأنه لا يقول شيئا من عنده. فما من شفيع إلا بعد إذن الله تعالى. قال تعالى: (ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه)(٥١٣). وقال: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه)(٥١٤). وقال: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له)(٥١٥). وقال:
(لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا. وقالوا اتخذ الله ولدا. لقد جئتم شيئا إدا. تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. إن دعوا للرحمن ولدا. وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا. إن كل من في السماوات والأرض إلا أتى الرحمن عبدا. لقد أحصاهم وعدهم عدا. وكلهم آتيه يوم القيامة فردا. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا. فإنما يسرنا ه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا. وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا)(٥١٦).
وبعد أن بشرهم المسيح عليه السلام. رفع عينيه نحو السماء وقال " أنا مجدتك على الأرض وأنجزت العمل الذي كلفتني "(٥١٧) " أظهرت اسمك للناس الذين وهبتهم لي من العالم. كانوا لك فوهبتهم لي، وقد عملوا بكلمتك وعرفوا الآن أن كل ما وهبته لي فهو منك. لأني نقلت إليهم الوصايا التي أوصيتني بها فقبلوها.. وآمنوا إنك أرسلتني من أجل هؤلاء أصلي إليك "(٥١٨).
وبتحذير المسيح من الذين يدعون النبوة. وبتبشيره بروح الحق الذي يرسله الله إلى العالم قبل يوم القيامة. تنتهي دعوة المسيح عليه السلام في بني إسرائيل. وإذا كان العهد القديم قد انتهى بتبشير ملاخى " هانذا أرسل إليكم إيليا النبي قيل يوم الرب اليوم العظيم المخوف.
فيرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على آبائهم لئلا آتي وأخرب الأرض بلعن "(٥١٩) فإن العهد الجديد انتهت آخر بشاراته بالمعزي فأخبرهم المسيح عليه السلام بأن المعزي سيطلعهم على ما سوف يحدث.
وعندما بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم قال له تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)(٥٢٠) وقال: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا. أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا)(٥٢١). إلى آخر هذه الآيات التي ضرب الله فيها الكافرين والظالمين بلعن. بعد أن كفروا وكذبوا واستكبروا ولم يؤمنوا بالبعثة الخاتمة. التي جعلها الله تعالى رحمة للعالمين، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة. يهودي أو نصراني. ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به.
إلا كان من أصحاب النار "(٥٢٢).
٣ - [الشك المريب]
بعد أن تكاتفت مؤسسات الباطل من أجل الصد عن سبيل الله، بلغت الأحداث ذروتها برفع المسيح عليه السلام، ليكون رفعه آية للذين يؤمنون بأن القوة جميعا لله، ويكون في الرفع عقوبة للذين ختم الله على قلوبهم وعلى أسماعهم وعلى أبصارهم جزاءا بما قدموا. لتلقى بهم العقوبة في طريق الضنك حتى ينتهي بهم المقر. تحت أعلام المسيح الدجال آخر الزمان، ورفع المسيح عليه السلام جاء ذكره في مزامير داوود وهو يخبر بالغيب عن ربه. قال " لأنك قلت أنت يا رب ملجئي.
لا يلاقيك الشر ولا تدنو ضربة من خيمتك. لأنه يوصي ملائكته بك ليحفظوك في كل طرقك. على الأيدي يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك "(٥٢٣). وذكر تعالى في القرآن الكريم أنه حفظ المسيح عليه السلام على امتداد دعوته. وذلك في قوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس) - إلى قوله تعالى - (وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين)(٥٢٤).
وقال تعالى في رفع المسيح عليه السلام (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا. وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما. وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله. وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا. بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما)(٥٢٥).
ومن هذه الآيات نعلم (أولا): أن المسيح عليه السلام لم يتوف بأيديهم لا صلبا ولا غير مصلوب، بل شبه لهم، أي أخذوا غير المسيح عليه السلام فقتلوه أو صلبوه (ثانيا) إن الذين اختلفوا في عيسى أو في قتله لفي شك منه. والشك نقيض اليقين (ثالثا) إن ما قالوه ترجع أصوله إلى الظن. أي إلى التخمين.
وقوله تعالى: (وما قتلوه يقينا) أي ما قتلوه قتل يقين. أو. ما قتلوه أخبرك خبر يقين " بل رفعه الله إليه " أي إلى السماء " وكان الله عزيزا حكيما " ومعنى العزيز. أي الممتنع فلا يغلبه شئ. وقيل: هو القوي الغالب كل شئ. ومعنى حكيما: أي الذي يحكم الأشياء ويتقنها. فهو تعالى حكيم في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم.
ولما كان الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة. فإنه أقام الحجة على الذين شاهدوا شبيه المسيح على الصليب حتى لا يلتبس عليهم الأمر.
ويعتقدوا بأن الشبيه هو المسيح، فلقد أوجب تعالى على تفسير أن يبين لعباده ما يتقون. قال تعالى: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون)(٥٢٦). والمسيح عليه السلام وتلاميذه من بعده أقاموا الحجة على المسيرة أثناء الدعوة وعند ذروة الأحداث وبعدها. ثم بعث النبي الخاتم (ص) وبين للناس الذي هم فيه مختلفون.
ومن بين فرق النصارى يوجد من يعتقد بأن المسيح عليه السلام لم يصلب وإنما صلب رجل آخر شبه به. يقول بتراند راسل " كانت طائفة الدوسيين قد ذهبوا إلى أن المسيح لم يكن هو الذي صلب. بل بديل أشبه به. وقد ظهر رأي مماثل لذلك في الإسلام "(٥٢٧).
وعند البحث عن القاعدة التي ينتسب إليها الشبيه الذي ألقي عليه شبه المسيح عليه السلام، لا نجد إلا قاعدتين لا ثالث لهما. إما أن يكون من الفريق الذي صد عن سبيل الله، وأما أن يكون من التلاميذ الذين أقروا بنصرتهم للمسيح وسلكوا السبيل الذي يسلكه إلى الله، فإذا افترضنا أن الشبيه ينتمي إلى الفريق الكافر بالدعوة. نجد أن هذا الافتراض يؤدي إلى هدم الدعوة من رأس، وذلك لأن الشبيه في هذه الحالة سيعلن على الذين أشرفوا على محاكمته وعلى الجموع بعد ذلك.
أنه ليس المسيح حتى يحاكموه ثم يصلبوه، وقد يستغل شيوخ اليهود هذا الاقرار. فيدمرون دعوة المسيح ويغرسون أعمدة دعوتهم على لسان الشبيه، ويترتب على ذلك فتنة الذين آمنوا بالمسيح وانتصار الباطل على الحق وهذا محال. لأن الرفع كان بقدرة العزيز الحكيم الذي له الحكمة البالغة والحجة الرافعة. الحكيم في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور.
وبالجملة: لم يعلن الشبيه عن اسمه ولم يذكر في أي موطن من المواطن أنه ليس المسيح. كما جاء في الأناجيل. وعلى هذا فلا بد أن يكون الشبيه من القاعدة الثانية. قاعدة التلاميذ. الذين قالوا " نحن أنصار الله " وقالوا (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين)(٥٢٨) ويؤكد ذلك الأحاديث التي وردت في كتب التفسير. ومنها ما روي أن المسيح عليه السلام قال لتلاميذه " يا معشر الحواريين. أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة حتى يشبه للقوم في صورتي فيقتلوه. فقام شاب من أحدثهم سنا فقال: أنا. فقال له المسيح: هو أنت ذاك. فألقى عليه شبه عيسى. ورفع عيسى من روزنة البيت إلى السماء، وفي رواية " وألقى عليه شبه عيسى حتى كأنه هو. وفتحت روزنة من سقف البيت.
وأخذت عيسى عليه السلام سنة من النوم فرفع إلى السماء "(٥٢٩).
فإلقاء الشبه على واحد من التلاميذ فيه حفظ للدعوة. لأن حركته على امتداد المحنة هي حركة التلميذ الذي امتحن الله قلبه بالإيمان. فلن يتكلم ولن يتحرك إلا وفقا لتعاليم المسيح. ووفقا لتوصياته التي تخص هذه المحنة بالذات. لينجو الذين آمنوا ويسقط الذين كفروا في الفتنة.
ويمكن أن يصل الباحث إلى أن الذي صلب لم يكن المسيح عليه السلام. إذا تدبر في الأحداث ودقق النظر في أقوال الشبيه. ونحن سنلقي الضوء على حركة الرجل الذي صلب كما جاءت في الأناجيل.
وإذا كانت الأناجيل قد قدمتها على أساس أنها حركة المسيح. فإن على الباحث أن يقرأها ويتدبرها على أساس أنها صادرة من الشبيه. وفي خاتمة المطاف سيقف الباحث على حقيقة مفادها أن الحركة كانت للشبيه ولم تكن للمسيح. ومن العجيب أن الأحداث على امتداد المحنة. حملت سؤالا واحدا. توجه به مجلس الشيوخ المؤلف من رؤساء الكهنة والكتبة وتوجه به الحاكم بيلاطس إلى الرجل الذي صلب. وكان هذا السؤال يحمل صيغة واحدة هي: هل أنت المسيح؟
ومن الأعجب أن رؤساء الكهنة والكتبة. كانوا يعرفون المسيح. فلقد شاهدوه في الهيكل وهو يلقي بمواعظه. وتحدث إليهم وتحدثوا إليه في أكثر من مكان. كما ذكرت الأناجيل(٥٣٠). كما أن جنود الدولة كانوا يعرفونه أيضا. وقد ذهبوا إليه وسهم بعض اليهود يسألونه عن الجزية.
هل يعطونها للدولة أم لا. وكانوا يريدون من وراء ذلك أن يوقعوه تحت عقوبة مناهضة السلطة الرومانية، ولقد أجابهم المسيح يومئذ بقوله " ما لقيصر لقيصر وما لله لله " كما ذكرت الأناجيل(٥٣١).
وتبدأ الأحداث أن رؤساء الكهنة والفريسيون بعد أن عقدوا العزم على القبض على المسيح عليه السلام، بعثوا إليه بمجموعة وأوكلوا إليها هذا العمل. وذكرت الأناجيل أن يهوذا الخائن كان معهم، ويذكر إنجيل يوحنا أنهم عندما اقتربوا من المسيح " تقدم نحوهم وقال:
من تريدون؟ أجابوه: يسوع الناصري. فقال لهم: أنا هو " " فلما قال أنا هو. تراجعوا وسقطوا على الأرض "(٥٣٢) من هذا النص نعلم أن رؤساء الكهنة بعثوا بمجموعة للقبض على المسيح لم يكن فيها أحدا يعرف المسيح وهو الذي ذاع صيته في الآفاق، وشاهده الخاص والعام وهو يحاضر في الهيكل أو وهو يقدم معجزاته، ولم يكن بين المجموعة من يعرف المسيح سوى تلميذه الخائن يهوذا، ولكن النص لم يكشف السبب الذي أدى إلى تراجعهم وسقوطهم على الأرض، وإذا تدبرنا ما حدث لهم نجد إما أن يكون المسيح عليه السلام قد رفع في هذه اللحظة فأصابتهم الدهشة وتراجعوا وسقطوا على الأرض. وإما أن يكون شبيه المسيح هو الذي تقدم نحوهم وقال لهم: من تريدون؟ وبين قولهم: يسوع الناصري. وقوله: أنا هو. بدأت تتغير ملامحه لتشبه ملامح المسيح، فتراجعوا وسقطوا على الأرض من هول المفاجأة. في الوقت الذي كان المسيح عليه السلام قد رفع فعلا. وبالجملة: إما أنهم شاهدوا عملية الرفع وأعقبها مباشرة وجدوا أنفسهم أمام الشبيه. وعلى هذا ظل الشك رداءا لهم على امتداد الأحداث، وإما أن شاهدوا التلميذ أولا ثم شاهدوا تغيير ملامحه بعد ذلك، فلبسهم الشك على امتداد الأحداث، وفي كل من الصورتين تقام الحجة عليهم وعلى من خلفهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
عقب القبض على شبيه المسيح. كان الشك عنوانا رئيسيا في كل محاكمة وقف أمامها الشبيه. جاء في إنجيل متي " وانعقد المجلس اليهودي الأعلى بحضور رؤساء الكهنة والشيوخ كلهم. وبحثوا عن شهادة زور على المسيح ليحكموا عليه بالموت. ولكنهم لم يجدوا..
أخيرا تقدم اثنان وقالا: هذا قال: إني أقدر أن أهدم هيكل الله وأبنيه في ثلاثة أيام. فوقف رئيس الكهنة وسأله: أما تجيب بشئ على ما يشهد به هذان عليك؟ ولكن يسوع ظل صامتا فعاد رئيس الكهنة يسأله قال:
أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا: هل أنت المسيح؟! فأجابه يسوع:
أنت قلت. وأقول لكم أيضا إنكم منذ الآن سوف ترون ابن الإنسان جالسا عن يمين القدرة. ثم آتيا على سحب السماء(٥٣٣). وقوله جالسا عن يمين القدرة فيه إشارة إلى رفع المسيح بقدرة الله إلى السماء. وقوله " ثم آتيا على سحب السماء " فيه إشارة إلى نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان. وروي أن النبي الخاتم (ص) قال وهو يبين قتال آخر الزمان بين جند الحق وبين جند الباطل "... فيقول بعض المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تلحقوا بإخوانكم في مرضاة ربكم. من كان عنده فضل طعام فليعد به على أخيه. وصلوا حتى ينفجر الفجر وعجلوا الصلاة ثم أقبلوا على عدوكم. ثم تأخذهم ظلمة لا يبصر أحدهم كفه. فينزل ابن مريم. فيحسر عن أبصارهم وبين أظهرهم رجل عليه لأمة(٥٣٤). فيقولون من أنت؟ فيقول: أنا عبد الله وكلمته عيسى... "(٥٣٥) وروي أن المسيح سينزل واضعا كفيه على أجنحة ملكين(٥٣٦).
ومن الدليل أن الشبيه كان يتنبأ بنزول عيسى عليه السلام أنه عندما أخبرهم بمجيء المسيح على سحب السماء. يذكر إنجيل متي. أنهم ضربوه ولطمه بعضهم قائلين " تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك "(٥٣٧).
وظل الشك رداءا للقوم على امتداد الليل. ويقول لوقا في إنجيله " ولما طلع النهار. اجتمع مجلس شيوخ الشعب المؤلف من رؤساء الكهنة والكتبة وقالوا: إن كنت أنت المسيح فقل لنا!! فقال لهم: إن قلت لكم لا تصدقون. وإن سألتكم لا تجيبوني. ألا إن ابن الإنسان من الآن سيكون جالسا عن يمين قدرة الله "(٥٣٨)..
وفي هذا النص سألوه: إن كنت أنت المسيح فقل لنا. فكان رده " إن قلت لكم لا تصدقون " والشبيه على امتداد محاكمته لم يقل أنه المسيح. فكانوا إذا سألوه هل أنت المسيح؟ قال لمن سأله " أنت قلت " لكنه هنا يقول لهم: إن قلت لكم لا تصدقون.
ثم انتقلوا به من الحي اليهودي إلى مقر الحاكم بيلاطس.
يقول إنجيل متي " ووقف يسوع أمام الحاكم فسأله الحاكم: أأنت ملك اليهود؟ أجابه: أنت قلت. وكان رؤساء الكهنة والشيوخ يوجهون ضده الاتهامات وهو صامت لا يرد. فقال له بيلاطس: أما تسمع ما يشهدون به عليك. لكن يسوع لم يجب الحاكم ولو بكلمة حتى تعجب الحاكم كثيرا "(٥٣٩).
وعندما علم بيلاطس أن المسيح تابع وفقا لتقسيم الدولة لسلطة هيرودس. أحاله اليه. وكان هيرودس في أورشاليم وقتئذ. وذكر إنجيل لوقا بأنه كان في اشتياق لرؤية المسيح ليشاهد معجزاته. وقال " من هو هذا الذي أسمع عنه مثل هذه الأمور. وكان يرغب في أن يراه "(٥٤٠) وعندما وقف الشبيه في حضرة هيرودس طلب منه أن يرى آية ما تجري على يديه. ولكن الشبيه لا يستطيع أن يقدم معجزة لأنه تلميذا للمسيح عليه السلام. والمسيح وحده هو الذي يحيي الموتى بإذن الله ويشفي المرضى بإذن الله. يذكر إنجيل لوقا " ولما رأى هيرودس يسوع فرح جدا لأنه كان يتمنى من زمان طويل أن يراه بسبب سماعه الكثير عنه. ويرجو أن يرى آية ما تجري على يديه. فسأله في قضايا كثيرة. أما هو فلم يجبه عن شئ. ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يتهمونه بعنف. فاحتقره هيرودس وجنوده وسخر منه "(٥٤١).
وفي هذا النص كفاية على أن الذي تحدث معه هيرودس لم يكن المسيح عليه السلام، وإنما كان شبيهه، فهيرودس كان يتمنى أن يرى المسيح. ويرجو أن يرى آية، والله تعالى أيد المسيح عليه السلام بأكثر من آية، وكان عليه السلام تجري معجزاته في المدن ويوبخ الذين شاهدوها ولم يتوبوا. يقول متي في إنجيله " ثم بدأ يسوع يوبخ المدن التي جرت فيها أكثر معجزاته لكون أهلها لم يتوبوا "(٥٤٢) وهيرودس سأل آية. ومن تعاليم المسيح قوله كما جاء في إنجيل مرقس " ليس الأصحاء هم المحتاجين إلى طبيب بل المرضى. ما جئت لأدعو أبرارا بل خاطئين "(٥٤٣) وكان يقول كما جاء في إنجيل متي " ما رأيكم في إنسان قد جاء لكي يخلص الهالكين. ما رأيكم في إنسان كان عنده مئة خروف فضل واحد منها. أفلا يترك التسعة والتسعين في الجبال. ويذهب يبحث عن الضال. الحق أقول لكم: إنه إذا وجده فإنه يفرح به أكثر من فرحه بالتسعة والتسعين التي لم تضل"(٥٤٤) فوفقا لهذه النصوص لا يوجد مانع يحول بين هيرودس وبين ما يرجو أن يراه على أيدي المسيح عليه السلام. والدعوة الإلهية في عصر النبوة تفتح للآيات طرقا عديدة ليؤمن الناس بما وراء المعجزة. ولكن ما حدث في وجود هيرودس وجليسه يدعو إلى العجب. فهيرودس الذي قال عن المسيح يوما " من هو هذا الذي أسمع عنه هذه الأمور. وكان يرغب في أن يراه "(٥٤٥).
وعندما رآه فرح جدا لأنه كان يرجو أن يرى آية ما تجري على يديه، وقد علم أن المسيح لن يحول بينه وبين طلبه، لأنه جاء ليدعو الخطائين ويبحث عن الضالين ويقدم المعجزات ويوبخ الذين لم يؤمنوا مهما كان شأنهم، لأنه صادق ولا يبالي بأحد لأنه لا يراعي مقامات الناس. لأنه يعلم طريق الله بالحق، ولكن النصوص أوردت نتيجة اجتماع هيرودس بالمسيح بما لا تستقيم مع المقدمة، فهيرودس سأله في قضايا كثيرة. أما هو فلم يجبه عن شئ، ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يتهمونه بعنف. واحتقره هيرودس وجنوده وسخر منه، وهذا الموقف الذي دثره الصمت. لا يمكن أن يفهم إلا على أرضية شبيه المسيح، لأن الشبيه لا يملك أن يقدم آية. فالآيات لله يؤيد بها رسله وهم يقيمون الحجة على الناس، والمسيح عليه السلام أقام حجته ورفعه الله إلى السماء، وبعد المسيح عليه السلام اختبر الله تعالى القافلة الإسرائيلية الاختبار الذي يليق بخاتمة المسيرة، بعد أن ابتلعت العديد من الفتن على امتداد الطريق.
لقد جلس شبيه المسيح في دائرة الصمت الذي لا يضر، دائرة الصمت فيها والكلام محسوبان بدقة بالغة، حتى لا تنهار الدعوة من رأس. ولكن تفوق حجة الذين آمنوا على حجة الكافرين إلى يوم القيامة، وكان عزاء الشبيه وهو يتلقى من الناس الأذى والسخرية، أنه ينصر دين الله، ومن حوله صدى صوت المسيح عليه السلام عندما قال وهو يخاطب التلاميذ " طوبى لكم متى أهانكم الناس واضطهدوكم وقالوا فيكم من أجلي كل سوء كاذبين. افرحوا وتهللوا فإن مكافأتكم في السماوات عظيمة. فإنهم هكذا اضطهدوا الأنبياء من قبلكم "(٥٤٦). والشبيه كان تحت جميع الضربات التي تم توجيهها إليه. متعلقا بالثواب الذي سيناله في الآخرة، فقد قال أمام الحاكم بيلاطس " ليست مملكتي من هذا العالم "(٥٤٧). وهو بهذا يشير إلى قول المسيح عليه السلام لتلاميذه " متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضا على اثني عشر كرسيا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر "(٥٤٨).
فالشبيه في دائرة الصمت هو في حقيقة الأمر في دائرة المنتصر.
وهو في هذه الدائرة يؤدي فريضة الصوم في أسمى معانيها. وقد سئل المسيح عليه السلام يوما " لماذا يصوم تلاميذ يوحنا وتلاميذ الفريسيين وأما تلاميذك فلا يصومون؟ فأجابهم: هل يقدر أهل العرس أن يصوموا والعريس بينهم. ما دام العريس بينهم لا يقدرون أن يصوموا. ولكن ستأتي أيام يكون العريس فيها قد رفع من بينهم. فيومذاك يصومون "(٥٤٩).
إن للصوم معاني وللصوم مراتب بعد رفع المسيح. والشبيه في دائرة الصمت كان يؤدي فريضة. تحفظ للدعوة مكانها في عالم تقذر بقذارة الكفر والطغيان، وفي مصادر الإسلام كان الشبيه يعلم أنه سيقتل لا محالة حين يشبه للقوم في صورة عيسى عليه السلام(٥٥٠). وفي مصادر النصارى كان التلاميذ يعلمون أن في اتباع المسيح مشقة لا يتحملها إلا مؤمن، ومن هذه المشاق عقوبة الصلب لكل من يلعنه المجتمع، ورغم قسوة هذه العقوبة. إلا أن المسيح عليه السلام قال " إن أراد أحد أن يسير ورائي فلينكر نفسه. ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني "(٥٥١). وحمل الشبيه صليبه. وفي نهاية المطاف نكس رأسه وأسلم الروح.
وأصابت الفتنة المهلكة الذين يسارعون في الأرض الفساد. ففي البداية لم يتدبروا الأحداث وسخروا من المصلوب " وسخر منه أيضا رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ قائلين: خلص غيره أما نفسه فلا يقدر أن يخلص. أهو ملك إسرائيل. فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به"(٥٥٢)، " وعلق بيلاطس لافتة على الصليب مكتوب عليها: يسوع الناصري ملك اليهود، فقرأ اللافتة كثيرون من اليهود.. فقال رؤساء كهنة اليهود لبيلاطس: لا تكتب ملك اليهود. بل إن هذا الإنسان قال أنا ملك اليهود.."(٥٥٣) وفي النهاية انطلق اليهود نحو طريق طويل. يعملون فيه من أجل ملك اليهود الذي يأتي آخر الزمان وتطرح له الأرض فطيرا وملابس من الصوف وقمحا حبه بقدر كلاوي الثيران الكبيرة. كما ذكر التلمود، وعندما بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، تلى على أسماع الجميع حقيقة الأحداث. ومنه قوله تعالى: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله. وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم. وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا. بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما. وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن به قبل موته. ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا)(٥٥٤). قال المفسرون في قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن به قبل موته) قيل: أي قبل موت عيسى عليه السلام إذا نزل لقتل المسيح الدجال. وقيل: كل كتابي لا يموت إلا وعند احتضاره يتجلى له ما كان جاهلا به فيؤمن به. لكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له. لقوله تعالى في أول السورة: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن)(٥٥٥).
فقبل ساعة الموت لا بد من الأخذ بأسباب البحث عن الحقيقة، ولا بد أن تكون فاتحة هذا البحث مستندة على مساند الفطرة. لأنه كما تكون البداية تكون النهاية. والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون.
٤ - [التقدم إلى الخلف]
أخبر المسيح عليه السلام تلاميذه بأنهم سيضطهدون وسيطردون خارج المجامع. وإنه سيأتي وقت يظن فيه من يقتلهم أنه يؤدي خدمة لله(٥٥٦) وفي آخر الدعوة قال المسيح لتلاميذه " حين أرسلتكم بلا صرة مال ولا كيس زاد ولا حذاء. هل احتجتم إلى شئ. فقالوا: لا فقال لهم: أما الآن فمن عنده صرة مال فليأخذها وكذلك من عنده حقيبة زاد. ومن ليس عنده فليبيع رداءه ويشتر سيفا "(٥٥٧) لقد كان عليه السلام يعدهم للدفاع عن أنفسهم. وكما نزل الستار على أبناء هارون من بعد موسى وهارون. وهم الذين عينتهم الدعوة الإلهية لتفسير الشريعة، وكما ضاعت أصواتهم في ساحات الضوضاء والغوغاء فلم ترى معالمهم في السطور التي احتوتها الأصول، كذلك نزل الستار على تلاميذ المسيح عليه السلام من بعد رفع المسيح، وضاعت أصواتهم على موائد المجامع. ولم تكن لهم معالم في سطور القرارات التي أصدرتها المجامع عبر تاريخها. ولم يعرف من سيرة تلاميذ المسيح عليه السلام إلا ما أخبرت به الدعوة الإلهية الخاتمة. روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " كونوا كأصحاب عيسى. نصبوا على الخشب ونشروا بالمناشير. موت في طاعة خير من حياة في معصية "(٥٥٨) وبعد اضطهاد الأصحاب جاء العصر الذي اضطهد فيه الأتباع والذين على أثر المسيح. قال تعالى: (قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود. إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد...)(٥٥٩). قال المفسرون:
قيل: كان الأخدود بنجران. وكان بها بقايا قوم على دين عيسى بن مريم، وأراد ملك من ملوك حمير كان قد تهود أن يحملهم على اليهودية ويدخلهم فيها، فجمع من كان بنجران على دين المسيح ثم عرض عليهم دين اليهودية، فأبوا عليه واختاروا القتل. فاتخذ لهم أخدودا وجمع فيه الحطب وأشعل فيه النيران. فمنهم من أحرق بالنار ومنهم من قتل بالسيف، وقوله تعالى: (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله..) أي ما كرهوا من أولئك المؤمنين إلا إيمانهم بالله. فأحرقوهم لأجل إيمانهم. وقيل: أن لأصحاب الأخدود وقائع متعددة وقعت بالحبشة واليمن والعجم والإشارة في الآية إلى جميعها. وذكر ابن كثير أنه في زمن قسطنطين. ألقى النصارى الذين كانوا على دين المسيح عليه السلام في أخدود وقتلوا جميعا بالنار(٥٦٠). ومن الثابت أن قسطنطين هو الذي دعا إلى مؤتمر نيقية عام ٣٢٥ م. وهو الذي اعتمد قانون الإيمان النصراني الذي يقول بألوهية المسيح. كما سنبين في موضعه.
وبالجملة: تم اضطهاد وقتل الذين سلكوا سبيل عيسى عليه السلام. ونزل عليهم الستار كما نزل من قبل على أبناء هارون في صدر المسيرة الإسرائيلية. ورغم نزول الستار إلا أن آثار أقدامهم واضحة على امتداد الطريق. لأنها أصل من أصول الدعوة يقام به الحجة على كل من يتدبر في الأصول. وهذا الأصل يقود إلى الدعوة الخاتمة التي جعلها الله حجة على البشرية جمعاء.
بعد حرق الذين آمنوا بالله العزيز الحميد. ظهرت أول رسائل في اللاهوت المسيحي. جاء في تاريخ الكنيسة " إن أقدم رسالة في اللاهوت المسيحي مصدرها بولس "(٥٦١) وهذا يعني أن العمود الفقري للنصرانية التي تقول بلاهوت المسيح يعود وضع خميرته ورعاية أعمدته إلى بولس، ويعني أيضا أن المسيرة النصرانية انطلقت منذ ذلك الحين بوقود بولس. بعد أن أقيمت عليهم الحجة على امتداد المسيرة الإسرائيلية وحتى زمن المسيح عليه السلام. بأنه لا إله إلا الله، وإنه سبحانه الأول والآخر والظاهر والباطن، وله وحده ميراث السماوات والأرض وجميع موجودات العالم تنتهي في وجودها وآثارها إليه جل شأنه.
ولما كان بولس تعود إليه الخميرة الأولى للمسيرة المسيحية الحاضرة، فإن البحث يقضي بضرورة إلقاء بعض الضوء عليه وعلى اجتهاداته. فيما يتعلق بالعمل بالشريعة الموسوية والتبشير بالنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، على إعتبار أن دعوة المسيح عليه السلام كانت تقوم على هذين الاتجاهين.
أولا - " من هو بولس "؟:
يقول بولس عن نفسه " إن اليهود جميعا يعرفون نشأتي من البداية. فقد عشت بين شعبي في أورشاليم منذ صغري. وما داموا يعرفونني من البداية فلو أرادوا لشهدوا. ليشهدوا إنني كنت فريسيا أي تابعا للمذهب الأكثر تشددا في ديانتنا "(٥٦٢) ويقول " كنت متفوقا في الديانة اليهودية على كثيرين من أبناء جيلي في أمتي. لكوني غيورا أكثر منهم جدا على تقاليد آبائي "(٥٦٣).
ولقد علمنا فيما سبق أن المسيح عليه السلام حذر من الفريسيين ومن خميرهم. أي من تعاليمهم(٥٦٤). ولقد كان الفريسيون من أشد الناس خطرا على دعوة المسيح على امتداد بعثته وبعدها، وبولس نفسه يشهد بذلك. قال " كنت أعتقد أنه يجب أن أبذل غاية جهدي لأقاوم اسم يسوع الناصري، وقد عملت على تنفيذ خطتي في أورشاليم. بتفويض خاص من رؤساء الكهنة، فألقيت من السجن عددا كبيرا من القديسيين، وكنت أعطي صوتي بالموافقة عندما كان المجلس يحكم بإعدامهم، وكم عذبتهم في المجامع كلها لأجبرهم على التجديف. وقد بلغ حقدي عليهم درجة جعلتني أطاردهم في المدن في خارج البلاد"(٥٦٥) وقال " كنت أضطهد كنيسة الله متطرفا إلى أقصى حد. ساعيا إلى تخريبها "(٥٦٦).
ثانيا - " كيفية اعتناق بولس للنصرانية ":
بما أن بولس كان متفوقا في الديانة اليهودية كما ذكر. فإنه كان يعلم بمنزلة هارون وبنيه في الشريعة اليهودية، والراصد لحركة بولس في اتجاه النصرانية. يجد أنه ادعى لنفسه منزلة هارون لتكون مدخله إلى الحي النصراني، وبعد الدخول ادعى لنفسه أن منهجه لم يتسلمه من إنسان بل من الله، وإنه اطلع على السر الذي لم يطلع عليه بنو البشر في الأجيال الماضية، وقال إن النعمة الموهوبة إليه لم تكن عبثا. لأنه عمل جاهدا أكثر من الرسل الآخرين، ومن تحت هذا السقف خرجت عقيدة بولس. لتعمل من أجل ميراث بني إسرائيل الذي لم تفارق ثقافته فرقة الفريسيين أصحاب التفسير الشفهي (التلمود) على امتداد المسيرة، وبولس نفسه يثبت هذا الهدف بعد دخوله إلى الحي النصراني. قال " لي رجاء بأنه يحقق الله ما وعد به آبائنا وما زالت أسباط شعبنا الاثني عشر تواظب على العبادة ليل نهار راجية تحقيقه "(٥٦٧).
ومنزلة هارون جاءت على لسان بولس عندما قال " إن الكاهن الأعلى كان يؤخذ من بين الناس، ويعين للقيام بمهمته نيابة عنهم في ما يخص علاقتهم بالله، وذلك لكي يرفع إلى الله التقدمات والذبائح...
ولم يكن أحد يتخذ لنفسه هذه الوظيفة الشريفة متى أراد، بل كان يتخذها من دعاه الله إليها كما دعا هارون "(٥٦٨) وعلى هذه الخلفية. ذكر بولس أنه كان في طريقه إلى دمشق لإنجاز مهمة كلف بها. وهي القبض على بعض أتباع المسيح وسوقهم مقيدين إلى أورشاليم، وقال " وفيما هو منطلق إلى دمشق وقد اقترب منها. لمع حوله فجأة نور من السماء فوقع على الأرض. وسمع صوتا يقول له: شاول. شاول. لماذا تضطهدني؟ فسأل: من أنت يا سيد؟ فجاءه الجواب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده. والآن قم وأدخل المدينة فيقال لك ما يجب أن تفعله "(٥٦٩).
وإذا كان بولس قد ذكر هنا أن المسيح أمره بدخول المدينة ليتلقى الأوامر. فإنه ذكر في موضع آخر أن المسيح عينه خادما له وحمله رسالة إلى الأمم. قال " فسألت: من أنت يا سيد؟ فأجاب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده، أنهض وقف على قدميك فقد ظهرت لك لأعينك خادما لي، وشاهدا بهذه الرؤيا التي تراني فيها الآن. وبالرؤى التي ستراني فيها بعد اليوم، وسأنقذك من شعبك ومن الأمم التي أرسلك إليها الآن... "(٥٧٠) وعلى خلفية منزلة هارون ومشاهدته نور من السماء لمع حوله فجأة، كتب بولس رسائله " من بولس. وهو رسول لا من قبل الناس ولا بسلطة إنسان، بل بسلطة يسوع المسيح "(٥٧١) وقال * أيها الأخوة. إن الإنجيل الذي بشرتكم به ليس إنجيلا بشريا، فلا أنا تسلمته من إنسان ولا تلقنته تلقينا، بل جائني بإعلان من يسوع المسيح "(٥٧٢)، وقال " أن المسيح قد أرسلني لا لأعمد. بل لأبشر بالإنجيل "(٥٧٣). وقال " ونعمته الموهوبة لي لم تكن عبثا، إذ عملت جاهدا أكثر من الرسل الآخرين جميعا، إلا أني لم أكن أنا العامل بل نعمة الله التي كانت معي "(٥٧٤).
ثالثا - " بولس والشريعة ":
على امتداد عهد المسيح عليه السلام. كان يقول " لا تظنوا أني جئت لألغي الشريعة أو الأنبياء. ما جئت لألغي بل لأكمل "(٥٧٥)، وعندما جاء بولس وقاد المسيرة ألغى الشريعة. قال " كانت الشريعة هي مؤدبنا حتى مجئ المسيح لكي تبرر على أساس الإيمان، ولكن بعد ما جاء الإيمان تحررنا من سلطة المؤدب، فإنكم جميعا أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع، لأنكم جميع الذين تعمدتم في المسيح قد لبستم المسيح "(٥٧٦)، وقال " أثبت الله لنا محبته. إذ ونحن ما زلنا خاطئين مات المسيح عوضا عنا، وما دمنا الآن قد تبررنا بدمه. فكم بالأحرى نخلص من الغضب الآتي، فإن كنا ونحن أعداء قد تصالحنا مع الله بموت ابنه.
فكم بالأحرى نخلص بحياته ونحن مصلحون "(٥٧٧). وقال " يا إخواني.
فإنكم بواسطة جسد المسيح الذي مات. قد صرتم أمواتا بالنسبة للشريعة لكي تصيروا إلى آخر. إلى المسيح نفسه "(٥٧٨). وقال " إن المسيح حررنا بالفداء من لعنة الشريعة. إذ صار لعنة عوضا عنا. لأنه قد كتب:
ملعون كل من علق على خشبة "(٥٧٩).
وعلى هذا الأساس الذي وضعه بولس. ألغيت الشريعة التي جاء أنبياء بني إسرائيل ليبينوها للناس. وليحذرونهم من المخالفة والانحراف الذي يترتب عليه لعنهم إلى يوم القيامة، وبولس ألغى الشريعة تحت عنوان: أن المسيح مات عن العصاة في الوقت المعين. وما دام قد مات عوضا عن الجميع وصار لعنة لأجلهم. فمعنى ذلك أن الجميع قد ماتوا بالنسبة للشريعة. وعندما قام المسيح من بين الأموات صاروا إليه ولبسوا فيه. وما دام الأمر كذلك فلا فائدة ترجى من الشريعة. لأن الأحياء لا يعيشون بالشريعة وإنما بالذي مات عوضا عنهم ثم قام(٥٨٠)!! ولم يكتفي بولس بإلغاء الشريعة. بل هدد العاملين بها. ولا ندري أي إيمان يكون بغير الكتب السماوية وتصديق الأنبياء. وهل عرفنا الإيمان إلا بالناموس الذي هو من أوامر الله.
رابعا - " بولس والتبشير بالنبي الخاتم (ص) ":
بعد أن ألغى بولس الشريعة. ودفع بالقافلة إلى حيث لا ضابط لها فيما تفعل أولا تفعل. وترتب على هذا ظهور الكثير من الأحبار والرهبان ليشرعوا للناس ويأكلوا أموال الناس بالباطل. وظهور الكثير من الفرق التي اتخذت عقيدة أرض الميعاد وثقافتها وقودا لها. وكان الحي النصراني هو الأرض الخصبة لهذه الفرق. نظرا لوجود الحي اليهودي مع الحي النصراني تحت سقف واحد ينتمي إلى بني إسرائيل بالاسم.
وبولس قام بالتعتيم على نبوة الرسالة الخاتمة. من خلال تصوره لعقيدة ميراث بني إسرائيل. بمعنى أنه تتبع الميراث من عند بدايته. ومن عند البداية ضرب الخط الذي يبعث الله منه النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. والوعد جاء ذكره في التوراة على النحو التالي " في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقا قائلا: لتلك أعطى هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات "(٥٨١).
ويقول بولس في هذا الوعد " فإنه قد كتب إن إبراهيم كان له إبنان. أحدهما من الجارية. والآخر من الحرة. أما ابن الجارية فقد ولد حسب الجسد. وأما ابن الحرة فإتماما للوعد "(٥٨٢) وابن الجارية الذي يقصده بولس. هو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وأمه هاجر عليها السلام. ومن ذريته بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. أما ابن الحرة الذي يقصده بولس. فهو إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام. وأمه سارة عليها السلام، ومن أبنائه يعقوب ومن ذريته بعث الله أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام.
وبولس وهو يصيغ منهجه للتعتيم على النبوة الخاتمة، راعى أن يكون الحي النصراني خادما للحي اليهودي، بمعنى أنه قام بتحويل الدعوة المسيحية من السير إلى الأمام إلى السير نحو الخلف بلا سراج ينير، حتى تقف المسيرة عند الوراء أمام لوحة ميراث بني إسرائيل، ولا تملك المسيرة إلا أن تكون خادمة لهذا العنوان، وعلى امتداد هذه الخدمة يتم صحن كل شيء في خدمة الحي اليهودي بما في ذلك آيات التبشير بالنبوة الخاتمة.
لقد جرد بولس الحي النصراني من الشريعة التي يتمسك بها الحي اليهودي، وعلى هذا يصبح لا معنى وراء اعتناق اليهودي للنصرانية التي حررها بولس من الشريعة، ولأن النصرانية التي أسسها بولس تعمل تحت سقف الحي اليهودي. فإن وجود النصارى تحت هذا السقف يكون له معنى بأي صورة من الصور، وبولس نفسه يقول " لي رجاء بإن يحقق الله ما وعد به آباءنا. وما زالت أسباط شعبنا الاثني عشر تواظب على العبادة ليل نهار راجية تحقيقه "(٥٨٣). وقد علمنا من قبل أن الأسباط الاثني عشر تخص الحي اليهودي، وأن التلاميذ الاثني عشر يخصوا دعوة المسيح فإنهم ذلك.
ودفع القافلة النصرانية لخدمة الأهداف اليهودية. نراها في أصول بولس التي تتحدث عن الميراث وتضرب من خلاله آيات التبشير بالنبوة الخاتمة. ومن ذلك قوله " قد سمعتم بتدبير نعمة الله الموهوبة لي لأجلكم. كيف كشف لي السر عن طريق الوحي. كما كتبت قبلا بإيجاز. ويمكنكم حينما تقرأون ما كتبته أن تدركوا اطلاعي العميق على سر المسيح. ذلك السر الذي لم يطلع عليه بنو البشر في الأجيال الماضية مثلما أعلن اللآت بوحي الروح لرسله القديسيين وأنبيائه، وهو:
أن الأمم هم شركاء اليهود في الميراث وأعضاء في الجسد معهم. ولهم أيضا حق الاستفادة من الوعد. وذلك في المسيح يسوع. وبفضل الإنجيل الذي صرت أنا خادما له "(٥٨٤).
فالسر العميق بإيجاز شديد. هو أن الأمم الذين هم بلا شريعة.
يمكن أن يكون لهم نصيبا في الميراث إذا وقفوا مع النصارى وهم أيضا بلا شريعة. تحت سقف المسيح الذي حرر الناس من لعنة الشريعة إذ صار لعنه عوضا عنهم. لأنه قد كتب: ملعون كل من علق على خشبة.
فلكي تصل بركة إبراهيم إلى الأمم. لا بد أن يكون ذلك عن طريق قبول المسيح(٥٨٥). وقبول المسيح من شروطه قبول الإنجيل الذي صار بولس خادما له. ومن المعلوم أن بولس لم يصاحب المسيح عليه السلام ولم يشر في رسائله أنه رآه أو تحدث معه أو شاهد معجزاته على عهد ا لدعوة.
ولما كان اليهود على امتداد مسيرتهم يتمسكون بعقيدة الشعب المختار أي الشعب ذو الدماء النقية الذي يرث الأرض التي كتبها الله لإبراهيم، فإن بولس ألحق النصارى بنسل إبراهيم ولكن عن طريق آخر هو طريق الروح، فقال " وقد وجهت الوعود لإبراهيم ونسله. ولا يقول " وللأنسال " كأنه يشير إلى كثيرين، بل يشير إلى واحد، إذ يقول " ولنسلك " يعني المسيح "(٥٨٦) ثم يقول لاتباعه وهو يلحقهم بنسل المسيح " وأما أنتم أيها الأخوة، فأولاد الوعد على أمثال إسحاق، ولكن لما كان في الماضي المولود بحسب الجسد يضطهد المولود بحسب الروح، فكذلك أيضا يحدث الآن، إنما ماذا يقول الكتاب؟، اطرد الجارية وابنها. لأن ابن الجارية لا يرث مع ابن الحرة. إذن أيها الأخوة نحن لسنا أولاد الجارية بل أولاد الحرة "(٥٨٧).
ولقد خلط بولس بين الأوراق عندما قال: " ولفظة هاجر. تطلق على جبل سيناء في بلاد العرب، وتمثل أورشاليم الحالية فإنها مع بنيها في العبودية، وأما الثاني. فرمزه الحرة التي تمثل أورشاليم السماوية.
التي هي أمنا "(٥٨٨).
فمنهج بولس فيما يختص بالميراث، أثبت لليهود الحق فيه، لأنهم أولاد يعقوب بن إسحاق، وهم أصحاب شريعة موسى والأنبياء، والحي النصراني له الحق في الوعد على أمثال إسحاق. لأنه ينتسب إلى المسيح بالروح. كما يقول الإنجيل الذي صار بولس خادما له، والحي اليهودي مع الحي النصراني في عقيدة بولس. لا يمثلان أورشاليم التي يتجول فيها بولس وجميع فرق بني إسرائيل. فأورشاليم التي لعن الله أهلها الذين قتلوا الأنبياء وجعلوا بيته فيها مغارة لصوص، وجاءتها البعوث من كل مكان لتدمر ما فيها وتسبي أهلها. بعد أن عبدوا البعل وأقاموا المرتفعات للآلهة المتعددة، أورشاليم هذه لا تخص إلا هاجر وولدها إسماعيل وذريته العربية كما تقول عقيدة بولس، أما ما يخص بولس وأتباعه فهي أورشاليم السماوية. أورشاليم الجديدة التي جاء ذكرها في أسفار الأنبياء كما ذكرنا. ومن أوصافها " أرضها مربعة طولها يساوي عرضها. وهي متساوية الطول والعرض والارتفاع "(٥٨٩). وقال مفسرو العهد الجديد: هي مكعبة، " ولن يدخلها شيء نجس ولا ما يصنع رجاسة أو كذب "(٥٩٠). وأرضها أرض جديدة لا بحر فيها "(٥٩١).
" ويطل عليها جبل ضخم عال "(٥٩٢). " ولا يوجد بها هيكلا "،(٥٩٣). " وبنزول أورشاليم من عند الله يكتب الله عليها اسمه الجديد "(٥٩٤). " ويصير بيت الله وسط الناس "(٥٩٥). وذكر سفر الرؤيا أن المبعوث إلى أورشاليم الجديدة هو الشاهد " الأمين الصادق "(٥٩٦).
ففي عقيدة بولس أن أورشاليم هذه لا تخص هاجر وولدها. وإنما تخص بولس وأتباعه (!!). ونتيجة لخلط الأوراق حدث الضلال على امتداد المسيرة، ولم يجني الحي النصراني إلا السراب الذي لا يروي ظمأ ولا يسمن ولا يغني من جوع، وبتأمل أحداث آخر الزمان نجد أن المسيرة النصرانية التي زودها بولس بوقوده لتكون في خدمة الأهداف اليهودية، ستكون معلقة في الهواء. حيث لا أرض طالت ولا سماء، بينما يكون اليهود في هذا الوقت تحت قيادة أمير السلام ابن داوود ينعمون بما لديهم من مادة وميراث كما يعتقدون، ويقول بولس عن مكان النصارى في أحداث آخر الزمان " إننا نحن الباقين أحياء إلى حين عودة الرب لن نسبق الراقدين. لأن الرب نفسه سينزل من السماء حالما يدوي أمر الجميع. وينادي رئيس ملائكة ويبوق في بوق إلهي، عندئذ يقوم الأموات في المسيح أولا، ثم إننا نحن الباقين أحياء نختطف جميعا في السحب للاجتماع بالرب في الهواء، وهكذا نبقى مع الرب على الدوام. لذلك عزوا بعضكم بعضا بهذا الكلام "(٥٩٧). وبهذا الكلام ينتهي الأمر بفوز اليهود بالميراث الذي كان بولس يرجو من الله أن يحققه. بعد أن وعد به آبائه من بني إسرائيل. وظلت أسباط الشعب الاثني عشر تواظب على العبادة ليل نهار. راجية تحقيقه. وينتهي الأمر أيضا بالحي النصراني وسط السحاب في الهواء، ليملأ كفيه بالسحاب أو بالهواء.
وبعد إلقاء بعض الضوء على أطروحة بولس داخل الحي النصراني، نسجل هنا أقوال بعض علماء مقارنة الأديان، يقول يواكيم برنز " لقد كان بولس سباقا إلى قبول فكرة انفصال المسيحية عن اليهودية. ومهد بإنشاء العقيدة المناسبة "(٥٩٨)، ويقول د. جوستاف لوبون " إن بولس أسس باسم يسوع دينا لا يفقهه يسوع لو كان حيا، ولو قيل للحواريين الاثني عشر إن الله تجسد في يسوع ما أدركوا هذه الفضيحة ولرفعوا أصواتهم محتجين "(٥٩٩)، ويقول د. شارل جنيبر رئيس قسم الأديان بجامعة باريس " لقد تجاهل بولس فكرة عيسى الناصري ولم يتجه إلا إلى عيسى المصلوب، فتصوره شخصية إلهية تسبق العالم نفسه في الوجود. رجل سماوي احتفظ الله به إلى جانبه، أمدا طويلا، حتى نزل إلى الأرض لينشئ فيها حقا لبشرية جديدة يكون هو دمها، وهذه العقيدة تنتهي إذا سمح لنا باستخدام هذا التعبير. إلى ثمرة تبعث كثيرا على الاستغراب. هي أن عيسى يصور لنا ابنا لله. ولكن فكرة الله بالنسبة لبولس تدخل ضمن ميراثه من العقيدة اليهودية، فكيف إذن يتأتى تصور أن يكون لله ابن. وهذا لا يمت بصلة إلى العقيدة اليهودية "(٦٠٠)، ويقول الكردنال دانيلو: " إن المسيحيين المخلصين يعتبرون بولس خائنا، وتصفه وثائق مسيحية بالعدو. وتتهمه بالتواطئ التكتيكي "(٦٠١).
خامسا - " فرض العقيدة البوليسية ":
وضع بولس الذي كان ينتمي إلى طائفة الفريسيين خميرته داخل الحي النصراني الذي يقف تحت السقف اليهودي، ولم تكن خميرة بولس ضارة باليهود وإنما كانت في خدمتهم، ثم اتسعت الخميرة بعد ذلك بفضل المراكز الثقافية التي كانت فرقة الفريسيون تشرف عليها، وهذه المراكز قامت أعمدتها على تعاليم الماسونية، وكان بولس يتردد على هذه المراكز(٦٠٢)، وكان يصدر أوامر صارمة إلى تلاميذه بأن يقتدوا به، وأن يعتزلوا كل من يخالفهم وأن ينتبهوا إلى مثيري الانقسامات حول تعاليمه.
وذكر المحققون أن بولس كان نشيطا دائم الحركة ذا قوى لا تكل وذا نفس لا تمل، وكان شديد الذكاء بارع الحيلة قوي الفكر، يدبر الأمور لما يريد، ويسدد السهام لغاياته ومآربه فيصيبها، استطاع أن يحمل أكثر الناس على نسيان ماضيه وأن يندمجوا في شخصه حتى يصير هو كل شيء. وهم لا يستطيعون رد قوله، ولقد خطى بولس خطواته الواسعة مستفيدا من حداثة عهد الناس بالمسيحية. وبعلاقته بالكهنة والحكام وأصحاب السلطة، وأخذ بولس في التطواف في الأقاليم. يقوم بالدعاية ويلقي الخطب. ويكتب الرسائل. حتى أن رسائله كانت هي الرسائل التعليمية بما اشتملت عليه من مبادئ في الاعتقاد وبعض الشرائع العملية(٦٠٣).
وبالنظر في رسائل بولس لمعرفة منهجه في نشر دعوته نجده يقول في رسالة " كونوا جميعا أيها الأخوة مقتدين بي. ولاحظوا الذين يسلكون بحسب القدرة التي ترونها فينا. فإن كثيرين ممن يسلكون بينكم. وقد ذكرتهم بكم مرارا. واذكرهم الآن أيضا، إنما هي أعداء لصليب المسيح "(٦٠٤) ويقول في رسالة أخرى وقد ضج من الذين تصدوا لتعاليمه " أتوسل إليكم أيها الأخوة. أن تنتبهوا إلى مثيري الانقسامات والعثرات خلافا للتعليم الذي تعلمتم. وأن تبتعدوا عنهم "(٦٠٥) وفي رسالة يقول " أوصيكم أيها الأخوة باسم ربنا يسوع المسيح. إن تعتزلوا عن كل أخ يسلك سلوكا فوضويا لا يوافق التعليم الذي تلقيتم منا "(٦٠٦) ويبدو أن المعارضين لتعاليمه قد تصدوا لهذه التعاليم في بداية الأمر. مما أدى إلى أن يلوح لهم بولس بقبضته الحديدية مهددا لهم بالعقاب. يقول في رسالة من رسائله " لي ثقة بكم في الرب. إنكم لن تعتنقوا رأيا آخر.
وكل من يثير البلبلة بينكم سيتلقى عقاب ذلك كائنا من كان "(٦٠٧).
واستغل بولس علاقته للملوك وأصحاب السلطة في ضرب المعارضة، فأمر أتباعه بالدخول تحت سقف السلطة وذلك بالدعاء للحكام والخضوع لقانونهم، في الوقت الذي كان اليهود يخضعون فيه لقانونهم المستمد من الشريعة تحت رعاية الكهنة والشيوخ، قال بولس في رسائله " ذكر المؤمنين أن يخضعوا للحكام والسلطات ويطيعوا القانون "(٦٠٨) وقال " أطلب قبل كل شيء. أن تقيموا الطلبات الحارة والصلوات والتضرعات والتشكرات لأجل جميع الناس، ولأجل الملوك وأصحاب السلطة لكي نعيش حياة مطمئنة هادئة "(٦٠٩).
سادسا - " الطريق إلى الأمم ":
وضع بولس منهجه وسط ساحة زمنية تربط بين دعوتين إلهيتين.
الدعوة الإلهية إلى بني إسرائيل والدعوة الإلهية الخاتمة إلى البشرية كافة، وبولس في منهجه أعطى للمسيح صفة الديمومة. أي صفة الألوهية. وربط أتباعه بهذه الصفة... ومعنى هذا أنه أغلق باب التوبة.
بمعنى: إذا كانوا مع المسيح والمسيح فيهم. فما الجدوى من وراء التوبة؟ وترتب على ذلك عدم التفات أتباعه إلى آية تدعو إلى الرجوع إلى الله.
وبولس عندما جرد مسيرته من الشريعة الموسوية. ألقى داخل ساحات الأمم حيث الشرائع المتعددة للعقائد المتعددة. التي يشرف عليها كهنة الوثنية والملوك الذين أقاموا ملكهم على ثقافة تقول: أن في عروقهم تجري دماء الآلهة، ودخول بولس إلى ساحة الأمم كان معولا آخر ضرب به تعاليم المسيح عليه السلام، وكان المسيح قد حدد ساحة بني إسرائيل دون غيرها لدعوته. وجاء في إنجيل متي أن امرأة كنعانية طلبت من المسيح أن يشفي ابنتها المجنونة، لكنه لم يجيبها بكلمة، وعندما قال له التلاميذ " اصرفها لأنها تصيح وراءنا. أجابهم: لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة "(٦١٠)، وقال متي هنري في تفسيره أي أنتم تعلمون أني لم أرسل إلا لهذه الغاية. وهذه المرأة ليست من خراف بيت إسرائيل. فهل ترضون بأن أتعدى حدود ارساليتي "(٦١١).
وترتب على دخول بولس إلى الساحة الأممية. أن الحي النصراني الذي يشرف عليه بولس. امتص كثيرا من العقائد والثقافات الوثنية، ومع هذه الأحمال رتعت الأهواء التي تلبست بالدين وأغلقت باب التوبة، فلم يقف على أبواب التوبة من هضم الوثنية ومن إعتقد بأن المسيح حرره من لعنة الناموس وأن المسيح عندما قام من بين الأموات صار إليه ولبس فيه، وفي امتصاص المسيحية للوثنية يقول ديورانت في قصة الحضارة: " إن المسيحية لم تقض على الوثنية بل تبنتها(٦١٢) بعد أن هضمت تقاليد العقل الوثني فكرة المسيح الإله(٦١٣) وقصارى القول: أن المسيحية كانت آخر شيء ابتدعه العالم الوثني القديم(٦١٤).
وعلى الساحة الوثنية تعددت الآراء لعدم استقرار الفطرة على ما فطرها الله عليه، وانعقدت المجامع المسيحية للبحث عن ثوب يخفي العرى المعيب، فكان مجمع نيقية (٣٢٥ م) وتصدى المجتمعون فيه إلى عقيدة الوحدانية التي قال بها آريوس، وأقر المجمع عقيدة المسيح الإله، ثم جاء مجمع القسطنطينية (٣٨١ م) ليقر ألوهية الروح القدس، ثم مجمع أفسس (٤٣١ م) وأقر أن المسيح له طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، ثم مجمع خلقيدونية (٤٥١ م) وأقر أن المسيح له طبيعتان ومشيئتان، وتوالت المجامع لتزيل الإشكال، فما يلبث الإشكال حتى يصير ألف إشكال.
لقد كانت فتنة. اجتمعت أطرافها عند عنوان: أرض الميعاد، وروي أن النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم قال " وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال "(٦١٥).
سابعا - " الخاتمة ":
أقام الله حجته على بني إسرائيل بإرساله الأنبياء والرسل إليهم، وقام الأنبياء والرسل بإرشاد القافلة الإسرائيلية إلى ما فيه سعادتهم وأخبروهم بما يستقبلهم من أحداث في بطن الغيب وهم يخبرون بالغيب عن الله تعالى، وحذروهم من مقدمات يترتب عليها فتن تقودهم إلى نتيجة لعن الله أتباعها إلى يوم القيامة، وبشروهم بأبواب يفتحها الله لطف منه تعالى بعباده، وعلى الأبواب هداة عينهم الله وحدد أوصافهم، وأخبروهم أن من أخذ بالأسباب للوقوف على هذه الأبواب واتبع الذين عينهم الله وحددهم وعمل صالحا فقد نجا.
وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية صار الصالح والطالح تحت سقف الامتحان والابتلاء. لينظر الله إلى عباده كيف يعملون، وانقسمت المسيرة على نفسها، وانتهى الاختلاف والافتراق بعد العلم إلى عبادة البعل وأقامت المرتفعات لآلهة الأمم المتعددة، وعلى هذه الرقعة اقتتلوا فيما بينهم على الملك، ونتيجة لظلمهم بعث الله عليهم البعوث، وتم سبي مملكة إسرائيل بواسطة آشور. وسبي مملكة يهوذا بواسطة بابل، وبعد السبي الأول وقع اليهود تحت حكم خمسة دول: فارس (٥٣٨ - ٣٣٣ ق. م) اليونان (٣٣٣ - ٣٢٣ ق. م) مصر (٣٢٣ - ٢٠٤ ق. م) سوريا (٢٠٤ - ١٦٧ ق. م) فترة المكابين - وهي فترة استقل فيها اليهود من الناحية العملية (١٦٧؟ ٦٣ ق. م) روما (٦٣ - ق. م - ٦٣٣ م) وأثناء حكمها جاء الفتح الإسلامي.
وفي خاتمة الدعوة الإلهية إلى بني إسرائيل. بعث الله إليهم المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، وعلى امتداد دعوته قامت الفرق اليهودية التي وقعت في فتنة الميراث وملحقاتها بالصد عن سبيل الله، وصدع المسيح عليه السلام بالحق فبين لهم ما اختلفوا فيه وبشرهم بالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. وهو يخبرهم بأن ملكوت الله سينزع من أيديهم ويسلم إلى شعب آخر، وتكاتفت المجامع اليهودية من أجل القضاء على المسيح ودعوته، ولكن الله كف أيديهم عنه ورفعه إليه، وبعد رفع المسيح اضطهد اليهود تلاميذه وكان قد أخبرهم بهذا الاضطهاد والقتل، وفي هذه الآونة ظهر بولس على الساحة. وكان من أشد أعداء الدعوة، وبولس ينتمي إلى طائفة الفريسيين وهي طائفة متطرفة حذر المسيح تلاميذه من تعاليمها، وعندما بدأ بولس يمارس الدعوة باسم المسيح " حاول أن ينضم إلى التلاميذ فخافوا منه. إذ لم يصدقوا أنه صار تلميذ "(٦١٦)، وبدأ بولس مهمته التي غير فيها دين المسيح، وصارت المسيحية الحاضرة مطبوعة بطابعة منسوبة إليه.
وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية. دمر هيكل سليمان في عهد نبوخذ ناصر (٥٨٦ ق. م) ثم دمر الهيكل الذي أعاده عزرا ونحميا (١٣٥ ق. م) وبعد أن أعيد بناؤه تم تدميره بواسطة الإمبراطور تيطس (٧٠ م) وقام الإمبراطور هادريان بطرد اليهود من أورشاليم (١٣٥ م) وألغى الإمبراطور ثيودوسيوس الحاخامية اليهودية (٤٣٥ م).
وأصبح الطريق مفتوحا أمام الدعوة الخاتمة على نبيها وآله الصلاة وأذكى السلام. (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)(٦١٧).
وبعد رفع المسيح عليه السلام. لم يعرف إلا النزر اليسير عن تلاميذه، وكان عليه السلام قد أخبرهم بأنهم سيضطهدون ويقتلون، وفي هذه الآونة ظهر بولس على الساحة، وكان من أشد الناس على الدعوة، وكان يعمل بكل ما في وسعه لاعتقال المؤمنين بها، وبولس ينتمي إلى طائفة الفريسيين. وهي طائفة تقوم ثقافتها على التفسير الشفهي للناموس (التلمود). وقد حذر المسيح عليه السلام تلاميذه من تعاليم هذه الطائفة، ودخل بولس إلى النصرانية بحجة أنه رأى المسيح على طريق دمشق، وأن المسيح عينه تلميذا له، وعندما ذهب بولس إلى أورشاليم اتجه نحو التلاميذ لينال منهم شرعية الدعوة أمام الجموع، وجاء في سفر أعمال الرسل " أنه حاول أن ينضم إلى التلاميذ. فخافوا منه. إذ لم يصدقوا أنه صار تلميذ "(٦١٨)، ولكن بولس مارس الدعوة بما له من ذكاء.
وما له من جاه. عند شيوخ اليهود وملوك وحكام الأقاليم، وبدأ بولس في تنفيذ برنامجه. فألغى الشريعة داخل الحي النصراني. وشكك في أحقية إسماعيل ابن إبراهيم عليهما السلام في الميراث، وعلى هذا الأصل صد عن سبيل النبي الخاتم وبشاراته في التوراة والإنجيل، ثم توجه بقافلته نحو الأمم، وهو ما لم يفعله المسيح عليه السلام، ودخول بولس بدعوته إلى ساحة الأمم يعطي: كره لتعاليم المسيح أولا، وإنشاء قاعدة تكون في خدمة أهدافه القريبة وأهداف اليهود البعيدة ثانيا، والصد عن سبيل الدعوة الخاتمة ثالثا، وذلك لأن المسيح لم يتقدم إلى الساحة الأممية لأن منهجه يخاطب بني إسرائيل، وكان المسيح يبشر في نفس الوقت بالنبي الأمي وأمته الأمية، وهذا يعطي أن الدعوة الخاتمة دعوة عامة. متوجهة إلى البشرية كافة، وبولس بصفته كان متفوقا في الديانة اليهودية كما قال عن نفسه، كان يعلم أن الرسالة الخاتمة ستخاطب الأمم، لهذا تقدم نحو الأمم ليضع وقوده الذي يسير القافلة نحو أهداف محددة، ويكون عائقا أمام دعوة محددة. وبعد جهد متواصل، أصبح بولس عنوانا للمسيحية، وصارت المسيحية الحاضرة مطبوعة بطابعه منسوبة إليه، ومما يذكر أن الشواهد الكتابية لهذه المسيرة هي: أناجيل:
متي، مرقص، لوقا، يوحنا، أعمال الرسل، الرؤيا.
وبالجملة: بعد سبي اليهود. حكم فلسطين خمسة دول هي:
فارس (٥٣٨ - ٣٣٣ ق. م) واليونان (٣٣٣ - ٣٢٣ ق. م) ومصر (٣٢٣ - ٢٠٤ ق. م) وسوريا (٢٠٤ - ١٦٧ ق. م) ثم فترة المكابين(٦١٩) (١٦٧ - ٦٣ ق. م) وروما (٦٣ ق. م - ٦٣٣ ميلادية).
وأهم الأحداث التي وقعت في الحي اليهودي: تدمير هيكل سليمان في عهد نبوخذ ناصر (٥٨٦ ق. م) وتدمير الهيكل الذي أعاده عزرا ونحميا (١٣٥ ق. م) وبعد إعادة بناء الهيكل. دمره الإمبراطور تيطس (٧٥ ميلادية) وقام الإمبراطور هادريان بطرد اليهود من أورشاليم (عام ١٣٥ ميلادية) وألغى الإمبراطور ثيودوسيوس الحاخامية اليهودية عام (٤٣٥ ميلا دية).
وأصبح الطريق مفتوحا أمام الدعوة الخاتمة ليقيم الله بها حجته على العالمين. (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)(٦٢٠).

وجاء الحق

أولا - [الدعوة الخاتمة وأهل الكتاب]
على أعتاب الدعوة الإلهية الخاتمة كانت الساحة الإنسانية ترتع فيها أعلام المادية. التي لا يريد أصحابها إلا الحياة الدنيا وزينتها. ولا يرجون بعثا ولا نشورا. ولا يعبأون بشئ من الفضائل المعنوية والروحية، وفي مقابل أصحاب المادة. رفع دعاة الروح أعلامهم.
وانطلقوا في مسيرة يرفضون فيها الكمالات الجسمية التي أظهرها الله تعالى في مظاهر النشأة المادية. لتكون ذريعة كاملة إلى نيل ما خلق لأجله الإنسان، وسارت القافلة البشرية تحت هذه الأعلام التي لا تحقق السعادة في الدنيا، لأن حملة الأعلام المادية أبطلوا النتيجة بالوقوف على سببها والجمود عليه، وحملة أعلام الروح أبطلوا النتيجة بإبطال سببها.
كانت المسيرة البشرية في حاجة وسط يقف بين الطرفين.
ويقودهما إلى الهدف الذي من أجله خلق الله الإنسان، وسط لا إلى هذا الطرف ولا إلى ذاك الطرف. وإنما يقف بين الجانبين جانب الجسم وجانب الروح، وبه يقاس ويوزن كل من طرفي الافراط والتفريط، ليكون شهيدا على سائر الناس الواقعة في الأطراف.
ومن لطف الله تعالى ورحمته بالعباد، بعث سبحانه النبي الخاتم، النبي الأمي العربي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ليقود أمة تحمل للبشرية دينا يهدي الناس إلى وسط الطرفين. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
- [دعوة أهل الكتاب]
أولا - (الدعوة إلى التوحيد الحق):
توجهت الدعوة الإلهية الخاتمة إلى البشرية كافة، وأن أهل الكتاب بينهم من يعرفون الحق ومعارف الدين، وفيهم رهبان وزهاد يعرفون عظمة ربهم ولا يستكبرون، وفيهم الباحث عن الحقيقة، توجهت الدعوة إليهم من طرق عديدة لتحيطهم بالحجة من كل مكان.
وبين الله تعالى لهم أن رسوله الخاتم (ص). هو النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، وقال تعالى: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير. قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من إتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم)(٦٢١)، والمعنى: أن الرسول يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه، وأن دعوته تدعو إلى الصراط المستقيم المهيمن على الطرق كلها.
ونظرا لأن مسيرة اليهود رشحت عليها عقائد الأمم الوثنية، وحمل التوحيد على امتداد مسيرتهم بصمات الآلهة المتعددة، حتى صار الإله في نهاية المطاف إلها خاصا ببني إسرائيل دون غيرهم من الأمم، ونظرا لأن الأحبار والرهبان بدلوا الدين الذي بعث به عيسى عليه السلام، ونسبوا إلى المسيح ما لا يجوز وقالوا بألوهيته، وأطاعتهم القافلة النصرانية من غير قيد وشرط، فإن الدعوة الخاتمة صححت هذه المفاهيم في أكثر من آية، ومنها قوله تعالى لرسوله (ص) (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)(٦٢٢)، والمعنى: تعالوا إلى كلمة عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسر هذه الكلمة بقوله " أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، لا وثنا ولا صليبا ولا صنما ولا طاغوتا ولا نارا ولا شئ، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة كل الرسل منذ ذرأ الله ذرية آدم، ثم قال (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)، أي لا يسجد بعضنا لبعض، أو يطيع بعضنا بعضا في معصية الله، أو نحرم الحلال ونحل الحرام، فنحن وأنتم ما أمرنا إلا لنعبد الله وحده، الذي إذا حرم شيء فهو الحرام. وما حلله فهو الحلال. وما شرعه إتبع. وما حكم به نفذ.
تعالى الله سبحانه وتقدس وتنزه عن الشركاء. والنظراء. والأعوان.
والأضداد. لا إله إلا هو ولا رب سواه، فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة، فاشهدوا أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم.
ثانيا - (الدعوة إلى اتباع قبلة الرسالة الخاتمة):
عندما بعث النبي الخاتم (ص)، كان الاختلاف بين اليهود على تحديد القبلة اختلاف ثابتا لا شك فيه، ونسيانهم للجبل المقدس الذي يجب أن يتوجهوا إليه. نسيان مسطور فيما بين أيديهم من كتاب، قال أشعيا وهو يحذرهم بأن الرب قال لهم " أما أنتم الذين تركوا الرب ونسوا جبل قدسي فإني أعينكم للسيف"(٦٢٣). وهذا النسيان ترى معالمه على التوراتين: السامرية والعبرية، فبينما تقول التوراة السامرية أن القبلة في اتجاه جبل " جرزيم "، تقول التوراة العبرانية إنها في اتجاه جبل " عيبال "، والمسيح عليه السلام شهد بوجود هذا الاختلاف في عهد بعثته، وبشرهم بأن العبادة لن تكون في المستقبل لا في اتجاه هذا الجبل ولا في اتجاه أورشاليم، وذلك لأن الله سينزع من أيديهم القيادة ويسلمها إلى شعب آخر(٦٢٤). وما ذكره المسيح عليه السلام بخصوص القبلة، جاء عندما كان متوجها إلى أورشاليم، فقالت له امرأة سامرية " يا سيدي أرى إنك نبي، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون أن في أورشاليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه، فأجابها يسوع: صدقيني يا امرأة ستأتي الساعة التي فيها تعبدون الآب لا في هذا الجبل ولا في أورشاليم "(٦٢٥). وقبل البعثة الخاتمة. لم يكن في أورشاليم هيكلا. بعد أن دمر الإمبراطور تيطس آخر هيكل عام ٧٥ ميلادية، ولم يكن في أورشاليم حاخامية لليهود. بعد أن ألغى الإمبراطور ثيودوسيوس الحاخامية عام ٤٣٥ ميلادية وترتب على ذلك تفرق اليهود في الأرض.
ولما كانت الدعوة الإلهية المتوجهة إلى بني إسرائيل قد نزل عليها الستار بعد بعثة عيسى عليه السلام، لأنه آخر أنبياء بنو إسرائيل عليهم السلام، ولما كان عيسى عليه السلام يسجد لله في اتجاه أورشاليم، ولما كانت الدعوة الإلهية اللاحقة تبدأ من حيث انتهت الدعوة الإلهية التي سبقتها، باعتبار أن الدعوة الإلهية للناس منذ ذرأ الله ذرية آدم دعوة واحدة، صراطها واحد وغاياتها واحدة، فتبدأ دعوة اللاحق من الرسل من حيث انتهت دعوة السابق من الرسل، ثم يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، ويكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء، لأنه تعالى له الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، ولما كان أهل الكتاب يعلمون من كتب أنبيائهم أن الدعوة الخاتمة لها صفات خاصة بها، وأنها ستبين لهم ولغيرهم الاتجاه الذي يجب أن يسجد نحوه الناس لله، فإن الله تعالى عندما بعث رسوله الخاتم (ص). أمره بالتوجه إلى قبلة بيت المقدس، والمعنى الذي يستشف من هذا الحدث هو أن الدعوة الإلهية دعوة واحدة. وأن الحلقات فيها ترتبط بعضها ببعض، وتحت هذا السقف تقام الحجة على الذين اختلفوا في الدين والذين جعلوا الدين دينا خاص بهم، وتحت هذا السقف ينظر الله إلى عباده كيف يعملون. ومن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.
وعندما كانت القبلة في اتجاه بيت المقدس، تدبر في الأحداث الذين يعرفون الحق ومعارف الدين والزهاد من أهل الكتاب وأصغوا لصوت الحق، وتكاتم البعض ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا، وانطلقوا يصدون عن سبيل الله، وبعد أن أقامت الدعوة حجتها على بني إسرائيل في هذا الأمر، أمر تعالى رسوله (ص) بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام بمكة، وأخبره بأن أهل الكتاب يعلمون أنه الحق من ربهم، قال تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا. وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) إلى قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها. فول وجهك شطر المسجد الحرام. وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره. وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون. ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم)(٦٢٦) قال المفسرون. والمعنى: إنما شرعنا لك يا محمد أولا التوجه إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنه إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت. ممن ينقلب على عقبيه، وإن كان صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة لأمرا عظيما في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم. فأيقنوا بتصديق الرسول. وبأن كل ما جاء به هو الحق الذي لا مرية فيه. وبأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. وله تعالى أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء. وهذا بخلاف ما يقوله الذين في قلوبهم مرض. فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكا، ثم أخبره تعالى بأن صلاتهم إلى بيت المقدس لن يضيع ثوابها عند الله، وأمره تعالى بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، وأخبره أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن الله سيوجهه إلى هذه القبلة: مما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسوله الخاتم (ص). وما خصه الله تعالى به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا، وأخبر تعالى أن الرسول لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به، لما اتبعوا قبلته كفرا وعنادا، وإنه لن يتبع قبلتهم لأن ذلك عن أمر الله تعالى. له الحكمة التامة والحجة البالغة، ثم أشار تعالى إلى اختلافهم فيما بينهم في تحديد قبلتهم القديمة، وهو قوله " وما بعضهم بتابع قبلة بعض "، وأمره تعالى أن يستمسك بأمر الله ولا يتبع أهواءهم في جميع أحواله، وقال جل شأنه (ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين، الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون)(٦٢٧)، والمعنى: أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاء به الرسول، ومن ذلك توجهه شطر المسجد الحرام، كما يعرف أحدهم ولده.
وبالجملة كان التوجه إلى بيت المقدس، ثم صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، امتحان لأهل الكتاب الذين علموا من أبنائهم أن قيادة الدعوة الإلهية ستنتقل من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل. وأن عنوان هذه الدعوة ورسولها هو النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكان امتحان أيضا للذين اتبعوا النبي (ص) من العرب وغيرهم، لأن صرف التوجه عن بيت المقدس سيثير شكوك البعض، وسيغذي أهل الكتاب والذين في قلوبهم مرض هذه الشكوك وهم يصدون عن سبيل الله، وتحت سقف هذا الامتحان ينظر الله إلى عباده كيف يعملون.
ثالثا - [اتباع إبراهيم عليه السلام]
بعد عهد السبي تاجر اليهود بالميراث الذي كتبه الله لإبراهيم، وانطلقوا في اتجاه هذا الهدف بالعمل على إقامة مملكة داوود وعاصمتها أورشاليم، بعد أن تبنوا عقيدة تقول أن مملكة داوود هي وعاء للعهد الإبراهيمي، وعلى امتداد مسيرتهم وبخهم الأنبياء على هذا الاعتقاد، فقال لهم حزقيال تقولون " إن إبراهيم كان واحدا وقد ورث الأرض.
ونحن كثيرون لنا أعطيت الأرض ميراثا... تأكلون بالدم وترفعون أعينكم إلى أصنامكم وتسفكون الدم. أفترثون الأرض؟ "(٦٢٨) وقال لهم يوحنا (يحيى) تقولون " لنا إبراهيم أبا. فإني أقول لكم إن الله قادر أن يطلع من هذه الحجارة أولاد إبراهيم "(٦٢٩) وقال لهم المسيح عليه السلام " لو كنتم أولاد إبراهيم لعملتم أعمال إبراهيم " وقال " أنتم أولاد أبيكم إبليس. وشهوات أبيكم ترغبون في أن تعملوا. فهو من البدء كان قاتلا للناس "(٦٣٠).
وعندما بعث النبي الخاتم (ص)، تحدث أهل الكتاب بعقيدتهم الخاصة بالميراث، وعملوا على نشر الثقافة التي تصب في وعاء هذه العقيدة، واليهود في مصادر الإسلام أعلنوا أنهم في انتظار المسيح الذي يملكون به الأرض، والنصارى تحدثوا بما وضعه بولس في عقولهم.
وهو أن الأمم شركاء لليهود في الميراث، ووفقا لهذا الاعتقاد بدؤوا في التحرك لوقف تحرك الدعوة الخاتمة في اتجاه الأمم، وشيد اليهود والنصارى صروحهم على إبراهيم عليه السلام، فبينما زعم الحي اليهودي أن إبراهيم كان يهوديا، زعم الحي النصراني أن إبراهيم كان نصرانيا، وفي زحمة هذه الثقافات. قالت اليهود ليست النصارى على شئ، وقالت النصارى ليست اليهود على شئ، وهذه الأقوال والاعتقادات شهد بها القرآن الكريم ورد عليها وأقام على هؤلاء وهؤلاء الحجة الدامغة، ومن هذه الآيات قوله تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه. قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق. يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)(٦٣١) والمعنى: لو كنتم كما تدعون أبناؤه وأحباؤه. فلم أعددت لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم " بل أنتم بشر ممن خلق " أي لكم أسوة بأمثالكم من بني آدم وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده. فعال لما يريد لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب.
وقال تعالى: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا. قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا. وإن تولوا فإنما هم في شقاق)(٦٣٢) وقبل هذه الآيات بين تعالى أن الدين الحق الذي كان عليه أولاد إبراهيم من إسماعيل وإسحاق ويعقوب وأولاده، كان هو الإسلام الذي كان عليه إبراهيم حنيفا، ويستنتج من ذلك أن أهل الكتاب على عهد البعثة الخاتمة، كانوا قد انتهى بهم المطاف إلى أرضية الاختلافات والانشعابات. التي أفرزتها اختراعاتهم وهوساتهم. بعد أن صبغوا دين الله بصبغة الأهواء والأغراض والمطامع، وروي أن اليهودي عبد الله بن صوريا قال للرسول (ص): ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك(٦٣٣). فقال الله لرسوله (قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) أي: قل بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا. فإنها الملة الواحدة التي كان عليها جميع أنبيائكم. وما كان صاحب هذه الملة وهو إبراهيم من المشركين.
ثم ذكر لهم أن الدعوة الخاتمة تؤمن بالله وما أنزل إليها وهو القرآن وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ثم ذكر ما أوتي موسى وعيسى وخصهما بالذكر لأن المخاطبة مع اليهود والنصارى، ثم ذكر ما أوتي النبيون من ربهم لتشمل الشهادة جميع الأنبياء فيستقيم قوله بعد ذلك " لا نفرق بين أحد منهم ". ثم قال تعالى:
(فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا) أي. فإن آمنوا بما آمنتم به من الإيمان بجميع كتب الله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم فقد أصابوا الحق وأرشدوا إليه.
من الآيات السابقة يمكن أن نستشف الثقافة التي كان اليهود والنصارى يبثونها على عهد الرسالة الخاتمة. فلقد ادعوا بأنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، ويبدو أن القرآن عندما ضرب العمود الفقري لثقافتهم هذه، قرروا بأن يعمل كل حي من أحيائهم على إنفراد، ويمكن أن نستشف ذلك من قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب)(٦٣٤) قال المفسرون: هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله (ص)، وهذا القول يقتضي أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى، ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه مع علمهم بخلاف ذلك، ولهذا قال تعالى: (وهم يتلون الكتاب) أي وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت، ولكنهم تجاحدوا فيما بينهم عنادا وكفرا ومقابلة للفاسد بالفاسد(٦٣٥)، وبالجملة: قد كان أوائل اليهود والنصارى على شيء، وهذا لا تخلو منهم كتبهم لإقامة الحجة عليهم على امتداد المسيرة، ثم ابتدع الذين من بعدهم وتفرقوا، ثم جاء العلماء الذين وضعوا التفسير الشفهي للتوراة (التلمود) وعنده انقسم اليهود إلى فرق وأحزاب، وانتهى الأمر بأن وقف الحي اليهودي داخل دائرة حددها الأحبار، ووقف الحي النصراني داخل دائرة حددها بولس لخدمة أصحاب الدائرة الأولى، فالثقافة التي تخرج من مدونات خدمة النصارى لليهود تقول بأن اليهود والنصارى أبناء الله وأحباؤه، أما الثقافة التي يقول كل منهم أن الآخر ليس على شئ، فهي نتيجة لحجة البعثة الخاتمة ومواجهتها للأطراف مجتمعين، فالدعوة الخاتمة أرشدتهم إلى الحق ليتفكروا ويتدبروا، وبدلا من أن يرجعوا إلى كتبهم التي لا تخلو من حق ويعرضونها على منهج البعثة الخاتمة، إنطلقوا من التفسير الشفهي وهذا التفسير لا يقيم حقا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لأنه مقابلة للفاسد بالفاسد.
وفي مجال عمل كل حي منفردا عن الآخر. قام كل منهما بوضع جميع الأنبياء داخل الحي الخاص به، ورد القرآن عليهم قولهم، قال تعالى: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله، ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون)(٦٣٦)، والمعنى: قال كل من الفريقين إن إبراهيم ومن ذكر بعده منهم، فقال تعالى: (قل أأنتم أعلم أم الله)، أي فإن الله أخبرنا وأخبركم في الكتاب أن موسى وعيسى وكتابهما بعد إبراهيم. فإذا كان تشريع اليهودية أو النصرانية بعد إبراهيم ومن ذكر معه، فكيف يكون إبراهيم والذين ذكروا معه هودا أو نصارى؟
وقال تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون، ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين، إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين، ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم. وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون، با أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون. يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون)(٦٣٧).
لقد أنكر الله عليهم قولهم ذلك، وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها، وشهد سبحانه بأن إبراهيم كان متحنفا عن الشرك قاصدا إلى الإيمان وما كان من المشركين، وأخبر سبحانه بأن أحق الناس بمتابعة إبراهيم. الذين اتبعوه على دينه، وهذا النبي. يعني محمدا (ص) والذين آمنوا. لأنهم على الإسلام الذي اصطفى الله به إبراهيم، وكذا كل من اتبعه دون أن يكفر بآيات الله ويلبس الحق بالباطل، ثم أخبر تعالى بأن طائفة من أهل الكتاب تود أن تضل الذين آمنوا بإلقاء الشبهات بينهم، وإنهم يضلون أنفسهم أولا. لأن الإنسان لا يفعل شيئا من خير أو شر إلا لنفسه كما قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد)(٦٣٨)، ثم قال سبحانه (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون) وأهل الكتاب لا ينكرون أن للعالم إلها، وإنما ينكرون أمورا من الحقائق بينتها لهم الكتب السماوية المنزلة عليهم وعلى غيرهم، كنبوة النبي (ص)، وكون عيسى عبدا لله ورسولا منه، وأن إبراهيم ليس بيهودي ولا نصراني، وإن يد الله مبسوطة، وإن الله غني، وإن الدجال فتنة فيه تصب جميع الفتن، إلى غير ذلك. وقوله تعالى: (وأنتم تشهدون) والشهادة هو الحضور والعلم عن حس، دلالة على أن المراد بكفرهم بآيات الله. إنكارهم كون النبي (ص) هو النبي الموعود الذي بشر به التوراة والإنجيل، مع مشاهدتهم انطباق الآيات والعلائم المذكورة فيهما عليه، وأيضا إنكارهم ما يبنيه لهم النبي الخاتم (ص) من آيات ربهم التي تنطق بها كتبهم. التي بين أيديهم ويشهد القرآن بها، ثم قال تعالى: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) والمعنى لم تظهرون الحق في صورة الباطل؟ وقوله: (وأنتم تعلمون) دلالة أو تلويح على أن المراد باللبس والكتمان ما هو في المعارف الدينية، غير ما يشاهد من الآيات التي حرفوها أو كتموها أو فسروها بغير ما يراد منها.
ولما كان الله تعالى قد أنكر عليهم كفرهم بآيات الله وهم يشهدون، فإنه تعالى بين في آية أخرى من آيات القرآن الكريم، أن جدالهم في آيات الله بغير سلطان أتاهم، رغبة منهم في إدحاض الحق الصريح بهذا الجدال، قد أوقعهم في فتنة المسيح الدجال، ففي قوله تعالى: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير)(٦٣٩)، أخرج ابن أبي حاتم عن كعب. أن هذه الآية نزلت في اليهود فيما ينتظرونه من أمر الدجال، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: قال اليهود. يكون منا ملك آخر الزمان. البحر إلى ركبتيه. والسحاب دون رأسه. يأخذ الطير بين السماء والأرض. معه جبل خبز ونهر، وقال أبو العالية: نزلت هذه الآية في اليهود. وذلك إنهم ادعوا أن المسيح (الدجال) منهم وإنهم يملكون به الأرض، فقال الله لنبيه (ص) آمرا له: أن يستعذ من فتنة الدجال(٦٤٠).
وبالجملة بينت الدعوة الإلهية الخاتمة. أن الرقعة التي يقف عليها أهل الكتاب ويطالبون من فوقها الميراث الذي كتبه الله لإبراهيم، رقعة لا علاقة لها بإبراهيم ولا بالأنبياء الذين جاؤوا من بعده، لأنها رقعة أوجدها الاختلافات والانشعابات، وهذا لا يستقيم مع الدين الإلهي، لأن الدين واحد كما أن الإله المعبود بالدين واحد وهو دين إبراهيم عليه السلام، وهذا الدين هو الذي تتمسك به الدعوة الإلهية الخاتمة، ولما كان القوم لا علاقة لهم بإبراهيم، وشهد بذلك حزقيال وأشعيا ويوحنا والمسيح عليه السلام، وشهد بذلك القرآن الكريم الذي أنزل على محمد (ص)، فالنتيجة هي أن القوم لا علاقة لهم بميراث إبراهيم في الدنيا والآخرة، ولما كان القوم ما زالوا يعتقدون بأن القدر يخبئ لهم أمير سيخرج آخر الزمان يمتلكون به الأرض. فإن الدعوة الخاتمة أخبرت بأن المسيح الدجال سيخرج آخر الزمان، وأنه سيرفع شعار أرض الميعاد، وأن أكثر أتباعه من اليهود، ويلحق بهم الذين أخذوا بذيول اليهود، ثم الذين اتبعوا سنن أهل الكتاب شبرا بشبر وذراعا بذراع..
رابعا - [البيان والإنذار]:
أقامت الدعوة الإلهية الخاتمة حجتها على أهل الكتاب، وبينت لهم أن الله تعالى منذ بعث نوح عليه السلام لم يرسل بعده رسولا ولا نبيا إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم عليه السلام لم ينزل من السماء كتابا ولا أرسل سبحانه رسولا ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته، قال تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب)(٦٤١) وبينت الدعوة الخاتمة أن جميع الأنبياء يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه إنه لا إله إلا أنا فاعبدون)(٦٤٢). وإن إبراهيم عليه السلام لم يدع غيره ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، ومن ترك طريقة إبراهيم عليه السلام يكون قد ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، وبينت الدعوة أن إبراهيم عليه السلام وصى بنيه بالإسلام وبنيه وصوا أبناءهم به من بعدهم، قال تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون)(٦٤٣).
وبينت الدعوة الخاتمة بأنها تؤمن بكل نبي أرسل، وأخبرت أن كل من سلك طريقا سوى ما شرعه الله فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، قال تعالى لرسوله (ص) (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. ومن يتبع غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)(٦٤٤)، وأعلنت الدعوة من يومها الأول أنها على ملة إبراهيم عليه السلام قال تعالى: (ثم أوحينا إليك أن إتبع ملة إبراهيم حنيفا)(٦٤٥)، وقال جل شأنه لرسوله (ص) (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين. قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)(٦٤٦).
لقد بينت الدعوة الإلهية الخاتمة للبشرية العقيدة الحقة، وأقامت الحجة على أهل الكتاب ليتفكروا وليتدبروا. ليعلموا أن دين إبراهيم برئ من جميع العقائد التي عليها بصمات العجول وآلهة الأمم المتعددة، وأن دين إبراهيم لا علاقة له بعقائد التثليث وألوهية المسيح، ولم تكن مهمة إبراهيم عليه السلام في يوم من الأيام هي البحث عن الميراث من النيل إلى الفرات، وإنما كان عليه السلام إماما للناس، يقتدون به ويتبعونه في أقواله وأفعاله، وهذه الإمامة لا ينالها ظالم من ولده، لأن الله لا يجعل الظالمين أئمة ولا يعطي الإمامة لعدوه. لأن هؤلاء يأتون كنتيجة لأعمال الظالمين من الناس، والله تعالى رؤوف بالعباد، والناس تحت مظلة الاختبار يمتحنون، فمن سلك طريقا على ذروته إمام للرحمة والعدل. وصل إلى غايته، ومن سلك طريقا على ذروته إمام يدعو إلى النار، دخل فيها.
وعلى امتداد عهد البعثة الخاتمة، بين الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أن شريعته تنهى عن الفحشاء والمنكر وتأمر بالمعروف، وتحذر من البغي والاستكبار والاختلاف، وتنادي بالعدل والإحسان والاستقامة، وتدعو إلى العمل الصالح والتفكر والتدبر والإصلاح والإخلاص، وإن منهج الدعوة عموده الفقري هو التوحيد، وشجرته الأخلاق الفاضلة، إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي.
وعلم أهل الكتاب وغيرهم أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده. وقال تعالى: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين)(٦٤٧)، ولقد أختبر الله تعالى الفرع الإسرائيلي من الشجرة الإبراهيمية. وبعث فيهم الأنبياء والرسل لينظر سبحانه كيف تعمل القافلة، وعلم أهل الكتاب كيف سارت القافلة. وبماذا حكم الله عليها.
وهذا الحكم يقرؤه فيما بين أيديهم من التوراة الحاضرة، ومنه قول الرب لهم " ها أنذا أنساكم وأرفضكم من أمام وجهي أنتم والمدينة التي أعطيتكم وآبائكم إياها. وأجعل عليكم عارا أبديا وخزيا أبديا لا ينسى "(٦٤٨)، وقال: " هوذا من أجل آثامكم بعتم. ومن أجل ذنوبكم طلقت أمكم "(٦٤٩)، وبين هذا الحكم وبين البعثة الخاتمة. قتلوا الأنبياء الذين بعثهم الله لإقامة الحجة على الأجيال المتعاقبة، وعندما جفت المسيرة من الماء. بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ليختبر الله تعالى بمنهجه أمة جديدة في مقدمة عالم جديد.
وببعثة النبي الخاتم. حكمت الدعوة الإلهية حكمها الفصل على قصة الميراث. التي سهر عليها بني إسرائيل ليلا طويلا، وذلك ببسط الدعوة يدها على المسجد الحرام والمسجد الأقصى في رحلة واحدة في ليلة واحدة، قال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله)(٦٥٠)، فالميراث بدأت حدوده من موضع سجود. وانتهت إلى موضع سجود، وهو ممتد إلى كل موضع سجود، وليس معنى هذا أن الدعوة الخاتمة تبحث عن الأرض والطين، وإنما معناه أنها ترعى التقوى في أي مكان وتعمل من أجل الاصلاح في كل مكان، ترعى التقوى لأن العاقبة للمتقين، وتعمل من أجل الاصلاح حتى يرث الصالحون، قال تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)(٦٥١).
ولأن الدعوة تقوم على التوحيد، ولأن التوحيد هو الحصن الحصين الذي يحفظ الإنسان من الزلل، قال رسول الله (ص) " والذي نفس محمد بيده. لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به. إلا كان من أصحاب النار "(٦٥٢)، وروي أنه (ص) ذهب إلى يهود. وقال لهم " يا معشر يهود أسلموا تسلموا " فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم. فقال " أسلموا تسلموا " فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم فقال " ذلك أريد " (أي: أريد أن تعرفوا أني بلغت) ثم قال لهم " إعلموا إنما الأرض لله ولرسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله "(٦٥٣) فالرسول (ص) بلغ بالإسلام، ولكن القوم كانت عيونهم على الأرض والطين، لأنهم من أجل هذا الميراث يعملون، فوقفوا بما يعتقدون أمام القول الفصل وهو " إعلموا أن الأرض لله ورسوله ". ولم يكن الجلاء من جزيرة العرب عقابا وحيدا للذين يصدون عن سبيل الله، وإنما أنذرهم الله بعقاب أليم في الحياة الدنيا والآخرة، قال تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما أنزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها على أدبارها. أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمرا مفعولا)(٦٥٤). قال في الميزان: دعاهم الله تعالى إلى الإيمان بالكتاب الذي نزله مصدقا لما معهم، وأوعدهم بالسخط الذي يلحقهم لو تمردوا واستكبروا من طمس أو لعن يتبعانهم اتباعا لا ريب فيه، وطمس الوجوه محو هذه الوجوه التي يتوجه بها البشر نحو مقاصدهم الحيوية مما فيه سعادة الإنسان المرتقبة والمرجوة، وهذا المحو ليس هو المحو الذي يوجب فناء الوجوه وزوالها، بل محو يوجب ارتداد تلك الوجوه على أدبارها، فإذا كانت الوجوه تقصد مقاصدها على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فإن الوجوه المطموسة لا تقصد إلا ما خلفته وراءها ولا تمشي إليه إلا القهقرى، وهذا الإنسان الذي يسير في غير اتجاه الفطرة كلما توجه إلى ما يراه خيرا لنفسه وصلاحا لدينه ودنياه لم ينل إلا شرا وفسادا، وكلما بالغ في التقدم زاد في التأخر وليس بفالح أبدا، وقوله تعالى: (نطمس وجوها) فيه أنه تعالى أتى بالجمع المنكر، ولو كان المراد الجميع لم ينكر، ولتنكير الوجوه وعدم تعيينها هدف من ورائه حكمة، هي أن المقام لما كان مقام الإبعاد والتهديد وهو إبعاد للجماعة بشر لا يلحق إلا ببعضهم، كان إبهام الأفراد الذين يقع عليهم السخط الإلهي أوقع في الانذار والتخويف، لأن وصفهم على إبهامه يقبل الانطباق على كل واحد من القوم، فلا يأمن أحدهم أن يمسه هذا العذاب(٦٥٥).
خامسا - [العنكبوت والدعوة]:
حذرت الدعوة الخاتمة من سلوك سبيل الذين كفروا من أهل الكتاب، لأن الدعوة تقيم وجهها للدين وتتجه بالبشرية إلى الأمام.
وتمدها على امتداد الطريق بالزاد الفطري الذي يحقق السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، بينما تتقدم قافلة الذين كفروا إلى الخلف بزاد عذاب الطمس الذي ضربه الله عليهم بما كسبت أيديهم، وعلى امتداد هذا الطريق. كلما بالغ أصحابه في التقدم زادوا في التأخر ولن يحصلوا على السعادة الحقيقية أبدا.
ومن الآيات التي حذر فيها الله من الذين كفروا من أهل الكتاب قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم)(٦٥٦). قال في الميزان:
نهى عن مودتهم الموجبة إلى تجاذب الأرواح والنفوس، لأن ذلك يقلب حال المجتمع من السيرة الدينية المبنية على سعادة اتباع الحق. إلى سيرة الكفر المبنية على اتباع الهوى وعبادة الشيطان والخروج عن صراط الحياة الفطرية، وقوله تعالى: (بعضهم أولياء بعض) أي لتضارب نفوسهم وتجاذب أرواحهم. المستوجب لاجتماع آرائهم على اتباع الهوى والاستكبار عن الحق وقبوله، واتحادهم على إطفاء نور الله سبحانه، وتناصرهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، كأنهم نفس واحدة ذات ملة واحدة وليسوا على وحدة الملية، لكن يبعث القوم على الاتفاق ويجعلهم يدا واحدة على المسلمين أن الإسلام يدعوهم إلى الحق. ويخالف أعز المقاصد عندهم وهو اتباع الهوى والاسترسال في مشتهيات النفس وملاذ الدنيا، فهذا هو الذي جعل الطائفتين اليهود والنصارى على ما بينهما من الشقاق والعداوة مجتمعا واحدا، يقترب بعضه من بعض ويرتد بعضه إلى بعض، يتولى اليهود النصارى وبالعكس. ويتولى بعض اليهود بعضا وبعض النصارى بعضا، وبالجملة: لا تتخذوهم أولياء لأنهم على تفرقهم وشقاقهم فيما بينهم يدا واحدة عليكم. لا نفع لكم في الاقتراب منهم بالمودة والمحبة، وربما أمكن أن يستفاد من قوله " بعضهم أولياء بعض " معنى آخر وهو:
أن لا تتخذوهم أولياء لأنكم إنما تتخذونهم أولياء لتنتصروا ببعضهم الذين هم أولياؤكم على البعض الآخر، ولا ينفعكم ذلك. فإن بعضهم أولياء بعض فليسوا ينصرونكم على أنفسهم(٦٥٧).
ومن آيات التحذير أيضا قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا)(٦٥٨) قال في الميزان: أي أنك ترى اليهود الذين أوتوا نصيبا من الكتاب. أي حظا منه لا جميعه كما يدعون لأنفسهم، يشترون الضلالة وتختارونها على الهدى ويريدون أن تضلوا السبيل، فإنهم وإن لقوكم ببشر الوجه. وظهروا لكم في زي الصلاح. واتصلوا بكم اتصال الأولياء الناصرين. فذكروا لكم ما ربما استحسنته طباعكم واستصوبته قلوبكم، لكنهم ما يريدون إلا ضلالكم عن السبيل كما اختاروا لأنفسهم الضلالة، والله أعلم منكم بأعدائكم.
وهم أعداؤكم، فلا يغرنكم ظاهر ما تشاهدون من حالهم، فإياكم أن تطيعوا أمرهم أو تصغوا إلى أقوالهم المزوقة وإلقاءاتهم المزخرفة وأنتم تقدرون أنهم أولياءكم وأنصاركم، فأنتم لا تحتاجون إلى ولايتهم الكاذبة ونصرتهم المرجوة، وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا، فأي حاجة مع ولايته ونصرته إلى ولايتهم ونصرتهم(٦٥٩).
ومنها قوله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك عن الله من ولي ولا نصير)(٦٦٠)، قال في الميزان:
أي. إن هؤلاء ليسوا براضين عنك حتى تتبع ملتهم التي ابتدعوها بأهوائهم ونظموها بآرائهم، ثم أمر الله رسوله بالرد عليهم بقوله " قل إن هدى الله هو الهدى " أي إن الاتباع إنما هو لفرض الهدى ولا هدى إلا هدى الله، أما غيره وهو ملتكم ليس بالهدى، فهي أهوائكم ألبستموها لباس الدين وسميتموها باسم الملة(٦٦١)، وقال ابن كثير: وقوله تعالى:
(ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم... الآية) فيه تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طريق اليهود والنصارى، بعد ما علموا من القرآن والسنة، والخطاب مع الرسول والأمر لأمته، وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله " حتى تتبع ملتهم " حيث أفرد الملة على أن الكفر كله ملة واحدة(٦٦٢).
وبالجملة: حذر الله تعالى الأمة من تنظيمات أهل الكتاب.
التي لها أهداف قريبة وأهداف بعيدة، والتي يحمل أعلامها الفرق المختلفة والطوائف المختلفة، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين)(٦٦٣) قال المفسرون: يحذر تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يطيعوا فريقا من أهل الكتاب. الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، كما قال تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم)(٦٦٤)، وهكذا قال ههنا (إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) وفي آية أخرى قال تعالى:
(ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم)(٦٦٥).
وباختصار: فالقاعدة العريضة منهم ودوا لو يردون الذين آمنوا من بعد إيمانكم كفارا، وهناك فرق حملت أعلام هذه القاعدة وانطلقت رجاء تنفيذ هذا الهدف، وهناك طائفة من أهل الكتاب مهمتها إطفاء الأنوار رغبة منها في أن تضل قافلة الذين آمنوا عن الطريق، والمعنى:
أن الطائفة في خدمة الفريق والفريق في خدمة القاعدة. وليس معنى هذا إن قاعدة أهل الكتاب خالية من العلماء الذين يبحثون عن الحقيقة.
فهؤلاء أثر أقدامهم على الطريق. والإسلام لم يغلق أبوابه أمام الذين يريدون الاستبصار منهم في الدين، وقد أمر الله تعالى بمجادلتهم بالتي هي أحسن. فقال تعالى في آية محكمة (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظالموا منهم)(٦٦٦) وقوله: (إلا الذين ظلموا منهم) يعني أهل الحرب، وذكر تعالى في كتابه. إن الذين قالوا أنهم من أتباع عيسى عليه السلام وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله، وما ذاك إلا لما في قلوبهم من الرقة والرحمة، ويوجد فيهم قسيسون وهم خطباؤهم وعلماؤهم ورهبانا، من صفتهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع والانقياد للحق واتباعه والإنصاف، وإذا سمعوا ما أنزل على الرسول الخاتم (ص). ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، قال تعالى: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وإنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق. يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين. وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين)(٦٦٧)، فهذا الصنف من النصارى كان أول ظهوره بالحبشة في النجاشي وأصحابه، وهم المذكورين في قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله)(٦٦٨)، وهم الذين قال الله فيهم (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين)(٦٦٩)، ومنذ أيام النجاشي وعلى امتداد المسيرة الإسلامية، لم تغلق الدعوة أبوابها في وجوه الذين يريدون الاستبصار في الدين، لأن الله تعالى أمر رسوله الخاتم (ص). أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة. والموعظة الحسنة ليحذروا بأس الله تعالى، وأمره تعالى أن من احتاج من الناس إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب.
فمن هذه النصوص ومن غيرها نعلم أن الدعوة الإلهية الخاتمة حذرت من اتباع أي مشروع تقدمه الطوائف أو الفرق التي تهدف من وراء برامجها الصد عن سبيل الله، وفي نفس الوقت فتحت الدعوة أبوابها للباحثين عن الحقيقة من أهل الكتاب لتقيم الحجة عليهم وعلى غيرهم في كل مكان وزمان..
ثانيا - [من وصايا الدعوة الخاتمة]
١ - [ظل المنزلة الممدود]
على امتداد المسيرة الإسرائيلية كان لشجرة الأنبياء فيها علامات وبصمات، وفي التوراة الحاضرة يمكن للباحث أن يتبين نبوة هارون ومنزلته هو وبنيه من موسى عليه السلام، فالتوراة تنص على وحي الله تعالى لهارون. وهنا تكون النبوة، ولما كان موسى عليه السلام هو رسول الله إلى بني إسرائيل وعليه أنزلت التوراة، فإن نبوة هارون. أو.
وحي الله تعالى لهارون. كان يتعلق بتفسير الشريعة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام، بمعنى: أن التوراة أنزلها الله تعالى على موسى، وأن تفسير الشريعة أوحى الله تعالى بها إلى هارون عليه السلام، فكان هارون مشاركا لموسى عليه السلام في تفسير الشريعة، وموسى عليه السلام منفردا على هارون بتلقي التوراة من الله سبحانه وتعالى، وهو قول الله تعالى في القرآن حاكيا عن موسى قوله (واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري)(٦٧٠)، فالنص القرآني يقول أن موسى عليه السلام سأل ربه أن يجعل له وزيرا من أهله، وأن يكون هذا الوزير هارون أخاه، وسأله أن يشركه في أمره، والوزير في لغة العرب: الذي يحمل ثقل الملك، وقيل: هو الذي يلتجئ إليه الملك في آرائه وأحكامه، وقيل: هو الذي يعين الملك ويقويه(٦٧١)، وفي التوراة الحاضرة. كان هارون الكاهن الأكبر الذي يفسر الشريعة، والكاهن في لسان العرب: هو من يقوم بأمر الرجل ويسعى في حاجته.
وقال: والعرب تسمى كل من يتعاطى علما دقيقا كاهنا(٦٧٢).
وسؤال موسى عليه السلام ربه جل وعلا أن يشرك هارون في أمره، أي في أمر يخص موسى. وهو تبليغ ما بلغه من ربه، فهذا هو الأمر الذي يخصه، وسأل ربه أن لا يشاركه فيه أحد سوى هارون، وقال ابن كثير في تفسيره. في قوله تعالى: (واجعل، لي وزيرا من أهلي... الآية) وهذا أيضا سؤال من موسى عليه السلام في أمر خارجي عنه، وهو مساعدة أخيه هارون له، وقوله " أشدد به أزري " أي ظهري وقوله " وأشركه في أمري " أي في مشاورتي(٦٧٣).
هذا ما يتعلق بوزارة هارون ومساعدته موسى في تبليغ الدين أو شيء من أجزائه، وموسى عليه السلام سأل ربه ذلك. لأن الأمر كثير الجوانب متباعد الأطراف، فهو كان يخاف التكذيب مع ما جمعه من ضيق الصدر وعدم انطلاق اللسان، وكان على علم بفرعون وقومه وما هم عليه من الشوكة والقوة، وكان على علم بالانحطاط الفكري وجهل وضعف بني إسرائيل، لهذا سأل ربه بعض الأمور التي كان يحتاجها في رسالته لا في نبوته، ومنها طلب الوزير، أما فيما يتعلق بخلافة هارون لموسى عليه السلام في قومه. فجاء في قوله تعالى:
(وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين)(٦٧٤) قال ابن كثير: استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون. ووصاه بالإصلاح وعدم الافساد، وهذا تنبيه وتذكير وإلا فهارون عليه السلام نبي شريف كريم على الله له وجاهه وجلاله صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء(٦٧٥)، والاستخلاف لا يكون إلا في غيبة، وكانت غيبة موسى عن بني إسرائيل حين كان يفارقهم للميقات، وقوله لأخيه " ولا تتبع سبيل المفسدين ". فيه أنه كان في قومه يومئذ جمع من المفسدين يفسدون ويقلبون عليه الأمور، ويتربصون به الدوائر، فنهى موسى أخاه أن يتبع سبيلهم فيشوشوا عليه الأمر. ويكيدوا ويمكروا به. فيتفرق جمع بني إسرائيل ويتشتت شملهم. بعد تلك المحن التي كابد هارون في إحياء كلمة الاتحاد بينهم.
وبالجملة: كان هارون عليه السلام وزيرا لموسى عليه السلام.
وكان يساعده في تبليغ الدين أو شيء من أجزائه، وكان يخلف موسى عليه السلام في غيبته. ويحافظ على سبيل موسى عليه السلام من الذين يتربصون به، ليكون السبيل حجة على بني إسرائيل وهم تحت سقف الامتحان والابتلاء، ويكون شاهدا على المفسدين على امتداد المسيرة كي يتبين الباحث عن الحقيقة خطأهم، وسبيل الأنبياء فقد ذرأ الله ذرية آدم. لا يضره من خالفه أو من خذله أو من عاداه.
أما فيما يتعلق بأبناء هارون عليه السلام، فلقد ذكرت التوراة الحاضرة، أن الله تعالى اصطفى أبناء هارون من بعده ليفسروا الشريعة لبني إسرائيل، وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية بعث منهم الأنبياء والربانيين، وآخر الأنبياء الذين بعثوا من ذرية هارون. كان المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام، ولقد بينا ذلك فيما سبق، ولقد قلب بنو إسرائيل الأمر على أنبيائهم. وقتلوا بعضهم وكذبوا البعض الآخر، عندما جاؤوهم بما لا تهوى أنفسهم.
والدعوة الإلهية الخاتمة على نبيها الصلاة والسلام، امتد ظلها من حيث انتهت ظلال أنبياء بني إسرائيل، بمعنى: في بداية الدعوة جعل الله قياس النبي صلى الله عليه وسلم إلى موسى عليه السلام، وجعل قياس أمة النبي (ص) إلى فرعون وقومه، قال تعالى: (إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا)(٦٧٦)، فبتدبر الآية. نجد أن دائرة النبي (ص) يقابلها دائرة موسى عليه السلام، ودائرة الأمة يقابلها دائرة فرعون، والقرآن عبر عن موسى بالرسول، وفي هذا إشارة إلى أن السبب الموجب لأخذ فرعون مخالفته أمر رسالة موسى لا نفس موسى بما أنه موسى، وإذا كان السبب هو مخالفة الرسالة، فيقابله تحذير الأمة من مخالفة رسالة محمد (ص)، لأن المخالفة تؤدي إلى عذاب الأخذ الوبيل. قال ابن كثير في تفسيره إحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول فيصيبكم ما أصاب فرعون حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر(٦٧٧).
كما جعل الله تعالى قياس أذى النبي (ص) إلى أذى موسى عليه السلام، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا)(٦٧٨)، قال ابن كثير: وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي (ص). أو يوصلوا إليه أذى، وقال تعالى مخبرا عن رسوله موسى عليه السلام أنه قال لقومه (لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين)(٦٧٩)، ولما كانت عقوبة الذين أذوا موسى عليه السلام وعدلوا عن الحق مع علمهم به. أن الله أزاغ قلوبهم عن الهدى وأسكنها الشك والحيرة والخذلان، فإن الله تعالى توعد الذين يؤذون النبي (ص). باللعن في الدنيا والآخرة. قال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا)(٦٨٠). قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء. ومن آذاه فقد آذى الله كما أن من أطاعه فقد أطاع الله.
ولما كان الناس يختبرون على امتداد المسيرة البشرية لينظر الله إلى عباده كيف يعملون، فإننا نجد موسى عليه السلام يبين معالم هذا الاختبار لبني إسرائيل فيما أخبر الله تعالى أنه قال لقومه (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون)(٦٨١)، وهذه المعالم بينها الله تعالى لرسوله الخاتم في قوله (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات. وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين. ثم جعلناكم في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون)(٦٨٢).
فالدعوة الإلهية ظلالها ممتدة ودوائر الهدى فيها تشبه بعضها بعضا، والعذاب الذي توعد الله به الظالمين هناك من جنس العذاب الذي ينتظر الظالمين هنا، وعلى امتداد الدعوة الإلهية. أمر الله عباده بأن لا يزكوا أنفسهم لأنه سبحانه أعلم بمن اتقى وله سبحانه أنه يزكي من يشاء، وتحت سقف التزكية يختبر العباد، قال تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا)(٦٨٣) قال في الميزان: أي إنا جعلنا بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها، فالرسل فتنة لسائر الناس يمتحنون بهم، فيتميز بهم أهل الريب من أهل الإيمان. والمتبعون للأهواء من طلاب الحق، وقوله تعالى: (وكان ربك بصيرا) أي عالما بالصواب في الأمور، فيضع كل أمر في الموضع المناسب له ويجري بذلك أتم النظام، فهدف النظام الإنساني كمال كل فرد بقطعه السعادة أو الشقاوة على حسب ما يستعد له ويستحقه، ولازم ذلك بسط نظام الامتحان بينهم، ولازمه ارتفاع التمايز بين الرسل وغيرهم(٦٨٤)، وقال ابن كثير في تفسيره في معنى الآية: أي اختبرنا بعضكم ببعض وبلونا بعضكم ببعض لنعلم من يطيع ممن يعصي، ولهذا قال (أتصبرون وكان ربك بصيرا) أي بمن يستحق أن يوحى إليه. كما قال تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته). ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به ومن لا يستحق ذلك. وقال ابن إسحاق في قوله " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة " أي لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم وأبتليكم بهم(٦٨٥).
ولما كان الناس يختبرون بالأنبياء والرسل. فإنهم يختبرون أيضا بتلاميذ وحواري وأوصياء الأنبياء والرسل. ولقد تم اختبارهم بأبناء هارون وبتلاميذ المسيح عليه السلام. ويشهد بذلك كتب التراجم والتواريخ والسير والأمة الخاتمة لم تستثنى من ذلك، ولقد قابلت دائرة هارون وبنوه في الشريعة الموسوية. دائرة علي بن أبي طالب وبنوه في الشريعة المحمدية، ففي الحديث الصحيح روي أن النبي (ص) قال لعلي بن أبي طالب " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي "(٦٨٦). وفي رواية " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا إنك لست نبيا. إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي "(٦٨٧)، وروي أنه قيل لسفيان الثوري: حدثني بأحسن فضيلة عندك لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب. فقال: " حدثني سلمة بن كهيل عن حجية عن علي بن أبي طالب أن رسول الله (ص) قال له " أنت مني بمنزلة هارون من موسى "(٦٨٨)، وعن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قال رسول الله (ص) لعلي " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ". قال سعيد بن المسيب. ف أحببت أن أشافه بها سعد بن أبي وقاص. فلقيت سعدا. فحدثته بما حدثني عامر بن سعد. فقال سعد: أنا سمعته. فقلت: أنت سمعته؟ فوضع إصبعيه على أذنيه فقال: نعم وإلا فاسكتا (أي صمتا)(٦٨٩)، وعن موسى الجهني قال: دخلت على فاطمة بنت علي. فقال لها رفيقي أبو سهل: كم لك؟
قالت: ست وثمانون سنة. قال: ما سمعت من أبيك شيئا؟ قالت:
حدثتني أسماء بنت عميس أن رسول الله (ص) قال لعلي " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي "(٦٩٠).
وحديث المنزلة حديث صحيح رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والحاكم وأحمد والطبراني وغيرهم، وقال ابن كثير: تقصى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث في ترجمة علي بن أبي طالب في تاريخه فأجاد وأفاد وبرز على النظراء والأشباه والأنداد(٦٩١) وقال الحافظ الكتاني:
وحديث أنت مني بمنزلة هارون من موسى. حديث متواتر. جاء عن نيف وعشرين صحابيا(٦٩٢). وروى الحديث كل من: أبو سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، ومالك بن الحويرث، وسعد بن أبي وقاص، وقيس بن جنادة، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وأم سلمة، وأسماء بنت عميس. وغيرهم(٦٩٣).
ولما كانت الدعوة الإلهية لبني إسرائيل جعلت هارون وبنيه مع التوراة على خط واحد. فإن الدعوة الإلهية الخاتمة جعلت أهل البيت مع القرآن على خط واحد، فعن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله (ص) يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة. فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر. ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس. فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال " وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي "(٦٩٤).
وعن زيد بن ثابت قال. قال رسول الله (ص): إني تارك فيكم خليفتين. كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لا يتفرقا حتى يردوا على الحوض(٦٩٥)، وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله (ص): إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر.
كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي. وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض(٦٩٦)، وعن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم قالا: قال رسول الله (ص) " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض. وعترتي أهل بيتي. ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض. فانظروا كيف تخلفوني فيهما "(٦٩٧).
والعترة كما جاء في لسان العرب هي: ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه. وعترة النبي (ص). ولد فاطمة البتول عليها السلام(٦٩٨) وفي قوله " إني تارك فيكم الثقلين " قال النووي: سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما وقيل: لثقل العمل بهما(٦٩٩).
وحديث الثقلين حديث صحيح. رواه أحمد والطبراني عن زيد بن ثابت، والطبراني وأبو نعيم عن حذيفة بن أسيد، وابن أبي عاصم وأحمد والطبراني وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري، والترمذي والنسائي والحاكم عن زيد بن أرقم، وابن أبي شيبة والترمذي والنسائي والخطيب عن جابر. ومسلم عن زيد بن أرقم(٧٠٠).
فمنذ ذرأ الله ذرية آدم وهو سبحانه يزكي من يشاء، ويجعل سبحانه بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها، وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية امتحن الله تعالى بني إسرائيل امتحانات شتى. ومنها امتحانهم بهارون وبنيه. ولم يكن لموسى عليه السلام ولد من صلبه.
وشاء الله أن يجعل امتداده في أخيه هارون وبنيه من بعده. وكان هارون وبنوه ذروة سبط لاوي الذي منه موسى وهارون عليهما السلام. وبهم!
امتحن الله تعالى بقية الأسباط. وعلى امتداد المسيرة سفكت الدماء الزكية عندما جاء الهداة لبني إسرائيل بما لا تهوى أنفسهم.
وعندما بعث النبي (ص). امتحن الله أمته بامتحانات شتى بعد أن أقام عليهم الحجة، ومن هذه الامتحان بعترة النبي (ص)، وشاء الله أن يجعل امتداد النبي في ابنته فاطمة وعلي بن أبي طالب، ولما كانت منزلة علي من النبي (ص) بمنزلة هارون من موسى عدا النبوة، فإن الدعوة الخاتمة أقامت الحجة في أكثر من موضع على مكانة علي بن أبي طالب من الرسول (ص)، لتعليم القافلة دوائر التحذير فلا تقترب منها على امتداد المسيرة.
ومن الأحاديث التي تبين مكانة علي بن أبي طالب من الرسول (ص)، أن الله تعالى جعل النبي (ص) خير الناس نفسا، وجعل علي ابن أبي طالب كنفس النبي (ص)، قال النبي (ص) " إن الله خلق الخلق.
فجعلني في خيرهم فرقة. ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة.
ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة. ثم جعلهم بيوتا. فجعلني في خيرهم بيتا وخيرهم نفسا "(٧٠١)، وعن جابر بن عبد الله قال في قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم. فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم. ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين)(٧٠٢). قال: قدم على النبي (ص). العاقب والطيب.
فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة. فغدا رسول الله (ص) فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما. فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، فقال رسول الله (ص): والذي بعثني بالحق.
لو قالوا لا لأمطر عليهم الوادي نارا، قال جابر وفيهم نزل قوله تعالى:
(فقل تعالوا ندع أبناءنا... الآية) قال جابر: " أنفسنا وأنفسكم.. رسول الله (ص) وعلي بن أبي طالب " وأبناءنا " الحسن والحسين، " ونساءنا " فاطمة، قال ابن كثير: رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ورواه أبو داوود الطيالسي عن شعبة عن المغيرة(٧٠٣).
وجعل النبي (ص) علي بن أبي طالب على ذروة العشيرة الأقربين. كما وضع موسى هارون على ذروة الأسباط، روي عن علي ابن أبي طالب أنه قال: " لما نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين)(٧٠٤) جمع النبي (ص) من أهل بيته فاجتمع ثلاثون. فأكلوا وشربوا. فقال لهم: من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة ويكون خليفتي في أهلي، قال رجل: يا رسول الله أنت كنت بحرا من يقوم بهذا، ثم قال الآخر، فعرض النبي (ص) هذا على أهل بيته واحدا واحدا، فقال علي: أنا "(٧٠٥)، وفي رواية: قال النبي (ص) " فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي، فلم يقم إليه أحد، قال علي: فقمت إليه وكنت من أصغر القوم. فقال: إجلس. ثم قال مرة أخرى، كل ذلك أقوم إليه. فيقول لي: إجلس. حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي)(٧٠٦)، وفي رواية: قال النبي (ص): إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على أمري هذا، فقال علي: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي.
وقال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا وأطيعوا "(٧٠٧).
وجعل النبي (ص) علي بن أبي طالب على ذروة المهاجرين والأنصار، عن عمر بن عبد الله عن أبيه عن جده. أن النبي (ص)، آخى بين الناس وترك عليا حتى بقي آخرهم لا يرى له أخا، فقال: يا رسول الله آخيت بين الناس وتركتني، قال: ولم تراني تركتك؟ تركتك لنفسي.
أنت أخي وأنا أخوك. فإن ذكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسول الله لا يدعيها بعد إلا كذاب(٧٠٨)، وروي أن النبي (ص) قال لعلي " أنت أخي في الدنيا والآخرة "(٧٠٩). قال ابن كثير: كان المشايخ يعجبهم هذا الحديث لكونه من رواية أهل الشام(٧١٠).
وجعل النبي (ص) بيت علي بن أبي طالب ذروة البيوت. فعن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله أبواب شارعة في المسجد. فقال النبي يوما: سدوا هذه الأبواب إلا باب علي. فتكلم في ذلك الناس. فقام رسول الله (ص)، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد. فإني أمرت بسد هذه الأبواب إلا باب علي، وقد قال فيه قائلكم، وإني والله ما سددت شيئا ولا فتحته، ولكن الله أمر بشئ فاتبعته "(٧١١)، وفي رواية: قال (ص) " ما أخرجتكم من قبل نفسي، ولا أنا تركته، ولكن الله أخرجكم وتركه، وإنما أنا عبد مأمور، ما أمرت به فعلت، إن أتبع إلا ما يوحى إلي "(٧١٢).
وهذا الحديث رواه جمع من الصحابة منهم: سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة، وأنس بن مالك، وبريدة الأسلمي، وعلي بن أبي طالب. وقال السيوطي: ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة بل المتواترة، أنه (ص) منع فتح باب شارع في المسجد ولم يأذن لأحد ولا لعمه العباس ولا لأبي بكر، إلا لعلي، وقال الحافظ الكتاني: وقد أورد ابن الجوزي في الموضوعات حديث سد الأبواب مختصرا على بعض طرقه، وفي هذا قال الحافظ ابن حجر: وقد أخطأ ابن الجوزي في ذلك خطأ شنيعا لرده الأحاديث الصحيحة(٧١٣).
وجعل النبي (ص) علي بن أبي طالب على ذروة الجنود. عن أبي هريرة قال. إن النبي (ص) قال يوم خيبر " لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله " - وفي رواية عن مسلم: رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله - يفتح الله على يديه. قال عمر بن الخطاب. ما أحببت الإمارة إلا يومئذ فتساورت لها رجاء أن أدعى لها. فدعا رسول الله (ص) علي بن أبي طالب. فأعطاه إياها.. وقال: إمش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك. فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت وصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله(٧١٤).
ومن أحاديث الذروة أيضا ما روي عن جابر بن عبد الله قال: دعا رسول الله (ص) عليا يوم الطائف فانتجاه فقال الناس. لقد طال نجواه مع ابن عمه. فقال رسول الله (ص): ما انتجيته ولكن الله انتجاه(٧١٥) وفي رواية: قال أبو بكر: يا رسول الله قد طالت مناجاتك عليا. فقال: ما أنا انتجيته ولكن الله انتجاه(٧١٦) قال في تحفة الأحوازي: أي أني بلغت عن الله ما أمرني أن أبلغه إياه. فحينئذ انتجاه الله لا انتجيته. وقال الطيبي:
كان ذلك أسرار إلهية وأمور غيبية جعله من خزانها(٧١٧).
ومن أحاديث الذروة. ما روي عن جابر. قال. لما سأل أهل قباء النبي (ص). أن يبني لهم مسجدا قال رسول الله (ص): ليقم بعضكم فيركب الناقة. فقام أبو بكر فركبها فلم تنبعث فرجع فقعد، فقام عمر فركبها فحركها فلم تنبعث فرجع فقعد، فقام علي. فلما وضع رجله في غرز الركاب وثبت به، فقال رسول الله (ص): يا علي ارخ زمامها. وابنوا على مدارها فإنها مأمورة(٧١٨).
وعلى ضوء ما ذكرنا من الأحاديث الصحيحة. تشرق منزلة علي بن أبي طالب من رسول الله داخل أحياء قريش، فهو بين العشيرة الأقربين. أخو النبي ووصيه وخليفته، وهو بين المهاجرين والأنصار.
عبد الله وأخو رسول الله لا يدعيها بعد إلا كذاب، وبابه بين الأبواب.
هو الباب المفتوح. وعلم الجميع أن الله أخرجهم وتركه. وأن النبي في هذا مأمور. ما أمر به فعله إن يتبع إلا ما يوحى إليه، وفي ميادين القتال علم الخاص والعام. أن عليا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وعلموا أن الله انتجاه، ويوم بناء المسجد علموا أن الناقة مأمورة.
وعلموا أن الكتاب والعترة لا يفترقا حتى يردا علي الحوض. وأن العترة في صلب علي وفاطمة عليهما السلام. لقول النبي (ص) ".. علي أصلي.. "(٧١٩).
وبين إشراق منزلة علي من النبي (ص). وبين منزلة هارون من موسى عليهما السلام، يمتد ظلال الدعوة الإلهية، وتحت هذا الظلال تسير الأمة الخاتمة بمنهجها المهيمن على جميع المناهج، وقد حذرهم الله تعالى من السلوك في طريق الفراعنة. بعد أن جعل قياس النبي (ص) إلى موسى. وقياس الأمة إلى فرعون وقومه(٧٢٠). وبعد أن حذرهم من أن يكونوا كالذين أذوا موسى(٧٢١). وبعد أن علموا أن الله يزكي من يشاء.
ويجعل بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها.
وعلى طريق المنزلة رويت أحاديث صحيحة. يرى فيها موقع الذروة الذي يستقيم مع موقع المنزلة. وسنذكر بعض هذه الأحاديث في موضعها.
٢ - [أضواء على المنزلة العالية]
قامت الدعوة الإلهية على امتداد المسيرة البشرية، بمخاطبة الإنسان الذي يسلك طريقها. وإرشاده إلى ما فيه سعادته، وحذرت من التقادر الذي يتلبس بالدين، لأن مهمة النفاق في ديار الذين آمنوا. لا تنفصل عن مهمة الشيطان الذي اعتمد في برنامجه القعود على الصراط المستقيم (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم)(٧٢٢)، وتيار الصد عن سبيل الله اعتمد على المنافقين في حفر الحفر العديدة على امتداد مسيرة الذين آمنوا، ومن خلال هذا الحفر رفعت الأعلام العديدة.
التي تقوم برامجها بالتعتيم على الفطرة، والقافلة الإسرائيلية لم تسقط في مستنقع عبادة العجول نتيجة لغزوها من الخارج، وإنما سقطت أولا من الداخل. على أيدي الذين يجلسون تحت خيامها ويتلبسون بالدين.
والدعوة الإلهية الخاتمة. بينت أن المنافقين ينقون الناس بالإيمان الكاذبة والحلفان الآثمة. ليصدقوا فيما يقولون. فيغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم. ويقتدي بهم فيما يفعلون ويصدقهم فيما يقولون، فيحصل بهذا ضرر كبير، وبينت الدعوة أن منهم أصحاب أشكال حسنة والسنة ذو فصاحة، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، ولهذا قال تعالى: (هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون)(٧٢٣). وقال تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا)(٧٢٤).
ولقد وصفهم القرآن بأوصاف منها أنهم رجس، قال تعالى:
(إنهم رجس ومأواهم جهنم بما كانوا يكسبون)(٧٢٥) فهم في دائرة الخبث والتنجس نتيجة لما تحتويه بواطنهم واعتقاداتهم، والذين في قلوبهم مرض ويتلبسون بالدين الخاتم ورثوا قلوب وعقول الذين سبقوهم من بني إسرائيل، فإذا كان الذين كفروا من بني إسرائيل لا يقبلون إلا ما يوافق أهواءهم. فإن المنافقين إذا سمعوا آية من كتاب الله زادتهم رجسا إلى رجسهم، قال تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا. فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون)(٧٢٦). قال المفسرون: " زادتهم رجسا إلى رجسهم " أي زادتهم شكا إلى شكهم وريبا إلى ريبهم. وهذا من جملة شقائهم. أن ما يهدي القلوب يكون سببا لضلالهم ودمارهم، كما أن سيء المزاج لو غذى بما غذى به لا يزيده إلا خبالا ونقصا.
ولأن تيار النفاق لا يزداد إلا رجسا، ولأنهم أصحاب السنة وإذا سمعهم السامع أصغى إلى قولهم لبلاغتهم، ولأن برنامج الصد عن سبيل الله إذا تلبس بالدين كان أشد خطرا على الدعوة، فإن الدعوة الخاتمة قامت بعزل هذا التيار عن ساحتها. وأقامت حجتها بطائفة الحق. وتحت سقف الامتحان والابتلاء تسير القافلة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا.
وطائفة الحق من خصائصها أن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وبهذه الصفة كانوا مع كتاب الله ولن ينفصلا حتى يردا على حوض النبي (ص)، ومعنى أنهم مع كتاب الله أنهم أعلم الناس بكتاب الله، وهم أمان للأمة من الوقوع في دائرة التأويل الخاطئ لكتاب الله.
وخاصة الآيات المتشابهة، وذلك لأن تيار الذين في قلوبهم زيغ يتخذ من المتشابه حقلا له إبتغاء الفتنة، قال تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه إبتغاء الفتنة وابتناء تأويله. وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب)(٧٢٧) قال المفسرون: (فأما الذين في قلوبهم زيغ) أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل " فيتبعون ما تشابه منه " أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة.
وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه. لأنه دافع لهم وحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: (إبتغاء الفتنة) أي الاضلال لأتباعهم إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم القرآن. وهو حجة عليهم لا لهم، وقوله تعالى " وابتغاء تأويله " أي تحريفه على ما يريدون.
لأن تيار الذين في قلوبهم زيغ والذين في قلوبهم مرض يتلبس بالدين ويجلس في خيام القافلة، أقام الله الحجة بالكتاب وبالعترة التي لا يضرها من عاداها أو من خذلها أو من خالفها لأنها شعاع يهدي والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون، وتطهير أهل البيت والشهادة لهم بالعلم والعمل، والتحذير من مخالفتهم. وغير ذلك. وردت فيه أحاديث صحيحة، سنقدمها ونقابلها بما في منزلة هارون من موسى عليهما السلام.
أولا - " مقام التطهير ":
قال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)(٧٢٨) قال ابن عباس: " يذهب عنكم الرجس " أي عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضا، وقال الأزهري: الرجس اسم لكل مستقذر من كل عمل، وقال ابن حجر: والمعنى. التطهير من الأرجاس والأدناس ونجاسة الآثام(٧٢٩).
وروى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: " خرج النبي (ص) غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)(٧٣٠)، وروي عن عمر بن أبي سلمة أنه قال: لما نزلت هذه الآية (إنما يريد الله...) دعا رسول الله (ص) فاطمة وحسنا وحسينا، فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال " اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قالت أم سلمة رضي الله عنها: وأنا معهم يا نبي الله. قال: أنت على مكانك وأنت على خير "(٧٣١)، وعن شداد بن عمار قال. دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم، فذكروا عليا رضي الله عنه فشتموه، فشتمته معهم، فلما قاموا.
قال لي شتمت هذا الرجل؟، قلت: قد شتموه فشتمته معهم، قال: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله (ص)؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة رضي الله عنها أسألها عن علي رضي الله عنه، فقالت: توجه إلى رسول الله (ص)، فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله (ص) ومعه علي وحسن وحسين رضي الله عنهم. آخذا كل واحد منهما بيده حتى دخل، فأدنى عليا وفاطمة رضي الله عنهما وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم كساءه، ثم تلى (ص) هذه الآية (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). وقال اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحور(٧٣٢)، وعن أبي الحمراء قال:
رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله (ص). رأيت رسول الله (ص) إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة رضي الله عنهما. فقال:
" الصلاة الصلاة إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا "(٧٣٣)، وعن أنس بن مالك قال: أن رسول الله (ص) كان يمر بباب فاطمة رضي الله عنها ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول " الصلاة يا أهل البيت. إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا "(٧٣٤).
وحديث الكساء وردت فيه روايات جمة تزيد على سبعين حديثا رواها: أم سلمة، وعائشة، وأبي سعيد الخدري، وسعد بن أبي وقاص، وواثلة، وأبي الحمراء، وابن عباس، وثوبان، وعبد الله بن جعفر، وعلي، والحسين بن علي.
والمتدبر في حديث الكساء يجد أن أحداثه وقعت في أكثر من مكان، وقعت في بيت أم سلمة وفي بيت عائشة وفي بيت فاطمة وأمام أكثر من واحد، ويجد أيضا أن النبي (ص) كان ينادي عند بيت فاطمة وقت صلاة الفجر لمدة ستة أشهر وفي رواية سبعة أشهر، وتكرار المشهد واستمرار النداء طيلة هذه المدة. يعطي أن النبي (ص) كان يقيم بهذا الحجة على كل من سمع ورأى وصلى في مسجده. بأن هؤلاء هم أهل البيت، وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يثبت أمرا من الأمور في ذاكرة من حوله، يكرر هذا الأمر من ثلاثة إلى عشر مرات، ووضح ذلك في روايات عديدة حملت تحذيرات مما يستقبل الناس من أحداث.
ينتج عنها ما ليس لله فيه رضا.
وإذا كانت دعاء الرسول لمن تحت الكساء وتلاوته (ص) لآية التطهير، يعطي للناس مفهوم إذهاب الرجس والتطهير لمن تحت الكساء عليهم السلام، فإن الدعوة الإلهية لبني إسرائيل أعطت لبني إسرائيل نفس المفهوم. ولكن بطريقة تستقيم مع الشريعة في هذا الوقت، جاء في العهد القديم " قال الرب لموسى: وتقدم هارون وبنيه إلى باب خيمة الاجتماع. وتغسلهم بماء. وتلبس هارون الثياب المقدسة. وتمسحه وتقدسه ليكهن لي. وتقدم بنيه وتلبسهم أقمصة. وتمسحهم كما مسحت أباهم ليكهنوا لي "(٧٣٥).
ثانيا - " حكام العلم ":
إن العلم بالله هو ذروة كل العلوم وهو أشرف العلوم. لأن الله هو أشرف معلوم على الاطلاق، ولأن العلم بالله من أشق العلوم وأبعدها منالا، لطف الله بعباده وباح سبحانه بالعلم الشريف لأنبيائه ورسله ومن ارتضاه من عباده، ليسوقوا الناس إلى صراط الله العزيز الحميد، ويقيموا الحجة على كل سمع وكل بصر وكل فؤاد، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
روي عن الإمام علي أنه قال " إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به " ثم تلى قوله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين)(٧٣٦)، وروي عن مكحول قال لما نزل على رسول الله (ص) قوله تعالى: (وتعيها أذن واعية) قال رسول الله (ص) " سألت ربي أن يجعلها أذن علي " فكان علي يقول: ما سمعت من رسول الله (ص) شيئا قط فنسيته(٧٣٧)، وعن ابن مرة الأسلمي قال. قال رسول الله (ص) لعلي " إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي وحق لك أن تعي " فنزلت هذه الآية (وتعبها أذن واعية)(٧٣٨) وعن أبي الطفيل قال. قال علي: سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل "(٧٣٩)، وعن سليمان الأحمس قال. قال علي: إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا(٧٤٠).
وفي قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه. ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به. ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده. فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن كثر الناس لا يؤمنون. ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين)(٧٤١).
روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: قال رسول الله (ص) " أفمن كان على بينة من ربه. أنا. ويتلوه شاهد منه. علي "(٧٤٢). وعن علي أنه قال: ما من رجل من قريش إلا نزلت فيه طائفة من القرآن. فقال له رجل: ما نزل فيك؟ قال: أما تقرأ سورة هود (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) رسول الله (ص) على بينة من ربه. وأنا شاهد منه(٧٤٣)، وقال صاحب الميزان: والظاهر. أن المراد بهذا الشاهد بعض من أيقن بحقية القرآن وكان على بصيرة إلهية من أمره. فآمن به عن بصيرة وشهد بأنه حق منزل من عند الله تعالى. كما يشهد بالتوحيد والرسالة. فإن شهادة الموقن البصير على أمر تدفع عن الإنسان مرية الاستيحاش وريب التفرد، فإن الإنسان إذا أذعن بأمر وتفرد فيه. ربما أوحش التفرد فيه إذا لم يؤيده أحد في القول به. أما إذا قال به غيره من الناس وأيد نظره في ذلك. زالت عنه الوحشة وقوى قلبه وارتبط جأشه.
وقد احتج تعالى بما يماثل هذا المعنى في قوله (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم)(٧٤٤). وعلى هذا فقوله (يتلوه) من التلو لا من التلاوة.
والضمير فيه راجع إلى " من " أو إلى " بينة " باعتبار أنه نور أو دليل.
ومآل الوجهين واحد. فإن الشاهد الذي يلي صاحب البينة يلي بينته كما يلي نفسه. والضمير في قوله " منه " راجع إلى " من " دون قوله " ربه " وعدم رجوعه إلى البينة ظاهر. ومحصل المعنى: من كان على بصيرة إلهية من أمر. ولحق به من هو من نفسه. فشهد على صحة أمره واستقامته.
وعلى هذا الوجه ينطبق ما ورد في الروايات أن المراد بالشاهد.
علي بن أبي طالب، إن أريد به أنه المراد بحسب انطباق المورد لا بمعنى الإرادة الاستعمالية. وقوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة) راجع. إلى الموصول أو إلى البينة على حد ما ذكرناه في ضمير " يتلوه " والجملة حال بعد حال، أي أفمن كان على بصيرة إلهية ينكشف له بها أن القرآن حق منزل من عند الله، والحال أن معه شاهد منه يشهد بذلك عن بصيرة، والحال أن هذا الذي هو على بينة سبقه كتاب موسى إماما ورحمة. فليس ما عنده من البينة ببدع من الأمر غير مسبوق بمثل ونظير، بل هناك طريق مسلوك من قبل يهدي إليه كتاب موسى، وقد ذكر الله تعالى كتاب موسى بالإمام والرحمة في موضع آخر. وهو قوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين)(٧٤٥).
وإذا كان صدر الآية وهو قوله تعالى: (ويتلوه شاهد منه) قد ورد في تفسيره أن المراد بالشاهد علي بن أبي طالب. فإن قوله تعالى:
(ومن قبله كتاب موسى إماما) يرى في ظلاله منزلة هارون من موسى عليه السلام. لأن موسى سأل ربه جل وعلا أن يؤيده بهارون ليشهد له شهادة الموقن البصير على أن الذي جاء به هو من عند الله. وهو قوله تعالى حاكيا عن موسى قوله (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي رداءا يصدقني أني أخاف أن يكذبون)(٧٤٦) قال ابن كثير: سأل ربه أن يرسل معه هارون وزيرا ومعينا ومقويا لأمره. يصدقه فيما يقول ويخبر به عن الله تعالى. لأن خبر الاثنين أنجح في النفوس من خبر الواحد "(٧٤٧). ويمكن القول أن الآية الكريمة يرى في ظلالها المنزلتين.
منزلة علي بن أبي طالب وهو من الرسول (ص). ومنزلة هارون وهو من موسى عليهما السلام.
ومن الآيات التي تلقى بظلالها على منزلة علي من رسول الله.
قوله تعالى: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد)(٧٤٨) روي عن علي أنه قال: رسول الله (ص) المنذر. وأنا الهادي(٧٤٩) وفي لفظ: والهادي رجل من بني هاشم يعني نفسه، وروي لما نزلت الآية. وضع رسول الله (ص) يده على صدر علي وقال: أنا المنذر. وأومأ بيده إلى منكب علي وقال: أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي "(٧٥٠). وروي عن الجنيد أنه قال: الهادي هو علي بن أبي طالب(٧٥١).
وبالجملة: روي في حديث صحيح أن النبي (ص) قال لفاطمة رضي الله عنها " إني زوجتك أقدم أمتي سلما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما "(٧٥٢). وروي عن ابن عباس أنه قال " أقضانا علي "(٧٥٣) وعن ابن مسعود أنه قال " كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي "(٧٥٤).
بعد وضوح منزلة علي بن أبي طالب من رسول الله (ص) على امتداد عهد البعثة، بدأ النبي (ص) يمهد الساحة لإعلان ولاية علي بن أبي طالب، ومن ذلك قوله لعلي " أنت ولي في كل مؤمن بعدي "(٧٥٥) وقوله لبريدة الأسلمي عندما جاءه يشكو عليا " فإنه مني وأنا منه. وهو وليكم بعدي. وإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي "(٧٥٦)، وراوي هذا الحديث هو ابن بريدة قال في الفتح الرباني: أقسم ابن بريدة أنه تلقى هذا الحديث من والده بريدة مباشرة ليس بينه وبينه واسطة، وهو يفيد أن والده تلقاه من النبي (ص) مباشرة بغير واسطة، يشير بذلك إلى علو السند(٧٥٧).
وعندما جاء العام العاشر الهجري. خرج النبي (ص) إلى حجة الوداع. روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: رأيت رسول الله (ص) في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي "(٧٥٨)، وروي عن يحيى بن آدم. وكان قد شهد حجة الوداع، أن رسول الله (ص) قال: علي مني وأنا منه، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي "(٧٥٩).
وبعد أن أدى رسول الله (ص) المناسك، وعند عودته إلى المدينة، وقف في غدير خم، وهو مكان يقع على الطريق بين مكة والمدينة. على بعد ثلاثة أميال من الجحفة، وروي عن زيد بن أرقم أنه قال: لما رجع رسول الله (ص) من حجة الوداع، فنزل غدير خم أمر بدوحات فقممن، ثم قام فقال: كأني قد دعيت فأجيب، إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض، ثم قال: إن الله مولاي وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " قيل لزيد بن أرقم: أأنت سمعته من رسول الله (ص)؟
فقال: ما كان في الدوحات أحد إلا قد رآه بعينه وسمعه بأذنه(٧٦٠).
وعن عائشة بنت سعد قالت: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله (ص) وأخذ بيد علي فخطب ثم قال: أيها الناس إني وليكم. قالوا:
صدقت، فرفع يد علي فقال: هذا وليي والمؤدي عني وإن الله مولى من والاه ومعادي من عاداه "(٧٦١).
وعندما نوزع علي بن أبي طالب أيام خلافته، ذكر الناس بهذا الحديث، فعن أبي الطفيل قال: جمع علي الناس في الرحبة ثم قال:
أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم ما قال لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس، قال أبو نعيم: فقام إليه ناس كثير، فشهدوا حين أخذ النبي (ص) بيده فقال: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم. قالوا: بلى يا رسول الله (ص)، قال: من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه "(٧٦٢)، وزاد في رواية: وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله "(٧٦٣).
وقال في الفتح الرباني. قال السيوطي في الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة: حديث من كنت مولاه، أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم، والإمام أحمد عن علي وأبو أيوب الأنصاري، والبزار عن عمرو ذي مر. وأبي هريرة. وطلحة. وعمار وابن عباس. وبريدة، والطبراني عن ابن عمر. ومالك بن الحويرث. وحبشي بن جنادة.
وجرير. وسعد بن أبي وقاص. وأبي سعيد الخدري، وأبو نعيم عن جندع الأنصاري، وقد خصص له الهيثمي سبع صفحات(٧٦٤).
وقال الحافظ الكتاني: حديث من كنت مولاه في رواية لأحمد أنه سمعه من النبي (ص) ثلاثون صحابيا، وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته، وصرح المناوي بتواتره، وقال ابن حجر: حديث من كنت مولاه أخرجه الترمذي والنسائي وهو كثير الطرق. وقد استوعبها ابن عقدة في مؤلف مفرد، وأكثر أسانيدها صحيح أو حسن(٧٦٥).
وقال ابن كثير: حديث من كنت مولاه رواه الإمام أحمد عن زيد بن أرقم. وقد رواه عن زيد بن أرقم جماعة، ورواه معروف بن جرموز عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد، ورواه ابن ماجة من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد. ورواه عن عدي بن ثابت بن البراء.
وعن أبي إسحاق عن البراء. ورواه عن سعد وطلحة بن عبد الله وجابر بن عبد الله. وله طرق عنه(٧٦٦).
وقال الألباني: حديث من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، حديث صحيح جاء من طرق جماعة من الصحابة، خرجت أحاديث سبعة منهم، ولبعضهم أكثر من طريق واحد، وقد خرجتها كلها وتكلمت على أسانيدها في سلسلة الأحاديث الصحيحة(٧٦٧).
ولما كنا قد قابلنا بعض الأحداث التي جرت في عهد البعثة الخاتمة. بمثيلاتها على عهد أنبياء بني إسرائيل. ونحن نرصد منزلة هارون من موسى. فإننا نجد في مقام التطهير والعلم " وكلم الرب هارون قائلا: خمر ومسكر لا تشرب أنت وبنوك معك.. فرضا دهريا في أجيالكم. وللتمييز بين المقدس والمحلل. وبين النجس والطاهر.
ولتعليم بني إسرائيل جميع الفرائض التي كلم الرب بها بيد موسى "(٧٦٨).
ولقد علمنا أن النبي (ص) بعد أن أدى المناسك. أعلن ولاية علي بن أبي طالب. وفي مقابل هذا الحدث، نجد العهد القديم يذكر أنه في اليوم الثامن من الشهر الذي تؤدي فيه المناسك، أمر موسى هارون أن يأخذ له عجلا ليذبحه في اليوم الذي يفيض الله برحمته على العباد، وفعل هارون ما أمر به موسى. " ثم رفع هارون يده نحو الشعب وباركهم.. ودخل موسى وهارون خيمة الاجتماع ثم خرجا وباركا الشعب "(٧٦٩).
إن الدعوة الإلهية للناس دعوة واحدة. والتوحيد هو عماد هذه الدعوة. والإخلاص في العبادة يجعل شجرة التوحيد داخل النفس الإنسانية شجرة مورقة، لهذا كان الإخلاص في العبادة أفضل الأمور الدينية ومن أوجب الواجبات الشرعية، ولكي يتحقق الإخلاص. فلا بد من حفظ الصلة بالله عز وجل، والمدخل إلى حفظ الصلة بالله. هو حفظ الصلة بالرسول، لأن النور المحمدي هو البرزخ الذي بين الناس وبين النور الإلهي الذي تندك له الجبال، وحفظ الصلة بالرسول له قواعد وله علامات وقديما قالت العرب:.

إذ لم يكن صدر المجالس سيدا * * * فلا خير فيمن صدرته المجالس

٣ - [الترغيب والترهيب]
إن حفظ الصلة بالرسول (ص) حثت عليه الدعوة الخاتمة في أكثر من آية، منه قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)(٧٧٠)، والمعنى: إن كنتم تريدون أن تخلصوا لله في عبوديتكم، فاتبعوا هذه الشريعة التي هي مبنية على الحب والتي ترفع أعلام الإخلاص والإسلام. وتسير بأتباعها نحو صراط الله المستقيم فإن اتبعتموني في سبيلي أحبكم الله. ومنه قوله تعالى (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين)(٧٧١). والآية تشير إلى سبيل رسول الله (ص)، وفيها يأمره تعالى أن يخبر الناس أن هذه سبيله. أي طريقته ومسلكه وسنته، وأن هذا السبيل هو الذي يصل بمن يسلكه إلى سعادة الدارين، لأن النبي يدعو إلى الله على بصيرة ويقين وبرهان، وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه النبي (ص)، ومنه قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور)(٧٧٢). في هذه الآية جعل الله تعالى أجر رسالة النبي المودة في القربى، فأي قربى؟
إن مودة الأقرباء على الاطلاق ليست مما يندب إليه في الإسلام قال تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه)(٧٧٣)، والذي يندب إليه الإسلام هو الحب في الله، وبما أن لكل شيء ذروة، فإن الحب في الله ذروته حب النبي (ص)، ولهذا قيل أن المراد بالمودة في القربى. هو مودة قرابة النبي (ص)، وهم عترته من أهل بيته، ومن يتأمل في الروايات المتواترة عن النبي (ص). كحديث الثقلين وغيره، يجد أن النبي (ص) دفع الناس في اتجاه أهل البيت لفهم كتاب الله بما فيه من أصول معارف الدين وفروعها وبيان حقائقه، وهذا لا يدع ريبا في أن إيجاب مودتهم وجعلها أجرا للرسالة. إنما كان ذريعة إلى إرجاع الناس إلى أهل البيت. على إعتبار أن لهم المرجعية العلمية.
وروي عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وولداها(٧٧٤)، وعن أبي الديلم قال: لما جيئ بعلي بن الحسين أسيرا فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم فقال له علي بن الحسين: أقرأت القرآن؟ قال: نعم قال: أقرأت آل حم؟ قال: نعم قال:
أما قرأت " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى "؟ قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم(٧٧٥).
ومما يثبت أن المقصود بذي القربى: علي وفاطمة وولداها.
تحذير النبي (ص) من الاقتراب منهم بأذى. لأن من يؤذيهم يكون في الحقيقة قد آذى رسول الله (ص)، ويقع تحت عقوبة لا يدفعها دافع، قال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا)(٧٧٦) ومن المعلوم أنه لا يوجد مخلوق يمكن أن يتقدم بأذى لله تعالى، ولكن الآية تتوعد كل من آذى النبي بشئ، لأن من آذاه فقد آذى الله، كما أن من أطاعه فقد أطاع الله.
وتحذيرات النبي (ص) من الاقتراب بأي أذى لعترته، وردت في أحاديث كثيرة، منه ما روي عن سعد بن أبي وقاص قال: كنت جالسا في المسجد أنا ورجلين معي فنلنا من علي، فأقبل رسول الله (ص) غضبان يعرف في وجهه الغضب، فتعوذت بالله من غضبه، فقال: ما لكم وما لي من آذى عليا فقد آذاني"(٧٧٧)، ومنه ما روي عن عمرو بن شاس الأسلمي. قال. خرجت مع علي إلى اليمن. فجفاني في سفري ذلك. حتى وجدت في نفسي عليه. فلما قدمت أظهرت شكايته في المسجد. حتى بلغ رسول الله (ص). فلما رآني أبدى عينيه (أي حدد إلي النظر) حتى إذا جلست قال: يا عمرو والله لقد آذيتني.
قلت أعوذ بالله أن أؤذيك يا رسول الله. قال: بلى من آذى عليا فقد آذاني(٧٧٨) ومنه ما روي عن المسور بن مخرمة قال. قال النبي (ص):
إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها(٧٧٩).
وبالجملة إن الدعوة الإلهية الخاتمة بينت أن الإخلاص في العبادة أفضل الأمور الدينية ومن أوجب الواجبات الشرعية. وبينت إن حفظ الصلة بالرسول هو صراط حفظ الصلة بالله. فمن آذى الرسول فقد آذى الله ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله.
ولأن المنافقين في كل عصر يعملون من أجل تدمير الدعوة من داخلها، فإن الدعوة الإلهية الخاتمة فتحت بين حركة النفاق وبين حركة الإيمان، لتصحيح الساحة بعد هذا الفتح من طرفين، لكل طرف أعلامه ومذاقه، لتسير القافلة وهي على بينة من أمرها، لينظر الله إلى عباده كيف يعملون، وهذا الفتح يرى بوضوح إذا تدبر الباحث في الأحاديث المروية عن رسول الله (ص)، ومنها ما روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: " والذي خلق الحبة وبرأ النسمة. إنه لعهد النبي (ص) إلي. أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق"(٧٨٠)، وما روي عن أبي ذر أنه قال. قال رسول الله (ص) لعلي: يا علي من فارقني فارق الله. ومن فارقك يا علي فارقني "(٧٨١)، وما روي عن عبيد الله بن عباس قال: نظر النبي (ص) إلى علي فقال: يا علي أنت سيد في الدنيا. سيد في الآخرة. حبيبك حبيبي. وحبيبي حبيب الله. وعدوك عدوي. وعدوي عدو الله. الويل لمن أبغضك بعدي "(٧٨٢).
وما روي عن أسرة عمار ابن ياسر. فعن أي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه عن جده أنه قال. قال رسول الله (ص) " أوصي من آمن بي وصدقني بولاية علي بن أبي طالب. فمن تولاه فقد تولاني.
ومن تولاني فقد تولى الله. ومن أحبه فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله. ومن أبغضه فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله عز وجل "(٧٨٣)، وعنه أيضا قال. قال رسول الله (ص): اللهم من آمن بي وصدقني فليتولى علي بن أبي طالب. فإن ولايته ولايتي وولايتي ولاية الله(٧٨٤) وقيل لسلمان الفارسي: ما أشد حبك لعلي. قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: من أحب عليا فقد أحبني ومن أبغض عليا فقد أبغضني(٧٨٥). وقيل لعمار بن ياسر. ما أشد حبك لعلي. فقال: قال رسول الله (ص): يا عمار إن رأيت عليا قد سلك واديا وسلك الناس واديا غيره. فاسلك مع علي ودع الناس(٧٨٦).
وما روي عن أسرة أبي رافع. فعن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده قال: قال النبي (ص): يا أبا رافع سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا. حق على الله جهادهم. فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه. ومن لم يستطع بلسانه. فبقلبه ليس وراء ذلك شيء(٧٨٧)، وعن عمار بن ياسر قال. قال رسول الله (ص): يا علي ستقاتلك الفئة الباغية وأنت على الحق. فمن لم ينصرك يومئذ فليس مني(٧٨٨)، وعمار راوي هذا الحديث. قاتل مع الإمام عليا. وقتل في صفين. وكان النبي قد أخبر بقتله وهو يخبر بالغيب عن ربه جل وعلا، روى البخاري أن النبي (ص) قال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار(٧٨٩).
وبالجملة: عن أبي سعيد الخدري قال. قال رسول الله (ص): لا يبغضنا أهل البيت أحدا إلا أدخله الله النار(٧٩٠). وعن أبي هريرة قال: نظر النبي (ص) إلى علي وابنيه وفاطمة وقال: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لس سالمكم(٧٩١).
ولأن النبي (ص) جعل الكتاب والعترة في حبل واحد. وأخبر بالغيب عن ربه بأنهما لن ينفصلا حتى يردا علي الحوض. ولأنه (ص) حث الأمة في أكثر من مكان بأن تمسك بهذا الحبل لأنه واقي لها من الضلال. وقال " فانظروا كيف تخلفوني فيهما " فإنه أخبر بالغيب عن ربه بأن أهل بيته سيلقون بعده من الأمة قتلا وتشريدا، وكما حذر موسى عليه السلام بني إسرائيل من الاختلاف في الوقت الذي خبر فيه بأنهم سيختلفون وهو يخبر بالغيب عن ربه، كذلك فعل النبي الخاتم (ص)، كان يحذر من الاختلاف ويقول " لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا "(٧٩٢)، وفي نفس الوقت يخبر بالغيب عن ربه. ويقول " إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة فهلك سبعون فرقة. وخلصت فرقة واحدة. وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة. تهلك إحدى وسبعون وتخلص فرقة. قيل: يا رسول الله من تلك الفرقة؟ قال:
الجماعة الجماعة(٧٩٣).
لقد كان الإخبار بالغيب فيما يستقبل الناس من أحداث، لطف من الله ليعلم سبحانه من يخافه بالغيب فلا يأخذوا بالأسباب التي عليها التحذير، ويأخذوا بالأسباب التي فيها لله ولرسوله رضا، والنبي (ص) أمر الأمة بأن تأخذ بطرف الحبل الذي عليه الكتاب والعترة، ثم يخبر بالغيب عن ربه فيقول " إن أهل بيتي سيلقون بعدي من أمتي قتلا وتشريدا "(٧٩٤)، وعن علي بن أبي طالب أنه قال: إن مما عهد إلي رسول الله (ص) أن الأمة ستغدر بك بعدي(٧٩٥). وكل طريق له أسبابه. والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون.
ولأن الطريق عليه لاختلاف وافتراق وغدر ونفي وقتل وتشريد.
ظهرت النتيجة عند الحوض في إخبار الرسول (ص) بالغيب عن ربه، فعن سهل قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: أنا فرطكم على الحوض. من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا. وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني. ثم يحال بيني وبينهم(٧٩٦)، وعن عبد الله قال: قال رسول الله (ص): أنا فرطكم على الحوض. ولأنازعن أقواما. ثم لأغلبن عليهم.
فأقول: يا رب أصحابي أصحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك(٧٩٧) وفي رواية عن أبي هريرة بزيادة: إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى(٧٩٨)، وفي رواية عن ابن عباس:
فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم(٧٩٩)، وفي رواية عن أم سلمة: فناداني مناد من بعدي. فقال: إنهم قد بدلوا من بعدك. فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي(٨٠٠).
لقد حذر النبي الخاتم (ص) من النتيجة التي لا تستقيم مع المقدمة، ولم تجامل الدعوة الإلهية الخاتمة أحدا بعد أن أقامت حجتها، يقول النبي (ص) " ليردن على الحوض رجال ممن صحبني ورآني..."(٨٠١) ولم تغن عنهم الصحبة من الله شيئا، وقال " إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أموت أبدا "(٨٠٢) ومعنى أن تعطي النتيجة قطع صلتهم بالنبي في الآخرة، أنهم قطعوا الصلة يوم أن سارت القافلة تحت سقف الامتحان والابتلاء لينظر الله إلى عباده كيف يعملون، قال تعالى:
(أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)(٨٠٣).
وإذا كانت الدعوة الإلهية الخاتمة قد حذرت كل من يقترب من سبيل رسول الله (ص) بأي أذى. فإن الدعوة الإلهية إلى بني إسرائيل حذرت كل من يقترب من هارون وبنيه بأذى. جاء في العهد القديم.
بأن الله كلم موسى عليه السلام. وأمره بأن يقدم سبط لاوي أمام هارون ليخدموه ويحفظوا شعائره. ويخدمون خيمة الاجتماع ويحرسون أمتعتها. وقال له " وتوكل هارون وبنيه فيحرسون كهنوتهم والأجنبي الذي يقترب يقتل "(٨٠٤).
٤ - [رحيل النبي الخاتم (ص)]
لقد جاء النبي (ص) بالأدلة المقبولة. والمعجزات التي هي بلسان التواتر منقولة، وقد قال المسيح عليه السلام: من قبل ثمارهم تعرفونهم، وقد علم المخالف والموالف. أن محمدا رسول الله لم تثمر شجرته عبادة غير الله ولم يشرك مع الله غيره، ولا جعل له ندا من خلقه ولا ولدا، ولا قال لأمته اعبدوا إلهين اثنين ولا ثالث ثلاثة، ولا عبد رجلا ولا عجلا ولا كوكبا، بل دعا إلى ملة إبراهيم. إله واحد لا إله إلا هو، وأخلص لله وحده، ونزهة عن النقائض والآفات، وجاء بكتاب من عند الله أمر فيه بطاعة الله، ونهى عن معصيته، وزهد في الدنيا ورغب في الآخرة. وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وأمر ببر الوالدين وصلة الرحم وحفظ الجار، وفرض الصدقات، وأمر بالصوم والصلاة، وحث على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، ثم كسر الأصنام وعطل الأوثان. وأخمد النيران وأعلن الآذان. فهذه هي ثمار النبي (ص). الذي بعثه الله والناس في ظلمة الجهل والانحراف. فأنار الطريق وأقام الحجة. وبين منهجه للبشرية الطريق الذي يحقق السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، لأنه يمد الإنسان بالوقود الذي يميز به بين الحلال وبين الحرام، وينطلق بالإنسان نحو الأهداف التي من أجلها خلقه الله، بالوسائل التي لله فيها رضا، ومن خلال المنهج الإسلامي يحفظ الإنسان صلته بالله ورسوله، لأن المنهج يقوم على أوامر الله، فهو سبحانه مصدر جميع السلطات وإليه تنتهي جميع القرارات، لأنه تعالى مصدر الخلق والتكوين. وواهب الحياة ومقوماتها، فكما أن له سبحانه الخلق والإبداع. كذلك له الأمر والنهي.
وبعد أن أقام النبي (ص) الحجة. حانت الساعة التي يدعى فيها فيجيب، وعلى فراش المرض أخذ النبي (ص) بالأسباب حتى لا تختلف الأمة من بعده. وهو يعلم أن الاختلاف واقع لا محالة، ونظام العالم هو نظام الأسباب والمسببات، والإنسان مطالب بأن يكون اعتماده على الله عند أخذه بالأسباب وفي كل حال، وعلى هذا سار الأنبياء والرسل عليهم السلام، كانوا يخبرون بالغيب عن الله بما يستقبل الناس من فتن وأهوال، ثم يأخذون بالأسباب فيحذرون الناس من مخاطر الطريق.
عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله (ص)، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي (ص): هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي (ص) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن.
حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي (ص) كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قاله عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي (ص)، قال النبي (ص): قوموا! " فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية، ما حال بين النبي (ص) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب. من اختلافهم ولغطهم! "(٨٠٥). وفي رواية:
قال النبي (ص) " قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع "(٨٠٦)، وروي عن جابر بن عبد الله " أن النبي (ص) دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلون بعده، فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها "(٨٠٧)، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس إنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه، حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، قال:
قال رسول الله (ص) " أئتوني بالكتف والدواة - أو اللوح والدواة - أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فقالوا؟ إن رسول الله (ص) يهجر(٨٠٨).
قال ابن الأثير: القائل هو عمر بن الخطاب(٨٠٩). ومعنى هجر.
قال في لسان العرب: يهجر هجرا. إذا كثر الكلام فيما لا ينبغي. وهجر يهجر هجرا. بالفتح: إذا خلط في كلامه وإذا هذى(٨١٠) وقال في المختار الهجر: الهذيان(٨١١) وقال في المعجم. هجر المريض: هذى(٨١٢).
لقد اختلفوا وأكثروا اللغط ولا ينبغي عند رسول الله التنازع، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)(٨١٣). وقال جل شأنه (فليحذر الذين يخالفون من أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)(٨١٤). وقال (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وإنه إليه تحشرون. واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب)(٨١٥).
ومن يتدبر في أحداث يوم الصحيفة ويمسك بأطرافها، تجد أن الرسول (ص) أراد أن يكتب لهم كتاب يكون سببا في الأمن من الضلال، وهذا السبب كان كافيا لتنفيذ الأمر، ولكن بعض الذين حضروا قالوا " هجر "، فكانت هذه الكلمة كافية ليمسك الرسول عن كتابة الصحيفة، لأنها ربما تكون مدخلا لتشكيك البعض في كل ما كتب من وصايا وعهود ويترتب على ذلك فتن عديدة، ويشهد بذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال " قالوا: إن نبي الله ليهجر، فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت؟
قال: أو بعد ماذا! "(٨١٦)، وأمر الرسول إليهم بأن يأتوه بصحيفة لتكتب لهم الكتاب، هذا الأمر في حد ذاته كافيا لإقامة الحجة عليهم وإن لم يأتوا إليه بالصحيفة، ومن المعلوم أن النبي (ص) قد أقام الحجة على الأمة بالبلاغ في حجة الوداع وقبلها وبعدها في غدير خم.
وقد احتج البعض أن قولهم " حسبنا كتاب الله " يستند إلى أن الكتاب جامع لكل شئ، وقولهم هذا ينتج إشكالا، لأن الكتاب الجامع لكل شيء أمر بطاعة الرسول، وعلى الرغم من أن الكتاب جامع إلا أنه ليس في استطاعة كل واحد أن يستخرج منه ما يريده على وجه الصواب، لهذا فوض الله رسوله في أن يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، ولأن الناس في حاجة إلى السنة مع كون الكتاب جامعا، جعل النبي (ص) عترته مع الكتاب في حبل واحد ولن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وبالجملة: لما كان الكتاب به آيات متشابهات. وهذه الآيات يتتبعها الذين في قلوبهم زيغ لإثارة الفتن ولتأويل الكتاب، حتى ينتهي تأويلهم إلى تعطيل الحكم بالكتاب، ولما كان الكتاب مع كونه جامعا لكل شيء لا يحقق دوام الهداية وعدم الاختلاف. بدليل أن الضلال وقع والتفريق وقع فعلا، فإن الأمن من الضلال لا يكون إلا بالكتاب. ومعه الطاهر الذي يتأوله، ويمكن للباحث أن يستنتج ذلك، إذا ربط بين أمر الرسول وهو على فراش المرض. وبين البلاغ الذي أقام به الحجة قبل ذلك، فيوم الصحيفة قال (ص) " آتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا "(٨١٧) وفي بلاغه. قال (ص) " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي. أحدهما أعظم من الآخر. كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض. فانظروا كيف تخلفوني فيهما "(٨١٨).

الطريق إلى المهدي المنتظر

أولا - [نور الظلام]
أولا - [موكب الحجة]
بعد وفاة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، انطلقت المسيرة الخاتمة تحت سقف الامتحان والابتلاء بعد أن أقيمت عليها الحجة في عهد البعثة، قال تعالى: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات ما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين. ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون)(٨١٩) ومن فضل الله تعالى على بني الإنسان أنه أحاط القافلة البشرية الخاتمة بالحجة الدائمة، بمعنى أن المعجزات التي كان الله تعالى يؤيد بها رسله قبل البعثة الخاتمة كانت تنتهي بوفاة الرسول، ولكن الله عندما إستخلف الأمة الخاتمة أيدها بمعجزات. منها ما انتهى بوفاة النبي (ص)، ومنها ما إستمر بعد وفاة النبي وسار مع القافلة على امتداد المسيرة، ومن هذا القرآن الكريم وأحاديث الإخبار بالغيب، فهذه المعجزات مهمتها إرشاد بني الإنسان إلى طريق الهداية. الذي تتحقق عليه السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، وهي شاهد صدق على نبوة النبي (ص)، بمعنى أن إرشاد النبي وتعاليمه، هي في حقيقة الأمر دعوة إلى الجنس البشري على امتداد المسيرة من الحاضر إلى المستقبل. للإيمان بنبوة النبي الخاتم (ص)، فمن تبين حقيقة إرشاده، ولم يؤمن به في أي زمان، كان كمن كذبه عند بداية البعثة ونزول الوحي، ويقتضي المقام أن نلقي بعض الضوء على هذه المعجزات.
١ - (القرآن الكريم):
القرآن معجزة باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وقد تولى الله حفظه فلا يمكن بحال أن يناله التغيير أو التبديل، قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)(٨٢٠)، وجميع المعارف الإلهية.
والحقائق الموجودة في القرآن تستند إلى حقيقة واحدة هي التوحيد، ولقد وصف الله تعالى القرآن بالحكيم. لأنه كتاب لا يوجد فيه نقطة ضعف أو لهو حديث. ولا انحراف فيه في جميع الأحوال. ولا يوجد في القرآن أي اختلاف. وفي هذا دليل على أنه منزل من الله تعالى، لأنه لا تخلو أقوال الناس في المراحل المختلفة من الاختلاف والانحراف ولهو الحديث ونقاط الضعف، وعجز الناس على الإتيان بمثل القرآن.
دليل على إعجاز القرآن، وعجز المشركين عن معارضة القرآن دليل على التوحيد، وخضوع الأعناق للقرآن. يعني أن إسناد القرآن إلى الله تعالى لا يحتاج إلى دليل سوى القرآن نفسه.
وفي عهد البعثة كان القرآن الملجأ الوحيد للنبي (ص) عندما كان يقيم حجته على الناس، ولقد بين النبي الخاتم للناس ما أنزل إليهم من ربهم على امتداد البعثة، وألزم القرآن الناس بأن يكون النبي (ص) لهم أسوة حسنة. وجعل اتباع الرسول (ص) شرط في حب الله، ولقد بين القرآن والسنة للمسيرة منذ يومها الأول. أنه يجب أن ينتهي كل رأي ديني إلى القرآن الكريم حتى لا يتمكن الأجانب أن ينشروا الأباطيل بين المسلمين، وبين القرآن والسنة للمسيرة أن كتاب الله لا يقبل النسخ والإبطال والتهذيب والتغيير، وأن أي تعطيل سيفتح الطريق أمام سنن الأولين.
٢ - (الإخبار بالغيب عن الله):
من لطف الله تعالى بعباده. أنه تعالى أخبر على لسان الأنبياء والرسل بالغيب، فأخبر بما ينتظر الإنسان في اليوم الآخر حيث أهوال القيامة ولهيب النار ونعيم الجنة، وأخبر ببرنامج الشيطان وإلقاءاته على امتداد الدنيا، وأخبر بمضلات الفتن مقدماتها ونتائجها، وأخبر بالأمور العظيمة التي ما زالت في بطن النيب، والإخبار بالغيب حجة بذاته، وبه يمتحن الله تعالى عباده، قال تعالى: (ليعلم الله من يخافه بالغيب)(٨٢١) وقال: (وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب)(٨٢٢).
وأي حدث منذ ذرأ ذرية آدم لا بد أن تكون له مقدمة يترتب عليها نتيجة، والناس عند صنعهم لمقدمة الحدث كبيرا كان أو صغيرا.
يعلمون جانب الحلال فيه وجانب الحرام. بما أودعه الله في الفطرة.
ولأن الله تعالى وهو العليم المطلق سبحانه. يعلم مصير هذه المقدمة وما يترتب عليها من نتائج ما زالت في بطن الغيب، يخبر سبحانه على لسان الأنبياء والرسل بما يستقبل الناس من نتائج، لكي يأخذ الناس بأسباب لهدى ويتجنبوا أسباب الضلال، فإذا ظهرت الأحداث بعد أن كانت غيبا يسقط في جانب باطلها كل إنسان لم يأخذ بأسباب الهدى.
وكل إنسان لم يتدبر في حركة الأحداث من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، باختصار: من أخذ بأسباب الدجال سقط في سلته ثم سقط في نار جهنم يوم القيامة، ومن أخذ بأسباب الهدى شرب من حوض النبي (ص) يوم القيامة.
إن الله تعالى يمتحن الناس بأخذهم الأسباب، والناس تحت مظلة الامتحان والابتلاء يتمتعون بحرية الأخذ بالأسباب، وكل مسيرة على امتداد الزمان يتخللها ماضي وحاضر ومستقبل، والماضي يحمل دائما في أحشائه الزاد. ومهمة الحاضر أن ينضب في هذا الزاد ليؤخذ منه أسباب الهدى وينطلق بها إلى المستقبل، فمن أدركه الموت وهو على سبب الهدى، بعثه الله على نفس السبب، وكل إنسان مهاجر إلى ما هاجر إليه، وأحاديث إخبار الرسول بالغيب تحت أضوائها تظهر المسيرة، ويظهر ما في بطونها من زاد الماضي، وإذا وقف الحاضر أمام هذا الزاد ثم رجع القهقرى بتحليل الحوادث التاريخية، يصل إلى المقدمة في الماضي البعيد، فإذا أمعن النظر فيها وجد أنها تحتوي على أصول القضايا وأعراقها التي يراها في حاضره. فكما تكون المقدمة تكون النتيجة والدعوة الإلهية الخاتمة أمرت باتقاء الفتن وهذا لا يأتي إلا بالبحث في أصول القضايا، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)(٨٢٣)، والنبي (ص) بين أن الحاضر إذا رضي بانحراف في الماضي. شارك بالمشاهدة وإن لم يحضر، قال (ص) " إذا عملت الخطيئة في الأرض. كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها. ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها "(٨٢٤).
والنبي (ص) بين لأمته المقدمات والنتائج حتى قيام الساعة، حتى يكونوا على بينة من أمرهم ويأخذوا بأسباب الأهداف التي لله فيها رضا، فعن أبي زيد قال " صلى بنا رسول الله (ص) الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا "(٨٢٥)، وعن أنس قال " قال رسول الله (ص): من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا "(٨٢٦)، وعن حذيفة قال " والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، كان رسول الله (ص) يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن، فقال (ص) وهو يعد الفتن: منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن فتن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري "(٨٢٧)، وعن حذيفة أنه قال " ما من ثلاثمائة تخرج إلا ولو شئت سميت سائقها وناعقها إلى يوم القيامة "(٨٢٨)، وقال حذيفة " والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله (ص) من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا. يبلغ معه ثلاثمائة فصاعدا، إلا قد سماه باسمه واسم أبيه واسم قبيلته "(٨٢٩).
لقد أقام النبي (ص) الحجة عند المقدمة وهو يخبر بالغيب عن ربه، وعندما انطلقت المسيرة بعد وفاة النبي (ص) تحت سقف الامتحان والابتلاء، تخلو المسيرة من الفتن، بدليل أن حذيفة الذي يعرف الفتن وقادتها قال بعد وفاة النبي (ص) بأقل من ثلاثين عاما: إنما كان النفاق على عهد النبي (ص)، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان(٨٣٠)، وقال " إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي (ص)، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون"(٨٣١) وقال " إن كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله (ص) فيصير منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات "(٨٣٢).
والطريق من توضيح النبي للفتن وهي في بطن الغيب إلى ظهور الفتن في عالم المشاهدة، طريق يخضع للبحث. بهدف اتقاء الفتن المهلكة وحصار وقودها في دائرة الذين ظلموا خاصة، وعدم البحث في هذا الطريق. يفتح أبوابا عديدة، منها مشاركة الذين ظلموا إذا رضى عن فعلهم، لأن الراضي بفعل قوم كالداخل فيهم، وفي الحديث يقول النبي (ص) " المرء مع من أحب "(٨٣٣)، وكما أن عدم البحث يلقي بالحاضر على الماضي، فكذلك يلقي به على ما يستقبله من فتن مهلكة، عن حذيفة أنه قال " تعرض الفتن على القلوب، فأي قلب أنكرها نكتت في قلبه نكتة بيضاء، وأي قلب لم ينكرها نكتت في قلبه نكتة سوداء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا. لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسودا مربدا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا. إلا ما أشرب في هواه "(٨٣٤). وما زالت في بطن الغيب أحداث وأحداث، لا ينجو منها العالم إلا بعلمه، وفي بطن الغيب أحداث إذا جاءت لا ينفع نفسا إيمانها يومئذ، لأنها لم تبحث على امتداد الطريق، فأنتج ذلك عدم معرفة الحق على امتداد الطريق، ولما كان الحق عند هذه النفس يخضع لتحديد الأهواء، تسقط النفس في سلة الدجال التي تحتوي على جميع الأهواء، وما يستقبل الناس من آيات كبرى جاء في قوله تعالى: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. قل انتظروا إنا منتظرون)(٨٣٥). فالآية الكريمة بينت أن هناك آيات لا ينفع عند ظهورها إيمان، ومن لم يكن مصلحا يومئذ وأعلن توبته لم تقبل منه توبته، كما أن الله لا يقبل عملا صالحا من صاحبه إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك، ومن هذه الآيات: الدخان. والدابة. وخروج يأجوج ومأجوج. ونزول عيسى بن مريم. وخروج الدجال. وطلوع الشمس من مغربها(٨٣٦).
وبالجملة: أخبر النبي (ص) بالغيب عن ربه جل وعلا، ليأخذ الناس بأسباب الهداية نحو ما يستقبلهم من أحداث ما زالت في بطن الغيب، والأخذ بالأسباب من الوسائل التي يمتحن الله تعالى بها عباده، وإخبار الرسول بالغيب هو في حقيقته دعوة للإيمان بالله، لأنه يأمر بالاستقامة، ويبين أن عدم الاستقامة يؤدي إلى كفران النعمة. ويفتح الطريق أمام الفتن، وكفران النعمة عقوبته سلب نعمة الهداية وعليها يأتي الهلاك، وطريق الفتن يلقي بأتباعه تحت أعلام الدجال، قال النبي (ص) " ما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة أو كبيرة إلا لفتنة الدجال "(٨٣٧).
٣ - (التحذيرات الذهبية)
أولا - التحذير من الاختلاف:
أمر الله تعالى في كتابه الكريم بعدم الاختلاف في الدين في أكثر من آية، منه قوله تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات)(٨٣٨)، وقال رسول الله (ص) " لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا "(٨٣٩) وقال جل شأنه: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)(٨٤٠) وقال النبي (ص) " إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر. كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض "(٨٤١).
وحذر تعالى من عاقبة الاختلاف في الدين في أكثر من آية من كتابه الكريم. منه قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء. إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون)(٨٤٢)، قال المفسرون: أي أن الذين فرقوا دينهم بالاختلافات والانشعابات المذهبية بعد أن جاءهم العلم، ليسوا على طريقتك التي بنيت على وحدة الكلمة ونفي الفرقة، إنما أمرهم في هذا التفريق إلى ربهم فينبئهم يوم القيامة بما كانوا يفعلون. ويكشف لهم حقيقة أعمالهم، والآية عامة. تعم اليهود والنصارى والمختلفين بالمذاهب والبدع من هذه الأمة.
وفي الوقت الذي أمرت فيه الدعوة الإلهية الخاتمة بعدم الاختلاف، أخبر النبي (ص) بالغيب عن ربه العليم المطلق سبحانه، بأن الأمة ستختلف من بعده وسيتبع بعضها سنن اليهود والنصارى، قال (ص) " إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة، فهلك إحدى وسبعون فرقة وخلصت فرقة واحدة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة تهلك إحدى وسبعون وتخلص فرقة، قيل: يا رسول الله من تلك الفرقة؟ قال: الجماعة الجماعة "(٨٤٣)، أما اتباع سنن الأولين ففي قوله تعالى: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم، كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا، فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا، أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون)(٨٤٤)، روى ابن جرير أن رسول الله (ص) قال في هذه الآية " حذركم الله أن تحدثوا في الإسلام حدثا وقد علم أنه سيفعل ذلك أقوام من هذه الأمة، فقال تعالى:
(فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم... الآية). وإنما حسبوا أن لا يقع بهم من الفتنة ما وقع ببني إسرائيل قبلهم، وإن الفتنة عائدة كما بدأت "(٨٤٥)، وروى ابن كثير عن ابن عباس قال: ما أشبه الليلة بالبارحة، " كالذين من قبلكم " هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، والذي نفسي بيده ليتبعنهم حتى لو دخل الرجل جحر ضب لدخلتموه "(٨٤٦)، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص) " لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم " قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟(٨٤٧) وقال المفسرون: إن المنافقين والمنافقات بعضهم من بعض، وإنهم جميعا والكفار ذو طبيعة واحدة في الإعراض عن ذكر الله والإقبال على الاستمتاع. بما أوتوا من أعراض الدنيا من أموال وأولاد، والخوض في آيات الله. ثم في حبط أعمالهم في الدنيا والآخرة والخسران. ومعنى الآيات: أنتم كالذين من قبلكم كانت لهم قوة وأموال وأولاد، بل أشد وأكثر في ذلك منكم، فاستمتعوا بنصيبهم، وقد تفرع على هذه المماثلة أنكم استمتعتم كما استمتعوا وخضتم كما خاضوا. أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون، وأنتم أيضا أمثالهم في الحبط والخسران.
لقد حذرت الدعوة الإلهية عند المقدمة من الاختلاف في الدين، وذكرت أن الاختلاف بعد العلم لا يمكن أن يضع أصحابه على طريقة رسول الله (ص)، لأنها طريقة بنيت على وحدة الكلمة ونفي الفرقة، وحذرت الدعوة الخاتمة من سلوك سبيل الذين أوتوا الكتاب. وبينت برامجهم وأهدافهم، وأخبرت بأنهم يصدون عن سبيل الله. ويعملون من أجل أن تضل الأمة وتتبع طريقتهم في الحياة، ثم أخبر رسول الله (ص) بالغيب عن ربه بما يستقبل الناس، ومنه: أن الأمة ستفترق وسيتبع بعضها طريقة اليهود والنصارى، والتحذير عند المقدمة فيه أن الصراع قائم بين الحق وبين الباطل، وظهور الذين اتبعوا اليهود والنصارى عند نهاية الطريق، لا يعني سقوط المسيرة، وإنما يعني سقوط الغثاء والزبد الذي لا قيمة له، وأعلام هؤلاء يحملها المنافقين والمنافقات كما ظهر في صدر الآية الكريمة.
ثانيا - التحذير من أمراء السوء:
حذرت الدعوة الخاتمة من الميل إلى الذين ظلموا، لأن على أعتابهم يأتي ضعف العقيدة وفقدان القدوة، وبينت أن قيام الذين ظلموا بتوجيه الحياة العقلية والدينية للأمة. ينتج عنه شيوع المشكلات الزائفة التي تشغل الرأي العام، وتجعله داخل دائرة الصفر حيث الجمود والتخلف، وعلى أرضية الجمود تفتح الأبواب لسنن الأولين، ومعها يختل منهج البحث ومنهج التفكير ومنهج الاستدلال، وبهذا يتم التعتيم على نور الفطرة وتغيب الحقيقة تحت أعلام الترقيع والتلجيم التي تلبست بالدين، قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون)(٨٤٨) قال المفسرون: نهى الله تعالى النبي (ص) وأمته عن الركون إلى من اتسم بسمة الظلم. بأن يميلوا إليهم ويعتمدون على ظلمهم في أمر دينهم أو حياتهم الدينية، لأن الاقتراب في أمر الدين أو الحياة الدينية من الذين ظلموا، يخرج الدين أو الحياة الدينية عن الاستقلال في التأثير، ويغيرهما عن الوجهة الخالصة، ولازم ذلك السلوك إلى الحق من طريق الباطل، أو إحياء حق بإحياء باطل، أو إماتة الحق لإحيائه.
والنبي (ص) أخبر بالغيب عن ربه. أن الأمة ستركن إلى هؤلاء، وأمر بأن تأخذ الأمة بالأسباب لأن الله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون، فعن ثوبان قال. قال رسول الله (ص) " إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين "(٨٤٩)، وعن أبي هريرة قال. قال رسول الله (ص) " يهلك أمتي هذا الحي من قريش " قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال " لو أن الناس اعتزلوهم "(٨٥٠)، وعن خباب بن الإرث قال: إنا لقعود على باب رسول الله (ص) " ننتظره أن يخرج لصلاة الظهر، إذ خرج علينا فقال:
إسمعوا. فقلنا: سمعنا، ثم قال: إسمعوا، فقلنا: سمعنا، فقال: إنه سيكون عليكم أمراء فلا تعينوهم على ظلمهم، فمن صدقهم بكذبهم فلن يرد علي الحوض(٨٥١)، وعن حذيفة قال. قال رسول الله (ص): سيكون عليكم أمراء يظلمون ويكذبون. فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم. فليس مني ولست منه ولا يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعينهم فهو مني وأنا منه وسيرد علي الحوض(٨٥٢)، ومن هذه الأحاديث يستنتج أن الأمراء ضد خط أهل البيت، بدليل أنهم لن يردوا على الحوض، وفي الحديث أن أهل البيت مع القرآن ولن ينفصلا حتى يردا على الحوض، ويستنتج أيضا أن أهل البيت لن يكونوا في صدر القافلة وأن هناك أحداث ستؤدي إلى إبعادهم عن مركز الصدارة، بدليل وجود الأئمة المضلين وأمراء الظلم، فلو كان أهل البيت في الصدارة، ما اتخذوا هؤلاء بطانة لهم، لأن أهل البيت مع القرآن والقرآن نهى عن ذلك.
وبالجملة: أخبر النبي (ص) بوجود تيار في بطن الغيب سيعمل ضد سياسة أهل البيت، وإن هذا التيار لن يرد على الحوض، لقوله (ص) " لا يبغضنا أحد ولا يحسدنا أحد إلا ذيد يوم القيامة عن الحوض "(٨٥٣)، وقوله لعلي بن أبي طالب " يا علي. معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة تذود بها المنافقين عن حوضي "(٨٥٤)، وأمر النبي (ص) بمواجهة هذا التيار باعتزالهم وعدم إعانتهم وعدم تصديقهم، وروي عن ابن مسعود. قال.
قال (ص) " إن رحى الإسلام دائرة، وإن الكتاب والسلطان سيفترقان، فدوروا مع الكتاب حيث دار، وستكون عليكم أئمة إن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم، قالوا: فكيف نصنع يا رسول الله؟
قال: كونوا كأصحاب عيسى. نصبوا على الخشب ونشروا بالمناشير، موت في طاعة. خير من حياة في معصية "(٨٥٥) وروي عن معاذ قال: قلت يا رسول الله أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك. ولا يأخذون بأمرك. فما تأمرني في أمرهم؟ فقال: لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل "(٨٥٦).
وروي عن ابن مسعود قال. قال رسول الله (ص) " إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل. كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد. فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم تلى قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى بن مريم) إلى قوله: (فاسقون) ثم قال رسول الله (ص) " كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا (أي لتردنه إلى الحق)، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم "(٨٥٧)، وقال (ص) " مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها.
كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر، فأصاب بعضهم أعلاها.
وأصاب بعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها فإننا ننقبها من أسفلها فنستقي، فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعا، وإن تركوهم غرقوا جميعا "(٨٥٨) كانت هذه بعض تعاليم النبوة لمواجهة الظلم والجور في وقت ما على امتداد المسيرة، أما بعد استفحال الظلم والجور. نتيجة للثقافات التي سهر عليها المنافقون وأهل الكثاب لإيجاد غثاء مهمته النباح تأييدا للجلادين، والتصفيق للزبانية ومصاصي الدماء، يقول النبي (ص) " ما ترون إذا أخرتم إلى زمان. حثالة من الناس. قد مرجت عهودهم ونذورهم فاشتبكوا. وكانوا هكذا، (وشبك بين أصابعه) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: تأخذون ما تعرفون وتدعون ما تنكرون. ويقبل أحدكم على خاصة نفسه. ويذر أمر العامة "(٨٥٩)، وفي رواية: إتق الله عز وجل، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بخاصتك، وإياك وعوامهم(٨٦٠).
وبالجملة: بين النبي (ص) أن صنفا من الناس سيحرص على الإمارة من بعده، قال (ص) " إنكم ستحرصون على الإمارة. وستصير حسرة وندامة يوم القيامة. نعمت المرضعة وبئست الفاطمة "(٨٦١) نعم المرضعة:
لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاد الكلمة وتحصيل اللذات الحسية. وبئست الفاطمة: أي بعد الموت لأن صاحبها يصير إلى المحاسبة. قال (ص) " ليتمن أقوام ولوا هذا الأمر. أنهم خروا من الثريا وأنهم لم يولوا شيئا "(٨٦٢)، وليس معنى هذا أن الإسلام لا يعترف بالقيادة والإمارة. فالإسلام يقوم على النظام وفيه لكل شيء ذروة، والحديث يحذر غير أصحاب الحق من أن ينازعوا الأمر أهله، لأنه في المنازعة ضياع للأمانة. قال رسول الله (ص) " إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة " قالوا: كيف أضاعتها يا رسول الله؟ قال: إذا أسند الأمر إلى غير أهله.
فانتظروا الساعة "(٨٦٣). ويفسر هذا ما روي عن داوود بن أبي صالح. قال؟
أقبل مروان بن الحكم يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على قبر النبي (ص)، فقال: أتدري ما تصنع؟ وأقبل عليه وإذا هو أبو أيوب الأنصاري. فقال:
نعم جئت رسول الله (ص) ولم آت الحجر، سمعت رسول الله (ص) يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله. ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله(٨٦٤).
وبين النبي (ص) للأمة أسباب الهدى على امتداد المسيرة. تحت مظلة الامتحان والابتلاء، بين الأسباب في عصر به الصحابة، وبينها في عصر به التابعين، وبينها في عصور جاءت بعد ذلك. والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون.
ثالثا - التحذير من ذهاب العلم:
إن كل موجود يحظى بالعلم بقدر ما يحظى بالوجود. والله تعالى يرفع الذين آمنوا على غيرهم في العلم، ويرفع الذين أوتوا العلم منهم درجات، بمعنى أن العلم له مكان في دائرة الذين آمنوا، وهذه الدائرة مراتب ولها ذروة، قال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)(٨٦٥)، وذروة الذين أوتوا العلم. مع الذين ارتبطوا بكتاب الله ولا ينفصلوا حتى يردوا على الحوض، ومن دائرة الذروة تخرج المعارف الحقة والعلوم المفيدة، لأن الذين في الذروة هم العامل الذي يحفظ الأخلاق ويحرسها في ثباتها ودوامها، ولأن من عندهم تتدفق العلوم التي تصلح أخلاق الناس، ليكونوا أهلا لتلقي المزيد من المعارف الحقة. التي لا تكون في متناول البشر إلا عندما تصلح أخلاقه.
وكما أن النبي (ص) أمر أمته بأن يمسكوا بحبل الله ليردوا على الحوض، أخبر كذلك بالغيب عن ربه بأن العلم سيرفع، ورفعه هو نتيجة لذهاب أوعيته، عن أبي الدرداء قال: كنا مع النبي (ص). فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: هذا أو أن يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء، فقال زياد بن لبيد: كيف يختلس منا. وقد قرأنا القرآن. فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، قال: ثكلتك أمك يا زياد إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى. فماذا تغني عنهم(٨٦٦)، وفي رواية عن شداد بن أوس قال " وهل تدري ما رفع العلم؟ ذهاب أوعيته "(٨٦٧) وفي رواية عن أبي إمامة قال " وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف، لم يصبحوا يتعلقوا بحرف واحد مما جاءتهم به أنبياؤهم، وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته، وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته، وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته "(٨٦٨)، وقال في تحفة الأحوازي: ومعنى هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى. أي أن القراءة دون علم وتدبر محل نظر. وقال القارئ: أي فكما لم تفدهم قراءتهما مع عدم العمل بما فيهما فكذلك أنتم(٨٦٩).
وعلى امتداد المسيرة ظهر ما كان في بطن الغيب، ظهر الذين يقرؤون القرآن لا يعدوا تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وظهر الذين قرؤا ثم نقروا ثم اختلفوا ثم ضرب بعضهم رقاب بعض، وظهر الذين قرؤا ثم اعتزلوا ثم خرجوا على جيرانهم بالسيوف ورموهم بالشرك. بينما كانوا هم إلى الشرك أقرب، وظهر الذين لا يقرؤن القرآن إلا في حفلات النفاق التي يشرف عليها اليهود والنصارى في كل مكان، وعلى أكتاف هؤلاء وهؤلاء. انطلق البعض في طريق التقدم إلى الخلف. وارتبط مصيرهم بمصير الذين سبقوهم، قال النبي (ص) " إن بني إسرائيل إنما هلكت حين كثرت قراؤهم"(٨٧٠) وأخبر النبي (ص) بأن الذين يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم، نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، كلما نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين، وقال " لا يزالوا يخرجون، حتى يخرج آخرهم مع الدجال "(٨٧١)، وفي رواية " كلما قطع قرن نشأ قرن، حتى يكون مع بيضتهم الدجال "(٨٧٢).
وبالجملة: أقام النبي (ص) الحجة في أول الطريق وانطلقت الحجة مع المسيرة حتى نهاية الطريق، وأمر النبي (ص) أمته أن تأخذ بحبل الله حتى لا يضلوا، وقال: ما من نبي بعثه الله عز وجل في أمة قبلي إلا له من أمته حواريون وأصحاب. يأخذون بسنته ويقتدون بأمره.
ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف. يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن. ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"(٨٧٣)، وقال في الفتح الرباني: الحواريون هم خلصان الأنبياء وأصفيائهم. والخلصان هم الذين نقوا من كل عيب. وقيل: الخلصان هم الذين يصلحون للخلافة بعد الأنبياء(٨٧٤).
لقد دافع الإسلام عن العلم، ولم يقاتل يوما من أجل الكرسي، وأمر الإسلام بالجهاد للإبقاء على الذروة التي تفيض بالعلم الإلهي ذروة كل العلوم وأشرف العلوم، لأن هؤلاء وحدهم هم الذين يحملون النور المحمدي، ذلك النور الذي يعتبر برزخا بين الناس وبين النور الإلهي.
الذي تندك له الجبال.
رابعا - العترة بين التحذير والابتلاء:
إن الله تعالى يمتحن الناس بالناس. قال تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا)(٨٧٥) فدائرة الهدى على امتداد المسيرة البشرية، فتنة لسائر الناس يمتحنون بهم، فيميز بهم أهل الريب من أهل الإيمان، والمتبعون للأهواء من طلاب الحق الصابرين في طاعة الله وسلوك سبيله، وكما أن النبي (ص) أمر أمته بأن يتمسكوا بحبل العترة حتى لا يضلوا، وقال " أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي "(٨٧٦) وقال " إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا. كتاب الله وعترتي أهل بيتي"(٨٧٧)، فإنه أخبر أمته بأنهم سيمتحنون بأهل بيته. قال " إنكم ستبتلون في أهل بيتي من بعدي"(٨٧٨)، وأخبر بالغيب عن ربه بما سيسفر عنه الامتحان، فقال " إن أهل بيتي سيلقون من بعدي من أمتي قتلا وتشريدا "(٨٧٩).
وأخبر النبي (ص) علي بن أبي طالب. بما سيجري له من بعده، وقال له " إن الأمة ستغدر بك بعدي، وأنت تعيش على ملتي، وتقتل على سنتي، من أحبك أحبني، ومن أبغضك أبغضني، وإن هذه (يعني لحيته) ستخضب من هذا (يعني رأسه)(٨٨٠)، وروي أن النبي (ص) قال له:
ألا أحدثك بأشقى الناس، رجلين، أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه (يعني رأسه) حتى تبتل منه هذه (يعني لحيته)(٨٨١).
وأخبر النبي (ص) الحسين بن علي بما سيجري له من بعده، وروى ابن كثير عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: أشهد لقد سمعت عائشة تقول: أنها سمعت رسول الله نهض يقول: يقتل الحسين بأرض بابل(٨٨٢) وروى الحاكم عن ابن عباس قال: ما كنا نشك وأهل البيت متوافرون أن الحسين يقتل بالطف(٨٨٣) وروي أن النبي (ص) قال: إن ابني هذا يقتل بأرض من أرض العراق يقال لها كربلاء. فمن شهد ذلك فلينصره(٨٨٤)، وقال النبي (ص): أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه(٨٨٥).
والخلاصة: إن الله يختبر الناس بالناس، وعلى هذا الاختبار يظهر أهل الريب من أهل الإيمان، قال تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة)(٨٨٦)، وقال سبحانه (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا. أليس الله أعلم بالشاكرين)(٨٨٧)، وقال تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض. ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم)(٨٨٨)، والدعوة الخاتمة بينت الدرجات. وأمر تعالى بمودة قربى النبي (ص). قال تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)(٨٨٩) وبينت الدعوة أن الذين لا يصلون ما أمر الله به أن يوصل، والذين لم يأخذوا بما أمرهم تعالى به من طاعة وبما نهاهم به من نهي، فهؤلاء خاسرون في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون)(٨٩٠)، وقال جل شأنه (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم، أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم)(٨٩١).
وبينت الدعوة الإلهية الخاتمة. أن عدم مودة الذين أمر الله بمودتهم، يفتح الطريق أمام مودة أعداء الفطرة وقد أمروا بعدم مودتهم، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق)(٨٩٢). فالآية تنهي عن مودة المشركين والكفار وتنهي أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء. وتفتح الطريق أمام عبادة الأهواء والأوثان. قال تعالى حاكيا عن إبراهيم قوله لقومه (قال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا)(٨٩٣) قال المفسرون: وبخهم على سوء صنيعهم في عبادة الأوثان. وقال: إنما اتخذتم هذه ليجتمعوا على عبادتها في الدنيا صداقة وألفة منكم بعضكم لبعض في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة ينعكس هذا الحال، فتبقى هذه الصداقة والمودة بغضا وشنآنا، وتتجاحدون ما كان بينكم، ويلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعين الأتباع.
فالطريق يبدأ بأمر الله ونهيه، وعلى امتداد الطريق يمتحن الله الناس ببعض الناس، فمن سلك فيما أمر الله به نجا، ومن لم يؤخذ بوصايا الله ضل، والله تعالى أمر بصلة الأرحام، وذروة الأرحام عترة النبي الخاتم (ص)، قال (ص) " إن الله تعالى جعل ذرية كل نبي في صلبه.
وأن الله تعالى جعل ذريتي في صلب علي بن أي طالب "(٨٩٤)، وقال " أن لكل بني أب عصبة ينتمون إليها إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم "(٨٩٥)، وقال " نحن خير من أبنائنا، وبنونا خير من أبنائهم، وأبناء بنينا خير من أبناء أبنائهم "(٨٩٦)، وهكذا فكما أن للعلم درجات، فللأرحام درجات، وميزان هذه الدرجات هو التقوى والعلم بالله، فمن التف حول الذين أمر الله بمودتهم شرب من الماء، ومن أبى فتحت عليه مودة أخرى يتهوكون فيها تهوك اليهود في الظلم، ويوم القيامة يعض على يديه، قال تعالى: (يوم يعض الظالم على يديه ويقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني. وكان الشيطان للإنسان خذولا، وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا)(٨٩٧).
وعلى امتداد المسيرة الإسلامية. قامت طائفة الحق بالدفاع عن الفطرة، ولم يضرها من عاداها أو من خذلها، وفي عهد الإمام علي.
خرج عليه أصحاب الأهواء، فقاتلهم الإمام على تأويل القرآن، وعنه أنه قال " أمرني رسول الله (ص) بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين "(٨٩٨)، فالناكثين: أهل الجمل، والقاسطين: أهل الشام، والمارقين: الخوارج، وانطلقت مسيرة الإمام رضي الله عنه بأعلام الحمية، وروي أن النبي (ص) قال له " أنت أخي وأبو ولدي، تقاتل في سنتي وتبرئ ذمتي، من مات في عهدي فهو كنز الله، ومن مات في عهدك فقد قضى نحبه، ومن مات يحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والإيمان ما طلعت شمس أو غربت، ومن مات يبغضك مات ميتة جاهلية. وحوسب بما عمل في الإسلام "(٨٩٩)، وقال (ص) " من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات فميتته جاهلية، ومن فاتل تحت راية عمية. يغضب لعصبته ويقاتل لعصبته وينصر عصبته، فقتل فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى لمؤمنها ولا يفي الذي عهدها، فليس مني ولست منه "(٩٠٠).
وتحت هذا الضوء انطلقت الأمة الخاتمة تحت سقف الامتحان والابتلاء، والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون. لاستحقاق الثواب والعقاب يوم القيامة.
ثانيا - [أضواء على المسيرة]
أولا - [أضواء على الساحة بعد وفاة النبي (ص)]
كان الساحة بعد وفاة النبي (ص) بها جميع الأنماط البشرية، بها المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، وبها الذين في قلوبهم مرض أو زيغ، وهؤلاء لا يخلو منهم مجتمع على امتداد المسيرة البشرية.
وكان الذين في قلوبهم مرض يختزنون في ذاكرتهم ببعض ما أخبر به النبي (ص) فيما يستقبل الناس، ومنه تفسيره لقوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده)(٩٠١) وقوله: (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون)(٩٠٢) وقوله تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا)(٩٠٣)، وقول النبي القرشي " يا معشر قريش، ليبعثن الله عليكم رجلا منكم امتحن الله قلبه للإيمان، فيضرب رقابكم على الدين " فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل، وقد كان ألقى نعله إلى علي بن أبي طالب يخصفها "(٩٠٤).
وكان بالساحة أفرادا وقبائل ذمهم أو لعنهم الله تعالى على لسان رسوله (ص) وهو يخبر بالغيب عن ربه لما يعلم الله ما في قلوبهم، ومنه أمره (ص) بجهاد مخزوم وعبد شمس(٩٠٥) وقوله " إن أشد قومنا لنا بغضا بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم(٩٠٦) وفي رواية: بنو أمية وثقيف وبنو حنيفة(٩٠٧) ولعنه للحكم بن أبي العاص(٩٠٨) ولعنه أبو الأعور السلمي(٩٠٩) ولعنه لأحياء: لحيان ورعلا وذكوان وعصية(٩١٠) وكان بالساحة مجموعة تخريبية من اثني عشر رجلا، حاولوا قتل النبي (ص) عند عودته من تبوك.
آخر غزواته، وأسر النبي (ص) بأسمائهم إلى حذيفة، وكان حذيفة وعمار بن ياسر معه (ص) عند محاولة هذه المجموعة اغتياله، وروي أن حذيفة قال: يا رسول الله ألا تبعث إلى كل رجل منهم فتقتله، فقال: أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه "، وقال النبي (ص) لحذيفة " فإن هؤلاء فلانا وفلانا (حتى عدهم) منافقون لا تخبرن أحد "(٩١١)، وعدم إفشاء النبي (ص) بأسمائهم يستنتج منه. أن هذه المجموعة لم تكن من رعاع القوم وإنما من أشد الناس فتكا، وقتلهم يؤدي إلى طرح ثقافة يتناقلها الناس بأن محمدا في آخر أيامه بدأ يقتل أصحابه، ويستنتج منه أيضا أن الله تعالى شاء أن تنطلق المسيرة تحت مظلة الامتحان والابتلاء، بعد أن تبينت طريق الحق وطريق الباطل، وإخفاء أسماء المجموعة التخريبية هو في حقيقته دعوة للالتفاف حول الذين بينهم وأظهرهم رسول الله للناس. وروى الإمام مسلم عن حذيفة أنه قال " أشهد الله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد "(٩١٢)، وروى عن عمار بن ياسر أنه قال " قال رسول الله (ص): إن في أمتي اثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط "(٩١٣)، وكان عمار بن ياسر علامة مميزة في المسيرة لأنه كان يحمل قول النبي (ص) فيه " ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار "(٩١٤).
فالساحة بعد وفاة النبي (ص) كان بها جميع التيارات، وكان بها مجموعة حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ويبدو من قراءة الأحداث أن الساحة كان بها مجموعة من أصحابه أخذت في اعتبارها أن ولاية علي بن أبي طالب قد تؤدي إلى أحداث اعتقدوا أنها يمكن أن تعصف بالدعوة، فاختاروا حلا وسطا ويبتعد به علي بن أبي طالب عن مركز الصدارة، وتظل به الدعوة قائمة، ويشهد بذلك قول أبي بكر رضي الله عنه لرافع بن أبي رافع حين عاتبه على توليه الخلافة " إن رسول الله (ص) قبض والناس حديثو عهد بكفر فخفت أن يرتدوا وأن يختلفوا فدخلت فيها وأنا كاره "(٩١٥) وفي رواية قال " تخوفت أن تكون فتنة يكون بعدها ردة "(٩١٦) ويشهد به أيضا قول عمر بن الخطاب أثناء خلافته " إن بيعة أبي بكر كانت فلتة "(٩١٧)، قال في لسان العرب: يقال كان ذلك الأمر فلتة. أي فجأة إذا لم يكن عن تدبر ولا ترو، والفلتة: الأمر يقع من غير إحكام، وفي حديث عمر. أراد فجأة وكانت كذلك لأنها لم ينتظر بها العوام، وقال ابن الأثير في حديث عمر: والفلتة كل شيء فعل من غير روية، وإنما بودر بها خوف انتشار الأمر(٩١٨).
ويشهد به قول عمر لابن عباس: يا ابن عباس ما منع قومكم منكم؟ قال: لا أدري، قال: لكني أدري يكرهون ولايتكم لهم. يكرهون أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة(٩١٩)، وزاد في رواية: فاختارت قريش لنفسها فأصابت ووفقت(٩٢٠).
وروي أن عمر بن الخطاب عندما اختلف بعض الأنصار مع بعض المهاجرين في سقيفة بني ساعدة، على من الذي يتولى الخلافة ومن يتولى الوزارة، أمر عمر بقتل مرشح الأنصار سعد بن عبادة، وذلك حينما اشتد الخلاف وتشابكوا بالأيدي، روى الطبري: قال ناس من أصحاب سعد: إتقوا سعد ألا تطؤه، فقال عمر: إقتلوه إقتلوه، ثم قام على رأسه فقال: لقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك(٩٢١)، وروى البخاري: قال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله(٩٢٢)، وكتبت النجاة لسعد، وروي أنه قال بعد بيعة أبي بكر " لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي "(٩٢٣)، ولم يبايع سعد حتى خرج في خلافة عمر بن الخطاب إلى الشام، وقتل في الطريق، وروي أن الجن هم الذين قتلوه!
ثانيا - [أضواء على حركة الاجتهاد والرأي]
على امتداد عهد البعثة كان النبي (ص) يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وكان بالساحة من سمع من رسول الله (ص) شيئا ولم يحفظه على وجهه، ويرويه ويعمل به ويقول أنا سمعته من رسول الله، فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه منه، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه، وكان بالساحة من سمع من رسول الله (ص) شيئا يأمر به، ثم نهى عنه وهو لا يعلم. أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه، وكان بالساحة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، لم يكذبوا على الله ولا على رسوله، حفظوا ما سمعوا على وجهه، فلم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه، حفظوا الناسخ فعملوا به، وحفظوا المنسوخ فجنبوا عنه، عرفوا الخاص والعام، والمحكم والمتشابه، فوضعوا كل شيء موضعه، وقد كان يكون من رسول الله (ص) الكلام له وجهين، فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى به الله سبحانه به، ولا ما عنى رسول الله (ص)، فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله، وليس كل أصحاب رسول الله في من كان يسأله يستفهمه، حتى إن كانوا يحبون أن يجيء الأعرابي والطارئ فيسأله عليه الصلاة والسلام حتى يسمعوا، وقال الإمام علي: وكان لا يمر بي من ذلك شيء إلا سألته عنه وحفظته(٩٢٤). ويضاف إلى هذه الأصناف، الذين احترفوا الكذب على رسول الله (ص)، ولقد كذب على رسول الله (ص) على عهده، حتى قام خطيبا فقال " من كذب علي معتمدا. فليتبوأ مقعده من النار ".
ونظر لاتساع الهوة في رواية الحديث بعد إبعاد أهل البيت عن مكانهم في الذروة، اختلف الناس في الفتوى، حتى قال الإمام علي " ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثم ترد القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب آراءهم جميعا، وإلههم واحد ونبيهم واحد وكتابهم واحد، أفأمرهم الله تعالى بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه، أم أنزل سبحانه دينا تاما فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه، والله تعالى يقول (ما فرطنا في الكتاب من شيء)(٩٢٥). وفيه تبيان كل شئ. وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا. وإنه لا اختلاف فيه.
(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)(٩٢٦). إن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق. لا تفنى عجائبه. ولا تنقضي غرائبه. ولا تكشف الظلمات إلا به "(٩٢٧).
ويشهد بعدم معرفة جميع الصحابة بما روي عن رسول الله (ص)، واختلافهم في الفتوى، ما رواه البخاري عن أبي هريرة أنه قال " إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله (ص). يشبع بطنا، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون "(٩٢٨)، وروى البخاري أن عمر بن الخطاب لم يكن يعلم حكم الاستئذان، وذلك عندما استأذنه أبو موسى، وعندما لم يؤذن له رجع، فقال له عمر: ما منعك؟ قال: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال النبي (ص): إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع، فقال عمر: والله لتقيمن عليه بينة، فانطلق أبو موسى إلى مجلس من الأنصار، وقال: أمنكم أحد سمعه من رسول الله (ص)؟ فقال أبي بن كعب: لا يقوم معك إلا أصغر القوم. وفي رواية: لا يشهد إلا أصاغرنا(٩٢٩). قال أبو سعيد الخدري. وكنت أصغر القوم. فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي (ص) قال ذلك(٩٣٠)، وفي رواية: قال عمر: خفي علي هذا من أمر رسول الله (ص). ألهاني الصفق بالأسواق "(٩٣١).
ويشهد بأنهم لم يكونوا على علم بجميع ما روي عن رسول الله، ما روي في حديث صحيح، عن سالم بن عبد الله عن أبيه " أن أبا بكر وعمر وناس، جلسوا بعد وفاة النبي (ص)، فذكروا أعظم الكبائر فلم يكن عندهم فيها علم، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو أسأله، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم فأنكروا ذلك. ووثبوا إليه شيعا حتى أتوه في داره، فأخبرهم بحديث رسول الله... "(٩٣٢).
ويشهد باختلافهم في الفتوى، أن عمر بن الخطاب لم يكن يعلم حكم دية الأصابع. فكان يقضي بتفاوت ديتها على حسب اختلاف منافعها، حتى وجد كتابا عند آل عمرو بن حزم، يذكر فيه سنة النبي في في ذلك(٩٣٣)، ولم يعلم عمر حكم الجنين إذا أسقط قبل ولادته، حتى جاء المغيرة بقضاء رسول الله (ص) في ذلك(٩٣٤)، واختلفوا في ميراث الجدة(٩٣٥).
وبالجملة: اجتهد الصحابة تحت سقف الامتحان والابتلاء، وكان الاجتهاد قابلا للخطأ وللصواب، فعن موسى بن إبراهيم قال " إن أبا بكر حين استخلف، قعد في بيته حزينا، فدخل عليه عمر بن الخطاب، فأقبل أبو بكر عليه يلومه. وقال: أنت كلفتني هذا الأمر. وشكا إليه الحكم بين الناس، فقال عمر: أو ما علمت أن رسول الله (ص). قال " إن الوالي إذا اجتهد فأصاب الحق فله أجران. وإن اجتهد فأخطأ فله أجرا واحدا،. فكأنه سهل على أبي بكر "(٩٣٦).
ثالثا - [المقدمات العمرية والنتائج الأموية]
أولا - (الأمر برواية الحديث)
أمرت الدعوة الإلهية الخاتمة بتدوين ما بين الناس حفظا للحقوق، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)، إلى قوله تعالى: (ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا)(٩٣٧)، قال الخطيب البغدادي: أدب الله تعالى عباده. بقيد ما بينهم من معاملات في بداية التعامل حفظا للدين وإشفاقا من دخول الريب فيه، فلما أمر الله تعالى بكتابة الدين حفظا له، كان العلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدين. أحرى أن تباح كتابته خوفا من دخول الريب والشك فيه(٩٣٨)، والكتابة أوكد الحجج، ببطلان ما يدعيه أهل الريب والضلال، فالمشركين لما ادعوا بهتانا اتخاذ الله سبحانه بنات من الملائكة، أمر الله تعالى رسوله أن يقول لهم (فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين)(٩٣٩).
والنبي (ص) أمر بكتابة العلم وقال " قيدوا العلم بالكتاب"(٩٤٠) وعن رافع قال " خرج علينا رسول الله (ص) فقال: تحدثوا. وليتبوأ من كذب علي مقعده من النار، قلت: يا رسول الله إنا لنسمع منك أشياء فنكتبها؟
قال: إكتبوا ولا حرج "(٩٤١)، وعن أبي هريرة قال: ليس أحد من أصحاب النبي (ص) أكثر مني حديثا عن رسول الله إلا ابن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب "(٩٤٢).
وروي أن النبي (ص) قال " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه "(٩٤٣)، وكان يقول " نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه"(٩٤٤)، وقال " تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم "(٩٤٥).
ولقد وقف البعض من قريش في طريق الرواية والكتابة، ومن المحفوظ أن الله تعالى لعن على لسان رسوله (ص) بعض الأفراد والقبائل، وأن الرسول ذكر أسماء رؤوس الفتن وهو يخبر بالغيب عن ربه، حتى أن حذيفة قال " والله ما ترك رسول (ص) من قائد فتنة. إلى أن تنقضي الدنيا بلغ معه ثلثمائة فصاعدا، إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته "(٩٤٦) ويشهد بصد قريش عن الرواية، ما روي عن عبد الله بن عمرو قال: قلت يا رسول الله أقيد العلم؟ قال: نعم، قلت؟ وما تقييده؟ قال:
الكتابة(٩٤٧)، وروي عنه أنه قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله (ص) أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله (ص)، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله (ص)، فقال: أكتب والذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق - وأشار إلى فيه(٩٤٨)، وما حدث مع عبد الله، حدث مع ابن شعيب، فعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال " قلت يا رسول الله - أكتب كل ما أسمع منك؟ قال: نعم قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقا(٩٤٩).
وبينما كان النبي (ص) يحث على الرواية والكتابة على امتداد عهد البعثة، كان يخبر بالغيب عن ربه بأنه يوشك أن يكذبه أحدهم، وأن الرواية سيتم تعطيلها إلى أن يشاء الله، فعن معد يكرب قال " قال رسول الله (ص)، يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته.
يحدث بحديث من حديثي فيقول. بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله "(٩٥٠). وقال (ص) لأصحابه " لألفين أحدهم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري بما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه "(٩٥١)، وقوله يوشك إشارة إلى أن الأمر قريب، وقوله متكئ على أريكته، المتكئ. كل من استوى قاعدا على وطاء متمكنا.
(إجتهادات الصحابة في رواية الحديث وتدوينه):
إجتهد أبو بكر رضي الله عنه في رواية الحديث وتدوينه، روى الحافظ عماد الدين بن كثير عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: جمع أبي الحديث عن رسول الله (ص)، فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيرا، فغمتني، فقلت: تتقلب بشكوى أو بشئ بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك، فجئت لها، فدعا بنار فأحرقها، وقال: خشيت أن أموت وهي عندك. فيكون فيها أحاديث عن رجل إئتمنه ووثقت به ولم يكن كما حدثني، فأكون قد تقلدت ذلك "(٩٥٢)، وذكر الذهبي في تذكرته. عن أبي بكر أنه قال " إنكم تحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا، بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه "(٩٥٣).
وروي أن عمر بن الخطاب في خلافته قال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم، كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبدا "(٩٥٤) وروي عن مالك أن عمر قال " لا كتاب مع كتاب الله "(٩٥٥)، وعن يحمى بن جعدة قال: أراد عمر أن يكتب السنة ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: من كان عنده شيء من ذلك فليمحه "(٩٥٦)، وعن القاسم بن محمد أن عمر قال: لا يبقى أحد عنده كتاب إلا آتاني به فأرى فيه رأيي، فظن الناس أنه يريد أن ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار(٩٥٧).
وعن سعد بن إبراهيم عن أبيه. أن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود ولأبي ذر ولأبي الدرداء، ما هذا الحديث عن رسول الله (ص)، وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب(٩٥٨)، وعن السائب بن يزيد قال:
سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله (ص). أو لألحقنك بأرض دوس(٩٥٩)، وعن الزهري عن أبي سلمة قال:
سمعت أبو هريرة يقول: ما كنا نستطيع أن نقول. قال رسول الله (ص).
حتى قبض عمر بن الخطاب(٩٦٠).
وبعد عمر بن الخطاب بدأ بعض الصحابة يروون بعض ما عندهم، فأخذ عثمان بن عفان بسنة عمر في عدم الرواية، فعن محمود بن لبيب قال: سمعت عثمان بن عفان يقول، لا يحل لأحد يروي حديثا لم يسمع في عهد أبي بكر ولا عهد عمر "(٩٦١)، ثم أخذ معاوية بن أبي سفيان بهذه السنة، فقال " أيها الناس، أقلوا الرواية عن رسول الله (ص)، وإن كنتم تتحدثون فتحدثوا بما كان يتحدث به في عهد عمر "(٩٦٢).
وعندما جاء عهد الإمام علي بن أبي طالب، لم يكن السواد الأعظم من الأمة يعرفون عنه إلا القليل، وذلك لأن عهده جاء بعد وفاة النبي في بربع قرن تقريبا، عتم فيها عدم الرواية على منزلته ومناقبه، وفي عهد علي بن أبي طالب بدأ الصحابة يروون الأحاديث عن رسول الله (ص)، وكان علي يقول " خرج علينا رسول الله (ص) فقال: اللهم إرحم خلفائي، اللهم إرحم خلفائي، اللهم إرحم خلفائي، قالوا: يا رسول الله ومن خلفائك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون أحاديثي ويعلمونها للناس "(٩٦٣)، وعن الحسن بن علي قال " قال رسول الله (ص)، رحمة الله على خلفائي، قالوا: ومن خلفاؤك يا رسول الله يا رسول الله؟ قال:
الذين يحيون سنتي ويعلمونها للناس "(٩٦٤)، وعن سعيد بن المسيب قال " ما كان أحد من الناس يقول سلوني، غير علي بن أبي طالب "(٩٦٥)، وكان علي يحض الناس على السؤال ويقول " ألا رجل يسأل فينتفع. وينتفع جلساءه"(٩٦٦)، وكان يقول " تزاوروا وتدارسوا الحديث، ولا تتركوه يدرس (أي تعهدوه لئلا تنسوه)(٩٦٧) وقال " تعلموا العلم. فإذا علمتموه فاكظموا عليه ولا تخالطوه بضحك وباطل فتمحه القلوب "(٩٦٨).
وبالجملة: بينت الدعوة الإلهية الخاتمة، أن الحديث عن النبي الخاتم (ص)، لا غنى للمسيرة عنه، لأنه مكمل للتشريع ومبين لمجملات القرآن، ومخصص لعموماته ومطلقاته، كما أن الحديث تكفل بكثير من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والتربوية، وأخبر فيه النبي (ص) بالغيب عن ربه جل وعلا، فبين للناس ما يستقبلهم من أحداث ليأخذوا بأسباب النجاة من مضلات الفتن، وبعد رحيل النبي الخاتم (ص) أجتهد بعض الصحابة في أمر الرواية والتدوين، ولقد تواترت الأخبار في منع عمر بن الخطاب الصحابة وهم الثقات العدول، وردعهم عن رواية العلم وتدوينه، وفي هذا يقول ابن كثير: هذا معروف عن عمر(٩٦٩)، ثم سار على سنة عمر خلفاء وملوك بني أمية، ولم ترو الأحاديث الجامعة للعلم والمبينة للناس ما يستقبلهم من أحداث، إلا في عهد الإمام علي بن أبي طالب(٩٧٠).
(من آثار عدم الرواية والتدوين):
كانت أهم آثار عدم الرواية، ظهور القص في المساجد، ومن خلال القص دخلت الأحاديث الإسرائيلية، ورفع القص من شأنه أفراد وقبائل ذمهم الله على لسان رسوله، وفي نفس الوقت عتم القص على أفراد أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وفي عهد الإمام علي عندما أظهر الإمام أحاديث رسول الله، قابله أهل الشام وغيرهم بأحاديث يجري القص في عروقها، وترتب على ذلك اختلاط الأمور على السواد الأعظم من الأمة ولم يكونوا من الصحابة حتى يميزوا بين الصالح وبين الطالح، وجرت المعارك، ثم إختلفت الأمة وتفرقت. وكل فرقة كان في حوزتها أحاديث تتفق مع أهواء شيوخهم.
١ - أضواء على القص:
قال رسول الله (ص) " إن بني إسرائيل لما هلكوا قصوا "(٩٧١). وقال " سيكون بعدي قصاص لا ينظر الله إليهم "(٩٧٢)، وأول من أمر بالقص، عمر بن الخطاب، روى الإمام أحمد عن السائب بن يزيد قال: " إنه لم يكن يقص على عهد رسول الله (ص) ولا أبي بكر. كان أول من قص تميم الداري. إستأذن عمر أن يقص على الناس قائما فأذن له "(٩٧٣).
واستلم بني أمية أعلام القص بعد ذلك، روي أن عبد الملك بن مروان قال: إنا جمعنا الناس على أمرين. رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر "(٩٧٤)، ولبس القص الزي الديني في عهد بني أمية، وذلك أن النبي (ص) كان يبدأ بالصلاة في العيدين ثم يخطب بعد ذلك، ففعل بني أمية العكس. وبدؤوا بالخطبة لينشروا بذلك مذهبهم السياسي بين الناس، روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري.
أن رسول الله (ص). كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر. فيبدأ بالصلاة.
فإذا صلى صلاته وسلم. قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم. فإن كان له حاجة ببعث ذكره للناس. أو كانت له حاجة بغير ذلك أمرهم بها(٩٧٥).
أما التغيير ففي ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري " أن مروان خطب قبل الصلاة. فقال له أبو سعيد: غيرتم والله. قال مروان: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقال: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، قال مروان: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة " وقد اختلف في أول من سن هذه السنة، قال في تحفة الأحوازي: اختلف في أول من غير ذلك، فرواية الإمام مسلم صريحة في أن مروان أول من بدأ الخطبة قبل الصلاة، وقيل. سبقه إلى ذلك عثمان بن عفان، روى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، وروى أن مروان فعل ذلك تبعا لمعاوية، ومعاوية عندما قدم المدينة قدم الخطبة(٩٧٦)..
وكان الإمام علي يتصدى للقصاصين وينهاهم عن القص، فعن أبي البحتري قال: دخل علي بن أبي طالب المسجد، فإذا رجل يخوف، فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يذكر الناس، فقال: ليس برجل يذكر الناس. ولكنه يقول أنا فلان بن فلان. اعرفوني، فأرسل إليه فقال:
أتعرف الناسخ من المنسوخ، قال: لا، فقال: أخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه(٩٧٧).
وبالجملة: قال في الفتح الرباني: القص هو إخبار الناس بقص الماضين، وعمل ذلك مذموم شرعا، لأنه يصرف الناس عن الاشتغال بالعلوم الدينية، ولم يعهد ذلك في عصر النبي (ص). وقال ابن حبان. قال أبو حاتم: كان القصاصون يضعون الحديث في قصصهم، وكانوا إذا دخلوا بمساجد الجماعات ومحافل القبائل من العوام والرعاع أكثر جسارة على وضع الحديث(٩٧٨)، كما وضعوا أحاديث تنافي عصمة الأنبياء. فجعلتهم يخطؤن، ونسبوا إلى النبي (ص) أنه كان يسب ويلعن ويجلد بغير سبب، ونسبوا إليه أنه كان يسهو في الصلاة وأنه كان ينسى آيات القرآن الكريم، وأرادوا من وراء تجريد النبي من العصمة أن يبرروا أخطاء الأمراء الذين جلدوا الشعوب وضيعوا الصلاة، وأن يعطوا للذين لعنهم الله على لسان رسوله (ص). جواز المرور لتولي المراكز القيادية.
ووضع القصاصون أحاديث تحمل بصمة أهل الكتاب، والصق بالتفسير روايات وقصص لا يتصورها عقل ولا يجوز أن يفسر بها كتاب الله، ووضعوا في هذه الأحاديث. أن الله يشغل حيزا من المكان، ويضحك وينتقل من مكان إلى آخر، وأنه يتألف من أعضاء، وهو عبارة عن هيكل مادي، وعين ويد وأصابع وساق وقدم.
وبالجملة: كان القص وراء تغييب العقل ووطئه بالأقدام، وتحت سقفه إختل منهج البحث ومنهج التفكير ومنهج الاستدلال، وعلى موائده لا تظهر القراءة النقدية المتفحصة التقيمية إلا بعد عناء شديد، وكان القص وراء إهمال الواجبات والتسامح في المحرمات والتهاون بالسنن والمستحبات، وكان البذرة الأولى لظهور المبادئ والمنظمات الباطلة التي وضعت القوانين على طبق أهوائهم وآرائهم، وعلى هذه المبادئ انقسمت الأمة إلى قوافل. وكل قافلة تتولى حزبا وتحبه. لأنها تميل إلى قوانينه وتحب القائمين عليه، وعلى رؤوس الجميع الحجة قائمة. والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون.
٢ - الخفوت والظهور:
وكان من آثار عدم الرواية. التعتيم على أهل البيت، وذلك لأن الأمر بحرق الكتب. أطاح بالعديد من الأحاديث التي تبين منزلة أهل البيت ومناقبهم، ويشهد ذلك ما رواه الخطيب البغدادي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: جاء علقمة بكتاب من مكة أو اليمن.
صحيفة فيها أحاديث في أهل بيت النبي (ص)، فاستأذنا على عبد الله، فدخلنا عليه فدفعنا إليه الصحيفة، فدعا الجارية ثم دعا بطست فيها ماء، فقلنا له: يا أبا عبد الرحمن انظر فيها. فإن فيها أحاديث حسانا، فجعل يميثها في الماء، ويقول (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن. ولا تشغلوها بما سواه(٩٧٩).
ويشهد بذلك أن عليا عندما تولى الخلافة لم يكن السواد الأعظم يعلم عن منزلته ومناقبه شيئا، حتى أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع النبي (ص) يقول " من كنت مولاه فعلي مولاه " أن يقوم. وكان قد جمعهم في الرحبة. ولم يعرف العوام مناقبه إلا من خلال ما رواه الصحابة بعد ذلك وكان العديد من الصحابة يتحدثون في مجالسهم الخاصة عن مناقبه، ولكن هذا الحديث لم يكن يخرج إلى الساحات العامة، وفي مقابل هذا التعتيم، كان لعدم الرواية الأثر الكبير في ظهور الذين حذر منهم النبي (ص) وهو يخبر بالغيب عن ربه، ويشهد بذلك ما روي عن حذيفة أنه قال: " والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله (ص) من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا بلغ من معه ثلثمائة فصاعدا، إلا وقد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته "(٩٨٠) ومعنى " أم تناسوا " أي أظهروا النسيان لمصلحة، ومعنى " باسمه واسم أبيه " يعني وصفا واضحا مفصلا لا مبهما، مجملا فالاستقصاء متصل.
وروي عن حذيفة أنه قال: إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي (ص)، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون(٩٨١)، وقال: إنما كان النفاق على عهد النبي (ص)، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان(٩٨٢)، وحذيفة مات بعد مقتل عثمان بأقل من شهر، وكان مريضا، وعندما علم بأن الناس بايعوا علي بن أبي طالب، بايع وهو على فراش المرض، وحث الناس على الالتفاف حول علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر، وأمر ولداه بالقتال مع علي، فقاتلا تحت أعلام الإمام علي، حتى قتلا(٩٨٣).
وبعد ظهور النفاق في ظل سياسة اللارواية، خاف الصحابة فلم يحدثوا بالأحاديث الكاشفة، ويشهد بذلك، ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: حفظت من رسول الله (ص) وعاءين. فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم(٩٨٤)، وعنه أنه قال: قال رسول الله (ص) " هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش " إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان(٩٨٥) وعنه أنه قال: إني لأحدث أحاديث. لو تكلمت بها في زمان عمر، أو عند عمر، لشج رأسي(٩٨٦).
ويشهد به أيضا، ما روي عن بجالة قال. قلت لعمران بن حصين:
حدثني عن أبغض الناس إلى رسول الله (ص)، فقال: تكتم علي حتى أموت؟ قلت: نعم، قال: بنو أمية وثقيف وبنو حنيفة(٩٨٧). ومن الثابت والمعروف أن بني أمية شقوا طريقهم نحو السلطة بعد وفاة النبي (ص).
بتأمير أبي بكر رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان على الشام(٩٨٨). وبعد وفاة يزيد. قام عمر بتأمير معاوية(٩٨٩). وروي أن عمر كان يقول للناس:
أتذكرون كسرى وعندكم معاوية(٩٩٠)، وقال لهم عندما ذكروا معاوية: دعوا فتى قريش وابن سيدها. إنه لمن يضحك في الغضب. ولا ينال منه إلا على الرضا "(٩٩١).
وأحاديث النبي (ص) التي يحذر فيها من بني أمية، أحاديث كثيرة، منها: ما روي عن أبي ذر أنه قال. قال رسول الله (ص) " إذا بلغ بنو أمية أربعين رجلا، اتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا "(٩٩٢). ومعنى (مال الله دولا) أي يكون لقوم دون قوم (وعباد الله خولا) أي خدما وعبيدا (ودين الله دغلا) أي يدخلوا في الدين أمور لم ترد بها السنة.
والحديث روي عن أبي سعيد الخدري وابن عباس وأبي ذر، ورواه الإمام أحمد والحاكم وأبو يعلى والطبراني والبيهقي، وروي بلفظ " إذا بلغ بنو أبي العاص " وبلفظ " إذا بلغ بنو فلان "، وقال الحاكم بعد روايته للحديث: ليعلم طالب العلم، أن هذا باب لم أذكر فيه ثلث ما روي، وأن أول الفتن في هذه الأمة فتنتهم، ولم يسعني فيما بيني وبين الله تعالى. أن أخلي الكتاب من ذكرهم(٩٩٣).
والخلاصة: كان لسياسة اللارواية والتدوين آثار جانبية، منها: اكتفاء الناس بتلاوة القرآن دون الوقوف على معانيه وأهدافه، وأدى ذلك إلى ظهور الذين يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وفي عهد الإمام علي ظهرت حقيقتهم أمام الناس، وحاربهم الإمام في موقعة النهروان، وما زالت بقيتهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء لأن منهجهم وثقافتهم لن تموت حتى يخرج الدجال، ومنها: ظهور الذين لعنهم الله على لسان نبيه بعد أن ضاع التحذير منهم في عالم اللارواية، ومنها التعتيم على الهداة. واقتصر ذكرهم في المجالس الخاصة، ومنها ظهور القص وعلى مائدته صنعت مناقب وتواريخ لقوافل لا تحمل من العلم إلا قشوره، وعلى القص ظهرت ثقافات التحمت مع ثقافة أهل الكتاب، وتشهد بذلك عقيدة الجبرية يقول الشيخ محمد أبو زهرة: أول من دعا إلى هذه النحلة من المسلمين " الجعد بن درهم "، وقد تلقى ذلك عن يهودي بالشام، لأن اليهود أول من فعل ذلك وعلموه بعض المسلمين وهؤلاء أخذوا ينشرونه(٩٩٤)، ولقد استغل بنو أمية هذه العقيدة في إخضاع المسلمين، بحجة أن قيادتهم مفروضة عليهم بقضاء الله وقدره، وأن أي تمرد عليهم هو تمرد على قضاء الله، ولقد قامت هذه العقيدة على أحاديث وضعها القصاص، كان الهدف من ورائها تزييف النشاط الإنساني منذ بدء الخلق إلى قيام الساعة والتطوع بالوحي كله، وتحت أعلام عقيدة الجبر انطلقت جحافل بني أمية إلى ديار المسلمين، بعد أن مهد القص والأحاديث الموضوعة طريقهم نحو اتخاذ دين الله دغلا، ليتخذوا مال الله دولا وعباد الله خولا، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، من أمثال حجر بن عدي والحسين بن علي وغيرهما.
ولم تكن عقيدة المرجئة بعيدة عن نسيج القصاص. لأن الأحاديث الموضوعة هي التي غذتها، وعلى ذروة عقيدة المرجئة يجلس يوحنا الدمشقي، وهو آخر كبار علماء النصرانية على مذهب الكنيسة الإغريقية، وكان أبوه صاحب عبد الملك بن مروان، وصنف يوحنا كتاب في فضائل النصرانية على منهج محادثة بين مسلم ونصراني(٩٩٥) وقال الشيخ أبو زهرة " كان يوحنا يبث بين علماء النصارى في البلاد الإسلامية طرق المناظرات التي تشكك المسلمين في دينهم، وظهرت آراء يوحنا بالشام "، بعد أن وجدت لها حصنا صنعه القص والأحاديث الموضوعة، ومن خلال هذا الالتقاء. تطرق البحث حول مرتكب الكبيرة، هل هو مؤمن أم غير مؤمن؟ وهل يضر مع الإيمان ذنب؟ وعلى مائدة البحث خرجت العقيدة التي تعتذر عن بني أمية فيما ارتكبوه من جرائم، بمعنى: لقد ضربوا بعقيدة الجبرية. واعتذروا بعقيدة المرجئة، التي تقول بأنه لا ينبغي المفاضلة بين المسلمين ولا الحكم على أحد بتقوى وغير تقوى، فالمسلم يكفي أن يكون مسلما، وبهذه العقيدة تم الافتراء على الله ورسوله بتغيير الأحكام الشرعية. وإظهار البدع والباطل، وقولهم أن الأمة مرحومة والله رفع العذاب عنها، وإنهم في أمن من عذاب الله وإن انهمكوا في كل إثم وخطيئة وهتكوا كل حجاب، والأمة مغفور لها محسنهم ومسيئهم. وإن لهم الكرامة في الدنيا. ولهم أن يفعلوا ما شاؤا بعد أن استظلوا بمظلة حجاب الأمن. ولهم في الآخرة مغفرة توجب فتح أبواب الجنة أمامهم. وبعقيدة المرجئة اشتد الساعد بعد أن ارتدى قفازا من حرير في الوقت الذي يحتفظ فيه بقبضته الحديدية. وملئت الأرض ظلما وجورا.
ثانيا - (الأمر النبوي في الأموال):
قال النبي (ص) " إن لكل أمة فتنة. وفتنة أمتي المال "(٩٩٦)، ولما كان فتنة الأمة في المال، بينت الشريعة الخاتمة موضع الرحاب الآمن، وشاء الله أن يكون الأمن في فعل الرسول، بمعنى أن النجاة لن تكون في منع الرواية عن الرسول، لأن الله تعالى بين موضع كل مال. وقسمه بين عباده تقسيما حقا بوضع قوانين عادلة تعدل الملك تعديلا حقا يقطع منابت الفساد، وهذه القسمة وهذه القوانين نفذها النبي (ص) وهو يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وفي الوقت الذي كان النبي (ص) يقيم الحجة. كان يخبر بالغيب عن ربه ويقول " إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من قبلكم وهما مهلكاكم "(٩٩٧)، وأمر النبي (ص) بأوامر تدفع هذا الهلاك، ومنها التقدم بالصدقة، لأن من خاصتها أنها تنمي المال. لأنها تنشر الرحمة وتورث المحبة. وتآلف القلوب وتبسط الأمن. وتصرف القلوب عن أن تهم بالغضب والاختلاس والفساد والسرقة. وتدعو إلى الاتحاد والمساعدة والمعونة. وبذلك يفسد أغلب طرق الفساد، وحذر عليه الصلاة والسلام من التعامل بالربا، لأن الربا من خاصته أنه يمحور المال ويفنيه تدريجيا، من حيث أنه ينشر القسوة والخسارة ويورث البغض والعداوة وسوء الظن، ويفسد الأمن والحفظ. ويهيج النفوس على الانتقام بأي وسيلة أمكنت، ويدعو إلى التفرق والاختلاف، وبذلك يفتح أغلب طرق الفساد وأبواب الزوال على المال.
ولأن المجتمع في نظر الشريعة ذو شخصية واحدة، له كل المال الذي أقام به صلبه وجعله له معاشا، فإن الشريعة الزمت المجتمع بأن يدير المال ويصلحه ويعرضه معرض النماء، ويرتزق به ارتزاقا معتدلا مقتصدا. ويحفظه من الضيعة والفساد، ومن مجملات القرآن التي تتعلق بالأموال وبينها رسول الله (ص) ليستقيم حال المجتمع، قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال. قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين)(٩٩٨)، والمعنى:
يسألك أصحابك يا محمد عن هذه الغنائم التي غنمتها. فقل: هي لله والرسول. يحكم فيها الله بحكمه ويقسمها الرسول. وروي أن النبي (ص) قال " إنما أنا قاسم وخازن. والله يعطي "(٩٩٩)، وقال " ما أعطيكم ولا أمنعكم أنا قاسم أضع حيث أمرت "(١٠٠٠)، وبين النبي (ص) حكم الله في الغنيمة، وقال تعالى: (واعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله...)(١٠٠١)، وبين الرسول حكم الخمس وحكم الأربعة أخماس، وعلموا حق الذين حرمت عليهم الصدقة من ذي القربى، وحق الجنود.
وقال تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب وفي سبيل الله. فريضة من الله والله عليم حكيم)(١٠٠٢)، قال المفسرون: بين الله تعالى أنه هو الذي قسم الصدقات وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمتها إلى أحد غيره، فقوله " فريضة من الله " إشارة إلى أن تقسيمها إلى الأصناف الثمانية أمر مفروض منه تعالى، وإشارة إلى أن الزكاة فريضة واجبة، وقوله تعالى:
(والله عليم حكيم) إشارة إلى أن فريضة الزكاة مشرعة على العلم والحكمة، لا تقبل تغيير المغير.
وروى أبو داوود عن زياد بن الحارث قال " أتيت النبي (ص) فبايعته. فأتاه رجل. فقال: اعطني من الصدقة، فقال له النبي (ص): إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها. فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك ".
وأقامت الشريعة الخاتمة الحجة على المسيرة، فأخبر النبي الخاتم (ص). إن فتنة أمته في المال، وبين كيف تدخل الأمة في حجاب الأمن. وفي الوقت الذي بين فيه النبي (ص) حكم الغنيمة أخبر بالغيب عن ربه، بأن فتنة المال ستصيب البعض، وقال " كأني براكب قد أتاكم فنزل. فقال. الأرض أرضنا والفيئ فيئنا وإنما أنتم عبيدنا. فحال بين الأرامل واليتامى وما أفاء الله عليهم "(١٠٠٣)، أخبر النبي بهذا حتى يأخذوا بالأسباب وهم تحت سقف الامتحان والابتلاء. لأن الله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون.
(اجتهاد الصحابة في الأموال)
ذكرنا أن الساحة بعد رسول الله كان بها صحابة سمعوا من النبي شيئا ولم يحفظوه على وجهه. وكان بها من سمع منه شيئا يأمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم. فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، وأدى هذا في نهاية المطاف إلى تضارب القرارات ثم ضياع مال الله في عهد بني أمية. بعد أن بسطوا أيديهم على بيوت المال، وبالجملة نقدم هنا الأحاديث التي تشهد بالمقدمات الأولى.
روى البخاري ومسلم. عن عائشة أن فاطمة بنت رسول الله (ص).
سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله (ص) أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله (ص)، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله (ص) قال: لا نورث ما تركناه صدقة، فغضبت فاطمة فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرة له حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله (ص) ستة أشهر، فكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله (ص) من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر ذلك.. "(١٠٠٤).
وروى الإمام أحمد " لما قبض رسول الله (ص) أرسلت فاطمة إلى أبي بكر: فقال: أأنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أهله؟ فقال:
بل أهله. قالت: فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. إني سمعت رسول الله (ص) يقول: إن الله عز وجل إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده، فرأيت أن أرده على المسلمين "(١٠٠٥).
ولقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن أبا بكر أبى أن يعطي فاطمة رضي الله عنها ما ترك رسول الله (ص) من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، وذلك لما عنده من حديث لم يرويه غيره. وفي عهد عمر روى البخاري ومسلم. أن صدقة رسول الله (ص) بالمدينة. دفعها عمر إلى علي بن أبي طالب والعباس. وأمسك خيبر وفدك(١٠٠٦)، وذلك أيضا لما عنده من حديث، وروي أن أهل البيت ردوا إلى عمر ما دفعه إليهم لأنهم وجدوه دون حقهم الذي بينه رسول الله لهم، فعن يزيد بن هرمز. أن نجدة الحروري أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى. ويقول لمن تراه؟ فقال ابن عباس: لقربى رسول الله (ص)، قسمه لهم رسول الله (ص)، وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا فرددناه عليه، وأبينا أن نقبله "(١٠٠٧).
وكان لقرار منع ميراث الرسول وصدقته آثار جانبية منها:
التعتيم على أهل البيت، لأن خروجهم من تحت سقف ما كتبه الله لهم وهم الذين حرمت عليهم الصدقة، يجعلهم كغيرهم من الناس، ولم يفعل النبي (ص) هذا في حياته. وإنما كان يضع الناس في مواضعهم التي حددها الله تعالى، فعن جبير بن مطعم قال " مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله (ص). فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد "(١٠٠٨) وفي رواية " إنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام. وإنما نحن وهم شيء واحد. وشبك بين أصابعه "(١٠٠٩).
أما فيما يختص بحقوق الجنود. فقد بينه النبي (ص) حين سئل:
ما تقول في الغنيمة؟ قال: لله خمس. وأربعة أخماس للجيش "(١٠١٠). لكن عمر بن الخطاب اجتهد في هذا، وأمر بوضع جميع الغنائم في بيت المال ثم قام بتقسيم هذه الغنائم وفقا لما يراه، ودون على ذلك الدواوين، وعدم قسمة عمر للغنائم يشهد به ما روي عن إبراهيم إنه قال: لما افتتح المسلمون السواد قالوا لعمر: إقسمها بيننا فإنا فتحنا، فأبى عمر وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين "(١٠١١) وقال عمر " لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها سهمانا كما قسم رسول الله خيبر سهمانا، ولكني أردت أن يكون جزية تجري على المسلمين، وكرهت أن يترك آخر المسلمين لا شيء لهم "(١٠١٢) وفي رواية قال: ولكني أتركها خزانة لهم(١٠١٣).
ويشهد التاريخ أن هذه الخزانة أضرت أكثر مما نفعت، فبعد أن بسطت بنو أمية أيديهم على بيوت المال التي تركها عمر بن الخطاب، اتخذوا دين الله دغلا، ومال الله دولا، وعباد الله خولا، واستمرت بيوت المال على امتداد المسيرة يشترى بها الحكام الذمم ويسفكون بها الدم الحرام.
وكان هناك العديد من الصحابة الذين عارضوا سياسة عدم قسمة الغنائم على سنة رسول الله (ص)، منهم الزبير بن العوام، فعن سفيان بن وهب قال: لما فتحنا مصر بغير عهد، قام الزبير فقال: إقسمها يا عمرو بن العاص فقال: لا أقسمها، فقال الزبير: والله لتقسمنها كما قسم رسول الله خيبر، فقال: والله لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب عمر إليه: أقرها حتى تغزوا منها حبل الحبلة(١٠١٤)، قال المفسرون في رد عمر،. يريد حتى يغزو أولاد الأولاد ويكون عاما في الناس.
وقيل: أو يكون أراد المنع من القسمة حيث علقه على أمر مجهول.
ويشهد التاريخ أن عمرو بن العاص بسط يده على مصر كلها وكان خراجها له طيلة حياته في عهد معاوية بن أبي سفيان، وذلك عندما تكاتف عمرو مع معاوية على علي بن أبي طالب، فكافأه معاوية بأن تكون مصر له طعمة، ومن الذين اعترضوا على قرار عمر. بلال بن رباح، قال له عندما افتتحوا أرضا: إقسمها بيننا وخذ خمسها، فقال عمر: لا هنا عين المال، ولكني أحبسه فيئا يجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: إقسمها بيننا، فقال عمر: اللهم اكفني بلالا وذويه. قال راوي الحديث: فما حال الحول ومنهم عين تطرف(١٠١٥) أي: ماتوا بفضل دعاء عمر.
وكان بلال كثير الاعتراض على سياسة عمر. عن ابن أبي حازم قال: جاء بلال إلى عمر حين قدم الشام. وعنده أمراء الأجناد. فقال. يا عمر. يا عمر. إنك بين هؤلاء وبين الله، وليس بينك وبين الله أحد، فأنظر من بين يديك ومن عن يمينك ومن شمالك، فإن هؤلاء الذين جاؤوك (أي أتباع بلال) والله لم يأكلوا إلا لحوم الطير (أي لم يصل إليهم من الأمراء شيئا)، فقال عمر للأمراء: لا أقوم من مجلسي هذا حتى تكفلوا لي لكل رجل من المسلمين بمديت(١٠١٦) بر وحظهما من الخل والزيت، قالوا: تكفلنا لك يا أمير المؤمنين(١٠١٧).
أما قسمة عمر بن الخطاب بين الناس، فلقد فضل عمر المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين، وفضل المهاجرين كافة على الأنصار كافة، وفضل العرب على العجم، وروي أنه قال " من أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني له خازنا وقاسما، ألا وإني بادئ بالمهاجرين الأولين أنا وأصحابي فمعطيهم، ثم بادئ بالأنصار الذين تبوؤا الدار والإيمان فمعطيهم، ثم بادئ بأزواج النبي (ص) فمعطيهن، - وفي رواية " ففرق لأزواج النبي (ص) إلا جويرية وصفية وميمونة. فقالت عائشة: إن رسول الله (ص) كان يعدل بيننا. فعدل بينهن عمر "(١٠١٨). ثم قال عمر: من أسرعت به الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ به عن العطاء فلا يلومن أحدكم إلا مناخ راحلته "(١٠١٩).
وبالجملة: قال رسول الله (ص) أيما قرية افتتحها الله ورسوله فهى لله ورسوله، وأيما قرية افتتحها المسلمون عنوة، فخمسها لله ولرسوله وبقيتها لمن قاتل عليها "(١٠٢٠)، وكان (ص) يسوي بين الجنود في القسمة، ولم يخص أحدا بشيء دون الآخر(١٠٢١)، ولقد أخبر بالغيب عن ربه بما سيحدث من بعده، وقال لأبي ذر " كيف أنت وأئمة من بعدي يستأثرون بهذا الفيء. إصبر حتى تلقاني،(١٠٢٢) وقال " خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا كان إنما هو رشا فاتركوه، ولا أراكم تفعلون، يحملكم على ذلك الفقر والحاجة، ألا وإن رحى بني مرج قد دارت، وإن رحى الإسلام دائرة، وإن الكتاب والسلطان سيفترقان، فدوروا مع الكتاب حيث دار.. "(١٠٢٣).
وإذا كان الاجتهاد قد أخرج أهل البيت والجنود الذين شاركوا في المعارك من تحت سقف قسمة رسول الله (ص). فإن الاجتهاد. قد أخرج المؤلفة قلوبهم من تحت سقف القسمة التي قسمها الله تعالى.
ولقد ذكرنا من قبل أن الله تعالى هو الذي قسم الصدقات، وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمتها إلى أحد غيره، وجزءها سبحانه ثمانية أجزاء. لا تقبل تغيير المغير، قال تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب وفي سبيل الله فريضة من الله)(١٠٢٤) وروي أن النبي (ص) أعطى المؤلفة قلوبهم، وكانوا صنفان: صنف كفار وصنف أسلموا على ضعف، وذلك ليأمن شرهم وفتنتهم، لأن من شأن الصدقة أنها تؤلف القلوب وتبسط الأمن، وظل النبي (ص) يعطي هذا السهم للمؤلفة قلوبهم ليعاونوا المسلمين أو ليتقوى إسلامهم. حتى وفاته (ص).
وكان أبو سفيان(١٠٢٥) وابنه معاوية(١٠٢٦) من الذين أعطاهم النبي من سهم المؤلفة قلوبهم، وروي أن عمرو بن العاص حين جزع عن موته فقيل له: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدينك ويستعملك.
فقال: أما والله ما أدرى أحبا كان ذلك أم تألفا يتألفني "(١٠٢٧)، وعلى الرغم من أن النبي (ص) كان يعطي أبا سفيان من سهم المؤلفة، إلا أن الصحابة كانوا يختلفون في تحديد موقعه، روي أن أبي سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم، فأتى النبي (ص) فأخبره، فقال النبي (ص): يا أبا بكر لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأتاهم أبو بكر. فقال: يا إخوتاه أغضبتكم، قالوا: يغفر الله لك يا أخي(١٠٢٨)، قال النووي: هذه فضيلة ظاهرة لسلمان ورفقته هؤلاء(١٠٢٩). وروي أن النبي (ص) أعطى قريشا حين أفاء الله عليه أموال هوازن، فقال الناس من الأنصار: يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فعندما سمع رسول الله (ص) بمقالتهم، أرسل إلى الأنصار فجمعهم ولم يدع أحد غيرهم، فقال: " إني لأعطي رجالا حدثاء عهد بكفر أتألفهم. أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون برسول الله إلى رحابكم، فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوا:
أجل يا رسول الله قد رضينا. فقال لهم " إنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني فرطكم على الحوض "(١٠٣٠).
لقد كان في سهم المؤلفة امتحان وابتلاء. ولكن الصحابة بعد رسول الله (ص) اجتهدوا فيه..
روي أن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصين وكانا من المؤلفة قلوبهم، جاءا يطلبان أرضا من أبي بكر، فكتب بذلك خطأ، فمزقه عمر بن الخطاب، وقال: هذا شيء كان يعطيكموه رسول الله (ص) تأليفا لكم، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا إلى أبي بكر. فقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ بذلت لنا الخط ومزقه عمر، فقال أبو بكر: هو إن شاء الله.
ووافق عمر "(١٠٣١).
وعن الشعبي أنه قال: كانت المؤلفة على عهد رسول الله (ص)، فلما ولي أبو بكر انقطعت(١٠٣٢)، واعترض ابن قدامة على انقطاع سهم المؤلفة وقال: إن الله تعالى سمى المؤلفة في الأصناف الذين سمى الصدقة لهم، والنبي (ص) قال " إن الله حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاءا " وكان عليه الصلاة والسلام يعطي المؤلفة كثيرا في أخبار مشهورة، ولم يزل كذلك حتى مات، ولا يجوز ترك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ثم إن النسخ إنما يكون في حياة النبي (ص)، لأن النسخ إنما يكون بنص ولا يكون النص بعد موت النبي (ص) وانقراض زمن الوحي، ثم إن القرآن لا ينسخ إلا بقرآن وليس في القرآن نسخ لذلك ولا في السنة، فكيف يترك الكتاب والسنة بمجرد الآراء والتحكم أو بقول صحابي أو غيره(١٠٣٣).
والخلاصة: ختم الله تعالى آية الأنفال بقوله (وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين)(١٠٣٤)، وفي هذا تحذير من الاختلاف، وإخبار بأن طاعة الرسول طاعة لله، وختم سبحانه آية الخمس بقوله (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان)(١٠٣٥)، قال ابن كثير: أي امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وما أنزلنا على الرسول في القسمة(١٠٣٦) وختم سبحانه آية الزكاة بقوله (فريضة من الله والله عليم حكيم)(١٠٣٧) قال ابن كثير: أي حكما مقدرا بتقدير الله وفرضه وقسمه، فهو تعالى عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح عباده فيما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به(١٠٣٨).
والمسيرة قد اجتهدت تحت سقف الامتحان والابتلاء، ولكن أحاديث الإخبار بالغيب، وحركة التاريخ، تثبت أن بعض هذه الاجتهادات انتهت في نهاية المطاف إلى دائرة لا تحقق الأمان بصورة من الصور، قد تكون بيوت المال قد امتلأت بالذهب والفضة عند المقدمة، ولكن عند النتيجة نرى أن تفضيل هذا عن ذاك في القسمة، أدى إلى الصراع القبلي بين ربيعة ومضر، وبين الأوس وبين الخزرج(١٠٣٩) وأشعل الصراع العنصري بين العرب والعجم. والصريح والموالي(١٠٤٠) كما أدى الاجتهاد في الخمس إلى اختلاف الأمة في من هم عشيرة النبي الأقربين؟ ومن هم أهل بيته وعترته؟، وأدى الاجتهاد في الأربعة أخماس الخاصة بالجنود، إلى احتواء الأمراء في الأمصار على معظم هذه الأموال، وكان لهذا أثرا سيئا على امتداد المسيرة، وأدى الاجتهاد في سهم المؤلفة، إلى استواء ضعيف الإيمان مع قوى الإيمان، وأدى إلى تهييج النفوس على الانتقام بأي وسيلة، لأن الصدقة من خصائصها أنها تنشر الرحمة وتورث المحبة. وتألف القلوب. وتبسط الأمن، فإذا أمسكت، وكان تحت سقف الأمة منافقين، منهم اثني عشر رجلا أخبر النبي (ص) أنهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ولن يدخلوا الجنة حتى يلج الجمل سم الخياط. كان إمساكها سببا في فتح طرق الفساد.
رابعا - [من معالم المسيرة]
في عهد النبي (ص)، كانت الأحكام والفرائض والحدود وسائر السياسات الإسلامية قائمة ومقامة، ثم لم تزل بعد ارتحاله (ص) تنقص وتسقط حكما فحكما يوما فيوما بيد الحكومات الإسلامية، وعلى امتداد المسيرة كان هناك شبه انفصال بين الشعوب الإسلامية وحكامهم، فكثير من الحكومات لم تكن تعبر عن شعوبها، وبينما كان الأمراء وأصحاب المقاعد الأولى في الدولة يضيعون الصلاة ويتبعون الشهوات. كانت الشعوب تختزن بداخلها الفطرة النقية ببركة وجود القرآن الكريم، ونحن في بحثنا هذا في المسيرة الإسلامية. لم نرصد إلا حركة أصحاب المقاعد الأولى ومن دار في فلكهم، أما حركة الأمة الإسلامية ورفضها للانحراف فإن لهذا موضع آخر.
وحركة الدعوة الخاتمة في اتجاه الشعوب هي حركة المنقذ للفطرة من الانحراف والضلال، ولقد أعطى النبي (ص) الفكرة الصحيحة الداعية للفتح الإسلامي، وبين أن الفتح ليس للقتل أو الانتقام وإنما هو رحمة وشفقة على البلاد المفتوحة وتخليصها من نير العبودية وتطبيق النظام الإسلامي الفطري عليها، ولم تكن الغنائم هي غاية الفتح، فالغنائم ليس لها أهمية تذكر بجانب هدف الفتح الأسمى، فرفع الظلم عن البلد المفتوح هو المقصد سواء غنم الجيش أو لم يغنم، والإسلام ينظر إلى الغنيمة على أساس أنها من قبيل جوائز التشجيع للقتال في سبيل الله، لأن المقصود بالحرب الظفر على الأعداء، فإن غلبوا فقد حصل المطلوب وتكون الأموال التي غنمها المقاتلون زيادة على أصل الغرض، ولما كانت الغنيمة على طريق القتال في سبيل الله، وبما أن الله تعالى وضع أحكاما خاصة بالقتال في سبيله، فإنه تعالى قسم الغنيمة على الجيش المنتصر لرفع معنوياته وترغيبا له على التكرار. وبالجملة:
الغنيمة زيادة على أصل الغرض الذي من أجله يقاتل الجيش. وهي ملك لله ورسوله وتوضع حيثما أراد الله ورسوله.
واجتهد الصحابة في غنائم الحرب، فصب هذا الاجتهاد في نهاية المطاف في دوائر التنافس والتحاسد وغير ذلك، ويشهد ذلك قوله (ص) وهو يخبر بالغيب عن ربه في ما رواه مسلم عن عبد الله قال " قال رسول الله (ص): إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: كما أمرنا الله، فقال النبي (ص): أو غير ذلك.
تتنافسون. ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون. أو نحو ذلك.
ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض"(١٠٤١).
فالفتح أنتج ثقافة لم تكن في يوم من أهداف الفتح، وأيقظ الفتح غريزة العرب الجاهلية من الغرور والنخوة بعدما كانت في سكن بالتربية النبوية، والطريق الذي انتهى بالتباغض كما مر في الحديث السابق، امتد لينتهي بالبغي في حديث آخر يخبر فيه النبي (ص) بالغيب عن ربه ويقول " سيصيب أمتي داء الأمم. الأشر والبطر. والتكاثر. والتشاحن.
والتباغض. والتحاسد، حتى يكون البغي "(١٠٤٢).
والطريق إلى البغي كان عليه أمراء لا يمتازون إلا بالسواعد القوية، وروي أن حذيفة قال لعمر بن الخطاب: إنك تستعين بالرجل الفاجر، فقال له عمر: إني لأستعمله لأستعين بقوته. ثم أكون على قفائه "(١٠٤٣)، وقال في فتح الباري: والذي يظهر من سيرة عمر في أمراؤه الذين كان يؤمرهم في البلاد. أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط، بل يضم إليه الذي عنده مزيد من المعرفة بالسياسة، فلأجل هذا استخلف معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص، مع وجود من هو أفضل منهم في أمر الدين والعلم(١٠٤٤).
وذكر ابن حجر أن عمر ولى إياس بن صبيح القضاء في البصرة، وكان إياس من أصحاب مسيلمة الكذاب(١٠٤٥)، وكتب عمر إلى الأمراء أن يشاوروا طليحة بن خويلد، وكان طليحة قد أسلم ثم ارتد ثم أسلم.
وكان قد ادعى النبوة(١٠٤٦) وروي أن ابن عدي الكلبي قال لعمر: أنا امرؤ نصراني، فقال عمر: فما تريد؟، قال: أريد الإسلام، فعرضه عمر عليه، ثم دعا له برمح، فعقد له على من أسلم، وقال عوف بن خارجة:
ما رأيت رجلا لم يصل صلاة أمر على جماعة من المسلمين قبله(١٠٤٧).
وإذا كان طريق البغي من علاماته التنافس والتحاسد والتدابر والتباغض، فإنه يختزن في أحشائه معالم الضلال، عن عبد الله قال:
قال رسول الله (ص) " لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا، حتى نشأ فيهم المولدون. وأبناء سبايا الأمم التي كانت بنو إسرائيل تسبيها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا "(١٠٤٨)، فأبناء الأمم إذ لم يجدوا الرعاية والتربية الصحيحة، يصبحوا من العوامل التي تساعد على الهدم، وهؤلاء في المسيرة الإسلامية ترعرعوا تحت سقف الدولة الأموية، ثم امتدوا بامتداد المسيرة، وذكر الطبري: إن أول سبي قدم المدينة من العجم كان في عهد أبي بكر(١٠٤٩)، وذكر البلاذري: أن معاوية حاصر قيسارية حتى فتحها فوجد من المرتزقة سبعمائة ألف. ومن السامرة ثلاثين ألفا. ومن اليهود مائتي ألف(١٠٥٠). فبعث إلى عمر عشرين ألفا من السبي(١٠٥١).
فالطريق كان عليه ضعيف الإيمان، وكان عليه أبناء الأمم، وكان عليه أمراء التنافس والتحاسد والتدابر والتباغض، والبغي، وكان عليه المنافقين ومنهم اثني عشر رجلا حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا، وعلى طريق مثل هذا لا نستبعد أن تضيع الصلاة، وقد سجل حذيفة البادرة الأولى قبل وفاته، فقال " ابتلينا، حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا "(١٠٥٢)، وكان النبي (ص) قد أخبر بالغيب عن ربه، أن الصلاة في طريقها إلى الضياع، فعن أبي ذر قال " قال رسول الله (ص): يا أبا ذر أمراء يكونون بعدي يميتون الصلاة فصل الصلاة لوقتها... "(١٠٥٣) قال النووي: أي يجعلونها كالميت الذي خرجت روحه(١٠٥٤).
وروي أن الوليد بن عقبة - وكان أخو عثمان لأمه - حين كان واليا لعثمان بن عفان على الكوفة أخر الصلاة، فقام عبد الله بن مسعود فصلى بالناس، فأرسل إليه الوليد وقال له: ما حملك على ما صنعت أجاءك من أمير المؤمنين أمرا أم ابتدعت؟ فقال: لم يأتني من أمير المؤمنين أمرا ولم أبتدع. ولكن أبى الله عز وجل علينا ورسوله (ص) أن ننتظرك بصلاتنا وأنت في حاجتك(١٠٥٥).
وبينما كان الأمراء يميتون الصلاة، كانت الصلاة تؤدى بروحها خلف علي بن أبي طالب، روى مسلم عن مطرف قال " صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب، فكان إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما انصرفنا من الصلاة.
أخذ عمران بيدي ثم قال: قال صلى بنا هذا صلاة محمد (ص)، وفي رواية قال عمران: قد ذكرني هذا صلاة محمد (ص)، وروى أن عمران بن حصين مات سنة اثنتين وخمسين هجرية(١٠٥٦).
ولما كان حذيفة قد صلى سرا، ولما كان ابن مسعود قد شهد تأخير الصلاة، فإن أبي الدرداء قد شهد شيئا آخر، فعن أم الدرداء قالت. دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب، فقلت: من أغضبك؟ قال:
والله لا أعرف فيهم من أمر محمد (ص) شيئا إلا أنهم يصلون جميعا(١٠٥٧)، ومات أبو الدرداء في خلافة عثمان.
ثم جاء عام ستين، وهو العام الذي حمل الصبيان أعلامه، وفيه قال النبي (ص) " تعوذوا بالله من رأس الستين ومن إمارة الصبيان "(١٠٥٨)، وقال " ويل للعرب من شر قد اقترب. على رأس الستين تصير الأمانة غنيمة، والصدقة غرامة، والشهادة بالمعرفة، والحكم بالهوى "(١٠٥٩)، فرأس الستين تطوير للعربة التي تنطلق بوقود الرأي، ورأس الستين هو الوعاء الذي يصب فيه إماتة الصلاة من العهود التي سبقته، وينطلق منها وقود إضاعة الصلاة وقراءة القرآن بلا تدبر، قال النبي (ص) وهو يخبر بالغيب عن ربه. " يكون خلف بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن. ومنافق. وفاجر "(١٠٦٠) وعن أبي سعيد قال: المنافق كافر به، والفاجر يتكل منه، والمؤمن يؤمن به(١٠٦١).
ومن الدليل على أن جيل الستين أخذ وقوده مما سبقوه، أن النبي (ص) أخبر في حديث آخر بأن كثرة المال هي الخلفية الأساسية التي عليها يتم تفريخ هؤلاء، قال (ص) " مما أتخوف على أمتي أن يكثر فيهم المال حتى يتنافسوا فيقتلون عليه، وإن مما أتخوف على أمتي أن يفتح لهم القرآن. حتى يقرأه المؤمن والكافر والمنافق "(١٠٦٢).
فالمال أنتج التنافس. والتحاسد والتدابر والتباغض. والبغي، وفتح القرآن أمام العامة مع عدم وجود العالم به، أدى إلى ترتيله في زحام الأسواق، حيث لا مستمع ولا منصت، ومن الأصاغر أخذ العلم الذي أدى إلى ضياع الصلاة، ولقد سئل النبي (ص) عن أشراط الساعة، فقال " أن من أشراطها أن يلتمس العلم عند الأصاغر " قال ابن المبارك:
الأصاغر الذين يقولون برأيهم(١٠٦٣)، وعن ابن مسعود قال: لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإن أخذوه من أصاغرهم وشرارهم هلكوا(١٠٦٤)، وعن أنس قال. قيل: يا رسول الله متى ندع الائتمار بالمعروف والنهي عن المنكر، قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، إذا كانت الفاحشة في كباركم. والملك في صغاركم، والعلم في رذالكم(١٠٦٥).
وإذا كان أبو الدرداء قد شهد وفاته أنه لا يعرف في الناس من أمر محمد (ص) شيئا إلا أنهم يصلون جميعا، فإن أنس بن مالك شهد عام ستين، حيث مقدمة الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، روى البخاري عن الزهري قال " دخلت على أنس فوجدته يبكي، فقلت:
ما يبكيك؟ قال: ما أعرف شيئا مما أدركت، إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت"(١٠٦٦)، ومات أنس سنة ثلاث وتسعين، وكان يقول: لم يبق أحد صلى القبلتين غيري(١٠٦٧).
وفي الخلف الذين يضيعون الصلاة بعد أنبياء الله، يقول تعالى:
(أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل. وممن هدينا واجتبينا. إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا)(١٠٦٨). قال المفسرون: ذكر الله حزب السعداء. وهم الأنبياء ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره المؤدين فرائض الله، ثم ذكر سبحانه الخلف: أي البدل السيء. وقوله تعالى: (فخلف من بعدهم) أي قام مقام أولئك الذين أنعم الله عليهم.
وكانت طريقتهم الخضوع والخشوع لله بالتقدم إليه بالعبادة، قوم سوء أضاعوا الصلاة، وضياع الشيء: فساده أو افتقاده، ومعنى أنهم أضاعوا الصلاة: أي أفسدوها بالتهاون فيها والاستهانة بها، حتى تنتهي إلى أمثال اللعب بها والتغيير فيها والترك لها، فإذا كانوا قد فعلوا هذا بالصلاة فإنهم لما سواها من الواجبات أضيع. لأنها عماد الدين وقوامه، ثم أخبر سبحانه. بأن القوم السوء الذين أضاعوا الصلاة وهي الركن الأصيل في العبودية. واتبعوا الشهوات، هؤلاء سيلقون غيا: أي خسارة، وهذه العقوبة سنة ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، يعاقب الله بها كل خلف طالح، وذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية، أن هذا الخلف في هذه الأمة أيضا(١٠٦٩).
والخسارة التي توعد الله بها الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، يحمل أسبابها أمراء السوء وسبايا السوء الذين تربوا على القصص وتسربت إليهم روح الأمم المستعلية الجبارة، فهؤلاء وغيرهم فتحوا أبواب القتال من أجل الملك، وعند نهاية القتال، وفي نهاية المسيرة كانت الخسارة عنوانا رئيسيا لكل شيء في عالم الاستدراج.
أما القتال على الملك. فيشهد به أبو برزة الأسلمي. روى البخاري عن أبي المنهال قال " لما كان ابن زياد ومروان بالشام، ووثب ابن الزبير بمكة، ووثب القراء بالبصرة، انطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي. فقال أبي: يا أبا برزة. ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فقال: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد (ص)، حتى بلغ ما ترون، وهذه الدنيا أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا "(١٠٧٠).
ونتيجة القتال على الملك، لم تستطع الدولة البقاء تحت حكم إدارة مركزية واحدة، فعند بداية المسيرة. اتسعت الدولة من شواطئ المحيط الأطلسي في المغرب إلى نهر السند في الشرق، ومن بحر مازندران في الشمال إلى منابع النيل في الجنوب، وكما توسعت الدولة بسرعة. تجزأت بسرعة أيضا، فإذا نظرنا على امتداد المسيرة لنرصد معالم الاختلاف والتفرق على الأرض، نجد أن عبد الرحمن الداخل وهو أحد أفراد الأسرة الأموية، قد أسس دولة مستقلة في إسبانيا سنة ١٣٨ ه‍، ورفع يد الحاكم العباسي عن ذلك الجزء من الدولة العباسية، ثم ظهر الأدارسة وأسسوا دولتهم. ثم جاء الأغالبة واستولوا على بقية مناطق إفريقيا عام ١٨٤ ه‍، ثم ظهر ابن طولون في مصر والشام وفصلهما عن الدولة، وعند حلول سنة ٣٢٣ ه‍ أسس الأخشيد حكمه في مصر، ولم يبق تحت نفوذ الدولة العباسية السياسي من بلاد المغرب سوى رمزها.
أما في المشرق، فتم تأسيس الدولة الطاهرية. بخراسان عام ٢٠٤ ه‍، وتتابع ظهور الدويلات الصغيرة بعد ذلك شرق إيران، كالصغاريين والسامانين والغزنويين، ثم قامت الدولة البويهية في الجزء المتبقي لهم في إيران، ثم جاء المغول عام ٣٣٤ ه‍ ونزل الستار على الدولة العباسية، وكان للدولة فرع يحكم رمزيا في مصر، قضى عليه سليم الأول من سلاطين آل عثمان. بعد استيلائه على مصر عام ٩٢٢ ه‍.
وعلى امتداد المسيرة كانت الأصابع اليهودية تعمل في الخفاء، كان تثقب في الجدار بواسطة أبناء الأمة، وتحطم الأقفال بواسطة الحروب الصليبية المتعددة الإشكال، حتى جاء اليوم الذي طبقت فيه اتفاقية سايكس بيكو على الشام، وفرض الانتداب الفرنسي على شمال هذه البلاد وقسم إلى كيانين هما: سوريا ولبنان، وفرض الانتداب البريطاني على جنوبها وقسم إلى كيانين هما: الأردن وفلسطين، وفي عام ١٩١٧ ميلادية صدر وعد بلفور، الذي يقضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وفي عام ١٩٦٧ ميلادية. بسط اليهود أيديهم على ما حلموا به طيلة حياتهم، بسطوا أيديهم على الأرض الواسعة. التي يحيط بها غثاء من كل مكان.
لقد بدأ الطريق من عند البحث عن الدرهم والدينار، والنبي (ص) أخبر عن ربه جل وعلا، فقال " كيف أنتم إذا لم تجبوا دينارا ولا درهما، قالوا: ولم ذاك؟ قال: تنتهك ذمة الله وذمة رسوله. فيشد الله قلوب أهل الذمة فيمنعون ما بأيديهم"(١٠٧١)، وقال " يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الآكلة إلى قصعتها، قالوا: يا رسول الله. فمن قلة بنا يومئذ؟ قال: لا. ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم وينزع الرعب من قلوب عدوكم، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت"(١٠٧٢) وقال صاحب عون المعبود: أي يدعوا بعضهم بعضا لمقاتلتكم وسلب ما ملكتموه من الديار والأموال، ولقد وصفهم النبي (ص) بغثاء السيل، لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم، وغثاء السيل: أي كالذي يحمله السيل من زبد ووسخ(١٠٧٣).
لقد أخبر النبي في أن فتنة أمته في المال. وأن الدرهم والدينار سيهلكهم كما أهلك الذين من قبلهم، وبين النبي (ص) موضع كل مال في الإسلام، وأمر الأمة بأن تتمسك بالكتاب والعترة، وأن تأخذ بأسباب الحياة التي تحقق السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، فيأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ولكن القافلة تركت الأمراء الصبيان يعبثون بكل شيء عند المقدمة، خوفا من الجوع والفقر، وفي نهاية المطاف وقف الحاضر أمام الماضي على رقعة واحدة، يدوي فيها صوت النبي الأعظم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، النبي العربي القرشي الهاشمي المكي المدني صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يقول " منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم"(١٠٧٤).
ثالثا - [فجر الضمير]
أولا: [الظلم والجور]
الظلم هو: وضع الشيء في غير موضعه، وقال في لسان العرب.
ومن أمثال العرب في الشبه: من استرعى الذئب فقد ظلم، وأصل الظلم الجور ومجاوزة الحد، ومنه حديث الوضوء " فمن زاد أو نقص. فقد أساء وظلم ": أي أساء الأدب بتركه السنة والتأدب بأدب الشرع، وظلم نفسه بما نقصها من الثواب من ترداد المرات في الوضوء، وفي التنزيل (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم لهم الأمن)(١٠٧٥) قال ابن عباس: أي لم يخلطوا إيمانهم بشرك، والظلم: الميل عن القصد. والعرب تقول.
إلزم هذا الصوب ولا تظلم عنه. أي لا تجر عنه، وقوله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم)(١٠٧٦) يعني أن الله تعالى هو المحي المميت. الرازق المنعم وحده لا شريك له. فإذا أشرك به غيره. فذلك أعظم الظلم.
لأنه جعل النعمة لغير ربها(١٠٧٧).
وبينت الدعوة الخاتمة أن الافتراء على الله كذبا. والتكذيب بآياته أو الإعراض عنها. والصد عن سبيله سبحانه. من أعظم الظلم. لأن الظلم يعظم بعظمة من يتعلق به، وإذا اختص بجنب الله كان أشد الظلم. وأخبر سبحانه في كتابه. بأنه أهلك القرون الأولى لما ظلموا، ووعد سبحانه رسله بهلاك الظالمين. قال تعالى: (فأوحى إليهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم)(١٠٧٨).
وبالنظر إلى المسيرة البشرية، تجد أن الظلم في نهاية المطاف، تدثر بأكثر من دثار من حرير وزخرف، وأصبح له عقائد وثقافات وقوانين، يشرف عليها حكومات وهيئات وجمعيات، والخارج عن هذه العقائد والقوانين هو في نظر هذه الدول والمؤسسات، خارج عن الحق، يستحق التأديب بواسطة الأساطيل أو السجون. أو بالتجويع تارة وبالتخويف تارة أخرى.
وبالنظر إلى مسيرة الشعوب في عصرنا هذا. نجد للوثنية أعلاما، وهذه الوثنية استترت وراء التقدم العلمي والاختراعات الحديثة، وقد يكون التقدم مفيدا في عالم المادة، ولكن إذا كان للدنيا عمل. فلا بد أن يستقيم هذا العمل مع الزاد الفطري، ولقد ذم القرآن الكريم الذين لا يذعنون بيوم الحساب ويعملون للدنيا بسلوكهم الطريق الذي يغذي التمتع بالدنيا المادية فحسب، قال تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون)(١٠٧٩).
فالآية فسرت من هم الظالمين، وبينت أنهم الذين يصدون عن الدين الحق ولا يتبعون ملة الفطرة. وبالآخرة هم كافرون وهذه الوثنية لها جماعاتها ومؤسساتها وبنوكها التي تمول مخططاتها.
وبالنظر إلى مسيرة بني إسرائيل. نجد أنها أنتجت في عصرنا الحاضر عنكبوتا ضخما تختفي وراء خيوطه العديد من مؤسسات الظلم والجور، التي تعمل على امتداد التاريخ من أجل تغذية الأمل. الذي حلم به بنو إسرائيل ليلا طويلا، وهو مملكة داوود وعاء العهد الإبراهيمي، وراء هذه الخيوط تختفي جمعيات مسيحية تعمل من أجل ذات الهدف. نظرا لأن المسيحية الحاضرة خرجت من تحت عباءة بولس. الذي ادعى أنه أوحي إليه وهو لم ير المسيح ولم يكن من تلاميذه. ولقد وضعه القرآن وأمثاله تحت سقف الظلم. في قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء. ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله)(١٠٨٠). وهذه الجمعيات التي تعمل ظاهرة أو من وراء ستار. لها مؤسساتها وبنوكها وأساطيلها التي تمول وتحمي مخططاتها وأهدافها.
وبالنظر إلى المسيرة الخاتمة. نجد أن الظالمين فيها قد أخذوا بذيول الذين من قبلهم واتبعوهم شبرا بشبر، وذراع بذراع، ومن إتبع أحد يصل معه إلى حيث يصل، وما الله بظلام للعبيد.
وفيما يلي نلقي ضوءا على جذور وفروع بعض الحركات التي عليها بصمة الظلم والجور. لتظهر جذورها الفكرية والعقائدية. ومواقع انتشارها ونفوذها. ويرى الحاضر كيف يتقدم الظلم إلى الخلف من أجل تنفيذ أهداف ما أنزل الله بها من سلطان.
١ - (مسيرات وثنية)
[البوذية]
أسسها " سدهار تاجوتاما " الملقب " ببوذا " (٥٦٠ - ٤٨٠ ق. م) ونشأ بوذا في بلدة على حدود نيبال، ويعتقد البوذيون. أن بوذا هو ابن الله. وهو المخلص للبشرية من مآسيها وآلامها وإنه يتحمل عنهم جميع خطاياهم، ويعتقدون أن تجسد بوذا كان بواسطة حلول روح القدس على العذراء " مايا "، ويعتقدون أن بوذا سيدخلهم الجنة، وأنه صعد إلى السماء بجسده بعد أن أكمل مهمته على الأرض، ويؤمنون برجعة بوذا ثانية إلى الأرض ليعيد السلام والبركة إليها، ويعتقدون أن بوذا ترك فرائض ملزمة للبشر إلى يوم القيامة. والصلاة عندهم تؤدي إلى اجتماعات يحضرها عدد كبير من الأتباع، والديانة البوذية منتشرة بين عدد كبير من الشعوب الآسيوية، وهي مذهبان كبيران: المذهب الشمالي. وقد غالى أهله في بوذا حتى الهوه، والمذهب الجنوبي.
وهؤلاء معتقداتهم أقل غلوا في بوذا، وكتبهم منسوبة إلى بوذا أو حكايات لأفعاله سجلها بعض أتباعه(١٠٨١).
[الهندوسية]
الهندوسية ديانة وثنية يعتنقها معظم أهل الهند، لا يوجد لها مؤسس معين، ولا يعرف لمعظم كتبها مؤلفون معينون، فقد تم تشكيل الديانة وكذلك الكتب عبر مراحل طويلة من الزمن، وقيل: أن الآريون الغزاة الذين قدموا إلى الهند في القرن الخامس عشر قبل الميلاد هم المؤسسون الأوائل للديانة الهندوسية، وللديانة عدة آلهة. ولكل منطقة إله، ولكل عمل أو ظاهرة إله، ولا يوجد عندهم توحيد بالمعنى الدقيق، لكنهم إذا أقبلوا على إله من الآلهة أقبلوا عليه بكل جوارحهم حتى تختفي عن أعينهم كل الآلهة الأخرى، ويقولون بأن لكل طبيعة نافعة أو ضارة إلها يعبد، كالماء والهواء والأنهار والجبال..، ويلتقي الهندوس على تقديس البقرة، ويعتقد الهندوس بأن آلهتهم قد حلت في إنسان اسمه " كرشنا "، وقد التقى فيه الإله بالانسان، أو حل اللاهوت في الناسوت، وهم يتحدثون عن كرشنا كما يتحدث النصارى عن المسيح.
وكانت الديانة الهندوسية تحكم شبه القارة الهندية، ولكن المسافة الشاسعة بين المسلمين والهندوس. في نظريتهما إلى الكون والحياة وإلى البقرة التي يعبدها الهندوس ويذبحها المسلمون ويأكلون لحمها، كان ذلك سببا في حدوث التقسيم، حيث أعلن عن قيام دولة الباكستان بجزأيها الشرقي والغربي والذي معظمه من المسلمين، وبقاء دولة هندية معظم سكانها هندوس، والمسلمون فيها أقلية كبيرة(١٠٨٢).
[السيخية]
السيخ مجموعة دينية من الهنود الذين ظهروا في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلادي داعين إلى دين جديد، فيه شيء من الديانتين الإسلامية والهندوسية، تحت شعار (لا هندوس ولا مسلمون) ولقد عادوا المسلمين خلال تاريخهم بشكل عنيف، كما عادوا الهندوس بهدف الحصول على وطن خاص بهم، وذلك مع الاحتفاظ بالولاء الشديد للبريطانيين خلال فترة استعمار الهند.
ومؤسس السيخية الأول (ناناك) ولد سنة ١٤٦٩ م في قرية بالقرب من لاهور، وكان محبا للإسلام من ناحية مشدودا إلى تربيته وجذوره الهندوسية من ناحية أخرى، مما دفعه لأن يعمل على التقريب بين الديانتين، ويقال أن (ناناك) لم يكن الأول في مذهبه السيخي هذا، وإنما سبقه إليه شخص آخر اسمه (كبير) (١٤٤٠ - ١٥١٨ م) درس الدين الإسلامي والهندوكي، وكان حركة اتصال بين الدينين، وكان (كبير) يتساهل في قبول كثير من العقائد الهندوكية ويضمها إلى الإسلام شريطة بقاء التوحيد، لكنه لم يفلح إذ انقرض مذهبه بموته مخلفا مجموعة أشعار تظهر تمازج العقيدتين المختلفتين الهندوسية والإسلامية، مرتبطتين برباط صوفي يجمع بينهما.
للسيخ بلد مقدس يعقدون فيه اجتماعاتهم المهمة. وهي مدينة (أمرتيسار) من أعمال البنجاب وقد دخلت عند التقسيم في أرض الهند وأكثرية السيخ تقطن البنجاب إذ يعيش فيها ٨٥ / منهم. ولهم لجنة تجتمع كل عام منذ سنة ١٩٠٨ م تنشئ المدارس وتعمل على إنشاء كراسي في الجامعات لتدريس ديانة السيخ ونشر تاريخها. ويقدر عدد السيخ حاليا بحوالي ١٥ مليون نسمة داخل الهند وخارجها(١٠٨٣).
[الكونفوشيوسية]
الكونفوشيوسية ديانة أهل الصين، يعتبر (الكونفوشيوس) (٥٥١ ق. م) المؤسس الحقيقي لهذه العقيدة، ويعتقدون بالإله الأعظم، أو إله السماء ويتوجهون إليه بالعبادة، وتقديم القرابين إليه مخصوصة بالملك أو بأمراء المقاطعات، ويعتقدون أن للأرض إله ويعبده عامة الصينيين، ويعتقدون أن للشمس والقمر والكواكب والسحاب والجبال. لكل منها إله، وعبادتها وتقديم القرابين إليها مخصوصة بالأمراء، كما أنهم يقدسون الملائكة ويقدمون إليها القرابين، ويقدسون أرواح أجدادهم الأقدمين ويعتقدون ببقاء الأرواح، والقرابين عبارة عن موائد يدخلون بها السرور على تلك الأرواح بأنواع الموسيقى، ويوجد في كل بيت معبد لأرواح الأموات ولآلهة المنزل، وتنتشر الكونفوشية في الصين، وزالت هذه الديانة عام ١٩٤٩ م عن المسرحين السياسي والديني، لكنها ما تزال كامنة في روح الشعب الصيني الأمر الذي يؤدي إلى تغيير ملامح الشيوعية الماركسية في الصين، وما تزال الكونفوشية ماثلة في النظم الاجتماعية في فرموزا (الصين الوطنية) وانتشرت كذلك في كوريا واليابان، وهي من الأسس الرئيسية التي تشكل الأخلاق. في معظم دول شرق آسيا وجنوبها الشرقي في العصرين الوسيط والحديث(١٠٨٤).
٢ - مسيرات عنكبوتية:
خلفت المسيرة الإسرائيلية من ورائها، أبشع بيوت الظلم والجور، وهذه البيوت خرج منها الوقود الذي أشعل وغذى معظم الصراعات التي دارت على امتداد عصرنا الحديث، وتذكر من هذه البيوت:
[الماسونية]:
والماسونية لغة معناها. البناؤون الأحرار، وهي في الاصطلاح.
منظمة يهودية سرية إرهابية غامضة، محكمة التنظيم، تهدف إلى ضمان سيطرة اليهود على العالم، وتدعو إلى الالحاد والإباحية والفساد، جل أعضائها من الشخصيات المرموقة في العالم، يوثقهم عهد بحفظ الأسرار، ويقومون بما يسمى بالمحافل للتجمع والتخطيط والتكليف بالمهام(١٠٨٥).
واختلف في تاريخ ظهور الماسونية. لتكتيمها الشديد، والراجح أنها ظهرت سنة ٤٣ م، وسميت (القوة الخفية) وهدفها التنكيل بالنصارى واغتيالهم وتشريدهم ومنع دين المسيح من الانتشار(١٠٨٦)، وكانت تسمى في عهد التأسيس (القوة الخفية)، ومنذ بضعة قرون تسمت بالماسونية، لتتخذ من نقابة البنائين الأحرار لافتة تعمل من خلالها، وأهم أفكارهم ومعتقداتهم: أنهم يكفرون بالله ورسله وكتبه وبكل الغيبيات، ويعملون على تقويض الأديان وإسقاط الحكومات الشرعية وإلغاء أنظمة الحكم الوطنية في البلاد المختلفة والسيطرة عليها، وإباحة الجنس واستعمال المرأة كوسيلة للسيطرة، والعمل على تقسيم غير اليهود إلى أمم متنابذة تتصارع بشكل دائم، وبث سموم النزاع داخل البلد الواحد، وإحياء روح الأقليات الطائفية العنصرية، والعمل على السيطرة على رؤساء الدول لضمان تنفيذ أهدافهم التدميرية، والسيطرة على الشخصيات البارزة في مختلف الاختصاصات لتكون أعمالهم متكاملة، والسيطرة على أجهزة الدعاية والصحافة والنشر والإعلام واستخدامها كسلاح فتاك شديد الفاعلية، والسيطرة على المنظمات الدولية. كمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة، ومنظمات الإرصاد الدولية. ومنظمات الطلبة والشباب والشابات في العالم.
والماسونية لها محافل في كل العالم تقريبا، وبيدها أكثر موارد الاقتصاد ووسائل الانتاج في العالم، ولهم عصابات إرهابية لتنفيذ العمليات الإجرامية للتخلص من كل من يقف في طريقهم عن قصد أو عن غير قصد(١٠٨٧) ويتبع الماسونية مجموعة نوادي ذات طابع خيري اجتماعي في الظاهر، لكنها لا تعدو أن تكون واحدة من المنظمات العالمية التابعة للماسونية التي تديرها أصابع يهودية، بغية إفساد العالم والسيطرة عليه، ومن هذه النوادي (الليونز) وله نواد في أمريكا وأوروبا وكثير من بلدان العالم، ومركزه الرئيسي في (أوك بروك) بولاية الينوي في الولايات المتحدة الأمريكية، ويتجلى النشاط الظاهري لليونز في:
الدعوة إلى الإخاء والحرية والمساواة، وتنمية روح الصداقة بين الأفراد بعيدا عن الروابط العقيدية، ودعم المشروعات الخيرية. ودعم مشروعات الأمم المتحدة، وتقديم الخدمات إلى البيئة المحلية، والاهتمام بالرفاهية الاجتماعية، ونشر المعارف بكل الوسائل الممكنة، ولا يستطيع أي شخص أن يقدم طلب انتساب إليهم. وإنما هم الذين يرشحونه ويعرضون عليه ذلك(١٠٨٨).
ومن ذلك أيضا " نادي الروتاري " وهو منظمة ماسونية تسيطر عليه اليهودية العالمية، ومن أفكار الروتاري ومعتقداته: عدم اعتبار الدين مسألة ذات قيمة لا في اختيار العضو ولا في العلاقة بين الأعضاء، ولا يوجد أي اعتبار لمسألة الوطن، وإسقاط الدين يوفر الحماية لليهود ويسهل تغلغلهم في الأنشطة الحياتية كافة، وهذا يتضح من ضرورة وجود يهودي واحد أو اثنين على الأقل في كل ناد، وباب العضوية غير مفتوح لكل الناس، ولكن على الشخص أن ينتظر دعوة النادي للانضمام إليه على حسب مبدأ الاختيار، والعمال محرومون من عضوية النادي، ولا يختار إلا من يكون ذا مكانة عالية، وبدأت أندية الروتاري في أمريكا سنة ١٩٥٥ م، وانتقلت بعدها إلى بريطانيا وإلى عدد من الدول الأوربية، ومن ثم صار لها فروع في معظم دول العالم، ولها نواد في عدد من الدول العربية كمصر والأردن وتونس والجزائر وليبيا والمغرب ولبنان، وتعد بيروت مركز جمعيات الشرق الأوسط(١٠٨٩)، ويختلف الماسونية عن الروتاري. في أن قيادة الماسونية ورأسها مجهولان، على عكس الروتاري الذي يمكن معرفة أصوله ومؤسسيه، والروتاري وما يماثله من النوادي مثل: الليونز، الكيواني، أبناء العهد، تعمل في نطاق المخططات اليهودية من خلال سيطرة الماسون عليها والذين هم بدورهم مرتبطون باليهودية العالمية نظريا وعمليا(١٠٩٠).
[الصهيونية]
الصهيونية حركة سياسية عنصرية متطرفة، ترمي إلى إقامة دولة اليهود التي تحكم من خلالها العالم كله. وتكون عاصمتها أورشاليم، وارتبطت الحركة الصهيونية باليهودي النمساوي (هرتزل)، الذي يعد الداعية الأول للفكر الصهيوني الذي تقوم على آرائه الحركة الصهيونية في العالم، وتعتبر الصهيونية جميع يهود العالم أعضاء في جنسية واحدة هي الجنسية الإسرائيلية، ويعتقدون أن اليهود هم العنصر الممتاز الذي يجب أن يسود وكل الشعوب الأخرى خدم لهم، ويقولون: لا بد من إغراق الأمميين في الرذائل بتدبيرنا من طريق من نهيئهم لذلك من أساتذة وخدم وحاضنات ونساء ملاهي، ويرون: أن السياسة نقيض للأخلاق. ولا بد فيها من المكر والرياء أما الفضائل والصدق فهي رذائل في عرف السياسة، ويقولون: يجب أن نستخدم الرشوة والخديعة والخيانة دون تردد. ما دامت تحقق مآربنا. ويقولون: ننادي بشعارات (الحرية. والمساواة والإخاء) لينخدع بها الناس ويهتفوا بها وينساقوا وراء ما نريد لهم، ويقولون: سنعمل على دفع الزعماء إلى قبضتنا وسيكون تعينهم في أيدينا واختيارهم حسب وفرة أنصبتهم من الأخلاق الدنيئة وحب الزعامة وقلة الخبرة. ويقولون: سنسيطر على الصحافة تلك القوى الفعالة التي توجه العالم نحو ما نريد، ويقولون: لا بد أن نفتعل الأزمات الاقتصادية لكي يخضع لنا الجميع بفضل الذهب الذي احتكرناه، ويقولون: إن كلمة الحرية تدفع الجماهير إلى الصراع مع الله. ومقاومة سنته فلنشعها هي وأمثالها إلى أن تصبح السلطة في أيدينا، ويقولون: لنا قوة خفية لا يستطيع أحد تدميرها. تعمل في صمت وخفاء وجبروت. ويتغير أعضاؤها على الدوام، وهي كفيلة بتوجيه حكام الأمميين كما نريد(١٠٩١).
ومن المنظمات التي خرجت من عباءة الصهيونية: (منظمة شهود يهوه) وهي منظمة تقوم على سرية التنظيم وعلنية الفكرة دينية وسياسية، ظهرت في أمريكا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي تدعى أنها مسيحية، والواقع أنها واقعة تحت سيطرة اليهود وتعمل لحسابهم، وهي تعرف باسم (جمعية العالم الجديد) إلى جانب (شهود يهوه) الذي عرفت به ابتداء من سنة ١٩٣١ م. وتؤمن هذه المنظمة بعيسى رئيسا لمملكة الله، ويعملون من أجل إقامة دولة دينية دنيوية للسيطرة على العالم، ويقتطفون من الكتاب المقدس الأجزاء التي تحبب في إسرائيل واليهود ويقومون بنشرها، ويعادون النظم الوضعية ويدعون إلى التمرد، ويعادون الأديان إلا اليهودية. وجميع رؤسائهم يهود، ويعترفون بقداسة الكتب التي يعترف بها اليهود ويقدسونها، ولهذه المنظمة علاقة مع المنظمات التبشيرية، والمنظمات الشيوعية والاشتراكية الدولية، ولهم علاقة كبيرة مع أهل النفوذ من اليونانيين والأرمن(١٠٩٢). وخرجت من تحت عباءة اليهودية بعض التيارات الفكرية منها:
(العلمانية): وهي دعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين، وتعني في جانبها السياسي، بالذات اللادينية في الحكم. وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم. والمذهب العلمي، ومن أفكار ومعتقدات هذا التيار، أن بعضهم ينكر وجود الله أصلا، والبعض الآخر يؤمن بوجود الله، لكنهم يعتقدون بعدم وجود أي علاقة بين الله وبين حياة الإنسان، ويعتقدون: أن الحياة تقوم على أساس العلم المطلق. وتحت سلطان العقل والتجريب، ويقولون: بفصل الدين عن السياسة وإقامة الحياة على أساس مادي، وينادون: بتطبيق مبدأ النفعية على كل شيء في الحياة. واعتماد مبدأ (الميكيافيلية) في الفلسفة والحكم والسياسة والأخلاق، ولقد رشح هذا التيار على العالم الإسلامي. وانتشر بفضل الاستعمار والتبشير، وقام دعاته في العالم العربي والإسلامي. بالطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة، وزعموا بأن الإسلام استنفذ أغراضه، وهو عبارة عن طقوس وشعائر روحية، وزعموا بأن الإسلام لا يتلاءم مع الحضارة ويدعو إلى التخلف(١٠٩٣).
(التغريب): وخرج دعاته من تحت العباءة اليهودية، والتغريب تيار كبير ذو أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفنية، ويرمي إلى صبغ حياة الأمم والمسلمين بخاصة بالأسلوب الغربي، وذلك بهدف إلغاء شخصيتهم المستقلة وخصائصهم المتفردة، وجعلهم أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية، ولقد استطاعت حركة التغريب أن تتغلغل إلى كل بلاد العالم الإسلامي، وإلى كل البلاد المشرقية على أمل بسط بصمات الحضارة الغربية المادية الحديثة على هذه البلاد وربطها بالعجلة الغربية، ولم يخل بلد إسلامي أو مشرقي من هذا التيار(١٠٩٤). ويضاف إلى هذه التيارات. تيار (الوجودية) وهو تيار فلسفي، يكفر أتباعه بالله ورسله وكتبه وبكل الغيبيات وكل ما جاءت به الأديان، ويعتبرونها عوائق أمام الإنسان نحو المستقبل، وقد اتخذوا الالحاد مبدأ ووصلوا إلى ما يتبع ذلك من نتائج مدمرة، ومن أشهر زعماء هذا التيار " جان بول سارتر " الفرنسي المولود سنة ١٩٥٥ م، وهو ملحد ويناصر الصهيونية، وانتشرت أفكار هذا التيار بين المراهقين والمراهقات في فرنسا وألمانيا والسويد والنمسا وإنجلترا وأمريكا وغيرها، حيث أدت إلى الفوضى الخلقية والإباحية الجنسية واللامبالاة بالأعراف الاجتماعية والأديان(١٠٩٥).
ويضاف إلى ذلك (الفرويدية) وهي مدرسة في التحليل النفسي.
أسسها اليهودي (سيجموند فرويد) وهي تفسر السلوك الإنساني تفسيرا جنسيا، وتجعل الجنس هو الدافع وراء كل شيء، كما أنها تعتبر القيم والعقائد حواجز وعوائق تقف أمام الاشباع الجنسي. مما يورث الإنسان عقدا وأمراضا نفسية، ولم ترد في كتب وتحليلات فرويد أية دعوى صريحة للانحلال كما يتبادر إلى الذهن، وإنما كانت هناك إيماءات تحليلية كثيرة تتخلل المفاهيم الفرويدية. تدعو إلى ذلك، وقد استفاد الإعلام الصهيوني من هذه المفاهيم لتقديمها على نحو يغري الناس بالتحلل من القيم وييسر لهم سبله بعيدا عن تعذيب الضمير(١٠٩٦).
واستغل اليهود المذهب (الرأسمالي) والرأسمالية نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية. يقوم على أساس تنمية الملكية الفردية والمحافظة عليها، متوسعا في مفهوم الحرية، ولقد ذاق العلم بسببه ويلات كثيرة، وما تزال الرأسمالية تمارس ضغوطها وتدخلها السياسي والاجتماعي والثقافي، وترمي بثقلها على مختلف شعوب الأرض، وتقوم الرأسمالية في جذورها على شيء من فلسفة الرومان القديمة، يظهر ذلك في رغبتها في امتلاك القوة وبسط النفوذ والسيطرة، ولقد تطورت متنقلة من الاقطاع إلى البرجوازية إلى الرأسمالية. وخلال ذلك اكتسبت أفكارا ومبادئ مختلفة. تصب في تيار التوجه نحو تعزيز الملكية الفردية والدعوة إلى الحرية، ولا يهم الرأسمالية من القوانين الأخلاقية إلا ما يحقق لها المنفعة ولا سيما الاقتصادية منها على وجه الخصوص، وتدعو الرأسمالية إلى الحرية وتتبنى الدفاع عنها. لكن الحرية السياسية تحولت إلى حرية أخلاقية واجتماعية. ثم تحولت بدورها إلى إباحية، وازدهرت الرأسمالية في إنجلترا وفرنسا وألمانيا واليابان وأمريكا، وفي معظم العالم الغربي، وكثير من دول العالم يعيش في جو من التبعية لها، ووقف النظام الرأسمالي إلى جانب إسرائيل دعما وتأييدا بشكل مباشر أو غير مباشر(١٠٩٧).
ووضع اليهود بصماتهم على المذهب (الشيوعي) وهو مذهب فكري يقوم على الالحاد. وأن المادة هي أساس كل شيء، ويفسر التاريخ بصراع الطبقات وبالعامل الاقتصادي، وظهر المذهب على يد (ماركس) اليهودي الألماني (١٨١٨ - ١٨٨٣ م) وتجسد في الثورة البلشفية التي ظهرت في روسيا سنة ١٩١٧ م بتخطيط من اليهود، وتوسعت الثورة على حساب غيرها بالحديد والنار، وقد تضرر المسلمون منها كثيرا، وأفكار ومعتقدات هذا المذهب تقوم على: إنكار وجود الله وكل الغيبيات، وقالوا: بأن المادة هي أساس كل شيء، وفسروا تاريخ البشرية بالصراع بين البرجوازية والبروليتاريا، وقالوا أن الصراع سينتهي بدكتاتورية البروليتاريا، وحاربوا الأديان واعتبروها وسيلة لتخدير الشعوب. مستثنين من ذلك اليهودية. لأن اليهودية شعب مظلوم! وحاربوا الملكية الفردية وقالوا بشيوعية الأموال وإلغاء الوراثة، ولم تستطع الشيوعية إخفاء تواطئها مع اليهود. وعملها لتحقيق أهدافهم، فقد صدر منذ الأسبوع الأول للثورة قرار. ذو شقين بحق اليهود:
أ - يعتبر عداء اليهود عداء للجنس السامي يعاقب عليه القانون.
ب - الاعتراف بحق اليهود في إنشاء وطن قومي في فلسطين(١٠٩٨)
وهكذا وضع اليهود المسيرة البشرية بين مذهبين اقتصاديين، يعارض كل منهما الآخر، ليشتد الصراع على امتداد المسيرة، مع احتفاظ اليهود بثمرات كل مذهب، وثمرات الصراع القائم بينهما.
[التبشير]
وأدلى النصارى بدلوهم على المسيرة البشرية. وخرجت قوافل التبشير المختلفة الأسماء المتحدة الهدف، ومن أفكار ومعتقدات هذه القوافل: محاربة الوحدة الإسلامية، وتشويه التعاليم الإسلامية، ونشر النصرانية بين الأمم المختلفة في دول العالم الثالث بعامة وبين المسلمين بخاصة، بهدف إحكام السيطرة على هذه الشعوب، وتتلقى قوافل التنصير الدعم الدولي الهائل من أوروبا وأمريكا. ومن مختلف الكنائس والهيئات والجامعات والمؤسسات العالمية، وألقى التنصير بثقله حول العالم الإسلامي. ويتمركز في أندونسيا وماليزيا وبنجلاديش والباكستان وفي إفريقيا بعامة، من التيارات التبشيرية التي يتبناها اليهود، طائفة (المورمون) وتلبس لباس الدعوة إلى دين المسيح، وتنادي بالعودة إلى الأصل. أي إلى كتاب اليهود، ويعتقدون بأن الله أعطى وعده لإبراهيم، ومن ثم لابنه يعقوب، بأن من ذريته سيكون شعب الله المختار، وكتابهم يشبه التلمود في كل شيء وكأنه نسخة طبق الأصل عنه(١٠٩٩)، ومؤسس هذه الجماعة (يوسف سميث) ولد عام ١٨٠٥ م بمدينة شارون بمقاطعة وندسور التابعة لولاية فرمنت، ولقد جندت إسرائيل كل إمكاناتها لخدمة هذه الطائفة، وآمن بفكر هذه الطائفة كثير من النصارى، وكان دعاتها من الشباب المتحمس، وقد بلغ عدد أفرادها أكثر من خمسة ملايين نسمة، ثمانون بالمئة منهم في أمريكا، ويتمركزون في ولاية (أوتاه) حيث أن ٦٨ % من سكان هذه الولاية منهم، ٦٢ / من سكان مقاطعة البحيرات المالحة مسجلون كأعضاء في هذه الكنيسة، ومركزهم الرئيسي في ولاية (يوتا) الأمريكية، وهذا التيار انتشر في الولايات المتحدة. وأمريكا الجنوبية. وكندا وأوروبا، كما أن لهم في معظم أنحاء العالم فروعا ومكاتب ومراكز لنشر أفكارهم ومعتقداتهم، ويوزعون كتبهم مجانا، ولهم (١٧٥) إرسالية تنصيرية كما أنهم يملكون: شبكة تلفزيونية، وإحدى عشرة محطة إذاعية، ويملكون مجلة شهرية بالإسبانية. وصحيفة يومية واحدة(١١٠٠).
والخلاصة:
يجب أن نعترف بأن المسيرة البشرية حملت ضمن أحمالها البصمة الوثنية. التي زين الشيطان برنامجها وأغوى به قطاع عريض على امتداد المسيرة، ونحن في عصرنا نرى أعلام هذا القطيع ويجب أن نعترف أن الماسونية شجرة عتيقة فروعها هي الصهيونية وملحقاتها، وهذه الشجرة في بستان يملكه اليهود، والخدم في هذا البستان هم علماء التغريب والعلمانية وغيرهم، ومهمة الخدم هي تذويب الاحساس القومي لدى الشعوب بنشر الأفكار العالمية، ونتيجة لذلك يكون اليهود هم الشعب الوحيد الذي يظل محتفظا بقوميته. ويكون له المجد في النهاية وله السيطرة على جميع شعوب الأرض باعتباره شعب الله المختار.
فالشعب اليهودي داخل دائرته. ظل على امتداد تاريخه بعد السبي يؤمن بضرورة العمل من أجل إحياء مملكة داوود. التي يكون لها المجد على شعوب الأرض. ويسبح معها الجبال والطير. وظل أتباع هذا الاعتقاد على امتداد تاريخهم وفي أحلك الأوقات يقيمون حياتهم على أساس هذا الدين الذي يحقق هذه النتيجة، وعندما عاشوا في بقاع الأرض المختلفة متباعدين. كانوا في نفس الوقت متقاربين نتيجة لوحدة الفكر والأمل، ولم يذوبوا في المجتمعات وإنما اجتمعوا في أحياء خاصة بهم داخل المجتمعات الكبيرة، وعملوا من أجل أن تكون المجتمعات الكبيرة في قبضتهم. وذلك عن طريق سيطرتهم على الاقتصاد ورجال الحكم.
وبعد عودة اليهود إلى فلسطين. وبعد انتصارهم عام ١٩٦٧، يخطئ من يظن أن الحرب بين الفطرة وبين اليهود قد انتهت، ومخدوع كل من يظن أن كل ما هو معلق بين المسلمين وبين اليهود قد تحله العقود أو المواثيق أو اتفاقيات الصلح والاعتراف المتبادل، لأن المهمة الإسرائيلية لن تنتهي إلا بظهور أمير السلام الذي ينتظره اليهود، وقد يأخذ السلام بين العرب وبين اليهود أشكالا متعددة، ولكن تبقى الحقيقة الأكيدة: أن هذا السلام في نظر اليهود سيكون ورقة تكتيكية من أوراق الحرب المستمرة، حتى يأتي أمير السلام (الدجال) فينصب فسطاطه في المنطقة. ويتبعه جميع الذين تعاموا عن هذه الحقيقة.
ويجب أن نعترف أن قطاع عريض داخل المسيرة الإسلامية لا يعرف ذاته ولا يعرف القوى المعادية له، أو بمعنى آخر. يجب أن نعترف بأن هؤلاء يبدوا وكأنهم لا يريدون أن يعرفوا ذاتهم أو كأنهم لا يقدرون على محاولة المعرفة، وأنهم لا يعرفوا عدوهم معرفة حقيقية أو لعلهم لم يحاولوا أن يعرفوا، وفي جميع الحالات يجب أن نعترف بأننا لا نعرف أنفسنا ولا نعرف عدونا.
ويجب أن نعترف بأن الفطرة يحيط بها الظلم من كل مكان، وأين الوسائل المحيطة بها يمسك بزمامها الجبان، وكلمة الجبان لا تعني الرجل الخائف الرعديد فقط، وإنما تعني ذلك الرجل الذي إذا تمكن من عدوه كان أكثر جبنا، بمعنى أنه لا يعرف في التعامل معه معنى من معاني النبالة أو الكرم أو الشهامة، إنما يستعمل معه أدنأ الوسائل وأدناها إلى الحطة، والفطرة الإنسانية تحيط بها أكثر الناس جبنا، بمعنى أكثر الناس ميلا للانتقام..
وإذا كان البحث العلمي قد قدم للمسيرة البشرية مجهودات عظيمة، من عصر الطاقة اليدوية إلى عصر الفحم. إلى عصر البخار..
إلى عصر البترول. إلى عصر الكهرباء، ومن عصر الذرة إلى عصر الإلكترونيات. إلى عصر الكومبيوتر إلى عصر الفضاء إلى عصر الهندسة الوراثية، فيجب أن نعترف أن الأعظم من هذا المجهود الضخم استعمل في كل عصر من أجل خدمة مخططات الأهواء وأهداف المادية، وعن طريقة استطاع أصحابه أن يتغلغلوا داخل النفس لإغوائها لتكون عضوا على طريق أهدافهم.
إن العلوم المفيدة تكون في متناول الإنسان عندما تصلح أخلاقه، أما إذا وقف الجبان على أبواب المجهودات العلمية، فسيكون للظلم والجور وللفساد أعلاما متعددة الألوان والأشكال، وفي عصرنا نرى المخطط اليهودي والوثني تحميه الترسنات النووية والكيمائية والمكروبية. والترسانة التقليدية، وأساطيل الطائرات والغواصات والدبابات وقاذفات الصواريخ والباتريوت، ونجد الفطرة في أماكن كثيرة. مقيدة بالديون وفوائد القروض ومحاذير السلاح وضغوط صندوق النقد الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ونجدها مهددة من كل مكان.
بعد أن فسد كل شيء. ولوثت البحار والأنهار بالنفط والمبيدات ومخلفات المصانع وسموم المعادن الثقيلة، ولوث الجو بغازات الكبريت والأزون والكربون والرصاص، واتخذ الجبان من قلب الأرض والبحر مخازن للموت النووي والرعب الذري يدفن فيه النفايات القاتلة لصناعاته المهلكة، ونجد الفطرة محاصرة بقوافل خرقت الشرائع وطلبت اللذة من وجوهها الشاذة باللواط والسحاق، ولقد رأينا كيف خرجت قوافل الشواذ تطالب بشرعية الفسق وتقنين زواج الرجال بالرجال وزواج النساء بالنساء، وتسير في مظاهرات علنية تطالب بحقوقها الشاذة، ولم يقتصر الأمر على خروج قبائل العهر والفسق في مظاهرات، وإنما تفننت قبائل أخرى في جعل الحرية الجنسية شريعة لمملكتها، وأقامت للزنا نواد ومؤسسات وأقمار فضائية تنشره، وأبدعت هذه القبائل في إخراج العهر والفجور والفسق والشذوذ. بجميع أوضاعه في أبهة من الألوان ومواكب من الزينة والزخرف. واستأجرت لهذا الفتيات الساقطات من كل جنس لعرضهن عرايا. ثم ثبت هذا العهر ليستقبله كل من وجه هوائي استقبال إلى الفضاء.
لقد ملأت الأرض ظلما. والتطور ينطلق كل دقيقة بل كل ثانية.
وما كان يحدث من إنجاز علمي في ألوف السنين. أصبح يحدث الآن في سنوات قليلة، ومعنى هذا أن المستقبل سيشهد تطورا مضغوطا في حيز تاريخي قصير، فإذا كان الجبان ساهرا ومشرفا على هذا التطور، فإن معنى هذا أننا نهرول بالفعل إلى النهاية. وقبل هذا اليوم يجب أن نعرف من نحن؟ ومن هو عدونا؟ وما هي أهدافنا وما هي أهداف عدونا؟ ومن أين نبدأ وكيف نخرج من الدائرة المغلقة؟ إننا إذا لم نعرف كل هذا وغيره. فستدفع أجيالنا في المستقبل ثمنا باهظا ويشهدوا جنازتهم على أقل تقدير وهم وراء أمير السلام، وسنعتمد نحن هذه الجنازة لأن المستقبل ابن للماضي ولا ينفصل عنه. أجيبوا. أجيبوا يرحمكم الله. قبل أن يأتي يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
٢ - (مستقر المسيرات الانحرافية)
يبعث الله تعالى الأنبياء والرسل ليذكروا الناس بالمخزون الفطري الذي وضعه الله في النفس البشرية عند بدأ الخلق، وهذا المخزون هو توحيده تعالى، ويقوم الأنبياء والرسل على امتداد عهد البعثة بسوق الناس إلى طريق الهدى ببيانهم للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وبعد أن يقيم رسل الله الحجة على الناس. ينسى بعض الناس ما ذكروا به، ويقومون بأعمال تعارض الفطرة ووصايا الله، وأخبرت الدعوة الخاتمة أن الله تعالى يستدرج هذه المسيرات الانحرافية على امتداد المسيرة البشرية، وعلى امتداد الاستدراج ينال الذين ظلموا عذاب الخزي في الحياة الدنيا، قال تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين)(١١٠١).
وعذاب الاستدراج في الحياة الدنيا أبوابه مفتوحة، يدخل فيها الحاضر إذا أخذ بأسباب الانحراف من الماضي، وإذا انطلق الحاضر إلى المستقبل ولم تحدثه نفسه بتوبة، انتهت أقدامه إلى المسيح الدجال، وفي دائرة الدجال تنال جميع رايات الانحراف والشذوذ عذاب الخزي ويقطع الله دابرهم بعذاب الاستئصال. والنبي الخاتم (ص) أخبر بأن جميع الأنبياء حذروا أممهم من الدجال، وقال " إن الله لم يبعث نبيا إلا حذر أمته الدجال "(١١٠٢)، وحذر النبي (ص) من الدجال ومن كل عمل ينتهي إليه.
ومن ذلك قوله " وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال "(١١٠٣).
وطريق الدجال يبدأ بانحراف دقيق عند المقدمة. ثم يتسع شيئا فشيئا على امتداد المسيرة. وفي مناطق الاتساع ترفع للشذوذ رايات بعد أن ألفه الناس. وهذه الرايات بينها النبي الخاتم (ص) وهو يخبر بأشراط الساعة، ومن ذلك قوله " من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا "(١١٠٤). وقال " إن بين يدي الساعة أياما يرفع فيها العلم وينزل فيها الجهل ويكثر فيها الهرج والهرج القتل "(١١٠٥)، فهذه العلامات تظهر على طريق الفتن والانحراف. وبينها النبي الخاتم ليراجع الناس أنفسهم على امتداد المسيرة، ويشهدوا له بالنبوة بعد أن رأوا أحداثا أخبر بها يوم أن كانت غيبا، فالأحداث في عالم المشاهدة المنظور دعوة للتوبة وتحذيرا من العقاب الذي يحمله طريق الاستدراج.
وآخر الزمان يقف تحت أعلام الدجال جميع المسيرات التي انحرفت عن ميثاق الفطرة وأشركت بالله، ويقف تحتها صناع الفتن وأصحاب الأهواء وتجار الشذوذ وجلادي الشعوب، وجميع الذين ظلموا وصدوا عن سبيل الله العزيز الحكيم، فهؤلاء وغيرهم سينتظمون وراء قيادة الدجال آخر الزمان ويطيعون أوامره، وسيدخلون معه لقتال المهدي المنتظر والمسيح عيسى بن مريم عليهما السلام (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)(١١٠٦).
ثانيا - [القسط والعدل]
كما أن لطريق الشذوذ علامات، فإن لطائفة الحق علامات. وكما أن الله تعالى حذر من شر مخبوء في بطن الغيب. ومنه الدجال، فإنه تعالى بشر بخير مخبوء في بطن الغيب ومنه المهدي المنتظر ونزول عيسى بن مريم آخر الزمان.
١ - (أقوال العلماء في ظهور المهدي ونزول عيسى آخر الزمان)
قال الشوكاني: إن الأحاديث الواردة في المهدي متواترة.
والأحاديث الواردة في الدجال متواترة. والأحاديث الواردة في نزول عيسى متواترة(١١٠٧). وقال صاحب عون المعبود شرح سنن أبو داوود:
إعلم أن المشهود بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار. أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت. يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال بعده وإن عيسى عليه السلام ينزل بعد المهدي أو ينزل معه فيساعده على قتل الدجال، ويأتم بالمهدي في صلاته، وخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة منهم: أبو داوود والترمذي وابن ماجة والبراز والحاكم والطبراني وأبو يعلى، وإسناد أحاديث هؤلاء بين الصحيح والحسن والضعيف. وقد بالغ المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها. فلم يصب بل أخطأ(١١٠٨) وقال صاحب التاج الجامع للأصول: إشتهر بين العلماء سلفا وخلفا أنه في آخر الزمان لا بد من ظهور رجل من أهل البيت يسمى بالمهدي، يستولي على الممالك الإسلامية ويتبعه المسلمون ويعدل بينهم ويؤيد الدين، ولقد أخطأ من ضعف أحاديث المهدي كلها، وما روي من حديث لا مهدي إلا عيسى. فضعيف كما قال البيهقي والحاكم وغيرهما(١١٠٩).
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: لا شك أن المهدي الذي هو ابن المنصور ثالث خلفاء بني العباس ليس هو المهدي الذي وردت الأحاديث المستفيضة بذكره. وإنه يكون في آخر الزمان يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وقد أفردنا للأحاديث الواردة فيه جزءا على حدة، كما أفرد له أبو داوود كتابا في سننه(١١١٠).
وقال الحافظ الكتاني: الأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جدا، تبلغ حد التواتر، وهي عند الإمام أحمد والترمذي وأبي داوود وابن ماجة والحاكم والطبراني وأبو يعلى والبزار وغيرهم.
من دواوين الإسلام من السفن والمعاجم والمسانيد، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة، وبعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، والأحاديث تشد بعضها بعضا، وأمر المهدي مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، وأنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون، ويسمى بالمهدي(١١١١) وقال الكتاني: وفي شرح عقيدة السفاريني الحنبلي ما نصه: وقد كثرت بخروج المهدي الروايات حتى بلغت حد التواتر، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم، وقد رويت أحاديث المهدي عن الصحابة بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، مما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة(١١١٢).
٢ - (فجر الضمير)
قال النبي (ص) بعد أن أقام الحجة على المسيرة " وأيم الله. لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها "(١١١٣) وزاد في رواية: لا يزيغ عنها إلا هالك"(١١١٤) فالطريق واضح وضوح النهار، والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون، وأخبر النبي (ص) بأن المسيرة ستشهد أنماطا بشرية يترتب على حركتها غربة الدين، وهذه النتيجة ترى في قوله (ص) " إن الإسلام بدأ غريبا. وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء "(١١١٥) قال النووي: ظاهر الحديث، أن الإسلام بدأ في أحاد من الناس وقلة. ثم انتشر وظهر. ثم سيلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضا كما بدأ "(١١١٦). وغربة الدين ترى في قول النبي (ص) " الإسلام والسلطان أخوان توأمان. لا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه. فالإسلام أسس (أي: أصل البناء) والسلطان حارث، وما لا حارث له يهدم. وما لا حارث له ضائع "(١١١٧)، ولذلك كان النبي (ص) يقول " إن رحى الإسلام دائرة. وإن الكتاب والسلطان سيفترقان. فدوروا مع الكتاب حيث دار "(١١١٨).
والنجاة في عالم الغربة بين النبي (ص) دائرتها، عن أبي هريرة قال. قالوا: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: أنا ومن معي، قالوا: ثم من؟ قال: الذي على الأثر، قالوا: ثم من؟، فرفضهم رسول الله(١١١٩).
وطائفة الحق على امتداد المسيرة لها أعلامها، ولا يضرها من خذلها أو عاداها، لأنها حجة بمنهجها وحركتها على الناس، وأخبر النبي (ص). بأن هذه الطائفة تستقر أعلامها آخر الزمان. تحت قيادة المهدي المنتظر وعيسى بن مريم عليهما السلام، يقول النبي (ص) " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك"(١١٢٠)، وقال " لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله. لا يضرهم من خذلهم. أو خالفهم. حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس"(١١٢١) وقال " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل آخرهم الدجال "(١١٢٢). وقال " لا تزال طائفة من أمتي تقاتل على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم عند طلوع الفجر ببيت المقدس ينزل على المهدي"(١١٢٣)، وفي رواية " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من ناوأهم حتى يأتي أمر الله. وينزل عيسى عليه السلام "(١١٢٤).
فمن هذه الأحاديث نرى أن طائفة الحق على امتداد المسيرة.
تأخذ بأسباب الهدى. وتنطلق من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل.
لا يضرها من عاداها أو من خذلها. حتى تستقر نهاية المطاف أمام فسطاط المهدي المنتظر.
والمهدي من أهل البيت. من أولاد علي وفاطمة رضي الله عنهما، قال النبي (ص) " المهدي منا أهل البيت "(١١٢٥)، وقال " المهدي من عترتي من ولد فاطمة"(١١٢٦) واسمه يواطئ اسم النبي (ص)(١١٢٧).
والمهدي يخوض معارك آخر الزمان، وسيفتح الصين(١١٢٨) والهند(١١٢٩) وجبل الديلم(١١٣٠) وسيقصم ظهر الروم ويفتح القسطنطينية(١١٣١) ويقاتل اليهود وأميرهم الدجال حتى ينتهي أمرهم بالاستئصال، وقال النبي (ص) " يظهر على كل جبار وابن جبار ويظهر العدل "(١١٣٢).
وفي منهج المهدي يقول النبي (ص) " هو رجل من عترتي يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي "(١١٣٣)، وقال " يعمل بسنتي "(١١٣٤) وقال (ص) " يبعث على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما "(١١٣٥) وقال " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لبعث الله عز وجل. رجل منا يملأها عدلا كما ملئت جورا"(١١٣٦). وعن حذيفة قال.
قال النبي (ص): ويح هذه الأمة من ملوك جبابرة، يقتلون ويخيفون المطيعين إلا من أظهر طاعتهم، فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه ويفر منهم بقلبه، فإذا أراد الله عز وجل أن يعيد الإسلام عزيزا، فصم كل جبار وهو القادر على ما يشاء. أن يصلح أمة بعد فسادها، ثم قال رسول الله (ص): يا حذيفة. لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم، حتى يملك رجل من أهل بيتي تجري الملاحم على يديه، ويظهر الإسلام. لا يخلف الله وعده وهو سريع الحساب(١١٣٧).
وعن ابن مسعود قال. قال رسول الله (ص): إن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءا وتشريدا وتطريدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطا كما ملؤوها جورا، فمن أدرك ذلك منكم، فليأتهم ولو حبوا على الثلج(١١٣٨).
وآخر الزمان يلتقي ابن علي بن أبي طالب. مع ابن مريم أخت هارون، يلتقي آخر أهل البيت في المسيرة الإسلامية، مع المسيح عيسى بن مريم آخر نبي في المسيرة الإسرائيلية، وكلاهما ظلمته مسيرة قومه، ولكن للعدل رداء على الوجود كله، ومن حكمة الله تعالى أن لا تنهدم الدنيا قبل أن يهيمن العدل على المسيرة البشرية، ليعلم الناس وهم تحت سقف الامتحان والابتلاء. أن الحق يقف في النهاية، لأنه أصيل في الوجود، أما الباطل فطارئ لا أصالة فيه، الباطل زبد لا يمكث في الأرض، والباطل يطارده الله على امتداد المسيرة ولا بقاء لشيء يطارده الله. قال تعالى: (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون)(١١٣٩) (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين. قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون. فأعرض عنهم وانتظر. إنهم منتظرون)(١١٤٠)

صدق الله العظيم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين



 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) سورة الذاريات آية ٥٦.
(٢) تفسير ابن كثير ٢٣٨ / ٤.
(٣) تفسير الميزان ٣٨٨ / ١٨.
(٤) سورة الأعراف آية ١٧٢.
(٥) الميزان ٣٢٥ / ٨.
(٦) المصدر السابق ٣٣٠ / ٨.
(٧) سورة البلد آية ٧ - ١٠.
(٨) سورة الشمس آية ٦.
(٩) الميزان ٢٩٦ / ٢٠.
(١٠) سورة لقمان آية ١١.
(١١) سورة البقرة آية ٢٩.
(١٢) سورة الجاثية آية ١٣.
(١٣) تفسير الميزان ١٣١ / ٢.
(١٤) الميزان ١٢٥ / ٢.
(١٥) المصدر السابق ١٢٧ / ٢.
(١٦) الميزان ٣٨٩ / ١.
(١٧) الميزان ١٤٤ / ١٣.
(١٨) سورة الأعراف آية ١٦.
(١٩) الميزان ٣١ / ٨.
(٢٠) سورة الحجر آية ٤٢.
(٢١) سورة إبراهيم آية ٢٢.
(٢٢) سورة الفرقان آية ٣١.
(٢٣) الميزان ٢٠٥ / ١٥.
(٢٤) سورة الحج آية ٥٢ - ٥٣.
(٢٥) سورة التين ٥.
(٢٦) سورة فاطر آية ١٥.
(٢٧) سورة يونس آية ١٠٨.
(٢٨) سورة الأنعام آية ١٠٤.
(٢٩) سورة فصلت آية ٤٦.
(٣٠) سورة العنكبوت آية ٦.
(٣١) سورة الإسراء آية ٧٢.
(٣٢) سورة الإسراء آية ١٩.
(٣٣) سورة المائدة آية ٤٨.
(٣٤) الميزان ٣٥٢ / ٥.
(٣٥) سورة الأعراف آية ٣٤.
(٣٦) سورة الأعراف آية ١٢٩.
(٣٧) سورة يوسف آية ١٠٩.
(٣٨) سورة الأحزاب آية ٦٨.
(٣٩) سورة المؤمنون آية ١٠٦.
(٤٠) سورة المؤمنون ١١٥.
(٤١) الميزان ٧٣ / ١٥.
(٤٢) أنظر: سفر اللاويين ١ / ٩، ٨ / ١ - ١٤.
(٤٣) المصدر السابق ٢٦ / ٣ - ٨.
(٤٤) التثنية ٣١ / ٤ ٢ - ٢٩.
(٤٥) المصدر السابق ٣٨ / ١٥ - ٣٦.
(٤٦) رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح (الفتح الرباني ٦٩ / ٢٤).
(٤٧) سورة الثوري آية ١٠.
(٤٨) سورة الحشر آية ٧.
(٤٩) سورة الأحزاب آية ٣٦.
(٥٠) سورة المائدة ٤٤.
(٥١) سورة المائدة ٤٥.
(٥٢) سورة المائدة ٤٧.
(٥٣) سورة البقرة آية ٢٨٥.
(٥٤) سورة النساء آية ١٥١.
(٥٥) سورة البقرة آية ٢٥٦.
(٥٦) سورة المائدة آية ٦٤.
(٥٧) سورة الأعراف آية ١٤٦.
(٥٨) سورة الأنعام آية ١٥٨.
(٥٩) سورة المائدة آية ٧١.
(٦٠) الميزان ٦٨، ٦٩ / ٦.
(٦١) رواه الإمام أحمد (الفتح الرباني ٦٩ / ٢٤) وابن ماجة حديث رقم ٤٠٧٧.
(٦٢) رواه الإمام أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح (الفتح الرباني ٦٩ / ٢٤).
(٦٣) رواه أحمد (الفتح الرباني ٦٩ / ٢٤) وابن ماجة.
(٦٤) تفسير ابن كثير ٨٤ / ٤.
(٦٥) سورة الأنبياء آية ١٨.
(٦٦) رواه الامام مسلم (الصحيح ٢٦٧ / ٤).
(٦٧) سورة السجدة آية ٢٨.
(٦٨) سورة الأنعام آية ١٥٨.
(٦٩) سورة النساء آية ١٨.
(٧٠) سورة يونس آية ٤٧ - ٥٣.
(٧١) رواه الحاكم وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (المستدرك ٥٥٧ / ٤).
(٧٢) قال في التاج الجامع للأصول رواه أبو داوود والحاكم بسندين صحيحين (التاج ٣٤٣ / ٥) وأنظر سنن أبو داوود ١٠٧ / ٤، عون المعبود ٣٧١ / ١١، كنز العمال ٢٦٤ / ١٤، سنن ابن ماجة حديث ٤٠٨٦، مستدرك الحاكم ٥٥٧ / ٤.
(٧٣) رواه الترمذي وقال في تحفة الأحوازي رواه مسلم وابن ماجة (التحفة ٤٨٣ / ٦).
(٧٤) رواه الترمذي وقال في تحفة الأحوازي وأخرجه الشيخان وأبو داوود وغيرهم (التحفة ٤٧٤ / ٦).
(٧٥) أنظر سفر اللاويين ١ / ٩ - ١١، ١ - ١٤.
(٧٦) رواه الإمام أحمد وقال الهيثمي إسناده جيد (مجمع الزوائد ١٩٣ / ٩) (الفتح الرباني ١٠٥ / ٢٢) (كنز العمال ١٧٢ / ١).
(٧٧) رواه أحمد (الفتح الرباني ٢٠٤ / ٢١) والحاكم وأقره الذهبي (المستدرك ١٣٣ / ٣) وابن أبي عاصم وصححه الألباني (كتاب السنة ٥٦٥ / ٢).
(٧٨) رواه ابن عدي وابن عساكر (كنز العمال ٨٩ / ١) وأبو نعيم (كنز العمال ٣٣ / ١٢).
(٧٩) رواه أحمد (الفتح الرباني ١٢ / ٢٣) وأبو يعلى والبزار (مجمع الزوائد ١٩٠ / ٥) والحاكم (المستدرك ٥٠١ / ٤).
(٨٠) رواه الإمام مسلم (الصحيح ١٧٩ / ١٥).
(٨١) رواه الترمذي وحسنه (الجامع ٦٦٢ / ٥) والنسائي (كنز العمال ١٧٢ / ١).
(٨٢) رواه البخاري (الصحيح ٢٦٤ / ٤) ومسلم (الصحيح ٢١٩ / ١٦) وأحمد (الفتح الرباني ١٩٧ / ١).
(٨٣) سورة الحديد آية ٢٥.
(٨٤) الميزان ١٧٢ / ١٩.
(٨٥) سورة الملك آية ١٢.
(٨٦) سورة الأنعام آية ٥٩.
(٨٧) سورة الجن آية ٢٦.
(٨٨) الخروج إصحاح ٢٥، ٢٦ وما بعده.
(٨٩) المصدر السابق ٤٠ / ١.
(٩٠) المصدر السابق ٣٣ / ٧.
(٩١) المصدر السابق ٤٠ / ١١ - ١٥.
(٩٢) اللاويين ٨ / ١ - ١٢.
(٩٣) المصدر السابق، ٨ / ١٠ - ١١.
(٩٤) المصدر السابق ١١ / ١.
(٩٥) المصدر السابق ٦ / ٢٤.
(٩٦) المصدر السابق ٩ / ٢٢.
(٩٧) سفر العدد ٣ / ٢٢.
(٩٨) المصدر السابق ٣ / ١٠.
(٩٩) المصدر السابق ٣ / ٥.
(١٠٠) المصدر السابق ٣ / ٥.
(١٠١) المصدر السابق ٣ / ١٠.
(١٠٢) العبرانيين ٥ / ١ - ٤.
(١٠٣) رواه الإمام أحمد (الفتح الرباني ٢٠٤ / ٢١) والحاكم وأقره الذهبي (المستدرك ٣٣ ١ / ٣) وابن أبي عاصم وقال الألباني رجاله ثقات (كتاب السنة ٥٦٥ / ٢).
(١٠٤) سورة طه آية ٢٩ - ٣٢.
(١٠٥) لسان العرب ص ٤٨٢٤.
(١٠٦) الميزان تفسير سورة طه.
(١٠٧) التثنية ٣١ / ٢٤ - ٢٨.
(١٠٨) المصدر السابق إصحاح ٣٢.
(١٠٩) اللاويين ٢٦ / ١.
(١١٠) التثنية ٢٨ / ١٥، ٢٨، ٤٦.
(١١١) اللاويين ٢٦ / ١٧.
(١١٢) التثنية ١١ / ٢٦ - ٢٩.
(١١٣) سورة الأعراف آية ١٢٩.
(١١٤) سورة الأعراف آية ١٦٩.
(١١٥) سورة البقرة آية ٦٣.
(١١٦) سورة البقرة آية ٤٠.
(١١٧) سورة البقر ة آية ٤٧.
(١١٨) سورة البقرة آية ٨٣.
(١١٩) سورة الصف آية ٥.
(١٢٠) الميزان ٢٥٩ / ١٩.
(١٢١) يوشع ٢٤ / ٢١ - ٢٣.
(١٢٢) القضاة ١٧ / ٦.
(١٢٣) المصدر السابق ٤ / ٤ - ٦.
(١٢٤) المصدر السابق ٣ / ٥ - ٧.
(١٢٥) المصدر السابق ١٠ / ٦ - ٧.
(١٢٦) المصدر السابق ٧ / ٣٣.
(١٢٧) سورة البقرة آية ٢٤٨.
(١٢٨) نقد التوراة / حجازي لا السقا ص ٩٢.
(١٢٩) صموئيل أول ١٧ / ٢٣.
(١٣٠) سورة البقرة آية ٢٤٩.
(١٣١) الميزان ٢٨٥ / ٢.
(١٣٢) سورة البقرة آية ٢٥١.
(١٣٣) صموئيل أول ٢٠ / ٣٠.
(١٣٤) المصدر السابق ١٩ / ١.
(١٣٥) المصدر السابق ٢٧ / ١.
(١٣٦) المصدر السابق ٢٣ / ١٧.
(١٣٧) المصدر السابق ٢٨ / ١٥.
(١٣٨) سورة ص آية ١٨ - ١٩.
(١٣٩) صمونيل الثاني ٢٤ / ٢٣ - ٢٥.
(١٤٠) أخبار الأيام الأول ١٥ / ١٥.
(١٤١) الملوك الأول ١٨ / ١٨ - ٢٠.
(١٤٢) المصدر السابق ٨ / ٦٠.
(١٤٣) المصدر السابق ٨ / ٦١.
(١٤٤) المصدر السابق ٩ / ٦ - ٩.
(١٤٥) التثنية ٢٦ / ١١.
(١٤٦) إنجيل يوحنا ٤ / ٢٠ - ٢٢.
(١٤٧) المقارنات / د. محمد الصادقي ص ٩٩.
(١٤٨) الملوك الأول ١٢ / ٢٥.
(١٤٩) أي قال للشعب.
(١٥٠) الملوك الأول ١٢ / ٢٨ - ٢٩.
(١٥١) المصدر السابق ١٢ / ٢١ - ٢٢.
(١٥٢) الملوك الثاني ١٧ / ٧، ١٠، ١١، ١٢، ١٣، ١٧.
(١٥٣) أشعيا ١ / ٣ - ٧.
(١٥٤) المصدر السابق ٥٩ / ١٤.
(١٥٥) الملوك الأول ١٢ / ٢ وما بعدها.
(١٥٦) مقارنة الأديان / إبراهيم خليل ص ٨٦.
(١٥٧) مفاتيح الأسفار الإلهية ص ٥٣.
(١٥٨) أخبار الأيام الثاني ١١ / ١٤ - ١٥.
(١٥٩) ملوك أول ٢٦ / ١٥.
(١٦٠) المصدر السابق ١٥ / ٢٨.
(١٦١) المصدر السابق ١٥ / ٣٤.
(١٦٢) المصدر السابق ١٦ / ٨.
(١٦٣) المصدر السابق ١٦ / ١١ - ١٢.
(١٦٤) المصدر السابق ١٦ / ١٥.
(١٦٥) المصدر السابق ١٦ / ١٩.
(١٦٦) المصدر السابق ١٦ / ٢٢.
(١٦٧) المصدر السابق ١٦ / ٢٥.
(١٦٨) الملوك الأول ٢١ / ١٥ - ١٦.
(١٦٩) المصدر السابق ٢٢ / ٥٣.
(١٧٠) الملوك الثاني ٣ / ٣.
(١٧١) المصدر السابق ١٠ / ٦.
(١٧٢) المصدر السابق ١٠ / ٧.
(١٧٣) المصدر السابق ١٠ / ١٢.
(١٧٤) المصدر السابق ١٠ / ١٤.
(١٧٥) المصدر السابق ١٣ / ٣.
(١٧٦) المصدر السابق ١٣ / ١١.
(١٧٧) المصدر السابق ١٤ / ٢٤.
(١٧٨) المصدر السابق ١٥ / ٩.
(١٧٩) المصدر السابق ١٥ / ١٢.
(١٨٠) المصدر السابق ١٥ / ١٤.
(١٨١) المصدر السابق ١٥ / ١٨.
(١٨٢) المصدر السابق ١٥ / ٢٢.
(١٨٣) المصدر السابق ٢٧ / ١٥.
(١٨٤) المصدر السابق ١٧ / ٢.
(١٨٥) المصدر السابق ١٥ / ١٩.
(١٨٦) المصدر السابق ١٥ / ٢٩.
(١٨٧) المصدر السابق ١٧ / ٣ - ٥.
(١٨٨) مقارنة الأديان / إبراهيم خليل ص ٨٧.
(١٨٩) الملوك الأول ١٤ / ٢٧.
(١٩٠) المصدر السابق ١٤ / ٢١.
(١٩١) أخبار الأيام الأول ١٣ / ٢.
(١٩٢) الملوك الأول ١٥ / ٩.
(١٩٣) المصدر السابق ٢٢ / ٤١.
(١٩٤) الملوك الثاني ٨ / ١٧.
(١٩٥) أخبار الأيام الثاني ٢١ / ٤.
(١٩٦) المصدر السابق ٢١ / ١١.
(١٩٧) المصدر السابق ٢٢ / ٢.
(١٩٨) المصدر السابق ٢٢ / ٩.
(١٩٩) أخبار الأيام الثاني ٢٣ / ١٥.
(٢٠٠) المصدر السابق ٢٤ / ١.
(٢٠١) المصدر السابق ٢٤ / ١٧ - ١٩.
(٢٠٢) الملوك الثاني ١٢ / ٢٠.
(٢٠٣) المصدر السابق ١٤ / ١.
(٢٠٤) أخبار الأيام الثاني ٢٥ / ١٤.
(٢٠٥) الملوك الثاني ١٥ / ٢.
(٢٠٦) المصدر السابق ١٥ / ٣٤.
(٢٠٧) أخبار الأيام الثاني ٢٨ / ٣ - ٤.
(٢٠٨) كانت هذه الأحداث قبل سقوط مملكة إسرائيل الشمالية.
(٢٠٩) الملوك الثاني ١٦ / ٧ - ٩.
(٢١٠) أخبار الأيام الثاني ٢٩ / ١.
(٢١١) الملوك الثاني ١٨ / ١٣ - ١٦.
(٢١٢) المصدر السابق ٢١ / ١.
(٢١٣) أخبار الأيام الثاني ٣٣ / ٤ - ٧.
(٢١٤) الملوك الثاني ٢١ / ١٥ - ١٦.
(٢١٥) المصدر السابق ٢١ / ٢١ - ٢٤.
(٢١٦) المصدر السابق ٢٢ / ١.
(٢١٧) المصدر السابق ٢٣ / ٢٩.
(٢١٨) الملوك الثاني ٢٣ / ٢٦.
(٢١٩) المصدر السابق ٢٣ / ٣٥.
(٢٢٠) المصدر السابق ٢٤ / ١.
(٢٢١) المصدر السابق ٢٤ / ٦.
(٢٢٢) أخبار الأيام الثاني ٣٦ / ٧.
(٢٢٣) الملوك الثاني ٢٤ / ٨.
(٢٢٤) المصدر السابق ٢٤ / ١٠ - ١٦.
(٢٢٥) المصدر السابق ٢٤ / ١٨.
(٢٢٦) المصدر السابق ٢٥ / ٦.
(٢٢٧) المصدر السابق ٢٥ / ٩ وما بعدها.
(٢٢٨) سورة الأعراف آية ١٢٩.
(٢٢٩) أخبار الأيام الثاني ٢٨ / ٦ - ٩.
(٢٣٠) سورة البقرة آية ٨٤.
(٢٣١) أشعيا ٥٩ / ٣ - ٤.
(٢٣٢) المصدر السابق ١ / ٢٢.
(٢٣٣) المصدر السابق ٥٩ / ١٤.
(٢٣٤) المصدر السابق ٥٩ / ٥ - ٨.
(٢٣٥) سورة التوبة آية ٣٤.
(٢٣٦) سورة المائدة آية ٦٢.
(٢٣٧) سورة المائدة آية ٨٢.
(٢٣٨) سورة المائدة آية ٦٤.
(٢٣٩) سورة آل عمران آية ١٨٦.
(٢٤٠) سورة البقرة آية ١٠٥.
(٢٤١) سورة البقرة آية ١٠٩.
(٢٤٢) سورة آل عمران آية ٦٩.
(٢٤٣) أشعيا ١ / ٢١.
(٢٤٤) المصدر السابق ٥٩ / ١٠.
(٢٤٥) سورة النساء ١٦٧ - ١٦٨.
(٢٤٦) أخبار الأيام الثاني ٢٨ / ٦ - ٩.
(٢٤٧) الملوك الثاني ١٧ / ١٩.
(٢٤٨) سورة الأعراف آية ١٥٢.
(٢٤٩) سورة البقرة آية ٦١.
(٢٥٠) سورة آل عمران آية ١١٢.
(٢٥١) الميزان ٣٨٤ / ٣.
(٢٥٢) سورة الأعراف آية ١٦٧.
(٢٥٣) الميزان ٢٩٦ / ٨.
(٢٥٤) الميزان ٢١٠ / ١.
(٢٥٥) معجم الحضارة المصرية القديمة ص ٣٢.
(٢٥٦) المصدر السابق ص ٣.
(٢٥٧) المصدر السابق ص ٩٦.
(٢٥٨) سورة البقرة آية ٩٢.
(٢٥٩) سورة الأعراف آية ١٥٢.
(٢٦٠) سورة النساء آية ٤٩.
(٢٦١) سورة النجم آية ٣٢.
(٢٦٢) سورة الأعراف آية ١٦٨.
(٢٦٣) تفسير ابن كثير ٢ / ٢٦٥.
(٢٦٤) الميزان ٢٩٨ / ٨.
(٢٦٥) سورة المائدة آية ١٨.
(٢٦٦) سورة البقرة آية ٩٤.
(٢٦٧) القضاه ٣ / ٥ - ٧.
(٢٦٨) نحميا ١٣ / ٢٢ - ٥ ٢.
(٢٦٩) أرميا ٢٣ / ٣٦.
(٢٧٠) المصدر السابق ٨ / ٨.
(٢٧١) المصدر السابق ٢٣ / ٣١.
(٢٧٢) تفسيره في مقدمة كتاب يوشع ٢٨٢ / ٣ نقلا من كتاب المقارنات / د. الصادقي ص ٨٩.
(٢٧٣) كتاب همفري ص ١٧، ١٨، ط سنة ١٨٤١ نقلا من كتاب المقارنات ص ٩٠.
(٢٧٤) تفسيره التاسع على إنجيل متي نقلا من كتاب المقارنات ص ٩١.
(٢٧٥) سورة النساء آية ٤٦.
(٢٧٦) سورة المائدة آية ١٣.
(٢٧٧) الميزان ٢٣٩ / ٥.
(٢٧٨) اليهود في الحضارات الأولى / جوستاف لويون ص ٥٨ وما بعدها.
(٢٧٩) المصدر السابق ص ٦٢ وما بعدها.
(٢٨٠) أنظر سفر العدد ١٨ / ١، ١٩ / ١ والخروج ٢٩ / ١ - ٣٠.
(٢٨١) الخروج ٣٢ / ٢ - ٦.
(٢٨٢) عدد ١٢ / ٢٠.
(٢٨٣) يوشع ١٦ / ١.
(٢٨٤) أمثال ١ / ١ - ٧.
(٢٨٥) ملوك أول ١١ / ١.
(٢٨٦) المصدر السابق ١١ / ٥.
(٢٨٧) المصدر السابق ١١ / ٦.
(٢٨٨) المصدر السابق ١١ / ٧.
(٢٨٩) المصدر السابق ١١ / ٨.
(٢٩٠) المصدر السابق ١١ / ١٢.
(٢٩١) الكنز المرصود في فضائح التلمود / د. محمد الشرقاوي ط مكتبة الوعي مصر ص ٣٢.
(٢٩٢) المصدر السابق ص ٣٢.
(٢٩٣) التراث الإسرائيلي / صابر طعيمة ص ٤٠١.
(٢٩٤) الكنز المرصود ص ١٤.
(٢٩٥) المصدر السابق ١٦٩.
(٢٩٦) المصدر السابق ص ١٧٠.
(٢٩٧) المصدر السابق ١٧١.
(٢٩٨) الكنز المرصود ص ١٩٠.
(٢٩٩) المصدر السابق ص ٨٤.
(٣٠٠) نقد التوراة / حجازي السقا ص ١٦٨.
(٣٠١) الكنز المرصود ص ١٩٧.
(٣٠٢) التراث الإسرائيلي ص ٣٩٥.
(٣٠٣) سورة غافر آية ٥٦.
(٣٠٤) تفسير ابن كثير ٨٤ / ٤.
(٣٠٥) نقد التوراة / د. حجازي السقا ص ٧٤.
(٣٠٦) أنظر عزرا إصحاح ٤، ٥.
(٣٠٧) المصدر السابق ٢ / ٢.
(٣٠٨) المصدر السابق ٧ / ١٣.
(٣٠٩) نحميا ٢ / ١ - ٩.
(٣١٠) مفاتيح الأسفار الإلهية ص ٤٥.
(٣١١) المصدر السابق ص ٤٥.
(٣١٢) نحميا ١٣ / ١٥ - ١٨.
(٣١٣) المصدر السابق ١٣ / ٢٢ - ٥ ٢.
(٣١٤) ملاخي ١ / ٦.
(٣١٥) المصدر السابق ٢ / ١ - ٣.
(٣١٦) المصدر السابق ١ / ٩ - ١١.
(٣١٧) ملاخي ٢ / ٤ - ٩.
(٣١٨) المصدر السابق ٣ / ١ - ٥.
(٣١٩) المصدر السابق ٤ / ١ - ٦.
(٣٢٠) أنظر كتاب بشارة نبي الإسلام / د. حجازي السقا.
(٣٢١) العدد ٢٦ / ٦٠.
(٣٢٢) تثنية ٢٣ / ١ - ٢.
(٣٢٣) تكوين ١٩ / ٣٠ - ٣٨.
(٣٢٤) تثنية ٢٣ / ٢ - ٣.
(٣٢٥) تكوين ٣٨ / ٦ - ٠ ٣.
(٣٢٦) صموئيل ١٢ / ٧ - ٢٣.
(٣٢٧) تثنية ٢٣ / ١ - ٢.
(٣٢٨) دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة / موريس بوكاي ص ١٠٥.
(٣٢٩) أنظر متي الإصحاح الأول، لوقا الإصحاح الثالث.
(٣٣٠) سورة مريم آية ٣١.
(٣٣١) سورة آل عمران آية ٣٣.
(٣٣٢) سورة الصافات آية ٧٧.
(٣٣٣) سورة البقرة آية ١٢٩.
(٣٣٤) العدد ٢٦ / ٦٠.
(٣٣٥) سورة آل عمران آية ٣٥.
(٣٣٦) سورة التحريم آية ١٢.
(٣٣٧) العدد ٣٦ / ٨.
(٣٣٨) لوقا ١ / ٥.
(٣٣٩) يوحنا ٨ / ١ - ٦.
(٣٤٠) لوقا ٤ / ١٦.
(٣٤١) سورة مريم آية ٢٧.
(٣٤٢) تفسير ابن كثير ١١٨ / ٣.
(٣٤٣) بيان الأئمة ص ١٠٤. الفتن والملاحم / ابن كثير ص ١٣٣ بيان الأئمة ص ١٠٤.
(٣٤٤) مفاتيح الأسفار ص ٥٥، ٥٦.
(٣٤٥) مفاتيح الأسفار ص ٥٦.
(٣٤٦) متي ٢٤ / ١٠.
(٣٤٧) مفاتيح الأسفار الإلهية ص ٥٦.
(٣٤٨) المصدر السابق ٥٦.
(٣٤٩) المصدر السابق ٥٧.
(٣٥٠) المصدر السابق ٥٧.
(٣٥١) المصدر السابق ص ٥٨.
(٣٥٢) المصدر السابق ص ٥٨.
(٣٥٣) المصدر السابق ٥٨.
(٣٥٤) المصدر السابق ٥٨.
(٣٥٥) المصدر السابق ٥٨.
(٣٥٦) لوقا ١ / ٥.
(٣٥٧) المصدر السابق ١ / ٦.
(٣٥٨) المصدر السابق ١ / ٨ - ١٦.
(٣٥٩) سورة مريم آية ٤ - ٧.
(٣٦٠) إنجيل متي ٣ / ١ - ٤.
(٣٦١) متي هنري ٥٨ / ١.
(٣٦٢) إنجيل متي ٧ / ٣ - ١١.
(٣٦٣) متي هنري في تفسيره ٦٦ / ١.
(٣٦٤) المصدر السابق ص ٦٩ / ١.
(٣٦٥) تفسير متي هنري ٦٨، ٦٩، ٧٠ / ١.
(٣٦٦) متي هنري ٥٧ / ١.
(٣٦٧) إنجيل يوحنا ٣ / ٢٨.
(٣٦٨) أشعيا ٧ / ١٤.
(٣٦٩) متي ٣ / ١٣.
(٣٧٠) متي ٣ / ١٦.
(٣٧١) متي هنري ٤٦٦ / ١.
(٣٧٢) سورة الصف آية ٦.
(٣٧٣) سورة آل عمران آية ٥٠.
(٣٧٤) سورة الزخرف آية ٦٣.
(٣٧٥) سورة آل عمران آية ٥٠.
(٣٧٦) سورة النساء آية ١٦٠.
(٣٧٧) متي إصحاح ١٥ / ٢٥.
(٣٧٨) المصدر السابق ٥ / ١٧.
(٣٧٩) تفسير متي هنري ص ١٤٢ / ١.
(٣٨٠) سورة آل عمران آية ٤٨.
(٣٨١) يوحنا ٧ / ١٤ - ٢٠.
(٣٨٢) متي ٧ / ٢٩.
(٣٨٣) سورة الأعراف آية ١٥٧.
(٣٨٤) الميزان ٢٥٣ / ١٩.
(٣٨٥) متي ١٠ / ٧.
(٣٨٦) سورة المؤمنون آية ٨٨ - ٩١.
(٣٨٧) سورة يس آية ٨٣.
(٣٨٨) سورة الأعراف آية ١٨٥.
(٣٨٩) متي ١٨ / ١ - ٣.
(٣٩٠) متي هنري ١٠٦ / ٢.
(٣٩١) رواه الإمام مسلم ك القدر بكل مولود يولد على الفطرة (الصحيح ٥٢ / ٨).
(٣٩٢) متي ١٣ / ١٠ - ١٥.
(٣٩٣) متي هنري ٤٣٣ / ١ وما بعدها.
(٣٩٤) متي ١٠ / ٧.
(٣٩٥) المسيا / إشارة إلى نبي الإسلام. راجع كتاب: المسيا المنتظر نبي الإسلام / د. أحمد حجازي السقا.
(٣٩٦) متي هنري ٣٢٣ / ١.
(٣٩٧) مرقص ١٢ / ٢٨ - ٣٤.
(٣٩٨) سورة البقرة آية ١٣٣.
(٣٩٩) سورة آل عمران آية ١٩.
(٤٠٠) أشعيا ٥٩ / ١١.
(٤٠١) متي ١٥ / ٢٥.
(٤٠٢) متي ١٠ / ٦.
(٤٠٣) أنظر أشعيا ١ / ٢ - ٢٣.
(٤٠٤) متي ١ / ٩ - ١١.
(٤٠٥) متي ١٠ / ٣٤ - ٣٨.
(٤٠٦) رواه مسلم ك الإيمان (الصحيح ٤٩ / ١).
(٤٠٧) متي ٢٣ / ٤ - ٩.
(٤٠٨) المصدر السابق ١٣ / ٥٧.
(٤٠٩) يوحنا ١١ / ٤٥.
(٤١٠) متي ١٢ / ٢٤.
(٤١١) المصدر السابق ١١ / ٢٠.
(٤١٢) متي ١٤ / ٦ - ٩.
(٤١٣) لوقا ١١ / ٤٦ - ٥٢.
(٤١٤) رواه أبو داوود حديث رقم ٤٣٤٥.
(٤١٥) رواه مسلم ك القسامة ب إثم من سن القتل (الصحيح ١٠٧ / ٥).
(٤١٦) سورة المائدة آية ٣٢.
(٤١٧) متي ٣ / ٧ - ١١.
(٤١٨) حزقيال ٣٣ / ٢٣ - ٢٥.
(٤١٩) يوحنا ٨ / ٣٠ - ٣٤.
(٤٢٠) يوحنا ٨ / ٣٧ - ٤٠.
(٤٢١) تفسير متي هنري ٢٧٩ / ٢ بتصرف.
(٤٢٢) متي ٢٣ / ٢٥ - ٢٨.
(٤٢٣) المصدر السابق ٢٣ / ٢٩ - ٢٣.
(٤٢٤) المصدر السابق ٢٣ / ١٣ - ١٤.
(٤٢٥) المصدر السابق ٢٣ / ١٥.
(٤٢٦) متي هنري ٢٨٧ / ٢ بتصرف.
(٤٢٧) لوقا ١١ / ٤٣.
(٤٢٨) متي ١٢ / ٣٣ - ٣٦.
(٤٢٩) سورة المائدة آية ١٣.
(٤٣٠) متي ١٥ / ٦.
(٤٣١) المصدر السابق ١٦ / ٥ - ١٢.
(٤٣٢) متي هنري ٤٩ / ٢.
(٤٣٣) أعمال الرسل ٢٦ / ٥ - ٧.
(٤٣٤) أرميا ٧ / ٤ - ١١.
(٤٣٥) متي ٢١ / ١٢ - ١٤.
(٤٣٦) أرميا ٢٣ / ٤٠.
(٤٣٧) المصدر السابق ١٧ / ٢ - ٤.
(٤٣٨) أشعيا ٥٠ / ١.
(٤٣٩) أشعيا ٥٤ / ١ - ٤.
(٤٤٠) المصدر السابق ٥٤ / ٧ - ١٠.
(٤٤١) أشعيا ٥٤ / ١١ - ١٣.
(٤٤٢) المصدر السابق ٥٥ / ١ - ٢.
(٤٤٣) يشير إلى اختلافهم في تحديد الجبل الذي توضع عليه البركة. أي الجبل الذي يحدد القبلة.
(٤٤٤) أشعيا ٦٥ / ١١ - ١٥.
(٤٤٥) المصدر السابق ٦٥ / ١٧.
(٤٤٦) رؤيا يوحنا ٢١ / ٢٢.
(٤٤٧) إشارة إلى بيت الله الحرام بمكة المكرمة.
(٤٤٨) رؤيا ٢١ / ١ - ٤.
(٤٤٩) المصدر السابق ٢١ / ١٦.
(٤٥٠) أنظر كتابنا المسيح الدجال ط دار الهادي بيروت، ط دار الفتح للإعلام العربي القاهرة.
(٤٥١) الرؤيا ٣ / ١٤.
(٤٥٢) المصدر السابق ٣ / ١٨ - ٢٠.
(٤٥٣) رواه أبو داوود والحاكم بسندين صحيحين (التاج الجامع للأصول ٣٤٣ / ٥) (أبو داوود ١٠٧ / ٤) (كنز العمال ٢٦٤ / ١٤).
(٤٥٤) قال في الفتح الرباني. رواه الإمام أحمد وأبو داوود والترمذي بمعناه ونحوه وقال حديث حسن صحيح وأورده الحاكم وصححه (الفتح ٤٩ / ٢٤).
(٤٥٥) رؤيا يوحنا ١٩ / ١١.
(٤٥٦) رواه الحاكم وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (المستدرك ٥٥٧ / ٤).
(٤٥٧) سيرة المسيح ط كنيسة قصر الدوبارة القاهرة.
(٤٥٨) المصدر السابق ص ٣٢٧.
(٤٥٩) لوقا ٩ / ٥١.
(٤٦٠) يوحنا ٤ / ٢٢.
(٤٦١) متي ٢١ / ٢٣ - ٢٨.
(٤٦٢) متي هنري ٢٢١ / ٢.
(٤٦٣) متي ٢١ / ٤٢ - ٤٥.
(٤٦٤) رواه مسلم (الصحيح ٦٤ / ٧).
(٤٦٥) رواه مسلم (الصحيح ٦٤ / ٧).
(٤٦٦) رواه مسلم (الصحيح ٦٥ / ٧).
(٤٦٧) رواه مسلم (الصحيح ٦٥ / ٧).
(٤٦٨) مزامير ١١٨ / ٢٢.
(٤٦٩) أشعيا ٢٨ / ١٦.
(٤٧٠) دانيال ٢ / ٣٥.
(٤٧١) زكريا ٤ / ٧.
(٤٧٢) سورة الصف آية ٦.
(٤٧٣) سورة الأعراف آية ١٥٧.
(٤٧٤) مرقس ١٣ / ٢.
(٤٧٥) متي ٢١ / ٤٥.
(٤٧٦) يوحنا ٧ / ١٠ - ١٣.
(٤٧٧) يوحنا ٧ / ١.
(٤٧٨) يوحنا ٨ / ٤١.
(٤٧٩) أنظر: متي ٢٧ / ٢٨ - ٤٤.
(٤٨٠) سورة المائدة آية ١٧.
(٤٨١) سورة المائدة آية ٧٣.
(٤٨٢) سورة النساء آية ١٥٧.
(٤٨٣) سورة المائدة آية ١١١.
(٤٨٤) سورة القصص آية ٧.
(٤٨٥) سورة النحل آية ٦٨.
(٤٨٦) إنجيل يوحنا ١٧ / ٦ - ١٠.
(٤٨٧) يوحنا ١٧ / ٢٤.
(٤٨٨) مرقس ١٣ / ٣ - ١٥.
(٤٨٩) متي ١٩ / ٢٧ - ٠ ٣.
(٤٩٠) سيرة المسيح / ط كنيسة قصر الدوبارة القاهرة ص ٤٠٢.
(٤٩١) لوقا ٢٢ / ٤.
(٤٩٢) مرقس ٣ / ١٥.
(٤٩٣) سورة الصف آية ١٤.
(٤٩٤) سورة آل عمران آية ٥٢.
(٤٩٥) تفسير ابن كثير ٣٦٥ / ١.
(٤٩٦) مرقص ١٢ / ١٣ - ١٧.
(٤٩٧) إنجيل يوحنا ٧ / ٣٤.
(٤٩٨) إنجيل يوحنا ١٣ / ٣٤ - ٣٦.
(٤٩٩) سورة آل عمران آية ٥٥.
(٥٠٠) سورة الأنعام آية ٦٠.
(٥٠١) تفسير ابن كثير ٣٦٦ / ١.
(٥٠٢) الميزان ٢٠٨ / ٣.
(٥٠٣) سورة التوبة آية ١١٥.
(٥٠٤) إنجيل يوحنا ١ / ٥١.
(٥٠٥) المصدر السابق ١٥ / ٢٦.
(٥٠٦) المصدر السابق ١٦ / ١ - ٣.
(٥٠٧) المصدر السابق ١٦ / ٤ - ٩.
(٥٠٨) المصدر السابق ١٦ / ١٢.
(٥٠٩) أنظر كتاب نقد التوراة / د. حجازي السقا ص ٢٠٧ وما بعدها.
(٥١٠) رواه مسلم (الصحيح ٩٦ / ٧).
(٥١١) رواه مسلم (الصحيح ٩٦ / ٧).
(٥١٢) لسان العرب مادة علل ص ٣٠٨٠.
(٥١٣) سورة يونس آية ٣.
(٥١٤) سورة البقرة آية ٢٥٥.
(٥١٥) سورة سبأ آية ٢٣.
(٥١٦) سورة مريم آية ٨٧.
(٥١٧) يوحنا ١٧ / ٥.
(٥١٨) استثنى النص يهوذا. ولقد بينا أن الخائن لا وجود له في نصوص أخرى.
(٥١٩) ملاخى ٤ / ٥ - ٦.
(٥٢٠) سورة البقرة آية ١٥٩.
(٥٢١) سورة النساء آية ٥١.
(٥٢٢) رواه مسلم (الصحيح ٩٣ / ١).
(٥٢٣) مزامير ٩١ / ٩ - ١٠.
(٥٢٤) سورة المائدة آية ١١٠.
(٥٢٥) سورة النساء آية ١٥٥ - ١٥٨.
(٥٢٦) سورة التوبة آية ١١٥.
(٥٢٧) حكمة الغرب / بتراندراسل ص ٢٤٢.
(٥٢٨) سورة آل عمران آية ٥٢.
(٥٢٩) أنظر: تفسير ابن جرير وتفسير البغوي وتفسير ابن كثير في قوله تعالى: (وما قتلوه وما صلبوه).
(٥٣٠) أنظر: دخول المسيح إلى أورشاليم (متي ٢١ / ١ - ١٧)، وتوبيخه للفريسيين وعلماء الشريعة (لوقا ١١ / ٣٧ - ٥٤) ومحاولة اليهود رجم المسيح (يوحنا ١٠ / ٢١ - ٣٩)، طرد الباعة من الهيكل (متي ٢١ / ١٢ - ١٧، مرقس ١١ / ١٥ - ١٨، لوقا ١٩ / ٤٥).
(٥٣١) أنظر (متي ٢٢ / ١٥ - ١٢، مرقس ١٢ / ١٣ - ١٧، لوقا ٢٠ / ٢٠ - ٢٦).
(٥٣٢) يوحنا ١٨ / ٤ - ٧.
(٥٣٣) متي ٢٦ / ٦٠ - ٦٤.
(٥٣٤) لأمة / أي درع. ويقال سلاح.
(٥٣٥) رواه الطبراني وابن عساكر (تواتر أحاديث نزول المسيح ص ٢٥٣).
(٥٣٦) رواه الطبراني وابن عساكر (التواتر ص ١٦٤) (تفسير ابن كثير ٥٨٣ / ١).
(٥٣٧) متي ٢٦ / ٦٨.
(٥٣٨) لوقا ٢٢ / ٦٦ - ٧٠.
(٥٣٩) متي ٢٧ / ١١ - ١٤.
(٥٤٠) لوقا ٩ / ٩.
(٥٤١) لوقا ٢٣ / ٨ - ١٢.
(٥٤٢) متي ١١ / ٢٠.
(٥٤٣) مرقس ٢ / ١٧.
(٥٤٤) متي ١٨ / ١١ - ١٤.
(٥٤٥) لوقا ٩ / ٩.
(٥٤٦) متي ٥ / ١١ - ١٣.
(٥٤٧) يوحنا ١٨ / ٣٦.
(٥٤٨) متي ١٩ / ٢٧ - ٣٠.
(٥٤٩) مرقص ٢ / ١٩.
(٥٥٠) أنظر تفسير ابن كثير لدى قوله تعالى: (وما قتلوه...).
(٥٥١) لوقا ٩ / ٢٣.
(٥٥٢) متي ٢٧ / ٤٣.
(٥٥٣) يوحنا ١٩ / ١٩.
(٥٥٤) سورة النساء آية ١٥٧.
(٥٥٥) سورة النساء آية ١٨.
(٥٥٦) أنظر: يوحنا ١٦ / ١ - ٣.
(٥٥٧) لوقا ٢٢ / ٣٥ - ٣٧.
(٥٥٨) رواه ابن عساكر عن ابن مسعود. والطبراني عن معاذ (كنز العمال ٢١٦ / ١).
(٥٥٩) سورة البروج آية ٤ - ٨.
(٥٦٠) ابن كثير في تفسيره ٤٩٥ / ٤.
(٥٦١) تاريخ الكنيسة / لويرم ص ٨٣.
(٥٦٢) أعمال الرسل ٢٦ / ٥ - ٧.
(٥٦٣) غلاطية ١ / ١٤.
(٥٦٤) أنظر: متي ١٢ / ٢٢ - ٣٧، متى ١٦ / ٥ - ١٢، مرقس ٨ / ١٤ - ٢١، لوقا ١١ / ٣٧ - ٥٤.
(٥٦٥) أعمال الرسل ٢٦ / ١٠ - ١٢.
(٥٦٦) غلاطية ١ / ١٣.
(٥٦٧) أعمال الرسل ٢٦ / ٥ - ٧.
(٥٦٨) عبرانيين ٥ / ١ - ٥.
(٥٦٩) أعمال الرسل ٩ / ٣ - ٧.
(٥٧٠) أعمال الرسل ٢٦ / ١٥ - ١٧.
(٥٧١) غلاطية ١ / ١.
(٥٧٢) غلاطية ١ / ١١.
(٥٧٣) كورنثوس ١ / ١٧.
(٥٧٤) كور ١ / ١٠.
(٥٧٥) متي ٥ / ١٧.
(٥٧٦) غلا ٣ / ٢٣ - ٢٩.
(٥٧٧) روما ٥ / ٧ - ١١.
(٥٧٨) روما ٧ / ٤ - ٥.
(٥٧٩) غلا ٣ / ١٣.
(٥٨٠) أنظر: كور ٥ / ١٦، غلا ٣ / ٢٣ - ٢٩، روما ٥ / ٧ - ١١.
(٥٨١) تكوين ١٥ / ١٨ - ٢٠.
(٥٨٢) غلا ٤ / ٢٢ - ٢٤.
(٥٨٣) أعمال الرسل ٢٦ / ٦ - ٨.
(٥٨٤) إفسوس ٣ / ٣ - ٧.
(٥٨٥) غلا ٣ / ١٣ - ١٤.
(٥٨٦) غلا ٣ / ١٥ - ١٧.
(٥٨٧) غلا ٤ / ١٨ - ٣١.
(٥٨٨) غلا ٤ / ٢٥ - ٢٦.
(٥٨٩) رؤيا ٢١ / ١٦.
(٥٩٠) رؤيا ٢١ / ٢٧.
(٥٩١) رؤيا ٢١ / ١.
(٥٩٢) رؤيا ٢١ / ١٠.
(٥٩٣) رؤيا ٢١ / ٢٢.
(٥٩٤) رؤيا ٣ / ٣.
(٥٩٥) رؤيا ٢١ / ٣.
(٥٩٦) رؤيا ٣ / ٣ - ٢٠.
(٥٩٧) تسالونيكي ٤ / ١٦.
(٥٩٨) باباوات من الحي اليهودي / يواكيم برنز ص ٧٤.
(٥٩٩) حياة الحقائق / جوستاف لوبون ص ١٨٧.
(٦٠٠) المسيحية ونشأتها وتطورها / شارل جنيبر ص ١٠٥.
(٦٠١) حقيقة التبشير / أحمد عبد الوهاب ص ٥٩.
(٦٠٢) أنظر: كتابنا عقيدة الدجال ط دار الهادي بيروت.
(٦٠٣) المقارنات / د. محمد الصادقي ص ٦٤.
(٦٠٤) فليبي ٣ / ١٧ - ١٨.
(٦٠٥) روما ١٦ / ١٧.
(٦٠٦) تسالونيكي ٣ / ٦ - ٨.
(٦٠٧) غلاطية ٥ / ١٠.
(٦٠٨) تيطس ٣ / ١.
(٦٠٩) ثيموثاوس ٢ / ٢ - ٣.
(٦١٠) متي ١٥ / ٢٥.
(٦١١) متي هنري ٢٧ / ١.
(٦١٢) قصة الحضارة / ديورانت مجلد ١١، ب ٢٧، ف ٢، ص ٢٧٦.
(٦١٣) المصدر السابق مجلد ١١، ف ٥، ب ٢٨، ص ٣٢٠.
(٦١٤) المصدر السابق مجلد ١١، ف ٢، ب ٢٧، ص ٢٧٦.
(٦١٥) رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح (الفتح الرباني ٦٩ / ٢٤).
(٦١٦) أعمال الرسل ٩ / ٢٦.
(٦١٧) سورة الصف آية ٨ - ٩.
(٦١٨) أعمال الرسل ٩ / ٢٦.
(٦١٩) هي فترة استقل اليهود فيها من الناحية العملية.
(٦٢٠) سورة الصف آية ٨ - ٩.
(٦٢١) سورة المائدة آية ١٥.
(٦٢٢) سورة آل عمران آية ٦٤.
(٦٢٣) أشعيا ٦٥ / ١١.
(٦٢٤) متي ٢١ / ٤٢ - ٤٥.
(٦٢٥) يوحنا ٤ / ٢٢.
(٦٢٦) سورة البقرة آية ١٤٢ - ١٤٥.
(٦٢٧) سورة البقرة آية ١٤٦.
(٦٢٨) حزقيال ٣٣ / ٢٣ - ٢٥.
(٦٢٩) متي ٣ / ٧ - ١١.
(٦٣٠) يوحنا ٨ / ٣٧.
(٦٣١) سورة المائدة آية ١٨.
(٦٣٢) سورة البقرة آية ١٣٥.
(٦٣٣) تفسير ابن كثير ١٨٦ / ١.
(٦٣٤) سورة البقرة آية ١١٣.
(٦٣٥) ابن كثير ١٥٥ / ١.
(٦٣٦) سورة البقرة آية ١٤٠.
(٦٣٧) سورة آل عمران آية ٦٥ - ٧١.
(٦٣٨) السجدة آية ٤٦.
(٦٣٩) سورة غافر آية ٥٦.
(٦٤٠) أنظر تفسير ابن كثير ٨٤ / ٤، تفسير الميزان ٣٤٨ / ١٧.
(٦٤١) سورة الحديد آية ٢١.
(٦٤٢) سورة الأنبياء آية ٢٥.
(٦٤٣) سورة البقرة آية ١٣١.
(٦٤٤) سورة آل عمران آية ١٦٢.
(٦٤٥) سورة النحل آية ١٢٣.
(٦٤٦) سورة الأنعام آية ١٦٢.
(٦٤٧) سورة الأعراف آية ١٢٨.
(٦٤٨) أرميا ٢٣ / ٤٠.
(٦٤٩) أرميا ١٧ / ٢ - ٤.
(٦٥٠) سورة الإسراء آية ١.
(٦٥١) سورة الأنبياء آية ١٠٥.
(٦٥٢) رواه مسلم (الصحيح ٩٣ / ١).
(٦٥٣) رواه مسلم (الصحيح ١٥٩ / ٥).
(٦٥٤) سورة النساء آية ٤٧.
(٦٥٥) الميزان ٣٦٧ / ٤.
(٦٥٦) سورة المائدة آية ٥١.
(٦٥٧) تفسير الميزان ٣٧٣ / ٥.
(٦٥٨) سورة النساء آية ٤٥.
(٦٥٩) الميزان ٣٦٣ / ٤.
(٦٦٠) سورة البقرة آية ١٢٠.
(٦٦١) الميزان ٢٦٥ / ١.
(٦٦٢) ابن كثير في التفسير ١٦٣ / ١.
(٦٦٣) سورة آل عمران آية ١٠٠.
(٦٦٤) سورة البقرة آية ١٠٩.
(٦٦٥) سورة آل عمران آية ٦٩.
(٦٦٦) سورة العنكبوت آية ٤٦.
(٦٦٧) سورة المائدة آية ٨٢.
(٦٦٨) سورة آل عمران آية ١٩٩.
(٦٦٩) سورة القصص آية ٥٢.
(٦٧٠) سورة طه آية ٢٩ - ٣٢.
(٦٧١) أنظر: لسان العرب مادة وزر ص ٤٨٢٤.
(٦٧٢) أنظر: لسان العرب مادة كهن ص ٣٩٥٠.
(٦٧٣) تفسير ابن كثير ١٤٧ / ٣.
(٦٧٤) سورة الأعراف آية ١٤٢.
(٦٧٥) تفسير ابن كثير ٢٤٣ / ٢.
(٦٧٦) سورة المزمل آية ١٥.
(٦٧٧) تفسير ابن كثير ٤٣٨ / ٤.
(٦٧٨) سورة الأحزاب آية ٦٩.
(٦٧٩) سورة الصف آية ٥.
(٦٨٠) سورة الأحزاب آية ٥٧.
(٦٨١) سورة الأعراف آية ١٢٩.
(٦٨٢) سورة يونس آية ١٤.
(٦٨٣) سورة الفرقان آية ٢٠.
(٦٨٤) الميزان ١٩٤ / ١٥.
(٦٨٥) ابن كثير في التفسير ٣١٣ / ٣.
(٦٨٦) البخاري (الصحيح ٣٠٠ / ٢) مسلم (الصحيح ١٧٤ / ١٥) الترمذي (الجامع الصحيح ٦٤٠ / ٥).
(٦٨٧) ابن أبي عاصم وتال الألباني، إسناده حسن ورجاله ثقات (كتاب السنة ٥٦٥ / ٢) وأحمد والحاكم (كنز العمال ٦٠٦ / ١١) (مستدرك الحاكم ١٣٣ / ٣) (الفتح الرباني شرح مسند الإمام أحمد ٢٠٤ / ٢١).
(٦٨٨) ابن البخار (كنز العمال ١٥١ / ١٣).
(٦٨٩) مسلم (الصحيح ١٧٤ / ١٥).
(٦٩٠) أخرجه الإمام أحمد وقال الهيثمي رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير فاطمة بنت علي وهي ثقة (الفتح الرباني ١٢٩ / ٢٣).
(٦٩١) البداية والنهاية / ابن كثير ٣٤٢ / ٧.
(٦٩٢) نظم المتناثر في الحديث المتواتر / الكتاني ص ١٩٥.
(٦٩٣) المصدر السابق ص ١٩٥.
(٦٩٤) مسلم (الصحيح ١٧٩ / ١٥) وأحمد والحاكم (الفتح الرباني ١٠٤ / ٢٢).
(٦٩٥) رواه أحمد وقال الهيثمي إسناده جيد (الزوائد ٩ / ١٩٣) (الفتح الرباني ١٠٥ / ٢٢) والطبراني (كنز العمال ١٨٦ / ١).
(٦٩٦) رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن والطبراني وقال المناوي رجاله موثقون (الفتح الرباني ١٨٦ / ١) (كتاب السنة ٦٤٤ / ٢).
(٦٩٧) رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب (الجامع ٦٦٣ / ٥) وقال في تحفة الأحوازي رواه مسلم من وجه آخر (التحفة ٢٩٠ / ١٠).
(٦٩٨) لسان العرب ص ٢٧٩٦.
(٦٩٩) مسلم شرح النووي ١٧٩ / ١٥.
(٧٠٠) أنظر: كنز العمال ص ١٧٢، ١٧٣، ١٨٦، ١٨٧ / ١، ٤٣٥ / ٤، ٢٩٠ / ٥ وكتاب السنة ص ٣٥١، ٦٤٤ / ٢ والبداية والنهاية ٢٠٩ / ٥.
(٧٠١) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (الجامع ٥٨٤ / ٥) ورواه أحمد (الفتح الرباني ٢٦٦ / ٢١).
(٧٠٢) سورة آل عمران آية ٦١.
(٧٠٣) تفسير ابن كثير ٣٧٠ / ١.
(٧٠٤) سورة الشعراء آية ٢١٤.
(٧٠٥) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقات (الفتح الرباني ١٢٢ / ٢٣) ورواه ابن جرير وصححه والطحاوي والضياء بسند صحيح (كنز العمال ١٢٩ / ١٣).
(٧٠٦) رواه أحمد وابن جرير والضياء بسند صحيح (كنز العمال ١٧٥ / ١٣).
(٧٠٧) رواه ابن إسحاق وابن جرير وابن بي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي (كنز العمال ١٣٣ / ١٣).
(٧٠٨) رواه أحمد وأبو يعلى (كنز العمال ١٤٠ / ١٣) (تحفة الأحوازي ٢٢٢ / ١٠).
(٧٠٩) رواه الترمذي والحاكم وصححه (كنز العمال ٥٩٨ / ١١).
(٧١٠) البداية والنهاية ٣٣٦ / ٧.
(٧١١) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد ١١٤ / ٩) (الفتح الرباني ١١٨ / ٢٣) والحاكم والضياء بسند صحيح (كنز ٥٩٨ / ١١).
(٧١٢) رواه البزار وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد ١١٥ / ٩) والطبراني (كنز العمال ٦٠٠ / ١١).
(٧١٣) نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص ١٩٥.
(٧١٤) رواه مسلم (الصحيح ١٧٦ / ١٥) وأحمد (الفتح الرباني ١٣٢ / ٢٣) والبخاري عن سلمة بن الأكوع (الصحيح ١٦٦ / ٢) والحاكم عن جابر (المستدرك ٣٨ / ٣).
(٧١٥) رواه الترمذي وقال حديث حسن (الجامع ٦٣٩ / ٥) وابن كثير (البداية والنهاية ٣٥٧ / ٧).
(٧١٦) رواه الطبراني عن جنوب بن ناجية (كنز العمال ١٣٩ / ١٣).
(٧١٧) تحفة الأحوازي ٢٣١ / ١٠.
(٧١٨) رواه الطبراني في الكبير (كنز العمال ١٣٩ / ١٣).
(٧١٩) رواه الطبراني والضياء بسند صحيح (٦٠٢ / ١٣ كنز).
(٧٢٠) سورة المزمل آية ١٥.
(٧٢١) سورة الأحزاب آية ٦٩.
(٧٢٢) سورة الأعراف آية ١٦.
(٧٢٣) سورة المنافقين آية ٤.
(٧٢٤) سورة النساء آية ١٤٥.
(٧٢٥) سورة التوبة آية ٩٥.
(٧٢٦) سورة التوبة آية ١٢٥.
(٧٢٧) سورة آل عمران آية ٧.
(٧٢٨) سورة الأحزاب آية ٣٣.
(٧٢٩) أنظر: الفتح الرباني ٢٣٨ / ١٨.
(٧٣٠) رواه مسلم (الصحيح ١٩٤ / ١٥) والحاكم (المستدرك ١٤٧ / ٣).
(٧٣١) رواه الترمذي (الجامع ٣٥١ / ٥) وابن جرير والطبراني وابن مردويه (تحفة الأحوازي ٩٧ / ٩) وابن كثير في التفسير (٤٨٥ / ٣).
(٧٣٢) قال ابن كثير رواه الإمام أحمد وابن جرير (التفسير ٤٨٣ / ٣).
(٧٣٣) قال ابن كثير رواه ابن جرير (التفسير ٤٨٣ / ٣).
(٧٣٤) قال ابن كثير رواه الإمام أحمد (التفسير ٤٨٣ / ٣).
(٧٣٥) سفر الخروج ٤ / ١١ - ١٦.
(٧٣٦) رواه اللالكائي (كنز العمال ٣٧٩ / ١).
(٧٣٧) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (تفسير ابن كثير ٤١٣ / ٤) ورواه الضياء بسند صحيح وابن مردويه وأبو نعيم (كنز العمال ١٧٧ / ١٣.
(٧٣٨) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (تفسير ابن كثير ٤١٣ / ٤).
(٧٣٩) رواه ابن سعد (الطبقات الكبرى ٣٣٨ / ٢).
(٧٤٠) رواه ابن سعد (الطبقات الكبرى ٣٣٨ / ٢).
(٧٤١) سورة هود آية ١٧، ١٨.
(٧٤٢) رواه ابن مردويه بإسنادين (كنز العمال ٤٣٩ / ٢.
(٧٤٣) رواه ابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو نعيم (كنز العمال ٤٣٩ / ٢).
(٧٤٤) سورة الأحقاف آية ١٠.
(٧٤٥) سورة الأحقاف آية ١٢.
(٧٤٦) سورة القصص آية ٣٤.
(٧٤٧) تفسير ابن كثير ٣٨٨ / ٣.
(٧٤٨) سورة الرعد ٧.
(٧٤٩) رواه ابن أبي حاتم (كنز العمال ٤٤١ / ٢).
(٧٥٠) الفتح الرباني ١٨٥ / ١٨.
(٧٥١) الفتح الرباني ١٨٥ / ١٨، تفسير ابن كثير ٥٠١ / ٢.
(٧٥٢) رواه الإمام أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد ١٠١ / ٩) (الفتح الرباني ١٣٣ / ٢٣) وابن جرير وصححه عن علي (كنز العمال ١١٤ / ١٣) والخطيب عن بريدة) (كنز العمال ١٣٥ / ١٣) والطبراني عن معقل بن يسار (كنز العمال ٦٠٥ / ١١).
(٧٥٣) رواه البغوي في شرح السنة. والبخاري في التفسير وأبو نعيم (كشف الخفاء ١٨٤ / ١).
(٧٥٤) رواه الحاكم وصححه (كشف الخفاء ١٨٤ / ١).
(٧٥٥) رواه أحمد وقال الهيثمي رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج وهو ثقة وفيه لين (الفتح الرباني ١١٦ / ٢٣) وقال ابن كثير رواه أبو داوود الطيالسي (البداية ٣٤٦ / ٧) وصححه الألباني (الصحيحة ٢٦٣ / ٥).
(٧٥٦) رواه أحمد وقال في الفتح رواه الترمذي باختصار والبزار باختصار وفيه الأجلح الكندي وثقه ابن معين وبقية رجال أحمد رجال الصحيح (الفتح الرباني ٢١٤ / ٢١).
(٧٥٧) الفتح الرباني ٢١٤ / ٢١.
(٧٥٨) رواه الترمذي وقال حديث حسن (الجامع ٦٦٢ / ٥) والنسائي (كنز العمال ١٧٢ / ١).
(٧٥٩) رواه أحمد (الفتح الرباني ١٢١ / ٢٣) والترمذي وقال حديث حسن (الجامع ٦٣٦ / ٥) وصححه الألباني (الصحيحة ٦٣٢ / ٥).
(٧٦٠) رواه ابن جرير من زيد بن أرقم وعن أبي سعيد الخدري (كنز العمال ١٠٤ / ١٣) والنسائي (البداية ٢٠٩ / ٥).
(٧٦١) قال ابن كثير: رواه ابن جرير وقال الذهبي هذا حديث حسن. وقال وجدت ذلك في نسخة مكتوبة عن ابن جرير (البداية ٢١٣ / ٥).
(٧٦٢) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة (الزوائد ١٠٤ / ٩).
(٧٦٣) رواه البزار وابن جرير وقال الهيثمي رجاله ثقات (كنز العمال ١٥٨ / ١٣) وصححه الألباني (الصحيحة ٣٤٣ / ٥).
(٧٦٤) النتح الرباني ١٢٨ / ٢٣).
(٧٦٥) نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص ١٩٥.
(٧٦٦) البداية والنهاية ٣٥٠ / ٥.
(٧٦٧) كتاب السنة / ابن أبي عاصم. تحقيق نصر الدين الألباني ص ٥٦٦ / ٢.
(٧٦٨) اللاويين ١٠ / ٨ - ١١.
(٧٦٩) المصدر السابق ٩ / ٢٢ - ٢٤.
(٧٧٠) سورة آل عمران آية ٣١.
(٧٧١) سورة يوسف آية ١٠٨.
(٧٧٢) سورة الشورى آية ٢٣.
(٧٧٣) سورة المجادلة آية ٢٢.
(٧٧٤) رواه الطبراني وقال الهيثمي فيه جماعة ضعفاء وقد وثقوا (الزوائد ١٦٨ / ٩) وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٧٧٥) أخرجه ابن جرير. والبغوي (تفسير البغوي ٣٦٤ / ٧) والمقريزي (فضائل أهل البيت ص ٧٢).
(٧٧٦) سورة الأحزاب آية ٥٧.
(٧٧٧) أخرجه الإمام أحمد وقال الهيثمي رجال أحمد ثقات (الزوائد ١٢٩ / ٩) (الفتح الرباني ١٢٠ / ٢٣) ورواه الحاكم وصححه (المستدرك ١٢٢ / ٣) ورواه البزار (كشف الأستار ٢٠٠ / ٣) ورواه ابن حبان في صحيحه (الزوائد ١٢٩ / ٩) ورواه ابن أبي شيبة وابن سعد والبخاري في تاريخه والطبراني (كنز العمال ١٤٢ / ١٣١) وابن كثير (البداية ٣٤٧ / ٧).
(٧٧٨) رواه أبو يعلى وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد ١٢٩ / ٩) وابن كثير (البداية ٣٤٧ / ٧).
(٧٧٩) رواه مسلم (الصحيح ٣ / ١٦) والبخاري بلفظ: فمن أغضبها أغضبني (الصحيح ٢ / ٣٠٢).
(٧٨٠) رواه مسلم (الصحيح ٦٤ / ٢) والترمذي (الجامع ٦٤٣ / ٥) وأحمد (الفتح الرباني ١٢٢ / ٢٣).
(٧٨١) رواه البزار وقال الهيثمي رجاله ثقات (كشف الأستار ٣ / ٢٠١) (الزوائد ١٣٥ / ٩) والحاكم وصححه (المستدرك ١٢١ / ٣).
(٧٨٢) رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وأبو الأزهر بإجماعهم ثقة وإذا تفرد الثقة بحديث فهو على أصلهم صحيح والحديث سمعه يحيى بن معين من أبي الأزهر فصدقه (المستدرك ١٢٨ / ٣) ورواه ابن كثير (البداية ٣٥٦ / ٧).
(٧٨٣) رواه الطبراني في الكبير وابن عساكر (كنز العمال ٦١٠ / ١١).
(٧٨٤) رواه الطبراني في الكبير (كنز ٦١١ / ١١).
(٧٨٥) رواه الحاكم وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (المستدرك ١٣٠ / ٣).
(٧٨٦) رواه الديلمي (كنز العمال ٦١٤ / ١١).
(٧٨٧) رواه الطبراني (كنز العمال ٦١٣ / ١١) وقال الهيثمي رواه الطبراني وفيه محمد بن عبد الله وثقه ابن حبان. ويحيى بن الحسين لم أعرفه وبقية رجاله ثقات (الزوائد ١٣٤ / ٩).
(٧٨٨) رواه ابن عساكر (كنز العمال ٦١٣ / ١١).
(٧٨٩) رواه البخاري ك الصلاة ب التعاون في بناء المساجد. ورواه أحمد (الفتح الرباني ٣٣١ / ٢٢).
(٧٩٠) رواه الحاكم وقال حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه (المستدرك ١٥٠ / ٣).
(٧٩١) رواه الحاكم وقال حديث صحيح ولم يخرجاه (المستدرك ١٤٩ / ٣) وأحمد (الفتح الرباني ١٠٦ / ٢٢) والترمذي عن زيد بن أرقم (الجامع ٦٩٩ / ٥) وابن ماجة والحاكم عن زيد (كنز ٩٦ / ١٢) والطبراني وأحمد والحاكم عن أبي هريرة (كنز ٩٧ / ١٢) وابن أبي شيبة وابن حبان في صحيحه والضياء بسند صحيح عن زيد (كنز ٦٤٠ / ١٣).
(٧٩٢) رواه البخاري (كنز العمال ١٧٧ / ١).
(٧٩٣) رواه أحمد عن أنس وأبي هريرة (كنز ٢١٠ / ١) والترمذي وصححه (الجامع ٢٥ / ٤).
(٧٩٤) رواه الحاكم ونعيم ابن حماد (كنز العمال ١٦٩ / ١١).
(٧٩٥) رواه البيهقي وقال ابن كثير سنده صحيح (البداية ٢١٨ / ٦).
(٧٩٦) رواه البخاري (الصحيح ١٤١ / ٤) ومسلم (الصحيح ٥٣ / ١٥) وأحمد (الفتح الرباني ١٩٥ / ١).
(٧٩٧) رواه البخاري (الصحيح ١٤١ / ٤) ومسلم (الصحيح ٢٩ / ١٥).
(٧٩٨) رواه البخاري (الصحيح ١٤٢ / ٤).
(٧٩٩) رواه البخاري (الصحيح ١٦٠ / ٣) مسلم (الصحيح ١٩٤ / ١٧).
(٨٠٠) رواه أحمد وقال في الفتح سنده جيد (الفتح الرباني ١٩٧ / ١).
(٨٠١) رواه مسلم (الصحيح ١٩٥ / ١).
(٨٠٢) رواه الحاكم والإمام أحمد (كنز العمال ١٩٧ / ١١) وابن عساكر (كنز ٢٧١ / ١١).
(٨٠٣) سورة العنكبوت آية ٣.
(٨٠٤) سفر العدد ٣ / ٥ - ١٠.
(٨٠٥) رواه البخاري ب قول المريض قوموا (الصحيح ٧ / ٤) ومسلم ب ترك الوصية (الصحيح ٧٦ / ٥) وأحمد (الفتح الرباني ١٩١ / ٢٢.
(٨٠٦) رواه البخاري ك العلم (الصحيح ٣١ / ١).
(٨٠٧) رواه أحمد (الفتح الرباني ٢٢٥ / ٢٢) وابن سعد (الطبقات ٢٤٣ / ٢).
(٨٠٨) رواه مسلم ب ترك الوصية (الصحيح ٧٦ / ٥).
(٨٠٩) لسان العرب ص ٤٦١٨.
(٨١٠) المصدر السابق ٤٦١٨.
(٨١١) مختار الصحاح ص ٦٩٠.
(٨١٢) المعجم الوسيط ٩٧٢ / ٢.
(٨١٣) سورة الحجرات آية ٢.
(٨١٤) سورة النور آية ٦٣.
(٨١٥) سورة الأنفال آية ٢٥.
(٨١٦) ابن سعد (الطبقات الكبرى ٢٤٢ / ٢).
(٨١٧) ابن سعد (الطبقات الكبرى ٢٤٢ / ٢).
(٨١٨) رواه الترمذي وقال حديث حسن (الجامع ٦٦٣ / ٥).
(٨١٩) سورة يونس آية ١٤.
(٨٢٠) سورة الحجر آية ٩.
(٨٢١) سورة المائدة آية ٩٤.
(٨٢٢) سورة الحديد آية ٢٥.
(٨٢٣) سورة الأنفال آية ٢٤.
(٨٢٤) رواه أبو داوود رقم ٤٣٤٥.
(٨٢٥) رواه مسلم (الصحيح ١٦ / ١٨) وأحمد (الفتح الرباني ٢٧٢ / ٢١).
(٨٢٦) رواه أحمد والبخاري ومسلم (كنز العمال ٤٢١ / ١١).
(٨٢٧) مسلم (الصحيح ١٨ / ١٥).
(٨٢٨) رواه نعيم وسنده صحيح (كنز العمال ٢٧١ / ١١).
(٨٢٩) رواه أبو داوود حديث رقم ٤٢٢٢.
(٨٣٠) رواه البخاري (الصحيح ٢٣٠ / ٤).
(٨٣١) رواه البخاري (الصحيح ٢٣٠ / ٤).
(٨٣٢) رواه أحمد وإسناده جيد (الفتح الرباني ١٧٣ / ١٩).
(٨٣٣) رواه البخاري (الصحيح ٧٧ / ٤).
(٨٣٤) رواه الإمام أحمد والحاكم وصححه (كنز العمال ١١٩ / ١١).
(٨٣٥) سورة الأنعام آية ١٥٨.
(٨٣٦) أنظر: تفسير ابن كثير ١٩٥ / ٢.
(٨٣٧) رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح (الزوائد ٣٣٥ / ٧).
(٨٣٨) سورة آل عمران آية ١٠٥.
(٨٣٩) رواه البخاري (كنز العمال ١٧٧ / ١).
(٨٤٠) سورة آل عمران آية ١٠٣.
(٨٤١) رواه الإمام أحمد والترمذي وقال حديث حسن. والطبراني. وقال المناوي رجاله موثقون (الفتح الرباني ١٨٦ / ١).
(٨٤٢) سورة الأنعام آية ١٥٩.
(٨٤٣) رواه أحمد (الفتح الرباني ٦ / ٢٤) والترمذي وصححه (الجامع ٢٥ / ٤).
(٨٤٤) سورة التوبة آية ٦٩.
(٨٤٥) تفسير ابن جرير ١٢٢ / ١٠.
(٨٤٦) تفسير ابن كثير ٣٦٨ / ٢.
(٨٤٧) رواه أحمد والبخاري ومسلم (الفتح الرباني ١٩٧ / ١).
(٨٤٨) سورة هود آية ١١٣.
(٨٤٩) رواه أحمد ومسلم والترمذي (الفتح الرباني ٣١ / ٢٧).
(٨٥٠) رواه البخاري (الصحيح ٢٨٠ / ٢) ومسلم (الصحيح ٤١ / ١٨) وأحمد (الفتح الرباني ٣٩ / ٢٣).
(٨٥١) رواه أحمد (الفتح الرباني ٣٠ / ٢٣) وابن حبان في صحيحه وابن أبي عاصم وقال الألباني رجاله ثقات (كتاب السنة ٣٥٢ / ٢).
(٨٥٢) رواه أحمد والبزار وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الزوائد ٢٤٨ / ٥) وابن أبي عاصم وقال الألباني رجاله ثقات (كتاب السنة ٣٥٣ / ٢).
(٨٥٣) رواه الطبراني (كنز العمال ١٠٤ / ١٢).
(٨٥٤) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله ثقات (١٣٥ / ٩).
(٨٥٥) رواه الطبراني عن ابن مسعود (كنز العمال ٢١٦ / ١) ورواه عن معاذ (كنز العمال ٢١١ / ١).
(٨٥٦) رواه عبد الله بن أحمد وإسناده جيد (الفتح الرباني ٤٤ / ٢٣).
(٨٥٧) رواه أبو داوود حديث ٤٣٣٧، وقال الهيثمي رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (الزوائد ٢٦٩ / ٧).
(٨٥٨) رواه أحمد والبخاري (الفتح الرباني ١٧٧ / ١٩) والترمذي وصححه (الجامع ٤٧٠ / ٤).
(٨٥٩) رواه الطبراني وفال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد ٢٧٩ / ٧).
(٨٦٠) رواه أحمد وإسناده صحيح (الفتح الرباني ١٢ / ٢٣).
(٨٦١) رواه أحمد (الفتح الرباني ٢٢ / ٢٣) والبخاري (الصحيح ٢٣٥ / ٤).
(٨٦٢) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقات (الفتح الرباني ٢٣ / ٢٣).
(٨٦٣) رواه البخاري (الصحيح ١٢٨ / ٤).
(٨٦٤) رواه أحمد ورجاله ثقات (الفتح الرباني ١٣٢ / ٢٣) (الزوائد ٢٤٥ / ٥) والحاكم وصححه وأقره الذهبي (المستدرك ٥١٥ / ٤).
(٨٦٥) سورة المجادلة آية ١١.
(٨٦٦) رواه الترمذي وقال حديث صحيح (تحفة الأحوازي ٤١٢ / ٧).
(٨٦٧) رواه أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه (النتح الرباني ١٨٣ / ١).
(٨٦٨) رواه أحمد والطبراني بسند صحيح (الزوائد ٢٠٠ / ١).
(٨٦٩) تحفة الأحوازي ٤١٣ / ٧.
(٨٧٠) رواه الطبراني (كنز العمال ٢٦٨ / ١٠) (الزوائد ١٨٩ / ١).
(٨٧١) رواه أحمد ورجاله ثقات (الزوائد ٢٩٩ / ٦).
(٨٧٢) رواه الطبراني. وإسناده، حسن (الزوائد ٢٣٠ / ٦).
(٨٧٣) رواه مسلم وأحمد (الفتح الرباني ١٩٠ / ١) وابن عساكر (كنز العمال ٧٣ / ٦).
(٨٧٤) الفتح الرباني ١٩٠ / ١.
(٨٧٥) سورة الفرقان آية ٢٠.
(٨٧٦) رواه مسلم (الصحيح ١٢٣ / ٧).
(٨٧٧) رواه الترمذي وحسنه (الجامع ٦٦٢ / ٥) والنسائي (كنز العمال ١٧٢ / ١).
(٨٧٨) رواه الطبراني (كنز العمال ١٢٤ / ١١).
(٨٧٩) رواه الحاكم ونعيم بن حماد (كنز العمال ١٦٩ / ١١).
(٨٨٠) رواه أحمد والحاكم وصححه (المستدرك ١٤٢ / ٣) والدارقطني والخطيب (كنز العمال ٦١٧ / ١١) والبيهقي (البداية ٢١٨ / ٦).
(٨٨١) قال الهيثمي رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات (الزوائد ١٣٦ / ٩) والحاكم والبيهقي بسند صحيح (المستدرك ١٤١ / ٣، البداية والنهاية ٢١٨ / ٦، كنز العمال ١٣٦ / ١٣).
(٨٨٢) البداية والنهاية ١٧٧ / ٨.
(٨٨٣) رواه الحاكم وقال السيوطي سنده صحيح (الخصائص / السيوطي ٢١٣ / ٢).
(٨٨٤) رواه البغوي وابن السكن والبارودي وابن منده وابن عساكر وأبو نعيم (البداية والنهاية ١٩٩ / ٨) (كنز العمال ١٢٦ / ١٢) (الخصائص الكبرى ٢١٣ / ٢) (أسد الغابة ٣٤٩ / ١) (الإصابة ٦٨ / ١).
(٨٨٥) أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار (الزوائد ١٨٨ / ٩) والماوردي في أعلام النبوة بسند صحيح ص ٨٣.
(٨٨٦) سورة الفرقان آية ٢٠.
(٨٨٧) سورة الأنعام آية ٥٣.
(٨٨٨) سورة الأنعام آية ١٦٥.
(٨٨٩) سورة الشورى آية ٢٣.
(٨٩٠) سورة البقرة آية ٢٧.
(٨٩١) سورة محمد آية ٢٣.
(٨٩٢) سورة الممتحنة آية ١.
(٨٩٣) سورة العنكبوت آية ٢٥.
(٨٩٤) رواه الطبراني عن جابر، والخطيب عن ابن عباس (كنز ٦٠٠ / ١١).
(٨٩٥) رواه الحاكم وابن عساكر (كنز ٩٨ / ١٢).
(٨٩٦) رواه الطبراني (كنز ١٠٤ / ١٢).
(٨٩٧) سورة الفرقان آية ٢٧.
(٨٩٨) رواه ابن عدي والطبراني وقال ابن كثير روي عن طرق عديدة (البداية والنهاية ٣٣٤ / ٧) (كنز العمال ٢٩٢ / ١١).
(٨٩٩) رواه أبو يعلى وقال البوصيري رجاله ثقات (كنز العمال ١٥٩ / ١٣).
(٩٠٠) رواه مسلم (كنز العمال ٥٠٩ / ٣) وأحمد (الفتح الرباني ٥٢ / ٢٣).
(٩٠١) سورة الحج آية ٧٨.
(٩٠٢) سورة الزخرف آية ٤١.
(٩٠٣) سورة إبراهيم آية ٢٨.
(٩٠٤) رواه الحاكم وأقره الذهبي (المستدرك ١٣٨ / ٢) وابن جرير والضياء بسند صحيح (كنز ١٧٣ / ١٣) والترمذي وصححه (الجامع ٦٣٤ / ٥).
(٩٠٥) رواه أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه (كنز ٤٨٠ / ٢).
(٩٠٦) رواه نعيم بن حماد والحاكم (كنز ١٦٩ / ١١).
(٩٠٧) رواه نعيم بن حماد وقال ابن كثير رواه البيهقي ورجاله ثقات (كنز العمال ٢٧٤ / ١١) (البداية ٢٦٨ / ٦).
(٩٠٨) أنظر: مجمع الزوائد ١١٢ / ١، المستدرك ٤٨١ / ٤، البداية والنهاية ٥٠ / ١٠، الإصابة ٢٩ / ٢.
(٩٠٩) كنز العمال ٨٢ / ٨.
(٩١٠) مسلم (الصحيح ١٣٥ / ٢).
(٩١١) محاولة الاغتيال رواها الإمام أحمد والطبراني وابن سعد وغيرهم (أنظر الزوائد ١١٠ / ١١).
(٩١٢) رواه مسلم (الصحيح ١٢٥ / ٧).
(٩١٣) رواه مسلم (الصحيح ١٢٤ / ٧) وأحمد (الفتح الرباني ١٤٠ / ٢٣).
(٩١٤) رواه البخاري ك لصلاة ب التعاون في بناء المساجد، ورواه أحمد (الفتح الرباني ٣٣١ / ٢٢).
(٩١٥) رواه ابن خزيمة في صحيحه والبغوي وابن راهويه (كنز العمال ٥٨٦ / ٥).
(٩١٦) رواه أحمد بسند صحيح (الفتح الرباني ٦١ / ٢٣).
(٩١٧) رواه الإمام أحمد (الفتح الرباني ٦٠ / ١) والطبري (تاريخ الأمم والملوك ٢٠٠ / ٣).
(٩١٨) لسان العرب مادة فلت ص ٣٤٥٥.
(٩١٩) تاريخ الأمم والملوك ٣٠ / ٥.
(٩٢٠) المصدر السابق ٣١ / ٥.
(٩٢١) المصدر السابق ٢١٠ / ٣.
(٩٢٢) البخاري (الصحيح ٢٩١ / ٢).
(٩٢٣) تاريخ الأمم ٢١٠ / ٣.
(٩٢٤) أنظر شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد ص ٥٩١ / ٣.
(٩٢٥) سورة الأنعام آية ٣٨.
(٩٢٦) سورة النساء آية ٨٢.
(٩٢٧) شرح النهج / ابن أبي الحديد ٢٣٣ / ١.
(٩٢٨) البخاري (الصحيح ٢١٤ / ١).
(٩٢٩) البخاري ك الإعتصام (الصحيح ٢٦٩ / ٤).
(٩٣٠) البخاري ك الإستئذان (الصحيح ٨٨ / ٤).
(٩٣١) البخاري ك الإعتصام (٢٦٩ / ٤).
(٩٣٢) قال المنذري: رواه الطبراني بإسناد صحيح والحاكم وصححه وقال صحيح على شرط مسلم (الترغيب والترهيب ١٨٤ / ٣).
(٩٣٣) أخرجه الشافعي في الأم بسند حسن. والنسائي.
(٩٣٤) رواه البخاري ك الديات (الصحيح ١٩٣ / ٤).
(٩٣٥) رواه أحمد (الفتح الرباني ١٩٨ / ١٥) والترمذي (الجامع ٤١٩ / ٤).
(٩٣٦) رواه البيهقي وابن راهويه وخثيمة (كنز العمال ٦٣٠ / ٥).
(٩٣٧) سورة البقرة آية ٢٨٢.
(٩٣٨) تقييد العلم / الخطيب البغدادي ص ٣٤.
(٩٣٩) سورة الصافات آية ١٥٧.
(٩٤٠) رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الزوائد ١٥٢ / ١) وابن عبد البر (جامع العلم ٨٦ / ١١).
(٩٤١) رواه الطبراني (الزوائد ١٥١ / ١) والخطيب وسمويه (كنز العمال ٢٣٢ / ١٠).
(٩٤٢) رواه الترمذي وصححه (الجامع ٤٠ / ٥).
(٩٤٣) رواه أحمد (الفتح الرباني ١٩١ / ١) والحاكم (المستدرك ١٠٩ / ١).
(٩٤٤) رواه أحمد (كنز العمال ٢٢٠ / ١٠) والترمذي وابن حبان في صحيحه (كنز ٢٢١ / ١٠).
(٩٤٥) رواه أحمد وأبو داوود والحاكم (كنز ٢٢٣ / ١٠).
(٩٤٦) رواه أبو داوود حديث رقم ٤٢٤٣.
(٩٤٧) رواه الطبراني (الزوائد ١٥٢ / ١).
(٩٤٨) رواه أحمد (الفتح الرباني ١٧٣ / ١) والحاكم وأقره الذهبي (المستدرك ١٠٦ / ١) وأبو داوود (حديث رقم ٣٦٤٦) والدرامي في سننه ١٢٥ / ١.
(٩٤٩) رواه ابن عبد البر (جامع العلم ٨٥ / ١) والخطيب (تقييد العلم ص ٧٤).
(٩٥٠) رواه أحمد (الفتح الرباني ١٩١ / ١) والحاكم وصححه (المستدرك ١٠٩ / ١) والترمذي وصححه (الجامع ٣٨ / ٥).
(٩٥١) رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجة والحاكم وصححه (كنز ١٧٤ / ١) والترمذي وصححه (الجامع ٣٧ / ٥).
(٩٥٢) رواه ابن كثير (كنز العمال ٢٨٥، ٢٨٦ / ١٠).
(٩٥٣) تذكرة الحفاظ ٢، ٣ / ١.
(٩٥٤) رواه ابن عبد البر (كنز ٢٩٢ / ١٠) وابن سعد (كنز ٢٩٣ / ١٠) والخطيب (تقييد العلم ص ٤٩).
(٩٥٥) رواه ابن عبد البر (كنز ٢٩٢ / ١٠).
(٩٥٦) رواه خيثمة وابن عبد البر (كنز ٢٩٢ / ١٠) والخطيب (تقييد العلم ٥٣).
(٩٥٧) رواه الخطيب (تقييد العلم ٥٢).
(٩٥٨) رواه ابن عبد البر (كنز العمال ٢٩٢ / ١٠) وابن سعد (كنز ٢٩٣ / ٠ ١) والخطيب (العلم ٤٩).
(٩٥٩) رواه ابن عساكر (٢٩١ / ١٠).
(٩٦٠) رواه ابن كثير (البداية والنهاية ١٠٧ / ٨).
(٩٦١) رواه ابن سعد (الطبقات ٣٣٦ / ٢) وابن عساكر (كنز ٢٩٥ / ١٠).
(٩٦٢) رواه ابن عساكر (كنز ٢٩١ / ١٠).
(٩٦٣) رواه الطبراني والرامهرمزي والخطيب والديلمي وابن النجار والدينوري والقشيري ونصر (كنز العمال ٢٩٤ / ١٠).
(٩٦٤) رواه ابن عساكر وأبو نصر السجزي (كنز ٢٢٩ / ١٠).
(٩٦٥) رواه ابن عبد البر (جامع العلم ١٣٧ / ١).
(٩٦٦) المصدر السابق ١٣٧ / ١.
(٩٦٧) رواه الخطيب (كنز العمال ٣٠٤ / ١٠).
(٩٦٨) رواه عبد الله بن أحمد والخطيب (كنز ٣٠٤ / ١٠).
(٩٦٩) البداية والنهاية ١٠٧ / ٨.
(٩٧٠) أنظر / معالم الفتن / سعيد أيوب ط دار الكرام بيروت.
(٩٧١) رواه الطبراني ورجاله موثقون وفيه الأجلح الكندي والأكثر على توثيقه (الزوائد ١٨٩ / ١).
(٩٧٢) رواه ابن فضالة في أماليه (كنز العمال ٢٨٢ / ١٠).
(٩٧٣) رواه أحمد والطبراني (الزوائد ١٩٠ / ١) والعسكري عن بشر بن عاصم (كنز ٢٨١ / ١٠) والمروزي عن أبي نضرة (كنز ٢٨١ / ١٠).
(٩٧٤) رواه أحمد والبزار وقال ابن حجر إسناده جيد (الفتح الرباني ١٩٤ / ١).
(٩٧٥) رواه مسلم (الصحيح ٢٠ / ٣).
(٩٧٦) تحفة الأحوازي ٧٤ / ٣.
(٩٧٧) رواه العسكري والمرزوي (كنز العمال ٢٨١ / ١٠) وانظر: كنز العمال ٢٨٢ / ١٠.
(٩٧٨) المجروحين / ابن حبان ص، ٨٨ / ١.
(٩٧٩) تقييد العلم / الخطيب ص ٥٤.
(٩٨٠) رواه أبو داوود ٤٢٤٣.
(٩٨١) رواه البخاري (الصحيح ٢٣٠ / ٤).
(٩٨٢) رواه البخاري (الصحيح ٢٣٠ / ٤).
(٩٨٣) أنظر: معالم الفتن / سعيد أيوب.
(٩٨٤) البخاري (الصحيح ٣٤ / ١).
(٩٨٥) البخاري (الصحيح ٢٨٠ / ٢).
(٩٨٦) رواه ابن عبد البر (جامع العلم ١٤٨ / ١) وابن كثير (البداية والنهاية ١٠٧ / ٨).
(٩٨٧) نعيم بن حماد (كنز العمال ٢٧٤ / ١١).
(٩٨٨) تاريخ الأمم والملوك ٢٨ / ٤.
(٩٨٩) ابن سعد (كنز العمال ٦٠٦ / ١٣) البداية والنهاية ١١٨ / ٨، تاريخ الأمم ٦٩ / ٥، الإستيعاب ٥٩٦ / ٣.
(٩٩٠) تاريخ الأمم ١٨٤ / ٦، الإستيعاب ٥٩٦ / ٣.
(٩٩١) الديلمي (كنز ٥٨٧ / ١٣) البداية والنهاية ١٢٥ / ٨، الإستيعاب ٥٩٧ / ٣.
(٩٩٢) الحاكم وصححه (المستدرك ٤٧٩ / ٣).
(٩٩٣) المستدرك ٤٨٢ / ٤.
(٩٩٤) تاريخ المذاهب الإسلامية / أبو زهرة ١٠٢ / ٢.
(٩٩٥) تاريخ الأدب العربي / بروكلمان ٢٥٦ / ١.
(٩٩٦) رواه الترمذي وصححه (الجامع ٥٦٩ / ٤).
(٩٩٧) رواه أبو داوود عن أبي موسى (كنز ١٩١ / ٣) والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود (كنز ١٩١ / ٣).
(٩٩٨) سورة الأنفال آية ١.
(٩٩٩) رواه البخاري (الصحيح ١٩٠ / ٢).
(١٠٠٠) رواه البخاري (الصحيح ١٩٢ / ٢).
(١٠٠١) سورة الأنفال آية ٤١.
(١٠٠٢) سورة التوبة آية ٦٠.
(١٠٠٣) رواه ابن النجار (كنز ١٩٥ / ١١).
(١٠٠٤) رواه البخاري (الصحيح ١٨٦ / ٢) وأحمد ومسلم والبيهقي (كنز ٢٤٢ / ٧).
(١٠٠٥) رواه أحمد بإسناد صحيح (الفتح الرباني ٦٣ / ٢٣).
(١٠٠٦) رواه البخاري ومسلم وأحمد والبيهقي (كنز ٢٤٢ / ٧).
(١٠٠٧) رواه مسلم وأحمد وأبو داوود والنسائي (الفتح الرباني ٧٧ / ١٤).
(١٠٠٨) رواه البخاري (الصحيح ١٩٦ / ٢).
(١٠٠٩) رواه أحمد (الفتح الرباني ٧٦ / ١٤) وأبو داوود حديث ٢٩٨٠.
(١٠١٠) رواه البغوي (كنز العمال ٣٧٥ / ٤).
(١٠١١) رواه أبو عبيد وابن زنجويه (كنز ٥٧٤ / ٤).
(١٠١٢) رواه أحمد والبخاري وابن خزيمة في صحيحه وابن الجارود والطحاوي وأبو يعلى وابن أبي شيبه وأبو عبيد (كنز ٥٥٥ / ٤).
(١٠١٣) رواه البخاري وأبو داوود (كنز ٥١٤ / ٤).
(١٠١٤) رواه الشيخان وابن عساكر وابن زنجويه وأبو عبيد (كنز ٥٥٧ / ٤).
(١٠١٥) المغني / لابن قدامة ٧١٦ / ٢.
(١٠١٦) مكيال معروف بالشام.
(١٠١٧) رواه أبو عبيد (كنز العمال ٥٧٥ / ٤).
(١٠١٨) رواه البيهقي (كنز العمال ٥٧٨ / ٤).
(١٠١٩) رواه أبو عبيد وابن أبي شيبة والبيهقي وابن عساكر (كنز ٥٥٦ / ٤).
(١٠٢٠) رواه البخاري ومسلم (كنز العمال ٣٧٨ / ٤).
(١٠٢١) أنظر: الفتح الرباني ٧٢ / ١٣، كنز العمال ٣٧٥ / ٤.
(١٠٢٢) رواه أحمد وأبو داوود وابن سعد (كنز العمال ٣٧٣، ٣٧٤ / ٤).
(١٠٢٣) رواه الطبراني عن معاذ. وابن عساكر عن ابن مسعود وأبو داوود عن أبي مطير باختصار (كنز ٢١٦ / ١) أبو داوود حديث ٢٩٥٨.
(١٠٢٤) سورة التوبة آية ٦٠.
(١٠٢٥) أنظر: صحيح مسلم ١٥٦ / ٧. البداية والنهاية ٣٥٩ / ٤، كنز العمال ١٧٦ / ٩.
(١٠٢٦) أنظر: البداية والنهاية ٣٥٩ / ٤.
(١٠٢٧) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الفتح الرباني ٣١٠ / ٢٢) الزوائد ٣٥٣ / ٩) وابن سعد (الطبقات ٢٦٣ / ١).
(١٠٢٨) رواه مسلم (الصحيح ١٦ / ١٦).
(١٠٢٩) مسلم شرح النووي ١٦ / ١٦.
(١٠٣٠) رواه البخاري ومسلم وأحمد (الفتح الرباني ٨٩ / ١٤).
(١٠٣١) الفتح الرباني ٦٢ / ٩، الدر المنثور ٢٥٢ / ٢، تفسير المنار ٤٩٦ / ١٠، فقه السنة / سيد سابق ٤٢٥ / ١.
(١٠٣٢) رواه ابن أبي شيبة والطبراني (تحفة الأحوازي ٣٣٥ / ٣).
(١٠٣٣) المغني / ابن قدامة ٦٦٦ / ٢.
(١٠٣٤) سورة الأنفال آية ١.
(١٠٣٥) سورة الأنفال آية ٤١.
(١٠٣٦) تفسير ابن كثير ٣١٣ / ٢.
(١٠٣٧) سورة التوبة آية ٦٠.
(١٠٣٨) تفسير ابن كثير ٣٦٦ / ٢.
(١٠٣٩) تاريخ اليعقوبي ١٠٦ / ٢.
(١٠٤٠) ابن أبي الحديد ١١١ / ٨.
(١٠٤١) رواه مسلم (الصحيح ٩٧ / ١٨).
(١٠٤٢) رواه الحاكم وصححه (كنز العمال ٥٢٦ / ٣).
(١٠٤٣) رواه أبو عبيد (كنز العمال ٧٧١ / ٥).
(١٠٤٤) فتح الباري ١١٦ / ١.
(١٠٤٥) الإصابة ١٢٠ / ١.
(١٠٤٦) البداية والنهاية ١٣٠ / ٧.
(١٠٤٧) الإصابة ١١٦ / ١.
(١٠٤٨) رواه الطبراني (كنز العمال ١٨١ / ١).
(١٠٤٩) تاريخ الأمم ٢٧ / ٤.
(١٠٥٠) فتوح البلدان ص ١٤٧.
(١٠٥١) البداية والنهاية ٥٤ / ٧.
(١٠٥٢) البداية والنهاية ٥٤ / ٧.
(١٠٥٣) رواه مسلم والترمذي وصححه (تحفة الأحوازي ٥٢٤ / ١).
(١٠٥٤) تحفة الأحوازي ٥٢٤ / ١.
(١٠٥٥) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد ٣٢٤ / ١).
(١٠٥٦) الإصابة ٢٦ / ٥.
(١٠٥٧) رواه أحمد وإسناده جيد (الفتح الرباني ٢٠٠ / ١).
(١٠٥٨) رواه أحمد وأبو يعلى (كنز العمال ١١٩ / ١١).
(١٠٥٩) رواه الحاكم وصححه (المستدرك ٤٨٣ / ٤).
(١٠٦٠) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله ثقات (الزوائد ٢٣١ / ٦) وقال ابن كثير رواه أحمد وإسناده على شرط السنن (البداية ٢٢٨ / ٦، التفسير ١٢٨ / ٣) ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه والبيهقي (كنز ١٩٥ / ١١) (المستدرك ٥٠٧ / ٤).
(١٠٦١) رواه الحاكم وصححه وأقره الذهبي (المستدرك ٥٠٧ / ٤).
(١٠٦٢) رواه الحاكم وصححه (كنز ٢٠٠ / ١٠).
(١٠٦٣) رواه ابن عبد البر (جامع العلم ١٩٠ / ١).
(١٠٦٤) رواه ابن عبد البر (جامع العلم ١٩٢ / ١).
(١٠٦٥) قالع البوصيري: رواه ابن ماجة وإسناده صحيح. ورواه أحمد (الفتح الرباني ١٧٧ / ١٩).
(١٠٦٦) رواه البخاري (الفتح الرباني ٢٠٠ / ١).
(١٠٦٧) الإصابة ١٧١ / ١.
(١٠٦٨) سورة مريم آية ٥٩.
(١٠٦٩) تفسير ابن كثير ١٢٨ / ٣.
(١٠٧٠) رواه البخاري (الصحيح ٢٣٠ / ٤).
(١٠٧١) رواه البخاري ومسلم وأحمد (الفتح الرباني ٣٦ / ٢٣).
(١٠٧٢) رواه أحمد بسند جيد (الفتح الرباني ٣٢ / ٢٤) وأبو داوود.
(١٠٧٣) عون المعبود ٤٠٥ / ١١.
(١٠٧٤) رواه مسلم (الصحيح ٢٠ / ١٨) وأحمد (الفتح الرباني ٣٧ / ٢٤).
(١٠٧٥) سورة الأنعام آية ٨٢.
(١٠٧٦) سورة لقمان آية ١٣.
(١٠٧٧) لسان العرب مادة ظلم ص ٢٧٥٧.
(١٠٧٨) سورة إبراهيم آية ١٣.
(١٠٧٩) سورة هود آية ١٩.
(١٠٨٠) سورة الأنعام آية ٩٣.
(١٠٨١) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة / الندوة العالمية للشباب ط الرياض ص ١١٠.
(١٠٨٢) المصدر السابق ٥٣٧.
(١٠٨٣) المصدر السابق ٢٨٩.
(١٠٨٤) المصدر السابق ٤٢٥.
(١٠٨٥) المصدر السابق ٤٤٩.
(١٠٨٦) المصدر السابق ٤٥١.
(١٠٨٧) المصدر السابق ٤٥٢.
(١٠٨٨) المصدر السابق ٤٣١.
(١٠٨٩) المصدر السابق ٢٤٢.
(١٠٩٠) المصدر السابق ٢٤٣.
(١٠٩١) للمزيد. أنظر المصدر السابق ص ٣٣٢.
(١٠٩٢) المصدر السابق ٢٩٤.
(١٠٩٣) المصدر السابق ٣٦٥.
(١٠٩٤) المصدر السابق ١٥٤.
(١٠٩٥) المصدر السابق ٥٤٤.
(١٠٩٦) المصدر السابق ٣٨١.
(١٠٩٧) المصدر السابق ٢٣٧.
(١٠٩٨) للمزيد: أنظر المرجع السابق ٣١٠ وما بعدها.
(١٠٩٩) المصدر السابق ٤٨٦.
(١١٠٠) المصدر السابق ٤٨٧.
(١١٠١) سورة الأنعام آية ٤٤.
(١١٠٢) رواه الإمام أحمد (الفتح الرباني ٦٩ / ٢٤).
(١١٠٣) رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح (الفتح الرباني ٦٩ / ٢٤).
(١١٠٤) رواه مسلم (الصحيح ٥٨ / ٨).
(١١٠٥) رواه مسلم (الصحيح ٥٨ / ٨).
(١١٠٦) سورة يوسف آية ٢١.
(١١٠٧) عون المعبود ص ٤٥٨ / ١١.
(١١٠٨) عون المعبود ص ٣٦٢ / ١١.
(١١٠٩) التاج الجامع للأصول ص ٣٤١ / ٥.
(١١١٠) البداية والنهاية ٢٨١ / ٦.
(١١١١) نظم المتناثر في الحديث المتواتر ص ٢٢٦.
(١١١٢) نظم المتناثر ص ٢٢٦.
(١١١٣) رواه ابن ماجة (كنز العمال ٣٧٠ / ١١).
(١١١٤) رواه ابن أبي عاصم (كتاب السنة ٢٧ / ١).
(١١١٥) رواه مسلم (الصحيح ١٧٧ / ٢).
(١١١٦) مسلم شرح النووي ١٧٧ / ٢).
(١١١٧) رواه الديلمي (كنز العمال ١٠ / ٦).
(١١١٨) رواه الطبراني وابن عساكر (كنز العمال ٢١٦ / ١).
(١١١٩) رواه أحمد وقال في الفتح رواه مسلم (الفتح الرباني ٢١٩ / ٢٣).
(١١٢٠) رواه مسلم (الصحيح ٦٥ / ١٣).
(١١٢١) رواه مسلم (الصحيح ٩٧ / ١٣).
(١١٢٢) رواه الحاكم وصححه (المستدرك ٤٥٠ / ٤).
(١١٢٣) رواه أبو عمر الداني (عقد الدرر ص ٢٢٠).
(١١٢٤) رواه أحمد والحاكم وصححه وأبو داوود (الفتح الرباني ٢١٠ / ٢٣).
(١١٢٥) رواه أبو نعيم والحاكم وصححه (عقد الدرر ص ٢١) (المستدرك ٥٥٧ / ٤ (عون المعبود ٣٧٥ / ١١).
(١١٢٦) رواه أبو داوود (السنن ٤٢٢ / ٢) والحاكم وابن ماجة (المستدرك ٥٥٧ / ٤) (التاج الجامع للأصول ٣٤٣ / ٥) (كنز العمال ٢٦٤ / ١٤) (الحاوي للسيوطي ٢٢٤ / ٢).
(١١٢٧) رواه أحمد والترمذي وأبو داوود والحاكم (الفتح الرباني ٤٩ / ٢٤) (جامع الترمذي ٥٠٥ / ٤).
(١١٢٨) أنظر: عقد الدرر ص ٢٢٤.
(١١٢٩) أنظر: التاج الجامع للأصول ٣٢٥ / ٥، عقد الدرر ٢١٩.
(١١٣٠) أنظر: عقد الدرر ص ٢٢٤.
(١١٣١) أنظر: عقد الدرر ص ٢١١.
(١١٣٢) رواه الطبراني (الزوائد ٣١٥ / ٧) (الحاوي ٢١٨ / ٢).
(١١٣٣) رواه نعيم بن حماد (الحاوي ٢٣٣ / ٢) (عقد الدرر ص ١٧).
(١١٣٤) رواه أبو نعيم (عقد الدرر ١٥٦).
(١١٣٥) قال الهيثمي رواه الترمذي وغيره وأحمد وأبو يعلى ورجالهما ثقات (الزوائد ٣١٤ / ٧) (الفتح الرباني ٥٠ / ٢٤).
(١١٣٦) رواه أحمد وأبو داوود (الفتح الرباني ٤٩ / ٢٤) (عون المعبود ٣٧٣ / ١١).
(١١٣٧) رواه نعيم بن حماد وأبو نعيم (عقد الدرر ص ٦٣) (الحاوي ٢٢١ / ٢).
(١١٣٨) رواه ابن ماجة حديث ٤٠٨٢، والحاكم (المستدرك ٤٦٤ / ٤) (كنز العمال ٢٦٨ / ١٤).
(١١٣٩) سورة يوسف آية ٢١.
(١١٤٠) سورة السجدة آية ٢٨.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved