فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » الحركة الإصلاحيّة من الحسين (عليه السلام) إلى المهدي (عليه السلام)
 كتب المركز

الكتب الحركة الإصلاحيّة من الحسين (عليه السلام) إلى المهدي (عليه السلام)

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: السيد صدر الدين القبانجي الشخص المحقق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٥ المشاهدات المشاهدات: ٦٧١٧٤ التعليقات التعليقات: ١

الحركة الإصلاحيّة من الحسين (عليه السلام) إلى المهدي (عليه السلام)
مائة سؤال وجواب حول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

تأليف: السيد صدر الدين القبانچي
إعداد وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الطبعة الخامسة (المحققة) - ١٤٤٢هـ

الفهرس

مقدّمة المركز
مقدّمة المؤلِّف
المحاضرة الأُولى: قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في الفكر الإسلامي
المقدّمة الأُولى: نظريَّة وحدة التاريخ
وحدة الأديان
وحدة الأمَّة الدِّينيَّة
المقدّمة الثانية: المهدي (عجَّل الله فرجه) امتداد للحسين (عليه السلام)
الخطبة الأُولى للإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)
المقدّمة الثالثة: المستوى العلمي لقضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الضرورات والاجتهادات
طريفة
لماذا هذا الحجم؟
الأحاديث في المهدي (عجَّل الله فرجه)
نظريَّة ابن خلدون
خاتميَّة الإسلام وشهادة الأُمَّة الإسلاميَّة
عناصر الاشتراك
الحسين يعود لنصرة المهدي (عجَّل الله فرجه)
الاشتراك في الشخصيَّة
لقاء السيِّد حيدر الحلّي بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
المحاضرة الثانية: حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) فلسفتها وأهدافها
الخطاب السياسي للحسين (عليه السلام) رؤية مقارنة
مكوِّنات الخطاب
الخطاب السياسي الأوَّل للإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)
المقطع الأوَّل
المقطع الثاني
المقطع الثالث: الانتصار للحقِّ
الاشتراك في الأهداف
هدف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
هل يأتي بدين جديد؟
لمحة عن حركة الإمام (عجَّل الله فرجه)
أربع صفات لحركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)
لماذا لم ترد في القرآن؟
جواب الشبهة
طريقة القرآن
لماذا أيُّها القرآن؟
امتحان الناس
قوم موسى (عليه السلام)
القرآن يذكر الإطار العامَّ
الإطار العامُّ للقضيَّة
الآيات القرآنيَّة
عمق التأكيد القرآني
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في السُّنَّة الشريفة
تفسير الإصرار على القضيَّة
مدَّة حكم الإمام (عجَّل الله فرجه)
خليفة المهدي (عجَّل الله فرجه)
رجعة المعصومين (عليهم السلام)
النجف والكوفة على عهد الإمام (عجَّل الله فرجه)
أوَّل أُمَّة تلتحق بالإمام (عجَّل الله فرجه)
الانتقام من الظالمين
المحاضرة الثالثة: الاشتراك في المنهج
منهج التغيير في خطاب الحسين (عليه السلام)
ثورة تغييريَّة
نوعان من الحركات التغييريَّة
منهج حركة الأنبياء (عليهم السلام)
منهج حركة الحسين (عليه السلام)
منهج حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
لمحة عن حركة الإمام (عجَّل الله فرجه)
علامات الظهور
التحاق الشيعة
التعايش السلمي
الحركة الثقافيَّة
مناقشة روايات السيف
مع الدكتور أحمد أمين
كلمات ابن خلدون
دليل ابن خلدون
مناقشة ابن خلدون
مناقشة أحمد أمين
البخاري لم ينقل روايات المهدي (عجَّل الله فرجه)
الحسين (عليه السلام) في كربلاء
المحاضرة الرابعة: العامل الغيبي والبشري
خطاب الحسين (عليه السلام)
العامل الغيبي والبشري
الأديان في مجال التشريع
الأديان في مجال التغيير
رواية في بني إسرائيل
استثناء داود وسليمان (عليهما السلام)
دعاء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في يوم الخندق
العنصر البشري في حركة الحسين (عليه السلام)
نزول الملائكة
من هو أبان بن تغلب؟
من هو الشيخ الصدوق؟
حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)
مشكلة طول العمر
خروج الدابَّة
قصَّة الجزيرة الخضراء
المحاضرة الخامسة: نظريَّة المجتمع السعيد
نظريَّة المجتمع السعيد
الاشتراك التاريخي
الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يذكر حركة الحسين (عليه السلام)
الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُبشِّر بظهور المهدي (عجَّل الله فرجه)
المهدي (عجَّل الله فرجه) في التوراة والإنجيل
مع الدكتور المصري
الأديان الوضعيَّة ورؤيتها
الإصلاح في النظريَّة الشيوعيَّة
الديمقراطيَّة هل هي المصلح؟
ظواهر المجتمع السعيد
قيادة المجتمع السعيد
الكوفة هي العاصمة
السهلة هي منزل الإمام (عجَّل الله فرجه)
عودة الدِّين
إشكالات على نظريَّة المجتمع السعيد
الطريق إلى المجتمع السعيد
النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتحدَّث عن انتصارات تمهيديَّة
طوبى للشيعة
الدعاء في زمن الغيبة
قصَّة مسلم بن عقيل
المحاضرة السادسة: المسار الجغرافي لحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
المسار الجغرافي لحركة الحسين (عليه السلام)
المسار الجغرافي للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
روايات المسار الجغرافي
الإصلاح ينطلق من الشرق
أربعة أنبياء عرب
الإصلاح العالمي بين النظريَّتين
معالم الإصلاح الغربي
معالم الإصلاح الإسلامي
المصلح المعصوم ضرورة
الإمكان العلمي والثبوت العلمي
الأدلَّة العلميَّة على حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
مجموعة شُبُهات
قصَّة العصفور والبحر
رسالة الإمام (عجَّل الله فرجه)
كتاب الشيخ الطوسي (رحمه الله)
ختام المجلس
المحاضرة السابعة: نقاط التمايز بين الحركتين
نقاط التمايز
الاشتراك في فلسفة التحرُّك
بعض الأساطير
مواجهة الانحراف الداخلي
اليهود مركز العداء
التحالف الإسلامي النصراني
قصَّة في ألمانيا
المواجهة مع الدجَّال
ما هي الوظيفة الشرعيَّة؟
علامات الظهور وشروط الظهور
١ - الخسف
٢ - الموت الأحمر والموت الأبيض
٣ - سقوط العراق
٤ - فتح فلسطين
٥ - انكشاف الفرات
٦ - طلوع الشمس من المغرب
٧ - زوال الجبال
٨ - تقارب الزمان
٩ - ظهور يأجوج ومأجوج وعودة ذي القرنين
العمل على توفير الشروط
فائدة الإمام (عجَّل الله فرجه) في الغيبة
قصَّة العلامة الحلّي (رحمه الله)
قصَّة المقدَّس الأردبيلي (رحمه الله)
شخصيَّة العبَّاس (عليه السلام)
المحاضرة الثامنة: الأدوات الإعجازيَّة في حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الاستخدام الإعجازي لدى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
نماذج من الأدوات الإعجازيَّة
الاستخدام الإعجازي لدى الأنبياء (عليهم السلام)
قانون الاستخدام الإعجازي
الموضع الأوَّل: الدلالة على التمثيل الإلهي
الموضع الثاني: عند استنفاد الطاقات في المعركة
الموضع الثالث: تكوُّن الشخصيَّة
الاستخدام الإعجازي لدى الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)
أنواع الإمكان
خمس من سُنَن الأنبياء (عليهم السلام)
زواج الإمام (عجَّل الله فرجه)
تفسير الأدوات الإعجازيَّة
مصيبة القاسم بن الحسن (عليه السلام)
المحاضرة التاسعة: سُنَّة الابتلاء ومسألة اللقاء
سُنَّة الابتلاء
الصيحة في السماء
وضوح الحقيقة
الوعي السياسي لدى الشيعة
عصائب العراق
قصَّة أبي الأديان
أربعة أدلَّة على وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
موجز عن الدليل الإسلامي
موجز عن الدليل العلمي
قصَّة من محمّد بن عثمان العمري
مسؤوليَّتنا في زمان الغيبة
موجز عن الدليل الخارجي
صور اللقاء بالإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)
الصورة الأُولى: اللقاء العامُّ
الصورة الثانية: اللقاء في المنام
الصورة الثالثة: اللقاء المباشر غير المعروف
الصورة الرابعة: اللقاء المباشر المعروف
قصَّة عليِّ بن إبراهيم بن مهزيار
ليلة عاشوراء
المحاضرة العاشرة: موقع المرأة في عصر الظهور
التكليف في زمن الغيبة
لماذا لا يُستجاب الدعاء بالفرج؟
موقع المرأة
النظريَّة الإسلاميَّة في المرأة
الأصالة الإنسانيَّة
التساوي في الحقوق
التمايز الوظيفي
إشكالات على النظريَّة الإسلاميَّة
المرأة في حركة الحسين (عليه السلام)
مشاركة المرأة في صنع الثورة
مشاركة المرأة في صيانة الثورة
دور المرأة في الحركة الحسينيَّة
المرأة في حركة إمام العصر (عجَّل الله فرجه)
خروج الشمس من المغرب
نداءات الإمام (عجَّل الله فرجه)
المصادر والمراجع

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وخاتم رُسُله وعلى آله الطيِّبين الطاهرين.
أمَّا بعد..
شاءت القدرة الإلهيَّة أنْ تضع بإزاء كلِّ حقٍّ باطلاً يتناسب معه بالقوَّة والاستطالة، ويوازيه من حيث الاتِّجاه والمسيرة التأريخيَّة، فكان ذلك من القوانين والسُّنَن الثابتة التي ابتنت عليها أُسُس الخليقة منذ نشأتها الأُولى، والتي رسمت للدنيا إطارها الذي لا تملك أنْ تخرج عن حدوده.
وهذا هو ذات الأمر الذي أشارت إليه الآية المباركة في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: ٢)، إذ إنَّ التتبُّع الواعي لكلِّ مسيرة أو حركة تنتسب إلى الحقِّ في منهجيَّتها يبرهن لنا أنَّ مسيرة الباطل وحركته لم تتخلّ يوماً عن ملازمة حركات الإصلاح والتحرُّر والسير الحثيث بموازاتها، منذ اليوم الأوَّل الذي وقف فيه أبونا آدم (عليه السلام) ليعبد الله الواحد القهَّار، ومروراً بما يُحدِّثنا التأريخ عن قابيل وهابيل والأنبياء والمصلحين، وإلى يومنا الذي نعيشه.
ولعلَّ من أوضح الأفكار والرؤى التي تنتسب إلى الحقِّ ونهجه القويم، بل وينتسب الحقُّ إليها، هي الفكرة العقائديَّة الربَّانيَّة المقدَّسة التي زرعتها الشرائع السماويَّة المتعاقبة في حقل الذهن البشري من خلال المسيرة التكامليَّة للأنبياء والرُّسُل والأوصياء (عليهم السلام)، وهي فكرة المنقذ الذي سيمدُّ يده التي باركتها قدرة السماء لتنتشل البشريَّة من الأودية السحيقة للظلم والجور إلى مرابع القسط والعدل الإلهي، والتي ستُحقِّق الأحلام والآمال التي بذل الأنبياء والمصلحون دماءهم زهيدة في سبيل تحقيقها، ساعين بذلك لجذب الدنيا من بؤر الظلم والفساد والعبوديَّة إلى آفاق الحُرّيَّة والعيش الرغيد.
فخضعت هذه العقيدة المقدَّسة لهذه القوانين الثابتة، وتعرَّضت لشتَّى أنواع المحاربة على مرِّ العصور، فكانت هذه المحاربة متناسبة مع عظم الأهمّيَّة والسموّ والرفعة التي أولتها السماء لها.
وبما أنَّ أهمّيَّة الدفاع عن هذه العقيدة تنبع من طرفين أوَّلهما مقدار عظمة هذه الفكرة من حيث ارتباطها بمبدأ العقيدة الإسلاميَّة التي عبَّر عنها النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قوله: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهليَّةً»(١)، وثانيهما مقدار ما يبذله الأعداء من جهود لم يُعرَف لها مثيل من تسخير كافَّة الطاقات لإظهارها على أنَّها العامل الخرافي الذي يتشبَّث به أُناس ناموا على أمل أنْ يجدوا العالم ذات يوم يُحقِّق لهم آمالهم وأحلامهم التي كبتها ظلم الظالمين مدَّة مديدة من الزمن العسير.
لذلك وجدنا أنفسنا - في خضمِّ هذه الظروف والمداخلات - نتحمَّل عبئاً كبيراً وجزءاً غير يسير من المسؤوليَّة الملقاة على عاتق المجتمع الصالح من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في الدفاع عن هذا المبدأ المقدَّس الذي يُعتَبر أُسُّ العقيدة وأساس المذهب.
على أنَّ كثرة المدافعين من العلماء الأعلام وذوي الأقلام الشريفة على مرِّ الدهور لا تُغني عن الاستمرار في انتهاج سبيل الذود عن هذه العقيدة المقدَّسة، إذ إنَّ الشُّبُهات - وإنْ تكرَّرت بصِيَغ مختلفة - تحتاج إلى ردود تتناسب والطريقة التي يتبنَّاها أعداء الحقِّ والأساليب التي يسلكونها والطُّرُق الملتوية التي يتَّبعونها في توجيه سهام الحقد الأسود للصورة الناصعة لهذه العقيدة المقدَّسة.
ومركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يجد أنَّ واجبه الأوَّل هو بذل الجهد للدفاع عن سيِّدنا ومولانا صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه).
فتبنَّى هذا المركز مجموعة من المحاور في عمله، منها:
١ - طباعة ونشر الكُتُب المختصَّة بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، بعد تحقيقها، وذلك ضمن سلسلة أسميناها بـ(سلسلة اعرف إمامك).
٢ - نشر المحاضرات المختصَّة به (عجَّل الله فرجه) من خلال تسجليها وطبعها وتوزيعها، ضمن سلسلة (محاضرات في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)).
٣ - إقامة الندوات العلميَّة التخصُّصيَّة في الإمام (عجَّل الله فرجه)، ونشرها من خلال التسجيل الصوتي والصوري وطبعها وتوزيعها في كُتيِّبات ضمن (سلسلة الندوات المهدويَّة)، أو من خلال وسائل الإعلام وشبكة الانترنيت.
٤ - إصدار مجلَّة فصليَّة بحثيَّة تخصُّصيَّة باسم (الموعود).
٥ - العمل في المجال الإعلامي بكلِّ ما نتمكَّن عليه من وسائل مرئيَّة ومسموعة، بما فيها شبكة الانترنيت العالميَّة من خلال الصفحة الخاصَّة بالمركز.
٦ - نشر كلِّ ما من شأنه توثيق الارتباط بين الأجيال الجديدة وإمامهم المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وذلك من خلال القَصص والكُتُب التي تتناسب مع أعمارهم.
٧ - الاهتمام بنشر التراث المختصِّ بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ضمن (سلسلة التراث المهدوي).
وها نحن عزيزي القارئ الكريم نضع بين يديك هذا الكتاب الذي يحمل بين طيَّاته المحاضرات الفكريَّة المختصَّة بالإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، والتي قدَّمها سماحة السيِّد صدر الدِّين القبانچي خلال عشرة محرَّم الحرام من عام (١٤٢٦) للهجرة بعد جمعها وإعدادها، ثمّ تحقيقها واستخراج المصادر والمنابع التي اعتمد عليها المحاضر ممَّا تُوثِّق المعلومات الواردة فيها، ثمّ مراجعتها وإخراجها بهذه الحلَّة التي نسأل الباري (عزَّ وجلَّ) أنْ يجعلها محطَّ قبولكم ورضاكم، وأنْ يجعل هذا العمل مرضيًّا عند إمام زماننا الذي يعيش بين أظهرنا ويتفقَّد أحوالنا ويعلم بكلِّ سرائرنا.
إنَّه نعم المولى ونعم المجيب.
والحمد لله ربِّ العالمين.

مدير المركز
السيِّد محمّد القبانچي

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المؤلِّف:
وبعد، فهذا الكتاب الذي بين يديك هو مجموعة محاضرات كنَّا قد قدَّمناها للمستمعين خلال عشرة محرَّم الحرام عام (١٤٢٦) للهجرة في مدينة النجف الأشرف.
وقد كنَّا في العام الماضي عام (١٤٢٥) للهجرة قد قدَّمنا عشرة محاضرات تناولت الأبعاد الفكريَّة والسياسيَّة لثورة الإمام الحسين (عليه السلام) من خلال شرح أهمّ النصوص الواردة في زيارة عاشوراء، وقد طُبِعَت تلك المحاضرات تحت عنوان (في رحاب زيارة عاشوراء).
هذا، وقد كان الإخوة الأعزَّاء في مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عليه السلام) قد رغبوا إليَّ أنْ أُقدِّم مجموعة محاضرات حول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، واستجابةً لطلبهم، واعتقاداً بأهمّيَّة هذا الموضوع فقد رأيت أنْ أتناول العلاقة بين حركة الإمام الحسين (عليه السلام) وحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من حيث أوجه الاشتراك والتمايز في الأهداف والمناهج والنتائج، وهذا هو ما وُفِّقت إليه في هذه المحاضرات العشر خلال ليالي محرَّم الحرام.

* * *

إنَّ ما يهمُّني الإشارة إليه في مقدّمة هذا الكتاب أنَّ منهجنا في هذه الدراسة يعتمد على البُعد العلمي للموضوع إلى جانب المستوى الجماهيري الذي يفهمه عامَّة المستمعين في محافل المحاضرات العامَّة، وإلى جانب البُعد التربوي الذي نهدف إليه في مجمل محاضراتنا، كما أنَّني عملت على أنْ أُكوِّن لدى السامع والقارئ رؤية شاملة عن قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وحركته، ولذا كنت مضطرًّا لتناول موضوعات شتَّى خارج عنوان المحاضرة للهدف المذكور، ومن هذه المنطلقات فقد سعيت إلى أنْ تحتوي هذه المحاضرات على الإجابة على مائة سؤال يتعلَّق بقضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، من الأسئلة التي تجول في أذهان الباحثين والشباب خاصَّة، أو الشُّبُهات التي يُثيرها المشكِّكون في قضيَّة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).

* * *

لا بدَّ أنْ أتقدَّم بالشكر والتقدير للجهود التي بذلها الإخوة في مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في جمع وإعداد وتحقيق ومراجعة مصادر هذه المحاضرات، وأخصُّ بالذكر أخي العزيز المحقِّق سماحة السيِّد محمّد القبانچي، سائلاً الله تعالى له وللإخوة معه في هذا المركز التوفيق والقبول.

صدر الدِّين القبانچي
(٩/ شعبان/ ١٤٢٦هـ)

المحاضرة الأولى: قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في الفكر الإسلامي

(١/ محرَّم الحرام/ ١٤٢٦هـ)

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:
١ - كيف كانت حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تعبيراً عن وحدة حركة الأديان؟
٢ - كيف كانت حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) امتداداً لحركة الحسين (عليه السلام)؟
٣ - حالة غياب الإمام المعصوم هل هي حالة صحّيَّة؟
٤ - هل قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هي ضرورة في الفكر الدِّيني؟
٥ - ما هو رأي علماء السُّنَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
٦ - ما هو عدد أحاديث السُّنَّة الشريفة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
٧ - ما هي نظريَّة ابن خلدون في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
٨ - هل الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من ولد الحسين أو من ولد الحسن (عليهما السلام)؟
٩ - هل يعود الحسين (عليه السلام) مع المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
١٠ - هل هناك لقاء مع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
سيكون موضوع حديثنا في هذه المحاضرات العشر (الحركة الإصلاحيَّة من الحسين (عليه السلام) إلى المهدي (عجَّل الله فرجه) دراسة في عناصر الاشتراك والتمايز في الأهداف والمناهج والنتائج)، لكنَّنا قبل ذلك نحتاج إلى مجموعة مقدّمات:
المقدّمة الأولى: نظريَّة وحدة التاريخ:
لاحظوا هذه الفقرات التي نقرؤها من دعاء الندبة، والتي تشير إلى تجربة نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى (عليهم السلام)، وهي قوله (عليه السلام):
«وَبَعْضٌ حَمَلْتَهُ فِي فُلْكِكَ وَنَجَّيْتَهُ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ مِنَ الهَلَكَةِ بِرَحْمَتِكَ، وَبَعْضٌ اتَّخَذْتَهُ لِنَفْسِكَ خَلِيلاً وَسَأَلَكَ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرينَ فَأَجَبْتَهُ وَجَعَلْتَ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَبَعْضٌ كَلَّمْتَهُ مِنْ شَجَرَةٍ تَكْلِيماً وَجَعَلْتَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ رِدءاً وَوَزِيراً، وَبَعْضٌ أَوْلَدْتَهُ مِنَ غَيْرِ أَبٍ وَآتَيْتَهُ البَيِّناتِ وَأيَّدْتَهُ بِرُوحِ القُدُسِ، وَكُلٌ شَرَعْتَ لَهُ شَرِيعَةً وَنَهَجْتَ لَهُ مِنْهاجاً وَتَخَيَّرْتَ لَهُ أَوْصِياء مُسْتَحْفِظاً بَعْدَ مُسْتَحْفِظٍ مِنْ مُدَّةٍ إِلَى مُدَّةٍ إِقَامَةً لِدِينِكَ وَحُجَّةً عَلَى عِبَادِكَ...»(٢)، وهذا الدعاء المروي عن الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، والمروي برواية أُخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام).
لاحظوا في مطلع هذا الدعاء تأكيداً على الوحدة والترابط والتسلسل التاريخي للأنبياء (عليهم السلام) نبيًّا بعد نبيٍّ، ثمّ الأئمَّة (عليهم السلام) إماماً بعد إمام، كأنَّهم كتلةٌ واحدة ونورٌ واحد، لا توجد هناك قضايا متعدِّدة، ولا توجد هناك تجارب متضادَّة، بل هي تجربة واحدة على طول التاريخ، هي تجربة الأنبياء (عليهم السلام) التي تقع ضمن خطِّ التجربة البشريَّة.
والبشريَّة في الحقيقة هي عبارة عن جسد واحد، وكيان واحد، هذا سنقرؤه بشكل تفصيلي في وحدة المسارات، وحدة التأثيرات، وحدة توارث الأُمَم.
لاحظوا مثلاً الإنسان كفرد له أعضاء (رجل، يد، وما شاكل ذلك)، لكن ذلك بمجموعه يُشكِّل إنساناً اسمه فلان بن فلان، يعني يُشكِّل كياناً واحداً.
هذا الصفُّ جيِّد وهذا الصفُّ غير جيِّد، المدرسة التي نذهب إليها هي في الحقيقة تُعبِّر عن شيء واحد، يقال: هذه المدرسة موفَّقة أو غير موفَّقة، أصبحت تُكوِّن كياناً واحداً، رغم أنَّها تحتوي على عشرات الصفوف ومئات التلاميذ.
نتطوَّر أكثر فنصل إلى القرية، ثمّ إلى المدينة، ثمّ إلى الشعب، نقول: الشعب العراقي والشعب الإيراني ممدوح أو مذموم رغم وجود ملايين من الناس هنا وهناك، لكنَّهم أصبحوا كياناً واحداً اسمه: (القرية، والمدينة، والشعب).
هذا الأمر إذا توسَّعنا به بدراسة دقيقة نكتشف أنَّ التاريخ واحد، والبشريَّة واحدة مرتبطة من بدايتها إلى نهايتها.
ولهذا في دعاء الندبة نقرأ استعراضاً للأنبياء (عليهم السلام) باعتبارهم حلقة متَّصلة في سلسة واحدة، هكذا نقرأ على سبيل المثال : «فَبَعْضٌ أَسْكَنْتَهُ جَنَّتَكَ» يعني آدم (عليه السلام)، «وَبَعْضٌ حَمَلْتَهُ فِي فُلْكِكَ» يعني نوح (عليه السلام)، «وَبَعْضٌ اتَّخَذْتَهُ لِنَفْسِكَ خَلِيلاً» يعني إبراهيم (عليه السلام)، «وَبَعْضٌ كَلَّمْتَهُ مِنْ شَجَرَةٍ تَكْلِيماً» يعني موسى (عليه السلام)، «وَبَعْضٌ أَوْلَدْتَهُ مِنَ غَيْرِ أَبٍ» يعني عيسى (عليه السلام)، «إِلَى أَنْ انْتَهَيْتَ بِالأَمْرِ إِلَى حَبِيبِكَ وَنَجِيبِكَ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)».
لاحظوا هذا التسلسل لمدرسة واحدة، مجموعة أساتيذ في مدرسة واحدة، في جامعة واحدة، الجامعة اسمها البشريَّة، الأساتذة اسمهم الأنبياء، جامعة واحدة، حتَّى الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام) أيضاً نجد تسلسلاً طبيعيًّا يُمثِّل امتداداً لكيان واحد، ولهذا الناس يقولون: (التاريخ يعيد نفسه)، في الحقيقة هم يشيرون إلى نظريَّة، ومن الصعب عليهم أنْ يكتشفوها، وهي أنَّ التاريخ واحد، في الحقيقة يعني البداية في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونحن امتداد لها، كالقطار مكوَّن من مجموعة عربات، لكنَّه يُمثِّل قطاراً واحداً وكياناً واحداً.
لكن هذا القطار لماذا يُسَمُّونه واحداً؟ يوجد أُناس يجلسون بالعربة الأُولى ويوجد أُناس يجلسون بالعربة العاشرة، لكنَّهم جميعاً في قطار واحد، حركة التاريخ هكذا هي حركة واحدة.
وحدة الأديان:
الدِّين حركة واحدة، حين نصل إلى الدِّين الإسلامي ماذا يقول القرآن الكريم؟ يقول: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ (الحجّ: ٧٨)، يعني أنتم امتداد إلى إبراهيم (عليه السلام)، أنتم لستم شيئاً آخر، أنتم الأُمَّة الإسلاميَّة نفس أُمَّة إبراهيم (عليه السلام)، أنتم حلقة في مسلسل واحد، ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾، وهو أبوكم هو سمَّاكم، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩).
ولهذا فالقرآن الكريم يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصفّ: ٦).
يعني تعرفون ماذا يريد عيسى (عليه السلام) أنْ يقول؟
يريد أنْ يقول: يا بني إسرائيل، أنا لست شيئاً جديداً، أنا حلقةٌ في الوسط، قبلي توراة موسى وأنا أُصدِّق بالتوراة، وبعدي سيأتي نبيٌّ اسمه أحمد، لاحظوا ﴿مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾.
أنا أُمثِّل حلقة في هذا القطار، حلقة في هذه السلسلة، هذا معنى نظريَّة وحدة التاريخ ووحدة الأديان الإلهيَّة.
وحدة الأمَّة الدِّينيَّة:
على هذا الأساس ننزل إلى نظريَّة وحدة الأُمَّة الدِّينيَّة.
نحن أُمَّة الإسلام أيضاً نُمثِّل حلقة في سلسلة الأُمَم الدِّينيَّة.
ولهذا فإنَّ الروايات الثابتة تقول عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لتتبعُنَّ سُنَن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتَّى لو دخلوا جُحر ضبٍّ لتبعتموهم» قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن»(٣)، أنتم نسخة من الأُمَم السابقة وليس شيئاً جديداً، نعم أنتم أكثر تكاملاً.
من قبيل الطفل حينما يشبُّ ويصبح شابًّا، هذا الشابُّ هو نفسه ذلك الطفل الأوَّل وليس شيئاً آخر.
كان طفلاً والآن صار شابًّا وغداً حينما يكبر يصبح رجلاً، هذا الرجل ليس شيئاً آخر غير ذلك الشابِّ وغير ذاك الذي كان طفلاً، صحيح هو نفسه لكنَّه الآن صار رجلاً.
نحن الآن - الأُمَّة الإسلاميَّة - نُمثِّل امتداداً للأُمَم الدِّينيَّة التي كانت قبلنا، نحن امتداد لها، ولهذا فإن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لتتبعُنَّ سُنَن من قبلكم - كما عملوا تعملون أنتم نسخة منهم - شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتَّى لو دخلوا جُحر ضبٍّ لتبعتموهم»، يعني لو دخلوا في زاوية صغيرة وهكذا أنتم أيضاً تشبهونهم تدخلون في تلك الزاوية الصغيرة، تأكيداً على وحدة الأُمَّة الدِّينيَّة، بل بالحقيقة وحدة البشريَّة.
هنا في الدنيا اختلاط بين الأُمَّة الدِّينيَّة والأُمَّة اللَّادينيَّة، أمَّا يوم القيامة هو يوم التمايز، هناك يصير ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (الشورى: ٧)، هناك الأُمَّة الدِّينيَّة تذهب إلى الجنَّة والأُمَّة اللَّادينيَّة تذهب إلى النار، ولهذا فإنَّ يوم القيامة يُسمَّى يوم التمايز، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (يس: ٥٩).
أمَّا في الدنيا فإنَّ كلَّ الأُمَّم تُمثِّل شيئاً واحداً اسمه البشريَّة، كلُّهم يُمثِّلون طُلَّاباً في مدرسة واحدة، على أنَّ مناهج هذه المدرسة تختلف لكن بالنتيجة كلُّهم يقال لهم: يا بني آدم.
هذه هي نظريَّة وحدة الأديان الإلهيَّة وامتداد بعضها للبعض الأُخَر.
المقدّمة الثانية: المهدي (عجَّل الله فرجه) امتداد للحسين (عليه السلام):
في هذه المقدّمة نريد أنْ نكتشف مسألة أُخرى، وهي أنَّ حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تُمثِّل امتداداً لحركة الحسين (عليه السلام) وليست شيئاً آخر أو منهجاً آخر، وإنَّما هي امتداد لنفس الأهداف، وامتداد لنفس المنهج مع الفرق في الحجم.
ثورة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) ثورة شموليَّة عالميَّة، وبهذا امتازت عن ثورة الحسين (عليه السلام) في بعض ما امتازت به.
المهدي (عجَّل الله فرجه) يُمثِّل امتداداً للحسين (عليه السلام)، وحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تُمثِّل امتداداً لحركة الإمام الحسين (عليه السلام).
نحن في هذه المحاضرات في الوقت الذي ندرس حركة الحسين (عليه السلام) نحاول أنْ نصل في كلِّ محاضرة إلى حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ونكشف عناصر التمايز والاشتراك بين الثورتين.
مجتمع المهدي (عجَّل الله فرجه) كيف يكون؟
ظهور المهدي (عجَّل الله فرجه) كيف يكون؟
النتائج كيف تكون؟
هذا بحث واسع قد يستغرق عشرات المحاضرات، لكنَّنا نحاول أنْ نوجز هذا الحديث بنقاط مهمَّة.
في المقدّمة نريد أنْ نقول في هذه المحاضرة: إنَّ حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ليست على خلاف القاعدة، بل هي الامتداد الطبيعي للحركة الإصلاحيَّة التي قادها الأنبياء (عليهم السلام)، ومارسها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومارسها عليٌّ (عليه السلام)، ومارسها الحسين (عليه السلام).
حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هي امتداد لتلك الحركة الإصلاحيَّة وفق القاعدة وليست استثناءً بل نحن الآن في زمن الغيبة نُمثِّل حالة الاستثناء، زمن الظهور هو الذي يُمثِّل القاعدة، الآن نحن في حالة مرضيَّة وليس في حالة صحّيَّة، يعني ماذا؟ هذه أفكار أنتم تقرؤونها وتسمعونها ولكن بمصطلحات أُخرى، نحن الآن في زمن الغيبة، وماذا يعني زمن الغيبة؟
زمن غيبة الإمام المنتظر المعصوم (عجَّل الله فرجه)، هل هو زمان طبيعي وفق القاعدة التي رسمها الله تعالى أو هو استثناء للقاعدة؟
الجواب: هو حالة استثناء.
الحالة الصحيحة والصحّيَّة هي أنَّ كلَّ أُمَّة لها إمام، ولكن إذا غاب إمامها فإنَّ هذه حالة غير صحّيَّة، مثل مدرسة يغيب عنها المدير، ومثل صفٍّ يغيب عنه الأُستاذ، هذه حالة صحّيَّة أو غير صحّيَّة؟ هذا وفق القاعدة أو استثناء؟ صفٌّ بلا معلِّم، جامعة بلا مدير؟ نحن الآن في زمان أُمَّة بلا إمام ظاهر، وأُمَّة بلا إمام ظاهر يعني حالة استثناء، حالة مرضيَّة، ولهذا نحن نطمح أنْ نصل إلى الحالة الصحّيَّة، إلى حالة ظهور الإمام، ولهذا نعتبر زماننا زمان الغيبة هو زمان مَرَض.
ولهذا نقرأ في أدعية شهر رمضان: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ فَقْدَ نَبِيِّنا صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَغَيْبَةَ وَلِيِّنَا»(٤)، إذن هذه مشكلة، وبالحقيقة هذا مَرَض، هذا ألم، هذه حالة غير صحّيَّة، ولو كانت حالة صحّيَّة لماذا نشكوها إلى الله تعالى؟ «اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ فَقْدَ نَبِيِّنا صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَغَيْبَةَ وَلِيِّنَا»، نحن الآن في حالة الغيبة، الحالة الطبيعيَّة هي حالة ظهور الإمام المعصوم وممارسته لدوره القيادي في الأُمَّة، أمَّا حيث يكون غائباً مثل جيش بلا قائد، أو جامعة بلا عميد، أو مدرسة بلا مدير، أو شعب بلا رئيس، وهذه حالة غير صحيحة، القاعدة الصحيحة أنْ يكون للأُمَّة إمام، إذن نحن نتَّجه الآن نحو الحالة الصحّيَّة، وهي حالة ظهور الإمام المعصوم (عليه السلام)، ولهذا تجدون الروايات عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هكذا تقول: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟»(٥)، روايات بطريق السُّنَّة والشيعة تتحدَّث عن الحالة العظيمة الصحّيَّة جدًّا عن المسلمين تقول: سوف يأتيكم يوم ينزل عيسى بن مريم (عليه السلام) من السماء، ولكن أنتم أيُّها المسلمون في قمَّة الحالة الصحّيَّة «وإمامكم منكم»، الآن أنتم في غيبة الإمام لكن في زمن ظهور إمامنا المعصوم وحيث ينزل عيسى بن مريم كما تقول الروايات وكما سوف نبحثه ونقرؤه في ليالي أُخَر، ينزل عيسى بن مريم من السماء ليُصلِّي خلف إمامنا المهدي (عجَّل الله فرجه) في بيت المقدس.
«كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟»، هذه حالة صحّيَّة يتحدَّث عنها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويُعطينا بشارة.
هذا معناه أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يُمثِّل امتداداً للنبوَّات ويُمثِّل الحالة الصحّيَّة للكيان البشري وللمجتمع الإنساني، وأنَّه (عجَّل الله فرجه) يُمثِّل عميداً لهذه الجامعة، وامتداداً للأساتذة الذين كانوا قبله.
الخطبة الأولى للإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه):
هذا الأمر وهذه النظريَّة هي ما يذكره الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) حين يظهر في مكَّة المكرَّمة في أوَّل خطاب سياسي له.
أنا أقرأ لكم الآن رواية حتَّى تعرفوا لماذا هذا التأكيد:
الرواية تقول عن الإمام الباقر (عليه السلام): «والقائم يومئذٍ بمكَّة عند الكعبة مستجيراً بها يقول: أنا وليُّ الله، أنا أولى بالله وبمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فمن حاجَّني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، ومن حاجَّني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، ومن حاجَّني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم، ومن حاجَّني في محمّد فأنا أولى الناس بمحمّد، ومن حاجَّني في النبيِّين فأنا أولى الناس بالنبيِّين، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣ و٣٤]، فأنا بقيَّة آدم، وخيرة نوح، ومصطفى إبراهيم، وصفوة محمّد. ألَا ومن حاجَّني في كتاب الله فأنا أولى الناس بكتاب الله، ألَا ومن حاجَّني في سُنَّة رسول الله فأنا أولى الناس بسُنَّة رسول الله وسيرته، وأُنشد الله من سمع كلامي لمَّا يُبلِّغ الشاهد الغائب.
فيجمع الله له أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فيجمعهم الله على غير ميعاد قزع كقزع الخريف»، ثمّ تلا هذه الآية: «﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ١٤٨]، فيبايعونه بين الركن والمقام، ومعه عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد تواترت عليه الآباء، فإنْ أشكل عليهم من ذلك شيء فإنَّ الصوت من السماء لا يشكل عليهم إذا نودي باسمه واسم أبيه»(٦).
لاحظوا استعراضاً لطيفاً وملفتاً للنظر.
الإمام (عليه السلام) يريد أنْ يقول: إنَّ ثورتي وحركتي هي حركة آدم، هي حركة نوح، هي حركة إبراهيم، هي حركة موسى، هي حركة عيسى، هي حركة رسول الله، هي حركة الأنبياء، هي حركة عليٍّ، هي حركة الحسين، أنتم بماذا تُحاجُّونني؟ أنا أولى بكم من ذلك، أنتم بماذا تتقدمون عليَّ؟ أنا بالحقيقة خلاصة تلك التجربة المدرسيَّة، خلاصة هؤلاء الأساتذة في الجامعة البشريَّة، أنا أُمثِّل خلاصتهم.
هذا المعنى أنتم تقرؤونه في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) ولكن قد لا ينتبه الإنسان إليه: «السَّلامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ آدَمَ صَفْوَةِ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ نُوحٍ نَبِيِّ الله، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الله، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ مُوسى كَلِيمِ الله، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ عِيسى رُوحِ الله، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا وَارِثَ مُحَمَّدٍ حَبِيبِ الله...»(٧).
هذا الاستعراض يريد أنْ يقول شيئاً، يريد أنْ يقول: إنَّ الإمام المنتظر المهدي (عجَّل الله فرجه) يُمثِّل آخر أُستاذ في هذه الجامعة البشريَّة التي شارك في تربيتها الأنبياء (عليهم السلام)، نبيًّا بعد نبيٍّ، الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يُمثِّل آخر أُستاذ في حلقة هذه البشريَّة، وهذا معنى عظيم جدًّا.
أنتم الآن بعد ألف وأربعمائة سنة أو أكثر من ذلك من بعثة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبعد ألفي سنة من نبوَّة عيسى (عليه السلام)، وبعد ألفين وخمسمائة سنة من نبوَّة موسى (عليه السلام)، لكن أنتم الآن تستشعرون أنَّكم طُلَّاب في نفس الصفِّ وفي نفس المدرسة التي شارك بها موسى وعيسى وإبراهيم ونوح وآدم (عليهم السلام)، أبداً لا يوجد فرق كما لو كانوا موجودين بيننا.
والقرآن هو حصيلة المناهج الدراسيَّة لأُولئك الأنبياء (عليهم السلام)، هو قمَّة تلك المناهج الدراسيَّة، ولهذا فإنَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) أوَّل ما يظهر يقول للناس: أيُّها الناس من أراد أنْ يحاجَّني بآدم فأنا أولى بآدم، وبنوح كذلك، وبإبراهيم كذلك، وبموسى كذلك.
هذه أوَّل خطبة لإمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وسوف نتناول في ليالي أُخَر خُطَب الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) ودلالاتها، ثمّ مسير الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) وكيف يأتي إلى العراق، يأتي إلى الكوفة، إلى النجف، كم يستغرق هذا؟ مدَّة حكم الإمام، كم سنة تكون دولة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ هذا كلُّه نستعرضه بإذن الله تعالى في المحاضرات الآتية.
المقدّمة الثالثة: المستوى العلمي لقضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
ننتقل إلى مقدّمة ثالثة في حديثنا في هذه المحاضرة، وهي مقدّمة مهمَّة، إنَّ قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تُمثِّل ضرورة في الفكر الإسلامي.
أوَّلاً: معنى ضرورة في المصطلح الإسلامي؟
ثانياً: استعراض لبعض الأقوال والآراء في ذلك.
نحن نعتقد أنَّ قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تُمثِّل ضرورة في الفكر الإسلامي وليس الشيعي فقط، بل في الفكر الشيعي والفكر السُّنّي، تُمثِّل ضرورة فكريَّة وليست رؤية اجتهاديَّة، هذا الأمر يجعلني أنقلكم إلى تعريف ما هي الضرورات وما هي الاجتهادات في الفكر الإسلامي.
الضرورات والاجتهادات:
توجد قضايا ضروريَّة يعني بديهيَّة، وتوجد قضايا اجتهاديَّة يعني تقبل الاجتهاد في النفي والإثبات، مثلاً في مجال الأحكام الشرعيَّة فإنَّ وجوب الصلاة يُعتَبر ضرورة من ضرورات الإسلام، يعني غير قابل للشكِّ، وجوب الصوم كذلك، وفي مجال الاعتقادات نجد أنَّ التوحيد كذلك، والنبوَّة كذلك، هذه ضرورة من ضرورات الإسلام.
وهناك قضايا اجتهاديَّة يمكن أنْ تتعدَّد فيها الاجتهادات، على سبيل المثال فإنَّ حكم الربا هو ضرورة، ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥)، الربا حرام بالضرورة الإسلاميَّة، لكن حكم الشطرنج ليس كذلك، فإنَّ بعض الفقهاء يقول: الشطرنج بدون قمار حلال، إذا كان بدون مقامرة ورهان، وبعض الفقهاء يقول: الشطرنج حرام مطلقاً سواءً كان به قمار أو ليس به قمار تتراهن عليه، هو حرام على كلِّ حالٍ، هذه مسألة اجتهاديَّة تخضع لاستنباط الفقهاء، يمكن لفقيه أنْ يستنبط الحرمة المطلقة ويمكن لفقيه أنْ يستنبط الحرمة المشروطة، إذن صارت عندنا قضايا ضروريَّة وقضايا اجتهاديَّة في التشريع الإسلامي.
أضرب لكم مثالاً آخر من القضايا الاجتهاديَّة، في المعتقد الإسلامي هناك مسألة اسمها المعاد الجسماني والمعاد الروحاني، يعني أنَّ المعاد ضرورة نحن نعتقد به، وهو ضرورة من ضرورات الدِّين، وإذا لم يؤمن الإنسان بيوم القيامة فإنَّه يخرج عن الإسلام.
أصل المعاد ضرورة من ضرورات الدِّين، لكن هذا المعاد هل هو معاد جسماني أم معاد روحاني؟ يعني نحن نرجع بأجسامنا نفس هذه الأجسام أو أجسام مثلها، أم هي أرواحنا تُحشَر يوم القيامة ولا توجد أجسام، لا توجد رجل ولا عين إنَّما توجد روح، هذه نظريَّات، توجد نظريَّة تقول بالمعاد الجسماني، يعني نفس جسم الإنسان يرجع يوم القيامة، هذه المسألة أين نُدخِلها؟
هذه المسألة تدخل في القضايا الاجتهاديَّة، أنت عالم دين، أنت مفكِّر إسلامي تبحث، ويمكن أنْ تعتقد بالمعاد الجسماني أو تعتقد بالمعاد الروحاني، هذه قضيَّة اجتهاديَّة خاضعة للبحث، أمَّا أصل المعاد فليس قضيَّة اجتهاديَّة، بل قضيَّة ضروريَّة. التوحيد قضيَّة ضروريَّة، النبوَّة قضيَّة ضروريَّة، خاتميَّة الإسلام قضيَّة بديهيَّة وضروريَّة، يعني اليوم لا يستطيع إنسان أنْ يقول: جاء دين جديد غير دين الإسلام، نقول: هذا كفر، الإسلام هو الدِّين الخاتم، ونبيُّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا نبيَّ بعده، هذه القضيَّة من القضايا الضروريَّة التي يتَّفق عليها المسلمون بلا مناقشة، «لا نبيَّ بعدي»(٨)، هذه نُسمّيها: ضرورة.
طريفة:
نعم من الممكن أنْ تتمَّ عمليَّة تلاعب من قِبَل منحرفين، مثلاً يذكر التاريخ - وربَّما ذلك على سبيل الطريفة والأُسطورة - يوماً ما شخصاً اسمه (لا) ادَّعى النبوَّة، قالوا له: الحديث يقول: «لا نبيَّ بعدي»، قال: نعم، أنا المقصود بذلك، يعني أنا (لا) نبيٌّ بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ويذكر التاريخ - ربَّما على سبيل الطريفة أيضاً - أنَّ امرأة ادَّعت النبوَّة، وقالت: أنا نبيَّة، قيل لها: الحديث يقول: «لا نبيَّ بعدي»، قالت: صحيح الحديث يقول: «لا نبيَّ بعدي»، ولكن الحديث لم يقل: لا نبيَّة بعدي، وأنا نبيَّة ولستُ نبيًّا!
هذا تلاعب، أمَّا أصل الفكرة «لا نبيَّ بعدي» فهي قضيَّة ضروريَّة في الإسلام، يعني لا يمكن أنْ يأتي بعد عشر سنوات أو مائة سنة أو ألف سنة قائل يقول: أنا نبيٌّ، وأنا امتداد لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، نقول: هذا خروج على ضرورات الفكر الإسلامي، ومنها خاتميَّة الإسلام.
والآن بعد أنْ بيَّنَّا الفرق بين القضايا الضروريَّة والقضايا الاجتهاديَّة نقول: إنَّ قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تُمثِّل ضرورة في الفكر الإسلامي، يعني كلُّ المسلمين يعتقدون بفكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، الشيعة والسُّنَّة، إذاً لا يوجد فرق بيننا وبين السُّنَّة وإنْ كان ثَمَّة فرق فهو فرق في تفاصيل مهمَّة جدًّا سوف نتناولها بالحديث.
في الإطار العامِّ فإنَّ أبناء السُّنَّة يتَّفقون معنا على قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فقضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) تُمثِّل ضرورة في الفكر الإسلامي، سواء على مستوى السُّنَّة أو على مستوى الشيعة.
أنا أقرأ لكم بعض الأقوال ليست من مصادرنا الشيعيَّة وإنَّما من مصادر أبناء العامَّة، حتَّى نعرف أنَّ قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هي قضيَّة على مستوى الضرورة في الفكر الإسلامي.
لاحظوا هذا الكتاب (علامات القيامة الكبرى)، هذا الكتاب لفقيه من أئمَّة الجامع الأزهر الإمام الداعية الشيخ محمّد متولّي الشعراوي، تُوفّي قبل سنوات، ويُعتَبر مجدِّداً، ويُعتَبر إماماً من أئمَّة المذاهب السُّنّيَّة، وهذا الكتاب كتاب حديثٌ وليس كتاباً قديماً، لاحظوا إنَّ هذا العالم السُّنّي والمجدِّد يستعرض تحت عنوان عقيدة أهل السُّنَّة في المهدي المنتظر مجموعة كلمات لعلماء من كبار السُّنَّة تُؤكِّد أنَّ قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ضرورة في الفكر الإسلامي.
يقول أبو الحسن محمّد بن الحسين في كتاب (مناقب الشافعي): (قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - يعني في المهدي - وأنَّه من أهل بيت النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّه يملك سبع سنين، ويملأ الأرض عدلاً، وأنَّه يخرج عيسى بن مريم فيساعده في قتل الدجَّال بباب لُدٍّ بأرض فلسطين، وأنَّه يؤمُّ هذه الأُمَّة، وعيسى (صلَّى الله عليه) يُصلِّي خلفه)(٩)، هذا الكلام لصاحب (مناقب الشافعي) ينقله عنه الشيخ الشعراوي.
يقول أيضاً: قال ابن حجر في كتابه (القول المختصر): (الذي يتعين اعتقاده ما دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة من وجود المهدي المنتظر الذي يخرج الدجَّال وعيسى بن مريم (عليه الصلاة والسلام) في زمنه)(١٠).
وقال السفاريني: (وقد كثرت بخروجه - يعني الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - الروايات حتَّى بلغت حدَّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السُّنَّة حتَّى عُدَّ من معتقداتهم)، يعني قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من معتقدات السُّنَّة ليس فقط الشيعة.
ثمّ يقول: (فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرَّر عند أهل العلم ومدوَّن في عقائد أهل السُّنَّة والجماعة)(١١).
ثمّ ينقل الشيخ الشعراوي كلمات كثيرة لعدد من العلماء السُّنَّة في أنَّ قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) جزء من المعتقدات الإسلاميَّة الضروريَّة التي لا يجوز التشكيك فيها.
هذا المعنى ثابت عندنا إسلاميًّا سواء عند الشيعة أو عند أهل السُّنَّة، ولهذا عندنا روايات تقول: من أنكر المهدي من ولدي فقد كَذَّب بي، أو فَقَد أنكرني، هذه رواياتنا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني»(١٢).
لماذا هذا الحجم؟
قد يسأل أحدٌ ويقول: لماذا احتلَّت قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هذا الحجم الكبير بحيث من يُنكِر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يُنكِر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
لاحظوا هذا تأكيد على أنَّ مسيرة الأنبياء (عليهم السلام) واحدة، كيان واحد، والذي لا يُصدِّق بالأخير لا يُصدِّق بالأوَّل.
أيضاً سنتناول هذا الموضوع، لماذا احتلَّت قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هذا الاهتمام حتَّى صار «من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني»؟ هذا يعني أنَّ الإيمان بالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يلزمه الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه)، والإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) هو امتداد للإيمان برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
الأحاديث في المهدي (عجَّل الله فرجه):
أمَّا الأحاديث فهناك مئات الأحاديث بلغ بها بعض علمائنا إلى (ستَّة آلاف حديثاً)(١٣)، ولكن حينما نتحدَّث عن الروايات لدى أهل السُّنَّة أيضاً نجد أنَّهم نقلوا مئات الروايات، في كتاب واحد لصاحب كتاب (كنز العُمَّال) توجد (٢٧٤) رواية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، هذا في كتاب واحد، وإذا أردنا أنْ نستعرض مجموعة الكُتُب سوف نجد شيئاً كثيراً جدًّا.
أحد علماء النجف الأشرف المعاصرين، وهو العلَّامة الشيخ محمّد أمين زين الدِّين له كتاب في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يذكر إحصائيَّة بسيطة، لكن من المفيد أنْ تطَّلعوا عليها، يقول: هناك أربعون حديثاً خرَّجها الحافظ أبو نعيم - من علماء الحديث عند أبناء العامَّة -، وثمانية وثلاثون حديثاً ذكرها ابن خلدون، وسبعون حديثاً خرَّجها الحافظ محمّد بن يوسف الكنجي، ومائة وعشرة أحاديث رواها صاحب كتاب (كشف المخفي في مناقب المهدي)(١٤).
إذن هذه مئات الأحاديث، ثمّ ينقل أسماء لخمسين صحابيًّا من صحابة الرسول ذكروا حديث المهدي (عجَّل الله فرجه)، ثمّ يذكر خمسين تابعيًّا - تابعي يعني الجيل الذي جاء بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) -.
خمسون صحابيًّا يروي حديث الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وخمسون تابعيًّا يروي أيضاً حديث الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، الأمر الذي يجعل القضيَّة بدرجة من الوضوح واليقينيَّة أنَّها صارت عند الفكر الإسلامي لدى الشيعة والسُّنَّة من القضايا الضروريَّة التي يجب الاعتقاد بها.
نظريَّة ابن خلدون:
سوف نناقش ابن خلدون في محاضرة لاحقة، ابن خلدون في الوقت الذي يذكر ثمانية وثلاثين رواية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ويتحدَّث بصحَّة بعضها من الناحية السنديَّة، لكنَّه بعد ذلك يرفض فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لمجرَّد نظريَّة تحليليَّة عنده، وحاول أنْ يُحمِّل الفكر الإسلامي اجتهاداته الشخصيَّة.
مثلاً في قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو يذكر أنَّ بعض الروايات الواردة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هي روايات صحيحة، لكن بعد ذلك واستناداً إلى نظريَّة شخصيَّة لديه في علم الاجتماع يقول فيها: إنَّ تأسيس الدولة يحتاج إلى عصبيَّة، وأهل البيت ليس لديهم عصبيَّة، فإذا كان المهدي من ولد فاطمة من أهل البيت (عليهم السلام) فهو ليس لديه عصبيَّة، وإذا لم يكن لديه عصبيَّة فهو لا يستطيع أنْ يُشكِّل دولة، إذن قضيَّة الإمام المهدي ليست صحيحة(١٥)!
بهذه الطريقة من الاستدلال! عجيب هذا الموقف، بعد أنْ ينقل روايات رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يقول: أنا اجتهادي في علم الاجتماع لا يجعلني أقبل أنَّ إنساناً مثل الإمام المهدي عطوفاً رؤوفاً يُحِبُّ المساكين يستطيع أنْ يُشكِّل دولة، إنَّ مثل هذا الإنسان لا يستطيع أنْ يُشكِّل دولة، الدولة تحتاج إلى عصبيَّة، وأهل البيت (عليهم السلام) ليس لديهم عصبيَّة، إذن لا يستطيعون أنْ يُشكِّلوا دولة!
هذا سوف نناقشه في محاضرة لاحقة إنْ شاء الله تعالى.
خاتميَّة الإسلام وشهادة الأمَّة الإسلاميَّة:
هناك سؤال، وهو: لماذا احتلَّت قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هذا الموقع الكبير بحيث إنَّ من يُنكِره يُنكِر الإسلام ويُنكِر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما قرأت لكم في روايات سابقة متَّفق عليها لدى الشيعة والسُّنَّة؟
الجواب: أنَّ هذا أمر في غاية الأهمّيَّة، إنَّنا نريد أنْ نقول: إنَّ الإسلام هو الذي يُمثِّل نهاية الحضارات وليس الحضارة الغربيَّة، وإنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة تُمثِّل الأُمَّة الشاهدة وليس الأُمَّة الغربيَّة هي الشاهدة على العالم.
إنَّ الإسلام يُمثِّل الرسالة الإلهيَّة الخاتمة، ولا توجد رسالة بعد الإسلام كالرسالة التي يُبشِّر بها الغرب اليوم باسم الديمقراطيَّة.
الغرب اليوم يُبشِّر بنظريَّات شموليَّة كبرى ومطلقة.
اليوم تعرفون ماذا يقول الغرب؟
الغرب يقول: أنا أُمثِّل الأُمَّة الشاهدة على العالم وليس أنتم، أنا أُمثِّل الأُمَّة القيَّمة على العالم، هذا أوَّلاً.
وثانياً: الديمقراطيَّة الغربيَّة هي التي تُمثِّل الحضارة الخاتمة والرسالة الخاتمة وليس الإسلام، التقدُّم المدني الغربي الأمريكي بالذات هو الذي يُمثِّل نهاية الحضارات وليس الإسلام، هذا الأمر تماماً على خلاف رؤية الإسلام.
الفكر الإسلامي يقول شيئاً آخراً، هذا الذي تعكسه نظريَّة وعقيدة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، هذه العقيدة تريد أنْ تقول: إنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة هي الأُمَّة الشاهدة على العالم، وإنَّ الحضارة الإسلاميَّة هي نهاية الحضارات، وإنَّ الرسالة الإسلاميَّة هي نهاية الرسالات، وإنَّ رائد الحركة الإصلاحيَّة في العالم ليس هم رؤساء الغرب إنَّما هم أئمَّة الهدى من ولد فاطمة وأهل البيت (عليهم السلام) كما تقول الروايات، هؤلاء هم رُوَّاد الحركة الإصلاحيَّة في العالم.
مسألة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ليست مسألة هامشيَّة، هي مسألة في عمق حركتنا كشعب من الشعوب، مسألة في عمق حضارتنا كرسالة من الرسالات الإلهيَّة، بدون قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تكون الرسالة الإسلاميَّة مبتورة، ومغلوبة، أو مقطوعة الذيل، هذه المخاطر ستتغلب عليها قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو المبشِّر بهذه الرسالة وهذا الإمام المهدي الذي تقول الروايات بالإجماع أنَّه «من ولد فاطمة (عليها السلام)»(١٦)، و«من أهل بيتي»(١٧)، «اسمه اسمي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(١٨)، هذا هو الذي يُكمِّل مسيرة الرسالة الإلهيَّة ويختمها على الأُمَّة الإسلامية عموماً وعلى يد شيعة أهل البيت (عليهم السلام) خصوصاً، كما سنتحدَّث عن ذلك مفصَّلاً إنْ شاء الله تعالى.
عناصر الاشتراك:
إذن نحن في هذه المحاضرة نكون قد سجَّلنا مقدّمات في بداية بحثنا عن الحركة الإصلاحيَّة من الحسين (عليه السلام) إلى المهدي (عجَّل الله فرجه)، وفي المحاضرات الآتية سوف نبحث أربعة عناصر اشتراك بين الحسين والمهدي (عليهما السلام)، اشتراك في الشخصيَّة أوَّلاً، واشتراك في الأهداف ثانياً، واشتراك في المنهج ثالثاً، واشتراك في التاريخ رابعاً.
الحسين يعود لنصرة المهدي (عجَّل الله فرجه):
سوف تكتشفون قضايا هي بالنسبة لكم جديدة لم تسمعوا بها لكن هي في غاية الروعة والتجلية للنظريَّة، حينما تسمع مثلاً أنَّ أوَّل من يخرج لنصرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو أوَّل من يتولَّى الحكم بعده.
ربَّما تكون هذه القضايا غير مسموعة لكم وبعضها قد شرحناه في نظريَّة الرجعة في محاضرات أُخرى، لكن رواياتنا هكذا تقول: إنَّ الحسين (عليه السلام) يخرج ويعود وينصر المهدي (عجَّل الله فرجه) حتَّى إذا اطمأنَّ الناس حينئذٍ يموت إمامنا المهدي (عجَّل الله فرجه) ويأخذ الحركة وقيادتها الإمام الحسين (عليه السلام)، وتقول الرواية: يمتدُّ العمر بالحسين (عليه السلام) حتَّى يقع حاجباه على عينيه، أي يصبح شيخاً كبيراً، ثمّ يخرج الإمام عليٌّ (عليه السلام)، ثمّ يخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١٩)، هذه نظريَّة الرجعة التي هي مكمِّلة لنظريَّة الظهور.
على كلِّ حالٍ أشرت لكم هنا إلى عناوين عناصر الاشتراك بين حركة الإمام الحسين (عليه السلام) وحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) فقط، وسوف نتحدَّث عن بعض النقاط تفصيليًّا.
الاشتراك في الشخصيَّة:
حديثنا في هذه المحاضرة على مستوى الإشارة العابرة، لأنَّ هذه المحاضرة هي تمهيد للبحث.
إنَّ هناك اشتراكاً في الشخصيَّة، يعني أنَّ الثورة التي قادها الحسين (عليه السلام) والثورة التي يقودها المهدي (عجَّل الله فرجه) تشترك في شخصيَّة القائد، ذلك هو الحسين (عليه السلام) في كربلاء، وهذه ثورة المهدي (عجَّل الله فرجه) يقودها الابن التاسع للحسين (عليه السلام)، هكذا تقول الروايات عندنا بالاتِّفاق وعند السُّنَّة على اختلاف في بعض الروايات عندهم أنَّ المهدي من ولد الحسن (عليه السلام)، وبعض رواياتهم أنَّه من ولد الحسين (عليه السلام)، ولكن رواياتنا المشهورة تقول: إنَّه من ولد الحسين (عليه السلام)، فهو التاسع من ولده.
هذا الأمر قد يحتاج إلى تأمُّل، لماذا؟
إنَّ الذي يقود الثورة العالميَّة هو الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فهو يقود ثورة إصلاحيَّة شموليَّة عالميَّة كما سنقف عند هذا الأمر.
لماذا صار قائد الثورة الإصلاحيَّة الشموليَّة العالميَّة هو من ذرّيَّة الحسين (عليه السلام)، وهو امتداد جسمي للحسين (عليه السلام).
في الحقيقة هذا اشتراك في شخصيَّة القيادة، هذا الأمر ينقلنا في ختام الحديث إلى علاقة عاطفيَّة ووشائج قلبيَّة قويَّة بين المهدي والحسين (عليهما السلام) كما سوف نتحدث عنه فيما بعد، وسوف أُحدِّثكم في المحاضرات الآتية عن علماء التقوا بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، عن كيفية الانفتاح على هذا الأُفُق، أُفُق اللقاء بالإمام (عجَّل الله فرجه)، أيضاً سوف أُحدِّثكم في ليالي لاحقة أنَّ هناك عاطفة بين المهدي والحسين (عليهما السلام)، هذه العاطفة تُجسِّدها قصَّة من القَصص يرويها التاريخ ويذكرها خطباء المنبر الحسيني وقد سمعتها من أُستاذنا في المنبر الشيخ شاكر القرشي، وهو مؤرِّخ أيضاً وعالم في التاريخ الإسلامي.
لقاء السيِّد حيدر الحلّي بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
السيِّد حيدر الحلّي (رحمه الله) من شعراء الطفِّ وكربلاء والإمام الحسين (عليه السلام)، ومعروف بنظمه للشعر في الإمام الحسين (عليه السلام)، ونجماً في سماء شعراء الطفِّ الحوليِّين، أي الذين ينظمون قصيدة واحدة خلال السنة، لكن هي من المعلَّقات ومن روائع القصائد، وكان السيِّد حيدر الحلّي إذا أكمل القصيدة يذهب ويلقيها عند ضريح الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء أوَّلاً، السيِّد حيدر هذه المرَّة نظم قصيدة معروفة من القصائد الخالدة والتي خلَّدته أيضاً، وهي قصيدة مطلعها:

الله يا حامي الشريعة * * * أتقرُّ وهي كذا مروعه
بك تستغيث وقلبُها * * * لك عن جوى يشكو صدوعه
تنعى الفروع أُصوله * * * وأُصوله تنعى فروعه

إلى أنْ يقول:

ماذا يُهيجك إنْ صبرت * * * لوقعة الطفِّ الفجيعة

هذه القصيدة من روائع القصائد في الإمام الحسين (عليه السلام).
السيِّد حيدر الحلّي عندما سافر إلى كربلاء وكان السفر يستغرق وقتاً طويلاً، وعندما وصل إلى منطقة ليستريح في بستان من البساتين وإذا بأعرابي جاء إلى السيِّد حيدر وقال له: يا سيِّد حيدر أنشدني القصيدة التي نظمتها أخيراً.
قلت له: أيّ قصيدة تقصد؟
قال: قصيدتك التي مطلعها:

الله يا حامي الشريعة * * * أتقرُّ وهي كذا مروعة

هنا اندهش السيِّد حيدر، لأنَّه لم يُطلِع أحداً على هذه القصيدة التي ذكرها الأعرابي، ولكنَّه تفاعل معه، وسيطرت روح هذا الشخص العربي على روح السيِّد حيدر الحلّي، فأصبح ينشده القصيدة حتَّى وصل إلى قوله:

ماذا يُهيجك إنْ صبرت * * * لوقعة الطفِّ الفجيعة

يقول السيِّد حيدر: هذا الشخص العربي بدأ بالبكاء والنحيب وأنا أقرأ عليه:

ماذا يُهيجك إنْ صبرت * * * لوقعة الطف الفجيعة
أترى تجيءُ فجيعة * * * بأمضَّ من تلك الفجيعة
حيث الحسين على الثرى * * * خيلُ العدى طحنت ضلوعه

يقول السيِّد حيدر: أنا أقرأ الأبيات وغافل عن المشهد كيف كان، وهذا السيِّد الأعرابي إلى جانبي ينحب بالبكاء، من عسى أنْ يكون؟! ثمّ قرأت:

ورضيعهُ بدم الوريد * * * مخضَّبٌ فاطلب رضيعه

يقول السيِّد حيدر: التفت هذا الأعرابي وقال: يا سيِّد حيدر كفى، ليس عندي إجازة للخروج، أنا منتظر الإجازة(٢٠).
إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
اللَّهُمَّ اغفر لنا، واعفُ عنَّا، وتجاوز عن سيِّئاتنا، اللَّهُمَّ اجعل محيانا محيى محمّد وآل محمّد، ومماتنا ممات محمّد وآل محمّد، وعجِّل فرجهم، واحشرنا في زمرتهم، واجعلنا من المستشهدين بين أيديهم.

والحمد لله ربِّ العالمين
* * *
المحاضرة الثانية: حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) فلسفتها وأهدافها

(٢/ محرَّم الحرام/ ١٤٢٦هـ)

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:
١١ - ما هو هدف حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
١٢ - من أين تبدأ الانطلاقة الأُولى لحركة الإمام (عجَّل الله فرجه)؟
١٣ - هل يأتي الإمام (عجَّل الله فرجه) بدين جديد؟
١٤ - لماذا لم ترد الإشارة الصريحة في القرآن إلى قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
١٥ - حركة الإمام (عجَّل الله فرجه) هل هي حركة ثوريَّة؟
١٦ - ما هي مدَّة حكم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
١٧ - ما هو تفسير الإصرار القرآني على قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
١٨ - من هم خلفاء الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
١٩ - ما هو دور النجف والكوفة في زمن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
٢٠ - ما هي أوَّل أُمَّة تلتحق بالإمام (عجَّل الله فرجه)؟
٢١ - ما هي المعالم الأربعة لحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
الخطاب السياسي للحسين (عليه السلام) رؤية مقارنة:
نحاول في هذه المحاضرة أنْ نعقد مقارنة بين الخطاب السياسي للإمام الحسين (عليه السلام) والخطاب السياسي للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، حيث سنلاحظ وجود تقارب بل تطابق في الخطوط العريضة لهذين الخطابين.
لمَّا ورد إمامنا الحسين (عليه السلام) كربلاء في اليوم الثاني من محرَّم الحرام خطب أصحابه وأهل بيته قائلاً: «اللَّهُمَّ إنَّا عترة نبيِّك محمّد قد أُخرجنا وطُردنا وأُزعجنا عن حرم جدِّنا، وتعدَّت بنو أُميَّة علينا، اللَّهُمَّ فخذ لنا بحقِّنا وانصرنا على القوم الظالمين».
وأقبل على أصحابه فقال: «إنَّ الناس عبيد الدنيا، والدِّين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درَّت معائشهم، فإذا مُحِّصوا بالبلاء قلَّ الديَّانون».
ثمّ حمد الله وأثنى عليه وصلَّى على محمّد وآله، وقال: «أمَّا بعد، فقد قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون، وإنَّ الدنيا قد تغيَّرت وتنكَّرت وأدبر معروفها ولم يبقَ منها إلَّا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيشٍ كالمرعى الوبيل، ألَا ترون إلى الحقِّ لا يُعمَل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء الله محقًّا، فإنِّي لا أرى الموت إلَّا سعادة، والحياة مع الظالمين إلَّا برماً»(٢١).
مكوِّنات الخطاب:
هذا الخطاب في أوَّل تصريح رسمي للإمام الحسين (عليه السلام) حينما دخل أرض كربلاء يتألَّف من ثلاثة مقاطع:
المقطع الأوَّل: التظلُّم، وبيان ظلامة الحقِّ، وظلامة أهل البيت، «أُخرجنا وطُردنا وأُزعجنا عن حرم جدِّنا».
المقطع الثاني: تقييم الواقع الاجتماعي، تقييم الدنيا، «إنَّ الناس عبيد الدنيا».
المقطع الثالث: الانتصار للحقِّ، «ليرغب المؤمن في لقاء الله محقًّا».
هذه ثلاثة مقاطع تضمَّنها خطاب الحسين (عليه السلام) أوَّل وروده إلى كربلاء.
الخطاب السياسي الأوَّل للإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه):
العجيب أنَّ هذا الخطاب بهذه المقاطع الثلاثة وبعبارة مقاربة جدًّا نجده يصدر من الإمام الحجَّة المنتظر (عجَّل الله فرجه) لدى أوَّل ساعة خروجه في مكَّة المكرَّمة.
هذا المضمون بعبارات قد تجدها نفس العبارات وبنفس الأفكار، إمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه) يوم خروجه في مكَّة المكرَّمة، وقد أسند ظهره إلى البيت يخطبُ الناس، وقد هبط عليه جبرئيل وقال له: «أنا أوَّل من يبايعك، ابسط يدك»، فيمسح على يده، وقد وافاه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، فيبايعونه(٢٢).
إمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه) خطب نفس خطاب الحسين (عليه السلام) من حيث المقاطع والمضمون وحتَّى من حيث العبارة، اسمعوا إلى خطاب إمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه) ساعة خروجه.
المقطع الأوَّل:
«يا أيُّها الناس، إنَّا نستنصر الله، فمن أجابنا من الناس، فإنَّا أهل بيت نبيِّكم محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...، وأسألكم بحقِّ الله وبحقِّ رسوله وبحقِّي، فإنَّ لي عليكم حقَّ القربى من رسول الله إلَّا أعنتمونا ومنعتمونا ممَّن يظلمنا، فقد أُخفنا وظُلمنا وطُردنا من ديارنا وبُغي علينا ودُفعنا عن حقِّنا وافترى أهل الباطل علينا»(٢٣).
هذا هو المقطع الأوَّل، هو التظلُّم وبيان الظلامة، هو نفس المقطع الذي ذكره الإمام الحسين (عليه السلام).
المقطع الثاني:
إمامنا الحسين (عليه السلام) هكذا قال: «إنَّ الدنيا قد تغيَّرت وتنكَّرت وأدبر معروفها ولم يبقَ منها إلَّا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيشٍ كالمرعى الوبيل».
الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) مثل هذا المعنى يذكره أيضاً في المقطع الثاني من خطابه حيث يقول: «فإنَّ الدنيا قد دنا فناؤها وزوالها وأذنت بالوداع»(٢٤).
المقطع الثالث: الانتصار للحقِّ:
يقول (عليه السلام): «فإنِّي أدعوكم إلى الله وإلى رسوله والعمل بكتابه وإماتة الباطل وإحياء سُنَّته»(٢٥)، وهذا هو نفس ما ذكره إمامنا الحسين (عليه السلام) حين قال: «ألَا ترون إلى الحقِّ لا يُعمَل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟».
هذا التلاقي والتقارب في الخطاب السياسي للإمامين (عليهما السلام) يُوضِّح نقطة اشتراك مهمَّة.
أشرنا في المحاضرة السابقة إلى أنَّ هناك اشتراكاً بين الثورتين والحركتين على مستوى الأهداف أوَّلاً، وعلى مستوى المناهج ثانياً، وعلى مستوى الشخصيَّة القائمة بالثورة ثالثاً، وعلى مستوى التاريخ والمسار التاريخي رابعاً.
الاشتراك في الأهداف:
هنا نقف عند فقرة الاشتراك الكبير في الأهداف، هذه أهداف الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) وتلك أهداف الإمام الحسين (عليه السلام).
اسمحوا لي أنْ أقرأ لكم الرواية بنصِّها كما جاءت بكُتُبنا التاريخيَّة.
هكذا تقول الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«إذا أذن الله (عزَّ اسمه) للقائم في الخروج، صعد المنبر، فدعا الناس إلى نفسه، وناشدهم بالله، ودعاهم إلى حقِّه، وأنْ يسير فيهم بسيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويعمل فيهم بعمله، فيبعث الله (جلَّ جلاله) جبرئيل (عليه السلام) حتَّى يأتيه، فينزل على الحطيم - الحطيم أحد جدران الكعبة الأربعة بمعنى تتحطَّم عنده الذنوب -.
يقول له: إلى أيِّ شيء تدعو؟ فيُخبره القائم (عليه السلام)، فيقول جبرئيل: أنا أوَّل من يبايعك، ابسط يدك، فيمسح على يده، وقد وافاه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، فيبايعونه».
لاحظوا أصحاب الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، هناك قادة الألوية وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، وهناك جنود وهم الآلاف المؤلَّفة من شيعته.
يلتحق به أوَّلاً قادة الألوية الثلاثمائة وثلاثة عشر، «وقد وافاه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، فيبايعونه، ويقيم بمكَّة - يبقى إمامنا بمكَّة - حتَّى يتمَّ أصحابه عشرة آلاف نفس، ثمّ يسير إلى المدينة»(٢٦).
إنَّ أوَّل انطلاقة للإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) تكون من المدينة، لكن دون أنْ يُعلِن الثورة، تماماً مثل حركة الحسين (عليه السلام)، الحسين (عليه السلام) أوَّل ما خرج من المدينة المنوَّرة لم يُعلِن الثورة.
الثورة أين أعلنها الحسين (عليه السلام)؟ أعلنها في مكَّة.
إمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه)، أوَّل ما يظهر في المدينة ثمّ يرحل من المدينة لأسباب، يرحل إلى مكَّة، وفي مكَّة يُعلِن الثورة وقد أسند ظهره إلى البيت الحرام ويبايعه جبرئيل ويلتحق به أصحابه ثمّ يعود إلى المدينة لتحريرها من جيش السفياني، وقد اجتمع له عشرة آلاف من أصحابه(٢٧).
هدف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
ما هو الهدف الأصلي لحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
هو تجديد الإسلام وإحياء هذه الرسالة الإلهيَّة الخاتمة، حتَّى يكون الإسلام عالميًّا، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على كلِّ الأديان والمذاهب والحضارات والسياسات، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣).
الروايات تقول: إنَّ هذه الآية ما جاء تأويلها بعد، وإذا قام قائمنا جاء تأويلها(٢٨)، بمعنى أنَّ إمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه) يُطبِّق حينئذٍ قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.
تجديد الإسلام هو خلاصة هدف حركة إمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وهي نفسها خلاصة الهدف لحركة إمامنا الحسين (عليه السلام).
هل يأتي بدين جديد؟
بعض الروايات تقول: إنَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) يأتي بأمر جديد، وبعضها تقول: يأتي بكتاب جديد(٢٩).
وبعض الباحثين تصوَّر أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يأتي بدين جديد غير الإسلام وغير القرآن وغير سُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
الحقيقة أنَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) يأتي بالإسلام جديداً وهو نفس الإسلام، لكن بعد أنْ هجره الناس وجهلوه يبدو لهم جديداً، فالأهداف إحياء نفس الإسلام، ولأنَّ ذلك أمر قد غفل عنه الناس فهم يحسبون أنَّ هذا الدِّين جديد.
أنا بهذا الصدد أقرأ لكم روايات حتَّى تعرفوا أنَّ المقصود ليس هو دين جديد وإنَّما المقصود هو نفس الإسلام الذي مرَّت عليه قرون وقرون وابتعد عنه الناس وضاعت بعض أحكامه، والإمام يأتي ليُجدِّد هذا الدِّين(٣٠).
رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: «إنَّه قال لي أبي (عليه السلام): ... والله لكأنِّي أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد على العرب شديد، وقال: ويلٌ طغاة العرب من شرٍّ قد اقترب»(٣١).
هذه الرواية تصوَّر بعض الكُتَّاب أنَّها إشارة إلى دين جديد، إنَّها إشارة إلى كتاب جديد، بينما بالتأكيد ليس الأمر كما تصوَّر هؤلاء، فإنَّ الثابت في عشرات الأحاديث الأُخرى أنَّه يُحيي نفس هذا الدِّين، سُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لكن يحسبه الناس أمراً جديداً، وبهذا كانت أوَّل كلمة وأوَّل خطاب للإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) يدعو الناس فيه لأنْ يسير بسيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
إذن الإمام لا يأتي بدين جديد وإنَّما يقوم بإحياء نفس الإسلام.
لمحة عن حركة الإمام (عجَّل الله فرجه):
الحقيقة أنَّ حركة الإمام المنتظر هي ثورة إصلاحيَّة شموليَّة عالميَّة.
أربع صفات لحركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه):
١ - أنَّها ثورة كما أنَّ حركة الحسين (عليه السلام) هي ثورة، ومعنى ثورة أنَّها عمليَّة تغيير جذري.
لاحظوا الإنسان حين يُؤسِّس مؤسَّسة خيريَّة لا يقال: هذا قام بثورة.
حين يبني مستشفى لا يقال: هذا قام بثورة.
حين يُؤلِّف كتاباً لا يقال: قام بثورة.
حتَّى وهو يُؤسِّس دولة أيضاً لا يقال: قام بثورة.
لكن إذا أحدث عمليَّة تغيير جذري فإنَّه سيقال له: إنَّه قام بثورة ثقافيَّة، ثورة سياسيَّة، ثورة اجتماعيَّة.
حركة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت تغييراً جذريًّا، يعني قلب الواقع القائم يومئذٍ.
حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) أيضاً هي تغيير الواقع، ولهذا نُسمّيها: ثورة.
وكلمة (ثورة) غير موجودة في المصطلح الإسلامي.
ولهذا حينما تقرأ القرآن الكريم أو الروايات الشريفة لا تجد عبارة (ثورة)، وإنَّما الاصطلاح الإسلامي يستخدم كلمة (قيام) أو (خروج)، «إذا قام قائمنا»(٣٢).
لاحظوا الثورة بالمصطلح الإسلامي يُعبَّر عنها بكلمة (قيام)، ليس عندنا مصطلح (ثورة)، لكن في الاصطلاح الجديد في الأدب العربي أصبح يقال للقيام السياسي أو الثقافي التغييري: (ثورة).
هذا الاصطلاح وهو كلمة (ثورة) نستخدمه بالمشرق العربي، أمَّا في المغرب العربي يستخدمون شيئاً آخر، إذا قرأت كُتُب المغاربة والجزائريِّين لا تجد عبارة (ثورة)، هناك يُسَمُّونها: (قَومة)، نحن نقول: الثورة العربيَّة مثلاً، هم يُسَمُّونها: القَومة العربيَّة، الثورة الإسلاميَّة يُسَمُّوها القَومة الإسلاميَّة، واصطلاحهم هذا قريب من اللغة العربيَّة، بل أقرب من اصطلاح (ثورة)، وكلمة (قومة) هي من قيام.
الحقيقة أنَّ حركة الإمام المنتظر (عليه السلام) هي عمليَّة ثوريَّة بما تحتويه من تغيير جذري.
٢ - وهي ثورة إصلاحيَّة شموليَّة عالميَّة كما سأُحدِّثكم به في ليالي لاحقة إنْ شاء الله عن هذه الصفات الثلاث لثورته (عجَّل الله فرجه) (إصلاحيَّة، شموليَّة، عالميَّة).
لماذا لم ترد في القرآن؟
هناك سؤال وشبهة طرحها أحد المستشرقين اسمه (دونالدسن)(٣٣).
دونالدسن هو كاتب غربي مستشرق، يعني جاء إلى الشرق وتعلَّم اللغة العربيَّة ودرس كُتُبنا وقرأ تاريخنا، ثمّ ألَّف في العقيدة والفكر.
دونالدسن يطرح سؤالاً يقول فيه: العجيب أنَّ فكرة الإمام المهدي لم ترد في القرآن الكريم بهذا النصِّ، ولو كانت هذه الفكرة أصيلة في الإسلام فلماذا لم ينصّ عليها القرآن؟ وحينما تقرأ القرآن لا تجد كلمة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
دونالدسن هكذا يقول: إنَّ هذه الفكرة ليست واقعيَّة ولم يأتِ بها الإسلام، بدليل أنَّها لم ترد في القرآن الكريم(٣٤).
جواب الشبهة:
الحقيقة أنَّ علماءنا بحثوا هذا الأمر قبل أنْ يتحدَّث عنه دونالدسن، فاستعرضوا ما هي الآيات التي جاءت في قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
بعض علمائنا ذكر (١٣٣) آية قرآنيَّة جاءت في الإشارة لهذا الموضوع، مرَّةً على مستوى الظهور القويِّ، ومرَّةً على مستوى الإشارة إلى قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
(١٣٣) آية كما هو في كتاب (إلزام الناصب) للعلَّامة المحقِّق الحائري اليزدي، في أحد فصوله وقد ذكر الآيات الواردة في قيام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)(٣٥).
لكن من حقِّكم أنْ تسألوا وتقولوا: إنَّ كلَّ هذه الآيات ليست صريحة، ولا واحدة منها فيها اسم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فلماذا؟
إذا كانت القضيَّة بهذا الحجم من الأهمّيَّة بحيث أنَّ «من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني» كما في الرواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٣٦)، إذا كانت بهذه الأهمّيَّة وهي تُمثِّل ضرورة في الفكر الإسلامي الشيعي والسُّنّي، إذن لماذا القرآن الكريم لم يُصرِّح بها ولم ينصّ عليها؟
طريقة القرآن:
الجواب: أنَّنا بحاجة لنعرف طريقة القرآن في البيان.
طريقة القرآن أنَّه يكتفي بالأُطُر العامَّة في بيان القضايا ولا ينزل إلى التفاصيل إلَّا من خلال الاحتكاك الميداني.
الصلاة - مثلاً -، عشرات الآيات نزلت في الصلاة لكن كلَّها في الإطار العامِّ، ولا آية واحدة تتحدَّث عن تفاصيل صلاة الصبح أو صلاة الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء.
الصوم كذلك في الإطار العامِّ، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (البقرة: ١٨٣)، أمَّا ما هي المفطرات؟ وما هي شروط الصوم الصحيح؟ أبداً ولا آية قرآنيَّة تتحدَّث عن ذلك.
الزكاة كذلك أَمَرَ القرآن بالصدقات، لكن كم هي الزكاة؟ ومتى تجب الزكاة؟ وأين تجب الزكاة؟ أبداً لا يوجد في القرآن الكريم إشارة إلى ذلك.
القرآن الكريم هو شبيه بكتاب دستوري، يعني يُقدِّم دستوراً للأُمَّة على مدى التاريخ، يكتفي بالأُطُر العامَّة والبنود والموادِّ ولا ينزل إلى تفصيل إلَّا عند الاحتكاك مع السائلين، يأتي سائل يسأل، حينئذٍ يأتيه الجواب بشكل فيه تفصيل، لكن بدون أنْ يسأل سائل بدون أنْ تكون القضيَّة على محكٍّ مباشر فإنَّ القرآن الكريم سوف يكتفي بذكر الإطار العامِّ ويترك التفصيل للسُّنَّة.
دور النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، دور الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام)، هو ذكر التفاصيل.
ولهذا فعلماؤنا هكذا يُجيبون على هذا السؤال بشكلٍ عامٍّ، وهو سؤال موجود في مواطن كثيرة.
يقولون: إنَّ سبب عدم نزول القرآن بالتفاصيل من أجل أنْ يضطرَّ الناس للرجوع إلى النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويسألوه، إلى أهل البيت (عليهم السلام) ويسألوهم، وإلَّا إذا صارت كلُّ التفاصيل مذكورة في القرآن، يعني أنَّ القرآن يصبح مجموعة مجلَّدات، وسوف يستغني الناس، وسوف لا يألفون الرجوع إلى المجلس التشريعي الذي يُمثِّله النبيُّ ويُمثِّله الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام).
القرآن صريح في هذه القضيَّة، مثلاً القرآن يقول: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (آل عمران: ٧).
القرآن يريد أنْ يقول: أيُّها الناس أنا القرآن يوجد عندي نوعان من الآيات: نوع منها واضحة وصريحة، ونوع متشابِهة كلُّ واحد يُفسِّرها بتفسير، هذا هو القرآن يقول ذلك.
لماذا أيُّها القرآن؟
يعني أنت لماذا تتكلَّم بكلام متشابِه هذا يُفسِّره بشكل وذاك يُفسِّره بشكل آخر؟
القرآن يقول: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ (آل عمران: ٧)، القلوب المريضة تركض وراء التفسير غير الصحيح. لكن أصل القضيَّة أنَّ هذا القرآن لماذا جاء بمتشابِه؟
علماؤنا يقولون في جواب ذلك: حتَّى يرجع الناس إلى أهل البيت (عليهم السلام)، ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣)(٣٧)، الغرض هو الرجوع إلى الأُستاذ.
مثلاً في المدرسة هناك مناهج مدرسيَّة وفيها كُتُب تاريخ، جغرافية، فيزياء، كيمياء، لكن ما هو دور الأُستاذ؟
الكتاب يُعطيك المتن، لكن الأُستاذ يشرح تفاصيل ذلك، يُوضِّح لك ما هي النقاط الغامضة، إذا كان الكتاب يشرح لك كلَّ التفاصيل، أنت إذن لا تحتاج إلى أُستاذ، ولا ترجع إلى أُستاذ، ولا يمكن للكتاب وحده أنْ يُربِّيك ويجعلك تُناقش وتحاور.
ولأجل ذلك كانت الكُتُب الدراسيَّة تحتوي المتون والباقي على الأُستاذ.
القرآن أيضاً هذه هي طريقته.
امتحان الناس:
وهناك جواب ثانٍ، وهو أنَّ القرآن يريد أنْ يمتحن الناس، ويمحصهم مَنْ منهم يرجع إلى أهل البيت (عليهم السلام)، أهل الذكر، ومن منهم يعاند ويكابر ويقول: أنا غير مستعدٍّ أنْ أدرس عند أُستاذ، ولا مستعدٌّ أنْ أرجع إلى نبيٍّ قطُّ!
يوجد أُناس بهذا الشكل.
رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حينما قال للناس في غدير خُمٍّ: «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه»، الرواية تقول: إنَّه جاءه شخص اسمه الحارث قال لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أمرتنا أنْ لا نعبد إلَّا الله أطعناك، أمرتنا بالصلاة صلَّينا، أمرتنا بالصوم صمنا، الآن أمرتنا بولاية ابن عمِّك عليٍّ، هذا منك أم من الله؟
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّه من الله تعالى وليس منِّي».
خرج ذلك الرجل مولّياً وجهه وهو يقول: اللَّهُمَّ إنْ كان هذا من عندك فأنزل عليَّ حجارة واقضِ عليَّ.
وهذا جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ (المعارج: ١ - ٣).
الرواية تقول: سقط حجر من السماء على رأسه فقتله بالمكان(٣٨).
سُنَّة الله تقتضي امتحان الناس، أنْ تضع الناس في امتحان لمعرفة مدى طاعتهم وعصيانهم.
قوم موسى (عليه السلام):
توجد رواية تقول: إنَّ موسى (عليه السلام) ابتُلي بقومه، حينما ذهب موسى (عليه السلام) ﴿ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ (الأعراف: ١٤٢)، يعني موسى (عليه السلام) عنده غيبة صغيرة هي رحلة أربعين يوماً، لا يعلمون إلى أين، ولا أخذ معه أحداً، ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ ذهب إلى الله تبارك وتعالى، لمَّا انتهت ثلاثون ليلة ولم يرجع موسى (عليه السلام) إلى قومه، قالوا: لاحظوا هذا النبيُّ كذب علينا، وَعَدَنا ثلاثين ليلة ولم يأتِ، وهنا عمل لهم أحد أتباع موسى (عليه السلام) وهو السامري، ويبدو أنَّه كان فنَّاناً مقتدراً وصاحب خبرة، عمل لهم عجلاً، القرآن يقول: ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ (الأعراف: ١٤٨)، يعني يصيح، هؤلاء تعجَّبوا، وخدعهم السامري واتَّبعوه، وصارت مشكلة، وصار افتراق، وصار ابتعاد عن موسى (عليه السلام)، وابتعاد عن هارون (عليه السلام) الذي كان خليفة موسى (عليه السلام)، وأصبح هارون (عليه السلام) يتوسَّل بهم: ﴿فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ (طه: ٩٠)، سوف يأتي موسى (عليه السلام) انتظروا قليلاً، قالوا له: أبداً، أوَّلاً موسى كذب علينا فهذه ثلاثون ليلة قد مضت ولم يرجع إلينا موسى، ثانياً هذا السامريُّ عَمَلَ لنا عجلاً، وهذا العجل يتكلَّم، وهذه معجزة، فنحن نتَّبعه.
ومحلُّ الشاهد أنَّ موسى (عليه السلام) قال: إلهي أنا أدري أنَّ العجل عمله السامري، لكن من الذي أخاره السامري أم أنت؟
إلهي السامري هو الذي صَنَعَ العجل لا بأس، لكن هذا العجل لو كان لا يتكلَّم فإنَّه سوف لا يُخدَع الناس، لكن هو عجل بمستوى أنْ يتكلَّم، هذه هي قدرتك يا إلهي.
إلهي السامري هو الذي صنع العجل لكن من الذي أخاره؟
تقول الرواية: إنَّ الله تبارك وتعالى قال له: أنا.
هنا القرآن الكريم على لسان موسى (عليه السلام) يقول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ (الأعراف: ١٥٥).
إلهي أنت إذن تريد أنْ تمتحن الناس، وإلَّا فإنَّ السامري وحده لا يستطيع أنْ يعمل هكذا عمل لولا أنَّك أعطيته هذه القدرة.
القرآن الكريم يشير إلى هذه القضيَّة يقول: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ(٣٩).
نظريَّة الامتحان، هذه النظريَّة يذكرها القرآن الكريم مراراً، وفي قَصص الأنبياء (عليهم السلام) كثيرة.
غيبة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هي صورة من صور الامتحان للناس.
الفتنة في اللغة العربيَّة هي بمعنى الامتحان والابتلاء، ليهتدي ويؤمن من يؤمن وليكفر من يكفر.
ومحلُّ الشاهد أنَّ القرآن الكريم طريقته بيان الإطار العامِّ وليس النزول للتفاصيل، بل يبقى هناك مجال للامتحان والفتنة، ولهذا فإنَّ القرآن الكريم ليس به تفصيل لكثير من القضايا الضروريَّة البديهيَّة الثابتة في الإسلام.
القرآن يذكر الإطار العامَّ:
قد تسأل الآن وتقول: نحن نقبل من القرآن الكريم أنْ يشير إلى الإطار العامِّ لقضيَّة المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه)، فأين هذه الإشارة؟
نقول لكم: نعم القرآن الكريم فيه عشرات الآيات تتحدَّث عن قضيَّة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) التي تعني في إطارها العامِّ الحركة الإصلاحيَّة ونجاحها في ختام المسيرة البشريَّة، هذه هي قضيَّة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
ماذا يعني «يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً»؟ يعني أنَّ نهاية البشريَّة هي انتصار الحقِّ.
الإطار العامُّ للقضيَّة:
إنَّ قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في إطارها العامِّ، والذي هو بمستوى الضرورة من ضرورات الإسلام، هي عبارة عن أمرين:
الأمر الأوَّل: انتصار الحقِّ وظهور حركة إصلاحيَّة عالميَّة تُحقِّق انتصاراً ساحقاً.
الأمر الثاني: أنَّ هذه الحركة الإصلاحيَّة تظهر على يد رجل مصلح عالمي، هذا الذي يُلقَّب بالمهدي.
هذا هو الإطار العامُّ لقضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) الثابتة لدى كلِّ المذاهب الإسلاميَّة، وهناك تفاصيل أُخرى تختلف فيها المذاهب، مثل:
من يكون هذا الرجل المصلح؟
وهل هو موجود بالفعل؟
وغير ذلك من الأسئلة.
ونحن إذا بقينا مع الإطار العامِّ للقضيَّة نجد أنَّ القرآن الكريم يتحدَّث بشكل واسع عنها.
الآيات القرآنيَّة:
لاحظوا القرآن الكريم فيه آيات عديدة بهذا الشأن، منها:
١ - الآية الأُولى في سورة القَصص: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القَصص: ٥).
٢ - الآية الثانية في سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥)، الزبور عبارة عن ألواح وأوراق داود (عليه السلام).
٣ - الآية الثالثة في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ (النور: ٥٥).
٤ - الآية رابعة في سورة التوبة: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣).
هذه آيات واضحة في نظريَّة مستقبل البشريَّة، وأنَّ المستقبل البشري سيشهد انتصاراً للحقِّ، وأنَّ ختام المسيرة البشريَّة انتصار الحقِّ، وهذه الآيات بمستوى الصريحة والظاهرة في هذا الأمر.
إذن على الطريقة القرآنيَّة لا توجد مشكلة، وهذه بعض النصوص القرآنيَّة في الدلالة على نهضة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، لكن بدون تصريح بالاسم، كما هي طريقة القرآن الكريم.
لاحظوا مثلاً لدينا (مائة وأربع وعشرون) ألف نبيًّا، كم نبيًّا جاء اسمه في القرآن الكريم من مجموع هؤلاء؟ جاء اسم موسى وعيسى وهارون ونوح وإبراهيم ويونس وداود وغيرهم بما لا يبلغ اسم عشرين نبيًّا. أمَّا هذا الرقم الكبير للأنبياء فإنَّه غير موجود ولا عُشر معشاره في القرآن الكريم، وقس على ذلك مسائل كثيرة.
الوعد الإلهي بانتصار الحقِّ مؤكَّد في القرآن الكريم بصياغات عديدة.
عمق التأكيد القرآني:
التأكيد القرآني على قضيَّة انتصار الحقِّ في ختام المسيرة البشريَّة هو في غاية العمق.
لاحظوه مرَّةً يقول: ﴿كَتَبْنَا﴾ (الأنبياء: ١٠٥)، يعني اتَّخذنا قراراً.
مرَّة يقول: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (النور: ٥٥)، فهذا وعد، والله لا يخلف الميعاد.
مرَّة يقول: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ (الروم: ٤٧).
ومرَّة يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (غافر: ٥١)، هذه جملة خبريَّة، والله هو الصادق فيما يقول.
في آية أُخرى تتحدَّث عن الإرادة الإلهيَّة تقول: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ (القَصص: ٥)، وإذا أراد الله شيئاً قال له كن فيكون، ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (النحل: ٤٠).
هذه تأكيدات قرآنيَّة بصياغات متعدِّدة على قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في إطارها العامِّ، وتبقى التفاصيل متروكة إلى السُّنَّة الشريفة، وهذا ما نلاحظه أيضاً في إمامة الإمام عليٍّ (عليه السلام)، حيث لا يوجد أيضاً نصٌّ قرآني بالاسم، ولكن السُّنَّة الشريفة هي التي أكَّدت ذلك.
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في السُّنَّة الشريفة:
أمَّا السُّنَّة الشريفة، فالملفت للنظر أنَّه جاء الإصرار والتأكيد على قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بشكل مثير، يجعلنا نتساءل: لماذا هذا الإصرار؟
مثلاً الروايات تقول عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يبعث الله فيه رجلاً من ولدي، يواطئ اسمه اسمي، يملؤها عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(٤٠)، يعني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: هذه القضيَّة لا يمكن أنْ تتخلَّف حتَّى لو أصبحنا على مقربة من يوم القيامة ولم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد.
نصوص عديدة بهذا المستوى أنا أجد من المفيد أنْ أقرأ لكم هذه النصوص من نفس المصدر حتَّى تكونوا قريبين من أجواء الأحاديث الشريفة:
١ - الرواية - مثلاً - تقول: «لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم...»، هذه الرواية نقرؤها في صحاح السُّنَّة وليس في كُتُبنا فقط، فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(٤١).
٢ - رواية ثانية عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله تعالى ذلك اليوم حتَّى يبعث رجلاً منِّي يواطيء اسمه اسمي...»(٤٢).
٣ - وهكذا رواية ثالثة في هذا الشأن عن زيد بن ثابت، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لا تذهب الدنيا حتَّى يقوم بأمر أُمَّتي رجلٌ من صلب الحسين، يملأها عدلاً كما مُلِئَت جوراً»(٤٣).
٤ - وأُخرى عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول لفاطمة (عليها السلام): «والذي نفسي بيده لا بدَّ لهذه الأُمَّة من مهدي، وهو والله من ولدكِ»(٤٤).
وهذا أمر ملفت للنظر، لماذا لا تقوم القيامة ولا تقوم الساعة إلَّا أنْ يخرج واحد ليُحقِّق الإصلاح حتَّى ولو بقي يومٌ واحدٌ؟
تفسير الإصرار على القضيَّة:
يمكن أنْ نذكر مجموعة آراء في تفسير هذا الإصرار القرآني وهذا الإصرار النبوي.
الرأي الأوَّل: أنَّ هذا من باب الوفاء لوعد الله، والله لا يُخلِف الميعاد، أليس وَعَدَ المؤمنين بالنصر ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ (النور: ٥٥)؟ فالله تعالى يطيل عمر الدنيا ولو يوماً واحداً حتَّى يحكم المؤمنون، حتَّى يقول: أيُّها العباد أنا وفيت بوعدي.
الرأي الثاني: أنَّ هذا الإصرار القرآني والإصرار النبوي من باب الانتقام ليشفي صدور المؤمنين بالانتقام من الأعداء بمشاهدة الباطل كيف يُسحَق ويُمحَق.
الرأي الثالث: أنَّ هذا الإصرار من باب إعطاء أمل وإعطاء زخم روحي للمؤمنين حتَّى لا ييأسوا.
هذه مجموعة آراء لكنَّها في الحقيقة غير قادرة على أنْ تُعطي تفسيراً مقنعاً لهذا الإصرار.
هذه التفاسير التي ذكرتُها لكم (الوفاء بالوعد)، (شفاء صدور المؤمنين)، (أعطاء الأمل)، هذه التفاسير لا تستطيع أنْ تكشف العمق الفلسفي لقضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، لذا نحن نميل إلى الرأي الرابع.
الرأي الرابع: هو أنَّ قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تُمثِّل سُنَّة من سُنَن التاريخ، فالقرآن يتحدَّث عن سُنَن، مثلاً الموت سُنَّة إلهيَّة في الوجود، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: ١٨٥)، يعني هذا قانون إلهي.
ولهذا فإنَّ مجموعة من بني إسرائيل جاؤوا إلى نبيِّهم قالوا: يا نبيَّ الله، ادعُ لنا الله تعالى أنْ يرفع عنَّا الموت، أصرُّوا على النبيِّ، النبيُّ ابتُلي بهم، ماذا يفعل لهم؟ رفع النبيُّ يديه بالدعاء، إلهي استجب لهؤلاء وارفع عنهم الموت، الله تعالى رفع عنهم الموت سنة، وعشر سنين، وأربعين سنة، هؤلاء اكتشفوا الحقيقة حيث أصبح كلٌّ منهم مبتلى بأبيه وجدِّه وجدِّ جدِّه، وعنده ما شاء الله من الذرّيَّة لا يقدر أنْ يُطعِمهم، وليس عنده وقت ليعمل، جاؤوا إلى نبيِّهم مرَّةً أُخرى قالوا: ادعُ الله تعالى أنْ يُنزل علينا الموت، فعاد إليهم، وعادت أوضاعهم إلى طبيعتها(٤٥).
الموت قانون إلهي، الموت لا يتخلَّف، الحياة قائمة على هذا القانون.
المعاد بعد الموت سُنَّة كونيَّة، ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ (العلق: ٨)، ﴿إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: ١٥٦)، سُنَّة كونيَّة لا تتخلَّف.
واحدة من السُّنَن الكونيَّة انتصار الحقِّ، ومن الممكن أنَّ هذه السُّنَن الكونيَّة غير معلومة لنا، يعني أنَّ هذه القضيَّة لا نقدر أنْ نُدخِلها في مختبر فيزياوي أو كيمياوي حتَّى نرى هذه السُّنَّة كيف تكون، نحن الآن في تجربة بشريَّة واضحة نعرف أنَّ الكلَّ يموت، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: ١٨٥)، هذا حسب التجربة البشريَّة، لكن القرآن الكريم يتحدَّث عن سُنَّة كونيَّة بشريَّة أُخرى اسمها انتصار الحقِّ في نهاية المطاف، وهذا الأمر غير مشهود لنا في أيَّام عمرنا القصير. إنَّه لا بدَّ أنْ ينتصر الحقَّ، ﴿كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ (التوبة: ٤٠)، ربَّما نحن لم نكتشفها لكن القرآن يُؤكِّدها في عشرات الآيات، والسُّنَّة الشريفة تُؤكِّدها في مئات النصوص بشكل قطعي، «لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم».
كما أنَّك تقول: إنَّ الإنسان لو يصبح عمره مائة سنة أو مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة أخيراً يموت، تماماً تريد هذه النصوص أنْ تقول: إنَّها سُنَّة كونيَّة لا تتخلَّف، هنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: لو أنَّ الدنيا لم يبقَ منها إلَّا يوم لا بدَّ أنْ تتحقَّق هذه السُّنَّة الكونيَّة، سُنَّة انتصار الحقِّ، «يملؤها عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً».
مدَّة حكم الإمام (عجَّل الله فرجه):
نحن قبلنا أنَّ الحقَّ سوف ينتصر، لكن ما هي مدَّة حكم الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)؟
عجباً الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) في آخر البشريَّة كم سيحكم؟
أنا قرَّرت أنْ أُجيب على مائة سؤال في طيِّ هذه المحاضرات، نجيب على مائة سؤال وشبهة متعلِّقة بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وأنَّ واحداً من تلك الأسئلة هو هذا السؤال: كم هو عمر حكومة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) والدولة العالميَّة؟
هنا تجدون عدَّة روايات:
رواية تقول: يحكم سبع سنوات ثمّ يموت(٤٦).
رواية تقول: إنَّ كلَّ سنة تعادل عشر سنوات، معناه أنَّ سبع سنوات تعادل سبعين سنة(٤٧).
رواية تقول: يحكم أربعين سنة ثمّ يموت(٤٨).
رواية تقول: إنَّه يحكم تسع عشرة سنة(٤٩)، وهذه أشهر الروايات(٥٠).
خليفة المهدي (عجَّل الله فرجه):
وقد يقول قائل: ما قيمة هذه الفترة القصيرة بعد الصبر الطويل؟
لكن الجميل أنْ نعرف أنَّه (عليه السلام) يحكم تسع عشرة سنة، وبعده يحكم خليفة له يُلقَّب بالمهدي أيضاً كما في بعض الروايات، من المهديِّين من ورثة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) وخلفائه، يحكم ثلاثمائة وتسع سنوات، يعني الإمام المنتظر يحكم تسع عشرة سنة وبعده حكومة لرجل واحد من نوَّاب المهدي (عجَّل الله فرجه)، يحكم هذا الرجل المهدي أيضاً - وهو بعد مهديِّنا - يحكم ثلاثمائة وتسع سنوات، ثمّ تأتي رواية أُخرى وروايات كثيرة تقول: إنَّ بعد المهدي أحد عشر مهديًّا أو اثنا عشر مهديًّا.
إذا قلنا: إنَّ كلَّ واحد منهم يحكم مائة سنة فرضاً، أصبح المجموع ألفاً ومائة سنة، وإذا كان الأوَّل منهم يحكم ثلاثمائة وتسع سنوات، إذن أصبح المجموع ألفاً وأربعمائة وتسع سنوات، والإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) شخصيًّا يحكم تسع عشرة سنة على أشهر الروايات، فيكون المجموع ألفاً وأربعمائة وثمانية وعشرين عاماً.
وهناك روايات أُخرى كثيرة تذكر أنَّه لا يزال حكم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مستمرًّا حتَّى انقضاء الخلق، يعني يستمرُّ حكم العدل ليس بالضرورة على يد شخص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وإنَّما يستمرُّ هذا الحكم الذي يقوم على الحقِّ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً إلى قيام الساعة.
رجعة المعصومين (عليهم السلام):
ولكن الصحيح كما عليه مشهور علمائنا أنَّ هؤلاء الأحد عشر هم عبارة عن الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام)، حيث عندنا روايات مؤكَّدة تقول: إنَّهم (عليهم السلام) سيرجعون، فأحد عشر إماماً إضافةً إلى الإمام المنتظر أصبح المجموع اثني عشر إماماً.
الآن أقرأ لكم بعض الروايات لكي نعيش جوَّ الروايات الشريفة:
هذه الرواية عن أبي بصير، قال: قلت للصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام): يا بن رسول الله، إنِّي سمعت من أبيك (عليه السلام) أنَّه قال: «يكون بعد القائم اثنا عشر مهديًّا»، فقال: «إنَّما قال: اثنا عشر مهديًّا، ولم يقل: اثنا عشر إماماً، ولكنَّهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقِّنا»(٥١).
وفي حديث آخر عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «يا أبا حمزة، إنَّ منَّا بعد القائم أحد عشر مهديًّا من ولد الحسين (عليه السلام)»(٥٢).
وفي رواية أُخرى عن جابر الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر - يعني الإمام الباقر - (عليه السلام) يقول: «والله ليملكنَّ منَّا أهل البيت رجل بعد موته ثلاثمائة سنة يزداد تسعاً»، قلت: متى يكون ذلك؟ قال: «بعد القائم (عليه السلام)»(٥٣).
وفي رواية أُخرى عنه أيضاً: ... قلت: وكم يقوم القائم في عالمه حتَّى يموت؟ قال: «تسع عشرة سنة من يوم قيامه إلى يوم موته»(٥٤)، هذه الرواية مكرَّرة ومشهورة أنَّه (عجَّل الله فرجه) يحكم تسع عشرة عاماً، ولكن بعد ذلك أحد عشر مهديًّا، واحدٌ منهم يحكم ثلاثمائة وتسع سنوات.
وروايات أُخرى تقول: لا يزول حكمه إلى انقضاء الخلق، وهذه الرواية بهذا النصِّ: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال لي: «يا أبا محمّد، كأنِّي أرى نزول القائم (عليه السلام) في مسجد السهلة بأهله وعياله»، قلت: يكون منزله جُعلت فداك؟ قال: «نعم، كان فيه منزل إدريس، وكان منزل إبراهيم خليل الرحمن، وما بعث الله نبيًّا إلَّا وقد صلَّى فيه، وفيه مسكن الخضر، والمقيم فيه كالمقيم في فسطاط رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما من مؤمن ولا مؤمنة إلَّا وقلبه يحنُّ إليه...»، قلت: جُعلت فداك، لا يزال القائم (عليه السلام) فيه أبداً؟ قال: «نعم»، قلت: فمن بعده؟ قال: «هكذا من بعده إلى انقضاء الخلق...»، وهذه الرواية مكررة في مصادر الحديث(٥٥).
في هذه المحاضرة نحن أجبنا عن سؤال فترة حكومة العدالة، يعني العدالة الإسلاميَّة العالميَّة.
النجف والكوفة على عهد الإمام (عجَّل الله فرجه):
الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) كما ذكرنا لكم - وهذا أحد عناصر الاشتراك بينه وبين الإمام الحسين (عليه السلام) - يخرج من المدينة المنوَّرة، ويكون إعلان الثورة من مكَّة المكرَّمة، ويأتي للعراق، ويصل إلى الكوفة.
الرواية الواردة في كتاب (بحار الأنوار)، يقول الإمام الباقر (عليه السلام): «كأنِّي بالقائم (عليه السلام) على نجف الكوفة، وقد سار إليها من مكَّة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يُفرِّق الجنود في البلاد»(٥٦).
رواية أُخرى عن مفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربِّها، واستغنى الناس، ويُعمِّر الرجل في ملكه حتَّى يُولَد له ألف ذكر، لا يُولَد فيهم أُنثى، ويبني في ظهر الكوفة مسجداً له ألف باب، وتتَّصل بيوت الكوفة بنهر كربلاء وبالحيرة، حتَّى يخرج الرجل يوم الجمعة على بغلة سفواء يريد الجمعة فلا يُدركها»(٥٧).
أوَّل أُمَّة تلتحق بالإمام (عجَّل الله فرجه):
وأوَّل أُمَّة تلتحق بالإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هم شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، لتأكيد هذه الحقيقة، حقيقة أنَّ أصحاب الحركة الإصلاحيَّة العالميَّة هم الشيعة وإمامهم، الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
ولهذا فإنَّ أوَّل أُمَّة تلتحق به هم شيعته، يأتون قَزَعاً كقَزَع الخريف أي سُحُباً كسُحُب الخريف. يعني لاحظوا قطع السحاب في الخريف قطعاً صغيرةً مسرعة، الرواية هكذا تقول التحاق الشيعة به قَزَعاً كَقَزَع الخريف تلتحق وتحضر عنده في مكَّة المكرَّمة(٥٨).
يقول إمامنا الصادق (عليه السلام) كما في الرواية: «إنَّ قائمنا إذا قام مدَّ الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتَّى [لا] يكون بينهم وبين القائم بريد، يُكلِّمهم ويسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه»(٥٩)، ولكنَّهم يشاهدونه وتنقطع الفواصل المكانيَّة والزمانيَّة بينهم وبين الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
الانتقام من الظالمين:
الروايات تذكر أنَّ أحد الأُمور التي تتحقَّق بظهوره (عجَّل الله فرجه) الانتقام من الظالمين، ولكن ليس على أساس أنَّ هذا هو الهدف، بل هذا أحد ما يتحقَّق على يد هذه الحكومة الإصلاحيَّة. حكومة إصلاحيَّة لكنَّها تنتقم من الظالمين الثأر لدماء الأبرياء، لدماء الأنبياء (عليهم السلام)، لدم الإمام الحسين (عجَّل الله فرجه)، شعارهم: «يا لثارات الحسين»(٦٠).
هناك رواية تقول: إنَّه لمَّا قُتِلَ الحسين (عليه السلام) في كربلاء يوم عاشوراء ضجَّت الملائكة إلى الله: إلهنا هذا الحسين يُقتَل بهذا الشكل ولا تنتقم؟ الله تبارك وتعالى خَلَق لهم مَثَلَ القائم وصوَّر لهم صورة القائم، وقال سوف أنتقم بهذا للحسين (عليه السلام)(٦١).
ولهذا ورد في دعاء الندبة: «أَيْنَ الطَّالِبُ بِدَمِ المَقْتُولِ بِكَرْبَلاَء»(٦٢).
إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون، والعاقبة للمتَّقين، وسبحان ربِّنا إنْ كان وعد ربِّنا لمفعولا.

والحمد لله ربِّ العالمين
* * *
المحاضرة الثالثة: الاشتراك في المنهج

(٣/ محرَّم الحرام/ ١٤٢٦هـ)

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:
٢٢ - ما هو منهج حركة الأنبياء (عليهم السلام)؟
٢٣ - هل تكون حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) حركة مسلَّحة أم تغييريَّة جماهيريَّة؟
٢٤ - هناك خمس علامات حتميَّة للظهور، ما هي؟
٢٥ - كيف يتمُّ التحوُّل الثقافي العالمي في زمن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
٢٦ - من هو أوَّل من يبايع الإمام القائم (عجَّل الله فرجه)؟
٢٧ - ما هو جواب شبهة أحمد أمين حول الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)؟
٢٨ - لماذا لم ينقل البخاري رواية عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
٢٩ - هل يوجد تعايش سلمي في زمن الإمام لأصحاب الأديان الأُخرى؟
٣٠ - كيف نُفسِّر الروايات التي تُؤكِّد خروج الإمام بالسيف؟
٣١ - ما هي نظرية ابن خلدون في عمر الدول والحضارات ومناقشتها؟
منهج التغيير في خطاب الحسين (عليه السلام):
خطب إمامنا الحسين (عليه السلام) أصحاب الحُرِّ حينما التقى به في الطريق إلى العراق، قائلاً: «أيُّها الناس، إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لحُرُم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيِّر عليه بفعل ولا قول كان حقًّا على الله أنْ يُدخِله مدخله. ألَا وإنَّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطَّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلُّوا حرام الله، وحرَّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيَّر...»(٦٣).
حديثنا في هذه المحاضرات كما تعلمون عن (الحركة الإصلاحيَّة من الحسين (عليه السلام) إلى المهدي (عجَّل الله فرجه)، عناصر الاشتراك والتمايز في الأهداف والمناهج والنتائج).
في المحاضرة السابقة تحدَّثنا عن عناصر الاشتراك بين الحسين والمهدي (عليهما السلام) في الأهداف، وقرأنا أيضاً خطبة لإمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه) أوَّل ظهوره وإعلان ثورته في مكَّة المكرَّمة حينما أسند ظهره إلى البيت وخطب الناس بمقاطع وألفاظ ومحاور متقاربة جدًّا مع خطبة الحسين (عليه السلام) أوَّل إعلانه للثورة في كربلاء.
حديثنا في هذه المحاضرة عن عنصر آخر من عناصر الاشتراك بين الحركتين، وهو عنصر: المنهج.
هل ستكون حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) في المنهج والأُسلوب والطريقة مشتركة مع منهج الإمام الحسين (عليه السلام) في حركته أم يقوم بمنهج آخر؟ هذا محور حديثنا في هذه المحاضرة.
ثورة تغييريَّة:
إنَّ نقطة التقاء مهمَّة بين الثورتين أنَّها ثورة تغييريَّة، يعني الإمام الحسين (عليه السلام) قام بثورة تغييريَّة وأعلن عن ذلك في خطابه حين قال: «... إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: من رأى سلطاناً جائراً...، فلم يُغيِّر عليه...»، ثمّ قال: «وأنا أحقّ من غيَّر...»، هذا نُسمِّيه ثورة تغييريَّة، يعني أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) يريد أنْ يُغيِّر الواقع الثقافي والسياسي والأخلاقي الموجود، وإمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه) أيضاً يقوم بثورة تغييريَّة.
نوعان من الحركات التغييريَّة:
هناك نوعان من الحركات التغييريَّة على طول التاريخ:
النوع الأوَّل: حركات تغييريَّة مسلَّحة.
النوع الثاني: حركات تغييريَّة سلميَّة.
على طول التاريخ توجد ثورات مسلَّحة، وتوجد ثورات تغييريَّة لكنَّها ليست مسلَّحة نُسمّيها تغييريَّة سلميَّة.
فلنُوضِّح هذا الموضوع بالمثال، مثلاً حركة هتلر كانت حركة مسلَّحة يريد أنْ يسيطر على العالم أيضاً بعنوان الإصلاح - ونحن هنا لا نتحدَّث عن الأهداف - ولكن منهج الحركة النازيَّة منهج حركة مسلَّحة كاسترو وجيفارا حركتهم في كوبا كانت حركة مسلَّحة. ماوتسي تونغ أيضاً قام بحركة تغييريَّة مسلَّحة.
بينما لا تستطيع أنْ تقول: إنَّ غاندي قام بحركة تغييريَّة مسلَّحة غاندي لم يقم بحركة تغييريَّة مسلَّحة، هذا أتركه لمعرفتكم بهذه الحركات والثورات.
في ماضي التاريخ حركة المغول التاتار حينما زحفوا على العالم الإسلامي ودخلوا بغداد أيضاً هذه كانت حركة مسلَّحة بغضِّ النظر عن أهدافها هل هي حركة إصلاحيَّة أو هي حركة استبداديَّة، كان هدفهم التغيير أو كان هدفهم التسلُّط ذاك بحث آخر.
في هذه المحاضرة حديثنا عن المنهج والأُسلوب، توجد ثورات مسلَّحة وتوجد ثورات جماهيريَّة غير مسلَّحة.
منهج حركة الأنبياء (عليهم السلام):
إذا لاحظنا حركات الأنبياء: إبراهيم موسى، عيسى، قبلهم نوح (عليهم السلام) وبعدهم نبيُّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لا نستطيع أنْ نقول: إنَّها كانت ثورات مسلَّحة، بل كانت ثورات تعتمد الإرادة الجماهيريَّة ثورات وحركات إصلاحيَّة نُسمّيها أيديولوجيَّة تعتمد على تغيير أفكار الناس ورؤى الناس وإرادات الناس، وتتمُّ عمليَّة التغيير ليس عن طريق انقلاب عسكري، ولا عبر زحف مسلَّح كما زحف المغول مثلاً على بغداد، جنكيز خان وهولاكو زحفا على بغداد بهدف التسلُّط لكن بصورة زحف مسلَّح الأنبياء (عليهم السلام) لم يقوموا بزحف مسلَّح، بل اعتُدِيَ عليهم بزحف مسلَّح، هُمْ قاموا بالدفاع عيسى (عليه السلام) لم يقم بحركة مسلَّحة موسى (عليه السلام) أيضاً مع فرعون ما قام بحركة مسلَّحة ضدّ فرعون، رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رغم أنَّه خاض حروباً كثيرة بدر وأُحُد وحنين وحوالي ثمانين غزوة، لكن أنتم تعرفون أنَّ حركة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما كانت حركة مسلَّحة لم تكن غزواً مسلَّحاً واكتساحاً عسكريًّا، وإنَّما كانت تغييراً جماهيريًّا أيديولوجيًّا عقائديًّا، ثمّ استخدام السلاح في المرحلة الثانية، وهذه نقطة تحتاج إلى توضيح ماذا نقصد بالحركة الجماهيريَّة؟ هل يعني أنَّها لا تستخدم السلاح أبداً؟
كما يقول الشاعر:

ألقاه في اليمِّ مكتوفاً وقال له * * * إيَّاك إيَّاك أنْ تبتلَّ بالماءِ

الجواب: لا، ليس هذا مقصودنا المقصود أنَّه ليس العنصر الأوَّل هو السلاح وإنَّما العنصر الأوَّل هو الإرادة البشريَّة ثمّ يُستَخدم السلاح كعنصر هامشي، القوَّة السيف السلاح عنصر هامشي في مواجهة الأعداء في مواجهة الذين يقطعون الطريق على هداية الشعوب.
رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) استخدم السلاح، ولكن أنتم تعرفون أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثلاثة عشر سنة في مكَّة المكرمة يُعَّذَب أصحابُه ويُظلَمون وهم بدون سلاح، حتَّى جاء الوحي الإلهي يأمره بالهجرة هاجر أوَّل مرَّة إلى الطائف وهاجر إلى المدينة المنوَّرة، في المدينة المنوَّرة واجه هجوماً من قِبَل جيوش قريش، وهنا صارت معركة بدر.
في معركة بدر كانت قريش بقيادة أبي سفيان قد جهَّزت جيوشاً للزحف على المدينة المنوَّرة، رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يومئذٍ لا يملك سلاحاً، يومئذٍ المسلمون لم يكن عندهم سلاح حتَّى يقاتلوا، كانت عمليَّة دفاعيَّة، وإذا استُخدِمَ السلاح فيما بعد أيضاً فهو بهذا الاتِّجاه، أي باتِّجاه دفاعي.
رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أوَّل ما دخل المدينة المنوَّرة ماذا فعل؟
كان في المدينة المنوَّرة اقتتال عشائري بين الأوس والخزرج أصلح بينهم، رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثُنيت له الوسادة وصار أمير القوم بدون قتال، يعني لا يوجد مدَّعٍ واحد في التاريخ يقول: إنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) زحف إلى المدينة المنوَّرة زحفاً عسكريًّا أصلاً، وإنَّما بقى في مدخل المدينة المنوَّرة ينتظر عليًّا (عليه السلام) ثمّ دخل المدينة المنوَّرة، والناس مبتهجون فرحون بانتظار النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يعني هي حركة شعبيَّة حركة جماهيريَّة، استخدام السلاح يأتي بالمرحلة الثانية، هذا معنى الحركة التغييريَّة السلميَّة.
منهج حركة الحسين (عليه السلام):
حركة الحسين (عليه السلام) أيضاً كانت هكذا، حتَّى نصل بعد ذلك للمقارنة بين حركة الحسين وبين حركة الإمام المنتظر (عليهما السلام).
حركة الحسين (عليه السلام) هل كانت مسلَّحة أم حركة جماهيريَّة أيديولوجيَّة سلميَّة؟
الآن قد تقولون: نحن نعرف أنَّه كان هناك قتل وقتال ودماء، وهذه حركة مسلَّحة.
الجواب: لا ليست حركة الحسين (عليه السلام) حركة مسلَّحة، الإمام الحسين (عليه السلام) كانت حركته حركة تغييريَّة عقائديَّة، واستخدام السلاح للدفاع عن نفسه وأهله، ولم يكن الإمام الحسين (عليه السلام) مهيَّئاً للقتال، ولا قام بعمليَّة غزو عسكري، بدليل ما يتَّفق عليه التاريخ كلُّه أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) خرج من مكَّة المكرَّمة بدون قوَّات عسكريَّة، وفي الطريق كان يلتقي بأعراب من هنا وهناك، وما ذكر التاريخ مرَّة واحدة أنَّ الحسين (عليه السلام) غزا مجموعة منهم، أو أنَّه كان يدعوهم عنوةً للالتحاق به، لقد التحق به جمع كثير طلباً للعافية والملك وليس على أساس القتال.
التاريخ يذكر أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) تلقَّى رسائل من أهل الكوفة «إنَّه ليس علينا إمام، فأقبل لعلَّ الله أنْ يجمعنا بك على الحقِّ»(٦٤)، تعالَ نحن نبايعك، أرسل الحسين (عليه السلام) مسلم بن عقيل لكي يستخبر الحال فإنْ رآهم كما قالوا أخذ منهم البيعة، وكتب مسلم للحسين (عليه السلام) أنَّ الأمر كما جاءت به كُتُبهم.
إذن هي ثورة جماهيريَّة يعني مثل حركة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما دخل المدينة كان الناس مهيَّئين لاستقبال النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الكوفة هكذا قالوا للحسين (عليه السلام) حينما أرسل مسلم بن عقيل، بايعه ثمانية عشر ألف بلا أيَّة عمليَّة مسلَّحة، ثمّ كتب مسلم بن عقيل للإمام الحسين (عليه السلام): «قد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً»(٦٥)، هذه الكوفة ممهَّدة لك، هذه حركة تغييريَّة جماهيريَّة أصلاً بلا حاجة إلى قتال مسلَّح.
ولهذا كما تعرفون فالإمام الحسين (عليه السلام) حينما التقى بالحُرِّ الرياحي وقطع عليه الطريق، تعرفون ماذا قال له زهير بن القين؟
قال له: يا بن رسول الله، إنَّ قتال هؤلاء أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فقال له الإمام الحسين (عليه السلام): «ما كنت لأبدأهم بالقتال»(٦٦).
ثمّ خطب أصحاب الحُرِّ وصلَّى بهم جماعة بهدف تغييرهم عقائديًّا وجذريًّا عسى أنْ يميلوا إلى الحقِّ، ولم ينفع ذلك إلى أنْ اصطفَّ الصفَّان في كربلاء، ووجد الحسين (عليه السلام) أنْ لا خيار أمامهُ إلَّا أنْ يستبسل أو يستسلم للطاغية يزيد.
إذن حركة الحسين (عليه السلام) لم تكن حركة مسلَّحة وإنَّما اضطرَّ الحسين (عليه السلام) للقتال دفاعاً عن دينه ونفسه ودفاعاً عن عياله.
منهج حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
أمَّا إمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه) فحركته وثورته العالميَّة كيف ستكون؟
هل هي على طريقة الزحف العالمي المسلَّح؟ وخوض حرب عالميَّة يقودها الإمام (عجَّل الله فرجه) ويفتح العراق ويفتح الشام، ويفتح فلسطين، ويفتح الروم، ويفتح الصين، كما تقول الروايات؟ - وسأقرأ عليكم بعض هذه الروايات -.
هذا منظر - ربَّما هو بالنسبة لكثير منكم - منظر جميل صورة زحف عالمي يقوده صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)، وأنتم من شيعته وجنوده.
أم هي حركة جماهيريَّة وأنَّ استخدام السلاح هو الهامش وليس هو الأصل؟ هذه الحركة مثل حركة الأنبياء (عليهم السلام) هناك استخدام للسلاح لكن هو الهامش وليس هو الأصل؟
الجواب: أنَّ حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هي حركة تغييريَّة جماهيريَّة ليست مسلَّحة، يعني العمليَّة ليست عمليَّة زحف مسلَّح كما قام ماوتسي تونغ من الجبال وزحف على الصين وشكَّل الجمهوريَّة الشعبيَّة الديمقراطيَّة الاشتراكيَّة الصينيَّة، أو من قبيل الاتِّحاد السوفيتي حينما قام لينين وبعده ستالين باستقطاع شعوب ودول من العالم وضمَّها عنوة إلى دولة كبرى اسمها الاتِّحاد السوفيتي عبر غزو مسلَّح وانقلابات عسكريَّة هنا وهناك.
حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) ليست كذلك، إنَّما هي حركة أيديولوجيَّة تغييريَّة ثقافيَّة السلاح يُستَخدم فيها كآخر شيء.
هذا الأمر يحتاج إلى استدلال ووقوف لدراسة روايات لطيفة في هذا المجال.
لمحة عن حركة الإمام (عجَّل الله فرجه):
أنا أُلفت نظركم إلى مجموعة آفاق في هذا الشأن:
لاحظوا: إمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه) أوَّل ظهوره في المدينة المنوَّرة ويومئذٍ يكون العراق والشام قد سقطا بيد قائد عسكري طاغٍ اسمه: السفياني، هناك طاغية دكتاتور يكون قد سيطر على الشام والعراق، فلمَّا تبلغه نهضة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) في المدينة المنوَّرة يقوم السفياني بالزحف على المدينة المنوَّرة والإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) فيها.
الإمام (عجَّل الله فرجه) دوره هنا أنْ يُغيِّر موقع المعركة ينتقل الإمام (عجَّل الله فرجه) كما تقول الروايات من المدينة المنوَّرة - ربَّما لتكتيك عسكري أو لشيء آخر الله العالم - ينتقل إلى مكَّة المكرَّمة، وحينئذٍ تسقط المدينة المنوَّرة في يد السفياني وقوَّاته العسكريَّة، والإمام (عجَّل الله فرجه) حينئذٍ موجود بمكَّة المكرَّمة، وهنا في مكَّة يُعلِن عن ثورته العالميَّة، فأوَّل من يبايعه جبرئيل يهبط ويبايعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ولا يزحف الإمام (عجَّل الله فرجه) لتحرير المدينة المنوَّرة من يد السفياني إلَّا بعد أنْ يستكمل عنده من أنصاره وشيعته عشرة آلاف يلتحقون به من هنا وهناك قَزَعاً كقَزَع الخريف يعني سُحُباً قطعاً قطعاً مسرعة إليه، يجتمع عنده عشرة آلاف، حينئذٍ تبدأ عمليَّة التحرير الكبرى، لكنَّها أيضاً ليست عمليَّة مسلَّحة.
الروايات المؤكَّدة تقول: إنَّ السفياني يكون قد سيطر على المدينة المنوَّرة حينما يعرف أنَّ المهدي المنتظر خرج في مكَّة المكرَّمة يقوم بزحف كبير، زحف قوَّات كبيرة من المدينة المنوَّرة إلى مكَّة، وفي الطريق يخسف الله تبارك وتعالى بهم الأرض جميعاً، فلا ينجو منهم إلَّا ثلاثة - أو واحد - يرجعون يُخبرون بالحادثة التي حدثت وأنَّ الأرض قد ابتلعت كلَّ هؤلاء زلزال كبير يبتلع كلَّ هذا الجيش الكبير وهذه علامة من العلامات الخمس.
علامات الظهور:
يوجد علامات خمس تذكرها العديد من الروايات، وهي متَّفق عليها عند الشيعة وعند السُّنَّة لظهور الحجَّة المنتظر (عجَّل الله فرجه):
العلامة الأُولى: الصيحة في السماء.
العلامة الثانية: السفياني وظهوره.
العلامة الثالثة: الخسف بالبيداء.
العلامة الرابعة: ظهور اليماني.
العلامة الخامسة: قتل النفس الزكيَّة بين الركن والمقام.
خمس علامات يصفها العلماء والمؤرِّخون لظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بأنَّها علامات حتميَّة، يعني هذه خمس علامات حتميَّة غير قابلة للشكِّ، وكثير من الروايات تذكر هذه العلامات الخمس.
الصيحة: نداء بالسماء يسمعه كلُّ الخلق صيحة واحدة.
السفياني: ظهور السفياني.
الخسف: والخسف به بين المدينة ومكَّة.
اليماني: وظهور اليماني من اليمن، قائد اسمه اليماني من الموالين لحركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
النفس الزكيَّة: ثمّ قتل النفس الزكيَّة بين الركن والمقام.
على كلِّ حالٍ هذه خمس علامات نحن ذكرناها استعراضاً، وربَّما سنعود إليها، ومحور حديثنا باتِّجاه معرفة أنَّ حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هي حركة مسلَّحة أم حركة جماهيريَّة سلميَّة، وبهذا الشرح قد بيَّنت لكم أنَّها حركة جماهيريَّة سلميَّة وليست حركة مسلَّحة، هذه مجموعة روايات أنا أقرأ لكم بعضها للاستفادة.
الرواية التي وردت عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة، والسفياني، والخسف، وقتل النفس الزكيَّة، واليماني»(٦٧)، روايات كثيرة في نفس هذا المعنى تتكرَّر.
قد تتساءلون: ما هي الصيحة؟ يعني النداء، هناك رواية تقول: إنَّ النداء بهذا الشكل يكون، فعن محمّد بن عليٍّ الحلبي، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «... والنداء من المحتوم، وخروج القائم من المحتوم»، قلت: وكيف النداء؟ قال: «ينادي منادٍ من السماء أوَّل النهار: ألَا إنَّ عليًّا وشيعته هم الفائزون»(٦٨).
هناك روايات كثيرة في هذا المجال تُؤكِّد أنَّ الصيحة والنداء من العلامات الحتميَّة. الخسف بالبيداء أيضاً، وقد شرحته لكم. اليماني كما ذكرت، لأنَّه يخرج من اليمن فيُسمَّى اليماني، يلتحق بالإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) وينصره.
أنا بهذا الصدد لديَّ رواية جميلة تستحقُّ أنْ أقرأها لكم، الرواية هكذا تقول عن الإمام الباقر (عليه السلام) في بعض ما يقول:
«ويخرج المهدي منها - من المدينة المنوَّرة - على سُنَّة موسى خائفاً يترقَّب حتَّى يقدم مكَّة، ويقبل الجيش - يعني جيش السفياني - حتَّى إذا نزلوا البيداء - يعني بالعراء بين مكَّة والمدينة - خُسِفَ بهم، فلا يفلت منهم إلَّا مخبر - يذهب فيُعطي خبر زلزال عظيم -، فيقوم القائم بين الركن والمقام، فيُصلِّي وينصرف ومعه وزيره، فيقول: أيُّها الناس...، ويجيء والله ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فيهم خمسون امرأة...».
لاحظوا: خمسون امرأة يشاركن في العمليَّة التغييريَّة التي يقودها الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، في خُلَّص أصحابه يعني (٣١٣) ليس كلُّهم رجالاً، بل بينهم خمسون امرأة أيضاً، وبعض الروايات تقول (١٣) امرأة(٦٩).
«يجتمعون بمكَّة على غير ميعاد قَزَعاً كقَزَع الخريف يتبع بعضهم بعضاً...، ثمّ يخرج من مكَّة ومن معه الثلاثمائة وبضعة عشر يبايعونه بين الركن والمقام، ومعه عهد النبيِّ ورايته وسلاحه ووزيره معه، فينادي المنادي بمكَّة باسمه وأمره من السماء حتَّى يسمعه أهل الأرض كلُّهم»(٧٠).
إذن الإمام (عجَّل الله فرجه) حركته لحدِّ الآن حركة تغيير سلميٍّ.
وبعد هذا يزحف إلى المدينة المنوَّرة، وبعد تطهير المدينة ينسحب إلى العراق، وتكون هناك معركة عظيمة بين جيش السفياني وجيش الحسني الذي يأتي من خراسان لنصرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ويهزم السفياني ويتحرَّر العراق كاملاً، وتتحرَّر الشام بيد الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وتتحرَّر فلسطين أيضاً، والروايات تقول: تتحرَّر الروم، وكذلك الصين، وتبدأ حركة عظيمة عالميَّة للإمام (عجَّل الله فرجه) يخضع فيها العالم كلُّه لحكم الإسلام(٧١).
التحاق الشيعة:
وهنا من المفيد أنْ أقرأ لكم هذه الرواية التي تتحدَّث عن أنَّ الشيعة يلتحقون بالإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، تقول الرواية: «إذا قام قائمنا أذهب الله (عزَّ وجلَّ) عن شيعتنا العاهة، وجعل قلوبهم كزبر الحديد، وجعل قوَّة الرجل منهم قوَّة أربعين رجلاً، ويكونون حُكَّام الأرض وسنامها»(٧٢)، يعني هم يقودون الحركة التغييريَّة.
في رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام): «فإذا وقع أمرنا وجاء مهديُّنا كان الرجل من شيعتنا أجرى من ليث - يعني أسرع من الأسد -، وأمضى من سنان - يعني أحدُّ من الرمح -، يطأ عدوَّنا برجليه ويضربه بكفَّيه، وذلك عند نزول رحمة الله وفرجه على العباد»(٧٣).
التعايش السلمي:
الروايات تقول: إنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يقبل النصارى فيدخلون في إطار دولته ويأخذ منهم الجزية، وهذا يعني أنَّه لا يوجد هناك إرهاب فكري إمَّا أنْ تدخل الإسلام أو تُقتَل، لا بل يمكنك أنْ تبقى في دولة الإمام المنتظر ومثل ما يُعطي المسلمون الزكاة والخُمُس أنتم تعطون الجزية أيضاً(٧٤).
لاحظوا إذن هناك تعايش اجتماعي وتبادل ثقافي كما نُسمّيه في أيَّامنا هذه.
ولكن لا يخفى عليكم أنَّ ذلك يكون في بداية حكم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وربَّما قبل نزول عيسى (عليه السلام) إلى الأرض، أمَّا بعد نزوله وصلاته خلف إمامنا فإنَّ جميع أهل الكتاب سوف يدخلون في الإسلام المحمّدي الأصيل، ولا يبقى هناك جزية ولا غيرها.
الحركة الثقافيَّة:
إنَّ حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) حركة ثقافيَّة في البداية، وحركة عقائديَّة أيضاً.
هناك رواية مضمونها: أنَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) إذا خرج يمسح بيده على رؤوس الخلائق فيهتدون ويدخلون هذا الدِّين، يعني عمليَّة تغيير عقلي، عمليَّة تغيير أيديولوجي.
رواية جميلة في هذا المجال تستحقُّ أنْ أقرأها لكم، الرواية هكذا تقول:
«إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم، وكملت بها أحلامهم»(٧٥).
هذا ماذا يعني في اصطلاحنا المعاصر؟
إنَّ الحركة حركة تغيير ثقافي وتغيير في قلوب هؤلاء الناس.
نحن الآن في العراق إذا أردنا أنْ نُقيِّم الموقف الحالي ونرسمه ونُصوِّره نجد أنَّه كأنَّ يداً مسحت على رؤوس العراقيِّين، وخاصَّة الشيعة، فوحَّدت صفوفهم لخوض العمليَّة السياسيَّة، وهذا شيء عجيب، وغريب في الحقيقة، كأنَّ يداً مسحت على قلوب هؤلاء الناس فحسَّنت أخلاقهم ووحَّدت عقولهم بحيث أصبح الجميع ينادي بالانتخابات ويدعو لخوض العمليَّة السياسيَّة، وانتصرنا هذا الانتصار العجيب.
لاحظوا ماذا تقول إحدى الروايات:
عن الإمام الصادق (عليه السلام): «العلم سبع وعشرون حرفاً فجميع ما جاءت به الرُّسُل حرفان، فلم يعرف الناس حتَّى اليوم غير الحرفين»، يعني كلُّ هذا التقدُّم العلمي الموجود الآن في العالم، وكذلك حركة الأنبياء (عليهم السلام) وبشائرهم وكُتُبهم وشرائعهم، هي عبارة عن استخدام فصلين من سبع وعشرين فصلاً من العلوم، يعني هذا الكتاب العلمي مؤلَّف من سبع وعشرين فصلاً، ولحدِّ الآن قرأت البشريَّة الفصل الأوَّل والثاني فقط، «فإذا قام القائم (عليه السلام) أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثَّها في الناس، وضمَّ إليها الحرفين، حتَّى يبثَّها سبعة وعشرين حرفاً»(٧٦).
قدِّروا التطوُّر العلمي والثقافي الذي سيكون يومئذٍ، العالم الآن منشغل بالتطوُّر العلمي، ونحن الآن في بيوتنا نطَّلع على ما يجرى في كلِّ العالم، نشاهده عبر الشاشات، وهذا من العجائب، إذن إلى أين سوف تصل البشريَّة في تطوُّرها العلمي؟
حركة الإمام المنتظر إذن نستطيع أنْ نُسمّيها حركة تغييريَّة أيديولوجيَّة ثقافيَّة عقائديَّة.
مناقشة روايات السيف:
لكن قد تقول: إنَّ هناك عشرات النصوص تقول: إنَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) يستخدم السيف، ويُكثِر القتل بالناس حتَّى يودُّون لو لم يكن قد خرج من كثرة ما يحدث من قتال.
أقرأ لكم بعض هذه الروايات ثمّ نقف لنُفسِّر هذه الروايات التي تُصوِّر القضيَّة مثل ما تُصوِّر لنا قضيَّة جنكيز خان في معاركه، سيف وذبح وقتل حتَّى يودَّ أصحابه أنْ لا يكون قد خرج لكثرة ما يقتل من الناس، مع أنَّ هذه الروايات نفسها تُسمّي يوم ظهوره يوم الرحمة ونزول الرحمة من الله تعالى.
ففي رواية عن الباقر (عليه السلام)، قال: «لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحبَّ أكثرهم ألَّا يَرَوه، ممَّا يقتل من الناس...»(٧٧).
وفي رواية أُخرى: «... ما يستعجلون بخروج القائم؟ والله ما لباسه إلَّا الغليظ، وما طعامه إلَّا الشعير الجشب، وما هو إلَّا السيف، والموت تحت ظلِّ السيف»(٧٨).
هذا كلُّه تصوير عن معركة عظمى شبيهة بالحرب العالميَّة والغزو المسلَّح يقوم به الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وهذه الروايات تُعطي مثل هذه الدلائل.
ولكن من خلال التأمُّل ومراجعة مجموع هذه الروايات سنكتشف شيئاً آخر.
إنَّ حروب الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هي حروب دفاعيَّة في الحقيقة، والأداة التغييريَّة هي أداة فكريَّة ثقافيَّة، لكن حينما يتعرَّض الإمام (عجَّل الله فرجه) لهجوم من قِبَل السفياني، ولتمرُّد داخلي، أو هجوم من قِبَل الأعداء خاصَّة اليهود، حينئذٍ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) سيصل إلى فلسطين ويلاحق اليهود حتَّى لا يبقى حجر إلَّا وهو يقول: (يا عبد الله المسلم هذا يهودي فاقتله)(٧٩).
إنَّ مجموعة مؤامرات تحاك ضدَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، مجموعة انشقاقات داخليَّة ستكون أمام الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، ثمّ يقوم الإمام بتصفيتها ويلقى من الناس أذى أشدّ ممَّا لقيه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الرواية تقول يلقى الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) أذىً كثيراً بذلك المستوى الذي لاقاه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو أكثر من ذلك.
الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ قائمنا إذا قام استقبل من جهل الناس أشدّ ممَّا استقبله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من جُهَّال الجاهليَّة...»(٨٠).
رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يكن لديه أحد، وليس الغرض أنْ يخوض حرباً مسلَّحة، وعمليَّة التغيير يجب أنْ تحدث فكريًّا وأيديولوجيًّا.
يقول (عليه السلام): «... كأنِّي بقائم أهل بيتي قد أشرف على نجفكم هذا - وأومأ بيده إلى ناحية الكوفة -، فإذا هو أشرف على نجفكم نشر راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإذا هو نشرها انحطَّت عليه ملائكة بدر...»(٨١).
قدَّمت لكم مجموعة شواهد في هذا المجال كنماذج للتدليل على أنَّ حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هي حركة تغييريَّة غير مسلَّحة بالأصل.
مع الدكتور أحمد أمين:
في هذه المحاضرة نصل إلى مناقشة الدكتور أحمد أمين، وهو مؤرِّخ مصري صاحب كتاب (فَجْر الإسلام) و(ضُحى الإسلام) و(ظُهْر الإسلام)، له كتاب اسمه (المهدي والمهدويَّة) يناقش فيه فكرة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) ويستبعدها ويُقدِّم استدلالات لنفي هذه الفكرة الثابتة بالضرورة في الفكر الإسلامي السُّنّي والشيعي.
وقلت لكم: إنَّ خمسين صحابيًّا روى هذه الرواية، وخمسين تابعيًّا أيضاً، وصاحب كتاب كنز العُمَّال وحده قدَّم (٢٤٧) رواية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهؤلاء من علماء السُّنَّة المؤرِّخين والمحدِّثين، ومن الشيعة أكثر من ذلك.
لكن أحمد أمين يُقدِّم مناقشة نقديَّة للفكرة.
يقول: إنَّ نظرية الإمام المهدي اضطرَّ لها الشيعة نتيجة الهزيمة السياسيَّة التي حلَّت بهم، إنَّ هذه الأُمَّة مهزومة فاضطرُّوا أنْ يمنُّوا أنفسهم بالأماني وأنَّه عندنا قائد منتظر، وسيظهر وسيأخذ بثاراتنا، القضيَّة قضيَّة معالجة إحباطات نفسيَّة في قلوب الناس.
في أيَّام عبد الكريم قاسم أوَّل رئيس جمهوريَّة في العراق لـمَّا قُتِلَ نزلت شائعة تقول: إنَّ عبد الكريم قاسم صعد للقمر، وسيظهر فيما بعد، وينزل مرَّةً أُخرى، الحقيقة أنَّها كانت هزيمة أرادوا أنْ يملأوا فيها الفراغ النفسي عندهم بمثل هذه الشائعة.
أحمد أمين هكذا يُصوِّر القضيَّة أنَّ الشيعة نتيجة هزيمة قد أحاطت بهم على طوال التاريخ اضطرُّوا أنْ يفتعلوا قضيَّة ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في آخر الزمان(٨٢).
كلمات ابن خلدون:
ثمّ يستشهد أيضاً بكلمات ابن خلدون.
ابن خلدون المؤرِّخ المعروف والشهير في القرن الثامن له كتاب (مقدّمة ابن خلدون)، وأصل الكتاب اسمه: (كتاب العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في أيَّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)، وهو من الكُتُب التراثيَّة الرائعة.
ابن خلدون أساساً عنده نظريَّة في علم الاجتماع، وهو عالم ومؤرِّخ اجتماعي، لكن مشكلته أنَّه يفرض هذه النظريَّات غير القطعيَّة على الرؤى القرآنيَّة والثابتة في النصوص القطعيَّة، يحاول أنْ يفرضها فرضاً على النصوص، بمعنى يمارس الاجتهاد في مقابل النصِّ.
ابن خلدون هكذا يقول، وعلى إثره جاء أحمد أمين يُكرِّر نفس النتائج التي يصل إليها: إنَّ قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هي ردَّة فعل لهزيمة الشيعة.
دليل ابن خلدون:
أوّلاً: أنَّ الدولة لا تقوم إلَّا على أساس عصبيَّة، يعني التعصُّب، هو باعتباره مؤرِّخاً ومحلِّلاً اجتماعيًّا يقول: إنَّ كلَّ دولة من الدول تحتاج إلى قائد متعصِّب، ليس عصبيًّا باصطلاحنا اليوم يعني منفعل، وإنَّما المتعصِّب بمعنى حازم وشديد وصاحب إصرار وعناد بالغ على أفكاره ونظريَّته، إنَّ أيَّة دولة لا تقوم بدون عصبيَّة(٨٣).
ثانياً: ويرى ابن خلدون أنَّ الدولة سوف لا يكون عمرها الطبيعي إلَّا عمر ثلاثة أجيال تاريخيًّا، هكذا يقرأ الدولة أقصى عمرها مائة وعشرون سنة، أيَّة دولة من الدول أو حضارة من الحضارات تبدأ بمرحلة فتوَّة، ثمّ مرحلة ركود، ثمّ مرحلة انهيار، مثل الولد يمرُّ بعمليَّة نموّ حتَّى يصل مثلاً إلى (٢٥) عاماً، ومن (٢٥) إلى (٤٥) عاماً ركود، ومن (٤٥) إلى ما بعدها مرحلة انهيار، يقول ابن خلدون: الدولة عمرها ثلاثة أجيال، وكلُّ جيل عمره (٤٠) سنة، فيكون المجموع (١٢٠) سنة.
الدولة بعد أنْ يصل عمرها إلى (١٢٠) سنة تموت، أيُّ حضارة من الحضارات، وهكذا يُقدِّم ابن خلدون تحليلاً في هذا الشأن، يستند في هذا التحليل إلى هذه النظريَّة أنَّ الدولة أوَّل أمرها تقوم على أساس العصبيَّة البدويَّة، والجيل الأوَّل جيل متعصِّب، وهو الذي يقوم بتأسيس الدولة، بعده يأتي جيل ثانٍ، جيل مرفَّه نسبيًّا لم يشترك في تأسيس الحكم وصعوبته وإنَّما جاء واستلم حكماً قائماً، فكأنَّه عاش بين العصبيَّة وبين الدلال والنعومة، يحكم أربعين سنة، بعدها يأتي جيل جديد لم يشهد شيء من الشدَّة والعصبيَّة وإنَّما جيل ترف، هذا الجيل الأخير لا يجد عنده نوعاً من العصبيَّة، فتبدأ الدولة معه بالاضمحلال وتنتهي.
ويُقدِّم ابن خلدون هذا التحليل، وفي ضوئه يستبعد إقامة دولة عالميَّة دائمة تملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت ظلماً وجوراً(٨٤).
ثالثاً: يقول ابن خلدون: إنَّ أهل البيت (عليهم السلام) أُناس عندهم عطف ورحمة، والدولة لا تقوم عند أُناس من هذا القبيل، لا بدَّ من عصبيَّة، وأهل البيت (عليهم السلام) لا يوجد عندهم عصبيَّة، إذن المهدي كيف يقوم بدولة ولا توجد عنده عصبيَّة(٨٥)؟!
مناقشة ابن خلدون:
هذا التحليل في الحقيقة يمكن أنْ يناقشه أحد من زاوية اجتماعيَّة وتاريخيَّة، وقد يمكن قبوله، ونحن الآن لسنا بصدد مناقشته في علم الاجتماع والتاريخ، لكن من زاوية أُخرى أنَّنا في الفكر الإسلامي لا نسمح لأنفسنا فرض الاجتهاد والرأي التحليلي الخاصِّ على النصِّ الثابت إسلاميًّا.
ومن الممكن وجود آراء ونظريَّات، ولكن إذا أصبح كلُّ واحد يفرض نظريَّته على النصِّ الإسلامي فلا يبقى من القرآن شيء.
مثلاً القرآن يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩)، لكن الولايات المتحدة الأمريكيَّة - مثلاً - ترفع شعار إلغاء قانون القصاص في العالم، فلا يوجد قصاص، حتَّى إذا كان ظالم مثل صدَّام يقتل آلاف الناس، وهناك قبور جماعيَّة، وإحراق قرى بأطفالها ونساءها، يقال: لا يجوز أنْ يُقتَل هذا المجرم قصاصاً.
أنا لا أُناقش ابن خلدون من ناحية علميَّة، بل أُناقشه من ناحية إسلاميَّة، نحن إسلاميًّا نعتقد أنَّ ما يقوله القرآن لا يجوز أنْ يخضع إلى الرأي الشخصي حتَّى لو كان الشخص بروفسور بعلم الاجتماع والتاريخ، بل يجب أنْ يخضع رأيه للحكم القرآني.
ابن خلدون وغيره أصبح يُفكِّر بطريقة فرض الاجتهاد الشخصي على الثوابت الدِّينيَّة، هو قد توصَّل إلى نظريَّة، وهي نظريَّة تقبل الصواب والخطأ، يمكن أنْ تكون صحيحة، ويمكن بعد مائة سنة تتغيَّر ويكتشفون شيئاً آخر ضدّ هذه النظريَّة، فكيف نرفض ما ثبت بالنصِّ الصحيح استناداً إلى اجتهاديَّة غير يقينيَّة؟
النصُّ الثابت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يبعث الله فيه رجلاً من ولدي، يواطئ اسمه اسمي، يملؤها عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(٨٦)، كيف تُطرَح هذه النصوص الثابتة لصالح نظريَّة اجتهاديَّة؟ هذا غير مقبول، وهو ما نُسمّيه (اجتهاد في مقابل النصِّ).
نحن نقول: إنَّ النصَّ القرآني الذي يُؤكِّد قيام الدولة العالميَّة الصالحة هو نصٌّ مقدَّس، والروايات الثابتة تُؤكِّد أنَّ تلك الدولة تقوم على يد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، هذه يجب أنْ نقبلها لأنَّها مستندة للوحي، ومستندة إلى مصدر أعلم منَّا، وهو الله تبارك وتعالى، ولا يمكن تجاوز هذه النصوص الثابتة بالضرورة في الفكر الإسلامي.
مناقشة أحمد أمين:
أحمد أمين يقول: إنَّ فكرة الإمام المنتظر عبارة عن ردَّة فعل لهزيمة الشيعة، وعلماؤنا يناقشون هذا الأمر في أكثر من مناقشة:
مثلاً الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) في كتابه (بحث حول المهدي) يناقش الفكرة مناقشة سريعة، والأُستاذ عدنان البكَّاء يناقشها مناقشة مفصَّلة في كتاب (الإمام المنتظر)، والعلَّامة الشيخ محمّد أمين زين الدِّين يناقشه أيضاً مناقشة جيِّدة في هذا الأمر.
وخلاصة المناقشة ببساطة ووضوح أنَّ هذه الروايات التي تتحدَّث عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وقيام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ودولته، هي ليست روايات من مصطنعات الشيعة، هذه الروايات يذكرها الصحابة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بل هي ثابتة في تاريخ الأديان قبل الإسلام، يعني هناك تباشير دينيَّة سماويَّة بالقائم المهدي (عجَّل الله فرجه)، سواءً كان عيسى (عليه السلام) أو غيره، ولكن أصل الفكرة ثابت، إذن فكرة المصلح العظيم الذي يخرج في آخر الزمان هذه الأديان بشَّرت بها، وقد ظهرت هذه الفكرة أيضاً في زمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل أنْ يكون هناك تكتُّل مذهبي للشيعة أو هزيمة سياسيَّة لهم، إذن هذا في الحقيقة مجرَّد فرض، ومن الممكن للباحث أنْ يُقدِّم مجموعة فرضيَّات، لكن المهمّ هو التأكُّد من مدى علميَّة هذه الفرضيَّات.
نحن نقول: إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نبيٌّ يُوحى إليه، ويمكن لشخص آخر مثل (ميشيل عفلق) أنْ يقول: هذا الرجل ليس بنبيٍّ، وهو وضع القرآن من عنده، لا نبوَّة ولا وحي، هذه فرضيَّة، لكن لا يجوز فرضها بدون دليل على الواقع، فإذا أصبحت الحقائق العلميَّة تُفرَض عليها الفرضيَّات إذن لا يبقى شيء من الحقائق العلميَّة ثابتاً، الفرضيَّات ما لم تتمتَّع بحجَّة علميَّة وبدليل وبإثباتات علميَّة فإنَّه لا قيمة لها.
البخاري لم ينقل روايات المهدي (عجَّل الله فرجه):
يستند ابن خلدون وأحمد أمين كذلك في تشكيكهم بقضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) إلى شبهة أُخرى، وهي أنَّه لماذا روايات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لم يذكرها البخاري في صحيحه.
البخاري هو أحد المحدِّثين الكبار، عنده كتاب اسمه (صحيح البخاري)، هذا المؤلِّف وهو إمام من أئمَّة السُّنَّة لم يذكر أخبار الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ولكن ذكرتها كُتُبهم الأُخرى، عشرات الصحاح ذكرتها، لكن البخاري لم يذكرها، يقولون: لماذا لم يذكرها البخاري؟ إذن هذه الروايات قابلة للمناقشة.
والحال أنَّك إذا جئت للبخاري تجد أنَّ هذا الرجل بالأصل له موقف من قضيَّة أهل البيت (عليهم السلام)، مثال ذلك أنَّ البخاري عاش في زمن الإمام الجواد (عليه السلام)، يعني أدرك امتدادات الإمام الصادق (عليه السلام) الذي يقول عنه الحسن الوشَّاء: (إنِّي أدركت في هذا المسجد - مسجد الكوفة - تسعمائة شيخ كلٌّ يقول: حدَّثني جعفر بن محمّد - أي الإمام الصادق (عليه السلام) -)(٨٧)، ونقل عنه الرواة ما سارت به الركبان وذاع صيته في البلدان، مع ذلك ورغم أنَّ البخاري كان معاصراً لنهايات حركة الإمام الصادق (عليه السلام) في الكوفة، البخاري لا يروي عنه ولا رواية واحدة، هذا تعصُّب واضح في الحقيقة، فهل يمكن اعتبار ذلك شاهداً على أنْ لا وجود للإمام الصادق (عليه السلام)؟
عشرات الصحاح للأئمَّة المؤرِّخين والمحدِّثين من أهل السُّنَّة تروي روايات النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والصحابة في قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فإذا لم ينقلها البخاري يجب أنْ تُسجَّل عليه علامة استفهام.
أمَّا الاحتجاج بهذا الكتاب، ولماذا لم يذكر هذه الروايات، ثمّ استنتاج أنَّ هذه الروايات ليست صحيحة، فإنَّ مثل هذا الاحتجاج ليس علميًّا، ولعلَّنا سنعود مرَّةً أُخرى إلى مناقشة ابن خلدون وأحمد أمين.
الحسين (عليه السلام) في كربلاء:
نحن في مثل اليوم الثالث من محرَّم الحرام نكون مع الإمام الحسين (عليه السلام) وقد نزل كربلاء في اليوم الثاني، وأرسل الحرُّ الرياحي لابن زياد أنَّ الحسين قد وصل كربلاء.
ابن زياد كتب إلى الإمام الحسين (عليه السلام): «أمَّا بعد، يا حسين فقد بلغني نزولك كربلاء، وقد كتب إليَّ أمير المؤمنين - يزيد - أنْ لا أتوسَّد الوثير، ولا أشبع من الخمير، حتَّى أُلحقك باللطيف الخبير، أو ترجع إلى حكمي وحكم الأمير».
الإمام الحسين (عليه السلام) لـمَّا قرأ الكتاب قال له الرسول: أُريد الجواب، قال له: «لا جواب له عندي، لأنَّه قد حقَّت عليه كلمة العذاب»(٨٨).
وصل الخبر إلى ابن زياد، استنشاط غضباً، دعا عمر بن سعد، وكان على قوَّة تعدادها أربعة آلاف فارس، ودعاه للتوجُّه لحرب الحسين (عليه السلام)، فقال: أمهلني ليلة حتَّى أُفكِّر قليلاً، أمهله ليلة، لكن الدنيا التي تُعمي الإنسان الدنيوي أعمت قلبه، فأمسى يُفكِّر في ليلته تلك ويمشي ويُردِّد الأبيات المعروفة:

يقولون إنَّ الله خالق جنَّة * * * ونار وتعذيب وغلِّ يدين
فإنْ صدقوا فيما يقولون إنَّني * * * أتوب إلى الرحمن من سنتين(٨٩)

أوَّل من خرج لحرب الحسين (عليه السلام) بأربعة آلاف هو عمر بن سعد، وصل كربلاء في اليوم الرابع أو الخامس من محرَّم الحرام، وما زال ابن زياد يُرسِل العساكر إلى كربلاء، شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف، الحصين بن نمير في أربعة آلاف، شبث بن ربعي في ثلاثة آلاف، الرواية تقول: حتَّى استكمل في كربلاء في اليوم السادس من محرَّم الحرام عشرون ألف مقاتل(٩٠).
الإمام الحسين (عليه السلام) يوم نزل كربلاء كتب كتاباً إلى أخيه محمّد بن الحنفيَّة يُخبره بوصوله إلى كربلاء يقول: «أمَّا بعد، فكأنَّ الدنيا لم تكن، وكأنَّ الآخرة لم تزل، والسلام»(٩١).

إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون
* * *
المحاضرة الرابعة: العامل الغيبي والبشري

(٤/ محرَّم الحرام/ ١٤٢٦هـ)

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:
٣٢ - كيف تعالج مشكلة طول العمر لدى الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)؟
٣٣ - لماذا لا يظهر الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) فعلاً؟
٣٤ - هل يحضر الإمام (عجَّل الله فرجه) في موسم الحجِّ؟
٣٥ - ما هي الدابَّة التي تخرج عند ظهور الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)؟
٣٦ - حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هل تعتمد على العنصر البشري؟
٣٧ - ما هو القانون الإلهي في حركة الأنبياء (عليهم السلام)؟ وكيف نُفسِّر حكومة داود وسليمان؟
٣٨ - حركة الحسين (عليه السلام) هل اعتمدت العنصر البشري أم العنصر الغيبي؟
خطاب الحسين (عليه السلام):
لـمَّا عزم الحسين (عليه السلام) على الخروج من مكَّة المكرَّمة خطب الناس قائلاً: «خُطَّ الموت على ولد آدم مَخَطَّ القلادةِ على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأنِّي بأوصالي هذه يتقطَّعها عسلان الفلوات بين النواوويس وكربلاء، فيملأنَّ منِّي أكراشاً جوفاً وأجربةً سُغُباً، لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويُوفِّينا أُجور الصابرين»(٩٢).
يستمرُّ الحديث في هذه المحاضرة عن عناصر الاشتراك والتمايز بين حركة الإمام الحسين (عليه السلام) وحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في الأهداف والمناهج والنتائج.
في المحاضرة السابقة تحدَّثنا عن عنصر الاشتراك على مستوى المنهج بين حركة الحسين (عليه السلام) وحركة المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهو أنَّ كلتا الثورتين إصلاحيَّة تغييريَّة جماهيريَّة وليست مسلَّحة أو عبر زحف عسكري، وقدَّمنا بالأرقام والدلائل، وأعطينا تحليلاً عن كلِّ هذا.
ولماذا كانت كلُّ حركة الأنبياء (عليهم السلام) هكذا؟ وكان هذا هو منهج الدِّين الإسلامي والأديان الأُخرى.
العامل الغيبي والبشري:
في هذه المحاضرة حديثنا عن عنصر اشتراك آخر في المنهج أيضاً بين حركة المهدي (عجَّل الله فرجه) وحركة الحسين (عليه السلام).
عنصر الاشتراك هذا يتحدَّث عن دور العامل الغيبي في الحركتين، ودور العامل البشري.
حضور الناس، واستعداد الناس، وإمكانات الناس، وقوَّات الناس، هذا نُسمّيه: العامل البشري.
أمَّا العامل الغيبي فهو يعني اليد الإلهيَّة، الإعجاز، الملائكة، النصر الإلهي الغيبي.
أين دور العامل البشري وموقعه؟ وأين دور العامل الغيبي وموقعه في حركة الحسين (عليه السلام) وفي حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)؟
وبعبارة أُخرى: إنَّ حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ونجاحها وانتصارها العالمي حيث يملأ الأرض قسطاً وعدلاً تعتمد بالأصل على العنصر البشري.
وهذا الموضوع في غاية الأهمّيَّة، وسوف تنحلُّ به مجموعة عُقَد ومجموعة شُبُهات وإشكالات.
البعض يُسجِّل أسئلة على سبيل الإشكال أنَّه إذا كان الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ينتصر بالملائكة، ينتصر بقوَّة الغيب، إذن لماذا لا يخرج الآن وتنتهي القضيَّة؟ إذن ما هي فلسفة التأخير؟ بل ما هي فلسفة الغيبة؟
كيف تُصوِّرون الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) غاب خوفاً من القتل ثمّ تقولون ينتصر بالملائكة وينتصر باليد الإلهيَّة؟ يعني اليد الإلهيَّة لماذا لم تنصره من اليوم الأوَّل؟
هذه مجموعة إثارات وشُبُهات.
أصلاً لماذا غاب؟ ثمّ لماذا لا يظهر الآن؟ هل هذا من اللطف الإلهي؟
أنتم شيعة أهل البيت (عليهم السلام) تقولون: إنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لطف من الله، وظهوره يوم يظهر لطف من الله، إذا كان هذا اللطف الإلهي كذلك، فلماذا لا يُعجِّله الله تعالى؟
هؤلاء يريدون أنْ يقولوا: إنَّ الفكرة خطأ، الفكرة وهميَّة، تصوُّركم عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تصوُّر خيالي، استدلالاتكم غير منطقيَّة، هكذا يفترضون!
نحن هنا نريد أنْ نحلَّ عقدة فكريَّة هي سبب هذه الإشكالات.
دور العامل البشري في عمليَّة التغيير، ودور العامل الغيبي في عملية التغيير.
نحن - المسلمين - نعتقد أنَّ حركة الأنبياء (عليهم السلام) وحركة التغيير على الأرض تعتمد بالدرجة الأُولى على العنصر البشري، ودور العنصر الغيبي هو دور الإسناد ودور الأدوات الاحتياطيَّة، إذا عجز العنصر البشري يأتي دور العنصر الغيبي ويأتي دور الملائكة، ويأتي دور المعجزة كأدوات احتياط وكدور ثانٍ وليس دور أوَّل، الدور الأوَّل هو العامل البشري.
الأديان في مجال التشريع:
لاحظوا الأديان - كلُّ الأديان - في مجال التشريع ماذا نعتقد فيها؟
العنصر الغيبي هو الأوَّل، النبيُّ يتلقَّى الوحي من الله تعالى، يعني من الغيب، هنا في التشريع الدور لمن؟ الدور للإنسان أم الدور للغيب وهو لله تعالى؟
الجواب: للغيب، يعني النبيُّ يتلقَّى الوحي، وليس هو الذي يُشرِّع الصوم والصلاة وما شاكل ذلك في مجال التشريع، ودور الإنسان حينما يدخل في مجلس تشريعي إسلامي أنْ يملأ نقاط الفراغ كما كان هو دور النبيِّ، أمَّا أصل التشريع فهو من الله تعالى.
يوجد لدينا برلمانات في العالم الإسلامي، هؤلاء لا يُشرِّعون في مقابل الله تعالى، ولا يُشرِّعون في مقابل القرآن، هؤلاء هم مجلس تشريعي يتحرَّك في منطقة الفراغ، ميزانيَّة الدولة، الخطَّة الخُمُسيَّة، العلاقة بين الوزارات، كيف تكون؟ استجواب الوزير كيف يكون؟ تقديم لوائح قانونيَّة، هذا كلُّه وأمثاله لملأ مناطق الفراغ.
أمَّا أصل التشريع فمن الله تبارك تعالى، هذا في مجال التشريع.
الأديان في مجال التغيير:
لكن في مجال التغيير على الأرض فإنَّ الله تعالى يقول: أيُّها الإنسان الدور الآن دورك، أيُّها الإنسان اعمل أنت، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ﴾ حينئذٍ يأتي دور الإسناد ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ (محمّد: ٧)، اعملوا أنتم أوَّلاً بعد ذلك يأتي دور الله تبارك وتعالى، يعني في مجال التغيير على الأرض يأتي أوَّلاً دور العنصر البشري ويأتي ثانياً دور العنصر الغيبي والإلهي.
هذه نظريَّة في الحقيقة جارية ومنسحبة على كلِّ الأديان وليس نبيُّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقط أو حركة إمامنا الحسين (عليه السلام) خاصَّة، لأنَّ كلَّ الأديان هكذا كانت كما سنتحدَّث، يعني نوح وموسى وعيسى وإبراهيم (عليهم السلام) هكذا كانت حركتهم بمقدار ما يتقدَّم العنصر البشري يتقدَّم الدور الإلهي دور الإسناد، يعني موسى (عليه السلام) دخل في مواجهة مع فرعون ولـمَّا عجز العنصر البشري تقدَّم الدور الإلهي ﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ (الأعراف: ١١٧) و﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ (الشعراء: ٦٣)، هذا إسناد إلهي لكن أصل التحرُّك كان من موسى وجماعته، ولو لم يتحرَّكوا وجلسوا في البيت لم ينزل عليهم النصر الإلهي.
رواية في بني إسرائيل:
اسمحوا لي أنْ أقرأ لكم قصَّة جميلة، تقول الرواية:
عن أبي عبد الله الجعفي، قال: قال لي أبو جعفر محمّد بن عليٍّ (عليهما السلام): «كم الرباط عندكم؟»، قلت: أربعون، قال: «لكن رباطنا رباط الدهر، ومن ارتبط فينا دابَّة كان له وزنها ووزن وزنها ما كانت عنده، ومن ارتبط فينا سلاحاً كان له وزنه ما كان عنده، لا تجزعوا من مرَّة ولا من مرَّتين ولا من ثلاث ولا من أربع، فإنَّما مثلنا ومثلكم مثل نبيٍّ كان في بني إسرائيل، فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليه أنْ ادعُ قومك للقتال فإنِّي سأنصرك، فجمعهم من رؤوس الجبال ومن غير ذلك، ثمّ توجَّه بهم، فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتَّى انهزموا، ثمّ أوحى الله تعالى إليه أنْ ادعُ قومك إلى القتال فإنِّي سأنصرك، فجمعهم ثمّ توجَّه بهم، فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتَّى انهزموا، ثمّ أوحى الله إليه أنْ ادعُ قومك إلى القتال فإنِّي سأنصرك، فدعاهم، فقالوا : وعدتنا النصر فما نصرنا، فأوحى الله تعالى إليه: إمَّا أنْ يختاروا القتال أو النار، فقال: يا ربِّ، القتال أحبّ إليَّ من النار، فدعاهم، فأجابه منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدَّة أهل بدر، فتوجَّه بهم، فما ضربوا بسيف ولا طعنوا برمح حتَّى فتح الله (عزَّ وجلَّ) لهم»(٩٣).
هنا عندما استعدُّوا لتحمُّل المسؤوليَّة جاء العامل الغيبي.
ولهذا يقال فيما هو المأثور: (يا عبدي منك الحركة ومنِّي البركة)، أي أنت اذهب وفتِّح محلَّ عملك واطرق الأبواب يأتيك الرزق، أمَّا أنْ تبقى جالساً في البيت وتقول: لا يوجد عمل، فلا يأتي منِّي الرزق.
هذه هي نظريَّة تقدُّم العامل البشري على العامل الغيبي.
وهذا نجده في حركة الأنبياء (عليهم السلام) رغم أنَّهم محاطون بالغيب والملائكة، فموسى (عليه السلام) كان محاطاً منذ طفولته بالرعاية الإلهيَّة، وكذلك عيسى (عليه السلام) ورسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولكن هذا كلُّه يتقدَّمه العنصر البشري.
استثناء داود وسليمان (عليهما السلام):
لكن هذا القانون تخلَّف بحكمة إلهيَّة بشكل واضح في اثنين من الأنبياء، وهما سليمان وداود (عليهما السلام)، فقلنا: إنَّ الله تبارك وتعالى أراد أنْ يُري البشر أنَّه قادر على إعطاء حكومة عالميَّة لبعض أنبيائه كداود وسليمان (عليهما السلام)، حينما سأله سليمان (عليه السلام) وقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (ص: ٣٥)، فملك سليمان (عليه السلام) غير حاصل لأحد من البشر، الله تعالى يقول: أنا قادر على كلِّ شيء لكن أُريد منكم أنْ تعملوا، وأنا قادر على نصرة الأنبياء لكن أُريد منكم أنْ تبذلوا الجهد أوَّلاً.
الله قادر على تسخير الموجودات الأُخرى لنصرة أنبيائه، من الرياح والطير والجبال، ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٩)، وكذلك سليمان (عليه السلام) تجري الرياح بأمره ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ (سبأ: ١٢)، فيأمر الرياح أنْ تعصف بالمدينة فتعصف بها.
وهذا لا يتكرَّر لمَلِك إلى آخر الدنيا كما قال سليمان (عليه السلام): ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ (ص: ٣٥).
هنا القاعدة تخلَّفت لحكمة إلهيَّة، حيث اعتمد ملك داود وسليمان (عليهما السلام) على العامل الغيبي قبل العامل البشري، لكن القاعدة العريضة هي أنَّ العامل البشري هو الذي يتقدَّم على العامل الغيبي.
دعاء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في يوم الخندق:
عندما تذهبون إلى المدينة المنوَّرة يوجد مكان يُدعى بالمساجد السبعة، وهي مساجد متواضعة مهملة من حيث العمران، هذه المساجد كانت على الخندق في معركة الأحزاب عندما جمعت قريش حلفاءها من الأعراب والأحزاب في معركة الأحزاب، تقول الرواية: إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقف بمكان مرتفع ودعا الله تعالى بقوله: «اللَّهُمَّ إنْ تُهلِك هذه العصابة لم تُعبَد بعدها في الأرض»، تقول الرواية: هبت ريح على العدوِّ وقلبت قدورهم وقطعت خيامهم وولُّوا منهزمين(٩٤)، وبُنِيَ في هذا المكان مسجد اسمه مسجد الفتح، لأنَّ الله تعالى كتب لنبيِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الفتح بعد الدعاء، والجماعة بنوا بجانبه مساجد أُخرى باسم مسجد عمر وأبي بكر، إلى جانب ذلك يوجد مسجد عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ومسجد الزهراء (عليها السلام)، ومسجد أبي ذرٍّ (رضي الله عنه)، ومسجد سلمان (رضي الله عنه).
العامل الغيبي يأتي بعد العامل البشري، فحينما حضر الإمام عليٌّ (عليه السلام) في معركة الأحزاب وقتل عمرو بن عبد ودٍّ العامري حينئذٍ جاء دور العامل الغيبي، فالرسول دعا بالنصر واستجاب الله دعاءه، لكن ذلك إنَّما كان بعد أنْ ثبت النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمسلمون معه وبذلوا كلَّ جهدهم، وحينئذٍ جاء دور النصر الإلهي.
ذكرنا القانون الذي تخلَّف في اثنين من الأنبياء وهما داود وسليمان (عليهما السلام)، وفي نبيِّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان هذا القانون هو الحاكم، فعمليَّة التغيير التي قادها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانت بحضور العنصر البشري، ففي مكَّة ثلاثة عشر سنة وفي المدينة عشرة سنوات من العمل والجهاد وبعد ذلك جاء دور العامل الغيبي، فمثلاً في معركة بدر كان المسلمون لا يملكون إلَّا أربعة أسياف وكان البقيَّة يقاتلون بجريد النخل، حينئذٍ جاء دور العامل الغيبي، ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (آل عمران: ١٢٥).
هذا الأمر نريد أنْ نناقشه مع قضيَّة الحسين (عليه السلام) ومع حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) الذي نحن بانتظاره، فعندما يخرج الإمام (عجَّل الله فرجه) كيف يكون الانتصار، بالبشر أم بالملائكة والرياح والمعاجز الإلهيَّة؟
العنصر البشري في حركة الحسين (عليه السلام):
لقد كان واضحاً جدًّا اعتماد الحسين (عليه السلام) على القانون العامِّ في التغيير، ودور العنصر البشري، ولهذا فإنَّ الحسين (عليه السلام) خطب في المدينة المنوَّرة حتَّى يُعبِّئ الناس ثمّ أتى إلى مكَّة المكرَّمة وقدَّم للناس هذا الخطاب الذي قرأت لكم مقاطع منه، الناس يريدون أنْ يذهبوا إلى عرفات لكن الحسين (عليه السلام) خطب خطبة جهاديَّة قائلاً: «خُطَّ الموت على ولد آدم مَخَطَّ القلادةِ على جيد الفتاة»، خطاب سياسي وجهادي توعوي.
لماذا لم يُبشِّرهم بالانتصار، ولم يُحدِّثهم عن نزول الملائكة، وإنَّما بدأ باتِّجاه الثورة؟
وهكذا تتواصل حركة الحسين (عليه السلام)، فنجد أنَّها كانت تعتمد العنصر البشري.
مثلاً كيف كان القتال في كربلاء؟ أنتم مطَّلعون على المقتل، الحسين (عليه السلام) صفَّ أصحابه زهير على الميمنة، وحبيب بن مظاهر على الميسرة، والحسين (عليه السلام) بالقلب، وأعطى رايته لقمر بني هاشم، هذه عمليَّة عسكريَّة يخوضها، يعني قلب وجناحين يمين وشمال، تماماً كما هو تخطيط عسكري، يقوم به الحسين (عليه السلام).
والإمام الحسين (عليه السلام) قبل أنْ يخرج من مكَّة المكرَّمة بعث كتاباً للتعبئة الجماهيريَّة، بعث رسائل، يعني أصبح يُعطي تصريحات عبر الفضائيَّات، ويومئذٍ لا توجد فضائيَّات، لكن بعث برسائل يكتبها إلى رؤساء الأخماس في البصرة، يطلب منهم النصرة، بعضهم أجابوه، بعضهم أدركه في مكَّة المكرَّمة، وبعضهم أدركه في كربلاء بعد مقتله، يعني لم يُدرك الحسين (عليه السلام) في الحقيقة وإنْ كان أدرك الثواب، مثل سعيد، وهو أحد رؤساء الأخماس وقادة الألوية في البصرة الذي وصل إلى كربلاء وكان الحسين (عليه السلام) قد قُتِلَ.
نحن نلاحظ أنَّ هاهنا تخطيطاً عسكريًّا يخوضه الإمام الحسين (عليه السلام).
الإمام الحسين (عليه السلام) مثلاً حينما حاصروا المشرعة الروايات تقول: إنَّه تراجع وراء الخيام عدَّة خطوات، ثمّ حفر بئراً، فنبعت عين ماء، فشرب منها، كان هذا في السابع من محرَّم الحرام(٩٥).
الحسين (عليه السلام) وراء الخيام حفر خندقاً ملأه بالحطب وأحرقه، هذه خطَّة عسكرية حتَّى لا يحدث على الخيام هجوم من الخلف، وبهذا قال الأعداء: تعجَّلت النار يا حسين(٩٦)!
إذن هذه خطَّة عسكريَّة يخوضها الإمام الحسين (عليه السلام)، مع هذا التقدُّم في العنصر البشري والعنصر الغيبي موجود أيضاً.
نزول الملائكة:
الرواية التي يرويها الشيخ الصدوق (رحمه الله)، بسنده عن أبان بن تغلب، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ أربعة آلاف مَلَك هبطوا يريدون القتال مع الحسين بن عليٍّ (صلوات الله عليه)، فلم يُؤذَن لهم في القتال، فرجعوا في الاستئذان، وهبطوا وقد قُتِلَ الحسين (عليه السلام)، فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة».
هذه الرواية جميلة، وتقول أيضاً كما يرويه ابن قولويه (رحمه الله): «رئيسهم مَلَك يقال له: منصور، فلا يزوره زائر إلَّا استقبلوه، ولا يُودِّعه مودِّع إلَّا شيَّعوه، ولا يمرض مريض إلَّا عادوه، ولا يموت ميِّت إلَّا صلُّوا على جنازته، واستغفروا له بعد موته، وكلُّ هؤلاء في الأرض ينتظرون قيام القائم (عليه السلام)» هذه الرواية يرويها الشيخ الصدوق وابن قولويه، عن أبان بن تغلب، عن الإمام الصادق (عليه السلام)(٩٧).
نلاحظ أنَّ حركة الإمام الحسين (عليه السلام) تعتمد على التعبئة البشريَّة إضافةً إلى العامل الغيبي الذي يحيط بكلِّ القضيَّة، لكن عمق القضيَّة هو أنْ يحمل الإنسان اللواء، ولهذا فالحسين (عليه السلام) لم يطلب نصرة هؤلاء الملائكة، ولا أُذِنَ لهم بالنزول إلى كربلاء إلَّا بعد مقتل الحسين (عليه السلام).
من هو أبان بن تغلب؟
وأبان بن تغلب الذي قرأنا عنه الرواية السابقة هو من عظماء الشيعة، أدرك الإمام السجَّاد والباقر والصادق (عليهم السلام) الذي قال له: «... جالس أهل المدينة فإنِّي أُحِبُّ أنْ يُرى في شيعتنا مثلُك»(٩٨)، وله ثلاثون ألف رواية، وعندما تُوفّي رثاه الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: «رحمه الله، أمَا والله لقد أوجع قلبي موت أبان»(٩٩)، لأنَّه كان إنساناً جليل القدر على مستوى العامَّة والخاصَّة، وكان إذا دخل المسجد أُخليت له حلقات الدرس.
وهناك قصَّة طريفة لأبان بن تغلب يرويها آية الله العظمى السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) في كتابه (معجم رجال الحديث) الذي يتألَّف من عشرين مجلَّداً.
تقول القصَّة: جاء شابٌّ إلى أبان، ثمّ سأله: كم عدد أصحاب النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذين شاركوا مع الإمام عليٍّ (عليه السلام) في حروبه؟
فعرف أبان سبب السؤال، وقال له: كأنَّك تريد أنْ تعرف فضل الإمام عليٍّ (عليه السلام) من خلال التحاق الأصحاب به، وتعرف كم واحد معه حتَّى تعرف منزلة عليٍّ (عليه السلام)؟
قال: نعم، هو هكذا.
قال: نحن ما عرفنا فضل الصحابة إلَّا من خلال عليٍّ (عليه السلام) وأنت تريد أنْ تُقيِّم عليًّا (عليه السلام) من خلال الصحابة، ما هو فضل الصحابة إذا لم ينصروا عليًّا (عليه السلام)؟
ثمّ قال له أبان بن تغلب: أتدري من هم الشيعة؟ الشيعة هم إذا اختلف الناس عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رجعوا إلى عليٍّ (عليه السلام)، وإذا اختلف الناس عن عليٍّ (عليه السلام) رجعوا إلى جعفر الصادق (عليه السلام)(١٠٠).
وعندما لامه الناس في روايته عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: كيف تلومونني في روايتي عن رجل ما سألته عن شيء إلَّا قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(١٠١)؟
من هو الشيخ الصدوق؟
أمَّا الشيخ الصدوق الذي يروي هذه الرواية هو صاحب كتاب (أمالي الصدوق)، فهو من علمائنا القدماء في عهد الغيبة الصغرى، وُلِدَ ببركة دعاء الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لأبيه عليِّ بن الحسين بن بابويه الذي كان معاصراً للنائب الثالث للإمام المنتظر (عليه السلام) المعروف باسم الحسين بن روح، ومعه ثلاثة آخرون يُشكِّلون النيابة الخاصَّة للإمام في غيبته الصغرى التي امتدَّت حوالي سبعين سنة، وهم: عثمان بن سعيد العمري، وابنه محمّد بن عثمان، والحسين بن روح، ثمّ عليُّ بن محمّد السمري، هؤلاء هم النوَّاب الأربعة في زمن الغيبة الصغرى، أمَّا الآن عندنا مراجع ونوَّاب غير مشخَّصين بالاسم، بل بالعلامات والشروط، وهم وكلاء عامُّون من قِبَل الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
والشيخ الصدوق وُلِدَ في زمان الحسين بن روح النوبختي، وقريب جدًّا من الإمام العسكري (عليه السلام) وغيبة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، أبوه عليُّ بن الحسين الملقَّب أيضاً بالصدوق، طلب من الحسين بن روح أنْ يكتب رسالة إلى الإمام المنتظر (عليه السلام)، يقول له: يا بن رسول الله، أنا أُريد أنْ يرزقني الله ببركة دعائك ولداً، وكتب الحسين بن روح رسالة أوصلها إلى الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وجاء الجواب بعد يومين أو ثلاثة: «إنَّك لا تُرزَق من هذه، وستملك جارية ديلميَّة وتُرزَق منها ولدين فقيهين»(١٠٢)، كان واحد من هؤلاء الولدين هو الشيخ الصدوق صاحب كتاب (أمالي الصدوق)، كان فقيهاً مباركاً بحيث تعجَّب الناس من شدَّة حافظته ويقولون: لا عجب فأنت مولود بدعاء صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)(١٠٣)، وهو أيضاً كان يفتخر بذلك يقول: أنا ولدتُ بدعوة صاحب الأمر (عليه السلام)(١٠٤).
وهذا الشيخ الصدوق الابن مدفون في طهران، والأب مدفون في قم، وكلاهما صدوق.
على كلِّ حالٍ، هذه الرواية يرويها الشيخ الصدوق عن أبان بن تغلب عن الإمام الصادق (عليه السلام) بشأن هؤلاء الملائكة الذين نزلوا لنصرة الحسين (عليه السلام).
الفكرة التي أردنا أنْ نقولها هي أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) لم يعتمد على هؤلاء الملائكة، ولكن كان يعتمد على العنصر البشري، ولو كان الإمام الحسين (عليه السلام) يعتمد على هؤلاء الملائكة لما كان قُتِلَ (عليه السلام)، إنَّما قُتِلَ الإمام (عليه السلام) لأنَّه كان يعتمد على العنصر البشري، وهكذا الأنبياء (عليهم السلام) أحياناً يخسرون المعركة باعتبار أنَّ العنصر البشري لم يكن يستحقُّ نزول النصر من الله تبارك وتعالى.
الحقيقة أنَّ الموازنة واضحة عند الأئمَّة الأطهار والأنبياء (عليهم السلام) بين العنصر البشري والغيبي على أنَّهم في جانب العنصر البشري يُعدَّون في قِمَم البطولة، فكيف إذا صارت اليد الإلهيَّة تمتدُّ إليهم؟
هذه رؤية عن حركة الإمام الحسين (عليه السلام) واعتماده على العنصر البشري ثمّ العنصر الغيبي.
حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه):
ثمّ نصل إلى حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، ونرى أين موقع العنصر البشري والغيبي في حركته، نلاحظ أنَّها تسير وفق القانون الإلهي لعمليَّة التغيير، فالتعبئة البشريَّة، ثمّ التخطيط والتجحفل والكرُّ والفرُّ، ثمّ بعد ذلك يأتي دور النصر الإلهي والعنصر الغيبي الذي كان مع كلِّ الأنبياء (عليهم السلام) ومع الإمام (عجَّل الله فرجه) في مواقع عديدة، فهو (عجَّل الله فرجه) الآن غائب بقوَّة العنصر الغيبي، وامتداد عمره أيضاً بقدرة الغيب.
مشكلة طول العمر:
لا توجد لدينا مشكلة عندما نُسئَل عن عمره الطويل.
نحن أُناس نؤمن بقدرة الله تعالى وبالغيب ولا نحتاج أنْ نقف طويلاً عند هذا السؤال أنَّ الإمام كيف يصبح عمره (١٢٠٠) سنة؟ ممكن أنْ يمتدَّ إلى (٢٠٠٠) سنة، وهذه القضيَّة لا توجد فيها مشكلة علميَّةً.
المسألة من الناحية العلميَّة هي مسألة المحافظة على الأنسجة والخلايا وما شاكل ذلك.
العنصر الغيبي موجود أصلاً في غيبة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، هو غائب عن الأنظار مع أنَّ الروايات تقول: إنَّه يشهد الموسم (موسم الحجِّ)، أي إنَّه يحضر معكم لكنَّكم لا ترونه، ماذا نُسمّي هذا؟
نُسمّيه العنصر الغيبي، يعني كيف يكون هو معنا لكنَّا لا نراه؟
هذه الروايات تقول: إنَّه يشهد الموسم يعني الحجَّ.
الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) في كلِّ سنة موجود في الحجِّ(١٠٥).
هذه القضيَّة تثبت أنَّه موجود ولا يُرى، وهذا عنصر غيبي.
ولهذا نقرأ في دعاء الندبة: «بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ مُغَيَّبٍ لَمْ يَخْلُ مِنَّا»(١٠٦)، يعني هو غائب وهو حاضر.
ويستمرُّ العنصر الغيبي حتَّى نصل إلى ساعة ظهوره (عجَّل الله فرجه) وبيعة جبرئيل مع ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وهذا عنصر غيبي أيضاً.
خروج الدابَّة:
من جملة العناصر الغيبيَّة التي سوف تظهر بعد ظهور الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) وقبل ظهوره هو خروج الدابَّة.
هذا الأمر أنتم في القرآن الكريم تقرؤونه، هكذا يقول تعالى في سورة النمل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ (النمل: ٨٢).
لنبقى أوَّلاً مع الإطار العامِّ للآية، الإطار العامُّ بشكل صريح يقول: ستخرج دابَّة من الأرض تُكلِّم الناس، وهذا المقطع وحده يكفي في الدلالة على وجود عنصر غيبي.
متى يكون ذلك؟
﴿إِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني إذا صارت إرادة الله واقتضت أنْ يُطاح بالشرك بشكل كامل حينئذٍ أخرج لهم دابَّة من الأرض وليس من السماء.
الآية تقول: ﴿دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾، انظروا ماذا نقرأ من القرآن الكريم.
العلماء جميعاً شيعة وسُنَّة وقفوا عند هذه الآية ماذا يعني: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾؟
كيف يمكن لدابَّة أنْ تتكلَّم؟
على كلِّ حالٍ اتَّفق العلماء من الفريقين سُنَّة وشيعة على أنَّ هذه الآية واضحة الدلالة مؤيَّدة بروايات تُؤكِّد الفكرة أنَّه في آخر الزمان وقبل انتصار الحقِّ ستظهر دابَّة تُكلِّم الناس.
وهناك تفاصيل في الأحاديث عمَّا تقوله هذه الدابَّة.
تقول: هذا مؤمن، وهذا كافر(١٠٧).
ترسم على هذا خطًّا أنَّه مؤمن، وترسم على هذا خطًّا أنَّه كافر(١٠٨).
هذه تفاصيل حتَّى إنَّ أحد أئمَّة الأزهر في القاهرة في كتابه (علامات القيامة الكبرى) يذكر هذه الآية، وأنَّ أحد علامات القيامة الكبرى خروج الدابَّة، ثمّ يذكر خمس روايات عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأسانيدهم، أسانيد السُّنَّة وليس الشيعة، ثمّ يذكر خمس تفاسير أيضاً لها، وتُعتَبر هذه القضيَّة من الآيات والعلامات الأكيدة التي ستظهر بعد قيام القائم (عجَّل الله فرجه).
في هذا الكتاب (علامات القيامة الكبرى) للعلَّامة الشيخ متولّي الشعراوي خمس روايات يذكرها ويعتبرها صحيحة، وعشرات الروايات موجودة غيرها، ثمّ يروي خمسة تفاسير لها.
وفي كُتُبنا كذلك تراجعون تفسير العلَّامة الطباطبائي (رحمه الله) وتفسير البرهان(١٠٩)، هذه الآية من المتَّفق عليه دون شكٍّ أنَّها من إحدى الآيات الصريحة التي لا تقبل الشكَّ.
القرآن يقول: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ...﴾ أيّ شيء تريد أنْ تُفسِّرها؟ ولكن أنت يجب أنْ تبقى عند إطار الآية لا يجوز أنْ تُكذِّبها.
جاءت تفاسير عديدة:
واحدة من التفاسير التي يذكرها الشعراوي وكُتُب أُخرى تذكر ذلك أنَّ هذه الدابَّة هي الفرس أو الجمل أو الأسد، القرآن يقول: ﴿دَابَّةً﴾، يعني كلُّ ما يمشي على الأرض، وكلُّ ما يدبُّ عليها.
ذكروا مجموعة تفاسير من جملتها أنَّ هذه الدابَّة هي فصيل ناقة صالح.
ومن جملة هذه التفاسير أنَّ هذه الدابَّة عبارة عن جراثيم ميكروبيَّة تظهر في آخر الزمان تصيب الكافرين وتطيح بهم.
نحن غير قادرين على قبول هذا التفسير، ولا يحقُّ لنا أنْ نُفسِّر القرآن بالرأي، لكن كتصوُّرات وكخيال يمكن أنْ يمتدَّ بالبعض ويقول: ربَّما تكون الدابَّة إشارة إلى أجهزة معرفة الكذب في العصر الحديث.
على كلِّ حالٍ هذا خيال الإنسان، الإنسان يضرب بخياله لفهم ما يشير إليه القرآن.
القرآن يقول بشكل صريح: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ (النمل: ٨٢).
طبعاً هناك قراءة ثانية للآية، أليس القرآن به عدَّة قراءات؟
تماماً توجد قراءة ثانية نادرة لهذه الآية القرآنيَّة هكذا تقول: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تَكْلِمُهُمْ﴾ وليس ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ بمعنى تتكلَّم معهم، بل بمعنى تجرحهم من الكَلْم، وهو الجرح.
الآية هكذا تقول في هذه القراءة الثانية: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تَكْلِمُهُمْ﴾ يعني تجرحهم على جبين هذا الكافر المشرك تضع خطًّا وجرحاً أنَّ هذا إنسان منحرفٌ يستحقُّ القتل، أو ما شاكل ذلك.
كثير من روايات أهل البيت (عليهم السلام) تشير إلى أنَّ الدابَّة التي تخرج من الأرض هو عليٌّ (عليه السلام) وسيخرج آخر الزمان(١١٠).
هذا التفسير يقترب منه بعض أبناء العامَّة، ويقولون المقصود بـ﴿دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ هو بشر عنده قدرة على أنْ يعرف المنافق من المؤمن.
هذا موجود في روايات وتفاسير العامَّة، وفي تفسيرنا عدَّة روايات تقول: إنَّ ﴿دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ذلك هو عليٌّ (عليه السلام)، يعني يشرح للناس من هو على الحقِّ ومن هو على الباطل.
الشاهد في الأمر أنَّ هذا غيب في أنْ تخرج دابَّة تُوضِّح أين الحقَّ وأين الباطل، هذا الغيب نحن نعتقد به لكن مع كلِّ هذا تبقى قضيَّة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) معتمدة على العنصر البشري قبل اعتمادها على العامل الغيبي.
العامل الغيبي دوره دور الإسناد، ودور التغطية المدفعيَّة حتَّى يتقدَّم المشاة، المشاة يتقدَّمون ولكن دور المدفعيَّة أنْ تُطهِّر الميدان أوَّلاً وتقوم بعمليَّة تغطية، وهكذا الطائرات تقوم بعمليَّة التغطية الجوّيَّة، الطائرات لو بقيت وحدها لا تُحقِّق النصر، الدبَّابات لو بقيت وحدها لا تُحقِّق النصر إذا لم يتقدَّم المشاة ولم يتقدَّم العنصر البشري، دور الطائرات والدبَّابات هو الإسناد يُسَمُّونه إسناد جوّي أو إسناد مدفعي.
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يقوم معتمداً على العنصر البشري أوَّلاً، ودعوة الناس للالتحاق به، ودور العنصر الغيبي هو دور الإسناد.
قصَّة الجزيرة الخضراء:
الوقت لا يسمح لنا بالاستمرار، غداً أُحدِّثكم عن لقاءات مع الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) وقَصصٍ بهذا الشأن ثمّ مناقشة بعضها، مثل قصَّة الجزيرة الخضراء والتي يفترض البعض أنَّه مثلَّث برمودا حاليًّا.
إنَّ مثلَّث برمودا هو موقع للإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وهذا خيال، بمعنى لا يوجد أيُّ رقم علمي يدلُّ عليه، لا على الجزيرة الخضراء ولا على مثلَّث برمودا.
في الحقيقة إنَّه عمل المخابرات الأمريكيَّة، فهل رأيتم هذا المثلَّث على الخريطة في المحيط الأطلسي التي تطلُّ عليه أمريكا.
هذا عمل المخابرات الأمريكيَّة، هي التي تخطف السُّفُن وما شاكل ذلك بعنوان مثلَّث برمودا الذي لا يمكن الوصول إليه ولا يعلمون خبر من يصل إليه أيطير في السماء أم يغرق في البحر؟!
وكذلك خدعة الأطباق الطائرة التي ظهرت أخيراً، فالشعوب المسكينة تبقى مخدوعةً لعشرات السنين بهذه القضايا المخابراتيَّة.
أمَّا الجزيرة الخضراء كيف هي؟ وأين توجد؟ وهل يوجد فيها الإمام (عجَّل الله فرجه)؟ كما تقول القصَّة: إنَّه مع أولاده وأحفاده يعيشون في هذه الجزيرة الخضراء التي تحوي عيون الماء والفواكه والأطعمة ويُصدِّرون هذه الأطعمة إلى الأندلس، ففي كلِّ ثلاثة أشهر تخرج قافلة من هذه الجزيرة وتذهب إلى الشيعة؟!
هذه الرواية عُثِرَ عليها في كتاب خطّي لا يُعرَف من هو كاتبه، وسجَّلها علماؤنا كتراث وأرشيف ليست له قيمة علميَّة(١١١).
أصل الفكرة هي أنَّ العامل البشري إضافةً إلى العامل الغيبي محفوظ، فغيبة إمامنا المنتظر (عليه السلام) لا يمكن تفسيرها بالوسائل المادّيَّة، بل بالوسائل الغيبيَّة، وبهذا تنحلُّ العقدة عن مكان وجوده وعمره الطويل.
وقد سجَّل علماؤنا الكبار لقاءاتٍ مع الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، مثل العلَّامة بحر العلوم، والمقدَّس الأردبيلي، والعلَّامة الحلّي (رحمهم الله)، الذين دُفنوا بجوار أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولهم قبور تُزار.
إنَّ اللقاءات مع الإمام (عجَّل الله فرجه) تخضع لعنصر الغيب، فالإمام (عجَّل الله فرجه) موجود ولكنَّنا لا نشاهده، «بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ مُغَيَّبٍ لَمْ يَخْلُ مِنَّا، بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ نَازِحٍ مَا نَزَحَ عَنَّا»(١١٢).
اللَّهُمَّ اغفر لنا، وتقبَّل منَّا، وشافي مرضانا، واقضِ حاجاتنا، وانصرنا على القوم الظالمين، وفرِّج عنا.

والحمد لله ربِّ العالمين
* * *
المحاضرة الخامسة: نظريَّة المجتمع السعيد

(٥/ محرَّم الحرام/ ١٤٢٦هـ)

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:
٣٩ - هل جاءت البشارة بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في التوراة والإنجيل؟
٤٠ - كيف نُفسِّر نصوص النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسائر الأنبياء (عليهم السلام) حول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
٤١ - كيف تناقش فكرة أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) هو رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
٤٢ - الأديان الوضعيَّة هل تتحدَّث عن الإصلاح العالمي؟
٤٣ - ما هي منهجيَّة الإصلاح العالمي لدى الشيوعيَّة ولدى الديمقراطيَّة الغربيَّة؟
٤٤ - ما هي ظواهر المجتمع السعيد على يد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
٤٥ - أين تكون عاصمة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ وأين محلُّ سكناه؟
٤٦ - هل هناك انتصارات تمهيديَّة للأُمَّة المسلمة قبل ظهور المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
٤٧ - ما هي الشروط الأربعة لتحقُّق الصلاح العالمي؟
٤٨ - هل تنتهي المشاكل والخلافات بشكل مطلق في زمن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
٤٩ - ما هو الدعاء المستحبُّ في زمن الغيبة؟
٥٠ - نظريَّة المجتمع السعيد ألَّا تصطدم بالمفهوم القرآني عن ديمومة الصراع البشري؟
نظريَّة المجتمع السعيد:
ما زال حديثنا عن الثورة الإصلاحيَّة من الحسين (عليه السلام) إلى المهدي (عجَّل الله فرجه)، ودراسة عناصر التمايز والاشتراك في الأهداف والمناهج والنتائج.
في محاضرات سابقة تحدَّثنا عن الاشتراك في الأهداف والمناهج، وضَمَّنا ذلك الحديث العديد من أحداث عصر الظهور، ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
الاشتراك التاريخي:
حديثنا هنا عن الاشتراك التاريخي بين الحسين (عليه السلام) وبين الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
هناك اشتراك يمكن أنْ نُسمّيه الاشتراك في العمق التاريخي، يعني لم يكن الحسين (عليه السلام) يُمثِّل حادثة في مقطع زمني، ولا حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) في مقطع زماني معيَّن، وإنَّما هاتان الحركتان وهذان الحدثان هما امتداد إلى صدر التاريخ ومع الأنبياء (عليهم السلام) حيث كانوا يتحدَّثون عن الإمام الحسين (عليه السلام) كظاهرة ستحدث، ويتحدَّثون عن الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) أيضاً كظاهرة ستحدث، هذا الامتداد إلى الأنبياء (عليهم السلام) هو ظاهرة ملفتة للنظر.
لماذا تركيز الأنبياء على الإمام الحسين (عليه السلام) وعلى الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)؟
ونبيُّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيضاً نجده قد أهمَّهُ كثيراً التركيز على الإمام الحسين (عليه السلام) ومصيبة الحسين (عليه السلام) كأعظم فاجعة وكجريمة كبرى في التاريخ البشري، ثمّ نجد أنَّه أُثِرَ عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حديث مكرَّر عن الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) كأعظم فاتح عالمي.
الأنبياء (عليهم السلام) أُثِرَ عنهم أحاديث كثيرة في علاقاتهم مع الحسين (عليه السلام) حتَّى نجد كتاب (الخصائص الحسينيَّة) للعلَّامة التستري (رحمه الله) يذكر أربعة عشر مجلساً عقده الأنبياء (عليهم السلام) للحسين (عليه السلام).
مثل هذا الأمر نجده أيضاً في حديث الأنبياء (عليهم السلام) عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، حتَّى إنّي ذكرت لكم في محاضرات سابقة أنَّ خمسين صحابيًّا رووا روايات رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وخمسين تابعيًّا أيضاً رووا هذه الروايات، وصاحب كتاب (كنز العُمَّال) وحده روى (٢٤٧) حديثاً عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
هذا الحشد من الأحاديث النبويَّة عن حادثتي الحسين والمهدي (عليهما السلام)، الحسين (عليه السلام) كأعظم حدث مأساوي، والمهدي (عجَّل الله فرجه) كأعظم فتح سوف يتحقَّق في ختام البشريَّة، هذا ربط تاريخي بين المهدي (عجَّل الله فرجه) والحسين (عليه السلام) والأنبياء (عليهم السلام).
الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يذكر حركة الحسين (عليه السلام):
الروايات في هذا الشأن كثيرة، ويذكر العلَّامة الشيخ باقر القرشي (رحمه الله) - وهو من علماء النجف المعاصرين والمؤرِّخين والباحثين - في كتابه (حياة الإمام الحسين (عليه السلام)) مجموعة روايات عن مصادر أهل السُّنَّة وليس الشيعة ذكر فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مصاب الحسين (عليه السلام)، وهذه الروايات منقولة عن ابن عبَّاس، وأُمِّ سَلَمة، وعائشة، وزينب بنت جحش، وعبد الله بن مسعود.
ومثل ذلك كان للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عشرات الأحاديث في المهدي (عجَّل الله فرجه).
أمَّا روايات البكاء على الحسين (عليه السلام) وأحداث كربلاء فهي تتكرَّر بألفاظ متقاربة مرَّةً عن أُمِّ سَلَمة، وأُخرى عن عائشة، وثالثة عن ابن عبَّاس، هكذا تقول: «دخل الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام) على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو منكبٌّ، فلعب على ظهره.
فقال جبرئيل (عليه السلام) لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أتُحِبَّه يا محمّد؟
قال: «يا جبرئيل، وما لي لا أُحِبُّ ابني؟».
قال: فإنَّ أُمَّتك ستقتله من بعدك، فمدَّ جبرئيل (عليه السلام) يده وأتاه بتربة بيضاء، فقال: في هذه الأرض تقتل أُمَّتك هذا واسمها الطفُّ.
والرواية عن عائشة: فلمَّا ذهب جبرئيل (عليه السلام) من عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والتربة في يده يبكي، فقال: «يا عائشة، إنَّ جبرئيل (عليه السلام) أخبرني أنَّ الحسين ابني مقتول في أرض الطفِّ، وأنَّ أُمَّتي ستفتتن بعدي».
ثمّ خرج إلى أصحابه، منهم عليٌّ (عليه السلام) وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمَّار وأبو ذرٍّ، وهو يبكي، فقالوا - أي الصحابة -: ما يُبكيك يا رسول الله؟
فقال: «أخبرني جبرئيل أنَّ ابني الحسين يُقتَل بعدي بأرض الطفِّ، وجاءني بهذه التربة، فأخبرني جبرئيل (عليه السلام) أنَّ فيها مضجعه»(١١٣).
هذه الرواية تتكرَّر في مواضع كثيرة عن صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، تصوَّروا لو أنتم كنتم موجودين في زمن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتشاهدون النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين مدَّة ومدَّة يخرج باكياً وتسألونه ويقول: هذا ولدي الحسين (عليه السلام) سوف يُقتَل من بعدي، فكيف تُفسِّرون ذلك؟
الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُبشِّر بظهور المهدي (عجَّل الله فرجه):
هذه الظاهرة يريد أنْ يُسجِّلها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ذهن الصحابة، ويُسجِّل إلى جانبها ظاهرة أُخرى يقول: «لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يبعث الله فيه رجلاً من ولدي، يواطئ اسمه اسمي، يملؤها عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(١١٤)، هذا التبشير بالفتح العالمي على يد أحد أولاد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جاء في حديث صحيح ومتواتر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد نجد هذا المعنى في تاريخ الأنبياء (عليهم السلام) كالتوراة والإنجيل الذي يتحدَّث عن المهدي (عجَّل الله فرجه) كأعظم مصلح سيخرج في آخر الزمان.
المهدي (عجَّل الله فرجه) في التوراة والإنجيل:
ويذكر المحقِّق الحائري اليزدي في كتابه (إلزام الناصب) (٣٦) نصًّا من التوراة والإنجيل في ظهور المصلح الأعظم في آخر الزمان بالاسم أو بدون اسم(١١٥).
مع الدكتور المصري:
وفي هذه الأيَّام يذكر أحد الكُتَّاب وهو الدكتور أحمد السقَّا المصري، يقول: إنَّ هذه النصوص التبشيريَّة بالمصلح في آخر الزمان في التوراة والإنجيل صحيحة لكنَّها تنطبق على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١١٦).
حينما يُبشِّر الإنجيل بالمصلح العالمي في آخر الزمان، وكذا التوراة حين بشَّرت بمهدي يظهر في آخر الزمان ويُفتَح له العالم، المقصود بهذا المهدي هو نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا الفتح الإسلامي الذي حدث في زمن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبعده هو الذي بشَّرت به التوراة والإنجيل.
ولكن هذا الرأي لا يتَّفق مع المئات من الأحاديث التي أخبر بها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المهدي (عجَّل الله فرجه)، والتي يقول فيها: إنَّه يخرج في آخر الزمان، ويواطئ اسمه اسمي، إلَّا أنْ نُهمِل هذه الروايات الصحيحة التي أجمع عليها السُّنَّة والشيعة، فكيف يمكن مع هذه المئات من الروايات التي اعتبرت قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من ضرورات الفكر الإسلامي؟!
إضافةً إلى أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يُفتَح له كلُّ العالم، ولم تُملَؤ الأرض قسطاً وعدلاً، فقد مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم تُفتَح بعد أجزاء من الجزيرة العربيَّة، فكيف نفترض أنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو ذلك الرجل الذي سيظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً؟
لقد أوصى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بثلاث وصايا أحدها إِخراج المشركين من جزيرة العرب(١١٧).
إذن لا بدَّ من وجود فتح عالمي لم يتحقَّق لحدِّ الآن، والروايات الصحيحة التي تُفسِّر الآيات القرآنيَّة التي قرأنا بعضها تُبشِّر بهذا الفتح العالمي الذي سيحدث في آخر الأجيال البشريَّة.
الأديان الوضعيَّة ورؤيتها:
إذن لدينا حديث النبوءات عن الحسين (عليه السلام)، وحديث النبوءات عن المهدي (عجَّل الله فرجه)، وحشد من الروايات في هذا الشأن.
في الحقيقة إذا أردنا أنْ نتوسَّع في هذا الموضوع نجد أنَّ الأديان بشكلٍ عامٍّ تتحدَّث عن المصلح الأكبر الذي سيظهر في آخر الزمان، الأديان السماويَّة والأديان الوضعيَّة كذلك.
أيُّها الإخوة والأخوات: إنَّ الدِّين بمعنى الاعتقاد، ما يعتقد به الإنسان، هذه الأديان يُقسِّمونها لغويًّا إلى قسمين: نقول: أديان إلهيَّة سماويَّة، مثل الإسلام نازل من الله تبارك وتعالى، وتوجد أديان ومعتقدات ومذاهب نُسمّيها مذاهب وضعيَّة، يعني الإنسان هو اخترعها، ما أنزل الله بها من سلطان، مثل الشيوعيَّة، هناك أُناس يعتقدون بالشيوعيَّة، فهي لهم بمثابة الدِّين، كلَّما تتحدَّث معه يقول لك: قال كارل ماركس، وقال لينين، وقال ستالين، يعني النبيُّ عنده هو كارل ماركس، هذا يمكن أنْ نُسمّيه لغويًّا دين وضعي. الديمقراطيَّة أيضاً في هذا الزمان، والليبراليَّة، هذه أديان وضعيَّة.
الفكرة التي نريد أنْ نُسجِّلها في هذه المحاضرة أنَّه ليس فقط الأديان الإلهيَّة تحدَّثت عن الإصلاح العالمي الذي يكون في آخر الزمان، وإنَّما الأديان الوضعيَّة أيضاً، الشيوعيَّة بشَّرت بهذه القضيَّة، والحضارة الغربيَّة الرأسماليَّة الليبراليَّة أيضاً بشَّرت بها.
سوف أشرح لكم موجزاً كيف أنَّ هذه الأديان الوضعيَّة أكَّدت أنَّه سيكون إصلاح عالمي ومجتمع سعيد وستسود العدالة في آخر الزمان، الشيوعيَّة هكذا قالت، الديمقراطيَّة الغربيَّة هكذا قالت أيضاً، مع مجموعة فروق.
الإصلاح في النظريَّة الشيوعيَّة:
النظريَّة الشيوعيَّة هكذا تقول: إنَّه ستُطبَّق العدالة على الأرض، وذلك على يد الطبقة العاملة حينما يطيحون بالطبقة البرجوازيَّة، والعُمَّال هم الذين يحكمون، حينئذٍ هناك توزيع عادل لرأس المال، والناس يعيشون في رفاه، حينئذٍ يتمُّ الاستغناء عن الحكومة والدولة، يعني لا توجد دولة، ولا توجد حكومة، لا يوجد رئيس وزراء، توجد يومئذٍ عمليَّة إدارة شعبيَّة وإدارة ذاتيَّة، تسقط الدولة، إدارة شعبيَّة ذاتيَّة في مجتمع سعيد مملوء بالعدالة على يد الطبقة العاملة، ولا مانع لدى النظرة الشيوعيَّة من استخدام القتل لملايين الناس من أجل أنْ تحكم الطبقة العاملة وتقول: إنَّه في آخر الزمان مجتمع الناس تسوده العدالة والمحبَّة والأُخوَّة.
وهنا نعتقد أنَّ هذه واحدة من تأثيرات الفكر الدِّيني على مجمل الحضارات الإنسانيَّة، يعني أنَّ الدِّين له أثر حتَّى عند من لا يؤمن بالدِّين، هذه امتدادات التأثير الدِّيني.
الماركسيَّة تقول: في حكومة العُمَّال ستزول حالة الاستئثار والأنانيَّة، حبُّ التملُّك غير موجود، حبُّك أنْ تملك شيئاً على أخيك هذا الحبُّ سيزول من عندك، وإنَّما الناس كلُّهم أراضيهم تتوزَّع بالتساوي، وأموالهم تتوزَّع بالتساوي.
نحن الآن لسنا بصدد مناقشة هذا الأمر رغم اعتقادنا بأنَّ الشيوعيَّة تتحدَّث عن فرضيَّة دون أنْ تُقدِّم عليها دليلاً، لكن ما نريد إثباته هنا هو اعتقاد الأديان الوضعيَّة بالمستقبل السعيد للبشريَّة، وانتصار الإصلاح العالمي.
النظريَّة الغربيَّة أيضاً تتحدَّث عن هذا الأمر في مجتمع التقدُّم العلمي، يعني بفعل التقدُّم التقني العلمي وبفعل التنافس الشديد بين الطبقة العاملة والطبقة المالكة سيبلغ مستوى الثروات عند الناس بما يُسَمُّونه مستوى الوفرة، يعني تكون الفاكهة موجودة بكلِّ ما يحتاجه البشر، أدوات النقل والانتقال موجودة بكلِّ ما يحتاج إليه البشر، ملابس موجودة، بيوت موجودة، هذا هو مجتمع الوفرة، نتيجة التنافس الشديد.
الشيوعيُّون يقولون: من أجل أنْ نصل إلى مجتمع الوفرة يجب أنْ نقمع الأثرياء، إلَّا أنَّ الغربيِّين يقولون: بالعكس يجب أنْ يصبح التنافس قويًّا بين الأثرياء وبين الطبقة الفقيرة، كلَّما قوي التنافس فإنَّ البركة تزداد، يعني نظريَّة ترسيخ الصراع بين الطبقتين، هذه إحدى التمايزات بين النظريَّة الغربيَّة والنظريَّة الشيوعيَّة.
على كلِّ حالٍ الصلاح العالمي والمجتمع السعيد الذي سيكون في آخر الزمان، هذه الفكرة موجودة في الأديان الوضعيَّة والإلهيَّة، مع نقاط اختلاف كثيرة.
منها: أنَّ الأديان الوضعيَّة تعتمد في هذا التحليل على اجتهادات شخصيَّة دون دليل علمي، بينما الأديان الإلهيَّة تنطلق من قرار إلهي، أي إنَّ هذه المسيرة البشريَّة بقرار من الله تعالى ستنتهي إلى مجتمع سعيد، ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ (النور: ٥٥)، هذا القرار الإلهي موجود بأنَّ الحكم سيكون للمستضعفين في الأرض، وقد أنبأت به الكُتُب الإلهيَّة، ولو بقي التقدُّم العلمي بدون إخبار إلهي غيبي فإنَّه لا يملك دليلاً يتوصَّل به إلى هذه النتيجة، نحن نرى اليوم كلَّما زاد التقدُّم العلمي زادت المأساة والبؤس بسبب عدم الاستخدام الصحيح لهذا التقدُّم العلمي.
الديمقراطيَّة هل هي المصلح؟
بعد سقوط الشيوعيَّة أصبحت الديمقراطيَّة تطرح نفسها على الساحة كمصلح أعظم، وترى أنَّ الأُمَّة الغربيَّة هي الأُمَّة الشاهدة على العالم، وأنَّ الديمقراطيَّة هي الرسالة التي ستُؤسِّس المجتمع السعيد للبشريَّة.
لقد طرح الكاتب الأمريكي (فوكو ياما) وهو من أصل ياباني نظريَّة (نهاية التاريخ)، ووضَّح فيها أنَّ أمريكا الآن وصلت إلى نهاية التاريخ، وهذه هي القمَّة، ويجب أنْ تكون هي النموذج الذي يُطبَّق على كلِّ الأرض لتحقيق المجتمع السعيد.
ونلاحظ اليوم أنَّ أمريكا تنطلق في حركتها من هذه الأفكار، أي إنَّها هي القائدة للعالم، ونموذج المجتمع السعيد، وتُوزِّع الوصايا هنا وهناك على الحُكَّام العرب وبلدان الشرق الأوسط للإصلاحات الديمقراطيَّة، كرسالة جديدة لتحقيق المجتمع السعيد.
نحن الآن لسنا بصدد مناقشة هذه الأفكار، بل بصدد بيان فكرة الإصلاح العالمي والمجتمع السعيد في نهاية البشريَّة التي تبنَّتها الأديان الإلهيَّة والوضعيَّة.
ظواهر المجتمع السعيد:
إنَّ المجتمع السعيد الذي تمتلأ فيه الأرض قسطاً وعدلاً على يد وليِّ الله الأعظم الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه) له ظواهر أربع:
الظاهرة الأُولى: ظاهرة الغنى والثروة، أي لا يبقى أحد فقيراً أو جائعاً أو محتاجاً، حتَّى تقول الروايات: إنَّه لا يبقى أحد من الناس يحتاج إلى الصدقة(١١٨).
الظاهرة الثانية: هي المحبَّة والتآخي بين الناس.
الظاهرة الثالثة: ظاهرة المصالحة الطبيعيَّة حتَّى بين الحيوانات، وتقول الروايات: إنَّ الشاة تمشي بجانب الذئب فلا يعتدي عليها، فالمصالحة الطبيعيَّة في عصر الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) تشمل كلَّ المخلوقات العاقلة وغير العاقلة.
الظاهرة الرابعة: وهي العدالة، أي لا يوجد مظلوم، بل تمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً.
ففي الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «بنا يفتح الله، وبنا يختم الله، وبنا يمحو ما يشاء، وبنا يُثبت، وبنا يدفع الله الزمان الكلب، وبنا ينزل الغيث، فلا يغرنَّكم بالله الغرور، ما أنزلت السماء [من] قطرة من ماء منذ حبسه الله (عزَّ وجلَّ)، ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، ولأخرجت الأرض نباتها، ولذهب الشحناء من قلوب العباد، واصطلحت السباع والبهائم حتَّى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام لا تضع قدميها إلَّا على النبات وعلى رأسها زينتها لا يُهيِّجها سبع ولا تخافه»(١١٩).
لاحظوا إذن إخاء ومحبَّة ومصالحة طبيعيَّة، وثروات وخيرات لا نهاية لها، لا تضع قدمها إلَّا على نبات وزراعة وافرة، ما شاء الله.
قيادة المجتمع السعيد:
هناك رواية أُخرى أيضاً جميلة في هذه الشأن تقول: إنَّ الشيعة هم سيكونون حُكَّام الأرض، وهذا في الحقيقة موضوع بحث في أنَّ الإصلاح العالمي من الذي سيقوده؟
المجتمع الغربي يقوده أم المجتمع الإسلامي التابع لأهل البيت (عليهم السلام)؟
نحن نعتقد أنَّ حركة الإصلاح العالمي يقودها أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وهم الشيعة.
الرواية هكذا تقول عن عليِّ بن الحسين (عليه السلام): «إذا قام قائمنا أذهب الله (عزَّ وجلَّ) عن شيعتنا العاهة، وجعل قلوبهم كزبر الحديد، وجعل قوَّة الرجل منهم قوَّة أربعين رجلاً، ويكونون حُكَّام الأرض وسنامها»(١٢٠).
الكوفة هي العاصمة:
أيضاً نمضي في هذه الروايات سريعاً:
الرواية تقول: «ويكون دار ملكه الكوفة»(١٢١)، يعني العاصمة التي ينطلق منها الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) في حركته هي الكوفة، دار الملك يعني قصر رئاسة الجمهوريَّة في اصطلاحنا اليوم، «ويكون دار ملكه الكوفة».
السهلة هي منزل الإمام (عجَّل الله فرجه):
أقرأ لكم رواية جميلة في هذا الشأن عن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: «كأنِّي أرى نزول القائم في مسجد السهلة بأهله وعياله»، قلت: يكون منزله؟ قال: «نعم، هو منزل إدريس (عليه السلام)، وما بعث الله نبيًّا إلَّا وقد صلَّى فيه...».
هذا مسجد السهلة العظيم الذي أُهمل من قِبَل أعداء أهل البيت (عليهم السلام) كما أُهمِلَت كلُّ المساجد والمراقد الشريفة للأئمَّة الأطهار (عليهم السلام) في أيَّام النظام البائد، وتقول الرواية: «المقيم فيه كالمقيم في فسطاط رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما من مؤمن ولا مؤمنة إلَّا وقلبه يحنُّ إليه، وما من يوم ولا ليلة إلَّا والملائكة يأوون إلى هذا المسجد، يعبدون الله فيه»، حتَّى يقول الإمام (عليه السلام) للراوي: «يا أبا محمّد، أمَّا إنِّي لو كنت بالقرب منكم ما صلَّيت صلاة إلَّا فيه»(١٢٢).
عودة الدِّين:
وهناك رواية أُخرى جميلة في هذا الشأن تقول: «كأنَّني بدينكم هذا لا يزال متخضخضاً، يفحص بدمه - يعني مذبوحاً -، ثمّ لا يردُّه عليكم إلَّا رجلٌ منَّا أهل البيت»(١٢٣)، يعني أنَّ الدِّين سيعود ويحكم ويُحقِّق المجتمع السعيد، لا الشيوعيَّة ولا الديمقراطيَّة ولا الليبراليَّة قادرة على ذلك، إذن بعودة الإسلام للمجتمع في زمان الإمام (عجَّل الله فرجه) تذهب الشحناء من قلوب الناس، وتتصالح عناصر الطبيعة، ويسود الغنى والعدالة الإسلاميَّة في المجتمع.
إشكالات على نظريَّة المجتمع السعيد:
هناك إشكالان طرحهما بعض الباحثين على نظريَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والمجتمع السعيد:
الإشكال الأوَّل: هو ديمومة عنصر الصراع بين البشريَّة حسب الفهم القرآني.
الإشكال الثاني: هو سُنَّة الابتلاء الإلهي للبشريَّة.
ففي الإشكال الأوَّل يقولون: إنَّ الله تعالى قال لآدم وحوَّاء وإبليس أنْ انزلوا إلى الأرض في مسيرة عداء وصراع ومعركة حتَّى النهاية، بقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ (البقرة: ٣٦)، فكيف تقولون بحصول المجتمع السعيد في زمن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مع وجود هذا الصراع؟
هذا هو الإشكال الأوَّل.
وجوابه أنَّ هذا الصراع يقع بين الإنسان والشيطان وليس بين أبناء الإنسان والإنسان، فآدم وحوَّاء لم يكن بينهم معركة، بل كانت بين إبليس وجنوده، صحيح نحن نعتقد أنَّ هذه المعركة دائميَّة، معركة الإنسان مع إبليس هذه المعركة دائميَّة ما دام الإنسان موجوداً، وسوف لن يتحوَّل الإنسان يوماً ما إلى ملائكة يعني لا توجد عنده إغراءات شيطانيَّة، أبداً توجد معركة في قلب الإنسان بين جنود الرحمن وبين جنود الشيطان، هذا نعتقد به. لكن هذا ليس يعني بالضرورة على أرض الواقع أنْ توجد معركة بين الناس أنفسهم، المعركة بين الإنسان وبين الشيطان، أمَّا بين الناس فيمكن أنْ يتحقَّق المجتمع السعيد الذي لا معركة فيه.
هذا هو الجواب عن الإشكال الأوَّل.
أمَّا الإشكال الثاني، وهو سُنَّة الابتلاء، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: ٢)، فكيف تقولون بحصول مجتمع سعيد في آخر الزمان خالٍ من أيِّ مشكلة أو ابتلاء أو فقر، والقرآن يُؤكِّد أنَّ الحياة لا تخلو من فِتَن؟
وجوابه أنَّ الابتلاء المذكور ليس بالضرورة أنْ يكون على شكل معارك وأمراض وما شاكل ذلك، بل قد يكون من خلال منازعة الإنسان لشهواته أوَّلاً، ومن خلال التراجعيَّة في عمر الإنسان، ويُبتلى بموت حبيب أو صديق له، هكذا عنصر الابتلاء موجود ولو لم يكون في الابتلاء إلَّا المعركة مع شهوات الإنسان، فهذا ابتلاء، ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾.
نحن في نظريَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لا أحد يدَّعي أنَّ الابتلاء سينتهي، توجد روايات تقول: إنَّ الأمراض تزول، الفقر يزول، هذا ليس فقط ثابت عندنا حتَّى تتكلَّمون علينا، هذا عند السُّنَّة أيضاً ثابت، إنَّه في مجتمع المصلح الأعظم وهو المهدي (عجَّل الله فرجه) لا يوجد معارك ولا اصطدامات وما شاكل ذلك(١٢٤).
في نفس الوقت أيضاً نحن لا نفترض أنَّه لا توجد مشاكل مطلقاً، وإنَّما الروايات تريد الإشارة إلى تحقُّق مجتمع سعيد يعني السعادة في النظرة الكلّيَّة، أنت مثلاً عندما تقول: إنَّ هذه العائلة سعيدة لا يعني ذلك بالضبط أنَّه مائة بالمائة لا يوجد عندهم مشكلة، مشاكل توجد واختلاف أيضاً موجود ولكن السعادة هي الطابع العامُّ للعائلة.
الروايات تقول: إنَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) يحكم بحكم داود (عليه السلام) لا يحتاج إلى بيِّنة(١٢٥)، إذن ذلك يعني أنَّه توجد مشاكل وتوجد محاكم، شاكي ومشتكي عليه.
حين تقول الروايات: إنَّه يحكم بحكم داود، هذه إشارة إلى قصَّة داود (عليه السلام)، قال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ (ص: ٢٣ و٢٤)، الله تبارك وتعالى قال له: يا داود، أين البيِّنة؟ وأين المحكمة؟ وحاسبه على العجلة.
وروايات السُّنَّة أيضاً تقول: إنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) سوف يحكم بحكم داود (عليه السلام)، لا يعني ذلك غير حكم الإسلام، بل هو حكم الإسلام، لكن الطريقة والمنهجيَّة تختلف، حيث لا يحتاج إلى بيِّنة أو قَسَم أو ما شاكل ذلك.
الطريق إلى المجتمع السعيد:
ما هو الطريق إلى المجتمع السعيد؟
الغرب يقول: إنَّ المجتمع السعيد يعتمد تحقُّقه على مدى التقدُّم التقني، يعني يُوزَّع السيَّارات والمبايلات والتلفزيونات على كلِّ الناس فيصبحون ملوكاً، هذا المجتمع سعيد.
الغرب يقول: إنَّ التقدُّم العلمي هو الأداة لتحقيق المجتمع السعيد.
الإسلام ماذا يقول؟
هل أنَّ التقدُّم العلمي قادر على أنْ يُحقِّق المجتمع السعيد؟
لا، الإسلام لديه نظريَّة أُخرى، هي أنَّ المجتمع السعيد لا يتحقَّق إلَّا عبر مجموعة أُمور:
الأوَّل: الرسالة الصالحة التي تبني الإنسان الصالح، وهذا هو ما يُمثِّله الإسلام الأصيل.
الثاني: ثبات المجموعة الصالحة، وهم المسلمون وشيعة أهل البيت (عليهم السلام) خاصَّة، واستعدادهم لخوض المواجهة مع الانحراف والضلال.
الثالث: ظهور المصلح المعصوم الأعظم.
الرابع: الدعاء والارتباط بالقدرة الإلهيَّة المطلقة.
فالتقدُّم العلمي مهما يصل إليه تبقى البشريَّة تعاني من ألوان المعاناة المستحدَثة، فمثلاً زلزلة واحدة في بطن المحيط وعلى بُعد (١٦٠٠) كيلومتراً هزَّت عشر دول وبلغ عدد الضحايا أكثر من (٢٥٠) ألف، وما تزال آلاف المُدُن والقرى مدمَّرة(١٢٦).
وكنت أقرأ في الأيَّام الأُولى لحدوث هذا الزلزال بعض التقارير عن الموجة الأُولى التي داهمت هذه المناطق والقرى والمُدُن الصغيرة التي تقع على حافَّة المحيط، قصَّة شخص سويدي كان سائحاً نجا من الحادثة، يقول: إنَّه في اللحظات الأُولى بعد انسحاب المياه كنَّا نشاهد تسلُّل السرَّاق واللصوص إلى البيوت المدمَّرة، فعجبت من هذا المنظر الذي أرى فيه آلاف الجثث مطروحة أمامنا، وبنفس الوقت حركة اللصوص للسرقة والنهب.
هذه هي مشكلة البشريَّة، السقوط الأخلاقي الذي لا ينفع معه أيُّ تقدُّم علمي.
النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتحدَّث عن انتصارات تمهيديَّة:
أقرأ لكم في نهاية البحث مجموعة روايات تتحدَّث عن تحقُّق انتصارات قبل ظهوره (عجَّل الله فرجه):
أنا أقرأ لكم رواية واحدة من مصادر أبناء العامَّة، الرواية هكذا تقول: عن عبد الله بن مسعود، قال: أتينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فخرج إلينا مستبشراً يُعرَف السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء إلَّا أخبرنا به، ولا سكتنا إلَّا ابتدأنا حتَّى مرَّت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين، فلمَّا رآهم التزمهم وانهملت عيناه، فقلنا: يا رسول الله، ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه، فقال: «إنَّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنَّه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً في البلاد حتَّى ترتفع رايات سود من المشرق، فيسألون الحقَّ فلا يُعطَونه ثمّ يسألونه فلا يُعطَونه ثمّ يسألونه فلا يُعطَونه، فيقاتلون فيُنصَرون، فمن أدركه منكم أو من أعقابكم فليأتِ إمام أهل بيتي ولو حبواً على الثلج، فإنَّها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمى واسم أبيه اسم أبي، فيملك الأرض فيملأها قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(١٢٧).
إذن هناك انتصارات تمهيديَّة قبل ظهوره (عجَّل الله فرجه)، تقوم بها الأُمَّة التي ستُحقِّق هذا المجتمع السعيد.
طوبى للشيعة:
وبهذا الصدد هناك رواية عن يونس بن عبد الرحمن من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام)، وهو ممَّن أجمعت الطائفة على صحَّة ما صدر منه من الروايات(١٢٨)، يقول الراوي: دخلت على موسى بن جعفر (عليهما السلام)، فقلت له: يا بن رسول الله، أنت القائم بالحقِّ؟
فقال: «أنا القائم بالحقِّ، ولكن القائم الذي يُطهِّر الأرض من أعداء الله (عزَّ وجلَّ) ويملأها عدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتدُّ فيها أقوام ويثبت فيها آخرون».
ثمّ قال: «طوبى لشيعتنا، المتمسِّكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أُولئك منَّا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمَّة، ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم، ثمّ طوبى لهم، وهم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة»(١٢٩).
إنَّ من واجبات زمان الغيبة الدعاء بالفرج لصاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)، كما أنَّ من واجبنا الثبات والانتصار للحقِّ والتمهيد لظهوره (عجَّل الله فرجه).
الدعاء في زمن الغيبة:
جاء في الرواية عن زرارة بن أعين، وهو من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) الذي قال عنه الإمام الصادق (عليه السلام): «رحم الله زرارة بن أعين، لولا زرارة لاندرست آثار النبوَّة وضاعت أحاديث أبي (عليه السلام)»(١٣٠)، وهو من أصحاب الإجماع عند الطائفة، بمعنى أنَّ علماء الشيعة أجمعوا على صحَّة رواياته(١٣١).
يقول في روايته: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ للغلام غيبة قبل أنْ يقوم».
قال: قلت: ولِـمَ؟
قال: «يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه -»، ثمّ قال: «يا زرارة، وهو المنتظر، وهو الذي يُشَكُّ في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنَّه وُلِدَ قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظر، غير أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يُحِبُّ أنْ يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة.
[قال: قلت: جُعلت فداك، إنْ أدركت ذلك الزمان أيَّ شيء أعمل؟
قال: «يا زرارة،] إذا أدركت هذا الزمان فادع بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي...»(١٣٢).
قصَّة مسلم بن عقيل:
اليوم الخامس من محرَّم الحرام يُخصَّص عادةً لمسلم بن عقيل (عليه السلام)، الذي يُعتَبر سفير الحسين (عليه السلام) إلى أهل الكوفة، والذي قال في حقِّه الحسين (عليه السلام) في الرسالة التي كتبها لأهل الكوفة: «وأنا باعث إليكم أخي وابن عمِّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فإنْ كتب إليَّ بأنَّه قد اجتمع رأي ملئكم، وذوي الحجى والفضل منكم، على مثل ما قدمت به رُسُلكم وقرأت في كُتُبكم، فإنِّي أقدم إليكم وشيكا إنْ شاء الله...»(١٣٣)، تكشف هذه الرسالة عن منزلة مسلم بن عقيل (عليه السلام) عند الإمام الحسين (عليه السلام).
تقول الرواية: عندما دخل الكوفة كانت مهمَّته استكشاف الواقع السياسي في الكوفة، فقد بايعه ثمانية عشر ألف، عندها نزل في بيت المختار الثقفي، ثمّ تحوَّل إلى بيت هاني بن عروة، ثمّ كتب رسالة إلى الإمام الحسين (عليه السلام) يُطلِعه فيها على الوضع السياسي في الكوفة من اجتماع الناس عليه، وبعد ذلك قامت السلطة الأُمويَّة بتغيير الوالي على الكوفة، ووضعت عبيد الله بن زياد بدل النعمان بن بشير، لأنَّ الأخير كان ضعيفاً وغير راغب في قتال الحسين (عليه السلام)، أمَّا ابن زياد فقد كان شديداً وقاسياً ومتعطِّشاً لسفك الدماء بلا رحمة، ممَّا أدَّى إلى تخلخل الوضع النفسي والسياسي عند أهل الكوفة ممَّن بايعوا مسلم بن عقيل (عليه السلام)، فقد كتب مسلم (عليه السلام) إلى الحسين (عليه السلام): أنْ أقدم فقد بايعني الناس على نصرتك(١٣٤).
وهذه كانت مهمَّة مسلم بن عقيل (عليه السلام) في أخذ البيعة من أهل الكوفة وتهيأة الأوضاع لقدوم الإمام الحسين (عليه السلام)، ولم تكن مهمَّته القيام بثورة.
بدأ التراجع يزداد في أهل الكوفة، حتَّى لم يبقَ مع مسلم (عليه السلام) من يُصلِّي خلفه أو يدلُّه على الطريق، فبعث ابن زياد الجواسيس والوشاة لخذلان الناس عن مسلم بن عقيل (عليه السلام)، بنشر خبر مفاده أنَّ هناك جيشاً كبيراً قادماً من الشام، فتفرَّق الناس عن مسلم (عليه السلام) حتَّى بقي وحده، فخرج يمشي في أزقَّة الكوفة المظلمة، ووقف على بابِ دار تلك المرأة الصالحة، طالباً الماء، فجلبت إليه الماء، وعندما شرب الماء طلبت منه الانصراف عن باب الدار، فتحيَّر مسلم (عليه السلام) ولم يدرِ إلى أين ينصرف، فقال لها: يا أَمَة الله، أمَا تُجيرينني هذه الليلة ويكون رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شفيعكِ يوم القيامة؟
فقالت المرأة متعجِّبةً: من أنت حتَّى تضمن لي شفاعة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
فقال لها: أنا مسلم بن عقيل.
فلمَّا سمعت بخبره فتحت الباب له وقالت: البيت بيتك، وأنا خادمتك(١٣٥).
فدخل مسلم (عليه السلام) الدار، وأخذ يقضي الليل بالصلاة والدعاء، حتَّى جاء ولدها وهو من عيون ابن زياد، فسأل أُمَّه عن تردُّدها على الغرفة التي كان فيها مسلم (عليه السلام)، فأخبرته بعدما أخذت عليه الأيمان المغلَّظة بأنْ لا يُخبر أحداً بخبر مسلم (عليه السلام)، ولكن هذا اللعين لم ينم تلك الليلة، وذهب مسرعاً في الصباح الباكر إلى ابن زياد، وقال له: إنَّ أُمّي أصبحت تُضيِّف الأعداء، وما هي إلَّا لحظات حتَّى طوَّقوا الدار على مسلم بن عقيل (عليه السلام)، فتهيَّأ مسلم (عليه السلام) للقتال، وبدأت المعركة، حتَّى قتل منهم مسلم (عليه السلام) جمعاً كثيراً، ولم يستطيعوا قتله إلَّا من خلال حفيرة حُفِرَت له، فوقع فيها، وأخذوه أسيراً إلى ابن زياد وجراحاته تنزف دماً، فطلب ماءً، فلم يستطع شرب الماء بسبب سقوط أسنانه وثناياه في الماء وامتلأ الإناء دماً، وقال: (لو كان من الرزق المقسوم لشربته)(١٣٦)، ثمّ دمعت عيناه، فقيل له: إنَّ من يطلب مثل ما تطلب لا يبكي إذا نزل به ما نزل بك، قال (عليه السلام): والله ما بكيت على هذا الذي نزل بي، ولكن بكيت للحسين وأهل بيت الحسين، أنا دعوتهم للمجيء والآن هم في الطريق إلى الكوفة(١٣٧).
إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون.

والحمد لله ربِّ العالمين
* * *
المحاضرة السادسة: المسار الجغرافي لحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

(٦/ محرَّم الحرام/ ١٤٢٦هـ)

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:
٥١ - ما هو المسار الجغرافي لحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
٥٢ - من أين تنطلق حركة الإصلاح العالمي؟
٥٣ - ما هي معالم الإصلاح الغربي؟
٥٤ - ما هي معالم الإصلاح الإسلامي؟
٥٥ - المصلح المعصوم هل هو ضرورة؟
٥٦ - لماذا لا يكون المصلح الأعظم هو عيسى (عليه السلام)؟
٥٧ - ما هو الدليل العقلي على وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
٥٨ - إذا كان موجوداً ما هي فائدته؟
٥٩ - الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لماذا لا يُصحِّح مؤلَّفات الشيعة؟
٦٠ - ما هي رسالة الإمام (عجَّل الله فرجه) للشيخ المفيد (رحمه الله)؟
في المحاضرات السابقة تحدَّثنا عن مجموعة عناصر اشتراك بين حركة الإمام الحسين (عليه السلام) وحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
الاشتراك في الأهداف، والاشتراك في المناهج، والاشتراك في العمق التاريخي.
في هذه المحاضرة حديثنا عن عنصر اشتراك آخر، هو الاشتراك في المسار الجغرافي بين حركة الحسين (عليه السلام) وحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بشكل موجز، وعرض جغرافي سريع للحركتين، وربَّما أشرنا لذلك في محاضرات سابقة.
المسار الجغرافي لحركة الحسين (عليه السلام):
الحسين (عليه السلام) انطلق في حركته من المدينة المنوَّرة يوم أرسل عليه الوالي الأُموي يطلب منه البيعة، فقال له الحسين (عليه السلام) في خلاصة الموقف: إنَّ «يزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرَّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله»(١٣٨).
ثمّ قرَّر الحسين (عليه السلام) الهجرة إلى مكَّة بشكل علني، وفي مكَّة المكرَّمة أعلن ثورته متَّجهاً للعراق في الثامن من ذي الحجَّة، والذي يُسمَّى يوم التروية، وهو يوم حركة القوافل نحو عرفة يومئذٍ، وفي يوم الثامن من ذي الحجَّة يذهب الحجَّاج لجمع الماء من مكَّة والذهاب بعدها إلى عرفة، فيحملون الماء على ظهور الإبل، وينتقلون من مكَّة المكرَّمة إلى عرفات، حيث تستغرق هذه الرحلة ثلاثة أيَّام (عرفات، المزدلفة، منى)، حتَّى يرجعوا إلى مكَّة المكرَّمة، هذا هو معنى يوم التروية، أي يتروُّون من الماء يوم الثامن.
الإمام الحسين (عليه السلام) في هذا اليوم بدلاً من أنْ يتَّجه مع الحجَّاج إلى عرفات حيث يجب الوقوف في عرفات يوم التاسع من ذي الحجَّة، الإمام الحسين (عليه السلام) قال: أنا سأنتقل إلى العراق، لأنَّ عندي مشروع، والآن وجودي في مكَّة أصبح غير ممكن كما تعرفون هذا الأمر، قال:
«... ألَا وإنَّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلَّة والذلَّة، وهيهاتَ منَّا الذلَّة! يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وحجور طهرت، ونفوس أبيَّه، وأُنوف حميَّة، من أنْ نُؤثِر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألَا وإنِّي زاحف بهذه الأُسرة مع قلَّة العدد، وكثرة العدوِّ، وخذلة الناصر...»(١٣٩).
من مكَّة اتَّجه الحسين (عليه السلام) إلى العراق، وصل كربلاء، ولم يُسمَح للحسين (عليه السلام) أنْ يتَّجه للكوفة، كان أصل الاتِّجاه نحو الكوفة، ولكن موقف الحرِّ الرياحي اضطرَّ الحسين (عليه السلام) لتغيير مساره نحو كربلاء، ورغم أنَّ الحسين (عليه السلام) لم ينزل الكوفة ولكن السبايا ورأس الحسين (عليه السلام) دخلوا الكوفة، ثمّ اتَّجه رأس الحسين (عليه السلام) نحو الشام.
فالمسار الجغرافي للحسين (عليه السلام) هو: (المدينة - مكَّة - كربلاء - الكوفة -الشام)، هذه حركة الإمام الحسين (عليه السلام) وعياله بعد السبي.
المسار الجغرافي للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
هذا المسار الجغرافي نجده أيضاً عند الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، حيث ينطلق كانطلاقة أُولى تمهيديَّة غير معلنة وغير عالميَّة، ينطلق من المدينة المنوَّرة إلى مكَّة المكرَّمة، حيث تكون جيوش وقوَّات السفياني قد لاحقته من الشام والعراق إلى المدينة المنوَّرة، لأنَّه قبل ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هناك طاغوت اسمه السفياني، هل هذا هو اسمه أو هو كناية عن اتِّجاهه الحركي، فهو سفياني الهوى والولاء وليس بالضرورة أنْ يكون اسمه السفياني لكن ميوله سفيانيَّة، السفياني يكون مسيطراً على الشام، ومسيطراً على العراق، فلمَّا يبلغه أنَّ المصلح الأعظم المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه) قد انطلق في المدينة المنوَّرة يقوم بالزحف على المدينة المنوَّرة، الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) يخرج من المدينة المنوَّرة إلى مكَّة المكرَّمة مثل جدِّه الحسين (عليه السلام)، ولا يدخل في مواجهة مع السفياني في المدينة.
وفي مكَّة المكرَّمة أيضاً لا يدخل في مواجهة مع السفياني، لأنَّ السفياني يبعث جيشاً بعدَّة آلاف لكي يلاحق الإمام (عجَّل الله فرجه) في مكَّة المكرَّمة، إلَّا أنَّ الله تبارك وتعالى بإعجاز إلهي يخسف بهم البيداء، ولا ينجو منهم إلَّا ثلاثة أو واحد - حسب اختلاف الروايات - ويرجع فيُخبر الناس، ويومئذٍ يكون المؤمنون قد التحقوا بالإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) من كلِّ أنحاء العالم في مكَّة المكرَّمة حتَّى يبلغوا عشرة آلاف.
الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) حينئذٍ يبدأ عمليَّة الزحف لتحرير المدينة، ثمّ يزحف من المدينة إلى العراق باتِّجاه الكوفة، مثل الإمام الحسين (عليه السلام) حيث كان الاتِّجاه إلى الكوفة.
الروايات تقول - وسوف اقرأ لكم بعض الروايات -: إنَّه ستحدث معارك طاحنة في الكوفة بين قوَّات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وقوَّات السفياني التي تكون قد تعسكرت في الكوفة، وحينئذٍ تلتحق بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) قوَّات جديدة بقيادة قائد اسمه الحسني، هذه الرايات قادمة من خراسان كما تقول الروايات، تلتحق بالإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وتكون بينهم وبين السفياني في الكوفة معركة طاحنة على إثرها ينهزم السفياني ويكون الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) قد حرَّر الكوفة واتَّخذها عاصمة له، بحيث تقول الروايات: إنَّ دار ملكه الكوفة، وهناك روايات جميلة هي بشرى لأهل الكوفة، يعني هذا الإقليم.
الرواية تقول: «أسعد الناس به أهل الكوفة»(١٤٠)، لأنَّهم سوف يصبحون في العاصمة، إذن لا بدَّ أنْ يكونوا أسعد الناس.
والحمد لله، وكما شرحت لكم فإنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يتقدَّم باتِّجاه الشام، وتكون الكوفة قد تحرَّرت، فيتقدَّم باتِّجاه الشام، فتتحرَّر ويهزم السفياني، ومن هناك ينتقل الإمام (عجَّل الله فرجه) لتحرير القدس، وفي القدس ينزل عيسى بن مريم ويُصلِّي خلف إمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه)(١٤١)، هذا هو السير الجغرافي للحركة.
روايات المسار الجغرافي:
عندي إشارة مهمَّة في هذه المحاضرة، وهي أنَّ هذا السير الجغرافي الذي عرضته لكم هناك إشارة تحليليَّة تاريخيَّة مهمَّة فيه، ولكنِّي أُوثر أنْ أقرأ لكم رواية أو روايتين عن المسار الجغرافي لحركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، حيث نكون في جوِّ الروايات الشريفة، ثمّ نرجع لتلك المهمَّة.
الرواية تقول: عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قال أبو جعفر محمّد بن عليٍّ الباقر (عليه السلام): «... ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة، فينفر المهدي منها إلى مكَّة، فيبلغ أمير جيش السفياني أنَّ المهدي قد خرج إلى مكَّة، فيبعث جيشاً على أثره، فلا يُدركه حتَّى يدخل مكَّة خائفاً يترقَّب على سُنَّة موسى بن عمران (عليه السلام)»، وقال: «فينزل أمير جيش السفياني البيداء، فينادي منادٍ من السماء: يا بيداء، بيدي القوم، فيُخسَف بهم، فلا يفلت منهم إلَّا ثلاثة نفر، يُحوِّل الله وجوههم إلى أقفيتهم، وهم من كلب، وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلَى أَدْبَارِهَا...﴾ الآية [النساء: ٤٧]»، قال: «والقائم يومئذٍ بمكَّة، قد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيراً به...»، قال: «فيجمع الله عليه أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، ويجمعهم الله له على غير ميعاد قزعاً كقزع الخريف، وهي - يا جابر - الآية التي ذكرها الله في كتابه: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]، فيبايعونه بين الركن والمقام، ومعه عهد من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد توارثته الأبناء عن الآباء، والقائم - يا جابر - رجل من ولد الحسين، يُصلِح الله له أمره في ليلة، فما أشكل على الناس من ذلك - يا جابر - فلا يشكلنَّ عليهم ولادته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ووراثته العلماء عالماً بعد عالم، فإنْ أشكل هذا كلُّه عليهم فإنَّ الصوت من السماء لا يشكل عليهم إذا نودي باسمه واسم أبيه وأُمِّه»(١٤٢).
الرواية الأُخرى تقول عن الإمام الصادق (عليه السلام): «السفياني من المحتوم»، يعني من القضاء والقدر المؤكَّد خروجه مع خروج الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، السفياني يخرج كعدوٍّ له كما هي سُنَّة الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الفرقان: ٣١)، هذه السُّنَّة مع الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) أيضاً موجودة.
الرواية تقول: «السفياني من المحتوم، وخروجه في رجب، ومن أوَّل خروجه إلى آخره خمسة عشر شهراً، ستَّة أشهر يقاتل فيها، فإذا ملك الكور الخمس ملك تسعة أشهر، ولم يزد عليها يوماً»(١٤٣)، هذا حكم السفياني إلى أنْ يُهزَم، هذه بعض الروايات.
ورواية أخيرة أنقلها لكم في هذا الشأن، تقول الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كأنِّي بالسفياني أو بصاحب السفياني قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة، فنادى مناديه: من جاء برأس [رجل من] شيعة عليٍّ فله ألف درهم، فيثب الجار على جاره، يقول: هذا منهم، فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم».
ثمّ يقول (عليه السلام): «إنَّ إمارتكم يومئذٍ لا تكون إلَّا لأولاد البغايا، وكأنِّي أنظر إلى صاحب البرقع...»، - هذه الرواية تلفتنا إلى شيء عجيب، وهم هؤلاء الملثَّمون الإرهابيُّون في هذا الزمان الذي يلبسون النقاب، هذه الروايات تتحدَّث عن مجموعة من أصحاب البراقع الملثَّمين القتلة، يلبسون برقعاً فلا يعرفهم أحد، هذه الظاهرة الرواية تتحدَّث عنها، وهو من عجيب ما تتحدَّث عنه، ونحن نشهد بعض نماذجه المعاصرة -.
قلت: ومن صاحب البرقع؟
فقال: «رجل منكم، يقول بقولكم، يلبس البرقع، فيحوشكم، فيعرفكم ولا تعرفونه، فيغمز بكم رجلاً رجلاً، أمَا [إنَّه] لا يكون إلَّا ابن بغيٍّ»(١٤٤).
هذا أتركه بدون تعليق، لأنَّ هذه الروايات تستحقُّ تعليقاً طويلاً، أنا أنتقل إلى محلِّ الشاهد، وهذه ظاهرة تاريخيَّة مهمَّة على الباحثين أنْ يدرسوها، وهي ظاهرة أنَّ الإصلاح المعنوي على طول التاريخ ينطلق من الشرق، والإصلاح المادّي التكنولوجي والتقدُّم المادّي التقني ينطلق من الغرب، لماذا؟
الإصلاح ينطلق من الشرق:
لاحظوا الأنبياء (عليهم السلام) انطلقوا من الشرق: فلسطين، الحجاز، العراق، هذه حركة الأنبياء (عليهم السلام).
الأنبياء نوح وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق وموسى وعيسى (عليهم السلام) ونبيُّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، هذا قطار الأنبياء المقدَّس أستطيع أنْ أقول: هذا كلُّه انطلق من الشرق، ربَّما هناك استثناء لم نطَّلع عليه، لكن بحدود ما يُطلِعنا عليه القرآن الكريم، وما تُحدِّثنا به سيرة وحياة الأنبياء (عليهم السلام)، أنَّنا لا نرى يوماً من الأيَّام نبيًّا بُعِثَ في بلاد الغرب، ولا نبيًّا في بلاد فارس أو الصين، مع أنَّ الفرس لديهم تقدُّم علمي كبير، الصين كذلك، الروم كذلك، لكن لا ندري ما هي الحكمة الإلهيَّة أنَّ الأنبياء (عليهم السلام) ينطلقون من الشرق، إمَّا الشرق العربي أو الشرق العبري، إنَّ الأنبياء (عليهم السلام) كثير منهم عرب، وكثير منهم عبريُّون، إسرائيل هو نبيٌّ من الأنبياء، إسرائيل ليس منطقة جغرافيَّة، بل إسرائيل هو اسم يعقوب (عليه السلام).
أربعة أنبياء عرب:
أربعة أنبياء عرب كان خاتمهم النبيُّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهؤلاء الأنبياء الأربع كما يقول العلَّامة الطباطبائي (رحمه الله) في (تفسير الميزان) هم: (هود، وصالح، وشعيب ومحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(١٤٥)، أنا لا أذكر هذا على أساس منطلقات قوميَّة، أنتم ونحن أجلّ من المنطلقات القوميَّة، ولكن كحقائق تستحقُّ البحث والتأمُّل، لماذا هذه المنطقة (الشرق) أصبحت مهد النبوَّات؟ لماذا الغرب لم يصبح مهد النبوَّات؟
في مقابل هذا يوجد شيء آخر، وهو أنَّ التقدُّم العلمي التقني عند الغرب كان وإلى الآن، السيَّارات غرب، المبايلات غرب، التلفزيون غرب، الأدوات العلاجيَّة غرب، الكهرباء غرب، تقدُّم علمي جاء وزحف علينا من الغرب، لحدِّ الآن الشرق غير قادر على منافسته، صحيح أنَّ الاتِّحاد السوفيتي صنع مركبات فضائيَّة، واستطاع أنْ يصعد إلى القمر وما شاكل، لكن يبقى التقدُّم العلمي هو من حصَّة الغرب إلى الآن.
في مقابل ذلك نجد أنَّ التقدُّم الروحي المعنوي هو من حصَّة الشرق، وسوف نجد أنَّ الغرب الآن يعترف أنَّ الإصلاح المعنوي سوف يبدأ من الشرق، حيث هم الآن يبحثون عن المصلح الأكبر وهو إمام الزمان (عجَّل الله فرجه)، ولكن ليس في واشنطن ونيويورك، يبحثون عن صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) في النجف، كربلاء، مكَّة المكرَّمة، المدينة المنوَّرة، وهكذا ينتظرون عيسى بن مريم (عليه السلام).
الآن يوجد لديهم بحث حقيقي لأنَّهم يعرفون هذه القضايا على أساس تراث علمي تاريخي موجود عندهم.
الآن كلُّ الإرهاصات العالميَّة والتنبُّؤات العالميَّة تتحدَّث عن خروج مصلح من الشرق وليس من الغرب، أصلاً هم لا يبحثون عنه لا في باريس ولا في واشنطن ولا في دولة أُخرى من الدول الصناعيَّة السبع، بل يبحثون عنه في هذه المنطقة، كما أنَّ عيسى (عليه السلام) حسب رواياتهم التي هم أيضاً يعتقدون بها تتحدَّث عن نزول عيسى (عليه السلام)، وعيسى (عليه السلام) يحكم بعد ذلك، يحكم ويقتل اليهود، هذه القضايا هي بالنسبة إليهم تؤرق مضاجعهم، هؤلاء يقولون: عيسى (عليه السلام)، وأُولئك يقولون: المهدي (عجَّل الله فرجه)، على كلِّ حالٍ النتيجة واحدة، هي ظهور مصلح ينقض على قدراتهم المادّيَّة.
ولهذا أنتم قد لا تعلمون أنَّ التحقيقات التي تُجريها قوَّات الاحتلال هنا في العراق مع بعض الذين اعتُقِلُوا اشتباهاً أو عمداً، وكان يُحدِّثنا ويقول: عملوا معي اثني عشر جلسة تحقيق، واحدة منها جلسة تحقيقيَّة كاملة عن الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
جلسة تحقيقيَّة كاملة، الأمريكان يُحقِّقون معه، والتحقيق ما هو؟
من هو المهدي؟ أين يظهر في مكَّة، في المدينة، في النجف، في الكوفة، في كربلاء؟ هذا السؤال الأوَّل.
السؤال الثاني: تلتقون به أم لا تلتقون به؟
السؤال الثالث: مراجعكم مثل السيِّد السيستاني يلتقي به أم لا يلتقي؟
السؤال الرابع: أنتم تدَّعون أنَّه إذا ظهر هذا المصلح الأكبر يسيطر على العالم، أسلحته ما هي؟ عندكم بالروايات ما هي أسلحته؟ حتَّى يُفكِّروا بالمضادَّات!
جلسة تحقيقيَّة كاملة تستغرق ساعتين أو أكثر فقط حول الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، ثمّ يقولون لهذا الشخص المعتقل عندهم: فلنفترض إذا أنت التقيت بالإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) ماذا تعمل؟ يعني ما هي علاقتك معه؟ هذا سؤال خامس.
السؤال السادس: إذا قال لك الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه): قاتل هؤلاء، أنت تقاتلنا أم لا تقاتلنا؟! عجيب هم يعيشون جوًّا كأنَّهم على أبواب ظهور هذا المصلح الأعظم، هذه قوى عظمى في العالم تُفكِّر في نفسها: ماذا سيصبح مصيرنا؟ لأنَّه ثابت عندهم في التوراة والإنجيل أنَّ عيسى (عليه السلام) ينزل من السماء ويُصلِّي في بيت المقدس ويقتل اليهود هناك، ولديهم تنبُّؤات لأُناس مرتاضين، هذه التنبُّؤات بقطع النظر عن مدى دقَّتها لكن تثير هواجسهم ومخاوفهم.
لا تتصوَّروا أنَّ أُولئك لا يعتقدون بالتنبُّؤات التاريخيَّة ولا بالأنبياء (عليهم السلام)، إنَّهم يعتقدون أنَّه يوجد شيء ربَّما يزلزل وجودهم.
تنبُّؤات نوستراداموس(١٤٦) هي من أهمّ التنبُّؤات التي نُشِرَت، وقد عملت لها المخابرات فلماً سينمائيًّا مهمًّا جدًّا لتنبيه ذهن الناس، نوستراداموس تُوفّي في القرن السادس عشر، يعني قبل خمسمائة عامٍ، أصبحوا يرون أنَّ هذه التنبُّؤات ربَّما تكون واقعيَّة، هو يتنبَّأ بحكومة هنري الرابع ملك فرنسا وقد حدث ذلك، وكان يتنبَّأ بسقوط دولة إسرائيل، وبسقوط أمريكا، يتنبَّأ بحرب عالميَّة وحدثت، يتنبَّأ بالحرب العراقيَّة الإيرانيَّة وقد حدثت.
هؤلاء يجدون هذه التنبُّؤات أمامهم سقوط إسرائيل، سقوط أمريكا، مهما كانت درجة الاحتمال في صحَّتها.
الغرب الآن يعيش إرهاصات ظهور المصلح الأعظم من الشرق، وهذه قضيَّة جدًّا مهمَّة، إنَّ الإصلاح العالمي ينطلق من الشرق كما هو حركة الأنبياء (عليهم السلام)، وهذا سرٌّ من الأسرار.
والآن يأتي هذا السؤال: لماذا الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) يخرج ويتحرَّك في محور مكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة والنجف والكوفة وكربلاء وما شاكل، هل من غير الممكن أنْ يخرج من دولة عظمى من تلك الدول؟ عيسى (عليه السلام) أيضاً كذلك يتحرَّك في فلسطين، والمجتمع الغربي الآن يُسلِّم بهذه القضيَّة أنَّ انطلاقة الإصلاح العالمي ستكون من الشرق وليس منهم.
هذه القضيَّة تاريخيَّة مهمَّة متروكة للدارسين والباحثين، والآن نحن بصدد بيان ما يمكن بيانه من تحليل لهذه القضيَّة.
على كلِّ حالٍ الإصلاح العالمي سينطلق من الشرق، وسينطلق من العراق بالذات.
الإصلاح العالمي بين النظريَّتين:
كلُّ الأديان الإلهيَّة والوضعيَّة كما شرحت لكم تُبشِّر بإصلاح عالمي، وسعادة المجتمع الإنساني في نهاية المسار البشري، هم يُبشِّرون بهذا ويعتقدون بهذا، ولكن أنا أُوجز لكم ما هو الفرق بين الإصلاح العالمي وفق النظريَّة الإسلاميَّة والإصلاح العالمي وفق النظريَّة الغربيَّة المطروحة بالفعل.
أنا أُوجز لكم الشرح بنقاط، يعني ما هي معالم أو مقوِّمات الإصلاح الغربي العالمي ومقوِّمات الإصلاح الإسلامي العالمي الذي يكون على يد إمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه)، ونحن الآن نعيش إرهاصاته ومقدّماته التمهيديَّة بإذن الله تعالى.
معالم الإصلاح الغربي:
أوَّلاً: ترسيخ التضادِّ الطبقي والصراع السياسي بين الأحزاب.
ويُمثِّل هذا الأصل عمق النظريَّة الديمقراطيَّة التي تقول: يجب أنْ يحتدَّ الصراع بين الفقراء والأغنياء، بين أصحاب رؤوس الأموال وبين العُمَّال، وكذلك بين الاتِّجاهات السياسيَّة المتعدِّدة، هذا الصراع هو المفاعل لحركة الاقتصاد والسياسة.
نظريَّة السوق الحُرَّة هذه تعتمد على صراع عنيف بين أصحاب رؤوس الأموال وبين العُمَّال، وكذلك التنافس السياسي الحادِّ بين الاتِّجاهات المختلفة.
ثانياً: الحرّيَّة المطلقة السياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، حرّيَّة مطلقة بلا حدود، لكي تساعد على التنافس والتضادِّ التنموي.
ثالثاً: عزل الدِّين عن السلطة والسياسة، لأنَّ الدِّين يعتمد على ثوابت فكريَّة وتشريعيَّة ولا يسمح بالتعدُّديَّة التي هي أساس التقدُّم.
رابعاً: الوصاية الغربيَّة على العالم.
اليوم هم يباشرون هذه الوصاية، يعني يُصدِرون قرارات ويُصدِرون توجيهات لدول وشعوب العالم، يعني كيف نحن لدينا مرجع ديني يُصدِر توجيهات وقرارات للعالم الإسلامي، هم الآن يُصدِرون قرارات للعالم العربي والعالم الشرقي وما شاكل كتوجيهات نحو الإصلاح الديمقراطي.
هذه أهمّ معالم الإصلاح الغربي.
معالم الإصلاح الإسلامي:
أمَّا الإصلاح الإسلامي العالمي أيضاً لديه مجموعة معالم:
الأوَّل: حاكميَّة الشريعة الإسلاميَّة، أنَّه لا إصلاح بدون دين الله وشريعته.
الثاني: شهادة الأُمَّة الإسلاميَّة على العالم، وليس وصاية الأُمَّة الغربيَّة على العالم، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة: ١٤٣)، هنا ﴿شُهَدَاءَ﴾ ليس بمعنى القتلى، ﴿شُهَدَاءَ﴾ بمعنى أصحاب الشهادة والإشراف، قيمومة الأُمَّة الإسلاميَّة وليست قيمومة مجلس الأمن والأُمَم المتَّحدة، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾.
الثالث: الإمام المعصوم هو الذي يقود هذه العمليَّة الكبرى، يعني أنَّ العمليَّة الإصلاحية الكبرى لا يمكن أنْ تتمَّ بدون إمام معصوم، والإمام المعصوم من وجهة نظرنا الإسلاميَّة هو من ولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وولد فاطمة (عليها السلام)، وهو التاسع من ولد الحسين (عليه السلام).
المصلح المعصوم ضرورة:
ننتقل إلى نقطة ثالثة: لماذا كان المصلح المعصوم ضرورة؟
إنَّ الحركة الإصلاحيَّة العالميَّة من وجهة النظر الإسلاميَّة أحد مقوِّماتها وجود الإمام المعصوم الذي يقود هذه الحركة الإصلاحيَّة، هذه ضرورة نعتقد بها، يعني لا يمكن أنْ تتمَّ هذه العمليَّة الإصلاحيَّة الكبرى عبر أُناس لا يملكون السيطرة على أهوائهم ولا على أمزجتهم، وهم ناس لا يمتنعون من فتك ولا من إبادة، بل طُلَّاب مصالح وفئويَّات وجماعات وقوميَّات وعرقيَّات وما شاكل ذلك، الذي يريد أنْ يُصلِح العالم يجب أنْ يكون قمَّة في الصلاح والهدى حتَّى يستطيع أنْ يُصلِح العالم.
قد نناقش هذا الأمر من الناحيَّة العقليَّة والفلسفيَّة، ولكن على مستوى أدلَّة الإثباتات الإسلاميَّة يقول القرآن الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التوبة: ٣٣).
إذن القيمومة الدِّينيَّة والأُطروحة الحاكمة على العالم في مستقبل الجنس البشري هي الإسلام، يعني حاكميَّة الشريعة الإسلاميَّة، الأُمَّة الإسلاميَّة وبالخصوص شيعة أهل البيت (عليهم السلام) كما أشرت إلى روايات في هذا الشأن أنَّ هذه الأُمَّة هي التي تتمتَّع بالشهادة وتُحقِّق التجربة السعيدة للعالم كلِّه.
القرآن الكريم يقول: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فهو لم يقل: الذين آمنوا من الأُمَم الأُخرى من النصارى أو اليهود، أو قال: الأُمَم الأُخرى من باريس أو لندن أو من واشنطن، ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ (النور: ٥٥)، هذه هي محلُّ الشاهد ﴿مِنْكُمْ﴾، هم الذين يستخلفون في الأرض ويكونون قائمين على هذه التجربة الإصلاحيَّة العالميَّة.
الروايات أيضاً متَّفق عليها، هكذا تقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لفاطمة (عليها السلام): «يا بنيَّة، إنَّا أُعطينا أهل البيت سبعاً لم يُعطِها أحد قبلنا، نبيُّنا خير الأنبياء وهو أبوكِ، ووصيُّنا خير الأوصياء وهو بعلكِ، وشهيدنا خير الشهداء وهو عمُّ أبيكِ حمزة، ومنَّا من له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنَّة وهو ابن عمِّكِ جعفر، ومنَّا سبطا هذه الأُمَّة وهما ابناكِ الحسن والحسين، ومنَّا والله الذي لا إله إلَّا هو مهدي هذه الأُمَّة الذي يُصلِّي خلفه عيسى بن مريم»، ثمّ ضرب بيده على منكب الحسين (عليه السلام) فقال: «من هذا - ثلاثاً -»(١٤٧).
هل يمكن أنْ يكون المصلح عيسى بن مريم (عليه السلام)؟
قد يناقشون ويقولون: جيِّد، عيسى (عليه السلام) أيضاً معصوم.
الجواب: أنَّ المرجع عندنا هو أدلَّة الإثبات العلميَّة، يعني إذا كان الدليل هو الأحاديث والنصوص المقدَّسة عندنا، هذه النصوص تقول: إنَّ هذا المصلح ليس عيسى بن مريم (عليه السلام)، وإنَّما عيسى بن مريم (عليه السلام) يُصلِّي خلفه.
نحن نتَّفق أنَّ عيسى بن مريم (عليه السلام) لم يُقتَل ولم يُصلَب بل رفعه الله إليه، نتَّفق على أنَّ عيسى بن مريم (عليه السلام) ينزل آخر المطاف، لكن ليس هو المصلح العالمي الأكبر، وإنَّما ذاك المصلح هو من ولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
الإمكان العلمي والثبوت العلمي:
يوجد فرق بين ما نُسمّيه الإمكان العلمي، وبين ما نُسمّيه الثبوت العلمي.
لاحظوا يوجد شيء نُسمّيه الإمكان العلمي، لكن هذا غير كافٍ نحتاج إلى إثبات علمي، ماذا يعني ذلك؟
أنا أُوجز هذا الأمر:
الإمكان على عدَّة أقسام: إمكان فلسفي، إمكان عرفي، وإمكان علمي، حديثنا الآن عن الإمكان العلمي، أنَّه ممكن أنْ يكون هناك سُكَّان على سطح القمر هذا ممكن علميًّا، لكن هل يكفي مجرَّد هذا الإمكان العلمي أم نحتاج إلى إثبات؟ صعدت المركبات الفضائيَّة مشوا لمدَّة ساعة أو ساعتين على سطح القمر وجلبوا بعض التراب من القمر ولم يجدوا أثراً للبشر، ولو كان يوجد بشر لوصلت آثاره. على كلِّ حالٍ هذا شيء اسمه الإمكان العلمي، وشيء آخر اسمه الإثبات العلمي.
على مستوى الإمكان العلمي يمكن أنْ يكون عيسى بن مريم (عليه السلام) هو المصلح الأعظم، نعم هذا ممكن علميًّا، لكن نحن نحتاج إلى إثبات علمي، نحن لدينا أدلَّة على أنَّ المصلح الأعظم هو المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه)، من ولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لا يوجد عندكم أدلَّة على أنَّ المصلح الأعظم هو عيسى بن مريم (عليه السلام)، رغم أنَّ الثابت في مصادرنا الإسلاميَّة أنَّ عيسى بن مريم (عليه السلام) ينزل إلى الأرض في آخر الزمان، لكن مصادرنا تُؤكِّد أنَّه ينزل ويُصلِّي خلف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كما سبق نقل بعض هذه النصوص(١٤٨).
ربَّما يكون من المفيد أنْ أقرأ بعض الروايات في نزول عيسى (عليه السلام).
أنا أُحاول أنْ أقرأ الروايات من مصادر أبناء العامَّة لكي تكون أقوى في الدلالة:
الإمام أحمد بن حنبل في مسنده أخرج عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ينزل ابن مريم إماماً عادلاً، وحكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويُرجِع السلم، ويتَّخذ السيوف مناجل، وتذهب حمة كلِّ ذات حمة، وتُنزل السماء رزقها، وتُخرج الأرض بركتها، حتَّى يلعب الصبيُّ بالثعبان، فلا يضرُّه، ويراعي الغنم الذئب فلا يضرُّها، ويراعي الأسد البقر فلا يضرُّها»(١٤٩).
مثل هذه الروايات في مصادرنا موجودة أيضاً، روايات كثيرة في هذا الشأن عن خروج عيسى بن مريم (عليه السلام) في آخر الزمان.
بعض الروايات عن أبي هريرة عن خروجه (عليه السلام) ونزوله من السماء يقول في ختام ما يقول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... وإنِّي أولى الناس بعيسى بن مريم، لأنَّه لم يكن بيني وبينه نبيٌّ، وإنَّه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصَّران، كأنَّ رأسه يقطر، وإنْ لم يصبه بلل...»(١٥٠)، يعني عيسى بن مريم (عليه السلام).
ومن الجميل أنْ نجد في بعض الروايات تقول عن الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) في وصفه أنَّه إسرائيلي القامة، بمعنى يميل إلى الطول(١٥١)، ثمّ تتحدَّث عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وتقول:
«... فيدقُّ الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، فيُهلِك الله في زمانه الملل كلَّها إلَّا الإسلام، ويُهلِك الله في زمانه المسيح الدجَّال، وتقع الأمنة على الأرض حتَّى ترعى الأُسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيَّات لا تضرُّهم، فيمكث أربعين سنة، ثمّ يتوفَّى، ويُصلِّي عليه المسلمون»(١٥٢)، إلى آخر هذه الروايات الكثيرة والجميلة.
الأدلَّة العلميَّة على حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
ما هي الإثباتات العلميَّة.
الأدلَّة العلميَّة على المهدي (عجَّل الله فرجه) ما هي؟
نحن نقول: إنَّ الإمام المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه) ضرورة، ما هي الأدلَّة العلميَّة التي نملكها للدلالة على هذه الضرورة؟
لاحظوا أيُّها المؤمنون، إنَّ علماءنا قدَّموا أربعة نماذج للأدلَّة على ضرورة الإصلاح العالمي الذي سيكون على يد المهدي الموعود المنتظر (عجَّل الله فرجه).
الدليل الأوَّل: الدليل العقلي.
الدليل الثاني: الدليل الشرعي.
الدليل الثالث: الدليل العلمي.
الدليل الرابع: الدليل الميداني.
ولعلَّنا نستطيع في المحاضرات القادمة أنْ نأخذ نبذة من كلِّ دليل، أمَّا هنا فنكتفي بالحديث عن الدليل الأوَّل.
موجز عن الدليل الأوَّل:
يعني النموذج الأوَّل هو الدليل العقلي الفلسفي.
هذا النمط من الاستدلال كان علماؤنا يستخدمونه وفق مدرسة كاملة نُسمّيها مدرسة الاستدلالات العقليَّة، فيقولون مثلاً: النبوَّة ضرورة من الضرورات، الإمامة كذلك، وإذا كانت الإمامة ضرورة من الضرورات إذن لا يمكن للأُمَّة الإسلاميَّة أنْ تبقى بدون إمام، ويستندون في ذلك أيضاً إلى روايات تعضد هذا الاستدلال تقول: لولا الحجَّة لساخت الأرض بأهلها(١٥٣).
وتقول: إنَّه «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليَّة» كما في روايات أبناء العامَّة(١٥٤).
إذن لا بدَّ في كلِّ زمان من إمام، وهذا الإمام لا بدَّ أنْ يكون معصوماً.
خلاصة هذا الاستدلال العقلي أنَّه لا بدَّ من إمام معصوم في كلِّ زمان، وهذا الإمام المعصوم إذا كان وجوده ضروريًّا فلا بدَّ أنْ يكون الآن موجوداً ولكنَّه غائب، على ما أخبر النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بغيبته في روايات متَّفق عليها.
هذا الدليل نُسمّيه الدليل العقلي، نُسمّيه دليل اللطف، علماؤنا كانوا يستخدمون هذا الاستدلال وفق مدرسة كلاميَّة خاصَّة، وإذا ثبتت تلك المدرسة فإنَّ هذا الاستدلال أيضاً سوف يثبت.
يقولون: وفق قاعدة اللطف، وحيث كان وجود المعصوم هو لطف من الله تبارك وتعالى، والله قد كتب على نفسه أنَّه لطيف رحيم، بمعنى يجب على الله تعالى بمقتضى لطفه ورحمته أنْ يبعث نبيًّا، لأنَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الإسراء: ١٥)، إذن أنت تستطيع أنْ تقول وفق الآية القرآنيَّة: إنَّ النبيَّ ضرورة من الضرورات.
وعلى هذا الأساس يكون الإمام المعصوم كذلك، حيث إنَّ مقام الإمام هو مقام النبيِّ، ويُجسِّد نفس الامتداد، إماماً بعد إمام حتَّى نصل إلى الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
مجموعة شُبُهات:
هذا الاستدلال واجه مجموعة أسئلة، لكن هذه الأسئلة ليست علميَّة، بل هي أسئلة طفوليَّة.
ما هي فائدة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
مثلاً ابن تيميَّة يقول: هذا الإمام الغائب ما هي فائدته؟
تقولون: هو لطف من الله تعالى، ولكن أيّ لطف في إمام غائب؟
ويستمرُّ في الجدل حتَّى يصل إلى شيء من الجرأة فيقول: إنَّ الحُكَّام الأُمويِّين والعبَّاسيِّين أفضل من إمامكم الغائب، على الأقلّ هؤلاء نفعوا الناس، إمامكم الغائب لم ينفع الناس بشيء.
لقد حاول علماؤنا في مقام الجواب أنْ يبرهنوا على وجود منافع للأُمَّة بهذا الإمام، استناداً إلى روايات كثيرة تقول: «تنتفعون به كما تنفعون بالشمس إذا غطَّتها السُّحُب»(١٥٥).
وهناك شبهة أُخرى مثل شبهة ابن تيميَّة مصدرها أحمد الكاتب، هذا الشخص الذي انحرف وأصبح أخيراً يقول: إذا كان المهدي المنتظر موجوداً، إذن لماذا لم يُصحِّح كتاب (الكافي)؟!
ولأشرح لكم هذه الشبهة: يوجد كتاب هو مصدر من مصادر الفكر الشيعي اسمه (الكافي) لمؤلِّفه الشيخ الكليني (رحمه الله)، كتبه في زمن الغيبة الصغرى، هو كتاب يجمع روايات كثيرة فيها صحيحة وفيها غير صحيحة، يعني هو كتاب موسوعي، وشأن الكُتُب الموسوعيَّة أنْ تنقل مجموعة ما يوجد من تراث روائي، ولكن هذا الشخص - أحمد الكاتب - يقول: لو كان الإمام المنتظر موجوداً فلماذا لم يُصحِّح كتاب (الكافي)(١٥٦)؟!
في الحقيقة هذه الشُّبُهات طفوليَّة، يعني نحن نعتقد بلطف الله تبارك وتعالى ونعتقد بوجود المعصوم، لكن ليس بمستوى أنْ نفرض رأينا على الله أو على الإمام المعصوم.
نحن نعتقد بعدل الله تعالى، لكن أمامنا مشاهد المرض والقتلى والغرق والفجائع والحوادث المأساويَّة، نحن نراها لكن نحن لا نعترض على الله ونقول: الله ليس بعادل، لماذا يُقتَل ربع مليون في حادثة الزلزال الذي حدث عام (٢٠٠٥م) في عمق المحيط، تلك الظاهرة التي يُسَمُّونها بظاهرة تسونامي، والتي ذهب ضحيَّتها أكثر من ربع مليون شخص، وهؤلاء بينهم أطفال ونساء ومساكين، نحن لا نعترض على الله لماذا؟
لأنَّه نحن نعتقد بأصل العدالة الإلهيَّة إجماليًّا، أمَّا تفصيلها فنحن ليس لدينا قدرة استيعاب.
أنت تقول: هذا مدير المدرسة عادل، ولكنَّ هذه المدرسة فيها مشكلات كثيرة، فيها طالب ينجح وطالب لا ينجح، ولكن يبقى القانون قانون عادل يحكم هذه المسيرة.
الله تبارك وتعالى عادل، ولكن ليس بالضروري أنْ نعرف نحن تفاصيل هذه العدالة.
الشاهد نحن نعتقد بعدل الله وبحكمة الله ولكن ليس بالضرورة الشيء الذي نحن نريده يكون، ونحن ليس لدينا قدرة على إدراك كلِّ المصالح الشموليَّة العميقة في الوجود كلِّه، ما يدرينا ما هي؟
قصَّة العصفور والبحر:
وهي قصَّة حصلت مع موسى والخضر (عليهما السلام) حين كانا في وسط البحر.
الرواية تقول: «جاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة، فقال الخضر لموسى (عليه السلام): ما علمي وعلمك من علم الله، إلَّا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر»(١٥٧).
هذه هي معلومات البشر، فكيف نستطيع أنْ نكشف كلَّ الحِكَم الإلهيَّة في الوجود؟
نحن لا نستطيع أنْ نفرض على الله تعالى مواقف، وكذلك لا نستطيع أنْ نفرض على المعصوم مواقف، أنْ يُصحِّح كتاب (الكافي)، أو يظهر لإنقاذ الناس، وما شاكل ذلك.
نحن نعتقد إجمالاً بالعدالة واللطف الإلهي، ونعتقد بفائدة وجود المعصوم الغائب بشكل إجمالي، ولا نستطيع أنْ نفرض عليه موقفاً.
رسالة الإمام (عجَّل الله فرجه):
أنا أختم المجلس برسالة إمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه) إلى الشيخ المفيد (رحمه الله)، وهو من علماء الطائفة، الشيخ المفيد الذي تُوفّي في عام (٤١٠) للهجرة، يعني في مطلع القرن الخامس الهجري، الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) يكتب له رسالة يقول فيها:
«بِسْمِ اَللهِ اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا اَلْوَلِيُّ اَلمُخْلِصُ فِي اَلدِّينِ، اَلمَخْصُوصُ فِينَا بِالْيَقِينِ، فَإِنَّا نَحْمَدُ إِلَيْكَ اَللهَ اَلَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَنَسْأَلُهُ اَلصَّلَاةَ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ اَلطَّاهِرِينَ، وَنُعْلِمُكَ - أَدَامَ اَللهُ تَوْفِيقَكَ لِنُصْرَةِ اَلْحَقِّ، وَأَجْزَلَ مَثُوبَتَكَ عَلَى نُطْقِكَ عَنَّا بِالصِّدْقِ -: أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَنَا فِي تَشْرِيفِكَ بِالمُكَاتَبَةِ، وَتَكْلِيفِكَ مَا تُؤَدِّيهِ عَنَّا إِلَى مَوَالِينَا قِبَلَكَ - أَعَزَّهُمُ اَللهُ بِطَاعَتِهِ، وَكَفَاهُمُ اَلمُهِمَّ بِرِعَايَتِهِ لَهُمْ وَحِرَاسَتِهِ -، فَقِفْ أَيَّدَكَ اَللهُ بِعَوْنِهِ عَلَى أَعْدَائِهِ اَلمَارِقِينَ مِنْ دِينِهِ عَلَى مَا أَذْكُرُهُ، وَاِعْمَلْ فِي تَأْدِيَتِهِ إِلَى مَنْ تَسْكُنُ إِلَيْهِ بِمَا نَرْسِمُهُ إِنْ شَاءَ اَللهُ.
نَحْنُ وَإِنْ كُنَّا نَائِينَ بِمَكَانِنَا اَلنَّائِي عَنْ مَسَاكِنِ اَلظَّالِمِينَ، حَسَبَ اَلَّذِي أَرَانَاهُ اَللهُ تَعَالَى لَنَا مِنَ اَلصَّلَاحِ وَلِشِيعَتِنَا اَلمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ مَا دَامَتْ دَوْلَةُ اَلدُّنْيَا لِلْفَاسِقِينَ، فَإِنَّا نُحِيطُ عِلْماً بِأَنْبَائِكُمْ، وَلَا يَعْزُبُ عَنَّا شَيْءٌ مِنْ أَخْبَارِكُمْ، وَمَعْرِفَتُنَا بِالذُّلِّ اَلَّذِي أَصَابَكُمْ مُذْ جَنَحَ كَثِيرٌ مِنْكُمْ إِلَى مَا كَانَ اَلسَّلَفُ اَلصَّالِحُ عَنْهُ شَاسِعاً، وَنَبَذُوا اَلْعَهْدَ اَلمَأْخُوذَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ.
إِنَّا غَيْرُ مُهْمِلِينَ لِمُرَاعَاتِكُمْ، وَلَا نَاسِينَ لِذِكْرِكُمْ، وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَنَزَلَ بِكُمُ اَللَّأْوَاءُ، أَوْ اِصْطَلَمَكُمُ اَلْأَعْدَاءُ، فَاتَّقُوا اَللهَ (جلَّ جلاله)، وَظَاهِرُونَا عَلَى اِنْتِيَاشِكُمْ مِنْ فِتْنَةٍ قَدْ أَنَافَتْ عَلَيْكُمْ، يَهْلِكُ فِيهَا مَنْ حُمَّ أَجَلُهُ، وَيُحْمَى عَنْهَا مَنْ أَدْرَكَ أَمَلَهُ، وَهِيَ أَمَارَةٌ لِأُزُوفِ حَرَكَتِنَا، وَمُبَاثَّتِكُمْ بِأَمْرِنَا وَنَهْيِنَا، ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ [الصفّ: ٨]...»(١٥٨).
كتاب الشيخ الطوسي (رحمه الله):
الشيخ الطوسي (رحمه الله) ألَّف كتاباً بعنوان (الغيبة) تبعاً لوصيَّة أُستاذه الشيخ المفيد (رحمه الله) الذي قرأت لكم هذه الرسالة له من الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
الشيخ المفيد (رحمه الله) كان يُوصي تلميذه وهو الشيخ الطوسي (رحمه الله) أنْ يُؤلِّف كتاباً في الغيبة، حتَّى تترسخ هذه الفكرة عند الناس، فألَّف كتاب (الغيبة).
الشيخ الصدوق (رحمه الله) الذي حدَّثتكم عنه قبل الشيخ الطوسي (رحمه الله) كان ألَّف كتاباً اسمه (كمال الدِّين وتمام النعمة) في الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
الشيخ الطوسي والشيخ الصدوق (رحمهما الله) يستعرضان هذه الأدلَّة على حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ووجوده، وأوَّلها الدليل العقلي.
الشهيد السيِّد محمّد باقر الصدر (قدّس سرّه) أيضاً في كتابه (بحث حول المهدي) يستعرض استعراضاً سريعاً بعض النماذج من هذه الأدلَّة، والتي سوف نقف عندها في محاضرات لاحقة إنْ شاء الله تعالى.
ختام المجلس:
الليلة السابعة من محرَّم الحرام مخصوصة لذكر العبَّاس (عليه السلام)، أهل المنبر الحسيني هنا في النجف وفي العراق بشكلٍ عامٍّ يُخصِّصون الليلة السابعة لذكر قمر بني هاشم أبي الفضل العبَّاس (عليه السلام)، نحن أيضاً على هذا الدأب نذكر هنا مصيبة قمر بني هاشم (عليه السلام).
قمر بني هاشم (عليه السلام) له مجموعة ألقاب يُلقَّب بها، من جملة ألقابه: ساقي عطاشى كربلاء، لأنَّ هذه المهمَّة مهمَّة السقي واستحصال الماء كان العبَّاس قد امتاز بها في ملحمة عاشوراء في اليوم السابع من محرَّم الحرام، حيث أرسله الإمام الحسين (عليه السلام) مع عشرين فارساً إلى المشرعة، حينما اشتدَّ الحصار وبدأ العطش في الحسين وأهل بيت الحسين وأصحاب الحسين (عليه السلام)، والمشرعة أُغلقت تماماً، هنا وفي اليوم السابع أرسل الحسين (عليه السلام) أخاه العبَّاس (عليه السلام) لكي يطلب الماء مع عشرين فارساً، ونزلوا المشرعة، فأحاط بهم القوم، وكان العبَّاس (عليه السلام) يدافع عنهم حتَّى أوصل الماء للحسين (عليه السلام) في اليوم السابع من محرَّم الحرام.
وفي العاشر من محرَّم الحرام جاء العبَّاس (عليه السلام) للحسين (عليه السلام) بعد أنْ نفد ما لديهم من الماء واشتد العطش، قال: أخي أبا عبد الله، لقد ضاق صدري من هؤلاء الأعداء، فهل من رخصة.
قال: «أخي أبا الفضل، أنت صاحب لوائي، إذا مضيت تفرَّق عنِّي عسكري، ولكن اطلب لهؤلاء قليلاً من الماء».
أخذ القربة وركب جواده، فكشف القوم عن المشرعة، ونزل إلى الماء، خاض الماء، أراد أنْ يشرب، تذكَّر عطش الحسين (عليه السلام).
ملأ القربة، وركب جواده، كَمَنَ له لعين، ضربه على يده اليمنى قطعها، فقال:

والله إنْ قطعتموا يميني * * * إنِّي أُحامي أبداً عن ديني

أخذ السيف بشماله يقاتل القوم، كَمَنَ له ملعون وراء النخلة، ضربه على شماله قطعها، وقف بين القوم لا يدين حتَّى يدافع بهما، وبينما هو كذلك وإذا بعمود على رأسه، خرَّ صريعاً منادياً: السلام عليك يا أبا عبد الله.
أقبل إليه الحسين (عليه السلام)، جلس عنده:

نادى وقد ملأ البوادي صيحة * * * صمُّ الصخور لهولها تتألَّمُ

أراد الحسين (عليه السلام) حمله للخيمة، قال: أخي أبا عبد الله، بالله عليك إلَّا ما تركتني في مكاني(١٥٩).
إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.

والحمد لله ربِّ العالمين
* * *
المحاضرة السابعة: نقاط التمايز بين الحركتين

(٧/ محرَّم الحرام/ ١٤٢٦هـ)

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:
٦١ - ما هي نقاط التمايز بين حركة الإمام المهدي وحركة الإمام الحسين (عليهما السلام)؟
٦٢ - هل يستخدم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أدوات إعجازيَّة في ثورته؟
٦٣ - الدجَّال يُمثِّل ظاهرةً أو شخصاً؟
٦٤ - ما هي الوظيفة الشرعيَّة التي ينطلق منها الإمام (عجَّل الله فرجه)؟
٦٥ - ما هو الخطر الأكبر الذي يواجهه الإمام (عجَّل الله فرجه)، الانحراف الداخلي، اليهود، الاستكبار العالمي، النصرانيَّة؟
٦٦ - ما هو الفرق بين علامات الظهور وشروط الظهور؟
٦٧ - عشرة من علامات الظهور؟
٦٨ - ما هي مسؤوليَّتنا للتعجيل في ظهوره (عجَّل الله فرجه)؟
٦٩ - ما هي فلسفة الحداثة في فهم الحقائق؟
٧٠ - ما هو فضل الانتظار؟ وما المقصود به؟
ما زال حديثنا عن عناصر التمايز والاشتراك بين حركة الإمام الحسين وحركة الإمام المهدي (عليهما السلام).
نقاط التمايز:
هناك مجموعه نقاط تمايز بين حركة الإمام الحسين وحركة الإمام المهدي (عليهما السلام).
١ - الحسين (عليه السلام) قُتِلَ شهيداً ولم ينتصر بالبُعد العسكري، لكن إمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه) سوف ينتصر.
٢ - الإمام الحسين (عليه السلام) لم يحكم دولة، ولكن الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) سوف يحكم دولة.
٣ - الإمام الحسين (عليه السلام) لم يُفتَح له العالم، بينما الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) يُفتَح له العالم حتَّى يدقَّ أبواب الروم والصين، وتُفتَح له الروم والصين، وهذه أقصى بقاع الأرض يومئذٍ، يعني لا توجد يومئذٍ قارَّة أُستراليا، إنَّها لم تكن مكتشفة، قارَّة أمريكا كذلك غير مكتشفة، كان أقصى الأرض يومئذٍ يقال له: الصين، وعلى هذا الأساس روي عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «اطلبوا العلم ولو بالصين فإنَّ طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم»(١٦٠)، ليس المقصود بالصين أنَّ أهل الصين كانوا علماء، عندما يقال: الصين، يعني أقصى البقاع رغم أنَّها الآن تُعتَبر قريبة منَّا بالنسبة لقارَّة أُستراليا وقارَّة أمريكا، لأنَّ الصين جزء من قارَّة آسيا، ونحن في قارَّة آسيا أيضاً.
على كلِّ حالٍ العالم يُفتَح للإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، بينما العالم لم يُفتَح للإمام الحسين (عليه السلام).
٤ - ديمومة دولة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، حيث تدوم دولته وحركته إلى مئات السنين كما شرحت لكم في محاضرات سابقة(١٦١)، وبعض الروايات تقول: «إلى انقضاء الخلق»(١٦٢).
الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) سوف يموت إلَّا أنَّ دولته تبقى مستمرَّة، مهدي بعد مهدي، وإمام بعد إمام(١٦٣)، ورواياتنا هكذا تقول: إنَّ الذي يُصلِّي على الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) ويُغسِّله ويُكفِّنه هو الإمام الحسين (عليه السلام)، باعتبار أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) كما قرأت لكم في محاضرات سابقة(١٦٤) وفق نظريَّة رجعة أهل البيت (عليهم السلام) للحياة فإنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) أوَّل من يرجع، وهو الذي يلي أمر القائم (عجَّل الله فرجه)، لأنَّ في مفاهيمنا أنَّ المعصوم لا يتولَّى أمر غُسله وكفنه إلَّا معصوم، ولهذا أنتم جميعاً سمعتم أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء لـمَّا قُتِلَ بقيت جثَّته ثلاثة أيَّام، من الذي تولَّى دفنه؟ الإمام السجَّاد (عليه السلام) وبعد ثلاثة أيَّام.
هذا المفهوم موجود عندنا يعني في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، أنَّ الإمام المعصوم لا يلي أمره إلَّا المعصوم، وحينئذٍ يأتي هذا السؤال: إنَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) وهو خاتم الأوصياء هل يوجد وراءه معصوم حتَّى يُصلِّي عليه ويُغسِّله؟
الجواب: نعم - وفقاً لنظريَّة الرجعة - في مسيرة العودة والرجعة حيث يعود الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام) واحداً بعد واحد، وهذا بحث ربَّما تناولناه في محاضراتنا الأُسبوعيَّة في شرح الزيارة الجامعة، ويمكن أنْ نتناوله في هذه المحاضرات أيضاً.
إذن هذه مجموعة تمايزات.
٥ - الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) يستخدم الكثير من الأدوات الإعجازيَّة، يعني المعجزة سوف تشترك مع الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) في حركته، وليس فقط الأدوات الطبيعيَّة كالأسلحة الطبيعيَّة.
نحن ذكرنا سابقاً أنَّ حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) تعتمد على الأدوات البشريَّة، ولكن إلى جانبه هناك الإسناد والأعجاز الإلهي.
الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) في حركته يستخدم آليَّات أُخرى غير الآليَّات المتعارفة، دبَّابات وطائرات وصواريخ وما شاكل ذلك، هذه كلُّها يستخدمها لكنَّه يستخدم سلاح الرعب من الله تعالى في قلوب الأعداء، وكذلك الملائكة.
عندنا بعض الروايات تقول: إنَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) يدخل العراق على سبع قباب من نور(١٦٥)، بعض الباحثين يرى أنَّ هذه السبع قباب من نور هي سبع طائرات، حيث يومئذٍ لا يوجد شيء اسمه طائرة، قبل (١٤٠٠) سنة الرواية تقول: يدخل العراق على سبع قباب من نور هو في إحداها، يعني رتل عسكري جوّي، وغير معروف أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) في أيِّ واحدةٍ من هذه الطائرات، بناءً على هذا التفسير إنَّ سبع قباب من نور يعني طائرات.
الفكرة أنَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) يستخدم أدوات إعجازيَّة، لكن الأصل هي الأدوات البشريَّة الطبيعيَّة، لأنَّ هذه سُنَّة الله تعالى، كما شرحنا ذلك في محاضرة سابقة(١٦٦).
هذه نقاط تمايز بين حركة الحسين والمهدي (عليهما السلام).
الاشتراك في فلسفة التحرُّك:
لكن بقي محور مهمٌّ من محاور الاشتراك، وهو الاشتراك في فلسفة التحرُّك، يعني ماذا؟
يعني أنَّ حركة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت منطلقة من الوظيفة الشرعيَّة، حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أيضاً منطلقة من الوظيفة الشرعيَّة.
التكليف هو الذي يُشخِّص للإمام المعصوم موقفه، وليس قضيَّة ذات أبعاد شخصيَّة، التكليف الذي حتَّم وفرض على الحسين (عليه السلام) أنْ يهاجر ويقود الثورة هو نفسه التكليف الذي سينطلق منه الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، لأنَّه مكلَّف، هو عبد مطيع لله تعالى، إذا أذن الله تعالى له بالتحرُّك تحرَّك.
الإذن من الله تعالى - كما سنشرح - مرتبط بالواقع البشري وبقانون، يعني بمقاسات إسلاميَّة، المقاسات الإسلاميَّة هي قانون قرآني، ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١)، يعني نحن نفترض أنَّ هناك مجتمعاً سعيداً سيكون في آخر الزمان بحيث إنَّ ذلك المجتمع السعيد تمشي المرأة من العراق إلى الشام لا تطأ قدمها إلَّا على زرع، يعني ثروة زراعيَّة واسعة، حتَّى يصطلح الذئب مع الشاة(١٦٧)، هذا هو المجتمع السعيد، لنفترض أنَّ هذه الروايات كما أشرنا لذلك ربَّما يكون المقصود منها الإشارة إلى نموذج العدل الأقصى وليس بالضرورة أنَّ الذئب لا يأكل شاة أو القطَّة لا تأكل الفأرة.
قد يقول قائل: هذا خيال، ما هي الفائدة أنَّ القطَّة لا تأكل الفأرة؟ يعني هل هذه رحمة؟ غير معلوم، الرحمة تعني أنَّ القانون الحيواني يجب أنْ يكون حاكماً، والقطَّة تأكل الفأرة، هذه هي الرحمة.
نعم، وهذا ما نميل إليه، لكن الروايات تريد أنْ تُعطينا أمثلة على حالة الوئام العالي، السماء تمطر، الأرض تنبت، الحيوانات تكثر، هذه رحمة عالية.
بعض الأساطير:
بهذا المعنى تكون الروايات مقبولة ومفهومة، ونحن لسنا مضطرِّين لحملها على معاني أُخرى، لأنَّ تلك المعاني الأُخرى كما ذكرت في محاضرات من محاضرات شهر رمضان قد تكون أُسطورة من الأساطير، كما جاء في بعض الروايات الإسرائيليَّة أنَّ نوحاً (عليه السلام) لـمَّا ركب السفينة طال جلوسهم فيها عدَّة أيَّام وربما عدَّة شهور، والسفينة بها من كلِّ زوجين اثنين، من جملة ما كان موجوداً بها هو الفيل والأسد والخنزير، لكن كلَّها متصالحة، يعني لا يعتدي بعضها على الآخر، يعني هذا تعايش سلمي كما يُسَمُّونه في زماننا، الرواية - الأُسطورة طبعاً - تقول: إنَّه لـمَّا طالت بهم الأيَّام كثرت قذارة الحيوانات، فمسح نوح (عليه السلام) على خرطوم الفيل، فعطس الفيل، وخرج من خرطومه خنزيران، فأكلا هذه الفضلات، ثمّ كثرت الفئران في السفينة، فمسح نوح على رأس الأسد، فعطس الأسد، فخرج اثنان من القطط، فأكلا الفئران(١٦٨)!
نحن بالحقيقة غير مضطرِّين لهذه الكلمات، إنَّ علماءنا يقولون: هذه أساطير إسرائيليَّة خرافيَّة ذكروها، فحينما تقول الروايات: إنَّه على عهد المهدي (عجَّل الله فرجه) الذئب لا يأكل الشاة، فهل هذا يعني نقطة تقدُّم أم نقطة تراجع بالقانون الإلهي؟
الروايات حينما تقول: إنَّ الذئب لا يأكل الشاة، تشير إلى حالة وئام عالي سيكون، وسوف تبقى القوانين الإلهيَّة قوانين المرض والابتلاء والموت والحياة موجودة، فهذه القوانين كلُّها هي خير ورحمة للبشر.
الشاهد في الأمر أنَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) ينطلق من الوظيفة الشرعيَّة، والوظيفة الشرعيَّة تعتمد على السُّنَن الإلهيَّة، وإحدى تلك السُّنَن الإلهيَّة في عمليَّة التغيير هو قانون ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١)، يعني أيُّها الناس كونوا أُناساً جيِّدين الله يُغيِّر لكم، لكن إذا لم تصبحوا أُناساً جيِّدين يعني لا تُمهِّدون الأرض، فكيف يخرج صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) ويغير الواقع والواقع لا يستحقُّ التغيير؟
إذن وفق المقاسات القرآنيَّة إنَّ حركة صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) تعتمد على شروط موضوعيَّة، ونتحدَّث عنها بشكل إجمالي، ولكن في البداية نريد أنْ نُؤكِّد على أنَّ أصل الفكرة هي أنَّ الحركة تنطلق من وظيفة شرعيَّة.
مواجهة الانحراف الداخلي:
أوَّل مواجهة يخوضها الإمام (عجَّل الله فرجه) هي المواجهة مع الانحراف الداخلي، وهذه أيضاً نقطة اشتراك بين الحسين والمهدي (عليهما السلام).
قبل أنْ يدخل الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في قتال مع الروم ومع الصين واليهود والنصارى فإنَّ أوَّل قتال يكون مع اتِّجاهات منحرفة بقيادة السفياني، يعني هناك تيَّارات سياسيَّة فكريَّة تحت لواء السفياني الأُموي، وربَّما يكون المقصود ليس حالة نَسَبيَّة بمعنى الانتساب إلى أبي سفيان، وإنَّما حالة فكريَّة بمعنى نفس الاتِّجاهات الانحرافيَّة الأُمويَّة التي كانت في بدايات الإسلام، كما أنَّ حركة الحسين (عليه السلام) كانت في مواجهة التيَّار الأُموي.
لاحظوا حركة الحسين (عليه السلام) لم تكن مواجهة في البداية مع تيَّار المشركين، بل كانت مواجهة مع تيَّار أُموي منحرف في داخل الوسط الإسلامي، حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أيضاً مع تيَّار منحرف، الروايات تُسمّيها راية السفياني، يعني هو نفس الامتداد لخطِّ النفاق الذي تُمثِّله الحالة الأُمويَّة.
حركة الحسين (عليه السلام) في أوَّل مواجهة لها مع الانحراف الداخلي باسم الإسلام، لأنَّ انحراف معاوية ويزيد لم يكن باسم النصرانيَّة ولا اليهوديَّة ولا كان باسم الزندقة، كلُّه كان باسم الإسلام.
السفياني أيضاً حركته باسم الإسلام، ليست حركته بفلسفات لادينيَّة، بل بفلسفات دينيَّة أيضاً، هكذا تقول بعض الروايات في حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... ثمّ يأتي الكوفة، فيطيل بها المكث ما شاء الله أنْ يمكث، حتَّى يظهر عليها، ثمّ يسير حتَّى يأتي العذراء هو ومن معه، وقد لحق به ناس كثير، والسفياني يومئذٍ بوادي الرملة، حتَّى إذا التقوا - وهو يوم الأبدال - يخرج أُناس كانوا مع السفياني من شيعة آل محمّد، ويخرج ناس كانوا مع آل محمّد إلى السفياني، فهم من شيعته حتَّى يلحقوا بهم، ويخرج كلُّ ناس إلى رايتهم، وهو يوم الأبدال. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ويُقتَل يومئذٍ السفياني ومن معهم حتَّى لا يُترَك منهم مخبر، والخائب يومئذٍ من خاب من غنيمة كلب. ثمّ يقبل إلى الكوفة، فيكون منزله بها...»(١٦٩).
لاحظوا الشكل الإسلامي للانحراف، هذه هي التيَّارات المنحرفة، لا يتصوَّر بعض الشباب أنَّ الانحراف دائماً يكون لابساً ثوب الكفر وبشكل علني، الانحراف لا يأتيك بشكل علني، يأتيك بشكل خفي، ودائماً هذه القضيَّة يجب أنْ نكون حذرين منها.
لاحظوا أيضاً يوجد تشابه بين مواجهة الحسين (عليه السلام) مع الخطِّ الأُموي ومواجهة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) مع الخط الأُموي وامتداداته التي هي حركة السفياني.
اليهود مركز العداء:
ومن العجيب في الروايات التي تستحقُّ أنْ نقف عندها متأمِّلين جدًّا، أنَّ مركز العداء لحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هم اليهود وليس النصارى.
الآن مركز العداء للعالم الإسلامي هم اليهود، صحيح أنَّ النصارى واقفون مع اليهود ضدَّنا، لكن مركز الحركة العدائيَّة ضدّ المسلمين هم اليهود، سواء اليهود الموجودون بإسرائيل، أو اليهود الموجودون بأمريكا، أو اليهود المتنفِّذون في الأُمَم المتَّحدة أو في مجلس الأمن أو في أماكن أُخرى، هذا النفوذ للأُخطبوط اليهودي هو مصدر العداء للمسلمين.
ولهذا فإنَّ رواياتنا عندما تتحدَّث عن الروم تتحدَّث برحمة، وعندما تتحدَّث عن اليهود تتحدَّث بقسوة.
رواياتنا تقول: إنَّه ستحدث في حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هدنة مع الروم، الروم يعني أُوروبا والغرب، ستكون هناك هدنة لا يوجد فيها قتال، حتَّى يتعبَّأ المسلمون مع النصارى ضدّ اليهود في فلسطين، في إسرائيل اليوم.
التحالف الإسلامي النصراني:
الرواية تقول: إنَّ عيسى (عليه السلام) ينزل ويُصلِّي خلف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في المسجد الأقصى، والناس في الغرب وأُوروبا يرون أنَّ هذا النبيَّ الذي يعتبرون أنفسهم أتباعه يُصلِّي خلف إمامنا، معنى هذا سيحدث حالة من الاصطفاف وحالة من التحالف بين إمام الأُمَّة الإسلاميَّة وإمام الأُمَّة النصرانيَّة، إمام الأُمَّة الإسلاميَّة هو الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وإمام الأُمَّة النصرانيَّة هو النبيُّ عيسى (عليه السلام)، فيحدث التحالف.
ولهذا فالروايات تقول: ستحدث هدنة بين المسلمين على يد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وبين الروم(١٧٠).
بينما سيكون هناك سحقاً نهائيًّا لليهود، حتَّى إنَّ الروايات تقول: حتَّى تقول الصخرة: يا مؤمن، هذا ورائي يهودي فاقتله(١٧١)، يعني ملاحقة نهائيَّة لليهود لا يبقى منهم أحد، مثل هذه الملاحقة غير موجودة بين المسلمين وبين النصارى.
هذه الظاهرة أنَّ اليهود هم مركز العداء تلاحظونها في القرآن حينما يتحدَّث عن النصارى وحينما يتحدَّث عن اليهود.
يقول: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾، ولم يقل: النصارى، بينما يقول عن النصارى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ (المائدة: ٨٢)، البعض من هؤلاء النصارى إذا اكتشفوا الحقيقة سوف يقتربون منها، ولهذا أقول لكم بصراحة: نحن لدينا أمل كبير على الشعوب الأُوروبيَّة والغربيَّة أنَّ هذه الشعوب سوف تهتدي، والآن فإنَّ إرهاصات الهداية بالأُفق موجودة، هم يبحثون عن الإصلاح وعن المنقذ لأنَّهم في حيرة.
قصَّة في ألمانيا:
حدث لي في سفرة من الأسفار في شهر محرَّم الحرام إلى ألمانيا حيث كانت هناك بحمد الله تجمُّعات عراقيَّة مؤمنة، كنَّا نذهب ونزورهم أيَّام شهر رمضان المبارك ومحرَّم الحرام، وهناك في ألمانيا مجموعات كبيرة من الشباب الألماني الضائع التائه في الشوارع، يُقدَّر وجودهم بخمسة ملايين يُسَمُّونهم: البائسين، وهم (الروك) و(الهيبز)، وهؤلاء يبيتون في الشوارع والميتروات ومحطَّات القطار وما شاكل ذلك.
قلت لصاحبي: تعالَ خذني لأرى هؤلاء كيف هم؟ شباب بمعنى الكلمة، لكنَّهم حائرون في الحدائق والشوارع، يعيشون في فلسفة عجيبة، فلسفة الابتعاد عن النظافة، الابتعاد عن الراحة، لا يبيتون في بيت، أخذني لهم، سألتهم وهم في حديقة من الحدائق عن وضع البؤس عندهم ما سببه؟
يومئذٍ وقبل أنْ يسقط جدار برلين، وقبل أنْ تتَّحد ألمانيا الغربيَّة والشرقيَّة، قلت لهؤلاء: ما هو سبب البؤس الذي عندكم؟
قالوا: سبب البؤس أمريكا، حيث كانت قوَّات التحالف مسيطرة على ألمانيا ومعسكراتها كما هو اليوم في العراق، حيث مشهد الأرتال العسكريَّة في بغداد، يومئذٍ في ألمانيا أرتال عسكريَّة تجوب الشوارع، وطيران أمريكي يسيطر على الجوِّ.
قال: سبب البؤس عندنا هي أمريكا التي لا تسمح لنا بالانطلاق.
قلت له: جيِّد يوجد شخص في العالم الشرقي اسمه الخميني، وكان هذا الحديث قبل وفاة الإمام الخميني (قدّس سرّه). يومئذٍ الخميني وحركة الإمام الخميني والتيَّار الإسلامي العالمي له أصداء في العالم، هذا الشخص يريد إنقاذكم، ماذا تقول أنت؟
قال: أمَّا نحن فيائسون، لكن فليُجرِّب حظَّه لعلَّه يستطيع أنْ ينقذنا.
هذا التفكير موجود في الشارع العامِّ المليوني في أُوروبا، وليس في النجف أو في كربلاء أو في العراق أو في إيران، هذا واقع العالم الذي نعيشه، ولهذا فإنَّ العالم الاستكباري فكَّر - وهذا حديث قد نُؤجِّله لوقت آخر - بضرب الإسلام بالإسلام، إنَّ هذا الإسلام، هذا المصلح العالمي الذي ظهر في مطلع هذا القرن بانتصار الشيعة وتأسيسهم دولة كبرى، إنَّ هذا الإسلام لا يمكن مواجهته بحرب صدَّام ضدّ إيران التي دامت ثمان سنوات، ولا بحصار اقتصادي ولا إزعاجات داخليَّة وحركة منافقين، وإنَّما هذا الإسلام الذي أصبح يمتدُّ في كلِّ العالم كأيديولوجيَّة حضاريَّة إصلاحيَّة جديدة، إنَّ أفضل طريقة لمواجهته هي مواجهة الإسلام بالإسلام، فصار هناك إسلام يُسَمُّونه إسلاماً إرهابيًّا أُصوليًّا، وإسلام يُسَمُّونه إسلاماً معتدلاً.
بالفعل نحن أيضاً نعتقد أنَّه يوجد أُناس إرهابيُّون والإسلام بريء منهم، لكن الخدعة ليست هذه، الخدعة والخطَّة هي أنْ يُصنَّف الإسلام على أساس أنَّه فكر إرهابي، ولا بدَّ أنْ يكون هنا إسلام جديد، هذا الإسلام الجديد هو الذي يطرحه الغرب وتطرحه أمريكا، هذا البحث نُؤجِّله فعلاً.
الفكرة التي نريد تأكيدها هي أنَّ مركز العداء مع حركة الإصلاح العالمي هو اليهود، ونحن نتوقَّع أنْ سوف تكتشف الدول الكبرى، أنَّ هؤلاء اليهود يريدون جرَّ العالم إلى حرب كبرى بحيث لا تأمن منها حتَّى الشعوب الأُوروبيَّة والغربيَّة، وغير ممكن أنْ تبقى الدول الكبرى أسيرة بيد الأُخطبوط اليهودي، هذا الأمر تنبُّؤاتنا تقول: إنَّهم سيكتشفونه، ويكون هناك تحالف إسلامي نصراني ضدّ اليهود، وتُطهَّر الأرض من اليهود.
المواجهة مع الدجَّال:
تُؤكِّد روايات الظهور المتَّفق عليها أنَّه ستظهر هناك حركة أو شخصيَّة اسمها الدجَّال، في رواياتنا اصطلاح (الأعور الدجَّال) واصطلاح (المسيح الدجَّال)، المسيح بمعنى ممسوح، عيسى المسيح أيضاً مسيح، يعني الله مسح عليه بالرحمة، وهذا الأعور الدجَّال مسح الله على إحدى عينيه فهو أعور.
المسيح الدجَّال أو الأعور الدجَّال، تقول الروايات: إنَّه في آخر الزمان سيظهر دجَّال، هل هو شخص أو هو ظاهرة؟
رواياتنا بشكلٍ عامٍّ سواءً الواردة عندنا أو الواردة عند أبناء العامَّة ليست بعيدة عن فكرة أنَّ الدجَّال ليس هو شخص مثل السفياني أو اليماني، إنَّما الدجَّال عبارة عن انحراف خطير سيحدث في آخر الزمان، هو حالة الدجل وحالة الكذب وتحريف الحقيقة والواقع بشكل لا نظير له، ولهذا فإنَّ بعض المفكِّرين هكذا يُفسِّرون حركة الدجَّال أنَّه ليس شخصاً، وإنَّما عبارة عن الحضارة الغربيَّة، الدجَّال يعني هذا الكذب الذي نراه اليوم في العالم الحديث حيث الإعلام العالمي اليوم غير قائم على الحقيقة وإنَّما قائم على الدجل، هناك شعوب تتحرَّك بالكامل، تتحرَّك كلُّها على دجل ووهم حيث لا توجد الحقيقة، اليوم العالم الاستكباري هكذا يفتعل الأخبار ويفرضها على الشعوب ويُحرِّكون تلك الشعوب، وهذا هو الدجل، الآن بعض الفضائيَّات هي دجَّال بمعنى الكلمة.
لعلَّ ممَّا يُؤيِّد هذه النظريَّة أنَّ بعض الروايات تقول: «لا تقوم الساعة حتَّى يخرج ثلاثون دجَّالاً، كلُّهم يدَّعي النبوَّة»(١٧٢)، هل يقول حقيقةً: أنا نبيٌّ، أو أنَّه يدَّعي أنَّه هو المصلح وهو المنقذ وهو المخلِّص؟ وهذا ما نلاحظه الآن، الآن الحضارة الغربيَّة تدَّعي أنَّها هي المنقذ بعناوين متعدِّدة.
وعلى كلِّ حالٍ أحد المعارك التي يخوضها الإمام المنتظر (عليه السلام) كحركة سياسيَّة ثقافيَّة هي المعركة مع الانحراف تحت عنوان (الدجَّال).
أيضاً بهذا الصدد قد يكون من المفيد أنْ أقرأ لكم بعض الروايات في هذا الشأن، هكذا تقول الرواية: «إنَّ الدجَّال صائد بن الصيَّد، فالشقيُّ من صدَّقه، والسعيد من كذَّبه...، من قرية تُعرَف باليهوديَّة، عينه اليمنى ممسوحة، والعين الأُخرى في جبهته، تضيء كأنَّها كوكب الصبح، فيها علقة كأنَّها ممزوجة بالدم، بين عينيه مكتوب كافر، يقرؤه كلُّ كاتب وأُمّي، يخوض البحار، وتسير معه الشمس، بين يديه جبل من دخان، وخلفه جبل أبيض يرى الناس أنَّه طعام، يخرج حين يخرج في قحط شديد، تحته حمار أقمر، خطوة حماره ميل، تُطوى له الأرض منهلاً منهلاً، لا يمرُّ بماء إلَّا غار إلى يوم القيامة، ينادي بأعلى صوته يسمعه ما بين الخافقين من الجنِّ و الإنس والشياطين يقول: إليَّ أوليائي، أنا الذي خَلَقَ فسوَّى وقدَّر فهدى، أنا ربُّكم الأعلى...» إلى آخر الرواية(١٧٣)، ولا أستطيع الوقوف عندها طويلاً.
رواياتنا بشكلٍ عامٍّ ليست بعيدة عن أنَّ الدجَّال ليس شخصاً وإنَّما هو ظاهرة الدجل والكذب والانحراف العميق عن الأصالة الإسلاميَّة.
ما هي الوظيفة الشرعيَّة؟
نرجع إلى ما ذكرناه أنَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) ينطلق من الوظيفة الشرعيَّة، مثل الإمام الحسين (عليه السلام) انطلق من الوظيفة الشرعيَّة، هو مكَّلف، هو عبد لله تبارك وتعالى.
الوظيفة الشرعيَّة تتلخَّص في إقامة الإصلاح والنهي عن المنكر والأمر بالمعروف، كما شرحنا لكم في المحاضرة الأُولى، هذا تكليف ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (آل عمران: ١٠٤).
الإمام المنتظر (عليه السلام) ينطلق من هذا المنطلق، لكن الإمام المعصوم هو يُشخِّص التكليف، ولهذا فإنَّ بعض رواياتنا تقول: «هلك المستعجلون»(١٧٤)، يعني هؤلاء يريدون أنْ يُشخِّصوا التكليف للإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، هو يظهر ليس حسب ما أنت تريد، ليس أنت الذي تُشخِّص التكليف للمعصوم، المعصوم هو يُشخِّص التكليف.
لماذا الإمام زين العابدين (عليه السلام) لم يواصل الثورة؟
ولماذا الإمام الباقر (عليه السلام) لم يثر؟
ولماذا الإمام الصادق (عليه السلام) لم يثر؟
كان في ذلك الزمان بعض الناس يشكلون على الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) أنَّهم خلدوا إلى الدعة والراحة، مثل الآن في زماننا يشكلون على المراجع أنَّ هؤلاء مراجع قاعدون ساكتون وما شاكل ذلك، عجباً تكليف المرجع أنا أُحدِّده أو هو الذي يُحدِّده وفق فهمه واجتهاده الفقهي؟
المعصوم هو يُشخِّص الموقف أنَّ اليوم هو يوم ثورة أو ليس كذلك، اليوم انتخابات أو ليس اليوم، اليوم مصالحة أو ليس مصالحة، وما شاكل ذلك، هذا هو فهمنا لحركة الأنبياء وحركة الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام).
المعصوم هو الذي يُشخِّص التكليف، وبانتظار ما نُسمّيه: الشروط الموضوعيَّة.
لا بدَّ أنْ تتوفَّر الشروط في الواقع الخارجي التي تساعد على ظهور الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وتُشجِّع على هذا التحرُّك.
الإمام الحسين (عليه السلام) أيضاً كذلك، إنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) متى ثار؟
عشر سنوات عاشها الإمام الحسين (عليه السلام) في ظلِّ حكومة معاوية ولم يثر، ولـمَّا هلك معاوية استحدثت ظروف موضوعيَّة جديدة دعت الحسين (عليه السلام) للقيام بثورة.
إذن هل يمكن لأحد أنْ يعترض ويقول: عجباً الإمام الحسين (عليه السلام) عشر سنوات لماذا لم يثر؟
الجواب: أنَّ الإمام (عليه السلام) هو الذي يُشخِّص الشروط الموضوعيَّة، هل الآن الظرف يستحقُّ الثورة أو يستحقُّ الصبر والانتظار؟
الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) كذلك هو يُشخِّص توفُّر الظروف الموضوعيَّة للثورة أو عدم توفُّرها.
علامات الظهور وشروط الظهور:
هنا سوف نصل لمحور جديد في البحث، وهو محور لطيف بالنسبة لكم، إنَّ هناك علامات وهناك شروط.
التراث التاريخي يذكر لنا مجموعة علامات، وبعض الناس يبحث عن هذه العلامات، بينما أيُّها الإخوة يوجد فرق بين ما هي العلامات، وبين ما هي الشروط.
أنا أذكر لكم بعض العلامات التاريخية التي جاءت بها تنبُّؤات صحيحة أو غير صحيحة، دقيقة أو غير دقيقة، لكن فيها فرق بين ما هو شرط وبين ما هو علامات.
أذكر لكم بعض العلامات، أشرنا إلى بعضها فيما مضى:
١ - الخسف:
من جملة علامات ظهور الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، خسف في المشرق، وخسف في المغرب، يعني زلزال عظيم في غرب الأرض، وزلزال عظيم في شرق الأرض(١٧٥).
يمكن أنْ ينطبق هذا على الزلازل الكثيرة التي أصابت الشرق والغرب، ويمكن أنَّه لم يتحقَّق بعد، وربَّما سوف تشهد البشريَّة زلزالاً عملاقاً لا مثيل له في الغرب والشرق.
هذه واحدة من العلامات، لكن هذا ليس شرطاً لخروج الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، بمعنى أنَّه لا يوجد بينه وبين ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) علاقة اجتماعيَّة وسياسيَّة، وإنَّما هي تقارنات تاريخيَّة مجرَّدة.
٢ - الموت الأحمر والموت الأبيض:
من جملة العلامات موت أحمر وموت أبيض، طبعاً لا يوجد موت أحمر أو موت أبيض، نحن نعلم أنَّ الموت واحد، ولكن يمكن أنْ يكون الموت الأحمر إشارة إلى حروب واسعة ودمويَّة، والموت الأبيض إشارة إلى أمراض فتَّاكة تصيب البشريَّة.
الرواية تقول: «حتَّى يذهب ثلثا الناس»(١٧٦)، يعني إذا كان تعداد البشريَّة ستَّة مليارات مثلاً فإنَّه يموت أربعة مليارات عبر موت أحمر وموت أبيض. الآن من حقِّ الباحثين أنْ يُفكِّروا هل هي الحرب العالميَّة الأُولى، أم الحرب العالميَّة الثانية، أم حرب عالميَّة ثالثة؟
هذه كلُّها في الحقيقة لا تُسمن ولا تُغني من جوع، هذه العلامات يمكن أنْ تُطبَّق على الحرب العالميَّة الأُولى أو الثانية أو الثالثة، ويمكن أنْ ننتظر تطبيقات أُخرى لها، المهمُّ لنا أنْ نُوفِّر الشروط لحركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
الموت الأبيض يمكن أنْ يُفسَّر بمرض السرطان كما تُفسِّره بعض الروايات أو مرض الطاعون(١٧٧)، ويمكن أنْ يُفسَّر بآراء أُخرى، ممكن - لا سمح الله تعالى - لو أنَّ مرض الإيدز فتك بالعالم فإنَّ مليارات سوف يموتون في فترة وجيزة، الآن يوجد في العالم عشرون مليون مصاباً بمرض الإيدز، ربَّما هذا هو الذي يُفسَّر بالموت الأبيض، لو أنَّ هذا الوباء انتقل إلى الشعوب بانتقال سريع نتيجة الإباحيَّة في الحضارة الحديثة، فإنَّه بدل عشرين مليوناً سيُصاب ملياران بالإيدز وينتشر سريعاً، وهو ما يزال غير قابل للسيطرة عليه بسهولة.
ممكن أنْ يكون الموت الأبيض إشارة إلى هذا المرض.
رحم الله السيِّد شهيد المحراب السيِّد الحكيم (قدّس سرّه)، كان يقول: إنَّ هذا المرض (مرض الإيدز) هو مرض حضاري، وهو عقوبة للبشر الذي انحرف عن القانون الطبيعي، الله سبحانه وتعالى يعاقبهم بهذا المرض، ولا يعلمون ما هو مرض الإيدز؟ وكيف يعالجونه؟ المشكلة أنَّهم يخالفون القانون الطبيعي الذي ثبَّته الله للبشريَّة في الحياة.
٣ - سقوط العراق:
سقوط العراق بيد الأتراك، هذا من العلامات، يعني هل المقصود سيطرة الدولة العثمانيَّة على العراق؟ هذا ممكن، وممكن أنْ يكون إشارة إلى سقوط آخر للعراق بيد الأتراك.
الروايات تقول: إنَّ الأتراك يسيطرون على العراق(١٧٨)، وبالفعل هم سيطروا مئات السنين على العراق حين كان تحت الحكومة العثمانيَّة التركيَّة، هل المقصود هذا؟
الروايات تقول: إنَّ هذه الأُمور لا بدَّ أنْ تحدث، إذا لم تحدث فلا تستعجلوا في ظهور صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه).
٤ - فتح فلسطين:
فتح فلسطين، يومئذٍ فلسطين لم تكن محرَّرة، كانت بيد النصارى، فلسطين تحرَّرت في زمن عمر بن الخطَّاب، هل المقصود بفتح فلسطين الذي هو من علامات ظهور الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هو ذاك الفتح، أو المقصود فتح ثانٍ، لأنَّ فلسطين الآن أيضاً محتلَّة، فسوف ننتظر فتحاً ثانياً؟
٥ - انكشاف الفرات:
من جملة العلامات أنْ «يحسر الفرات عن جبل من ذهب»(١٧٩)، إذا أردنا أنْ نتعامل مع هذا النصِّ تعاملاً حرفيًّا، يعني أنَّ جبلاً يخرج من عمق الفرات، وهذا الأمر ليس من السهل تصوُّره، لأنَّ مساحة عرض النهر لا تتَّسع لأنْ يبرز منها جبل، فالجبل امتداده العرضي أكبر من ذلك، ما هي قيمة هذا العرض عرض (٢٠٠) أو (٣٠٠) متراً حتَّى ينكشف الفرات عن جبل من ذهب؟
ولهذا قد يرى بعض الباحثين أنَّه يمكن أنْ يكون المقصود هو اكتشاف منابع البترول في العراق، هذا هو الذهب الأسود، انكشاف الفرات يعني نهاية الفرات، لـمَّا التقى الفرات ودجلة وصار خليجاً ظهرت بحيرات النفط في تلك المنطقة من جنوب العراق، وهذا هو الذهب الأبيض.
الروايات تُعبِّر عنه بجبل من ذهب، يمكن أنْ يكون هذا إشارة لذلك، والله أعلم بما هو المقصود منها، ومهما يكن فإنَّها تبقى تنبُّؤات في الحقيقة، وهذه علامات.
٦ - طلوع الشمس من المغرب (١٨٠):
من جملة هذه العلامات طلوع الشمس من المغرب.
ما هو المقصود من ذلك؟
هل المقصود من طلوع الشمس من المغرب يعني أنَّ هناك تحوُّلاً في عالم سير الأفلاك؟
أو المقصود بطلوع الشمس من المغرب الإشارة إلى أنَّ الدنيا تكون في غاية الاضطراب السياسي كما نحن نُعبِّر في زماننا بنحو الكناية فنقول: (أنت ترى نجوم الظهر) وليس المقصود من نجوم الظهر يعني أنَّ النجوم تخرج ظهراً، وإنَّما نقصد حدوث تحوُّلات وإزعاجات وشدائد بحيث تجعل الظهر عندك ليلاًً، وهكذا حينما نقول (تدور الدنيا) أو (تنقلب السماء) أو (يدور الفلك) فإنَّ المقصود بكلِّ ذلك الكناية عن تحوُّلات كبرى مهمَّة في عالم دنيا الإنسان وليس عالم الأفلاك.
ربَّما يكون هذا هو المقصود بطلوع الشمس من مغربها.
٧ - زوال الجبال:
رواية تقول: «لا يظهر قائمنا حتَّى تزول الجبال»(١٨١)، وليس المقصود أنَّ الجبال تزول بالمعنى الحقيقي بحيث لا تبقى جبال على الكرة الأرضيَّة، بل المقصود أنْ تكون درجة المعاناة بمستوى أنَّ الجبال تنهار، كلُّ هذا ممكن في تفسير مثل هذه النصوص.
٨ - تقارب الزمان:
تقارب الزمان هو أحد العلامات التي تذكرها الروايات(١٨٢)، وهو كما تلاحظون في عصرنا هذا من سرعة الأيَّام والشهور والسنين.
هذه الروايات تُعبِّر عن هذا الواقع بعبارة تقارب الزمان.
٩ - ظهور يأجوج ومأجوج وعودة ذي القرنين:
أئمَّة السُّنَّة يتحدَّثون عن هذه العلامة، وهي موجودة في مصادرنا أيضاً(١٨٣).
ومهما يكون فإنَّ هذه كلَّها تبقى في إطار العلامات، هذا أو هذا بالنسبة لنا لا يُشخِّص التكليف، نحن نمرُّ عليها مرور الكرام.
نحن في منهجيَّة التعامل مع قضيَّة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) نرفض منهجيَّة البحث عن العلامات، والتي يتحدَّث بعضها عن حدوث سبعة جسور في بغداد، سواء صار في بغداد سبعة جسور أو لم يصر، نحن كنَّا نسمع منذ الصغر متى ما صار سبعة جسور في بغداد فسوف يخرج صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)، ربَّما يصبح عشرون جسراً، فما هي علاقة ذلك بخروج صاحب العصر (عجَّل الله فرجه)؟
وهكذا اتِّصال النجف بالكوفة مثلاً، هي علامات ربَّما تكون صحيحة بالفعل، النجف وكربلاء تتَّصل، والنجف وبغداد تتَّصل، والعالم كلُّه سوف يتَّصل بعضه مع البعض الآخر.
العمل على توفير الشروط:
المنهجيَّة الصحيحة أنْ نبحث عن شروط الظهور، وما هي مسؤوليَّتنا تجاه حركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
المسؤوليَّة هي الانتظار والثبات والعمل بالتكليف الشرعي، ولهذا فإنَّ علماءنا تجدهم ينطلقون من التكليف الشرعي، ويعملون حسب التكليف الشرعي.
مسؤوليَّتنا مع الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هي الثبات والانتظار والدعاء له بالفرج والعمل بالتكليف الشرعي، وأنا أختم هذه الأفكار بقراءة مجموعة من الروايات النافعة لكم إنْ شاء الله تعالى.
الرواية تقول عن الإمام الباقر (عليه السلام): «يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان، إنَّ أدنى ما يكون لهم من الثواب أنْ يناديهم الباري (جلَّ جلاله): «عبادي وإمائي! آمنتم بسرِّي وصدَّقتم بغيبي، فأبشروا بحسن الثواب منِّي، فأنتم عبادي وإمائي حقًّا، منكم أتقبَّل، وعنكم أعفو، ولكم أغفر، وبكم أسقي عبادي الغيث وأدفع عنهم البلاء، ولولاكم لأنزلت عليهم عذابي»(١٨٤).
أمَّا ثواب الانتظار، فقد جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام): «من مات منتظراً لهذا الأمر كان كمن كان مع القائم في فسطاطه...»(١٨٥).
منتظراً يعني صبوراً في المواقف أمام الهزَّات السياسيَّة والفكريَّة، وليس يعني جالساً في البيت، هذا المنتظر في آخر الزمان هو كأنَّه مشارك مع الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) في خيمته وفي جيشه وفي دولته حتَّى إذا كان ذلك قبل الإمام (عجَّل الله فرجه).
نحن الآن وفي مختلف الأزمنة نواجه تحدّيات سياسيَّة وتحدّيات فكريَّة تحتاج إلى ثبات واستقامة.
فائدة الإمام (عجَّل الله فرجه) في الغيبة:
هناك سؤال أنَّه ما هي فائدة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)؟
وهذا السؤال سوف أُؤجِّل الجواب عنه إلى الغد، ولكن أُشير هنا إلى مناقشة فلسفة مطروحة في زماننا، تأثَّر بها بعض المسلمين، وهي الفلسفة أو النظريَّة البرجماتيَّة النفعيَّة، وهي أنْ نتعامل مع القضايا والحقائق على أساس مقدار ما نستفيد منها.
كنت أقرأ لبعض الكُتَّاب المسلمين المتغرِّبين يقول: نحن لا نقبل من الحقائق إلَّا بمقدار ما ينفعنا حاليًّا وفعليًّا، الصلاة إذا كنت أستفيد منها فعلاً فسوف أقبلها، أمَّا أنْ تقول لي سوف تستفيد منها يوم القيامة فهذا لا أقبله، الصوم إذا ثبت بالتجربة أنَّه يفيد فسوف أصوم، أمَّا الصوم الذي لا أستفيد منه سوى العطش وسوء الأخلاق فهذا الصوم لا أُريده.
إنَّ مجموعة كُتَّاب متغرِّبين يدعون إلى الحداثة الإسلاميَّة ويتعاملون مع الإسلام على هذا الشكل، الإيمان بالله إذا كان يُحقِّق لي نفعاً فسوف أُؤمن بالله، أمَّا إذا كان لا يُحقِّق لي نفعاً فإنَّه ليس ضروريًّا. المسيحيُّون طرحوا هذه النظريَّة، يعني هذه هي نظريَّات الفكر الغربي، ولكن مع الأسف تمتدُّ لنا بلغة الحداثة والتجديد، يقولون: يجب أنْ نتعامل مع الحقائق الدِّينيَّة على أساس ما تُحقِّق من منفعة فعليَّة نُدركها ونرفض حالة التعبُّد، الصلاة إذا جعلتك هادئاً نفسيًّا واستفدت منها فصلِّ، وإذا لم تفدك فلا تُصَلِّ.
ما معنى «الصوم جُنَّة من النار»(١٨٦)؟ أنا أُريد صوماً ينفعني في الدنيا، ولا أُريده يفيد في الآخرة.
هذا هو ما يُسمَّى بـ(الحداثة المعاصرة) وفق القراءة الغربيَّة لها، وسوف نتناول هذا السؤال، وهو: ما هي فائدة صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه)؟
وربَّما يذكر علماؤنا فوائد، لكن نحن لسنا مضطرِّين للخضوع أمام هذه الفلسفة البرجماتيَّة في التعامل مع الحقائق، فنحن لا نتعامل مع الحقائق على أساس ما تُقدِّمه من منافع دنيويَّة.
في هذه المحاضرة أُحدِّثكم عن قضيَّتين صغيرتين واحدة عن العلَّامة الحلّي (رحمه الله)، والأُخرى عن المقدَّس الأردبيلي (رحمه الله)، والاثنان مدفونان في حرم أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف الأشرف.
قصَّة العلامة الحلّي (رحمه الله):
العلَّامة الحلّي (رحمه الله) تذكر الرواية في الإشارة إلى ألطاف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ووجود المنفعة فيه حتَّى وهو في الغيبة.
الرواية تقول: إنَّ العلَّامة الحلّي (رحمه الله) خرج من الحلَّة إلى كربلاء للزيارة، وعلى القاعدة يومئذٍ يركب حماراً وبيده أيضاً سوط، وفي طريق النجف وإذا به يلتقي برجل أعرابي واقف على الطريق، فأردفه خلفه على الدابَّة، وسارا معاً في الطريق، ويبدو أنَّ هذا الأعرابي كان فاهماً فقيهاً، وأصبح العلَّامة الحلّي (رحمه الله) في الطريق يتبادل معه الحديث، وإذا بهذا الشخص العربي مطَّلع على الأسرار الفقهيَّة، حتَّى وصلوا إلى مسألة من المسائل قال العلَّامة الحلي (رحمه الله): أنا أرى في هذه المسألة كذا، قال الشخص العربي: أنت على خطأ.
قال العلَّامة: أنا في الحقيقة لم أجد دليلاً على الرأي الآخر.
قال الأعرابي: الدليل موجود، والرواية موجودة في كتاب تهذيب الشيخ الطوسي، ارجع للصفحة الفلانيَّة والموقع الفلاني من كتاب الشيخ الطوسي ستجد هذه الرواية، وهنا تفاجأ العلَّامة الحلّي (رحمه الله) كيف أنَّ هذا الأعرابي فقيه بدرجة عالية حتَّى هو يعرف كتاب التهذيب والروايات التي فيه بشكل دقيق وتفصيلي.
الرواية تقول: إنَّ العلَّامة الحلي أصبح يُفكِّر في نفسه من أين لهذا الأعرابي مثل هذه المعلومات؟ هذا فقيه بل هو أفقه منه، هل يمكن أنْ يكون هو صاحب الزمان؟ هل يمكن اللقاء بصاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه)؟
بينما هو يتحدَّث مع نفسه وفي حالة حيرة، وإذا قد سقط السوط من يده، وقبل أنْ ينزل نزل هذا الرجل الأعرابي وأخذ السوط وأعطاه بيده وقال: كيف لا يمكن رؤية القائم وكفُّه في كفِّك الآن؟
الرواية تقول: إنَّ العلَّامة الحلّي (رحمه الله) أُغمي عليه، ولـمَّا أفاق من الإغماء لم يرَ ذلك الإنسان(١٨٧).
قصَّة المقدَّس الأردبيلي (رحمه الله):
المقدَّس الأردبيلي (رحمه الله) له وقائع مماثلة، الرواية تقول: عن شخص اسمه أمير علَّام يقول: كنت في بعض الليالي في صحن الروضة المقدَّسة بالغريِّ (على مشرِّفها السلام) وقد ذهب كثير من الليل، فبينا أنا أجول فيها، إذ رأيت شخصاً مقبلاً نحو الروضة المقدَّسة، فأقبلت إليه، فلمَّا قربت منه عرفت أنَّه أُستاذنا الفاضل العالم التقي الذكي مولانا أحمد الأردبيلي (قدَّس الله روحه)، فأخفيت نفسي عنه، حتَّى أتى الباب، وكان مغلقاً، فانفتح له عند وصوله إليه، ودخل الروضة، فسمعته يُكلِّم كأنَّه يناجي أحداً، ثمّ خرج، وأُغلق الباب، فمشيت خلفه حتَّى خرج من الغري وتوجَّه نحو مسجد الكوفة. فكنت خلفه بحيث لا يراني حتَّى دخل المسجد وصار إلى المحراب الذي استشهد أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) عنده، ومكث طويلاً، ثمّ رجع وخرج من المسجد وأقبل نحو الغري. فكنت خلفه حتَّى قرب من الحنَّانة، فأخذني سعال لم أقدر على دفعه، فالتفت إليَّ فعرفني، وقال: أنت أمير علَّام؟ قلت: نعم، قال: ما تصنع هاهنا؟ قلت: كنت معك حيث دخلت الروضة المقدَّسة إلى الآن، وأُقسم عليك بحقِّ صاحب القبر أنْ تُخبرني بما جرى عليك في تلك الليلة، من البداية إلى النهاية. فقال: أُخبرك على أنْ لا تُخبر به أحداً ما دمت حيًّا، فلمَّا توثَّق ذلك منِّي قال: كنت أُفكِّر في بعض المسائل وقد أُغلقت عليَّ، فوقع في قلبي أنْ آتي أمير المؤمنين (عليه السلام) وأسأله عن ذلك، فلمَّا وصلت إلى الباب فُتِحَ لي بغير مفتاح كما رأيت، فدخلت الروضة وابتهلت إلى الله تعالى في أنْ يُجيبني مولاي عن ذلك، فسمعت صوتاً من القبر: أنْ ائت مسجد الكوفة وسَلْ عن القائم (عليه السلام) فإنَّه إمام زمانك، فأتيت عند المحراب، وسألته عنها وأُجبت، وها أنا أرجع إلى بيتي(١٨٨).
هذه في الحقيقة إضاءات ذكرناها ليس على سبيل الاستدلال بها، بل على سبيل الإشارة إلى عشرات من أمثال هذه القَصص التي تُروى، وهي تُعبِّر بشكل وآخر عن حقيقة التلاقي مع الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) وأنماط العلاقة معه، بقطع النظر عن مدى الدقَّة في هذه القَصص أو في تفاصيلها.
نختم مجلسنا بهذا المقدار ونُؤجِّل محاور أُخرى في عناصر التمايز والاشتراك بين حركة الإمام الحسين (عليه السلام) وحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
شخصيَّة العبَّاس (عليه السلام):
في هذه المحاضرة أيضاً نتناول شخصيَّة العبَّاس (عليه السلام) مرَّة أُخرى.
إمامنا الحسين (عليه السلام) في ثلاث مرَّات بكى لأخيه العبَّاس (عليه السلام):
البكاء الأوَّل لـمَّا جاء أبو الفضل يستأذن من الحسين (عليه السلام)، الرواية تقول: إنَّ الحسين (عليه السلام) اغرورقت عيناه بالدموع وهو يأذن لقمر العشيرة قمر بني هاشم.
البكاء الثاني أشد من البكاء الأوَّل، وذلك عندما جلس الإمام الحسين (عليه السلام) عند رأس أخيه العبَّاس(عليه السلام) وهو صريع على نهر العلقمي.
الرواية تقول: إنَّ الحسين (عليه السلام) لـمَّا سمع النداء من العبَّاس (عليه السلام) أقبل إليه وجلس عنده، وكان العبَّاس (عليه السلام) مغمى عليه، لكن الحسين (عليه السلام) سقطت دموعه على وجه العبَّاس (عليه السلام)، فلم يدرِ العبَّاس (عليه السلام) من هو هذا الرجل عنده، لأنَّ العبَّاس (عليه السلام) كانت عين من عيونه قد أطفأها السهم، والعين الثانية كان نزيف الدم قد نزل عليها، فأصبح العبَّاس (عليه السلام) لا عينين له فيبصر بهما، والآن يوجد رجل جالس عنده، الرواية تقول: إنَّ العبَّاس (عليه السلام) قال له: بالله عليك لا تقتلني حتَّى يأتي أخي الحسين أُودِّعه ويُودِّعني.
قال: «أخي أبا الفضل أنا أخوك الحسين».
البكاء الثالث أشدّ من الحالتين السابقتين، وذلك حين رجع الحسين (عليه السلام) للخيام وليس معه العبَّاس (عليه السلام)، الرواية تقول: هذه المرَّة الحسين وقف خلف الخيام، يعني لا يستطيع أنْ يدخل للخيمة، فماذا يقول للنساء، أين العبَّاس؟
أخذ الحسين (عليه السلام) يُكفكف الدموع بكُمِّه وهو خلف الخيام منادياً: «يا زينب يا أُمَّ كلثوم»، خرجت النساء، خرجت سكينة، قالت: أين عمِّي العبَّاس؟ خرجت زينب مناديةً: وا ضيعتنا بعدك أبا الفضل.
المؤرِّخون يقولون: إنَّ الحسين (عليه السلام) أيضاً قال: «وا ضيعتنا بعدك يا أبا الفضل»، يعني الحسين (عليه السلام) أيضاً بعدك ضائع(١٨٩).

* * *
المحاضرة الثامنة: الأدوات الإعجازيَّة في حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

(٨/ محرَّم الحرام/ ١٤٢٦هـ)

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:
٧١ - ما هي الأدوات الإعجازيَّة التي يستخدمها الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)؟
٧٢ - ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) وغيبته وطول عمره هل كان إعجازيًّا؟
٧٣ - ما هو قانون الاستخدام الإعجازي في القرآن الكريم؟
٧٤ - في إمام العصر (عجَّل الله فرجه) خمسة من سُنَن الأنبياء (عليهم السلام) ما هي؟
٧٥ - ماذا يقول العلماء عن زواج الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)؟
٧٦ - الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هل لديه أولاد؟
٧٧ - قصَّة الجزيرة الخضراء هل هي خرافة؟
٧٨ - هل يمكن أنْ نُقدِّم قراءة أُخرى للأدوات الإعجازيَّة التي يستخدمها الإمام (عجَّل الله فرجه)؟
٧٩ - كيف يفتح الإمام (عجَّل الله فرجه) بلاد الروم؟ وبأيَّة أدوات؟
٨٠ - مثلَّث برمودا هل هو حقيقة؟
ما زال الحديث عن عناصر الاشتراك والتمايز بين حركة الإمام الحسين (عليه السلام) وحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ومحور حديثنا في هذه المحاضرة هو مدى استخدام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) للأدوات الإعجازيَّة.
هناك أدوات طبيعيَّة في التحرُّك، مثل: التبليغ الموعظة المناورة السياسيَّة القتال العسكري الإعلام المنشورات الكُتُب إرسال الوكلاء والمبلِّغين هذه نُسمّيها أدوات طبيعيَّة في التحرُّك الثقافي والإعلامي والسياسي لكن هناك أدوات نُسمّيها أدوات إعجازيَّة غير مألوفة عند الناس، مثلاً: الملائكة هذه أدوات غير طبيعيَّة.
عجباً! الإمام صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) كم سيستخدم من الأدوات الإعجازيَّة؟ لنُسمّي ذلك الاستخدام الإعجازي في مقابل الاستخدام الطبيعي الإمام الحسين (عليه السلام) لاحظنا أنَّه لم يستخدم الأدوات الإعجازيَّة.
يعني حركة الحسين (عليه السلام) من المدينة إلى مكَّة ثمّ إلى العراق كانت عبارة عن خطبة وموعظة ومناورة سياسيَّة مع والي المدينة وإرسال كُتُب ورسائل ووفد إلى أهل الكوفة ورسائل إلى رؤساء المعسكرات في البصرة ثمّ مناورة سياسيَّة مع الحرِّ ثمّ معركة مباشرة يوم عاشوراء من محرَّم الحرام كلُّها أدوات طبيعيَّة.
توجد رواية لدينا أنَّ أربعة آلاف من الملائكة استأذنوا من الله تبارك وتعالى في الهبوط إلى الأرض لنصرة الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء فلم يؤذن لهم ثمّ أُذِنَ لهم فنزلوا إلى الأرض وقد قتل الحسين (عليه السلام)(١٩٠) هذه القصَّة تريد أنْ تقول: إنَّ الأدوات الإعجازيَّة غير موجودة في حركة الحسين (عليه السلام)، وإنَّما هي أدوات طبيعيَّة.
السؤال: إنَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هل سيستخدم أدوات إعجازيَّة؟ وبهذا تصبح نقطة تمايز بين الحركتين؟
الاستخدام الإعجازي لدى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
لا شكَّ أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يستخدم أدوات إعجازيَّة وليس مجرَّد أدوات طبيعيَّة، وبناءً على هذه النظريَّة يمكن أنْ يذهب بعض الباحثين في الاتِّجاه التقليدي لدراسة حركة الإمام المنتظر إلى أنَّه (عجَّل الله فرجه) سوف يستخدم أدوات إعجازيَّة يعني ينتصر بالاستخدام الإعجازي لا بالاستخدام الطبيعي إنَّه بغير الاستخدام الإعجازي لا يمكن أنْ ينتصر إمام الزمان مع تكالب الدنيا عليه والتقدُّم العسكري والتكنولوجي لدى الأعداء ومع الإعلام والفضائيَّات وغسل الدماغ والأموال والمليارات لا يستطيع أنْ ينتصر صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) على الوضع لا بدَّ من استخدام إعجازي هكذا يتصوَّر بعض الباحثين في القراءة الأُولى للروايات. الروايات حينما تقرأها هكذا تقول، يعني إنَّها قريبة لهذا الفهم.
نعم إنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً يُطبِّق حكم الإسلام على الخافقين يصل للروم والصين وقسطنطينيَّة وأرمينيَّة وما شاكل ذلك، هذا بالأدوات الإعجازيَّة.
نماذج من الأدوات الإعجازيَّة:
مثلاً رواية قرأناها لكم تقول: إنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يدخل العراق بسبع قباب من نور لا يُدرى في أيِّها هو(١٩١)، هذا استخدام إعجازي.
رواية أُخرى تقول: إنَّه (عجَّل الله فرجه) حينما يبعث ولاة وقضاة ووكلاء، كلًّا منهم عندما يعجز عن مسألة لا يحتاج مراجعة بريديَّة ولا اتِّصالاً تلفونيًّا، وإنَّما يقال له: «اقرأ جوابك في كفِّك»(١٩٢)، يعني وكيل صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) في مصر أو المغرب أو واشنطن إذا قُطِّعت الاتِّصالات السلكيَّة واللَّاسلكيَّة وتعطَّلت نتيجة القصف التكنولوجي مثلاً فإنَّ صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) لا يحتاج إلى اتِّصالات لا إلى سلكيَّة ولا إلى لاسلكيَّة إنَّ أعظم تقدُّم تكنولوجي لا يمكن أنْ يضرب هذا الاستخدام الإعجازي.
رواية ثالثة تقول: إنَّ شيعته يسمعون صوته ويشاهدونه في أقصى الغرب كانوا أو أقصى الشرق(١٩٣)، جماعته يسمعون صوته ويشاهدونه رغم أنَّ بينهم فواصل مئات أو آلاف الكيلومترات.
رواية رابعة تقول: إنَّه يلتحق به في أوَّل ساعات ندائه وصيحته أصحابه الثلاثمائة والثلاثة عشر ثمّ البقية العشرة آلاف يتوافدون إليه، الآن هؤلاء كيف يلتحقون به هؤلاء خلال أربع وعشرين ساعة لا بدَّ أنْ يكونوا موجودين في مكَّة هذه الأُمور لا يمكن أنْ تتحقَّق خلال أربع وعشرين ساعة إلَّا عبر عمليَّة إعجازيَّة.
فما هو الموقف؟ في الفهم التقليدي لها أنَّ العمليَّة ستتمُّ عبر استخدام إعجازي الروايات تقول: إنَّ بعضهم يأتي على السحاب.
أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول في رواية: «هم المفقودون في فراشهم»، يعني نصف الليل هو نائم في فراشه وإذا به في الصباح غير موجود(١٩٤).
إذن هذا طيٌّ للأرض خلال أربع وعشرين ساعة يسمعون خبره في مكَّة المكرَّمة هذا عمل في مظهره الأوَّل عمل إعجازي.
من جملة الاستخدام الإعجازي الغمامة التي تنادي: هذا هو المهدي، هذا خليفة الله(١٩٥)، هذا استخدام إعجازي.
وأيضاً الصيحة السماويَّة، بعض الروايات تقول: ذاك صوت جبرائيل ينادي: الحقُّ مع عليٍّ وشيعته(١٩٦).
على هذا الأساس هل هكذا نقرأ المسألة، أو يمكن أنْ نقرأ هذه الأُمور باعتبارها جزءاً من التقدُّم التقني العالي جدًّا كما سيحدث في آخر الزمان؟ يعني إنَّ المسألة هي مسألة استخدام طبيعي وليست استخداماً إعجازيًّا.
الروايات هكذا تقول: تُطوى له ولأصحابه الأرض(١٩٧) يرفع الله له كلَّ منخفض من الأرض ويُخفض له كلَّ مرتفع، يعني يرفع الله تعالى له الأودية بحيث يبصر ذلك الوادي يعني يكون مسحاً جوّيًّا كاملاً على البقاع التي يريد السيطرة عليها أنتم تشاهدون في الحروب استطلاعاً جوّيًّا أحياناً تخرج الطائرات بدون طيَّار طائرات تجسس الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هل سيستخدم هذه الطائرات للتجسُّس أم أنَّ هناك أدوات إعجازيَّة أُخرى؟
الروايات تقول: كلُّ الجبال تنخفض بحيث يرى ما وراءها وكلُّ الوديان ترتفع له إذن لا يحتاج إلى تجسُّس جوّي وإنَّما كلُّ الأرض مبسوطة بين يديه «رفع الله تبارك وتعالى كلَّ منخفض من الأرض، وخفض له كلَّ مرتفع منها حتَّى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته فأيُّكم لو كانت في راحته شعرة لم يُبصِرها»(١٩٨)، «لا يكون بينهم وبين القائم بريد، يُكلِّمهم فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه»(١٩٩).
هكذا تقول الرواية: «ما كان من سحاب فيه رعد وبرق وصاعقة فصاحبكم يركبه».
كان عندنا في التاريخ أنَّ الله تعالى خيَّر ذا القرنين وقال له: أتريد السحاب الذلول أو السحاب الصعب؟ فاختار السحاب الذلول.
ذو القرنين هو عبد صالح مَلَكَ شرق الأرض وغربها.
الرواية تقول: إنَّ الله تبارك وتعالى سخَّر له السحاب الذلول أمَّا السحاب الصعب الشديد المتلاطم ذو الأعاصير والرعد والبرق فهو في خدمة إمامنا (عليه السلام)، «ما كان من سحاب فيه رعد وبرق وصاعقة فصاحبكم يركبه، أمَا إنَّه سيركب السحاب ويرقى في الأسباب»(٢٠٠).
هذا التصوير في القراءة التقليديَّة الأوَّليَّة له يعني استخداماً إعجازيًّا، وحينئذٍ ستكون هذه أحد نقاط الامتياز بين حركة الإمام الحسين (عليه السلام) وحركة المهدي (عجَّل الله فرجه).
الحسين (عليه السلام) لم يستخدم مثل هذه الأدوات الإعجازيَّة أصلاً حتَّى قُتِلَ عطشاناً، ولو استخدم أدوات إعجازيَّة على الأقلّ كان يمدُّ يده إلى الفرات ويجلب الماء منه هذا الأمر نريد أنْ نقف عنده هنا ما هو قانون الاستخدام الإعجازي؟ متى يستخدم الأنبياء (عليهم السلام) الإعجاز ومتى لا يستخدمونه؟
نحن نرى أنبياء عُذِّبوا وطُرِّدوا وشُرِّدوا أين الاستخدام الإعجازي؟ ونرى الأنبياء (عليهم السلام) رغم كلِّ الظروف الصعبة لكن في لحظات خاصَّة استخدموا الأدوات الإعجازيَّة.
إذن نريد أنْ نقول: إنَّ سيرة الأنبياء (عليهم السلام) تكشف لنا شيئاً كما القرآن يتحدث به، وإنَّ الأنبياء (عليهم السلام) عندهم نوعين من الأدوات: أدوات طبيعيَّة وهم الأنصار والمقاتلون والأموال وما شاكل ذلك، وأدوات إعجازيَّة أيضاً يستخدمونها حينما تستحقُّ الظروف الاستخدام الإعجازي.
الاستخدام الإعجازي لدى الأنبياء (عليهم السلام):
مثلاً عصا موسى (عليه السلام) ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (الأعراف: ١١٧)، الثعابين كلُّها التي صنعها السحرة عصا واحدة ألقاها موسى (عليه السلام) على الأرض لقفتهم كلَّهم هذا استخدام إعجازي عصا من خشب وإذا بها تتحوَّل إلى ثعبان كبير من الدرجة الأُولى ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ جميع الحبال والعصي التي ألقوها وأصبحت ثعابين بجهد السحرة ثمّ مدَّ (عليه السلام) يده مرَّة أُخرى وإذا رجعت بيده عصا.
نفس هذه العصا العجيبة ضرب بها البحر وهو النيل، فارتفعت من هذا النيل الأرض اليابسة وهي ليست طينيَّة بحيث تزلُّ بها أقدام المقاتلين أو أقدام الخيول والماء أصبح جانبين، ﴿كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (الشعراء: ٦٣)، يعني هذه الموجة على اليمين كالجبل، وتلك الموجة الثانية على اليسار كالجبل، لكنَّه أبداً لا يتحرَّك أي أصبح جبلاً من ماء صلب لا يتحرَّك ولا ينزل هذه موجة ارتفاعها عشرات الأمتار لكن هذه الموجة ثابتة هذا استخدام غير طبيعي.
قد يقول قائل: ليست هاهنا مشكلة في أنْ تكون هناك موجات عاتية طول الموجة أو ارتفاعها خمسة عشر متراً مثلاً، هذه الأمواج التي حدثت أخيراً في المحيط الهندي في حادثة تسونامي الأخيرة كان يبلغ ارتفاعها أحياناً عشرة أمتار يعني تُغرِق المدينة كلَّها لكن مع ذلك يُعتَبر الأمر طبيعيًّا، لماذا؟ لأنَّ هذه الموجة نتيجة إعصار أو زلزال، تأتي الموجة وتذهب، فهي غير مستقرَّة، لكن الموجة التي حدثت لموسى (عليه السلام) هي موجة ارتفاعها كذا متر، القرآن يُعبِّر عنها مثل الجبل ﴿كَالطَّوْدِ﴾، لكن هذه الموجة ثابتة لمدَّة نصف ساعة أو ساعة أو أكثر، موجة عملاقة شاهقة لا تتحرَّك عن اليمين واليسار هذا استخدام إعجازي لعصا موسى (عليه السلام).
عيسى (عليه السلام) أيضاً كذلك يُبرئ الأكمه والأبرص ويُحيي الموتى، وهذا استخدام إعجازي.
أيُّوب (عليه السلام) أيضاً في شفائه بعد أربعين سنة من المرض القرآن الكريم يقول: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (ص: ٤٢)، وحين رفس الأرض برجله قليلاً خرجت عين ماء هذا استخدام إعجازي.
إذن الأنبياء (عليهم السلام) عندهم استخدام إعجازي، لكنَّهم لا يستخدمونه دائماً، ولهذا فرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المعارك يحيط به الأعداء أحياناً، وأحياناً تُكسَر أسنانه في المعركة، وأحياناً يُشَجُّ جبينه من رمي الحجارة، إذن أين الاستخدام الإعجازي؟
هذا أمر يحتاج إلى قانون، ما هو قانون الاستخدام الإعجازي في حركة الأنبياء (عليهم السلام) حسب الدلالة القرآنيَّة؟
مثلاً إبراهيم (عليه السلام) أيضاً قام باستخدام إعجازي مع نمرود والنار العاتية التي كان لهبها يُحرِق من بُعد مسافة لـمَّا أُلقي إبراهيم (عليه السلام) أصبحت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.
طوفان نوح (عليه السلام) أيضاً كان استخداماً إعجازيًّا.
داود وسليمان (عليهما السلام) وتسخير الرياح والجبال والطير والجنِّ والشياطين لهما حتَّى إنَّ الشياطين عملوا باعتبارهم أفراداً في الجيش عند النبيِّ سليمان (عليه السلام) هذا استخدام إعجازي ما هو قانونه؟
قانون الاستخدام الإعجازي:
الاستخدام الإعجازي حسب الطرح القرآني لدى الأنبياء (عليهم السلام) يكون في ثلاثة مواضع:
الموضع الأوَّل: الدلالة على التمثيل الإلهي:
لأنَّ هذا النبيَّ يقول: أنا أُمثِّل الله تعالى، وهذه القضيَّة لا يمكن الاستدلال عليها بشهود أو الاستدلال عليها بقصيدة شعريَّة حينما تدَّعي أنَّك مرتبط بالسماء نحن نحتاج إلى دليل على ارتباطك بالسماء وهذا الأمر لا يكون إلاَّ في أمر نعجز عنه أمَّا لو جئتنا بأيِّ شيءٍ آخر ممكن للبشر أنْ يصنعوا مثله فنقول لك: هذا ليس معجزة، وربَّما هذا أمر صنعته بقدراتك البشريَّة. فالدلالة على أصل التمثيل عن الله تعالى يحتاج فيها الأنبياء (عليهم السلام) إلى تقديم معجزة.
الموضع الثاني: عند استنفاد الطاقات في المعركة:
يعني كلَّ الأدوات الطبيعيَّة حينما تنتهي في ذلك الوقت لا ملجأ إلَّا إلى الله تعالى لا بدَّ من استخدام إعجازي.
مثلاً إبراهيم (عليه السلام) لـمَّا وضعوه في المنجنيق ورموه في النار تعطَّلت لديه كلُّ الأدوات الطبيعيَّة، هو يهوي إلى النار، والنار ملتهبة، فما هو الحلُّ؟
وإبراهيم (عليه السلام) مكبَّل، ورموه في الهواء، هنا استنفدت كلُّ الطاقات البشريَّة، فلذا جاء دور الإعجاز وقال الله تبارك وتعالى للنار: ﴿كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (الأنبياء: ٦٩).
وهكذا في قصَّة موسى (عليه السلام) حين يقف على النيل، ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أمامنا البحر ووراءنا فرعون وآلاف مؤلَّفة، ونحن مجموعة قليلة، فما هو الموقف؟ ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: ٦١ و٦٢).
هنا جاء الاستخدام الإعجازي الله تعالى قال: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ (الشعراء: ٦٣)، لـمَّا انتهت قدرة موسى (عليه السلام) وانتهت قوَّاته جاء دور الإعجاز والقدرة الإلهيَّة.
هذا هو الموضع الثاني لاستخدام الأدوات الإعجازيَّة، وهو عند استنفاد الأدوات الطبيعيَّة هنا يأتي دور الأدوات الاحتياطيَّة.
الإنسان متى يستخدم الأدوات الاحتياطيَّة؟ عندما تنتهي الأدوات الطبيعيَّة أمَّا إذا كان لديه أدوات طبيعيَّة فإنَّه لا يستخدم الأدوات الاحتياطيَّة، هذا هو الموضع الثاني.
الموضع الثالث: تكوُّن الشخصيَّة:
في أصل التكوُّن لشخصيَّة ذلك النبيِّ أصل التكوُّن أحياناً يكون من خلال استخدام إعجازي بمشيئة الله تعالى، يعني تكوُّن عيسى (عليه السلام) من غير أب هذا استخدام إعجازي في أصل التكوُّن، لأنَّ شخصيَّة الأنبياء (عليهم السلام) لحِكَمٍ إلهيَّة لا نعلمها تظهر بعمليَّة إعجازيَّة، يعني ليس بعمليَّة طبيعيَّة.
عيسى (عليه السلام) من غير أب، وآدم (عليه السلام) من طين، ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (الحجر: ٢٩)، موسى (عليه السلام) أيضاً في أصل التكوُّن حينما ألقته أُمُّه في البحر أيضاً يوجد إعجاز وإحاطة إلهيَّة القرآن يقول عنه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ (طه: ٣٩)، الله تعالى يقول له: أنا أُريد أنْ أصنعك، هذا نُسمّيه أصل التكوُّن.
يحيى بن زكريَّا (عليهما السلام) كذلك، كان زكريَّا (عليه السلام) عمره تسعين سنة، وزوجته عجوز بما يقارب ذلك العمر، لكنَّ الله تبارك وتعالى يقول: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ (مريم: ٧). وقد نطق يحيى (عليه السلام) وهو في المهد، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: ١٢).
هذا هو الموضع الثالث للاستخدام الإعجازي.
إذن الاستخدام الإعجازي يكون في ثلاثة مواضع:
أوَّلاً: للدلالة على النبوَّة.
ثانياً: عند استنفاد الطاقات الطبيعيَّة.
ثالثاً: في تكوُّن الشخصيَّة.
ما عدا هذه المواضع الثلاثة فإنَّ الأنبياء (عليهم السلام) لا يستخدمون المعجزة وهذا سوف يفتح لكم باب الإجابة على الكثير من الأسئلة والإثارات والشُّبُهات.
إنَّ الأنبياء (عليهم السلام) لماذا لا يستخدمون معاجزهم وقدراتهم الخارقة والملائكة وما شاكل ذلك؟
إنَّ قانون الاستخدام الإعجازي الذي ذكرناه في هذه الموارد الثلاثة يُعطي الإجابة على تلك الأسئلة فقد كان - مثلاً - أحد مواضع الاستخدام الإعجازي هو عند استنفاد الطاقات البشريَّة الطبيعيَّة، أمَّا إذا كان بالإمكان استخدام الأدوات الطبيعيَّة فحينئذٍ لا توجد حاجة إلى إعجاز.
الاستخدام الإعجازي لدى الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه):
والآن نصل إلى إمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه)، فلنرَ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) عنده استخدام إعجازي أم لا؟
وإذا كان عنده ما هو السبب؟
ولماذا باقي الأئمَّة (عليهم السلام) لم يستخدموا الإعجاز؟
في أصل تكوُّن الإمام (عجَّل الله فرجه) هناك استخدام إعجازي وذلك أنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في القصَّة الجميلة المعروفة دعا عمَّته حكيمة: «يا عمَّة اجعلي إفطاركِ [هذه] الليلة عندنا، فإنَّها ليلة النصف من شعبان، فإنَّ الله تبارك وتعالى سيُظهر في هذه الليلة الحجَّة، وهو حجَّته في أرضه».
قالت: عجيب، أنا لا أعرف للإمام العسكري (عليه السلام) زوجة حامل!
حضرتُ وإذا في بيت الإمام أبي محمّد (الحسن العسكري) (عليه السلام) جارية موجودة، والتي هي أُمُّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) واسمها نرجس، وبعض الروايات تقول: اسمها سوسن.
تقول: أنا شككت حيث أنظر لهذه الجارية وليس عليها علامات الحمل، فشككتُ في نفسي إنَّ الإمام المعصوم (عليه السلام) يقول: سيولد لنا مولود، لكن أيّ أثر للحمل لا يوجد، لا في الشهور الماضية ولا هذه الليلة.
تقول: كتمت هذا الشكَّ ولم أفصح عنه حتَّى إذا كان قبيل الفجر قمتُ لصلاة الليل أتفقَّد هذه الجارية، لأنَّني سألتُ الإمام أبا محمّد (عليه السلام): ممَّن يكون هذا المولود؟
قال: من هذه سوسن أو نرجس وكلَّما أتأمَّل فيها أراها ليست حاملاً.
الروايات تقول: «يُصلِح الله له أمره في ليلة»(٢٠١)، ربَّما يعني أنَّ الله تعالى يُصلِح تكوُّن الإمام (عجَّل الله فرجه) في ليلة واحدة في ساعة من ساعات ليلة واحدة.
قالت: فلمَّا كان قبل الفجر أقبلتْ هذه الجارية نرجس ما الخبر؟
قالت: عندي ألم! ما هي إلَّا لحظات وإذا بها تلد إمامنا المنتظر (عجَّل الله فرجه) ساجداً يقرأ قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القَصص: ٥)(٢٠٢).
هذا في الحقيقة استخدام ممكن أنْ نُسمِّيه استخداماً إعجازيًّا أصل التكوُّن إعجازي.
غيبة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) أيضاً حالة إعجازيَّة الغيبة إلى يومنا هذا يبلغ طولها (١١٧١) سنة لأنَّ الإمام المنتظر وُلِدَ في سنة (٢٥٥هـ) ونحن الآن دخلنا في سنة (١٤٢٦هـ)(٢٠٣) هذا العمر الطويل والغياب عن الأنظار مع أنَّه يخالطنا ويشهد مجالسنا، هذا في الحقيقة عمليَّة إعجازيَّة.
البعض هنا مع الأسف نتيجة ضحالة فكريَّة يطرحون أسئلة وشُبُهات حول طول عمر الإمام (عجَّل الله فرجه) كيف يكون؟
إذا كان غائباً فما هي فائدته؟
هذه الإثارات في الحقيقة قد تجاوزناها الآن يعني حتَّى العلم الحديث - وبدون إعجاز - تجاوزها أيضاً لا نحتاج ادِّعاء الإعجاز سوف أشرح قليلاً هذا الموضوع، ثمّ أشرح لكم بعد ذلك الموضوع الإعجازي عند الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
أنواع الإمكان:
لاحظوا إنَّ الإمكان على ثلاثة أنواع:
النوع الأوَّل: الإمكان الفلسفي في مقابله الاستحالة الفلسفيَّة.
النوع الثاني: الإمكان العلمي، في مقابله الاستحالة العلميَّة.
النوع الثالث: الإمكان العرفي في مقابله الاستحالة العرفيَّة.
بشكل سريع أشرح لكم الإمكان الفلسفي وفي مقابله الاستحالة الفلسفيَّة.
الفلاسفة يقولون: من المستحيل اجتماع النقيضين يعني وجود شيء وعدم وجوده في وقت واحد، هذا مستحيل. وكذلك أنْ يصير الجزء أكبر من الكلِّ مثلاً الطابوقة التي هي جزء من الغرفة أنْ تكون هذه الطابوقة أكبر من الغرفة كلِّها في الوقت الذي هي جزء من جدار الغرفة هذا لا يصحُّ هي جزء من هذا الكلِّ.
هذا نُسمِّيه استحالة فلسفيَّة، في مقابلها إمكان فلسفي مثلاً المعاد بعد الموت، فهذا من الناحية الفلسفيَّة ممكن لا محالة فيه.
الفلاسفة لا يجدون مشكلة فلسفيَّة، فليس هناك تناقض ولا تضادّ.
النوع الثاني: الإمكان العلمي، مثل أنْ يكون هناك سُكَّان في القمر أو سُكَّان في المرّيخ هذا علميًّا أمر ممكن لا توجد فيها مشكلة. علميًّا إنَّ البحار والمحيطات في يوم من الأيَّام كلَّها تتبخَّر، هذا علميًّا ممكن. أو تتصلَّب كلُّ البحار والمحيطات وتصبح قطعة ثلج واحدة، هذا أيضاً ممكن من الناحية العلميَّة.
النوع الثالث: الإمكان العرفي، يعني هو فلسفيًّا وعلميًّا ممكن لكنَّه عرفيًّا غير متداول عندنا ولا مألوف مثلاً وجود جبل من ذهب علميًّا ممكن لا توجد مشكلة لكن الحقيقة عرفيًّا لم يحدث لحدِّ الآن مثل هذا الأمر، هذا نُسمِّيه: إمكان عرفي، في مقابله استحالة عرفيَّة.
علماؤنا في مواجهة سؤال أنَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) كيف يكون عمره (١٠٠٠) عاماً أو أكثر أصبحوا يستدلُّون بالقدرة الإلهيَّة المعجزة لكن نحن اليوم هذه الاستدلالات - وإنْ كانت صحيحة - تجاوزناها وعبرناها وأصبحت القضيَّة واضحة، أي لا توجد مشكلة فلسفيَّة ولا علميَّة في طول عمر الإمام (عجَّل الله فرجه) نعم توجد مشكلة عرفيَّة.
صحيح بالعرف لا يوجد إنسان عمره (١٢٠٠) سنة، لكن هذه المشكلة العرفيَّة عندنا نحن الذين نؤمن بالغيب محلولة إنَّ الله تبارك وتعالى لإثبات الإعجاز كما في عمر نوح (عليه السلام) يُعطي عمراً طويلاً لمن يشاء.
إذن لا توجد لدينا مشكلة وعلى كلِّ حالٍ قد يدخل هذا في الاستخدام الإعجازي أصل التكوُّن غيبة الإمام وطول عمره (عجَّل الله فرجه) هذه تدخل في باب الاستخدام الإعجازي.
خمس من سُنَن الأنبياء (عليهم السلام):
توجد لدينا رواية جميلة تقول: «في القائم منَّا سُنَن من الأنبياء»، يعني الإمام المنتظر (عليه السلام) عنده أربع خصال من خصال الأنبياء (عليهم السلام) بعض الروايات تذكر خمس خصال خمس سُنَن:
أخذ من نوح (عليه السلام) العمر الطويل.
وأخذ من عيسى (عليه السلام) اختلاف الناس فيه مثلما عيسى (عليه السلام) الناس فيه مختلفون بعض الناس يقولون: صلبوه وبعضهم يقول: قتلوه وبعضهم يقول: رُفِعَ للسماء ولحدِّ الآن البشريَّة مختلفة الاختلاف أيضاً موجود في إمام العصر (عجَّل الله فرجه)، أحدهم يقول: الإمام العسكري (عليه السلام) ليس له مولود وآخر يقول: لا يمكن أنْ يكون عمره بهذا الشكل وآخر يقول: يمكن أنْ يكون ولهذا الروايات تقول: من أصعب الأُمور التي سوف تواجهونها عندما ترون إمامكم هو شابٌّ بعمر الأربعين بينما هو قد زاد عمره الواقعي على مئات السنين وإلى ما شاء الله تعالى لكن عندما يظهر يظهر بعمر شابٍّ في الأربعين، ولهذا الناس يقولون: كيف يكون هذا(٢٠٤)؟
وفيه سُنَّة من موسى (عليه السلام) حينما غاب عن قومه أربعين ليلة، كما أنَّ له سنَّة من يوسف الصدِّيق (عليه السلام)، ومن جدِّه محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٢٠٥).
زواج الإمام (عجَّل الله فرجه):
هناك سؤال: إنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) خلال هذا العمر الطويل هل هو متزوِّج أم غير متزوِّج؟ هل عنده أولاد أم لا؟
هذا من حقِّكم أنْ تسألوا عنه علماؤنا أيضاً بحثوا هذه المسائل لكن هذا البحث ممكن أنْ نجعله في باب الترف الفكري يعني هذه القضايا نحن غير مكلَّفين بها هل هو متزوِّج؟ وهل له أولاد؟ هذه القضيَّة خارج تكليفنا، ومع ذلك فإنَّ علماءنا بحثوها.
وقدَّم بعض العلماء(٢٠٦) عدَّة أدلَّة على أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) متزوِّج وله أولاد:
الدليل الأوَّل: أنَّ الزواج سُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هل يمكن أنَّ ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يترك هذه السُنَّة والنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «من رغب عن سُنَّتي فليس منِّي»(٢٠٧)، إنَّ الزواج سُنَّة الإسلام، وهذا إمام الإسلام كيف يبتعد عن السُّنَّة؟!
الدليل الثاني: عندنا أدعية كثيرة فيها ما يُشير إلى وجود ذرّيَّة له (عجَّل الله فرجه).
مثل: «اللَّهُمَّ أَعْطِهِ فِي نَفْسِهِ وَذُرِّيَّتِهِ وَشِيعَتِهِ وَرَعِيَّتِهِ وَخاصَّتِهِ وَعامَّتِهِ وَعَدُوِّهِ وَجَمِيعَ أَهْلِ الدُّنْيا مَا تُقِرُّ بِهِ عَيْنَهُ...»(٢٠٨) هذه مجموعة فقرات من الأدعية فيها ما يدلُّ على أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) عنده أولاد وذرّيَّة وعنده زوجة.
بعض الشواهد تذكر قصَّة الجزيرة الخضراء التي ذكرتها لكم سابقاً(٢٠٩)، والتي تقول: إنَّ شخصاً سافر من الشام إلى مصر وإلى المغرب، وهناك التقى بمجموعة في قرية نائية على البحر الأبيض، وهذه القرية أهلها شيعة، وهو ألقى رُكَّابه في تلك القرية ثمّ سألهم من أين أنتم؟ ومن أين مصادر العيش عندكم وأنتم مقطوعون عن العالم؟
قالوا: نحن كلَّ ثلاثة أشهر تأتينا قافلة من عمق البحر محمَّلة بألوان من الأمتعة، ونحن منتظرون هذه السفينة!
قال لهم: هذه السفينة من أين تأتيكم؟
قالوا: من إمامنا صاحب الزمان.
قال: هل ممكن أنْ أذهب إليه؟
قالوا له: أنت وحظَّك يبدو أنَّ هؤلاء شيعة ولا أحد منهم يُفكِّر أنْ يلتقي بصاحب الزمان، وهذا ممَّا يُدلِّل على سخافة هذه الرواية وكذبها.
جاءت بعد ذلك السفينة أو مجموعة السُّفُن، واستطاع أنْ يلتحق بهذه السفينة، فحلَّت بجزيرة خضراء فيها أشجار ومياه ووديان وجبال وإذا مجموعة من الناس صالحون يقرأون القرآن قال لهم: من أنتم؟
قالوا: نحن أولاد صاحب الزمان، وإذا هناك مسجد ضخم وصلاة جمعة أقاموها.
قال لهم: نحن الشيعة ليس لدينا صلاة جمعة واجبة في زمن الغيبة إنَّما تكون واجبة بظهور الإمام المعصوم.
قالوا له: نعم الإمام موجود بيننا، وهذا وكيله ونائبه الشخصي يُصلِّي بنا.
وعلى كلِّ حالٍ تستمرُّ القصَّة وتقول: إنَّ هذا الرجل قادوه إلى جبل به عين ماء، وفي عمق ذاك المكان كان الإمام (عليه السلام) موجوداً، استغرب أصحاب الإمام وسألوه: ماذا جاء بك إلى هذا المكان؟
قال: على كلِّ حالٍ جئت لطلب اللقاء بالإمام (عليه السلام).
نقد القصَّة(٢١٠):
هذه القصَّة خياليَّة، ولها راوٍ واحدٍ مجهولٍ وعُثِرَ على هذه القصَّة في كتاب مجهول بدون معرفة اسم المؤلِّف.
هذه الرواية يرويها العلَّامة المجلسي في البحار يقول: (وجدت رسالة مشتهرة بقصَّة الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض أحببت إيرادها لاشتمالها على ذكر من رآه، ولما فيه من الغرائب. وإنَّما أفردت لها باباً لأنِّي لم أظفر به في الأُصول المعتبرة)(٢١١).
وقال علماؤنا: إنَّها أقرب للخيال بعدَّة أدلَّة وهي واضحة الجعل والافتعال، بدليل أنَّه إذا كانت هذه الجزيرة موجودة بالفعل، وهذه القرية موجودة، ومتاعهم يأتيهم كلَّ شهرين أو ثلاثة إذن عجباً كيف لم يُفكِّر شخص منهم أنْ يذهب ويلتقي صاحب الزمان فقط زين الدِّين عليُّ بن فاضل كيف هؤلاء شيعة ولكن لا يتوقون اللقاء بإمام زمانهم؟
بعض إخواننا المساكين يفترضون أنَّ هذه الجزيرة واقعة في مثلَّث برمودا بينما هذه القصَّة تتحدث عن البحر الأبيض ومثلَّث برمودا قرب البحر الكاريبي على حافَّة أمريكا بين أمريكا وكوبا، ويوجد الآن مثلَّث يُسمَّى مثلَّث برمودا بمسافة تزيد على أكثر من ألف كيلومتر مربَّع هذه المنطقة فيها أحياناً اختطاف وقرصنة تدخل فيها سُفُن وتختفي تدخل فيها ملاحة وتختفي مثلَّث خطر شيطاني تختفي فيه هذه السُّفُن ولا يعرفون لها أثر!
بعض المساكين صدَّقوا قالوا: هنا الجزيرة الخضراء حتماً وهؤلاء جنود صاحب الزمان لا يسمحون للسُّفُن أنْ تدخل أو تصل.
طبعاً هذا المثلَّث بين كوبا والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة طبيعي أنْ تُختَطف السُّفُن، وأنْ توجد عمليَّة قرصنة من قِبَل القوَّات البحريَّة للولايات المتَّحدة، ولكنَّهم يحاولون أنْ يخدعوا الرأي العامّ وهم مسيطرون على الإعلام فيقال: ذهبت سفينة واختفت!
نحن الآن في هذا الزمان ومثلَّث برمودا لا أحد يستطيع أنْ يكتشفه لا الأقمار الصناعيَّة ولا الطائرات ولا السُّفُن المفروض أنْ يكون لدينا من الوعي والمعرفة أنْ نتجاوز هذه القضايا، وأنا أذكرها للاستطراف.
نعود إلى مسألة أولاد الإمام (عجَّل الله فرجه).
روايات أهل البيت (عليهم السلام) لا تُعطي في هذا الموضوع إشارات كافية باعتبار أنَّ هذا الموضوع سوف لا يترتَّب عليه تكليف يخصُّنا أو موقف بالنسبة لنا ولهذا فإنَّ مسألة وجود أولاد للإمام (عجَّل الله فرجه) تبقى أقرب للترف العلمي.
تفسير الأدوات الإعجازيَّة:
حديثنا عن الاستخدام الإعجازي لدى الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، نرجع إلى تلك المفردات التي ذكرناها قباب من نور، وسحاب ينادي وكلُّ شخص كتابه في يده هذه في الحقيقة لها قراءتان وتفسيران:
القراءة الأُولى: أنَّها استخدام إعجازي.
القراءة الثانية: أنَّها استخدام التقنيَّة الحديثة يعني نحن غير مضطرِّين لأنْ نتحدَّث عن المعجزة.
أمَّا الرواية التي تقول: إنَّ هؤلاء يطيرون في السحاب وتُطوى للإنسان الأرض عندما يطير ألف كيلومتراً في ساعة واحدة، هذا ألَا يمكن أنْ نُسمِّيه طُويت له الأرض؟ بينما هو طيران في الجوِّ بالطائرات الحديثة.
وهكذا قباب من نور ممكن تفسيرها على مستوى القراءة الثانية إنَّ هذه القباب من نور عبارة عن الطائرات والنقل الجوّي.
وهكذا مسألة الكتاب في كفِّه، كلُّ واحد من وكلائه كتابه في كفِّه هذا في زماننا أصبح شيئاً موجوداً عبارة عن الهاتف النقَّال المصوِّر وموضوع فيه قرص (سي دي) ويجمع كلَّ المعلومات والأحكام الشرعيَّة فهذا الإنسان بيده يتَّصل مباشرةً بالإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) أو بمركز الكومبيوتر ويُعطوه الموقف، هذا ممكن. هذه تقنيَّة علميَّة، ومن الطبيعي أنَّ الإمام صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) سوف يستخدمها.
هذه الأُمور قبل ألف عام كانوا يفترضونها استخداماً إعجازيًّا لكن نحن الآن ممكن أنْ نُفسِّرها على أساس أنَّها استخدام التقنيَّة العلميَّة أيضاً يسمعون صوته ويرونه وهم في أقصى الأرض عبر شاشات التلفزيون والفضائيَّات.
وأنتم تصوَّروا لو تطوَّر هذا الأمر بعد مائة سنة إلى أين سيصل الإنسان؟
إذن نحن لماذا لا نتصوَّر على الأقلّ على مستوى الإمكان أنَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) يستخدم التقنيَّة العلميَّة العالية؟
وهكذا النداء من الغمامة الآن الفضائيَّات أليست هي عبارة عن أمواج صوتيَّة عبر القارَّات وعبر القمر الصناعي؟ فهذا أيضاً ربَّما عبَّرت عنه الروايات بأنَّ السحاب يتكلَّم هي أمواج في الحقيقة لكن كلمة الأمواج وهذا التعبير يومئذٍ غير موجود، فكان يقال: سحاب.
الحقيقة أنَّ الكثير من هذه العناصر التي تُؤكِّدها الروايات يمكن تفسيرها على أنَّها تقنيَّة علميَّة متطوِّرة وحركة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) تبقى حركة وفق الأدوات الطبيعيَّة، بدليل أنَّ الإمام مثلاً يُنصِّب وكيلاً له في مكَّة المكرَّمة، وبمجرَّد أنْ يذهب الإمام (عجَّل الله فرجه) للمدينة أهل مكَّة يهبَّون على الوكيل ويقتلونه، يرجع الإمام مرَّةً أُخرى حتَّى يُحرِّر مكَّة المكرَّمة. إذن هي عمليَّة مناورات عسكريَّة فيها كرٌّ وفرٌّ وما شاكل ذلك.
والروايات واضحة جدًّا حتَّى قرأت لكم بعض الروايات تقول: يلقى أذى من الناس مثلما لقي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو أكثر ممَّا لقيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٢١٢)، معنى هذا أنَّ العمليَّة تجري وفق الأدوات الطبيعيَّة وليس وفق الإعجاز.
هناك رواية جميلة تقول: يفتح الروم بالتكبير(٢١٣)، يعني يدخل عشرات الآلاف من القوَّات يصيحون: الله أكبر ويُحرِّرون أُوروبا بالتكبير. التكبير هل هذا استخدام إعجازي أو هو استخدام وفق الأدوات الطبيعيَّة؟
روايات عديدة طبعاً تقول: يفتح الروم بالتكبير يعني بدون استخدام سلاح قد يُوحي هذا أنَّه لا يوجد قصف جوّي ولا قصف مدفعي، بل هو زحف بشري بالتكبير، هذا أمر ممكن أيضاً، وهذا ليس جزءاً من الاستخدام الإعجازي، بل هو استخدام أدوات طبيعيَّة.
هذه الحرب العراقيَّة الإيرانيَّة لعلَّ بعضكم يتذكَّر مشاهد منها كان الزحف الذي تقوم به القوَّات الإيرانيَّة زحف بشري بالتكبير إذن نحن نستطيع أنْ نُقدِّم قراءة تقول: إنَّ الإمام صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) يستخدم الأدوات الطبيعيَّة وإنَّما يستخدم الإعجاز في حالة استثنائيَّة وفق القانون الذي شرحته لكم.
هذا البحث له صلة أُحدِّثكم في محاضرة أُخرى عن ذي القرنين وقصَّة يأجوج ومأجوج وهذه من الغرائب. إنَّ أبناء العامَّة ينتقدوننا: كيف تقولون بحياة المهدي (عجَّل الله فرجه) بهذا العمر الطويل بينما هم يقولون في رواياتهم: سيرجع يأجوج ومأجوج بعد الموت إلى هذه الحياة.
هناك روايات متعدِّدة في تفسير من هم يأجوج ومأجوج الذي جاء ذكرهم في القرآن؟ أين موجودون؟ ذو القرنين لماذا سُمّي (ذو القرنين)؟ بعض الروايات تقول: سُمّي ذا القرنين لأنَّهم ضربوه مرَّةً على قرنه الأيمن ومرَّةً على قرنه الأيسر يعني على الجمجمة في المرَّة الأُولى غاب عنهم (٥٠٠) سنة ثمّ ظهر وهكذا في المرَّة الثانية(٢١٤).
إذا كنتم يا أبناء العامَّة تقولون: إنَّ يأجوج ومأجوج سوف يرجعون، إذن لماذا تعترضون علينا حين نقول: إنَّ صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه) في رعاية الله تعالى، وهو ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حيٌّ يُرزَق ثمّ يظهر في آخر الزمان؟
أنتم تقبلون أنَّ يأجوج ومأجوج يرجعون ولا تقبلون بعودة الإمام المعصوم!
إذا كان أصحاب الكهف يرجعون أحياءً، فلماذا لا تقبلون أنَّ صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه) يرجع، لماذا؟
إذا كان هناك استحالة فلسفيَّة فهي في الاثنين وإذا كانت فيه استحالة علميَّة أو عرفيَّة فبالاثنين ما هو دليلكم على هذا؟
على كلِّ الأحوال في محاضرات لاحقة سوف نستمرُّ في هذا الموضوع إنْ شاء الله تعالى.
مصيبة القاسم بن الحسن (عليه السلام):
هذه المحاضرة نختمها بذكر القاسم بن الحسن (عليه السلام)، وهو أحد أولاد ثلاثة للإمام الحسن (عليه السلام) استشهدوا يوم عاشوراء أحدهم عبد الله الأكبر والثاني هو القاسم والثالث عبد الله بن الحسن الأصغر.
عبد الله الأكبر الذي يُكنَّى أبا بكر أوَّلُ من تقدَّم واستُشهِدَ ثمّ جاء القاسم.
الرواية تقول: إنَّه شابٌّ لم يبلغ الحُلُم، يعني عمره (١٣) أو (١٤) سنة أو (١١) سنة شابٌّ صغير، لهذا نحن قد نميل تاريخيًّا إلى القول: إنَّ هذا الشابُّ حينما برز للقتال لم يركب فرساً وإنَّما كان يقاتل راجلاً مثل هذا الشابِّ الصغير بهذا العمر من غير الميسور له أنْ يحمل سيفاً فضلاً عن أنْ يركب فرساً مطهَّماً وعليه سرج ويقاتل عليه وهو بمثل هذا العمر.
الرواية تقول: إنَّ الحسين (عليه السلام) لـمَّا خطب أصحابه وقال: إنَّكم ستُقتَلون غداً جاء القاسم بن الحسن، قال: يا عمّ، أنا عندي سؤال أُريد أنْ أسألك أنت بشَّرت الجميع بأنَّهم غداً سيقتلون وتلتقون غداً برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنا يا عمّ ممَّن يُقتَل؟
هنا يتجلَّى العروج الروحي والنبل والاتِّصال بالله تعالى، حيث تحوَّلت كربلاء إلى قطعة من الجنَّة إلى قمم من المعنويَّات والروحيَّات يقول له هذا الطفل الصغير الذي لم يبلغ الحُلُم: يا عمّ، وأنا ممَّن يُقتَل؟
الرواية تقول: إنَّ الحسين (عليه السلام) لم يجبه، ولا بدَّ أنْ يختبره كقائد عسكري، قال له: وأنت كيف تجد طعم الموت؟
قال: يا عمّ، والله أحلى من العسل.
فقال له: نعم يا ابن أخي أنت ممَّن يُقتَل.
ثمّ استأذن من الحسين (عليه السلام).
الرواية تقول: إنَّ الحسين (عليه السلام) تعانق مع القاسم، وهذه مشاهد توجع القلب وتُذرَف الدموع لها هذا هو الحسين المنكوب بأهله وبأصحابه وأمامه المعسكر المتلاطم وإذا هو وحده مع هؤلاء الصغار يقاتل بهم.
الرواية تقول: إنَّ الحسين (عليه السلام) مع القاسم تعانقا، والحسين بكى في لحظة الإذن للقاسم، وبرز القاسم للقتال، وبينما هو يقاتل انقطع شسع نعله، فأبى هذا الفتى الهاشمي الغيور أنْ يدخل المعركة بدون نعل، فانحنى كي يُصلِح شسع نعله.
ذوو النفوس الدنيئة يفترضون أنفسهم قادة وأبطال، قال أحدهم وهو بكر بن غانم: والله لأحملنَّ عليه وأثكلن به أُمَّه.
قيل له: هذا طفل وأنت بطل، كيف تضرب هذا الطفل؟ أبى إلَّا أنْ يأتي إليه، فضربه على رأسه وهو منحنٍ يشدُّ نعله، فوقع على الأرض صريعاً فنادى: يا عمّ، أدركني.
أقبل إليه الحسين (عليه السلام)، وجد الغلام يرفس بقدميه قال: «عزَّ والله على عمِّك أنْ تدعوه فلا يُجيبك، أو يُجيبك ثمّ لا ينفعك صوت والله كثر واتره وقَلَّ ناصره بُعداً لقوم قتلوك».
الرواية تقول: إنَّ الحسين (عليه السلام) حمله على صدره والغلام رجلاه تخطَّان في الأرض، يعني يبدو أنَّه مقطع إرباً إرباً، وهذا يوجد له تفسيران، وكلا التفسيرين هو مؤلم هل الغلام هو مقطَّع ولذلك رجلاه يخطَّان بالأرض؟ أنا أعتقد بشيء آخر الذي جعل هذا الطفل الصغير رجلاه يخطَّان بالأرض هو أنَّ الحسين (عليه السلام) كان منحني الظهر عندما حمل هذا الطفل الصغير يعني لا يقدر الحسين (عليه السلام) أنْ يقف على استقامته، حمله ورجلاه يخطَّان على الأرض(٢١٥).
إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.

والحمد لله ربِّ العالمين
* * *
المحاضرة التاسعة: سُنَّة الابتلاء ومسألة اللقاء

(٩/ محرَّم الحرام/ ١٤٢٦هـ)

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:
٨١ - ما هي الصيحة التي تحدث في السماء عند ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
٨٢ - كيف يعرف الناس الحقيقة عند ظهوره (عجَّل الله فرجه)؟
٨٣ - ما هو الدليل الإسلامي على وجود الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)؟
٨٤ - ما هو الدليل العلمي عن وجود الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)؟
٨٥ - ما هو الدليل الخارجي على وجود الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)؟
٨٦ - أربعة صور للقاء مع الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) ما هي؟
٨٧ - ما هي العلامات الثلاث التي أعطاها الإمام العسكري (عليه السلام) لأبي الأديان؟
٨٨ - من هم النوَّاب الأربعة للإمام المعصوم (عجَّل الله فرجه)؟
٨٩ - ما هو موقع أهل العراق في حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
٩٠ - كيف نُفسِّر الروايات التي تدعو إلى تكذيب من يدَّعي المشاهدة؟
سُنَّة الابتلاء:
هناك في خطِّ الحياة سُنَّة اسمها: سُنَّة الامتحان والابتلاء.
قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (الملك: ٢).
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ (التوبة: ١٦).
وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: ٢).
هذه سُنَّة اسمها: سُنَّة الابتلاء، رافقت حركة الأنبياء (عليهم السلام) جميعاً، ورافقت حركة الإصلاح وحركة الأُمَم جميعاً.
واليوم حينما نتحدَّث عن عنصر الاشتراك والتمايز بين حركة الإمام الحسين وحركة الإمام المهدي (عليهما السلام) نريد أنْ نسأل عن هذه السُّنَّة، سُنَّة الابتلاء، هل هي موجودة مع إمام زماننا (عجَّل الله فرجه) وهو يقود الحركة الإصلاحيَّة العالميَّة الكبرى أم غير موجودة؟
لقد كانت موجودة مع الحسين (عليه السلام).
الإمام الحسين (عليه السلام) مع أنَّ الناس يعلمون أنَّه سيِّد شباب الجنَّة، لكن مع ذلك كان هناك زلزال فكري، حدثت حيرة عند مرضى القلوب، هذا هو الابتلاء، البعض يقول: الحسين (عليه السلام) قُتِلَ بسيف جدِّه(٢١٦)، رغم أنَّه سيِّد شباب أهل الجنَّة، ورغم قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»(٢١٧)، لكن تسويلات الشيطان جعلت بعض الناس يقول: إنَّ الحسين (عليه السلام) خرج على إمام زمانه! من هو إمام زمانه؟ هو يزيد بن معاوية، لكن من وضع يزيد بن معاوية إماماً لزمانه؟ لا يوجد جواب.
وآخر يقول للحسين (عليه السلام): يا بن رسول الله، أنا أدري بأنَّك على حقٍّ ولكن أنا لا أنصرك في هذه القضيَّة، ماذا أفعل نفسي لا تسمح بالموت؟ أنا أدري أنَّك مقتول، وأنا غير مستعدٍّ أنْ أُقتل، أنا أدري أنَّ الذي بايعك وشايعك على الحقِّ، لكن أعلم أنَّك مقتول، إنَّ من رأيته خارجاً لك من الكوفة يكفون لقتلك وأنا غير مستعدٍّ، هذا هو الابتلاء.
الله تعالى يريد أنْ يمتحن، يُفتِن الناس، وإلَّا فإنَّ الله تبارك وتعالى قادر على الهداية بدون امتحان: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ٤).
الله لا يريد ذلك، الله تعالى يريد أنْ تجري سُنَّة الابتلاء، أنْ تبقى محفوظة.
والسؤال الآن أنَّ سُنَّة الابتلاء مع إمام زماننا (عجَّل الله فرجه) موجودة أم لا؟
الجواب: نعم، موجودة.
رغم أنَّه (عجَّل الله فرجه) ينتصر ويتحرَّك ضمن الأدوات الطبيعيَّة وأحياناً يستخدم الأدوات الإعجازيَّة كما شرحنا سابقاً(٢١٨)، لكن ذلك لا يغلق باب امتحان الناس، حيث يمكن لأحد أنْ يقبل وآخر لا يقبل، رغم أنَّ القضيَّة أصبحت واضحة، والناس يومئذٍ يدخلون في دين الله أفواجاً، ومع ذلك فإنَّ هناك مجالاً واسعاً يبقى لأحد أنْ يُشكِّك وينافق ويقاتل، وهذه هي سُنَّة الابتلاء.
الصيحة في السماء:
إذا خرج الإمام تحدث صيحة في السماء، فينادي منادٍ في أوَّل النهار يسمعه جميع العالم: «ألَا إنَّ عليًّا وشيعته هم الفائزون»، ولكن حينما يكون آخر النهار يأتي نداء ثانٍ تقول بعض الروايات: إنَّه إبليس ينادي من الأرض وليس من السماء، إبليس يعني مثلاً الفضائيَّات الكاذبة.
ينادي من الأرض يسمعه الجميع أيضاً يقول: «ألَا إنَّ عثمان وشيعته هم الفائزون»، يحدث بين الناس بلبلة.
تحدث حالة من الالتباس(٢١٩).
لنقف عند نقطة عليٍّ وعثمان.
إنَّ هذا التعبير عليٌّ وعثمان هل يعني أنَّ المعركة يومئذٍ معركة بين الشيعة والسُّنَّة، باتِّجاهين: اتَّجاه جماعة عليٍّ، واتِّجاه جماعة عثمان، أو هي رمز للحقِّ والباطل، هذا هو الأقرب، لأنَّه يومئذٍ لم تكن اشتراكيَّة ولا شيوعيَّة ولا ديمقراطيَّة، يوجد يومئذٍ حقٌّ اسمه عليٌّ (عليه السلام)، ويوجد باطل اسمه الاتِّجاهات الأُخرى، الصيحة الأُولى تقول: الحقُّ مع هؤلاء، الصيحة الثانية تقول: الحقُّ مع هؤلاء، اسم عليٍّ وعثمان استُخدِمَ هنا رمزاً لمعركة الحقِّ والباطل.
وضوح الحقيقة:
الراوي يسأل الإمام: إذن يا بن رسول الله نحن ماذا نصنع أوَّل الليل نسمع هكذا، وآخر الليل نسمع هكذا، والاثنان صيحة ونداء في السماء؟!
قال (عليه السلام): «تنظر إلى هذه الشمس الداخلة في الغرفة؟».
قال: بلى إنِّي أنظر.
قال (عليه السلام): «إنَّ أمرنا أبين - أوضح - من هذه الشمس»(٢٢٠).
لصاحب القلب والبصيرة والمعرفة، لا تضيع الحقيقة، والذي في قلبه مرض تضيع عليه الحقيقة حتَّى لو تنزل الملائكة.
هؤلاء جماعة قالوا لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إذا كنت نبيًّا قل لهذه الشجرة تزحف وتأتي.
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا شجرة تعالي، أنا رسول الله».
جاءت الشجرة تخبُّ خبًّا وتشقُّ الأرض - هذه الأشياء أذكرها كمأثورات، كرامات النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومعاجزه أكثر وفوق ذلك، أذكرها لكم كنماذج أو رموز -، جاءت الشجرة للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
قالوا: إذا أنت نبيٌّ قل لها فلترجع.
فأمرها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالرجوع، فرجعت.
قالوا: قل لها يأتي نصفها ويبقى نصفها وتنشقُّ نصفين.
قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أيَّتها الشجرة انقسمي نصفين نصف يأتي لي ونصف يبقى»، فاستجابت الشجرة.
فلمَّا رأوا ذلك قالوا: أنت ساحر كذَّاب(٢٢١).
القلوب المريضة التي لا تريد أنْ تؤمن لا تؤمن حتَّى لو ينزل عليها ملائكة من السماء.
يقول الإمام (عليه السلام): «إنَّ أمرنا أبين من هذه الشمس».
الراوي يسأل الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: يا بن رسول الله، نحن من أين نعرف أنَّ هذه الصيحة هي صيحة صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه)؟
الرواية تقول: «كلُّ واحد منكم حينما يستيقظ صباحاً يجد صحيفة تحت رأسه مكتوب فيها: طاعة معروفة»(٢٢٢).
هل هذه الورقة هي عبارة عن ورقة بالفاكس تذهب للبيت؟! لا ندري.
المهمُّ كما ذكرنا أنَّ المسألة ليست خارجة عن سُنَّة الابتلاء.
هناك رواية تقول: «إنَّ هذا الأمر يعرفه من عرفه من قبل»(٢٢٣)، أُولئك الناس الذين هم من قبل يعرفون الحقيقة يكتشفون ما هو الفرق بين صيحة الحقِّ وصيحة الباطل، أمَّا الذين كانوا من قبل لا يعرفون الحقيقة يومئذٍ أيضاً لا يعرفون الحقيقة.
لاحظوا هذه الروايات تريد أنْ تقول: إنَّ هناك وعياً مسبقاً عند الشيعة، وليست القضيَّة أنَّ جبرائيل ينزل من السماء يقول: أيُّها الناس هذا صاحب الزمان الحقوا به، وبالتالي ما هو الفرق بيننا وبين غيرنا من حيث الوضوح عند الجميع؟
لا ليس كذلك، هذا الأمر يعرفه من عرفه من قبل، أمَّا من لم ينجح بالامتحان سابقاً فهو يومئذٍ أيضاً تضيع عليه الحقيقة، إذن هناك وعي مسبق لدى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) كما تقول الروايات في هذا الشأن.
أقرأ لكم إحدى هذه الروايات:
يقول الإمام الصادق (عليه السلام) عندما يسأله الراوي: كيف لنا أنْ نعلم ذلك؟
قال (عليه السلام): «يصبح أحدكم وتحت رأسه صحيفة عليها مكتوب: طاعة معروفة».
لكن هناك سؤال ثانٍ يقول: كيف نعرف هذه من هذه؟
قال (عليه السلام): «يعرفه من كان سمع به من قبل».
ورواية أُخرى تقول: «يُصدِّق بها من كان مؤمناً بها من قبل أنْ تكون»(٢٢٤)، يعني أُولئك المؤمنين به قبل ظهوره يُصدِّقون بتلك الصحية.
على هذا الأساس أصبح شيعة أهل البيت أفضل من غيرهم، لأنَّهم يتميَّزون بالوعي السياسي والدِّيني والثقافي، وليست المسألة أنَّ إعجازاً في السماء يراه كلُّ الناس حتَّى اليهودي والنصراني ويخضعون لذلك الإعجاز ولا فضل حينئذٍ للشيعة على غيرهم، الرواية تتحدَّث عن وعي الشيعة وفضلهم.
الوعي السياسي لدى الشيعة:
عن الإمام السجَّاد (عليه السلام): «إنَّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كلِّ زمان»، لماذا؟
هل لأنَّ هؤلاء جماعة أهل البيت (عليهم السلام)؟
لا، بل «لأنَّ الله تبارك تعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة - وهو باصطلاحنا الوعي الثقافي والسياسي - ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة»، أصلاً لا يوجد فرق عندنا من حيث الوعي والمعرفة بين أنْ يكون إمام زماننا غائباً أو إمام زماننا موجوداً بيننا، نحن به مصدِّقون، «صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة...، أُولئك المخلصون حقًّا، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله (عزَّ وجلَّ) سرًّا وجهراً»(٢٢٥).
إذن سُنَّة الابتلاء محفوظة يومئذٍ كما جاء في الحديث الشريف: «لتُغَربَلنَّ غربلة حتى ليقول القائل مات أو هلك في أي وادٍ سلك»(٢٢٦).
أين يوجد إمام الزمان (عجَّل الله فرجه)؟ مات، أو هلك، في أيِّ وادٍِ سلك؟ لكن تبقى المجموعات المؤمنة ثابتة على العقيدة الصحيحة.
عصائب العراق:
من جملة تلك المجموعات - وأنا أذكر هذا الأمر للاستبشار والتيمُّن - ما تذكره الرواية عن حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
هذا الصحابي الجليل قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «إذا كان عند خروج القائم ينادي منادٍ من السماء: أيَّها الناس قُطِعَ عنكم مدَّة الجبارين وولي الأمر خير أُمَّة محمّد، فالحقوا بمكَّة، فيخرج النجباء من مصر، والأبدال من الشام، وعصائب العراق، رهبان بالليل ليوث بالنهار، كأنَّ قلوبهم زبر الحديد، فيبايعونه بين الركن والمقام»(٢٢٧).
والإمام (عليه السلام) يومئذٍ يحتاج إلى دليل يُقدِّمه للناس، الصيحة في السماء، الغمامة فوق رأسه، ومع ذلك فهو يدخل معهم في حوار، «فمن حاجَّني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، ومن حاجَّني في نوح فأنا أولى الناس بنوح»(٢٢٨).
هذا حوار مفتوح، لا بدَّ أنْ يُقدِّم الإمام دليلاً، والناس يطلبون الدليل، ولهذا فكيف عرف الشيعة إمام الزمان (عجَّل الله فرجه) وهم لم يروه؟ لقد استندوا في ذلك إلى دليل محكم لا يقبل الشكَّ.
قصَّة أبي الأديان:
أنقل لكم قصَّة أبي الأديان خادم الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، يقول:
كان الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) - وهو أبو الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) -، كان بين مدَّة ومدَّة يبعث بيدي كتاباً إلى الأمصار والمُدُن، وذات مرَّة دعاني وبعث بيدي كتاباً إلى المدائن، وقال لي: «أنت في سفرتك هذه سوف تستغرق خمسة عشر يوماً، فإذا رجعت إلى سُرَّ من رأى سوف تسمع الواعية، وتجدني أنا على الفراش، فراش الموت، قد توفيت».
قلت: سيِّدي، إذا كان ذلك فلمن الأمر بعدك؟
قال (عليه السلام): «الذي يطالبك بجوابات الكُتُب».
قلت: سيِّدي، زدني.
قال (عليه السلام): «الذي يُصلِّي عليَّ».
قلت: زدني.
قال (عليه السلام): «الذي يُخبرك بما في الهميان».
ذهب أبو الأديان للمدائن، وسلَّم الرسائل إلى أهلها، ورجع بالجواب، وإذا في سامراء ناعية الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قد تُوفّي، دخل وإذا الإمام مسجَّى على المغتسل يُهيَّأ للصلاة عليه.
قلت: أنتظر الآن من الذي يُصلِّي عليه، فهذه أوَّل علامة.
يقول: وجدت في بيت الإمام العسكري (عليه السلام) جعفراً أخا الإمام العسكري جالساً، وكان يطالب بأنْ تكون له الإمامة، وإذا هو جالس ويستقبل المعزِّين وقد رشَّح نفسه للإمامة.
قلت: إذا كان هذا هو الإمام - وأنا أعرفه وكان يشرب الخمر - إذن قد انقطعت الإمامة، لا يوجد بعد الحسن العسكري (عليه السلام) إمام، قلت: يا سبحان الله، فلأنتظر وأرى ماذا سيحدث.
بينما تهيَّأت جنازة الإمام العسكري (عليه السلام) جاؤوا وقالوا لجعفر: يا بن رسول الله، تقدَّم للصلاة، فتقدَّم جعفر، ولكنَّه قبل أنْ يُكبِّر التكبيرة الأُولى في صلاة الميِّت وإذا بغلام في وجهه سمرة كأنَّ وجهه قطعة قمر في شعره قطط، تقدَّم هذا الغلام وسحب جعفر قائلاً له: «تنحَّ يا عمّ، فأنا أولى بالصلاة على أبي».
من أين جاء؟ لا أحد يدري، وهم كأنَّ على رؤوسهم الطير، فُوجئوا وانسحبوا، وصلَّى عليه الغلام الصغير وانصرف.
يقول أبو الأديان: قلت: هذه واحدة.
جاء الناس إلى جعفر الملقَّب في الروايات: جعفر الكذَّاب، قالوا له: من هذا الغلام؟
قال: والله ما عرفته، ولا أعرف لأخي الحسن العسكري غلاماً أصلاً، أنا لا أعرف من أين أتى هذا الغلام بينكم.
يقول أبو الأديان: جلست عند جعفر والناس يعزُّونه واستغرق المجلس ساعة أو ساعتين ولم يسألني عن شيء، بينما نحن جلوس وقبل أنْ ننصرف وإذا بوفد من قم، وفد شيعي، قالوا: السلام عليكم، عظَّم الله أُجوركم يا جعفر، عندنا أمانة جئنا بها إلى الإمام العسكري (عليه السلام)، ووصلنا خبر أنَّه تُوفّي، فمن مكانه؟
قال: أنا، سلِّموا أمانتكم.
هؤلاء عندهم شيء من المعرفة، قالوا له: نحن كنَّا معتادين إذا جلبنا الأمانات لأخيك العسكري يُخبرنا عن مقدار هذه الأمانات وشكلها وممَّن هي، نحن الآن نطلب منك ونرجوك أنْ تُخبرنا ما هي الأمانات التي معنا في الهميان؟ ومن أين هي؟
فقام ينفض رداءه وقال: يريدون منِّي أنْ أعلم الغيب!
يقول أبو الأديان: قام الوفد وانصرف، وانصرفت معهم ولم يسألني جعفر عن أجوبة الكُتُب التي عندي.
وبينما نحن في الطريق وإذا بخادم يقول لهم: أعطوني ما عندكم من الأمانات، وفيها مائة دينار، عشر منها مطليَّة لفلان بن فلان، وفيها كذا لفلان بن فلان، قالوا: أنت الإمام.
قال: لا أنا عبد عند الإمام.
فقالوا: الذي وجَّهك هو الإمام.
ثمّ سرنا معه حتَّى دخلنا دار مولانا الحسن العسكري (عليه السلام)، فإذا ولده القائم سيِّدنا المنتظر (عجَّل الله فرجه) قاعد على سرير وجهه كفلقة القمر، عليه ثياب خضر، فسلَّمنا عليه فردَّ السلام، ثمّ قال: «جملة المال الذي معكم كذا وكذا»، ولم يزد ولم ينقص في وصف المال الذي أتينا به، فخرُّوا سُجَّداً لله، ثمّ سألوه عن مسائل، فأجابهم، فحملوا إليه الأموال.
يقول أبو الأديان: قلت: هذه هي العلامة الثانية.
ثمّ قال لي الغلام: «هاتِ جوابات الكُتُب التي معك»، قلت: هذه هي العلامة الثالثة، فسلَّمته أجوبة الكُتُب التي معي(٢٢٩).
المقصود من عرض هذه القصَّة أنَّ شيعة أهل البيت (عليهم السلام) آمنوا بأهل البيت عبر استدلال وعبر علامات وليس مجرَّد ادِّعاءات، علامات دقيقة شخَّصوها، إلى اليوم بحمد الله تعالى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) لم تزل بهم قدم، خطٌّ مستقيم، صراط مستقيم يمشون عليه، هذا هو الوعي الثقافي والسياسي والدِّيني الذي عندهم.
اليوم أيضاً قد يقول منكم قائل: نحن الآن في زمان الغيبة، إذن أين الأدلَّة؟ وأين العلامات؟
إذا كان أبو الأديان ووفد قم تقدَّمت لهم أدلَّة، عجباً الآن ألَا نحتاج أدلَّة؟
أيضاً نحتاج أدلَّة، ولا بدَّ أنْ تكون الأدلَّة يقينيَّة كما هو الشأن في كلِّ القضايا الاعتقاديَّة، يجب أنْ تكون أدلَّة يقينيَّة.
أنت مرَّة تريد أنْ تتعبَّد بشيء لا يحتاج إلى دليل يقيني قطعي، تريد أنْ تُصلِّي، يقال لك: حكمك الشرعي كيت وكيت، أنت تقوم وتعمل وفق الحكم الشرعي وتتعبَّد وتُصلِّي لوجه الله ولا تحتاج إلى يقين، لأنَّ هذا تكليف وحكم تعبُّدي، لكن في القضايا الاعتقاديَّة لا بدَّ أنْ تطمئنَّ بذلك المعتقَد، ومعناه أنَّك تحتاج إلى دليل يقيني، ولهذا فإنَّ بعض الكُتَّاب من أهل السُّنَّة يشكلون على الشيعة ويقولون: أنتم تؤمنون بالإمام وتعتقدون بالغيبة وبالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، هذا اعتقاد، والقضايا الاعتقاديَّة لا يكفي بها خبر أو مجموعة أخبار، لا بدَّ أنْ تُقدِّموا لنا الدليل اليقيني.
علماؤنا يقولون: أدلَّتنا على الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هي بمستوى القطع واليقين.
سيِّدنا الشهيد آية الله محمّد باقر الصدر (قدّس سرّه) في كتابه الموجز (بحث حول المهدي) يستعرض استعراضاً سريعاً نوعين من الأدلَّة: الأوَّل هو الدليل الإسلامي، والثاني هو الدليل العلمي، كما سمَّاه الشهيد الصدر (قدّس سرّه).
أربعة أدلَّة على وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
والحقيقة أنَّ أربعة نماذج من الأدلَّة يمكن أنْ نُقدِّمها:
الدليل الأوَّل: الدليل العقلي، الذي يعتمد على قاعدة اللطف، وهو الذي ذكره الشيخ الطوسي (رحمه الله) وغيره من علماء الطائفة الذين يستندون إلى هذا الدليل كواحد من الأدلَّة، وقد سبق أنْ قدَّمنا صورة عن هذا الدليل(٢٣٠).
الدليل الثاني: الدليل الشرعي، وهو عبارة عن الروايات المتواترة في هذا الأمر، وهذا الدليل هو الذي يُسمّيه الشهيد الصدر بالدليل الإسلامي.
الدليل الثالث: الدليل العلمي، كما سمَّاه وشرحه السيِّد الشهيد الصدر (قدّس سرّه)(٢٣١).
الدليل الرابع: الدليل الخارجي، وهو عبارة عن مجموعة اللقاءات الأكيدة التي حدثت مع صاحب العصر (عجَّل الله فرجه)، بحيث لا يمكن الشكُّ بصحِّتها ووثاقتها.
وأُحاول في هذه المحاضرة أنْ أقف عند هذه الأدلَّة، ثمّ نتحدَّث عن موضوع اللقاء مع الإمام (عجَّل الله فرجه).
موجز عن الدليل الإسلامي:
الشهيد الصدر (قدّس سرّه) في الدليل الشرعي الإسلامي يقول: المسألة يقينيَّة، حيث يوجد في مصادر الفريقين الشيعة والسُّنَّة ستَّة آلاف رواية في الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، أربعمائة رواية منها هي عن طريق أبناء العامَّة، حينما نجمع هذه المجموعة من الروايات والكمّ الهائل المتعدِّد الإسناد، والمتعدِّد النقول، رغم الملاحقة والمطاردة التي كانت على الشيعة، نجد أنَّ القضيَّة كافية جدًّا لتوليد اليقين بصحَّتها.
العلَّامة الأُستاذ السيِّد عدنان البكَّاء في كتابه (الإمام المهدي المنتظر) ينقل بعض الروايات أيضاً.
عن مسند أحمد بن حنبل إمام السُّنَّة أنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال - وهو يشير للحسين (عليه السلام) -: «هذا ابني إمام، أخو إمام، أبو أئمَّة تسعة، تاسعهم قائمهم»(٢٣٢).
سُلَيم بن قيس - وهو أوَّل مؤرِّخ إسلامي في زمن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - له رواية مهمَّة، يرويها عن سلمان، يقول: دخلت على النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإذا بالحسين بن عليٍّ (عليه السلام) على فخذه وتفرَّس في وجهه، وقبَّل بين عينيه، وقال: «أنت سيِّد ابن سيِّد، أنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمَّة، أنت حجَّة الله ابن حجَّة الله وأبو حجج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم»(٢٣٣)، هذه نماذج من تلك الروايات.
ونحن إذا أردنا في أيِّ قضيَّة تاريخيَّة أنْ نُقدِّم أدلَّة الإثبات عليها فإنَّ ستَّة آلاف رواية، أربعمائة رواية منها يرويها أبناء العامَّة بمصادر عامَّة وأسانيد متعدِّدة، تكون كافية جدًّا لتحصيل اليقين.
موجز عن الدليل العلمي:
في الدليل العلمي كما ذكره الشهيد الصدر (قدّس سرّه) نحاول أنْ نبحث القضيَّة استقرائيًّا وميدانيًّا كبحث علمي في المختبر.
أضرب لكم مثالاً: أنتم تعرفون أنَّ العراق عاش عهداً ملكيًّا حوالي ثلاثين عاماً، حكم فيها فيصل الأوَّل والثاني وغازي وعبد الإله وما شاكل ذلك، ولا أحد من الموجودين حاليًّا عاش العهد الملكي، لكن هل يوجد أحد الآن يشكُّ في أنَّ العراق عاش عهداً ملكيًّا ثمّ دخل العهد الجمهوري؟ لا أحد يشكُّ، لماذا؟ لأنَّ أدلَّة الإثبات موجودة، هناك أُمَّة كاملة، أبناء وأجداد، وصحفيِّين وصحافة، وكُتُب ومجلَّات، وإذاعة وبيانات، وشعر وأبيات، وما شاكل ذلك، ووثائق موجودة في المكتبات وفي المتاحف الكبرى العالميَّة تتحدَّث عن هذه الفترة التي عاشها العراق في ظلِّ العهد الملكي، فإذا وُجِدَ اليوم شخص يقول: إنَّ الأمر كلَّه خيال ووهم، والعراق لم يعش عهداً ملكيًّا، فإنَّك تقول له: أنت تصطدم مع الحقيقة التي لا تقبل الشكَّ.
الآن إذا أردنا مثلاً أنْ نثبت أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هاجر من مكَّة المكرَّمة إلى المدينة، فما هو دليلنا؟
المسألة التاريخيَّة ليست مسألة روايات فقط، وإنَّما أُمَّة كاملة عاشت هذه التجربة، والنبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المدينة أسَّس حكماً، وخاض حروباً، وبنى مساجد، يعني القضيَّة بالأرقام الميدانيَّة وليست فقط بالأخبار والروايات.
الشهيد الصدر (قدّس سرّه) يُسمّي ذلك (تجربة استقرائيَّة)، ونحن بالتجربة الاستقرائية الخارجيَّة نُثبِت وجود الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
نحن نعرف أنَّ أُمَّة كاملة عاشت تجربة طولها سبعين عاماً، هي تجربة النوَّاب الأربعة، أربعة وكلاء فقهاء عدول بأعلى المستويات من العدالة، وبنسق واحد يتحدَّثون بتوافق كامل وبعيداً عن أيِّ منازعات ومصلحيَّة، وبعيداً عن أيِّ شكوك وعن أيِّ اضطرا ب في الكيفيَّة وفي النصوص، يقولون: نحن ننقل لكم في النيابة عن الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، مدَّة سبعين سنة، وهناك أُمَّة كاملة عاشت معهم فيها فقهاء عظماء أيضاً، هناك أُمَّة كاملة مدَّة سبعين سنة عاشت مع وكلاء ونوَّاب الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وهم: (عثمان بن سعيد العمري، ومحمّد بن عثمان العمري، والحسين بن روح النوبختي، وعليُّ بن محمّد السمري)، أربعة فقهاء كان إمام الزمان (عجَّل الله فرجه) يتَّصل من خلالهم بالناس، والناس يُقدِّمون رسائل إلى هؤلاء، هذه تجربة كاملة لفقهاء عاشوا مع هؤلاء الوكلاء الأربعة، مثل الشيخ الكليني والصدوق وفقهاء آخرين أدركوا الفترة التالية بعدها مثل الشيخ المفيد والسيِّد المرتضى الذين وقفوا خاضعين أمام هذه التجربة ولم يُكذِّبوها ولا شكَّكوا فيها، عجباً هؤلاء هل يمكن أنْ يكونوا كلُّهم سُذَّجاً وبسطاء تنطلي عليهم الكذبة؟
تجربة عمرها سبعون سنة يقودها مثل هؤلاء الفقهاء دون أيِّ تشكيك، والشيعة أيضاً عاشوا هذه التجربة، فهل يمكن تكذيبها؟!
القضايا التاريخيَّة كيف يمكن إثباتها بأكثر من ذلك؟
التجربة على الأرض حينما تحدث، فهذا إثبات بالنسبة لنا.
قصَّة من محمّد بن عثمان العمري:
محمّد بن عثمان العمري، وهو أحد نوَّاب الإمام (عجَّل الله فرجه)، وكان وسيطاً بين الشيعة والإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
يقول الراوي: دخلت على محمّد بن عثمان العمري، وإذا ساجة - يعني خشبة - من صاج منقوشة بآيات قرآنيَّة، وأسماء الأئمَّة، قلت: ما هذا؟
قال: هذه ساجة أعددتها لقبري، وقد أعددت لي قبراً، وهذه الساجة أنام عليها في قبري، وأنا يومياً أنزل إلى قبري وأتذكَّر وأعتبر، وإنَّك ستُدرك وفاتي في شهر كذا وفي يوم كذا وفي ساعة كذا، وإنَّي سأُدفن وهذه الساجة الخشبيَّة ستُدفَن معي.
يقول الراوي: سجَّلت هذا التاريخ، وفي نفس ذاك اليوم والشهر والساعة حضرت في الموقع شهدت وفاة محمّد بن عثمان العمري في ذلك المكان(٢٣٤).
لقد كان هؤلاء الفقهاء بهذا المستوى من الورع والتقوى، وهم الجسور بيننا وبين الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
هذا الحسين بن روح - وهو النائب الثالث للإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) - كان يوجد فقيه معاصر له اسمه جعفر بن أحمد، كان كلُّ الناس يتحدَّثون أنَّ هذا الفقيه المعاصر له سوف يكون هو المرجع الدِّيني والنائب للإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، يعني بعد الوكيل الثاني سوف يكون جعفر بن أحمد هو الوكيل الثالث وليس الحسين بن روح، لمقامه وفضله وشدَّة صيامه وورعه، ولـمَّا حضرت الوفاة محمّد بن عثمان العمري - وهو الوكيل الثاني - كان جعفر بن أحمد جالساً عند رأسه والحسين بن روح جالساً عند رجليه، يقول جعفر بن أحمد: بينما كنَّا كذلك التفت محمّد بن عثمان العمري لي وقال: يا جعفر، قد جاء الأمر بالنيابة بعدي إلى الحسين بن روح، يقول جعفر: قمت وجلست عند رجلي محمّد بن عثمان، وأخذت بيد الحسين بن روح وأجلسته عند رأس محمّد بن عثمان، دون أنْ يكون هناك أيُّ تنافس أو أنانيَّة(٢٣٥).
مثل هذا المستوى لمراجعنا ومعهم أُمَّة كاملة كانت تراقب مسيرتهم وفيهم كبار الفقهاء مثل الشيخ الكليني والصدوق والمفيد بأعلى المستويات، ولا نجدهم قد ناقشوا ولا شكَّكوا في الأمر، وكانت المسألة بالنسبة لهم بمستوى من اليقين، فإذا لم تكن القضيَّة - أي قضيَّة الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) - قضيَّة واقعيَّة فكيف يمكن أنْ تُخدَع أُمَّة كاملة لمدَّة سبعين سنة، هذا هو ما يُسمّيه الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) بالدليل العلمي.
مسؤوليَّتنا في زمان الغيبة:
هل مسؤوليَّتنا هي البحث عن الإمام (عجَّل الله فرجه)؟ أم هي الإعداد لظهور الإمام (عجَّل الله فرجه)؟
هل نبحث عنه في مسجد السهلة، في الكوفة، في سامراء، في مكَّة، في المدَّينة؟ هل هذه هي مسؤوليَّتنا، أم هي الإعداد لظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) وقيام دولته؟
طبعاً مسؤوليَّتنا كما تقول الروايات الثابتة الصحيحة، وكما يقول العلماء والفقهاء، هي الإعداد لظهور الإمام (عجَّل الله فرجه)، ولكن مع ذلك فإنَّ هناك فهماً نُسمّيه الفهم البدائي.
أنا أذكر لكم هذه القضايا حتَّى تكونوا في جوِّ الأحداث.
يوجد فهم بدائي للقضيَّة، ويوجد فهم صحيح وعميق.
كان بعض الناس - فيما مضى - واستناداً إلى بعض الشائعات يفترضون أنَّ مسؤوليَّتهم تجاه الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هي أنْ يجمعوا له الأموال ويدفنوها تحت الأرض حتَّى إذا ظهر صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه) يأخذها ويستفيد منها، هذا نُسمّيه الفهم البدائي للتعامل مع الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
الفهم الصحيح أنَّ مسؤوليَّتنا تجاه الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هي الإعداد لظهوره، والاستعداد لدولته، ولا مانع - في نفس الوقت - من العمل على اللقاء به والتشرُّف بخدمته (عجَّل الله فرجه).
إنَّ الاتِّجاه المعروف والمقبول عند علمائنا أنَّه يمكن اللقاء به، لكن ليس بالطريقة التقليديَّة، يعني البحث عنه هنا وهناك وما شاكل ذلك، مسؤوليَّتنا هي شيء آخر.
موجز عن الدليل الخارجي:
الدليل الرابع، وهو ما سمَّيناه بالدليل الخارجي، حيث يتحدَّث علماء فقهاء صالحون عن لقائهم بالإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، وأمام هذه اللقاءات المنقولة إلينا بأخبار صحيحة لا نجد إلَّا موقف التصديق بها والاعتراف بواقعيَّة ما تتحدَّث عنه.
ومن المهمِّ الإشارة إلى معنى عدد من الروايات التي تأمر بتكذيب من يدَّعي المشاهدة.
في الحقيقة إنَّ هذه الروايات صحيحة، ولكن المقصود بها الإشارة إلى أُولئك الذي يعملون على خداع الناس بادِّعاء المشاهدة واللقاء بالمعصوم (عليه السلام).
أمَّا علماؤنا الصالحون فهم لا يريدون أبداً ادِّعاء المشاهدة واللقاء، بل يحاولون إخفاء ذلك إنْ حدث لهم، ولكنَّهم ربَّما ذكروا ذلك تطميناً للقلوب وتأكيداً للحقيقة.
وهنا نحاول أنْ نتحدَّث موجزاً عن مسألة اللقاء بالمعصوم (عليه السلام).
صور اللقاء بالإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه):
اللقاء بالإمام (عجَّل الله فرجه) على أربعة صور:
الصورة الأُولى: اللقاء العامُّ:
وهنا نحن نعتقد أنَّ شيعة أهل البيت (عليهم السلام) كلُّهم لديهم لقاء عامٌّ مع الإمام (عجَّل الله فرجه)، ماذا يعني اللقاء العامُّ؟
اللقاء العامُّ يعني أنَّنا الآن في مجمل حركتنا واتِّجاهاتنا السياسيَّة والفكريَّة ومحافلنا الدِّينيَّة الصحيحة والشرعيَّة، لدينا في مجمل هذا التحرُّك حضور وتسديد وترشيد وفاعليَّة من قِبَل إمام الزمان (عجَّل الله فرجه)، فهو معنا يشهدنا ويبارك لنا ويدعو لنا.
هذا هو اللقاء العامُّ، فهو لقاء معنوي روحي كاللقاء بالأئمَّة (عليهم السلام) حينما نزور مراقدهم الشريفة.
إنَّ مجمل الحركة الدِّينيَّة لدى شيعة أهل البيت (عليهم السلام) فيها لقاء عامٌّ مع الإمام المعصوم (عجَّل الله فرجه)، ولولا هذا اللقاء العامُّ وهذا الحضور وهذه الفعَّاليَّة لم نكن قادرين على أنْ نواصل السير رغم الصعوبات والمعاناة.
الصورة الثانية: اللقاء في المنام:
علماؤنا جمعوا مئات الرؤى للقاء بالإمام صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه).
الشيخ الحرُّ العاملي هو من كبار علماء الشيعة في كتاب (إثبات الهداة) جمع ستَّة منامات له شخصيًّا التقى فيها مع الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه).
وكان لي شخصيًّا قبل حوالي عشرين سنة شرف اللقاء به (عجَّل الله فرجه) في المنام إلى جوار الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) سألته فيها ثلاث مسائل بعد أنْ عانقته وعانقني وقدَّم لي ثلاث بشائر هي أغلى ما أدَّخرهُ في عمري ولقد طفت معه ضريح الإمام عليٍّ (عليه السلام) ووضعت يدي بيده وسألته ثلاث مسائل فأجابني عليها ولا أرغب فعلاً أنْ أذكر تفاصيل تلك المسائل لأنَّها شخصيَّة تخصُّني بالذات.
هذا الأمر نذكره كشيء جميل للنفوس حتَّى تستأنسوا لا لشيء شخصي.
وكان لي قبل ثلاث سنوات شرف اللقاء به وتقبيل يده الشريفة في المنام ثمّ كان لي لقاء آخر معه والصلاة خلفه وقد كنت حدَّثت بها سيِّدنا شهيد المحراب (رضوان الله تعالى عليه) في أيَّام المحنة الشديدة علينا قبل الانتصار وقبل سقوط صدَّام حيث كانت قد اشتدَّت بنا المحن.
الصورة الثالثة: اللقاء المباشر غير المعروف:
والمقصود أنْ يحصل اللقاء المباشر وفي عالم اليقظة وليس المنام، ولكن لا تتوجَّه ولا تعرف أنَّه الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) ولكن بعد أنْ يتغيَّر المجلس وتفتقد الإمام تعرف أنَّه الإمام (عجَّل الله فرجه).
هذا النحو من اللقاء يتحدَّث عنه كثير من العلماء كما حدَّثتكم عن لقاء العلَّامة الحلّي في قصَّة سابقة(٢٣٦).
وهناك لقاء أعظم من هذه الصور كلِّها، وهو:
الصورة الرابعة: اللقاء المباشر المعروف:
والمقصود أنَّك تلتقي به (عجَّل الله فرجه) وتعرفه وتُكلِّمه، مثل لقاء عليِّ بن مهزيار، وللتبرُّك أذكر لكم هذا اللقاء.
قصَّة عليِّ بن إبراهيم بن مهزيار:
عن حبيب بن محمّد بن يونس بن شاذان الصنعاني، قال: دخلت على عليِّ بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، فسألته عن آل أبي محمّد (عليه السلام)، فقال: يا أخي، سألت عن أمر عظيم حججت عشرين حجَّة كلَّا أطلب به عيان الإمام فلم أجد إلى ذلك سبيلاً فبينا أنا ليلة نائم في مرقدي إذ رأيت قائلاً يقول: يا عليُّ بن إبراهيم قد أَذِنَ الله لك في الحجِّ فلم أعقل ليلتي حتَّى أصبحت، وأنا مفكِّر في أمري أرقب الموسم ليلي ونهاري، فلمَّا كان وقت الموسم أصلحت أمري، وخرجت متوجِّهاً نحو المدينة، فما زلت كذلك حتَّى دخلت يثرب (المدينة المنوَّرة)، فسألت عن آل أبي محمّد (الحسن العسكري) (عليه السلام)، فلم أجد له أثراً ولا سمعت له خبراً فأقمت مفكِّراً في أمري حتَّى خرجت من المدينة أُريد مكَّة فدخلت الجحفة وأقمت بها يوماً وخرجت منها متوجِّهاً نحو الغدير، فلمَّا أنْ دخلت المسجد صلَّيت وعفَّرت واجتهدت في الدعاء وابتهلت إلى الله لهم، وخرجت أُريد عسفان، وما زلت كذلك حتَّى دخلت مكَّة فأقمت بها أيَّاماً أطوف البيت واعتكفت فبينا أنا ليلة في الطواف إذا أنا بفتى حسن الوجه طيِّب الرائحة يتبختر في مشيته، طائف حول البيت فحسَّ قلبي به فقمت نحوه، فحككته، فقال لي: من أين الرجل؟
فقلت: من أهل العراق.
فقال: من أيِّ العراق؟
قلت: من الأهواز (يومئذٍ كانت الأهواز تابعة للعراق).
فقال لي: تعرف بها الخصيب؟
قلت: رحمه الله، دُعِيَ فأجاب.
فقال: رحمه الله، فما كان أطول ليلته وأكثر تبتُّله وأغزر دمعته، أفتعرف عليَّ ابن إبراهيم بن المازيار.
قلت: أنا عليُّ بن إبراهيم.
قال: حيَّاك الله أبا الحسن ما فعلت بالعلامة التي بينك وبين أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (العسكري) (عليهما السلام).
فقلت: معي.
قال: أخرجها.
فأدخلت يدي في جيبي فاستخرجتها، (علامة من الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لأنَّه كان معاصراً لذلك الزمان).
فلمَّا أنْ رآها تغرغرت عيناه بالدموع وبكى منتحباً حتَّى بلَّ أطماره.
ثمّ قال: أُذِنَ لك الآن يا بن مازيار صر إلى رحلك وكن على أُهبة من أمرك حتَّى إذا لبس الليل جلبابه وغمر الناس ظلامه سر إلى شعب بني عامر فإنَّك ستلقاني هناك.
وكان هذا الشابُّ المتحدِّث هو رسول للإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه)، والشعب يعني منطقة محاطة بثلاث أضلاع جبليَّة والضلع الرابع منها مكشوف.
فسرت إلى منزلي فلمَّا أنْ أحسست بالوقت أصلحت رحلي وقدَّمت راحلتي وعكمته شديداً وحملت وصرت في متنه وأقبلت مجدًّا في السير حتَّى وردت الشعب، فإذا أنا بالفتى قائم ينادي: يا أبا الحسن إليَّ.
فما زلت نحوه، فلمَّا قربت بدأني بالسلام وقال لي: سر بنا يا أخ.
فما زال يُحدِّثني وأُحدِّثه حتَّى تخرَّقنا جبال عرفات، وسرنا إلى جبال منى، وانفجر الفجر الأوَّل ونحن قد توسَّطنا جبال الطائف.
فلمَّا أنْ كان هناك أمرني بالنزول وقال لي: انزل فصلِّ صلاة الليل، فصلَّت... ثمّ فرغ من صلاته وركب، وأمرني بالركوب، وسار وسرت معه حتَّى علا ذروة الطائف.
فقال: هل ترى شيئاً؟
قلت: نعم أرى كثيب رمل عليه بيت شَعَر يتوقَّد البيت نوراً.
فلمَّا أنْ رأيته طابت نفسي.
فقال لي: هناك الأمل والرجاء.
ثمّ قال: سر بنا يا أخ فسار وسرت بمسيره إلى أنْ انحدر من الذروة وسار في أسفله فقال: انزل فهنا يذلُّ كلُّ صعب ويخضع كلُّ جبَّار...
وسار وسرت معه إلى أنْ دنا من باب الخباء فسبقني بالدخول وأمرني أنْ أقف حتَّى يخرج إليَّ.
ثمّ قال لي: ادخل هنَّأك السلامة.
فدخلت فإذا به [(عليه السلام)] جالس قد اتَّشح ببردة واتَّزر بأُخرى وقد كسر بردته على عاتقه...
فلمَّا أنْ رأيته بدرته بالسلام، فردَّ عليَّ أحسن ما سلَّمت عليه، وشافهني وسألني عن أهل العراق فقلت: ... سيِّدي، قد أُلبسوا جلباب الذلَّة، وهم بين القوم أذلَّاء.
فقال لي: «يا بن المازيار، لتملكونهم كما ملكوكم وهم يومئذٍ أذلَّاء».
فقلت: سيِّدي لقد بعد الوطن وطال المطلب.
فقال: «يا بن المازيار (أبي) أبو محمد عهد إليَّ أنْ لا أُجاور قوماً غضب الله عليهم (ولعنهم) ولهم الخزي في الدنيا والآخرة ولهم عذاب أليم، وأمرني أنْ لا أسكن من الجبال إلَّا وعرها، ومن البلاد إلى عفرها، والله مولاكم أظهر التقيَّة فوكلها بي، فأنا في التقيَّة إلى يوم يُؤذَن لي فأخرج».
... قال: فأقمت عنده أيَّاماً، وأَذِنَ لي بالخروج بعد أنْ استقصيت لنفسي وخرجت نحو منزلي(٢٣٧).
هذه القصَّة هي نموذج من عشرات، بل مئات من قَصص اللقاء مع الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه).
ومع ذلك فإنَّ مسؤوليَّتنا هي الإعداد والاستعداد لظهوره (عجَّل الله فرجه).
في دعاء العهد الجديد هكذا نقرأ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُجَدِّدُ لَهُ فِي هذا اليَوْمِ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ عَهْداً وَعَقْداً وَبَيْعَةً فِي رَقَبَتِي، اللَّهُمَّ كَما شَرَّفْتَنِي بِهذا التَّشْرِيفِ وَفَضَّلْتَنِي بِهِذِهِ الفَضِيلَةِ وَخَصَصْتَنِي بِهِذِهِ النِّعْمَةِ، فَصَلِّ عَلَى مَوْلَايَ وَسَيِّدِي صَاحِبِ الزَّمَانِ، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَنْصَارِهِ وَأَشْيَاعِهِ وَالذَّابِّينَ عَنْهُ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ»(٢٣٨).
ليلة عاشوراء:
ليلة عاشوراء هي ليلة الوداع.
الرواية التي يرويها الشيخ المفيد (رحمه الله) تقول: خرج الحسين (عليه السلام) منتصف هذه الليلة خارج الخيام يتفقَّد التلاع والروابي أنْ لا تكون مكنًّا للأعداء يقول نافع بن هلال: خرجت خلفه لئلَّا يكون أحد من الأعداء نصب كميناً للإمام لـمَّا خرج وابتعد عن الخيام التفت إليَّ وأنا وراءه قال: «أنافع هذا؟».
قلت: بلى، سيِّدي فداك نافع ما تصنع يا أبا عبد الله؟
قال (عليه السلام): «خرجت أتفقَّد التلاع والروابي أنْ لا تكون مكنًّا للأعداء».
ثمّ أخذ بيدي وقال لي: «يا نافع، ألَا تسلك بين هذين الجبلين وتنجو بنفسك؟».
وقعت على قدميه أُقبِّلهما وأقول: سيِّدي، إنَّ فرسي بألف، وسيفي بألف، والله لا تركتك حتَّى يكلَّا عن فرِّي وجرِّي.
وفي رواية ثانية يقول إمامنا زين العابدين (عليه السلام): «في هذه الليلة كان أبي الحسين (عليه السلام) بباب الخيمة محتبياً سيفه يُقلِّب سيفه وهو يقول:

يا دهر أُفٍ لك من خليل * * * كم لك بالإشراق والأصيلِ
من صاحبٍ وطالبٍ قتيل * * * والدهرُ لا يقنع بالقليلِ
وكلُّ حيٍّ سالكٌ سبيلي * * * وإنَّما الأمرُ إلى الجليلِ».

يقول إمامنا زين العابدين (عليه السلام): «عرفت أنَّ أبي الحسين يُودِّع هذه الليلة وينعى نفسه، سكت وأخذتني العبرة، لكن عمَّتي زينب لـمَّا سمعت هذه الأبيات من الحسين وهي تعرف أنَّها أبيات نعي، لـمَّا سمعت عمَّتي وهي امرأة ومن شأن النساء الرقَّة بكت وأقبلت صارخة إلى الحسين: أبا عبد الله، أراك تنعى نفسك، أراك استسلمت للموت.
قال: أُخيَّة زينب كيف لا يستسلم للموت من لا ناصر له ولا معين».
يقول نافع بن هلال: كنت واقفاً بجانب الخيمة أسمع هذا الحديث بين زينب وبين الحسين (عليه السلام)، تقول: أخي إذا كان يوم غدٍ وصارت المعركة بينك وبين هؤلاء الأعداء، هل استعلمتَ أصحابك؟ إنِّي أخشى أنْ يخذلوك عند الوثبة.
فقال لها الحسين (عليه السلام): «أُخيَّة زينب، والله لقد خبرتهم وبلوتهم فلم أجد فيهم إلَّا الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنيَّة دوني».
ثمّ أقبل الحسين (عليه السلام) يُوصِّيها ويُطمِّنها.
«أُخيَّة زينب مات جدي وهو خير منِّي، مات أبي وهو خير منِّي، ماتت أُمِّي وهي خير منِّي، مات أخي وهو خير منِّي.
أُخيَّة زينب، إنَّ أهل الأرض يموتون، وأهل السماء لا يبقون».
يقول نافع: لـمَّا سمعت هذا المشهد أقبلت إلى حبيب بن مظاهر وهو شيخ الأصحاب والأنصار، فقَصصت له القصَّة، ونقلت له ما سمعت، وقلت: إنَّ زينب قلقة غير مطمئنَّة من نصرتنا.
قال حبيب: والله لولا انتظار أمرهم لعاجلتهم هذه الساعة بالسيف.
قلت له: إذن تعالَ فلنجمع الأنصار ونذهب إلى خيمة زينب حتَّى تطمئنَّ من وجودنا الليلة.
يقول: خرجنا في تلك الليلة.
حبيب نادى: يا أصحاب الحميَّة، ويا ليوث الكريهة، ويا أبطال الهيجاء، فتدفَّق القوم والأصحاب من خيامهم، وخرج بنو هاشم من خيامهم يتقدَّمهم قمر بني هاشم.
قالوا: ما الخبر يا حبيب؟
قلت لهم: أمَّا أنتم يا بني هاشم ارجعوا لا سهرت لكم عين، ارجعوا يا بني هاشم، وبقى الأصحاب، حبيب بن مظاهر شرح لهم ما سمع، ودعاهم للمجيء إلى خيمة العقيلة زينب، أقبلوا جميعاً، وقفوا بباب الخيمة.
نادى حبيب: السلام عليكم يا أهل بيت النبوَّة، هذه سيوف غلمانكم أبوا أنْ يغمدوها إلَّا في صدور من يريد السوء فيكم(٢٣٩).
إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.

والحمد لله ربِّ العالمين
* * *
المحاضرة العاشرة: موقع المرأة في عصر الظهور

(١٠/ محرَّم الحرام/ ١٤٢٦هـ)

تقرأ في هذه المحاضرة الإجابة على الأسئلة التالية:
٩١ - ما هي الواجبات الثلاثة في زمن الغيبة؟
٩٢ - لماذا لا يُستجاب الدعاء؟
٩٣ - ما هو موقع المرأة في النظريَّة الإسلاميَّة؟
٩٤ - كيف نُفسِّر التمايز التشريعي بين الرجل والمرأة؟
٩٥ - رواية انتقاص المرأة كيف نُفسِّرها؟
٩٦ - ما هو دور المرأة في حركة الإمام الحسين (عليه السلام)؟
٩٧ - ما هو موقع المرأة في حركة إمام العصر (عجَّل الله فرجه)؟
٩٨ - كيف نُفسِّر علامة (ظهور الشمس من المغرب)؟
٩٩ - ما هي نداءات الإمام (عجَّل الله فرجه) عند الظهور؟
١٠٠ - لماذا سقط الجهاد المسلَّح عن المرأة في الإسلام؟
حديثنا في هذه المحاضرة هو استمرار وإدامة لأحاديث سبقت عن نقاط الاشتراك والتمايز بين ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وثورة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
لقد ذكرنا مجموعة مشتركات ومجموعة نقاط تمايز بين الحركة الإصلاحيَّة للحسين (عليه السلام) والحركة الإصلاحيَّة لإمام الزمان (عجَّل الله فرجه).
إنَّ واحدةً من نقاط الاشتراك - وهو ما نريد أنْ نتناوله هنا بشكل موجز - هو موقع المرأة في الثورتين وفي الحركتين موقع المرأة في حركة الحسين (عليه السلام) الإصلاحيَّة وموقع المرأة في حركة صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) الإصلاحيَّة.
هل كانت المرأة لها موقع هناك في كربلاء وهنا في يوم الظهور؟ هذا ما سوف نتناوله هنا.
التكليف في زمن الغيبة:
في بداية الحديث رأينا الإمام الصادق (عليه السلام) يُشخِّص لنا ما هو التكليف في هذا الزمن وهو زمن الغيبة.
يقول (عليه السلام): «من سرَّه أنْ يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإنْ مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدُّوا وانتظروا، هنيئاً لكم أيَّتها العصابة المرحومة»(٢٤٠).
فلينتظر ويكون ثابتاً على هذا المعتقد ويكون غير آيس من ظهوره (عجَّل الله فرجه)، وهذا هو معنى الانتظار، حيث ورد في الروايات عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أفضل أعمال أُمَّتي انتظار الفرج»(٢٤١)، هذا هو العمل الأوَّل.
أمَّا العمل الثاني هو العمل بالورع والتقوى والابتعاد عن المعاصي، وهذا تكليفنا في زمن الغيبة.
والعمل الثالث أنْ يكون حسن الأخلاق والتعامل مع الناس ومع الأهل ومع الدائرة ومع المراجعين ومع الأُستاذ ومع الطلبة.
لاحظوا هذه أُمور ميسورة لكلِّ واحد، عليه أنْ ينتظر ويعمل بالورع ويعمل بمحاسن الأخلاق.
رواية أُخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: «يا فضيل، اعرف إمامك فإنَّك إذا عرفت إمامك لم يضرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر، ومن عرف إمامه ثمّ مات قبل أنْ يقوم صاحب هذا الأمر كان بمنزلة من كان قاعداً في عسكره» كما لو كنت جنديًّا معه إذا كنت عارفاً بالإمامة معتقداً به منتظراً لأمره ومؤدّياً للتكليف الذي عليك وهو الانتظار والورع ومحاسن الأخلاق.
ثمّ يقول (عليه السلام): «لا بل بمنزلة من قعد تحت لوائه»(٢٤٢).
لماذا لا يُستجاب الدعاء بالفرج؟
إنَّ إحدى المستحبَّات في زمن الغيبة الدعاء بالفرج، وهذا هو الدعاء المعروف: «اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ بْنِ الحَسَنِ، صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِه فِي هَذِهِ السَّاعَةِ وَفِي كُلِّ سَاعةٍ، وَلِيًّا وَحَافِظاً وَقَائِداً وَنَاصِراً وَدَلِيلاً وَعَيْناً حَتَّى تُسْكِنَهُ أَرْضَكَ طَوْعاً وَتُمَتِّعَهُ فِيْها طَوِيلاً»(٢٤٣).
لكن قد تقولون: إنَّه طالما ندعو، فلا يُستجاب، فما هو السبب؟
هنا الإمام الصادق أو الباقر (عليهما السلام)، والرواية هي مردَّدة بين الإمامين تقول: (عن أحدهما)، الرواية يرويها الشيخ الكليني (رحمه الله) في (الكافي) عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما. الشيخ الكليني (رحمه الله) من عظماء فقهاء الشيعة، مؤلِّف كتاب (الكافي)، وهو كتاب جليل الشأن، يروي هذه الرواية عن محمّد بن مسلم، وهو من تلاميذ الإمام الصادق (عليه السلام) من الدرجة الأُولى الذي روى عن الإمام الصادق (عليه السلام) ثلاثين ألف رواية(٢٤٤)، يروي عن أحدهما إمَّا الباقر أو الصادق (عليهما السلام)، هكذا يقول في الجواب عن السؤال: إنَّه لماذا ندعو ولا يُستجاب لنا؟
الإمام الباقر أو الصادق (عليهما السلام) يقول: كان في بني إسرائيل شخص يدعو فلا يُستجاب له، ويدعو ويدعو فلا يُستجاب له، جاء إلى عيسى (عليه السلام) قال: يا عيسى أنا أدعو فلا يُستجاب دعائي أرجوك اسأل الله تبارك وتعالى أنْ يكشف لي أين العقدة التي عندي؟ ما هي مشكلتي؟ وهذا سؤال مهمٌّ بالنسبة لنا جميعاً.
عيسى (عليه السلام) سأل الله تعالى قال: إلهي عبدك فلان يدعو فلا تجيبه، لماذا؟
أوحى الله تعالى إليه: إنَّه يدعوني وفي قلبه شكٌّ فيك وإنَّه يأتيني من غير الباب الذي أمرته بها يعني ادخلوا إلى الله تعالى من طريق الأنبياء (عليهم السلام)، تريدون عبادة الله يجب أنْ يكون عن طريق النبوَّات وليس عن طريق الابتداع والبدعة.
جاء عيسى وقال له: يا هذا الله تعالى كشف لي الحقيقة وبيَّن لي أنَّ في قلبك شكٌّ منِّي.
قال: يا عيسى، هكذا كان لكن أنا أتوب وأنا أعتذر فتاب وقُبِلَت توبته، ودعا فاستجيب له(٢٤٥).
المطلوب إذن أوَّلاً دعاء مع يقين.
وثانياً الورود من نفس الباب الذي أمر الله تعالى أنْ ندخل منه.
﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (البقرة: ١٨٩)، أمَّا أنْ تدخل من الشبَّاك فلا تلوم أحداً إذا جُرحت أو لم تصل سالماً.
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها»(٢٤٦)، فإذا أراد أحد أنْ يأتي مدينة الرسول من باب أبي هريرة فلن يصل.
على كلِّ حالٍ الدعاء بالفرج مستحبٌّ، ولكن مع الثقة ومع اليقين، وبشرط أنْ ندخل البيوت من أبوابها.
موقع المرأة:
نحن قلنا: إنَّ حديثنا في هذه المحاضرة هو عقد مقارنة بين حركة الحسين (عليه السلام) وحركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في موقع المرأة في الحركتين.
المرأة لها موقع في حركة الإمام الحسين (عليه السلام)، فهل لها مثل ذاك الموقع في حركة الإمام صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) أو ليس لها مثل ذاك الموقع؟
ثمّ هذا الأمر ينفتح لنا منه باب واسع، وهو اعتقادنا بموقع المرأة في الإسلام.
اليوم في العالم يدور الحديث عن حقوق المرأة وحرّيَّة المرأة ومشاركة المرأة الإسلام ماذا يعتقد في حرّيَّة المرأة وحقِّ المرأة؟ وهذا الأمر هو محلُّ حديث وبحث ساخن في أيَّامنا هذه.
في أيَّامنا هذه توجد امرأة في أمريكا أصبحت مثاراً للحديث في الصُّحُف والأقلام وكتابات المفكِّرين، وحتَّى وصلت إلى شيخ الأزهر هذه المرأة اسمها (أمينة ودود)، وهي مسلمة أمريكيَّة طرحت موضوع إمامة المرأة للرجال في الصلاة قالت: مثلما أنتم الرجال تكونون إمام جماعة ونحن نُصلِّي وراءكم فأنا أمينة ودود أُريد أنْ أكون إمام جماعة، نقلت بعض الصحافة أنَّها بدأت تفعل هذا الأمر وصلَّت صلاة الجماعة، تريد أنْ تكون إمام جماعة في المسجد ويُصلِّي وراءها الرجال، هذا الموضوع أصبح ساخناً جدًّا في الإعلام وفي الصحافة حتَّى تناوله شيخ الأزهر وأعطى فيه الفتوى الفقهيَّة.
أنا الآن لست بصدد تناول هذا الموضوع، لكن أُريد أنْ أذكر موضوعات ساخنة إنَّه حينما نتحدَّث عن حقوق المرأة وموقعها فإنَّ له مستويات معيَّنة وحتَّى يصل إلى مستوى إمامة المرأة للرجل في الصلاة، وأنَّ هذا هل هو في الحقيقة علامة من علامات المساواة أو لا فهو شيء آخر؟
في الحقيقة هو تجاوز للواقعيَّات وتجاوز للامتيازات التكوينيَّة بين الرجل والمرأة هذا هو ما نريد أنْ نبحثه موجزاً.
النظريَّة الإسلاميَّة في المرأة:
ننفتح للحديث عمَّا هي النظريَّة الإسلاميَّة في المرأة، ويمكن تلخيصها بما يلي:
أوَّلاً: الأصالة الإنسانيَّة.
ثانياً: المساواة الحقوقيَّة.
ثالثاً: التمايزات الوظيفيَّة.
هذه الأُمور الثلاثة هي خلاصة ما يعتقد به الإسلام في المرأة، والآن حينما نطرح هذا الأمر بشكل معاصر نجد أنَّ الادِّعاءات الغربيَّة تجاه حقوق المرأة واتِّهام الإسلام بأنَّه لا يراعي المرأة، نجدها ادِّعاءات كاذبة.
الأصالة الإنسانيَّة:
حيث إنَّ الإسلام يعتقد أنَّ الأصالة ليست لعنصر الذكورة ولا لعنصر الأُنوثة وإنَّما الأصالة للإنسان والإنسان موجود في الرجل كما هو موجود في المرأة، هذا نُسمّيه الأصالة الإنسانيَّة، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣)، رجالاً أو نساءً لا يوجد فرق.
التساوي في الحقوق:
يقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: ٧١)، هذه الآية ختمت كلَّ حديث عن المرأة، كما المؤمن وليٌّ على المؤمنة، كذلك المؤمنة وليَّة على المؤمن، فالمرأة لها موقع الولاية والريادة في بناء المجتمع، هذا هو ما نُسمّيه: المشاركة السياسيَّة، أو المشاركة الاجتماعيَّة.
وهكذا يقول القرآن الكريم: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: ٢٢٨)، هذا على مستوى العلاقات الأُسريَّة، رغم أنَّ الإسلام قد أعطى القيمومة للرجل وقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: ٣٤)، وقال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة: ٢٢٨)، إلَّا أنَّ ذلك لا يصطدم مع حقيقة المساواة الحقوقيَّة، ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
التمايز الوظيفي:
في الوقت الذي نعتقد بالأصالة الإنسانيَّة، وفي الوقت الذي نعتقد بالمساواة الحقوقيَّة، لكن إلى جانب ذلك هناك تمايز وظيفي ناشئ من التمايز التكويني بين الرجل والمرأة.
هذا التمايز الوظيفي هو الذي يجعل المرأة اليوم في العالم المعاصر لا تتحمَّل أعمال ووظائف شاقَّة ولا قتالاً عسكرياً ولا أعمالاً سياسيَّة مرهقة المرأة الآن هي بهذا الشكل.
الإسلام يعتقد أنَّ هناك تمايزاً وظيفيًّا يجعل المرأة تمارس مهامَّها تتناسب مع طبيعتها الفسيولوجيَّة والسيكولوجيَّة التي تختلف عن المهامِّ التي يندفع لها الرجل.
إنَّ هناك امتيازات تكوينيَّة بين الرجل والمرأة، هذه الامتيازات التكوينيَّة سوف ينشأ عنها تمايز تشريعي ووظيفي يذكره القرآن في الميراث مثلاً: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (النساء: ١١)، أو في القضاء حيث إنَّ شهادتها دون شهادة الرجل ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (البقرة: ٢٨٢)، هذا هو ما نُسمّيه: تمايز تشريعي ناشئ من تمايزات تكوينيَّة دون أنْ يعني ذلك أنَّ الرجل له كرامة على المرأة، فلا نتخلَّى عن قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: ٧١)، ولا نبتعد عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣)، كلَّا، هذا تمايز وظيفي تمارسه كلُّ القوانين العالميَّة اليوم بشكل وآخر.
نفس هذا الواقع نجده في العلاقة بين الابن والأبوين فالابن مسؤول عن البرِّ بالوالدين، ولكن ذلك لا يعني أنَّ الأب عند الله أفضل من الابن بل الابن عند الله تعالى قد يكون أفضل من الأب، فقد يكون الابن مجتهداً فقيهاً والأب من عامَّة الناس.
مثلاً كما يذكرون في قصَّة العلَّامة الحلِّي (رحمه الله) المدفون في رواق الحضرة العلويَّة عند الباب الذهبيَّة الأُولى.
العلَّامة الحلِّي الذي عاش في القرن السابع الهجري كان معروفاً بنبوغه، والمعروف أنَّ عمره كان ثلاث عشرة سنة وبلغ مرتبة الاجتهاد الفقهي، حيث تذكر بعض الروايات التاريخيَّة أنَّ والده أراد أنْ يُؤدِّبه مرَّةً أو يضربه، فانهزم منه العلَّامة الحلِّي، وتبعه الأب، ولكن العلَّامة الحلِّي قرأ آية السجدة من القرآن الكريم، وهو غير مكلَّف فلا يجب عليه السجود لكن أباه يجب عليه أنْ يسجد، وعندما يسجد الأب يكون العلَّامة الحلِّي قد هرب(٢٤٧).
هذا كمثال ذكرته في الحقيقة للإشارة إلى أنَّ الابن قد يكون أفضل من الأب لكن مع ذلك فإنَّ الابن يجب أنْ يطيع الأب ويكون بارًّا به، وهذا لا يدلُّ على الأفضليَّة بل هذه قضيَّة أُخرى نُسمّيها: التمايز الوظيفي والتمايز التشريعي على أساس الاستحقاقات التكوينيَّة. هذا ليس تمايزاً في الكرامة الإنسانيَّة ولا تمايزاً في الجنبة الحقوقيَّة حيث يقول تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: ٧١)، ويقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (النساء: ١٩)، لكن إلى جانب ذلك يوجد تمايز وظيفي كما هو اليوم موجود في كلِّ العالم، لكن العالم الغربي يحاول خداع الناس في مسألة الدفاع عن حقوق المرأة، حتَّى وصلنا إلى ما ذكرت لكم في قصَّة أمينة ودود ومطالبتها بأنْ تكون المرأة إمامة جماعة للرجال وبالفعل فقد قامت بإمامة حوالي مائة من الرجال والنساء في أحد الكنائس في نيويورك وفي ظلِّ حماية أمنيَّة مشدَّدة برعاية الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة!
التشريع الإسلامي يقول: إنَّ المرأة لا تكون إماماً للرجل في صلاة الجماعة ليس على أساس أنَّ الرجل أفضل، بل على أساس أنَّ خصائص المرأة لا تسمح لها أنْ تكون في موقع الإمامة في الصلاة، لطبيعة البناء النفسي والبدني للمرأة والبناء النفسي والبدني للرجل كما أنَّ المرأة لا يمكن أنْ تكون حدَّاداً مثلاً أو عاملة في المناجم الشاقَّة تحت الأرض أو مقاتلة في الخطوط الأماميَّة.
وهكذا الحال في الشهادة عند القضاء، حيث إنَّ شهادتها بنصف شهادة الرجل، فإنَّ هذا الحكم خاضع للتمايز التكويني بينها وبين الرجل من حيث قدراتها العاطفيَّة.
الإنسان المعاصر مرغم على قبول هذا التمايز التكويني مهما ادَّعى وحاول أنْ يكابر أو أنْ يخادع، لكن التمايز التكويني والوظيفي يبقى موجوداً، والفقه الإسلامي يبقى فقهاً أصيلاً مبنيًّا على أساس التمايز التكويني الذي سوف ينتج منه تمايز وظيفي وتشريعي.
أمَّا الأصالة الإنسانيَّة فإنَّها تبقى واحدة، وتبقى المساواة الحقوقيَّة والسياسيَّة واحدة.
إشكالات على النظريَّة الإسلاميَّة:
حينئذٍ سوف نواجه إشكالين:
الإشكال الأوَّل: كيف نُفسِّر اختلاف أحكام التشريع الإسلامي بين الرجل والمرأة؟ مثلاً في الميراث نجد أنَّ نصيب الرجل ضعف نصيب المرأة وفي الحياة الزوجيَّة نجد أنَّ الرجل هو القيِّم على المرأة، ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: ٣٤)، كيف نُفسِّر ذلك؟
الجواب: أنَّ هذا في الحقيقة انطلاق من التمايز التكويني بينهما والتمايز الوظيفي فطالما كان الرجل معيلاً بالمرأة وفقاً للبناء الإسلامي للمجتمع ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: ٣٤)، إذن من الطبيعي أنْ يكون حقُّه المالي أكثر من حقِّها.
يجب أنْ ندرس هذه المسألة من مجموع زواياها ويجب أنْ ندرسها وفقاً لكامل النظريَّة الإسلاميَّة التي تقول: إنَّ الرجل هو الذي يعيل بالمرأة وليست المرأة هي التي تعيل بالرجل طبعاً في التشريع الغربي والحياة الغربيَّة لا توجد مثل هذه المسؤوليَّة ولا مثل هذه العلاقة لكن في التشريع الإسلامي عندما نأخذه ككلٍّ حيث إنَّ الرجل هو المعيل للمرأة وهو الكفيل بها في ضوء هذا التشريع فإنَّ من الطبيعي أنْ يكون ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، لأنَّ المسؤوليَّة الماليَّة وضعها الإسلام على عاتق الرجل، وبالتالي فإنَّ من الطبيعي أنْ يكون نصيب الرجل في الميراث أكثر من المرأة.
الإشكال الثاني: كيف نُفسِّر روايات انتقاص المرأة، حيث توجد لدينا روايات تقول: «المَرْأَةُ شَرٌّ كُلُّهَا»(٢٤٨) «إِنَّ النِّسَاءَ نَوَاقِصُ الْإِيمَانِ، نَوَاقِصُ الْحُظُوظِ، نَوَاقِصُ الْعُقُولِ»(٢٤٩)، هذه الروايات موجودة في تراثنا الروائي إذن كيف نُفسِّر ذلك؟
الجواب: نحن نأخذ أصل النظريَّة من القرآن الكريم ومن السُّنَّة الثابتة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام).
وقد أشرنا أنَّ النظريَّة تتألَّف من ثلاثة أركان: الأصالة الإنسانيَّة والمساواة الحقوقيَّة والتمايز الوظيفي، هذه هي النظريَّة وحينئذٍ فإنَّ كلَّ ما يصطدم مع هذه النظريَّة يجب أنْ نبحث له عن تفسير معقول أو نردَّ علمه وتفسيره إلى أهله (عليهم السلام) ونقول: إنَّ علمه عند أهله، أو نقول: هي بالأصل روايات غير ثابتة سنديًّا، حيث لا نملك أيَّ أرقام تدلُّ على أنَّ هذه الروايات صادرة عن الإمام المعصوم (عليه السلام).
إنَّ الكثير من الروايات موجودة في كُتُب الحديث، لكن الفقهاء لا يقبلون إلَّا الروايات الصحيحة والموثوق منها ويتركون ما عداها، خاصَّةً إذا كان معارضاً للقرآن الكريم.
إنَّ أصل النظريَّة في شأن المرأة نأخذها من القرآن الكريم، وهي تعتمد على الأصالة الإنسانيَّة للمرأة كما هي للرجل.
لا يتصوَّر شخص منَّا أنَّ الرجل أفضل من المرأة لا في الدنيا ولا في يوم القيامة هذا التصوُّر يصطدم مع الحقيقة القرآنيَّة القائلة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣)، لا يتصوَّر أحد أنَّ الرجل في الدنيا له دور في بناء المجتمع أكبر من دور المرأة بينما القرآن الكريم صريح في المساواة حيث يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٧١).
الرجل والمرأة يأمرون بالمعروف ويؤتون الزكاة الرجل كان يأتي ويبايع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بداية الإسلام والمرأة كانت تأتي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتبايع في بداية الإسلام لكن الفرق - وهذا نتيجة التمايز الوظيفي والتمايز التكويني - أنَّ الرجل كان يأتي ويمدُّ يده ورسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يضع يده فوق يد ذلك الرجل حيث قال القرآن الكريم: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: ١٠)، أمَّا بالنسبة للمرأة فقد قدَّم التشريع الإسلامي طريقة أُخرى للمشاركة السياسيَّة حيث وضعوا طشتاً من ماء وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يضع يده في ذلك الطشت والمرأة تأتي وتضع يدها في ذلك الطشت يعني صارت عمليَّة تلاقٍ ميدانيٍ بين الرجل والمرأة.
هذا هو الجواب عن الإشكال الثاني في تفسير مجموعة من الروايات التي تشين بموقع المرأة وتعتبرها ناقصة أو أنَّها شرٌّ وهذه الروايات كما قلنا تتعارض مع النظريَّة القرآنيَّة والسُّنَّة الثابتة، وحينئذٍ إذا أردنا أنْ نقبلها فيجب أنْ نقبلها على أساس تأويل، أو نقول: إنَّها غير صحيحة، أو نقول: نردُّ علمها إلى أهلها حيث نحن لا نعلم ما هو المقصود.
هذا الموقف هو نفسه الذي نتعامل به مع نصوص قرآنية تقول مثلاً: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة: ٢٢ و٢٣)، فهل يوجد أحد ينظر إلى وجه الله تبارك وتعالى؟
الجواب: لا ولذا فإنَّ المفسِّرين يبحثون عن تأويل لهذه الآية.
كذلك في نصوص أُخرى قد يبدو أنَّها تصطدم مع معتقداتنا القرآنيَّة الثابتة، فإنَّ كلَّ نصٍّ يتعارض مع تلك الثوابت يجب أنْ نبحث له عن تأويل وتنتهي المشكلة.
المرأة في حركة الحسين (عليه السلام):
ولنعد إلى معرفة دور المرأة في حركة الحسين (عليه السلام).
المرأة شاركت في الحركة الحسينيَّة، وأترك هذا الأمر إلى معلوماتكم التاريخيَّة، شاركت في صنع الثورة، كما شاركت في صيانة الثورة.
مشاركة المرأة في صنع الثورة:
تذكرون هنا امرأة زهير بن القين، وهو رجل جليل الشأن عظيم القدر وشيخ عشيرة حينما امتنع من الاستجابة للحسين (عليه السلام) حينما دعاه، أقبلت إليه زوجته وقالت: يا زهير، ابن بنت رسول الله يدعوك ثمّ لا تجيبه؟! ما ضرَّك أنْ تذهب وتسمع ما يقول ثمّ ترجع.
هذه الكلمة كانت نقطة تحوُّل عظيم عند زهير بن القين، فبدلاً من أنْ يكون من المتخلِّفين عن نصرة الحسين (عليه السلام)، وإذا به يصبح من أنصار الحسين (عليه السلام) ومن الدرجة الأُولى، وهذا تحوُّل عظيم(٢٥٠).
هذا نموذج في الحقيقة يذكره التاريخ عن دور المرأة في صنع الثورة الحسينيَّة.
مشاركة المرأة في صيانة الثورة:
أنتم تعرفون أنَّ أهل الشام استقبلوا السبايا بالطبول والدفوف، ولكن دور العقيلة زينب سرعان ما أحدث ثورةً وانقلاباً في الشام حتَّى اضطرَّ يزيد بن معاوية إلى أنْ يعقد مأتماً حسينيًّا في قصره وهذا من الغرائب في التاريخ، لكن هو حقيقة أنَّه في قصر يزيد الذي لم يمضِ على قتله للحسين (عليه السلام) إلَّا عشرون يوماً عُقِدَ مجلس حسيني لمدَّة سبعة أيَّام في داخل القصر وبعد أنْ كان رأس الحسين (عليه السلام) معلَّقا قبل أيَّام على باب القصر الآن أصبح قصر يزيد بن معاوية موشَّحاً بالحزن ويزيد يقول: لعن الله ابن مرجانه فقد عجَّل بقتل الحسين (عليه السلام)(٢٥١).
هذا هو دور العقيلة زينب (عليها السلام) في صيانة الثورة حتَّى لا تُصادَر وتُشوَّه، ولا يقال: هؤلاء خوارج، اُقتلوهم لأنَّهم خرجوا على إمام زمانهم.
دور المرأة في الحركة الحسينيَّة:
نستطيع أنْ نقول: إنَّ المرأة كان دورها في حركة الحسين (عليه السلام) متمثِّلاً في ثلاثة أدوار:
الدور الأوَّل: الدور التحريضي.
الدور الثاني: الدور الدفاعي.
الدور الثالث: الدور الإعلامي.
أمَّا الدور التحريضي كما شرحت لكم في امرأة زهير بن القين.
أمَّا الدور الدفاعي كما في زينب (عليه السلام) لـمَّا منعت القتل عن زين العابدين (عليه السلام) فقد دافعت عن زين العابدين (عليه السلام) في مجلس يزيد وابن زياد(٢٥٢)، وفي عرصات كربلاء دافعت عنه أنْ لا يُقتَل.
أمَّا الدور الإعلامي حينما رجعوا إلى المدينة المنوَّرة وأصبح المأتم معقوداً لمدَّة سنة كان هنا دور أُمِّ البنين وأمثال أُمِّ البنين، وكانت تلهب أجواء المدينة حزناً وحماساً لمقتل الحسين (عليه السلام)، وتثير ظلامة الحسين (عليه السلام)، حتَّى كان مثل مروان بن الحَكَم الحاقد على أهل البيت (عليهم السلام) حينما يمرُّ على أُمِّ البنين وقد صنعت قبوراً أربعة تبكي عندهم لمدَّة سنة كان مروان إذا مرَّ بها يبكي(٢٥٣) وهذا دور إعلامي عظيم قامت به المرأة في صيانة الثورة الحسينيَّة، هذا هو دور المرأة.
طبعاً لا يوجد دور عسكري للمرأة في الثورة الحسينيَّة، وهذه قضيَّة يجب أنْ نفرغ منها أنَّ الدور العسكري ساقط عن المرأة، لقد قال الحسين (عليه السلام):

كُتِبَ القتل والقتال علينا * * * وعلى المحصنات جرُّ الذيولِ(٢٥٤)

الذيول المقصود به في اللغة العربيَّة أطراف الرداء، يعني على المرأة أنْ تكون محجَّبة وتجرَّ حجابها ولا تشارك في ميدان القتال.
الدور العسكري ساقط عن المرأة إسلاميًّا كما هو ساقط حضاريًّا يعني اليوم مهما ينادي العلم بحقوق المرأة ومساواة المرأة للرجل ولكن المرأة لا تقوم بدور عسكري في كلِّ العالم وعلى طول التاريخ أنتم لا تجدون في قيادة القوَّات المسلَّحة أو في عمليَّات الهجوم والصاعقة وما شاكل ذلك لا تجد أنَّ المرأة هي التي تتصدَّى لذلك، هذه القضيَّة هي قضيَّة تكوينيَّة مهما قال وتحدَّث العلم والقانون عن حقوق المرأة، لكن في الحقيقة هذا ظلم للمرأة أنْ تشارك أو تُدفَع للعمل في خارج استحقاقاتها التكوينيَّة.
على طول التاريخ أنتم لا تجدون إلَّا في حالات نادرة أنَّ المرأة كانت تقود جيشاً.
أين نجد في التاريخ المعاصر والقديم امرأة قائدة للقوَّات المسلَّحة؟
هل وجدنا ذلك في الحرب العالميَّة الأُولى، أو الثانية، أو في حروب فيتنام، أو في تحرير إيرلندا، أو في تحرير الصين على يد ماوتسيتونغ مثلاً؟!
نحن نُدرك أنَّ هناك امتيازاً تكوينيًّا بين الرجل والمرأة لا يسمح للمرأة أنْ تكون عاملة في المناجم تحت الأرض، لأنَّ فيها مخاطر وصعوبات بدنيَّة وإرهاقاً جسميًّا هذا العالم الغربي الذي يدعو للمساواة بين المرأة والرجل لكن لا يبعثها إلى المناجم تحت الأرض ولا نجد أنَّ المرأة في العالم سواءً في الغرب أو الشرق وفي أكثر الأُمَم تمدُّناً لا تعمل المرأة عاملة بناء مهما يريد الإنسان أنْ يدعو للمساواة بين المرأة والرجل لكن لا أحد يرضى لها أنْ تكون عاملة بناء أو ما شاكل ذلك من الأعمال الشاقَّة، لا في الشرق ولا في الغرب، ولا في أمريكا ولا بريطانيا لماذا؟
ليس على أساس أنَّها لا تملك الحقَّ في ذلك وإنَّما على أساس أنَّ من حقِّها أنْ تمارس أعمالاً تتناسب مع كيانها الفسيولوجي والسيكولوجي، يعني التكوين النفسي والتركيب البدني الذي لا يسمح لها أنْ تعمل في المناجم والحروب.
نحن لماذا نغالط ونكابر على الحقيقة؟
هذا العالم والسياسة العالميَّة كلُّها خذوا مثلاً رؤساء الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة ارجعوا من الرئيس الفعلي وهو بوش إلى من قبله، لا تجدون رئيسة للجمهوريَّة في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة! هل هذا هو تجاوز لحقوق المرأة؟ نحن نقول: إنَّه ليس تجاوزاً وإنَّما هي امتيازات تكوينيَّة هذا ليس بخساً لحقِّها بل هو اعتراف بحقِّها البدني وحقِّها النفسي الذي لا يساعدها على تحمُّل هذه الأعباء الشاقَّة.
في الثورة الحسينيَّة أيضاً لم يكن للمرأة دور عسكري كان لها دور كما قلنا تحريضي ودفاعي وإعلامي، كان لها دور في فعل الثورة ودور في صيانة الثورة ودور في ديمومة الثورة.
بعض النساء نتيجة الاندفاع الكبير لنصرة الحسين (عليه السلام) كما تعرفون في يوم عاشوراء أخذت عموداً من الخيمة ونزلت لكي تقاتل.
لكن الإمام الحسين (عليه السلام) أقبل عليها وسحبها من المعركة وقال: «أَمَةَ الله كُتِبَ القتل والقتال علينا، وعلى المحصنات جرُّ الذيول»(٢٥٥) يعني ليس للمرأة دور عسكري.
المرأة في حركة إمام العصر (عجَّل الله فرجه):
ننتقل إلى حركة الإمام صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه) حيث تتحدَّث الروايات عن أنصار صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه) وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر هنا أين موقع المرأة؟
سنجد في الروايات وأنا أقرأ لكم هذه الرواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) يقول: «ويجيء والله ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكَّة على غير ميعاد قَزَعَاً كَقَزَع الخريف»(٢٥٦)، يعني مثل الغمامة والسُّحُب تسرع حتَّى يجتمعون في مكَّة المكرَّمة.
لاحظوا إذن هاهنا خمسون امرأة من العناصر القياديَّة في حركة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
في رواية أُخرى أنَّ المستوى العلمي عند ظهوره يرتقي ويصعد حتَّى تكون المرأة قادرة على ممارسة القضاء الشرعي على كتاب الله، يعني تكون هناك نساء مجتهدات قضاة، فعن الإمام الباقر (عليه السلام): «وتؤتون الحكمة في زمانه حتَّى إنَّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٢٥٧).
معنى هذا أنَّ هناك دوراً للمرأة ترمز له الروايات الشريفة في حركة إمام العصر (عجَّل الله فرجه).
بل أكثر من ذلك نجد الإمام الصادق (عليه السلام) في رواية أُخرى يقول: «يكون مع القائم ثلاث عشر امرأة يداوينَ الجرحى ويقمن على المريض»(٢٥٨).
خروج الشمس من المغرب:
هناك بحث أضع عنوانه فقط ونُؤجِّله لوقت آخر في علامات الظهور.
إنَّ من جملة علامات الظهور أنْ تشرق الشمس من مغربها(٢٥٩)، هذا الأمر كيف نُفسِّره ونفهمه؟
هل هناك تحوُّل فلكي في العالم، أم أنَّ هذه الروايات ليست ثابتة، أم أنَّ لها تفسيراً آخر؟
الجواب: أنَّ مجموع الموروث الروائي عن قيام صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه) لا يشهد أنَّ هناك تحوُّلاً فلكيًّا(٢٦٠)، بل يبدو أنَّ المسار الفلكي يومئذٍ هو نفس المسار الذي نعيشه اليوم يعني لا تتغيَّر السماء، ولا تتغيَّر الأرض، ولا تتغيَّر النجوم، بل يبقى النمط الكوني وسياق الحياة هو نفس هذا السياق ليس نمطاً آخر.
إنَّ خروج الشمس من مغربها إذا كان يعني حدوث تحوُّل فلكي، فهل هو ممكن علميًّا أو غير ممكن؟ قد يقول العلم: إنَّ هذا غير ممكن بعض الروايات تقول: إنَّ الناس يستغنون بنور الإمام عن نور الشمس(٢٦١) فهل يعني ذلك أنْ يكون وجه الإمام صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) هو بمثابة الشمس ويُعطي من الطاقة الضوئيَّة والإشعاع ما يكفي لكلِّ البشريَّة حتَّى النباتات تأخذ من نور وجهه؟
هذا الأمر هل هو بهذا المعنى الحرفي للنصِّ، أم له دلالة أُخرى؟ المؤمنون لهم نور أيضاً لكن هل معناه أنَّه توهُّج حراري مثل الطاقة الشمسيَّة الطاقة الشمسيَّة هي نار ينبعث منها النور وهذا الأمر لا يمكن قبوله لصاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه)، بل لا بدَّ أنْ نُقدِّم تفسيراً معقولاً على تقدير ثبوت هذه الروايات.
قد نميل إلى القول: إنَّ هذه العبارة هي كناية عن طول فترة الغيبة بحيث تحدث تحوُّلات كبيرة في عالم الدنيا، وهذا هو الذي يُعبَّر عنه بظهور الشمس من المغرب، أو كناية عن أُفول شمس الحقيقة والعلم في بلاد المشرق وظهورها في بلاد المغرب، والله العالم.
نداءات الإمام (عجَّل الله فرجه):
تذكر بعض الروايات أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) إذا خرج كان له خمسة نداءات عند البيت الحرام:
١ - ألَا يا أهل العالم، أنا الإمام القائم.
٢ - ألَا يا أهل العالم، أنا الصمصام(٢٦٢) المنتقم.
٣ - ألَا يا أهل العالم، إنَّ جدِّي الحسين قتلوه عطشاناً.
٤ - ألَا يا أهل العالم، إنِّ جدِّي الحسين طرحوه عرياناً.
٥ - ألَا يا أهل العالم، إنِّ جدِّي الحسين سحقوه عدواناً(٢٦٣).
إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.

والحمد لله ربِّ العالمين
* * *
المصادر والمراجع

١ - القرآن الكريم.
٢ - أحاديث المهدي (عليه السلام) من مسند أحمد بن حنبل: أحمد بن حنبل/ ط ٥/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٣ - الاحتجاج: أحمد بن عليٍّ الطبرسي/ تعليق وملاحظات: السيِّد محمّد باقر الخرسان/ ١٣٨٦هـ/ دار النعمان/ النجف الأشرف.
٤ - الاختصاص: الشيخ المفيد/ تحقيق: عليّ أكبر الغفاري والسيِّد محمود الزرندي/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد للطباعة والنشر/ بيروت.
٥ - اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي): الشيخ الطوسي/ تحقيق: السيِّد مهدي الرجائي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.
٦ - إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان: العلَّامة الحلِّي/ تحقيق: الشيخ فارس حسُّون/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٧ - الإرشاد: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٨ - أُسوة العارفين: محمود البدري/ ط ١/ ١٤٢٤هـ/ مؤسَّسة المحبِّين/ قم.
٩ - إلزام الناصب: الشيخ علي اليزدي الحائري/ تحقيق: السيِّد عليّ عاشور.
١٠ - الأمالي الخميسيَّة: يحيى بن حسين الحسني الجرجاني/ تحقيق وتصحيح: محمّد حسن محمّد حسن إسماعيل/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
١١ - الأمالي: الشيخ الصدوق/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مركز الطباعة والنشر في مؤسَّسة البعثة/ قم.
١٢ - الأمالي: الشيخ الطوسي/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع/ قم.
١٣ - بحار الأنوار الجامعة لدُرَر أخبار الأئمَّة الأطهار: العلَّامة المجلسي/ تحقيق: يحيى العابدي الزنجاني وعبد الرحيم الربَّاني الشيرازي/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.
١٤ - بحث حول المهدي (عجَّل الله فرجه): السيِّد محمّد باقر الصدر/ تحقيق: عبد الجبَّار شرارة/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مركز الغدير للدراسات الإسلاميَّة.
١٥ - البرهان في تفسير القرآن: السيِّد هاشم البحراني/ مؤسَّسة البعثة/ قم.
١٦ - البشارة بنبيِّ الإسلام في التوراة والإنجيل: أحمد حجازي السقَّا/ دار البيان العربي/ القاهرة.
١٧ - بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمّد (عليهم السلام): محمّد بن الحسن ابن فرُّوخ (الصفَّار)/ تصحيح وتعليق وتقديم: الحاج ميرزا حسن كوجه باغي/ ١٤٠٤هـ/ منشورات الأعلمي/ طهران.
١٨ - البيان في أخبار صاحب الزمان المطبوع ضمن كفاية الطالب: محمّد ابن يوسف الكنجي الشافعي/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ دار إحياء تراث أهل البيت (عليهم السلام)/ طهران.
١٩ - تاريخ ابن خلدون: ابن خلدون/ ط ٤/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
٢٠ - تاريخ الطبري (تاريخ الأُمَم والملوك): محمّد بن جرير الطبري/ ط ٤/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٢١ - تطوُّر الفكر السياسي الشيعي: أحمد الكاتب/ ط ٣/ ١٤٢٦هـ/ دار الشورى/ لندن.
٢٢ - تفسير العيَّاشي: محمّد بن مسعود العيَّاشي/ تحقيق: السيِّد هاشم الرسولي المحلَّاتي/ المكتبة العلميَّة الإسلاميَّة/ طهران.
٢٣ - تفسير القمّي: عليُّ بن إبراهيم القمّي/ تصحيح وتعليق وتقديم: السيِّد طيِّب الموسوي الجزائري/ ط ٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة دار الكتاب/ قم.
٢٤ - تفسير الميزان (الميزان في تفسير القرآن): العلَّامة الطباطبائي/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٢٥ - تهذيب المقال في تنقيح كتاب رجال النجاشي: السيِّد محمّد عليّ الأبطحي/ ط ٢/ ١٤١٧هـ/ مطبعة نگارش/ قم.
٢٦ - جمهرة اللغة: محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي/ ط ١/ ١٩٨٨م/ دار العلم للملايين/ بيروت.
٢٧ - الخرائج والجرائح: قطب الدِّين الراوندي/ بإشراف: السيِّد محمّد باقر الموحِّد الأبطحي/ ط ١/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/ قم.
٢٨ - الخصال: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٣٦٢ش/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٢٩ - الدُّرُّ المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدِّين السيوطي/ دار المعرفة/ بيروت.
٣٠ - دلائل الإمامة: محمّد بن جرير الطبري الشيعي/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ مؤسَّسة البعثة/ قم.
٣١ - رجال النجاشي (فهرست أسماء مصنِّفي الشيعة): أبو العبَّاس أحمد ابن عليّ بن أحمد بن العبَّاس النجاشي الأسدي الكوفي/ ط ٥/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٣٢ - روضة الواعظين: محمّد بن الفتَّال النيسابوري/ تقديم: السيِّد محمّد مهدي السيِّد حسن الخرسان/ منشورات الشريف الرضي/ قم.
٣٣ - سرور أهل الإيمان في علامات صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه): السيِّد بهاء الدِّين عليّ النيلي النجفي/ ط ١/ ١٤٢٦هـ/ دليل ما/ قم.
٣٤ - سُنَن ابن ماجة: أبو عبد الله محمّد بن يزيد القزويني (ابن ماجة)/ تحقيق وترقيم وتعليق: محمّد فؤاد عبد الباقي/ دار الفكر.
٣٥ - سُنَن الترمذي: أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة الترمذي/ تحقيق وتصحيح: عبد الوَّهاب عبد اللطيف/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٣٦ - سُنَن الدارمي: أبو محمّد عبد الله بن الرحمن الدارمي/ ١٣٤٩هـ/ دمشق.
٣٧ - سُنَن النسائي: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن عليّ بن بحر النسائي/ ط ١/ ١٣٤٨هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٣٨ - السيرة النبويَّة: ابن هشام الحميري/ تحقيق وضبط وتعليق: محمّد محيي الدِّين عبد الحميد/ ١٣٨٣هـ/ مكتبة محمّد عليّ صبيح وأولاده/ مصر.
٣٩ - شرح إحقاق الحقِّ: السيِّد شهاب الدِّين المرعشي النجفي/ تصحيح: السيِّد إبراهيم الميانجي/ منشورات مكتبة آية الله المرعشي/ قم.
٤٠ - شُعَب الإيمان: أحمد بن الحسين البيهقي/ تحقيق: أبو هاجر محمّد سعيد زغلول/ ط ١/ ١٤٢١هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٤١ - صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري الجعفي/ دار الفكر/ ١٤٠١هـ/ بيروت، وط أوقاف مصر/ ط ٢/ ١٤١٠هـ.
٤٢ - صحيح مسلم: مسلم بن الحجَّاج بن مسلم القشيري النيسابوري/ دار الفكر/ بيروت.
٤٣ - الطبقات الكبرى: ابن سعد/ دار صادر/ بيروت.
٤٤ - عقيدة الشيعة: دونالدسن/ تحقيق وتصحيح: عليّ دهباشي/ ط ٢/ مؤسَّسة المفيد/ بيروت.
٤٥ - علل الشرائع: الشيخ الصدوق/ تقديم: السيِّد محمّد صادق بحر العلوم/ ١٣٨٥هـ/ منشورات المكتبة الحيدريَّة ومطبعتها/ النجف الأشرف.
٤٦ - عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب الإمام الأبرار: يحيى بن الحسن الأسدي الحلّي المعروف بابن البطريق/ ١٤٠٧هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٤٧ - عيون أخبار الرضا (عليه السلام): الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلمي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٤٨ - الغيبة: ابن أبي زينب النعماني/ تحقيق: فارس حسُّون كريم/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ أنوار الهدى.
٤٩ - الغيبة: الشيخ الطوسي/ تحقيق: عبد الله الطهراني وعليّ أحمد ناصح/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مطبعة بهمن/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
٥٠ - الفتن: أبو عبد الله نعيم بن حمَّاد المروزي/ تحقيق وتقديم: سهيل زكار/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٥١ - فيض القدير شرح الجامع الصغير: محمّد عبد الرؤوف المناوي/ تصحيح: أحمد عبد السلام/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٥٢ - قَصص الأنبياء: قطب الدِّين الراوندي/ تحقيق: الميرزا غلام رضا عرفانيان اليزدي الخراساني/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ انتشارات الهادي.
٥٣ - القول المختصر في علامات المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه): أحمد بن حجر الهيتمي المكّي/ ط ١/ ١٤٢٨هـ/ دار التقوى/ دمشق.
٥٤ - الكافي: الشيخ الكليني/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٥/ ١٣٦٣هـ/ دار الكُتُب الإسلاميَّة/ طهران.
٥٥ - الكافي في الفقه: أبو الصلاح الحلبي/ تحقيق: رضا أُستادي/ مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) العامَّة/ أصفهان.
٥٦ - كامل الزيارات: جعفر بن محمّد بن قولويه/ تحقيق: الشيخ جواد القيُّومي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة نشر الفقاهة.
٥٧ - كتاب سُلَيم: سُلَيم بن قيس الهلالي الكوفي/ تحقيق: محمّد باقر الأنصاري الزنجاني/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دليل ما.
٥٨ - كشف الغمَّة في معرفة الأئمَّة: عليُّ بن أبي الفتح الإربلي/ ط ٢/ ١٤٠٥هـ/ دار الأضواء/ بيروت.
٥٩ - كفاية الأثر في النصِّ على الأئمَّة الاثني عشر: أبو القاسم عليُّ بن محمّد الخزَّاز القمّي الرازي/ تحقيق: السيِّد عبد اللطيف الحسيني الكوهكمري الخوئي/ ١٤٠١هـ/ انتشارات بيدار.
٦٠ - كمال الدِّين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٦١ - ماذا عن الجزيرة الخضراء ومثلَّث برمودا: السيِّد جعفر مرتضى العاملي/ ط ١/ ١٤٢٤هـ/ المركز الإسلامي للدراسات.
٦٢ - مثير الأحزان: محمّد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما الحلّي/ ١٣٦٩هـ/ المطبعة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
٦٣ - مجمع البيان في تفسير القرآن: أمين الإسلام أبو عليٍّ الفضل بن الحسن الطبرسي/ قدَّم له: السيِّد محسن الأمين العاملي/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٦٤ - المحاسن: أحمد بن محمّد بن خالد البرقي/ تصحيح وتعليق: السيِّد جلال الدِّين الحسيني المحدِّث/ ١٣٧٠هـ/ دار الكُتُب الإسلاميَّة/ طهران.
٦٥ - مختصر بصائر الدرجات: حسن بن سليمان الحلّي/ ط ١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
٦٦ - مروج الذهب ومعادن الجوهر: عليُّ بن الحسين بن عليٍّ المسعودي/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ منشورات دار الهجرة/ قم.
٦٧ - المزار الكبير: محمّد بن جعفر المشهدي/ تحقيق: جواد القيُّومي الأصفهاني/ ط ١/ ١٩١٩هـ/ نشر القيُّوم/ قم.
٦٨ - المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله الحاكم النيسابوري/ إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي.
٦٩ - مسند أحمد: أحمد بن حنبل/ تحقيق عدَّة محقِّقين/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
٧٠ - مصباح الزائر: السيِّد عليِّ بن موسى بن طاوس/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث/ قم.
٧١ - مصباح المتهجِّد: الشيخ الطوسي/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة فقه الشيعة/ بيروت.
٧٢ - المصنَّف: ابن أبي شيبة/ تحقيق وتعليق: سعيد اللحَّام/ ط ١/ ١٤٠٩هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٧٣ - المصنَّف: أبو بكر عبد الرزَّاق بن همَّام الصنعاني/ عُني بتحقيق نصوصه وتخريج أحاديثه والتعليق عليه: حبيب الرحمن الأعظمي.
٧٤ - مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي والمهدويَّة: الشيخ محمّد أمين زين الدِّين/ ط ١/ مؤسَّسة النعمان/ بيروت.
٧٥ - المعجم الأوسط: سليمان بن أحمد الطبراني/ ١٤١٥هـ/ دار الحرمين.
٧٦ - معجم رجال الحديث: السيِّد الخوئي/ ط ٥/ ١٤١٣هـ .
٧٧ - مفاتيح الجنان: الشيخ عبَّاس القمّي/ ط ٣/ ٢٠٠٦م/ مكتبة العزيزي/ قم.
٧٨ - مقاتل الطالبيِّين: أبو الفرج الأصفهاني/ ت كاظم المظفّر/ ط٢/ ١٣٨٥هـ/ المكتبة الحيدرية ومطبعتها/ النجف الأشرف.
٧٩ - مقتل الحسين (عليه السلام): السيِّد عبد الرزَّاق المقرَّم/ ١٤٢٦هـ/ مؤسَّسة الخرسان للمطبوعات/ بيروت.
٨٠ - مقتل الحسين (عليه السلام): لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي الغامدي/ تعليق: حسن الغفاري.
٨١ - مقتل الحسين (عليه السلام): الموفَّق بن أحمد الخوارزمي/ تحقيق: الشيخ محمّد السماوي/ ط ٢/ ١٤٢٣هـ/ أنوار الهدى/ قم.
٨٢ - الملهوف على قتلى الطفوف: السيِّد عليُّ بن طاوس/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ أنوار الهدى/ قم.
٨٣ - مناقب آل أبي طالب: ابن شهرآشوب/ ١٣٧٦هـ/ المكتبة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
٨٤ - مناقب آل محمّد (النعيم المقيم لعترة النبأ العظيم): عمر بن شجاع الموصلي/ ط ١/ ١٤٢٤هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٨٥ - مناقب الإمام الشافعي: محمّد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم أبو الحسن الآبري السجستاني/ تحقيق: جمال عزون/ ط ١/ ١٤٣٠هـ/ الدار الأثريَّة.
٨٦ - منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال: محمّد بن عليٍّ الأسترآبادي/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث/ قم.
٨٧ - المهدي والمهدويَّة: أحمد أمين/ مؤسَّسة هنداوي/ القاهرة.
٨٨ - نهج البلاغة: خُطَب أمير المؤمنين (عليه السلام)/ ما اختاره وجمعه: الشريف الرضي/ تحقيق: الدكتور صبحي صالح/ ط ١/ ١٣٨٧هـ، وبشرح محمّد عبدة/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ دار الذخائر/ قم.
٨٩ - الهداية الكبرى: الحسين بن حمدان الخصيبي/ ط ٤/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة البلاغ/ بيروت.

* * *

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) كمال الدِّين (ص ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩).
(٢) مفاتيح الجنان (ص ٧٦٦/ دعاء الندبة).
(٣) بحار الأنوار (ج ٥٣/ ص ١٤٠ و١٤١)، عن الجمع بين الصحيحين.
(٤) مفاتيح الجنان (ص ٢٩٥/ دعاء الافتتاح).
(٥) صحيح البخاري (ج ٥/ ص ٤٠١/ ح ٣٠٨٧).
(٦) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٣٠٥ و٣٠٦/ ح ٧٨)، عن سرور أهل الإيمان للنيلي (ص ٨٨ - ٩٠).
(٧) مفاتيح الجنان (ص ٦١٣/ زيارة الوارث).
(٨) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليٍّ (عليه السلام): «أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنَّه لا نبيَّ بعدي» (الكافي: ج ٨/ ص ١٠٧/ ح ٨٠، صحيح مسلم: ج ٧/ ص ١٢٠).
(٩) مناقب الشافعي للآبري (ص ٩٥).
(١٠) القول المختصر (ص ٩٢).
(١١) شرح إحقاق الحقِّ (ج ٣٣/ ص ٩٢١ و٩٢٢)، عن السفاريني.
(١٢) كمال الدِّين (ص ٤١٢/ باب ٣٩/ ح ٨).
(١٣) راجع: بحث حول المهدي (عجَّل الله فرجه) (ص ١٠٤).
(١٤) مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي والمهدويَّة (ص ١٤).
(١٥) راجع: تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣٢٧ و٣٢٨)، وسوف يأتي نصُّ عبارته في (ص ٨٤)، فانتظر.
(١٦) عن أُمِّ سَلَمة أنَّها قالت: قال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «المهدي من ولد فاطمة (عليها السلام)» (العمدة: ص ٤٣٩/ ح ٩٢٣).
(١٧) عن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «سيكون بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أُمراء، ومن بعد الأُمراء ملوك جبابرة، ثمّ يخرج المهدي من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت جوراً» (كشف الغمَّة: ج ٣/ ص ٢٨٩).
(١٨) عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلْقاً وخُلُقاً، تكون به غيبة وحيرة تضلُّ فيها الأُمَم، ثمّ يقبل كالشهاب الثاقب يملأها عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً» (كمال الدِّين: ص ٢٨٦/ باب ٢٥/ ح ١).
(١٩) عن المعلَّى بن خنيس، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «أوَّل من يرجع إلى الدنيا، الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)، فيملك حتَّى يسقط حاجباه على عينيه من الكبر»، قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القَصص: ٨٥]، قال: «نبيُّكم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) راجع إليكم» (مختصر بصائر الدرجات: ص ٢٩).
وعن عبد الله بن القاسم البطل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٦]، قال: «خروج الحسين (عليه السلام) في سبعين من أصحابه عليهم البيض المذهَّب، لكلِّ بيضة وجهان، المؤدُّون إلى الناس أنَّ هذا الحسين قد خرج حتَّى لا يشكَّ المؤمنون فيه، وأنَّه ليس بدجَّال ولا شيطان، والحجَّة القائم بين أظهرهم، فإذا استقرَّت المعرفة في قلوب المؤمنين أنَّه الحسين (عليه السلام) جاء الحجَّة الموت، فيكون الذي يُغسِّله ويُكفِّنه ويُحنِّطه ويلحده في حفرته الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)، ولا يلي الوصيَّ إلَّا الوصيُّ» (الكافي: ج ٨/ ص ٢٠٦/ ح ٢٥٠).
وعن جابر بن يزيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ لعليٍّ (عليه السلام) في الأرض كرَّة مع الحسين ابنه (صلوات الله عليهما) يقبل برايته حتَّى ينتقم له من أُميَّة ومعاوية وآل معاوية ومن شهد حربه، ثمّ يبعث الله إليهم بأنصاره يومئذٍ من أهل الكوفة ثلاثين ألفاً ومن سائر الناس سبعين ألفاً، فيلقاهما بصفِّين مثل المرَّة الأُولى حتَّى يقتلهم ولا يبقى منهم مخبر، ثمّ يبعثهم الله (عزَّ وجلَّ) فيُدخِلهم أشدّ عذابه مع فرعون وآل فرعون، ثمّ كرَّة أُخرى مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتَّى يكون خليفة في الأرض وتكون الأئمَّة (عليهم السلام) عُمَّاله، وحتَّى يُعبَد الله علانية، فتكون عبادته علانية في الأرض كما عُبِدَ الله سرًّا في الأرض...» (مختصر بصائر الدرجات: ص ٢٩).
(٢٠) لم نجد الحكاية مدوَّنة، فهي على لسان أهل المنابر.
(٢١) مقتل الحسين (عليه السلام) للمقرَّم (ص ١٩٨ - ٢٠٠).
(٢٢) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٨٣).
(٢٣) الغيبة للنعماني (ص ٢٩٠/ باب ١٤/ ح ٦٧).
(٢٤) الفتن للمروزي (ص ٢١٣).
(٢٥) المصدر السابق.
(٢٦) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٨٢ و٣٨٣).
(٢٧) الغيبة للنعماني (ص ٢٨٨ - ٢٩١/ باب ١٤/ ح ٦٧)؛ وسوف يأتي نصُّ الرواية في (ص ١٤٥)، فانتظر.
(٢٨) عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]، فقال: «والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتَّى يخرج القائم (عليه السلام)، فإذا خرج القائم (عليه السلام) لم يبقَ كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام إلَّا كره خروجه، حتَّى أنْ لو كان كافراً أو مشركاً في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن، في بطني كافر، فاكسرني واقتله» (كمال الدِّين: ص ٦٧٠/ باب ٥٨/ ح ١٦).
(٢٩) عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا قام القائم (عليه السلام) جاء بأمر جديد، كما دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بدو الإسلام إلى أمر جديد» (الإرشاد: ج ٢/ ص ٣٨٤).
وعن أبي بصير، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «يقوم القائم بأمر جديد، وكتاب جديد، وقضاء جديد على العرب شديد، ليس شأنه إلَّا السيف، ولا يستتيب أحداً، ولا تأخذه في الله لومة لائم» (الغيبة للنعماني: ص ٢٣٨/ باب ١٣/ ح ١٩).
وعن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليٍّ (عليهما السلام) يقول: «... يقوم بأمر جديد، وسُنَّة جديدة، وقضاء جديد، على العرب شديد، وليس شأنه إلَّا القتل، ولا يستتيب أحداً، ولا تأخذه في الله لومة لائم» (الغيبة للنعماني: ص ٢٤٠/ باب ١٣/ ح ٢٢).
وعن أبي بصير، عن أبي جعفر محمّد بن عليٍّ (عليهما السلام) أنَّه قال: «... إذا خرج يقوم بأمر جديد، وكتاب جديد، وسُنَّة جديدة، وقضاء جديد على العرب شديد، وليس شأنه إلَّا القتل، لا يستبقي أحداً، ولا تأخذه في الله لومة لائم» (الغيبة للنعماني: ص ٢٦٣ و٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣).
وعن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «... فوَالله لكأنِّي أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس بأمر جديد، وكتاب جديد، وسلطان جديد من السماء، أمَا إنَّه لا يردُّ له راية أبداً حتَّى يموت» (الغيبة للنعماني: ص ٢٧٠/ باب ١٤/ ح ٢٢).
(٣٠) عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) يقول: «في صاحب هذا الأمر سُنَّة من أربعة أنبياء: سُنَّة من موسى، وسُنَّة من عيسى، وسُنَّة من يوسف، وسُنَّة من محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»، فقلت: ما سُنَّة موسى؟ قال: «خائف يترقَّب»، قلت: وما سُنَّة عيسى؟ فقال: «يقال فيه ما قيل في عيسى»، قلت: فما سُنَّة يوسف؟ قال: «السجن والغيبة»، قلت: وما سُنَّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قال: «إذا قام سار بسيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إلَّا أنَّه يُبيِّن آثار محمّد...» (الغيبة للنعماني: ص ١٦٧ و١٦٨/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٥).
وعن حمران بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: «كأنَّني بدينكم هذا لا يزال متخضخضاً يفحص بدمه، ثمّ لا يردُّه عليكم إلَّا رجل منَّا أهل البيت، فيُعطيكم في السنة عطاءين، ويرزقكم في الشهر رزقين، وتؤتون الحكمة في زمانه حتَّى إنَّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)» (الغيبة للنعماني: ص ٢٤٥/ باب ١٣/ ح ٣٠).
(٣١) الغيبة للنعماني (ص ٢٠٠/ باب ١١/ ح ١).
(٣٢) وردت هذه العبارة في عدَّة روايات، منها ما رواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٧٥/ باب ٥٨/ ح ٣٠)، عن مولى لبني شيبان، عن أبي جعفر (الباقر) (عليه السلام)، قال: «إذا قام قائمنا (عليه السلام) وضع يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم، وكملت بها أحلامهم».
(٣٣) مستشرق أمريكي، دكتور في اللَّاهوت والفلسفة، وُلِدَ عام (١٨٨٤م) في أُوهايو، تخرَّج من جامعة واشنطن وجفرسن، ثمّ سافر إلى الهند، ودرَّس في جامعة فورمن وفي لاهور باكستان، ثمّ رجع إلى أمريكا واستمرَّ في مطالعات العلوم الدِّينيَّة في مدرسة الإلهيَّات، ثمّ سافر إلى مشهد المقدَّسة، ثمّ سافر إلى طهران وتزوَّج هناك، قام دونالدسن في مشهد الرضا (عليه السلام) بالتحقيق حول مذهب الشيعة وتاريخه في إيران والعراق نال بها شهادة دكتوراه من جامعة واشنطتن وجفرسن، له مؤلَّفات منها: عقيدة الشيعة، وتحقيقات حول العلم الأخلاقي الإسلامي، وغيرهما.
(٣٤) عقيدة الشيعة لدونالدسن (ص ٢٣٠ و٢٣١).
(٣٥) إلزام الناصب (ج ١/ ص ٤٩ - ١٠٠).
(٣٦) كمال الدِّين (ص ٤١٢/ باب ٣٩/ ح ٨).
(٣٧) الكافي في الفقه (ص ٥٦).
(٣٨) قال أبو عبيد والثعلبي والنقَّاش وسفيان بن عينيه والرازي والقزويني والنيسابوري والطبرسي والطوسي في تفاسيرهم: إنَّه لـمَّا بلَّغ رسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بغدير خُمٍّ ما بلَّغ، وشاع ذلك في البلاد أتى الحارث بن النعمان الفهري، وفي رواية أبي عبيد جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العيدري، فقال: يا محمّد، أمرتنا عن الله بشهادة أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمّداً رسول الله وبالصلاة والصوم والحجِّ والزكاة، فقبلنا منك، ثمّ لم ترضَ بذلك حتَّى رفعت بضبع ابن عمِّك ففضَّلته علينا، وقلت: «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه»، فهذا شيء منك أم من الله؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «والذي لا إله إلَّا هو أنَّ هذا من الله»، فولَّى الحارث يريد راحلته وهو يقول: اللَّهُمَّ إنْ كان ما يقول محمّد حقًّا فأمطر علينا حجارةً من السماء أو أتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتَّى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دُبُره وقتله، وأنزل الله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ...﴾ الآية. (مناقب آل أبي طالب: ج ٢/ ص ٢٤٠ و٢٤١).
(٣٩) عن محمّد بن أبي حمزة، عمَّن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، قال: «فقال موسى: يا ربِّ، ومن أخار العجل؟ فقال الله: يا موسى، أنا أخرته. فقال موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]» (تفسير البرهان للسيِّد هاشم البحراني: ج ٢/ ص ٥٩٢/ ح ٤٠٠٣/٥).
(٤٠) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٠ و٣٤١).
(٤١) الغيبة للطوسي (ص ١٨٠/ ح ١٣٩).
(٤٢) الغيبة للطوسي (ص ١٨٠ - ١٨٢/ ح ١٤٠).
(٤٣) كفاية الأثر (ص ٩٧).
(٤٤) أمالي الطوسي (ص ١٥٤ و١٥٥/ ح ٢٥٦/٨).
(٤٥) عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ قوماً فيما مضى قالوا لنبيٍّ لهم: ادعُ لنا ربَّك يرفع عنَّا الموت، فدعا لهم، فرفع الله عنهم الموت، فكثروا حتَّى ضاقت عليهم المنازل، وكثر النسل، ويصبح الرجل يطعم أباه وجدَّه وأُمَّه وجدَّ جدِّه ويوضيهم ويتعاهدهم، فشغلوا عن طلب المعاش، فقالوا: سَلْ لنا ربَّك أنْ يردَّنا إلى حالنا التي كنَّا عليها، فسأل نبيَّهم ربَّه، فردَّهم إلى حالهم» (الكافي: ج ٣/ ص ٢٦٠/ باب النوادر/ ح ٣٦).
(٤٦) عن أبي سعيد الخدري أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ليقومنَّ على أُمَّتي رجل من أهل بيتي، أقنى، أجلى، يُوسِع الأرض عدلاً، كما أُوسعت جوراً، يملك سبع سنين» (دلائل الإمامة: ص ٤٦٩ و٤٧٠/ ح ٤٥٨/٦٢).
(٤٧) عن عبد الكريم الخثعمي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كم يملك القائم (عليه السلام)؟ قال: «سبع سنين، تطول له الأيَّام والليالي حتَّى تكون السنة من سنيِّه مقدار عشر سنين من سنينكم، فيكون سنو ملكه سبعين سنة من سنيكم هذه...» (الإرشاد: ج ٢/ ص ٣٨١).
(٤٨) عن زيد بن وهب الجهني، عن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب، عن أبيه (صلوات الله عليهما)، قال: «... يبعث الله رجلاً في آخر الزمان، وكلب من الدهر، وجهل من الناس، يُؤيِّده الله بملائكته، ويعصم أنصاره، وينصره بآياته، ويُظهره على أهل الأرض، حتَّى يدينوا طوعاً وكرهاً، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ونوراً وبرهاناً، يدين له عرض البلاد وطولها، لا يبقى كافر إلَّا آمن به، ولا طالح إلَّا صلح، وتصطلح في ملكه السباع، وتُخرج الأرض نبتها، وتُنزل السماء بركتها، وتظهر له الكنوز، يملك ما بين الخافقين أربعين عاماً، فطوبى لمن أدرك أيَّامه وسمع كلامه» (الاحتجاج: ج ٢/ ص ١٠ و١١).
(٤٩) عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «يملك القائم (عليه السلام) تسع عشرة سنة وأشهراً» (الغيبة للنعماني: ص ٣٥٣/ باب ٢٦/ ح ١).
(٥٠) قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٢٨٠): (الأخبار المختلفة الواردة في أيَّام ملكه (عليه السلام) بعضها محمول على جميع مدَّة ملكه، وبعضها على زمان استقرار دولته، وبعضها على حساب ما عندنا من السنين والشهور، وبعضها على سنيِّه وشهوره الطويلة، والله يعلم).
(٥١) كمال الدِّين (ص ٣٥٨/ باب ٣٣/ ح ٥٦).
(٥٢) الغيبة للطوسي (ص ٤٧٨/ ح ٥٠٤).
(٥٣) الغيبة للطوسي (ص ٤٧٨/ ح ٥٠٥).
(٥٤) تفسير العيَّاشي (ج ٢/ ص ٣٢٦/ ح ٢٤).
(٥٥) المزار لابن المشهدي (ص ١٣٤ و١٣٥/ باب ٥/ ح ٧).
(٥٦) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٣٣٦ و٣٣٧/ ح ٧٥)، عن الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٧٩ و٣٨٠).
(٥٧) الغيبة للطوسي (ص ٤٦٧ و٤٦٨/ ح ٤٨٤).
(٥٨) عن المفضَّل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا أذن الإمام دعا الله باسمه العبراني، فأُتيحت له صحابته الثلاثمائة وثلاثة عشر قَزَع كقَزَع الخريف، فهم أصحاب الألوية، منهم من يُفقَد عن فراشه ليلاً فيصبح بمكَّة، ومنهم من يُرى يسير في السحاب نهاراً يُعرَف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه»، قلت: جُعلت فداك، أيُّهم أعظم إيماناً؟ قال: «الذي يسير في السحاب نهاراً، وهم المفقودون، وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ١٤٨]» (الغيبة للنعماني: ص ٣٢٦ و٣٢٧/ باب ٢٠/ ح ٣).
(٥٩) الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٨٤٠ و٨٤١/ ح ٥٨).
(٦٠) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٣٠٧ و٣٠٨/ ح ٨٢)، عن سرور أهل الإيمان (ص ٩٧).
(٦١) عن محمّد بن حمران، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لـمَّا كان من أمر الحسين (عليه السلام) ما كان ضجَّت الملائكة إلى الله بالبكاء وقالت: يا ربِّ، يُفعَل هذا بالحسين صفيُّك وابن نبيِّك؟»، قال: «فأقام الله لهم ظلَّ القائم (عليه السلام) وقال: بهذا أنتقم لهذا» (الكافي: ج ١/ ص ٤٦٥/ باب مولد الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)/ ح ٦).
(٦٢) مفاتيح الجنَّان (ص ٧٧٠).
(٦٣) مقتل الحسين (عليه السلام) لأبي مخنف (ص ٨٥ و٨٦).
(٦٤) روى أبو مخنف في مقتل الحسين (عليه السلام) (ص ١٥): ... فكتبوا إليه: (بسم الله الرحمن الرحيم، لحسين بن عليٍّ، من سليمان بن صُرَد، والمسيَّب بن نجمة، ورفاعة بن شدَّاد، وحبيب بن مظاهر، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة، سلام عليك، أمَّا بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوَّك الجبَّار العنيد الذي انتزى على هذه الأُمَّة فابتزَّها أمرها وغصبها فيئها وتأمَّر عليها بغير رضى منها، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبُعداً له كما بعدت ثمود، إنَّه ليس علينا إمام، فأقبل لعلَّ الله أنْ يجمعنا بك على الحقِّ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا أنَّك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتَّى نُلحِقه بالشام إنْ شاء الله، والسلام ورحمة الله عليك).
(٦٥) كتب مسلم بن عقيل كتاباً إلى الحسين (عليه السلام): (أمَّا بعد، فإنَّ الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجِّل الإقبال حين يأتيك كتابي، فإنَّ الناس كلَّهم معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى، والسلام). (مقتل الحسين (عليه السلام) لأبي مخنف: ص ٥١).
(٦٦) مقتل الحسين (عليه السلام) لأبي مخنف (ص ٩٤).
(٦٧) الكافي (ج ٨/ ص ٣١٠/ ح ٤٨٣).
وعن عمر بن حنظلة أيضاً، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «للقائم خمس علامات: ظهور السفياني، واليماني، والصيحة من السماء، وقتل النفس الزكيَّة، والخسف بالبيداء» (الغيبة للنعماني: ص ٢٦١/ باب ١٤/ ح ٩).
وعن ميمون البان، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «خمس قبل قيام القائم (عليه السلام): اليماني، والسفياني، والمنادي ينادي من السماء، وخسف بالبيداء، وقتل النفس الزكيَّة» (كمال الدِّين: ص ٦٤٩/ باب ٥٧/ ح ١).
(٦٨) الكافي (ج ٨/ ص ٣١٠/ ح ٤٨٤).
(٦٩) عن المفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «يكرُّ مع القائم (عليه السلام) ثلاث عشرة امرأة»، قلت: وما يصنع بهنَّ؟ قال: «يداوين الجرحى، ويقمن على المرضى، كما كان مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)» (دلائل الإمامة: ص ٤٨٤/ ح ٤٨٠/٨٤).
(٧٠) تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ٦٤ و٦٥).
(٧١) عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث طويل - أنَّه قال: «إذا قام القائم (عليه السلام) سار إلى الكوفة فهدم بها أربعة مساجد، فلم يبقَ مسجد على وجه الأرض له شُرَف إلَّا هدمها وجعلها جمَّاء، ووسَّع الطريق الأعظم، وكسر كلَّ جناح خارج في الطريق، وأبطل الكنف والمآزيب إلى الطُّرُقات، ولا يترك بدعة إلَّا أزالها ولا سُنَّة إلَّا أقامها، ويفتح قسطنطينيَّة والصين وجبال الديلم...» (الإرشاد: ج ٢/ ص ٣٨٥).
(٧٢) الخصال (ص ٥٤١/ ح ١٤).
(٧٣) بصائر الدرجات (ص ٤٤/ ج ١/ باب ١١/ ح ١٧).
(٧٤) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام): ... قلت: فما يكون من أهل الذمَّة عنده؟ قال: «يسالمهم كما سالمهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويُؤدُّون الجزية عن يد وهم صاغرون»، قلت: فمن نصب لكم عداوة؟ فقال: «لا يا أبا محمّد ما لمن خالفنا في دولتنا من نصيب، إنَّ الله قد أحلَّ لنا دماءهم عند قيام قائمنا، فاليوم محرَّم علينا وعليكم ذلك فلا يغرَّنَّك أحد، إذا قام قائمنا انتقم لله ولرسوله ولنا أجمعين» (المزار لابن المشهدي: ص ١٣٤ و١٣٥/ باب ٥/ ح ٧).
(٧٥) كمال الدِّين (ص ٦٧٥/ باب ٥٨/ ح ٣٠).
(٧٦) مختصر بصائر الدرجات (ص ١١٧).
(٧٧) الغيبة للنعماني (ص ٢٣٨/ باب ١٣/ ح ١٨).
(٧٨) الغيبة للنعماني (ص ٢٣٩/ باب ١٣/ ح ٢١).
(٧٩) الفتن للمروزي (ص ٣٤٦).
(٨٠) الغيبة للنعماني (ص ٣٠٧/ باب ١٧/ ح ١).
(٨١) الغيبة للنعماني (ص ٣٢١/ باب ٢٠/ ح ٣).
(٨٢) المهدي والمهدويَّة لأحمد أمين (ص ٥٧/ خاتمة).
(٨٣) قال ابن خلدون في تاريخه (ج ١/ ص ٣٢٧ و٣٢٨): (والحقُّ الذي ينبغي أنْ يتقرَّر لديك أنَّه لا تتمُّ دعوة من الدِّين والمَلِك إلَّا بوجود شوكة عصبيَّة تُظهره وتدافع عنه من يدفعه حتَّى يتمَّ أمر الله فيه، وقد قرَّرنا ذلك من قبل بالبراهين القطعيَّة التي أريناك هناك، وعصبيَّة الفاطميِّين بل وقريش أجمع قد تلاشت من جميع الآفاق، ووُجِدَ أُمَم آخرون قد استعلت عصبيَّتهم على عصبيَّة قريش إلَّا ما بقي بالحجاز في مكَّة وينبع بالمدينة من الطالبين من بني حسن وبني حسين وبني جعفر، وهم منتشرون في تلك البلاد وغالبون عليها، وهم عصائب بدويَّة متفرِّقون في مواطنهم وإماراتهم وآرائهم، يبلغون آلافاً من الكثرة، فإنَّ صح ظهور هذا المهدي فلا وجه لظهور دعوته إلَّا بأنْ يكون منهم، ويُؤلِّف الله بين قلوبهم في أتباعه حتَّى تتمَّ له شوكة وعصبيَّة وافية بإظهار كلمته وحمل الناس عليها، وأمَّا على غير هذا الوجه مثل أنْ يدعو فاطمي منهم إلى مثل هذا الأمر في أُفُق من الآفاق من غير عصبيَّة ولا شوكة إلَّا مجرَّد نسبة في أهل البيت، فلا يتمُّ ذلك ولا يمكن لما أسلفناه من البراهين الصحيحة).
(٨٤) تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ١٧٠/ الفصل الرابع عشر).
(٨٥) قد مرَّ قبل قليل.
(٨٦) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٠ و٣٤١).
(٨٧) رجال النجاشي (ص ٤٠/ الرقم ٨٠).
(٨٨) مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي (ج ١/ ص ٣٤٠).
(٨٩) الملهوف على قتلى الطفوف (ص ١٩٣).
(٩٠) الملهوف على قتلى الطفوف (ص ٥٢).
(٩١) كامل الزيارات لابن قولويه (ص ١٥٧ و١٥٨/ ح ١٩٦/٢١).
(٩٢) مثير الأحزان (ص ٢٩).
(٩٣) الكافي (ج ٨/ ص ٣٨١ و٣٨٢/ ح ٥٧٦).
(٩٤) روي أنَّ الحصار لـمَّا اشتدَّ على المسلمين في حرب الخندق، ورأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منهم الضجر لما كان فيه من الضرِّ، صعد على مسجد الفتح، فصلَّى ركعتين، ثمّ قال: «اللَّهُمَّ إنْ تُهلِك هذه العصابة لم تُعبَد بعدها في الأرض»، فبعث الله ريحاً قلعت خيم المشركين، وبددت رواحلهم، وأجهدتهم بالبرد، وسفت الرمال والتراب عليهم، وجاءته الملائكة، فقالت: يا رسول الله، إنَّ الله قد أمرنا بالطاعة لك، فمرنا بما شئت، قال: «زعزعي المشركين وارعبيهم، وكوني من ورائهم»، ففعلت بهم ذلك، وأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ - يعني أحزاب المشركين - فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ - أي أحزاب العرب - وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ يعني بني قريظة حين نقضوا عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصاروا مع الأحزاب على المسلمين. ثمّ رجع من مسجد الفتح إلى معسكره، فصاح بحذيفة بن اليمان - وكان قريباً - ثلاثاً، فقال في الثالثة: لبَّيك يا رسول الله، قال: «تسمع صوتي ولا تُجيبني؟»، فقال: منعني شدَّة البرد، فقال: «اعبر الخندق فاعرف خبر قريش والأحزاب وارجع ولا تُحدِث حدثاً حتَّى ترجع إليَّ»، فقمت وأنا أنتقض من البرد، فعبرت الخندق، وكأنِّي في الحمَّام، فصرت إلى معسكرهم، فلم أجد هناك إلَّا خيمة أبي سفيان وعنده جماعة من وجوه قريش، وبين أيديهم نار تشتعل مرَّة وتخبوا أُخرى، فانسللت فجلست بينهم، فقال أبو سفيان: إنْ كنَّا نقاتل أهل الأرض فنحن بالقدرة عليه، وإنْ كنَّا نقاتل أهل السماء كما يقول محمّد فلا طاقة لنا بأهل السماء، انظروا بينكم لا يكون لمحمّد عين بيننا، فليسأل بعضكم بعضاً، قال حذيفة: فبادرت إلى الذي عن يميني، فقلت: من أنت؟ قال: خالد بن الوليد، وقلت للذي عن يساري: من أنت؟ قال: فلان، فلم يسألني أحد منهم، ثمّ قال أبو سفيان لخالد: إمَّا أنْ تتقدَّم أنت فتجمع إليَّ الناس ليلحق بعضهم ببعض فأكون على الساقة، وإمَّا أنْ أتقدَّم أنا وتكون على الساقة، قال: بل أتقدَّم أنا وتتأخَّر أنت، فقاموا جميعاً فتقدَّموا وتأخَّر أبو سفيان، فخرج من الخيمة، وأنا اختفيت في ظلِّها، فركب راحلته وهي معقولة من الدهش الذي كان به، فنزل يحلُّ العقال، فأمكنني قتله، فلمَّا هممت بذلك تذكَّرت قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لي: «لا تُحدِثنَّ حدثاً حتَّى ترجع إليَّ»، فكففت ورجعت إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد طلع الفجر، فحمد الله، ثمّ صلَّى بالناس الفجر، ونادى مناديه: لا يبرحنَّ أحد مكانه إلى أنْ تطلع الشمس، فما أصبح إلَّا وقد تفرَّق عنه الجماعة إلَّا نفراً يسيراً... (الخرائج والجرائح: ج ١/ ص ١٥٦ - ١٥٨/ ح ٢٤٥).
(٩٥) مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي (ج ١/ ص ٣٤٦).
(٩٦) مقتل الحسين (عليه السلام) لأبي مخنف (ص ١١٦).
(٩٧) أمالي الصدوق (ص ٧٣٧/ ح ١٠٠٥/٧)، كامل الزيارات (ص ٣٥٣ و٣٥٤/ ح ٦٠٨/١٢).
(٩٨) اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٦٢٢/ ح ٦٠٣)؛ قال الأبطحي في تهذيب المقال (ج ١/ ص ٢٢٢): (قد شهد بفقاهته أصحابنا وعلماء الجمهور أيضاً، وإليك بكُتُبهم. نصَّ عليه الحموي والسيوطي وغيرهما من أعلامهم. ويدلُّ على فقاهته، وبلوغه إلى المرتبة العليا من الفقه والحديث وغيرهما من مباني الاستنباط، وحصول الملكة الشريفة للاجتهاد، وردِّ الفروع على الأُصول، ما رواه الماتن (رحمه الله) عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: «اجلس في مسجد المدينة وافت الناس...».
(٩٩) اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٦٢٢/ ح ٦٠١).
(١٠٠) معجم رجال الحديث (ج ١/ ص ١٣٣/ الرقم ٢٨)، عن رجال النجاشي (ص ١٢/ الرقم ٧).
(١٠١) منهج المقال (ج ١/ ص ٢٠٧).
(١٠٢) الغيبة للطوسي (ص ٣٠٨ و٣٠٩/ ح ٢٦١).
(١٠٣) كمال الدِّين (ص ٥٠٣/ باب ٤٥/ ح ٣١).
(١٠٤) رجال النجاشي (ص ٢٦١/ الرقم ٦٨٤).
(١٠٥) عن عبيد بن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «يفقد الناس إمامهم، يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه» (الكافي: ج ١/ ص ٣٣٧ و٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح ٦).
وعن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ للقائم غيبتين، يرجع في إحداهما، وفي الأُخرى لا يُدرى أين هو، يشهد المواسم، يرى الناس ولا يرونه» (الغيبة للنعماني: ص ١٨١/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ١٥).
وعن محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه)، قال: (والله إنَّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلَّ سنة، يرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه) (كمال الدِّين: ص ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٨).
(١٠٦) مفاتيح الجنان (ص ٧٧٢).
(١٠٧) مجمع البيان (ج ٧/ ص ٤٠٥).
(١٠٨) عن النزال بن سبرة، قال: خطبنا أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام)...، إلى أنْ قال: قلنا: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: «خروج دابَّة (من) الأرض من عند الصفا، معها خاتم سليمان بن داود، وعصا موسى (عليهم السلام)، يضع الخاتم على وجه كلِّ مؤمن فينطبع فيه: هذا مؤمن حقًّا، ويضعه على وجه كلِّ كافر فينكتب: هذا كافر حقًّا...» (كمال الدِّين: ص ٥٢٥ - ٥٢٨/ باب ٤٧/ ح ١).
(١٠٩) تفسير الميزان (ج ١٥/ ص ٣٩٦)، وتفسير البرهان (ج ٤/ ص ٢٢٧).
(١١٠) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «انتهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو نائم في المسجد قد جمع رملاً ووضع رأسه عليه، فحرَّكه برجله، ثمّ قال له: قم يا دابَّة الله، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، أيُسمّى بعضنا بعضاً بهذا الاسم؟ فقال: لا والله ما هو إلَّا له خاصَّة، وهو الدابَّة التي ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]»، ثمّ قال: يا عليُّ، إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة ومعك ميسم تسم به أعداءك...» (تفسير القمّي: ج ٢/ ص ١٣٠ و١٣١).
(١١١) راجع القصَّة في: بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ١٥٩/ باب ٢٤).
(١١٢) مفاتيح الجنان (ص ٧٧٢).
(١١٣) الأمالي الخميسيَّة للجرجاني (ج ١/ ص ٢١٨/ ح ٧٩٨).
(١١٤) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٤٠ و٣٤١).
(١١٥) إلزام الناصب (ج ١/ ص ١٠٦ - ١٤٧).
(١١٦) البشارة بنبيِّ الإسلام في التوراة والإنجيل (ص ٣٣٧/ الفصل السادس: في المسيا المنتظر).
(١١٧) عن سعيد بن جبير، سمع ابن عبَّاس (رضي الله عنه) يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس؟ ثمّ بكى حتَّى بل دمعه الحصى، قلت: يا ابن عبَّاس، ما يوم الخميس؟ قال: اشتدَّ برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجعه، فقال «ائتوني بكتف اكتب لكم كتاباً لا تضلُّوا بعده أبداً»، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيٍّ تنازع، فقالوا ما له أهجر؟ استفهموه، فقال: «ذروني، فالذي أنا فيه خير ممَّا تدعوني إليه»، فأمر هم بثلاث، قال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أُجيزهم»، والثالثة خير إمَّا أنْ سكت عنها وإمَّا أنْ قالها فنسيتها. (صحيح البخاري: ج ٥/ ص ٢٤٤ و٢٤٥/ ح ٢٨٢٨).
(١١٨) عن المفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربِّها، واستغنى الناس عن ضوء الشمس، وذهبت الظلمة، ويُعمِّر الرجل في ملكه حتَّى يُولَد له ألف ذَكَر لا يُولَد فيهم أُنثى، وتُظهر الأرض كنوزها حتَّى يراها الناس على وجهها، ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ منه زكاته فلا يجد أحداً يقبل منه ذلك، استغنى الناس بما رزقهم الله من فضله» (الإرشاد: ج ٢/ ص ٣٨١).
(١١٩) الخصال (ص ٦٢٦/ حديث أربعمائة).
(١٢٠) الخصال (ص ٥٤١/ ح ١٤).
(١٢١) بحار الأنوار (ج ٥٣/ ص ١١).
(١٢٢) قَصص الأنبياء للراوندي (ص ٨٤/ ح ٦٣).
(١٢٣) الغيبة للنعماني (ص ٢٤٥/ باب ١٣/ ح ٣٠).
(١٢٤) عن حريز، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن أبيه، عن عليِّ بن الحسين (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا قام القائم أذهب الله عن كلِّ مؤمن العاهة، وردَّ إليه قوَّته» (الغيبة للنعماني: ص ٣٣٢/ باب ٢١/ ح ٢).
وعن الحسن بن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن عليِّ بن الحسين (عليهما السلام) قال: «إذا قام قائمنا أذهب الله (عزَّ وجلَّ) عن شيعتنا العاهة، وجعل قلوبهم كزبر الحديد، وجعل قوَّة الرجل منهم قوَّة أربعين رجلاً، ويكونون حُكَّام الأرض وسنامها» (الخصال: ص ٥٤١/ ح ١٤).
(١٢٥) عن حريز، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «لن تذهب الدنيا حتَّى يخرج رجل منَّا أهل البيت يحكم بحكم داود، ولا يسأل الناس بينة» (بصائر الدرجات: ص ٢٧٩/ ج ٥/ باب ١٦/ ح ٤).
(١٢٦) إشارة إلى حادثة تسونامي التي حدثت في المحيط الهندي وضربت عشر دول في الشهر (١٢) عام (٢٠٠٥م).
(١٢٧) مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٦٤).
(١٢٨) راجع ترجمته في: اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٧٧٩ فصاعداً).
(١٢٩) كمال الدِّين (ص ٣٦١/ باب ٣٤/ ح ٥).
(١٣٠) الاختصاص (ص ٦٦).
(١٣١) اختيار معرفة الرجال (ج ٢/ ص ٥٠٧/ ح ٤٣١).
(١٣٢) الكافي (ج ١/ ص ٣٣٧/ باب في الغيبة/ ح ٥).
(١٣٣) بحار الأنوار (ج ٤٤/ ص ٣٣٤).
(١٣٤) راجع ما مرَّ في (ص ٧٢).
(١٣٥) مقتل الحسين (عليه السلام) لأبي مخنف (ص ٤٦).
(١٣٦) مروج الذهب (ج ٣/ ص ٥٩).
(١٣٧) مثير الأحزان (ص ٢٤).
(١٣٨) لـمَّا تُوفي معاوية بن أبي سفيان، وذلك في رجب سنة ستِّين من الهجرة، كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة - وكان أمير المدينة - يأمره بأخذ البيعة على أهلها عامَّة وخاصَّة على الحسين (عليه السلام)، ويقول له: إنْ أبى عليك فاضرب عنقه، وابعث إليَّ برأسه، فأحضر الوليد المروان، واستشاره في أمر الحسين (عليه السلام)، فقال: إنَّه لا يقبل، ولو كنت مكانك لضربت عنقه، فقال الوليد: ليتني لم أكُ شيئاً مذكوراً، ثمّ بعث إلى الحسين (عليه السلام)، فجاءه في ثلاثين رجلاً من أهل بيته ومواليه، فنعى الوليد إليه موت معاوية، وعرض عليه البيعة ليزيد، فقال: «أيُّها الأمير، إنَّ البيعة لا تكون سرًّا، ولكن إذا دعوت الناس غداً فادعنا معهم»، فقال مروان: لا تقبل أيُّها الأمير عذره، ومتى لم يبايع فاضرب عنقه، فغضب الحسين (عليه السلام)، ثمّ قال: «ويل لك يا بن الزرقاء، أنت تأمر بضرب عنقي؟ كذبت والله ولؤمت»، ثمّ أقبل على الوليد فقال: «أيُّها الأمير، إنَّا أهل بيت النبوَّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرَّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أيُّنا أحقّ بالخلافة والبيعة» (الملهوف على قتلى الطفوف: ص ١٦ و١٧).
(١٣٩) مثير الأحزان (ص ٤٠).
(١٤٠) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٣٩٠/ ح ٢١٢)، عن سرور أهل الإيمان (ص ١١١).
(١٤١) صحيح البخاري (ج ٥/ ص ٤٠٠/ باب نزول عيسى بن مريم (عليهما السلام)).
(١٤٢) الغيبة للنعماني (ص ٢٨٨ - ٢٩١/ باب ١٤/ ح ٦٧).
(١٤٣) الغيبة للنعماني (ص ٣١٠/ باب ١٨/ ح ١).
(١٤٤) الغيبة للطوسي (ص ٤٥٠/ ح ٤٥٣).
(١٤٥) تفسير الميزان (ج ٢/ ص ١٤٤).
(١٤٦) نوستراداموس (١٥٠٣ - ١٥٦٦م)، صيدلاني ومنجِّم فرنسي، نشر مجموعة نبوءات، وصدرت الطبعة الأُولى في عام (١٥٥٥م)، والتي أصبحت منذ ذلك الحين مشهورة في أنحاء العالم، ويحتوي الكتاب تنبُّوءات بالأحداث التي اعتقد أنَّها ستحدث في زمانه وإلى نهاية العالم.
(١٤٧) الغيبة للطوسي (ص ١٩١/ ح ١٥٤)، البيان في أخبار صاحب الزمان للكنجي الشافعي المطبوع ضمن كفاية الطالب (ص ٥٠٢) بتفاوت يسير.
(١٤٨) راجع (ص ١٧).
(١٤٩) مسند أحمد (ج ١٦/ ص ١٨١ و١٨٢/ ح ١٠٢٦١).
(١٥٠) مسند أحمد (ج ١٥/ ص ١٥٣ و١٥٤/ ح ٩٢٧٠).
(١٥١) عن الحذيفة بن اليمان، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «المهدي من ولدي، وجهه كالقمر الدُّرِّي، اللون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت جوراً، يرضى بخلافته أهل السماوات والأرض، والطير في الجوِّ...» (البيان في أخبار صاحب الزمان للكنجي الشافعي المطبوع ضمن كفاية الطالب: ص ٥٠١).
والروايات الدالَّة على أنَّ جسمه (عليه السلام) جسم إسرائيلي بأجمعها مرويَّة عن طُرُق العامَّة حتَّى التي وردت في كُتُب الشيعة منها. وربَّما يكون ذلك لاعتبار أنَّ أُمَّ الإمام المنتظر (عجَّل الله فرجه) هي روميَّة، وكأنَّ المقصود بإسرائيلي أنَّه يشبه أبناء بلاد الروم.
(١٥٢) مسند أحمد (ج ١٥/ ص ١٥٣ و١٥٤/ ح ٩٢٧٠).
(١٥٣) بصائر الدرجات (ص ٥٠٨/ ج ١٠/ باب ١٢ أنَّ الأرض لا تبقى بغير إمام لو بقيت لساخت).
(١٥٤) صحيح مسلم (ج ٦/ ص ٢٢).
(١٥٥) عن سليمان بن مهران الأعمش، قال: ... فقلت للصادق (عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجَّة الغائب المستور؟ قال: «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب» (كمال الدِّين: ص ٢٠٧/ باب ٢١/ ح ٢٢).
(١٥٦) تطوُّر الفكر السياسي الشيعي لأحمد الكاتب (ص ٢٨٦).
(١٥٧) مجمع البيان (ج ٦/ ص ٣٦٥)، صحيح البخاري (ج ١/ ص ١٠٤/ ح ١١٤).
(١٥٨) الاحتجاج (ج ٢/ ص ٣٢٢ و٣٢٣).
(١٥٩) مقتل الحسين (عليه السلام) لأبي مخنف (ص ١٧٨ و١٧٩).
(١٦٠) روضة الواعظين (ص ١١)، شُعَب الإيمان (ج ٢/ ص ٢٥٤).
(١٦١) قد مرَّ في (ص ٥٨)، فراجع.
(١٦٢) المزار لابن المشهدي (ص ١٣٤ و١٣٥/ باب ٥/ ح ٧).
(١٦٣) قد مرَّ ذكر بعض ما روي في ذلك في (ص ٦١)، فراجع.
(١٦٤) قد مرَّ في (ص ٢٩)، فراجع.
(١٦٥) عن جابر، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) في قول الله تعالى: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، قال: «ينزل في سبع قباب من نور، لا يُعلَم في أيِّها هو، حين ينزل في ظهر الكوفة، فهذا حين ينزل» (تفسير العيَّاشي: ج ١/ ص ١٠٣/ ح ٣٠١).
(١٦٦) قد مرَّ في (ص ٩٥)، فراجع.
(١٦٧) قد مرَّ حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ذلك في (ص ١٢٨)، فراجع.
(١٦٨) الدُّرّ المنثور (ج ٣/ ص ٣٣١)، علل الشرائع (ج ٢/ ص ٤٩٥ و٤٩٦/ باب ٢٤٨/ ح ١)؛ والرواية عامّيَّة رواها العامَّة في كُتُبهم بإسنادهم عن ابن عبَّاس، ورواها الشيخ الصدوق (رحمه الله) بإسناده عن وهب بن منبه اليماني، وهو من القصَّاصين الذين كانوا يروون أساطير التوراة والإنجيل على أيَّام عمر وعثمان، فلمَّا ولي أمير المؤمنين (عليه السلام) الخلافة طردهم، فالتحقوا بالشام.
(١٦٩) تفسير العيَّاشي (ج ١/ ص ٦٦/ ح ١١٧).
(١٧٠) الفتن للمروزي (ص ٢٥٩ - ٢٦١).
(١٧١) المعجم الأوسط (ج ٤/ ص ٢٤٦).
(١٧٢) السيرة النبويَّة لابن هشام (ج ٤/ ص ١٠١٨).
(١٧٣) كمال الدِّين (ص ٥٢٦ و٥٢٧/ باب ٤٧/ ح ١).
(١٧٤) عن عبد الرحمن بن كثير، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) يوماً وعنده مهزم الأسدي، فقال له: جعلني الله فداك، أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظر، متى هو؟ فقال: «يا مهزم، كذب الوقَّاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلِّمون» (الكافي: ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهيَّة التوقيت/ ح ٢).
(١٧٥) عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... وآخر رجل منهم يُصلِّي خلفه عيسى بن مريم، يملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت منهم ظلماً وجوراً، أُنجي به من الهلكة، وأهدي به من الضلالة، وأُبرئ به من العمى، وأشفي به المريض، فقلت: إلهي وسيِّدي متى يكون ذلك؟ فأوحى الله (عزَّ وجلَّ): يكون ذلك إذا رُفِعَ العلم، وظهر الجهل، وكثر القُرَّاء، وقلَّ العمل، وكثر القتل، وقلَّ الفقهاء الهادون، وكثر فقهاء الضلالة والخونة، وكثر الشعراء، واتَّخذ أُمَّتك قبورهم مساجد، وحُليت المصاحف، وزُخرفت المساجد، وكثر الجور والفساد، وظهر المنكر وأمر أُمَّتك به ونهوا عن المعروف، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وصارت الأُمراء كفرة، وأولياؤهم فجرة، وأعوانهم ظلمة، وذوي الرأي منهم فسقة، وعند ذلك ثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب...» (كمال الدِّين: ص ٢٥٠ - ٢٥٢/ باب ٢٣/ ح ١).
(١٧٦) عن محمّد بن مسلم وأبي بصير، قالا: سمعنا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «لا يكون هذا الأمر حتَّى يذهب ثلثا الناس»، فقلنا: إذا ذهب ثلثا الناس فمن يبقى؟ فقال: «أمَا ترضون أنْ تكونوا في الثلث الباقي؟» (الغيبة للطوسي: ص ٣٣٩/ ح ٢٨٦).
(١٧٧) عن عليِّ بن محمّد بن الأعلم الأزدي، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «بين يدي القائم موت أحمر، وموت أبيض، وجراد في حينه، وجراد في غير حينه، أحمر كالدم، فأمَّا الموت الأحمر فبالسيف، وأمَّا الموت الأبيض فالطاعون» (الغيبة للنعماني: ص ٢٨٦/ باب ١٤/ ح ٦١).
(١٧٨) الفتن للمروزي (ص ٤١٢).
(١٧٩) صحيح البخاري (ج ١١/ ص ٢٩/ ح ٦٣٦٣).
(١٨٠) عن أبي حمزة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): خروج السفياني من المحتوم؟ قال: «نعم، والنداء من المحتوم، وطلوع الشمس من مغربها محتوم...» (الإرشاد: ج ٢/ ص ٣٧١).
(١٨١) عن الحسن، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تقوم الساعة حتَّى تزول الجبال من أماكنها...» (المصنَّف للصنعاني: ج ١١/ ص ٣٧٤/ ح ٢٠٧٨٠).
(١٨٢) عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تقوم الساعة حتَّى يتقارب الزمان، وتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار» (سُنَن الترمذي: ج ٣/ ص ٣٨٧ و٣٨٨/ ح ٢٤٣٤).
(١٨٣) الفتن للمروزي (ص ٣٥٦/ خروج يأجوج ومأجوج)، الخصال (ص ٤٤٩/ ح ٥٢).
(١٨٤) كمال الدِّين (ص ٣٣٠/ باب ٣٢/ ح ١٥).
(١٨٥) كمال الدِّين (ص ٣٣٨/ باب ٣٣/ ح ١١).
(١٨٦) المحاسن (ج ١/ ص ٢٨٧/ ح ٤٣٠)، سُنَن النسائي (ج ٤/ ص ١٦٧).
(١٨٧) أُسوة العارفين لمحمود البدري (ص ٢٨٥).
(١٨٨) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ١٧٥).
(١٨٩) مقتل الحسين (عليه السلام) للمقرَّم (ص ٢٨٣).
(١٩٠) قد مرَّ ذكرها في (ص ١٠٤)، فراجع.
(١٩١) قد مرَّ ذكرها في (ص ١٦٩)، فراجع.
(١٩٢) عن محمّد بن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليه السلام)، قال: «إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض في كلِّ إقليم رجلاً يقول: عهدك في كفِّك، فإذا ورد عليك أمر لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه فانظر إلى كفِّك واعمل بما فيها...» (الغيبة للنعماني: ص ٣٣٤/ باب ٢١/ ح ٨).
(١٩٣) الكافي (ج ٨/ ص ٢٤٠ و٢٤١/ ح ٣٢٩)، وسيأتي نصُّها في (ص ٢٠٠)، فانتظر.
(١٩٤) عن المفضَّل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا أُؤذِنَ الإمام دعا الله باسمه العبراني الأكبر، فأُتيحت له أصحابه الثلاثمائة وثلاثة عشر قَزَعاً كقَزَع الخريف، وهم أصحاب الولاية، ومنهم من يُفتَقد عن فراشه ليلا فيصبح بمكَّة، ومنهم من يرى يسير في السحاب نهاراً يُعرَف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه»، قلت: جُعلت فداك، أيُّهم أعظم إيماناً؟ قال: «الذي يسير في السحاب نهاراً، وهم المفقودون، وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ١٤٨]» (تفسير العيَّاشي: ج ١/ ص ٦٧/ ح ١١٨).
وعن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: ٦٢]، قال: «نزلت في القائم (عليه السلام)، وكان جبرائيل (عليه السلام) على الميزاب في صورة طير أبيض، فيكون أوَّل خلق الله مبايعةً له أعني جبرئيل، ويبايعه الناس الثلاثمائة والثلاثة عشر، فمن كان ابتُلِيَ بالمسير وافى في تلك الساعة، ومن لم يبتل بالمسير فُقِدَ من فراشه، وهو قول أمير المؤمنين (عليه السلام): المفقودون من فرشهم، وهو قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ١٤٨]» (الغيبة للنعماني: ص ٣٢٨/ باب ٢٠/ ح ٦).
(١٩٥) عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يخرج المهدي على رأسه غمامة فيها منادٍ ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتَّبعوه» (البيان في أخبار صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) للكنجي الشافعي المطبوع ضمن كفاية الطالب: ص ٥١١).
(١٩٦) عن أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّ أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: «إنَّ خروج السفياني من الأمر المحتوم»؟ قال (لي): «نعم، واختلاف ولد العبَّاس من المحتوم، وقتل النفس الزكيَّة من المحتوم، وخروج القائم (عليه السلام) من المحتوم»، فقلت له: كيف يكون (ذلك) النداء؟ قال: «ينادي منادٍ من السماء أوَّل النهار: ألَا إنَّ الحقَّ في عليٍّ وشيعته، ثمّ ينادي إبليس (لعنه الله) في آخر النهار: ألَا إنَّ الحقَّ في السفياني وشيعته، فيرتاب عند ذلك المبطلون» (كمال الدِّين: ص ٦٥٢/ باب ٥٧/ ح ١٤).
وعن محمّد بن مسلم، قال: «ينادي منادٍ من السماء باسم القائم (عليه السلام)، فيُسمَع ما بين المشرق إلى المغرب، فلا يبقى راقد إلَّا قام، ولا قائم إلَّا قعد، ولا قاعد إلَّا قام على رجليه من ذلك الصوت، وهو صوت جبرئيل الروح الأمين» (الغيبة للطوسي: ص ٤٥٤/ ح ٤٦٢).
(١٩٧) عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: قلت لمحمّد بن عليِّ بن موسى (عليهم السلام): إنِّي لأرجو أنْ تكون القائم من أهل بيت محمّد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، فقال (عليه السلام): «يا أبا القاسم، ما منَّا إلَّا وهو قائم بأمر الله (عزَّ وجلَّ)، وهادٍ إلى دين الله، ولكن القائم الذي يُطهِّر الله (عزَّ وجلَّ) به الأرض من أهل الكفر والجحود، ويملأها عدلاً وقسطاً، هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سميُّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكنيُّه، وهو الذي تُطوى له الأرض، ويذلُّ له كلُّ صعب، [و] يجتمع إليه من أصحابه عدَّة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أقاصي الأرض، وذلك قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]» (كمال الدِّين: ص ٣٧٧ و٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٢).
(١٩٨) عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنَّه إذا تناهت الأُمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى كلَّ منخفض من الأرض، وخفض له كلَّ مرتفع منها حتَّى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته، فأيُّكم لو كانت في راحته شعرة لم يُبصِرها؟» (كمال الدِّين: ص ٦٧٤/ باب ٥٨/ ح ٢٩).
(١٩٩) عن أبي الربيع الشامي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، يقول: «إنَّ قائمنا إذا قام مدَّ الله (عزَّ وجلَّ) لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتَّى [لا] يكون بينهم وبين القائم بريد، يُكلِّمهم فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه» (الكافي: ج ٨/ ص ٢٤٠ و٢٤١/ ح ٣٢٩).
(٢٠٠) بصار الدرجات (ص ٤٢٨/ ج ٨/ باب ١٤/ ح ١ - ٤).
(٢٠١) عن إبراهيم بن محمّد بن الحنفيَّة، عن أبيه محمّد، عن أبيه أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «المهدي منَّا أهل البيت، يُصلِح الله له أمره في ليلة» (كمال الدِّين: ص ١٥٢/ باب ٦/ ح ١٥).
(٢٠٢) راجع قصَّة ولادته (عجَّل الله فرجه) في: كمال الدِّين (ص ٤٢٤/ باب ٤٢).
(٢٠٣) أمَّا اليوم وهو سنة (١٤٤٢هـ) فيبلغ طولها (١١٨٧) سنة.
(٢٠٤) عن أبي سعيد عقيصا، عن الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، قال: «... ما منَّا أحد إلَّا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلَّا القائم الذي يُصلِّي روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) خلقه، فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يُخفي ولادته، ويُغيِّب شخصه، لئلَّا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين، ابن سيِّدة الإماء، يُطيل الله عمره في غيبته، ثمّ يُظهره بقدرته في صورة شابٍّ دون أربعين سنة، ذلك ليُعلَم أنَّ الله على كلِّ شيء قدير» (كمال الدِّين: ص ٣١٦/ باب ٢٩/ ح ٢).
(٢٠٥) عن سعيد بن جبير، قال: سمعت سيِّد العابدين عليَّ بن الحسين (عليهما السلام) يقول: «في القائم منَّا سُنَن من الأنبياء، سُنَّة من أبينا آدم (عليه السلام)، وسُنَّة من نوح، وسُنَّة من إبراهيم، وسُنَّة من موسى، وسُنَّة من عيسى، وسُنَّة من أيُّوب، وسُنَّة من محمّد (صلوات الله عليهم)، فأمَّا من آدم ونوح فطول العمر، وأمَّا من إبراهيم فخفاء الولادة واعتزال الناس، وأمَّا من موسى فالخوف والغيبة، وأمَّا من عيسى فاختلاف الناس فيه، وأمَّا من أيُّوب فالفرج بعد البلوى، وأمَّا من محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فالخروج بالسيف» (كمال الدِّين: ص ٣٢١ و٣٢٢/ باب ٣١/ ح ٣).
وعن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «في صاحب الأمر سُنَّة من موسى، وسُنَّة من عيسى، وسُنَّة من يوسف، وسُنَّة من محمّد (صلوات الله عليهم أجمعين)، فأمَّا من موسى فخائف يترقَّب، وأمَّا من يوسف فالسجن، وأمَّا من عيسى فيقال له: إنَّه مات ولم يمت، وأمَّا من محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فالسيف» (كمال الدِّين: ص ١٥٢ و١٥٣/ باب ١٦/ ح ١٦).
(٢٠٦) ماذا عن الجزيرة الخضراء ومثلَّث برمودا (ص ٦٩ وما بعدها).
(٢٠٧) الكافي (ج ٥/ ص ٤٩٦/ باب كراهيَّة الرهبانيَّة وترك الباه/ ح ٥).
(٢٠٨) مفاتيح الجنان (ص ١١٢)، عن مصباح المتهجِّد (ص ٤٠٨).
(٢٠٩) قد مرَّت الإشارة إليها في (ص ١١٤)، فراجع.
(٢١٠) كتب العلَّامة المحقِّق السيِّد جعفر مرتضى العاملي (رحمه الله) بحثاً جيِّداً في نقد رواية الجزيرة الخضراء تحت عنوان (ماذا عن الجزيرة الخضراء ومثلَّث برمودا).
(٢١١) راجع القصَّة في: بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ١٥٩/ باب ٢٤).
(٢١٢) قد مرَّ ذكرها في (ص ٨٢)، فراجع.
(٢١٣) سُنَن ابن ماجة (ج ٢/ ص ١٣٧٠ و١٣٧١/ ح ٤٠٩٤).
(٢١٤) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً﴾ [الكهف: ٨٣]، قال: «إنَّ ذا القرنين بعثه الله إلى قومه، فضربوه على قرنه الأيمن، فأماته الله خمسمائة عام، بعثه إليهم بعد ذلك، فضربوه على قرنه الأيسر، فأماته الله خمسمائة عام، ثمّ بعثه إليهم بعد ذلك، فملَّكه مشارق الأرض ومغاربها من حيث تطلع الشمس إلى حيث تغرب» (تفسير القمّي: ج ٢/ ص ٤٠).
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «إنَّ ذا القرنين كان عبداً صالحاً جعله الله (عزَّ وجلَّ) حجَّة على عباده، فدعا قومه إلى الله وأمرهم بتقواه، فضربوه على قرنه، فغاب عنهم زماناً حتَّى قيل: مات، أو هلك، بأيِّ وادٍ سلك؟ ثمّ ظهر ورجع إلى قومه، فضربوه على قرنه الآخر، وفيكم من هو على سُنَّته» (كمال الدِّين: ص ٣٩٤/ باب ٣٨/ ح ٤).
وعن أبي الطفيل، قال: سُئِلَ عليٌّ عن ذي القرنين، فقال: «لم يكن نبيًّا ولا مَلِكاً، ولكنَّه كان عابداً ناصح الله فنصحه، فدعا قومه إلى الله، فضُرِبَ على قرنه الأيمن، فمات، فأحياه الله، ثمّ دعا قومه إلى الله، فضُرِبَ على قرنه الأيسر، فمات، فأحياه الله، فسُمّي ذا القرنين» (المصنَّف لابن أبي شيبة (ج ٧/ ص ٤٦٨/ ح ٤).
(٢١٥) الهداية الكبرى (ص ٢٠٤)، ومقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي (ج ٢/ ص ٣١)، ومقتل الحسين (عليه السلام) للمقرَّم (ص ٢٧٦ - ٢٧٨)، وغيرها.
(٢١٦) فيض القدير (ج ٥/ ص ٣١٣).
(٢١٧) مناقب آل محمّد للموصلي (ص ٢٣٨).
(٢١٨) راجع (ص ٩٥ و١٦٩).
(٢١٩) عن محمّد بن عليٍّ الحلبي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «اختلاف بني العبَّاس من المحتوم، والنداء من المحتوم، وخروج القائم من المحتوم»، قلت: وكيف النداء؟ قال: «ينادي منادٍ من السماء أوَّل النهار: ألَا إنَّ عليًّا وشيعته هم الفائزون»، قال: «وينادي منادٍ [في] آخر النهار: ألَا إنَّ عثمان وشيعته هم الفائزون» (الكافي: ج ٨/ ص ٣١٠/ ح ٤٨٤).
وعن المعلَّى بن خُنَيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «صوت جبرئيل من السماء، وصوت إبليس من الأرض، فاتَّبعوا الصوت الأوَّل، وإيَّاكم والأخير أنْ تفتتنوا به» (كمال الدِّين: ص ٦٥٢/ باب ٥٧/ ح ١٣).
وعن أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّ أبا جعفر (عليه السلام) كان يقول: «إنَّ خروج السفياني من الأمر المحتوم»؟ قال (لي): «نعم، واختلاف ولد العبَّاس من المحتوم، وقتل النفس الزكيَّة من المحتوم، وخروج القائم (عليه السلام) من المحتوم»، فقلت له: كيف يكون (ذلك) النداء؟ قال: «ينادي منادٍ من السماء أوَّل النهار: ألَا إنَّ الحقَّ في عليٍّ وشيعته، ثمّ ينادي إبليس (لعنه الله) في آخر النهار: ألَا إنَّ الحقَّ في السفياني وشيعته، فيرتاب عند ذلك المبطلون» (كمال الدِّين: ص ٦٥٢/ باب ٥٧/ ح ١٤).
(٢٢٠) عن مفضَّل بن عمر، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده في البيت أُناس، فظننت أنَّه إنَّما أراد بذلك غيري، فقال: «أمَا والله ليغيبنَّ عنكم صاحب هذا الأمر، وليخملنَّ هذا حتَّى يقال: مات، هلك، في أيِّ وادٍ سلك؟ ولتكفأنَّ كما تكفأ السفينة في أمواج البحر، لا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب الإيمان في قلبه، وأيَّده بروح منه، ولترفعنَّ اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يُدرى أيٌّ من أيٍّ»، قال: فبكيت، فقال: «ما يُبكيك يا أبا عبد الله؟»، فقلت: جُعلت فداك، كيف لا أبكي وأنت تقول: «اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يُدرى أيٌّ من أيٍّ»؟! قال: وفي مجلسه كوة تدخل فيها الشمس، فقال: «أبيِّنة هذه؟»، فقلت: نعم، قال: «أمرنا أبين من هذه الشمس» (الكافي: ج ١/ ص ٣٣٨ و٣٣٩/ باب في الغيبة/ ح ١١).
(٢٢١) عن ابن عبَّاس، قال: أتى رجل من بني عامر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ألَا أُريك آية؟»، قال: بلى، قال: «فاذهب فادع تلك النخلة»، فدعاها، فجاءت تنقزُّ بين يديه، قال: قل لها ترجع، قال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ارجعي»، فرجعت حتَّى عادت إلى مكانها، فقال: يا بني عامر ما رأيت رجلاً كاليوم أسحر منه. (سُنَن الدارمي: ج ١/ ص ١٣).
(٢٢٢) عن عبد الله بن عجلان، قال: ذكرنا خروج القائم (عليه السلام) عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فقلت له: كيف لنا أنْ نعلم ذلك؟ فقال: «يصبح أحدكم وتحت رأسه صحيفة عليها مكتوب: طاعة معروفة» (كمال الدِّين: ص ٦٨٤/ باب ٥٧/ ح ٢٢).
(٢٢٣) عن هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «هما صيحتان: صيحة في أوَّل الليل، وصيحة في آخر الليلة الثانية»، قال: فقلت: كيف ذلك؟ قال: فقال: «واحدة من السماء، وواحدة من إبليس»، فقلت: وكيف تُعرَف هذه من هذه؟ فقال: «يعرفها من كان سمع بها قبل أنْ تكون». (الغيبة للنعماني: ص ٢٧٣ و٢٧٤/ باب ١٤/ ح ٣١).
(٢٢٤) عن عبد الرحمن بن مسلمة الجريري، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يُوبِّخونا ويُكذِّبونا أنَّا نقول: إنَّ صيحتين تكونان، يقولون: من أين تُعرَف المحقَّة من المبطلة إذا كانتا؟ قال: «فماذا تردُّون عليهم؟»، قلت: ما نردُّ عليهم شيئاً، قال: «قولوا: يُصدِّق بها إذا كانت من كان يؤمن بها من قبل، إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥]» (الكافي: ج ٨/ ص ٢٠٨/ ح ٢٥٢).
(٢٢٥) كمال الدِّين (ص ٣١٩ و٣٢٠/ باب ٣١/ ح ٢).
(٢٢٦) عن المفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إيَّاكم والتنويه، أمَا والله ليغيبنَّ إمامكم سنيناً من دهركم، ولتمحصنَّ حتَّى يقال: مات، قُتِلَ، هلك، بأيِّ وادٍ سلك؟ ولتدمعنَّ عليه عيون المؤمنين، ولتكفأنَّ كما تكفأ السُّفُن في أمواج البحر، فلا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيَّده بروح منه...» (الكافي: ج ١/ ص ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٣).
(٢٢٧) الاختصاص (ص ٢٠٨).
(٢٢٨) قد مرَّ ذكرها في (ص ١٨)، فراجع.
(٢٢٩) راجع نصَّ القصَّة في: كمال الدِّين (٤٧٣ - ٤٧٦/ باب ٤٣/ ح ٢٥).
(٢٣٠) راجع ما مرَّ في (ص ١٥٨).
(٢٣١) بحث حول المهدي (عجَّل الله فرجه) (ص ١٠٤).
(٢٣٢) أحاديث المهدي (عليه السلام) من مسند أحمد بن حنبل (ص ١١).
(٢٣٣) كتاب سُلَيم بن قيس (ص ٤٦٠/ ح ٧٧).
(٢٣٤) انظر نصَّ القصَّة في: الغيبة للطوسي (ص ٣٦٤ و٣٦٥/ ح ٣٣٢).
(٢٣٥) الغيبة للطوسي (ص ٣٦٩ و٣٧٠/ ح ٣٣٧ و٣٣٩).
(٢٣٦) قد مرَّ ذكرها في (ص ١٨٩)، فراجع.
(٢٣٧) الغيبة للطوسي (ص ٢٦٣ - ٢٦٧/ ح ٢٢٨).
(٢٣٨) مفاتيح الجنان (ص ٧٧٥)، عن مصباح الزائر (ص ٤٥٤).
(٢٣٩) مقتل الحسين (عليه السلام) لأبي مخنف (ص ١١٠ و١١١)، وتاريخ الطبري (ص ٣١٨)، ومقتل الحسين (عليه السلام) للمقرَّم (ص ٢٢٦)، وغيرها.
(٢٤٠) الغيبة للنعماني (ص ٢٠٧/ باب ١١/ ح ١٦).
(٢٤١) كمال الدِّين (ص ٦٤٤/ باب ٥٥/ ح ٣).
(٢٤٢) الكافي (ج ١/ ص ٣٧١/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ٢).
(٢٤٣) مفاتيح الجنان (ص ٣٦٤)، عن الكافي (ج ٤/ ص ١٦٢/ باب الدعاء في العشر الأواخر من شهر رمضان/ ح ٤).
(٢٤٤) راجع ترجمته في: معجم رجال الحديث (ج ١٨/ ص ٢٦٠/ الرقم ١١٨٠٧).
(٢٤٥) الكافي (ج ٢/ ص ٤٠٠/ باب الشكّ/ ح ٩).
(٢٤٦) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٢١٠ و٢١١/ ح ١)، مستدرك الحاكم (ج ٣/ ١٢٧).
(٢٤٧) إرشاد الأذهان (ج ١/ ص ١٧٢).
(٢٤٨) نهج البلاغة (ص ٥١٠/ ح ٢٣٨).
(٢٤٩) نهج البلاغة (ص ١٠٥ و١٠٦/ الخطبة ٨٠).
(٢٥٠) انظر القصَّة في: مقتل الحسين (عليه السلام) لأبي مخنف (ص ٧٤ و٧٥).
(٢٥١) الاحتجاج (ج ٢/ ص ٤٠).
(٢٥٢) طبقات ابن سعد (ج ٥/ ص ٢١٢).
(٢٥٣) مقاتل الطالبيِّين (ص ٥٦).
(٢٥٤) مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي (ج ٢/ ص ٢٨٥)، والبيت لبعض الشعراء قاله في عمرة بنت النعمان امرأة المختار حينما قتلها مصعب بن الزبير.
(٢٥٥) مقتل الحسين (عليه السلام) لأبي مخنف (ص ١٢٤) بتفاوت.
(٢٥٦) قد مرَّ ذكرها في (ص ٧٧)، فراجع.
(٢٥٧) الغيبة للنعماني (ص ٢٤٥/ باب ١٣/ ح ٣٠).
(٢٥٨) دلائل الإمامة (ص ٤٨٤/ ح ٤٨٠/٨٤).
(٢٥٩) عن أبي حمزة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): خروج السفياني من المحتوم؟ قال: «نعم، والنداء من المحتوم، وطلوع الشمس من مغربها محتوم...» (الإرشاد: ج ٢/ ص ٣٧١)؛ وقد مرَّت الإشارة الإجماليَّة إلى هذه العلامة في (ص ١٨٥)، فراجع.
(٢٦٠) إنَّ بعض الروايات تُؤكِّد حدوث تحوُّل فلكي، منها ما روي عن المفضَّل بن عمر، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما علامة القائم؟ قال: «إذا استدار الفلك، فقيل: مات أو هلك، في أيِّ وادٍ سلك؟...» (الغيبة للنعماني: ص ١٥٩/ باب ١٠/ فصل ١/ ح ١٩).
ومنها ما روي عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل أنَّه قال: «... ولا يترك بدعة إلَّا أزالها، ولا سُنَّة إلَّا أقامها، ويفتتح قسطنطينية والصين وجبال الديلم، فيمكث على ذلك سبع سنين، مقدار كلِّ سنة عشر سنين من سنيكم هذه، ثمّ يفعل الله ما يشاء»، قال: قلت له: جُعلت فداك، فكيف تطول السنون؟ قال: «يأمر الله تعالى الفلك باللبوث، وقلَّة الحركة، فتطول الأيَّام لذلك والسنون» قال: قلت له: إنَّهم يقولون: إنَّ الفلك إنْ تغيَّر فسد، قال: «ذلك قول الزنادقة، فأما المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك، وقد شقَّ الله القمر لنبيِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وردَّ الشمس من قبله ليوشع بن نون، وأخبر بطول يوم القيامة وأنَّه ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحجّ: ٤٧]» (الإرشاد: ج ٢/ ص ٣٨٥).
(٢٦١) عن المفضَّل بن عمر الجعفي ، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربِّها، واستغنى العباد عن ضوء الشمس، وصار الليل والنهار واحداً، وذهبت الظلمة، وعاش الرجل في زمانه ألف سنة، يُولَد له في كلِّ سنة غلام، لا يُولَد له جارية، يكسوه الثوب فيطول عليه كلَّما طال، ويتلوَّن عليه أيَّ لون شاء» (دلائل الإمامة: ص ٤٥٤/ ح ٤٣٣/٣٧).
(٢٦٢) الصمصام: يعني السيف. (جمهرة اللغة: ج ١/ ص ٢١٠).
(٢٦٣) إلزام الناصب (ج ٢/ ص ٢٤٦).

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٢ / ٤.٠
 التعليقات
الدولة:
الإسم: علي سعد
العراق
النص: شكرا لمركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي ع جزاكم خيرا
تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/١٢/٢٨ ٠٤:٣٨ ص
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved