الصفحة الرئيسية » البحوث والمقالات المهدوية » (٥) التقاء الحقيقة الوجودية بالحقيقة التاريخية في شخص الإمام الموعود (عجّل الله فرجه) في آخر الزمان
 البحوث والمقالات المهدوية

المقالات (٥) التقاء الحقيقة الوجودية بالحقيقة التاريخية في شخص الإمام الموعود (عجّل الله فرجه) في آخر الزمان

القسم القسم: البحوث والمقالات المهدوية الشخص الكاتب: يوسف العاملي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٦/٠١ المشاهدات المشاهدات: ٥٥٥١ التعليقات التعليقات: ١

التقاء الحقيقة الوجودية بالحقيقة التاريخية في شخص الإمام الموعود (عجّل الله فرجه) في آخر الزمان

يوسف العاملي

الكلام عن الحقيقة تخلق في ذهن المتلقي دائماً حالة من الشك والارتياب، ذلك أن الحقيقة ذات مراتب مشككة في ذاتها ومعانيها، فبقدر ما يكون الإنسان مؤمناً بوجوده يكون مستعداً لفهم حقائق وجوده السامية، وبقدر ما يكون تائهاً في وجوده يكون مرتاباً في درك أي حقيقة مهما كان مصدرها أو مدعيها؟ فهل نظرية الرجل الموعود في آخر الزمان الذي سوف يملئ الأرض قسطاً وعدلاً حقيقة وجودية أم أنها خرافة تاريخية؟ ولكي يكون سؤالنا سؤالاً وجيهاً وعلمياً دعونا نطرحه كما هو في ذاته عن الحضارات الإنسانية والوجدان الوجودي كما تعاملا مع هذه الظاهرة وتفاعلا معها في ذاتها؟
الحقيقة التاريخية (الإنسان الظاهر):
قبل آدم كان البشر، وقبل البشر كان آدم، وقبل آدم كان الله وهو الآن كما كان ولا شيء معه.
لتوضيح ما تحمل هذه الجملة السابقة، الذي جاء القرآن لشرحها وتفسيرها للإنسان عبر واقعه الاجتماعي وتواجده التاريخي علينا أن ندرك في وعينا حقيقة الوحي الإلهي الذي صحب حياة الإنسان على الأرض، فبعدما تم الخلق الأول عبر دورات وجودية سيطر فيها الجهل العرفاني على كيان الإنسان ووجوده، جاء الوحي السماوي ليرافق حياة الإنسان المبسوطة في الآفاق من أجل فهم نفسه وإدراك ما عليه فهمه في سبيل خلاصه ووعي دوره الوجودي.
ولفهم العلاقة الوجودية التي تربط البشر بالله علينا أن نفهم علاقة البشر بأبي البشر جميعاً، آدم.
في كل الحضارات الكونية الإنسانية التي عاشها الإنسان كان هذا الأخير يسأل أسئلة تواجده عبر فلسفات، عبر خبرات روحية، عبر سلوكيات حفظتها لنا خلايانا في ذاكرتنا الجمعية والجماعية، وهكذا تكلمت الإنسانية عن سر تواجدها في منقولات فلسفية وخبرات روحية كانت في أغلب الأحيان تجعل الإنسان الواعي بتلك الأسرار مسيطراً على الإنسان وقواه الخفية المودعة في كيانه، وهي ثلاث قوى رئيسية: الكينونة والشاعرية والسحر.
وهكذا نستعرض مضمون هذه القوى الخفية، ونقول:
الإنسان الكائن: يمتاز هذا الوجود بالفاعلية والاختيار والإرادة والإبداع والنسيان والمعرفة والجهل والمظلومية والكفر والظلم والطلب والسعي والرغبة.
الإنسان الشاعر: يمتاز هذا الوجود بالتفاعل مع النفس والمحيط والعاطفة والإبداع والتعمق والغيب والكشف.
الإنسان الساحر: يمتاز هذا الوجود بالقوة، بالسيطرة، بالمكر، بالخداع بالغرابة، بالعجب، بالخرافة، بالتسلط على القوى الأخرى.
قد لا نكون قد أحصينا ما يتعلق بهذه القوى بشكل كامل غير أن هذه الإشارات تكفي لطرح السؤال التالي كيف يمكن أن يكون الإنسان وقواه الخفية مدركاً لحقيقته وهي التي سلبته في نفس الوقت هذا الإدراك؟
لقد وجد الإنسان نفسه يمتلك هذه القوى بالقوة ووجد نفسه تمتلكه هذه القوى بالفعل، فحركاته كما أن خطراته ورغباته متَّسمة بهذه القوى كيفما كان وضعه الوجودي وفكره فيه، وهذا ما انتبه إليه الفيلسوف صدر الدين الشيرازي بقوله: الإنسان هو المشكل وهو الحل.
فبقدر ما يستطيع الإنسان السيطرة على هذه القوى وفهم وجوده فيها وتواجده فيها كان محباً للسلام والمحبة والحوار والتسامي، وكلما سيطرت هذه القوى على كيانه في غياب ذلك الموجه الكوني الواعي (في وعيه)، أحدثت في كيان الإنسان حروباً وصراعات تجعله يقتل بعضه بعضاً، تجعله ينزل إلى أسفل درك من الإدراك وإلى فهم ساذج غريزي يسعى للبقاء بدون هدف.
ففي مسار تواجد الإنسان على مسرح الحياة الأرضية عرف عدة معارف جعلته يطرح أسئلة أكثر نضجاً أكثر عمقاً أكثر تحيراً، لكن ذلك لم يأتي دفعة واحدة، فلقد عاش في هذه الأرض سلالات بشرية خلقها الله لعبادته في إرادة وجودية إلهية، غارقة في الزمن الأول، تلك المجتمعات البشرية لم تكن لها علاقة بوعينا الإنساني ولا بكينونتنا، فالخلق الأول تم عبر دورات وجودية كان فيها المخلوق البشري الإلهي يعيش في دورات بدائية، لذا قلنا في بداية البحث كان البشر قبل آدم وكان البشر بعد آدم، فما هو هذا النوع الذي كان قبل آدم؟ وما هو هذا النوع الآخر الذي جاء بعد آدم؟
ذلك البشر الذي كان قبل أبونا آدم كان بشراً لا ندرك حقيقته وكنه تواجده أو كيفية تواجده على الأرض، لكن إذا ما تأملنا كلمة بشر المكتوبة والمنطوقة باللغة العربية نجد أنها مكونة من ثلاث أحرف، وهي الباء والشين والراء، فإذا ما أزلنا من هذه الأحرف الثلاثة حرف الباء تصير الكلمة المتبقية - شر -، لكن قد يعترض علينا بعض الباحثين في اللغة العربية أو في اللغات أخرى بفهم آخر، وهو أن اللغة العربية جاءت متأخرة نسبياً مقابل بعض اللغات الأولى، ويقول: إن تخريجتك هاته لم ترقنا ولم تتفوق فيها، حيث حكمت على البشر بالشر بمجرد زوال الباء. وقد نجيبه بما نعيه نحن في لغتنا القرآنية التي وصفت ذلك المخلوق الإلهي الذي تواجد قبل آدم الإنساني بالشر والظلم، كما أن حرف الباء يدل على معاني يعرفها أهل العرفان والكشف والذوق بأنه حرف تكويني إلهي. وكما جاء في الزيارة الجامعة بكم فجُودِ لَهُ، وَالخُنُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ، فَقَالَ عزَّ مِن قائِل: ﴿اسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إِبْلِيسَ﴾ وَقَبِيلَهُ، اعْتَرَتْهُمُ الحَمِيَّةُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقْوَةُ، وَتَعَزَّزُوا بِخِلْقَةِ النَّارِ، وَاسْتَوْهَنُوا خَلْقَ الصَّلْصَالِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ تَعالَى النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ، وَاسْتِتْماماً لِلْبَلِيَّةِ، وَإِنْجَازاً لِلْعِدَةِ، فَقَالَ: ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾، فوصف أمير العارفين وروح العالمين علي (عليه السلام) خلق آدم بهذه الكيفية يدل على حضوره في هذا الخلق شهودياً، وهذا يؤكد الحديث المنقول إلينا عبر مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) الذي جاء فيه: «بعث مع جميع الأنبياء باطناً، وكنت مع الرسول الخاتم ظاهراً» نقصد بذلك علي (عليه السلام).
من خلال هذا الحديث نستطيع القول إن أهل البيت (عليهم السلام) كانوا حاضرين في كل الدورات الوجودية السابقة بأرواحهم وهدايتهم ونورانيتهم، فعلي (عليه السلام) هو نقطة الباء التي فتح بها الله هذا الكتاب التكويني، فإضافة الباء للبشرية جعلت لهذا الوجود الآدمي يخصص بنورانية أهل البيت العظيمة، فبهم فتح الله وبهم يختم كما جاء في الزيارة الجامعة.
وإذا ما ربطنا هذا بالحديث الذي جاء فيه «كلنا واحد أولنا محمد وأوسطنا محمد وآخرنا محمد»، نكون قد جعلنا رحلة آدم في الأصلاب الطاهرة ممتدة من ذلك الفيض الإلهي الأول (الاسم الذي خرج منه وإليه) إلى آخر الزمان متمثلة في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) فتعود الدائرة من حيث بدأت، لكن هذه المرة لتطلق الحقائق والعيش فيها حضورياً بعدما كانت تسرها باطنياً.
ففي كل تلك الدورات التي تفاعل الإنسان فيها مع الطبيعة والحياة والوجود كان يتعرف على ما في كيانه من قوى وجودية، لذا نجد الإنسان الذي كان يعبد الوثن قبل مجيء موسى (عليه السلام) كان يعبد أصله الوجودي وكينونته الوجودية متمثلة في صنم طيني صنعه من أصله الطيني حتى يمكنه تأكيد كينونته في هذا الصنم الذي يختزن عنصره الأولي الطيني، فهذا الإنسان كان يحب كينونته، التي احتقرها إبليس في الجنة بقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، فكانت عبادة الصنم الطيني هذه رد فعل لا شعوري لتلك الخافية الموروثة من ذلك الحنين للخلق الأول والخروج من الجنة.
وفي عصر في موسى (عليه السلام) وفرعون نجد أن الإنسان مازال يتعرف على ما تستبطن ذاته وبدأ يتعرف على أسرار نفسه وكيانه، لذا نجده عندما سيطر ذهنه على قوى الطبيعة بدأ يحلل عناصر الأشياء (بواسطة الكيمياء)، وبدأ في تأليه نفسه، وهكذا وجد الفرعون نفسه إلهاً من دون الله قائلاً: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، كلمة تحمل حقيقة وجودية غير أنها مثقلة بجحود وكفر وجودي لحقيقة مصدر القوة التي جعلت الفرعون يؤلِّه نفسه. فقوله ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ هي في الحقيقة حقيقة الإنسان، لكن حيث لا خلق، حيث لا تكليف، حيث لا دنيا، حيث لا آخرة، وهي تعني رب نفسه، فتلك الحقيقة هي حقيقة واقعة في العوالم الإلهية، فالنطق بهذه الكلمة هي للإنسان وحقيقة مصدرها هو الله، في تلك العوالم الغيبية الإلهية التي سوف ندخل فيها بشفاعة الهداية الكونية الوجودية المتمثلة في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
ففي كل تلك الدورات الوجودية كنا (الإنسانية) نتعرف على كياننا كما يتعرف الصبي على جسده في صباه.
ونصل الآن إلى مرحلة ظهور النبي الخاتم المسدد بالغيب كله سيدنا محمد (عليه وعلى آله الأطهار أفضل الصلاة والتسليم). في هذا العصر بدأ يشعر الإنسان بشعور يتخلل كيانه فبدأ الإنسان (الجاهلي) يتحسس الغيب بواسطة الشعر، فأبدع العرب أشهر القصائد في معرفة الوجدان والطبيعة والكون. فكانت هذه المرحلة بمثابة المراهقة التي سوف يتمخض عنها وعياً كونياً سوف يستمر إلى آخر الزمان.
فبعدما خبر الكيان الإنسان قواه الثلاثة الساحرية والكينونة والشاعرية عبر دورات وجودية عبد فيها مليونين إله، وبعدما عاش الإنسان تائهاً بين طقوس واعتقادات كثيرة سيطرت عليها هذه القوى الثلاثة على وعيه، جاء دور الهداية الكونية والإنسان الكوني الوجودي لفتح آفاق معرفية أكثر نضجاً وسلامة ومعرفة وسمو في درجات الوجود السامي، حيث إن الرسول الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) المرسل إلى العالمين هو إنسان مؤيد بالغيب الإلهي كله، كما أن شريعته تحمل كل الشرائع ومهيمنة عليها، والسؤال المطروح هنا كيف يمكن أن تكون هذه الرسالة للعالمين بينها نحن نعيش في عوالم محدودة ومعلومة؟ هذا يؤكد على أن الرسالة الخاتمة هي رسالة مستمرة لحد الساعة بأشكال مختلفة وبطرق أخرى، في كل العوالم.
فما هي هذه الطرق؟
إن ما يؤكد هذا ويجعلنا نسأل هذا السؤال هي كثرة العوالم التي خلقها الباري لتسبح في ملكوته وعوالمه الخفية الغيبية، فلكي تكون الرسالة المحمدية رسالة خاتمة ومطلقة في كل العوالم يجب أن تستمر إلى آخر الزمان وتستعين بمن خبروا الغيب كله، وهم أناس خصصوا لهذا الدور ولهذه المهمة وهم المذكورون في الكتب السماوية جميعاً أنهم أهل بيت النبوة وموضع الرسالة محمد وآل محمد (صلى الله عليه وعلى آله).
لقد كان مسار الإنسان التاريخي مليئاً بالأحداث، مليئاً بالصراعات، مليئاً بالخوف، مليئاً بالهواجس، ذلك أن وجوده يفقد في كليته ذلك الموجه الأعظم التي يحمل كيان الإنسان المتسائل إلى عوالم الهداية الإلهية، لذا لم يكف الإنسان وهو يحمل الأمانة الإلهية عن طرح الأسئلة في سبيل معرفة هويته ودوره الوجودي، فمجيء الرجل الموعود في آخر الزمان هو مطلب كل الحضارات الإنسانية على مر التاريخ، حيث بذلت الروح في سبيل هذا الهدف المتسامي وانتظرت ظهور هذا الأمر على وجه الأرض في مجيء كل رسول وكل نبي وكل مصلح.
فالحقيقة التاريخية هي حقيقة الإنسان وفعله على مسرح الحياة، ففعله بدون القوى الإلهية فعل بدون هداية، وحقيقته بدون هداية هي حقيقة بدون فعل حقيقي.
وهكذا ننتقل إلى الحقيقة الوجودية والدور الذي سوف تلعبه في إبراز ما خفي من الإنسان مقابل العوالم الإلهية الغيبية.
الحقيقة الوجودية (الإنسان الباطن):
يقول مولى العارفين وروح العالمين سيدي ومولاي علي بن أبي طالب (عليه السلام): «اللَهُمَّ بَلَى لاَ تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلهِ بِحُجَّةٍ؛ إمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، أَوْ خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللَهِ وَبَيِّنَاتُهُ. وَكَمْ ذَا وَأَيْنَ أُولَئِكَ؟ أُولَئِكَ - وَاللهِ الأَقَلُّونَ عَدَداً وَالأَعْظَمُونَ قَدْراً، يَحْفَظُ اللَهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتَهُ حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ، وَيَزْرَعُونَهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ.
هَجَمَ بِهِمُ العِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ البَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رُوحَ اليَقِينِ، وَاسْتَلاَنُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ المُتْرَفُونَ، وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الجَاهِلُونَ، وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالمَحَلِّ الأَعْلَى».
إن كلام أمير الحكمة هذا يدل على وجود أناس سيحملون سر الإنسان والدين في بواطنهم، بعد غياب جسده على مسرح الحياة، لكي لا تبطل حجج الله وبيناته، فمن هؤلاء الذين سوف يحملون ما لم يستطع الآخرون حمله؟ إنهم محبي الحق والحقيقة والمحبة الإلهية والسلام والخير للناس جميعاً، فهذا أويس القرني يبكي شوقاً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويكابد ألم الفراق، ويبيت متأملاً نجوم السماء يداوي والدته المريضة منتظراً فرصة للقاء محبوبه رسول رب العالمين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي سمع عنه واشتاق إلى رؤيته. لقد تشوقت روح أويس إلى معانقة الرسول الذي رحل عن الدنيا عليه أفضل الصلاة والتسليم وعلى آله وهو يوصي بجبته إلى أويس وبالدعاء إلى أُمّة محمد بالغفران.
وهذا سلمان الفارسي الذي صحب رسول الله وأحبه حتى أصبح سلمان المحمدي، فقال فيه لو علم أبو ذر (رضي الله عنه) ما فيه باطن سلمان لقتله، وفي رواية أخرى لكفره، ونحن جميعاً ندرك ما وصل إليه إيمان أبو ذر (رضي الله عنه)، ألا يعني هذا أن باطن سلمان (رضوان الله عليه) يحمل أسراراً وجودية صعبة وخطيرة تجعل الذين وصلوا إلى أقصى درجات الإيمان يكفرونه.
وهذا كميل بن زياد الذي كان حامل سر علي (عليه السلام) وكان دائم السؤال في حضرة أمير المؤمنين (عليه السلام) عن كنه الأشياء والمغيبات، الشيء الذي جعل أمير المؤمنين (عليه السلام) يخصه بدعاء جميل يحمل معاني عرفانية، فعندما يواظب المؤمن منا في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) الدعاء بهذا الدعاء في كل ليلة جمعة، ويلتزم به يفتح الله له أبواباً من المعرفة الإلهية، ألا يجعلنا هذا نطرح سؤالاً آخر: لماذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يناقش أسرار الوجود مع أناس مخصصين؟ هل ذلك يعني وجود طائفتين من المؤمنين طائفة تحمل أسرار الشريعة وأخرى تحمل أسرار الطريقة والحقيقة؟
في القرن الأول انتشر عبر أقطار الأُمة الإسلامية الزهاد وكبار العابدين مثل أويس القرني والحسن البصري وسفيان الثوري، الذين بدلوا أرواحهم العاشقة في سبيله، فكانت سيرتهم المليئة بالعبر والقدوة الحسنة والزهد والابتعاد عن كل الشبهات، أهم ما ميز هذا الجيل الأول من الزهاد العابدين، بعدها بدأت تتطور المدارس الفكرية والعرفانية عن طريق الاحتكاك بالمدارس الأخرى الموجودة في عصر ما قبل الإسلام، فهناك الرهبانية المسيحية والديانات الهندية القديمة بأطيافها ومعتقداتها، وهنا بدأت التحديات تهجم على العابد المسلم الزاهد ليبرز مكانته الوجودية في ظل هذه التحديات، وخصوصاً مع وجود أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الحاملين لكل سر وجودي وفهم إلهي.
وهكذا نجد أن الرجال الذين تربوا في حضن الأئمة (عليهم السلام) كانوا عارفين تطلق عليه العامة كلمة صوفية، مثل أبي يزيد البسطامي الذي أخذ علومه الشرعية على يد جعفر الصادق (عليه السلام) والمعروف بمقولته الشهيرة والخالدة في اليوم الأول زهدت في الدنيا وفي اليوم الثاني زهدت في الآخرة وفي اليوم الثالث زهدت في ما سوى الله وفي اليوم الرابع قيل له: ما تريد؟ قلت: أريد ألا أريد، يحكى أن إمامنا الصادق (عليه السلام) طلب من تلميذه البسطامي يوماً كتاب كان فوق رأسه فأجابه: أين يا سيدي هذا الكتاب؟ فقيل له فوق رأسك يا بسطامي، فأعاب عليه بعض الجالسين، فقال لهم: لم أنتبه إلى شيء قط وأنا في محضر مولاي الصادق (عليه السلام).

لكن الذين تربوا على يد هؤلاء العارفين الصوفية مثل أبا يزيد البسطامي كانوا متصوفين، يقلدون الصوفية، وهنا بدأت الانحرافات الباطنية تدخل إلى مملكة باطن الإنسان، فتوسعت دائرة تلك الانحرافات على يد جماعة أخرى تتعلم من المتصوفين مستعينة بالرهبنة المسيحية والزرادشتية والمانوية، حتى سولت لهم نفوسهم عبادة شيوخهم، فكانت هذه الطبقة الذي سماها أحد الباحثين الإسلاميين بالمستصوفين، هي أكبر تحدي يعصف بمملكة الباطن ويجعلها تعبد نفسها كما عبد فرعون نفسه، فالعرفان الإسلامي الأصيل هو ذلك العرفان المبني على أُسس قرآنية وسيرة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، فهذا كلام الله وهذا قول رسوله ناطقاً به القرآن، وسيرة الأئمة (عليهم السلام) من بعده، لذا نجد الذين تربوا بعيداً عن هذه الدائرة وهم جماعة المتصوفين، هم من أبدع الخرافات وزرع الضلالات عبر العصور إلى يومنا هذا.
لذا نجد شيوخ الصوفية هرعوا في تحصين علومهم فبدأوا يعلمون مريديهم ظاهر الشريعة ومحاسبة النفس عن ضياع أي ركن منها، ولا يمكن للمريد الدخول في أسرار الباطن حتى يتقن واجبات الظاهر، وهذا ما وجدناه عند صوفية المغرب وخصوصاً عند المتأخرين منهم مثل أبو عجيبة الحسني والشادلي (قدس الله سرهما) وأعلى مقامهما في القرن ١٩ الميلادي، حيث قاما بإصلاح ديني جهادي جعلهم يطورون أسلوب التربية الروحية وكان ذلك جلياً في أتباعهم ومريديهم في كل زوايا المغرب حيث الذكر ودروس الفقه يتعانقان معاً داخل حضرة الشيخ المربي.
العرفاء والإنسان الكامل:
عرفت الأُمة الإسلامية عرفاء يحملون أسرار الرب المتعالي في كياناتهم، تربوا في دائرة الولاية العلوية والحقيقة المحمدية كالإمام النفري ومولانا جلال الدين الرومي والبسطامي والحلاج والسهروردي ومحي الدين بن العربي وفريد الدين العطار ونجم الدين كبرى وصدر المتألهين الشيرازي، والسستري والفيض الكاشاني وعبد الكريم الجيلي والجنيد والشبلي وبهاء الدين العاملي وحيدر الآملي والقطب المغربي عبد السلام بن مشيش وبومدين المدعو الغوث وأبو عجيبة الحسني وعبد العزيز الدباغ والرفاعي المصري ومن المحدثين الشيخ أحمد الوائلي ومحمد باقر الصدر وموسى الصدر، والفيلسوف المجاهد العملاق مطهري مطهر الأفهام، والكثير منهم انتشروا على بقاع المعمورة من شرق بلاد المسلمين إلى غربها، أمّا الذي جمع هذه العلوم الباطنية وطبقها تطبيقاً في نفسه وزرعها في أتباعه هو السيد روح الله الخميني الموسوي (رضي الله عنه) وأعلى مقامه في فناء الذات الإلهية المقدسة. وأخيراً وليس آخراً الشيخ محمد تقي بهجت وتد العبادة في هذا العصر وأحد الممهدين لظهور مولاي أبا صالح المهدي (عجّل الله فرجه).
يقول عبد الكريم الجيلي في كتابة الإنسان الكامل: اعلم أنّ (الإنسان) هو نسخة الحقّ تعالى كما أخبر (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حيث قال: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ على صُورَةِ الرَّحْمَنِ». وفي حديث آخر: «خَلَقَ اللَهُ آدَمَ على صُورَتِهِ». وذلك أنّ الله تعالى حَي عليمٌ قادِرٌ مُريدٌ سَمِيعٌ بَصيرٌ مُتَكلِّمٌ، وكذلك الإنسان حي عليم إلخ، [إلى آخر الصفات]. ثمّ يقابل الهويّة بالهويّة، والإنيّة بالإنيّة، والذات بالذات، والكلّ بالكلّ، والشمول بالشمول، والخصوص بالخصوص.
وله مقابلة أُخرى يقابل الحقّ بحقائقه الذاتيّة.
واعلم أنّ الإنسان الكامل هو الذي يستحقّ الأسماء الذاتيّة والصفات الإلهيّة استحقاق الأصالة والملك بحكم المقتضي الذاتي، فإنّه المعبّر عن حقيقته بتلك العبارات والمشار إلى لطيفته بتلك الإشارات، ليس لها مستند في الوجود إلّا الإنسان الكامل. فمثاله للحقّ مثال المرآة التي لا يرى الشخص صورته إلّا فيها، وإلّا فلا يمكنه أن يرى صورة نفسه إلّا بمرآة الاسم: الله، فهو مرآته، والإنسان الكامل أيضاً مرآة الحقّ؛ فإنّ الحقّ تعالى أوجب على نفسه أن لا ترى أسماؤه وصفاته إلّا في الإنسان الكامل، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ على السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّه كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾.

إلى أن يقول: وَلِلإنْسَانِ الكَامِلِ تَمَكُّنٌ مِنْ مَنْعِ الخَوَاطِرِ عَنْ نَفْسِهِ جَليلِهَا وَدَقِيقِهَا؛ ثُمَّ إنَّ تَصَرُّفَهُ فِي الأشْيَاءِ لاَ عَنِ اتِّصَافٍ وَلاَ عَنْ آلَةٍ وَلاَ عَنِ اسْمٍ وَلاَ عَنْ رَسْمٍ؛ بَلْ كَمَا يَتَصَرَّفُ أَحَدُنَا فِي كَلاَمِهِ وَأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ... الخ.
ويذكر ابن سينا في الإشارات: إذَا عَبَرَ الرياضَةَ إلى النَيْلِ، صارَ سِرُّهُ مِرْآةً مَجْلُوَّةً مُحاذِياً بِهَا شَطْرَ الحَقِّ؛ وَدَرَّتْ عليهِ اللَّذَّاتُ العلى؛ وَفَرِحَ بِنَفْسِهِ لِمَا بِهَا مِنْ أَثَرِ الحَقِّ، وَكَانَ لَهُ نَظَرٌ إلى الحَقِّ وَنَظَرٌ إلى نَفْسِهِ وَكَانَ بَعْدُ مُتَرَدِّدَاً.
يقول مُحي الدين بن عربي في كتابه (فصوص الحِكَم) في فَصِّ الآدمي وهو يتحدّث عن حقيقة آدم وخلافته:
فَهُوَ مِنَ العَالَمِ كَفَصِّ الخَاتَمِ مِنَ الخَاتَمِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النَّقْشِ وَالعَلاَمَةِ الَّتِي بِهَا يَخْتِمُ المَلِكُ على خَزَائِنِهِ؛ وَسَمَّاهُ خَلِيفَةً مِنْ أَجْلِ هَذَا لأنَّهُ الحَافِظُ خَلْقَهُ كَمَا يَحْفَظُ بِالخَتْمِ الخَزَائِنُ؛ فَمَادَامَ خَتْمُ المَلِكِ عليهَا لا يَجْسُرُ أَحَدٌ على فَتْحِهَا إلّا بِإِذْنِهِ، فَاسْتَخْلَفَهُ فِي حِفْظِ العَالَمِ؛ فَلاَ يَزالُ العَالَمُ مَحْفُوظاً مَادَامَ فِيهِ هَذَا الإنسانُ الكَامِلُ.
الإنْسَانُ الكَامِلُ بِالفِعْلِ حَيْثُ إنَّهُ بِوَحْدَتِهِ جامِعٌ لِكُلِّ ما فِي الوُجُودِ مِنَ الصُّوَرِ وَالمَعَانِي وَالأشْبَاحِ وَالأرْواحِ؛ لَيْسَ مِنَ اللهِ بِمُسْتَنْكَرِ أنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِدٍ؛ فَهُوَ بِحَيْثُ كَانَ الكُلُّ مِنَ الدُّرَّةِ إلى الذَّرَّةِ مَرأى ذاتِهِ كَمَا هُوَ مِرْآةُ الحَقِّ وَمَقَامُ الوَحْدَةِ فِي الكَثْرَةِ.
وسوف نعلق على ما تكلمت عليه جماعة العرفاء حول الإنسان الكامل في العنوان التالي.
تطابق الحقيقة التاريخية والحقيقة الوجودية في شخص الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
القرآن الكريم يقول:

﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾، ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ﴾، ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ...﴾، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
كل هذه الآيات تدل على عمق وجودي لطبيعة العلاقة التي تربطنا مع مصيرنا الغائي والأصلي المتمثلة في الآية: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
فهذه الآية تنقسم إلى قسمين: الشطر الأول: هو ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ وهو يطابق الحقيقة التاريخية والإنسان الظاهر ومفهوم الشخصية والمكانة الاجتماعية.
والشطر الثاني: هو ﴿َإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ وهو يطابق الحقيقة الوجودية والإنسان الباطن ومفهوم الفردانية والنيابة عن الحق.
الإنسانية عاشت الشطر الأول ﴿إِنَّا لِلَّهِ﴾ عبر الرسالات السماوية وصولاً إلى آخر النبيين محمد (صلى الله عليه وآله) وعرفت في كل ذلك أنها مدعوة من طرف خالقها وبارئها لعبادته وتعمير أرضه وتطبيق شرائعه، ذلك أن رسالة الرسل كانت عبارة عن شرائع ظاهرية مكتوبة ومقروءة، تقوِّم ظاهر الإنسان وتجعله يحيا الخلافة الإلهية على الأرض كما ارتضاها الخالق له. لكن الخلافة ليست هي الوجه الوحيد للأمانة، حيث إن للأمانة وجه آخر سوف يختبره الإنسان المؤمن، في الشطر الثاني من الآية وهو ﴿َإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ عن طريق أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ابتداءً من مولانا علي (عليه السلام) إلى آخر أولاد الحسين (عليه السلام) التسعة قائم آل محمد في آخر الزمان المدعو بالمهدي (عليه السلام).
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) معرفاً بنفسه ودوره الوجودي وقيمته المعنوية:
«أَنَا وَجْهُ اللهِ؛ أَنَا جَنْبُ اللهِ؛ أَنَا يَدُ اللهِ؛ أَنَا القَلَمُ الأعلى؛ أَنَا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ أَنَا الكِتَابُ المُبِينُ؛ أَنَا القُرآنُ النّاطِقُ؛ أَنا كهيعص؛ الم ذَلِكَ الكِتَابُ؛ أَنَا طَاءُ الطَّوَاسِيمِ؛ أَنَا حَاءُ الحَوامِيم؛ أَنَا المُلَقَّبُ بِيَاسِينِ؛ أَنَا صادُ الصَّافَّاتِ؛ أَنا سِينُ المُسَبِّحَاتِ؛ أَنا النُّونُ وَالقَلَمِ؛ أَنَا مَايِدَةُ الكَرَمِ؛ أَنا خَلِيلُ جَبْرَئِيلَ؛ أَنَا صِفْوَةُ مِيكَائِيلَ؛ أَنا المَوصُوفُ بِـ«لا فَتَى»؛ أَنَا المَمْدُوحُ فِي «هَلْ أَتَى»؛ أَنَا النَّبَأُ العَظِيمُ؛ أَنَا الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ؛ أَنَا الاْوَّلُ؛ أَنَا الآخِرُ؛ أنَا الظَّاهِرُ؛ أَنَا البَاطِنُ» إلى آخِرِهِ.
فأمير المؤمنين (عليه السلام) يمثل إذن جميع حالات ومقامات الإنسانية الإلهية في مسيرها العروجي إلى رب الأرباب، لذا وجب اتِّباعه.
فالإنسان الظاهري + الإنسان الباطني = الوجود كله
والإنسان الأزلي + الإنسان الأبدي = الدهر كله
إذن فعلي (عليه السلام) خبر الوجود كله وكان هو الدهر كله، وكان بكل شيء عليم.
وبما أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كلهم واحد أولنا محمد وأوسطنا محمد وآخرنا محمد، يكون الإمام الغائب هو المقصود بهذا المعنى الذي وصف به أمير المؤمنين وهو قوله: «أَنَا الآخِر».
يقول الإمام النفري ذلك العارف المجهول الهوية في وصف مولانا الحجة (عجّل الله فرجه): كذلك يقول الرب: إنما أخبرتك لظهور الأبد فاكشفي البراقع عن وجهك واركبي الدابة السياحة على الأرض وارفعي قواعدي المدروسة واحمليهم إلي على يديك من وافقك على اليمين ومن خالفك من الشمال، وابتهجي أيتها المحزونة وتفسحي أيتها المكنونة وتشمري أثوابك وارفعي إزارك على عاتقك، إني أنتظرك على كل فج فانبسطي كالبر والبحر وارتفعي كالسماء المرتفعة، فإني أرسل النار بين يديك ولا تدر ولا تستقر، إن في ذلك لآية تظهر كلمة الله فيظهر الله وليه في الأرض، يتخذ أولياء الله أولياء، يبايع له المؤمنون بمكة، أولئك أحباء الله ينصرهم الله وينصرونه وأولئك هم المستحفظون عدة من شهدوا بدراً يعملون ويصدقون ثلاثمائة وثلاثة عشر أولئك هم الظاهرون.
فلنتأمل جميعاً قوله: أرسل النار بين يديك ولا تدر ولا تستقر، إن قوله هذا يشير إلى زمننا هذا بالضبط زمن العولمة والحروب وتضارب المصالح وضياع الكرامات والشعوب، في مستنقع الجهل واللامبالات.
المدرسة الإطلاقية وشباب الطالقان والعرفان الذاتي الإلهي:
لا يوجد ارتباط لغوي لكلمة الإطلاقية وكلمة الطالقان لكل كلمة معنى يختلف عن الأخرى، لكن الارتباط الوحيد هو في الدور الذي سوف تلعبه المدرسة الإطلاقية المهدوية في طلق الحقائق الإلهية والعيش فيها زمن ظهور الحجة المنتظر (عجّل الله فرجه).
فعندما تكشف الأسرار وتنكشف للجميع ويظهر الإنسان الظاهر بقوته وضعفه ومكره، ويظهر الإنسان الباطن بانحرافاته وإدراكاته وعمقه، يأتي دور آدم الهداية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، فآدم أبونا علم الأسماء وآدم المهدي (عجّل الله فرجه) علم الهداية، وهكذا تتحقق الدائرة الوجودية من حيث انطلقت، ويتصل الأول بالآخر، فالإنسان لا يتجاوز نفسه وهو في فعل وجودي مع المجهول بقدر ما يكشف نفسه التي تستنبط هذا الوعي المكنون، لذا جاء في الأثر من عرف نفسه عرف ربه.
وهكذا أقول فبعدما عرفت الإنسانية دورها الوجودي وقوامها الكينوني حان الوقت لتعيش ما كانت تتأمل العيش فيه دائماً، وهو حقيقة المحبة والعشق الإلهيين، عشق الوجود المطلق، عشق المطلق اللامتناهي المرسول إلينا عبر المواقف الإلهية السرمدية.
قد يتساءل المنتظرين للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) من هم شباب الطالقان، وما هو دورهم الوجودي؟ جاء في الأثر أنهم من خواص أصحاب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) والذين يحملون معه علوماً إلى الإنسانية في مسيرة عودتها إلى رب الأرباب، هذه العلوم هي علوماً لدنية مرتبطة بالهداية دائماً، فهذا الدور الوجودي هو دور الهداية الكونية والوجودية والفطرية.
فكل مكاشف للعوالم الحياتية يكون له خلل في هذه الهدايات لا يستطيع أن يكون له وعي وإدراك وجوديين يجعل منه إنساناً حقيقياً كما أرادت مشيئة الله وإرادته السارية في الآفاق وفي الأنفس.
يصرح الدكتور سامي مكارم في مؤتمر العرفان الذي نظمه المعهد الإسلامي للمعارف الحكمية حول الإمام الخميني (قدس سره)، فيقول: أنا الحق الحلاجية ليست هي أنا الحق الخمينية، وتابع قوله بأن أنا الحق الحلاجية كانت شهودية بينما أنا الحق الخمينية كانت بالله وكانت تحمل صفات المحبوب في ذاتها.
وأرد عليه بقولي: لماذا كانت أنا الحق الخمينية بالله ولم ترى فصلاً بين اللامحدود والمحدود ذلك أنها كانت - أنا الهداية -.
فالإمام الخميني كان يحمل أربعة معصوما ويحملونه، فمن يحمل المعصومين ويحملونه في ذاته كانت له كل تلك الهدايات التي ذكرناها سابقاً وهي الهداية في الوجود والهداية في الكون، والهداية في الفطرة، وهكذا يمكننا القول إن شخص الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يحمل أمانة الهداية الوجودية «لولاك لما خلقت الأفلاك»، كما أن الأئمة الاثني عشر يحملون أمانة الهداية الكونية: ﴿...إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ..﴾ (الآية: ٣٦)، أمّا سيدة نساء العالمين فهي تحمل كل هذه الهدايات وهي هداية الفطرة، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ٣٠).
فالمدرسة الإطلاقية أقصد بها مدرسة المعارف المهدوية الكونية فالإنسان المؤمن السالك عندما يقرأ القرآن ويطبقه في نفسه تطبيقاً، يفتح الله له به أبواباً للعروج في درجات الله (هم درجات عند الله) وهكذا يكون فتحه في الأول قريب ثم يصير مبين وفي آخر المطاف يصبح فتحه مطلق وفي الآفاق الأنفسية والكونية.
لذا فتفسير بعض الآيات القرآنية سوف يكون متزامناً ومترابطاً مع ظهور ولي الأمر الأعظم الحامل لكل سر وجودي وفهم إلهي (أرواحنا فداه) السيد الغائب المراقب الذي يغيب عنا بجسده لكن نعيش في حضرته ونحس بوجوده معنا وفينا سيدي ومولاي أبا صالح المهدي (عجّل الله فرجه).
فالمسلمين لحد الساعة لم يعرفوا ماذا تعني عدة آيات قرآنية وتفسيرها يبقى في أكثر الأحوال احتمالي، مثل آية ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِن وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ الموجودة في سورة الحديد كما هو الشأن في سورة الإخلاص.
فحتى الذين هم اليوم متعمقون في العرفان يصرحون أننا لا نعرف شيئاً عن الذات الصمدية لأننا محجوبون بالذات الأحدية، كما أن أغلب العباد لا يصلون بإدراكاتهم إلى الذات الأحدية ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (يوسف: ١٠٦)، وكما يؤكد سيد العابدين (عليه السلام) في دعاء له: «يا مؤمن بلا نهاية» فإيماننا له نهاية وإيمانه هو ليس له نهاية لذا وجب الشرك على أكثرهم.
فالحاملون للعرفان الذاتي الإلهي هم المهدي وأصحابه (عليهم السلام) حيث إنهم سوف يفتحون آفاق كونية ووجودية لفهم مراتب القرآن والدرجات الرفيعة الإلهية، فالله سبحانه وتعالى رفيع الدرجات، لذا فزمن وجود كلمة الله الباقية مولانا المهدي (عجّل الله فرجه) هو زمن سيطلب فيه المؤمنين المخلصون هذه الدرجة الرفيعة بشفاعة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
الخلاصة:
في زمن الإمبراطورية الرومانية الظالمة، ثار أحد الرجال اسمه سبارطكيس مريداً تحرير العبيد من قبضة هذه الدولة المستعلية، فكانت نهايته هي الشهادة في سبيل هذا الهدف الأسمى، هذا نجده اليوم عند الأخ أحمدي نجاد والرئيس الفينزويلي تشافيز والسيد حسن نصر الله، يعني هذا أن تاريخ الإنسانية كله صراع من أجل الحرية، لكن بأي مقاييس اليوم نفهم هذه الحرية؟ هذا سؤال وجب طرحه.
فحرية الغرب هي حرية من أجل الحرية فتصبح عبودية للحرية فيكون الدور، وتقدمهم من أجل التقدم فيكون بدون هدف وبلا معنى.
نعم الحرية المطلوبة اليوم ونحن ننتظر مولانا المهدي (عجّل الله فرجه) هي حرية الحريات وهي الكرامة الإنسانية وهي العودة إلى أنفسنا الحقيقية ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾، فنسيان الله هو الذي جعلنا ننسى أنفسنا أهل البيت (عليهم السلام)، فنسيان أهل البيت (عليهم السلام) والميثاق الإلهي الأول هو ذاته نسيان الله، فعندما ننسى أنفسنا الحقيقة أهل البيت ننسى في ذلك الله، لذا تقتل الشيعة اليوم على مشارف العتبات المقدسة ذلك أنهم يذكرون الإنسانية جمعاء الميثاق الإلهي الذي حمله الحسين بن علي سيد الشهداء ففدى به الناس جميعاً، ففداء الحسين (عليه السلام) هو الذي جعل النار برداً وسلاماً على نبينا إبراهيم (عليه السلام) وهو الذي جعل السيد المسيح (عليه السلام) حياً لحد الساعة، حاملاً إلينا في عودة خبرته مع جماعته الأسينيين، اليهود الذين هربوا هم الآخرين من بطش الظالمين في عصر ما قبل ظهوره كنبي على مسرح الحياة. فجماعة الآسينين كانت لهم خبرة في جميع أنحاء الحياة، الشيء الذي سوف ينقله لنا السيد المسيح بنفسه مع أخيه وحبيبه المهدي والحسين بن علي (عليهم السلام) وهذا تأويل آية قرآنية أنه من يعلم سر الآية الموجودة في سورة الحديد ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِن وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هم ثلاثة أشخاص في آخر الزمان وهم الحسين الذي يمثل الإنسان الأزلي والمهدي الذي يمثل الإنسان الأبدي والسيد المسيح صاحب الخبرة الحياتية الوجودية.

التقييم التقييم:
  ٣ / ٥.٠
 التعليقات
الإسم: خلود فاضل
الدولة: العراق
النص: موضوع عميق جدا له دلالات كثيرة وغائبة عن الكثير في معرفة اولا للانسان وبدلالته معرفه امامه المعصوم فبمعرفة الانسان لنفسه سيصل الى معرفة امامه وسيكون من انصاره سيخرج من عبادة نفسه الى عبادة ربه وسيعرف الحقيقة الغائبه عن ادراكه ولاجله خلقه رب العالمين وللاسف اغلب الناس غافلين عنها ....الى متى هذا الشرود وعبادة النفس والاصنام التي نقربها لانفسنا وتبعدنا عن رب العالمين ؟! اخيرا اقول لصاحب المقال جعلك الله من انصار الامام واعوانه والمستشهدين بين يديه ....
تاريخ الإضافة: ٢٠١٤/٠٣/٢٢ ٠٧:٢٠ ص
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016