فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » المهدي في أحاديث المسلمين حقيقة ثابتة
 كتب أخرى

الكتب المهدي في أحاديث المسلمين حقيقة ثابتة

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: السيد محمد رضا الحسيني الجلالي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٨ المشاهدات المشاهدات: ١١٤١٩ التعليقات التعليقات: ٠

المهدي في أحاديث المسلمين حقيقة ثابتة

تأليف: السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

الفهرس

تقديم
المقدِّمة
الفصل الأول: التأرجُح بين الاجتهاد والتقليد في نقد الحديث
الفصل الثاني: هل أحاديث المهديّ مختصّة بالشيعة؟
الفصل الثالث: أحاديث المهديّ بين الصحّة والضَعْف
الفصل الرابع: أحاديث المهديّ بين الأصل والتفاصيل
الفصل الخامس: مسألة المهديّ بين السلبيّات والإيجابيّات
الفصل السادس: العقل ونقد الحديث
الفصل السابع: هل مسألة المهديّ من العقائد?

تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم

وَردت الأحاديثُ النبويّة الشريفة، بأعداد كبيرة عن أنّه من أهل البيت النبوي الشريف، وأنّه الذي يخرج في آخر الزمان، فيملأ الدنيا عدلا بعدما ملئت ظلماً. والمسلمون - بفرقهم المختلفة - يعتقدون - كافّةً - بما دلّتْ عليها الأحاديث تلك، ولا يشكّون في صدقها، لثبوت أسانيدها المتصلة في أهم كتب الحديث، وهذه العقيدة تُعتبر من أعرف العقائد وأشهرها.
إلاّ أنّ شرذمة من المثقّفين الجُدُد، والمتعلّمين على أساليب الغربيّين في التشكيك والجدل، والمتابعين لأهدافهم، يحاولون إثارة الشبهات ضدّ هذه العقيدة التي تتّفق كلمة المسلمين عليها، بعناوين خلاّبة من قبيل وما أشبه وبما أنّ عقيدة مورد هام من موارد جمع كلمة المسلمين وتلاقيهم، فليس في محاولة التشكيك فيها إلاّ السعي في التفرقة والتشتيت. وهذه الرسالةُ بحث مع أُولئك المشكّكين، ومحاولة لدفع إثاراتهم. سعياً للتأكيد على ما يجمع الكلمة على التقوى، بإذن الله الحميد المجيد.

وكتب
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
شعبان ١٤١٣ هج

المقدمة

إن ما يصدّره المشتغلون بعلوم الحديث الشريف، في عصرنا الحاضر، من دراسات وبحوث وتحقيقات، وما يقومون به من أعمال وجهود وخدمات، في سبيله، لأمر معجب ويدعو إلى الفخر والزَهْو، حيث إنّ هذا الكنز الغنيّ من يُنْشَر، وتُعرف من خلاله مصادر فكرنا الخالد، وروافده الموثوقة، المتّصلة بمعين الوحي الإلهي.
لكن قد يُكَدرُ صَفْوَ هذا الزهو والإعجاب ما ينشره بعض المتطفّلين على علوم الحديث، من أعمال لا تتّسم بالمسؤوليّة العلميّة، ولا تعتمد موازين الفنّ، فتصبح أعمالهم كعمل (التي نقضتْ غزلها من بعد قوّةٍ أنكاثا) [النحل ١٦ : ٩٢] أو (كَسَرابٍ بِقِيعةٍ يحسبُهُ الظمآنُ ماءً) [النور ٢٤ : ٣٩] من قبيل لجوء بعضهم إلى ما يسمّيه على حساب.
إنّ عموما: يُعتبر من أهمّ ما اضطلع به علماء الإسلام، لتصفية هذا المصدر الثرّ من كلّ الشوائب والأكدار. وهو - بشروطه ومقرّراته - من بدائع فكر المسلمين، ومميّزات تراثهم وحضارتهم، وممّا يفتخرون به من مناهج البحث والتنقيب العلميّ، على جميع الأُمم والحضارات القديمة والحديثة، سواء الإلهيّة المرتبطة بالأديان السماويّة، أم البشريّة الوضعيّة المستندة إلى قوانين الأرض, فقرّروا قواعد، وأُسساً، وموازين، مضبوطة محكمة صحيحة، لنقد الحديث - سنداً ومتناً - لمعرفة صحيحه من زيفه، وحقّه من باطله، حتى أصبح الحديث، من أوثق ما يُعتمد عليه من النصوص القديمة وحتى الحديثة، اعتماداً على سُبُل الإثبات المعقولة والمتعارفة.
وقد بذل الأسلاف الكرام جهودا مضنية في سبيل تنقية الحديث، وتنقيحه، حتى أنّ الواحد منهم كان ينتخب ما يُثبته في كتابه، بعد التثبت، من بين عشرات الاَلاف من الأحاديث المتوفّرة، وبعد سنوات عديدة من الفحص والتأكّد، والترحال، فيجمع كل منهم في كتابه ما يراه حجّةً بينه وبين الله. فخلّفوا كنوزا وذخائر عظيمةً من التراث الحديثي المنقَح، والمنقود، والمنظَم، والمدوَن، وألّفوا الأُصول، والمصنّفات، والمسانيد، والجوامع. وجاء الجيل الثاني، وبذل جهودا مُضْنية كذلك معتمداً المأمونة والموثوقة، متكبّدا الصعوبات وراكباً الرحلات، فاستدرك على الأوائل ما فاتهم، سواء في الجمع، أم في النظم، فألّفوا المعاجم، والمستدركات، والجوامع المتأخّرة.
ووقف الناس في عصر متأخّر على كلّ تلك الثروة الغالية، للاستفادة والتزوّد في مجالات العلم والعمل. وانقسم المتأخّرون في التعامل مع الحديث المجموع:
فمنهم من استند إلى ما قام به الأقدمون من النقد والاختيار، واقتنعوا بما توثّق منه أُولئك من كتب الحديث ومصادره، ولم يحاولوا إجراء قواعد النقد عليها من جديد، فأصبحوا ملتزمين بالتقليد لأُولئك القدماء في هذا الأمر، كما التزموا بتقليد الفقهاء، في آرائهم الفقهيّة، والأحكام الشرعيّة، وحصروا طرق معارفهم الدينيّة بما توصّل إليه الأقدمون، من دون تجاوز، أو نقد..
ومنهم من عارض منهج التقليد في المصادر، وهم طائفة ممّن يلتزم بإطلاق سراح الفكر والنظر ليجول ويُبدع، ويقول بفتح باب الجدّ والاجتهاد في علوم الإسلام كافّة. وهؤلاء لا يلتزمون بالتقليد، حتى في الفقه ومعرفة الأحكام، ومصادر المعرفة كافّة، ومنها الحديث. فليست لهم مذاهب فقهيّة معيّنة ومحدّدة يلتزمون بها، بل يعملون بما يُوصل إليه الاجتهاد.
وكذلك لا يلتزمون بما يُسمّى من الكتب بل ينقدون أسانيد كلّ حديث يصل إلى مسامعهم، معتمدين طرق النقد المعروفة عند علماء الحديث.
ولكلّ من الفريقين - أهل التقليد، وأهل الاجتهاد - أدلّته وحججه، ومن اعتمد على دليل معتبر، فهو معذور ومأجور على قدر جهده.
لكنّ الغريب والمؤسِفَ: أنّا نجد في عصرنا هذا شرذمة ممّن تصدّى للحديث الشريف بالنقد، ولم يسلك مسلكاً واضحاً محدّداً في تعامله مع هذا المصدر، الثرّ، الغنيّ، من مصادر الفكر الإسلامي، بل هو يتأرجح في نقد الحديث:
فتارةً يحاول أن يعرض أسانيد ما وصله من الأحاديث على طاولة النقد، فيشرح عللها، ويراجع كلمات علماء الرجال في شأن رواتها، ويحاول المقارنة بين مدلولاتها، ويوافق على ما يعقله، ويسمّيه صحيحاً، ويحكم بالضعف بل الوضع على ما لا يدركه بعقله، ويميّز بين الحديث الصحيح وبين غيره حسب رأيه. وبهذا يريد أن يُساير أهل الاجتهاد.
وتارةً أُخرى: يلجأ إلى كتب القدماء ممّا أسموها ليستشهد بعملهم، وإيرادهم للحديث على صحّة حديث مّا، وبعدم وجود الحديث فيها على تضعيفه، بل الحكم بوضعه. وبهذا يكون من أهل التقليد ومن هؤلاء كتّاب جدد، دخلوا غمار هذا العلم الشريف، بلا عدّة، ولا تجربة.
فحاولوا من خلال هذا إثبات ضرورة النقد العقلي للحديث، إضافة إلى النقد السَنَدي، ضمن مسائل فيها من الدعاوي العريضة ما لا يخلو من مناقشات ومناقضات واضحة.
ومنهم من مثّل لنتيجة رأيه بأحاديث الذي قال عنه: إنّه على حدّ تعبيره هو(١).
وحاول هؤلاء الإيحاء لنفي الصحّة عن تلك الأحاديث بتكرار ما قاله أحمد أمين المصري من اتّهام الشيعة بخلق فكرة المهديّ. ثمّ تقليد ابن خلدون في إنكار أحاديثه وصحّتها، وتزييف دعوى تواترها.
وأهمّ ما اعتمدوه في بحثهم محاولة النقد العقلي لما نُقل من أحاديث في أُمور ترتبط بالمهديّ من النسب والسيرة في الحكم. باعتبار عدم موافقتها لعقولهم، ووضوح فساد ما نقل عندهم وبالتالي التركيز على السلبيّات تصوّروها فيما يرتبط بقضيّة المهديّ من أحاديث وتاريخ ودعاوى بالمهدوية.
كلّ ذلك بدعوى كونهم من أنصار البحث العلمي الرصين وجعلوا كلّ ذلك دليلا على إنكار ونسبة أحاديثه إلى الوضع، وتسخيف عقول من يخالف آراءهم باعتبارها وقد حاولتُ الردّ على أمثال هذه المزاعم والاتّهامات والمخالفات للمناهج المتّبعة في البحث العلميّ تحت عناوين الفصول التالية:

الفصل الأول: التأرجُح بين الاجتهاد والتقليد في نقد الحديث

مع أنّ بعض الكتّاب يحاول أن يَظْهَر كمجتهد في نقد الحديث، ويسعى للتخلّص من هيمنة ما يُسمّى بالمصادر المشهورة , ويحاول أن يجعل من البخاري ومسلم وابن حنبل - من أئمّة المحدّثين - (بشراً غير معصومين من الخطأ)(٢).
فمع ذلك كلّه يلاحظ (أمرا مهمّا):
هو (أنّ البخاري ومسلماً رحمهما الله لم يُثبتا حديثاً واحداً من الأحاديث التي تبشّر بظهور المهديّ)(٣).
فمنْ ينعى على الاَخرين (الإصرار على أيّ عملٍ بشريّ - مهما كان مؤلّفه - بأنّه خالٍ عن أيّ خطأ أو سهو) فهو ينفي عصمة البخاري ومسلم عن الخطأ. فكيف يحقّ له أن يستند إلى مجرّد عدم إثباتهما لحديث معيّن في كتابيهما، ليجعل ذلك دليلا على بطلان ذلك الحديث حتى إذا رواه غيرهما؟ و صحّحه. مع أنّ البخاريّ ومسلماً - خاصّة - لم يلتزما باستيعاب كلّ الأحاديث الصحيحة في كتابيهما! بل، إنّما انتخبا ما رأياه لازما وضروريّا، واستوعبه جهدهما وتعلّق به غرضهما من الأحاديث. وقد صرّحا بأنّ ما تركاه من الأحاديث الصحيحة أكثر ممّا أورداه(٤) اُنظر: علوم الحديث، لابن الصلاح، ص١٩ فإنّه قال: لم يستوعبا الصحيح في صحيحيهما، ولا التزما ذلك. طبعة دار الفكر، تحقيق نور الدين عتر، ط. الثالثة ١٤٠٤ وانظر المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري (١/٢) فقد قال: لم يحكم(٥) ولا واحد منهما: أنّه لم يصحّ من الحديث غير ما أخرجاه. طبعة دار الفكر، بيروت ١٣٩٨ هج).
فكيف يكون عدم وجود حديث في كتابيهما دليلا على عدم صحّته؟
مع أنّ الحديث الصحيح كما أنّه موجود في البخاريّ ومسلم، فهو كذلك موجود خارجهما، وفي الكتب المؤلّفة بعدهما، وخاصّة فيما استُدرك عليهما، ممّا فاتهما وهو على شرطهما، ولم يورداه.
ذكر هذا الشيخ عبد المحسن العبّاد، وذكر من الكتب الجامعة للصحيح: الموطّأ، وصحيح ابن خزيمة، وابن حبّان، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود، والنسائي، وابن ماجة، ومستدرك الحاكم، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم (الشيخ عبد المحسن العبّاد، المدرّس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة، كتب في مجلّة الجامعة، مقالين حول أحاديث المهديّ، وسيأتي ذكر كلامه فيهما. اُنظر: الرقم ٥، في العدد ٤٥ من المجلّة، والرقم ٣٨ في العدد ٤٦).
إنّ عملية (نقد الحديث) ليست سهلة ومتاحة لكلّ من يراجع كتب الرجال ويقلّبها فقط، وإنّما هي بحاجة إلى مَلَكة الاجتهاد في الفنّ، وانتخاب منهجٍ رجالي ثابت، واستيعاب قواعد النقد المتينة.
وإذا كان الناقد من أهل الاجتهاد في علم الرجال، وصحّ له أن يُبديَ رأيه في (نقد الحديث) فلا يجوز له أن يعود إلى حضيض التقليد في التزام حديث أو ردّه.
على أنّ دعواه أنّ البخاريّ ومسلما (لم يُثبتا حديثاً يُبشّر بالمهديّ). دعوى باطلة. فإنّ البخاري ومسلما أوردا أحاديث ترتبط بخروج المهديّ:
قال الشيخ عبد المحسن العبّاد في الفصل الخامس من مقاله: ذكر بعض ما ورد في الصحيحين(٦) من الأحاديث التي لها تعلّق بشأن المهديّ: فروى البخاري، في باب نزول عيسى، عن أبي هريرة: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم(٧).
وعن مسلم، في كتاب الإيمان، عن أبي هريرة، مثله(٨).
وعن مسلم، عن جابر، لا تزال طائفة من أُمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين(٩).
وقال العبّاد: وقد جاءت الأحاديث في السنن والمسانيد وغيرها مفسرةً لهذه الأحاديث، ودالّة على أنّ ذلك الرجل الصالح يقال له: (المهديّ).
والسُنّة يفسّر بعضها بعضاً.
وروى مسلم عن جابر وأبي سعيد: يكون في آخر الزمان خليفة يحثو المال حثيا لا يعدّه عدل(١٠).
وبهذا يُعلم مدى بُعد مثل ذلك القائل عن المصادر الأصيلة التي اهتمّ بأمرها، والتي اعتمد عمل مؤلّفيها حجّة، إلى حدّ الاستدلال بمجرّد عدم ذكرهم لروايةٍ دليلاً على ضعفها، بل على وضعها! فقد وقع في أشدّ ممّا نعاه على الاَخرين من دعوى خلوّ الكتابين من الخطأ، حيث إنّه اعتمد على حجّيّة ما لم يفعلاه ,ونفى صحّة الحديث بمجرّد دعوى أنّهما لم يورداه, وتبيّن عدم اطّلاعه على نفس هذين المصدرين الأساسيّين، وهو يُظهر أنّه مطّلع عليهما، بدعواه عدم إثباتهما شيئا ممّا يرتبط بالمهديّ، مع أنّهما أثبتاه وأورداه؟؟!!
إنّ كلّ هذا، قد حصل على أثر التأرجُح بين الاجتهاد والتقليد في أمر (نقد الحديث).

الفصل الثاني: هل أحاديث المهديّ مختصّة بالشيعة؟

إنّ أحاديث المهديّ لم تختصّ بروايتها طائفة من المسلمين، بل هي من أكثر الأحاديث اشتراكا بين المسلمين، كافّة.
ومن المؤكَد أنّ الأحاديث في المهديّ المنتظر المرويّة بطرق أهل السُنّة، والمبشرة بالمهديّ لا تقلّ عن التي رواها الشيعة.
ولكن بعضهم يُحاول - بشتّى الطرق والأساليب - أن ينسبها إلى الشيعة، ويحسبهم - فقط - المسؤولين عنها، فهو يقول: (وقد تقبّل الفكر الشيعيّ سيلا من الأساطير والأحاديث (الموضوعة) عن طريق الموالي، وتسرّب (بعض) منه إلى بعض محدّثي أهل السُنّة الّذين تساهلوا في الرواية عن أصحاب الفرق المخالفة)(١١).
إنّ في هذا الكلام:
١ - الحكم على الفكر الشيعي - فقط - بتقبّل هذه الأحاديث.
٢ - الحكم على من نقلها من محدّثي أهل السُنّة بالتساهل، وتسرّب بعض الأحاديث إليهم.
٣ - الحكم على الأحاديث كلّها بالوضع.
إنّها أحكام قاسية، لا يحقّ لأحد - له أدنى معرفة بعلوم الحديث - أن يُطلقها بكلّ رخاء وسنجيب عن كلّ واحد من هذه الأحكام بتفصيل، إلاّ أنّا نحاول أن نظهر هنا ما في هذا الكلام القصير من التهافت الواضح:
فإذا كان الشيعة هم المتقبّلين لأحاديث المهديّ، وإنّما (البعض) منها (تسرّب) إلى (البعض) من محدّثي أهل السُنّة فلماذا يقول - بعد ثمانية أسطر فقط -: تُمكن الإشارة إلى (ضخامة) هذا (الركام) الذي رواه أهل السُنّة (وحدهم)(١٢).
فكيف انقلب (البعضُ المتسرّبُ) إلى (ركامٍ ضخمٍ) بعد ثمانية أسطر فقط من الكلام الأوّل?
وإذا كانت الأحاديثُ موضوعةً فلماذا يقول - بعد صفحة واحدة فقط -:
أُشير إلى أنّ (الكثير) من هذه الأحاديث مخرّج في (الصحاح) -باستثناء البخاري ومسلم - كما خرّج بعضها الحاكم في المستدرك، وابن حنبل في مسنده، بالإضافة إلى سنن الداني، ونعيم بن حمّاد، وغيرها كثير(١٣).
ولا حاجة إلى التعليق على هذا، بعد وضوح التهافت:
بين كون الأحاديث (موضوعة)، وتسرّب (البعض) منها إلى (المتساهلين) من أهل السُنّة. وبين كون (الكثير) من هذه الأحاديث، مخرّجا في (الصحاح). لِما بين (الموضوعة) وبين (الصحاح)، وبين (البعض) المتسرّب، وبين (الكثير) المخرّج، من التهافت والتنافي.
إنّ مثل هذه التصرّفات، لا يصدر عن عارف بمصطلح الحديث، كما إنّ مثل تلك الأحكام القاسية لا يصدر ممّن يعرف ما يخرج من رأسه ويجري به قلمه.
على أنّ الحكم (بالتساهل) على أصحاب (الصحاح) ليس إلاّ جهلا بتاريخ الحديث وتاريخ المحدثين، وعدمَ وقوفٍ على ما عاناه أهل الحديث في سبيل جمعه وضبطه وتدوينه وتحريره.
إنّ من ينزل إلى هذه التخوم الدانية في المعرفة بالمصطلحات الحديثية وبتاريخ الحديث وأهله وقواعده، لا يحقّ له أن يقتحم بحر (النقد) الواسع.
وسنبيّن في الفصول التالية وجوه البطلان في أحكامه القاسية تلك.

الفصل الثالث: أحاديث المهديّ بين الصحّة والضَعْف

إنّ بعضهم يصف أحاديث المهديّ بأنّها (موضوعة) ويكرّر نسبة (الوضع) لها إلى الشيعة ولكن من المسلَم به عند دارسي علوم الحديث - كافّة - أنّ مثل أحاديث المهديّ، المثبتة في الكتب المعتمدة ومنها الصحاح والمسانيد والسنن، ممّا له طرق عديدة وأسانيد متعدّدة، إن لم تكن صحيحة، فهي لا توصف كلّها بالوضع، وإنّما أسوأ ما يجرؤ عليه أحد هو أن يعبّر عنها بالضعف.
والواقع الملموس: أنّ أسانيد أحاديث المهديّ فيها الصحيح المتّفق عليه، وفيها الحسن، وفيها الضعيف، وقد يكون فيها الموضوع, ولم يعبر أحد عنها كلّها بالوضع، ولم يصفها بأنّها كلّها موضوعة إلاّ ثلّة من المتأخّرين، ممّن لا خبرة لهم بالحديث ومصطلحاته، وتبعهم الكاتب في التعبير (وقد عدّدهم الشيخ العبّاد، وفنّد مزاعمهم في الرقم ٤٠ من ردّه على ابن محمود القطري: أوّلهم رشيد رضا، وأحمد أمين، وتبعهم ابن محمود، والكاتب ومن على وتيرتهم).
فالحاكم بوضع أحاديث المهدي قد جانب الإنصاف في أمرين:
الأوّل: أنّه وَصَفَ الأحاديث بأنّها موضوعة، من دون أن يعرف معنى (الوضع) ولا أن يفرّق بينه وبين (الضعف).
وهذا ممّن يدّعي الاجتهاد في نقد الحديث أمر بعيد إلاّ أن نحمله على اعتماد التقليد في هذه التسمية لمن لا خبرة له في المصطلح كأحمد أمين، وابن محمود القطريّ، وأضرابهما.
الثاني: أنّه نقل - عن بعض من سبقه - الحكم بضعف أحاديث المهديّ، كابن خلدون، وابن حجر، وغيرهما. ولم يُشر - لا من قريب ولا بعيد - إلى أنّ هناك جمعا غفيرا من المحدّثين قد صحّحوا أحاديث المهديّ.
أهذا التصرّف يصدر ممّن يحاول (نقد الحديث) بالطرق العلميّة الرصينة?
ومهما يكن، فلماذا يُحاول عبثا أن يهوّن أمر تصحيح أسانيده، بينما هو يصرّ على تضعيفها، وينقل تضعيف ابن خلدون لها، وبعد أن ينقل مقطعا من كلامه حول أحاديث المهديّ، يقول: (وقد تتّبع ابن خلدون هذه الأحاديث بالنقد وضعّفها حديثا حديثا)(١٤).
ثمّ ينسب إلى ابن حجر أنّه أحصى الأحاديث المرويّة في المهديّ فوجدها نحو (الخمسين) وقال: إنّها لم تثبت صحّتها عنده (نقل عن: المهديّ والمهدويّة لأحمد أمين، ص١٠٨، دار المعارف - مصر، سلسلة اقرأ).
أما كان من حقّ البحث العلميّ الرصين أن ينقل عن بعض الأعلام الّذين صحّحوا بعض أحاديث المهديّ ممّن سبق ابن خلدون، أو عاصره، أو لحقه?
والأفضل أن نذكر هنا أسماء المحدّثين والعلماء الّذين أثبتوا أحاديث المهديّ في كتبهم، وننقل ما ذكروه حولها من النقد (اعتمدنا في هذا المجال على كتاب (الإمام المهديّ عند أهل السُنّة) تأليف الشيخ مهدي الفقيه، المطبوع في دار التعارف - بيروت، طبعة ثانية سنة ١٤٠٢). تكميلا لأطراف البحث ,وأمّا القادحون في الأحاديث فأوّلهم ابن خلدون، وقد نقلنا بعض كلامه، وسيجيء ذكر من قلّده في ذلك من المتأخّرين من أمثال محمّد رشيد رضا المصري الشامي، وأحمد أمين المصري، وابن محمود القطري، وآخرين.
١ - أخرجها عبد الرزّاق (ت٢١١) في المصنّف، الجزء ١١، الأحاديث ٢٠٧٦٩-٢٠٧٧٩ من طبعة حبيب الرحمن الأعظميّ، منشورات المجلس العلمي الهند. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٧ / ٣١٥ في بعض أحاديثه: إنّ رجاله رجال الصحيح.
٢ - أخرجها ابن ماجة (ت٢٧٣) في السنن ٢/ ٢٢-٢٤، الأحاديث ٤٠٨٢-٤٠٨٨ من طبعة محمّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب، عيسى البابي، مصر. والحديث ٤٠٨٤ إسناده صحيح، رجاله ثقات، وقال الحاكم فيه: صحيح على شرط الشيخين - البخاري ومسلم -.
٣ - وأخرجها أبو داود (ت٢٧٥) في السنن ٤/ ١٠٦ -١٠٩، كتاب المهديّ، الأرقام ٤٢٧٩-٤٢٩٠ من طبعة محمّد محيي الدين عبد الحميد - دار إحياء السُنّة النبوية - مصر.
٤ - وأخرجها الترمذي (ت٢٩٧) في الجامع الصحيح المسمّى بالسنن، ج٤، الأحاديث ٢٢٣٠-٢٢٣٢ من طبعة إبراهيم عطوة عوض - شركة مصطفى البابي، مصر. قال في اثنين من أحاديثه: حسن صحيح.
٥ - وأخرجها الطبراني (ت٣٦٠) في المعجم الكبير، الجز ١٠، الأحاديث ١٢١٣-١٢٣١ في مسند عبد الله ابن مسعود من طبعة حمدي السلفي - مطبعة الوطن العربي - بغداد.
٦ - وأخرجها الحاكم (ت٤٠٥) في المستدرك على الصحيحين ٤/٤٦٤ و ٤/٥٥٧. ومنها حديث: (... إذا رأيتموه فبايعوه، ولو حَبْوا على الثلج، فإنّه خليفة الله المهديّ). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي على ذلك في ذيله.
٧ - أخرجها البغويّ (ت٥١٠) في مصابيح السُنّة (١/ ١٩٢) من طبعة محمّد علي صبيح - القاهرة) وعدّ بعضها (من الصحاح) وبعضها (من الحسان).
٨ - ابن تيميّة (ت٧٢٨) قال في منهاج السُنّة ٤/٢١١ (دار إحياء السُنّة النبوية): إنّ الأحاديث التي يحتجّ بها على خروج المهديّ أحاديث صحيحة، رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم (وأورد بعضه)وأضاف: وهذه الأحاديث غلطَ فيها طوائف أنكروها!!
٩ - الذهبي (ت٧٤٨) في تلخيص المستدرك للحاكم صحّح بعض الأحاديث، في ذيل ذكر الحاكم لها. وقال العبّاد: أمّا الذهبي فقد صحّح أحاديث كثيرة من أحاديث المهديّ في تلخيص المستدرك. ذكر ذلك في الفقرة ١٩ من مقاله المنشور في مجلّة الجامعة الإسلامية -المدينة المنوّرة - عدد ٤٥، في الردّ على ابن محمود القطري المنكِر للمهديّ.
١٠ - ابن قيّم الجوزيّة (ت٧٥١) في المنار المنيف في الصحيح والضعيف، فصل ٤٥، ص١٢٩-١٤٣، ح ٣٢٥ فما بعد، تحقيق أحمد عبد الشافي، ط. دار الكتب العلمية - بيروت لبنان ١٤٠٨ هج. أورد فيه الأحاديث ٣٢٦-٣٣٩ وقال: وهذه الأحاديث أربعة أقسام: صحاح، وحسان، وغرائب، وموضوعة.
١١ - ابن كثير الشامي (ت٧٧٤) في كتابه النهاية ١/ ٢٤-٣٢، تحقيق طه محمّد الزيني - دار الكتب الحديثة - مصر. أورد قسما من أحاديث المهديّ وصحّحها.
١٢ - الهيثمي (ت٨٠٧) في مجمع الزوائد ٧/ ٣١٣ - ٣١٨باب ما جاء في المهديّ، نشر مكتبة القدسي - ١٣٥٣ ه، وصحّح بعض أحاديثه.
١٣ - البرزنجي المدني (ت١١٠٣) في كتاب (الإشاعة لأشراط الساعة) ص٨٧-١٢١، فصل الحديث عن المهديّ، وصحّح كثيرا من الروايات الواردة فيه.
١٤ - محمّد صدّيق حسن خان القنوجي (ت١٣٠٧) في كتاب (الإذاعة لِما كان وما يكون بين يدي الساعة) طبع مطبعة المدني - القاهرة. قال في ص١١٢-١١٣: الأحاديث الواردة فيه - على اختلاف رواياتها - كثيرة جدّا، وتبلغ حدّ التواتر.
وأحاديث المهديّ عند الترمذي، وأبي داود، وابن ماجة، والحاكم، والطبراني، وأبي يعلى الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة.
فتعرضُ المنكِرين لها ليس كما ينبغي.
والحديث يشدّ بعضُه بعضا، ويتقوّى أمره بالشواهد والمتابعات، وأحاديث المهديّ بعضُها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف، وأمره مشهور بين الكافّة من أهل الإسلام، على ممرّ الأعصار.
ونقل عن الشوكاني في (التوضيح في تواتر ما جاء في المهديّ والمسيح) قوله: الأحاديث الواردة في المهديّ التي أمكن الوقوف عليها منها (خمسون) حديثا، فيها الصحيح، والحسن، والضعيف المنجبر، وهي (متواترة) بلا شك ولا شبهةٍ.
بل يصدق وصف (التواتر) على ما هو دونها، على جميع الاصطلاحات المحرّرة في الأُصول.
وأمّا الاَثار عن الصحابة المصرحة بالمهديّ، فهي كثيرة - أيضا - لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك. انتهى المنقول عن الشوكاني.
وقال صدّيق حسن خان في (الإذاعة): ص١٤٥، في ردّه على ابن خلدون: لا شكّ أنّ المهديّ يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام، لما (تواتر) في الأخبار في الباب، واتّفق عليه جمهور الأُمّة سلفا عن خلف، إلاّ من لا يعتدّ بخلافه.
وإنّما قال به أهل العلم، لورود الأحاديث الجمّة في ذلك.
فلا معنى للريب في أمر ذلك (الفاطمي الموعود المنتظر) المدلول عليه بالأدلّة. بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة، البالغة حدّ التواتر.
ونقل صدّيق حسن خان في الإذاعة، ص١٤٦، عن السفاريني الحنبلي في (لوامع الأنوار) قوله: قد روي عمّن ذكر من الصحابة، وغير من ذكر منهم، بروايات متعدّدة، وعن التابعين ومَن بعدهم، ما يفيد مجموعه العلم القطعي.
فالإيمان بخروج المهديّ واجب، كما هو مقرّر عند أهل العلم، ومدوّن في عقائد أهل السُنّة والجماعة. انتهى كلام السفاريني.
١٥ - العظيم آبادي الهندي (ولد ١٢٧٣) في عون المعبود شرح سنن أبي داود ١١/ ٣٦١، تحقيق عبد الرحمن محمّد عثمان، نشر محمّد عبد المحسن، المدينة المنوّرة. قال في ص٣٦١، في شرح الحديث ٤٢٥٩، في بداية كتاب المهديّ: اعلم أنّ المشهور بين الكافّة من أهل الإسلام على ممرّ الأعصار أنّه لا بُدّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيّد الدين... وخرّج أحاديث المهديّ جماعة من الأئمّة... وإسناد حديث هؤلاء بين صحيح، وحسن، وضعيف.
وقد بالغ الإمام!المؤرّخ عبد الرحمن ابن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهديّ كلّها، فلم يُصِبْ، بل أخطأ.
١٦ - محمّد بن جعفر الكتّاني (ت١٣٤٥) في نظم المتناثر من الحديث المتواتر، الطبعة الأُولى: المطبعة المولوية بفاس المغرب، سنة ١٣٢٨، والطبعة الثانية، دار الكتب السلفية - مصر. في الحديث رقم ٢٩٨، أحاديث خروج المهديّ الموعود المنتظر الفاطمي. فذكر رواية (٢٠) من الصحابة ومخرّجيها، ثمّ قال: وقد نقل غير واحد عن الحافظ السخاوي: أنّها (متواترة) والسخاوي ذكر ذلك في (فتح المغيث) ونقله عن أبي الحسين الاَبري.
وفي تأليفٍ لأبي العلاء إدريس بن محمّد بن إدريس الحسيني العراقي في المهديّ هذا: إنّ أحاديثه متواترة، أو كادت، وجزم بالأوّل (أي التواتر) غير واحد من الحفّاظ.
وفي شرح الرسالة للشيخ جسوس ما نصّه: ورد خبر المهديّ في أحاديث، ذكر السخاوي: إنّها وصلت إلى حدّ التواتر.
وفي (شرح المواهب) نقلا عن أبي الحسن الاَبري في (مناقب الشافعي) قال: تواترت الأخبار أنّ المهديّ من هذه الأُمّة.
وفي (مغاني الوفا بمعاني الاكتفا) نقل كلام الاَبري ونصّه: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بمجيء المهديّ، وأنّه سيملك سبع سنين، وأنّه يملؤ الأرض عدلا.
وفي شرح عقيدة السفاريني محمّد بن أحمد الحنبلي ما نصّه: قد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حدّ التواتر المعنويّ، وشاع ذلك بين علماء السُنّة، حتى عدّ من معتقداتهم.
ثمّ نقل عبارة السفاريني كما أوردها صدّيق حسن خان في (الإذاعة) وعقّبها بذكر كلام حسن خان في ردّ ابن خلدون كما نقلناه.
١٧ – المباركفوري (ت١٣٥٣) في تحفة الأحوذي ٦/ ٤٨٤، رقم ٢٣٣١، تحقيق عبد الرحمن محمّد عثمان، مطبعة الفجالة، مصر، نشر المكتبة السلفية الحديثة.
١٨ - الشيخ محمّد الخضر حسين المصري (ت١٣٧٧) في مقال (نظرة في أحاديث المهديّ) المنشورة في مجلّة (التمدّن الإسلامي) التي تصدرها جمعيّة التمدّن الإسلامي - بدمشق - سوريا، في المجلّد ١٦، العددين ٣٥ و ٣٦، الصادرين سنة ١٣٧٠.
فقد ردّ فيه ردّا حاسما على منكري أحاديث المهديّ، وممّا قال: اعترف ابن خلدون (بأنّ بعض الأحاديث خلص من النقد، إذ قال: فهذه جملة الأحاديث التي خرّجها الأئمّة في شأن المهديّ وخروجه آخر الزمان، وكما رأيت: لم يخلص منها من النقد إلاّ القليل والأقلّ).
قال الخضر حسين: ونحن نقول: متى ثبت حديث واحد من هذه الأحاديث وسلم من النقد كفى في العلم بما تضمّنه من ظهور رجلٍ في آخر الزمان.
إذ أنّ مسألة المهديّ لم تكن من قبيل العقائد التي لا تثبت إلاّ بالأدلّة القاطعة. والصحابة الّذين رويت من طرقهم أحاديث المهديّ نحو(٢٧) صحابيا.
والواقع أنّ أحاديث المهديّ، بعد تنقيتها من الموضوع والضعيف القريب منه، فإنّ الباقي منها لا يستطيع العالِمُ الباحثُ على بصيرة أن يصرف عنها نظره.
وقال في خلاصة كلامه: إنّ في أحاديث المهديّ ما يُعدّ في الحديث الصحيح، وبما أنّي درستُ علم الحديث، ووقفت على ما يُميَز به الطيّب من الخبيث، أراني مُلجَأً إلى أن أقول - كما قال رجال الحديث من قبلي -: إنّ قضيّة المهديّ ليست قضيّة متصنّعة.
١٩ - الشيخ منصور علي ناصف، في التاج الجامع للأُصول ٥/٣٤١ -٣٤٤، وقال في شرح غاية المأمول في ذيله: الباب السابع في الخليفة المهديّ رضي الله عنه: اشتهر بين العلماء - سلفا وخلفا - أنّه في آخر الزمان لا بُدّ من ظهور رجل من أهل البيت يُسمّى (المهديّ) وقد روى أحاديث المهديّ جماعة من خيار الصحابة، وخرّجها أكابر المحدّثين.
ولقد أخطأ من ضعّف أحاديث المهديّ كلّها كابن خلدون وغيره.
٢٠ - الشريف أحمد بن محمّد بن الصدّيق أبو الفيض الغماري الحسيني المغربي (ت١٣٨٠) في كتابه القيّم: إبراز الوهم المكنون في كلام ابن خلدون، الذي وضعه للردّ على شبهات ابن خلدون وترّهاته التي لفّقها حول أحاديث المهديّ المنتظر.
طبع الكتاب في مطبعة الترقّي في دمشق الشام عام ١٣٤٧ ه.
قال الصدّيق في مقدّمته: ظهور الخليفة الأكبر... محمّد ابن عبد الله المنتظر، قد تواترت بكونه من أعلام الساعة وأشراطها الأخبارُ، وصحّت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك الاَثار، وشاع ذكره وانتشر خبره بين الكافّة من أهل الإسلام على ممرّ الدهور والأعصار.
فالإيمان بخروجه واجب، واعتقاد ظهوره - تصديقا لخبر الرسول - محتّم لازم.
ثمّ نقل الصدّيقُ الأقوال بتواتر حديث المهديّ، عن علماء الأُمّة ومؤلّفاتهم، منهم: الاَبري صاحب مناقب الشافعي، والسخاوي صاحب فتح المغيث، والسيوطي في الفوائد المتكاثرة في الأحاديث المتواترة، وفي اختصاره:
الأزهار المتناثرة وغيرهما من كتبه، وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة، وغيره من مصنّفاته، والزرقاني في المواهب اللدنيّة، وجمّ غفير من الحفّاظ النقّاد للحديث، والمحدّثين المتقنين لفنون الأثر.
ثمّ نقل كلمات القنوجي في الإذاعة، والسفاريني في الدرّة المضيّة في عقيدة الفرقة المرضيّة، وشرحه المسمّى: لوامع الأنوار، حيث قال: وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حدّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء
السُنّة حتى عُدَ ذلك من معتقداتهم. وقد روى عمّن ذُكر من الصحابة وغير من ذُكر منهم، روايات متعدّدة، وعن التابعين من بعدهم، ممّا يُفيد مجموعهُ (العلم القطعيّ). ثمّ عقد الصدّيق فصلا في البحث عن (التواتر) وتعريفه،
واختلاف الناس فيه، وهو الفصل الأوّل.
ثمّ ذكر رواة أحاديث المهديّ على كثرتهم، وقال في نهاية الفصل: المراد بالتواتر المعنويّ: أنّ القدر المشترك هو المتواتر.
فقال: فكلّ قضيّة منها باعتبار إسناده لم يتواتر، ولكن (القدر المشترك) فيها، وهو (وجود الخليفة المهديّ آخر الزمان) تواتر باعتبار المجموع.
ثمّ تصدّى لابن خلدون - الذي أصبح مرجعا للمنكرين - فنقل كلامه المذكور في فصل من مقدّمته بعنوان: (أمر الفاطميّ، وما يذهب إليه الناس من شأنه، وكشف الغطاء عن ذلك).(١٥)
حيث قال: إعلم أنّ المشهور بين الكافّة من أهل الإسلام على ممرّ الأعصار: أنّه لا بُدّ في آخر الزمان من ظهور رجلٍ من أهل البيت، يؤيّد الدين، ويُظهر العدل، ويتّبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويُسمّى بالمهديّ، ويحتجّون في الباب بأحاديث خرّجها الأئمّة... إلى آخر كلامه.. حيث ذكر الأحاديث ونقدها حديثا حديثا، وضعّف أكثرها.
فبدأ الصدّيق الغماري بنقض كلامه حرفا حرفا، وكشف الغطأ عن أهدافه كشفا، وأبرز أوهامه إبرازا، وناقش تضعيفاته للأحاديث، وأثبت خطأه في نقده. إلى أن نقل قول ابن خلدون: فهذه جملة الأحادي التي خرّجها الأئمّة في شأن المهديّ وخروجه آخر الزمان.
فقال الصدّيق رادّا عليه: إنّ جميع ما ذكره من الأحاديث (ثمانية وعشرون) حديثا، لكنّ الوارد في الباب أضعاف أضعاف ذلك.
وها أنا مورد من أخبار ما أُكمل به المائة من المرفوعات والموقوفات، دون المقطوعات، إذ لو تتّبعتها، خصوصا الوارد عن أهل البيت، لأتيتُ منها بعدد كبير، وقدر غير يسير.
ثمّ أورد الحديث (التاسع والعشرين) إلى (المائة)، ثمّ قال في آخر الفصل: ولنقتصر على هذا القدر من الوارد في المهديّ، فإنّه لا محالةَ مُبطل لدعوى الطاعن.(ابن خلدون) وإلاّ، فالأخبار في الباب كثيرة جدّا، ولو جمع منها الوارد عن خصوص أئمّة أهل البيت لكان مجلّدا حافلا. انتهى كلام الصدّيق الغماري.
يقول الجلالي: ومن هنا فإنّ الاعتماد على (٢٨) حديثا فقط، ونقدها، يُعتبر عملا ناقصا، حتى لو توصّل إلى ضعفها جميعا، لفرض وجود أحاديث كثيرة أُخرى لم ينقدها ولم يفحص أسانيدها.
فكيف يدّعي عدم صحّة الأحاديث كلّها، وكيف يطمئنّ إلى النتيجة المعتمدة على الاستقراء الناقص?
مع أنّ ابن خلدون نفسه لم يدّع ضعف الأحاديث كلّها، بل اعترف بوجود الصحيح - ولو قليلا - فيها، حيث قال عن أحاديث المهديّ التي نقدها ما نصّه: وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلاّ القليل أو الأقلّ.
ولَنِعم ما قال الصدّيق في ردّه:
وقد عرفت استنقاذنا - بالحقّ - لها عن نقده - بالباطل -، وأنّ نقده لم يبق
موجّها إلاّ في القليل أو الأقلّ، عكس ما قال.
وعلى فرض تسليم دعواه، وأنّه لم يسلم منها إلاّ القليل أو الأقلّ منه: فما
الشبهة - عنده - في دفع ذلك القليل السالم من النقد?
وما الاعتذار عن عدم قبول ذلك الأقلّ الذي اعترف بصحّته? وأقرّ بخلاصه من النقد وسلامته? إنّما هو عناد ظاهر، واختفأ عن الحقّ واضح، وتكبّر عن الإذعان لِما لم يوافق الهوى والمزاج. فكم رأيناه يحتجّ بأحاديث أفراد،
ليس لها إلاّ مخرج واحد، وفي ذلك المخرج - أيضا - مقال نعم، تلك لا ضررَ فيها على الناصبة.
وهذه الأحاديث المتواترة، غير موافقة لأُصول مذهب النواصب والخوارج.
فلذلك انتقد منها ما وجد له سبيلا ولو في غير محلّه...
يقول الجلالي: والحقّ أنّ الشريف أحمد الصدّيق الغماريّ قد أحفى القول في إثبات الحقّ في المسألة والردّ على باطل المنكرين للمهديّ، بما لا مزيد عليه، وأبدى بطولة في العلم والمعرفة بعلوم الحديث، مع أدب جمّ وباع طويل وصدر رحب، بما يجب أن يشكر عليه، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا.
ويا حسرةً على الذي يقول لمثل هذا العالم المخلص: إنّه (من أنصار القديم لِقدمه)
٢١ - ناصر الدين الألباني الشامي (معاصر) نشر بعنوان (حول المهديّ) بحثا في حقل (من القرّاء وإليهم) من مجلّة (التمدّن الإسلامي) الدمشقيّة، في الجزأين ٢٧و٢٨، الصفحة ٦٤٢، للسنة ٢٢.
قال فيه: فليعلم أنّ في خروج المهديّ أحاديث كثيرة صحيحة، قسم كبير منها له أسانيد صحيحة.
ثمّ أورد قسما منها، ونقل كلام صدّيق حسن خان في (الإذاعة) وقال بعنوان: (شُبهات حول أحاديث المهديّ): إنّ السيّد رشيد رضا وغيره لم يتتّبعوا ما ورد في المهديّ من الأحاديث حديثا حديثا، ولا توسّعوا في طلب ما لكلّ حديثٍ منها من الأسانيد.
ولو فعلوا، لوجدوا فيها ما تقوم به (الحجّة) حتى في الأُمور الغيبيّة التي يزعم البعضُ أنّها لا تثبتُ إلاّ بحديث متواتر.
وممّا يدلّك على ذلك: أنّ السيّد رشيد ادّعى أنّ أسانيدها لا تخلو من شيعيّ مع أنّ الأمر ليس كذلك على إطلاقه، فالأحاديث الأربعة التي أوردها ليس فيها رجل معروف بالتشيّع.
إلى أن يقول الألبانيّ: وخلاصة القول: إنّ عقيدة خروج المهديّ عقيدة ثابتة متواترة عنه صلى الله عليه وآله وسلم، يجب الإيمان بها، لأنّها من أُمور الغيب، والإيمان بها من صفات المتّقين، كما قال تعالى: (الَم ذلك الكتاب لا ريب فيه هُدىً للمتّقين الّذين يؤمنون بالغيب).
وإنّ إنكاره لا يصدر إلاّ من جاهلٍ أو مُكابرٍ.
٢٢ - الشيخ عبد المحسن بن حمد العبّاد المدني، عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلاميّة، بالمدينة المنوّرة (المعاصر) في محاضرة (عقيدة أهل السُنّة والأثر في المهديّ المنتظر) ألقاها في الجامعة المذكورة، ونشرت في مجلّة الجامعة الإسلاميّة، العدد الثالث، من السنة الأُولى، لشهر ذي القعدة سنة ١٣٨٨ ه. وقد احتوت على عناصر عشرة، هي:
الأوّل: ذكر أسماء الصحابة الّذين رووا أحاديث المهديّ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعددهم - عنده - ستّة وعشرون.
الثاني: ذكر أسماء الأئمّة الّذين خرّجوا الأحاديث في كتبهم، وعددهم ثمانية وثلاثون، منهم: أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والنسائي، وأحمد، وابن حبّان، والحاكم، وابن أبي شيبة، وأبو نعيم الأصفهاني، والطبراني، والدارقطني، وأبو يعلى الموصلي، والبزّار، والخطيب، وابن عساكر، والديلمي، والبيهقي، وغيرهم من الأئمّة والمحدّثين والعلماء.
الثالث: ذكر الّذين أفردوا مسألة المهديّ بالتأليف، وهم: أبو خيثمة، وأبو نعيم، والسيوطي، وابن كثير، وابن حجر المكّي الهيتمي، والمتّقي الهندي، والملاّ علي القاري، والشوكاني، والأمير الصنعاني، وغيرهم.
الرابع: ذكر الّذين حكوا تواتر أحاديث المهديّ.
الخامس: ذكر بعض ما ورد في الصحيحين (البخاري ومسلم) من الأحاديث التي تبشّر بالمهديّ، ولها تعلّق بشأنه.
السادس: ذكر بعض الأحاديث بشأن المهديّ.
السابع: ذكر بعض العلماء الّذين احتجّوا بأحاديث المهديّ.
الثامن: ذكر من حكي عنه إنكار أحاديث المهديّ. مع مناقشة كلامه.
التاسع: ذكر ما يُظنّ تعارضه مع الأحاديث الواردة في المهديّ.
العاشر: كلمة ختاميّة.
وقال في آخر الفصل السابع: وليعلم أنّ الأحاديث في المهديّ قد تلقّتها الأُمّة من أهل السُنّة والأشاعرة بالقبول.
وردّ على كلام ابن خلدون مفصّلا.
وقال في الكلمة الختاميّة: إنّ أحاديث المهديّ الكثيرة - التي ألّف فيها المؤلّفون وحكى تواترها جماعة، واعتقد موجبها أهل السُنّة والجماعة وغيرهم - تدلّ على حقيقة ثابتة بلا شكّ من حصول مقتضاها في آخر الزمان... وقال: فلا عبرة بقول من قفا ما ليس له به علم فقال: إنّ الأحاديث في المهديّ لا تصحّ نسبتُها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنها
من وضع الشيعة وإذن، فإنّ أحاديث المهديّ على كثرتها وتعدّد طرقها وإثباتها في دواوين أهل السُنّة، يصعب كثيرا القول بأنّه لا حقيقة لمقتضاها، إلاّ على جاهل، أو مكابر، أو مَنْ لم يُمعن النظرَ في طرقها وأسانيدها، ولم يقف على كلام أهل العلم المعتدَ بهم فيها.
والتصديق بها داخل في الإيمان بأنّ محمّدا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّ من الإيمان به صلى الله عليه وآله وسلم تصديقه فيما أخبر به، وداخل في الإيمان بالغيب الذي امتدح الله المؤمنين به، بقوله: (الَم ذلك الكتاب لا ريب فيه هُدىً للمتّقين الّذين يؤمنون بالغيب).
٢٣ - عبد العزيز بن باز السعوديّ الوهابيّ (معاصر) رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة، في تعليق له على محاضرة الشيخ عبد المحسن العبّاد، التي ذكرناها آنفا، نشر في مجلّة الجامعة نفسها، العدد ٣، السنة الأُولى ١٣٨٨، في ذيل المحاضرة ذاتها.
قال فيه: أمر المهديّ معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة، بل (متواترة) وقد حكى غيرُ واحد من أهل العلم تواترها. وهي متواترة تواترا معنويا، لكثرة طرقها، واختلاف مخارجها، وصحابتها، ورواتها، وألفاظها، فهي - بحق - تدلّ على أنّ هذا الشخص الموعود به أمره ثابت، وخروجه حقّ.
وقال: وقد رأينا أهل العلم أثبتوا أشياء كثيرة بأقلّ من ذلك.
والحقّ أنّ جمهور أهل العلم، بل هو الاتّفاق: على ثبوت أمر المهديّ، وأنّه حقّ، وأنّه سيخرج في آخر الزمان. وأمّا من شذّ من أهل العلم - في هذا الباب - فلا يُلتفتُ إلى كلامه في ذلك.
٢٤ - وللشيخ عبد المحسن بن حمد العبّاد - أيضا - مقال بعنوان (الردّ على من كذّب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهديّ) نشر في مجلّة الجامعة الإسلاميّة، العددين و ٤٦، الأوّل والثاني من السنة ١٢.
ردّ فيه بحزم وتفصيل على القاضي ابن محمود القطريّ رئيس المحاكم في دولة قطر، فيما كتبه في رسالة سمّاها (لا مهديّ يُنتظر بعد الرسول خير البشر).
وهو ردّ قويّ، ومتين، ومستوعب لجميع ما عرضه ذلك الكاتب وغيره من البحوث، وأجاب عن اعتراضاته وسلبيّات ما نسبه إلى قضيّة المهديّ.
والنتيجة:
أنّنا - وإن أطلنا الموقف مع هذه القائمة لأسماء من صحّح أحاديث المهديّ - فإنّ الذي قصدناه من هذه الإطالة:
١ - أن يطّلع القرّاء الكرام على وجهات نظر المصحّحين للحديث، من دون الاقتصار على ذكر المضعفين له.
٢ - أن ندلّ على عدم موضوعيّة من تعمّد إخفاء هذه التصحيحات، وعدم ذكر شي منها، مع أنّه يدعو إلى البحث العلميّ الرصين مع أنّ إكمال البحث غير ممكن إذا أغفلنا هذه المجموعة من الاَراء وخاصّة ما في كتب المتأخّرين من المعلومات القيّمة.
(فإنْ كانَ) المتعمّد للإخفاء (لا يَدْري) عن هذه المعلومات شيئا (فتلك مصيبة) على علمية البحث الذي يُقدم عليه ورصانته.
(وإنْ كان يَدْري) بها، ولكنّه تغافل ولم يذكرها في بحثه (فالمصيبةُ أعظمُ) على صدق نيّته وإخلاصه وأمانته.

الفصل الرابع: أحاديث المهديّ بين الأصل والتفاصيل

إنّ من الواضح لدى أهل العلم: أنّ أصلَ أمرٍ ما قد يكون ثابتا ومتيقّنا، لكن تكون خصوصيّاته مشكوكةً ومختلَفا فيها.
ولا يختلف الأمر في ذلك بين أن يكون من المنقولات أو المعقولات. فقد يتّفق الناقلون على مجي زيد - مثلا - لكن يختلفون في مجيئه راكبا، أو ماشيا. فيتركّب كلّ خبر من عنصرين: (أصل الشيء) و (حالة الشيء)، والأوّل ربّما يكون متّفَقا عليه، والثاني يكون مشكوكا فيه.
وإذا ترتّب حكم من تكليف أو اعتقاد، أو أثر، على الأصل، التزم به، لعدم الخلاف فيه، وأمّا الحالة فلا دليل على ثبوتها، ولا يترتّب عليها أحكام الأصل، كما أنّ اختلافها لا يؤثّر في ثبوت الأصل. ومثل هذا واقع في كثير من الملتزَمات الدينيّة، سواء العمليّة، أم الاعتقادية.
فالحجّ مثلا، واجب شرعيّ، ولا خلاف في أصل وجوبه ومهمّات أعماله كالإحرام والطواف والسعي، بين الأُمّة الإسلاميّة، لكنّ الخلاف في جزئيات كلّ ذلك واقع لا محالة، من دون أن يؤثّر في أصل الوجوب. وفي مقام العمل يلتزم العامل بما يترجّح عنده من أوجه العمل، أو يتخيّر بين الأفعال والوجوه المتعدّدة.
ومن المعلوم أنّ الخلاف الواسع بين الفقهاء في المذاهب المختلفة، وحتى فقهاء المذهب الواحد، غير مؤثّر في أحكام أُصول الواجبات والمحرّمات، المسلَمة، ولا يسري التشكيك من الجزئيّات والتفاصيل، إلى الكلّيّات والمسلَمات.
وكذلك في المعتقدات: فإنّ من أُصول الدين الإسلاميّ وأُسسه الاعتقاد بالمعاد، وبما فيه من الحساب والميزان والصراط والجنّة والنار، لقيام الأدلّة على أنّ كلّ ذلك حقّ لا ريب فيه، جاءت بذلك الاَيات والأحاديث المتواترة، حتى أصبح من ضروريات الدين الإسلاميّ.
مع أنّ الخلاف واسع في تفاصيل كلّ ذلك، وليست الجزئيّات التي ورد بها بعض الروايات بتلك المثابة من الوضوح والمسلَميّة والثبوت. لكنّ الخلاف في الجزئيّات غير مؤثّر في اليقين بالكلّيّات، والاتّفاق عليها إلى حدّ عدّها من الضروريات.
وكذلك مسألة المهديّ المنتظر، فإنّ أصل خبرها يقينيّ أجمع المسلمون على الالتزام به، لورود الأخبار المتضافرة به، أمّا تفاصيلها وخصوصيّات أحوال المهديّ وشؤون مجيئه، ومدّة بقائه، وكيفيّة حكمه، وحتى شؤونه الشخصيّة من اسمه، وحليته، وغير ذلك، فإنّ كلّ ذلك ليس بمنزلة الأصل، ولم ترد بها إلاّ أخبار آحاد، فيُبنى الاعتماد فيها على حجّيّة الأخبار المنقولة تلك، وهي قابلة للنقد حسب المناهج المختلفة، إن سندا، أو متنا، أو قياسا إلى الأدلّة الأُخرى، وبالمقارنة بسائر الأخبار، والترجيح بينها، أو عقلا للتأمّل في مدلولاتها ومضامينها.
وإذا أدّى النقد إلى عدم اعتبار شي من التفاصيل، فإنّ ذلك لا يؤثّر في ثبوت أصل حديث المهديّ، وخبره المجمع عليه بين المسلمين، والذي جاءت به الأخبار الصحيحة، وتواترت به، وهو (مجيء رجلٍ من أهل بيت الرسول يُسمّى المهديّ، في آخر الزمان ليجدّد الدين، ويملأ الدنيا عدلا) فهذا أمر لم يختلف فيه اثنان من المسلمين، وهذا الأصل هو المعنى المدّعى (تواتره) وثبوته، من مجموع الأخبار والأحاديث الواردة في باب (المهديّ).
فمهما كانت التفاصيل باطلةً أو فاسدةً وغير ثابتة، فإنّ ذلك لا يمسّ ثبوت (أصل حديث المهديّ) بشيء. ألم يكن من الأفضل أن يفرّق العاقل في سطر واحد بين الأصل والتفاصيل فيقول: إنّ وجود إمام باسم المهديّ وردت بخروجه في آخر الزمان أخبار وروايات كثيرة، وكتبت من أجله آلاف الصحائف، ورويت حوله عشراتُ الروايات بمئات الأسانيد هو حقيقة ثابتة، وعليها اتّفاق جمهور المسلمين على اختلاف طوائفهم.
فلو كانت تفاصيلها غير قابلة للقبول، حسب عقل أحَدٍ أو ضعيفة السند، لم تقم الحجّةُ به، أو غير متّفق عليها حسب المعروف من مذاهب المسلمين فهذا هو الذي ينبغي أن يكون منشأً للبحث والجدل?
أمّا عرض بعض التفاصيل، غير المقبولة، حسب عقل شخص واحد، وجعلها ملاكا للحكم على كلّ القضيّة وحتى أصلها الثابت، ووصفها بالوضع والبطلان، وجعل ذلك دليلا للتهجّم على أصل الحديث، فهذا خارج عن مناهج نقد الحديث، بل خارج عن أبسط قواعد المنطق، وهو قياس مع أكثر من فارق وقد صرّح المحدث الصدّيق الغماريّ بما قلناه، وجعل المراد بالتواتر المعنويّ: القدر المشترك من مجموع الأحاديث، وقال: كلّ قضيّة منها باعتبار إسنادها لم يتواتر، والقدر المشترك فيها وهو (وجود الخليفة المهديّ آخر الزمان) تواتر باعتبار المجموع ( إبراز الوهم المكنون، للصدّيق، الفصل الأوّل).
والأجنبيّ عن علوم الحديث لم يفهم هذا الاصطلاح، يقف ليتساءل مستنكرا:
ما هو معنى التواتر? هذه الأحاديث لا تتّفق على شيء!
أقول: كيف لا تتّفق على شي، وقد اتّفقت على القدر المشترك وهو (وجود شخص من آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يظهر في آخر الزمان)?
أليس هذا المعنى، قد أجمعت عليه أحاديث المهديّ?
لكن الجاهل يحاول تسفيه (التواتر) ويقول - بسخريّة الجُهّال -: إنّ المؤمنين بصحة السند فقط، لا تعنيهم هذه الأسئلة?
إنّه خروج عن حدود الأدب اللاّزم توفّره في من يرتبط بالكتب، والقلم، وليس مقبولا في المحاضرات العلميّة.
وهو أُسلوب استفزازيّ، يثير النفوس.
فهل العلماء والجهابذة الّذين نقلنا أقوالهم واعترافاتهم بتواتر أحاديث المهديّ في (الأصل المشترك) منها بالخصوص، يُخاطَبُون بمثل هذا الكلام السخيف? مع أنّ الأحاديث المشتملة على الشؤون الخاصّة، لم تدخل في دعوى التواتر المعنويّ، حتى يُستدلّ ببطلانها على بُطلان أصل القضيّة.

الفصل الخامس: مسألة المهديّ بين السلبيّات والإيجابيّات

لقد حاول البعض الإيحاء ببطلان أحاديث المهديّ المنتظر بطرق شتّى:
فمن ناحية تضعيف أسانيدها، تارة. وهذا ما لم يفلح فيه، لما عرفت من اتّفاق أهل الحديث من العلماء كافّةً على صحّة قسم منها، بحيث لا يقبل الإنكار.
فلجأ إلى النغمة القديمة التي ضرب على وترها المستشرقون الحاقدون على الإسلام المحمّدي، وتبعهم أذنابهم المستغربون من أمثال أحمد أمين المصري، وهي: (اتّهام الشيعة بوضع أحاديث المهديّ المنتظر) وسيأتي منّا كلام حول تفنيد هذه المزعومة الباطلة.
فاعتمد على عنصرين هما بيت القصيد في بحثه:
الأوّل: عدم معقولية مجموعة من الأحاديث المنقولة في شأن المهديّ، وهو ما يسمّيه بالنقد العقلي للحديث.
الثاني: استغلال مجموعة من أهل الدنيا والمشعوذين والخلفاء، لفكرة المهديّ المنتظر، لادّعائهم المهدوية، والتحايل على الناس بذلك، ممّا لا تخفى أضراره وأخطاره على الدين والأُمّة، ماضيا، ومستقبلا. وقد ركّز في خلال ذلك على سلبيّات للقضيّة.
فنقول:
أمّا الأمر الثاني: فممّا لا ريب فيه أنّ مسألة المهديّ قد استغلّت من قبل الكثيرين في طول تاريخنا المديد، وحتى هذه الأيّام.
فادّعاها بعض المشعوذين ممّن يحاول السيطرة على عقول الناس وأفكارهم باستخدام هذا الاسم المقدّس الذي يأمل الناس في صاحبه: الهدى والخير والعدل. كما قد أُلصقتْ صفة (المهديّ) ببعض الثوّار المصلحين، من قبل أنصارهم تفاؤلا بأن يكون هو الموعود به على لسان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
إلاّ أنّ هذا الاستغلال، ليس مَدعاةً لإنكار أصل حقيقة المهديّ الذي هو من الثوابت عند المسلمين على طول التاريخ. ووجود الخطأ في التطبيق، أو سو النوايا في بعض الأحيان، وتعمّد البعض للدجل، لا تؤدّي إلى إنكار الحقيقة الثابتة.
وبهذا الصدد أجاب الشيخ محمّد الخضر حسين، فقال: وإذا أساء الناس فهم حديث نبويّ، أو لم يُحسنوا تطبيقه على وجهه الصحيح، حتى وقعت وراء ذلك مفاسد، فلا ينبغي أن يكون داعيا إلى الشكّ في صحّة الحديث، والمبادرة إلى إنكاره.
فإنّ النبوّة حقيقة واقعة بلا شبهة، وقد ادّعاها أُناس كِذبا وافتراءا، وأضلّوا بدعواهم كثيرا من الناس، مثل ما تفعله طائفة القاديانية المشقة من اهل السنة، اليوم.
فليس من الصواب إنكار الحقّ من أجل ما لصق به من باطل(نظرة في أحاديث المهديّ المنشور في مجلّة (التمدّن الإسلامي) الدمشقيّة). وكذلك الخلافة عن الرسول، منصب حقّ، لكن لا يمكن إنكارها باعتبار استيلاء مجموعة من الجهلة والقتلة والظلمة والفسقة، على أريكتها، وتسمية الواحد منهم نفسه (أمير المؤمنين).
وقال السلفي ناصر الدين الألباني: إنّ كثيرا من الأُمور الحقّة يستغلّها مَنْ ليس أهلا لها. فالعلم - مثلا - يدّعيه بعض الأدعياء، وهو في الواقع من الجهلاء. فهل يليق بعاقلٍ أن ينكر العلم بسبب هذا الاستغلال?
فكذلك فلنعالج عقيدة المهديّ، فنؤمن بها كما جاءت في الأحاديث الصحيحة، ونُبعد عنها ما أُلصق بها بسبب أحاديث ضعيفة (أو أعمال أُناس جاهلين أو مغرضين).
وبذلك نكون قد جمعنا بين إثبات ما ورد به الشرع وبين الإذعان لما يعترف به العقل السليم(١٦).
وقال العبّاد: إنّ وجود مُتَمَهْدِين من المجانين وأشباه المجانين، يخرجون في بعض الأزمان، ويحصل بسببهم على المسلمين أضرار كثيرة، لا يؤثّر في التصديق بمَنْ عناه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الأحاديث الصحيحة، وهو (المهديّ الذي يصلّي عيسى بن مريم عليه السلام خلفه).
وما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجب التصديق به، ويجب القضاء على كلّ مُتَمَهْدٍ، أو غير مُتَمَهْدٍ يُريد أن يشقّ عصا المسلمين ويفرّق جماعتهم.
والواجب قبول الحقّ وردّ الباطل، لا أن يُردَ الحقّ ويُكذَبَ بالنصوص، من أجل أنّه ادّعى مقتضاها مدّعون مُبطلون دجّالون (الردّ على من أنكر المهديّ، المنشور في مجلّة الجامعة الإسلاميّة - المدينة المنوّرة، العدد ٤٥).
وها هم المسلمون - كافّة - يتصدّون لكلّ ادّعأ مزيّف بالمهدويّة من قبل الدجّالين. وها هم الشيعة الإماميّة، وهم أكثر الطوائف دعوةً ودعاءاً للمهديّ المنتظر باعتباره إماما لهم، وينادون باسمه علنا، يقفون ضدّ كلّ دعاوي المهدوية بالباطل، مثل موقفهم المشرّف ضدّ البابية التي تزعّمها (علي محمّد الشيرازي) في القرن الماضي. وقد أفتى علماؤهم بوجوب قتله، فأُعدم.
وكذلك هم بالمرصاد لكلّ من تُسوّل له نفسه مثل تلك الدعوى من المبطلين!
وهم، مثل سائر المسلمين، ينتظرون المهديّ الموعود الذي (يملؤ الأرض عدلا بعدما مُلئت ظلما وجورا) ويميّزونه بما ثبت عندهم من علامات الظهور، ووضوح برهان ذلك النور.
وأوّل كلّ أدلّته وعلاماته إجماع المسلمين على قبوله، واستقبال دعوته والدخول في رايته وحزبه. وأمّا دعوى عدم معقوليّة ما جاء في أحاديث المهديّ: فإنّما مثّل لذلك ببعض الأحاديث المشتملة على تفاصيل الحديث عن شؤون المهديّ.
وسواء كان المعترض محقّا في دعواه عدم المعقولية، أم كان مبطلا? فإنّ تلك الأحاديث، إنّما هي آحاد جاءت من طريق الأفراد فهي - صحّت أو ضعفت - لا تشكّل حجّة شرعيّة، وليست هي معتمد العلماء، ولا تدخل في البحث عندهم، لأنّها لا تفيد علما، ولا عملا. وليست هي إلاّ كسائر الأحاديث الواردة في قصص الأنبياء الماضين، وأحاديث سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة، وأخبار التاريخ وحوادثه، وغير ذلك من الأُمور التي يعتمد اعتبارها والالتزام بها على عرضها ومقارنتها وغربلتها وتمييزها سندا، ومتنا، ثمّ الترجيح بينها، واختيار الأوفق للأدلّة منها.
فليس ما عرض في هذا المجال خاصّا بأحاديث تتحدّث عن المستقبل فقط، بل أحاديث الماضي - وحتى الحال - تحتاج إلى مثل هذا النقد، المستلهَم أساسا من مزاولات العرف، وقرائن الحال والمقال.
والملاك في الجميع - الماضي والحال والمستقبل - واحد، وهو كونها جميعا من (الغيب) الذي لا يُعلم إلاّ عن طريق المخبر الصادق، والعارف. وبما أنّه من المنقول ويعتمد على السماع، فالملجأ الوحيد هي الأخبار والأحاديث الراوية لذلك، لا غير. ولكنّ الأمر بالنسبة إلى المؤمنين بالنصوص الدينيّة مختلف، فلو جاء القرآن الكريم، الذي هو (الوحي المعجز) أو جاء به الحديث الشريف، الذي هو (وحي غير معجز) فإنّهم يؤمنون بذلك اعتمادا على الإيمان بالله والرسول.
والسرّ في ذلك: أنّ الله تبارك وتعالى، وإن كلّفنا بالاستمداد من العقل وتحكيمه، إلاّ أنّ ذلك متصوّر فيما طريقه العقل فقط، وأمّا ما لا طريق للعقل في الحكم فيه فإنّه تعالى كلّفنا باتّباع الرسل، والأخذ منهم، والاعتماد على ما ينقلونه من أخبار الشرع وغيره، واتّباعهم فيما يفعلونه والتزام ما يقرّرونه. فالشرائع السماوية تعتمد على عنصر (التبليغ) ويتقرّر الواجب على المسلم عند (البلوغ). ومهمّة الرسل هو إيصال الأحكام والحقائق والمعارف إلى البشر، وإتمام حجّة البلوغ عليهم.
أمّا المؤمنون فهم مكلّفون بالتزام ما وصل إليهم وبلغهم من كلام الرسل. قال الله تعالى: (وما آتاكم الرسولُ فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا).(١٧)
ولمّا كانت الشريعة الإسلامية تعتمد عنصر النقل والبلوغ، فقد قرّر علماء الدراية والمصطلح، قواعد محكمة متينة لضبط أُمور الرواية والنقل، وهي قواعد لم تسبقهم الأُمم في كلّ الحضارات إلى ذلك، سواء في ذلك الإلهيّة أم غيرها.
وقد أصبح النصّ الإسلامي على أثر ذلك من أحكم النصوص المعتمدة على أُسس من العرف والوجدان والعقل، في تحديد الطرق المأمونة في (توثيق النصوص).
وهذا من فضل الله على هذه الأُمّة المحمّدية، إذ وُفق علماؤهم لبذل الجهود الكريمة لحفظ هذا الدين وهذا التراث، وصيانة أُصوله وفروعه من التحريف والتصحيف، والحمد لله ربّ العالمين.
ومن هنا، فإنّ الحديث الشريف إذا صدر من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وثبت نقله، وصحّ طريقه، وسلم متنه، وبلغ الإنسان نصّه، فهو مُلزم باعتقاد صدقه تصديقا للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والتزاما بالقواعد المقرّرة، والأُصول المقبولة. وإذا كان مضمون الحديث ممّا لا يُعرف إلاّ من الغيب، كأُمور الماضي وحوادثه، والمستقبل وتوقّعاته، فإنّ طريق معرفته ليس إلاّ النقل والسماع والأخبار.
فإن أمكن العقل إدراك ذلك، بأدلّته وأساليبه وأدواته، كان النقل مؤكّدا، والمنقول مرشدا إلى المعقول. ولو تخالف المنقول مع المعقول، لزم تأويل المنقول ليوافق ما يقوله العقل ويؤكّده، وإلاّ ضرب به عرض الجدار، إلاّ أنّ مثل هذا شاذّ في الأخبار، لا يعمل به. وأمّا ما لا يدخل في مجال درك العقل، وتقف أدواته وأدلّته دونه، فلا معنى للاستناد إلى عدم فهم العقل له للردّ عليه وإنكاره.
وفي خصوص هذا المورد يجب على المؤمن أن يصدّق بما يصله بالطرق المأمونة، ويستفيد من متنه حسب الموازين المتعارفة بين أهل اللغة، وحسب المقدور من الأعمال، وبما لا يخالف دليلا آخر من أدلّة الشرع المسلّمة.
وأحاديث المهديّ المنتظر، من هذا القبيل: فإنّها من أخبار المستقبل الغيبيّة، وليست ممّا للعقل إلى نفيه أو إثباته سبيل، إذ هو أمر خاصّ، والعقل إنّما يحكم في الكلّيّات ويدركها، وليس في الالتزام بما تدلّ عليه الأحاديث ما يؤدّي إلى المحالات العقلية، أو مخالفة للمسلَمات العقلية.
بل العقل إنّما يذر هذا الأمر في بُقعة الإمكان، ما لم يقع على امتناعه برهان، وليس على الله بمستبعد أن يدّخر لهذه الأُمّة المؤمنة المجاهدة شخصا مهديّا يهديهم إلى الفلاح وهو يقول: (والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا)(١٨).
وقد صحّت الأحاديث والروايات التي بلّغ فيها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذا الوعد إلى الأُمّة، بأنّ الله سيبعث في آخر الزمان رجلا من أهل البيت اسمه (المهديّ).
فما المانع من تصديقها?
وأيّ دليل عقليّ يمنعه?
وأمّا الجزئيّات والتفاصيل، فقد أكّدنا مرارا على أنّها ليست بمثابة (الأصل المذكور) في التواتر والثبوت، وإنّما جاءت بها الأخبار الاَحاد المتفرّقة، ولم تتمّ بها الحجّة القاطعة.
ولو صحّ طريقها وسندها: فلو عارضها دليل آخر، من نقل مقطوع، أو عقل جازم ولم يمكن تأويلها بما يوافق ذلك، لزم رفضها، وعدم الالتزام بها.
لكن ذلك لا يعني - إطلاقا - إنكار أصل مسألة المهديّ المنتظر، الثابت بالأخبار الكثيرة، والمجمع عليه بين طوائف المسلمين.
وقد ذكر العبّاد في ردّه على بعض منكري المهديّ ما نصّه: إنّ خروج المهديّ في آخر الزمان من الأُمور الغيبيّة التي يتوقّف التصديق بها على ثبوت النصّ فيها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد ثبتت النصوصُ في خروج المهديّ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر الزمان، وأنّ عيسى بن مريم عليه السلام يصلّي خلفه.
والّذين قالوا بثبوتها هم العلماء المحقّقون وجهابذة النقّاد من أهل الحديث.
والواجب تصديق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما يُخبر به من أخبار، سواء كانت عن أُمور ماضية، أو مستقبلة، أو موجودة غائبة عنّا(١٩).
وأمّا إيجابيّات مسألة المهديّ:
إنّ فكرة المهديّ الموعود، وبالصورة المشتركة بين الأحاديث، لها جوانب إيجابية، تتوافق عليها أدلّة العقل والعرف، والتدبير، حتى ولو أغفلها مثل عقل المنكر بل تصوّرها من السلبيّات.
(فانتظار الفرج) الذي هو تعبير شائع عن رفض اليأس، وعن عدم القنوط من الرحمة الإلهيّة، هو أمر جدّ مهمٍ لمن تحوطه المشاكل ويصبح في مأزق منها، وتكاد تقضي عليه، لولا رجاء رحمة الله وقد عُدَ (انتظار الفرج عبادة) من الأحاديث الواردة بطرق عند الشيعة والسُنّة، في غير قضيّة المهديّ الموعود.
(والمهديّ) هو تطبيق عملي وعينيّ لفكرة (الانتظار) للفرج عند الشدّة، وذلك عندما يعمّ الدنيا الظلمُ والجور، ويخيّم اليأس على الجميع، ويخمد صوت العدالة، فيكون (المهديّ) فَرَجا عامّا، يملأُ الدنيا عدلا، ورحمة، وخيرا.
وقد اضطرّ المنكر إلى أن يعترف بهذه الحقيقة، فهو يقول:
شيوع هذه الفكرة وانتشارها بين المظلومين شي طبيعيّ، فهي بؤرة الضوء في ظلام دامس، وواحة الأمل والأمان في دنيا الإنسان المقهور(٢٠).
فإذا كان هذا شيئا طبيعيا، فهو سُنّة الله في الخلق.
ولكنّ الكاتب ينسى هذه الحقيقة عندما ينحاز إلى التأكيد على السلبيّات، فيقول: إنّ الاستسلام للظلم، إلى أن يخرج مبعوث إلهيّ ليزيله يُعتبر عبثا، وتخديرا للناس، انتظارا لأمل لن يتحقّق، ودفعا للشعوب الإسلاميّة إلى أن ترجو الخلاص بطريق يُخالف سُنّة الله في الكون(٢١).
فالذي يظهر لنا في ردّه:
أوّلا: إنّ الأمل في نفسه مدعاة لعدم الاستسلام، وإلاّ لم يُسَمّ أملا، وليس أمر تحقّقه وعدم تحقّقه بعد ذلك أمرا مؤثّرا في كونه أملا، وفي كونه مانعا عن اليأس وضدّ تأثيره.
ولذلك قد يكون الأمل خائبا، وقد لا يخيب بل يتحقّق، وإذا كان الأمل بالله، وبوعده بالخلاص على يد المهديّ الموعود، فهل يحقّ لمؤمن أن يقول: إنّه لن يتحقّق?
وإذا قطعنا النظر عن الإيمان بالمهديّ: فمن أين عرف هذا القائل أنّ هذا الأمل لن يتحقّق، حتى يجزم به? أليس هذا رجما بالغيب، الذي لا يعترف به? وهل هذا منطق البحث العلمي الرصين?
وثانيا: إنّ أحاديث المهديّ ليس فيها ما يدلّ أو يشير أدنى إشارة إلى أنّ المسلمين لا نهضة لهم، ولا عزّ، قبل خروج المهديّ.
وهذا ما ذكره ناصر الدين الألباني، وأضاف: فإذا وجد في بعض جهلة المسلمين مَنْ يفهم ذلك منها، فطريق معالجة جهله أن يُعلّم ويُفهّم، لا أن تردّ الأحاديث الصحيحة بسبب سوء فهمه(٢٢).
أقول: وهذه النغمة مأخوذة من أحمد أمين(٢٣) ومن تبعه. وقد ردّ عليه العبّاد بقوله: خروج المهديّ في آخر الزمان متّفق مع سُنّة الله في خلقه، فإنّ سُنّة الله تعالى أنّ الحقّ في صراع دائم مع الباطل، والله تعالى يُهيّء لهذا الدين في كلّ زمان مَنْ يقوم بنصرته، ولا تخلو الأرض - في أيّ وقت - من قائم لله بحجّته، والمهدي فرد من أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ينصر الله به دينه في الزمن الذي يخرج فيه الدجّال، وينزل فيه عيسى بن مريم عليه السلام من السماء، كما صحّت الأخبار بذلك عن النبي الذي (لا ينطق عن الهوى إنْ هُوَ إلاّ وحي يُوحى)(٢٤).
وثالثا: أين ومتى كان (انتظار المهديّ) سببا للاستسلام? وكيف يحقّ للقائل أن يدّعي هذه السلبيّة? وهؤلاء الشيعةُ، وهم من أشدّ الناس تمسّكا بعقيدة المهديّ المنتظر، ويتوقّعون ظهوره وخروجه، بفارغ الصبر وبكلّ إلحاح، تصديقا لإخبار النبيّ الصادق محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهم مستهدَفُون من أجل عقيدتهم هذه بشتّى أنواع التهم والقذف والتسخيف، حتى من قِبَل بعض إخوانهم، الّذين يُشاركونهم في الإسلام.
فبالرغم من التزامهم الأكيد والقويّ بانتظار المهديّ حتى أصبحت ميزةً لهم خاصّة، وكأنّهم وحدهم أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم الذي أخبر بظهور المهديّ ووعد به وأمر بانتظاره والائتمام به.
فمع كلّ ذلك، ها هم الشيعة اليوم، يقفون في الصفّ الأوّل في كلّ الحركات الثورية على الظلمة والمعتدين، وهم يمهّدون للمهديّ ودولته بكلّ ما أُوتوا من حَوْل وطَوْل، ويُعِدون ما استطاعوا من قوّة ومن رباط الخيل، يُرهبون به عدوّ الله، وأعدائهم الكافرين من اليهود والنصارى وأذنابهم من السلفية والعلمانية والبعثية، وأتباع الحكومات المستسلمة اسما، والمستعمرة فكرا وعملا. وهم يعتقدون أنّ ما يقومون به هو (تمهيد) لسلطان المهديّ، وزعزعة للثقة عن قلوب الطغاة والظلمة، وهم الرافضون لكلّ أشكال التعنّت في الحكم، ما مضى منه وما هو قائم باسم الإسلام، ويرفضون كلّ تعنّت وفساد واعوجاج في العقائد والعمل، ويلتزمون - ما أمكنهم - بتطبيق أحكام الإسلام وتحكيم قوانينه على الأرض. ولقد أصبح الشيعة رمزا لكلّ ثائر مؤمنٍ متطلّعٍ إلى الحقّ والعدل، في كلّ الأرض الإسلاميّة، وحتى غير الإسلاميّة.
وأصبحت الحكومات الجائرة، إسلاميّة وغيرها، تتّهم كلّ مُطالب بالحريّة، ورافضٍ للظلم والجور، بأنّه شيعيّ، أو مرتبط بدولة الشيعة، أو مُتعاطف مع الشيعة، أو يستمدّ منهم مالا وسلاحا، وغير ذلك من التهم، التي لا واقع لها فإنّ في المتحرّكين مَنْ لا يعترف بالشيعة ولا بدولة الشيعة.
إنّ هذا الواقع، أدلّ دليلٍ على بُطلان ما يدّعيه القائل بسلبيّة عقيدة المهديّ المنتظر، بأنّها تؤدّي إلى الاستسلام للظلم.
وأمّا فلسفة الانتظار الذي تبتنى عليه فكرة (المهديّ المنتظر) فقد شرحها واحد من كبار علماء الشيعة الإماميّة في القرن الرابع الهجريّ، وهو عليّ بن الحسين بن موسى، ابن بابَوَيْه، أبو الحسن، القُميّ (ت٣٢٩) في مقدّمة كتاب (الإمامة والتبصرة من الحَيْرة) الذي ألّفه لمعالجة هذا الأمر بالخصوص، فإنّه ذكر عِللا خمسا (للانتظار) هي من إيجابيّات (المهديّ المنتظر) فلنقرأها:
قال: ولكنّ الله - جلّ اسمه - جعله أمرا (منتظَرا) في كلّ حين وحالا (مرجوّةً)
عند كلّ أهل عصر:
١ - لئلاّ تَقْسُوَ - بطول أجلٍ يضربه الله - قلوب.
٢ - ولا تُسْتَبْطَأَ - في استعمال سيّئة وفاحشةٍ - موعدةُ عقاب.
٣ - وليكون كل عاملٍ على أُهْبَةٍ.
٤ - ويكون من وراء عمال الخيرات أُمنيّة، ومن وراء أهل الخطايا والسيّئات خشية وردعة.
٥ - وليدفع الله بعضا ببعض.(٢٥)
وقد وفّقني الله للعثور على ذلك الكتاب وتحقيقه منذ سنوات، وقد شرحت هذه القطعة من كلامه بما يُناسب إيراده هنا، فقلتُ:
هذه خمس عللٍ ذكرها المؤلّف (للغَيْبة) وهي أسرار (الانتظار) يمكننا أن نقف لشرحها على صفحات كثيرة، لكنّنا نشير في هذا المجال إلى مختصر من القول:
الأمر الأوّل: أشار به إلى (الأمل) الذي تبعثه الغَيْبة في نفوس المستضعفين، وأنّ (الانتظار) لا يزرع في قلوبهم: القسوةَ، والخمودَ، واليأسَ، بل: يخلق في نفوسهم: النشاطَ، والوثبةَ، والبأسَ. لأنّهم بالإيمان بالغَيْبة لا يجهلون المصير، كما يتخيّلُ المبطلون، بل هم على موعدٍ إلهيّ، واثقون من التحرّر بقيادة حكيمةٍ مدعومةٍ بالنصر الإلهي.
والأمر الثاني: يُشير به إلى حساب الطواغيت المسيطرين على رقاب الناس، فإنّ الغيبة تبعثُ في أعماقهم رُعْبا لا يهدأ، لأنّهم لا يعلمون متى يأتي وعْدُ الله بعذابهم? (فإنّه آتيهم من حيث لا يشعرون). إنّ جهلهم بالمصير، يُرْبكهم، ويجعلهم في ريبٍ ممّا يقومون به من الظلم والفحش، لأنّهم: (يحسبون كلّ صيحة عليهم).
والأمر الثالث: - وهو أهمّ الأُمور -: أنّ الغيبة تجعل الإنسان المؤمن، العامل في سبيل الله، في حالة الإنذار القصوى، دائما، وعلى استعداد تام، لكي يقوم بدوره في كلّ حين. يَعُد الأيام، بل الساعات، ليحين الحين، لكي ينطلق نحو الهدف. إنّه لا بُدَ أن يهيّى حاله بكامل العُدَة من الصلاح، والسلاح. إنّ (الانتظار) على هذا يعني عملية استنفار مستمرّة لجُند حزب الله، العاملين. فما أعظم ذلك من حكمةٍ!!
والأمر الرابع: أنّ الوعد والوعيد، والتبشير والإنذار، لَمِمّا اعتادت النفوس على الاهتمام بهما، والاعتماد عليهما في الحياة، بل إنّ مبنى الناس في إقدامهم أو إحجامهم، على الأمانيّ والاَمال بما يبشّرهم، أو على أساس الخوف والفزع ممّا يُنذرهم. لهذا، فإنّ (الانتظار) يكون لعامل الخير أُمنيّةً يرجوها ويأملها، فيستمرّ على عمل الخير. ويكون لعامل الشرّ خوفا كامنا يتبعه، ووحشة تلاحقُه، فتردعه عن شرّه، وتكفّه عن اتّباع سريرته الشِرّيرة السيّئة.
والأمر الخامس: إشارة إلى سُنّة الحياة، في التنازع على البقاء وأن تبقى بعض الأُمور مجهولة، كي تستمرّ عجلة الحياة في السير، ولا تخمد جمرة الوجود عن الإثارة، ولكي يبقى للإنسان الخيارُ في أن يختار الأفضل.
ولو كانت الحقائق - كلّها - واضحة مكشوفة، لَما كان في اختيار الحقّ ميزة للمحقّين، ولم يكن ابتعاد الإنسان عن الشرّ مدعاةً للفرح والسرور. كما إنّ في ذلك إتماما للحُجّة على المعاندين، ممّن اختاروا طريق الفساد، والظلم، ولشرّ، بينما الأخيار إلى جنبهم -أيضا - يعيشون في هذه الحياة ولكن (لولا دَفْعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ لَهُدمتْ صوامعُ وبِيَع وصلوات ومساجدُ يُذكر فيها اسمُ الله)(٢٦).
إنّ (إيجابيّات الانتظار) هذه التي ذكرها القُمّي في القرن الرابع الهجري، هي مستلهَمة من واقع الحياة، وسُنّة الله في خلقه، وهي منطبقة على كلّ حالات (الانتظار) التي كانت من قبل، ومن بعد، إلى عصرنا الحاضر.
وها هم المظلومون في كلّ بُقعةٍ من الأرض، والمؤمنون في الأرض الإسلاميّة، تنطلق جموعهم المصدّقة بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأخباره بخروج المهديّ ودعوته للتمهيد له، وكلّهم في فوران وتوقّع لحكم كلمة الله، يثورون ضدّ الحكومات الجائرة، والحكّام الطغاة الفاسدين من الملوك، والرؤساء والأُمراء والوزراء، وكلّ دجّال لئيم، يتّكى على أريكة الحكم والسلطة، بالباطل والزور، مُتقنّعا باسم الإسلام!؟
والمسلمون - أجمعون - ينتظرون خروج المهديّ الموعود ليحقّق النصر الإلهيّ بتمكين المستضعفين في الأرض، بمنّه وكرمه.

الفصل السادس: العقل ونقد الحديث

يمكن أن يعتبر العمود الفقري في مناقشات المنكرين لحقيقة المهديّ هو مسألة نقد ما جاء فيه من الحديث عقليا، وخلاصة ذلك: أنّ اعتماد العلماء إنّما هو على منهج نقد الأسانيد، دون المتون، وهذا لا يغني عن البحث عن المتن مطلقا، لأنّ المحدّثين أنفسهم وضعوا قاعدة مهمّة مفادها (صحّة السند لا تقتضي صحّة المتن).
ولهذا أكّد بعضهم على لزوم نقد المتن، وذكر مصادر لذلك، وذكر ضوابطه التي أنهاها إلى ١٨ ضابطة. وركّز في النهاية على لزوم اعتماد العقل في نقد المتن، مدّعيا إغفالهم له، فقال: إنّ إغفالَ الجانب العقليّ، والاعتماد على صحّة السند - فقط - قد يجرّد الإسلام من أعظم ما فيه، وهو عدم مناقضته للعقل السليم والنظر الصحيح.
وقد نقل عن ابن الجوزي قوله: فكلّ حديثٍ رأيته يُخالف المعقول أو يُناقض الأُصول، فاعلم أنّه موضوع، فلا تتكلّف اعتباره. ونقل عن أحمد بن حنبل وابن الجوزيّ قولهما بعدم الاعتماد على أخبار الملاحم، وما أخبر عن أمر مستقبل.
وطبّق هذا على (المهديّ المنتظر) باعتباره من أخبار الملاحم، ومن أُمور المستقبل، وبما وجده - حسب عقله الشاذ - من مخالفات في أخبار المهديّ ولا نريد أن ندخل في نقاش الجزئيّات، ولكن نذكّر بأُمور كلّيّة فقط:
١ - إنّ مصبّ النقد العقليّ لأحاديث المهديّ إنّما هو ذكر التفاصيل، دون أصل الفكرة، كما تدلّ عليه جميع الأمثلة التي ناقشها المنكرون وقد عرفتَ في الفصل الرابع أنّ هناك فرقا واسعا بين الأصل، والتفاصيل، في أحاديث المهديّ.
٢ - وقد ذكّرنا أيضا بأنّ العقل إنّما يدرك أحكاما وقضايا عامّة وكلّيّة، ولا دخل له في الأُمور والحوادث الخاصّة. وقضيّة المهديّ، الموعود، ليست إلاّ أمرا شخصيّا وغيبيّا مستقبلا، فلا مجال لتدخّل العقل فيه، لا إثباتا ولا نفيا. فإقحام العقل وحكمه في أمره، من قلّة المعرفة بالشؤون العقلية ومدى فعّاليّتها. كما سبق أن ذكّرنا بأنّ ثبوت المهديّ وانتظاره وخروجه لا يخالف قضيةً من قضايا العقل وأحكامه الثابتة، ولا يخالف أصلا شرعيا، ولا فرعا محقّقا.
بل هو من الأُمور الخارجية، المحكومة عقلا بالإمكان الخاصّ: فإن اقتضى شي ثبوته، والالتزام به، ثبت ولزم، وإلاّ فلم يقم دليل على امتناعه واستحالته، حتى يقال: إنّه مرفوض عقلا. هذا في أصل قضيّة المهديّ.
وأمّا التفاصيل: فلو كان شي منها معارضا لأصل عقليّ أو شرعيّ أو حتى فرع شرعيّ مجمَع عليه، فهو مرفوض.
وإلاّ، فإنْ لم يصحّ سنده لم يجز نسبته إلى الشارع المقدّس، وإن صحَ فهو خبر عاديّ، مثل سائر الأخبار غير الملزِمة علما ولا عملا، وإذا لم تضرّ، لم يمنع مانع من الالتزام بها، وإن ضرّت لزمها حكم الضرر.
ثمّ إنّ الملاك في رفض العقل لشيء، أن تتّفق العقول -للمجموعة البشرية - على رفضه، لا عقل شخص واحد فلو أقدم شخص على الحكم على الأحاديث بالبطلان، لمجرّد استبعاده الشخصيّ لها، واعتباره الخاصّ بأنّها لا تُعقل، فهو استبداد بالعقل وإن صدق في دعواه عدم إدراكه لأمر ما من هذا النوع من التفاصيل، فهو معذور، لقصوره.
ولكون أمر التفاصيل ليس من أركان الدين ولا ضروراته، فلا يحكم عليه من أجل إنكاره لها بالكفر. وأمّا ابن خلدون: فإنّما تعرّض لأحاديث المهديّ بالنقد من جهتين:
الأُولى: المناقشاتُ السَنَدية، بتضعيف أسانيد ما أورده منها، وقد عرفت أنّه أورد (٢٨) حديثا فقط، وحكم بصحّة (القليل أو الأقلّ منها). وعلى فرض تضعيفها كلّها، فإنّها لا تمثّل إلاّ بعض الأحاديث الواردة في المهديّ، ومن المعلوم أنّ نقد البعض لا يدلّ على ما حكم به من ضعف الكلّ وإبطال أصل القضيّة وقد عرفنا وجه الخلل في مواقف ابن خلدون من أحاديث المهديّ سابقا.
ولا بُدّ من الإشارة إلى أهمّ نقطة في هذا المجال وهي: أنّ تبجّح أحدٍ بفعل ابن خلدون لا منشأ صحيح له، سوى الهوى.
فإنّ ابن خلدون ليس من أهل هذا الميدان، والحقّ الرجوع في كلّ فن إلى أربابه - كما يقول السيّد الكتّاني -(٢٧) لأنّ فنّ ابن خلدون وتخصّصه هو علم التاريخ، دون الحديث الشريف رجاله، والحديث إنّما طريقه النقل، والخبراء فيه إنّما هم المحدّثون الّذين يقصدون طلبه، ويتحمّلون المشاقّ في سبيل تحصيله، وهم العارفون بقواعده وأُصوله.
وقال السيّد الصدّيق الغماريّ: إنّ ابن خلدون ليس له في هذه الرحاب الواسعة مكان، ولا ضُرِبَ له بنصيبٍ ولا سهم في هذا الشأن، ولا استوفى منه بمكيال ولا ميزان. فكيف يُعتمد فيه عليه، ويرجع في تحقيق مسائله إليه?(٢٨).
وقال الشيخ المحدّث النقّاد أحمد شاكر في بعض تخريجاته لأحاديث مسند أحمد: ابن خلدون قد قفا ما ليس له به علم، والله يقول: (ولا تقفُ ما ليس لك به علم) واقتحم قُحَما لم يكن من رجالها, إنّه تهافتَ في الفصل الذي عقده في مقدّمته (لذكر أحاديث المهدي) تهافتا عجيبا، وغلط أغلاطا واضحة.
إنّ ابن خلدون لم يُحسِن فهم قول المحدّثين، ولو اطّلع على أقوالهم، وفقهها ما قالَ شيئا ممّا قال.(٢٩)
وقال العبّاد في ردّه على ابن محمود المقلّد لابن خلدون في نقد أحاديث المهديّ: إنّ ابن خلدون مؤرّخ، وليس من رجال الحديث، فلا يُعتدَ به في التصحيح والتضعيف، وإنّما الاعتماد بذلك بمثل البيهقيّ، والعقيلي، والخطّابي، والذهبيّ، وابن تيميّة، وابن القيّم، وغيرهم من أهل الرواية والدراية الّذين قالوا بصحّة الكثير من أحاديث المهديّ(٣٠) فكيف يُركن إلى ابن خلدون في مثل هذا العمل المهزوز علميّا، في تضعيف أحاديث المهديّ? والجهة الثانية التي اعتمدها ابن خلدون في نقده الأحاديث المهديّ، هي: قاعدته الاجتماعية المبنيّة على أنّ العصبيّة هي دعامة الانتصار في كلّ دعوة إلى الدين أو المُلك، ولا تتمّ بدونها دعوة، وهي لا توجد عند المهديّ.
فهو يقول في نهاية الفصل الذي عقده لذكر المهديّ: الحقّ الذي ينبغي أن يتقرّر لديك: أنّه لا تتمّ دعوة من الدين والمُلك إلاّ بوجود شوكةٍ وعصبيّة تظهره وتدافع عنه مَنْ يدفعه، حتى يتمّ أمر الله فيه.
وعصبيّة الفاطميّين، بل وقريش أجمع، قد تلاشت من جميع الاَفاق، ووُجد أُمم آخرون قد استعلت عصبيّتهم على عصبيّة قريش إلاّ ما بقي بالحجاز في مكّة وينبع بالمدينة من الطالبيّين من بني حسن وبني حسين وبني جعفر، وهم منتشرون في تلك البلاد، وغالبون عليها، وهم عصائب بدوية متفرّقون في مواطنهم وإماراتهم وآرائهم، يبلغون آلافا من الكثرة.
فإن صحّ ظهور هذا المهديّ فلا وجه لظهور دعوته إلاّ بأن يكون منهم، ويؤلّف الله بين قلوبهم في اتّباعه، حتى تتمّ له شوكة وعصبيّة وافية بإظهار كلمته، وحمل الناس عليها.
وأمّا على غير هذا الوجه، مثل أن يدعو فاطمي منهم إلى مثل هذا الأمر في أُفق من الاَفاق، من غير عصبيّة ولا شوكة، إلاّ مجرّد نسبةٍ في أهل البيت، فلا يتمّ ذلك، ولا يُمكن(٣١) وبهذا المنطق يريد ابن خلدون أن ينفي الأحاديث الصحيحة التي وردت ووعدت بالمهديّ المنتظر، ولكنّه منطق هزيل أمام النصّ والواقع:
فأوّلا: حصره الأساس للانتصار في عصبيّة النسب، أمر لا يوافق المنطق الإسلامي الرافض لكلّ أشكال العصبيّات والعنصريات، والداعي إلى الأُخوّة الإسلاميّة.
وثانيا: بطلان دعواه بالنسبة إلى الديانات والحركات الدينيّة التي قامت على الأرض ولا تزال، ممّا لا تعتمد على العصبيّة، بل تضادّها أحيانا كثيرة:
فهذه ثورة الإسلام التي قام بها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وليس معه من قومه إلاّ القلائل، وأمّا الأكثرية فكانوا ضدّه بل هم من أشدّ الناس عليه، ولكنّه غلبهم ودحرهم بإذن الله.
وهذه الثورة الإسلاميّة في إيران، قادها رجل علويّ وهو الإمام الخميني، من دون أن ينتمي إلى عَصَبة وشوكة سوى العُلقة الربّانية التي كانت تربط مقلديه في الفتوى به وقد نصره الله على (الشاه) الأعجمي الحسب والنسب، والذي كان يدعو إلى القوميّة الفارسيّة بأقوى الأساليب وبشكل منهجي ومدروس، لكنّ الشعب المسلم المؤمن وقف مع الإمام العلويّ، إلى حدّ الانتصار.
وثالثا: إنّ المهديّ المنتظر، له ممهّدون، يمهّدون له سلطانه، ويهيّؤن له أُموره، وإن لم يكونوا من عصبته، كما دلّت عليه أخبار متّفق عليها بين المسلمين، فلا ينحصر وجه ظهوره في أن يخرج في عصبته من الطالبيّين فقط.
ورابعا: لو صحّت الأحاديث بخروج المهديّ، فالمتّبع هو ما ورد في متونها، وهي تدلّ على (ظهور رجل من أهل البيت يدعو إلى الرشد والهدى، ويحكّم كلمة الله على سطح الكرة الأرضية). وأمّا أنّه (يخرج في الطالبيّين) خاصّة، كما يراه ابن خلدون، فليس بحجّة، ولم يتضمّنه حديث، ودليله عليه عليل، فلا يجب علينا الالتزام برأيه.
بل هو إن كان مؤمنا بالله والرسول، فالواجب عليه رفع يده عن نظريّته الهزيلة، والتزام ما وردت به الأحاديث الصحيحة.

الفصل السابع: هل مسألة المهديّ من العقائد?

إنّ بعض شيوخ أهل السُنّة حشروا الاعتقاد بالمهديّ ضمن عقيدة المسلم، فقال من اعترض عليهم: كان ينبغي استبعاده. لأنّ الشيعة يعتبرونه من العقيدة، لأنّه إمام، والإمام منها. وإن كان من أشراط الساعة، فكان عليه أن يتذكّر أنّ أحاديثها من أخبار الاَحاد التي لا تثبت بها عقيدة.(٣٢)
نقول: إنّ الدليل الأوّل المذكور لاستبعاد كون أمر المهديّ من العقائد حسب عقيدة أهل السُنّة، جيّد: فأهل السُنّة يرون الإمامة من فروع العمل الواجب على الأُمّة، لا من أُصول الاعتقاد الذي يُبتنى عليه الايمان، والمهديّ على فرض ثبوته وصحّة خبره إنّما هو خليفة، لا أكثر.
ولكن إذا صحّت الأخبار بمعنى المهديّ وتكاثرت إلى حدّ التواتر المفيد للعلم، فهي خارجة عن الاَحاد. وقد عرفت دعوى التواتر من عدّة من أعلام الحديث، فلماذا لا تثبت به العقيدة العلميّة?
وإذا لم يتمّ التواتر، لكن صحّت الأخبار، وبرئت أسانيدها من الغلط والسهو، وفرضنا أنّه لا يدخل مضمونها في العقيدة، فهل يجوز للمسلم أن يرفضه، ويحكم بوضعه وبطلانه?
إنّ العلماء قرّروا في مثل هذا أنّه: إذا لم يكن حديث المهديّ من العقائد، فهو ملحق بما يجب الالتزام به لا كمعتقد، بل باعتبار صدور الخبر الصحيح به. كما قال الشيخ محمّد الخضر حسين: إذا ورد حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه يقع في آخر الزمان كذا، حصل العلم به ووجب الوقوف عنده، من غير حاجة إلى أن يكثر رواة هذا الحديث حتى يبلغ مبلغ التواتر.(٣٣)
ولا أقلّ من عدّ هذه الأحاديث مثل أحاديث العمل التي يلتزم بها العلماء والفقهاء وجميع المسلمين باعتبارها صادرة من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حجّةً معتبرة، ودليلا شرعيا على مداليلها، فيجب الالتزام بها على مَنْ يعتقد بالإسلام دينا، وبمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم نبيّا. أمّا ردّها ونبذها وتسفيه الملتزم بها، فهذا ما لم يلتزم به مسلم لا قديما ولا حديثا، إلاّ من قبل هذه الشرذمة ابن خلدون ومن لفّ لفّه، بأدلّة واهية.


 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) كما جاء في مقال : تراثنا وموازين النقد (ص١٨١) بقلم الأستاذ السائح علي حسين، نشر بمجلة ليبيا، العدد العاشر، لسنة ١٩٩٣م.
(٢) كما يقول: تراثنا وموازين النقد (ص١٧٩).
(٣) تراثنا وموازين النقد (ص١٨٥).
(٤) أي: البخاري ومسلم.
(٥) أي: البخاري ومسلم.
(٦) البخاري ومسلم.
(٧) صحيح البخاري٦/ ٣٥٨.
(٨) صحيح مسلم - بشرح النووي - ٢/١٩٣، ورواه أحمد في المسند ١/٣٣٦.
(٩) صحيح مسلم ٢/١٩٣، وأورده أحمد في المسند ٣/٣٨٤.
(١٠) صحيح مسلم برقمي ٩١٣ ٢ و ٢٩١٤ في كتاب الفتن، باب لا تقوم الساعة... وانظر مسند أحمد ٣/٣٨ و٣١٣ و ٣١٧. ونقل الحديث عن مسلم في التاج الجامع للأُصول ٥/ ٣٤٢ وانظر مقال (نظرة في أحاديث المهديّ) في مجلّة التمدّن الإسلامي، الصادرة في دمشق.
(١١) تراثنا وموازين النقد (ص١٨٥).
(١٢) تراثنا وموازين النقد (ص١٨٦).
(١٣) تراثنا وموازين النقد (ص١٨٦).
(١٤) تراثنا وموازين النقد (ص١٨٧).
(١٥) مقدّمة ابن خلدون، ص٣١١، طبع المكتبة التجارية – مصر.
(١٦) مقال حول المهديّ، في مجلّة التمدّن الإسلامي – الدمشقيّة.
(١٧) سورة الحشر ٥٩: ٧.
(١٨) سورة العنكبوت ٢٩: ٦٩.
(١٩) الردّ على من أنكر أحاديث المهديّ، المنشور في مجلّة الجامعة الإسلاميّة - المدينة المنوّرة، العدد ٤٥، سنة ١٤٠٠.
(٢٠) تراثنا وموازين النقد (ص١٨٥).
(٢١) تراثنا وموازين النقد (ص٢١٢-٢١٣).
(٢٢) مجلّة التمدّن الإسلامي - الدمشقيّة، العدد ٢٢.
(٢٣) ضحى الإسلام، لأحمد أمين المصري، ٣ /٢٤٤.
(٢٤) الردّ على من أنكر أحاديث المهديّ، مجلّة الجامعة الإسلاميّة - المدينة المنوّرة، العدد ٤٥، السنة ١٢.
(٢٥) الإمامة والتبصرة من الحيرة، لابن بابويه القمي (ت٣٢٩) تحقيق السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلاليّ، ص١٤٣-١٤٤، نشر مؤسّسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث - بيروت ١٤٠٨ هـ.
(٢٦) الإمامة والتبصرة من الحيرة، بتحقيقنا، المقدّمة، ص١١٢-١١٤.
(٢٧) نظم المتناثر، للكتّاني، ص١٤٦، آخر الحديث ٢٨٩.
(٢٨) إبراز الوهم المكنون، لأحمد الصدّيق الغماري.
(٢٩) نقله العبّاد في مجلّة الجامعة الإسلاميّة - المدينة المنوّرة، العدد ٤٥، من مقال (الردّ على مَنْ كذّب أحاديث المهديّ).
(٣٠) مجلّة الجامعة الإسلاميّة، المدينة المنوّرة، العدد ٤٥.
(٣١) مقدّمة ابن خلدون، ٣٢٧-٣٢٨.
(٣٢) تراثنا وموازين النقد (ص١٩٨).
(٣٣) نظرة في أحاديث المهديّ، في مجلّة التمدّن الإسلامي – الدمشقيّة.

التقييم التقييم:
  ١ / ٥.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved