فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب أخرى

الكتب شرح دعاء العهد

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ محسن قراءتي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠٢٠/٠٧/١٠ المشاهدات المشاهدات: ٣٦٢ التعليقات التعليقات: ٠

شرح دعاء العهد

الشيخ محسن قراءتي

الفهرست

دعاء العهد

المقدّمة
دور دعاء العهد في تحديد المصير
آثار المداومة على قراءته
تخطيط الحياة المهدويّة
١. معرفة الله
الاستفادة من النعم المعرفيّة
معرفة الله مقدّمة لمعرفة الإمام
١. اللَّهُمَّ رَبَّ النُّورِ الْعَظِيمِ
الربّ: المالك والمدبّر
تَكرار "يا ربّ"
٢. وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الرَّفِيعِ
٣. وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ
٤. وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ
٥. وَرَبَّ الظِّلِّ وَالْحَرُورِ
٦. وَمُنْزِلَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ
٧. وَرَبَّ الْمَلاِئكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ
٢. السؤال والطلب "أسألك"
بالتَكرار تحصل الكمالات
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ"
١. بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ
٢. وَبِنُورِ وَجْهِكَ الْمُنِيرِ
٣. وَمُلْكِكَ الْقَدِيمِ
٤. يا حيّ يا قيّوم
٥. أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرَضُونَ
٦. وَبِاسْمِكَ الَّذِي يَصْلَحُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ
دور حجّة الله في الحياة
٧. يَا حَيّاً قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ، وَيَا حَيّاً بَعْدَ كُلِّ حَيٍّ، وَيَا حَيّاً حِينَ لا حَيَّ
٨. يَا مُحْيِيَ الْمَوْتَى
٩. وَمُمِيتَ الْأَحْيَاءِ
١٠. يَا حَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ
٣. إبلاغ السلام
سلامُ المنتظرين
كيف يبلِّغ المنتظِرُ سلامه للإمام؟
١. اللَّهُمَّ بَلِّغْ مَوْلانَا الْإِمَامَ الْهَادِيَ الْمَهْدِيَّ الْقَائِمَ بِأَمْرِكَ
٢. صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ
لماذا نصلّي على المعصوم؟
أسرار الصلوات في مقام الدعاء
تَكرار لا يخلو من حكمة
٣. وَعَلَى آبَائِهِ الطَّاهِرِينَ
٤. عَنْ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
٥. فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا
٦. سَهْلِهَا وَجَبَلِهَا
٧. وَبَرِّهَا وَبَحْرِهَا
٨. وَعَنِّي وَعَنْ وَالِدَيَّ
٩. مِنَ الصَّلَوَاتِ زِنَةَ عَرْشِ اللهِ
١٠. وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ
معنى "كلمة الله" في القرآن
١١. وَمَا أَحْصَاهُ عِلْمُهُ
١٢. وَأَحَاطَ بِهِ كِتَابُهُ
٤. العهد المهدويّ
العهد والميثاق مع إمام العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
مقامات عهد المنتظرين
١. اللَّهُمَّ إِنِّي أُجَدِّدُ لَهُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِي هَذَا
٢. وَمَا عِشْتُ مِنْ أَيَّامِي
٣. عَهْداً وَعَقْداً وَبَيْعَةً
٤. لَهُ فِي عُنُقِي
٥. لا أَحُولُ عَنْهَا
٦. وَلَا أَزُولُ أَبَدَاً
٥. معنى العهد والعقد
١. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَنْصَارِهِ
شيعتنا حواريّونا
مَنْ أَنصَارِي إِلَى الله؟
٢. وَأَعْوَانِهِ
٣. وَالذَّابِّينَ عَنْهُ
٤. وَالْمُسَارِعِينَ إِلَيْهِ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ
٥. وَالْمُمْتَثِلِينَ لأَوَامِرِهِ
٦. وَالْمُحَامِينَ عَنْهُ
٧. وَالسَّابِقِينَ إِلَى إِرَادَتِهِ
السبق سبيلُ القرب
٨. وَالْمُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ
الاستعداد للشهادة
من مقامات الشهيد والشهادة
٦. طلب الرجعة
١. فَأَخْرِجْنِي مِنْ قَبْرِي
٢. مُؤْتَزِراً كَفَنِي
٣. شَاهِراً سَيْفِي
٤. مُجَرِّداً قَنَاتِي
٥. مُلَبِّياً دَعْوَةَ الدَّاعِي
٦. فِي الْحَاضِرِ وَالْبَادِي
٧. الدعاء للظهور
١. اللَّهُمَّ أَرِنِي الطَّلْعَةَ الرَّشِيدَةَ
٢. وَالْغُرَّةَ الْحَمِيدَة
٣. وَاكْحُلْ نَاظِرِي
٤. بِنَظْرَةٍ مِنِّي إِلَيْهِ
٥. وَعَجِّلْ فَرَجَهُ
٦. وَسَهِّلْ مَخْرَجَهُ
٧. وَأَوْسِعْ مَنْهَجَهُ
٨. وَاسْلُكْ بِي مَحَجَّتَهُ
٩. وَأَنْفِذْ أَمْرَهُ
١٠. وَاشْدُدْ أَزْرَهُ
٨. برنامج الظهور
١. وَاعْمُرِ اللَّهُمَّ بِهِ بِلادَكَ
٢. وَأَحْيِ بِهِ عِبَادَكَ
٣. فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُ
٤. فَأَظْهِرِ اللَّهُمَّ لَنَا وَلِيَّكَ
٥. وَابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكَ
٦. الْمُسَمَّى بِاسْمِ رَسُولِكَ
٧. حَتَّى لا يَظْفَرَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَاطِلِ إِلّا مَزَّقَهُ
٨. ويُحِقَّ الحَقَّ ويُحقِّقَه
حتميّة انتصار الحقّ في القرآن
كيف يتغلّب الحقّ؟
الزوال الكامل للباطل
الحقّ: ظهور المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
مُدخل صدق ومُخرج صدق
٩. وَاجْعَلْهُ اللَّهُمَّ مَفْزَعاً لِمَظْلُومِ عِبَادِكَ
١٠. وَنَاصِراً لِمَنْ لا يَجِدُ لَهُ نَاصِراً غَيْرَكَ
١١. وَمُجَدِّداً لِمَا عُطِّلَ مِنْ أَحْكَامِ كِتَابِكَ
١٢. وَمُشَيِّداً لِمَا وَرَدَ مِنْ أعْلامِ دِينِكَ
١٣. وَسُنَنِ نَبِيِّكَ (صلى الله عليه وآله وسلم)
١٤. واجْعَلْهُ اللَّهُمَّ مِمَّنْ حَصَّنْتَهُ مِنْ بَأْسِ المُعْتَدِين
١٥. اللَّهُمَّ وَسُرَّ نَبِيَّكَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بِرُؤْيَتِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ على دَعْوَتِه
١٦. وَارْحَمِ اسْتِكَانَتَنَا بَعْدَهُ
١٧. اللَّهُمَّ اكْشِفْ هَذِهِ الْغُمَّةَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِحُضُورِهِ
١٨. وَعَجِّلْ لَنَا ظُهُورَهُ
١٩. إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً
٢٠. بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ
٢١. الْعَجَلَ الْعَجَلَ يَا مَوْلايَ يَا صَاحِبَ الزَّمَانِ
٩. المصادر والمراجع

دعاء العهد

رُوِيَ عن الإمام الصادق (عليه السلام): "مَنْ دَعَا إِلَى الله تَعَالَى أَرْبَعِينَ صَبَاحاً بِهذَا العَهْدِ، كَانَ مِنْ أَنْصَارِ قَائِمِنَا، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ أَخْرَجَهُ الله تَعَالَى مِنْ قَبْرِهِ، وَأَعْطَاهُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ سَيِّئَةٍ".
اللَّهُمَّ رَبَّ النُّورِ الْعَظِيمِ، وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الرَّفِيعِ، وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَرَبَّ الظِّلِّ وَالْحَرُورِ، وَمُنْزِلَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَرَبَّ الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَالأَنْبِياءِ وَالْمُرْسَلِينَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ، وَبِنُورِ وَجْهِكَ الْمُنِيرِ، وَمُلْكِكَ الْقَدِيمِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرَضُونَ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي يَصْلَحُ بِهِ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ، يَا حَيَّاً قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ، وَيَا حَيَّاً بَعْدَ كُلِّ حَيٍّ، وَيَا حَيَّاً حِينَ لا حَيَّ. يَا مُحْيِيَ الْمَوْتَى وَمُمِيتَ الأَحْياءِ، يَا حَيُّ لا إِلهَ إِلّا أَنْتَ. اللَّهُمَّ بَلِّغْ مَوْلاَنَا الإِمَامَ الْهَادِيَ الْمَهْدِيَّ، الْقَائِمَ بِأَمْرِكَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ الطَّاهِرِينَ، عَنْ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، سَهْلِهَا وَجَبَلِهَا، وَبَرِّهَا وَبَحْرِها، وَعَنِّي وَعَنْ والِدَيَّ، مِنَ الصَّلَوَاتِ زِنَةَ عَرْشِ اللهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ، وَمَا أَحْصَاهُ عِلْمُهُ، وَأَحَاطَ بِهِ كِتَابُهُ. اللَّهُمَّ إِنِّي أُجَدِّدُ لَهُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِي هذَا، وَمَا عِشْتُ مِنْ أَيَّامِي، عَهْداً وَعَقْدَاً، وَبَيْعَةً لَهُ فِي عُنُقِي، لا أَحُولُ عَنْهَا وَلا أَزُولُ أَبَداً. اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَنْصَارِهِ وَأَعْوَانِهِ وَالذَّابِّينَ عَنْهُ، وَالْمُسَارِعِينَ إِلَيْهِ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ، وَالْمُمْتَثِلِينَ لأَوَامِرِهِ، وَالْمُحَامِينَ عَنْهُ، وَالسَّابِقِينَ إِلَى إِرَادَتِهِ، وَالْمُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ. اللَّهُمَّ إِنْ حالَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ الْمَوْتُ الَّذِي جَعَلْتَهُ عَلَى عِبَادِكَ حَتْمَاً مَقْضِيّاً، فَأَخْرِجْنِي مِنْ قَبْرِي، مُؤْتَزِراً كَفَنِي، شَاهِراً سَيْفِي، مُجَرِّداً قَنَاتِي، مُلَبِّياً دَعْوَةَ الدَّاعِي فِي الْحَاضِرِ وَالْبَادِي. اللَّهُمَّ أَرِنِي الطَّلْعَةَ الرَّشِيدَةَ، وَالْغُرَّةَ الْحَمِيدَةَ، وَاكْحُلْ نَاظِرِي بِنَظْرَةٍ مِنِّي إِلَيْهِ، وَعَجِّلْ فَرَجَهُ، وَسَهِّلْ مَخْرَجَهُ، وَأَوْسِعْ مَنْهَجَهُ، وَاسْلُكْ بِي مَحَجَّتَهُ، وَأَنْفِذْ أَمْرَهُ، وَاشْدُدْ أَزْرَهُ، وَاعْمُرِ اللَّهُمَّ بِهِ بِلَادَكَ، وَأَحْيِ بِهِ عِبَادَكَ، فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾. فَأَظْهِرِ اللَّهُمَّ لَنَا وَلِيَّكَ وَابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكَ الْمُسَمَّى بِاسْمِ رَسُولِكَ(صلى الله عليه وآله وسلم) حَتَّى لا يَظْفَرَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَاطِلِ إِلَّا مَزَّقَهُ، وَيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُحَقِّقَهُ، وَاجْعَلْهُ اللَّهُمَّ مَفْزَعاً لِمَظْلُومِ عِبَادِكَ، وَنَاصِراً لِمَنْ لا يَجِدُ لَهُ نَاصِراً غَيْرَكَ، وَمُجَدِّداً لِمَا عُطِّلَ مِنْ أَحْكَامِ كِتَابِكَ، وَمُشَيِّداً لِما وَرَدَ مِنْ أَعْلاَمِ دِينِكَ، وَسُنَنِ نَبِيِّكَ (صلى الله عليه وآله وسلم). وَاجْعَلْهُ اللَّهُمَّ مِمَّنْ حَصَّنْتَهُ مِنْ بَأْسِ الْمُعْتَدِينَ، اللَّهُمَّ وَسُرَّ نَبِيكَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بِرُؤْيَتِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى دَعْوَتِهِ، وَارْحَمِ اسْتِكانَتَنَا بَعْدَهُ. اللَّهُمَّ اكْشِفْ هذِهِ الْغُمَّةَ عَنْ هذِهِ الأُمَّةِ بِحُضُورِهِ، وَعَجِّلْ لَنَا ظُهُورَهُ، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً. بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
ثمَّ تضرب على فخذك الأيمن بيدك ثلاث مرّات، وتقول كلّ مرّة:
الْعَجَلَ الْعَجَلَ، يا مَوْلايَ يا صَاحِبَ الزَّمانِ.
والحمد لله رب العالمين‏
من الأدعية المشهورة التي ورد الحثّ على قراءتها في زمن غيبة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، دعاء العهد.
فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال:
"من دعا إلى الله أربعين صباحاً بهذا العهد كان من أنصار قائمنا، وإن مات أخرجه الله إليه من قبره وأعطاه الله بكلّ كلمة ألف حسنة، ومحا عنه ألف سيّئة"(١).

المقدّمة

ينقل أحد المقرّبين من الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) أنّه قال: "أحد الأمور التي أوصاني بها الإمام في أيّامه الأخيرة هي قراءة دعاء العهد. كان يقول: اقرأ هذا الدعاء في كلّ صباح، فإنّ له دوراً في تحديد مصيرك".
دور دعاء العهد في تحديد المصير:
هذا الدعاء له آثار وبركات عديدة في الدنيا والآخرة. ينقل أحد المقرّبين من الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) أنّه قال:
"أحد الأمور التي أوصاني بها الإمام في أيّامه الأخيرة هي قراءة دعاء العهد. كان يقول: اقرأ هذا الدعاء في كلّ صباح، فإنّ له دوراً في تحديد مصيرك"(٢).
وقد جاء في سيرة هذا العالم العظيم أيضاً: أنّه لم يكن غافلاً عن الأنس بكتاب مفاتيح الجنان حتّى في تلك الحالة التي كان فيها في المستشفى لإجراء عملية جراحيّة. وبعد رحيله عندما جاؤوا بمفاتيح الجنان الخاصّ بالإمام ليعيدوه إلى البيت وجدوا على هامش دعاء العهد الذي كان يقرأه الإمام أربعين صباحاً، أنّه قد كتب: "تاريخ الابتداء الثامن من شوّال"(٣).
آثار المداومة على قراءته:
وذكر بعض العلماء أنّ من أهمّ آثار المداومة على هذا الدعاء هو ثلاثة أمور:
١- ثواب المداوم عليه أن يكون في خدمة الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في زمان ظهوره.
٢- يكون سبباً لثبات محبّة الشخص لإمامه وكمالها، وإخلاصه وإيمانه.
٣- يكون سبباً للتوجّه الخاصّ ونظر الرحمة الكاملة للإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إلى مواليه.

m-mahdi.com

تخطيط الحياة المهدويّة:
في هذا الدعاء تمّ ترسيمُ الحياة المهدويّة وتخطيطها, لأنّه اشتمل على السلام الخاصّ من طرف الداعين، بل وجميع الرجال والنساء المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها، برِّها وبحرها، وعن الوالدين والأولاد، إلى وليّ العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
ثمّ يُجدِّد القارئ العهد والعقد والبيعة للإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ويُظهر ثباته على هذا العقد إلى يوم القيامة، ثمّ يطلب من الله تعالى إذا وقع عليه الموت قبل ظهوره (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، أن يخرجه من قبره بعد ظهوره, ليسعد بكونه من أنصاره وأصحابه (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وفي المقطع الأخير، ثمّة الدعاء بتعجيل الظهور والفرج، وإقامة الحكومة الحقّة، وإصلاح أوضاع العالم، وإحياء حقائق الدين وأهل الإيمان.
يتألّف هذا الدعاء من ثمانية أقسام، وهو ما سنتناوله بالبحث إن شاء الله تعالى:

١ - معرفة الله

اللَّهُمَّ رَبَّ النُّورِ الْعَظِيمِ، وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الرَّفِيعِ، وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَرَبَّ الظِّلِّ وَالْحَرُورِ، وَمُنْزِلَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَرَبَّ الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَالأَنْبِياءِ وَالْمُرْسَلِينَ.
يبدأ هذا الدعاء بعبارة "اللهمّ"، وقد تكرّرت ثلاث عشرة مرّة فيه، ما يعطي للداعي توجّهاً خاصّاً إلى الله تعالى.
بعدها جاءت كلمة "ربّ" وقد تكرّرت في الدعاء خمس مرّات، ما يشير إلى أنّ على الداعي أن يستذكر الله دائماً وفي جميع لحظات الدعاء.
في القرآن الكريم ورد دعاء كهذا, إذ جاء في سورة المائدة (الآية ١١٤) قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾. وأدعية القرآن عادةً تبدأ باسم "ربّ"، ولكن في هذه الآية بدأت بكلتا الكلمتين: "اللهمّ ربّنا"، ولعلّ ذلك بسبب أهمّيّة الحادثة ودلالتها.
وهذا يعلِّمنا ضرورة أن ننادي الله تعالى، وأن نطلب منه بأدب كامل، وبالصفة المناسبة لحاجاتنا.
دعا النبيّ عيسى (عليه السلام) ربّه أنْ ﴿أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾(٤). والمشركون يعلمون أنّ هذا لم يكن عملاً عاديّاً، بل كان معجزةً غيبيّةً إلهيّة.
وعليه، فمثل هذا الدعاء مذكور في القرآن الكريم، وله دلالة على روح معرفة الله تعالى في الأدعية. والإنسان المنتظِر بحاجة إلى مجموعة من المعارف، وأوّلها هو الذي ورد في بداية هذا الدعاء.
المعرفة هي التي تعطي القيمة لأعمالنا، ففي الإسلام تقاس درجات الأعمال والأفعال بميزان المعرفة، وكلّما زادت معرفتنا كلّما صارت قيمة أعمالنا أعلى وأرفع.
الاستفادة من النعم المعرفيّة:
إنّ الفرق بين الإنسان وسائر الموجودات الأخرى يكمن في قدرته على الاستفادة من النعم المعرفيّة الكبرى. وحول أهمّيّة المعرفة، يكفي ما يدعونا إليه تعالى في كثير من آيات القرآن الكريم لكسب المعرفة، وذمّه سبحانه وتوبيخه بشدّة لأولئك الذين لا يتفكّرون ولا يتدبّرون ولا يعقلون.
لقد نهانا الله تعالى في كتابه عن اتّباع ما ليس لنا به علم: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾(٥). وقد وصف سبحانه أولئك الذين يسيرون ويعملون بلا معرفة بأنّهم صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ, لأنّهم لا يتدبّرون.
من اللافت جدّاً في مجال ضرورة المعرفة، ما جاء في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد، حيث يقول (عليه السلام): "يا كميل، ما من حركةٍ إلّا وأنت محتاج فيها إلى معرفة"(٦).
المعرفة هي التي تعطي القيمة لأعمالنا، ففي الإسلام تقاس درجات الأعمال والأفعال بميزان المعرفة، وكلّما زادت معرفتنا كلّما صارت قيمة أعمالنا أعلى وأرفع.
معرفة الله، والأنبياء، والأئمّة، والوجود، وأصول الدين وفروعه، أمر ضروريّ ولازم للمنتظرين.
بالالتفات إلى هذا الأمر، فإنّ أوّل المسير الذي يخطّه هذا الدعاء للحياة المهدويّة هو معرفة الله, لأنّ بداية هذا الدعاء هي بذكر الله تعالى وصفاته.
من يريد أن يعرف إمام زمانه (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، عليه أن يعرف الله أوّلاً. وقد ورد الحثّ على قراءة دعاء: "اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ. اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ. اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي"(٧).
معرفة الله مقدّمة لمعرفة الإمام:
الإنسان الذي يسعى لمعرفة إمام العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا بدّ من أن يكون إنساناً يمتلك معرفةً توحيديّة، وعلى معرفة بالله تعالى, لأنّ معرفة الله مقدّمة لمعرفة الإمام.
إنّ القاعدة والركيزة الأساس لجميع تحرّكات المنتظرين الحقيقيّين للمهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وتصرّفاتهم، هي المعرفة الحقيقيّة بالله تعالى، والمعرفة العميقة بالتعاليم الدينيّة.
هذه النظرة هي التي تبعث على ملاحظة الملكة الباطنيّة في تطبيق جميع القوانين الإلهيّة، بحيث يلاحظ الشخص المنتظِر ذلك في مشيه، وفي جلوسه، وفي نظره، وفي سمعه، بل وفي فكره أيضاً، ويقدّم رضى الله تعالى ورضى حجّة الله على كلّ شيء.
وقد حازت معرفة الله تعالى أهمّيّةً كبيرةً في الأوصاف التي جاءت لأصحاب الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فقد جاء فيهم أنّهم:
"رجال عرفوا الله حقّ معرفته، وهم أنصار المهديّ في آخر الزمان"(٨)، و"هم الذين وحَّدوا الله حقَّ توحيده"(٩).
لذا، كان من علائمهم أنّهم: "مجدّون في طاعة الله"(١٠)، و"هم الذين قال الله فيهم:... يحبّهم ويحبّونه"(١١).
في بداية دعاء العهد, ثمّة ستّة عشر وصفاً من الأوصاف الإلهيّة:
رَبَّ النُّورِ الْعَظِيمِ، وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الرَّفِيعِ، وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَرَبَّ الظِّلِّ وَالْحَرُورِ، وَمُنْزِلَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَرَبَّ الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَالأَنْبِياءِ وَالْمُرْسَلِينَ و...إلخ.
وفي هذا المقطع، ذُكر تعالى مع سبع صفات خاصّة، تُعدّ تجلّياً خاصّاً لمعرفته تعالى.
١- اللَّهُمَّ رَبَّ النُّورِ الْعَظِيمِ:
عادةً عندما يراد الابتداء ببناءٍ ما يقوم الناس بدعوة إحدى الشخصيّات لافتتاحه ووضع حجر الأساس له. ونحن إذا أردنا أن نفتتح بناءً أو عملاً لنا باسم أحد ما، فلا اسم أفضل من اسم الله تعالى، الله خالق كلّ شيء، وأسمائه الحسنى.
قال تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾(١٢). وقد تكرّرت هذه الآية في القرآن الكريم ثلاث مرّات، ومن بين الأسماء الحسنى، فإنّ أفضل الأسماء الإلهيّة من بينها هو كلمة "الله" الجامع لجميع صفات الكمال، فهو أكمل الأسماء, أي أنّ المعاني والكمالات كلّها موجودة فيه.
الربّ: المالك والمدبّر:
بعد اسم "الله" ورد في الدعاء اسم "الربّ". وهي كلمة تعني المالك والمدبّر, فالله تعالى هو المالك والمدبّر. وتَكرار هذا الوصف يدلّ على أهمّيّة هذه الكلمة. وقد ذُكر اسم "الربّ" كثيراً في القرآن الكريم، حيث بلغ مئة وثلاثين مرّة، فهو ثاني أكثر كلمة وردت في القرآن الكريم بعد كلمة "الله".
هذا النوع من التَكرار لا يتنافى مع البلاغة، لاختلاف موارده. فالتَكرار قد يكون ضرورياًّ للتذكير، أو للتفصيل والتنويع، ويتناسب ذلك مع التربية والتوجيه.
لا يخلو تَكرار كلمة "ربّ" من الحكمة، خصوصاً في الفقرات الخمس التي ورد فيها هذا الاسم الإلهيّ, لأنّ ذكر كلمة "ربّ" وتَكرارها في الدعاء يجعلان طلب الحاجة مقروناً بالإجابة.
تَكرار "يا ربّ":
أما في أوّل الدعاء، فلا يخلو تَكرار كلمة "ربّ" من الحكمة، خصوصاً في الفقرات الخمس التي ورد فيها هذا الاسم الإلهيّ, لأنّ ذكر كلمة "ربّ" وتَكرارها في الدعاء يجعلان طلب الحاجة مقروناً بالإجابة.
ففي سورة الأنبياء (الآية ٨٩)، نقرأ قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾.
كما أنّ تَكرار كلمة "ربّ" في بداية أدعية إبراهيم (عليه السلام) - أيضاً - مهمّ ولافت، وفيه دلالة على تأثير ذلك في استجابة الدعاء، أو في كونه أحد آدابه. ففي سورة إبراهيم (الآيتان ٤٠-٤١)، نقرأ قوله تعالى:
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾.
ويوجد في الأدعية إصرار وتَكرار ممزوجان بكلمة "ربّ", ففي دعاء "المجير" نقرأ نحو سبعين مرة: "أجِرنا من النار يا ربّ"، وكذلك في دعاء الجوشن الذي يحتوي على مئة فقرة، نقول في نهاية كلّ فقرة: "خلّصنا من النار يا ربّ".
أما تَكرار كلمة "ربّ" في هذا الدعاء، فلعلّ ذلك لكونه أفضل وأنسب اسم لعقيدة الرجعة, أي أنّ الله تعالى المالك والمدبّر قادر على الإحياء مرّة أخرى.
٢- وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الرَّفِيعِ:
الكرسيّ كناية عن القدرة، السلطة، التدبير، الهداية والإدارة الكاملة للعالم. وفي اللغة الفارسيّة - أيضاً - "الإجلاس" أو "الجلوس على العرش" كناية عن التسلّط على الأوضاع، والإمساك بالقدرة والحكومة.
نعم، من الممكن - أيضاً - أنّ يكون "العرش" كناية عن عالم ما وراء المادة، و"الكرسيّ" كناية عن العالم المادّيّ، كما نقرأ في آية الكرسيّ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾(١٣).
يُفسِّر الإمام الصادق (عليه السلام) الكرسيّ بالعلم، فعن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، قال: "علمه"(١٤).
وفي حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "يا أبا ذر، ما السماوات السبع في الكرسيّ إلّا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسيّ كفضل الفلاة على تلك الحلقة"(١٥).
هذا، والروايات الواردة حول الكرسيّ مختلفة، وقد ورد في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ الكرسيّ من العلوم التي لا يعلمها أحد إلّا الله، فعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام)- في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾- فقال:
"السموات والأرض وما بينهما في الكرسيّ، والعرش هو العلم الذي لا يُقدِّر أحد قدره"(١٦).
أمّا تَكرار كلمة "ربّ" في هذا الدعاء، فلعلّ ذلك لكونه أفضل وأنسب اسم لعقيدة الرجعة, أي أنّ الله تعالى المالك والمدبّر قادر على الإحياء مرّة أخرى.
٣- وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ:
تحدّث القرآن الكريم عن البحر المشتعل الذي له غليان وصوت قويّ في الآية السادسة من سورة التكوير: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾.
والمقصود بهذه البحار، إمّا البحار التي تُسجَّر عند اقتراب يوم القيامة، وإمّا الموادّ المذابة والمنصهرة في قعر الأرض كالبحار من النار، التي تفور أحياناً وتخرج من فوهة البراكين.
إنّ القرآن النازل, والقرآن الصاعد (الدعاء), يسوقان الإنسان من الأمور المرئيّة إلى الأمور غير المرئيّة, ويوجّهانه إلى المسائل التي قد يصعب تصديقها ابتداءً. أمّا بالنّسبة إلى الله تعالى, فهذه المسائل هيّنة وممكنة, وهو على كل شيء قدير.
٤- وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ:
الكتب السماويّة النازلة من عند الله تعالى إنّما هي لأجل هداية الإنسان. والمراد من الصحف الأولى في سورة طه (الآية ١٣٣)، هو التوارة والإنجيل والزبور. والتصديق بكون التوراة والإنجيل كتباً سماويّة ليس معناه إبقاءهما بشكل دائم، بل معناه وحدة أهدافهما وانسجام محتواهما جميعها: ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾(١٧).
إنّ أصول الأديان واحدة، ولكن شرائعها متعدّدة. والدين والشريعة طريقان للوصول بنا إلى الحياة الواقعيّة والإنسانيّة، ولكن في كلّ زمان لا يُقبل إلّا شريعة واحدة. واليوم، الدين الوحيد الذي يرتضيه الله تعالى هو الإسلام فقط، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾(١٨).
إنّ قوانين الإسلام الإجرائيّة ومنهجه التربويّ - أيضاً - قائمان على أساس العدل. فهو دين العدل والعدالة. ولو ألقينا نظرة على آيات القرآن الكريم، لشاهدنا منهجه العادل في جميع الموضوعات، ولرأينا - بوضوح - الإنصاف والعدالة وعدم الانحياز في برامجه كلّها. فالقرآن مع الامتيازات كلّها التي يختصّ بها، لا يُغفل أمر الكتب السماويّة السابقة، ويؤيّد الكتب غير المحرّفة من التوراة والإنجيل التي تقدّمت عليه، وهذا نموذج من الإنصاف.
جاءت كلمة "الزبور" في اللغة العربيّة بمعنى أيّ نوع من أنواع الخط والكتابة: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾(١٩)، ولكن بقرينة آية ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾(٢٠)، يبدو أنّ المراد من الزبور - وقد نزل بعد التوراة - هو الكتاب الخاصّ بالنبيّ داود (عليه السلام)، الذي يحتوي على مجموعة من مناجاته وأدعيته ومواعظه، وهي مئة وخمسون فصلاً، كلّ فصل منها عبارة عن مزمور.
والمراد بالذكر في (الآية ١٠٥) من سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، هو التوراة - أيضاً -، كما في ورد في (الآية ٤٨) من السورة نفسها التعبير عن التوراة بالذكر: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾.
القرآن مع الامتيازات كلّها التي يختصّ بها، لا يُغفل أمر الكتب السماويّة السابقة، ويؤيّد الكتب غير المحرّفة من التوراة والإنجيل التي تقدّمت عليه، وهذا نموذج من الإنصاف.
لكن أهمّ الكتب السماويّة هي: توراة اليهود، وإنجيل المسيحيّين، وقرآن المسلمين. وقد وصفها الله تعالى جميعاً بأنّها نور. ففي سورة المائدة (الآية ١٥)، يصف الله القرآن بكونه نوراً: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ﴾.
وفي (الآية ٤٤) من السورة نفسها، يصف التوراة بكونها نوراً: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾.
وفي (الآية ٤٦) وُصف الإنجيل بالنور: ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾.
وتوجد بين القرآن الكريم وهذه الكتب وجوهُ شبهٍ أخرى، وخصوصاً بين القرآن والتوراة. فالإنجيل يعتمد بشكل أساس على المواعظ، والزبور على الدعاء، ولكن من حيث القوانين، فالتوراة يشبه القرآن الكريم أكثر, ولذا وصفت التوراة بأنّها إمام، ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا﴾(٢١)، إلّا أنّه لا بدّ من أن يُعلم أنّ القرآن هو الوارث الكامل والجامع للتوراة والإنجيل والزبور.
فعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "أُعطيتُ السور الطوال مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفُضِّلت بالمفصَّل ثمان وستون سورة، وهو مهيمن على سائر الكتب، والتوراة لموسى، والإنجيل لعيسى، والزبور لداود"(٢٢).
والإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في هذا الزمان هو وارث جميع الكتب السماويّة, لأنّ الإمام في كلّ عصر وزمان هو الوارث لجميع فضائل مَن سبقه. وفي بعض زيارات الإمام الحسين (عليه السلام): "السلام عليك يا وارث التوراة والإنجيل والزبور"(٢٣). والإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو وارث جميع الأنبياء والأولياء (عليهم السلام).
٥- وَرَبَّ الظِّلِّ وَالْحَرُورِ:
الظلّ بمعنى الفيء، والحَرور بمعنى شدّة الحرّ. والله تعالى هو مالك كليهما، وهو خالق الدنيا والآخرة، ومالك الأضداد وجاعلها، وإله الليل والنهار.
وقد ورد لفظا الظلّ والحَرور في سورة فاطر (الآية ٢١): ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾، حيث شُبِّه المؤمن والكافر بالظلّ والشمس. ونتيجة هذا التشبيه وهذه المقايسة هي أنّ شخصيّة المؤمن ومصيره ليسا كالكافر.
إنّ تشبيه المؤمن بالظلّ الذي يُطمأنّ إليه، والكافر بالريح الحارّة الحارقة، ساق له بعض المفسرين معنى للآية يناسب حالهما من حيث النتيجة، فقال: المقصود بالظلّ الجنّة, لأنّها ذات ظلّ دائم، والمقصود بالحَرور نار جهنّم, لأنّها ذات حَرور(٢٤).
كما أنّه قد ورد في الروايات إطلاق "يوم الحَرور" بعنوانه وصفاً ليوم القيامة.
وعلى هذا، فالله سبحانه وتعالى هو المالك والربّ للشمس والظلّ، وإذا شئتم النجاة من حرّ الشمس والعذاب الإلهيّ في الدنيا والآخرة، وأن تكونوا في ظلّ الأمن الإلهيّ، فالطريق الوحيد لذلك فقط هو اتباع القرآن الكريم.
عن معاذ بن جبل، كنّا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في سفر... فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "إن أردتم عيش السعداء وموت الشهداء، والنجاة يوم الحشر، والظلّ يوم الحَرور، والهدى يوم الضلالة، فادرسوا القرآن، فإنّه كلام الرحمن، وحرزٌ من الشيطان، ورجحان في الميزان"(٢٥).
٦- وَمُنْزِلَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ:
يخاطب الله تعالى نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾(٢٦). والإنصاف، إنّ القرآن كتاب عظيم جدّاً. إنّ من بين ١١٤ سورة قرآنيّة، تبدأ ٢٩ سورة بالحروف المقطّعة، وفي ٢٤ مورد بعد هذه الحروف، تتحدّث الآيات عن القرآن ومعجزته وعظمته، كما في سورة البقرة بعد قوله تعالى:
﴿الم﴾، يقول سبحانه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، ثمّ يشير إلى عظمة القرآن.
إن الكُتَّاب عموماً لا يرون كُتُبَهم خاليةً من النقص، ويعتذرون عمّا فيها من النقص أو الإشكالات، ويتقبّلون الملاحظات والاقتراحات التي تأتي في هذا المجال، لكنّ الله تعالى فقط يقول عن كتابه بصراحة: ﴿الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾(٢٧), إذ جميع آياته محكمة، وهي قائمة على أساس الحكمة، فهو كتاب مُحكم لا يقبل الخلل، ولا طريق فيه إلى أيّ نقصٍ أو عيب.
وقد بيّنت الروايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام) عظمة القرآن الكريم, منها ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة:
- "أَلَاَ إِنَّ فِيهِ عِلْمَ مَا يَأْتي، وَالْحَدِيثَ عَنِ الْمَاضِي، وَدَوَاءَ دَائِكُمْ، وَنَظْمَ مَا بَيْنَكُمْ"(٢٨).
- "... وبَحْراً لَا يُدْرَكُ قَعْرُه... وتِبْيَاناً لَا تُهْدَمُ أَرْكَانُه، وشِفَاءً لَا تُخْشَى أَسْقَامُه، وعِزّاً لَا تُهْزَمُ أَنْصَارُه، وحَقّاً لَا تُخْذَلُ أَعْوَانُه"(٢٩).
- "وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ، وَسَبَبُهُ الأمِينُ، وَفِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ، وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ، وَمَا لِلْقَلْبِ جَلاَءٌ غَيْرُهُ"(٣٠).
- "وعَلَيْكُمْ بِكِتَابِ الله، فَإِنَّه الْحَبْلُ الْمَتِينُ، والنُّورُ الْمُبِينُ، والشِّفَاءُ النَّافِعُ، والرِّيُّ النَّاقِعُ، والْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ، والنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ"(٣١).
- "ومَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ عَنْه بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ: زِيَادَةٍ فِي هُدَىً، أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمَىً"(٣٢).
- "فَإِنَّ فِيه شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ، وهُوَ الْكُفْرُ والنِّفَاقُ، والْغَيُّ والضَّلَالُ"(٣٣).
- "واعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لَا يَغُشُّ، والْهَادِي الَّذِي لَا يُضِلُّ، والْمُحَدِّثُ الَّذِي لَا يَكْذِبُ"(٣٤).
- "واعْلَمُوا أَنَّه لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ، ولَا لأَحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنًى"(٣٥).
- "إِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْأُمُورُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ"(٣٦).
- "ولَا تُخْلِقُه كَثْرَةُ الرَّدِّ"(٣٧).
- "فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَاْمِ كَفَضْلِ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ"(٣٨).
- "والله الله فِي الْقُرْآنِ، لَا يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِه غَيْرُكُمْ"(٣٩).
وأنا بعد عشرات السنين من جلوسي على هذه المأدبة الإلهيّة، أتمنّى عليكم أيّها الأعزّاء، أن يكون القرآن هذا الكتاب العظيم بالنسبة إليكم مظهراً للعلم الإلهيّ، ولو أنّكم في كلّ يوم تدبّرتم في جملة واحدة لاستفدتم فائدة جديدة.
وللطلّاب الأعزّاء أقول: إذا أردتم أن تصبحوا علماءَ ربّانيّين، فعليكم بالاشتغال - بفهم وتدبُّر - بهذا العلم الذي لا نهاية له, لأنّ الله تعالى يقول في القرآن الكريم: ﴿وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾(٤٠). ففي هذه الآية تكرّرت كلمة "كنتم" مرّتين، إلى جانب كلمتَي "تعلمون" و"تدرسون"، ما يعني الاستمرار والدوام, أي إنّ تعليم القرآن وتدريسه لا بدّ من أن يكون في كلّ يوم وفي جميع المراحل.
٧- وَرَبَّ الْمَلاِئكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ:
أ- الملائكة المقرّبون:
المقرّب بمعنى القريب. جاء في سورة النساء (الآية ١٧٢) قوله تعالى: ﴿الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، فالملائكة ليسوا على درجة ومرتبة واحدة، فمقامهم مختلف، كما أنّ وظائفهم مختلفة, فمقام بعضهم كجبرائيل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل أفضل من مقام سواهم. وقد ذكر القرآن من هؤلاء الملائكة الأربعة جبرائيل وميكائيل: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾(٤١)، وأما بقيّة الآيات فقد تعرّضت لأوصافهم، كقوله تعالى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾(٤٢).
لذا، فإنّ الملائكة فِرَقٌ ومجموعاتٌ متعدّدة ومختلفة، ولكلّ مجموعة منها مقام خاصّ، ولها قدرتها الخاصّة بعملها: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾(٤٣)، فمسؤول الوحي جبرائيل، ومسؤول الأرزاق ميكائيل، ومسؤول قبض الأرواح عزرائيل، ومسؤول النفخ في الصور إسرافيل.
"الروح" - أيضاً - هو أحد الملائكة المقرّبين من الله تعالى، وقد جاء اسمه في القرآن بصورة مستقلّة، وعادة ما يُذكر إلى جانب الملائكة، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ﴾(٤٤)، ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾(٤٥)، و﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾(٤٦).
ب- الأنبياء والمرسلون:
في هذه الفقرة من الدعاء، أُشير إلى مقام الأنبياء والمرسلين, ومن الواضح أنّ ثمّة فرقاً بين النبيّ والرسول.
في الفرق بينهما ذُكرت آراء عديدة، منها:
أوّلاً: إذا كان أصل كلمة نبيّ من مادّة "النبأ" بمعنى الخبر، يكون النبيّ هو الشخص المطّلع على الوحي الإلهيّ، والذي يُخبر بما يُوحى إليه، أمّا الرسول، فهو الشخص الذي أُلقيت على عاتقه مهمّةٌ أو رسالةٌ ليبلّغها.
ثانياً: إذا كان أصل كلمة نبيّ من مادّة "نَبْوَة" على وزن "نَغْمَة"، بمعنى رفعة المقام، فيكون النبيّ هو الشخص العالي المقام، والسامي المرتبة.
والرسول - أيضاً - صاحب شريعة ومأمور بتبليغها, أي يتلقّى الوحي الإلهيّ ثمّ يبلّغه للناس، أمّا النبيّ فإنّه يتلقى الوحي، لكنّه ليس مكلّفاً بتبليغه، بل مكلّف بأداء واجبه فقط، أو الإجابة عن أسئلة من سأله(٤٧).
وبتعبير آخر، فإنّ النبيّ مثله كالطبيب الواعي الذي جلس في محلّه مستعدّاً لاستقبال المرضى، فهو لا يذهب إلى المرضى، أمّا إذا راجعه مريض، فإنّه لا يمتنع عن معالجته وأداء النصح إليه. أما الرسول، فإنّه كالطبيب السيّار، وبتعبير الإمام عليّ (عليه السلام) في نهج البلاغة عن رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم): "طبيبٌ دوّارٌ بطبِّه"(٤٨)، فهو يدور في كلّ مكان، يذهب إلى المدن والقرى، والجبال والصحارى، ليجد المرضى ويشرع في علاجهم، فهو عين تنبع بالماء العذب وتجري نحو العطاشى، وليس عيناً يبحث عنها العطاشى(٤٩).
بعض الأنبياء لديهم كلا المقامين، كنبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلقّى الوحي، ومضافاً إلى ذلك كان يبلغ أوامر الله تعالى، ويسعى إلى إقامة الحكومة وتنفيذ الأحكام، وفي الوقت نفسه يقوم عن طريق الباطن بمهمّة تربية النفوس(٥٠).
ينقل أبو ذر الغفاريّ (رضوان الله عليه) - أيضاً - عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ عدد الأنبياء مئة وأربعة وعشرون ألف نبيّ، كان بينهم ثلاث مئة وثلاثة عشر رسولاً فقط(٥١).

٢ - السؤال والطلب "أسألك"

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ، وَبِنُورِ وَجْهِكَ الْمُنِيرِ، وَمُلْكِكَ الْقَدِيمِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرَضُونَ، وَبِاسْمِكَ الَّذِي يَصْلَحُ بِهِ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ، يَا حَيَّاً قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ، وَيَا حَيَّاً بَعْدَ كُلِّ حَيٍّ، وَيَا حَيَّاً حِينَ لا حَيَّ. يَا مُحْيِيَ الْمَوْتَى وَمُمِيتَ الأَحْياءِ، يَا حَيُّ لا إِلهَ إِلّا أَنْتَ.
في هذا القسم من الدعاء، يقوم الداعي لأجل بيان مسائله ومطالبه بذكر الأسماء والصفات الإلهيّة مرّةً أخرى. وهذا التَكرار للصفات الإلهيّة في هذين القسمين (الأوّل والثاني)، وخصوصاً بعد كلمة "أسألك" إنّما هو لكون الداعي يذكر الأسماء والصفات الإلهيّة المناسبة لحاجته، والتي لا يخلو حتّى تَكرارها من اللطف.
بالتَكرار تحصل الكمالات:
كان أمير المؤمنين (عليه السلام) - أحياناً - يكرّر بعض الألفاظ ليحثَّ بعض الناس على أمرٍ ما, ففي وصيّته (عليه السلام) لأبنائه يكرِّر لفظ الجلالة فيها: "الله الله في الأيتام"، "الله الله في جيرانكم"، "الله الله في القرآن"، "الله الله في الصلاة"...(٥٢).
وكذلك تَكرار الصلاة في كلّ يوم وليلة إنّما هو لأجل أن نقترب من الله تعالى في كلّ يوم خطوة، فالشخص الذي يصعد على درجات السلَّم هو في الظاهر يقوم بتحريك رجله بحركة تَكرارية، لكنّه في الواقع يقطع بكلّ حركة خطوة إلى الإمام، ويرتفع إلى الأعلى. والشخص الذي يحفر بئراً ويضرب بمعوله، هو في الظاهر يقوم بعمل تَكراريّ، لكنّه في الواقع يزيد بكلّ حركة عمقَ البئر.
وكذلك الإنسان فهو بكلّ صلاة وذكر وتلاوة آية، يقترب من الله تعالى خطوة، انتهاءً بالمقام الذي نقرأه حول نبيّنا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾(٥٣).
كما أنّ تَكرار الوصيّة بالتقوى في كلّ من خطبتَي صلاة الجمعة في كلّ أسبوع، هو أحد أوجه دور التَكرار في التربية الدينيّة للناس، بل إنّ بقاء الحياة متوقّف على التنفُّس المتكرِّر. والكمالات إنّما تحصل بالتَكرار، فبمرّة واحدة من الإنفاق والإقدام لا يحصل الإنسان على ملكة السخاء والشجاعة، كما أنّ الرذائل والخبائث تثبت في روح الإنسان من خلال التَكرار.
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ"
في هذا القسم من الدعاء، يسأل الداعي ربَّه بأمورٍ عشرة:
١- بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ:
المقصود من هذه الكلمات ليس معناها الظاهريّ, إذ الله تعالى ليس بجسم، كي يكون له وجه. وفي سورة البقرة (الآية ١١٥) نقرأ قوله تعالى: ﴿وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، وفي آخر سورة القصص - أيضاً -، نقرأ قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ﴾. وعليه:
أوّلاً: وجه الله باقٍ وفي كلّ مكان. لذا، لا بدّ من أن نقصده هو فقط لحاجاتنا. وإذا جعلنا أولياء الله واسطة، فلا بد من أن نعلم أنّهم يقومون بإيصال الفيض الإلهيّ إلينا.
ثانياً: هو كريم. وقد ذُكرت هذه الصفة في القرآن كإحدى الصفات الإلهيّة: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾(٥٤). والكريم هو العظيم والمعطي.
نعم، يمكن القول إنّ المصداق البارز والكامل لوجه الله الكريم في هذا العصر والزمان هو الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف), لأنّه جاء عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: "وجه الله أنبياؤه ورسله وحججه صلوات الله عليهم، هم الذين بهم يتوجّه إلى الله وإلى دينه ومعرفته"(٥٥).
وفي دعاء الندبة - أيضاً - نقرأ في وصف إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف): "أين وجه الله الذي إليه يتوجّه الأولياء".
٢- وَبِنُورِ وَجْهِكَ الْمُنِيرِ:
يخاطب الإمام الحسين (عليه السلام) الله تعالى في دعاء عرفة بهذا الخطاب: "فأسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الأرض والسماوات"(٥٦).
وفرقٌ بين نور الوجه وبين الوجه الوارد في الجملة السابقة، فالله تعالى نور ومنوِّر أيضاً، وكلّ نور العالم هو انعكاسُ نور جماله. فالنور فقط هو الله تعالى، وهو الذي يعطي النور لمن يشاء ويجعله نورانيّاً. وكلّ فرد بمقدار ما يكون مقرّباً من الحضرة الإلهيّة يصير منيراً. لذا، وصف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن بأنّه منير، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾(٥٧).
في هاتين الآيتين بيانٌ لدور النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في المجتمع، فهو سراج هداية، ونوره سبب تكامل المجتمع وحركته وبروزه (سراجاً منيراً). واليوم، فإنّ المخلوق الوحيد في هذه الدنيا الذي اكتسب نوره من الله تعالى في المرتبة الأعلى، والذي يعطي النور لمن سواه، هو آخر ورثة النبيّ، الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٣- وَمُلْكِكَ الْقَدِيمِ:
الله تعالى هو المالك وهو مَن بيده جميع أمور عالم الوجود، ﴿للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(٥٨).
إنّ كلمة "الملِك" في اللغة تعني الحاكم ومَن بيده زمام الأمور. وفي الآيات والروايات دلالات عدّة على الملك القديم لله تعالى، ففي سورة التوحيد -مثلاً- نقول: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾(٥٩)، بل هو أزليّ وليس حادثاً وُجِد من شيء آخر. وفي القصص الإنشاديّة يقولون: كان يا ما كان، في قديم الزمان، غير ربّ السماء لم يكن أحد قد كان, أي أنّ الله هو القديم.
وفي سورة الحديد (الآية ٢)، نقرأ قوله تعالى:
﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
٤. يا حيّ يا قيّوم:
في آية الكرسيّ، نقرأ قوله تعالى: ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
يفترق معنى الحياة في حقّ الذات الإلهيّة عن معناها في حقّ الآخرين، وهي كسائر الصفات الإلهيّة لا تقبل الانفكاك عن الذات، فلا طريق لطروء الفناء عليه تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾(٦٠)، فهو سبحانه لا يحتاج في حياته إلى الغذاء، وتوليد المثل، والجذب والدفع، "يا حيُّ الذي ليس كمثله حيّ"(٦١).
وبما أنّ اسم الـ "حيّ" قد تكرَّر في الفقرات الآتية من هذا الدعاء، فسيجيء مزيد من التوضيح له، إن شاء الله.
أمّا اسم "القيُّوم" فهو من القيام، والقيام والقِوام: اسمٌ لما يقوم به الشيء, أي يثبت، كالعِماد والسِّناد: لما يُعمد ويُسند به(٦٢).
وقد جاءت كلمة "قيُّوم" ثلاث مرّات في القرآن الكريم، وفي كلّ مرّة من هذه المرّات الثلاث كانت تأتي معها كلمة "حيّ".
وقيام الله تعالى بنفس ذاته، وأمّا قيام سائر الموجودات فبوجوده سبحانه.
والمراد من القيوميّة الإلهيّة هو تسلّطه سبحانه وحفظه وتدبيره الكامل لمخلوقاته. وقيامه تعالى دائم ومحيط من كلّ جانب: يخلق، ويرزق، ويهدي، ويميت، ولا يغفل أبداً.
ثمّ إنّ كلّ موجود حيّ يحتاج في بقائه حيّاً إلى منبع الفيض، كالضوء الذي يحتاج لبقاء نوره إلى الاتصال بالكهرباء. وهكذا جميع الموجودات تحتاج في حياتها إلى "الحيّ"، ولاستمرار بقائها إلى الاستمداد من "القيُّوم".
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "كلّ شيء خاضع له، وكل شيء قائم به"(٦٣).
وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه في معركة بدر كان يكرِّر في سجوده: "يا حيّ يا قيّوم"(٦٤).
٥- أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرَضُونَ
مرّة أخرى يؤكِّد الداعي الطلب باسم الله: "أسألك باسمك الذي..."، يعني أنّني أطلب العون منك فقط، وأنت معتمدي ومعشوقي فقط, لأنّ جميع مَن في هذا العالم راجع إلى الله سبحانه. والأنبياء إنّما جاؤوا ليرجعوا الناس إلى الله تعالى، فالتوحيد معناه أنّ أصل وأساس ومنبع هذا الوجود هو الله تعالى.
في هذه الفقرة يقوم الداعي مرّة أخرى بالتوجّه إلى التوحيد بصورة خاصّة، ويسأل المولى تعالى باسمه الذي "أشرقت به السموات والأرضون".
ويناسب هذه الفقرة من الدعاء، قوله تعالى في (الآية ٦٩) من سورة الزمر التي تتحدّث عن إشراق يوم القيامة: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وقد قيل: إنّ إشراق الآخرة بنور الله ليس معناه أنّ الدنيا خالية من النور الإلهيّ، بل الدنيا كالآخرة -أيضاً- مشرقة بنور ربّها، لكن بسبب خصائص الدنيا وأحكامها، فإنّ هذا النور غير مشاهد، وأمّا في الآخرة فسوف يتجلّى النور الإلهيّ بالكامل، وسيقف عليه الجميع ويشاهدونه.
نقرأ في تفسير أطيب البيان(٦٥): بما أنّ نور الشمس والقمر يوم القيامة يأفلان، فالمراد من "نور الربّ" النور الذي يشع من المؤمنين، ثمّ يذكر شاهداً على ذلك هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾(٦٦).
ومن هذه الآية وهذا التفسير يمكن أن نستنتج: أنّ النور المشرق على الوجود يمكن أن يكون نور المعصوم الذي يستمدّ نوره من نور الله تعالى، وعلى هذ الأساس فالنبيّ وأهل بيته (عليهم السلام) سواء في الدنيا أم الآخرة هم نور الله الذي أشير - أيضاً - في زيارة الجامعة الكبيرة إلى تجلّيه: "وأشرقت الأرض بنوركم"، وهو ما ينسجم مع هذه الفقرة من الدعاء.
ولا بدّ من أن يُعلم، أنّه بناء على ما يعتقد به الشيعة، فإنّ أهل البيت (عليهم السلام) هم أعظم تجلّيات النور الإلهيّ، وإنّ نورهم يشرق ويهدي بنور الله تعالى.

m-mahdi.com

وفي هذا المجال، ورد في مقطع لبعض الأحاديث الطويلة والجميلة قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): "ثمّ أظلمت المشارق والمغارب، فشكت الملائكة إلى الله تعالى أن يكشف عنهم تلك الظلمة، فتكلّم الله جلّ جلاله كلمةً فخلق منها روحاً، ثمّ تكلّم بكلمة فخلق من تلك الكلمة نوراً، فأضاءت النور إلى تلك الروح، وأقامها مقام العرش فزهرت المشارق والمغارب، فهي فاطمة الزهراء, ولذلك سمّيت الزهراء لأنّ نورها زهرت به السماوات"(٦٧).
نعم، الآية المذكورة فسرت وأولت في الروايات بقيام الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أيضاً، وفي الحقيقة هو نوع تشبيه وتأكيد على هذا الأمر، وهو أنّه عند قيام الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ستصبح الدنيا كصورة ونموذج عن يوم القيامة، وسيسود العدل ويحكم العالم بوساطة هذا الإمام.
يبين الإمام الصادق (عليه السلام) تغيُّر العالم في زمان ظهور الإمام صاحب العصر والزمان في ظلّ الآية الشريفة: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾(٦٨), بقوله: "إنّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربّها..."(٦٩).
٦- وَبِاسْمِكَ الَّذِي يَصْلَحُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ:
السؤال والطلب من الله تعالى بهذه الكلمات موجود - أيضاً - في أدعية أخرى. يقول الإمام الحسين (عليه السلام): "فأسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الأرض والسماوات، وانكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين..."(٧٠).
وكلّ فرد بمقدار ما يصبغ حياته بلون المهدويّة، فإنّه بذلك المقدار يكون نصيب انتفاعه واستفادته كما في الفقرة السابقة، لا يبعد أنّ ذاك الاسم الذي يصلح به الأولون والآخرون، هو مقام الإنسان الكامل والخليفة الإلهيّ, لأنّ الله تعالى جعل الحجّة والإمام قبل الخلق، ومع الخلق، وبعد الخلق، ولا تخلو الأرض في زمان منه أبداً. فإنّ الوجود المقدّس الحاضر في حياة كلّ فرد، والحافظ له عن الفساد، والموصل له إلى الصلاح، هو الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف), وبعبارة أخرى: إنّ المهدويّة هي سبب رشد وارتقاء وتربية الفرد والمجتمع. واليوم، ليس للحياة أيّ طريق للنجاة والإصلاح إلّا بالأمل به وذكر اسمه. وكلّ فرد بمقدار ما يصبغ حياته بلون المهدويّة، فإنّه بذلك المقدار يكون نصيب انتفاعه واستفادته.
دور حجّة الله في الحياة:
المنتظِر، في هذه الفقرة، يترنّم بهذه المسألة الدقيقة، وهي أنّ حياته لا بدّ من أن تكون مورد رضى وليّ العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف), لأنّ دور حجّة الله في الحياة أنّه ينجي الإنسان من الفساد، ويوصله إلى الصلاح والفلاح. جاء في زيارة الجامعة الكبيرة: "بموالاتكم... وأصلح ما كان فسد من دنيانا". حقيقةً، إنّ كلّ فرد يوفَّق في حياته، ويصل إلى الرشد والصلاح، إنّما يوفّق ويصل إلى تلك النعمة والقيمة العظيمة بوساطة حجّة زمانه (عليه السلام).
٧- يَا حَيّاً قَبْلَ كُلِّ حَيٍّ، وَيَا حَيّاً بَعْدَ كُلِّ حَيٍّ، وَيَا حَيّاً حِينَ لا حَيَّ:
ثمّة تأكيد خاصّ على الحياة الإلهيّة المتعالية في الأدعية، وقد جاءت هذه المسألة في المقطع السبعين من دعاء الجوشن الكبير على الشكل الآتي:
"يا حيّاً قبل كل حيّ، ويا حيّاً بعد كل حيّ، يا حيّ الذي ليس كمثله حيّ، يا حيّ الذي لا يشاركه حيّ، يا حيّ الذي لا يحتاج إلى حيّ، يا حيّ الذي يميت كل حيّ، يا حيّ الذي يرزق كل حيّ، يا حيّاً لم يرث الحياة من حيّ، يا حيّ الذي يحيي الموتى، يا حيّ يا قيّوم لا تأخذه سنة ولا نوم"(٧١).
أمّا لماذا تكرّر هذا الاسم في دعاء العهد أربع مرّات، ثمّ أُشير بعده إلى مسألة الإحياء والإماتة؟ هل من الممكن أن يكون ذلك مرتبطاً ببحث الرجعة الوارد في هذا الدعاء العظيم؟ يبدو أنّ التأكيد على هذه المسألة لا يخلو من ارتباط بذلك.
٨- يَا مُحْيِيَ الْمَوْتَى:
من يحيي مرّة يمكنه أن يحيي مرّات أخرى: ﴿يُحْيِي الْمَوْتَى﴾(٧٢).
وجاء في سورة النجم (الآية ٤٤) أيضاً: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾.
نعم، من كان لديه حُكم كامل على جميع الوجود، فله القدرة - أيضاً - على الإحياء والإماتة: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾(٧٣).
وقد بيّنت الآيات القرآنية ذلك أيضاً، فمثلاً في سورة العنكبوت (الآية ١٩)، نقرأ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾.
في النتيجة:
١- عالم الوجود مظهر تجلّي قدرة الله تعالى في إيجاد ظواهر الحياة والموت: ﴿يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
٢- الخلق والإماتة وإعادة الإحياء, هي أفعالٌ دائمة له تعالى: ﴿يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾, إذ إنّ فعل المضارع ﴿يُبْدِئُ﴾, و﴿يُعِيدُه﴾ يدلّ على الاستمرار والدوام.
٣- لخلق الأوّل وإعادة الإحياء يوم القيامة أمران يسيران بالنّسبة إلى الله, فلا يحتاجان إلّا إرادته سبحانه: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾.
٩- وَمُمِيتَ الْأَحْيَاءِ:
نقرأ في القرآن الكريم أنّ الموت والحياة هما تجلّيان للربوبيّة الإلهيّة: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾(٧٤), ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ﴾(٧٥), وجاء في سورة يونس (الآية ٥٦): ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
لقد أشار النبيّ إبراهيم (عليه السلام)، في مجال التعريف والاستدلال على وجود الله تعالى، إلى هذه المسألة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾(٧٦).
ونقرأ في سورة الروم (الآية ٤٠) قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وقد أُشير، في هذه الآية، إلى أربع صفات إلهيّة، بحيث إنّ كلّ واحدة منها كافية لتسليم الإنسان وعبوديّته. فخلق الإنسان دليل مستقلّ على لزوم العبودية على الإنسان: ﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾(٧٧), والرزق الإلهيّ دليل على لزوم العبوديّة: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف﴾(٧٨), والإماتة والإحياء - أيضاً - كلّ واحدة منهما دليل على لزوم تعبّد الإنسان وتسليمه لربّه تبارك وتعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾(٧٩).
ونقرأ في سورة غافر (الآية ٦٨) أيضاً: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾.
 وفي النتيجة:
١ - الإماتة والإحياء بيده تعالى فقط: ﴿هُوَ الَّذِي﴾.
٢ - قدرته تعالى على الإحياء والإماتة واحدة: ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.
١٠- يَا حَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ:
في هذه الفقرة ذُكرت وحدانيّته تعالى، وسنوضح بعض الأمور المتعلّقة بها:
جاء في القرآن الكريم شعار التوحيد مكرّراً وببيانات مختلفة، مثل: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ﴾(٨٠), ﴿لاَّ إِلَهَ إِلّا هُوَ﴾(٨١), ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ﴾(٨٢), ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾(٨٣).
"لا إله إلّا الله"، هي أوّل صفحة في هُويّة أيّ مسلم. وأوّل شعار وأوّل دعوة لنبيّ الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت بهذه الجملة: "قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا"(٨٤)، وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: "من قال لا إله إلّا الله مخلصاً دخل الجنّة، وإخلاصه بها أن تحجزه لا إله إلّا الله عمّا حرّم الله"(٨٥).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قول لا إله إلّا الله ثمن الجنّة"(٨٦)، وفي الحديث القدسيّ المنقول عن الإمام الرضا (عليه السلام): "كلمة لا إله إلّا الله حصني"(٨٧).
نعم، التوحيد أساس نجاة الإنسان وخلاصه، لكن بالشروط اللازمة المذكورة في محلّها.
يقول العارف الواصل المرحوم الحاج الميرزا جواد الملكيّ التبريزيّ:
"كان لي شيخ جليل عامل عارف كامل (قدّس الله تربته) - لعلّه المرحوم الآخوند ملّا حسين قلّي الهمدانيّ - ما رأيت له نظيراً... سألته عن عمل مجرّب يؤثّر في إصلاح القلب وجلب المعارف، فقال (قدّس سرّه): ما رأيت عملاً مؤثّراً في ذلك مثل المداومة على سجدة طويلة في كلّ يوم مرّة واحدة، يقال فيها: ﴿لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾(٨٨). يقوله وهو يرى نفسه مسجونة في سجن الطبيعة، ومقيّدة بقيود الأخلاق الرذيلة، مقرّاً بقوله: إنّك لم تفعل ذلك بي وتظلمني، وأنا الذي ظلمت نفسي وأوقعتها في هذه الحال...(٨٩).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) - أيضاً - في دعاء كميل: "لا إله إلّا أنت سبحانك وبحمدك، ظلمت نفسي وتجرّأت بجهلي".
إنّ الإقرار والاعتراف بالوحدانيّة موجود في مواضع كثيرة من الأدعية، ويمكن القول تقريباً: إنّ أحد آداب الدعاء هو هذه المسألة.

٣ - إبلاغ السلام

اللَّهُمَّ بَلِّغْ مَوْلاَنَا الإِمَامَ الْهَادِيَ الْمَهْدِيَّ، الْقَائِمَ بِأَمْرِكَ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى ابَائِهِ الطَّاهِرِينَ، عَنْ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، فِي مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، سَهْلِهَا وَجَبَلِهَا، وَبَرِّهَا وَبَحْرِها، وَعَنِّي وَعَنْ والِدَيَّ، مِنَ الصَّلَوَاتِ زِنَةَ عَرْشِ اللهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ، وَمَا أَحْصَاهُ عِلْمُهُ، وَأَحَاطَ بِهِ كِتَابُهُ.
السلام على إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في هذا الدعاء، هو عالميٌّ من جهة الكميّة، وبمقدار زنة العرش من حيث الكيفيّة.
إنّ كيفيّة السلام على الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في هذا الدعاء تعود إلى بُعد نظر المنتظِر, فهو بعيد النظر، ولديه ثقافة عالميّة، وعند الحاجة يطرح ذلك بنظرة عميقة وبعيدة المدى.
فبعض الناس يريدون الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لأجل حلّ مشاكلهم فقط، أمّا المنتظرون الواقعيّون فلديهم مشاعر وأحاسيس عالميّة، وعندما تقع مشكلة في غير المنطقة الجغرافيّة التي هم فيها، يصيبهم القلق والاضطراب.
سلامُ المنتظرين:
يضفي دعاء العهد على المنتظرين أفقاً عالميّاً، حيث نقرأ في هذه الفقرة من الدعاء: "عن جميع المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها".
يسلّم المنتظرون على إمامهم، عن جميع المؤمنين والمؤمنات في جميع أنحاء العالم، من خلال قراءة هذا الدعاء في بداية صبيحة كلّ يوم.
وهذه الفقرة من الدعاء تُظهر أنّ طلب الإمام لأجل الحاجة الشخصيّة أمر خاطئ، فالمنتظِر الواقعيّ لديه مشاعر عالميّة، ومثل هذا الانتظار هو انتظار إيجابيّ وفعّال.
كيف يبلِّغ المنتظِرُ سلامه للإمام؟
يَطلب المنتظِر من الله تعالى إبلاغ السلام والتحيّة لإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، في اثنتي عشرة فقرة:
١- اللَّهُمَّ بَلِّغْ مَوْلانَا الْإِمَامَ الْهَادِيَ الْمَهْدِيَّ الْقَائِمَ بِأَمْرِكَ:
إنّ للأشخاص العظماء والمشهورين أسماءً وألقاباً وكنىً مختلفة وواقعيّة، وكل واحد منها يعكس بعداً من أبعاد شخصيّتهم ووجودهم.
لذلك، عندما تُبيّن الأدعية والزيارات أسماءً وألقاباً متعدّدة للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، نستكشف منها أنّ الأبعاد الوجوديّة للإمام متعدّدة وذات حقيقة. وقد أُشير في هذه الفقرة إلى خمس خصائص للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، سنوضّحها في العناوين الآتية:
أ- المولى:
كلمة المولى مشتقّة من مادة (و-ل-ي). وهذه الكلمة هي من أكثر الكلمات استعمالاً في القرآن الكريم، بأشكال مختلفة.
والمعنى الأصليّ لهذه الكلمة هو المتولِّي للأمور، وسائر المعاني الأخرى التي تُذكر لهذه الكلمة تستفاد من القرينة.
والإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو "مولانا"، فله الولاية علينا، وهو المتولِّي لأمورنا.
عندما تُبيّن الأدعية والزيارات أسماءً وألقاباً متعدّدة للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، نستكشف منها أنّ الأبعاد الوجوديّة للإمام متعدّدة وذات حقيقة.
"الإمام" ليس هادياً فحسب، بل "إمام"، وليس متولّياً للأمور فحسب، بل "إمام"، ما يعني أنّ في عمله وعبادته، أكله وحربه، سكوته وكلامه، "درساً وأسوة".
ب- الإمام:
الله تعالى هو الذي جعل الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) إماماً. و"الإمام" ليس هادياً فحسب، بل "إمام"، وليس متولّياً للأمور فحسب، بل "إمام"، ما يعني أنّ في عمله وعبادته، أكله وحربه، سكوته وكلامه، "درساً وأسوة".
و"الإمام" هو التجسيد العينيّ للأقوال والنظريّات، وهو الذي يحوّل الأطروحات الذهنيّة للإسلام إلى حقائق خارجيّة، والتصوّرات إلى واقعيّات، والخيال إلى حقيقة، ويبيّن أنّ الإسلام ليس اسماً بلا مسمّى.
و"الإمام" بما يحمل من صفات وأفكار وأعمال هو دائماً "إمام"، في جميع الأوقات وبالنسبة إلى كلّ الأفراد، كما هي الحال في إبراهيم (عليه السلام) الذي لا زال حتّى الآن إماماً.
ما أجمل هذا التعبير! وما أحلى هذا المقام! وما أروع هذه الكلمة! "إمام". وهي كلمة جامعة وذات محتوى إلى درجة أنّ الكلمات الأخرى من قبيل: المعلّم، المرشد، الهادي، المبلّغ، الواعظ، ليس لها هذا المعنى، وهي تدلّ على التعليم والإرشاد، لا على الحركة والاتّباع، لكنّ "الإمام" هو الشخص الذي يسير ويكون مقدَّماً من الناحية العمليّة، والآخرون يتبعونه ويسيرون خلفه.
ج- الهادي:
الشخص الوحيد الذي تجري الهداية على يديه هو خاتم الأوصياء الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، يقول تعالى في سورة الرعد (الآية ٧): ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.
وبما أنّ النبوّة قد خُتمت، فالله تعالى يُتمّ الحجّة على جميع خلقه، ولا يخلي الأرض من حجّة ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. وقد جاء في التفاسير كـ"مجمع البيان" و"كنز الدقائق" حديث يبيّن أن المراد بالـ: ﴿هَادٍ﴾. هم الأئمّة المعصومون (عليهم السلام). وفي زماننا الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) الهادي الوحيد للعالَم من قبل الله تعالى.
د- المهديّ:
أحد الألقاب المشهورة لإمام الزمان هو "المهديّ". وهو بمعنى صاحب الهداية ومن لديه الهداية. وفي الواقع هو التجلّي الواقعيّ لهداية الناس في أهمّ مقاطع التاريخ البشريّ. فالإمام هو الموصِل لجميع الناس إلى أوج الكمال والتعالي، والمُنجي لهم من الغرق في مهاوي الضلال والفساد.
جاء في الرواية: "إنّما سُمّي القائم مهديّاً لأنّه يهدي إلى أمر مضلول عنه..."(٩٠). وعن الإمام الصادق (عليه السلام) -أيضاً- أنّه قال: "لأنّه يهدي إلى كلّ أمر خفيّ"(٩١).
وعليه، فالإمام الثاني عشر يمكنه هداية الجميع وإرشادهم للوصول إلى قمّة الحقيقة والإيمان، كما جاء في حديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لعليّ (عليه السلام): "يا عليّ، لو لم يبقَ من الدنيا إلّا يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يملك رجل من عترتك، يُقال له المهديّ، يهدي إلى الله (عزَّ وجلَّ)..."(٩٢).
هـ- القائم:
أحد أهمّ ألقاب الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وأشهرها هو "القائم". وسُمّي بذلك لأنّه يقوم مقابل الانحرافات وأنواع الظلم الموجودة، السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، ويعمل ضدّ الظالمين والفاسدين. في هذه المدة الطويلة كلّها، الإمام جاهز للنهضة العالميّة، والقتال ضدّ الأعداء، وهو بشكل دائم في حال انتظار للقيام.
يجب أن يعلم المنتظرون، أنّ إحدى الآفات التي تلاحقهم هي الغفلة عن الإمام، ويحتمل أن تصل ببعض الأفراد المعتقدين بإمام الزمان، فيقعون في بلاء نسيان الحجّة الحيّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
وفي رواية عن الإمام الجواد (عليه السلام) أنّه سئل: يا بن رسول الله، لم سمّي القائم؟ قال (عليه السلام): "لأنّه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد أكثر القائلين بإمامته"(٩٣).
وعلى هذا الأساس، يجب أن يعلم المنتظرون، أنّ إحدى الآفات التي تلاحقهم هي الغفلة عن الإمام، ويحتمل أن تصل ببعض الأفراد المعتقدين بإمام الزمان، فيقعون في بلاء نسيان الحجّة الحيّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٢- صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ:
من الوظائف والتكاليف المتعلّقة بالعباد تجاه الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، الصلاة عليه(٩٤). وبالالتفات إلى الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾(٩٥), يتضح:
أ- إنّ الله تعالى يصلّي على نبيّه. وهذه الصلوات التي هي جمع صلاة، عندما تُنسب إلى الله تعالى تأتي بمعنى إنزال الرحمة، وعندما تُنسب إلى الملائكة والمؤمنين تأتي بمعنى طلب الرحمة(٩٦).
ب- من تعبير "يصلون"، الذي هو فعل مضارع دالّ على الاستمرار، يُفهم أنّ الله تعالى يصلّي عليه، وينزل رحمته عليه دائماً وبلا انقطاع(٩٧).
ج- العلاقة بين الناس والقائد في الحكومة الإلهية هي الصلوات والسلام: العلاقة القلبيّة ليست كافية، بل من اللازم إظهارها، فالله تعالى يخاطب نبيَّه في كتابه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾(٩٨).
وهذه الآية توصي الناس بأن يصلّوا على النبيّ. نعم، العلاقة في الإسلام بين الناس والقائد هي علاقة الصلوات والسلام، كما ورد في (الآية ٥٤) من سورة الأنعام من أنّ الله تعالى يأمر نبيّه بالسلام على من يأتيه: ﴿وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾.
وعليه، فالصلوات الإلهية على الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بمعنى إرسال الرحمة والبركة الدائمة والمستمرّة.
وهذه الصلوات نجدها كثيراً في الأدعية:
ففي دعاء الافتتاح، نطلب من الله تعالى: "اللهمّ، وصلِّ على وليِّ أمرك القائم"، وفي دعاء عيد الفطر -أيضاً- ندعو: "اللهمَّ صلِّ على وليّك المنتظَر"، وفي صبيحة كلّ يوم جمعة، نسأل الله تعالى في دعاء الندبة: "اللهمَّ صلِّ على حجّتك ووليّ أمرك"، وفي دعاء الصلوات نقول أيضاً: "اللهمَّ صلِّ على وليّك وابن أوليائك"(٩٩).
- لماذا نصلّي على المعصوم؟
سئل المرحوم الطباطبائيّ: إنّ المعصوم لا يحتاج إلى الصلوات، فلماذا نصلّي عليه؟ فأجاب ذلك العالم الحكيم: إّن الصلوات التي نصلّيها:
أوّلاً: نحن لا نهدي شيئاً، بل نسأل الله تعالى ونطلب منه أن ينزل رحمته على النبيّ وأهل بيته (عليهم السلام).
ثانياً: صحيح أنّ هؤلاء الصفوة ليسوا محتاجين إلينا، لكنّهم محتاجون إلى الذات الإلهيّة المقدّسة، ولا بد من نزول الفيض الإلهيّ عليهم.
نحن بهذه الصلوات نقترب من هؤلاء الصفوة، كما لو أنّ بستانيّاً كان يعمل لدى صاحب بستان، وكلّ ما فيه من ورود وأزهار وفاكهة هو ملك لصاحب البستان، وكان يتقاضى أجره على عمله عنده، لكنّه في يوم العيد جاءه بباقة من الورود اقتطفها من البستان وبحضور صاحب البستان نفسه، وقدّمها إليه، فهل عمله هذا يوجب تقرّبه من صاحب البستان أو لا؟ من المسلَّم أنّه يوجب ذلك، فهذا العمل دليل أدب البستانيّ.
الصلوات - أيضاً - إثباتٌ لأدبنا، وإلّا فليس هناك شيء منّا، بل نسأل الذات الإلهيّة المقدّسة أن يزيد من مراتب هؤلاء العظماء ودرجاتهم، وهذا الأدب نفسه الذي نقدّمه، هو بالنسبة إلينا تقرُّبٌ إليهم(١٠٠).
أسرار الصلوات في مقام الدعاء:
أسرار الصلوات وفوائدها، خصوصاً في مقام الدعاء، كثيرة ومتعددة، حيث يعلِّمنا الإمام زين العابدين وسيّد الساجدين (عليه السلام) هذا النوع من الأسلوب في الدعاء.
أحد أسرار الصلوات هي أنّ الرحمة عندما تنزل على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، تصل إلى غيره أيضاً، حيث هو مجرى الفيض، وإذا كان من خير يصل إلى الآخرين، فإنّه ينزل أوّلاً عليه وهو الرحمة الخاصّة، ثمّ يصل إلى الآخرين.
يقول المرحوم العلّامة الطباطبائيّ:
معنى الصلوات على محمّد وآل محمّد، هو: اللهمّ أنزل رحمتك عليهم كي تصل إلينا، وإذا أردت أن ترسل رحمة فأرسلها إلى أولئك الصفوة أوّلاً ثمّ تصل إلى الآخرين. وطلب الرحمة يستلزم إجابة الدعاء(١٠١).
لذا، مضافاً إلى كون الصلوات توجب الرحمة الإلهيّة لإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فإنّ آثارها تتوجّه إلى أطراف العالم، كما ورد ذلك في كيفيّة السلام عليه في السرداب المقدّس:
"اللهمّ صلّ عليه صلاةً تظهر بها حجّته، وتوضح بها بهجته، وترفع بها درجته، وتؤيّد بها سلطانه، وتعظّم بها برهانه، وتشرّف بها مكانه، وتعلي بها بنيانه، وتعزّ بها نصره، وترفع بها قدره، وتسمّي بها ذكره، وتظهر بها كلمته، وتكثر بها نصرته، وتعزّ بها دعوته، وتزيده بها إكراماً، وتجعله للمتّقين إماماً، وتبلّغه في هذا المكان، مثل هذا الأوان، وفي كلّ مكان وأوان، منّا تحيّةً وسلاماً، لا يبلى جديده، ولا يفنى عديده"(١٠٢).
تَكرار لا يخلو من حكمة:
وهنا التفاتة أخرى، وهي أنّ مجيء لفظ الصلوات بصيغة الجمع وتَكرار لفظ "على" لا يخلو من حكمة، وهو ما سنوضحه في المقطع الآتي:
٣- وَعَلَى آبَائِهِ الطَّاهِرِينَ:
يستفاد من عبارة: "وعلى آبائه الطاهرين" أنّه في السلام على الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا ينبغي الغفلة عن آبائه وأجداده (عليهم السلام)، فالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو في الحقيقة استمرار للرسالة والولاية. وفي الرؤية الإسلاميّة، ثمّة للسابقين قيمةٌ ومقامٌ عالٍ: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾(١٠٣).
ومن الثابت في أدبيّات اللغة العربيّة، أنّ تَكرار حرف الجرّ هو بحكم تَكرار العامل. وتوضيح ذلك: أنّه في هذا الدعاء، يطلب الداعي الرحمات الإلهيّة للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) دفعةً واحدة، ثمّ بتَكرار لفظ "على" يطلب هذه الرحمات الإلهيّة لآباء إمام الزمان وأجداده, لأنّ مقام حياتهم مختلف عن مقام مماتهم الظاهريّ، والإمام المهديّ هو الوحيد الحيّ والحاضر.
في الصلاة على النبيّ وأهل بيته (عليهم السلام) "اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد"، جاءت كلمة "الصلاة" مفردة، ولم يتكرّر لفظ "على" قبل "آل محمّد". أمّا في هذا الدعاء، فجاءت على صيغة الجمع "صلواتك"، وكذلك تكرّر حرف الجرّ "صلواتك عليه وعلى آبائه". والداعي يمكنه طلب الرحمة دفعة واحدة للإمام الحيّ والحاضر، ودفعة أخرى للأئمّة الذين قبله. مع الالتفات إلى أنّ كلّ إمام له وظيفته الخاصّة والمعيّنة التي أوكلت إليه، وهذا التنوّع في الوظائف يتطلّب تنوّعاً في الرحمات والبركات والفيوضات. والداعي بذكره للفظ الصلوات بصيغة الجمع، يريدها ويطلبها للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وكذلك لسائر الأئمّة (عليهم السلام).
إذا توجّهنا للزيارة، علينا أن نأتي بالزيارة نيابةً عن جميع المؤمنين والمؤمنات، وإذا تصدّقنا نقول: هذه الصدقة لدفع البلاء عن جميع المؤمنين والمؤمنات
٤- عَنْ جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ:
في دعاء العهد، يسلّم جميع المؤمنين على الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف), فالعلاقة هي علاقة جمعيّة وعالميّة. لذا، على المنتظِر أن يعلم أنّ أعمال الخير لا بدّ من أن تؤخذ بنظرة عالميّة، وليست شخصيّة أو محلّيّة أو قوميّة أو عائليّة.
وإذا توجّهنا للزيارة، علينا أن نأتي بالزيارة نيابةً عن جميع المؤمنين والمؤمنات، وإذا تصدّقنا نقول: هذه الصدقة لدفع البلاء عن جميع المؤمنين والمؤمنات، ولا نقول في دعائنا: إلهي! ارحم المؤمنين الذين يصلّون في هذا المسجد، بل ندعو للمؤمنين الذين يصلّون في سائر المساجد، فلماذا التعصّب؟ ألستَ تنتظر إماماً عالميّاً؟
إذاً، المنتظِر الذي ينتظر الإصلاح العامّ، لا بدّ من أن يفكّر بطريقة عامّة أيضاً، عن جميع المؤمنين والمؤمنات.
٥- فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا:
تبرز في هذا الدعاء مسألة حذف الحدود والشروط، فالعلاقة المطلوبة علاقة بلا حدود. في هذا الدعاء يسلّم المؤمنون على إمامهم من مشارق الأرض ومغاربها، فالعلاقة هي علاقة بدون حدود.
ورد في القرآن الكريم حول المشرق والمغرب تعابير ثلاثة:
بصورة مفردة: ﴿الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾(١٠٤).
وبصورة التثنية: ﴿... الْمَشْرِقَيْنِ... الْمَغْرِبَيْنِ﴾(١٠٥).
وبصورة الجمع: ﴿الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾(١٠٦).
وهذه التعابير الثلاثة صحيحة, لأنّه بنظرة عامّة كلّيّة يوجد من جهةٍ "مشرق" ومن جهةٍ ثانيةٍ "مغرب", وبنظرة أخرى، يتغيّر المدار بين الصيف والشتاء، فمدار الصيف يكون في الشمال، ومدار الشتاء يكون في الجنوب، فالشمس لها مشرقان ومغربان, وبنظرة أدقّ: كلّ يوم توجد نقطة طلوع ونقطة غروب، فيوجد في الواقع ٣٦٥ مشرقاً، و٣٦٥ مغرباً. وهناك حديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤيّد ذلك أيضاً.
٦- سَهْلِهَا وَجَبَلِهَا:
يمكن للمؤمنين والمؤمنات الإقامة والسكنى في جميع أنحاء الأرض. وأتباع أهل البيت (عليهم السلام) يتعلّمون من هذا الدعاء عدم الاعتناء بالبعد الجغرافيّ الخاصّ، وأن يتذكّروا الجميع، وأن يكونوا بعيدي النظر.
٧- وَبَرِّهَا وَبَحْرِهَا:
كم هو مربٍّ هذا الدعاء! بقراءة هذا الكلام أعلن أنِّي أستحضر بفكري الجميع، في البرّ والبحر، في السهل والجبل، في المشرق والمغرب, وهذا يعني بتعابير مختلفة، وجميلة جدّاً: أنّ العلاقة مع الآخرين لا يحدّها حدّ.
٨- وَعَنِّي وَعَنْ وَالِدَيَّ:
إشراك الوالدين في الأدعية والزيارات هو من الأمور الجميلة في مذهبنا، فأنا أسلِّم على إمام الزمان عني وعن والديّ، يعني أن العلاقة لا تقف عند تاريخ محدَّد، فأرسل إليه عبق السلام عنّي وعن أجدادي الذين عاشوا ومضوا سابقاً.
٩- مِنَ الصَّلَوَاتِ زِنَةَ عَرْشِ اللهِ:
العلاقة بالإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا يمكن حصرها وإحصاؤها, لأنّ هذا الدعاء يتحدّث عن علاقة بزِنَة عرش الله، حيث لا أحد يعلم عنه شيئاً.
يا إمام الزمان! السلام عليك بعدد زِنَة العرش، بعدد كلّ شيء أُحصي في الكتاب، بعدد كلّ شيء أحاط به علمه تعالى.
نحن، عندما نشكر الله نقول: اللهمّ أشكرك مئة ألف مرة! مئة ألف مرّة ليست بشيء، هي بمثابة ما يوضع في كفّ اليد. وأنت القائل: أشكرك مئة ألف مرّة، تريد أن تقول: اللهمّ، انظر كم رفعنا الشكر إليك، بقدر مئة ألف مرّة، وهذه المئة ألف ليست بشيء.
إحدى بنات الإمام الحسين الصغيرات، التي استُشهد أبوها في أرض كربلاء وأُخذت أسيرة، وأُدخلت على ابن زياد ويزيد، وعندما سئلت: كيف هي الحال؟ لم تقل: الحمد لله مائة ألف مرّة، بل قالت: الحمد لله عدد الرمل والحصى.
طفلة صغيرة تقول: بعدد الرمل والحصى، ونحن ماذا نقول؟ مئة ألف مرّة، فما أصغر فكرِنا إذاً!
ما هو العرش؟
أشير في القرآن الكريم عشرون مرّة إلى "عرش الله". وفي اللغة "العرش" بمعنى المكان المُعَدّ للجلوس ذي القوائم المرتفعة، والكرسيّ هو المقعد المُعَدّ للجلوس ذي القوائم المنخفضة.
عندما نقرأ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾, يعني كرسيّه يسع هذا الوجود، فكيف بعرشه؟
و"العرش" إمّا كناية عن مركز القدرة الإلهيّة، وإمّا مركز صدور الأحكام الإلهيّة. والمراد من حاملي العرش, الملائكة الذين عددهم ثمانية، كما تحدّثت الآية الكريمة: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾(١٠٧).
قيل: إنّ حقيقة العرش ليست واضحة لدينا، ولكن من مجموع الآيات يمكن استفادة هذا المعنى: إنّ عالم الوجود له مركز، والله سبحانه لديه إحاطة كاملة بهذا المركز: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. وإجراء الإرادة الإلهيّة يكون عن طريق الملائكة المحيطين بمركز الأمر.
عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "العرش هو العلم الذي أطلع الله عليه أنبياءه ورسله"(١٠٨).
ذكرت الآيات التي تعرضت للعرش أموراً إلى جانبه، توصل الإنسان من خلال جمعها إلى مركز الأمر، نظير:
﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾(١٠٩), ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾(١١٠), ﴿يُفَصِّلُ الآيَاتِ﴾(١١١), ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾(١١٢).
تبديل الليل بالنهار، وتدبير الأمور، وتفصيل الآيات، والعلم بجميع ذرّات الوجود، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، دليلٌ على أنّ جميع هذه الأمور تقع في العرش الإلهيّ.
يقول المرحوم العلامة الطباطبائيّ (قدّس سرّه): العرش حقيقة من الحقائق العينيّة، وأمر من الأمور الخارجيّة. ويرى (قدّس سرّه) أنّ العرش مركز تدبير أمور العالم(١١٣).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "العرش والكرسيّ بابان من أكبر أبواب الغيوب"(١١٤).
والمراد من "العرش" ليس تختاً أو سريراً جسمانيّاً, لكونه لا يعلو فوق الماء، والله تعالى يقول: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾(١١٥), بل المراد أنّه في الوقت الذي لم يكن هناك أرض ولا سماء، وكان العالم كلّه ماءً، كان مركز الأمر الإلهيّ على الماء، ثمّ بعد خلق السماوات والأرض انتقل مركز أمر العالم إلى السماوات.
١٠- وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ:
يقول تعالى في سورة لقمان (الآية ٢٧): ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
ولعلّ المراد بـ"سبعة أبحر" في هذه الآية هو الكثرة، ولا خصوصيّة للعدد سبعة, فيكون المعنى: لو أنّ جميع ماء البحار مُزج بعضه ببعض، فلا يمكن أن تنفد كلمات الله أيضاً.
إنّ منهج الأنبياء (عليهم السلام) هو إخراج الإنسان من السذاجة والمحدوديّة، وربطه باللامتناهي.
وفي (الآية ١٠٩) من سورة الكهف، نقرأ أيضاً: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.
معنى "كلمة الله" في القرآن:
أمّا "كلمة الله" التي وردت في هذا الدعاء، فقد أُشير إليها في القرآن الكريم في الموارد الآتية:
١- النعم الإلهيّة: ﴿لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾(١١٦).
٢- السُنَن الإلهيّة: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾(١١٧), ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾(١١٨).
٣- المخلوق الإلهيّ الخاصّ: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ﴾(١١٩).
٤- الحوادث التي يُبتلى بها الإنسان: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾(١٢٠).
٥- الآيات الإلهيّة في حقّ السيدة مريم (عليها السلام): ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾(١٢١).
٦- أسباب انتصار الحق على الباطل: ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾(١٢٢), ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾(١٢٣).
نستفيد من جميع ما تقدّم، أنّ المراد من "الكلمة" ليس اللفظ فقط، بل المراد السنن، والمخلوقات، والإرادة والألطاف الإلهيّة التي تتجلّى في الوجود.
وعليه، لو أنّ جميع الأشجار كانت أقلاماً، وجميع البحار مزجت بعضها ببعض، ما نفدت كلمات الله, فمخلوقات الله وألطافه وسننه عبر التاريخ لا يمكن أن تنفد، سواءٌ التي وجدت للإنسان أو لجميع المخلوقات.
وفي الرواية عن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنّه قال: "نحن الكلمات التي لا تُدرك فضائلنا ولا تُستقصى"(١٢٤).
نعم، إنّ أولياء الله هم وسائط الفيض من جهة الذات المقدّسة، وكلّ لطف أو كمال يصل إلى الآخرين إنّما هو بوساطة هؤلاء العظماء.
١١- وَمَا أَحْصَاهُ عِلْمُهُ:
العدّ والإحصاء بمعنى واحد، إلّا أنّ الإحصاء يكون مع الدقّة بحيث لا يفوت القلم شيء. والله تعالى يعلم كلّ شيء بدقّة، حتّى عدد أنفاس الخلائق التي تنفّستها أو تتنفسها.
نقرأ في سورة مريم (الآية ٨٤): ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾, أي لا تعجل بعذابهم فنحن نحصي لهم اليوم والساعات والأعمال وحتّى النفَس، إلى أن يأتي ميعادهم.
وعن عبد الأعلى مولى آل سامّ، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾, قال: ما هو عندك؟ قلت: عدد الأيّام، قال: "إنّ الآباء والأمّهات يحصون ذلك، لا ولكنّه عدد الأنفاس"(١٢٥).
وجاء في سورة مريم (الآية ٩٤): ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾.
وعلى هذا الأساس، فإنّ الإحصاء الدقيق لكلّ أجزاء الوجود بيده تبارك وتعالى، وعلم الله تعالى لا يحيط بالكلّيّات فقط، بل يحيط بالجزئيّات أيضاً.
١٢. وَأَحَاطَ بِهِ كِتَابُهُ:
الله تعالى عالم بكلّ شيء، وفي الأحوال كلّها، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾(١٢٦), فهو محيط بكل شيء، أمّا سواه: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلّا بِمَا شَاء﴾(١٢٧).
ونقرأ في سورة النساء (الآية ١٢٦): ﴿وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا﴾.
نعم، الله تعالى لديه إحاطة كاملة بجميع مخلوقاته، وهي إحاطة قهر وتسخير، وإحاطة علم وتدبير، وإحاطة خلق وتغيير.
وجاء في سورة الأنعام أيضاً: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾(١٢٨).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) حول هذه الآية أنّه قال: "محيط بما خلق علماً وقدرةً وإحاطةً وسلطاناً وملكاً"(١٢٩).
إنّ ذكر هذا المقطع، والتوجّه به في هذا الدعاء، أمران مهمّان, لأنّ الإيمان بالإحاطة العلميّة لله تعالى، باعثٌ على العمل الحسن من جهة، وزاجر عن العمل السيّئ من جهة أخرى. لذا، اهتمّ القرآن الكريم كثيراً بهذا الأمر: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ﴾(١٣٠).
نعم، لله تعالى إحاطة بجميع الناس، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾(١٣١). ونقرأ في سورة الكهف (الآية ٩١): ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾, فالإله المستحقّ للعبادة هو الذي يحيط علماً بكلّ شيء: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾(١٣٢).
فعلمه تعالى متعلّق بجميع الجزئيّات، وعلمه دقيق: ﴿أَحْصَاهُ اللهُ﴾(١٣٣), وعلمه حضوريّ: ﴿وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾(١٣٤), وعلمه لا يعلوه غبار النسيان: ﴿أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾(١٣٥), وبوساطة علمه يُطلع الآخرين على أعمالهم التي نسوها: ﴿وَنَسُوهُ﴾(١٣٦), ﴿فَيُنَبِّئُهُم﴾(١٣٧), كما أنّ الإحاطة العلميّة لله تعالى بكلّ شيء دائمة وأزليّة: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾(١٣٨), وعلمه دائمي وليس بموسمي "يعلم"، "عليم"، وعلمه تعالى بالسماوات والأرض واحد: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾(١٣٩).
الخلاصة:
إنّ علمه تعالى ليس علماً إجماليّاً, بل لديه إحاطة وإحصاء كامل بكلّ شيء.

٤ - العهد المهدويّ

اللَّهُمَّ إِنِّي أُجَدِّدُ لَهُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِي هذَا، وَمَا عِشْتُ مِنْ أَيَّامِي، عَهْداً وَعَقْدَاً، وَبَيْعَةً لَهُ فِي عُنُقِي، لا أَحُولُ عَنْهَا وَلا أَزُولُ أَبَداً.
العهد والميثاق مع إمام العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
"العهد" في حياة المنتظِر لا بدّ من أن يكون موجوداً بشكل دائم. فعندما تُصمَّم الحياة على أساس الانتظار، فالعهد سيكون دائميّاً ومستمرّاً، والمنتظِر الواقعي هو الذي لا يحول عن عهده مع إمامه.
إن قراءة هذا الدعاء في صبيحة كلّ يوم توجب أن لا ننسى - أكثر من أيّ أحد - أنّنا عاهدنا إمامنا، ولا بدّ من حفظ هذا العهد, لأنّ هذا العهد أولى من أيّ عهد آخر.
العهد مع إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يعني أن تكون الحياة مبنيّة على أساس رضى الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف). والشخص الذي يمدّ يد البيعة لإمامه، لا يأخذ بعين الاعتبار إلّا رضى إمامه, وعليه فالعمل المبنيّ على أساس التوجُّه وطلب رضى الإمام لا بدّ من أن يكون هو أولويّة المنتظرين.
مقامات عهد المنتظرين:
في هذا القسم من الدعاء، يبيّن المنتظرون للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عهدهم في مقامات عدّة:
١- اللَّهُمَّ إِنِّي أُجَدِّدُ لَهُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِي هَذَا:
الميثاق مع الإمام من هدايا يوم الغدير القيّمة, فعندما نصَّب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم الغدير، كان على المسلمين أن يقوموا بوظيفتهم ويبايعوه. كذلك الحال في كلّ واحد من الأئمّة عند تسلُّم الإمامة، كان على الناس أن يبايعوه.
البيعة مع الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) كانت في التاسع من ربيع الأوّل عام ٢٦٠ للهجرة (أي بعد شهادة أبيه الإمام العسكريّ (عليه السلام))، ومع ذلك يلاحظ في هذا القسم الحديث عن تجديد العهد والبيعة, لأنّ المنتظرين الحقيقيّين هم من يجدّدون العهد والبيعة مع إمام زمانهم في كلّ يوم.
٢- وَمَا عِشْتُ مِنْ أَيَّامِي:
العلاقة مع الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، في هذا الدعاء، تتجدّد دائماً, لأنّ الداعي يقول: "في يومي هذا وفي كلّ يوم".
أحياناً يقول لك شخصٌ: "أنا أحبّك"، ثمّ يغيب عن الأنظار ولا تعود تسمع له حسّاً. وتارةً، هناك شخصٌ يتّصل بك كلّ يوم ويقول: "فلان، أنا أحبّك".
في هذا الدعاء، يقول الداعي: أيّها المهديّ الحبيب، اليوم وفي كلّ يوم، أجدّد بيعتي لك.

m-mahdi.com

في عهدي وعقدي وبيعتي لإمام زماني لن أسمح لشيء من داخلي أنْ يغيّرني، ولن أضعف أمام أيٍّ من الشدائد والظروف.
٣- عَهْداً وَعَقْداً وَبَيْعَةً:
يا إمام زماننا، نحن نعاهدك، بل أكثر من ذلك، نعقد معك عقداً، بل أكثر من ذلك أيضاً، نبايعك على أن كلّ ما تطلبه منّا سننفّذه، وسنكون كما تريد.
قيل: إنّ "العهد" هو الحدّ الأقل، و"العقد" هو الحدّ المتوسط، و"البيعة" هي الحدّ الكامل للارتباط بالإمام. فالعلاقة في هذا الدعاء تتّجه بنا نحو الرشد, لأنّ الداعي في البداية يقول: أنا أعاهدك، ثمّ أجري معك عقداً، ثمّ أبايعك. فقد يقوم شخصان بتشكيل عهد بينهما ويعد أحدهما الآخر، ولكن لا يجريان عقداً، ويمكن أن يتحقّق عهدٌ وعقد، ولكن لا يوجد تسليم، بينما في الدعاء يقول الداعي: "وبيعةً"، يعني تسليماً. فقوله: "عهداً" يعني التعهّد للإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وقوله: "عقداً" يعني إجراء العقد مع إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وقوله: "وبيعةً" يعني البيعة له (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
٤- لَهُ فِي عُنُقِي:
العلاقة في هذا الدعاء حتميّة, لأنّ الداعي يقول: إنّ هذه العلاقة في رقبتي، وكم هو جميل إبراز هذه العلاقة! يقول: "في رقبتي"، فمن الممكن أن يكون للشخص علاقةٌ ما بآخر، ولكنّه لا يفتخر بها.
٥- لا أَحُولُ عَنْهَا:
الحَول بمعنى التغيير والتبديل. وفي هذه الفقرة من الدعاء والتي تليها، علامة على ثبات قدم المنتظِر, لأنّ إحدى السمات الأساس للحياة المهدويّة هي الصمود في مسير الحقّ، والثبات على الصراط المستقيم في الحوادث والوقائع وعند بروز الفتن.
٦- وَلَا أَزُولُ أَبَدَاً:
الزوال بمعنى الانعدام وذهاب الشيء. وهذه العبارة تعني أنّني في عهدي وعقدي وبيعتي لإمام زماني لن أسمح لشيء من داخلي أنْ يغيّرني، ولن أضعف أمام أيٍّ من الشدائد والظروف الخارجيّة التي قد تعوق حركتي. فأنا في مسيري هذا سأبقى ثابتاً وصامداً ولن أنكث بعهدي، فالوفاء بالعهد من صفات المؤمنين.

٥ - معنى العهد والعقد

اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَنْصَارِهِ وَأَعْوَانِهِ وَالذَّابِّينَ عَنْهُ، وَالْمُسَارِعِينَ إِلَيْهِ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ، وَالْمُمْتَثِلِينَ لأَوَامِرِهِ، وَالْمُحَامِينَ عَنْهُ، وَالسَّابِقِينَ إِلَى إِرَادَتِهِ، وَالْمُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ.
في هذا الدعاء، بعد السلام على الإمام وتجديد العهد معه (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، نطلب من الله تعالى ثمانية مقامات لأجل الوصول إلى الأهداف العالميّة:
وعلى أساس هذه التعاليم، ينبغي للمنتظِر أن يبني حياته، ليكون من أنصار الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف). ولازم هذه النصرة هو معرفة إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فمن يريد أن ينصر الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عليه أن يتعرّف على أهداف الإمام أوّلاً.
أما مفاد هذا القسم من الدعاء، فهو:
١- اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَنْصَارِهِ:
الحياة المهدويّة تتّخذ شكلها وطابعها على أساس نصرة الحجّة.
وقد جاء في القرآن الكريم حول نصرة أولياء الله قوله تعالى في سورة آل عمران (الآية ٨١): ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾.
وعلى هذا الأساس، الإيمان وحده ليس كافياً، بل لا بدّ من النصرة والدفاع. فالمنتظِر للإمام مع كونه معتقداً به، لا بدّ من أن يطيع - أيضاً - في مقام العمل، وأن يقوم بنصرته ومؤازرته.
شيعتنا حواريّونا:
ونقرأ في سورة آل عمران (الآية ٥٢) قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
كلمة "الحواريّون" تُطلق على الأنصار الخاصّين للنبيّ عيسى (عليه السلام)، وقد كانوا اثني عشر شخصاً. وأصل هذه الكلمة مأخوذ من "الحور" بمعنى النقاء والبياض الخالص. وقد أطلق عليهم هذا الاسم إمّا لكونهم كانوا يلبسون اللباس الأبيض وقلوبهم نقيّة بيضاء، وإمّا لكون باطنهم نقيّاً أبيض، وكانوا يدعون غيرهم ليكون نقيّاً مثلهم.
عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "إنّ حواريّي عيسى (عليه السلام) كانوا شيعته، وإنّ شيعتنا حواريّونا، وما كان حواريّو عيسى بأطوع له من حواريِّينا لنا، وإنّما قال عيسى (عليه السلام) للحواريّين: ﴿قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ﴾. فلا - والله - ما نصروه من اليهود ولا قاتلوهم دونه، وشيعتنا – والله -لم يزالوا منذ قبض الله عزَّ ذكره رسولَه (صلى الله عليه وآله وسلم) ينصروننا، ويقاتلون دوننا، ويُحرَقون ويعذَّبون ويشرَّدون في البلدان، جزاهم الله عنّا خيراً"(١٤٠).
مَنْ أَنصَارِي إِلَى الله؟
جاء في سورة الصف (الآية ١٤) قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾.
وفي هذه الآية ثمّة بعض النكات، وهي:
١- على المؤمن أن يسير نحو الكمال خطوة خطوة, ففي الآيات التي سبقت هذه الآية ثمّة دعوة إلى التجارة مع الله تعالى، بينما في هذه الآية ثمّة دعوة إلى مرتبة أعلى، فهي تدعو المؤمن بشكل رسميّ إلى أن يكون من "أنصار الله", ﴿كُونوا أَنصَارَ اللهِ﴾, أي أن يكون حاضراً دائماً لنصرة الدين وأولياء الله.
٢- إنّ الله تعالى غنيٌّ عن نصرنا, لأنَّ الانتصارات كلّها منه سبحانه, ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللهِ﴾. فالكون من أنصار الله - في حدّ نفسه - فخر بالنسبة إلينا.
٣- إنّ الأنبياء الإلهيّين (عليهم السلام) يريدون الناس لله، لا لأجل أنفسهم أو لأجل جماعة أو حزب, ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ﴾.
٤- يسلك الأنبياء (عليهم السلام) في مجال الغلبة على الأعداء الطرق العاديّة والطبيعيّة، ويستفيدون من الأسباب الظاهريّة وقوّة الناس, ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ﴾.
٥- على القائد أن يكون لديه تقييمٌ دقيقٌ عن أنصاره, ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ﴾.
٦- أخذ الإقرار من الأنصار نوعٌ من تجديد البيعة وإعلان الوفاء, ﴿مَنْ أَنصَارِي﴾، ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ﴾.
٧- لا بدّ من إجابة دعوة القادة الدينيّين, ﴿مَنْ أَنصَارِي﴾، ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ﴾.
٨- الإنسان مختار في أن يقبل دعوة الأنبياء (عليهم السلام) فيسعد، أو يردّها فيشقى, ﴿فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ﴾, ﴿وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ﴾.
٩- لا يؤمن جميع الناس - عادةً - بدعوة نبيّ واحد، بل بعضهم يؤمن وبعضهم يكفر. ونحن علينا أن لا نتوقّع أن يؤمن جميع الناس أيضاً, ﴿فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ﴾, ﴿وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ﴾.
١٠- إنّ معرفة القوّات الوفيّة، والتخطيط المسبَّق لها، وتوجيهها، والفصل بين جبهة الحقّ وجبهة الباطل، ضروريّ للقائد ولاستمرار حركته, ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ﴾.
١١- إنّ تجديد البيعة مع القائد الإلهيّ، له قيمة سياسيّة واجتماعيّة ودينيّة, ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ﴾.
١٢- إنّ نصرة المنادين الإلهيّين هي نصرة لله تعالى, ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ﴾.
١٣- ثمّة قيمة عالية للسبق في الدفاع عن القادة الدينيّين، فمع أنّ عيسى (عليه السلام) كان لديه أتباع، ولكن الله تعالى امتدح إيمان الحواريّين، وذلك لسابقتهم وصراحتهم, ﴿مَنْ أَنصَارِي﴾، قالوا: ﴿نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ﴾.
٢- وَأَعْوَانِهِ:
أكّدت الآيات والروايات على تقديم الإعانة والمساعدة للمسلمين والمؤمنين، وأوصت بذلك، وذكرت في هذا المجال الثواب الجزيل. وبناءً عليه، فلو أنّ شخصاً قدّم العون لأعظم فرد في هذا الوجود، فأيّ قدر لهذا العمل سيكون حينئذٍ؟
أحد مصاديق الإعانة للإمام هي الإعانة المادّيّة, فعن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: "إنّ الخمس عونُنا... فلا تزووه عنّا، ولا تحرموا أنفسكم دعاءنا ما قدرتم عليه"(١٤١).
وعن إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أنّه قال: "فلا يحلّ لأحد أن يتصرّف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحلّ ذلك في مالنا؟! مَن فعل شيئاً من ذلك لغير أمرنا فقد استحلّ منا ما حُرّم عليه، ومَن أكل من مالنا شيئاً فإنّما يأكل في بطنه ناراً وسيصلى سعيراً"(١٤٢).
الشخص المنتظِر، الذي يريد الدفاع بتمام وجوده عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، عليه أن يعرف أعداءه وجنوده، وأن يتحلّى بالبصيرة المطلوبة
ونقرأ في بعض الروايات: "لا يُعذر عبدٌ اشترى من الخمس شيئاً أن يقول: ربّ اشتريته بمالي، حتّى يأذن له أهل الخمس"(١٤٣).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "لا يحلّ لأحد أن يشتري من الخمس شيئاً حتّى يصل إلينا حقُّنا"(١٤٤).
ويقول الإمام الخميني (قدّس سرّه) في (تحرير الوسيلة): "ومن منع منه درهماً كان من الظالمين لهم والغاصبين لحقِّهم"(١٤٥).
٣- وَالذَّابِّينَ عَنْهُ:
الدفاع عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو أحد دروس الحياة المهدويّة التي يقدّمها لنا هذا الدعاء.
فالدفاع عن المعصومين أمر واجب، ويجب أن لا يُسمح للأيدي السيّئة باستهدافهم والنيل منهم.
والدفاع عن العظماء له مظاهر عدّة, تارةً يكون باللسان، وأخرى بالقلم، وثالثة بالسيف.
وعن الإمام الحسين (عليه السلام): "هل من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله؟".
فالشخص المنتظِر، الذي يريد الدفاع بتمام وجوده عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، عليه أن يعرف أعداءه وجنوده، وأن يتحلّى بالبصيرة المطلوبة. فاليوم مَن يقوم بتحريف المهدويّة الأصيلة وتغييرها، هو في صدد العداء مع الإمام، كما أنّ من يحارب فرع هذه الشجرة - شجرة طوبى - أي ولاية الفقيه، هو عدوٌّ أيضاً.
٤- وَالْمُسَارِعِينَ إِلَيْهِ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ:
في هذا الفقرة من الدعاء، لا نطلب من الله تعالى أن يجعلنا من المدافعين عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فحسب، بل نطلب منه سبحانه أن يجعلنا من المسارعين إليه في قضاء حوائجه.
ويستفاد من هذا المقطع أمران:
أ- السرعة:
السرعة والسبق في أعمال الخير تزيدان في قيمتها، ففي القرآن الكريم وردت في أعمال الخير أمثال هذه التعابير: ﴿وَسَارِعُواْ﴾، ﴿سَابِقُوا﴾, ﴿فَاسْتَبِقُواْ﴾.. ويثني الله في القرآن الكريم على الأنبياء (عليهم السلام) بقوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾(١٤٦). وفي سورة آل عمران (الآية ١١٤)، يقول تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
ب- حوائج إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
بدايةً، لا بدّ من أن يُعلم أنّ ما يطلبه الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو ما يطلبه سائر أهل البيت (عليهم السلام), وهو التوجُّه إلى الأمور الحسنة والابتعاد عن الأمور السيّئة, لأنّ هذه العائلة هي أصل وفرع ومعدن ومنشأ الأمور الحسنة كلّها، وطلبهم الوحيد هو رعاية التقوى، لكن مع ذلك، فقد ذكر للإمام بعضٌ من المطالب الخاصّة، كالاهتمام بالفقراء والمحتاجين فكريّاً ومادّيّاً. وسنذكر في المقاطع اللاحقة توضيحات أكثر حول هذا النقطة.
٥- وَالْمُمْتَثِلِينَ لأَوَامِرِهِ:
هذا المقطع فيه أمران:
أ- أوامر إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
تتجلّى أوامر الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في التوقيعات والتشرّفات الصحيحة بلقائه, كقصّة الحاجّ علي البغداديّ والسيّد الرشتيّ التي جاءت في مفاتيح الجنان، أو ملاقاة ابن مهزيار التي أوصاه فيها وجميع الشيعة بضرورة رعاية مسائل ثلاث:
- صلة الأرحام.
- الاهتمام بالضعفاء.
- عدم جمع الأموال واحتكارها.
ب- الطاعة لإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
يقول تعالى في سورة النساء (الآية ٥٩): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾.
تُشير هذه الآية إلى وظائف الناس أمام الله تعالى ورسوله, وبوجود هذه المراجع الثلاثة: الله، والرسول، وأولو الأمر، لن يواجهوا طريقاً مسدوداً. ومجيء هذه المراجع الثلاثة للطاعة لا ينافي التوحيد القرآنيّ, لأنّ إطاعة الرسول وأولي الأمر هي - أيضاً - شعاع من إطاعة الله وفي طولها لا في عرضها، وبأمر من الله تعالى فإنَّ إطاعة الأمرَين الآخرَين لازمة.
وتَكرار الأمر "أطيعوا" وإن كان علامة على تنوّع القوانين، لكن من المقطوع به أنّ من أطاع أوامر القرآن والرسول وأهل البيت (عليهم السلام) فقد أطاع إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
عن الحسين بن أبي العلاء قال: ذكرت لأبي عبد الله (عليه السلام) قولنا في الأوصياء: أنّ طاعتهم مفترضة، قال: فقال: "نعم، هم الذين قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾(١٤٧), وهم الذين قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ﴾(١٤٨)"(١٤٩).
لكن لماذا يطلب المنتظِر من الله تعالى مرّةً أخرى مثل هذا الطلب ويقول: اللهمّ اجعلني من الممتثلين لأوامر الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)؟!
والجواب: على طول التاريخ يوجد أفراد يظهرون الاعتقاد، لكنّهم في مقام العمل لديهم ضعف وتقصير. وفي هذا المجال، نقرأ في سورة الأنفال (الآية ٢٠) قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾, وفي (الآية ٢١)، نقرأ قوله تعالى كذلك: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾.
وفي القرآن الكريم، أينما وردت إطاعة الله ورد معها إطاعة رسول الله. وفي أحد عشر مورداً بعد قوله: "اتقوا الله" جاء قوله: "أطيعون", وهذا يعني أنّ لازم تقوى الله هو الطاعة للرسول.
ومع كون إطاعة الله تعالى وإطاعة رسوله كلاهما لازمة، ففي هذه الآية نهى تعالى عن التولّي عن الرسول فقط، حيث من المعلوم أنّ هؤلاء كانت مشكلتهم في إطاعة الرسول.
وبعد هذا التوضيح، نقول: يحتمل أنّ بعض المنتظِرين يقصّرون في إطاعة إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
والنقاط التي تؤكّد عليها هذه الآيات هي:
١- حاجة المؤمنين إلى التحذير عن التعرّض لمخالفة أوامر الله تعالى ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ﴾.
٢- إنّ معصية أوامر الرسول هي معصية لأوامر الله، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾, ولم يقل: عنهما. فأوامر الله ورسوله لها هويّة واحدة، وإطاعة الله تعالى هي رهن إطاعة رسوله.
٣- السمع والفهم من أسباب المسؤوليّة: ﴿وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾.
٤- الاطلاع على تاريخ وأخبار الماضين الذين تخلّفوا أساس للعِبرة: ﴿لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ...﴾.
٥- في مجال الإطاعة للقائد، لا بدّ من الصدق والثبات على العهد، وأن لا ندّعي الإيمان بدون العمل: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾.
٦- إنّ طاعة الوصيّ وخليفة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) واجبة، قال تعالى:
﴿فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. وبسبب بروز الفتن في هذا العصر أو بسبب صعوبة الشروط والظروف نسبيّاً في عصر
الظهور، فسوف تكون الإطاعة وعدم التولّي أشدّ إلزاماً وأكثر صعوبة.
وللأئمّة (عليهم السلام) هدف واحد، وهو هدف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً، لكن بحسب مقتضيات كلّ زمان، فإنّ لكل واحد منهم (عليهم السلام) سلوكه الخاصّ به, فأحدهم يقاتل، والآخر يصالح، والثالث يواجه الجهل والأعداء من خلال الدعاء والتوسّل، والرابع يقوم بتربية الناس من خلال إقامة صفّ الدرس ومجالس البحث والمناظرة... ففي الظاهر، نجد أنّ لكل واحد منهم (عليهم السلام) دوراً يختلف عن الآخر، لكن هدف الجميع واحد, تماماً كاليدين اللتين لهما حركتان مختلفتان أثناء غسل الثوب وتتحرّكان باتجاهين متعاكسين، إلّا أنّ لهما هدفاً واحداً، وهو الوصول إلى نظافة الثوب وطهارته.
وقد جاء في الروايات أنّ عصر الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أصعب من عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم), لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) سار بآيات القرآن النورانيّة إلى القتال بالعصا والحجارة، لكن في عصر ظهور الإمام ستوجد فرقة تحاربه بالاستفادة السيّئة من الآيات القرآنيّة، وتقوم بتأويل آيات القرآن الكريم ضدّه.

m-mahdi.com

٦- وَالْمُحَامِينَ عَنْهُ:
الدفاع عن الفكرة المهدويّة أمر لازم وضروريّ للجميع, فالشخص الذي يُحبّ أن تصطبغ حياته باللون المهدويّ، عليه أن يدافع عن الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) دفاع العارف العاشق. صحيح أنّ الله تعالى في سورة البقرة (الآية ١٣٧)، يعلن للنبيّ حمايته دون المسلمين وكفايته المشركين: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾, وبالتالي فإنّه تعالى سيحمي خليفته (الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف))، ويحفظه قطعاً، لكن تبقى علينا وظيفتنا، ونحن نقوم بإعلانها من خلال هذه الفقرة من الدعاء.
وقد جاء في سورة آل عمران (الآية ٥٢) نموذج من حماية وليّ الله: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.
وأحد النماذج الأسوة في حماية الدين والأولياء الإلهيّين هو أبو طالب (عليه السلام), فأبو طالب كبير مكّة وقريش، وقد حمى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بلسانه وبكلّ ما لديه من قوّة، حتّى قدّم الرسولَ على أولاده، وكان يواجه التهديدات التي يتعرّض لها النبيّ من مخالفيه بكلّ ما لديه من قوّة.
فعندما حوصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مع بعض أصحابه اجتماعيّاً واقتصاديّاً، كان أبو طالب يقوم بتغيير مكان مبيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلاً، ويجعل ولده عليّاً (عليه السلام) يبيت مكانه، حتّى إذا قصده أحد بسوء يَسلَم رسول الله(١٥٠) (صلى الله عليه وآله وسلم).
وكان أبو طالب - أحياناً - يُشهر سيفه مدافعاً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وحيث إنّ كفار مكّة كانوا يرونه كبير مكّة وحامي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد كانوا يكفّون عن إيذاء النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتفرّقون(١٥١).
وقد افتقد النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مرّةً فلم يجده، فجمع الهاشميّين، وسلَّحهم، وأراد أن يجعل كلّ واحد منهم إلى جانب عظيم من عظماء قريش ليفتك به، لو ثبت أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أصابه شرّ.
وقد تصوّر بعضهم أنّ كلّ هذه الحماية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) التي قام بها أبو طالب (عليه السلام)، إنّما كانت لأجل كونه ابن أخيه، وبسبب العلاقة العاطفيّة بينهما.
المحور هو حجّة الله، وعليهم أن لا يحسبوا أيّ حساب لأيّ أمر آخر في سبيل حمايته وقد غفل هذا القائل عن الآتي:
أوّلاً: إنّ عاطفة الإنسان على أولاده أشدّ منها على أولاد أخيه، ونحن نجد أنّ أبا طالب قد فدى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بولده(١٥٢).
ثانياً: لو كانت العمومة سبباً لهذه المحبّة كلّها، فلماذا كان أبو لهب العمّ الآخر لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على تلك العداوة كلّها؟
ثالثاً: إنّ سائر بني هاشم هم من قبيلة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعضهم آمن به، وشاركه في محنه وابتلاءاته، لكنّ أحداً من هؤلاء لم يكن كأبي طالب في الفداء والإيثار عنه (صلى الله عليه وآله وسلم).
وعليه، فلا يوجد أيّ تحليل أو تفسير آخر لهذا الإيثار كلّه بحقّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلّا الإيمان القلبيّ به.
هكذا كان عشق أتباع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لدينهم، حيث لا يحسبون للمسائل العاطفيّة حساباً، إلّا في الموارد التي يحثّهم الإسلام نفسه عليها.
ولا بدّ للمنتظِرين - أيضاً - أن يكونوا كذلك، فالمحور هو حجّة الله، وعليهم أن لا يحسبوا أيّ حساب لأيّ أمر آخر في سبيل حمايته.
٧- وَالسَّابِقِينَ إِلَى إِرَادَتِهِ:
بما أنّ الفقرات المتقدّمة كان الحديث فيها حول السرعة، فهذه الفقرة تتحدّث عن السَبق.
من الامتيازات الخاصّة للمنتظِر، أنّ لديه خبرة جيّدة في الأعمال الحسنة، سبّاق ومسارع إلى الصالحات والخيرات
السرعة تكون في الانتهاء، والسبق يكون في العمل نفسه وعدم تضييع الفرص، وهذان أمران من تعاليم هذا الدعاء للحياة المهدويّة. فمن الامتيازات الخاصّة للمنتظِر، أنّ لديه خبرة جيّدة في الأعمال الحسنة، سبّاق ومسارع إلى الصالحات والخيرات.
إنّ التأكيد على ﴿وَسَارِعُوا﴾(١٥٣) و﴿سَابِقُوا﴾(١٥٤) في القرآن والأحاديث، دليل على أنّ السرعة والسبق أساس في كمال العبادة.
فالمنتظِر سابق في عمل الخير. ومن سمات المجتمع المنتظِر هو السبق إلى الخيرات, ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾(١٥٥)، بينما من سمات مجتمع الكفر والنفاق السبق إلى الفساد، يقول تعالى في هذا المجال: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾(١٥٦).
وقد بيّن القرآن الكريم للسبق على الآخرين مصاديق عديدة، منها:
- السبق في الإيمان, ﴿سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾(١٥٧).
- السبق في الإنفاق والجهاد, ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾(١٥٨), وفي آية أخرى يقول سبحانه: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾(١٥٩).
إنّ القرآن الكريم، في موارد أعمال الخير، يحثّ على قانون السبق والمسابقة: ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ﴾(١٦٠), ويمدح الأشخاص الذين يسارعون في إنجاز الأعمال الخيّرة: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾(١٦١).
السبق سبيلُ القرب:
إنّ القرب من الله لا يحصل بمجرّد الادعاء، بل له طريقه ونهجه ودليله, فاليهود كانوا يدّعون أنّهم مقرّبون من الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاء اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾(١٦٢)، لكنّ القرآن يقول: إنّ المقرّبين هم الذين يتقدّمون في الكمالات: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾(١٦٣). والمراد من القرب في هذه الآية هو القرب المعنويّ والمقام، لا القرب المكانيّ.
وقد جاء ذكر "السابقون" في سورة الواقعة مسبوقاً بفرقتين, ولعلّ ذلك لقلّة عدد السابقين، لكن في مقام التجليل ابتدأت الآيات بتجليل "السابقون"، ثمّ عطفت عليهم أصحاب اليمين وغيرهم, لأنّ مقام "السابقون" أعلى من مقام غيرهم.
وفي دعاء كميل يطلب أمير المؤمنين (عليه السلام) من الله تعالى أن يجعله في ميدان المسابقة إلى الخيرات: "وأُسرع إليك في ميادين السابقين".
ونقرأ في القرآن الكريم، الدعوة إلى المسارعة لنيل المغفرة الإلهيّة: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾(١٦٤).
وفي الآذان - الذي هو الشعار الرسميّ للمسلمين - تدعو الجملتان: "حيَّ على الصلاة"، و"حيَّ على الفلاح"، الناس إلى المسارعة والسبق إلى الصلاة.
كما أنّ النبيّ موسى (عليه السلام) سأله الله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾(١٦٥).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): "المشتاق لا يشتهي طعاماً ولا يلتذّ شراباً، ولا يستطيب رقاداً، ولا يأنس حميماً، ولا يأوي داراً، ولا يسكن عمراناً، ولا يلبس ليّناً، ولا يقرّ قراراً، ويعبد الله ليلاً ونهاراً، راجياً بأن يصل إلى ما اشتاق إليه ويناجيه بلسان الشوق، معبّراً عمّا في سريرته، كما أخبر الله تعالى عن موسى (عليه السلام) في ميعاد ربّه: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾"(١٦٦).
٨- وَالْمُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ:
إنّ الميل نحو العاقبة الحسنة والشوق إلى الشهادة، من خصائص الحياة والممات المهدويّين. وهذه الفقرة من الدعاء هي علامة على روح التسليم وقَبول الحقّ وبذل الروح. وقد لا تتوافر للكثير في ميدان العمل ويوم الظهور فرصة الحصول على شراب الشهادة بالضرورة، لكنّ وجود هذه الروحيّة للمنتظِر أمر لازم.
الاستعداد للشهادة:
إنّ نيل الشهادة أمر، والاستعداد للشهادة أمر آخر، فالله تعالى لم يرد إراقة دم إسماعيل (عليه السلام)، لكنّه أراد الاستعداد الكامل من إبراهيم (عليه السلام) لتقديم ولده قرباناً, فمن الممكن لنا أن لا ندرك زمان ظهور الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، لكنّ انتظار الظهور، والعشق والأنس والاستعداد للحضور في ركابه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أمر لازم للحياة المهدويّة. وإذا أردنا أن يكون لنا حضور في زمان الرجعة، فعلينا في هذا الوقت أن نكتسب روحيّة الشهادة، وأن نقوم بإعلانها.
من مقامات الشهيد والشهادة:
للشهيد والشهادة مقام مميّز في الثقافة الإسلاميّة, إذ يقول تعالى في القرآن الكريم عن الشهداء: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾(١٦٧).
وقد كان أئمتنا (عليهم السلام) شهداء، وكان كثيرٌ من الأنبياء (عليهم السلام) وأتباعهم وأنصارهم شهداء كذلك.
وتفيض الروايات - أيضاً - بالتعرض لثقافة الشهادة، ونكتفي بذكر نموذج منها:
- عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "للشهيد سبع خصال من الله: أوّل قطرة من دمه مغفور له كلّ ذنب، والثانية يقع رأسه في حجر زوجتَيه من الحور العين، وتمسحان الغبار عن وجهه، وتقولان: مرحباً بك، ويقول هو مثل ذلك لهما، والثالثة يُكسى من كسوة الجنّة، والرابعة تبتدره خزنة الجنّة بكلّ ريح طيّبة أيُّهم يأخذه معه، والخامسة أن يرى منزله، والسادسة يقال لروحه: اسرح في الجنّة حيث شئت، والسابعة أن ينظر في وجه الله، وإنّها لراحة لكلّ نبيّ وشهيد"(١٦٨).
- ورأى (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلاً يدعو ويقول: اللهمّ إنّي أسألك خير ما تُسأل، فأعطني أفضل ما تُعطي، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنِ استجيب لك أُهريق دمُك في سبيل الله"(١٦٩).
- وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "فوق كلّ ذي برٍّ برٌّ حتّى يقتل الرجل في سبيل الله فليس فوقه برّ"(١٧٠).
- وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "ثلاثة يشفعون إلى الله يوم القيامة فيشفّعهم: الأنبياء، ثمّ العلماء، ثمّ الشهداء"(١٧١).
- وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "مَن قُتل في سبيل الله لم يعرّفه الله شيئاً من سيّئاته"(١٧٢).
- وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصفّ الأوّل"(١٧٣).
- وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "للجنّة باب يقال له: باب المجاهدين"(١٧٤)، و"أوّل من يدخل الجنّة شهيد"(١٧٥)، و"عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيّين والصدّيقين والشهداء، يقول الله: طوبى لمن دخلك"(١٧٦).
- وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنّ أفضل الموت القتل"(١٧٧).
- وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "ما من قطرة أحبّ إلى الله (عزَّ وجلَّ) من قطرة دمٍ في سبيل الله"(١٧٨).
- وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف الشهيد يوم القيامة: "وإذا كان يوم القيامة يخرج من قبره شاهراً سيفه تشخب أوداجه دماً، اللون لون الدم، والرائحة (رائحة) المسك، يخطو في عرصة القيامة"(١٧٩).
- ومع أن ّلأمير المؤمنين (عليه السلام) عشرات الفضائل التي اختُصّ بها، لكنّه - فقط - في وقت اقتراب الشهادة قال: "فزتُ وربِّ الكعبة". فهو أوّل من آمن، وبات في فراش النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، والوحيد الذي لم يُسَدّ باب داره إلى مسجد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ووالد الأئمّة (عليهم السلام) وزوج الزهراء (عليها السلام)، ومحطّم الأصنام، وضربته يوم الخندق أفضل من عمل الثقلين، ومع ذلك لم يقل: "فزتُ وربِّ الكعبة" في أيٍّ من هذه الموارد.

٦ - طلب الرجعة

اللَّهُمَّ إِنْ حالَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ الْمَوْتُ الَّذِي جَعَلْتَهُ عَلَى عِبَادِكَ حَتْمَاً مَقْضِيّاً، فَأَخْرِجْنِي مِنْ قَبْرِي، مُؤْتَزِراً كَفَنِي، شَاهِراً سَيْفِي، مُجَرِّداً قَنَاتِي، مُلَبِّياً دَعْوَةَ الدَّاعِي فِي الْحَاضِرِ وَالْبَادِي.
الرجعة تعني العودة مرّةً ثانيةً إلى الدنيا، وهي من معتقدات الشيعة.
وهذا المقطع من الدعاء يختصّ بالحديث عن الرجعة، حيث يطلب الداعي ذلك من الله تعالى.
وقد جاء طلب الرجعة في زيارات أخرى، ففي بعضها: "وإن حال بيني وبين لقائه الموت، الذي جعلته على عبادك حتماً، وأقدرت به خليقتك رغماً، فابعثني عند خروجه ظاهراً من حفرتي، مؤتزراً كفني، حتّى أجاهد بين يديه، في الصف الذي أثنيت على أهله في كتابك، فقلت: ﴿كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾(١٨٠)"(١٨١).
ونقرأ - أيضاً - في بعض زيارات الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف): "وإن أدركني الموت قبل ظهورك، فأتوسل بك إلى الله سبحانه، أن يصلّي على محمّد وآل محمد، وأن يجعل لي كرّةً في ظهورك، ورجعةً في أيّامك"(١٨٢).
إن المنتظِر للإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يجب أن يكون واقعيّاً في حياته، وأن لا يعتمد على الأحلام والمنامات والخيالات، فهو في الوقت الذي ينتظر ظهور وليّ العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ويدعو لتعجيل فرجه، يحتمل أن لا يدرك ظهوره خلال أيّام عمره.
نعم، المنتظِر يرى الموت أمراً واقعاً قريباً، وفي نظره - أيضاً - أنّ الظهور قريب، لكن مع ذلك، يمكن أن يتحقّق الموت بالنسبة إليه قبل تحقّق الفرج، فيدعو طلباً للرجعة في زمان الظهور.
فالنظرة إلى الموت في الحياة المهدويّة هي كرؤية أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي كان يرى الموت زائراً قريباً مقبلاً نحونا سريعاً، فالمسافة إليه قصيرة جدّاً، وعلينا أن نكون مستعدّين لاستقباله.
١- فَأَخْرِجْنِي مِنْ قَبْرِي:
الخروج من القبر في دولة إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هي الرجعة.
ومن أعظم الآيات القرآنية التي تتحدّث عن الرجعة هي قوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾(١٨٣). وبما أنّ الناس جميعاً يحشرون يوم القيامة: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾(١٨٤), وآية الرجعة تقول إنّنا نحشر من كلّ أمة فوجاً, يتّضح - إذاً - أنّ هذه الآية لا ترتبط بيوم القيامة، بل بالرجعة التي هي قبل يوم القيامة، حيث يُعاد إحياء جماعة من الناس.
وقد جاءت في القرآن الكريم أمثلة عديدة للإحياء مرّة أخرى في الدنيا، منها ما جاء في سورة البقرة، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾(١٨٥), وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(١٨٦). ويقول سبحانه مخاطباً النبيّ عيسى (عليه السلام): ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي﴾(١٨٧)، ويقول - أيضاً - في حقّ أحد أوليائه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾(١٨٨).
وكذلك ورد في الروايات الكثيرة أنّ جماعة ممّن "محضوا الإيمان" أو "محضوا الكفر" يعودون بإذن الله إلى الدنيا، ويعيشون مدّة تحت ظلّ حاكميّة أهل الحقّ، وينال عندها أئمّة الكفر جزاءهم.
وعليه، فحينما يدعو المنتظِر طالباً منه سبحانه الرجعة، فهو يلمّح إلى طلبه أن يكون من بين "من محض الإيمان", لكونه يعلم أنّه في الرجعة لا يرجع إلّا "من محض الإيمان" أو "من محض الكفر". وهذه النظرة من شأنها أن تجعل الفرد المنتظِر يختار السير التكامليّ في حياته، ويتابع سلوكه جادّاً ومسرعاً(١٨٩).
٢- مُؤْتَزِراً كَفَنِي:
إحدى الحاجات العامّة والدائمة هي الحاجة إلى اللباس. والإسلام لاحظ لباساً خاصّاً لكلّ فصل أو زمان أو عمل، وجعل لذلك أحكاماً، كلباس الأطفال، ولباس العمل، ولباس الحرب، ولباس صلاة العيد، ولباس صلاة الاستسقاء، ولباس إحرام الحجّ، ولباس العروس، وكسوة المحتاجين إليه، ونظافة اللباس، ووصله، ولونه، وخياطته، وجنسه... وصولاً إلى آخر لباس وهو الكفن، الذي وردت فيه روايات كثيرة أيضاً.
هذه النظرة من شأنها أن تجعل الفرد المنتظِر يختار السير التكامليّ في حياته، ويتابع سلوكه جادّاً ومسرعاً
في الحديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: "إنّما أُمر أن يكفَّن الميّت, ليلقى ربّه (عزَّ وجلَّ) طاهر الجسد، ولئلّا تبدو عورته لمن يحمله أو يدفنه، ولئلّا ينظر (يظهر) الناس على بعض حاله وقبح منظره، ولئلّا يقسو القلب بالنظر إلى مثل ذلك, للعاهة والفساد، وليكون أطيب لأنفس الأحياء، ولئلّا يبغضه حميمه فيُلغي ذكره ومودّته، فلا يحفظه فيما خلّف، وأوصاه به، وأمره به، وأحبّ"(١٩٠).
وعن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "مَن كان معه كفنه في بيته لم يُكتب من الغافلين، وكان مأجوراً كلّما نظر إليه"(١٩١).
وجاء في بعض الروايات فضل أن يكفَّن الميّت في لباس الإحرام الذي أحرم فيه أيّام حجّه، أو في ثوبٍ كان يصلّي فيه صلاة الجمعة، أو استفاد منه في سائر العبادات(١٩٢).
وكذلك يوصى الإنسان بأن يجهّز كفنه وينظر إليه أحياناً, ليخرج من الغفلة، وليكون بذلك مثاباً ومأجوراً.
كذلك يمكن القول: إنّ هذا المقطع من الدعاء، هو تلقينٌ لحقّانيّة الموت، التي هي أصلٌ لرشد المنتظِر وتكامله، ففي الحياة المهدويّة يتجلّى ذكر الله والمعاد بشكل واضح.

m-mahdi.com

٣- شَاهِراً سَيْفِي:
إنّ الجهوزيّة الدائمة على كلّ حال تعدّ من امتيازات الحياة المهدويّة، فعلى سبيل المثال: في أيّام التدريب على المسائل العسكريّة، يُعطى الأمر للأفراد بأن يبقوا بكامل عتادهم أثناء الاستراحة، ليكونوا على جهوزيّة كاملة في جميع الأوقات.
وجاءت مثل هذه العبارة في بعض الروايات التي تصف خروج الشهيد من القبر، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "إذا كان يوم القيامة يخرج من قبره شاهراً سيفه..."(١٩٣).
وفي هذه العبارة من الدعاء، نطلب من الله تعالى أن نكون جاهزين للقتال بعد خروجنا من قبورنا، حال كوننا شاهرين سيوفنا، مجرّدين قنواتنا (أي رماحنا).
وهذا التخطيط للحظة رجعة الفرد، هو مظهر من مظاهر التبرّي والاستعداد الكامل للمنتظِر. فالشخص الذي كان أثناء حياته في عداد: ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ﴾, مع معرفته بالإمام، في الرجعة - أيضاً - سيظهر تبرّيه من أعداء الدين بلا أدنى تردّد، وستؤتي معرفته أُكُلها، وسيكون لانتظاره معنى حينئذٍ.
المنتظِر الواقعيّ هو الذي يكون مستعدّاً لمواجهة أهل الباطل في جميع الأحوال.
٤- مُجَرِّداً قَنَاتِي:
في الحقيقة، إنّ ما يطلبه الداعي في هذه الفقرة، هو أن يكون حال الخروج من القبر، بحيث تُشاهَد على ظاهره جميع آثار الانتظار. وهذه المسألة مهمّة بالنسبة إلى الحياة المهدويّة، وأمراً ضروريّاً. فالمنتظِر لقيام القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو على درجة من الاستعداد، بحيث إنّه بمجرد الخروج من القبر يكون حاضراً للقيام بخدمة مولاه، فهو يريد أن يكون لحظة خروجه من القبر شاهراً سيفه مجرِّداً قناته (أي رمحه).
المنتظِر لقيام القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو على درجة من الاستعداد، بحيث إنّه بمجرد الخروج من القبر يكون حاضراً للقيام بخدمة مولاه ومع أنّ إخراج السيف من غلافه أو تجريد القناة لا يحتاج إلى وقت، لكنّ المنتظِر ليس مستعدّاً أن يتأخّر عن الوصول إلى خدمة سيّده بمقدار هذه المدّة، ولا يرى أدنى مسامحة في ذلك التأخير.
فهو يريد - إذاً - أن يكون حاضراً جاهزاً أثناء الرجعة، وأن يقوم بأداء تكليفه، بأقلّ زمان ممكن, وهذه هي حقيقة الانتظار.
٥- مُلَبِّياً دَعْوَةَ الدَّاعِي:
هذه العبارة توضِّح حال المنتظِر الحاضر والمستعدّ لقول: لبّيك، وإجابة الدعوة حتّى ولو كان في أبعد نقطة في هذا العالم, لأنّ رسالة الإمام مطابقة للفطرة، ويمكن دعوة الجميع إليها، وهي قابلة للفهم من قبل الجميع.
المنتظِر في الوقت الذي يجيب دعوة إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فإن له تلبية أخرى -أيضاً- وراء ذلك وأينما كان، وهي أنّه يقوم بإيصال إجابة دعوته إلى مسامع الجميع.
٦- فِي الْحَاضِرِ وَالْبَادِي:
لا فرق في المنتظِر - بحسب هذه الفقرة من الدعاء - بين الحاضر ساكن المدينة، أو البادي ساكن القرية, فهو يستطيع أن يقول لوليّ الله: "لبّيك" في أيّ مكان من العالم، ويرى نفسه مسؤولاً أمام الجميع، وغير محدود في مكان خاصّ لأجل الخدمة، وحاضراً لتحقيق ذلك، وطائعاً لأمر إمامه في مواجهة الأعداء.

٧ - الدعاء للظهور

اللَّهُمَّ أَرِنِي الطَّلْعَةَ الرَّشِيدَةَ، وَالْغُرَّةَ الْحَمِيدَةَ، وَاكْحُلْ نَاظِرِي بِنَظْرَةٍ مِنِّي إِلَيْهِ، وَعَجِّلْ فَرَجَهُ، وَسَهِّلْ مَخْرَجَهُ، وَأَوْسِعْ مَنْهَجَهُ، وَاسْلُكْ بِي مَحَجَّتَهُ، وَأَنْفِذْ أَمْرَهُ، وَاشْدُدْ أَزْرَهُ.
يبيِّن هذا المقطع من الدعاء طلب المؤمن ظهورَ الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وذلك من خلال ثلاث فقراتٍ وجمل لطيفة ودقيقة، نقوم بشرحها تباعاً:
١- اللَّهُمَّ أَرِنِي الطَّلْعَةَ الرَّشِيدَةَ:
عندما نطلب منه سبحانه: "اللهمّ أرني"، فمضافاً إلى طلب رؤية الإمام الغائب (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فإنّنا نطلب من الله تعالى -أيضاً- أن يُظهر تلك الشمس من خلف سحاب الغيبة، وأن يراه الجميع.
"الطلعة" بألف ولام المعرفة، سواء كانت المعرفة عهداً ذكرياً أو ذهنيّاً، هي إشارة إلى أمرٍ دقيق، وهو أنّ وليّ العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) معروف في فطرتنا، وليس مبهماً أو مجهولاً لدى الفطرة الإلهيّة المودعة فينا، فكما أنّ فطرتنا إلهيّة كذلك نحن نعرف بالفطرة خليفة الله، ووجه الله، وباب الله.
و"الرشيدة" صفة مشبّهة. وفي الحقيقة، إنّ اسم الفاعل يدلّ على الدوام, وعليه، فإنّ الرشيدة إشارة إلى الوجود الراشد والمرشد أيضاً، فهو يعطي الرشد ويوجده بالنسبة إلى الجميع وفي كلّ الأحوال.
في كتاب مكيال المكارم، في الباب الرابع، يذكر الجمال كإحدى خصائص الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ويقول:
"اعلم، أنّ مولانا صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أجمل الناس وأحسنهم وجهاً, لأنّه أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)"(١٩٤).
كذلك يستفاد من الروايات، ومن قصص مَن نالوا التوفيق لزيارة يوسف الزهراء (الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف))، أنّ قامة إمام العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وهيئته في غاية الجمال والاعتدال، وسيماءه جذّاب ومدهش.
والروايات التي وصفت الجمال الجاذب لآخر حجج الله الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، يمكن تقسيمها من حيث المجموع إلى قسمين:
الأوّل: الروايات التي تتعلّق بوصف سيرته وصورته (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بشكل عامّ، وتعرّفه بعنوان كونه أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
فعن جابر بن عبد الله الأنصاريّ أنّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "المهديّ من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلُقاً"(١٩٥).
وفي حديث آخر عن أحمد بن إسحاق بن سعد (القمّيّ)، قال: سمعت أبا محمّد الحسن بن عليّ العسكري (عليهما السلام) يقول: "الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتّى أراني الخلف من بعدي، أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خَلقاً وخُلُقاً"(١٩٦).
اعلم، أنّ مولانا صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أجمل الناس وأحسنهم وجهاً, لأنّه أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وبملاحظة مثل هذه الروايات، فإنّ جميع الصفات والخصال التي نسبها القرآن الكريم والروايات إلى النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، يمكن نسبتها إلى الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
والروايات التي تصف الخصائص الظاهرية للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرة، نشير إلى واحدة منها فقط:
عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في وصف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: "كان نبيّ الله(عليه السلام) أبيضَ مُشْرَباً(١٩٧) حُمرة، أدعج(١٩٨) العينين، مقرون الحاجبين، شَثْنَ(١٩٩) الأطراف، كأنّ الذهب أُفرغ(٢٠٠) على براثنه(٢٠١)، عظيمَ مُشاشة(٢٠٢) المنكبين، إذا التفت يلتفت جميعاً من شدّة استرساله(٢٠٣)، سُربته(٢٠٤) سائلة من لُبَّته(٢٠٥) إلى سُرَّته، كأنّها وسط الفضّة المصفّاة، وكأنّ عنقه إلى كاهله(٢٠٦) إبريُق فضّة، يكاد أنفه إذا شرب أن يرد الماء، وإذا مشى تكفّأ(٢٠٧) كأنّه ينزل في صَبَب(٢٠٨)، لم يُرَ مثلُ نبيّ الله قبله ولا بعده (صلى الله عليه وآله وسلم)"(٢٠٩).
الثاني: الروايات التي تبيّن خصال الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وسيماءه بشكلٍ مفصَّل، وتعدّ خصائصه واحدة واحدة. ومن تلك الروايات:
- ما جاء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في تشبيهه الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) به، حيث يقول في وصفه: "بأبي وأمّي سميّي وشبيه موسى بن عمران، عليه جيوب النور - أو قال جلابيب النور- يتوقّد من شعاع القدس"(٢١٠).
- وفي رواية أخرى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصف ولده الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، يقول: "المهديّ من ولدي، وجهه كالقمر الدرّيّ"(٢١١).
- في رواية ثالثة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصفه (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، يقول: "المهديّ رجل من ولدي... على خدّه الأيمن خال، كأنّه كوكب درّيّ"(٢١٢).
إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ليس وجوداً مجهولاً، لكن مع كلّ ما له من إشراق وجوده، فإنّ أعين قلوبنا لا تراه أمّا عليّ بن مهزيار الأهوازيّ، الذي حجّ عشرين مرّة شوقاً إلى لقاء الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ثمّ وفّق للقياه، فإنّه يذكر في توصيفه هيئةَ الإمام وصورته الجذّابة يقول: "ناصع(٢١٣) اللون، واضح(٢١٤) الجبين، أبلج(٢١٥) الحاجب، مسنون(٢١٦) الخدّين، أقنى(٢١٧) الأنف، أشمّ(٢١٨) أروع، كأنّه غصن بان، وكأنّ صفحة غرّته كوكب درّيّ، بخدّه الأيمن خال كأنّه فتاة مسك على بياض الفضّة، وإذا برأسه وفرة(٢١٩) سحماء(٢٢٠) سبطة(٢٢١) تطالع شحمة أذنه، له سمت(٢٢٢) ما رأت العيون أقصد منه، ولا أعرف حسناً وسكينةً وحياءً"(٢٢٣).
٢- وَالْغُرَّةَ الْحَمِيدَة:
يُطلق العرب على الهلال الذي يُرى في أوّل ليلة كلمة "غُرَّة". وإطلاق هذه الكلمة على الإمام يدلّ على جماله الجذّاب. كما تُطلق كلمة "غُرَّة" على البياض وسط جبهته، وهو بهذا المعنى يحكي عن كون الإمام معروفاً ومشخّصاً.
فإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ليس وجوداً مجهولاً، لكن مع كلّ ما له من إشراق وجوده، فإنّ أعين قلوبنا لا تراه.
و"الحميدة" بمعنى المحمودة، فإمام العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وجود يُثنى عليه، وأهل ثنائه كثيرون، وقد بيّنت الآيات والروايات كثيراً من ثنائه وتمجيده وصفاته.
إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ليس وجوداً مجهولاً، لكن مع كلّ ما له من إشراق وجوده، فإنّ أعين قلوبنا لا تراه
٣- وَاكْحُلْ نَاظِرِي:
التعبير بالكحل تعبير لطيف, لأنّ الكحل يقوي العين والنظر، وهو هنا علاوة على تقويته للبصر فإنّه يفتح البصيرة -أيضاً- وعين الانتظار على حجّة الله تعالى. وكما أنّ العين التي تكتحل، تظهر بشكل أجمل، وتصبح مختلفة عن سائر العيون، فكذلك عندما نطلب من الله تعالى أن تكتحل أعيننا برؤية الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فإنّنا في الحقيقة نطلب أن تكون أعيننا مختلفة عن الأعين الأخرى الموجودة في هذا العالم.
٤- بِنَظْرَةٍ مِنِّي إِلَيْهِ:
كما نعلم، إنّ الإسلام لم يرضَ بالأنانيّة، وإنّ إحدى بركات الصلاة أنّها تخرج الإنسان من الأنانية. لذا، فلو أنّ أحداً كان يصلّي وحده، فعليه أن يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، نقول: نعبد, أي نحن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾, وكذلك نقول: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾, أي اهدنا جميعاً، فالمصلّي ينوب في عبادته عن جميع مَن في الكرة الأرضية.
وعليه، فالياء في كلمة "منّي" الواردة في فقرة "وَاكْحُلْ نَاظِرِي بِنَظْرَةٍ مِنِّي إِلَيْهِ" وأمثالها، ليس فيها ريح الأنانيّة، بل "الأنا" التي تشير إليها هي "أنا" المضطرّ، فالعاجز والمسكين الذي يودّ إظهار غاية فقره وحاجته في محضر إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، لا بدّ له من القول: أنا محتاج، أنا مضطرّ، وأنت العالِم بفقري وحاجتي، فأعنّي.
في الفقرات السابقة (في السلام والصلوات على الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف))، كان هناك إشراك للآخرين، وكان الداعي يقول نيابةً عنهم: "عن جميع المؤمنين والمؤمنات"، كما أنّه في الفقرات اللاحقة يطلب للجميع: "فأَظْهِر اللهمّ لنا وليَّك".
اللَّهُمَّ أَرِنِي الطَّلْعَةَ الرَّشِيدَةَ، وَالْغُرَّةَ الْحَمِيدَةَ، وَاكْحُلْ نَاظِرِي بِنَظْرَةٍ مِنِّي إِلَيْهِ، وَعَجِّلْ فَرَجَهُ، وَسَهِّلْ مَخْرَجَهُ، وَأَوْسِعْ مَنْهَجَهُ، وَاسْلُكْ بِي مَحَجَّتَهُ، وَأَنْفِذْ أَمْرَهُ، وَاشْدُدْ أَزْرَهُ، وَاعْمُرِ اللَّهُمَّ بِهِ بِلَادَكَ، وَأَحْيِ بِهِ عِبَادَكَ الداعي العاشق لإمام الزمان يسأله تعالى أن يجعل خروجه سهلاً.
٥- وَعَجِّلْ فَرَجَهُ:
إنّ الدعاء بتعجيل الفرج هو إحدى علامات الحياة المهدويّة, ومن هنا، فإنّ هذا الطلب سيتكرّر في المقاطع اللاحقة.
٦- وَسَهِّلْ مَخْرَجَهُ:
بما أنّ خروج الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وحاكميّته أمران عالميّان، فإنّ ما سيواجهه الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من صعوباتٍ له مجاله الواسع، ويحتاج إلى بذلٍ للطاقة, ولهذا فإنّ الداعي العاشق لإمام الزمان يسأله تعالى أن يجعل خروجه سهلاً.
٧- وَأَوْسِعْ مَنْهَجَهُ:
إنّ الأمور في بداية ظهوره (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ستكون صعبة، ثمّ تأتي السهولة بعد ذلك، ومن ثمّ تنتشر ثقافته وطريقه ونهجه.
في هذه المقطع من الدعاء، نطلب من الله تعالى مطالب عدّة على الترتيب. وطريقة التعريج في الدعاء طريقة روعي فيها الشرافة والقداسة. فاحتراماً لإمام العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) نطلب بدايةً ظهوره، ثمّ نطلب أن تنتشر وتتّسع سيرته.
ويستفاد من هذه المقاطع الثلاثة، أنّ من علامات الحياة المهدويّة في هذه المرحلة توجّه المنتظِر إلى هموم إمام العصر واعتناءه بها.
٨- وَاسْلُكْ بِي مَحَجَّتَهُ:
طريق الإمام طريق طاهر. وسلوك الطريق المستقيم من أكثر البرامج أصالة في الحياة المهدويّة. ومن يقرأ دعاء العهد، يخطو خطوة على الطريق التي يريدها الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ولكنّ الداعي بذكره لهذه الجملة يطلب دوام الاستمرار في تلك الطريق، والعاقبة الحسنة.
في هذا المقطع، يقع المضيّ في طريق وليّ العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في عصر ظهوره مورداً للتأكيد، كمن يسير في حياته بشكل مستقيم ويصلّي، ومع ذلك فإنّه يقول في صلاته: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾, والمراد دوام الهداية والعاقبة الحسنة.
إنّ المنتظِر لظهور وليّ العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يعلن من خلال قراءة هذه الفقرة الاستعداد الكامل, لأنّ المنتظِر الواقعيّ هو الذي يكون مستعدّاً لمواجهة أهل الباطل في جميع الأحوال.
٩- وَأَنْفِذْ أَمْرَهُ:
قلب المنتظِر معلّق بإمام زمانه. لذا، يطلب من الله تعالى أن يكون عصر ظهوره عصر نفوذ أحكامه (عجل الله تعالى فرجه الشريف). ففي عصر أهل البيت (عليهم السلام) لمّا كانت الحاكمية بيد أهل الباطل، لم تكن تُنفَّذ أوامر هؤلاء العظماء وأحكامهم.
إنّ المنتظِر للإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يطلب من الله قائلاً: اللهمّ اشدد أزره، لكي يقوم بما عليه تجاه هذه المسؤوليّة الاستثنائيّة وفي الحقيقة، هذه المقاطع من الدعاء فيها نوع من طلب الظهور, لأنّ المنتظِر يعلم أنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا يقبل بأيّ بيعةٍ لظالم، وسيزول بظهوره الطواغيت كلّهم، وستكون أوامره (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وحدها هي النافذة والحاكمة.
١٠- وَاشْدُدْ أَزْرَهُ:
في الآيتين (٣١-٣٢) من سورة طه، يقول تعالى حكايةً لطلب موسى (عليه السلام) منه سبحانه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾.
الوزير من الوزر بمعنى الحمل الثقيل، ويُطلق على من يحمل ثقل مسؤوليّة غيره على ظهره.
وجاء في التفاسير، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقرأ - مراراً - هذه الآيات التي جاءت على لسان النبيّ موسى (عليه السلام)، ويدعو قائلاً: "اللهمّ، وأنا محمّد نبيّك وصفيّك، اللهمّ فاشرح صدري ويسّر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً اشدد به ظهري"(٢٢٤).
إنّ موسى (عليه السلام) لم يكن يواجه مشكلة في تلقّي الوحي، وطلبه للوزير كان لأجل ثقل مسؤوليّة الرسالة وصعوبات التبليغ. وفي زمان ظهور الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) – أيضاً - سيُلقى على عاتقه عملٌ ثقيلٌ، وعليه أن يبذل طاقة كبيرة في هذا المجال. لذا، فإنّ المنتظِر له (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يطلب من الله قائلاً: اللهمّ اشدد أزره، لكي يقوم بما عليه تجاه هذه المسؤوليّة الاستثنائيّة.

٨ - برنامج الظهور

وَاعْمُرِ اللَّهُمَّ بِهِ بِلَادَكَ، وَأَحْيِ بِهِ عِبَادَكَ، فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾. فَأَظْهِرِ اللَّهُمَّ لَنَا وَلِيَّكَ وَابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكَ الْمُسَمَّى بِاسْمِ رَسُولِكَ (صلى الله عليه وآله وسلم) حَتَّى لا يَظْفَرَ بِشَيءٍ مِنَ الْبَاطِلِ إِلَّا مَزَّقَهُ، وَيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُحَقِّقَهُ، وَاجْعَلْهُ اللَّهُمَّ مَفْزَعاً لِمَظْلُومِ عِبَادِكَ، وَنَاصِراً لِمَنْ لا يَجِدُ لَهُ نَاصِراً غَيْرَكَ، وَمُجَدِّداً لِمَا عُطِّلَ مِنْ أَحْكَامِ كِتَابِكَ، وَمُشَيِّداً لِما وَرَدَ مِنْ أَعْلاَمِ دِينِكَ، وَسُنَنِ نَبِيِّكَ (صلى الله عليه وآله وسلم). وَاجْعَلْهُ اللَّهُمَّ مِمَّنْ حَصَّنْتَهُ مِنْ بَأْسِ الْمُعْتَدِينَ، اللَّهُمَّ وَسُرَّ نَبِيكَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بِرُؤْيَتِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُ عَلَى دَعْوَتِهِ، وَارْحَمِ اسْتِكانَتَنَا بَعْدَهُ. اللَّهُمَّ اكْشِفْ هذِهِ الْغُمَّةَ عَنْ هذِهِ الأُمَّةِ بِحُضُورِهِ، وَعَجِّلْ لَنَا ظُهُورَهُ، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً. بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
في هذا القسم من الدعاء، واحد وعشرون مقطعاً، ثلاثة عشر منها تتحدّث حول نتائج الظهور.
١- وَاعْمُرِ اللَّهُمَّ بِهِ بِلادَكَ:
يعتني الإسلام بعمارة الأرض عناية خاصّة، ففي القرآن الكريم قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾(٢٢٥). كما يأمر أمير المؤمنين (عليه السلام) مالكاً الأشتر بـ: "جباية خراجها، وجهاد عدوّها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها، وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج"(٢٢٦).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا بعث سريّة بعث أميرها فأجلسه إلى جنبه وأجلس أصحابه بين يديه، ثمّ قال: سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم), لا تغدروا ولا تغلّوا ولا تمثّلوا ولا تقطعوا شجراً..."(٢٢٧).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "وأن يُحترَز عن قطع الأشجار الرطبة إلّا عند الضرورة"(٢٢٨).
وإنّ أحد معالم حكومة إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) - أيضاً - هو أنّ جميع المدن في عصره ستصبح عامرة بوساطته, لأنّ ثروات الأرض والسماء كلّها ستكون تحت يده.
عندما تكون الثروة في يد فرعون وقارون فهي سبب للفساد، لكنّها في يد النبيّ سليمان والنبيّ داود (عليهما السلام) أساس البركة والعمران وجبر النقص الاقتصاديّ والاجتماعيّ.
وبشكل عام، فإنّ أحوال الأفراد والمجتمع وأعمالهم لها دور أساس في الاستفادة من النعم الإلهيّة أو زوالها، ففي سورة الفجر (الآية ١٧)، نجد أنّ أحد أسباب حرمان النعم هو عدم الاعتناء بالأيتام: ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾, وفي سورة الأعراف (الآية ٩٦) أيضاً، نقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾.
كما ورد في الحديث عن عبد الله بن أبي يعفور أنّه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "مَن زرع حِنطةً في أرضٍ فلم يزكِّ زرعه، أو خرج زرعُه كثير الشعير، فبظلمٍ عَمِلَه في ملك رقبة الأرض، أو بظلمٍ لمزارعه وأكرته, لأنّ الله يقول: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾(٢٢٩), يعني لحوم الإبل والبقر والغنم"(٢٣٠).
عندما تكون الثروة في يد فرعون وقارون فهي سبب للفساد، لكنّها في يد النبيّ سليمان والنبيّ داود (عليهما السلام) أساس البركة والعمران وجبر النقص الاقتصاديّ والاجتماعيّ.
وقد ذكر القرآن الكريم تأثير الإيمان على عمارة الأرض، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ﴾(٢٣١).
ونقرأ في سورة هود (الآية ٣) قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾.
ففي دولة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، حيث تكون جميع الموجودات قد تحلّت بالعبوديّة لله تعالى، ستكون الأماكن كلّها عامرة، وخضراء، ومبهجة.
ونقرأ في الروايات أنّه (عجل الله تعالى فرجه الشريف): "يملأ الأرض عدلاً وقسطاً"(٢٣٢). ويُفهم من الألف واللام في كلمة "الأرض" أنّ المراد هو الأرض كلّها.
ولوصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعمارة الأرض - أيضاً - أهمّيّة كبيرة، حيث يقول (عليه السلام) لحاكمه: "وليكن نظرك في عمارة الأرض"(٢٣٣)، يعني لا يكن اهتمامك بجمع المال، بل اسعَ لأن يكون اهتمامك في الأرض ببناء الدور وزيادة المزارع.
كما يوصي أمير المؤمنين (عليه السلام) لتكون الحكومة إسلاميّة، بأن يصل لأبعد الناس ما يصل لأقربهم: "وتفقّد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك"(٢٣٤). فلو كان هناك شيء موجوداً في العاصمة وغير موجودٍ على الحدود، فمن الواضح أنّنا لم نصل إلى العدالة.
وعليه، فبما أنّ أوضاع عمارة المدن والبلدات في دولة صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هكذا، فالمناسب لنا أن نسعى في هذا الاتجاه، ولا نغفل عن أنّ ما لا بدّ من تأمينه للأقرب لا بدّ من تأمينه للأبعد أيضاً.
٢- وَأَحْيِ بِهِ عِبَادَكَ:
الله سبحانه وتعالى هو الحي، والحياة بيده. وللحياة أقسام مختلفة:
أ- الحياة النباتيّة: ﴿أَنَّ اللهَ يُحْيِي الْأَرْضَ﴾(٢٣٥).
ب- الحياة الحيوانيّة: ﴿لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾(٢٣٦).
ج- الحياة الفكريّة: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ﴾(٢٣٧).
والمقصود من الحياة التي يقوم الأنبياء (عليهم السلام) بتحقيقها من خلال دعوتهم، ليست هي الحياة الحيوانيّة, وذلك لأنّ مثل هذا النوع من الحياة موجود بدون دعوة الأنبياء، بل المقصود هو الحياة الفكريّة، العقليّة والمعنويّة، الأخلاقيّة والاجتماعيّة, أي مجالات الحياة جميعها. لذا، يمكن القول: إنّ حياة الإنسان هي في الإيمان والعمل الصالح، والله تعالى والأنبياء (عليهم السلام) قد دعوا الناس إليها.
وإنّ إطاعة أوامرهم (عليهم السلام) هي رمز الوصول إلى الحياة الطيّبة والطاهرة، كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾(٢٣٨).
وعلى هذا، ففي زمان الظهور ينتهي عصر الأموات المتحرّكين، ويصبح الناس أحياءً واقعيّين.
في زمان الظهور ينتهي عصر الأموات المتحرّكين، ويصبح الناس أحياءً واقعيّين.
٣- فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُ ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾:
أوّلاً: إنّ جميع المطالب والمباحث قد قالها تعالى: "فإنّك قلت"، وكوننا لا نعلم تلك المباحث والمطالب، فهذا لا يعني أنّ الله تعالى لم يقل ذلك.
ثانياً: كلّ ما قاله تعالى هو الحق والحقيقة: "فإنّك قلت وقولك الحقّ".
ثالثاً: من جمال الأدعية والزيارات تطابقها مع الآيات النورانيّة للقرآن الكريم, ففي سورة الروم الآية (٤١)، نقرأ قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وفي (الآية ٣٠) من سورة الشورى أيضاً، نقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾.
إنّ بعض الشدائد والمحن الدنيويّة هي نوع عقوبة على ذنوب الإنسان. لذا:
أ- الشرك سبب الفساد في الأرض: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾... ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾.
ب- أعمال الإنسان تؤثّر في الطبيعة، فالأعمال القبيحة للإنسان تمنع من عطاء الماء والتراب، وعامل لحدوث الظواهر السيّئة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾.
ج- فساد المحيط سببه أعمال الإنسان: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ... بِمَا كَسَبَتْ﴾.

m-mahdi.com

٤- فَأَظْهِرِ اللَّهُمَّ لَنَا وَلِيَّكَ:
بما أنّه بسبب اشتباهات البشريّة، قد مُلئت الأرض فساداً وتلوّثاً، وحيث لا يمكن للبشر أن يخلّصوا أنفسهم من مستنقع الفساد، فإنّهم يلجؤون إلى خليفة الله لكي يطهّر الأرض، وينجي الناس من دوّامة الفساد والضياع, لأنّ لديه خصوصيّات فريدة ككونه وليّاً. لذا، في هذا المقطع، يُطلب من الله تعالى ظهوره.
٥- وَابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكَ:
إحدى خصوصيّات الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أنّه من نسل السيّدة فاطمة الزهراء ومن ذريّتها (عليها السلام), إذ توجد أكثر من ١٩٠ رواية في مصادر السنّة والشيعة تذكر ذلك(٢٣٩).
وممّا روي في ذلك، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "المهديّ من ولد فاطمة". وهذا الحديث متواتر لا يمكن لأحد إنكاره, ففي (سنن أبي داود) عن أمّ سلمة أنّها قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: "المهديّ من عترتي، من ولد فاطمة"(٢٤٠).
وفي كتاب (ينابيع المودّة)، عن أبي أيّوب الأنصاريّ قال: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مرض فأتته فاطمة (رضي الله عنها) وبكت، فقال: "يا فاطمة...، والذي نفسي بيده، منّا مهديّ هذه الأمّة، وهو من ولدك"(٢٤١).
وفي (كنز العمّال) عن الإمام عليّ(عليه السلام) أنّه قال: "المهديّ رجل منّا، من ولد فاطمة"(٢٤٢).
يقول ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة)، في ذيل الخطبة رقم ١٦: وأكثر المحدثين على أنّه من ولد فاطمة (عليها السلام)((٢٤٣)).
٦- الْمُسَمَّى بِاسْمِ رَسُولِكَ (صلى الله عليه وآله وسلم):
تدلّ الروايات المتواترة التي رواها الشيعة والسنّة، على أنّ المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) اسمه اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكنيته كنيته, أي أنّ اسمه المبارك محمّد، وكنيته أبو القاسم، ولقبه المهديّ، وهو أشبه الناس به، وأنّ الله تعالى يفتح على يديه مشارق الأرض ومغاربها(٢٤٤).
ونقل أصحاب الصّحاح، والسّنن، والمعاجم، والمسانيد، بألفاظ وأسانيد مختلفة، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "يخرج في آخر الزمان رجلٌ من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جَوراً"(٢٤٥).
ونقل الترمذيّ بسنده عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "لا تذهب الدنيا حتّى يملك العربَ رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي"(٢٤٦).
ونقل العلّامة المجلسيّ بسندٍ ذكره عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "المهديّ من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلُقاً..."(٢٤٧).
٧- حَتَّى لا يَظْفَرَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَاطِلِ إِلّا مَزَّقَهُ:
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾(٢٤٨). وقد تكرّرت هذه الآية في القرآن الكريم ثلاث مرّات، وهي تبشّر بأنّ دين الإسلام سيعمّ جميع أنحاء العالم.
لكي يعمّ الدين الإسلاميّ العالم، ثمّة شروط ثلاثة:
١- وجود القائد العالميّ.
٢- وجود القانون العالميّ.
٣- الجهوزيّة العالميّة.
أمّا القائد العالميّ فموجود، وهو الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وأمّا القانون العالميّ فموجود - أيضاً -، وهو القرآن الكريم، الكتاب الهادي، الذي لا تحريف فيه. وأما الجهوزيّة العالميّة، فليست مشهودة حتّى الآن، ولا بدّ من السعي والعمل على تهيئة الأرضيّة لذلك.
فإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) عندما يظهر لا بدّ من أن يجد الجهوزيّة لدى الناس من جميع الجهات، وأن يجد الناس عالِمين بمعارف وعلوم القرآن والإسلام، وأن يكون لديهم الاستعداد لحكومته (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
إنّ الله تعالى وعد ثلاث مرّات بأن يُظهر هذا الدين على الدين كلّه، و﴿لَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ﴾(٢٤٩).
وعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "فو الذي نفسي بيده حتّى لا تبقى قرية إلّا وينادى فيها بشهادة أن لا إله إلّا الله، بكرةً وعشيّة"(٢٥٠).
لقد أثبت تاريخ الإسلام أنّه لا يضعف أبداً أمام ما يقوم به أعداؤه من استهزاء وأذيّة وتعذيب، ومحاصرة اقتصاديّة واجتماعيّة، وإشعال الحروب، ومؤامرات المنافقين الداخليّة، وإيجاد الفرقة بين المسلمين، والحروب الصليبيّة، وترويج الفحشاء والمنكر، والاستعمار العسكريّ والسياسيّ. ومع كلّ ما يقومون به من التبليغ والدعاية للتخويف من الإسلام بأشكال مختلفة، إلّا أنّ موج الإسلام يمتدّ على أطراف العالم، ويوماً بعد يوم نجد أنّ الإسلام يتّسع رقاعه، إلى اليوم الذي يأتي فيه - إن شاء الله - وديعةُ النبيّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وممّا جاء في وصف الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في خطبة الغدير عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): "معاشرَ الناس، النور من الله (عزَّ وجلَّ) فيَّ مسلوك، ثمّ في عليّ، ثمّ في النسل منه إلى القائم المهديّ، الذي يأخذ بحقّ الله، وبكلّ حقّ هو لنا...، ألا إنّه الظاهر على الدين...، ألا إنّه المفوَّض إليه...، ألا إنّه لا غالب له ولا منصور عليه..."(٢٥١).
وعليه، فإنّ إحدى نتائج دولة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هي الانتصار على الجميع في أنحاء العالم كلّه.
٨- ويُحِقَّ الحَقَّ ويُحقِّقَه:
حتميّة انتصار الحقّ في القرآن:
كان الناس، على امتداد التاريخ، واقعين تحت سلطة المستبدّين الذين أقاموا حكومتهم على الظلم والفساد والخوف، وقد قال تعالى في كتابه على لسان ملكة سبأ: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾(٢٥٢).
القرآن الكريم يزفّ إلينا - بشكلٍ قاطع - بشرى الانتصار النهائيّ، واقتراب اليوم الذي يحكم فيه الحقّ أنحاء العالم كلّه، ويُطوى بساط حكومة الباطل، ويرث فيه الصالحون الأرض.
القرآن الكريم يزفّ إلينا - بشكلٍ قاطع - بشرى الانتصار النهائيّ، واقتراب اليوم الذي يحكم فيه الحقّ أنحاء العالم كلّه، ويُطوى بساط حكومة الباطل، ويرث فيه الصالحون الأرض.
وقد ورد في روايات عدّة من طرق الفريقين، أنّ هذا النصر النهائيّ مرتبط بقيام الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف), ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾(٢٥٣).
إنّ إحدى الآمال البشريّة الضاربة في عمق التاريخ، هي طوي بساط الظلم وزواله من المجتمع، وتحكيم الصلح والأمن وإجراء العدالة في كلّ أنحاء العالم، وهذه الآية الشريفة، تبشّر بشكل قاطع بمجيء الحقّ وزهوق الباطل.

m-mahdi.com

كيف يتغلّب الحقّ؟
يوضّح الله تعالى كيفيّة تحقّق هذا الوعد بتغلُّب الحقّ، من خلال تشبيه الباطل بالزَبَد الذي يطفو على وجه الماء، فهو لا فائدة منه، وسرعان ما يؤول إلى الزوال، ويشبّه تعالى الحقّ بالأمور النافعة التي تمكث في الأرض، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ﴾(٢٥٤).
فالحقّ كالماء الذي يبقى موجوداً حقيقةً، والباطل كالزبد الذي يكون على وجه الماء، والذي حكمه الزوال, والحقّ كالماء المفيد والنافع والثابت، والباطل كالزبد الذي يعلو له صوت، ولكنّ داخله خالٍ لا يعتمد على أساس، ولا فائدة منه وسرعان ما يؤول إلى الزوال. وكما أنّ الماء يوجب زوال الزبد، فكذلك قضيّة الحقّ والباطل أيضاً, إذ الحقّ يتغلّب على الباطل ويزيله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾(٢٥٥).
ولَمّا كان الحقّ توأم الواقع والصدق، وله عمقٌ، ويعتمد على أساس، ويتناسب مع قوانين الخلقة، وهو ثابت، ونافع، وهو من الله ومؤيّد منه، فإنّه يبقى ولا يزول. ولهذا كان الباطل أمراً موهوماً، مزيّفاً، لا أساس له، أجوف، لا فائدة منه، غير متناسب مع الخلقة، لا ثبات له، وهو من الشيطان، وإلى زوال.
الزوال الكامل للباطل:
إنّ المسألة القابلة للتأمّل في الآيات المتقدّمة، هي أنّ الكلام هنا ليس عن سيطرة الحقّ على الباطل، بل عن الظهور المطلق للحقّ والزوال الكامل للباطل، فمن الممكن للباطل - إذاً - أن يكون له جولة مدّةً ما، إلّا أنّ عمره بالنتيجة قصير وينطفئ.
فالحقّ كالشجرة التي لها أصول متجذّرة لا يهزّها طوفان، ولا تزلزلها الرياح العواصف، والباطل كالشجرة التي لا أصل لها، فتظهر على وجه الأرض لكنّها لا تنمو ولا تثمر، وما لها من قرار وثبات.
الحقّ: ظهور المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف):
من المصاديق الأخرى لهذه الآية هو ظهور الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فقد جاء في رواية ولادة الإمام أنّ هذه الآية - ﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ كانت مكتوبة على ذراعه الأيمن(٢٥٦).
وفي رواية أخرى لها صلة بهذه الآية، عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: "إذا قام القائم (عليه السلام) ذهبت دولة الباطل"(٢٥٧).
ففي ذلك الزمان، يحكم العدل والقسط أرجاء العالم كلّه، حيث لا مكان للظالمين، في الوقت الذي يكون الظلم والجَور قبل ذلك قد ملآ الدنيا.
وجاء في رواية من مصادر أهل السنة: "لتُملأنّ الأرض ظلماً وعدواناً، ثمّ ليخرجنّ رجل من أهل بيتي، حتّى يملأها قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وعدواناً"(٢٥٨).
وتؤكّد رواية أخرى تحقُّقَ يومٍ كهذا، نُقلت عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "لو لم يبقَ من الدنيا إلّا يوم، لبعث الله (عزَّ وجلَّ) رجلاً منّا يملؤها عدلاً كما مُلئت جَوراً"(٢٥٩).
مُدخل صدق ومُخرج صدق:
في ذلك اليوم، يظهر الدين الإلهيّ على سائر الأديان، ويتحقّق الهدف من رسالات الأنبياء الإلهيّين. ولأجل الوصول إلى هذا الهدف لا بدّ من أن نتحضّر ونستعدّ له نحن أيضاً، وهذا إنّما يحصل حينما تصبح أعمالنا، في جميع شؤون حياتنا الفردية والاجتماعيّة، قائمةً على الحقّ والحقيقة. ولعلّه لهذا علّمنا الله تعالى كيف ندعو - في الآية السابقة على هذه الآية التي فيها بشارة مجيء الحق وزهوق الباطل - بأن نقول: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾(٢٦٠).

m-mahdi.com

٩- وَاجْعَلْهُ اللَّهُمَّ مَفْزَعاً لِمَظْلُومِ عِبَادِكَ:
جعل الله تعالى أهل البيت (عليهم السلام) كهفاً للخلائق وملجأ للمحرومين. ففي زمانهم (عليهم السلام) كانوا هم مأوى الطالبين والمتألمين والمحتاجين والمظلومين. وكذلك في أيّام الظهور، فإنّ هذه المسألة لها تجلّياتها الخاصّة. ومن هنا، ففي هذا الدعاء يطلب الداعي من الله تعالى ضمن دعائه للظهور تجلّي هذه الحقيقة الجميلة, وذلك لأنّ إحدى وظائف الإمام هي مساعدة الأفراد المحتاجين والضعفاء ومساندتهم. والآن - أيضاً - إنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو ملجأ المحرومين ومفزعهم ومأواهم, لأنّه الكهف والغَوث، ولكنّ في عصر الظهور سيكون ذلك ظاهراً ومشهوداً.
١٠- وَنَاصِراً لِمَنْ لا يَجِدُ لَهُ نَاصِراً غَيْرَكَ:
الله تعالى ناصر مَن لا ناصرَ له، وخليفة الله تعالى لديه هذه الخصوصيّة أيضاً. وفي عصر الظهور، لا يبقى أحد بلا ناصر، فالإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ينصر جميع من يحتاج إلى النصرة، والروايات التي تصف حكومة الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) تذكر هذه المسألة ببيان جذّاب جدّاً.
١١- وَمُجَدِّداً لِمَا عُطِّلَ مِنْ أَحْكَامِ كِتَابِكَ:
إحدى خصائص حكومة الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هي إحياء الدين وأحكام القرآن, لأنّ الإمام حينما يظهر لا يكون قد بقي من القرآن إلّا رسمه، ومن الإسلام إلّا اسمه. فعندما لا تعمل الأمّة بأحكام الإسلام، ولا تطبّق قوانينه، يمكن القول: إنّ الدين في ذلك المجتمع قد مات. ولذا، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله حول صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف): "ويُحيي ميّتَ الكتاب والسُّنّة"(٢٦١).
ومعنى كون الإمام يحيي ذلك، هو أنّه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يعيد إجراء تعاليم الإسلام والقرآن التي تكون قد نُسيت، ويقوم بنشرها وترويجها في المجتمع. وبعبارة أخرى: كلّ ما هو دخيل أو خرافة أو بدعة ممّا ألصق بالدين ممّا لا حقيقة له إلّا ما نسجته الأوهام، يقوم الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بمحوه وإزالة الغبار المتراكم على الدين بسببه. فعمل الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في تبليغ الدين وبيانه له صورتان:
الأولى: إزالة البدع وإحياء السنن المتروكة، والدعوة من جديد إلى (إحياء) الإسلام والقرآن.
الثانية: إظهار الحقائق والتأويل والتنزيل القرآنيّ الذي لم يبن ويتّضح بعد إلى ذلك الزمان.
وفي كلتا الصورتين، بما أنّ الناس يرون في تعاليمه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) خلاف عاداتهم ومعتقداتهم يُسمّون ذلك سنّة جديدة، مع أنّ كتابه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هو القرآن نفسه، ودعوته هي الإسلام والقرآن أيضاً.
عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إذا خرج القائم يقوم بأمر جديد، وكتاب جديد، وسنّة جديدة، وقضاء جديد..."(٢٦٢).
وعن الفضيل بن يسار أنّه قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "إنّ قائمنا إذا قام استقبل من جهل الناس أشدّ ممّا استقبله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من جهّال الجاهليّة. قلت: وكيف ذلك؟ قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان(٢٦٣) والخشب المنحوتة، وإنّ قائمنا إذا قام أتى الناس وكلّهم يتأوّل كتاب الله يحتجّ عليه به، ثمّ قال: أَمَا والله ليدخلنّ عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحرّ والقرّ(٢٦٤)"(٢٦٥).
يكون الدين في عصر الظهور قويّاً ومحكماً, لأنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يبيّن دين الله بكلّ ما أوتي من قوّة وجهد وعلمٍ إلهيّ فائض يقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حول سيرته (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وطريقته العامّة: "القائم من ولدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي، وسنته سنتي، يقيم الناس على ملّتي وشريعتي، ويدعوهم إلى كتاب ربي (عزَّ وجلَّ)"(٢٦٦).
وثمّة أحاديث عدّة تتحدّث عن أنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يجدّد الإسلام ويحيي السنن الميّتة والمتروكة، ويستفاد من هذه الروايات - أيضاً - أنّه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يقوم بتغيير كبير على المستويَين الدينيّ والثقافيّ، تزول معه البدع والخرافات، ويحيى به الإسلام من جديد. وعلى هذا الأساس، يأتي ما روي أنّه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يقوم بتخريب بعض الأبنية والمساجد.
ومن هنا، ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله: "والله، لا تذهب الدنيا حتّى يبعث الله منّا رجلاً أهلَ البيت يعمل بكتاب الله"(٢٦٧).
١٢- وَمُشَيِّداً لِمَا وَرَدَ مِنْ أعْلامِ دِينِكَ:
يكون الدين في عصر الظهور قويّاً ومحكماً, لأنّ الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يبيّن دين الله بكلّ ما أوتي من قوّة وجهد وعلمٍ إلهيّ فائض، وتكون له الغلبة على مَن سواه دائماً، ويَبْلُغ من الإحكام والنفوذ بحيث لا يشوبه أيّ خلل إلى يوم القيامة. ومن هنا، فإنّ الداعي حينما يدعو بذلك، فهو يدعو للظهور بنحو آخر.
١٣- وَسُنَنِ نَبِيِّكَ (صلى الله عليه وآله وسلم):
لقد كان أحد أهداف أهل البيت (عليهم السلام) إحياء سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) واستحكامها. والمثال البارز على ذلك قيام الإمام الحسين (عليه السلام)، الذي كان أحد أهدافه الأساس إحياء سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) واستحكامها، بل حتّى سعي العلماء وجهدهم كان في هذا المضمار أيضاً، والمثال البارز هو الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) الذي أحيا وأحكم بثورته المباركة القرآن وسنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
أمّا في عصر الظهور الذهبيّ، سيتذوّق العالم طعم السنّة الواقعيّة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وسوف تكون سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وطريقته هي الحاكمة على الوجود، ولن يكون بين المسلمين اختلاف على سنّته (صلى الله عليه وآله وسلم).
١٤- واجْعَلْهُ اللَّهُمَّ مِمَّنْ حَصَّنْتَهُ مِنْ بَأْسِ المُعْتَدِين:
يتعرّض الحقّ - على طول التاريخ - للهجوم والعداء، ولا يخلو عصر من عصور الرسالة والإمامة والولاية من المنازعة والاعتراض. وفي عصر الظهور، سيستقرّ الحقّ بشكلٍ تامّ، وسيسبّب ذلك اجتماع أعداء الإسلام مع الأعداء الآخرين لحجّة الله لخوض الحرب الأخيرة. وهنا نعتقد أنّ حزب الشيطان سيزول، وأمّا حزب الله، فليس فقط سيغلب وينتصر، بل سيكون الفائز والمُفلح أيضاً، قال تعالى: ﴿حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾(٢٦٨)، وقال سبحانه: ﴿حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(٢٦٩):
ولا يتحقّق النصر إلّا بشرطَين:
الأوّل: لا بدّ لحزب الله لكي يحكم ويغلب من تحقيق عناصر التنظيم والإدارة والقوة والوحدة والجرأة...
الثاني: علينا أن نرفع أيدينا بالدعاء للإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في كلّ يوم لأجل عزّته وحفظ سلامته ونصرته وعدم خذلانه. والأئمّة الأطهار (عليهم السلام) كانوا في جميع حالاتهم وفي مناجاتهم يدعون لحفظ إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وسلامته، وقد علّمونا كيف ندعو له بذلك:
فالإمام الرضا (عليه السلام) يعلّمنا أن ندعو له (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بالقول:
"اللهم ادفع عن وليّك... وأعِذْه من شرّ جميع ما خلقت... واحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته، بحفظك الذي لا يضيع من حفِظته به"(٢٧٠).
ويدعو الإمام العسكري (عليه السلام) في قنوت صلواته بهذا الدعاء:
"فاجعله - اللهمّ - في حصانةٍ من بأس المعتدين... فاجعله اللهمّ في أمنٍ ممّا نشفق عليه منه، وردّ عنه من سهام المكائد ما يوجّهه أهل الشنآن إليه"(٢٧١).
في عصر الظهور الذهبيّ، سيتذوّق العالم طعم السنّة الواقعيّة للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسوف تكون سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وطريقته هي الحاكمة على الوجود.
١٥- اللَّهُمَّ وَسُرَّ نَبِيَّكَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) بِرُؤْيَتِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ على دَعْوَتِه:
في أيّ زمان يُستجاب هذا الدعاء؟ قطعاً أحد مصاديقه يوم الظهور، عندما يشاهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في سائر أرجاء الدنيا وقد علت أصوات الجنود في أرض المعركة بالتوحيد، فإنّه يدخل عليه السرور، ويسرّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما يُهزم إبليس.
وفي دعاء أبي حمزة الثماليّ، يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام):
"إلهيّ، إن أدخلتني النار ففي ذلك سرور عدوّك، وإن أدخلتني الجنّة ففي ذلك سرور نبيّك، وأنا أعلم أنّ سرور نبيّك أحبّ إليك من سرور عدوّك".
وإنّما يُسرّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّ فرداً من أمّته شملته رحمة الله تعالى وعفوه، وأمّا إذا لم يُعفَ عنه، فيفرح الشيطان لإضلاله شخصاً آخر وجعله من أهل جهنّم.
وعلى هذا الأساس، كان هذا المقطع معبِّراً عن طلب الظهور.
١٦- وَارْحَمِ اسْتِكَانَتَنَا بَعْدَهُ:
بعد رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، غُصِب حقّ أهل البيت (عليهم السلام)، وبدأت محنتهم وشدّتهم. ففي دعاء قنوت الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام):
"اللّهمّ، وقد عاد فيئنا دُولَةً بعد القسمة، وإمارتنا غَلَبةً بعد المشورة، وعُدْنا ميراثاً بعد الاختيار للأُمّة، واشتُريَت الملاهي والمعازف بسهم اليتيم والأرملة، وحكَم في أبشار المؤمنين أهلُ الذمّة، ووَلِيَ القيامَ بأمورهم فاسقُ كلِّ قبيلة، فلا ذائد يذودهم عن هلكة، ولا راعٍ ينظر إليهم بعين الرحمة، ولا ذو شفقة يُشبع الكبد الحرّى من مسغبة، فهم أولو ضرع بدار مضيعة، وأسراء مسكنة، وخلفاء كآبة وذلّة"(٢٧٢).
اللَّهُمَّ اكْشِفْ هذِهِ الْغُمَّةَ عَنْ هذِهِ الأُمَّةِ بِحُضُورِهِ، وَعَجِّلْ لَنَا ظُهُورَهُ، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً.
١٧- اللَّهُمَّ اكْشِفْ هَذِهِ الْغُمَّةَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِحُضُورِهِ:
الحضور هنا بمعنى الظهور، الذي حينما يحصل ستنجلي جميع غمومنا وغصصنا إلى الأبد, لأنّ غيبة الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) هي سبب الغمّ والغصّة، وظهوره هو أساس فرحتنا وسعادتنا، وزوال جميع المتاعب والشدائد في العالم، وهو ما ينعكس على الأمّة الإسلاميّة بشكل خاصّ من خلال حاكميّة الإسلام.
١٨- وَعَجِّلْ لَنَا ظُهُورَهُ:
إحدى وظائف المنتظرين هي الدعاء لتعجيل الفرج، فقد سأل أحمد بن إسحاق الإمام العسكري (عليه السلام): يا بن رسول الله، فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السلام) مسرعاً فدخل البيت، ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر من أبناء الثلاث سنين، فقال: "يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك على الله (عزَّ وجلَّ) وعلى حُجَجه ما عرضت عليك ابني هذا، إنَّه سميُّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وكنيُّه، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
يا أحمد بن إسحاق، مَثَلُه في هذه الأمّة مَثَلُ الخضر (عليه السلام)، ومَثَلُه مَثَلُ ذي القرنين. واللهِ، ليغيبنَّ غيبةً لا ينجو فيها من الهَلَكة إلّا من ثبَّته الله (عزَّ وجلَّ) على القول بإمامته، ووفّقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه"(٢٧٣).
لقد تعرّض القرآن الكريم لقضيّة العجلة والسرعة والسَبق إلى بعض الأعمال، فقال: ﴿وَسَارِعُواْ﴾، ﴿سَابِقُوا﴾، ﴿فَاسْتَبِقُواْ﴾. وثمّة اختلاف وتفاوت بين التعجيل والعجلة من جهة، والسرعة والسبق من جهةٍ أخرى, فحُسن السرعة والسبق إنّما هو في المواطن التي تكون الأمور كلّها فيها قد تمّت مراجعتها وتنظيمها، فلا ينبغي تضييع الوقت والفرصة. وأمّا التعجيل والعجلة فهما في الأمور التي لم يحن موعدها بعد، أو أنّه يحتاج إلى مزيد من العمل أو المراجعة, فهنا لا بدّ من التأنّي.
والعجلة تكون مناسبةً في بعض المواضع, ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾(٢٧٤), بل لا مانع على الإطلاق من العجلة في أمور الخير وكسب رضى الله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾(٢٧٥).
١٩- إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً:
وردت هذه الجملة في القرآن الكريم في حقّ الكافرين الذين يستبعدون أصل المعاد، ويعدّونه أمراً بعيداً عن الذهن والعقل، في حين أنّ حصول يوم القيامة عند الله تعالى أمر قطعيّ وواقع لا محالة، وقادم وقريب.
كذلك الأمر بالنسبة إلى ظهور الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فبعضهم يراه أمراً بعيداً، في حين أنّ كلّ فرد يوفّق لقراءة هذا الدعاء يقرّ ويعترف بظهوره (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وفي الحياة المهدويّة، مضافاً إلى الاعتقاد بالظهور الحتميّ، لا بدّ من الاعتقاد بقرب هذا الظهور, وذلك لأنّ الروايات طلبت من المنتظِر أن يتوقّع ظهوره صباحاً ومساءً، وأن يكون على أُهبَة الاستعداد له.
نعم، الاعتقاد بقرب هذه المسألة لا ينبغي أن ينجرّ إلى أمور سقيمة وفاسدة, كالتحديد والتوقيت.
الطلب منه تعالى لا بدّ من التوجّه إلى رحمته ومحبّته؛ لأنّ من بين الأسماء النورانيّة الإلهيّة خُصّ اسم الرحمان بالذكر
٢٠- بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ:
وردت هذه العبارة في كثير من الأدعية، وهي ترشدنا إلى أنّ استجابة الدعاء إنّما هي من خلال رحمة الله تعالى الذي ينظر بلطفه وعطفه ويستجيب دعاء الجميع. ولذا، ففي الأدعية والطلب منه تعالى لا بدّ من التوجّه إلى رحمته ومحبّته, لأنّ من بين الأسماء النورانيّة الإلهيّة خُصّ اسم الرحمان بالذكر.
٢١- الْعَجَلَ الْعَجَلَ يَا مَوْلايَ يَا صَاحِبَ الزَّمَانِ:
في هذه الجملة توجد أمور ثلاثة:
الأوّل: إنّه مضافاً إلى الطلب من الله تعالى في هذا الدعاء بتعجيل ظهور إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، كذلك يطلب هذا الأمر من وليّه وخليفته أيضاً.
الثاني: هو مولى وقائد.
الثالث: هو صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
الإجابة عن سؤال شائع:
في الختام، لا بدّ من الإجابة عن تساؤلٍ يخطر في الأذهان كثيراً، وهو: هل كلّ من يقرأ دعاء العهد يصبح من أنصار إمام العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، وفي حال مات فهل يرجع حتماً بعد ذلك؟
وفي الجواب:
أوّلاً: إنّ أحد شرائط استجابة الدعاء هي المواءمة بين الدعاء والعمل والسعي، ففي الكلمات القصار لأمير المؤمنين (عليه السلام): "الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر"(٢٧٦).
وإذا عرفنا أنّ الوتر هو سبب حركة السهم وواسطة رميه نحو الهدف، يتّضح لنا دور العمل في التأثير في الدعاء. فلا بدّ من العمل مع الدعاء، وإلى جانبه لا بدَّ من السعي والطلب.
الجنود الذين استعدّوا وتجهّزوا للقتال، يدعون كما يقول القرآن الكريم: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾(٢٧٧).
كذلك النبيّ والأئمّة (عليهم السلام)، الذين هم مظهر الدعاء وحقيقته، كانوا في عمل وسعي في الليل والنهار. لذا، ورد في الروايات عدم استجابة دعاء الذي لا يعمل لتحقيق مطلوبه!
ثانياً: ضرورة توفير شرائط استجابة الدعاء. لذا، يُستجاب دعاء الذين لم يُدخلوا إلى بطونهم طعاماً محرّماً، فقد جاء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): "أطِب كسبَك تُستجَب دعوتُك"(٢٧٨).
وفي القرآن الكريم، نقرأ قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(٢٧٩). ومن باب المثال: لو أنّ شخصاً قال لآخر: "عندما تتعرّض لمشكلة اتصل بي كي أساعدك", فلهذه الجملة لوازم وشروط، من جملتها:
١- حفظ الصداقة معي.
٢- عدم تضييع رقم هاتفي، وحينما تتّصل بي اطلبه بشكل صحيح.
٣- في عرض المشكلات كن صادقاً ولا تكذب.
- فهل نحن نراعي هذه الشروط حينما نقرأ دعاء العهد؟
- هل حفظنا صداقتنا مع الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف)؟
- هل نحن الآن صادقون حينما تلونا عهدنا وعقدنا؟
- هل سنفي لصاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بعهدنا وعقدنا؟
- هل عملنا بوظائفنا؟
- هل لدينا توجّه كامل وتامّ نحو مضامين هذا الدعاء؟
- هل لاحظنا الشروط الأخرى للرجعة؟
الجنود الذين استعدّوا وتجهّزوا للقتال، يدعون كما يقول القرآن الكريم: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
يقول تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾(٢٨٠).
وقد سأل رجلٌ أميرَ المؤمنين (عليه السلام) عن قول الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(٢٨١)، فقال: فما بالنا ندعو فلا يجاب؟ قال (عليه السلام): "إنّ قلوبكم خانت بثمان خصال:
أوّلها: أنّكم عرفتم الله فلم تؤدّوا حقّه كما أوجب عليكم، فما أغنت عنكم معرفتكم شيئاً.
والثانية: أنّكم آمنتم برسوله ثمّ خالفتم سنّته وأمتّم شريعته، فأين ثمرة إيمانكم؟
والثالثة: أنّكم قرأتم كتابه المنزل عليكم، فلم تعملوا به، وقلتم سمعنا وأطعنا، ثمّ خالفتم.
والرابعة: أنّكم قلتم إنّكم تخافون من النار، وأنتم في كلّ وقت تقدمون إليها بمعاصيكم، فأين خوفكم؟
والخامسة: أنّكم قلتم إنّكم ترغبون في الجنّة، وأنتم في كلّ وقت تفعلون ما يباعدكم منها، فأين رغبتكم فيها؟
والسادسة: أنّكم أكلتم نعمة المولى ولم تشكروا عليها.
والسابعة: أنّ الله أمركم بعداوة الشيطان وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾(٢٨٢), فعاديتموه بلا قول، وواليتموه بلا مخالفة.
والثامنة: أنّكم جعلتم عيوب الناس نصب عيونكم، وعيوبكم وراء ظهوركم، تلومون من أنتم أحقّ باللوم منه.
فأيّ دعاء يستجاب لكم مع هذا، وقد سددتم أبوابه وطرقه؟ فاتقوا الله وأصلحوا أعمالكم، وأخلصوا سرائركم، وأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، فيستجيب الله لكم دعاءكم"(٢٨٣).
هذا الحديث العظيم في معناه، يتحدّث بصراحة عن أنّ إجابة الدعاء وآثاره أمران مشروطان لا مطلقان، والشرط هو عمل الإنسان بوعوده ووفائه بعهوده. فقد عرفنا الكثير عن الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ولكنّنا لم نؤدِّ حقّه!
حقّاً، هل أعمالنا موافقة لسيرة إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وسنته؟
إنّ العمل بالأمور الثمانية المتقدّمة، التي هي في الحقيقة شروط استجابة الدعاء، كافٍ لتربية الإنسان المنتظِر، ولتوجيه قواه في مسير الحياة النافعة والمثمرة في الحياة المهدويّة.

المصادر والمراجع

١. ابن أبي الحديد، عزّ الدين أبو حامد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، قم، مؤسّسة تحقيقات ونشر معارف أهل البيت، لا تاريخ.
٢. ابن بابويه القمّي، عليّ بن الحسين، الإمامة والتبصرة من الحيرة، بيروت، مؤسّسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، ١٤٠٧هـ.ق.
٣. ابن بلبان، علاء الدين بن عليّ، صحيح ابن حبّان، بيروت، مؤسّسة الرسالة، الطبعة الثانية، ١٤١٤هـ.ق.
٤. ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد، بيروت، دار الفكر، ١٤٢٥هـ.ق، لا تاريخ.
٥. ابن شاذان بن جبرائيل، الفضائل، قم، منشورات الرضا (عليه السلام)،١٤٢٥هـ.ق.
٦. ابن شعبة الحرّانيّ، حسن بن عليّ، تحف العقول عن آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، طهران، مؤسّسة الخوانساريّ، ١٤٢٣هـ.ق.
٧. ابن طاووس، عليّ بن موسى، إقبال الأعمال، بيروت، مؤسّسة الأعلميّ، ١٤٢٦هـ.ق.
٨. ابن طاووس، عليّ بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف، قم، مؤسّسة الجزائريّ، ١٣٨٥هـ.ش.
٩. ابن طاووس، عليّ بن موسى، مصباح الزائر، قم، مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام)، ١٤١٧هـ.ق.
١٠. ابن المشهديّ، محمّد بن جعفر، المزار الكبير، قم، مؤسّسة القيّوم، ١٣٧٧ه.ش.
١١. أبو داوود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داوود، بيروت، دار الفكر، ١٤٢٧هـ.ق.
١٢. الأربليّ، عليّ بن عيسى، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (عليهم السلام)، تبريز، كتابچى حقيقت، ١٣٦٢هـ.ش.
١٣. البحرانيّ، السيّد هاشم، البرهان في تفسير القرآن، طهران، بنياد بعثت، ١٤١٦ هـ.ق.
١٤. الترمذيّ، محمّد بن عيسى، سنن الترمذيّ، دار الفكر، ١٤٢٥ هـ.ق.
١٥. الحرّ العامليّ، محمّد بن الحسن، إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، طهران، دار الكتب، ١٤٢٩ هـ.ق.
١٦. الحرّ العامليّ، محمّد بن الحسن، الأصول الستة عشر، قم، دار الحديث، ١٣٨٣هـ.ش.
١٧. الحرّ العامليّ، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة في تحصيل أحكام الشريعة، قم، مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام)، ١٤٢٨هـ.ق.
١٨. حقّي بروسويّ، إسماعيل، روح البيان، بيروت، دار الفكر، لا تاريخ.
١٩. الحويزيّ، عبد عليّ بن جمعة، تفسير نور الثقلين، قم، الطبعة الثانية، لا ناشر، لا تاريخ.
٢٠. الخامنئيّ، السيّد عليّ، إنسان ٢٥٠ عاماً، طهران، مؤسّسة جهادى، ١٣٩٠هـ.ش.
٢١. الخمينيّ، روح الله، تحرير الوسيلة، قم، انتشارات دار القلم، ١٣٦٦هـ.ش.
٢٢. الراغب الأصفهانيّ، حسين بن محمّد، المفردات، طهران، مؤسّسة مرتضويّ، الطبعة الثالثة، ١٣٨٣هـ.ش.
٢٣. رجائي، غلام عليّ، برداشت هاي أز سيرة إمام خميني، طهران، دار العروج، ١٣٧٦هـ.ش.
٢٤. سليمان، كامل، يوم الخلاص، بيروت، دار الكتب، ١٤٢٩هـ.ق.
٢٥. الصافي الكلبايكاني، لطف الله، منتخب الأثر، قم، دار السيّدة فاطمة المعصومة، ١٣٨٥هـ.ش.
٢٦. الصدوق، محمّد بن عليّ، التوحيد، قم، جامعة المدرّسين، ١٤١٦هـ.ق.
٢٧. الصدوق، محمّد بن عليّ، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، قم، مؤسّسة سرور، ١٣٨١هـ.ش.
٢٨. الصدوق، محمّد بن عليّ، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، مشهد، طوس، ١٣٧٨هـ.ش.
٢٩. الصدوق، محمّد بن عليّ، كمال الدين وتمام النعمة، قم، دار الحديث، ١٣٨٧هـ.ش.
٣٠. الصدوق، محمّد بن عليّ، معاني الأخبار، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، ١٣٧٢هـ.ش.
٣١. الطباطبائيّ، السيّد محمّد حسين، تفسير الميزان، ترجمة: السيّد محمّد باقر الموسويّ الهمدانيّ، قم، انتشارات جامعة مدرّسين، الطبعة الخامسة، ١٣٧٤هـ.ش.
٣٢. الطبرسيّ، حسن بن فضل، مكارم الأخلاق، ترجمة: إبراهيم ميرباقري، فراهانى، ١٣٨١هـ.ش.
٣٣. الطبرسيّ، عماد الدين قاسم، بشارة المصطفى لشيعة المرتضى، قم، مصطفويّ، ١٤٢٥هـ.
٣٤. الطبريّ، محمّد بن جرير، دلائل الإمامة، النجف، المطبعة الحيدريّة، ١٤٢٠هـ.ق.
٣٥. الطوسيّ، محمّد بن الحسن، الغَيبة، قم، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، ١٤٢٩هـ.ق.
٣٦. الطوسيّ، محمّد بن الحسن، مصباح المتهجّد، بيروت، مؤسّسة فقه الشيعة، ١٣٦٩هـ.ش.
٣٧. الطوسيّ، محمّد بن الحسن، الأمالي، قم، مؤسّسة ذوي القربى، ١٣٨٨هـ.ش.
٣٨. الطيب، عبد الحسين، أطيب البيان، قم، بنياد فرهنك إسلامي، ١٣٤١هـ.ش.
٣٩. العامليّ، جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بيروت، دار السيرة، ١٤٢٥هـ.ق.
٤٠. العياشيّ، محمّد بن مسعود، تفسير العياشيّ، طهران، المؤسّسة العلميّة، ١٣٨٠هـ.ش.
٤١. فقيه إيماني، محمّد باقر، فوز أكبر، توسّلات به إمام منتظر، قم، جمكران، ١٣٧٩هـ.ش.
٤٢. الفيض الكاشانيّ، الملّا محسن، الوافي، طهران، الدار الإسلاميّة، بلا تاريخ.
٤٣. الفيض الكاشاني، الملّا محسن، تفسير الصافي، مشهد، دار المرتضى، ١٣٩٩هـ.ش.
٤٤. القرطبيّ، محمّد بن أحمد، تفسير القرطبيّ، الرياض، دار السلام، ١٣٨٧هـ.ش.
٤٥. القمّيّ، الشيخ عبّاس، سفينة البحار، قم، دار الأسوة، ١٣٨٤هـ.ش.
٤٦. القمّيّ، الشيخ عبّاس، مفاتيح الجنان، قم، دار الروح، ١٤٢٨هـ.ق.
٤٧. القمّيّ، عليّ بن إبراهيم، تفسير القرطبيّ، ترجمة: جابر الرضوانيّ، قم، دار بني الزهراء (عليها السلام)، ١٣٨٨هـ.ش.
٤٨. القمّيّ، مشهدي محمّد بن محمّد رضا، تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، طهران، دار وزارة الإرشاد، ١٣٦٨هـ.ش.
٤٩. القندوزيّ، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودّة، بيروت، دار الأسوة، ١٤٢٥هـ.ق.
٥٠. الكفعميّ، إبراهيم، البلد الأمين، بيروت، مؤسّسة البلاغ، ١٤٢٨هـ.ق.
٥١. الكلينيّ، محمّد بن يعقوب، الكافي، بيروت، دار المرتضى،١٤١٢هـ.ق.
٥٢. الكورانيّ، عليّ وآخرون، معجم أحاديث الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، قم، مؤسسة المعارف الإسلاميّة، ١٤٢٥هـ.ق.
٥٣. المتّقي الهنديّ، عليّ بن حسام الدين، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، بيروت، دار الرسالة، ١٤٢٥هـ.ق.
٥٤. المجتهدي السيستانيّ، السيّد مرتضى، الصحيفة المهدويّة، قم، دار حاذق، ١٣٨٥هـ.ش.
٥٥. المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، بيروت، مؤسّسة الوفاء، ١٤٠٤هـ.ق.
٥٦. محمّدي الريشهريّ، محمّد، ميزان الحكمة، بيروت، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، ١٤٢٩هـ.ق.
٥٧. المفيد، محمّد بن محمّد، الإرشاد، بيروت، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، ١٤٢٩هـ.ق.
٥٨. مكارم الشيرازيّ، ناصر وآخرون، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، ١٣٧٤هـ.ش.
٥٩. الملكيّ التبريزيّ، جواد، أسرار الصلاة، بيروت، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، ١٤٠٥هـ.ق.
٦٠. الموحّد الأبطحيّ، محمّد باقر بن مرتضى، صحيفة الإمام الرضا (عليه السلام)، قم، دار السيّدة فاطمة المعصومة.
٦١. الموسويّ الأصفهانيّ، محمّد تقيّ، مكيال المكارم، قم، مؤسّسة جمكران، ١٣٨٥هـ.ش.
٦٢. النعمانيّ، محمّد بن إبراهيم، الغيبة، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، ١٣٦٥هـ.ش.
٦٣. نهاد نمايندكي مقام معظّم رهبري، توصيه ها، برسش ها، وباسخ ها، در محضر آيت الله جوادى آملي، قم، دفتر نشر معارف، بلا تاريخ.
٦٤. النوريّ، حسين بن محمّد تقيّ، مستدرك الوسائل، قم، مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام)، ١٤١٧هـ.ق.
٦٥. اليزدي الحائريّ، عليّ بن زين العابدين، إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب، قم، مؤسّسة أنوار الهدى، ١٣٨٤هـ.ش.

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج٥٣، ص٩٥.
(٢) برداشتهايى از سيره امام خميني (فارسي)، ج٣، ص٤٢.
(٣) المصدر نفسه، ج٣، ص٤٣.
(٤) سورة المائدة، الآية ١١٤.
(٥) سورة الإسراء، الآية ٣٦.
(٦) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٧٧، ص٢٦٩.
(٧) كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، ج٢، ص٥١٢.
(٨) كشف الغمّة، الأربليّ، ج٢، ص٤٧٨.
(٩) إلزام الناصب، علي اليزديّ الحائريّ، ج٢، ص١٦٥.
(١٠) المصدر نفسه، ص٢٣٦.
(١١) الغيبة، النعمانيّ، ص٣١٦، المائدة: ٥٤.
(١٢) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.
(١٣) سورة البقرة، الآية ٢٥٥.
(١٤) التوحيد، الصدوق، ص٣٢٧.
(١٥) الخصال، الصدوق، ص٥٢٣.
(١٦) التوحيد، الصدوق، ص٣٢٧.
(١٧) سورة البقرة، الآية ٩٧.
(١٨) سورة آل عمران، الآية ١٩.
(١٩) سورة القمر، الآية ٥٢.
(٢٠) سورة النساء، الآية: ٦٣, سورة الإسراء، الآية: ٥٥.
(٢١) سورة هود، الآية: ١٧.
(٢٢) الكافي، الكلينيّ، ج ٢، ص٦٠١.
(٢٣) إقبال الأعمال، ابن طاووس، ج ٢، ص٧١٢.
(٢٤) راجع: تفسير القرطبيّ، ج١٤، ص٣٤٠ (نسبَه إلى قيل).
(٢٥) مستدرك الوسائل، الميرزا النوريّ، ج ٤، ص٢٣٢، نقلاً عن تفسير أبي الفتوح الرازيّ. وقريب من هذه الرواية عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لسلمان مع اختلاف في قوله: "يوم الحسرة وظُلَل يوم الحَرور", انظر: جامع الأخبار، فصل ٢١، ص٤١.
(٢٦) سورة الحجر، الآية: ٨٧.
(٢٧)سورة يونس، الآية: ١, سورة لقمان، الآية: ٢.
(٢٨) نهج البلاغة، الخطبة ١٥٨.
(٢٩) نهج البلاغة، الخطبة ١٩٨.
(٣٠) المصدر نفسه، الخطبة ١٧٦.
(٣١) المصدر نفسه، الخطبة ١٥٦.
(٣٢) المصدر نفسه، الخطبة ١٧٦.
(٣٣) المصدر نفسه، الخطبة ١٧٦.
(٣٤) المصدر نفسه، الخطبة ١٧٦.
(٣٥) المصدر نفسه، الخطبة ١٧٦.
(٣٦) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٧٤، ص١٣٤.
(٣٧) نهج البلاغة، الخطبة ١٥٦.
(٣٨) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٨٩، ص١٩، (والرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)).
(٣٩) نهج البلاغة، قسم الرسائل، ٤٧.
(٤٠) سورة آل عمران، الآية: ٧٩.
(٤١) سورة البقرة، الآية: ٩٨.
(٤٢) سورة الانفطار، الآية: ١١.
(٤٣) سورة الصافات، الآية: ١٦٤.
(٤٤) سورة النبأ، الآية: ٣٨.
(٤٥) سورة المعارج، الآية: ٤.
(٤٦) سورة القدر، الآية: ٤.
(٤٧) تفسير الأمثل، ناصر مكارم الشيرازيّ، ج ٩، ص٤٦٧ - ٤٦٨.
(٤٨) نهج البلاغة، الخطبة ١٠٨.
(٤٩) تفسير الأمثل، ناصر مكارم الشيرازيّ، ج ٩، ص٤٦٨.
(٥٠) تفسير الأمثل، ناصر مكارم الشيرازيّ، ج ١، ص٣٧١.
(٥١) المصدر نفسه، ج ٣، ص٥٤٤.
(٥٢) نهج البلاغة, الوصيّة ٤٧.
(٥٣) سورة النجم, الآيتان: ٨-٩.
(٥٤) سورة الأحزاب، الآيتان: ٤٥-٤٦.
(٥٥) التوحيد، الصدوق، ص١١٧.
(٥٦) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٩٥، ص٢١٩، إقبال الأعمال، ابن طاووس، ج ١، ص٣٤٣.
(٥٧) سورة الأحزاب، الآيتان: ٤٥-٤٦.
(٥٨) سورة المائدة، الآية: ١٢٠.
(٥٩) سورة التوحيد، الآية: ٣.
(٦٠) سورة الفرقان، الآية: ٥٨.
(٦١) دعاء الجوشن الكبير، الفقرة ٧٠.
(٦٢) المفردات، الراغب الأصفهانيّ، ذيل كلمة "قيُّوم"، ص١٥٦.
(٦٣) نهج البلاغة، الخطبة رقم ١٠٨.
(٦٤) الدعوات، الراونديّ، ص٤٥.
(٦٥) أطيب البيان، عبد الحسين الطيب الأصفهانيّ، ذيل الآية الشريفة.
(٦٦) سورة الحديد، الآية: ١٢.
(٦٧) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٤٠، ص٤٤.
(٦٨) سورة الزمر، الآية: ٦٩.
(٦٩) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٥٢، ص٣٣٧.
(٧٠) إقبال الأعمال، ابن طاووس، ج ٢، ص٨٠.
(٧١) البلد الأمين، ابن طاووس، ص٤٠٨.
(٧٢) سورة الحج، الآية: ٦.
(٧٣) سورة الأعراف، الآية: ١٥٨.
(٧٤) سورة النجم، الآية: ٤٢.
(٧٥) السورة نفسها، الآية: ٤٤.
(٧٦) سورة البقرة، الآية: ٢٥٨.
(٧٧) السورة نفسها، الآية: ٢١.
(٧٨) سورة قريش، الآية: ٣-٤.
(٧٩) سورة الروم، الآية: ٤٠.
(٨٠) سورة الصافات، الآية: ٣٥.
(٨١) سورة البقرة، الآية: ١٦٣.
(٨٢) سورة الأنبياء، الآية: ٨٧.
(٨٣) سورة النحل، الآية: ٢.
(٨٤) مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج ١، ص٥١.
(٨٥) ثواب الأعمال، الصدوق، ص٢٠, التوحيد، الصدوق، ص٢٨.
(٨٦) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٩٣، ص١٩٦، ثواب الأعمال، ص٤.
(٨٧) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، الصدوق، ج ٢، ص١٣٤.
(٨٨) سورة الأنبياء، الآية: ٨٧.
(٨٩) أسرار الصلاة، الميرزا التبريزي، ص٣٥٩.
(٩٠) الإرشاد، المفيد، ج ٢، ص٣٨٣.
(٩١) الغيبة، الطوسي، ص٤٧١, الغيبة، النعمانيّ، ص٢٣٧.
(٩٢) دلائل الإمامة، الطبري الإماميّ، ص٤٦٩.
(٩٣) كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، ص٣٧٨.
(٩٤) مكيال المكارم، محمّد تقيّ الأصفهانيّ، ج ٢، ص٣٧٣، الوظيفة الإحدى والأربعون، وقد بيَّن في هذا المجال مطالب قيّمة.
(٩٥) سورة الأحزاب، الآية: ٥٦.
(٩٦) المفردات، الراغب الأصفهانيّ، مادة: "صل".
(٩٧) راجع: تفسير الأمثل، ناصر مكارم الشيرازيّ، حيث ذكر بحثاً مفصّلاً في ذيل الآية الشريفة، أيضاً: الأنوار الساطعة، ج ٥، ص٥٢٧.
(٩٨) سورة التوبة، الآية: ١٠٣.
(٩٩) مصباح المتهجِّد، الطوسيّ، ص٤٥.
(١٠٠) توصيه ها، برسش ها وباسخ ها، ص٧٨.
(١٠١) توصيه ها، برسش ها وباسخ ها، ص٩٦.
(١٠٢) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٩٩، ص٨٥.
(١٠٣) سورة الواقعة، الآيتان: ١٠-١١.
(١٠٤) سورة البقرة، الآية: ١١٥.
(١٠٥) سورة الرحمن، الآية: ١٧.
(١٠٦) سورة المعارج، الآية: ٤٠.
(١٠٧) سورة الحاقة، الآية: ١٧.
(١٠٨) معاني الأخبار، الصدوق، ص٢٩.
(١٠٩) سورة الأعراف، الآية: ٥٤.
(١١٠) سورة يونس، الآية: ٣.
(١١١) سورة الرعد، الآية: ٢.
(١١٢) سورة الحديد، الآية: ٤.
(١١٣) الميزان في تفسير القرآن، الطباطبائيّ، ج ٨، ص١٥٦- ١٥٨.
(١١٤) التوحيد، الصدوق، ص٣٢١.
(١١٥) سورة هود، الآية: ٧.
(١١٦) سورة الكهف، الآية: ١٠٩.
(١١٧) سورة الصافات، الآيتان: ١٧١ - ١٧٢.
(١١٨) سورة الشورى، الآية: ٢١.
(١١٩) سورة النساء، الآية: ١٧١.
(١٢٠) سورة البقرة، الآية: ١٢٤.
(١٢١) سورة التحريم، الآية: ١٢.
(١٢٢) سورة الأنفال، الآية: ٧.
(١٢٣) سورة الشورى، الآية: ٢٤.
(١٢٤) تفسير نور الثقلين، الحويزيّ، ج ٥، ص٧٨٨.
(١٢٥) الكافي، الكلينيّ، ج ٣، ص٢٥٩.
(١٢٦) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.
(١٢٧) الآية نفسها.
(١٢٨) سورة الأنعام، الآية: ٣.
(١٢٩) التوحيد، الصدوق، ص١٣٣.
(١٣٠) سورة الأنعام، الآية: ٣.
(١٣١) سورة الإسراء، الآية: ٦٠.
(١٣٢) سورة طه، الآية: ٩٨.
(١٣٣) سورة المجادلة، الآية: ٦.
(١٣٤) الآية نفسها.
(١٣٥) الآية نفسها.
(١٣٦) الآية نفسها.
(١٣٧) الآية نفسها.
(١٣٨) سورة المجادلة، الآية: ٧.
(١٣٩) سورة التغابن، الآية ٤.
(١٤٠) الكافي، الكلينيّ، ج ٨، ص٢٦٨.
(١٤١) الوافي، الفيض الكاشانيّ، ج ١٠، ص٣٣٤, الكافي، الكلينيّ، ج ١، ص٥٤٨.
(١٤٢) وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج ٩، ص٥٤١, كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، ج ٢، ص٥٢١.
(١٤٣) الوافي، الفيض الكاشانيّ، ج ١٠، ص٣٣٧, تحرير الوسيلة، الإمام الخمينيّ، ج ١، ص٣٣٤، بتفاوت بسيط, تفسير العيّاشيّ، العيّاشيّ، ج ٢، ص٦٣.
(١٤٤) الكافي، الكلينيّ، ج ١، ص٥٤٥.
(١٤٥) تحرير الوسيلة، الإمام الخمينيّ، ج ١، كتاب الخمس.
(١٤٦) سورة الأنبياء، الآية: ٩٠.
(١٤٧) سورة النساء، الآية: ٥٩.
(١٤٨) سورة المائدة، الآية: ٥٥.
(١٤٩) الكافي، الكلينيّ، ج ١، ص١٨٧.
(١٥٠) الصحيح من سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، السيد جعفر مرتضى العاملي، ج ١، ص١٢٥.
(١٥١) المصدر نفسه.
(١٥٢) الصحيح من سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، السيد جعفر مرتضى العاملي، ج ١، ص١٢٥.
(١٥٣) سورة آل عمران، الآية: ١٣٣.
(١٥٤) سورة الحديد، الآية: ٢١.
(١٥٥) سورة المؤمنون، الآية: ٦١.
(١٥٦) سورة المائدة، الآية: ٦٢.
(١٥٧) سورة الحشر، الآية: ١٠.
(١٥٨) سورة الحديد، الآية: ١٠.
(١٥٩) سورة المطفّفين، الآية: ٢٦.
(١٦٠) سورة البقرة، الآية: ١٤٨.
(١٦١) سورة الأنعام، الآية: ٩٠.
(١٦٢) سورة المائدة، الآية: ١٨.
(١٦٣) سورة الواقعة، الآيتان: ١٠ - ١١.
(١٦٤) سورة آل عمران، الآية: ١٣٣.
(١٦٥) سورة طه، الآيتان: ٨٣ - ٨٤.
(١٦٦) مصباح الشريعة المنسوب إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، ص١٩٦.
(١٦٧) سورة آل عمران، الآية: ١٦٩.
(١٦٨) وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج ١٠، ص١١.
(١٦٩) مستدرك الوسائل، الميرزا النوريّ، ج ١١، ص١٣.
(١٧٠) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٧١، ص٦١.
(١٧١) المصدر نفسه، ج ٢، ص١٥, قرب الإسناد، ص٦٤.
(١٧٢) وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج ١٠، ص٩.
(١٧٣) ميزان الحكمة، ج ٢، ص١٥١٨.
(١٧٤) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٩٧، ص٨، الكافي، الكلينيّ، ج ٥، ص٢.
(١٧٥) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٩٧، ص١١, عيون أخبار الرضا، الصدوق، ج ٢، ص٢٨.
(١٧٦) تفسير نور الثقلين، الحويزيّ، ج ٢، ص٢٤١.
(١٧٧) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ١٠٠، ص٨, الأمالي، الطوسيّ، ص٤٨٨.
(١٧٨) وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، ج ١١، ص٦.
(١٧٩) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٩٧، ص١٣.
(١٨٠) سورة الصف, الآية: ٤.
(١٨١) ابن المشهدي، المزار الكبير، ص٦٥٨.
(١٨٢) المصدر نفسه، ص٥٨٨.
(١٨٣) سورة النمل، الآية: ٨٣.
(١٨٤) سورة الكهف، الآية: ٤٧.
(١٨٥) سورة البقرة، الآية: ٢٤٣.
(١٨٦) سورة البقرة، الآية: ٥٦.
(١٨٧) سورة المائدة، الآية: ١١٠.
(١٨٨) سورة البقرة، الآية: ٢٥٩.
(١٨٩) هذه الفائدة أخذناها من موقع (emamraoof) إمام رؤوف. وإنّ دروس في معرفة إمام الزمان، وشرح مقاطع من دعاء العهد الموجودة على الموقع، فيها فوائد جديرة بالملاحظة.
(١٩٠) وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، (طبعة الإسلاميّة)، ج ٢، ص٧٢٥.
(١٩١) الكافي، الكلينيّ، ج ٣، ص٢٥٦.
(١٩٢) وسائل الشيعة، الحرّ العامليّ، (طبعة الإسلاميّة)، ج ٢، ص٧٣٢ - ٧٣٣.
(١٩٣) صحيفة الرضا (عليه السلام)، جواد القيّوميّ، ص٩١.
(١٩٤) مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم عجل الله تعالى فرجه الشريف، محمّد تقيّ الأصفهانيّ، ج ١، ص١١٣.
(١٩٥) كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، ج ١، ص٢٨٦.
(١٩٦) المصدر نفسه، ج ٢، ص٤٠٩.
(١٩٧) المشرب: الممزوج.
(١٩٨) أدعج العينين: أسودهما مع سَعة.
(١٩٩) شَثن الأطراف: خشنها.
(٢٠٠) أُفرغ: صُبَّ.
(٢٠١) البراثن: الكفّ مع الأصابع.
(٢٠٢) المُشاشة: رؤوس العظام الليّنة التي يمكن مضغها، كالمرفقين والكفّين والركبتين.
(٢٠٣) الاسترسال: الاستئناس بالناس وطمأنينته إليهم.
(٢٠٤) السُربة: الشعر وسط الصدر إلى البطن.
(٢٠٥) اللُبّة: موضع القلادة من الصدر.
(٢٠٦) الكاهل: أعلى الظهر ممّا يلي العنق.
(٢٠٧) تكفّأ: عاد وتمايل في مشيه.
(٢٠٨) الصَبَب: ما انحدر من الطريق أو الأرض.
(٢٠٩) الكافي، الكلينيّ، ج ١، ص٤٤٣.
(٢١٠) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٣٦، ص٣٣٧، كفاية الأثر، ص١٥٨.
(٢١١) المصدر نفسه، ج ٥١، ص٩١, كشف الغمّة، الأربليّ، ج ٢، ص٤٨١.
(٢١٢) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٥١، ص٩٥, كشف الغمّة، الأربليّ، ج ٢، ص٤٦٩.
(٢١٣) الناصع: الخالص.
(٢١٤) الواضح: الظاهر.
(٢١٥) البلجة: نقاوة ما بين الحاجبين، يقال رجل أبلج، بيّن البلج إذا لم يكن مقروناً.
(٢١٦) والمسنون: المملس، ورجل مسنون الوجه إذا كان في وجهه وأنفه طول.
(٢١٧) القَنا في الأَنف: طوله ودِقَّة أَرْنبته مع حدَب في وسطه.
(٢١٨) الشمم ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه.
(٢١٩) الوفرة: الشعرة إلى شحمة الأذن.
(٢٢٠) السحماء: السواد.
(٢٢١) شعر سبط بفتح الباء وكسرها: أي مسترسل غير جعد.
(٢٢٢) السمت: هيئة أهل الخير.
(٢٢٣) كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، ص٤٤٦.
(٢٢٤) جاء في تفسير نور الثقلين: "... فلمّا فرغ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من صلاته، رفع رأسه إلى السماء، وقال: اللهمّ، إنّ أخي موسى سألك فقال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾, فأنزلتَ عليه قرآناً ناطقاً: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾، اللهمّ وأنا محمّد نبيّك وصفيّك، اللهمّ فاشرح صدري، ويسّر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً، اشدُد به ظهري", ( تفسير نور الثقلين، الحويزي، ج ٣، ص٣٧٦).
(٢٢٥) سورة هود، الآية: ٦١.
(٢٢٦) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٣٣، ص٥٩٩.
(٢٢٧) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٩٧، ص٢٥.
(٢٢٨) المصدر نفسه، ج ٧٣، ص٣١٩.
(٢٢٩) سورة النساء، الآية: ١٦٠.
(٢٣٠) مستدرك الوسائل، الميرزا النوريّ، ج ١٣، ص٣٧٢.
(٢٣١) سورة المائدة، الآية: ٦٦.
(٢٣٢) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٢٤، ص٢٤١.
(٢٣٣) نهج البلاغة، الرسالة: ٥٣.
(٢٣٤) مستدرك الوسائل، الميرزا النوريّ، ج ١٣، ص١٦٧.
(٢٣٥) سورة الحديد، الآية: ١٧.
(٢٣٦) سورة فصلت، الآية: ٣٩.
(٢٣٧) سورة الأنعام، الآية: ١٢٢.
(٢٣٨) سورة النحل، الآية: ٩٧.
(٢٣٩) منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، لطف الله الصافي الگلپايگاني، ص٢٤٧.
(٢٤٠) سنن أبي داود، ج ٤، ص٨٧.
(٢٤١) ينابيع المودّة، القندوزيّ، ج ٣، باب ٧٣، ص٢٦٩.
(٢٤٢) كنز العمال، المتّقيّ الهنديّ، ج ٧، ص٢٦١.
(٢٤٣) شرح نهج البلاغة، (ابن أبي الحديد)، ج ١، ٢٨١.
(٢٤٤) ينابيع المودّة، القندوزيّ، ج ٣، ص٣٩٨ و٣٩٩ و٣٨٦ و٣٩٦, منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، لطف الله الصافي الگلپايگاني، ص٢٣٦.
(٢٤٥) مسند أحمد، أحمد بن حنبل ج ١، ص٣٧٦ و٣٧٧ و٤٤٨, صحيح ابن حبّان، ج ١٣، ص٢٨٤, المعجم الأوسط، الطبرانيّ، ج ٧، ص٥٤, المعجم الكبير، الطبرانيّ، ج ١٠، ص١٣١-١٣٧, المعجم الصغير، الطبرانيّ، ج ٢، ص١٤٨, معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، عليّ الكورانيّ، ج ١، ص١١٣، و٢٥٨, ينابيع المودّة، القندوزيّ، ج ٣، ص٣٨٦, الإمامة والتبصرة، ابن بابويه القمّيّ، ص١١٩, بغية الباحث، الهيثميّ، ص٢٤٨, موارد الظمآن، الهيثميّ، ص ٤٦٤, كنز العمّال، المتّقي الهنديّ، ج ١٤، ص٢٦٣, بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٢٨، ص٤٦, منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، لطف الله الصافي الگلپايگاني، ص٢٣٦.
(٢٤٦) سنن الترمذيّ، ج ٣، ص٣٤٣.
(٢٤٧) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٥١، ص٧٢, كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، ج ١، ٢٨٦.
(٢٤٨) سورة التوبة، الآية: ٣٣.
(٢٤٩) سورة الروم، الآية: ٦.
(٢٥٠) تفسير كنز الدقائق، المشهديّ، ج١٣، ص٢٣٤, تفسير الصافي، الفيض الكاشانيّ، ج٢، ص٣٢٨, البرهان، الطوسيّ، ج٥، ص٣٦٧.
(٢٥١) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج٣٧، ص٢١١-٢١٣.
(٢٥٢) سورة النمل، الآية: ٣٤.
(٢٥٣) سورة الإسراء، الآية: ٨١.
(٢٥٤) سورة الرعد, الآية: ١٣.
(٢٥٥) سورة الأنبياء، الآية: ١٨.
(٢٥٦) تفسير نور الثقلين، الحويزيّ، ج٣، ص٢١٣, الخرائج والجرائح، الراونديّ، ج١، ص٤٥٦, الغيبة، الطوسيّ، ص٢٣٩.
(٢٥٧) الكافي، الكلينيّ، ج٨، ص٢٨٧.
(٢٥٨) كنز العمّال، المتّقي الهنديّ، ج١٤، ص٢٦٦، ح ٣٨٦٧, كشف الغمّة، الأربليّ، ج٢، ص٤٧١.
(٢٥٩) مسند أحمد بن حنبل، ج٢، ص٧٧٤.
(٢٦٠) سورة الإسراء، الآية: ٨٠.
(٢٦١) نهج البلاغة، الخطبة رقم: ١٣٨.
(٢٦٢) إثبات الهداة، الحرّ العامليّ، ج ٣، ص ٥٤٢.
(٢٦٣) المراد: الأصنام المنحوتة منه.
(٢٦٤) القرّ: البرد.
(٢٦٥) الغيبة، النعمانيّ، ص٣٠٧.
(٢٦٦) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٥١، ص٧٣, كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، ج٢، ص٤١١.
(٢٦٧) إثبات الهداة، الحرّ العامليّ، ج٥، ص٢١٨, الأصول الستّة عشر، ص٦٣.
(٢٦٨) سورة المائدة، الآية: ٥٦.
(٢٦٩) سورة المجادلة، الآية: ٢٢.
(٢٧٠) مصباح المتهجّد، الطوسيّ، ص٤٩.
(٢٧١) المصدر نفسه، ص١٥٦.
(٢٧٢) مصباح المتهجّد، الطوسيّ، ص١٥٧.
(٢٧٣) كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، ج٢، ص٣٨٤.
(٢٧٤) سورة الفتح، الآية: ٢٠.
(٢٧٥) سورة طه، الآية: ٨٤.
(٢٧٦) نهج البلاغة، الحكمة: ٣٣٧.
(٢٧٧) سورة البقرة، الآية: ٢٥٠.
(٢٧٨) مكارم الأخلاق، الطبرسيّ، ص٢٧٥.
(٢٧٩) سورة غافر، الآية: ٦٠.
(٢٨٠) سورة الشورى، الآية: ٢٦.
(٢٨١) سورة غافر، الآية: ٦٠.
(٢٨٢) الآية نفسها.
(٢٨٣) بجار الأنوار، المجلسيّ، ج٩٠، ص٣٧٦.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ١ / ٤.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved