فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » الطريق إلى المهدي المنتظر عليه السلام
 كتب أخرى

الكتب الطريق إلى المهدي المنتظر عليه السلام

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: سعيد أيوب تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٨ المشاهدات المشاهدات: ٢٣١٢١ التعليقات التعليقات: ٠

الطريق إلى المهدي المنتظر

تأليف: سعيد أيوب

فهرس المطالب

كلمة المركز
الفصل الأول: نور الظلام
أولا: موكب الحجة
ثانيا: التحذيرات الذهبية
ثالثا: العترة بين التحذير والابتلاء
الفصل الثاني: أضواء على المسيرة
أولا: أضواء على الساحة بعد وفاة النبي
ثانيا: أضواء على حركة الاجتهاد والرأي
ثالثا: المقدمات العمرية والنتائج الأموية
رابعا: من معالم المسيرة
الفصل الثالث: فجر الضمير
أولا: الظلم والجور
ثانيا: القسط والعدل

كلمة المركز

يسر مركز الغدير للدراسات الإسلامية أن ينشر هذا البحث تحية لروح كاتبة الذي انتقل إلى جوار ربه بعد معاناة طويلة مع الألم والمرض وبعد حياة قصيرة بحساب أعمال البشر ولكنها ممتدة غنية بحساب المواقف والأثر.
لقد آمن المؤلف الراحل بالاسلام أعمق الإيمان وأصدقه ونذر حياته الفكرية والعملية كلها من أجل جلاء صورته وتبيين معالم خطه الأصيل المتمثل بخط أئمة الهدى من أهل بيت النبوة (ع)، ولهذا انصبت بحوثه كلها تقريبا حول قضية الإمامة والوصاية وإثبات كونها سنة إلهية تاريخية عرفتها كل النبوات السابقة، وضرورة هداية ربانية اقتضتها استمرارية النبوة الخاتمة لنبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم وفي هذا البحث الذي استللناه من مؤلف المفكر الراحل (ابتلاءات الأمم) يناقش المؤلف - رحمه الله - جانبا مهما من جوانب عقيدة الإمامة وركنا من أركانها الأساسية وهو عقيدة المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجة.
رحم الله تعالى المؤلف الفقيد رحمة واسعة ونفع قراءه بعلمه ومؤلفاته القيمة. والله تعالى من وراء القصد، وهو ولي التوفيق.

مركز الغدير للدراسات الإسلامية

الفصل الأول: نور الظلام

أولا: موكب الحجة
بعد وفاة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم انطلقت المسيرة الخاتمة تحت سقف الامتحان والابتلاء، بعد أن أقيمت عليها الحجة في عهد البعثة، قال تعالى (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين * ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) (يونس: ١٣ - ١٤). ومن فضل الله - تعالى - على بني الإنسان أنه أحاط القافلة البشرية الخاتمة بالحجة الدائمة، بمعنى أن المعجزات التي كان الله - تعالى - يؤيد بها رسله قبل البعثة الخاتمة كانت تنتهي بوفاة الرسول، ولكن الله عندما استخلف الأمة الخاتمة أيدها بمعجزات، منها ما انتهى بوفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها ما استمر بعد وفاته وسار مع القافلة على امتداد المسيرة، ومن أمثلة ذلك القرآن الكريم وأحاديث الإخبار بالغيب، فهذه المعجزات مهمتها إرشاد بني الإنسان إلى طريق الهداية، الذي تتحقق به السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، وهي شاهد صدق على نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بمعنى أن إرشادات النبي وتعاليمه، هي في حقيقة الأمر دعوة إلى الجنس البشري، على امتداد المسيرة من الحاضر إلى المستقبل، للإيمان بنبوة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، فمن تبين حقيقة إرشاده، ولم يؤمن به في أي زمان، كان كمن كذبة عند بداية البعثة ونزول الوحي، ويقتضي المقام أن نلقي بعض الضوء على هذه المعجزات:
معجزات بين يدي الموكب
١ - القرآن الكريم
القرآن معجزة باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها وقد تولى الله حفظه، فلا يمكن بحال أن يناله التغيير أو التبديل، قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩)، وجميع المعارف الإلهية والحقائق الموجودة في القرآن تستند إلى حقيقة واحدة هي التوحيد، ولقد وصف الله - تعالى - القرآن بالحكيم، لأنه كتاب لا يوجد فيه نقطة ضعف أو لهو حديث، ولا انحراف فيه في جميع الأحوال، كما لا يوجد فيه أي اختلاف وفي هذا دليل على أنه منزل من الله تعالى، لأن أقوال الناس لا تخلو - في المراحل المختلفة - من الاختلاف والانحراف ولهو الحديث ونقاط الضعف، وعجز الناس على الإتيان بمثل القرآن دليل على إعجازه، وعجز المشركين عن معارضته دليل على التوحيد، وخضوع الأعناق للقرآن يعني أن إسناده إلى الله - تعالى - يحتاج إلى دليل سوى القرآن نفسه.
وفي عهد البعثة كان القرآن الملجأ الوحيد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان يقيم حجته على الناس، ولقد بين لهم النبي الخاتم ما أنزل إليهم من ربهم على امتداد البعثة، وألزم القرآن الناس بأن يكون لهم في النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة، وجعل اتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شرطا في حب الله، ولقد بين القرآن والسنة - منذ اليوم الأول للمسيرة - أن كل رأي ديني يجب أن ينتهي إلى القرآن الكريم، حتى لا يتمكن الأجانب من نشر الأباطيل بين المسلمين، كما بين القرآن والسنة أن كتاب الله لا يقبل النسخ والإبطال والتهذيب والتغيير، وأن أي تعطيل سيفتح الطريق أمام سنن الأولين.
٢ - الإخبار بالغيب عن الله
من لطف الله - تعالى - بعبادة أنه أخبر على لسان الأنبياء والرسل بالغيب، فأخبر بما ينتظر الإنسان في اليوم الآخر حيث أهوال القيامة ولهيب النار ونعيم الجنة، وأخبر بأساليب الشيطان وإلقاءاته إلى قيام الساعة، كما أخبر بمضلات الفتن، مقدماتها ونتائجها، وأخبر بالأمور العظيمة التي ما زالت في بطن الغيب، والإخبار بالغيب حجة بذاته، وبه يمتحن الله - تعالى - عبادة، قال عز وجل: (ليعلم الله من يخافه بالغيب) (المائدة: ٩٤)، وقال:
(وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) (الحديد: ٢٥).
وإن أي حدث لا بد أن تكون له مقدمة يترتب عليها نتيجة، والناس عند صنعهم لمقدمة الحدث، كبيرا كان أو صغيرا، يعلمون جانب الحلال فيه وجانب الحرام، بما أودعه الله فيهم من الفطرة، ولأن الله - تعالى -، وهو العليم المطلق، يعلم مصير هذه المقدمة وما يترتب عليها من نتائج ما زالت في بطن الغيب، يخبر - سبحانه - على لسان الأنبياء والرسل بما ينتظر الناس من نتائج، لكي يأخذوا بأسباب الهدى ويتجنبوا أسباب الضلال، وباختصار:
فإن من أخذ بأسباب الدجال سقط في سلته، وهوى في نار جهنم يوم القيامة، ومن أخذ بأسباب الهدى شرب من حوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
إن الله - تعالى - يمتحن الناس بأخذهم الأسباب، وهم تحت مظلة الامتحان والابتلاء يتمتعون بحرية الأخذ بها، وكل مسيرة - على امتداد الزمان - يتخللها ماض وحاضر ومستقبل، والماضي يحمل دائما في أحشائه الزاد، ومهمة الحاضر أن يستمد منه أسباب، والهدى، وينطلق بها إلى المستقبل، فمن أدركه الموت وهو على هدى، بعثة الله على نفس السبب، وكل إنسان سيصل إلى ما هاجر إليه، وإن أخبار الغيب التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كشفت المسيرة، وظهر ما في بطونها من زاد الماضي، وإذا وقف الحاضر أمام هذا الزاد ثم رجع القهقري بتحليل الحوادث التاريخية، يصل إلى المقدمة في الماضي البعيد، فإذا أمعن النظر فيها وجد أنها تحتوي على أصول القضايا وأعراقها التي يراها في حاضره فكما تكون المقدمة تكون النتيجة، الدعوة الإلهية الخاتمة أمرت باتقاء الفتن، وهذا لا يتحقق إلا بالبحث في أصول القضايا، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون * واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (الأنفال: ٢٤ - ٢٥)، النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أن الحاضر إذا رضي بانحراف الماضي، شارك بالمشاهدة وإن لم يحضر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا علمت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها)(١).
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بين لأمته المقدمات والنتائج حتى قيام الساعة، ليكونوا على بينة من أمرهم ويأخذوا بأسباب الأهداف التي لله فيها رضا، فعن أبي زيد قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا احفظنا)(٢)، وعن أنس قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا تسألون عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا)(٣) وعن حذيفة قال: (والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة في ما بيني وبين الساعة، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن، فقال صلى الله عليه وآله وسلم وهو يعدها: منهن ثلا ث لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري)(٤)، وعنه أيضا أنه قال: (ما من ثلاثمائة تخرج إلا ولو شئت سميت سائقها وناعقها إلى يوم القيامة)(٥)، وقال أيضا: (والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ معه ثلاثمائة فصاعدا، إلا قد سماه باسمه واسم أبيه واسم قبيلته)(٦).
لقد أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحجة عند المقدمة، وهو يخبر بالغيب عن ربه، وعندما انطلقت المسيرة بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم تحت سقف الامتحان والابتلاء، لم تخل المسيرة من الفتن، بدليل أن حذيفة الذي يعرف الفتن وقادتها قال بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأقل من ثلاثين عاما: (إنما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان)(٧)، وقال: (إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون)(٨)، وقال: (إن كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيصير منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات)(٩).
والطريق من توضيح النبي للفتن وهي في بطن الغيب إلى ظهور الفتن في عالم المشاهدة، طريق يخضع للبحث، بهدف اتقاء الفتن المهلكة، وحصار وقودها في دائرة الذين ظلموا خاصة، وعدم البحث في هذا الطريق يفتح أبوابا عديدة، منها مشاركة الذين ظلموا إذا رضي عن فعلهم، لأن الراضي عن فعل قوم كالداخل معهم، وقد جاء في الحديث الشريف: (المرء مع من أحب)(١٠)، وكما أن عدم البحث يلقي بالحاضر على الماضي، فكذلك يلقي به على ما يستقبله من فتن مهلكة. عن حذيفة أنه قال: (تعرض الفتن على القلوب، فأي قلب أنكرها نكتت في قلبه نكتة بيضاء، وأي قلب لم ينكرها نكتت في قلبة نكتة سوداء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخرة أسود مربدا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب في هواه)(١١). وما زالت في بطن الغيب أحداث وأحداث، لا ينجو منها العالم إلا بعلمه، وكذلك فإن هناك أحداثا إذا جاءت لا ينفع نفسا إيمانها يومئذ، لأنها لم تبحث على امتداد الطريق فأنتج ذلك عدم معرفة الحق على امتداد الطريق، ولما كان الحق عند هذه النفس يخضع لتحديد الأهواء، تسقط النفس في سلة الدجال التي تحتوي على جميع الأهواء، وما يستقبل الناس من آيات كبرى، جاء في قوله تعالى:
(يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون) (الأنعام: ١٥٨)، (فالآية الكريمة بينت أن هناك آيات لا ينفع عند ظهورها إيمان، ومن لم يكن مصلحا يومئذ تائبا لم تقبل منه توبته، كما أن الله لا يقبل عملا صالحا من صاحبه إذا لم يكن قد عمل به قبل ذلك، ومن هذه الآيات: الدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى بن مريم، وخروج الدجال، وطلوع الشمس من مغربها)(١٢).
وبالجملة، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب عن ربه جل وعلا، ليأخذ الناس بأسباب الهداية نحو ما يستقبلهم من أحداث ما زالت في بطن الغيب والأخذ بالأسباب من الوسائل التي يمتحن الله - تعالى - بها عبادة، وإخبار الرسول بالغيب هو في حقيقته دعوة للإيمان بالله، لأنه يأمر بالاستقامة ويبين أن عدم الاستقامة يؤدي إلى كفران النعمة، ويفتح الطريق أمام الفتن، وكفران النعمة عقوبته سلب نعمة الهداية، وبه يأتي الهلاك، وطريق الفتن يلقي بأتباعه تحت أعلام الدجال، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا، صغيرة أو كبيرة، إلا لفتنة الدجال)(١٣).
ثانيا: التحذيرات الذهبية
١ - التحذير من لاختلاف
نهى الله - تعالى - في كتابه الكريم عن الاختلاف في الدين في أكثر من آية، منها قولة تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) (آل عمران: ١٠٥)، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا)(١٤)، وقال جل شأنه: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (آل عمران: ١٠٣)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)(١٥) وحذر - تعالى - من عاقبة الاختلاف في الدين في أكثر من آية في كتابه الكريم، منها قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) (الأنعام: ١٥٩)، قال المفسرون: أي إن الذين فرقوا دينهم بالاختلافات والانشعابات المذهبية بعد أن جاءهم العلم، ليسوا على طريقتك التي بنيت على وحدة الكلمة ونفي الفرقة، إنما أمرهم في هذا التفريق إلى ربهم فينبئهم يوم القيامة بما كانوا يفعلون، ويكشف لهم حقيقة أعمالهم، والآية عامة، تعم اليهود والنصارى المختلفين بالمذاهب والبدع من هذه الأمة.
وفي الوقت الذي أمرت فيه الدعوة الإلهية الخاتمة بعدم الاختلاف، أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب عن ربة العليم المطلق، بأن الأمة ستختلف من بعده وسيتبع بعضها سنن اليهود والنصارى، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة، فهلك إحدى وسبعون فرقة، وخلصت فرقة واحدة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة تهلك إحدى وسبعين وتخلص فرقة، قيل: يا رسول الله، من تلك الفرقة؟ قال، الجماعة، الجماعة)(١٦): أما اتباع سنن الأولين ففي قولة تعالى: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم * كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون) (التوبة: ٦٨ - ٦٩)، وروى ابن جرير أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في هذه الآية: (حذركم الله أن تحدثوا في الإسلام حدثا وقد علم أنه سيفعل ذلك أقوام من هذه الأمة، فقال تعالى: (فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم..) (الآية السابقة)، وإنما حسبوا أن لا يقع بهم من الفتنة ما وقع ببني إسرائيل قبلهم، وإن الفتنة عائدة كما بدأت)(١٧)، وروى ابن كثير عن ابن عباس، قال: (ما أشبه الليلة بالبارحة، (كالذين من قبلكم) هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل حجر ضب لدخلتموه)(١٨)، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لا تبعتموهم):، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟(١٩)، وقال المفسرون: إن المنافقين والمنافقات بعضهم من بعض، وإنهم جميعا والكفار ذو طبيعة واحدة في الإعراض عن ذكر الله والاقبال على الاستمتاع بما أوتوا من أعراض الدنيا من أموال وأولاد، والخوض في آيات الله، ثم في حبط أعمالهم في الدنيا والآخرة والخسران، ومعنى الآيات: أنتم كالذين من قبلكم، كانوا أشد منكم قوه وأكثر أموالا وأولادا، فاستمتعوا بنصيبهم، وقد تفرع على هذه المماثلة أنكم استمتعتم كما استمتعوا وخضتم كالذي خاضوا، أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون، وأنتم أيضا أمثالهم في الحبط والخسران.
لقد حذرت الدعوة الإلهية عند المقدمة من الاختلاف في الدين وذكرت أن الاختلاف بعد العلم لا يمكن أن يضع أصحابه على طريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنها طريقة بنيت على وحدة الكلمة ونفي الفرقة، وحذرت الدعوة أيضا من سلوك سبيل الذين أوتوا الكتاب، وبينت برامجهم وأهدافهم، وأخبرت بأنهم يصدون عن سبيل الله، ويعملون من أجل أن تضل الأمة وتتبع طريقتهم في الحياة، ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب عن ربه بما يستقبل الناس، ومنه: أن الأمة ستفترق وسيتبع بعضها طريقة اليهود والنصارى، والتحذير عند المقدمة فيه أن الصراع قائم بين الحق والباطل، وظهور الذين اتبعوا اليهود والنصارى عند نهاية الطريق، لا يعني سقوط المسيرة، وإنما يعني سقوط الغثاء والزبد الذي لا قيمة له وأعلام هؤلاء يحملها المنافقون والمنافقات، كما ظهر في صدر الآية الكريمة.
٢ - التحذير من أمراء السوء
حذرت الدعوة الخاتمة من الميل إلى الذين ظلموا، لأن على أعتابهم يأتي ضعف العقيدة وفقدان القدوة، وبينت أن قيام الذين ظلموا بتوجيه الحياة العقلية والدينية للأمة، ينتج عنه شيوع المشكلات الزائفة التي تشغل الرأي العام وتجعله داخل دائرة الصفر، حيث الجمود والتخلف، وعلى أرضية الجمود تفتح الأبواب لسنن الأولين، ومعها يختل منهج البحث ومنهج التفكير ومنهج الاستدلال، وبهذا يتم التعتيم على نور الفطرة وتغيب الحقيقة تحت أعلام الترقيع والتلجيم التي تلبست بالدين، قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) (هود: ١١٣)، قال المفسرون:
نهى الله - تعالى - النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته عن الركوع إلى من اتسم بسمة الظلم، بأن يميلوا إليهم، ويعتمدوا على ظلمهم في أمر دينهم أو حياتهم الدينية، لأن الاقتراب في أمر الدين أو الحياة الدينية من الذين ظلموا، يخرجهما عن الاستقلال في التأثير، ويغيرهما عن الوجهة الخالصة ولازم ذلك السلوك إلى الحق عن طريق الباطل، أو إحياء حق بإحياء باطل، أو إماتة الحق لإحيائه.
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن الأمة ستركن إلى هؤلاء، وأمر بأن تأخذ بالأسباب، لأن الله - تعالى - ينظر إلى عباده كيف يعملون، فعن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين)(٢٠) وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يهلك أمتي هذا الحي من قريش)، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: (لو أن الناس اعتزلوهم)(٢١)، وعن خباب بن الإرث قال: إنا لقعود على باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ننتظره أن يخرج لصلاة الظهر، إذ خرج علينا فقال: اسمعوا، فقلنا: سمعنا، ثم قال:
اسمعوا، فقلنا: سمعنا، فقال: (إنه سيكون عليكم أمراء فال تعينوهم على ظلمهم، فمن صدقهم بكذبهم فلن يرد علي الحوض)(٢٢)، وعن حذيفة قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سيكون عليكم أمراء يظلمون ويكذبون، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعينهم، فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض)(٢٣) ومن هذه الأحاديث يستنتج أن الأمراء ضد خط أهل البيت بدليل أنهم لن يردوا على الحوض، وفي الحديث أن أهل البيت مع القرآن ولن ينفصلا حتى يردا على الحوض، ويستنتج أيضا أن أهل البيت لن يكونوا في صدر القافلة، وأن هناك أحداثا ستؤدي إلى إبعادهم عن مركز الصدارة، بدليل وجود الأئمة المضلين وأمراء الظلم، فلو كان أهل البيت في الصدارة، ما اتخذوا هؤلاء بطانة لهم، لأن أهل البيت مع القرآن، والقرآن نهى عن ذلك وبالجملة، أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوجود تيار في بطن الغيب سيعمل ضد سياسة أهل البيت، وأن هذا التيار لن يرد على الحوض، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يبغضنا أحد ولا يحسدنا أحد إلا ذيد يوم القيامة عن الحوض)(٢٤) وقوله لعلي بن أبي طالب: (يا علي، معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة تذود بها المنافقين عن حوضي)(٢٥)، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمواجهة هذا التيار باعتزالهم وعدم إعانتهم وعدم تصديقهم، وروي عن ابن مسعود، قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم:
(إن رحي الإسلام دائرة، وإن الكتاب والسلطان سيفترقان، فدوروا مع الكتاب حيث دار، وستكون عليكم أئمة إن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم، قالوا: فكيف نصنع يا رسول الله؟ قال: كونوا كأصحاب عيسى، نصبوا على الخشب ونشروا بالمناشير، موت في طاعة، خير من حياة في معصية)(٢٦)، وروي عن معاذ قال: قلت يا رسول الله: أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك، فما تأمرني في أمرهم؟ فقال:
(لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل)(٢٧).
وروي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل، كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقع يده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم تلا قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم) إلى قوله: (فاسقون) (المائدة: ٧٨ - ٨١)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
(كلا - والله - لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا (أي: لتردنه إلى الحق)، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم)(٢٨)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإننا ننقبها من أسفلها فنستقي، فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعا، وإن تركوهم غرقوا جميعا)(٢٩).
كانت هذه بعض تعاليم النبوة لمواجهة الظلم والجور في وقت ما على امتداد المسيرة، أما بعد استفحال الظلم والجور، نتيجة للثقافات التي عمل منها المنافقون وأهل الكتاب غثاء مهمته النباح تأييدا للجلادين، والتصفيق للزبانية ومصاصي الدماء، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما ترون إذا أخرتم إلى زمان حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم ونذورهم فاشتبكوا، وكانوا هكذا (وشبك بين أصابعه)، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: تأخذون ما تعرفون وتدعون ما تنكرون، ويقبل أحدكم على خاصة نفسه، ويذر أمر العامة)(٣٠)، وفي رواية: اتق الله عز وجل، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بخاصتك وإياك وعوامهم)(٣١).
وبالجملة، بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن صنفا من الناس سيحرص على الإمارة من بعده، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنكم ستحرصون على الإمارة، وستصير حسرة وندامة يوم القيامة، نعمت المرضعة وبئست الفاطمة)(٣٢). نعم المرضعة: لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية، وبئست الفاطمة: أي بعد الموت لأن صاحبها يصير إلى المحاسبة. قال صلى الله عليه وآله وسلم (ليتمن أقوام ولوا هذا الأمر، أنهم خروا من الثريا وأنهم لم يولوا شيئا)(٣٣)، وليس معنى هذا أن الإسلام لا يعترف بالقيادة والإمارة، فالإسلام يقوم على النظام، وفيه لكل شيء ذروة، والحديث يحذر غير أصحاب الحق من أن ينازعوا الأمر أهله، لأنه في المنازعة ضياع للأمانة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قالوا كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال إذا أسند الأمر إلى غير أهله، فانتظروا الساعة)(٣٤). ويفسر هذا ما روي عن داود بن أبي صالح، قال: (أقبل مروان بن الحكم يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أتدري ما تصنع؟ وأقبل عليه وإذا هو أبو أيوب الأنصاري، فقال: نعم، جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم آت الحجر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله)(٣٥).
وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأمة أسباب الهدى على امتداد المسيرة، تحت مظلة الامتحان والابتلاء، بين الأسباب في عصر فيه الصحابة، وبينها في عصر فيه التابعون، وبينها في عصور جاءت بعد ذلك، والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون.
٣ - التحذير من ذهاب العلم
إن كل موجود يحظى بالعلم بقدر ما يحظى بالوجود، والله - تعالى - يرفع الذين آمنوا على غيرهم بالعلم، ويرفع الذين أوتوا العلم منهم درجات، بمعنى أن العلم له مكان في دائرة الذين آمنوا، وهذه الدائرة مراتب ولها ذروة، قال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (المجادلة: ١١)، وذروة الذين أوتوا العلم، مع الذين ارتبطوا بكتاب الله، ولن ينفصلوا حتى يردوا على الحوض، ومن دائرة الذروة تخرج المعارف الحقة والعلوم المفيدة، لأن الذين في الذروة هم العامل الذي يحفظ الأخلاق ويحرسها في ثباتها ودوامها، ولأن من عندهم تتدفق العلوم التي تصلح أخلاق الناس، ليكونوا أهلا لتلقي المزيد من المعارف الحقة التي لا تكون في متناول البشر إلا عندما تصلح أخلاقهم.
وكما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أمته بأن يمسكوا بحبل الله ليردوا على الحوض، أخبر كذلك - بالغيب عن ربه - بأن العلم سيرفع، ورفعه هو نتيجة لذهاب أوعيته، عن أبي الدرداء قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء فقال زياد بن لبيد: كيف يختلس منا، وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، قال: ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والانجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؟)(٣٦)، وفي رواية عن شداد بن أوس قال: (وهل تدري ما رفع العلم؟
ذهاب أوعيته)(٣٧)، وفي رواية عن أبي أمامة قال: (وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف، لم يصبحوا يتعلقون بحرف واحد مما جاءتهم به أنبياؤهم، وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته، وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته، وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته)(٣٨)، وقال في تحفة الأحوازي: (ومعنى هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، أي أن القراءة دون علم وتدبر محل نظر، وقال القارئ: أي: فكما لم تفدهم قراءتهما مع عدم العمل بما فيهما فكذلك أنتم)(٣٩).
وعلى امتداد المسيرة ظهر ما كان في بطن الغيب ظهر الذين يقرأون القرآن لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وظهر الذين قرأوا ثم نقروا ثم اختلفوا ثم ضرب بعضهم رقاب بعض، وظهر الذين قرأوا ثم اعتزلوا ثم خرجوا على جيرانهم بالسيوف ورموهم بالشرك، بينما كانوا هم إلى الشرك أقرب، وظهر الذين لا يقرأون القرآن إلا في حفلات النفاق التي يشرف عليها اليهود والنصارى في كل مكان، وعلى أكتاف هؤلاء وهؤلاء، انطلق البعض في طريق التقدم إلى الخلف، وارتبط مصيرهم بمصير الذين سبقوهم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن بني إسرائيل إنما هلكت حين كثرت قراؤهم)(٤٠)، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الذين يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، كما نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين، وقال: (لا يزالون يخرجون، حتى يخرج آخرهم مع الدجال)(٤١)، وفي رواية: (كلما قطع قرن نشأ قرن، حتى يكون مع بيضتهم الدجال)(٤٢) وبالجملة، أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحجة في أول الطريق، وانطلقت مع المسيرة حتى نهاية الطريق، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمته أن تأخذ بحبل الله حتى لا يضلوا، وقال: (ما من نبي بعثه الله عز وجل في أمة قبلي إلا له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، فمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل)(٤٣)، وقال في الفتح الرباني:
(الحواريون هم خلصان الأنبياء وأصفياؤهم، والخصان هم الذين نقوا من كل عيب. وقيل الخلصان هم الذين يصلحون للخلافة بعد الأنبياء)(٤٤).
ولقد دافع الإسلام عن العلم، ولم يقاتل يوما من أجل الكرسي، وأمر بالجهاد للإبقاء على الذروة التي تفيض بالعلم الإلهي ذروة كل العلوم وأشرف العلوم، لأن هؤلاء وحدهم هم الذين يحملون النور المحمدي، ذلك النور الذي يعتبر برزخا بين الناس وبين النور الإلهي، الذي تندك له الجبال.
ثالثا: العترة بين التحذير والابتلاء
إن الله - تعالى - يمتحن الناس بالناس، قال تعالى (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا) (الفرقان: ٢٠)، فدائرة الهدى على امتداد المسيرة البشرية، فتنة لسائر الناس يمتحنون بها، فيميز بها أهل الريب من أهل الإيمان، والمتبعون للأهواء من طلاب الحق الصابرون على طاعة الله وسلوك سبيله، وكما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أمته بأن يتمسكوا بحبل العترة حتى لا يضلوا، وقال: (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)(٤٥)، وقال: (إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي)(٤٦)، فإنه أخبر أمته بأنهم سيمتحنون بأهل بيته، قال: (إنكم ستبتلون في أهل بيتي من بعدي)(٤٧)، وأخبر - بالغيب عن ربه - بما سيسفر عنه الامتحان، فقال: (إن أهل بيتي سيلقون من بعدي من أمتي قتلا وتشريدا)(٤٨).
وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب بما سيجري عليه من بعده، وقال له: (إن الأمة ستغدر بك بعدي، وأنت تعيش على ملتي، وتقتل على سنتي، من أحبك أحبني، ومن أبغضك أبغضني، وإن هذه (يعني لحيته) ستخضب من هذا (يعني رأسه)(٤٩) وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (ألا أحدثك بأشقى الناس؟ رجلين، أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا (يعني رأسه) حتى تبتل منه هذه (يعني لحيته)(٥٠).
وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسين بن علي بما سيجري عليه من بعده، وروى ابن كثير عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: أشهد لقد سمعت عائشة تقول: إنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (يقتل الحسين بأرض بابل)(٥١) وروى الحاكم عن ابن عباس، قال: (ما كنا نشك وأهل البيت متوافرون أن الحسين يقتل بالطف)(٥٢)، وروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن ابني هذا يقتل بأرض من أرض العراق يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك فلينصره)(٥٣)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه)(٥٤).
والخلاصة، إن الله يختبر الناس بالناس، وبهذا الاختبار يظهر أهل الريب من أهل الإيمان، قال تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة) (الفرقان: ٢٠)، وقال سبحانه: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين) (الأنعام: ٥٣)، وقال تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما أتاكم) (الأنعام: ١٦٥)، والدعوة الخاتمة بينت الدرجات. وأمر - تعالى - بمودة قربى النبي، حيث قال: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (الشورى: ٢٣)، وبينت الدعوة أن الذين لا يصلون ما أمر الله به أن يوصل، والذين لم يأخذوا بما أمرهم - تعالى - به من طاعة، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه من نهي، فهؤلاء خاسرون في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون) (البقرة: ٢٧)، وقال جل شأنه: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) (محمد: ٢٢ - ٢٣).
وبينت الدعوة الإلهية الخاتمة أن عدم مودة الذين أمر الله بمودتهم، يفتح الطريق أمام مودة أعداء الفطرة، وقد أمروا بعدم مودتهم، قال تعالى:
(يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) (الممتحنة: ١)، فالآية تنهى عن مودة المشركين والكفار، وتنهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء، قال تعالى حاكيا عن إبراهيم قوله لقومه: (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) (العنكبوت: ٢٥)، قال المفسرون: وبخهم على سوء صنيعتهم في عبادة الأوثان، وقال: إنما اتخذتم هذه ليجتمعوا على عبادتها صداقة وألفة منكم، بعضكم لبعض في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة ينعكس هذا الحال، فتصبح هذه الصداقة والمودة بغضا وشنانا، وتتجاحدون ما كان بينكم، ويلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون الأتباع.
فالطريق يبدأ بأمر الله ونهيه، وعلى امتداد الطريق يمتحن الله الناس ببعضهم، فمن سلك في ما أمر الله به نجا، ومن لم يأخذ بوصايا الله ضل، والله - تعالى - أمر بصلة الأرحام، وذروة الأرحام عترة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله - تعالى - جعل ذرية كل نبي في صلبه، وإن الله - تعالى - جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب)(٥٥)، وقال: (إن لكل بني أب عصبة ينتمون إليها إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم)(٥٦)، وقال: (نحن خير من أبنائنا، وبنونا خير من أبنائهم، وأبناء بنينا خير من أبناء أبنائهم)(٥٧)، وهكذا فكما أن للعلم درجات، فللأرحام درجات، وميزان هذه الدرجات هو التقوى والعلم بالله، فمن التف حول الذين أمر الله بمودتهم شرب من الماء، ومن أبى فتحت عليه مودة أخرى يتهوك فيها تهوك اليهود في الظلم، يوم القيامة يعض على يديه، قال تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا * وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) (الفرقان: ٢٧ - ٣٠).
وعلى امتداد المسيرة الإسلامية، قامت طائفة الحق بالدفاع عن الفطرة، ولم يضرها من عاداها أو من خذلها، وفي عهد الإمام علي، خرج عليه أصحاب الأهواء، فقاتلهم الإمام على تأويل القرآن، وعنه أنه قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين)(٥٨)، فالناكثون: أهل الجمل، والقاسطون: أهل الشام، والمارقون: الخوارج، وانطلقت مسيرة الإمام - رضي الله عنه - بأعلام الحمية، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (أنت أخي وأبو ولدي، تقاتل في سنتي وتبرئ ذمتي، من مات في عهدي فهو كنز الله، ومن مات في عهدك فقد قضى نحبه، ومن مات يحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والإيمان، ما طلعت شمس أو غربت، ومن مات يبغضك مات ميتة جاهلية، وحوسب بما عمل في الإسلام)(٥٩)، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، فميتته جاهلية، ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبته ويقاتل لعصبته وينصر عصبته، فقتل، فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، لا يتحاشى لمؤمنها ولا يفي الذي عهدها، فليس مني ولست منه)(٦٠).
وعلى هذا الضوء، انطلقت الأمة الخاتمة تحت سقف الامتحان والابتلاء، والله - تعالى - ينظر إلى عباده كيف يعملون لاستحقاق الثواب والعقاب يوم القيامة.

الفصل الثاني: أضواء على المسيرة

أولا: أضواء على الساحة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
كان في الساحة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم جميع الأنماط البشرية، بها المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، وبها الذين في قلوبهم مرض أو زيغ وهؤلاء لا يخلو منهم مجتمع على امتداد المسيرة البشرية.
وكان الذين في قلوبهم مرض يختزنون في ذاكرتهم بعض ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ما يستقبل الناس، ومنه تفسيره لقوله تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده) (الحج: ٧٨)، قوله: (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون) (الزخرف: ٤١)، وقوله تعالى: (ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا) (إبراهيم: ٢٨)، وقول النبي القرشي: (يا معشر قريش، ليبعثن الله عليكم رجلا منكم امتحن الله قلبه للإيمان، فيضرب رقابكم على الدين، فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل، وقد كان ألقى نعله إلى علي بن أبي طالب يخصفها)(٦١).
وكان في الساحة أفراد وقبائل ذمهم الله - تعالى - أو لعنهم على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر بالغيب عن ربه لعلم الله بما في قلوبهم، ومنه أمره صلى الله عليه وآله وسلم بجهاد مخزوم وعبد شمس(٦٢)، وقوله: (إن أشد قومنا لنا بغضا بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم)(٦٣)، وفي رواية: (بنو أمية وثقيف وبنو حنيفة)(٦٤) ولعنه للحكم بن أبي العاص(٦٥)، ولعنه لأبي الأعور السلمي(٦٦)، ولعنة لأحياء: لحيان ورعلا وذكوان وعصية(٦٧)، وكان في الساحة مجموعة تخريبية من اثني عشر رجلا، حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند عودته من تبوك، آخر غزواته، وأسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسمائهم إلى حذيفة، وكان حذيفة وعمار بن ياسر معه صلى الله عليه وآله وسلم عند محاولة هذه المجموعة اغتياله، وروي أن حذيفة قال: يا رسول الله، ألا تبعث إلى كل رجل منهم فتقتله، فقال: (أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحذيفة: (فإن هؤلاء فلانا وفلانا (حتى عدهم) منافقون لا تخبرن أحدا)(٦٨)، وعدم إفشاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسمائهم يستنتج منه أن هذه المجموعة لم تكن من رعاع القوم، وإنما من أشد الناس فتكا، وقتلهم يؤدي إلى طرح ثقافة يتناقلها الناس بأن محمدا في آخر أيامه بدأ يقتل أصحابه، ويستنتج منه أيضا أن الله - تعالى - شاء أن تنطلق المسيرة تحت مظلة الامتحان والابتلاء، بعد أن تبينت طريق الحق وطريق الباطل، وإخفاء أسماء المجموعة التخريبية هو في حقيقته دعوة للالتفات حول الذين بينهم وأظهرهم رسول الله للناس. وروى الإمام مسلم عن حذيفة أنه قال: (أشهد الله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)(٦٩)، وروي عن عمار بن ياسر أنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن في أمتي اثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط)(٧٠)، وكان عمار بن ياسر علامة مميزة في المسيرة لأنه كان يحمل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)(٧١).
فالساحة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان فيها جميع التيارات، وكان فيها مجموعة حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ويبدو من قراءة الأحداث أنه كان في الساحة مجموعة من أصحابه أخذت في اعتبارها أن ولاية علي بن أبي طالب قد تؤدي إلى أحداث اعتقدوا أنها يمكن أن تعصف بالدعوة، فاختاروا حلا وسطا، يبعد به علي بن أبي طالب عن مركز الصدارة، وتظل به الدعوة قائمة، ويشهد بذلك قول أبي بكر - رضي الله عنه - لرافع بن أبي رافع حين عاتبه على توليه الخلافة: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبض والناس حديثو عهد بكفر، فخفت أن يرتدوا وأن يختلفوا فدخلت فيها وأنا كاره)(٧٢)، وفي رواية قال: (تخوفت أن تكون فتنة يكون بعدها ردة)(٧٣)، ويشهد به - أيضا - قول عمر بن الخطاب أثناء خلافته: (إن بيعة أبي بكر كانت فلتة)(٧٤)، قال في لسان العرب: (يقال: كان ذلك الأمر فلتة، أي فجأة، إذا لم يكن عن تدبر ولا ترو، والفلتة: الأمر يقع من غير إحكام، وفي حديث عمر أراد فجأة وكانت كذلك، لأنها لم ينتظر بها العوام، وقال ابن الأثير في حديث عمر: والفلتة كل شيء فعل من غير روية، وإنما بودر بها خوف انتشار الأمر)(٧٥).
ويشهد به قول عمر لابن عباس: (يا ابن عباس، ما منع قومكم منكم؟ قال:
لا أدري، قال: لكني أدري، يكرهون ولايتكم لهم، يكرهون أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة)(٧٦)، وزاد في رواية: (فاختارت قريش لنفسها فأصابت ووفقت)(٧٧).
وروي أن عمر بن الخطاب - عندما اختلف بعض الأنصار مع بعض المهاجرين في سقيفة بني ساعدة، على من الذي يتولى الخلافة ومن يتولى الوزارة - أمرا بقتل مرشح الأنصار سعد بن عبادة، وذلك حينما اشتد الخلاف وتشابكوا بالأيدي، روى الطبري: (قال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدا ألا تطأوه، فقال عمر: اقتلوه اقتلوه، ثم قام على رأسه فقال: بقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك)(٧٨)، وروى البخاري: (قال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله)(٧٩)، وكتبت النجاة لسعد، وروي أنه قال بعد بيعة أبي بكر: (لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي)(٨٠)، ولم يبايع سعد حتى خرج في خلافة عمر بن الخطاب إلى الشام، وقتل في الطريق، وروي أن الجن هم الذين قتلوه!
ثانيا: أضواء على حركة الاجتهاد والرأي
على امتداد عهد البعثة كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وكان في الساحة من سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا ولم يحفظه على وجهه، ويرويه ويعمل به، ويقول: أنا سمعته من رسول الله، فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه منه، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه، وكان في الساحة من سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا يأمر به، ثم نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه - ولو علم المسلمون - إذ سمعوه منه - أنه منسوخ لرفضوه، وكان في الساحة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، لم يكذبوا على الله ولا على رسوله، حفظوا ما سمعوا على وجهه، فلم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه، حفظوا الناسخ فعملوا به، وحفظوا المنسوخ فاجتنبوه، عرفوا الخاص والعام، والمحكم والمتشابه، فوضعوا كل شيء موضعه، وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلام له وجهان، فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى به الله سبحانه، ولا ما عنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله، وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كان يسأله ويستفهمه، حتى أن كانوا يحبون أن يجئ الأعرابي والطارئ، فيسأله - عليه الصلاة والسلام - حتى يسمعوا، وقال الإمام علي: وكان لا يمر بي من ذلك شيء إلا سألته عنه وحفظته(٨١). ويضاف إلى هذه الأصناف، الذين احترفوا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عهده، حتى قام خطيبا فقال: من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار).
ونظرا لاتساع الهوة في رواية الحديث بعد إبعاد أهل البيت عن مكانتهم في الذروة، اختلف الناس في الفتوى، حتى قال الإمام علي: (ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثم ترد القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب اراءهم جميعا، وإلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، أفأمرهم الله - تعالى - بالاختلاف فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل سبحانه دينا تاما فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه؟ والله تعالى يقول: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) (الأنعام: ٣٨)، وفيه تبيان كل شيء.
وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا، وأنه لا اختلاف فيه: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (النساء: ٨٢). إن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به)(٨٢).
ويشهد بعدم معرفة جميع الصحابة بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واختلافهم في الفتوى، ما رواه البخاري عن أبي هريرة أنه قال: (إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يشبع بطنا، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون)(٨٣)، وروى البخاري أن عمر ابن الخطاب لم يكن يعلم حكم الاستئذان، وذلك عندما استأذنه أبو موسى، وعندما لم يؤذن له رجع، فقال له عمر: ما منعك؟ قال: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع، فقال عمر: والله لتقيمن عليه بينة، فانطلق أبو موسى إلى مجلس من الأنصار، وقال: أمنكم أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال أبي بن كعب: لا يقوم معك إلا أصغر القوم - وفي رواية: لا يشهد إلا أصاغرنا(٨٤)-، قال أبو سعيد الخدري: (وكنت أصغر القوم، فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك)(٨٥)، وفي رواية: قال عمر: خفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ألهاني الصفق بالاسواق)(٨٦).
ويشهد بأنهم لم يكونوا على علم بجميع ما روي عن رسول الله، ما روي في حديث صحيح، عن سالم بن عبد الله عن أبيه: (إن أبا بكر وعمر وناسا، جلسوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فذكروا أعظم الكبائر، فلم يكن عندهم فيها علم، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو أسأله، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم فأنكروا ذلك، ووثبوا إليه شيعا حتى أتوه في داره، فأخبرهم بحديث رسول الله..)(٨٧).
ويشهد باختلافهم في الفتوى، أن عمر بن الخطاب لم يكن يعلم حكم دية الأصابع، فكان يقضي بتفاوت ديتها على حسب اختلاف منافعها، حتى وجد كتابا عند آل عمرو بن حزم، يذكر فيه سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك(٨٨)، ولم يعلم عمر حكم الجنين إذا أسقط قبل ولادته، حتى جاء المغيرة بقضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك(٨٩)، واختلفوا في ميراث الجدة(٩٠) وبالجملة، اجتهد الصحابة تحت سقف الامتحان والابتلاء، وكان الاجتهاد قابلا للخطأ وللصواب، فعن موسى بن إبراهيم قال: (إن أبا بكر حين استخلف، قعد بيته حزينا، فدخل عليه عمر بن الخطاب، فأقبل أبو بكر عليه يلومه، وقال: أنت كلفتني هذا الأمر، وشكا إليه الحكم بين الناس، فقال عمر: أو ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الوالي إذا اجتهد فأصاب الحق فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد). فكأنه سهل على أبي بكر)(٩١).
ثالثا: المقدمات العمرية والنتائج الأموية
١ - الأمر برواية الحديث
أمرت الدعوة الإلهية الخاتمة بتدوين ما بين الناس حفظا للحقوق، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)، إلى قوله تعالى: (ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا) (البقرة: ٢٨٢)، قال الخطيب البغدادي: (أدب الله - تعالى - عباده بقيد ما بينهم من معاملات في بداية التعامل حفظا للدين وإشفاقا من دخول الريب فيه، فلما أمر الله - تعالى - بكتابة الدين حفظا له، كان العلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدين، أحرى أن تباح كتابته خوفا من دخول الريب والشك فيه)(٩٢)، والكتابة أوكد الحجج، ببطلان ما يدعيه أهل الريب والضلال، فالمشركون لما ادعوا بهتانا اتخاذ الله - سبحانه - بنات من الملائكة، أمر الله - تعالى - رسوله أن يقول لهم (فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين) (الصافات: ١٥٧).
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بكتابة العلم، وقال: (قيدوا العلم بالكتاب)(٩٣)، وعن رافع قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: تحدثوا، وليتبوأ من كذب علي مقعده من النار، قلت: يا رسول الله، إنا لنسمع منك أشياء فنكتبها؟
قال: اكتبوا ولا حرج)(٩٤)، وعن أبي هريرة قال: (ليس أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر مني حديثا عن رسول الله إلا ابن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب)(٩٥).
وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه)(٩٦)، وكان يقول: (نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)(٩٧)، وقال:
(تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم)(٩٨).
ولقد وقف البعض من قريش في طريق الرواية والكتابة، ومن المحفوظ أن الله - تعالى - لعن على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بعض الأفراد والقبائل، وأن الرسول ذكر أسماء رؤوس الفتن وهو يخبر بالغيب عن ربه، حتى أن حذيفة قال:
(والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا بلغ معه ثلاثمائة فصاعدا، إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته)(٩٩)، ويشهد بصد قريش عن الرواية، ما روي عن عبد الله بن عمرو قال: (قلت: يا رسول الله، أقيد العلم؟ قال: نعم، قلت: وما تقييده؟ قال: الكتابة)(١٠٠)، وروي عنه أنه قال: (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أريد حفظه فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اكتب، والذي نفسي بيده ما يخرج مني إلا حق - وأشار إلى فيه)(١٠١)، وما حدث مع عبد الله، حدث مع ابن شعيب، فعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (قلت: يا رسول الله، أكتب كل ما أسمع منك؟ قال: نعم، قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم، فأني لا أقول في ذلك كله إلا حقا)(١٠٢).
وبينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحث على الرواية والكتابة على امتداد عهد البعثة، كان يخبر بالغيب عن ربة بأنه يوشك أن يكذبه أحدهم، وأن الرواية سيتم تعطيلها إلى أن يشاء الله، فعن معد يكرب قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته، يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله)(١٠٣).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: (لألفين أحدهم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري بما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه)(١٠٤)، وقوله: يوشك، إشارة إلى أن الأمر قريب، وقوله: متكئ على أريكته، المتكئ: كل من استوى قاعدا على وطاء متمكنا.
أ - اجتهادات الصحابة في رواية الحديث وتدوينه
اجتهد أبو بكر - رضي الله عنه - في رواية الحديث وتدوينه، فقد روى الحافظ عماد الدين بن كثير عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: (جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيرا، فغمتني، فقلت: تتقلب بشكوى أو بشيء بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك، فجئت بها، فدعا بنار فأحرقها، وقال:
خشيت إن أموت وهي عندك، فيكون أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني، فأكون قد تقلدت ذلك)(١٠٥)، وذكر الذهبي في تذكرته عن أبي بكر أنه قال: (إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث تختلفون فيها، الناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه)(١٠٦).
وروي أن عمر بن الخطاب قال في خلافته: (إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم، كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني - والله - لا شوب كتاب الله بشيء أبدا)(١٠٧)، وروي عن مالك أن عمر قال: (لا كتاب مع كتاب الله)(١٠٨)، وعن يحيى بن جعدة قال: (أراد عمر أن يكتب السنة ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: من كان عنده شيء من ذلك فليمحه)(١٠٩)، وعن القاسم بن محمد أن عمر قال: (لا يبقى أحد عنده كتاب إلا أتاني به فأرى فيه رأيي، فظن الناس أنه يريد إن ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار)(١١٠).
وعن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن (عمر بن الخطاب قال لابن مسعود ولأبي ذر ولأبي الدرداء: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب)(١١١)، وعن السائب بن يزيد قال: (سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو لألحقنك بأرض دوس)(١١٢)، وعن الزهري عن أبي سلمة قال: (سمعت أبا هريرة يقول: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قبض عمر بن الخطاب)(١١٣).
وبعد عمر بن الخطاب بدأ بعض الصحابة يرون بعض ما عندهم، فأخذ عثمان بن عفان بسنة عمر في عدم الرواية، فعن محمود بن لبيب قال:
(سمعت عثمان بن عفان يقول: لا يحل لأحد يروي حديثا لم يسمع في عهد أبي بكر ولا عهد عمر)(١١٤)، ثم أخذ معاوية بن أبي سفيان بهذه السنة، فقال:
(أيها الناس، أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كنتم تتحدثون فتحدثوا بما كان يتحدث به في عهد عمر)(١١٥).
وعندما جاء عهد الإمام علي بن أبي طالب، لم يكن السواد الأعظم من الأمة يعرفون عنه إلا القليل، وذلك لأن عهده جاء بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بربع قرن تقريبا، عتم فيها عدم الرواية على منزلته ومناقبه، وفي عهده بدأ الصحابة يروون الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان علي يقول: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اللهم ارحم خلفائي، اللهم ارحم خلفائي، اللهم ارحم خلفائي، قالوا: يا رسول الله، ومن خلفائك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون أحاديثي ويعلمونها للناس)(١١٦)، وعن الحسن بن علي قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رحمة الله على خلفائي، قالوا: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يحبون سنتي ويعلمونها للناس)(١١٧)، وعن سعيد بن المسيب قال: (ما كان أحد من الناس يقول: سلوني، غير علي بن أبي طالب)(١١٨)، وكان علي يحض الناس على السؤال، ويقول: (ألا رجل يسأل فينتفع، وينتفع جلساؤه)(١١٩)، وكان يقول: (تزاوروا وتدارسوا الحديث، ولا تتركوه يدرس (أي تعهدوه لئلا تنسوه)(١٢٠)، وقال: (تعلموا العلم، فإذا علمتموه فاكظموا عليه ولا تخالطوه بضحك وباطل فتمحه القلوب)(١٢١).
وبالجملة، بينت الدعوة الإلهية الخاتمة، أن الحديث عن النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، لا غنى للمسيرة عنه، لأنه مكمل للتشريع ومبين لمجملات القرآن، ومخصص لعموماته ومطلقاته، كما أن الحديث تكفل بكثير من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والتربوية، وأخبر فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب عن ربه جل وعلا، فبين للناس ما يستقبلهم من أحداث ليأخذوا بأسباب النجاة من مضلات الفتن، وبعد رحيل النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم اجتهد بعض الصحابة في أمر الرواية والتدوين، ولقد تواترت الأخبار في منع عمر بن الخطاب الصحابة، وهم الثقات العدول، وردعهم عن رواية العلم وتدوينه، وفي هذا يقول ابن كثير (هذا معروف عن عمر)(١٢٢)، ثم سار على سنة عمر خلفاء وملوك بني أمية، ولم ترو الأحاديث الجامعة للعلم والمبينة للناس ما يستقبلهم من أحداث، إلا في عهد الإمام علي بن أبي طالب(١٢٣).
ب - من آثار عدم الرواية والتدوين
كانت أهم آثار عدم الرواية، ظهور القص في المساجد، ومن خلال القص دخلت الأحاديث الإسرائيلية، ورفع القص من شأن أفراد وقبائل ذمهم الله على لسان رسوله، وفي الوقت نفسه عتم القص على أفراد أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وفي عهد الإمام علي - وعندما أظهر الإمام أحاديث رسول الله - قابلة أهل الشام وغيرهم بأحاديث يجري القص في عروقها، وترتب على ذلك اختلاط الأمور على السواد الأعظم من الأمة، ولم يكونوا من الصحابة حتى يميزوا بين الصالح والطالح، وجرت المعارك، ثم اختلفت الأمة وتفرقت، وكان في حوزة كل فرقة أحاديث تتفق مع أهواء شيوخهم.
١- أضواء على القص
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن بني إسرائيل لما هلكوا قصوا)(١٢٤)، وقال:
(سيكون بعدي قصاص لا ينظر الله إليهم)(١٢٥)، وأول من أمر بالقص، كان عمر بن الخطاب، روى الإمام أحمد عن السائب بن يزيد قال: (إنه لم يكن يقص على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أبي بكر، كان أول من قص تميم الداري، استأذن عمر أن يقص على الناس قائما فأذن له)(١٢٦).
واستلم بنو أمية أعلام القص بعد ذلك، روي أن عبد الملك بن مروان قال: (إنا جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر)(١٢٧)، ولبس القص الزي الديني في عهد بني أمية، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يبدأ بالصلاة في العيدين ثم يخطب بعد ذلك، ففعل بنوا أمية العكس، وبدأوا بالخطبة لينشروا بذلك مذهبهم السياسي بين الناس، روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر، فيبدأ بالصلاة فإذا صلى صلاته وسلم، قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم، فإن كان له حاجة ببعث ذكره للناس، أو كانت لهو حاجة بغير ذلك أمرهم بها(١٢٨).
إما التغيير ففي ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري: (إن مروان خطب قبل الصلاة، فقال له أبو سعيد: غيرتم والله، قال مروان: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقال: ما أعلم - والله - خير مما لا أعلم، قال مروان: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة)، وقد اختلف في أول من سن هذه السنة، قال في تحفة الأحوازي: (اختلف في أول من غير ذلك، فرواية الإمام مسلم صريحة في أن مروان أول من بدأ الخطبة قبل الصلاة، وقيل: سبقه إلى ذلك عثمان بن عفان، روى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري، قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، وروي أن مروان فعل ذلك تبعا لمعاوية ومعاوية عندما قدم المدينة قدم الخطبة)(١٢٩).
وكان الإمام علي يتصدى للقصاصين وينهاهم عن القص، فعن أبي البحتري قال: (دخل علي بن أبي طالب المسجد، فإذا رجل يخوف، فقال:
ما هذا؟ قالوا: رجل يذكر الناس، فقال: ليس برجل يذكر الناس، ولكنه يقول: أنا فلان بن فلان، اعرفوني فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ، قال: لا، فقال: أخرج من مسجدنا ولا تدكر فيه)(١٣٠).
وبالجملة، قال في الفتح الرباني: القص: هو إخبار الناس بقصص الماضيين، وعمل ذلك مذموم شرعا، لأنه يصرف الناس عن الاشتغال بالعلوم الدينية، ولم يعهد ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال ابن حبان: (قال أبو حاتم: كان القصاصون يضعون الحديث في قصصهم، وكانوا إذا دخلوا بمساجد الجماعات ومحافل القبائل من العوام والرعاع أكثر جسارة على وضع الحديث)(١٣١)، كما وضعوا أحاديث تنافي عصمة الأنبياء، فجعلتهم يخطئون، ونسبوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يسب ويلعن ويجلد بغير سبب، ونسبوا إليه أنه كان يسهو في الصلاة، وأنه كان ينسى آيات القرآن الكريم، وأرادوا من وراء تجريد النبي من العصمة أن يبرروا أخطاء الأمراء الذين جلدوا الشعوب وضيعوا الصلاة، وأن يعطوا للذين لعنهم الله على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم جواز المرور لتولي المراكز القيادية.
ووضع القصاصون أحاديث تحمل بصمة أهل الكتاب، وألصق بالتفسير روايات وقصص لا يتصورها عقل، ولا يجوز أن يفسر بها كتاب الله، ووضعوا في هذه الأحاديث أن الله يشغل حيزا من المكان، ويضحك، وينتقل من مكان إلى آخر، وأنه يتألف من أعضاء، وهو عبارة عن هيكل مادي، وعين ويد وأصابع وساق وقدم.
وبالجملة، كان القص وراء تغييب العقل ووطئه بالأقدام، وتحت سقفه اختل منهج البحث ومنهج التفكير ومنهج الاستدلال، وعلى موائده لا تظهر القراءة النقدية المتفحصة التقييمية إلا بعد عناء شديد، وكان القص وراء إهمال الواجبات، والتسامح في المحرمات، والتهاون بالسنن والمستحبات، وكان البذرة الأولى لظهور المبادئ والمنظمات الباطلة التي وضعت القوانين على طبق أهوائهم وآرائهم، وعلى هذه المبادئ انقسمت الأمة إلى قوافل، وكل قافلة تتولى حزبا وتدعمه، لأنها تميل إلى قوانينه، وتحب القائمين عليه، وعلى رؤوس الجميع الحجة قائمة. والله - تعالى - ينظر إلى عباده كيف يعملون.
٢ - الخفوت والظهور
وكان من آثار عدم الرواية التعتيم على أهل البيت، وذلك لأن الأمر بحرق الكتب أطاح بالعديد من الأحاديث التي تبين منزلة أهل البيت ومناقبهم، ويشهد على ذلك ما رواه الخطيب البغدادي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، قال: (جاء علقمة بكتاب من مكة أو اليمن، صحيفة فيها أحاديث في أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فاستأذنا على عبد الله، فدخلنا عليه، فدفعنا إليه الصحيفة، فدعا الجارية ثم دعا بطست فيها ماء، فقلنا له: يا أبا عبد الرحمن، أنظر فيها، فإن فيها أحاديث حسانا، فجعل يميثها في الماء، ويقول: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) (يوسف: ٣)، القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بما سواه)(١٣٢).
ويشهد بذلك إن عليا عندما تولى الخلافة لم يكن السواد الأعظم يعلم عن منزلته ومناقبه شيئا، حتى أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، أن يقوم، وكان قد جمعهم في الرحبة، ولم يعرف العوام مناقبه إلا من خلال ما رواه الصحابة بعد ذلك، وكان العديد من الصحابة يتحدثون في مجالسهم الخاصة عن مناقبه، ولكن هذا الحديث لم يكن يخرج إلى الساحات العامة، وفي مقابل هذا التعتيم، كان لعدم الرواية الأثر الكبير في ظهور الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر بالغيب عن ربه، ويشهد بذلك ما روي عن حذيفة أنه قال: (والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا بلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا، إلا وقد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته)(١٣٣)، ومعنى (أم تناسوا) أي أظهروا النسيان لمصلحة، ومعنى (باسمه واسم أبيه)، يعني وصفا واضحا مفصلا لا مبهما، مجملا، فالاستقصاء متصل.
وروي عن حذيفة أنه قال: - إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون)(١٣٤)، وقال: (إنما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان)(١٣٥)، وحذيفة مات بعد مقتل عثمان بأقل من شهر، وكان مريضا، وعندما علم بأن الناس بايعوا علي بن أبي طالب، بايع وهو على فراش المرض، وحث الناس على الالتفاف حول علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر، وأمر ولديه بالقتال مع علي، فقاتلا تحت أعلام الإمام علي، حتى قتلا(١٣٦).
وبعد ظهور النفاق في ظل سياسة اللارواية، خاف الصحابة فلم يحدثوا بالأحاديث الكاشفة، ويشهد بذلك، ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال:
(حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم)(١٣٧)، وعنه أنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش)، إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان)(١٣٨)، وعنه أنه قال: (إني لأحدث أحاديث، لو تكلمت بها في زمان عمر، أو عند عمر، لشج رأسي(١٣٩).
ويشهد به أيضا، ما روي عن بجالة قال: (قلت لعمران بن حصين: حدثني عن أبغض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: تكتم علي حتى أموت؟ قلت: نعم: قال: بنو أمية وثقيف وبنو حنيفة)(١٤٠). ومن الثابت والمعروف أن بني أمية شقوا طريقهم نحو السلطة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأمر أبو بكر - رضي الله عنه - يزيد بن أبي سفيان على الشام(١٤١)، وبعد وفاة يزيد، قام عمر بتأمير معاوية(١٤٢)، وروي أن عمر كان يقول للناس: (أتذكرون كسرى وعندكم معاوية؟)(١٤٣)، وقال لهم عندما ذكروا معاوية: (دعوا فتى قريش وابن سيدها، إنه لمن يضحك في الغضب، ولا ينال منه إلا على الرضا)(١٤٤).
وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي يحذر فيها من بني أمية أحاديث كثيرة، منها: ما روي عن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا بلغ بنو أمية أربعين رجلا، اتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا)(١٤٥)، ومعنى (مال الله دولا)، أي: يكون لقوم دون قوم، (وعباد الله خولا) أي:
خدما وعبيدا، (ودين الله دغلا)، أي: يدخلون في الدين أمورا لم ترد بها السنة.
والحديث روي عن أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي ذر، ورواه الإمام أحمد، والحاكم، وأبو يعلى، والطبراني، والبيهقي، وروي بلفظ:
(إذا بلغ بنو أبي العاص)، وبلفظ: (إذا بلغ بنو فلان)، وقال الحاكم بعد روايته للحديث: (ليعلم طالب العلم أن هذا باب لم أذكر فيه ثلث ما روي، وأن أول الفتن في هذه الأمة فتنتهم، ولم يسعني فيما بيني وبين الله - تعالى - أن أخلي الكتاب من ذكرهم)(١٤٦).
والخلاصة، أنه كان لسياسة اللارواية واللاتدوين آثار جانبية، منها:
اكتفاء الناس بتلاوة القرآن دون الوقوف على معانيه وأهدافه، وأدى ذلك إلى ظهور الذين يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وفي عهد الإمام علي ظهرت حقيقتهم أمام الناس، وحاربهم الإمام في موقعة النهروان، وما زالت بقيتهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، لأن منهجهم وثقافتهم لن تموت حتى يخرج الدجال، ومنها: ظهور الذين لعنهم الله على لسان نبيه بعد أن ضاع التحذير منهم في عالم اللارواية، ومنها التعتيم على الهداة، واقتصر ذكرهم في المجالس الخاصة، ومنها: ظهور القص وعلى مائدته صنعت مناقب وتواريخ لقوافل لا تحمل من العلم إلا قشوره، وعلى القص ظهرت ثقافات التحمت مع ثقافة أهل الكتاب، وتشهد بذلك عقيدة الجبرية، يقول الشيخ محمد أبو زهرة: (أول من دعا إلى هذه النحلة من المسلمين الجعد بن درهم، وقد تلقى ذلك عن يهودي بالشام، لأن اليهود أول من فعل ذلك وعلموه بعض المسلمين، وهؤلاء أخذوا ينشرونه)(١٤٧)، ولقد استغل بنو أمية هذه العقيدة في إخضاع المسلمين، بحجة أن قيادتهم مفروضة عليهم بقضاء الله وقدره، وأن أي تمرد عليهم هو تمرد على قضاء الله، ولقد قامت هذه العقيدة على أحاديث وضعها القصاص، كان الهدف من ورائها تزييف النشاط الإنساني منذ بدء الخلق إلى قيام الساعة، وتحت أعلام عقيدة الجبر انطلقت جحافل بني أمية إلى ديار المسلمين، بعد أن مهد القص والأحاديث الموضوعة طريقهم نحو اتخاذ دين الله دغلا، ليتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، من أمثال: حجر بن عدي، والحسين بن علي، وغيرهما.
ولم تكن عقيدة المرجئة بعيدة عن نسيج القصاص، لأن الأحاديث الموضوعة هي التي غذتها، وعلى ذروة عقيدة المرجئة يجلس يوحنا الدمشقي، وهو آخر كبار علماء النصرانية على مذهب الكنيسة الإغريقية، وكان أبوه صاحب عبد الملك بن مروان، وصنف يوحنا كتابا في فضائل النصرانية على منهج محادثة بين مسلم ونصراني(١٤٨)، وقال الشيخ أبو زهرة:
(كان يوحنا يبث بين علماء النصارى في البلاد الإسلامية طرق المناظرات التي تشكك المسلمين في دينهم، وظهرت آراء يوحنا بالشام)، بعد أن وجدت لها حصنا صنعه القص والأحاديث الموضوعة، ومن خلال هذا الالتقاء تطرق البحث حول مرتكب الكبيرة، هل هو مؤمن أم غير مؤمن؟ وهل يضر مع الإيمان ذنب؟ وعلى مائدة البحث خرجت العقيدة التي تعتذر عن بني أمية في ما ارتكبوه من جرائم، بمعنى: لقد ضربوا بعقيدة الجبرية، واعتذروا بعقيدة المرجئة، التي تقول بأن لا ينبغي المفاضلة بين المسلمين، ولا الحكم على أحد بتقوى وغير تقوى، فالمسلم يكفي أن يكون مسلما، وبهذه العقيدة تم الافتراء على الله ورسوله بتغيير الأحكام الشرعية، وإظهار البدع والباطل، وقولهم: إن الأمة مرحومة، والله رفع العذاب عنها، وإنهم في أمن من عذاب الله وأن انهمكوا في كل إثم وخطيئة، وهتكوا كل حجاب، والأمة مغفور لها، محسنهم ومسيئهم، وإن لهم الكرامة في الدنيا، ولهم أن يفعلوا ما شاءوا بعد أن استظلوا بمظلة حجاب الأمن، ولهم في الآخرة مغفرة توجب فتح أبواب الجنة أمامهم، وبعقيدة المرجئة اشتد الساعد بعد أن ارتدى قفازا من حرير في الوقت الذي يحتفظ فيه بقبضته الحديدية، وملئت الأرض ظلما وجورا.
٢ - مخالفة السنة النبوية في قسمة الأموال
أ - مخالفة الأمر النبوي في الأموال
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال)(١٤٩)، ولما كانت فتنة الأمة في المال، بينت الشريعة الخاتمة موضع الرحاب الآمن، وشاء الله أن يكون الأمن في فعل الرسول، بمعنى أن النجاة لن تكون في منع الرواية عن الرسول، لأن الله - تعالى - بين موضع كل مال وقسمه بين عباده تقسيما حقا بوضع قوانين عادلة تقضي على منابت الفساد، وهذه القسمة وهذه القوانين نفذها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وفي الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقيم الحجة، كان يخبر بالغيب عن ربه ويقول: (إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من قبلكم وهما مهلكاكم)(١٥٠)، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأوامر تدفع هذا الهلاك، ومنها إعطاء الصدقة، لأن من خاصتها أنها تنمي المال، لأنها تنشر الرحمة وتورث المحبة، وتؤلف بين القلوب وتبسط الأمن، وتصرف القلوب عن أن تهم بالغضب والاختلاس والفساد والسرقة، وتدعو إلى الاتحاد والمساعدة والمعونة، وبذلك يقضى على أغلب طرق الفساد، وحذر - عليه الصلاة والسلام - من التعامل بالربا، لأن الربا من خاصته أنه يمحور المال ويفنيه تدريجيا، من حيث أنه ينشر القسوة والخسارة، ويورث البغض والعداوة وسوء الظن، ويفسد الأمن والاستقرار، ويهيج النفوس على الانتقام بأي وسيلة أمكنت، ويدعوا إلى التفرق والاختلاف والفساد، كما يؤدي إلى زوال المال ولأن المجتمع في نظر الشريعة ذو شخصية واحدة، له كل المال الذي أقام به صلبه وجعله له معاشا، فإن الشريعة ألزمت المجتمع بأن يدير المال ويصلحه ويعرضه معرض النماء، ويرتزق به ارتزاقا معتدلا مقتصدا، ويحفظه من الضياع والفساد، ومن مجملات القرآن التي تتعلق بالأموال، وبينها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليستقيم حال المجتمع، قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) (الأنفال: ١)، والمعنى: يسألك أصحابك يا محمد عن هذه الغنائم التي غنمتها، فقل: هي لله والرسول، يحكم فيها الله بحكمه ويقسمها الرسول. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنما أنا قاسم وخازن، والله يعطي)(١٥١)، وقال: (ما أعطيكم ولا أمنعكم أنا قاسم أضع حيث أمرت)(١٥٢)، وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم الله في الغنيمة، قال تعالى: (واعلموا أنما غنمتم عن شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله...) (الأنفال.. ٤١)، وبين الرسول حكم الخمس وحكم الأربعة أخماس، وعلموا حق الذين حرمت عليهم الصدقة من ذي القربى، وحق الجنود.
وقال تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) (التوبة: ٦٠)، قال المفسرون: بين الله - تعالى - أنه هو الذي قسم الصدقات وبين حكمها وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمتها إلى أحد غيره، فقوله: (فريضة من الله)، إشارة إلى أن تقسيمها إلى الأصناف الثمانية أمر مفروض منه تعالى، وإشارة إلى أن الزكاة فريضة واجبة، وقوله تعالى: (والله عليم حكيم)، إشارة إلى أن فريضة الزكاة مشرعة عن علم وحكمة، لا تقبل تغيير المغير.
وروى أبو داود عن زياد بن الحارث قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبايعته، فأتاه رجل، فقال: إعطني من الصدقة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيرة في الصدقات حتى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك).
وأقامت الشريعة الخاتمة الحجة على المسيرة، فأخبر النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم أن فتنة أمته في المال وبين كيف تدخل الأمة في حجاب الأمن. وفي الوقت الذي بين فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم الغنيمة أخبر بالغيب عن ربه، بأن فتنة المال ستصيب البعض، وقال: (كأني براكب قد أتاكم فنزل، فقال: الأرض أرضنا والفئ فيؤنا، وإنما أنتم عبيدنا، فحال بين الأرامل واليتامى وما أفاء الله عليهم)(١٥٣)، أخبر النبي بهذا حتى يأخذوا بالأسباب وهم تحت سقف الامتحان والابتلاء، لأن الله - تعالى - ينظر إلى عباده كيف يعملون.
ب - اجتهاد الصحابة في الأموال
ذكرنا أن الساحة بعد رسول الله كان فيها صحابة سمعوا من النبي شيئا ولم يحفظوه على وجهه، وكان فيها من سمع منه شيئا يأمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، وأدى هذا في نهاية المطاف إلى تضارب القرارات ثم ضياع مال الله في عهد بني أمية، بعد أن بسطوا أيديهم على بيوت المال، وبالجملة، نقدم هنا الأحاديث التي تشهد بالمقدمات الأولى: روى البخاري ومسلم عن عائشة (أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سألت أبا بكر بعد وفاة رسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا نورث ما تركناه صدقة فغضبت فاطمة فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرة له حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر، فكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبا بكر ذلك..)(١٥٤).
وروى الإمام أحمد أنه: (لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسلت فاطمة إلى أبي بكر، فقالت: أأنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم أهله؟ فقال: بل أهله، قالت: فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الله - عز وجل - إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده، فرأيت أن أرده على المسلمين)(١٥٥).
ولقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن أبا بكر أبى أن يعطي فاطمة - رضي الله عنها ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، وذلك لما عنده من حديث لم يروه غيره. وفي عهد عمر روى البخاري ومسلم أن صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة دفعها عمر إلى علي بن أبي طالب والعباس، وأمسك خيبر وفدكا(١٥٦)، وذلك أيضا لما عنده من حديث، وروي أن أهل البيت ردوا إلى عمر ما دفعه إليهم لأنهم وجدوه دون حقهم الذي بينه رسول الله لهم، فعن يزيد بن هرمز أن نجدة الحروري أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى، ويقول: لمن تراه؟ فقال ابن عباس: لقربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قسمه لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا فرددناه عليه، وأبينا أن نقبله(١٥٧).
وكان القرار منع ميراث الرسول وصدقته آثار جانبية منها: التعتيم على أهل البيت، لأن خروجهم من تحت سقف ما كتبه الله لهم، وهم الذين حرمت عليهم الصدقة، يجعلهم كغيرهم من الناس، ولم يفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا في حياته، وإنما كان يضع الناس في مواضعهم التي حددها الله تعالى، فعن جبير بن مطعم قال: (مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد)(١٥٨)، وفي رواية: (إنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن وهم شيء واحد، وشبك بين أصابعه)(١٥٩).
أما في ما يختص بحقوق الجنود، فقد بينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين سئل: ما تقول في الغنيمة؟ قال: (لله خمس، وأربعة أخماس للجيش)(١٦٠)، لكن عمر بن الخطاب اجتهد في هذا، وأمر بوضع جميع الغنائم في بيت المال، ثم قام بتقسيم هذه الغنائم وفقا بما يراه، ودون على ذلك الدواوين، وعدم قسمة عمر للغنائم يشهد به ما روي عن إبراهيم أنه قال: لما افتتح المسلمون السواد قالوا لعمر اقسمها بيننا فإنا فتحناها، فأبى عمر وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟(١٦١) وقال عمر: (لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها سهمانا كما قسم رسول الله خيبر سهمانا، ولكني أردت أن يكون جزية تجري على المسلمين، وكرهت أن يترك آخر المسلمين لا شيء لهم)(١٦٢)، وفي رواية قال: (ولكني أتركها خزانة لهم)(١٦٣).
ويشهد التاريخ أن هذه الخزانة أضرت أكثر مما نفعت، فبعد أن بسط بنو أمية أيديهم على بيوت المال التي تركها عمر بن الخطاب، اتخذوا دين الله دغلا، ومال الله دولا، وعباد الله خولا، واستمرت بيوت المال على امتداد المسيرة يشتري بها الحكام الذمم ويسفكون بها الدم الحرام.
وكان هناك العديد من الصحابة الذين عارضوا سياسة عدم قسمة الغنائم على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، منهم الزبير بن العوام، فعن سفيان بن وهب قال:
(لما فتحنا مصر بغير عهد، قام الزبير فقال: اقسمها يا عمرو بن العاص، فقال: لا أقسمها، فقال الزبير: والله لتقسمنها كما قسم رسول الله خيبر، فقال: والله لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب عمر إليه: أقرها حتى تغزوا منها حبل الحبلة)(١٦٤)، قال المفسرون في رد عمر: (يريد حتى يغزوا أولاد الأولاد ويكون عاما في الناس)، وقيل: (أو يكون أراد المنع من القسمة حيث علقه على أمر مجهول).
ويشهد التاريخ أن عمرو بن العاص بسط يده على مصر كلها، وكان خراجها له طيلة حياته في عهد معاوية بن أبي سفيان، وذلك عندما تكاتف عمرو مع معاوية على علي بن أبي طالب، فكافأه معاوية بأن تكون مصر له طعمة، ومن الذي اعترضوا على قرار عمر: بلال بن رباح، فقد قال لهم عندما افتتحوا أرضا: اقسمها بيننا وخذ خمسها، فقال عمر: لا، هنا عين المال، ولكني أحبسه فيئا يجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه:
اقسمها بيننا، فقال عمر: اللهم اكفني بلالا وذويه. قال راوي الحديث: فما حال الحول ومنهم عين تطرف(١٦٥)، أي: ماتوا بفضل دعاء عمر.
وكان بلال كثير الاعتراض على سياسة عمر، عن ابن أبي حازم قال:
(جاء بلال إلى عمر حين قدم الشام، وعنده أمراء الأجناد، فقال: يا عمر، إنك بين هؤلاء وبين الله، وليس بينك وبين الله أحد، فانظر من بين يديك ومن عن يمينك ومن عن شمالك، فإن هؤلاء الذين جاؤوك (أي أتباع بلال)، والله لم يأكلوا إلا لحوم الطير (أي لم يصل إليهم من الأمر شيء)، فقال عمر للأمراء: لا أقوم من مجلسي هذا حتى تكفلوا لي لكل رجل من المسلمين بمديت(١٦٦) بر وحظهما من الخل والزيت، قالوا: تكفلنا لك يا أمير المؤمنين(١٦٧).
أما قسمة عمر بن الخطاب بين الناس، فلقد فضل عمر المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين، وفضل المهاجرين كافة على الأنصار كافة، وفضل العرب على العجم، وروي أنه قال: (من أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني له خازنا وقاسما، ألا وإني بادئ بالمهاجرين الأولين أنا وأصحابي فمعطيهم، ثم بادئ بالأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان فمعطيهم، ثم بادئ بأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمعطيهن)(١٦٨)، وفي رواية: (ففرق لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا جويرية وصفية وميمونة: فقالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعدل بيننا، فعدل بينهن عمر)، ثم قال عمر: (من أسرعت به الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ به عن العطاء، فلا يلومن أحدكم إلا مناخ راحلته)(١٦٩).
وبالجملة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أيما قرية افتتحها الله ورسوله فهي لله ورسوله، وأيما قرية افتتحها المسلمون عنوة، فخمسها لله ولرسوله وبقيتها لمن قاتل عليها)(١٧٠)، كان صلى الله عليه وآله وسلم يسوي بين الجنود في القسمة، ولم يخص أحدا بشيء دون الآخر(١٧١)، ولقد أخبر بالغيب عن ربه بما سيحدث من بعده، وقال لأبي ذر: (كيف أنت وأئمة من بعدي يستأثرون بهذا الفئ، اصبر حتى تلقوني)(١٧٢)، وقال: (خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا كان إنما هو رشى فاتركوه، ولا أراكم تفعلون، يحملكم على ذلك الفقر والحاجة، ألا وإن رحى بني مرج قد دارت، وإن رحى الإسلام دائرة، وإن الكتاب والسلطان سيفترقان، فدوروا مع الكتاب حيث دار..)(١٧٣).
وذا كان الاجتهاد قد أخرج أهل البيت والجنود الذين شاركوا في المعارك من قسمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الاجتهاد قد أخرج المؤلفة قلوبهم من القسمة التي قسمها الله تعالى.
ولقد ذكرنا من قبل أن الله - تعالى - هو الذي قسم الصدقات، بين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمتها إلى أحد غيره، وجزأها - سبحانه - ثمانية أجزاء، لا تقبل تغيير المغير، قال تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله) (التوبة: ٦٠)، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم، وهم صنفان: صنف كفار، وصنف أسلموا على ضعف، وذلك ليأمن شرهم وفتنتهم، لأن من شأن الصدقة أنها تؤلف بين القلوب وتبسط الأمن، وظل النبي (ص) يعطي هذا السهم للمؤلفة قلوبهم ليعاونوا المسلمين أو ليقوى إسلامهم، حتى وفاته صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان أبو سفيان(١٧٤) وابنه معاوية(١٧٥) من الذين أعطاهم النبي من سهم المؤلفة قلوبهم، وروي (أن عمرو بن العاص حين جزع عن موته، فقيل له:
قد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدينك ويستعملك، فقال: أما - والله - ما أدري أحبا كان ذلك أم تألفا يتألفني؟)(١٧٦)، وعلى الرغم من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعطي أبا سفيان من سهم المؤلفة، إلا أن الصحابة كانوا يختلفون في تحديد موقعه، روي (أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأتاهم أبو بكر، فقال: يا إخوتاه أغضبتكم، قالوا: يغفر الله لك يا أخي)(١٧٧)، قال النووي:
(هذه فضيلة ظاهرة لسلمان ورفقته هؤلاء)(١٧٨)، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى قريشا حين أفاء الله عليه أموال هوازن، فقال الناس من الأنصار: يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فعندما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمقالتهم، أرسل إلى الأنصار فجمعهم ولم يدع أحدا غيرهم، فقال: (إني لأعطي رجالا حدثاء عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون برسول الله إلى رحابكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوا:
أجل يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم: إنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني فرطكم على الحوض)(١٧٩).
لقد كان في سهم المؤلفة امتحان وابتلاء، ولكن الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اجتهدوا فيه.
وروي (أن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصين، وكانا من المؤلفة قلوبهم، جاءا يطلبان أرضا من أبي بكر، فكتب بذلك خطا، فمزقه عمر بن الخطاب، وقال: هذا شيء كان يعطيكموه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تأليفا لكم، فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتم على الإسلام، وإلا فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا إلى أبي بكر، فقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ بذلك لنا الخط ومزقه عمر، فقال أبو بكر، هو إن شاء الله، ووافق عمر)(١٨٠).
وعن الشعبي أنه قال: (كنت المؤلفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما ولي أبو بكر انقطعت)(١٨١)، واعترض ابن قدامة على انقطاع سهم المؤلفة وقال: إن الله - تعالى - سمى المؤلفة في الأصناف الذين سمى الصدقة لهم والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء)، وكان - عليه الصلاة والسلام - يعطي المؤلفة كثيرا في أخبار مشهورة، لم يزل كذلك حتى مات، ولا يجوز ترك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ثم إن النسخ إنما يكون في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن النسخ إنما يكون بنص ولا يكون النص بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانقراض زمن الوحي، ثم إن القرآن لا ينسخ إلا بقرآن، وليس في القرآن نسخ لذلك ولا في السنة، فكيف يترك الكتاب والسنة بمجرد الآراء والتحكم، أو بقول صحابي أو غيره؟(١٨٢).
والخلاصة، ختم الله - تعالى - آية الأنفال بقوله: (وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) (الأنفال: ١)، وفي هذا تحذير من الاختلاف، وإخبار بأن طاعة الرسول طاعة لله، وختم - سبحانه - آية الخمس بقوله: (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) (الأنفال: ٤١،) قال ابن كثير: (أي امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وما أنزلنا على الرسول في القسمة)(١٨٣)، وختم سبحانه آية الزكاة بقوله: (فريضة من الله والله عليم حكيم) (التوبة: ٦٠)، قال ابن كثير:
(أي حكما مقدرا بتقدير الله وفرضه وقسمه، فهو - تعالى - عليم بظواهر الأمور وبواطنها، وبمصالح عباده في ما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به)(١٨٤).
والمسيرة قد اجتهدت تحت سقف الامتحان والابتلاء، ولكن أحاديث الإخبار بالغيب، وحركة التاريخ، تثبت أن بعض هذه الاجتهادات انتهت في نهاية المطاف إلى دائرة لا تحقق الأمان بصورة من الصور، قد تكون بيوت المال قد امتلأت بالذهب والفضة عند المقدمة، ولكن عند النتيجة نرى أن تفضيل هذا عن ذاك في القسمة، أدى إلى الصراع القبلي بين ربيعة ومضر، وبين الأوس والخزرج(١٨٥)، وأشعل الصراع العنصري بين العرب والعجم، والصريح والموالي(١٨٦)، كما أدى الاجتهاد في الخمس إلى اختلاف الأمة في من هم عشيرة النبي الأقربون؟ ومن هم أهل بيته وعترته؟ وأدى الاجتهاد في الأربعة أخماس الخاصة بالجنود، إلى استيلاء الأمراء في الأمصار على معظم هذه الأموال، وكان لهذا أثر سيئ على امتداد المسيرة، وأدى الاجتهاد في سهم المؤلفة، إلى استواء ضعيف الإيمان مع قويه، وأدى إلى تهييج النفوس على الانتقام بأي وسيلة، لأن الصدقة من خصائصها أنها تنشر الرحمة وتورث المحبة، وتؤلف بين القلوب، وتبسط الأمن، فإذا أمسكت - وكان تحت سقف الأمة منافقون، منهم: اثنا عشر رجلا أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ولن يدخلوا الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط - كان إمساكها سببا في فتح طرق الفساد.
رابعا: من معالم المسيرة
في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كانت الأحكام والفرائض والحدود وسائر السياسات الإسلامية قائمة ومقامة، ثم لم تزل بعد ارتحاله صلى الله عليه وآله وسلم تنقص وتسقط حكما فحكما، يوم فيوما، بيد الحكومات الإسلامية، على امتداد المسيرة كان هناك شبه انفصال بين الشعوب الإسلامية وحكامها، فكثير من الحكومات لم تكن تعبر عن شعوبها، وبينما كان الأمراء وأصحاب المقاعد الأولى في الدولة يضيعون الصلاة ويتبعون الشهوات، كانت الشعوب تختزن بداخلها الفطرة النقية ببركة وجود القرآن الكريم، ونحن في بحثنا هذا في المسيرة الإسلامية، لم نرصد إلا حركة أصحاب المقاعد الأولى ومن دار في فلكهم، أما حركة الأمة الإسلامية ورفضها للانحراف فإن لهذا موضعا آخر.
وحركة الدعوة الخاتمة في اتجاه الشعوب هي حركة المنقذ للفطرة من الانحراف والضلال، ولقد أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفكرة الصحيحة الداعية للفتح الإسلامي، وبين أن الفتح ليس للقتل أو الانتقام، وإنما هو رحمة وشفقة على البلاد المفتوحة، ولتخليصها من نير العبودية، وتطبيق النظام الإسلامي الفطري فيها، ولم تكن الغنائم هي غاية الفتح، فالغنائم ليس لها أهمية تذكر بجانب هدف الفتح الأسمى، فرفع الظلم عن البلد المفتوح هو المقصد، سواء غنم الجيش أو لم يغنم، والإسلام ينظر إلى الغنيمة على أساس أنها من قبيل جوائز التشجيع على القتل في سبيل الله، لأن المقصود من الحرب الظفر على الأعداء، فإن غلبوا فقد حصل المطلوب، وتكون الأموال التي غنمها المقاتلون زيادة على أصل الغرض، ولما كانت الغنيمة حصيلة القتال في سبيل الله، وبما أن الله - تعالى - وضع أحكاما خاصة بالقتال في سبيله، فإنه - تعالى - قسم الغنيمة على الجيش المنتصر لرفع معنوياته، وترغيبا له بالتكرار. وبالجملة، الغنيمة زيادة على أصل الغرض الذي من أجله يقاتل الجيش، وهي ملك لله ورسوله، وتوضع حيثما أراد الله ورسوله.
واجتهد الصحابة في غنائم الحرب، فصب هذا الاجتهاد - في نهاية المطاف - في دائرة التنافس والتحاسد وغير ذلك، ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر بالغيب عن ربه في ما رواه مسلم عن عبد الله، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: كما أمرنا الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أو غير ذلك، تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون أو نحو ذلك، ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض)(١٨٧). فالفتح أنتج ثقافة لم تكن يوما من أهداف الفتح، وأيقظ غريزة العرب الجاهلية بعد ما سكنت بالتربية النبوية، والطريق الذي انتهى بالتباغض - كما مر في الحديث السابق -، امتد لينتهي بالبغي في حديث آخر يخبر فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب عن ربه ويقول: (سيصيب أمتي داء الأمم، الأشر والبطر، والتكاثر، والتشاحن، والتباغض، والتحاسد، حتى يكون البغي)(١٨٨).
والطريق إلى البغي كان عليه أمراء لا يمتازون إلا بالسواعد القوية، وروي أن حذيفة قال لعمر بن الخطاب: (إنك تستعين بالرجل الفاجر، فقال له عمر: إني لأستعمله لأستعين بقوته، ثم أكون على قفائه)(١٨٩)، وقال في فتح الباري: (والذي يظهر من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد، أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط، بل يضم إليه الذي عنده مزيد من المعرفة بالسياسة، فلأجل هذا استخلف معاوية، والمغيرة بن شعبة، وعمروا بن العاص، مع وجود من هو أفضل منهم في أمر الدين والعلم)(١٩٠).
وذكر ابن حجر (أن عمر ولى إياس بن صبيح القضاء في البصرة، وكان إياس من أصحاب مسيلمة الكذاب)(١٩١)، و(كتب عمر إلى الأمراء أن يشاوروا طليحة بن خويلد، وكان طليحة قد أسلم ثم ارتد ثم أسلم، وكان قد ادعى النبوة)(١٩٢)، وروي أن (ابن عدي الكلبي قال لعمر: أنا امرؤ نصراني، فقال عمر: فما تريد؟، قال أريد الإسلام، فعرضه عمر عليه، ثم دعا له برمح، فعقد له على من أسلم، وقال عوف بن خارجة: ما رأيت رجلا لم يصل صلاة أمر على جماعة من المسلمين قبله)(١٩٣).
وإذا كان طريق البغي من علاماته التنافس والتحاسد والتدابر والتباغض، فإنه يختزن في أحشائه معالم الضلال، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا، حتى نشأ فيهم المولدون، وأبناء سبايا الأمم التي كانت بنو إسرائيل تسبيها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا)(١٩٤)، فأبناء الأمم إذا لم يجدوا الرعاية والتربية الصحيحة، أصبحوا من العوامل التي تساعد على الهدم، وهؤلاء ترعرعوا في المسيرة الإسلامية تحت سقف الدولة الأموية، ثم امتدوا بامتداد المسيرة، وذكر الطبري: (إن أول سبي قدم المدينة من العجم كان في عهد أبي بكر)(١٩٥)، وذكر البلاذري: (إن معاوية حاصر قيسارية حتى فتحها فوجد من المرتزقة سبعمائة ألف، ومن السامرة ثلاثين ألفا، ومن اليهود مائتي ألف)(١٩٦)، فبعث إلى عمر عشرين ألفا من السبي(١٩٧).
فالطريق كان عليه ضعيف الإيمان، وكان عليه أبناء الأمم، وكان عليه أمراء التنافس والتحاسد، والتدابر، والتباغض، والبغي، وكان عليه المنافقون، ومنهم اثنا عشر رجلا حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا، وعلى طريق كهذا، لا نستبعد أن تضيع الصلاة، وقد سجل حذيفة البادرة الأولى قبل وفاته، فقال: (ابتلينا، حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا)(١٩٨)، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر بالغيب عن ربه، أن الصلاة في طريقها إلى الضياع، فعن أبي ذر قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا ذر، أمراء يكونون بعدي يميتون الصلاة فصل الصلاة لوقتها...)(١٩٩)، قال النووي: (أي يجعلونها كالميت الذي خرجت روحه)(٢٠٠).
وروي أن الوليد بن عقبة - وكان أخا عثمان لأمه - حين كان واليا لعثمان ابن عفان على الكوفة أخر الصلاة، فقام عبد الله بن مسعود فصلى بالناس، فأرسل إليه الوليد وقال له: ما حملك على ما صنعت؟ أجاءك من أمير المؤمنين أمر أم ابتدعت؟ فقال: لم يأتني من أمير المؤمنين أمر ولم أبتدع، ولكن أبى الله - عز وجل - علينا ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن ننتظرك بصلاتنا وأنت في حاجتك(٢٠١).
وبينما كان الإمام يؤدي الصلاة، كانت الصلاة تؤدى بروحها خلف علي بن أبي طالب، روى مسلم عن مطرف قال: (صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما انصرفنا من الصلاة، أخذ عمران بيدي ثم قال: صلى بنا هذا صلاة محمد صلى الله عليه وآله وسلم(٢٠٢)، وفي رواية: قال عمران: قد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وروي أن عمران بن حصين مات سنة اثنتين وخمسين هجرية(٢٠٣) ولما كان حذيفة قد صلى سرا، ولما كان ابن مسعود قد شهد تأخير الصلاة، فإن أبا الدرداء قد شهد شيئا آخر، فعن أم الدرداء قالت: (دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب، فقلت: من أغضبك؟ قال: والله لا أعرف فيهم من أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم شيئا إلا أنهم يصلون جميعا)(٢٠٤)، ومات أبو الدرداء في خلافة عثمان.
ثم جاء عام ستين، وهو العام الذي حمل الصبيان أعلامه، وفيه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (تعوذوا بالله من رأس الستين ومن إمارة الصبيان)(٢٠٥)، وقال:
(ويل للعرب من شر قد اقترب على رأس الستين تصير الأمانة غنيمة، والصدقة غرامة، والشهادة بالمعرفة، والحكم بالهوى)(٢٠٦)، فرأس الستين تطوير للعربة التي تنطلق بوقود الرأي، ورأس الستين هو الوعاء الذي يصب فيه إماتة الصلاة من العهود التي سبقته، وينطلق منه وقود إضاعة الصلاة، وقراءة القرآن بلا تدبر، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر بالغيب عن ربه: (يكون خلف بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرأون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق، وفاجر)(٢٠٧)، وعن أبي سعيد قال: (المنافق كافر به، والفاجر يتأكل منه، والمؤمن يؤمن به)(٢٠٨).
ومن الدلائل على أن جيل الستين أخذ وقوده ممن سبقه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر في حديث آخر بأن كثرة المال هي الخلفية الأساسية التي يتم عليها تفريخ هؤلاء، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (مما أتخوف على أمتي أن يكثر فيهم المال حتى يتنافسوا فيقتلون عليه، وإن مما أتخوف على أمتي أن يفتح لهم القرآن، حتى يقرأه المؤمن والكافر والمنافق)(٢٠٩).
فالمال أنتج التنافس، والتحاسد والتدابر، والتباغض، والبغي، وفتح القرآن أمام العامة - مع عدم وجود العالم به - أدى إلى ترتيله في زحام الأسواق، حيث لا مستمع ولا منصت، ومن الأصاغر أخذ العلم الذي أدى إلى ضياع الصلاة، ولقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أشراط الساعة، فقال:
(إن من أشراطها أن يلتمس العلم عند الأصاغر)، قال ابن المبارك: (الأصاغر الذين يقولون برأيهم)(٢١٠)، وعن ابن مسعود قال: (لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإن أخذوه من أصاغرهم وشرارهم هلكوا)(٢١١)، وعن أنس قال: (قيل: يا رسول الله، متى ندع الائتمار بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، إذا كانت الفاحشة في كباركم، والملك في صغاركم، والعلم في رذالكم)(٢١٢).
وإذا كان أبو الدرداء قد شهد قبل وفاته أنه لا يعرف في الناس من أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم شيئا إلا أنهم يصلون جميعا، فإن أنس بن مالك شهد عام ستين، حيث مقدمة الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، روى البخاري عن الزهري قال: (دخلت على أنس فوجدته يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: ما أعرف شيئا مما أدركت، إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت)(٢١٣)، ومات أنس سنة ثلاث وتسعين، وكان يقول: (لم يبق أحد صلى القبلتين غيري)(٢١٤).
وفي الخلف الذين يضيعون الصلاة بعد أنبياء الله، يقول تعالى:
(أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا * فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) (مريم: ٥٨ - ٥٩)، قال المفسرون: ذكر الله حزب السعداء، وهم الأنبياء ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله، ثم ذكر - سبحانه - الخلف: أي البدل السيئ، وقوله تعالى: (فخلف من بعدهم)، أي قام مقام أولئك الذين أنعم الله عليهم، وكانت طريقتهم الخضوع والخشوع لله بالتقدم إليه بالعبادة، قوم سوء أضاعوا الصلاة، وضياع الشيء: فساده أو افتقاده، ومعنى أنهم أضاعوا الصلاة: أي أفسدوها بالتهاون فيها والاستهانة بها، حتى تنتهي إلى أمثال اللعب بها والتغيير فيها والترك لها، فإذا كانوا قد فعلوا هذا بالصلاة فإنهم لما سواها من الواجبات أضيع، لأنها عماد الدين وقوامه، ثم أخبر - سبحانه - بأن القوم السوء الذين أضاعوا الصلاة، وهي الركن الأصيل في العبودية، واتبعوا الشهوات، هؤلاء سيلقون غيا: أي خسارة، وهذه العقوبة سنة ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، يعاقب الله بها كل خلف طالح، وذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية، أن هذا الخلف في هذه الأمة أيضا(٢١٥) والخسارة التي توعد الله بها الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، يحمل أسبابها أمراء السوء وسبايا السوء الذين تربوا على القصص، وتسربت إليهم روح الأمم المستعلية الجبارة، فهؤلاء وغيرهم فتحوا أبواب القتال من أجل الملك، وعند نهاية القتال، وفي نهاية المسيرة كانت الخسارة عنوانا رئيسيا لكل شيء في عالم الاستدراج.
أما القتال على الملك، فيشهد به أبو برزة الأسلمي، روى البخاري عن أبي المنهال قال: (لما كان ابن زياد ومروان بالشام، ووثب ابن الزبير بمكة، ووثب القراء بالبصرة، انطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي، فقال أبي: يا أبا برزة، ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فقال: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم - يا معشر العرب - كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالاسلام وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، حتى بلغ ما ترون، وهذه الدنيا أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام - والله - إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم - والله - إن يقاتلون إلا على الدنيا، وإن ذاك الذي بمكة - والله - إن يقاتل إلا على الدنيا)(٢١٦).
ونتيجة القتال على الملك، أنه لم تستطع الدولة البقاء تحت حكم إدارة مركزية واحدة، فعند بداية المسيرة اتسعت الدولة من شواطئ المحيط الأطلسي في المغرب إلى نهر السند في الشرق، ومن بحر مازندران في الشمال إلى منابع النيل في الجنوب، وكما توسعت الدولة بسرعة، تجزأت بسرعة أيضا، فإذا نظرنا على امتداد المسيرة لنرصد معالم الاختلاف والتفريق على الأرض، نجد أن عبد الرحمن الداخل، وهو أحد أفراد الأسرة الأموية، قد أسس دولة مستقلة في إسبانيا سنة ١٣٨ ه‍، ورفع يد الحاكم العباسي عن ذلك الجزء من الدولة العباسية، ثم ظهر الأدارسة وأسسوا دولتهم، ثم جاء الأغالبة واستولوا على بقية مناطق إفريقيا عام ١٨٤ ه‍، ثم ظهر ابن طولون في مصر والشام وفصلهما عن الدولة، وعند حلول سنة ٣٢٣ هـ‍ أسس الأخشيد حكمه في مصر، ولم يبق تحت نفوذ الدولة العباسية السياسي من بلاد المغرب سوى رمزها.
أما في المشرق، فتم تأسيس الدولة الطاهرية بخراسان عام ٢٠٤ ه‍، وتتابع ظهور الدويلات الصغيرة بعد ذلك شرق إيران، كالصغاريين والسامانيين والغزنويين، ثم قامت الدولة البويهية في الجزء المتبقي لهم في إيران، ثم جاء المغول عام ٣٣٤ ه‍ـ وأنزل الستار على الدولة العباسية، وكان للدولة فرع يحكم رمزيا في مصر، قضى عليه سليم الأول من سلاطين آل عثمان، بعد استيلائه على مصر عام ٩٢٢ ه‍.
وعلى امتداد المسيرة كانت الأصابع اليهودية تعمل في الخفاء، كانت تثقب في الجدار بواسطة أبناء الأمة، وتحطم الأقفال بواسطة الحروب الصليبية المتعددة الأشكال، حتى جاء اليوم الذي طبقت فيه اتفاقية سايكس بيكو على الشام، وفرض الانتداب الفرنسي على شمال هذه البلاد، وقسم إلى كيانين هما: سوريا، ولبنان، وفرض الانتداب البريطاني على جنوبها، وقسم إلى كيانين هما، الأردن، وفلسطين، وفي عام ١٩١٧ م صدر وعد بلفور، الذي يقضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وفي عام ١٩٦٧ م بسط اليهود أيديهم على ما حلموا به طيلة حياتهم، بسطوا أيديهم على الأرض الواسعة، التي يحيط بها غثاء من كل مكان.
لقد بدأ الطريق من عند البحث عن الدرهم والدينار، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن ربه جل وعلا، فقال: (كيف أنتم إذا لم تجبوا دينارا ولا درهما؟
قالوا: ولم ذاك؟ قال: تنتهك ذمة الله وذمة رسوله، فيشد الله قلوب أهل الذمة فيمنعون ما بأيديهم)(٢١٧)، وقال: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: يا رسول الله، فمن قلة بنا يومئذ؟ قال:
لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب عدوكم، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت)(٢١٨)، وقال صاحب عون المعبود: (أي يدعو بعضهم بعضا لمقاتلتكم وسلب ما ملكتموه من الديار والأموال، ولقد وصفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغثاء السيل، لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم، وغثاء السيل: أي كالذي يحمله السيل من زبد ووسخ)(٢١٩).
لقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن فتنة أمته في المال، وأن الدرهم والدينار سيهلكهم كما أهلك الذين من قبلهم، وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم موضع كل مال في الإسلام، وأمر الأمة بأن تتمسك بالكتاب والعترة، وأن تأخذ بأسباب الحياة التي تحقق السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، فيأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ولكن القافلة تركت الأمراء الصبيان يعبثون بكل شيء، خوفا من الجوع والفقر، وفي نهاية المطاف وقف الحاضر أمام الماضي على رقعة واحدة، يدوي فيها صوت النبي الأعظم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، النبي العربي القرشي الهاشمي المكي المدني صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يقول: (منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم)(٢٢٠).

الفصل الثالث: فجر الضمير

أولا: الظلم والجور
الظلم هو: وضع الشيء في غير موضعه، وقال في لسان العرب: ومن أمثال العرب في الشبه: من استرعى الذئب فقد ظلم، وأصل الظلم الجور ومجاوزة الحد، ومنه حديث الوضوء: (فمن زاد أو نقص، فقد أساء وظلم)، أي أساء الأدب بتركه السنة والتأدب بأدب الشرع، وظلم نفسه بما نقصها من الثواب من ترداد المرات في الوضوء، وفي التنزيل: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن) (الأنعام: ٨٢)، قال ابن عباس: أي لم يخلطوا إيمانهم بشرك، والظلم: الميل عن القصد. والعرب تقول: إلزم هذا الصوب ولا تظلم عنه، أي لا تجر عنه، وقوله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم) (لقمان: ١٣)، يعني أن الله - تعالى - هو المحيي المميت، الرازق المنعم وحده لا شريك له، فإذا أشرك به غيره، فذلك أعظم الظلم، لأنه جعل النعمة لغير ربها(٢٢١).
وبينت الدعوة الخاتمة أن الافتراء على الله كذبا، والتكذيب بآياته أو الإعراض عنها، والصد عن سبيله - سبحانه - من أعظم الظلم، لأن الظلم يعظم بعظمة من يتعلق به، وإذا اختص بجنب الله كان أشد الظلم، وأخبر - سبحانه - في كتابه بأنه أهلك القرون الأولى لما ظلموا، ووعد - سبحانه - رسله بهلاك الظالمين، قال تعالى: (فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين * ولنسكننكم الأرض من بعدهم) (إبراهيم: ١٣ - ١٤).
وبالنظر إلى المسيرة البشرية، تجد أن الظلم، في نهاية المطاف، تدثر بأكثر من دثار من حرير وزخرف، وأصبح له عقائد وثقافات وقوانين، تشرف عليها حكومات وهيئات وجمعيات، والخارج عن هذه العقائد والقوانين هو في نظر هذه الدول والمؤسسات، خارج عن الحق، يستحق التأديب بواسطة الأساطيل أو السجون، أو بالتجويع تارة وبالتخويف تارة أخرى.
وبالنظر إلى مسيرة الشعوب في عصرنا هذا، نجد للوثنية أعلاما، وهذه الوثنية استترت وراء التقدم العلمي والاختراعات الحديثة، وقد يكون التقدم مفيدا في عالم المادة، ولكن إذا كان للدنيا عمل، فلا بد أن يستقيم هذا العمل مع الزاد الفطري، ولقد ذم القرآن الكريم الذين لا يذعنون بيوم الحساب، ويعملون للدنيا بسلوكهم الطريق الذي يغذي التمتع بالدنيا المادية فحسب، قال تعالى:
(ألا لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون) (هود: ١٨ - ١٩)، فالآية فسرت من هم الظالمون، وبينت أنهم الذين يصدون عن الدين الحق ولا يتبعون ملة الفطرة، وبالآخرة هم كافرون، وهذه الوثنية لها جماعاتها ومؤسساتها وبنوكها التي تمول مخططاتها.
وبالنظر إلى مسيرة بني إسرائيل، نجد أنها أنتجت في عصرنا الحاضر عنكبوتا ضخما تختفي وراء خيوطه العديد من مؤسسات الظلم والجور، التي تعمل على امتداد التاريخ من أجل تغذية الأمل، الذي حلم به بنو إسرائيل ليلا طويلا، وهو مملكة داود، وعاء العهد الابراهيمي، وراء هذه الخيوط تختفي جمعيات مسيحية تعمل من أجل ذات الهدف، نظرا لأن المسيحية الحاضرة خرجت من تحت عباءة بولس، الذي ادعى أنه أوحي إليه، وهو لم ير المسيح، ولم يكن من تلاميذه، ولقد وضعه القرآن وأمثاله تحت سقف الظلم، في قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) (الأنعام: ٩٣)، وهذه الجمعيات التي تعمل ظاهرة أو من وراء ستار، لها مؤسساتها وبنوكها وأساطيلها التي تمول وتحمي مخططاتها وأهدافها.
وبالنظر إلى المسيرة الخاتمة، نجد أن الظالمين فيها قد أخذوا بذيول الذين من قبلهم واتبعوهم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، ومن اتبع أحدا يصل معه إلى حيث يصل، وما الله بظلام للعبيد.
وفي ما يلي سنلقي ضوءا على جذور بعض الحركات وفروعها، التي عليها بصمة الظلم والجور، لتظهر جذورها الفكرية والعقائدية، ومواقع انتشارها ونفوذها، ويرى الحاضر كيف يتقدم الظالم إلى الخلف من أجل تنفيذ أهداف ما أنزل الله بها من سلطان.
١ - مسيرات وثنية
أ - البوذية
أسسها سدهار تاجوتاما الملقب ببوذا (٥٦٠ - ٤٨٠ ق. م)، ونشأ بوذا في بلدة على حدود نيبال، ويعتقد البوذيون أن بوذا هو ابن الله، وهو المخلص للبشرية من مآسيها وآلامها، وأنه يتحمل عنهم جميع خطاياهم، ويعتقدون أن تجسد بوذا كان بواسطة حلول روح القدس على العذراء مايا، ويعتقدون أن بوذا سيدخلهم الجنة، وأنه صعد إلى السماء بجسده بعد أن أكمل مهمته على الأرض، ويؤمنون برجعة بوذا ثانية إلى الأرض ليعيد السلام والبركة إليها، ويعتقدون أنه ترك فرائض ملزمة للبشر إلى يوم القيامة، والصلاة عندهم تؤدي إلى اجتماعات يحضرها عدد كبير من الأتباع، والديانة البوذية منتشرة بين عدد كبير من الشعوب الآسيوية، وهي مذهبان كبيران المذهب الشمالي، وقد غالى أهله في بوذا حتى ألهوه، والمذهب الجنوبي، وهؤلاء معتقداتهم أقل غلوا في بوذا، وكتبهم منسوبة إلى بوذا أو حكايات لأفعاله سجلها بعض أتباعه(٢٢٢).
ب - الهندوسية
الهندوسية: ديانة وثنية يعتنقها معظم أهل الهند، لا يوجد لها مؤسس معين، ولا يعرف لمعظم كتبها مؤلفون معينون، فقد تم تشكيل الديانة، وكذلك الكتب، عبر مراحل طويلة من الزمن، وقيل: إن الآريين الغزاة الذين قدموا إلى الهند في القرن الخامس عشر قبل الميلاد هم المؤسسون الأوائل للديانة الهندوسية، وللديانة عدة آلهة، ولكل منطقة إله، ولكل عمل أو ظاهرة إله، ولا يوجد عندهم توحيد بالمعنى الدقيق، لكنهم إذا أقبلوا على إله من الآلهة أقبلوا عليه بكل جوارحهم حتى تختفي عن أعينهم كل الآلهة الأخرى، ويقولون بأن لكل طبيعة - نافعة أو ضارة - إلها يعبد، كالماء والهواء والأنهار والجبال..، ويلتقي الهندوس على تقديس البقرة، ويعتقدون بأن آلهتهم قد حلت في إنسان اسمه كرشنا، وقد التقى فيه الإله بالإنسان، أو حل اللاهوت في الناسوت، وهم يتحدثون عن كرشنا كما يتحدث النصارى عن المسيح.
وكانت الديانة الهندوسية تحكم شبه القارة الهندية، ولكن المسافة الشاسعة بين المسلمين والهندوس، في نظريتهما إلى الكون والحياة، وإلى البقرة التي يعبدها الهندوس ويذبحها المسلمون ويأكلون لحمها، وكان ذلك سببا في حدوث التقسيم، حيث أعلن عن قيام دولة الباكستان بجزءيها الشرقي والغربي، الذي معظمه من المسلمين، وبقاء دولة هندية معظم سكانها من الهندوس، والمسلمون فيها أقلية كبيرة(٢٢٣).
ج - السيخية
السيخ: مجموعة دينية من الهنود الذين ظهروا في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر الميلادي داعين إلى دين جديد، فيه شيء من الديانتين الإسلامية والهندوسية، تحت شعار (لا هندوس ولا مسلمون)، ولقد عادوا المسلمين - خلال تاريخهم - بشكل عنيف، كما عادوا الهندوس بهدف الحصول على وطن خاص بهم، وذلك مع الاحتفاظ بالولاء الشديد للبريطانيين خلال فترة استعمار الهند.
ومؤسس السيخية الأول ناناك، ولد سنة ١٤٦٩ م في قرية بالقرب من لاهور، وكان محبا للإسلام من ناحية، مشدودا إلى تربيته وجذوره الهندوسية من ناحية أخرى، مما دفعه لأن يعمل على التقريب بين الديانتين، ويقال إن ناناك لم يكن الأول في مذهبه السيخي هذا، وإنما سبقه إليه شخص آخر اسمه كبير (١٤٤٠ - ١٥١٨ م)، درس الدين الإسلامي والهندوكي، وكان حلقة اتصال بين الدينين، وكان كبير يتساهل في قبول كثير من العقائد الهندوكية ويضمها إلى الإسلام شريطة بقاء التوحيد، لكنه لم يفلح إذ انقرض مذهبه بموته مخلفا مجموعة أشعار تظهر تمازج العقيدتين المختلفتين الهندوسية والاسلامية، مرتبطتين برباط صوفي يجمع بينهما.
وللسيخ بلد مقدس يعقدون فيه اجتماعاتهم المهمة، وهو مدينة أمرتيسار من أعمال البنجاب، وقد دخلت عند التقسيم في أرض الهند، وأكثرية السيخ تقطن البنجاب، إذ يعيش فيها ٨٥ % منهم، ولهم لجنة تجتمع كل عام منذ سنة ١٩٠٨ م، تنشئ المدارس، وتعمل على إنشاء كراسي في الجامعات لتدريس ديانة السيخ ونشر تاريخها، ويقدر عدد السيخ حاليا بحوالي ١٥ مليون نسمة داخل الهند وخارجها(٢٢٤).
د - الكونفوشيوسية
الكونفوشيوسية: ديانة أهل الصين، يعتبر الكونفوشيوس (٥٥١ ق. م) المؤسس الحقيقي لهذه العقيدة، ويعتقدون بالإله الأعظم، أو إله السماء، ويتوجهون إليه بالعبادة، وتقديم القرابين إليه مخصوصة بالملك أو بأمراء المقاطعات، ويعتقدون أن للأرض إليها، يعبده عامة الصينيين، ويعتقدون أن لكل من الشمس والقمر والكواكب والسحاب والجبال إلها، وعبادتها وتقديم القرابين إليها مخصوصة بالأمراء، كما أنهم يقدسون الملائكة ويقدمون إليها القرابين، ويقدسون أرواح أجدادهم الأقدمين، ويعتقدون ببقاء الأرواح، والقرابين عبارة عن موائد يدخلون بها السرور على تلك الأرواح بأنواع الموسيقى، ويوجد في كل بيت معبد لأرواح الأموات ولآلهة المنزل، وتنتشر الكونفوشية في الصين، وزالت هذه الديانة عام ١٩٤٩ م عن المسرحين السياسي والديني، لكنها ما تزال كامنة في روح الشعب الصيني، لأمر الذي يؤدي إلى تغيير ملامح الشيوعية الماركسية في الصين، وما تزال الكونفوشية ماثلة في النظم الاجتماعية في فرموزا (الصين الوطنية)، وانتشرت - كذلك - في كوريا واليابان، وهي من الأسس الرئيسية التي تشكل الأخلاق في معظم دول شرقي آسيا وجنوبها الشرقي في العصرين الوسيط والحديث(٢٢٥).
٢ - مسيرات عنكبوتية
خلفت المسيرة الإسرائيلية من ورائها، أبشع بيوت الظلم والجور، وهذه البيوت خرج منها الوقود الذي أشعل معظم الصراعات التي دارت على امتداد عصرنا الحديث وغذاها، ونذكر من هذه البيوت:
أ - الماسونية
والماسونية لغة معناها: البناؤون الأحرار، وهي في الاصطلاح: منظمة يهودية سرية إرهابية غامضة، محكمة التنظيم، يهدف إلى ضمان سيطرة اليهود على العالم، وتدعوا إلى الإلحاد والإباحية والفساد، جل أعضائها من الشخصيات المرموقة في العالم، يوثقهم عهد بحفظ الأسرار، ويقومون بما يسمى بالمحافل للتجمع والتخطيط والتكليف بالمهام(٢٢٦).
واختلف في تاريخ ظهور الماسونية لتكتيمها الشديد، والراجح أنها ظهرت سنة ٤٣ م، وسميت (القوة الخفية)، وهدفها التنكيل بالنصارى واغتيالهم وتشريدهم، ومنع دين المسيح من الانتشار(٢٢٧)، وكانت تسمى في عهد التأسيس القوة الخفية، ومنذ بضعة قرون تسمت بالماسونية، لتتخذ من نقابة البنائين الأحرار لافتة تعمل من خلالها، وأهم أفكارهم ومعتقداتهم:
أنهم يكفرون بالله ورسله وكتبه وبكل الغيبيات، ويعملون على تقويص الأديان، وإسقاط الحكومات الشرعية، وإلغاء أنظمة الحكم الوطنية في البلاد المختلفة، والسيطرة عليها، وإباحة الجنس، واستعمال المرأة كوسيلة للسيطرة، والعمل على تقسيم غير اليهود إلى أمم متنابذة تتصارع بشكل دائم، وبث سموم النزاع داخل البلد الواحد، وإحياء روح الأقليات الطائفية والعنصرية، والعمل على السيطرة على رؤساء الدول لضمان تنفيذ أهدافهم التدميرية، والسيطرة على الشخصيات البارزة في مختلف الاختصاصات لتكون أعمالهم متكاملة، والسيطرة على أجهزة الدعاية والصحافة والنشر والإعلام، واستخدامها كسلاح فتاك شديد الفاعلية، والسيطرة على المنظمات الدولية، كمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة، ومنظمات الأرصاد الدولية، ومنظمات الطلبة والشباب والشابات في العالم.
والماسونية لها محافل في كل العالم تقريبا، وبيدها أكثر موارد الاقتصاد ووسائل الانتاج في العالم، ولهم عصابات إرهابية لتنفيذ العمليات الإجرامية للتخلص من كل من يقف في طريقهم عن قصد أو عن غير قصد(٢٢٨)، ويتبع الماسونية مجموعة نواد ذات طابع خيري اجتماعي في الظاهر، لكنها لا تعدو أن تكون واحدة من المنظمات العالمية التابعة للماسونية التي تديرها أصابع يهودية، بغية إفساد العالم والسيطرة عليه، ومن هذه النوادي الليونز، وله نواد في أمريكا وأوروبا وكثير من بلدان العالم، ومركزه الرئيسي في أوك بروك بولاية الينوي في الولايات المتحدة الأمريكية، ويتجلى النشاط الظاهري لليونز في: الدعوة إلى الإخاء والحرية والمساواة، وتنمية روح الصداقة بين الأفراد بعيدا عن الروابط العقيدية، ودعم المشروعات الخيرية، ودعم مشروعات الأمم المتحدة، وتقديم الخدمات إلى البيئة المحلية، والاهتمام بالرفاهية الاجتماعية، ونشر المعارف بكل الوسائل الممكنة، ولا يستطيع أي شخص أن يقدم طلب انتساب إليهم، وإنما هم الذين يرشحونه ويعرضون عليه ذلك(٢٢٩).
ومن ذلك أيضا نادي الروتاري، وهو منظمة ماسونية، تسيطر عليه اليهودية العالمية، ومن أفكار الروتاري ومعتقداته: عدم اعتبار الدين مسألة ذات قيمة، لا في اختيار العضو ولا في العلاقة بين الأعضاء، ولا يوجد أي اعتبار لمسألة الوطن، وإسقاط الدين يوفر الحماية لليهود ويسهل تغلغلهم في الأنشطة الحياتية كافة، وهذا يتضح من ضرورة وجود يهودي واحد أو اثنين على الأقل في كل ناد، وباب العضوية غير مفتوح لكل الناس، ولكن على الشخص أن ينتظر دعوة النادي للانضمام إليه على حسب مبدأ الاختيار، والعمال محرومون من عضوية النادي، ولا يختار إلا من يكون ذا مكانة عالية. وبدأت أندية الروتاري في أمريكا سنة ١٩٠٥ م، وانتقلت بعدها إلى بريطانيا وإلى عدد من الدول الأوروبية، ومن ثم صار لها فروع في معظم دول العالم، ولها نواد في عدد من الدول العربية، كمصر والأردن وتونس والجزائر وليبيا والمغرب ولبنان، وتعد بيروت مركز جمعيات الشرق الأوسط(٢٣٠).
وتختلف الماسونية عن الروتاري في أن قيادة الماسونية ورأسها مجهولان، على عكس الروتاري الذي يمكن معرفة أصوله ومؤسسيه، والروتاري وما يماثله من النوادي مثل: الليونز، الكيواني، أبناء العهد، يعمل في نطاق والمخططات اليهودية من خلال سيطرة الماسون عليها، والذين هم بدورهم مرتبطون باليهودية العالمية نظريا وعمليا(٢٣١).
ب - الصهيونية
الصهيونية: حركة سياسية عنصرية متطرفة، ترمي إلى إقامة دولة اليهود التي تحكم من خلالها العالم كله، وتكون عاصمتها أورشاليم، وارتبطت الحركة الصهيونية باليهودي النمساوي هرتزل، الذي يعد الداعية الأول للفكر الصهيوني، الذي تقوم على آرائه الحركة الصهيونية في العالم، وتعتبر الصهيونية جميع يهود العالم أعضاء في جنسية واحدة هي الجنسية الإسرائيلية، ويعتقدون أن اليهود هم العنصر الممتاز الذي يجب أن يسود، وكل الشعوب الأخرى خدم لهم، ويقولون: لا بد من إغراق الأمميين في الرذائل بتدبيرنا من طريق من نهيئهم لذلك من أساتذة وخدم وحاضنات ونساء ملاهي، ويرون أن السياسة نقيض للأخلاق، ولا بد فيها من المكر والرياء، أما الفضائل والصدق فهي رذائل في عرف السياسة، ويقولون: يجب أن نستخدم الرشوة والخديعة والخيانة دون تردد ما دامت تحقق مآربنا، ويقولون: ننادي بشعارات (الحرية، والمساواة، والإخاء) لينخدع بها الناس، ويهتفوا بها، وينساقوا وراء ما نريد لهم، ويقولون: سنعمل على دفع الزعماء إلى قبضتنا، وسيكون تعينهم في أيدينا، واختيارهم حسب وفرة أنصبتهم من الأخلاق الدنيئة وحب الزعامة وقلة الخبرة، ويقولون: سنسيطر على الصحافة، تلك القوى الفعالة التي توجه العالم نحو ما نريد، يقولون: لا بد أن نفتعل الأزمات الاقتصادية لكي يخضع لنا الجميع بفضل الذهب الذي احتكرناه، ويقولون: إن كلمة الحرية تدفع الجماهير إلى الصراع مع الله، ومقاومة سنته، فلنشعها هي وأمثالها إلى أن تصبح السلطة في أيدينا، ويقولون: لنا قوة خفية لا يستطيع أحد تدميرها، تعمل في صمت وخفاء وجبروت، ويتغير أعضاؤها على الدوام، وهي كفيلة بتوجيه حكام الأمميين كما نريد(٢٣٢).
ومن المنظمات التي خرجت من عباءة الصهيونية: منظمة شهود يهوه، وهي منظمة تقوم على سرية التنظيم وعلنية الفكرة، دينية وسياسية، ظهرت في أمريكا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهي تدعي أنها مسيحية، والواقع أنها واقعة تحت سيطرة اليهود وتعمل لحسابهم، وهي تعرف باسم جمعية العالم الجديد، إلى جانب شهود يهوه الذي عرفت به ابتداء من سنة ١٩٣١ م، وتؤمن هذه المنظمة بعيسى رئيسا لمملكة الله، ويعملون من أجل إقامة دولة دينية دنيوية للسيطرة على العالم، ويقتطفون من الكتاب المقدس الأجزاء التي تحبب بإسرائيل واليهود، ويقومون بنشرها، ويعادون النظم الوضعية ويدعون إلى التمرد، ويعادون الأديان إلا اليهودية، وجميع رؤسائهم يهود، ويعترفون بقداسة الكتب التي يعترف بها اليهود ويقدسونها، ولهذه المنظمة علاقة مع المنظمات التبشيرية، والمنظمات الشيوعية والاشتراكية الدولية، ولهم علاقة كبيرة مع أهل النفوذ من اليونانيين والأرمن(٢٣٣). وخرجت من تحت عباءة اليهودية بعض التيارات الفكرية منها:
١ - العلمانية
وهي دعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين، وتعنى في جانبها السياسي بالذات اللادينية في الحكم، وهي اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم، والمذهب العلمي، ومن أفكار هذا التيار ومعتقداته، أن بعضهم ينكر وجود الله أصلا، والبعض الآخر يؤمن بوجوده، لكنهم يعتقدون بعدم وجود أي علاقة بين الله وبين حياة الإنسان، ويعتقدون أن الحياة تقوم على أساس العلم المطلق، وتحت سلطان العقل والتجريب، ويقولون بفصل الدين عن السياسة، وإقامة الحياة على أساس مادي، وينادون بتطبيق مبدأ النفعية على كل شيء في الحياة، واعتماد مبدأ (الميكيافيلية) في الفلسفة، والحكم، والسياسة والأخلاق، ولقد رشح هذا التيار على العالم الإسلامي، وانتشر بفضل الاستعمار والتبشير، وقام دعاته في العالم العربي والاسلامي بالطعن في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة، وزعموا بأن الإسلام استنفذ أغراضه، وهو عبارة عن طقوس وشعائر روحية، وزعموا بأن الإسلام لا يتلاءم مع الحضارة ويدعو إلى التخلف(٢٣٤).
٢ - التغريب
وخرج دعاته من تحت العباءة اليهودية، والتغريب تيار كبير ذو أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفنية، ويرمي إلى صبغ حياة الأمم والمسلمين - بخاصة - بالأسلوب الغربي، وذلك بهدف إلغاء شخصيتهم المستقلة وخصائصهم المتفردة، وجعلهم أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية، ولقد استطاعت حركة التغريب أن تتغلغل إلى كل بلاد العالم الإسلامي، وإلى كل البلاد المشرقية على أمل بسط بصمات الحضارة الغربية المادية الحديثة على هذه البلاد، وربطها بالعجلة الغربية، ولم يخل بلد إسلامي أو مشرقي من هذا التيار(٢٣٥).
ويضاف إلى هذه التيارات تيار الوجودية، وهو تيار فلسفي، يكفر أتباعه بالله ورسوله وكتبه وبكل الغيبيات وكل ما جاءت به الأديان، ويعتبرونها عوائق أمام الإنسان نحو المستقبل، وقد اتخذوا الإلحاد مبدأ، ووصلوا إلى ما يتبع ذلك من نتائج مدمرة، ومن أشهر زعماء هذا التيار جان بول سارتر الفرنسي، المولود سنة ١٩٠٥ م، وهو ملحد ويناصر الصهيونية، وانتشرت أفكار هذا التيار بين المراهقين والمراهقات في فرنسا وألمانيا والسويد والنمسا وانجلترا وأمريكا وغيرها، حيث أدت إلى الفوضى الخلقية، والإباحية الجنسية، واللامبالاة بالأعراف الاجتماعية والأديان(٢٣٦).
ويضاف إلى ذلك الفرويدية، وهي مدرسة في التحليل النفسي، أسسها اليهودي سيجموند فرويد، وهي تفسر السلوك الإنساني تفسيرا جنسيا، وتجعل الجنس هو الدافع وراء كل شيء، كما أنها تعتبر القيم والعقائد حواجز وعوائق تقف أمام الاشباع الجنسي، مما يورث الإنسان عقدا وأمراضا نفسية، ولم ترد في كتب فرويد وتحليلاته أية دعوى صريحة للانحلال كمل يتبادر في الذهن، وإنما كانت هناك إيماءات تحليلية كثيرة تتخلل المفاهيم الفرويدية، تدعو إلى ذلك، وقد استفاد الإعلام الصهيوني من هذه المفاهيم لتقديمها على نحو يغري الناس بالتحليل من القيم، وييسر لهم سبله بعيدا عن تعذيب الضمير(٢٣٧).
واستغل اليهود المذهب الرأسمالي، والرأسمالية: نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية، يقوم على أساس تنمية الملكية الفردية والمحافظة عليها، متوسعا في مفهوم الحرية، لقد ذاق العلم بسببه ويلات كثيرة، وما تزال الرأسمالية تمارس ضغوطها وتدخلها السياسي والاجتماعي والثقافي، وترمي بثقلها على مختلف شعوب الأرض، وتقوم الرأسمالية - في جذورها - على شيء من فلسفة الرومان القديمة، ويظهر ذلك في رغبتها في امتلاك القوة، وبسط النفوذ والسيطرة، ولقد تطورت متنقلة من الإقطاع إلى البرجوازية إلى الرأسمالية، وخلال ذلك اكتسبت أفكارا ومبادئ مختلفة، تصب في تيار التوجه نحو تعزيز الملكية الفردية والدعوة إلى الحرية، ولا يعني الرأسمالية من القوانين الأخلاقية إلا ما يحقق لها المنفعة، ولا سيما الاقتصادية منها على وجه الخصوص، وتدعو الرأسمالية إلى الحرية، وتتبنى الدفاع عنها، لكن الحرية السياسية تحولت إلى حرية أخلاقية واجتماعية، ثم تحولت بدورها إلى إباحية، وازدهرت الرأسمالية في انجلترا وفرنسا وألمانيا واليابان وأمريكا، وإلى معظم العالم الغربي، وكثير من دول العالم يعيش في جو من التبعية لها، ووقف النظام الرأسمالي إلى جانب إسرائيل دعما وتأييدا بشكل مباشر أو غير مباشر(٢٣٨).
ووضع اليهود بصماتهم على المذهب الشيوعي، وهو مذهب فكري يقوم على الإلحاد، وأن المادة هي أساس كل شيء، ويفسر التاريخ بصراع الطبقات وبالعامل الاقتصادي، وظهر المذهب على يد ماركس اليهودي الألماني (١٨١٨ - ١٨٨٣ م)، وتجسد في الثورة البلشفية التي ظهرت في روسيا سنة ١٩١٧ م، بتخطيط من اليهود، وتوسعت الثورة على حساب غيرها بالحديد والنار، وقد تضرر المسلمون منها كثيرا، وأفكار هذا المذهب ومعتقداته تقوم على: إنكار وجود الله وكل الغيبيات، وقالوا بأن المادة هي أساس كل شيء، وفسروا تاريخ البشرية بالصراع بين البرجوازية والبروليتاريا، وقالوا: إن الصراع سينتهي بدكتاتورية البروليتاريا، وحاربوا الأديان واعتبروها وسيلة لتحذير الشعوب، مستثنين من ذلك اليهودية لأن اليهود شعب مظلوم وحاربوا الملكية الفردية، وقالوا بشيوعية الأموال وإلغاء الوراثة، ولم تستطيع الشيوعية إخفاء تواطئها مع اليهود، وعملها لتحقيق أهدافهم، فقد صدر منذ الأسبوع الأول للثورة قرار ذو شقين بحق اليهود:
أ - يعتبر عداء اليهود عداء للجنس السامي يعاقب عليه القانون.
ب - الاعتراف بحق اليهود في إنشاء وطن قومي في فلسطين(٢٣٩).
وهكذا وضع اليهود المسيرة البشرية بين مذهبين اقتصاديين، يعارض كل منهما الآخر، ليشتد الصراع على امتداد المسيرة، مع احتفاظ اليهود بثمرات كل مذهب، وثمرات الصراع القائم بينهما.
ج - التبشير
وأدلى النصارى بدلوهم على المسيرة البشرية، وخرجت قوافل التبشير المختلفة الأسماء المتحدة الهدف، ومن أفكار هذه القوافل ومعتقداتها محاربة الوحدة الإسلامية، وتشويه التعاليم الإسلامية، ونشر النصرانية بين الأمم المختلفة في دول العالم الثالث بعامة، وبين المسلمين بخاصة، بهدف إحكام السيطرة على هذه الشعوب، وتتلقى قوافل التنصير الدعم الدولي الهائل من أوروبا وأمريكا، ومن مختلف الكنائس والهيئات والجامعات والمؤسسات العالمية، وألقى التنصير بثقله حول العالم الإسلامي، ويتمركز في أندونيسيا وماليزيا وبنجلاديش والباكستان، وفي أفريقيا بعامة، من التيارات التبشيرية التي يتبناها اليهود، طائفة المورمون، وتلبس لباس الدعوة إلى دين المسيح، وتنادي بالعودة إلى الأصل، أي إلى كتاب اليهود، ويعتقدون بأن الله أعطى وعدة لإبراهيم، ومن ثم لابنه يعقوب، بأن من ذريته سيكون شعب الله المختار، وكتابهم يشبه التلمود في كل شيء، وكأنه نسخة طبق الأصل عنه(٢٤٠)، ومؤسس هذه الجماعة: يوسف سميث، ولد عام ١٨٠٥ م بمدينة شارون بمقاطعة وندسور التابعة لولاية فرمنت، لقد جندت إسرائيل كل إمكاناتها لخدمة هذه الطائفة، وأمن بفكر هذه الطائفة كثير من النصارى، وكان دعاتها من الشباب المتحمس، وقد بلغ عدد أفرادها أكثر من خمسة ملايين نسمة، ٨٠ % منهم في أمريكا، ويتمركزون في ولاية أوتاه حيث إن ٦٨ % من سكان هذه الولاية منهم، ٦٢ % من سكان مقاطعة البحيرات المالحة مسجلون كأعضاء في هذه الكنيسة، ومركزهم الرئيسي في ولاية يوتا الأمريكية، وهذا التيار انتشر في الولايات المتحدة، وأمريكا الجنوبية، وكندا، وأوروبا، كما أن لهم في معظم أنحاء العالم فروعا ومكاتب ومراكز لنشر أفكارهم ومعتقداتهم، ويوزعون كتبهم مجانا، ولهم ١٧٥ إرسالية تنصيرية، كما أنهم يملكون: شبكة تلفزيونية، وإحدى عشرة محطة إذاعية، ويملكون مجلة شهرية بالإسبانية، وصحيفة يومية واحدة(٢٤١).
والخلاصة
يجب أن نعترف بأن المسيرة البشرية حملت ضمن طياتها البصمة الوثنية، التي زين الشيطان برنامجها، وأغوى به قطاعا عريضا على امتداد المسيرة، ونحن - في عصرنا - نرى أعلام هذا القطيع، ويجب أن نعترف أن الماسونية شجرة عتيقة، فروعها هي الصهيونية وملحقاتها، وهذه الشجرة في بستان يملكه اليهود، والخدم في هذا البستان هم علماء التغريب والعلمانية وغيرهم، ومهمة الخدم هي تذويب الإحساس القومي لدى الشعوب بنشر الأفكار العالمية، ونتيجة لذلك يكون اليهود هم الشعب الوحيد الذي يظل محتفظا بقوميته، ويكون له المجد في النهاية، وله السيطرة على جميع شعوب الأرض باعتباره شعب الله المختار.
فالشعب اليهودي داخل دائرته ظل على امتداد تاريخه بعد السبي يؤمن بضرورة العمل من أجل إحياء مملكة داود، التي يكون لها المجد على شعوب الأرض، ويسبح معها الجبال والطير، وظل أتباع هذا الاعتقاد على امتداد تاريخهم وفي أحلك الأوقات يقيمون حياتهم على أساس هذا الدين الذي يحقق هذه النتيجة، وعندما عاشوا في بقاع الأرض المختلفة متباعدين، كانوا في الوقت نفسه متقاربين نتيجة لوحدة الفكر والهدف، ولم يذوبوا في المجتمعات، وإنما اجتمعوا في أحياء خاصة بهم داخل المجتمعات الكبيرة، وعملوا من أجل أن تكون المجتمعات الكبيرة في قبضتهم، وذلك عن طريق سيطرتهم على الاقتصاد ورجال الحكم.
وبعد عودة اليهود إلى فلسطين، وبعد انتصارهم عام ١٩٦٧ م، يخطئ من يظن أن الحرب بين الفطرة وبين اليهود قد انتهت، ومخدوع كل من يظن أن كل ما هو معلق بين المسلمين وبين اليهود قد تحله العقود أو المواثيق أو اتفاقيات الصلح والاعتراف المتبادل، لأن المهمة الإسرائيلية لن تنتهي إلا بظهور أمير السلام الذي ينتظره اليهود. وقد يأخذ السلام بين العرب وبين اليهود أشكالا متعددة، ولكن تبقى الحقيقة الأكيدة أن هذا السلام في نظر اليهود سيكون ورقة تكتيكية من أوراق الحرب المستمرة، حتى يأتي أمير السلام (الدجال) فينصب فسطاطه في المنطقة، ويتبعه جميع الذين تعاموا عن هذه الحقيقة.
ويجب أن نعترف أن قطاعا عريضا داخل المسيرة الإسلامية لا يعرف ذاته، ولا يعرف القوى المعادية له، أو بمعنى آخر، يجب أن نعترف بأن هؤلاء يبدو وكأنهم لا يريدون أن يعرفوا ذواتهم، أو كأنهم لا يقدرون على محاولة المعرفة، وأنهم لا يعرفون عدوهم معرفة حقيقية، أو لعلهم لم يحاولوا أن يعرفوا، وفي جميع الحالات يجب أن نعترف بأننا لا نعرف أنفسنا ولا نعرف عدونا.
ويجب أن نعترف بأن الفطرة يحيط بها الظلم من كل مكان، وأن الوسائل المحيطة بها يمسك بزمامها الجبان، وكلمة الجبان لا تعني الرجل الخائف الرعديد فقط، وإنما تعني ذلك الرجل الذي إذا تمكن من عدوه كان أكثر جبنا، بمعنى أنه لا يعرف في التعامل معه معنى من معاني النبالة أو الكرم أو الشهامة، إنما يستعمل معه أدنأ الوسائل وأدناها إلى الحطة، والفطرة الإنسانية تحيط بها أكثر الناس جبنا، بمعنى أكثر الناس ميلا للانتقام...
إذا كان البحث العلمي قد قدم للمسيرة البشرية مجهودات عظيمة، من عصر الطاقة اليدوية إلى عصر الفحم، إلى عصر البخار.. إلى عصر البترول، إلى عصر الكهرباء، ومن عصر الذرة إلى عصر الألكترونيات، إلى عصر الكمبيوتر، إلى عصر الفضاء، إلى عصر الهندسة الوراثية، فيجب أن نعترف أن الأعظم من هذا المجهود الضخم استعمل في كل عصر من أجل خدمة مخططات الأهواء وأهدافها المادية، وعن طريقه استطاع أصحابه أن يتغلغلوا داخل النفس لإغوائها لتكون عضوا على طريق أهدافهم.
إن العلوم المفيدة تكون في متناول الإنسان عندما تصلح أخلاقه، أما إذا وقف الجبان على أبواب المجهودات العلمية، فسيكون للظلم والجور وللفساد أعلام متعددة الألوان والأشكال، وفي عصرنا نرى المخطط اليهودي والوثني تحمية الترسنات النووية والكيميائية والمكروبية، والترسانة والتقليدية، وأساطيل الطائرات والغواصات والدبابات وقاذفات الصواريخ والباتريوت، ونجد الفطرة في أماكن كثيرة مقيدة بالديون، وفوائد القروض، ومحاذير السلاح، وضغوط صندوق النقد الدولي، وقرارات الأمم المتحدة، ونجدها مهددة من كل مكان بعد أن فسد كل شيء، ولوثت البحار والأنهار بالنفط، والمبيدات، ومخلفات المصانع وسموم المعادن الثقيلة، ولوث الجو بغازات الكبريت والأزون والكربون والرصاص، واتخذ الجبان من قلب الأرض والبحر مخازن للموت النووي والرعب الذري يدفن فيه النفايات القاتلة لصناعاته المهلكة، ونجد الفطرة محاصرة بقوافل خرقت الشوائع وطلبت اللذة من وجوهها الشاذة باللواط والسحاق، ولقد رأينا كيف خرجت قوافل الشواذ تطالب بشرعية الفسق، وتقنين زواج الرجال بالرجال، وزواج النساء بالنساء، وتسير في مظاهرات علنية تطالب بحقوقها الشاذة، ولم يقتصر الأمر على خروج قبائل العهر والفسق في مظاهرات، وإنما تفننت قبائل أخرى في جعل الحرية الجنسية شريعة لمملكتها، وأقامت للزنا نوادي ومؤسسات وأقمارا فضائية تنشره، وأبدعت هذه القبائل في إخراج العهر والفجور والفسق والشذوذ، بجميع أوضاعه، في أبهة من الألوان ومواكب من الزينة والزخرف، واستأجرت لهذا الفتيات الساقطات من كل جنس لعرضهن عرايا، ثم ثبت هذا العهر ليستقبله كل من وجه هوائي استقبال إلى الفضاء.
لقد ملئت الأرض ظلما، والتطور ينطلق كل دقيقة بل كل ثانية، وما كان يحدث من إنجاز علمي في آلاف السنين، أصبح يحدث الآن في سنوات قليلة، ومعنى هذا أن المستقبل سيشهد تطورا مضغوطا في حيز تاريخي قصير، فإذا كان الجبان ساهرا ومشرفا على هذا التطور، فإن معنى هذا أننا نهرول بالفعل إلى النهاية. وقبل أن يأتي هذا اليوم يجب أن نعرف من نحن؟
ومن هو عدونا؟ وما هي أهدافنا؟ وما هي أهداف عدونا؟ ومن أين نبدأ وكيف نخرج من الدائرة المغلقة؟ إننا إذا لم نعرف كل هذا وغيره، فستدفع أجيالنا في المستقبل ثمنا باهظا، وسيشهدون جنازتهم على أقل تقدير وهم وراء أمير السلام وسنعتمد - نحن - هذه الجنازة لأن المستقبل ابن للماضي ولا ينفصل عنه. أجيبوا، أجيبوا - يرحمكم الله - قبل أن يأتي يوم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
٣ - مستقر المسيرات الانحرافية
يبعث الله - تعالى الأنبياء والرسل ليذكروا الناس بالمخزون الفطري الذي وضعه الله في النفس البشرية عندما بدأ الخلق، وهذا المخزون هو توحيده تعالى، ويقوم الأنبياء والرسل - على امتداد عهد البعثة - بسوق الناس إلى طريق الهدى ببيانهم ما أنزل إليهم من ربهم، وبعد أن يقيم رسل الله الحجة على الناس ينسى بعض هؤلاء ما ذكروا به، ويقومون بأعمال تعارض الفطرة ووصايا الله، وأخبرت الدعوة الخاتمة أن الله - تعالى - يستدرج هذه المسيرات الانحرافية على امتداد المسيرة البشرية، وعلى امتداد الاستدراج ينال الذين ظلموا عذاب الخزي في الحياة الدنيا، قال تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) (الأنعام: ٤٤ - ٤٥).
وعذاب الاستدراج في الحياة الدنيا أبوابه مفتوحة، يدخل فيها الحاضر إذا أخذ بأسباب الانحراف من الماضي، وإذا انطلق الحاضر إلى المستقبل ولم تحدثه نفسه بتوبة، انتهت به خطاه إلى المسيح الدجال، وفي دائرة الدجال تنال جميع رايات الانحراف والشذوذ عذاب الخزي، ويقطع الله دابرهم بعذاب الاستئصال. والنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بأن جميع الأنبياء حذروا أممهم من الدجال، وقال: (إن الله لم يبعث نبيا إلا حذر أمته الدجال)(٢٤٢)، وحذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الدجال ومن كل عمل ينتهي إليه، ومن ذلك قوله:
(وما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا صغيرة ولا كبيرة إلا لفتنة الدجال)(٢٤٣).
وطريق الدجال يبدأ بانحراف دقيق عند البداية، ثم يتسع شيئا فشيئا على امتداد المسيرة، وفي مناطق الاتساع ترفع للشذوذ رايات بعد أن ألفه الناس وهذه الرايات بينها النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر بأشراط الساعة، ومن ذلك قوله: (من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا)(٢٤٤)، وقال: (إن بين يدي الساعة أياما يرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل)(٢٤٥)، فهذه العلامات تظهر على طريق الفتن والانحراف، وبينها النبي الخاتم ليراجع الناس أنفسهم على امتداد المسيرة، ويشهدوا له بالنبوة بعد أن رأوا أحداثا أخبر بها يوم أن كانت غيبا، فالأحداث في عالم المشاهدة المنظور دعوة للتوبة، وتحذير من العقاب الذي يؤدي إليه الاستدراج.
وآخر الزمان يقف تحت أعلام الدجال جميع المسيرات التي انحرفت عن ميثاق الفطرة وأشركت بالله، ويقف تحتها صناع الفتن وأصحاب الأهواء وتجار الشذوذ وجلادو الشعوب، وجميع الذين ظلموا وصدوا عن سبيل الله العزيز الحكيم، فهؤلاء وغيرهم سينتظمون وراء قيادة الدجال آخر الزمان، ويطيعون أوامره، وسيدخلون معه لقتال المهدي المنتظر والمسيح عيسى بن مريم عليه السلام:
(والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (يوسف: ٢١)
ثانيا: القسط والعدل
كما أن لطريق الشذوذ علامات، فإن لطائفة الحق علامات، وكما أن الله - تعالى - حذر من شر مخبوء في بطن الغيب، منه الدجال، فإنه - تعالى - بشر بخير مخبوء في بطن الغيب، ومنه المهدي المنتظر، ونزول عيسى بن مريم آخر الزمان.
١ - أقوال العلماء في ظهور المهدي ونزول عيسى آخر الزمان
قال الشوكاني: (إن الأحاديث الواردة في المهدي متواترة، والأحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى متواترة)(٢٤٦)، وقال صاحب عون المعبود شرح سنن أبي داود: (اعلم أن المشهود بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال بعده، وإن عيسى (ع) ينزل بعد المهدي، أو ينزل معه فيساعده على قتل الدجال، ويأتم بالمهدي في صلاته. وخرج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة، منهم أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبزار، والحاكم، والطبراني، وأبو يعلى، وإسناد أحاديث هؤلاء بين الصحيح والحسن والضعيف. وقد بالغ المؤرخ عبد الرحمن بت خلدون في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها، فلم يصب، بل أخطأ)(٢٤٧)، وقال صاحب التاج الجامع للأصول: (اشتهر بين العلماء - سلفا وخلفا - أنه في آخر الزمان لا بد من ظهور رجل من أهل البيت يسمى بالمهدي، يستولي على الممالك الإسلامية، ويتبعه المسلمون، ويعدل بينهم، ويؤيد الدين، ولقد أخطأ من ضعف أحاديث المهدي كلها، وما روي من حديث: لا مهدي إلا عيسى، فضعيف كما قال البيهقي والحاكم وغيرهما)(٢٤٨).
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: (لا شك أن المهدي الذي هو ابن المنصور ثالث خلفاء بني العباس ليس هو المهدي الذي وردت الأحاديث المستفيضة بذكره، وإنه يكون في آخر الزمان يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وقد أفردنا للأحاديث الواردة فيه جزءا على حدة، كما أفرد له أبو داود كتابا في سننه)(٢٤٩).
وقال الحافظ الكتاني: (الأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جدا، تبلغ حد التواتر، وهي عند الإمام أحمد والترمذي وأبي داود وابن ماجة والحاكم والطبراني وأبي يعلى والبزار، وغيرهم من دواوين الإسلام من السفن والمعاجم والمسانيد، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة، وبعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف والأحاديث تشد بعضها بعضا، وأمر المهدي مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، وأنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويسمى بالمهدي)(٢٥٠)، وقال الكتاني: (وفي شرح عقيدة السفاريني الحنبلي ما نصه: وقد كثرت بخروج المهدي الروايات حتى بلغت حد التواتر، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عد من معتقداتهم، وقد رويت أحاديث المهدي عن الصحابة بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، مما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب، كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة)(٢٥١).
٢ - فجر الضمير
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن أقام الحجة على المسيرة: (وأيم الله، لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها)(٢٥٢)، وزاد في رواية: (لا يزيغ عنها إلا هالك)(٢٥٣)، فالطريق واضح وضوح النهار، والله - تعالى - ينظر إلى عباده كيف يعملون، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن المسيرة ستشهد أنماطا بشرية يترتب على حركتها غربة الدين، وهذه النتيجة ترى في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء)(٢٥٤)، قال النووي: (ظاهر الحديث، أن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر وظهر، ثم سيلحقه النقص والاخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضا كما بدأ)(٢٥٥). وغربة الدين ترى في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الإسلام والسلطان أخوان توأمان، لا يصلح واحد منها إلا بصاحبه، فالاسلام أس (أي: أصل البناء)، والسلطان حارث، وما لا حارث له يهدم، وما لا حارث له ضائع)(٢٥٦)، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول (إن رحى الإسلام دائرة، وإن الكتاب والسلطان سيفترقان، فدوروا مع الكتاب حيث دار)(٢٥٧) والنجاة في عالم الغربة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم دائرتها، عن أبي هريرة قال:
(قالوا: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: أنا ومن معي، قالوا: ثم من؟
قال: الذي على الأثر، قالوا: ثم من؟ فرفضهم رسول الله)(٢٥٨).
وطائفة الحق على امتداد المسيرة لها أعلامها، ولا يضرها من خذلها أو عاداها، لأنها حجة بمنهجها وحركتها على الناس، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن هذه الطائفة تستقر أعلامها آخر الزمان، تحت قيادة المهدي المنتظر، وعيسى بن مريم (ع)، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك)(٢٥٩).
وقال: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم، أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)(٢٦٠)، وقال: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم، حتى يقاتل أخرهم الدجال)(٢٦١)، وقال: (لا تزال طائفة من أمتي تقاتل على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم عند طلوع الفجر ببيت المقدس ينزل على المهدي)(٢٦٢)، وفي رواية: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على من ناوأهم حتى يأتي أمر الله، وينزل عيسى (ع)(٢٦٣).
فمن هذه الأحاديث نرى أن طائفة الحق على امتداد المسيرة، تأخذ بأسباب الهدى، وتنطلق من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، لا يضرها من عاداها أو من خذلها، حتى تستقر نهاية المطاف أمام فسطاط المهدي المنتظر.
والمهدي من أهل البيت، من أولاد علي وفاطمة رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي منا أهل البيت)(٢٦٤)، وقال: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة)(٢٦٥)، و(اسمه يواطئ اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم(٢٦٦) والمهدي يخوض معارك آخر الزمان، وسيفتح الصين(٢٦٧) والهند(٢٦٨) وجبل الديلم(٢٦٩)، وسيقصم ظهر الروم، ويفتح القسطنطينية(٢٧٠)، ويقاتل اليهود وأميرهم الدجال حتى ينتهي أميرهم بالاستئصال، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يظهر على كل جبار وابن جبار ويظهر العدل)(٢٧١).
وفي منهج المهدي يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (هو رجل من عترتي يقاتل على سنتي، كما قاتلت أنا على الوحي)(٢٧٢)، وقال: (يعمل بسنتي)(٢٧٣)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يبعث على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما)(٢٧٤)، وقال: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لبعث الله - عز وجل - رجل منا يملأها عدلا كما ملئت جورا)(٢٧٥). وعن حذيفة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ويح هذه الأمة من ملوك جبابرة، يقتلون ويخيفون المطيعين إلا من أظهر طاعتهم، فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه ويفر منهم بقلبه، فإذا أراد الله - عز وجل - أن يعيد الإسلام عزيزا، فصم كل جبار، وهو القادر على ما يشاء، أن يصلح أمة بعد فسادها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا حذيفة: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم، حتى يملك رجل من أهل بيتي تجري الملاحم على يديه، ويظهر الإسلام، لا يخلف الله وعده، وهو سريع الحساب)(٢٧٦).
وعن ابن مسعود قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدا وتطريدا، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود، فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطا كما ملؤوها جورا، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوا على الثلج)(٢٧٧).
وآخر الزمان يلتقي ابن علي بن أبي طالب، مع ابن مريم أخت هارون، يلتقي آخر أهل البيت في المسيرة الإسلامية، مع المسيح عيسى بن مريم آخر نبي في المسيرة الإسرائيلية، وكلاهما ظلمته مسيرة قومه، ولكن للعدل رداء على الوجود كله، ومن حكمة الله - تعالى - أن لا تنقضي الدنيا قبل أن يهيمن العدل على المسيرة البشرية، ليعلم الناس، وهم تحت سقف الامتحان والابتلاء، أن الحق سينتصر في النهاية، لأنه أصيل في الوجود، أما الباطل فطارئ لا أصالة فيه، الباطل زبد لا يمكث في الأرض، والباطل يطارده الله على امتداد المسيرة ولا بقاء لشيء يطارده الله.

قال تعالى: (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (يوسف: ٢١)، وقال: (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين * قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون * فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون) (السجدة: ٢٨ - ٣٠).

صدق الله العظيم
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين



 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) رواه أبو داود، حديث رقم ٤٣٤٥.
(٢) رواه مسلم، الصحيح: ١٨ / ١٧، وأحمد، الفتح الرباني: ٢١ / ٢٧٢.
(٣) رواه أحمد والبخاري ومسلم، كنز العمال: ١١ / ٤٢١.
(٤) صحيح مسلم: ١٨ / ١٥.
(٥) رواه نعيم وسنده صحيح، كنز العمال: ١١ / ٢٧١.
(٦) رواه أبو داود، حديث رقم ٤٢٢٢.
(٧) رواه البخاري، الصحيح: ٤ / ٢٣٠.
(٨) المصدر نفسه.
(٩) رواه أحمد وإسناده جيد، الفتح الرباني: ١٩ / ١٧٣.
(١٠) رواه البخاري، الصحيح: ٤ / ٧٧.
(١١) رواه الإمام أحمد والحاكم وصححه، كنز العمال: ١١ / ١١٩.
(١٢) أنظر: تفسير ابن كثير: ٢ / ١٩٥.
(١٣) رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح، الزوائد: ٧ / ٣٣٥.
(١٤) رواه البخاري، كنز العمال: ١ / ١٧٧.
(١٥) رواه الإمام أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن، والطبراني، قال المناوي: رجاله موثقون، الفتح الرباني: ١ / ١٨٦.
(١٦) رواه أحمد، الفتح الرباني: ٢٤ / ٦، والترمذي وصححه، الجامع: ٤ / ٢٥.
(١٧) تفسير ابن جرير: ١٠ / ١٢٢.
(١٨) تفسير ابن كثير:، ٢ / ٣٦٨.
(١٩) رواه أحمد والبخاري ومسلم، الفتح الرباني: ١ / ١٩٧.
(٢٠) رواه أحمد ومسلم والترمذي، الفتح الرباني: ٢٧ / ٣١.
(٢١) رواه البخاري، الصحيح: ٢ / ٢٨٠، ومسلم، الصحيح: ١٨ / ٤١، وأحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ٣٩.
(٢٢) رواه أحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ٣٠، وابن حبان في صحيحة، وابن أبي عاصم، وقال الألباني: رجاله ثقات، كتاب السنة: ٢ / ٣٥٢.
(٢٣) رواه أحمد والبزار، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، والزوائد: ٥ / ٢٤٨، وابن أبي عاصم، وقال الألباني: رجاله ثقات، كتاب السنة: ٢ / ٣٥٣.
(٢٤) رواه الطبراني، كنز العمال: ١٢ / ١٠٤.
(٢٥) رواه الطبراني، قال الهيثمي: رجاله ثقات: ٩ / ١٣٥.
(٢٦) رواه الطبراني عن ابن مسعود، كنز العمال: ١ / ٢١٦، ورواه عن معاذ، كنز العمال: ١ / ٢١١.
(٢٧) رواه عبد الله بن أحمد، وإسناده جيد، الفتح الرباني: ٢٣ / ٤٤.
(٢٨) رواه أبو داود، حديث رقم ٤٣٣٧، وقال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، الزوائد: ٧ / ٢٦٩.
(٢٩) رواه أحمد والبخاري، الفتح الرباني: ١٩ / ١٧٧، والترمذي وصححه، الجامع: ٤ / ٤٧٠.
(٣٠) رواه الطبراني، وقال الهيثمي: رجال ثقات، الزوائد: ٧ / ٢٧٩.
(٣١) رواه أحمد، وإسناده صحيح، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٢.
(٣٢) رواه أحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ٢٢، والبخاري، الصحيح: ٤ / ٢٣٥.
(٣٣) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الفتح الرباني: ٢٣ / ٢٣.
(٣٤) رواه البخاري، والصحيح: ٤ / ١٢٨.
(٣٥) رواه أحمد، ورجاله ثقات، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٣٢، الزوائد: ٥ / ٢٤٥، والحاكم وصححه، وأقره الذهبي، المستدرك: ٤ / ٥١٥.
(٣٦) رواه الترمذي وقال: حديث صحيح، تحفة الأحوازي: ٧ / ٤١٢.
(٣٧) رواه أحمد، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، الفتح الرباني: ١ / ١٨٣.
(٣٨) رواه أحمد والطبراني بسند صحيح، والزوائد: ١ / ٢٠٠.
(٣٩) تحفة الأحوازي: ٧ / ٤١٣.
(٤٠) رواه الطبراني، كنز العمال: ١٠ / ٢٦٨، الزوائد: ١ / ١٨٩.
(٤١) رواه أحمد ورجاله ثقات، والزوائد: ٦ / ٢٩٩.
(٤٢) رواه الطبراني وإسناده حسن، الزوائد: ٦ / ٢٣٠. 
(٤٣) رواه مسلم وأحمد، الفتح الرباني: ١ / ١٩٠، وابن عساكر، كنز العمال: ٦ / ٧٣.
(٤٤) الفتح الرباني: ١ / ١٩٠.
(٤٥) رواه مسلم، الصحيح: ٧ / ١٢٣.
(٤٦) رواه الترمذي وحسنه، الجامع: ٥ / ٦٦٢، والنسائي، كنز العمال: ١ / ١٧٢.
(٤٧) رواه الطبراني، كنز العمال: ١١ / ١٢٤.
(٤٨) رواه الحاكم ونعيم بن حماد، كنز العمال: ١١ / ١٦٩.
(٤٩) رواه أحمد، والحاكم وصحيحه، والمستدرك: ٣ / ١٤٢، والدار قطني، والخطيب، كنز العمال: ١١ / ١٦٧، والبيهقي، البداية: ٦ / ٢١٨.
(٥٠) قال الهيثمي: رواه أحمد والبزار، ورجاله ثقات، الزوائد: ٩ / ١٣٦، والحاكم والبيهقي بسند صحيح، والمستدرك: ٣ / ١٤١، والبداية والنهاية: ٦ / ٢١٨، كنز العمال: ١٣ / ١٣٦.
(٥١) البداية والنهاية: ٨ / ١٧٧.
(٥٢) رواه الحاكم، وقال السيوطي: سند صحيح، الخصائص، السيوطي: ٢ / ٢١٣.
(٥٣) رواه البغوي وابن السكن والبارودي وابن مندة وابن عساكر وأبو نعيم، والبداية والنهاية: ٨ / ١٩٩، كنز العمال: ١٢ / ١٢٦، والخصائص الكبرى: ٢ / ٢١٣، أسد الغابة: ١ / ٣٤٩، الإصابة: ١ / ٦٨.
(٥٤) أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار، والزوائد: ٩ / ١٨٨، والماوردي في أعلام النبوة بسند صحيح، ص: ٨٣.
(٥٥) رواه الطبراني عن جابر، والخطيب عن ابن عباس، كنز العمال: ١١ / ٦٠٠.
(٥٦) رواه الحاكم وابن عساكر، كنز العمال: ١٢ / ٩٨.
(٥٧) رواه الطبراني، كنز العمال: ١٢ / ١٠٤.
(٥٨) رواه ابن عدي والطبراني، وقال ابن كثير: روي عن طرق عديدة، والبداية والنهاية: ٧ / ٣٣٤، كنز العمال: ١١ / ٢٩٢.
(٥٩) رواه أبو يعلى، وقال البوصيري: رجاله ثقات، كنز العمال: ١٣ / ١٥٩.
(٦٠) رواه مسلم، كنز العمال: ٣ / ٥٠٩، وأحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ٥٢.
(٦١) رواه الحاكم، وأقره الذهبي، والمستدرك: ٢ / ١٣٨، وابن جرير والضياء بسند صحيح، كنز العمال: ١٣ / ١٧٣، والترمذي وصححه، الجامع: ٥ / ٦٣٤.
(٦٢) رواه أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، كنز: ٢ / ٤٨٠.
(٦٣) رواه نعيم بن حماد والحاكم، كنز: ١١ / ١٦٩.
(٦٤) رواه نعيم بن حماد، قال ابن كثير: رواه البيهقي ورجاله ثقات، كنز العمال: ١١ / ٢٧٤، البداية: ٦ / ٢٦٨.
(٦٥) أنظر: مجمع الزوائد: ١ / ١١٢، المستدرك: ٤ / ٤٨١، البداية والنهاية: ١٠ / ٥٠، الإصابة: ٢ / ٢٩.
(٦٦) كنز العمال: ٨ / ٨٢.
(٦٧) مسلم، الصحيح: ٢ / ١٣٥.
(٦٨) محاولة الاغتيال رواها الإمام أحمد والطبراني وابن سعد وغيرهم، أنظر: الزوائد: ١١ / ١١٠.
(٦٩) رواه مسلم، الصحيح: ٧ / ١٢٥.
(٧٠) رواه مسلم، الصحيح: ٧ / ١٢٤، وأحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٤٠.
(٧١) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب، التعاون في بناء المساجد، ورواه أحمد، الفتح الرباني: ٢٢ / ٣٣١.
(٧٢) رواه ابن خزيمة في صحيحه، والبغوي وابن رهويه، كنز العمال: ٥ / ٥٨٦.
(٧٣) رواه أحمد بسند صحيح، الفتح الرباني: ٢٣ / ٦١.
(٧٤) رواه الإمام أحمد الفتح الرباني: ١ / ٦٠، الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ٣ / ٢٠٠.
(٧٥) لسان العرب، مادة: فلت، ص ٣٤٥٥.
(٧٦) تاريخ الأمم والملوك: ٥ / ٣٠.
(٧٧) المصدر نفسه: ٥ / ٣١.
(٧٨) تاريخ الأمم والملوك: ٣ / ٢١٠.
(٧٩) البخاري، الصحيح: ٢ / ٢٩١.
(٨٠) تاريخ الأمم والملوك: ٣ / ٢١٠.
(٨١) أنظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ٣ / ٥٩١.
(٨٢) المصدر نفسه: ١ / ٢٣٣.
(٨٣) البخاري، الصحيح: ١ / ٢١٤.
(٨٤) المصدر نفسه، كتاب الاعتصام: ٤ / ٢٦٩.
(٨٥) المصدر نفسه، كتاب الاستئذان: ٤ / ٨٨.
(٨٦) المصدر نفسه، كتاب الاعتصام: ٤ / ٢٦٩.
(٨٧) قال المنذري: رواه الطبراني بإسناد صحيح، والحاكم وصححه، وقال: صحيح على شرط مسلم، الترغيب والترهيب: ٣ / ١٨٤.
(٨٨) أخرجه الشافعي في الأم بسند حسن، والنسائي.
(٨٩) رواه البخاري، كتاب الديات، الصحيح: ٤ / ١٩٣.
(٩٠) رواه أحمد، الفتح الرباني: ١٥ / ١٩٨، والترمذي، الجامع: ٤ / ٤١٩.
(٩١) رواه البيهقي وابن رهويه وخيثمة، كنز العمال: ٥ / ٦٣٠.
(٩٢) تقييد العلم، الخطيب البغدادي، ص: ٣٤.
(٩٣) رواه الطبراني، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، والزوائد: ١ / ١٥٢، وابن عبد البر، جامع العلم: ١١ / ٨٦.
(٩٤) رواه الطبراني، والزوائد: ١ / ١٥١، والخطيب وسمويه، كنز العمال: ١٠ / ٢٣٢.
(٩٥) رواه الترمذي وصححه، الجامع: ٥ / ٤٠.
(٩٦) رواه أحمد، الفتح الرباني: ١ / ١٩١، والحاكم، والمستدرك: ١ / ١٠٩.
(٩٧) رواه أحمد، كنز العمال: ١٠ / ٢٢٠، والترمذي، ابن حبان في صحيحه، كنز: ١٠ / ٢٢١.
(٩٨) رواه أحمد وأبو داود والحاكم، كنز: ١٠ / ٢٢٣.
(٩٩) رواه أبو داود، حديث رقم ٤٢٤٣.
(١٠٠) رواه الطبراني، الزوائد: ١ / ١٥٢.
(١٠١) رواه أحمد، الفتح الرباني: ١ / ١٧٣، والحاكم، وأقره الذهبي، المستدرك: ١ / ١٠٦، وأبو داود، حديث رقم ٣٦٤٦، والدارمي في سننه: ١ / ١٢٥.
(١٠٢) رواه ابن عبد البر، جامع العلم: ١ / ٨٥، والخطيب، تقييد العلم، ص: ٧٤.
(١٠٣) رواه أحمد، الفتح الرباني: ١ / ١٩١، والحاكم وصححه، المستدرك: ١ / ١٠٩، والترمذي. وصححه، الجامع: ٥ / ٣٨.
(١٠٤) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه، كنز: ١ / ١٧٤، والترمذي وصححه، الجامع: ٥ / ٣٧.
(١٠٥) رواه ابن كثير، كنز العمال: ١٠ / ٢٨٥، ٢٨٦.
(١٠٦) تذكرة الحافظ: ١ / ٣٥٢.
(١٠٧) رواه ابن عبد البر، كنز: ١٠ / ٢٩٢، وابن سعد، كنز: ١٠ / ٢٩٣، والخطيب، تقييد العلم، ص: ٤٩.
(١٠٨) رواه ابن عبد البر، كنز: ١٠ / ٢٩٢.
(١٠٩) رواه خيثمة وابن عبد البر، كنز: ١٠ / ٢٩٢، والخطيب، تقييد العلم، ص: ٥٣.
(١١٠) رواه الخطيب، تقييد العلم، ص: ٥٢.
(١١١) رواه ابن عبد البر، كنز العمال: ١٠ / ٢٩٢، وابن سعد، كنز: ١٠ / ٢٩٣، والخطيب، تقييد العلم، ص: ٤٩.
(١١٢) رواه ابن عساكر: ١٠ / ٢٩١.
(١١٣) رواه ابن كثير، البداية والنهاية: ٨ / ١٠٧.
(١١٤) رواه ابن سعد، الطبقات: ٢ / ٣٣٦، وابن عساكر، كنز: ١٠ / ٢٩٥.
(١١٥) رواه ابن عساكر، كنز: ١٠ / ٢٩١.
(١١٦) رواه الطبراني والرامهرزي والخطيب والديلمي وابن النجار والدينوري والقشيري ونصر، كنز العمال: ١٠ / ٢٩٤.
(١١٧) رواه ابن عساكر وأبو نصر السجزي، كنز: ١٠ / ٢٢٩.
(١١٨) رواه ابن عبد البر، جامع العلم: ١ / ١٣٧.
(١١٩) المصدر نفسه.
(١٢٠) رواه الخطيب، كنز العمال: ١٠ / ٣٠٤.
(١٢١) رواه عبد الله بن أحمد والخطيب، كنز: ١٠ / ٣٠٤.
(١٢٢) البداية والنهاية: ٨ / ١٠٧.
(١٢٣) أنظر: معالم الفتن، سعيد أيوب، ط. دار الكرام - بيروت.
(١٢٤) رواه الطبراني ورجاله موثقون، وفيه الأجلح الكندي والأكثر على توثيقه، الزوائد: ١ / ١٨٩.
(١٢٥) رواه ابن فضالة في أماليه، كنز العمال: ١٠ / ٢٨٢.
(١٢٦) رواه أحمد والطبراني، الزوائد: ١ / ١٩٠، والعسكري عن بشر بن عاصم، كنز: ١٠ / ٢٨١، والمروزي عن أبي نضرة، كنز: ١٠ / ٢٨١.
(١٢٧) رواه أحمد والبزار، وقال ابن حجر: إسناده جيد، الفتح الرباني: ١ / ١٩٤.
(١٢٨) رواه مسلم، الصحيح: ٣ / ٢٠.
(١٢٩) تحفة الأحوازي: ٣ / ٧٤.
(١٣٠) رواه العسكري والمروزي، كنز العمال: ١٠ / ٢٨١، وانظر: كنز العمال: ١٠ / ٢٨٢.
(١٣١) كتاب المجروحين، ابن حبان: ١ / ٨٨.
(١٣٢) تقييد العلم، والخطيب، ص: ٥٤.
(١٣٣) رواه أبو داود، حديث رقم ٤٢٤٣.
(١٣٤) رواه البخاري، الصحيح: ٤ / ٢٣٠.
(١٣٥) رواه البخاري، الصحيح: ٤ / ٢٣٠.
(١٣٦) أنظر: معالم الفتن، سعيد أيوب.
(١٣٧) البخاري، الصحيح: ١ / ٣٤.
(١٣٨) المصدر نفسه: ٢ / ٢٨٠.
(١٣٩) رواه ابن عبد البر، جامع العلم: ١ / ١٤٨، وابن كثير، البداية والنهاية: ٨ / ١٠٧.
(١٤٠) رواه نعيم بن حماد، كنز العمال: ١١ / ٢٧٤.
(١٤١) تاريخ الأمم والملوك ٤ / ٢٨.
(١٤٢) ابن سعد، كنز العمال: ١٣ / ٦٠٦، البداية والنهاية: ٨ / ١١٨، تاريخ الأمم والملوك: ٥ / ٦٩، الإستيعاب: ٣ / ٥٩٦.
(١٤٣) تاريخ الأمم: ٦ / ١٨٦، الإستيعاب: ٣ / ٥٩٦.
(١٤٤) الديلمي، كنز: ١٣ / ٥٨٧، البداية والنهاية: ٨ / ١٢٥، الإستيعاب: ٣ / ٥٩٧.
(١٤٥) الحاكم وصححه، المستدرك: ٣ / ٤٧٩.
(١٤٦) المصدر نفسه: ٤ / ٤٨٢.
(١٤٧) تاريخ المذاهب الإسلامية، أبو زهرة: ٢ / ١٠٢.
(١٤٨) تاريخ الأدب العربي، بروكلمان: ١ / ٢٥٦.
(١٤٩) رواه الترمذي وصححه، الجامع: ٤ / ٥٦٩.
(١٥٠) رواه أبو داود عن أبي موسى، كنز: ٣ / ١٩١، والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود، كنز: ٣ / ١٩١.
(١٥١) رواه البخاري، الصحيح: ٢ / ١٩٠.
(١٥٢) المصدر نفسه: ٢ / ١٩٢.
(١٥٣) رواه ابن النجار، كنز: ١١ / ١٩٥.
(١٥٤) رواه البخاري، الصحيح: ٢ / ١٨٦، وأحمد ومسلم والبيهقي، كنز: ٧ / ٢٤٢.
(١٥٥) رواه أحمد بإسناد صحيح، الفتح الرباني: ٢٣ / ٦٣.
(١٥٦) رواه البخاري ومسلم وأحمد والبيهقي، كنز: ٧ / ٢٤٢.
(١٥٧) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي، الفتح الرباني: ١٤ / ٧٧.
(١٥٨) رواه البخاري، الصحيح: ٢ / ١٩٦.
(١٥٩) رواه أحمد، الفتح الرباني: ١٤ / ٧٦، وأبو داود حديث رقم ٢٩٨٠.
(١٦٠) رواه البغوي، كنز العمال: ٤ / ٣٧٥.
(١٦١) رواه أبو عبيد وابن زنجويه، كنز: ٤ / ٥٧٤.
(١٦٢) رواه أحمد والبخاري وابن خزيمة في صحيحه وابن الجارود والطحاوي وأبو يعلى وابن أبي شيبة وأبو عبيد، كنز: ٤ / ٥٥٥.
(١٦٣) رواه البخاري وأبو داود، كنز: ٤ / ٥١٤.
(١٦٤) رواه الشيخان وابن عساكر وابن زنجويه وأبو عبيد، كنز: ٤ / ٥٥٧.
(١٦٥) المغني، لابن قدامة: ٢ / ٧١٦.
(١٦٦) مكيال معروف بالشام.
(١٦٧) رواه أبو عبيد، كنز العمال: ٤ / ٥٧٥.
(١٦٨) رواه البيهقي، كنز العمال: ٤ / ٥٧٨.
(١٦٩) رواه أبو عبيد وابن شيبة والبيهقي وابن عساكر، كنز: ٤ / ٥٥٦.
(١٧٠) رواه البخاري ومسلم، كنز العمال: ٤ / ٣٧٨.
(١٧١) أنظر: الفتح الرباني: ١٣ / ٧٢، كنز العمال: ٤ / ٣٧٥.
(١٧٢) رواه أحمد وأبو داود وابن سعد، كنز العمال: ٤ / ٣٧٣، ٣٧٤.
(١٧٣) رواه الطبراني عن معاذ، وابن عساكر عن ابن مسعود، وأبو داود عن أبي مطير باختصار، كنز ١ / ٢١٦، وأبو داود حديث رقم ٢٩٥٨.
(١٧٤) أنظر: صحيح مسلم: ٧ / ١٥٦، البداية والنهاية: ٤ / ٣٥٩، كنز العمال: ٩ / ١٧٦.
(١٧٥) أنظر: البداية والنهاية: ٤ / ٣٥٩.
(١٧٦) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، الفتح الرباني: ٢٢ / ٣١٠، الزوائد: ٩ / ٣٥٣، وابن سعد، الطبقات: ١ / ٢٦٣.
(١٧٧) رواه مسلم، الصحيح: ١٦ / ١٦.
(١٧٨) رواه مسلم، شرح النووي: ١٦ / ١٦.
(١٧٩) رواه البخاري ومسلم وأحمد، الفتح الرباني: ١٤ / ٨٩.
(١٨٠) الفتح الرباني: ٩ / ٦٢، الدر المنثور: ٢ / ٢٥٢، تفسير المنار: ١٠ / ٤٩٦، فقه السنة، سيد سابق: ١ / ٤٢٥.
(١٨١) رواه ابن أبي شيبة والطبراني، تحفة الأحوازي: ٣ / ٣٣٥.
(١٨٢) المغني، ابن قدامة: ٢ / ٦٦٦.
(١٨٣) تفسير ابن كثير: ٢ / ٣١٣.
(١٨٤) تفسير ابن كثير: ٢ / ٣٦٦.
(١٨٥) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ١٠٦.
(١٨٦) شرح نهج البلاغة: ٨ / ١١١.
(١٨٧) رواه مسلم، الصحيح: ١٨ / ٩٧.
(١٨٨) رواه الحاكم وصححه، كنز العمال: ٣ / ٥٢٦.
(١٨٩) رواه أبو عبيد، كنز العمال: ٥ / ٧٧١.
(١٩٠) فتح الباري: ١ / ١١٦.
(١٩١) الإصابة: ١ / ١٢٠.
(١٩٢) البداية والنهاية: ٧ / ١٣٠.
(١٩٣) الإصابة: ١ / ١١٦.
(١٩٤) رواه الطبراني، كنز العمال: ١ / ١٨١.
(١٩٥) تاريخ الأمم: ٤ / ٢٧.
(١٩٦) فتوح البلدان، ص: ١٤٧.
(١٩٧) البداية والنهاية: ٧ / ٥٤.
(١٩٨) المصدر نفسه.
(١٩٩) رواه مسلم والترمذي وصححه، تحفة الأحوازي: ١ / ٥٢٤.
(٢٠٠) المصدر نفسه.
(٢٠١) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الزوائد: ١ / ٣٢٤.
(٢٠٢) رواه مسلم، باب: قراءة الفاتحة، الصحيح: ٢ / ٨.
(٢٠٣) الإصابة: ٥ / ٢٦.
(٢٠٤) رواه أحمد وإسناده جيد، الفتح الرباني: ١ / ٢٠٠.
(٢٠٥) رواه أحمد وأبو يعلى، كنز العمال: ١١ / ١١٩.
(٢٠٦) رواه الحاكم وصححه المستدرك: ٤ / ٤٨٣.
(٢٠٧) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الزوائد: ٦ / ٢٣١، وقال ابن كثير: رواه أحمد وإسناده على شرط السنن، البداية: ٦ / ٢٢٨، التفسير: ٣ / ١٢٨ ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه، والبيهقي، كنز: ١١ / ١٩٥، المستدرك: ٤ / ٥٠٧.
(٢٠٨) رواه الحاكم وصححه، وأقره الذهبي، المستدرك: ٤ / ٥٠٧.
(٢٠٩) رواه الحاكم وصححه، كنز: ١٠ / ٢٠٠.
(٢١٠) رواه ابن عبد البر، جامع العلم: ١ / ١٩٠.
(٢١١) المصدر نفسه: ١ / ١٩٢.
(٢١٢) قال البوصيري: رواه ابن ماجة وإسناده صحيح، ورواه أحمد، الفتح الرباني: ١٩ / ١٧٧.
(٢١٣) رواه البخاري، الفتح الرباني: ١ / ٢٠٠.
(٢١٤) الإصابة: ١ / ١٧١.
(٢١٥) تفسير ابن كثير: ٣ / ١٢٨.
(٢١٦) رواه البخاري، الصحيح: ٤ / ٢٣٠.
(٢١٧) رواه البخاري ومسلم وأحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ٣٦.
(٢١٨) رواه أحمد بسند جيد، الفتح الرباني: ٢٤ / ٣٢، وأبو داود.
(٢١٩) عون المعبود: ١١ / ٤٠٥.
(٢٢٠) رواه مسلم، الصحيح: ١٨ / ٢٠، وأحمد، الفتح الرباني: ٢٤ / ٣٧.
(٢٢١) لسان العرب، مادة: ظلم، ص: ٢٧٥٧.
(٢٢٢) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ص: ١١٠.
(٢٢٣) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، والندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ص: ٥٣٧.
(٢٢٤) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ص: ٢٨٩.
(٢٢٥) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ص: ٤٢٥.
(٢٢٦) المصدر نفسه، ص: ٤٤٩.
(٢٢٧) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، والندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ص: ٤٥١.
(٢٢٨) المصدر نفسه، ص: ٤٥٢.
(٢٢٩) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، والندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ص: ٤٣١.
(٢٣٠) المصدر نفسه، ص: ٢٤٢.
(٢٣١) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ص: ٢٤٣.
(٢٣٢) للمزيد، أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ص: ٣٣٢.
(٢٣٣) المصدر نفسه، ص: ٢٩٤.
(٢٣٤) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب ط. الرياض، ص: ٣٦٥.
(٢٣٥) المصدر نفسه، ص ١٥٤.
(٢٣٦) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، والندوة العالمية للشباب، ط. الرياض،، ص: ٥٤٤.
(٢٣٧) المصدر نفسه، ص: ٣٨١.
(٢٣٨) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ٢٣٧.
(٢٣٩) للمزيد، أنظر: المصدر نفسه، ص: ٣١٠ وما بعدها.
(٢٤٠) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، والندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ص: ٤٨٦.
(٢٤١) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ص: ٤٨٧.
(٢٤٢) رواه الإمام أحمد، الفتح الرباني: ٢٤ / ٦٩.
(٢٤٣) رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح، المصدر نفسه.
(٢٤٤) رواه مسلم، الصحيح: ٨ / ٥٨.
(٢٤٥) المصدر نفسه.
(٢٤٦) عون المعبود: ١١ / ٤٥٨.
(٢٤٧) المصدر نفسه: ١١ / ٣٦٢.
(٢٤٨) التاج الجامع للأصول: ٥ / ٣٤١.
(٢٤٩) البداية والنهاية: ٦ / ٢٨١.
(٢٥٠) نظم المتناثر في الحديث المتواتر، ص: ٢٢٦.
(٢٥١) المصدر نفسه.
(٢٥٢) رواه ابن ماجة، كنز العمال: ١١ / ٣٧٠.
(٢٥٣) رواه ابن أبي عاصم، كتاب السنة: ١ / ٢٧.
(٢٥٤) رواه مسلم، الصحيح: ٢ / ١٧٧.
(٢٥٥) رواه مسلم، شرح النووي: ٢ / ١٧٧.
(٢٥٦) رواه الديلمي، كنز العمال: ٦ / ١٠.
(٢٥٧) رواه الطبراني وابن عساكر، كنز العمال: ١ / ٢١٦.
(٢٥٨) رواه أحمد، وقال في الفتح: رواه مسلم، الفتح الرباني: ٢٣ / ٢١٩.
(٢٥٩) رواه مسلم، والصحيح: ١٣ / ٦٥.
(٢٦٠) المصدر نفسه: ١٣ / ٩٧.
(٢٦١) رواه الحاكم وصححه، المستدرك: ٤ / ٤٥٠.
(٢٦٢) رواه أبو عمر الداني، عقد الدرر، ص: ٢٢٠.
(٢٦٣) رواه أحمد، والحاكم وصححه، وأبو داود، الفتح الرباني: ٢٣ / ٢١٠.
(٢٦٤) رواه أبو نعيم والحاكم وصححه، عقد الدرر، ص: ٢١، المستدرك: ٤ / ٥٥٧، عون المعبود: ١١ / ٣٧٥.
(٢٦٥) رواه أبو داود، السنن: ٢ / ٤٢٢، والحاكم وابن ماجة، المستدرك: ٤ / ٥٥٧، التاج الجامع للأصول: ٥ / ٣٤٣، كنز العمال: ١٤ / ٢٦٤، الحاوي، للسيوطي: ٢ / ٢٢٤.
(٢٦٦) رواه أحمد والترمذي وأبو داود والحاكم، الفتح الرباني: ٢٤ / ٤٩، جامع الترمذي: ٤ / ٥٠٥.
(٢٦٧) أنظر: عقد الدرر، ص: ٢٢٤.
(٢٦٨) أنظر: التاج الجامع للأصول: ٥ / ٣٢٥، عقد الدرر، ص ٢١٩.
(٢٦٩) أنظر: عقد الدرر، ص: ٢٢٤.
(٢٧٠) المصدر نفسه، ص: ٢١١.
(٢٧١) رواه الطبراني، الزوائد: ٧ / ٣١٥، الحاوي: ٢ / ٢١٨.
(٢٧٢) رواه نعيم بن حماد، الحاوي: ٢ / ٢٣٣، عقد الدرر، ص: ١٧.
(٢٧٣) رواه أبو نعيم، عقد الدرر، ص: ١٥٦.
(٢٧٤) قال الهيثمي: رواه الترمذي وغيره وأحمد وأبو يعلى، ورجالهما ثقات، الزوائد: ٧ / ٣١٤، الفتح الرباني: ٢٤ / ٥٠.
(٢٧٥) رواه أحمد أبو داود، الفتح الرباني: ٢٤ / ٤٩، عون المعبود: ١١ / ٣٧٣.
(٢٧٦) رواه بن حماد أبو نعيم، عقد الدرر، ص: ٦٣، الحاوي: ٢ / ٢٢١.
(٢٧٧) رواه ابن ماجة، حديث رقم ٤٠٨٢، والحاكم، المستدرك: ٤ / ٤٦٤، كنز العمال: ١٤ / ٢٦٨.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved