فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » محاضرات حول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
 كتب المركز

الكتب محاضرات حول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الشيخ احمد الوائلي الشخص المحقق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٥ المشاهدات المشاهدات: ٢٣٠٩٠ التعليقات التعليقات: ١

محاضرات حول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

عميد المنبر الحسيني الشيخ أحمد الوائلي (رحمه الله)
إعداد وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الطبعة الثانية (المحققة) ١٤٤٢هـ

الفهرس

مقدّمة المركز
المحاضرة الأُولى: الأدلَّة العقليَّة والنقليَّة على وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
البحث الأوَّل: الوفاء بالوعد
توضيح الفكرة
سبب نزول الآية الكريمة
الرأي الأوَّل: نزولها في خصوص أصحاب النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
ردُّ الرأي الأوَّل
الرأي الثاني: نزول الآية في عموم المسلمين
ردُّ الرأي الثاني
الرأي الثالث: نزولها في خصوص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الدليل العقلي على وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الدليل النقلي على وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
النقطة الأُولى: هل أخذ الشيعة فكرة المهدي من اليهود؟
النقطة الثانية: لماذا لم يذكر البخاري ومسلم أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
النقطة الثالثة: عدم عمل المذاهب في بعض أحاديث البخاري ومسلم والصحاح الأُخرى
البحث الثاني: نظرة إلى العالم الإسلامي
المحاضرة الثانية: مولد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الأمر الأوَّل: كيفيَّة ميلاد الإمام (عجَّل الله فرجه)
الأمر الثاني: قضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) في الروايات
الردُّ على ابن خلدون حول المهدويَّة
الأمر الثالث: أسباب نفي قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الأمر الرابع: نظريَّة التعويض والإيمان بالمهدي عند الشيعة
الأمر الخامس: عطاءات القضيَّة المهدويَّة
هل إنَّ العقيدة المهدويَّة مخدِّرة للشعوب؟
المحاضرة الثالثة: أهمّيَّة ليلة الخامس عشر من شعبان
المناسبة الأُولى: ميلاد إمام العصر (عجَّل الله فرجه)
اهتمام المسلمين بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
هل هو موجود بالفعل أو غير موجود؟
المناسبة الثانية: تقدير الأرزاق
مفهوم البداء في الإسلام
المناسبة الثالثة: زيارة الحسين (عليه السلام)
ما هي ظواهر مودَّة ذوي القربى؟
المحاضرة الرابعة: انتصار الإسلام على الأديان
مقدّمة
الوجه النظري والتطبيقي للرسالة
توضيح الفكرة
متى إذن يظهر دينه على الدِّين كلِّه؟
أسئلة وأجوبة حول المهدي (عجَّل الله فرجه)
السؤال الأوَّل: هل روايات المهدي مختصَّة بالشيعة أم تُنسَب إلى المسلمين جميعاً؟
السؤال الثاني: على فرض صحَّة النظريَّة لكن هل هو موجود فعلاً أم سيُولَد في المستقبل؟
وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لطف
السؤال الثالث: هل يمكن أنْ يتمتَّع بشر بهذا المقدار الطويل من العمر؟ وما فائدته وهو غائب عنَّا؟
السؤال الرابع: ما هو المردود الإيجابي لفكرة المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
هل هناك من رآه (عجَّل الله فرجه)؟
هل يمكن إقامة حكومة إسلاميَّة في عصر الغيبة؟
هل توجد رواية (اسم أبيه اسم أبي)؟
المصادر والمراجع

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز:
لا يخفى على كلِّ ذي لُبٍّ أنَّ من أهمّ الثمرات التي نتجت عن ثورة سيِّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) هي أنَّها ألقت بذور الخطاب المنهجي، ليتمخَّض عن المنبر الحسيني، الذي فتح الباب واسعاً للشعراء، والأُدباء، والخطباء، أنْ يعتلوه، ليُذكِّروا الناس عموماً والشيعة خصوصاً، بما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) من مظالم، وليبثُّوا فيهم روح الإيمان بالدليل القطعي على حقَّانيَّة ما هم عليه.
ولقد أثبت المنبر الحسيني - على طول الخطِّ - قدرته على إيصال الحقائق إلى الجمهور بطُرُق فنّيَّة إبداعيَّة خلَّاقة، وما نشهده اليوم من ضخامة جمهور المنابر ما هو إلَّا شاهد صدق على ذلك.
ولقد برز الكثير من الشيعة على المنبر الحسيني، وعلى مختلف مشاربه، فللشعر روَّاده، وللرثاء مختصُّوه، وللخطابة فرسانها، ولم ينقطع مداد الجميع بما يرفد عاطفة الجمهور وعقلهم بالنافع من العلم، واللطيف من الأفكار، والملفت من النكات، والمبهِر من البلاغة، والراقي من الفنِّ.
من جهة أُخرى، نجد أنَّ هناك تلاحماً وتفاعلاً وانسجاماً بين الثورة الحسينيَّة، والعقيدة المهدويَّة، يحكي ذلك التفاعل العديد من الجهات:
الجهة الأُولى: أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قام من أجل هدف معيَّن، صرَّح به في أكثر من موقف، فكان (عليه السلام) يقول: «إنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جدِّي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(١)، وهو بذلك عمل على مواجهة الظالمين والمنحرفين على مستوى القيادات العليا في الأُمَّة.
والإصلاح كمفهوم حياتي يُمثِّل سبباً وعلَّةً لشيء آخر، فإنَّ نتيجة (الإصلاح) هو العدل والقسط كما هو واضح، والذي يتجسَّد من خلال دولة العدل الإلهي في ظهور مهدي آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ولكنَّنا نعلم أنَّ هذه النتيجة لم تقع في الخارج، لأنَّ بني أُميَّة، وعدم قيام الناس آنذاك بما عليهم من مهمَّة، مثَّلت مانعاً من تحقُّقها، وحجر عثرة في طريق خروجها إلى الوجود. هذا أوَّلاً.
وثانياً: أنَّ هدف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ومن خلال مطالعة مئات الروايات الشريفة في ذلك، هو إقامة (العدل والقسط)، ولا تجد رواية تمرُّ عليك أو ذكراً للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إلَّا ويأتي هذا الهدف في الذهن ونصب العين.
فالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إذن، سيقوم بتحقيق نتيجة الإصلاح التي ابتدأها الإمام الحسين (عليه السلام)، وسيعمل أيضاً على مواجهة الانحراف على مستوى القيادات للعالم، فضلاً عن الحركات الجزئيَّة والفرديَّة التي يقوم بها المنحرفون.
إنَّه سيُحقِّق تلك النتيجة التي رجاها الناس منذ آلاف السنين.
الجهة الثانية: صرَّحت بعض النصوص أنَّ من أهمّ أهداف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو الطلب بثأر الإمام الحسين (عليه السلام)، يحكي عن ذلك شعاره (يا لثارات الحسين)، وطلبه بدم الإمام الحسين (عليه السلام) ممَّن رضي بقتله.
فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في صفات بعض أصحاب الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): «وهم من خشية الله مشفقون، يدعون بالشهادة، ويتمنَّون أنْ يُقتَلوا في سبيل الله، شعارهم: يا لثارات الحسين، إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر، يمشون إلى المولى إرسالاً، بهم ينصر الله إمام الحقِّ»(٢).
وروي أنَّ عبد السلام بن صالح الهروي، قال: قلت لأبي الحسن عليِّ بن موسى الرضا (عليه السلام): يا بن رسول الله، ما تقول في حديث روي عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) بفعال آبائها»؟ فقال (عليه السلام): «هو كذلك»، فقلت: فقول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ما معناه؟ فقال: «صدق الله في جميع أقواله، لكن ذراري قتلة الحسين يرضون أفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضى شيئاً كان كمن أتاه، ولو أنَّ رجلاً قُتِلَ في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل، وإنَّما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم»(٣).
الجهة الثالثة: صرَّحت بعض النصوص بأنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) سيرجع مع أصحابه ليشاركوا في عمليَّة إزالة الظلم والجور، ومن ذلك ما روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «أنَّ الحسين (عليه السلام) قال لأصحابه: أَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ، فَوَاللهِ، إِنَّا نَمْكُثُ ما شاءَ الله تعالى بَعْدَ ما يَجْري عَلَيْنا، ثُمَّ يُخْرِجُنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ حَتَّى يَظْهَرَ قائِمُنا، فَيَنْتَقِمُ مِنَ الظَّالِمينَ وَأَنَا وَأَنْتُمْ نُشاهِدُهُمْ فِي السَّلاسِلِ وَالْأَغْلالِ وَأَنْواعِ العَذابِ...»(٤).
الجهة الرابعة: صرَّحت بعض النصوص برجعة الإمام الحسين (عليه السلام) ليقوم بتجهيز الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بعد موته، فعن عَبْدِ الله بْنِ القَاسِمِ البَطَلِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)... فِي قَوْلِه تَعَالَى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٦]: «خُرُوجُ الحُسَيْنِ (عليه السلام) فِي سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِه عَلَيْهِمُ البَيْضُ المُذَهَّبُ لِكُلِّ بَيْضَةٍ وَجْهَانِ المُؤَدُّونَ إِلَى النَّاسِ أَنَّ هَذَا الحُسَيْنَ قَدْ خَرَجَ؛ حَتَّى لَا يَشُكَّ المُؤْمِنُونَ فِيه وأَنَّه لَيْسَ بِدَجَّالٍ ولَا شَيْطَانٍ والحُجَّةُ القَائِمُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَإِذَا اسْتَقَرَّتِ المَعْرِفَةُ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ أَنَّه الحُسَيْنُ (عليه السلام) جَاءَ الحُجَّةَ المَوْتُ فَيَكُونُ الَّذِي يُغَسِّلُه ويُكَفِّنُه ويُحَنِّطُه ويَلْحَدُه فِي حُفْرَتِه الحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليهما السلام)، ولَا يَلي الوَصِيَّ إِلَّا الوَصِيُّ»(٥).
الجهة الخامسة: ما روي من أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) يرجع ويحكم الأرض بعد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ أوَّل من يكرُّ في الرجعة الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)، ويمكث في الأرض أربعين سنة حتَّى يسقط حاجباه على عينيه»(٦).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): «ويقبل الحسين (عليه السلام) في أصحابه الذين قُتلوا معه، ومعه سبعون نبيًّا كما بُعثوا مع موسى بن عمران (عليه السلام)، فيدفع إليه القائم (عليه السلام) الخاتم، فيكون الحسين (عليه السلام) هو الذي يلي غسله وكفنه وحنوطه ويواري به في حفرته»(٧).
من هذا وذلك، نعلم حجم العلاقة التكامليَّة بين ثورة سيِّد الشهداء (عليه السلام)، وثورة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
وممَّا يحكي التكامل أيضاً - غير ما سبق - أنَّ المنبر الحسيني كان ولا زال مهتمًّا بطرح القضيَّة المهدويَّة وما يتعلَّق بها من تفاصيل، حيث أخذ الخطباء الكرام (رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين) على عاتقهم بيان هذه القضيَّة الحيويَّة، وبذلك تمكَّنوا من إيصال معلومات مهمَّة ومحوريَّة في هذه القضيَّة إلى عموم المؤمنين.
ومن ذلك مجموعة محاضرات ألقاها الخطيب عميد المنبر الحسيني المرحوم الشيخ أحمد الوائلي (طاب ثراه)، وهي الماثلة بين يديك في هذا الكتاب، بعد ما قام به مركزُنا من تخريجٍ للروايات وتنظيمٍ للبحوث بما يتناسب والكتاب العلمي المنهجي.
كلُّنا أمل ورجاء أنْ يزيد الخطباء الأفاضل من اهتمامهم بطرح هذه القضيَّة في محاضراتهم، وأنْ يُخصِّصوا برامج كاملة لطرح موضوعاتها، وأنْ يُضمِّنوا طرح الموضوعات المتعلِّقة بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في محاضراتهم على طول السنة، إذ إنَّ أهمّيَّتها تقتضي هذا المعنى كما لا يخفى.
نسأل الله تعالى أنْ يجعلنا من أنصاره وأعوانه والمتمتِّعين بدولته الكريمة والمستشهدين بين يديه (عجَّل الله فرجه).

مركز الدراسات التخصُّصيَّة
في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

المحاضرة الأولى: الأدلَّة العقليَّة والنقليَّة على وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
بسم الله الرحمن الرحيم

قال سبحانه وتعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً...﴾ (النور: ٥٥).
تشتمل هذه الآية الكريمة على مجموعة من الأبحاث أعرضها إنْ شاء الله على التوالي:
البحث الأوَّل: الوفاء بالوعد:
قوله تبارك وتعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
كلُّ وعدٍ يصدر من الله (عزَّ وجلَّ) لا بدَّ من حدوثه وتحقُّقه لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) إله الكمالات وخالقها فلا أتصوَّر أنْ يصدر منه شيء يخالف التكامل أو المُثُل أبداً. لا بدَّ من الوفاء بالوعد لأنَّ ما يقبح على الإنسان عقلاً فبالدرجة الأولى يقبح على الله. ولذلك من الأشياء التي ينفرد بها الفكر الإمامي هو القول بالتحسين والتقبيح العقليَّين فالأشياء يختلف فيها الحكماء والفلاسفة هل لها حسن وقبح ذاتي أو حسنها وقبحها شرعي؟
توضيح الفكرة:
هل الكذب صار قبيحاً لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) نهى عنه؟ أو لأنَّه قبيح في حدِّ ذاته، ولوجود هذا القبح الذاتي قبَّحه الشارع؟
في ذلك نزاع بين الإماميَّة والمعتزلة(٨)، وبين الأشاعرة(٩).
الإماميَّة يقولون: إنَّ الأفعال فيها حسن وقبح ذاتي فحتَّى لو لم ينهني الله عن الكذب فإنِّي أعرف أنَّ الكذب قبيح، ولا شكَّ أنَّ الخيانة رديئة وقبيحة بغضِّ النظر عن أنَّ الشارع يُقبّحها أو لا.
الأشاعرة يقولون: الحسن والقبح يأتيان من قِبَل الشارع فلا يوجد حسن وقبح ذاتي، الشيء الذي يقول الشارع بحسنه حسن والشيء الذي يقول بقبحه قبيح.
وانطلاقاً من هذه القاعدة: إذا وعد الله وأخلف فإنَّه ليس قبيحاً، لأنَّه لا يوجد حسن وقبح ذاتي للأفعال، بينما نحن نقول: من القبيح أنْ يُخلِف الله (عزَّ وجلَّ) وعده على اعتبار أنَّ الفعل فيه قبح ذاتي ولا يحتاج إلى أنْ يقول الشارع: هذا قبيح. كلُّ إنسان يعرف بالبداهة العقليَّة أنَّ خُلف الوعد رديء وأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لا يمكن أنْ يُقدِم على شيء قبيح في ذاته(١٠).
إذن إذا وعد الله تبارك وتعالى بشيء لا بدَّ من تحقُّق الوعد.
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي آمنوا بما جاء من الله تبارك وتعالى.
وما هي الصالحات؟
الصالحات هي الأعمال الخالصة، إذ لدينا أعمال صالحة لكنَّها ليست خالصة. والقرآن عندما يقول: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ﴾ فإنَّه يضرب على وتر هذه النظرة دائماً حيث نلاحظ في آيات كثيرة ينعت أعمالاً بأنَّها صالحة كعمل الخير لكن عمل الخير لا يتمحَّض للخير أحياناً كأنْ أتصدَّق في سبيل الله مثلاً فهذا التصدُّق شيء جميل، لكن الصدقة تكون مرَّة لوجه الله، ومرَّة ليقول الناس: إنِّي كريم. وأطلب العلم، وطلب العلم وسيلة تكامل وشيء جيِّد فأطلب العلم مرَّة لوجه الله ولكي أرشد به جاهلاً وأخدم به دين الله ومرَّة حتَّى يقال: إنَّ فلاناً ذو عنوان ومنزلة علميَّة. وأُجاهد مرَّة لله (عزَّ وجلَّ)، ومرَّة حتَّى يقال عنِّي: شجاع.
فالعمل الخالص الذي ليس فيه رياء وارتباط بمصلحة وطلب عنوان وتحقيق شيء خاصٌّ لذاته نُعبِّر عنه بالعمل الصالح.
القرآن الكريم يقول: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ معناه: أنَّه يجعل خلافة الأرض لهم وهم الذين يخلفون الأُمَم ويملكون الأرض ويكونون الحُكَّام على الناس.
سبب نزول الآية الكريمة:
فيمن نزلت هذه الآية؟
تعدَّدت آراء المفسِّرين:
الرأي الأوَّل: نزولها في خصوص أصحاب النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
يذهب فريق من المفسِّرين إلى أنَّ هذه الآية نزلت في أصحاب النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١١)، لأنَّهم عندما هاجروا إلى المدينة على خوف من قريش التي كانت تلاحق الأوائل من المسلمين - ومن يُسلم لا يخلص من بلائها، فإذا ظُفِرَ به يُقطَّع إرباً إرباً وتُؤخَذ أمواله ويُعرَّض إلى العذاب - استقبلهم الأنصار. عبارة المؤرِّخين تقول: رمتهم العرب عن قوس واحدة(١٢)، وتعني أنَّ كلَّ الناس أصبحوا ضدَّهم وتألَّبوا عليهم شرقها وغربها، حتَّى وصل الأمر إلى أنَّ هؤلاء يستيقظون في الليل ويقول أحدهم للآخر: هل تأتي ليلة ننام فيها ونحن لسنا خائفين؟ هل يأتي يوم ونحن نُظهِر ديننا ونعبد الله كما نُحِبُّ بحيث نتمكَّن من إبداء شعائرنا ولا نخاف من أحد؟
الآية نزلت تطمئنُّهم بأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يعدكم أنَّ خوفكم سوف يتبدَّل إلى أمن، ودينكم سوف يتمكَّن، وفي الوقت نفسه سوف تُستَخلفون في الأرض.
بناءً على هذا الوجه فإنَّ الألف واللَّام في ﴿الْأَرضِ﴾ نُسمِّيها عهديَّة يعني المعهودة التي لها ذكر سابق يعني المقصود بها أنَّ مكَّة التي أخرجكم منها المشركون سوف نعيدكم إليها وأنتم مطمئنُّون وتمارسون عبادتكم. اليوم أنتم تخافون أنْ تعبدوا الله لكن غداً سوف نُمكّن لكم، نوطِّئ لكم الأمر، حتَّى ينتهي الأمر إلى تمكُّنكم من عبادتكم بصراحة. يعني أنتم الذين كنتم مستترين سوف تدخلون الكعبة وتقيمون شعائركم في قلبها.
وفعلاً هذا ما حدث فلدى مجيء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دخل إلى الكعبة الشريفة ونادى مؤذِّنه بلالاً - بعدما أصعد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وحطَّم الأصنام وطهَّر سطح الكعبة من الأصنام - بأنْ يصعد إليها ويُؤذِّن. صعد بلال وهو مَوتور يعني عذَّبه أهل مكَّة حيث كان أُميَّة بن خلف يُخرِجه في الصحراء، ويجعله في حرارتها ويُسلِّط عليه السوط إلى أنْ يرتفع لحمه مع السوط، جاء اليوم ودخل إلى مكَّة، ورأى رجليه تسحق رؤوس أُولئك الجبابرة صعد على ظهر الكعبة وأذَّن بأعلى صوته، فسمعته قريش وكانوا جالسين فقال أحدهم: ليتني متُّ قبل هذا اليوم إنَّها مصيبة أنْ أسمع صوت الأذان على الكعبة. وقال الآخر: الحمد لله الذي أكرم أبي حيث لم يشهد هذا المشهد. وقال ثالث: ليتني كنت نسياً منسياً ولم أسمع صوت هذا الحمار ينهق على الكعبة، وكان أبو سفيان جالساً معهم فقال: لا أقول شيئاً فقالوا له: لماذا؟ قال: لو قلت شيئاً تذهب الجدران إلى محمّد وتُخبِره(١٣).
كان هذا استقبال قريش للإسلام بهذا اللون دخل المسلمون وأذلَّ الله (عزَّ وجلَّ) لهم قريشاً، وأرجع لهم أرضهم التي أخرجتهم منها بالجبر، أعاد لهم إمكاناتهم، جعل الكعبة بأيديهم، انتهى الأمر بأنْ أظهر الله دينه وارتفعت كلمة لا إله إلَّا الله على سطح الكعبة، مكَّن لهم دينهم الذي يرتضونه.
ردُّ الرأي الأوَّل:
هذا الرأي غير صحيح للأسباب الآتية:
أوَّلاً: التفت إلى جوِّ الآية فالقرآن الكريم يُعطي للآية جوًّا شاملاً عامًّا لأنَّ الألف واللَّام في ﴿الْأَرضِ﴾ لا نستطيع أنْ نُخرِجها عن الجنس إلى العهد إلَّا إذا كان يوجد ذكر سابق لها، وهو غير موجود. ولا نستطيع أنْ نُخرِج اللفظ عن إطلاقه وعمومه إلَّا بدليلٍ خاصٍّ، ولا يوجد في الآية.
ثانياً: الآية تقول: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ...﴾، فلو كانت للصحابة فما معنى ﴿مِنْكُمْ﴾؟ لأنَّ الصحابة كلُّهم مؤمنون، فـ(من) هذه للتبعيض، يعني من بعضكم، فهل يعد الله بعض المسلمين دون بعض أو بعض الصحابة دون غيرهم؟ لا، فالصحابة كلُّهم كانوا مؤمنين بالله عند نزول الآية وأعلنوا الإسلام، وكلمة مؤمن هنا ترادف كلمة مسلم، فلماذا هذا التبعيض؟ لو كانت للصحابة لكانت تشملهم جميعاً.
ثمّ التمكين بالدِّين ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ لم يحصل في مكَّة كما ينبغي، فقد كان فيها - حتَّى خروج النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منها - أُناس ليسوا بمؤمنين، وبقوا على شركهم، وأجارهم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولم يتمكَّن الدِّين التمكين الكافي، وبقيت هناك مؤامرات قائمة على قدم وساق، فمعنى التمكين هو التسليط الكافي.
الرأي الثاني: نزول الآية في عموم المسلمين:
أنَّ الآية نزلت في المسلمين عامَّة(١٤)، فـ(من) في: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ...﴾ خطاب للمؤمنين من الناس المسلمين وعدهم الله بأنْ يستخلفنهم في الأرض، ويجعل خلافة الأرض لهم، يعني أنَّكم سوف تحكمون وتزيلون حكم كسرى وقيصر، وترفعون لواء الإسلام، والله (عزَّ وجلَّ) سيُبدِّل خوفكم بأمن، ويُمكِّن لدينكم من الاستمرار، وبكم سوف ينتشر، وفي الوقت نفسه يعطيكم الميزات التي ذكرها لكم، يعني الوعود التي جاءت في الآية سوف يُحقِّقها الله كلَّها لكم، ولذلك يقول المقداد بأنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلَّا أدخله الله كلمة الإسلام بعزِّ عزيز أو ذلِّ ذليل»(١٥).
يعني أنَّ الإنسان إمَّا يدخل في الإسلام طوعاً فيعزُّه الله، وإمَّا يدخل فيه بالجبر والخوف والرعب، فلا بدَّ من شمول الإسلام لهذه البيوت وتحقيق النصر للمسلمين. وعدهم الله (عزَّ وجلَّ) بذلك ووفى به يعني مكَّن للدِّين من الانتشار وأعزَّ المسلمين وبعد أنْ كانوا قلَّة صاروا كثيرين، ورفع لهم لواء النصر وأعطاهم ما وعدهم به في الآية.
ردُّ الرأي الثاني:
قلنا في صدر البحث: إنَّ ما وعد الله به لا بدَّ من تحقُّقه لكن نتساءل: الآية عندما تقول للمسلمين: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ فإذا كان المقصود الأرض بصورة عامَّة فإنَّ هذا الوعد لم يتحقَّق إلى الآن، صحيح أنَّ الدِّين الإسلامي جاء وصار له أتباع لكن لم يشمل الأرض كلَّها، إلى الآن عدد المسلمين قليل قياساً إلى الأُمَم الأُخرى، لنفرض عندنا ألف مليون مسلم فإنَّ نسبتهم قياساً إلى أربعة مليارات من البشر على سطح الكرة الأرضيَّة نسبة قليلة إذن لم ينتشر الإسلام كما ينبغي، والدِّين الآن ليس متمكناً.
يعزُّ عليَّ أنْ أقول: إنَّه لم يتمكَّن حتَّى في بلاد المسلمين، لأنَّها اليوم على أقسام: قسم فيه الإسلام مكتوب في الدستور الرسمي للدولة، لكن عندما تنزل إلى الشارع هل تجد الإسلام مجسَّداً؟ يعني هل تقوم مؤسَّساتنا الاجتماعيَّة اليوم على الإسلام؟ طبعاً لا، فأين الإسلام من بلاد مسلمة فيها نادٍ تدخله المرأة وتتعرَّى فيه؟
يُباع الخمر في بلداننا الإسلاميَّة بصورة عامَّة والقرآن الكريم يقول: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، إذن ما معنى الدِّين؟
هل تقوم مؤسَّساتنا الماليَّة على أساس اقتصاد إسلامي؟
هل يوجد في جامعاتنا اليوم درس للاقتصاد الإسلامي كما يُدرَّس الاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي والشيوعي كنظريَّة؟ وكما يُدرَّس الاقتصاد المختلط، أي الذي تتدخَّل فيه المذاهب.
هل توجد اليوم نخبة من الأساتذة نعتبرهم متخصِّصين في الاقتصاد الإسلامي؟ لا يوجد.
وفي مجال التشريعات الإسلاميَّة في مختلف أبعاد الحياة المنهجيَّة هل توجد اليوم مناهج تربويَّة - كمفردات أو ما نُسمِّيه الهيكل العامّ للمنهج التربوي - تخضع لنمط التربية الإسلاميَّة؟
عندما يدخل التلميذ إلى الكلّيَّة هل يأخذ درساً في علاقاته باعتباره طالباً مسلماً ومن أُسرة مسلمة تُحدِّد واجباته إزاء أبيه وواجبات أبيه إزاءه وواجبات الزوج والزوجة؟ وهل تُدرَس الأُسرة تربويًّا من منظور إسلامي؟
لا يوجد شيء من هذا القبيل في مناهجنا أبداً، لا على مستوى الجامعات ولا على أدنى مستوى للتربية الإسلاميَّة.
إذن كلُّ الهياكل والمؤسَّسات الاجتماعيَّة في بلداننا الإسلاميَّة ليست على نمط إسلامي.
هذا من ناحية ومن ناحية ثانية حينما تأتي إلى الفرد المسلم منَّا تجده ليس متأدِّباً بالآداب الإسلاميَّة، وغير متخلِّق بأخلاق الإسلام. نحن مسلمون في بيوتنا وليس في الكثير من معاملاتنا وفي الشارع نحن مسلمون في الاسم فقط والله (عزَّ وجلَّ) متفضِّل علينا وراحمنا بأنْ جعل (لا إله إلَّا الله محمّداً رسول الله) تحفظ دماءنا وأموالنا وأعراضنا وتعتبرنا طاهرين يجوز للآخر أنْ يشاورنا. مَنْ منَّا عنده خُلُق الإسلام وتربيته ويُطبِّقه مع أُسرته، أصدقائه، أرحامه، والديه، ويحفظ الأمانة، ويصدق في الحديث، وله أخلاق إسلاميَّة عالية، ونظافة مادّيَّة ومعنويَّة؟ عندما نفتح أعيننا نفتحها على مأساة لا حدود لها.
إذن من ناحية نحن منهزمون عقائديًّا في داخل بلداننا. إذا أردنا أنْ نخرج إلى الخارج هل نرى أنَّنا مستخلفون أي هل بأيدينا زمام الأرض اليوم؟
في بعض بلداننا الإسلاميَّة لا يستطيع المسلم أنْ يمارس عقائده، ولا يستطيع أنْ يُصلِّي، وإذا صلَّى تُكتَب عليه علامة استفهام!
ومن ناحية ثانية ما هو موقعنا إزاء الأُمَم؟ نحن نطلب من أمريكا يوميًّا أنْ تُطعِمنا، ونُقبِّل أيديها لكي تنقذنا من إسرائيل.
هذا الكلب ينبح فينا، ونحن نطارد وراءه لنُقبِّل يده حتَّى يُخلِّصنا منها!
أين إذن ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾؟
أين الدِّين المتمكِّن؟
أين استخلافنا في الأرض؟
إذاً في واقع الأمر لم يتحقَّق هذا المعنى الذي نتصوَّره بالنسبة إلى الإسلام إنَّ قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ يعني نأخذ خلافة الأُمَم ونحن الذين نحكم الأرض وندير شؤونها، ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ وهذه كلُّها لم تتحقَّق فنحن غير مستخلَفين في الأرض وديننا غير ممكَّن له، ولا أمن لنا فأعداؤنا يلاحقوننا اليوم كمسلمين في شرق الأرض وغربها، الكفر يلاحقنا، الحروب الصليبيَّة قائمة اليوم لا تحسب أنَّها ماتت إذ إنَّها تلبس أثواباً مختلفة إنَّهم يجاملوننا بكلمتين لأنَّ عندنا قليلاً من الطاقة وإلَّا لم يكن شيء من ذلك إطلاقاً وعليه لا نستطيع أنْ نحمل الآية على مستوى المسلمين.
الرأي الثالث: نزولها في خصوص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
أنَّ الآية نزلت في المهدي من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١٦)، وهذه النقطة مهمَّة قد أدَّت دوراً حسَّاساً في تاريخ المسلمين. أرغب أنْ أمرَّ بها بشيء من التفصيل، وأُوضِّحها بشيء من الموضوعيَّة ليُنتَبه إلى الموضوع جيِّداً.
يذهب قسم من مفسِّري المذاهب الأربعة والإماميَّة والزيديَّة إلى أنَّ هذه الآية تشير إلى مجيء المهدي من آل محمّد (عجَّل الله فرجه) فكلُّ الوعود التي جاءت في الآية: (يُستخلَفون في الأرض)، (يُمكِّن لهم دينهم)، (يعبدون الله لا يشركون به شيئاً) تتحقَّق بعد ظهوره.
نأتي إلى فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): هل إنَّها فكرة إسلاميَّة عامَّة، أو فكرة تختصُّ بالشيعة فقط؟
من يرغب أُعطيه مئات المصادر من المذاهب الإسلاميَّة تُصرِّح كلُّها أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لو لم يُبقِ من الدنيا إلَّا يوم لطوَّله حتَّى يخرج المهدي من آل محمّد، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً(١٧)، وأنَّه ابن الحسن العسكري (عليه السلام)(١٨) والثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)(١٩).
وقسم يُجمِل ولا يذكر أنَّه (عجَّل الله فرجه) الثاني عشر من أهل البيت (عليهم السلام)، بل إنَّه من أهل البيت (عليهم السلام)، وأنَّ اسمه يواطئ اسم النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٢٠).
وكُتُب الحديث أشارت بصورة عامَّة إلى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) باستثناء كتابي - البخاري ومسلم - وإنْ كان في صحيح مسلم روايات إجماليَّة تُفصِّلها الصحاح الأُخرى وسيأتي خلال البحث إنْ شاء الله.
إنَّ كُتُب الصحاح - مسند الإمام أحمد بن حنبل، سُنَن أبي داود، سُنَن ابن ماجة سُنَن الترمذي - فيها أخبار المهدي (عجَّل الله فرجه) مفصَّلة، إلى جانب غيرها كالصواعق المحرقة لابن حجر، البيان للكنجي الشافعي، الفصول المهمَّة لابن الصبَّاغ المالكي، ومطالب السؤول.
لسان هذه الروايات يقول: «المهدي من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٢١).
وبعضها يقول: «يفرح به أهل السماء والأرض والطير في الهواء والحيتان في البحر»(٢٢).
وبعضها يقول: «إنَّ اسمه اسم النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإنَّه يخرج في آخر الزمان بعد أنْ تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً فيُبدِّلها بالعدل، وإنَّه...»(٢٣) إلى آخره، وتذكر علامات الظهور كلَّها.
عندما تكون فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لدى المسلمين بصورة عامَّة، وترويها عشرات الكُتُب ومئات العلماء، فلماذا يقول بعض الناس: إنَّ فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يختصُّ بها الشيعة؟!
من يسألك: من أين لكم فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ جاهل لا يعرف تأريخه. واسمح لي أنْ أقول بأنَّه - سوقي بتعبيرنا - لا يفهم شيئاً إطلاقاً ولا علم له ومعرفة بتأريخه ولو كان يفهم لرجع إلى التأريخ الإسلامي فإنَّه مجمع بصورة عامَّة على فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ولكن يختلف بالإجمال وبالتفصيل.
أُعطيك بعض المصادر: الجزء الخاصُّ بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من (أعيان الشيعة) للسيِّد محسن الأمين، (البيان) للكنجي الشافعي، (الصواعق المحرقة) لابن حجر، ومن جملة فتاواه أنَّ الذي يُنكِر ظهور المهدي (عجَّل الله فرجه) كافر(٢٤)، لأنَّ ظهور المهدي من الأحاديث المتواترة.
لكن الاختلاف بيننا وبين فِرَق المسلمين هو أنَّ قسماً من علماء المذاهب الإسلاميَّة يقول: إنَّه موجود الآن كما نقول(٢٥)، وقسم يقول ليس موجوداً بالفعل وسيُولَد بعد.
هذه نقطة الخلاف فقط نحن نقول: إنَّه موجود بالفعل والأدلَّة على ذلك عقليَّة ونقليَّة:
الدليل العقلي على وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
هو أنَّ وجود الإمام لطف لأنَّه امتداد لوجود النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا يمكن أنْ يُخلي اللهُ الأرضَ من حجَّة إمَّا نراه أو لا نراه سألوا الإمام الصادق (عليه السلام): يا بن رسول الله إذا كان مهديُّكم موجوداً فلماذا لا يُرى؟ قال: فيه سُنَّة من يوسف (عليه السلام) إخوة يوسف (عليه السلام) دخلوا عليه ولم يعرفوه، تعاملوا معه ولم يعرفوه، هذا أيضاً يراه المسلمون ولا يعرفونه، لعلَّه معكم بأسواقكم، يختلط معكم ويشترك معكم ولكن لا ترونه(٢٦) لماذا؟ سيتَّضح خلال البحث.
إذن الاختلاف بيننا وبين المذاهب الأُخرى هو أنَّه (عجَّل الله فرجه) موجود بالفعل أو يُخلَق آخر الزمان؟ أمَّا وجوده (عجَّل الله فرجه) وأنَّه يخرج آخر الزمان فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وأنَّه لا بدَّ من خروجه، وأنَّه يقتل ويصنع كذا وخروج الدجَّال يرافق خروج الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ويُقتَل بعد ذلك، وله علامات لظهوره، فإنَّه محلُّ إجماع عند المسلمين. وأحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) متواترة، ومنشأ الخلاف هو أنَّنا نقول: إنَّه موجود لأنَّ الأدلَّة العقليَّة توجب وجوده.
الدليل النقلي على وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
والأدلَّة النقليَّة أيضاً واردة عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) في أنَّه (عجَّل الله فرجه) موجود بالفعل ويُفهَم من إطلاق الأحاديث عند المذاهب الأُخرى أيضاً وجوده (عجَّل الله فرجه) بالفعل.
بعد هذه المقدّمة نرجع ونقول:
النقطة الأُولى: هل أخذ الشيعة فكرة المهدي من اليهود؟
إذا كان هناك اتِّفاق عند المسلمين في وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وأنَّه يخرج آخر الزمان، فما معنى أنْ يأتي شخص ويقول: إنَّ فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أخذها الشيعة من اليهود؟!
نقول له: إنَّنا أخذناها من صحيح أبي داود، وابن ماجة، والترمذي، ومن المئات من العلماء، وليس فقط من علماء الشيعة فهل هؤلاء كلُّهم يهود في نظرك؟
أخذت الفكرة منهم وهذه روايات واردة بالتواتر عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهل تفهم تاريخك أم لا؟
إذا كنت غير فاهم لتأريخك فلا تتكلَّم، وإذا كنت فاهماً فلماذا تغالط في شيء أنت فاهمه؟
هذا التاريخ بين يديك اسأل: هل الفكرة موجودة أم لا؟ فإذا لم تفهم يدلُّوك عليها.
عشرات المؤلَّفات أُلِّفت في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وبصورة عامَّة تذكر إحصائيَّة كاملة عن الروايات الواردة في ظهوره.
إذن فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مجمع عليها من ناحية ومن ناحية ثانية هل للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) موقع خاصٌّ؟ لأنَّه قد يأتي من يُهرِّج علينا بقوله: هؤلاء يعتقدون بأنَّه يخرج ويوجد عندهم سرداب. يقول أحد الكُتَّاب: عندهم سرداب بالحلَّة - ليس بسامرَّاء - يأتون بالطبول ويضربون عليها ويصيحون: اخرج يا صاحب الزمان(٢٧)!
هذه الحلَّة موجودة والطبول ليست موجودة والسرداب ليس موجوداً، لكن هؤلاء لا يستحون من الكذب، والذي لا يستحي من الكذب ماذا تفعل معه؟
السرداب الموجود في سامرَّاء كان في دار الإمام العسكري (عليه السلام)، وكانت أرضها منخفضة، فعندما بنوا البناء ارتفع فأصبحت الأرض مثل السرداب. وباعتبارها داراً للإمام (عليه السلام) يدخل إليها الزوَّار تبرُّكاً مثل ما نتبرَّك بالأضرحة المقدَّسة. وليس عندنا أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يخرج من السرداب، فإنَّها خرافة.
وأكثر من هذا انظر الآلوسي وهو رجل عاش في العراق ومفتي الدولة العليَّة الخاقانيَّة العثمانيَّة فهل إنَّه لا يعرف سامرَّاء ليقول: إنَّ الشيعة يأتون بالخُمُس ويرمون به في السرداب الذي في سامرَّاء(٢٨)؟!
إنَّ الشيعة اليوم حوالي مائة مليون نسمة(٢٩) فهل يأتون بالخُمُس كلَّ سنة ويرمونه في السرداب وهو صغير ألم يمتلئ؟! مئات السنين يرمون بالخُمُس حتَّى يخرج صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) ويأخذه؟!
هذا النمط من الناس كارثة في تاريخ المسلمين، لأنَّهم لا يجعلون أيديهم على ضمائرهم، ولا صدق لهم ويلعبون لعبة خطرة ويتاجرون بوحدة المسلمين. نحن مهمَّتنا أنْ نكون تحت لواء (لا إله إلَّا الله)، ويصهرنا لواء (لا إله إلَّا الله)، وإذا اختلفنا في مسألة علميَّة فليس معناه أنْ تكون مدعاة لأنْ تُمزِّقنا، فالمسائل العلميَّة يكون فيها اختلاف دائماً، واختلاف الرأي لا يُفسِد في الودِّ قضيَّة، أمَّا أنْ يأتي شخص ويغالط ضميره والتاريخ، ويبتدع روايات وتصوُّرات من خياله ويقول: إنَّ هؤلاء يأتون إلى السرداب ويضربون الطبول وينتظرون خروجه، فهذا كلُّه محض افتراء لا نصيب له من الصحَّة، وإنْ دلَّ على شيء فإنَّما يدلُّ على أنَّ تاريخنا بأمسّ الحاجة إلى أنْ يُستَنقذ من هذه القذائف التي في داخله، لأنَّها تُمزِّق وحدة المسلمين في واقع الأمر، فمتى تبقى لي ثقة بالتاريخ الإسلامي عندما أقرؤه وأجد فيه هذا اللون من المتناقضات؟
الإمام (عجَّل الله فرجه) إذن حيٌّ يُرزَق كما هو مفاد الروايات وعقيدتنا وهو (عجَّل الله فرجه) بين ظهرانينا قد نراه ولكن لا نعرفه.
النقطة الثانية: لماذا لم يذكر البخاري ومسلم أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
إذا كان إجماع المسلمين على أنَّه موجود، فلماذا لم يذكر البخاري ومسلم أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ وهذا الاعتراض سمعته أكثر من مرَّة.
أُلفت نظرك إلى أنَّه ليس كلُّ الأحاديث الصحيحة قد ذكرها البخاري ومسلم، وليس كلُّ ما فيهما صحيحاً لا أقول ذلك من وجهة نظرنا نحن وإنَّما من وجهة نظر المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى.
يذكر كتاب (ما لا يجوز فيه الخلاف) للشيخ عبد الجليل عيسى(٣٠) - كان شيخ الأزهر، وعضواً بدار التقريب، وعميد كلّيَّة أُصول الدِّين في الأزهر الشريف - رأي أحد فقهاء المالكيَّة، وهو: لو حلف شخص على أنَّ جميع ما في موطَّأ الإمام مالك صحيح لا يحنث بقسمه أمَّا لو حلف على أنَّ جميع ما في البخاري ومسلم صحيح فإنَّه يحنث لأنَّه ليس جميع ما فيهما صحيح(٣١).
وأُلفت نظرك إلى نقطة أُخرى: هناك من المسلمين من يؤاخذ البخاري على كثير من الروايات، والذي يُحِبُّ أنْ يرى آراء المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى أُرشده إلى كتاب (نظرات في الكافي والصحيح) للسيِّد هاشم معروف، وسمَّاه في الطبعة الحديثة (دراسات في الحديث) لينظر آراء بعض علماء المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى في البخاري(٣٢).
إذن ليس جميع ما في صحيح البخاري وهكذا مسلم تأخذه المذاهب الإسلاميَّة بالقبول ففيه روايات صريحة بالتجسيم عندما يقول: «إنَّ الله خلق آدمَ على صورته طوله ستُّون ذراعاً، وعرضه عشرة أذرع!»(٣٣).
وأُلفت نظرك إلى نقطة أُخرى:
النقطة الثالثة: عدم عمل المذاهب في بعض أحاديث البخاري ومسلم والصحاح الأُخرى:
هناك روايات في البخاري ومسلم والصحاح الأُخرى لا تعمل بها المذاهب الإسلاميَّة ففي مسألة الجمع بين الصلاتين مثلاً نحن الإماميَّة نجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء وتقول سائر المذاهب الإسلاميَّة بتحريم الجمع إلَّا في حالة العذر كالمطر أو السفر أو جمع تقديم أو تأخير في منى والمزدلفة.
لنرى هل أنَّ روايات الجمع موجودة في البخاري؟ من كان عنده صحيح البخاري ليرجع إلى كتاب (تأخير الظهر إلى العصر)(٣٤)، وليرجع إلى صحيح مسلم في باب (الجمع بين الصلاتين)(٣٥) ويرجع إلى باقي الصحاح الستَّة(٣٦) يجد كلُّها تذكر روايات الجمع وفيها أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يجمع الظهر والعصر ويجمع المغرب والعشاء بدون عذر وبدون سفر وبدون مطر وفي الأوقات الاعتياديَّة حتَّى إنَّهم سألوا عبد الله بن عبَّاس (رضي الله عنه): هل جمع النبيُّ بين الصلاتين؟ قال: بلى قالوا: لماذا؟ قال: حتَّى لا يحرج أُمَّته(٣٧). مثلاً يخرج شخص إلى عمله فقد يكون صعباً عليه أنْ يفرق بين الظهر والعصر، إذ يجب عليه أنْ يترك محلَّه، وهكذا المغرب والعشاء فهذه رخصة له فيستطيع الجمع والتفريق. وإنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يجمع. انظر إلى الصحاح فإنَّ روايات الجمع موجودة فيها حتَّى صحيح البخاري ومسلم لكن تأوَّلوها.
أسأل: إذا كان هذا الجمع موجوداً، فلماذا إذن لا تجمع باقي المذاهب الإسلاميَّة؟ لا ندري! أو لعلِّي أدري ولا أُريد أنْ أقول.
هذه هي روايات الجمع ونحن لا نأخذ ديننا من الهواء، نحن أيدينا على فقه آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وآل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عِدْل الكتاب: «إنِّي مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي»(٣٨).
عندما نأخذ الحكم نأخذه من المنبع الصحيح، من بيت محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والراوي إذا كان فيه خدش صغير لا نقبل روايته أبداً، إذا لم نحرز الصدق في رواية الراوي لا نقبلها، ولذلك ترى عندنا منهجاً في اختيار الرواة وعلم الرواية والدراية وعلم الحديث.
لفقهاء الإماميَّة تأمُّل وغاية الدقَّة في استعراض حال الراوي في السير وبالتراجم. إنَّ كُتُب الرجال الموجودة عندنا وقواعد الدراية تُوضِّح كلُّها كيف نأخذ الحديث ونناقشه سنداً ومتناً، ونقبله بعد أنْ يستوفي الشروط كافَّة، ثمّ إنَّ يدنا على المنبع الأساسي (آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)) وهم عِدْل الكتاب، فنأخذ الفقه منهم.
وفي باب التعارض نُقدِّم أقوالهم طبعاً على أقوال غيرهم بلا اعتراض، لأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: إنَّهم كـ:
«سفينة نوح من تخلَّف عنها غرق وهوى»(٣٩).
«أمان لأهل الأرض، كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء»(٤٠).
«إنِّي مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إنْ تمسَّكتم بهما لن تضلُّوا بعدي أبداً»(٤١).
كلُّ المذاهب الإسلاميَّة ترويها بهذا النصِّ «كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، لكن ترى بعض الإخوان يعارض ويقول: (كتاب الله وسُنَّتي)(٤٢) ولماذا؟ هل عنده عقدة من العترة؟ لا أفهم! العترة ماذا فيها؟ العترة هم آل محمّد وهم للمسلمين بصورة عامَّة ولا يخصُّوني أنا أبداً. كما أنَّ الصحابة للمسلمين بصورة عامَّة آخذ الرواية الصادقة المتوفِّرة للشروط من أيِّ واحدٍ منهم.
وترى - مع الأسف - هذه الظاهرة حدثت مؤخَّراً. إذا كان عندك إلمام بالتاريخ ارجع إلى القرن الرابع وقبله تجد أنَّ شيوخ السُّنَّة من الشيعة، وشيوخ الشيعة من السُّنَّة من مختلف المذاهب الإسلاميَّة. هذا عنده مائة شيخ، وهذا عنده خمسون شيخاً، وهذا عنده ثلاثون تلميذاً.
ثمّ جاءت الأيادي الخبيثة وبدأت تلعب لعبتها المنكرة، وتضع أيديها لتدسَّ. يهمني الوصول إلى الأثر الصحيح فآخذه من أيِّ طريق تتوفَّر فيه شروط الصحَّة.
إذن ليس كلُّ ما في صحيح البخاري أو مسلم يُعمَل به وليس كلُّ ما فيهما صحيحاً ككتاب (الكافي) الذي يُعتَبر من صحاحنا، أو الصحيح الأوَّل تقريباً فإنَّنا نطرح ثلث رواياته ولا نأخذ بها. وفعلاً بدأت الآن بعض الكُتُب تُطبَع وتنتخب الصحيح من الكافي فليس عندنا قداسة لكتاب وأثر بل نبحث عن الحقيقة الموضوعيَّة.
وعليه إذا لم يذكر البخاري ومسلم أحاديث المهدي فليس معناه كلَّ ما في الدنيا موجود في البخاري ومسلم فإنَّ باقي الصحاح والعشرات من علماء المذاهب الأربعة ذكروا أخبار الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مفصَّلة وآخر شيء ظهر هو الطبعة الأخيرة لكتاب (البيان) للكنجي الشافعي وقد أشرت إليه في العام الماضي وذكرت أنَّ للأُستاذ الكتاني(٤٣) رئيس دار الإفتاء في المملكة العربيَّة السعوديَّة فيه مقدّمة ورأياً رائعاً من أروع الآراء بحيث يذهب إلى كفر من لا يعترف بظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والكتاب موجود ومطبوع وطُبِعَ في بيروت وموزَّع.
إنَّ فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إذن محلُّ إجماع المسلمين ولسنا ننفرد بها أمَّا إذا قال جاهل: من أين أخذتم هذه الفكرة؟ فنقول له: اذهب وصحِّح دماغك ولا تتكلَّم بما لا تعقل.
البحث الثاني: نظرة إلى العالم الإسلامي:
إنَّ الآية الكريمة عندما تقول: إنَّ هذه الإنجازات سوف تتحقَّق لدى ظهور المهدي من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ أي تكون خلافة الأرض للمسلمين فتعني أنْ لا يُترَك وثن وصنم يُعبَد من دون الله، وتُزال كلُّ مؤسَّسة يُعبَد فيها غير الله وتكون الخلافة في الأرض لهم، يعني هم الذين يحكمون الأرض. الله (عزَّ وجلَّ) يُمحِّض لهم أي يُعطيهم النصر حتَّى يملكوا زمام الأرض بأجمعها، ثمّ ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾.
قد يقول قائل: شيخنا، هل نبقى جالسين ننتظر صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) فنعمل حينما يخرج؟
كلَّا، ليس عندنا حكم نُعطِّله بانتظار صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه). أرجوك هل يوجد عندنا أحد من فقهائنا يقول: إنَّ الإنسان يجب أنْ يُعطِّل عمله وينتظر خروج صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) ليحلَّ له المشكلة؟
بالعكس إنَّ أعمالنا التربويَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة كلَّها مستمرَّة وليس الجهاد معطَّلاً بل قائم، إذا تعرَّضت أرض المسلمين اليوم للخطر وجب الدفاع عنها. الجهاد إذا توفَّرت شروطه وجب على المسلم أنْ يخرج ويجاهد. هذه آراء فقهاء مذهبنا كلُّها واضحة، ليس عندنا حكم من الأحكام ولا فكرة يمكن أنْ تعتبرفكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) معرقلة لها.
فهل من يريد أنْ يُؤسِّس معملاً نقول له: لا تفعل، انتظر خروج صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) ليُعطيك أرضاً ومصنعاً؟
كلَّا، بالعكس إنَّ فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) حافز على عمل الخير لأنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) إذا ظهر يدحض الباطل، ويقيم الحقَّ كأنَّ المشرع الإسلامي يريد أنْ يجعلني على تماسٍّ مع القِيَم، ويقول لي: إنَّه يجب إدامة الحقِّ ونصره ودفع الباطل والوقوف بوجه الظلم والباطل. إذن ما كانت فكرة الإمام (عجَّل الله فرجه) يوماً من الأيَّام مخدِّراً. وإذا تجد كاتباً يقول: إنَّه لن تقوم لنا قائمة إلَّا عند ظهور مهديِّنا (عجَّل الله فرجه)، فالمقصود بـ(القائمة) هو أنَّه لا يمكن أنْ يتحقَّق النصر الكامل للمسلمين إلَّا في آخر الزمان، وإلَّا قد يتحقَّق لهم نصر بنسبة معيَّنة، فما معنى اجلسوا ولا تدفعوا الضيم عن أنفسكم أبداً؟ بالعكس يأمرنا الله (عزَّ وجلَّ) دائماً بالجهاد في سبيله والدفاع عن مقدَّساتنا قائم، أعمالنا يجب أنْ نمارسها ولا علاقة سلبيَّة لفكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بذلك. والذي يتصوَّر وجود علاقة سلبيَّة للأعمال مع فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) فإنَّه ليس فاهماً لها تماماً.
عندما تقول الآية: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ يعني أنَّ الحياة سوف تُستوعب بمبادئ الإسلام فلا يصبح إسلاماً شكليًّا، المفروض أنَّ الأُسرة في داخلها نظام إسلامي، الشارع تسوده النُّظُم الإسلاميَّة البنك عندما تدخل إليه يتعامل على نمط إسلامي، المؤسَّسات الاجتماعيَّة كلُّها تنبثق على نمط إسلامي.
إذن إنَّ التمكين الكامل في الدِّين يتمُّ عند خروج مهدي آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ثمّ ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ عندما تقوم دولة الإسلام لا يبقى خوف من غير مسلم، لأنَّ الأرض تطبق يومئذٍ بنور الله.
توجد بعض الروايات لا نُصدِّق بها ولا علاقة لنا بها ولا ملزمين بأنْ نبحث عنها تفصيلاً إنَّ فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) نأخذها على الإجمال من الأحاديث الصحيحة، أمَّا التفاصيل فقد يكون فيها لون من التفكير الذي قد نُسمِّيه بالأُسطورة فمثلاً: حينما أقرأ قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ (مريم: ٦٣)، أُؤمن أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يُعطي المطيع جنَّة، ويُعطي العاصي ناراً، لكن التفاصيل فلست مستعدًّا أنْ أُؤمن بجميعها كأنْ يأتي أحد ويقول: إنَّ المؤمن يُعطى في الجنَّة يوم القيامة قصراً مساحته سبعون ألف ميل، له سبعون ألف باب كلُّ باب عليه سبعون ألف عبد كلُّ عبد بيده سبعون ألف مصراع هكذا حديث لا أهتمُّ به ولست مكلَّفاً بأنْ أُؤمن به أنت تجد هكذا روايات عن الجنَّة والنار موجودة.
تجد رواية مثلاً: إذا بعث الله الخلائق يوم القيامة يُرسِل عليهم لوناً من العقارب لكلِّ عقرب ذَنَب كأنَّه قلَّة جبل أُحُد! هذا اللون من الروايات لست ملزماً أنْ أُؤمن به. القرآن قال لي: توجد جنَّة فأُؤمن بها على الإجمال أمَّا الفكر الأُسطوري والإسرائيليَّات التي أتى بها اليهود الذين دخلوا في الإسلام فلا أُؤمن بها.

* * *
المحاضرة الثانية: مولد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
بسم الله الرحمن الرحيم

كان من حسن الصِّدَف والاتِّفاق أنْ يكون في هذه الليلة الكريمة والمباركة التي جمعت من ضروب العطاء ما لا يحدُّ ميلاد نبيِّ الله المسيح (عليه السلام) وميلاد منقذ الإنسانيَّة (عجَّل الله فرجه)(٤٤).
اجتمع هذان الميلادان في يوم ووقت واحد ونحن نعرف أنَّ نبيَّ الله عيسى (عليه السلام) سيكون نزوله إلى الأرض في حال ظهور صاحب الأمر (عجَّل الله فرجه)(٤٥) ولا بدَّ هنا من بحث مجموعة من الأُمور ممَّا لها صلة بهذه الليلة الكريمة:
الأمر الأوَّل: كيفيَّة ميلاد الإمام (عجَّل الله فرجه):
كانت ولادة منقذ الإنسانيَّة في مثل هذه الليلة من سنة (٢٥٥) هجريَّة حيث تقول حكيمة بنت الإمام الجواد (عليه السلام): دخلت على أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام)، فلمَّا أردت الخروج قال: يا عمَّة، لا تخرجي في هذه الليلة باتي عندنا قلت: ولماذا؟ قال: إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) في هذه الليلة سيسرُّكِ برؤية وليِّه وستفرحين بذلك فقلت: ممَّن؟ قال: من نرجس، أقبلت إليها قلبتها ظهراً لبطن لم أرَ فيها للحمل من أثر، فقلت: إنِّي لا أرى عندها من أثر للحمل، قال: يا عمَّة إنَّ فيها سُنَّة من أُمِّ موسى(٤٦)، لأنَّ المسلمين يقولون في تفاسيرهم: إنَّ أُمَّ موسى (عليه السلام) لـمَّا حملت بولدها لم يظهر عليها أثر للحمل إلَّا ليلة الولادة ولبضعة ساعات ثمّ اختفى عنها(٤٧)، والحقيقة أنَّ الذي ليس عنده إلمام بخلفيَّة التاريخ قد يتصوَّر أنَّ هذا فيه شيء من المبالغة. كلَّا فإنَّ دار الإمام كانت تُكبَس دائماً وعند الأعداء معلومات أنَّ ولد الإمام الحسن (عليه السلام) هو الذي سيكون الخلف وقائد هذه الأُمَّة، فكانوا يخشون من ذلك.
إذا رجعنا إلى ما يقوله المؤرِّخون وبالذات الشيخ الطوسي (رحمه الله) في (الغيبة) نجده يقول: نقلاً عن رشيق صاحب المادراي قوله: استدعاني المعتضد ومعي اثنان قال لي: تخرج تشجُّ الليل والنهار وتصل إلى سُرَّ من رأى وتدخل دار أبي محمّد العسكري بلا استئذان اكبسها ومن وجدته بالدار اضرب عنقه. أقبلنا إلى الدار في الليل وكبسناها فلم نرَ أحداً فيها أُخبر الإمام (عليه السلام) بذلك فأخلى الدار(٤٨).
وهذه ليست الكبسة الأُولى وإنَّما هي عدَّة كبسات وكانوا يراقبون هذه الدار غاية المراقبة دائماً ويسألون: هل له من ولد(٤٩)؟
يقول أحد السجناء: أُدخل علينا الإمام العسكري (عليه السلام) إلى السجن، فرفعت رأسي إليه وقلت: سيِّدي هل عندك من خلف؟ لم يجبني الإمام وتمثَّل ببيتين:

لعلَّك يوماً أنْ تراني كأنَّما * * * بنيَّ حوالي الأُسود اللوابد
فإنَّ تميماً قبل أنْ يلد الحصى * * * أقام زماناً وهو في الناس واحد

أدركت أنَّ الإمام لا يريد أنْ يواجهني مباشرةً بالإخبار(٥٠).
بالفعل هذا الذي كان حتَّى إنَّ جواري أُرسلن إلى دار الإمام ليبحثن عن امرأة حامل(٥١)، أي نفس الأُسلوب الذي كان يتَّبعه فرعون بالبحث عن موسى (عليه السلام) كانوا يشعرون بفزع وهلع من أنْ يكون هذا المولود الذي ينتهي حكمهم على يديه.
تقول حكيمة: دخلت إلى الدار توضَّأت وقمت أُؤدِّي وِردي من صلاة الليل إلى أنْ قرب الفجر حاك في صدري شيء من الشكِّ سمعت صوت الإمام: يا عمة، إنَّه وعد الله فلا تشكِّي، أوشك عمود الفجر أنْ ينبلج، فدنوت إلى نرجس قلت: هل تحسِّين بشيء؟ قالت: بلى أحسُّ بضيق أخذت بيدها وأجلستها على وسادة وجلست منها مجلس القابلة من المرأة وغمزت يدها فأمسكت يدي وأنَّت أنَّة واحدة نظرت إلى وليِّ الله قد نزل مستقبلاً الأرض بمساجده وشفتاه تتمتمان: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القَصص: ٥).
سمعت صوت الإمام (عليه السلام) يقول: عمَّة، ناوليني ولدي حملته إليه تأمَّل في وجهه طويلاً حنَّكه وكبَّر في أُذُنه اليمنى وأقام في اليسرى وضمَّه إليه وقال: هذا وليُّ الله الذي وعد به عباده(٥٢).
الأمر الثاني: قضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) في الروايات:
أين موقع قضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) في الروايات؟ وما هو جوُّها؟ هل تقتصر على فئة أم لا؟
كلُّ رواة المسلمين يذهبون إلى ذلك، أُريد أنْ أُؤكِّد على هذه النقطة، لأنَّ الكثير من متأخِّري الكُتَّاب عندما يمرُّون بها يُرسِلونها إرسال المسلَّمات بأنَّ روايات المهدي كلَّها ضعيفة ومختلقة ومكذوبة!
هؤلاء - مع الأسف - لا يعرفون تاريخهم وكُتُب أحاديثهم ولا يملكون صفة من صفات المحقِّقين أقول ذلك وأنا أعني ما أقول، وسيمرُّ علينا هذا المعنى خلال البحث.
إذا رجعت إلى تراث المسلمين وبالذات لدى أساطين المسلمين تجد روايات المهدي (عجَّل الله فرجه) متواترة ونحن نعرف أنَّ العلم له طُرُق، منها المشاهدة، ومنها التواتر فلعلَّنا لم نرَ بعض المُدُن في شرق الأرض أو غربها لكن لا يمكن أنْ نُنكِرها لتواتر الحديث عنها، والتواتر طريق من طُرُق العلم والتواتر لا ندَّعيه نحن فقط، وأُلزم نفسي في هذا الموضوع أنْ لا أذكر لك إلَّا روايات المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى، لا إشكال في رواياتنا فإنَّ أئمَّتنا ورواتنا من أصدق من خلق الله (عزَّ وجلَّ) لهم من ورعهم وصدقهم ما هو غنيٌّ عن البيان، لكن من باب الإلزام أذكر لك ذلك.
لعلَّ أقرب المصادر عندنا هو (التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجَّال والمسيح) للشوكاني صاحب (نيل الأوطار)، حيث يقول:
إنَّ روايات المهدي تواترت تلقَّاها الصحابة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتلقَّاها التابعون عن الصحابة وهي تبلغ العشرات صحيحة ومعتبرة ومعتمد عليها(٥٣).
وممَّن رواها - فضلاً عن صاحب التوضيح - القرطبي في تفسيره(٥٤)، وابن تيميَّة في (منهاج السُّنَّة)(٥٥)، والذهبي في (ميزان الاعتدال)(٥٦)، والبيهقي في سُنَنه(٥٧)، وروتها كُتُب الصحاح(٥٨) على الإجمال إلَّا صحيح البخاري ومسلم(٥٩)، لماذا؟
أُبيِّن لك: لا يستوعب صحيح البخاري ومسلم كلَّ الروايات الصحيحة، حتَّى إنَّهم لا يدَّعون هذا المعنى ويقولون: إنَّ البخاري ومسلم رويا الصحيح ولكن لم يرويا كلَّ صحيح يعني ليس كلُّ ما لم يروه البخاري ومسلم غير صحيح أبداً لأنَّ البخاري نفسه يقول: أنا أحفظ (٢٠٠) ألف حديث(٦٠) وإذا رجعت إلى أحاديثه في صحيحه تجدها لا تتجاوز الـ(١٠) آلاف حديث ممَّا يعني أنَّ البقيَّة مبثوثة على الصحاح الأُخرى.
فمثلاً تجمع المذاهب الإسلاميَّة على حديث العشرة المبشَّرة(٦١) وتعمل على صحَّته ولكنَّه غير موجود في صحيحي مسلم والبخاري، لكنَّهم لا ينفونه. وحديث تسمية المَلَكين منكر ونكير(٦٢) مع أنَّ كلَّ المذاهب الإسلاميَّة متَّفقة عليه وهكذا جملة من الأحاديث المتَّفق عليها بين المذاهب الإسلاميَّة حيث لا وجود لها فيهما.
هذا، ولا يعتبرون كلَّ ما جاء في صحيح مسلم وصحيح البخاري صحيحاً لأنَّه يروي عن الضعاف ومن يرغب في المراجعة فإنَّ هناك دراسات في الكافي والصحيح للمرحوم السيِّد هاشم حيث نقل عن مصادر المذاهب الإسلاميَّة أنَّه ليس جميع ما جاء في صحيحي مسلم والبخاري صحيح، فتسقط جملة من الروايات منه(٦٣).
إذن إذا لم يرو صحيحا مسلم والبخاري أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) فليس معنى ذلك أنَّ الصحاح الأُخرى لم تروها فقد روتها الكُتُب المعتمدة بأجمعها.
نعم، الذين شكَّكوا بها اعتمدوا على رواية واردة عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والحديث القائل: «لا مهدي إلَّا عيسى بن مريم»، وهو حديث قال ابن تيميَّة عنه بأنَّه ضعيف، وفنَّده(٦٤).
ومن يرغب أُلفت نظره إلى كتاب (الردّ على من كذَّب بأحاديث المهدي) تأليف عبد المحسن العبَّاد(٦٥)، وهو مدرِّس الحديث في الجامعة الإسلاميَّة في المدينة، وهو كتاب في جزءين وطُبِعَ عام (١٤٠٢هـ)، مع العلم أنَّ الرجل عندما يمرُّ بنا يعطينا حقَّنا من الشتائم، لكن مع ذلك اقرأ وانظر إلى رواياته إذ لعلَّ من علامات الإيمان بأنْ يشتمونا لا يعنينا ذلك ما دمنا على الطريق الصحيح كما نرى وحسب الإنسان أنْ يضع رجله على طريق الحقِّ ولا يعنيني أنْ يشتمني أحد إذا رضيت عنِّي كرام عشيرتي.
الكتاب جمع وأوعى في هذا الجانب وردَّ على بعض المؤلَّفات وثبَّت عشرات الأحاديث واستوعب المسألة من كلِّ وجوهها.
وبوسعك مراجعة من كتب في المهدي (عجَّل الله فرجه) وأقلام الإماميَّة الذين التزموا أنْ لا ينقلوا قضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) إلَّا من الكُتُب المعتبرة عند المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى.
إنَّ عشرات المصادر يمكن الرجوع إليها ولعلَّ من أقرب المصادر هو: (البيان في أخبار صاحب الزمان) للكنجي الشافعي وفيه مقدّمة رائعة بقلم أحد زملائي من طلَّاب الحوزة العلميَّة في النجف(٦٦) بالوسع أنْ تراها وترى فتاوى أهل السُّنَّة بكفر من يُنكِر أحاديث صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)(٦٧).
إذن هؤلاء الذين ينفون هذه الأحاديث تجدهم أوَّلاً اعتمدوا على رواية ناقشها ابن تيميَّة ورفضها وقال بأنَّها ضعيفة.
مضافاً إلى أنَّ بعض الذين رووا ليسوا أهلاً لذلك، والمصيبة هنا فمثلاً: يقحم ابن خلدون(٦٨) نفسه في قضايا ليست من اختصاصه وعليه لا يستطيع أنْ يسلك الطريق المتَّزن فكلُّ ميدان له فرسان فإذا تخصَّص شخص في الفقه والأُصول فلا تكون له علاقة بالكيمياء والذي يتخصَّص في الكيمياء لا تكون له علاقة بالفلسفة كلُّ علم له مختصُّون. هذا الرجل له موقف خاصٌّ من أهل البيت (عليهم السلام)، وهو الذي يقول: (وشذَّ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها)(٦٩)! مع أنَّهم الذين لا يفترقون عن القرآن كما سيأتينا الحديث بهذا الشأن.
دخل رجل على الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: سيِّدي، ما معنى قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنِّي مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، من هم العترة؟ قال: «أنا والحسن والحسين والتسعة من ذرّيَّة الحسين آخرهم مهديُّهم لن يفترقوا عن القرآن ولن يفترق القرآن عنهم حتَّى يردا على رسول الله الحوض»(٧٠)، إذن ورود الحوض على النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو مآل الثقلين.
نحن نعرف أنَّ من يكون عِدل الكتاب وإلى جانب القرآن لا يقال عنه شاذٌّ، لكن هذا الرجل عندما يمرُّ بأهل البيت يُعبِّر عنهم بأنَّهم شذُّوا بمذاهب ابتدعوها! من أين؟ والحال نحن على عكس غيرنا الذي عنده المصالح المرسَلة والاستحسان و(١٧) مصدراً للتشريع ومن أحبَّ فليراجع (الأُصول العامَّة للفقه المقارن) للسيِّد محمّد تقي الحكيم(٧١) حيث أحصى مصادر التشريع عند المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى.
دخل رجل على الإمام الصادق (عليه السلام) وقال: يا بن رسول الله، إذا كانت لديَّ مسألة أبحث عن حكمها الشرعي أين أجده؟ قال: في القرآن قال: فإنْ لم يكن في القرآن؟ قال (عليه السلام): «في السُّنَّة - قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو فعله أو تقريره -»، قال: فإنْ لم يكن؟ قال (عليه السلام): «لا يمكن ذلك كلُّ شيء موجود في الكتاب والسُّنَّة ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]»(٧٢).
وكان الإمام (عليه السلام) يقول: «نحن نُحدِّث الناس بأحاديث نكنزها عن رسول الله كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضَّتهم»(٧٣).
لكن انظر إلى جرأة هذا الرجل في قوله: (وشذَّ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها)!
الردُّ على ابن خلدون حول المهدويَّة:
يقول أحمد بن شاكر(٧٤) وهو مصحِّح ومخرج أحاديث مسند الإمام أحمد بن حنبل عندما يمرُّ بابن خلدون يقول: (قد قفا هذا ما ليس له به علم، واقتحم قحماً لم يكن من رجاله)(٧٥).
هو إذن مؤرِّخ وليس له علاقة بالأثر والدراية وعلم الرجال فإنَّ له رجال مختصُّون يقول: إنَّ هذا شذَّ لأنَّه تدخَّل فيما لا يعرفه. أتخطَّر كلمة لابن تيميَّة يقول فيها: لم يخرب الأرض إلَّا نصف فقيه، أو نصف متكلِّم، أو نصف متطبِّب، أو نصف نحوي. فنصف فقيه يُخرب الأديان، لأنَّه يحفظ عدداً من الأحاديث، ولا يعرف المعارض منها والمزاحم والسالم من النقد هل أنَّ طُرُقها صحيحة ودلالته واضحة أم لا؟ ليست لديه أدوات وآليَّات هذا الفنّ. ونصف متطبِّب يُفسِد الأبدان، لأنَّه تعلَّم بعض الكلمات في الطبِّ وأخذ يكتب وصفة طبّيَّة فهذا سوف يُمرض الناس، لأنَّ ذلك ليس من اختصاصه، ويفقد علم الطبِّ. ونصف متكلِّم يُخرب البلدان، لأنَّه ذو معرفة جزئيَّة بعلم الكلام قد حفظ بعض العقائد وأخذ يدور في البلدان، فإنَّه سوف يُخربها، فإنَّ أخبار العقائد تحتاج للعمل بها إلى وسائل فنّيَّة أيضاً حتَّى يعرف الصحيح من غير الصحيح منها. ونصف نحوي يخرب اللسان لأنَّه لم يدرس النحو دراسة كاملة(٧٦).
والواقع أنَّ ابن خلدون من هذا النوع وهو شعوبي إذا مرَّ بتاريخ العرب فإنَّه يشتمهم شتماً ذريعاً(٧٧) ومع ذلك فإنَّه مسكوت عنه لأنَّه يحمل هويَّة وله موقف سلبي من أهل البيت (عليهم السلام).
رأيت أحد الكُتَّاب - عجيباً أمره - يسألونه: أنتم تقولون: إنَّ صاحب علم الاجتماع هو ابن خلدون؟ يقول: نعم.
فيقولون: كيف صار كذلك والعلوم لا يكون في تاريخها طفرة بل تدرُّج؟ وكلُّ موضوع من المواضيع له بدايات فيتطوَّر الى أنْ يبلغ كماله فكيف تعتبرونه صاحب علم الاجتماع فجأةً؟ يقول: نعم إنَّ التدفُّق الفجائي والحدس الباطني والاختمار اللَّاشعوري هو الذي أوصله!
وعندما تقول له: لماذا لا يأتي ذلك إلى عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) حيث إنَّكم تقولون: إنَّ نهج البلاغة ليس له (عليه السلام) لما فيه من قضايا كاملة فكيف حصل فجأةً ومن أين أتى عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) بهذه المعلومات؟
هذا كلام عجيب غريب ومع الأسف فإنَّ تاريخنا وأفكارنا وتراثنا وآثارنا يجب أنْ يهتمَّ بها المدقِّقون والمحقِّقون الموضوعيُّون وهذا مطلب بعيد المنال ويا ليت لو تكون له بدايات متواضعة حتَّى نعيد - على الأقلّ - الثقة إلى شبابنا بتاريخنا وحضارتنا.
من أتى بك حتَّى تنفي أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) وتحمل عليها وأنت لست من فرسان هذا الميدان أبداً؟
يقول جابر بن عبد الله الأنصاري: دخلت على سيِّدتي فاطمة الزهراء(عليها السلام) في البيت وجدت بين يديها لوحاً مكتوباً فيه أسماء الأئمَّة قرأتها وانتهيت إلى آخرهم، فرأيت فيه: مهدي هذه الأُمَّة الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً(٧٨).
الأمر الثالث: أسباب نفي قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
نسأل: لماذا هذا الاهتمام في نفي أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في موضوع المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ على كلِّ من له إلمام بهذه الساحة أنْ يراجع ويبحث لماذا هناك حماس عجيب غريب في نفي أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) وتضعيفها؟ وما هو الدافع لهذه الحملة التي تتَّسم بالحدَّة والكثير من التشنُّج؟
السبب أنَّ قضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) ليست سهلة فهي كما عبَّر النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «بنا فتح الله وبنا يختم»(٧٩)، فكون النبوَّة لهم أمر لم يطيقوه لا الأُمويُّون ولا العبَّاسيُّون، وكذلك المهدي (عجَّل الله فرجه).
ينقل المسعودي في (مروج الذهب) عن رجل يقول: دخلت على معاوية رأيته واجماً قلت له: لماذا أنت واجم؟ قال: ملك أخو تيم فشمَّر، ثمّ ما عدا أنْ هلك هلك ذكره وملك أخو عدي وقام بالأمر وما عدا أنْ هلك هلك ذكره وهذا ابن أبي كبشة (يقصد النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)) يُنادى باسمه خمس مرَّات على المئذنة يوميًّا: (أشهد أنَّ محمّداً رسول الله)، وهذا أمر لا نطيقه(٨٠).
وهذا كلام عبَّر عنه الخليفة الثاني في حواره مع عبد الله بن عبَّاس، وقال: كره قومكم أنْ تجتمع لكم النبوَّة والخلافة(٨١)، فمثلما كانت النبوَّة ثقيلة على البعض، فأنْ يختم الله بهم أيضاً لا تحسبه أمراً سهلاً أبداً.
كان الأئمَّة يفتخرون به يقول الإمام عليٌّ (عليه السلام): «منَّا المهدي»(٨٢) ويقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «الإمام المهدي من ولدي»(٨٣)، وقال الإمام زين العابدين (عليه السلام) في مجلس يزيد: «ومنَّا المهدي»(٨٤) هذا موضع فخر يعتزُّ به أهل البيت (عليهم السلام).
ومقابل هذا الاعتزار يجب أنْ يُنفى، فيأتي ابن شهاب الزهري(٨٥) إلى واقعة أُحُد، فلا يقول: عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) حمل لواء المسلمين، بل يقول: (وحمل لواء المسلمين رجل من المسلمين)(٨٦) إنَّ حمل عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) اللواء مسألة لا تطاق.
وكان عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) أوَّل الناس إسلاماً، فيقولون: نعم لكنَّه أوَّل من أسلم من الصبيان(٨٧)! في حين إنَّ المسألة لا تفرق في أنْ يكون من الصبيان أو الكبار يقولون: هذه أوَّليَّة إضافيَّة.
إنَّ تاريخ المسلمين يذعن لعليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) ويقول: إنَّه السيف والساعد الذي نصر الإسلام وقاتل وكافح دون كلمة (لا إله إلَّا الله) وهو (عليه السلام) أشجع من عرفه تاريخ الصحابة، ولكن يأتي شخص ويقول: الأشجع منه هو الذي وقف عندما مات النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والناس اختلفوا وقالوا: لم يمت رسول الله وقال: لا، وقرأ الآية: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزمر: ٣٠)، فقلبه قويٌّ، فهو أشجع من عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)(٨٨)!
وهكذا عندما تمرُّ بالتاريخ توجد قضايا بديهيَّة ينصبُّ الأمر على إنكارها لمجرَّد أنَّها تُشكِّل فضيلة للآخرين فقضيَّة كون المهدي (عجَّل الله فرجه) من أهل البيت (عليهم السلام) قضيَّة بالغ الكثير - خصوصاً بعض المتأخِّرين - في نفيها لأنَّ هذا اللون من المفخرة يمكن أنْ تعطفه على باقي المفاخر التي يقف منها التاريخ موقفاً سلبيًّا، وتعطفه على باقي كرائم أهل البيت (عليهم السلام) والتي يحاول تاريخ غير أهل البيت (عليهم السلام) أنْ ينفيها عنهم، لأنَّها تُشكِّل علامة مضيئة.
الأمر الرابع: نظريَّة التعويض والإيمان بالمهدي عند الشيعة:
يوجد كُتَّاب متأخِّرون خصوصاً المحدِثون والذين يسايرون العصر في كتاباتهم ونُعبِّر عنهم (المفكِّرين)، حينما يأتون إلى هذه المسألة بالذات يقولون: هذه عملية تعويض، وهي أنَّ الشيعة في تاريخهم مضطهدون، فصارت عندهم أحلام يقظة، وهي أنَّ الإنسان عندما لا يحصل على شيء في الواقع يتحلَّم ويتصوَّر أنَّه سيحصل عليه من خلال الحلم(٨٩).
نسأل: إنَّ كثيراً من الأُمَم لديها فكرة المخلِّص كما هي عندنا نحن الشيعة، إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) سيُحيي الأرض بعد موتها على يديه(٩٠).
وستُخرج الأرض أفلاذ كبدها(٩١).
والخير سينتشر(٩٢).
والنعيم سيعمُّ(٩٣).
والعدل سينتشر والظلم والجور سينتفي(٩٤)، هذا هو مفاد الروايات.
إنَّنا نلاحظ فكرة المخلِّص موجودة لدى شعوب لم تتعرَّض إلى الاضطهاد كالمسيحيِّين الذين لم يتعرَّضوا لعدوٍّ خارجي صحيح قد وقع بينهم ما وقع ولكنَّهم لم يتعرضوا للاضطهاد من عدوٍّ خارجي واليوم هم يملكون الدنيا ونحن على الهامش. اليهود والصينيُّون وجملة من الشعوب لديهم فكرة المخلِّص وعندما ترجع إلى الحضارات الأُخرى تجد فكرة المخلِّص منتشرة(٩٥).
صحيح أنَّنا تعرَّضنا للاضطهاد، ولكن ليس معنى ذلك أنَّنا نحلم وأنَّ المسألة حلم يقظة. إنَّ الروايات تأخذ بأعناقنا، ونحن لم نُخرِج فكرة المهدي (عجَّل الله فرجه) من جيوبنا ولا من تاريخنا، بل ألزمنا الدليل.
ارجع إلى تاريخ المسلمين وتفسير القرطبي(٩٦) وتفسير الفخر الرازي(٩٧) وتفسير روح المعاني للآلوسي(٩٨) وعشرات التفاسير تجد آيات يُفسِّرونها بخروج المهدي (عجَّل الله فرجه) وبأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) سيبعث من يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً.
إذن المسألة لم نأخذها من تاريخنا أو من تفسيرنا وحده بل هي ما عليه جمهور المسلمين وعليه لا يمكن أنْ تقول: إنَّها نشأت لديكم من أحلام اليقظة إنَّه كلام لا يصمد أمام النقد وما أُردِّده يقوله الجميع.
إنَّ كتابات القوم لـمَّا تمرُّ بهذه المسألة تجدها كلَّها تشير إلى هذا المعنى، وهو أنَّ هؤلاء (أي الشيعة) لأنَّهم تعرَّضوا إلى الاضطهاد نشأت لديهم فكرة المهدي (عجَّل الله فرجه) وإلَّا لا يوجد المهدي أساساً، ولا يخرج آخر الزمان كلُّها أحاديث فيها دجل وخرافة، وهكذا إلى آخر الحملات.
والأغرب من هذا كلِّه ترى ابن حجر يقول: إنَّ من يُنكِر أحاديث المهدي كافر، لأنَّه يُنكِر ضرورة من ضروريَّات الدِّين(٩٩)، ولكن مع ذلك تجد إصراراً عجيباً غريباً على إنكار المهدي (عجَّل الله فرجه) وأحاديثه. إنَّ سرَّ الإصرار هو الذي أشرت إليه وقد رأينا مثل هذا النوع من الإصرار في مسائل أُخرى.
إلى الآن ومنذ ألف وأربعمائة سنة ينسبون لنا قرآناً غير هذا القرآن يقول لهم الشيخ محمّد الغزالي(١٠٠): (إنَّكم في هذه الألف والأربعمائة سنة لم تستطيعوا أنْ تجدوا نسخة من هذا القرآن الذي تنسبونه إلى الشيعة)(١٠١)، أرونا نسخة منه.
فالقصَّة ليست قائمة على طلب حقيقة ولا نشدان حقٍّ وإنَّما قائمة على مجرَّد أنَّ هناك من يريد أنْ يُهرِّج.
إذن المسألة ليست أحلام يقظة وإنَّما وضعنا أيدينا على المنبع الصحيح وألزمتنا الآيات والروايات بوجود صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)، وأنَّه يظهر في آخر الدنيا وأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقيم على يديه العدل ويطرد الباطل، وإذا رأيتم الرايات جاءت من خراسان فأتوها فإنَّ فيها خليفة الله(١٠٢) ومنادٍ ينادي: هذا خليفة الله(١٠٣).
الأمر الخامس: عطاءات القضيَّة المهدويَّة:
ما هي السلبيَّات في فكرة المهدي (عجَّل الله فرجه) حتَّى يحمل علينا البعض بها؟
ارجع إلى كُتُب الفقه عند الشيعة هل يوجد كتاب يقول: إنَّ الجهاد يجب أنْ نُعطِّله لأنَّه موقوف حتَّى يخرج صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)؟ لا يوجد عندنا هذا، فحكم الجهاد قائم إذا وقف المسلمون ليجاهدوا فإنَّنا نقف لنجاهد. هذه أدلَّتنا تدفعنا إلى أنْ نحمل لواء الجهاد. ليس عندنا أبداً دليل يقول: إذا تعرَّض بلدكم أو المسلمون إلى التعدِّي ارموا السلاح واتركوا الجهاد أو القتال.
هل توجد روايات تأمرنا بترك الجهاد والقتال من أجل فكرة المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ كلَّا.
هل تأمرنا فكرة المهدي (عجَّل الله فرجه) أنْ نُعطِّل العمران مثلاً؟ كلَّا.
إنَّ علينا اليوم أنْ نستثمر ونبني ونزرع ونعمل، فهل تمنعنا فكرة المهدي (عجَّل الله فرجه) عن العمل والعطاء؟ كلَّا.
بل العكس إنَّ الفكرة فيها مثل أعلى ونشدان حقٍّ ودعم للفضيلة ارجع إلى روايات المهدي تجد أنَّها تقول: يقتل الظالمين يمنع الظلم ينشر العدل ينشر الخير بين الناس يُحقِّق كلمة الله، فما عيبها حتَّى نقف منها موقفاً سلبيًّا؟
هؤلاء الذين يرموننا به ويقولون بأنَّنا نحلم هذا الحلم، وهذه فكرة ضارَّة ما هو ضررها؟
هل إنَّ العقيدة المهدويَّة مخدِّرة للشعوب؟
يقولون: إنَّ ضررها هو أنَّها تُخدِّرهم وتشلُّ حركتهم(١٠٤)!
كيف تشلُّ حركتنا؟ هل نحن لا نعمل ولا نزرع؟ ولكن ماذا نقول إنَّهم يريدون أنْ يتكلَّموا ما يشاؤون.
إنَّ فكرة المهدي (عجَّل الله فرجه) لم تقف في طريق المسلمين، سواء كان خطًّا عمرانيًّا أو فكريًّا أو إنتاجيًّا إطلاقاً بل العكس فإنَّ الفكرة فيها حافز وتدفع إلى تبنِّي المُثُل الأعلى ونشدان العدل والوقوف بوجه الباطل فما كانت في يوم من الأيَّام عائقاً في طريق تقدُّم المسلمين ومن أجل ذلك نلاحظ الأحاديث الصحيحة تحثُّ عليها.
بعد هذه المقدّمات التي بحثناها في فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) توجد روايات تقول: إذا خرج صاحب الأمر يقوم بأعمال معيَّنة، وأوَّل عمل هو أنَّه يُصلِّي ومن ورائه المسيح (عليه السلام)، لأنَّ في الحديث الوارد عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والذي روته كُتُب الصحاح - ما عدا صحيح مسلم أو صحيح البخاري -: لا تزال طائفة من أُمَّتي يقاتلون على الحقِّ ظاهرين، فينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم لعيسى: هلمَّ فصلِّ بنا يقول: لا إنَّ أُمراءكم منكم تكرمة لهذه الأُمَّة صلِّ ونُصلِّي بصلاتك، فيُصلِّي بهم صاحب الأمر (عجَّل الله فرجه)، ومن جملة من يأتمُّ به عيسى بن مريم (عليه السلام)(١٠٥)، هذه من الروايات الكثيرة التي تروي عدد أصحابه، وتوجد إضافات لا تهمُّنا.
الغريب أنَّ الآلوسي الذي نشأ بين ظهراني الشيعة في بغداد واتَّصل بهم يقول: إنَّهم يأخذون خُمُسهم ويأتون به ويجعلونه في السرداب بسامرَّاء حتَّى يخرج صاحب الزمان ويشتري به الأسلحة ويقاتل(١٠٦)!
إنَّ الشيعة لهم ألف وأربعمائة سنة والكثير منهم يدفع خُمُسه بحمد الله فكم هو حجم هذا السرداب حتَّى يسع ذلك؟
يقولون: إنَّ الشيعة يسجدون على التربة، لأنَّ فيها دم الحسين (عليه السلام)! نسألهم: ألم ينته هذا اليوم حيث يقاع آلاف الأطنان من التراب؟
لا أُريد القول: لا يوجد عقلاء في القوم ليُنكِروا هذا الفكر ولكنَّهم قليلون، ولعلَّهم لا يستطيعون أنْ يجهروا بقولهم ونأمل أنْ تميل الدنيا إلى الموضوعيَّة وتبتعد عن التهريج.
وفي الرواية أنَّه (عجَّل الله فرجه) إذا خرج يأتي إلى كربلاء يقف على قبر الحسين (عليه السلام) ومن ورائه رعيل من أصحابه والمنادي ينادي: هذا خليفة الله فاتَّبعوه(١٠٧).
تقول الرواية: أوَّل شيء يبدأ به يمدُّ يديه يستخرج طفلاً للحسين (عليه السلام) رضيعاً مذبوحاً من الوريد إلى الوريد.

* * *
المحاضرة الثالثة: أهمّيَّة ليلة الخامس عشر من شعبان
بسم الله الرحمن الرحيم

قال سبحانه وتعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ (القَصص: ٥ و٦).
تزدحم في هذه الليلة الكريمة (ليلة ١٥ شعبان المعظم) ثلاث مناسبات:
المناسبة الأولى: ميلاد إمام العصر (عجَّل الله فرجه):
هلَّت طلعة إمام العصر، ومنقذ الأُمَّة، وأمل المسلمين، وبقيَّة الله في الأرض على هذا الوجود في ليلة النصف من شعبان سنة (٢٥٥هـ).
تقول حكيمة بنت الإمام الجواد (عليه السلام) وكانت تلك الليلة في دار الإمام العسكري (عليه السلام) وأرادت الخروج، فقال: يا عمَّة، باتي عندنا هذه الليلة فقلت: ما الخبر؟ قال: إنَّ ولادة منقذ الأُمَّة هذه الليلة قلت: ممَّن يا ابن أخي من نرجس؟ ولا أرى عليها أثراً للحمل قال: يا عمَّة، إنَّ فيها شبهاً من أُمِّ موسى سوف لا يتبيَّن حملها إلَّا في لحظات الولادة، ارجعي إلى داخل الدار. جئت وقلَّبتها ظهراً لبطن فلم أرَ للحمل أثراً عليها إلى أنْ قرب الفجر فأحسَّت بالطلق.
كنت إلى جانبها ومعي مجموعة من النساء فدنوت منها وتولَّيت منها ما تلي النساء من النساء فلم تلبث أنْ وضعت صاحب الأمر (عجَّل الله فرجه) فاستقبل الأرض بكلتا يديه رافعاً رأسه يقرأ هذه الآية الكريمة:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القَصص: ٥)(١٠٨).
اهتمام المسلمين بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
الواقع أنَّ مسألة ولادة صاحب العصر وحجَّة الدهر تستأثر باهتمام المسلمين من عدَّة نواحٍ:
الأُولى: تكاد تتعدَّى كمّيَّة الروايات في موضوع صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) حدود الاستفاضة، يعني أنَّ المسألة عند المسلمين من الأُمور الضروريَّة بل وصل أمر إنكارها إلى حدِّ الكفر. يعني توجد فتاوى عند المذاهب الإسلاميَّة صريحة بكفر من يُنكِر صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)(١٠٩)، ولعلَّ من كتب في ذلك أشبع هذا الموضوع كتابةً(١١٠).
إنَّ أصل فكرة ولادة صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) ووجوده وأنَّه الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، أمر مفروغ عنه بالنصوص الواردة عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يكون من بعدي اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش»، أو: «يكون من بعدي اثنا عشر خليفة كلُّهم من ولدي» على اختلاف الروايات(١١١).
«آخرهم يواطئ اسمه اسمي يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(١١٢).
ويُعطي النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صفاته: على خدِّه الأيمن خال(١١٣) قطط الشعر(١١٤) أزهر الوجه(١١٥)، إذا خرج تُخرِج الأرض كنوزها(١١٦) يحثو المال حثواً ولا يعدُّه عدًّا(١١٧) يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً...، إلى آخر ما ورد في نعته من الروايات.
تكاثرت الروايات عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) وعن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) وتشير كلُّها إلى أنَّه الحادي عشر من ولد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وتنصُّ عليه بالاسم وهذه الإضافة «يواطيء اسم أبيه اسم أبي» ليست موجودة، لأنَّ في الرواية: «يواطيء اسمه اسمي» فقط أمَّا هذه الإضافة فقد وُضِعَت بعد ذلك(١١٨).
المصادر تناولت موضوع الإمام (عجَّل الله فرجه) أشبعته بالبحث وألمَّت بكلِّ أطرافه والإشكالات الواردة تكون حول طول العمر وبقائه حيًّا أو كونه ينتمي إلى أهل البيت (عليهم السلام) أو تسلسله بالنسبة إلى الأئمَّة قد أشبعتها مئات الروايات وردَّت عليها ولعلَّ أقرب المصادر هو:
كتاب (البيان) للكنجي الشافعي.
(المهدي الموعود) للشيخ نجم الدِّين العسكري.
(الغيبة) للشيخ الطوسي.
الجزء الخاصُّ بالمهدي (عجَّل الله فرجه) من (بحار الأنوار) للشيخ المجلسي(١١٩).
هل هو موجود بالفعل أو غير موجود؟
الفرق بين المذاهب الإسلاميَّة ومذهب الإماميَّة في موضوع صاحب الأمر هو: هل هو موجود فعلاً أو يُخلَق بعد ذلك؟ أمَّا ظهوره وإذا خرج يفتح القسطنطنيَّة ويستولي على كنوز الروم ويُنفِقها في سبيل الله، فقد نصَّ على ذلك حتَّى أكثر المؤرِّخين بُعداً عن هذا اللون من الفكر ومنهم ابن خلدون في المقدَّمة(١٢٠) وجملة ممَّن كتب من علماء المذاهب الإسلاميَّة ولكن قالوا: إنَّه يُولَد بعد ذلك وسرُّ استبعادهم هو:
أوَّلاً: ما الفائدة فيه وهو مخفي الوجود؟
ثانياً: أنَّ بقاءه لهذه الفترة يخرق الوضع العادي، لأنَّ معدِّل العمر عادةً لا يستمرُّ إلَّا سبعين أو ثمانين عاماً.
ثالثاً: ما هي دوافع اختفائه؟
الجواب عن فائدة وجوده فإنَّ ظاهر الأحاديث يحملنا على الجزم بأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لا يُخلي الأرض من حجَّة(١٢١) فهل يمكن أنْ تخلو الأرض من نبيٍّ يوماً من الأيَّام؟
ما ترك الله (عزَّ وجلَّ) عصراً من العصور لم يبعث فيه نبيًّا لأنَّه إذا ترك ذلك العصر بدون نبيٍّ فكأنَّه ترك الناس بدون حجَّة يحتجُّون بها عند الله فعندما يسألني الباري غداً عن تكاليفي أقول: عن أيِّ طريق كلَّفتني؟ يقول: كلَّفتك عن طريق النبيِّ والكتاب، فلا بدَّ من وجود حجَّة فإذا لم يُرسِل لي رسولاً فلا يصحُّ أنْ يُعذِّبني.
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الإسراء: ١٥).
والغاية من نصب الإمام هي الغاية من بعثة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نفسها لأنَّه عندما يتوفَّى الله أنبياءه لا يمكن أنْ يترك الأرض خالية من حجَّة، قد يقول قائل: إنَّ الكتاب كافٍ فنقول: لو كان الكتاب وحده كافياً لكان الكتاب الذي عند عيسى كافياً فلا يبعث الله نبيًّا بعده، ولكان الكتاب الذي عند موسى كافياً فلا يبعث الله أنبياء بعده وينبغي أنْ لا ينصب أئمَّة مع وجود القرآن مع أنَّ الأُمَّة مجمعة على وجوب نصب الإمام ولكن هل هذا الوجوب عقلي أو شرعي؟ فيه اختلاف(١٢٢).
إذن العلَّة في نصب الإمام هي العلَّة من إرسال النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نفسها والوصول إليه ليس متعذِّراً فالروايات تنصُّ أنَّ بعض الناس يصل إليه قد يشعر أو لا يشعر أي إنَّ اختفاءه واحتجابه ليس عن الوجود بل عن النظر، أي إنَّه لا يُعرَف.
فالمسألة هي كونه مختفياً عن العيون لا الوجود إنَّه (عجَّل الله فرجه) يطرح رأيه حتَّى يذهب بعض علماء الأُصول إلى أنَّ إجماع العلماء إنَّما يكون حجَّة لأنَّ رأي الإمام (عجَّل الله فرجه) يكون ضمن آرائهم من حيث لا يشعرون به يعني يُسدِّدهم بطرح رأي من آرائه(١٢٣).
إذن لا بدَّ من إمام مسدَّد ومعصوم حتَّى لا يصحَّ عليه أنْ ينقل الحكم وفيه مجال للأخذ والردِّ يعني لا بدَّ من العصمة حتَّى لا يتطرَّق الخلل إلى مضمون الأحكام.
العصمة هي لطف يفعله الله بالمكلَّف لا يكون معها داعٍ إلى ترك الطاعة وفعل المعصية مع القدرة عليهما، أي يستطيع أنْ يفعل المعصية ويترك الطاعة لكن لا يفعل ذلك لامتلاكه نوعاً من التربية العالية لا أكثر.
عندنا أُناس سيرتهم سيرة المعصوم، وهكذا أخلاقهم تهذيبهم استقامتهم ورعهم وتقواهم. هذه هي العصمة ولا تفرض فرضاً وإلَّا فلا فضيلة فيها إنَّما هي نوع من التهذيب العالي(١٢٤).
يُربِّي الله عباده كما يُربِّي أحدنا ابنه، فمهمَّة الإمام المعصوم (عليه السلام) هي التسديد في الأحكام والغاية من وجوده هي الغاية من بعثة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نفسها لا يُخلي الله الأرض من حجَّة يحتجُّ بها الناس غداً على الله.
ثمّ إنَّ المسلمين يعتقدون بوجود بعض الأشخاص أحياء يعتقدون أنَّ عيسى (عليه السلام) حيٌّ رُفِعَ إلى السماء: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٧).
ويعتقدون بحياة الخضر(١٢٥)، وإذا رجعنا إلى أخبار المعمَّرين نلاحظ أنَّ منهم من عمَّر (٣٠٠) سنة و(٤٠٠) سنة(١٢٦) والقرآن يحكي عن نوح (عليه السلام) أنَّه عمَّر قدر زمن الدعوة ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾ (العنكبوت: ١٤)، ومتى ما عبرنا عمر الإنسان العادي إلى العمر غير العادي فلا فرق أنْ يكون ألف سنة أو ألفي سنة.
إذن القائل: إنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) موجود لا يقول: إنَّه موجود بشكل طبيعي عادي بل بشكل إعجازي ولا أعتقد بوجود نقاش بأنَّ الله قد يمدُّ في عمر الإنسان معجزةً فهذا ليس ممتنعاً لأنَّ الموت ما هو إلَّا قطع حبل الحياة، نعم لا يُعمّر الإنسان عادةً. الروايات تأخذ بأعناقنا يعني هذه الخواطر التي تمرُّ على أفكار غيرنا تمرُّ علينا أيضاً لكن الدليل هو الذي يأخذ بأعناقنا فعندما أسمع من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لو لم يبقَ على وجه الأرض إلَّا يوم واحد من الدنيا لطوَّله الله حتَّى يخرج مهديُّنا أهل البيت»(١٢٧).
بطبيعة الحال أنَّ هذا يأخذ بعنقي، أنَّ الله لا يُخلي الأرض من حجَّة.
هذه الروايات والأدلَّة توجب عليَّ واضطرُّ معها لأنْ أُؤمن بأنَّ بقاءه يكون على نحو المعجزة.
على أيِّ حالٍ وُلِدَ (عجَّل الله فرجه) سنة (٢٥٥هـ)، وتُوفِّي والده العسكري (عليه السلام) وله من العمر خمس سنوات وكان خلال تلك الفترة يلتقي ببعض أصحابه ويطرح إليهم الرأي، ويقبلون منه الكلام ويأخذون منه الأحكام على تكتُّم.
ثمّ غاب الغيبة الصغرى ولم يبقَ أمام أنظار الناس لماذا؟
كنت عندما أمرُّ بنظريَّة أنَّه اختفى ابتعاداً عن القتل أراها على نحو من الضعف لكن عشنا ظروفاً رأينا فيها ليس وجود الإمام يُرعِب الأعداء فحسب وإنَّما وجود قبره كقبر الحسين (عليه السلام) يُرعِب الأعداء فيضطرُّون لقصفه(١٢٨).
ما هي العلَّة في كونه مختفياً عن الأنظار؟
ظاهر الروايات أنَّه ابتعد عن الأعين أمَّا الدوافع فقد تكون ما علَّلوه أو غير ما علَّلوه. المهمُّ أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) غاب الغيبة الصغرى وترك فيها وكلاء ونوَّاب أربعة، هم: عثمان بن سعيد العمري، وابنه، ومن بعده الحسين بن روح، والرابع عليُّ بن محمّد السمري.
وكانت التواقيع تخرج على أيدي هؤلاء، فمثلاً: تأتي امرأة وتقول: تُوفِّي زوجي هل يسعني أنْ أخرج مع الناس وأُشيِّعه فيمن يُشيِّعوه؟
فيخرج التوقيع: لا مانع من ذلك.
المال الفلاني أُريد أنْ أُوزِّعه، هل لي أنْ أُوزِّعه أو لا؟ يخرج التوقيع على أيديهم.
ثمّ في زمن الأخير من النوَّاب الأربعة خرج التوقيع من الناحية المقدَّسة أنَّه قد وقعت الغيبة الكبرى(١٢٩).
متى ظهوره ومتى يكون الفرج على يديه؟
ذلك في علم الله لا نعلم به، وجملة كبيرة من الروايات تنصُّ على أنَّه (عجَّل الله فرجه) يتحيَّن ساعة الفرج متى يأمره الله (عزَّ وجلَّ) بالظهور(١٣٠)، هذه الفكرة أردت أنْ أذكرها هذه الليلة لأنَّ فيها ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) الليلة المباركة التي تشرَّفت أبعادها بطلوع جبين الإمام (عجَّل الله فرجه).
المناسبة الثانية: تقدير الأرزاق:
هذه الليلة يُعبِّر عنها القرآن بـ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (الدخان: ٤)، فالآجال تُحدَّد في هذه الليلة، وإنْ كانت الرواية تقول: إنَّها تُحدَّد في ليلة القدر(١٣١) لكن توجد رواية تجمع الرأيين وتقول بأنَّ الإنسان من ليلة النصف من شعبان إلى ليلة النصف من شعبان القادمة يُكتَب أجله بأنْ يعيش أو لا ويُكتَب أجله، حتَّى تقول: إنَّ أحدكم ليتجهَّز ويشتري ويبيع ولا يدري إنَّه في الأموات(١٣٢).
ثمّ فيها تُقدَّر الأرزاق في هذه السنة ما هي كمّيَّة رزق الإنسان وتحصيله هذه السنة؟ فتُحدَّد نسبة الرزق كما يُحدَّد أمر الحجِّ بأنَّ هذا الإنسان مكتوب له أنْ يحجَّ أو لا؟ مجمل ما يجري على الإنسان يُحدَّد هذه الليلة ويُكتَب تحته: لله البداء.
مفهوم البداء في الإسلام:
ما معنى: لله البداء؟
الواقع أنَّهم لم يفهموا هذه المسألة ويُهرِّجون بها علينا ويقولون: إنَّ هؤلاء يكفرون لأنَّهم يقولون: إنَّ علم الله مستحدث أي إنَّه لا يعلم ثمّ يعلم.
كلَّا فنحن لا نقول بهذا معاذ الله، فهذه كُتُبنا لكن مع الأسف لم يفهموها أو لم يريدوا أنْ يفهموها، ولا تجد كتاباً من كُتُب علم الكلام عندنا إلَّا ويتعرَّض إلى البداء.
من أين أتى البداء؟ أتى من هذه الآية: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: ٣٩).
كمن يُكتَب له في الظاهر أنَّه يعيش هذه السنة لكن الله يُظهِر ما أخفى في لوح القضاء على العباد لمصلحة كنسخ القبلة التي كانت إلى بيت المقدس مثل هذا النوع من البداء لا يعني أنَّ الله لا يعلم فذلك نسخ في الأزمان وهذا نسخ في التكوينيَّات.
يُقدِّر الله (عزَّ وجلَّ) للإنسان عمر عشرين سنة ثمّ يظهر أنَّ المقدر له أكثر من هذا بشرط أنْ يصل رحمه هذا معنى: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾.
وموضوع البداء موضوع دقيق لا نتوسَّع فيه أكثر من هذا وبوسع الإنسان أنْ يقرأ ما كُتِبَ في موضوع البداء عند الإماميَّة، نحن أبعد غوراً وفكراً من أنْ ننزلق إلى هذا اللون من التفكير وأمَّا ما يُنسَب إلينا فنحن منه براء(١٣٣).
إذا عرفنا هذا هذه الليلة، فلماذا يستحسن فيها الإكثار من الدعاء والصلاة؟ والإنسان يريد طبعاً من الله العافية ودفع البلاء لأنَّه لا يدري ما في الدنيا والدعاء يقول:
«اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من شرِّ ما تعلمه ولا أعلمه وأسألك من خير ما تعلمه ولا أعلمه»(١٣٤).
كثير من الأُمور نحن لا نعلمها فننقطع بها إلى الله (عزَّ وجلَّ)، والله قد أمرنا بالدعاء: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: ٦٠).
لأنَّه ورد في الرواية أنَّ في هذه الليلة يصدر النداء:
هل من مستغفر فأغفر له؟
هل من طالب حاجة فأقضي له حاجته؟
هل من مستشفع فأشفع له(١٣٥)؟
طبعاً إنَّه سبحانه يشفع لذاته بذاته فالله تبارك وتعالى يريد لعباده أنْ ينقطعوا إليه في هذه الليلة حتَّى يُحقِّقوا معنى العبوديَّة ويتفضَّل عليهم من منطلق الربوبيَّة، لأنَّه مالك الأشياء وواهبها وخالقها.
للدعاء قيمته في هذه الليلة، والإنسان يتذرَّع إلى الله (عزَّ وجلَّ) ادفعوا أمواج البلاء بالدعاء هذه الليلة. ينقطع الإنسان إلى الله تبارك وتعالى ويتوجَّه إليه بشيء من الإخلاص وبركعات من الصلاة لأنَّها ليلة كريمة كما نصَّ أكثر من مفسِّر عند قوله تبارك وتعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (الدخان: ٤)، أي إنَّ هذه الليلة تُفرَّق على أيَّام السنة والأشياء المهمَّة يبتُّ فيها ويُكتَب تحتها: «ولله البداء»، أي إنَّ هذا الشيء ترونه ظاهراً، انقطعوا إلى الله بالدعاء إليه ليظهر لكم بعد ذلك ما يخفيه لكم في علمه.
المناسبة الثالثة: زيارة الحسين (عليه السلام):
زيارة أبي الشهداء (عليه السلام) هذه الليلة إنَّها من الليالي الكريمة التي تهبط فيها كلل من الملائكة لتحيي شهداء الطفِّ يُنزِل الله (عزَّ وجلَّ) رحماته على المؤمنين وعلى الشهداء وينزلها أحياناً على أيدي ملائكته بأفواج تتوجَّه لزيارة الحسين (عليه السلام)(١٣٦).
إنَّ زيارة الحسين (عليه السلام) موضوع حرص عليه تاريخ الإماميَّة بالخصوص حرصاً شديداً فعندما تأتي إلى الروايات تجدها عجيبة بدرجة كبيرة فالإمام الباقر (عليه السلام) يقول لأحد أصحابه: «مُروا شيعتنا بزيارة قبورنا بالغاضريَّة»(١٣٧).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «لو أنَّ أحدكم حجَّ دهره كلَّه ولم يزر الحسين لكان تاركاً حقًّا من حقوق رسول الله»(١٣٨).
لأنَّ المرء يُحفَظ في ولده وهذا ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا المكان الذي يُزار به الحسين (عليه السلام) جسَّد فيه أهداف جدِّه يعني كان الامتداد الطبيعي لجدِّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ما جاء الحسين (عليه السلام) في نهضته إلَّا ليُجدِّد ما أخلقه الأُمويُّون فأوَّل ما أصَّله الإسلام هو حرّيَّة الإنسان وكرامته وجاء الأُمويُّون ليستعبدوا الإنسان، جاؤوا في واقعة الحَرَّة ليُجبِروا الناس على البيعة.
جاء الإسلام لحفظ الأعراض والدماء والكرامات ورفع مستوى الإنسان وتكريم الآدمي وكلُّ هذه القِيَم تعرَّضت للهدر على أيدي ثُلَّة من بني أُميَّة الذين عبَّر عنهم رسول الله بأنَّهم ينزون على منبري نزو القردة(١٣٩).
جاء الحسين (عليه السلام) ليطرد هذه الوافدات على تاريخ الرسالة الناصع ويُحقِّق أهداف النهضة فعندما نريد أنْ نزور الحسين (عليه السلام) نذهب في واقع الأمر لنُؤدِّي حقًّا لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نزور من امتدَّ برسالته وحملها، وهذا معنى قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «حسين منِّي وأنا من حسين»(١٤٠).
يعني إنَّه من سنخي أنا حامل رسالة وهو امتداد لرسالتي، إذن زيارته تُحقِّق صلة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ القرآن يرفع عقيرته ليقول: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (الشورى: ٢٣).
ما هي ظواهر مودَّة ذوي القربى؟
هي أنْ نفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم، وعندما أذهب إلى قبر الحسين (عليه السلام) وأقف عنده وأزوره فإنِّي أُؤدِّي له نوعاً من الآداب التي تقتضيها المودَّة ومظهراً من مظاهرها وأُجدِّد عهدي به وأستلهم منه. ثمّ إنَّ في زيارة الحسين (عليه السلام) أمراً بالمعروف وإنكاراً للمنكر فكأنَّه صوت من الأصوات التي ترتفع لتُشعِر الناس بظلامة هذه الدماء التي أُريقت بدون حقٍّ، وإلَّا ما معنى ما في الزيارة: «أشهد لقد اقشعرَّت لدمائكم أظلَّة العرش مع أظلَّة الخلائق»(١٤١)؟
أنا بالواقع عندما أزور الحسين (عليه السلام) آمر بالمعروف وأنهى عن منكر ولهذا يجعل الإمام الصادق (عليه السلام) زيارة جدِّه الحسين (عليه السلام) أهمّ من زيارته.
يقول أحد أصحابه: دخلت عليه قلت له: سيِّدي إنِّي تجشَّمت الطريق ووعثاء السفر قال: «لا تشكو ربَّك هلَّا زرت من هو أعظم عليك حقًّا منِّي؟».
صعبت عليَّ الكلمة فمن هو أعظم عليَّ حقًّا من زيارة الإمام الصادق (عليه السلام)؟
التفت إليَّ وقال: «هلَّا زرت جدِّي الحسين هو أعظم حقًّا عليَّ»(١٤٢).
لماذا هو أعظم حقًّا؟
هذا هو سرُّ حمله للرسالة كأنَّ الحسين (عليه السلام) قام بأشياء ما أُتيح للأئمَّة (عليهم السلام) أنْ يقوموا بها لذلك يقول له بأنَّ زيارة الحسين (عليه السلام) أهمّ من زيارتي.
يدخل أيضاً أحدهم على الإمام الصادق (عليه السلام) فيسأله: «أتزورون الحسين في كلِّ يوم؟»، فيقول: لا، سيِّدي لا نستطيع. «في كلِّ شهر؟»، لا، «في كلِّ سنة؟»، نعم هذه قد تكون، «ما أجفاكم بالحسين لا تُطوِّل العهد بينك وبين الحسين»(١٤٣).
ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): «من أحبَّ أنْ يكون على موائد النور يوم القيامة فليزر الحسين»(١٤٤).
الذين يتصوَّرون أنَّنا نذهب إلى كربلاء لنقف على عظام أو تراب هم على خطأ، إنِّي أقف على موقف وليس على تراب أقف على صرخة دوت وما تزال مدوية ما احتواها التراب وما تزال مرفرفة على هذا المكان، أنا أقف على مجموعة من المُثُل جسَّدها أبو الشهداء على صعيد الطفِّ ففي واقع الأمر إنِّي لم أزر عظاماً بالية.
إذن إنِّي لم أقف لأزور عظاماً بالية أو قطعة تراب لأنَّه لولا هذا ما نشط الظالمون على منع زيارته لو كان الحسين (عليه السلام) عظاماً بالية ما خافته عروش الأُمويُّون ولا المتوكِّل ولا عروش أذيالهم إلى يومك هذا لو كان الحسين (عليه السلام) ذلك النمط من العظام البالية لما أرعب هؤلاء لكنَّهم ظنُّوا أنَّهم بالقضاء على قبر الحسين (عليه السلام) يقضون عليه كلَّا فالحسين (عليه السلام) أكبر والحسين (عليه السلام) مضمون، والمضمون لا يموت، ولا يقوى الهدم على القضاء عليه.
إنِّي إذن أقف على صرخة اسمعها مدوية: «والله لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفرُّ فرار العبيد»(١٤٥).
هذا جانب وإلى جانبه يأتي الجانب العاطفي، إنِّي أقف لأُمجِّد تلك الدماء التي سُفِكَت على ثرى كربلاء أقف لأُكرم ذلك الثغر الذي كان مشغولاً بذكر الله وذلك الجبين الذي وقع عليه حجر أبي الحتوف الجعفي(١٤٦)، لذلك عندما أحتضن قبره أحتضن تلك السمات الكريمة والمواقف الجليلة.
من هنا وقف الزوَّار على قبره ينتجعون ذلك منه وأوَّل من وقف عليه ينتجع ذلك هو عبيد الله بن الحُرِّ(١٤٧).
ثمّ سليمان بن قبة(١٤٨).
ثمّ جابر بن عبد الله الأنصاري، لـمَّا وصل إلى القبر قال الذي معه: وضعت يده على القبر لما أحسَّ ببرد تراب القبر صاح: يا حسين، يا حسين، ثمّ قال: حبيب لا يجيب حبيبه وأنَّى لك بالجواب وقد شخبت أوداجك على أثباجك وفُرِّق بين رأسك وبدنك(١٤٩)؟

* * *
المحاضرة الرابعة: انتصار الإسلام على الأديان
بسم الله الرحمن الرحيم

قال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣).
تضمَّنت الآية الكريمة أبحاثاً أعرض لها إنْ شاء الله بعد مقدَّمة.
مقدّمة:
القرآن الكريم لـمَّا نزل بالجزيرة العربيَّة أخذ بعين الاعتبار المواضعات العرفيَّة السائدة بالجزيرة فأنت عندما تحمل رسالة إلى جماعة يجب بطبيعة الحال أنْ تأخذ بنظر الاعتبار تقاليد تلك الجماعة وأخلاقها ومواضعاتها لأنَّ كلَّ جماعة لها قِيَم.
فمثلاً عندنا بعض الأُمور نعتبرها قيمة اجتماعيَّة وغيرنا قد يعتبرها سبَّة مثلاً عندما يأتيني ضيف قد يكفيه إناء واحد فيه طعام وفاكهة ولكن هذا عندنا عيب وعار فالمفروض أنْ يُكرَّم الضيف في حضارتنا فإذا لم يُكرَّم فإنَّ القضيَّة تُعتَبر سبَّة علينا، بينما في مكان آخر قد يستعيبون ذلك ويعتبرونه لوناً من ألوان السفه، فالمواضعات العرفيَّة تختلف من بلد إلى بلد.
وهكذا إذا وعد الرجل ثمّ انسحب عن وعده فإنَّا نعتبره رجلاً غير جدير بالاحترام، ولكن قد تعتبره بعض الشعوب (شطارة).
وعليه إذا حمل شخص رسالة إلى أُمَّة يجب أنْ يكون عنده إلمام بخلفيَّتها الحضاريَّة ولذلك تجد كلَّ نبيٍّ لا يُبعَث أجنبيًّا وغريباً قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ (الجمعة: ٢)، حتَّى يعرف الفضلة والمستعاب والجيِّد عندهم حتَّى يكون على إلمام بخلفيَّاتهم.
الرسول عند العرب كثير الاحترام حتَّى لو أساء إليهم، فإذا اعتدى شخص عليه اعتُبِرَ ذلك الاعتداء سبَّةً وعاراً فمن يحمل رسالة فإنَّه يُمثِّل المرسِل وأعتقد من هنا نشأت فكرة الحصانة الدبلوماسيَّة فالسفير يُمثِّل شعباً آخر ويعتبر رسولاً يُمثِّل دولته والجهة التي جاء يُمثِّلها فيمتلك حصانة ويحظى بالاحترام، فلا يمكن أنْ يتعرَّض إلى أيِّ اعتداء حتَّى لو كان عدوًّا.
القرآن الكريم وضع يده على هذه النقطة الحسَّاسة وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾، أي يقول لهم: أنتم تحترمون الرسول كثيراً فلا يُعتدى عليه عندكم ويحظى بالتكريم، فيجب أنْ يُؤخَذ هذا المعنى بعين الاعتبار مع الذي أرسلناه إليكم أي يجب أنْ تُعزِّروه وتُوقِّروه، كأنَّ الآية فيها إيماء إلى قيمة من القِيَم الاجتماعيَّة عندهم تحثُّهم على احترام الرسول، وهؤلاء بعُدَتْ فيهم الشقَّة عن رسالات السماء، حيث كانت الفترة بينهم وبين النبيِّ الذي سبق رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مدَّة طويلة (خمسمائة سنة أو أكثر)، فلا يوجد عندهم ذاك العرف الذي يجعلهم يحترمون رسالة رسول من السماء فضرب القرآن الكريم على هذا الوتر حتَّى يُشعِرهم أنَّ هذه العادة والقيمة الاجتماعيَّة وهي احترام الرسول موجودة بينكم.
بعد هذه المقدَّمة لنرجع إلى الآية حيث تقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى...﴾.
الوجه النظري والتطبيقي للرسالة:
جاء النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى هذا المجتمع وحمل رسالة ذات وجهين:
الوجه النظري: وهو القرآن.
والوجه التطبيقي: وهو الممارسات العمليَّة.
فقد كان نمط حكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يجمع بين رسالة السماء وبين الشريعة والنظام، وبتعبير آخر يجمع زمام الدِّين والدنيا فالدستور الذي جاء به هو القرآن وتطبيقاته في الوقت نفسه أي وسيلة تنفيذ حكم السماء ونمط معاملته مع الناس وطريقة اتِّصاله ونظامه الذي يمتدُّ في الحياة ليشمل البيع والشراء وعقود الزواج والاتِّصالات والعقود الاجتماعيَّة فهذه كلُّها تطبيقات للشريعة.
وبأيِّ طريقة تكون هذه التطبيقات؟ فالضرائب - مثلاً - بأيِّ طريقة تأخذها الدولة من المجتمع؟
أراد القرآن أنْ يُوضِّح هذه النقطة فقال لهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ يعني جاء النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يحمل رسالة ليس فيها خداع أو جبر أو تعدٍّ، بل جاء بالهدى ورسالته هي الهدى. وبتعبير آخر: إنَّه يعتمد على خلق الرادع الداخلي وليس الخارجي.
توضيح الفكرة:
القانون لا يستطيع أنْ يقبض عليَّ إلَّا إذا رآني متلبِّساً بالجريمة ومخالفة بند من بنود القانون، لكن الدِّين يخلق عندي رادعاً نفسيًّا أي إنَّ الردع ليس من الخارج بل من الداخل يعني القانون يعتقل السارق إذا كان متلبِّساً بالجريمة والدِّين لا يجعله يسرق هذا هو الفرق فالمتديِّن لا يمدُّ يده ليسرق فإذا لم يكن له دين وسرق فسوف يأتيه القانون.
إنَّ الفرق بين الرادع النفسي والرادع الخارجي كبير فالرادع النفسي هو الذي يلعب دوره ولهذا فإنَّ استغناء شعب من الشعوب عن الدِّين وتأسيس وضعه على نظام قانوني لا يمكن أنْ يُحقِّق العدل بالشكل المطلوب أبداً لأنَّ الإنسان حيوان ذو غرائز يعيش حيوانيَّته قبل كلِّ شيء ويحمل في داخله وحشاً إذا لم يُهذِّبه الدِّين ويخلص من أنيابه ومخالبه فإنَّه يبقى يعمل في داخل نفسه وإلَّا فإنَّ المسألة ليست سهلة أبداً فدور الدِّين دور حسَّاس جدًّا يعتمد على خلق الرادع الداخلي وبه يكون له أثره الكبير.
في هذا الجانب تقول الآية الكريمة: إنَّ هذا الذي حمل لكم الرسالة حملها بالهدى ولم يستعمل الأساليب التي يستعملها حملة الرسالات الوضعيَّة الذين يأتون ليحكموا الشعوب بالقانون أو الذي يدعو إلى دعواه عن طريق تطبيق قانونه فإنَّه يستعمل وسائل ملتوية لا يستعملها الدِّين.
قد يقول قائل: هل الدِّين طبَّقه الذين مثَّلوا حكم الإسلام بالشكل الصحيح؟ المصيبة أنَّك لا تستطيع أنْ تتهرَّب، بل يجب أنْ تتكلَّم بالواقع وتقول:
ذلك صحيح، إذ إنَّ الذين تناولوا بنود رسالة السماء ما حملوا معها الهدى إنَّنا لسنا أُناساً ذوي رغبة أو طفولة عقليَّة تجعلنا نتمسَّك بعليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) ونبتعد عن معاوية ليس هذا اعتباطاً ولا صدفةً بل نرى أنَّ هذا الرجل قرآن مجسَّد ونرى الجانب الثاني شكلاً آخر وإلَّا ما هو الفرق بينهما؟ فهذا ابن عمِّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وذاك أيضاً من أُسرته وهذا عاش في مكَّة وذاك أيضاً لكن يوجد فرق كبير بين هذا الأوَّل وبين الجانب الثاني.
نضرب مثالاً لنرى الأُسلوب الذي وصل به هذا الرجل إلى الحكم حتَّى نعرف أين الهدى وأين عدمها؟
لقد جاء إلى الحكم عن طريق قميص عثمان وبعنوان الإنسان الذي يطالب بدم الخليفة، وكأنَّ عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام) الذي بعث أولاده ليدافعوا عنه هو المسؤول وفعلاً حشَّدوا الشعراء والأقلام كلَّها ودفعوها لتُكرِّس مسؤوليَّة بني هاشم عن الواقعة والحال أنَّهم يعرفون أنَّ هذا كذب تماماً لأنَّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كان عنده حرص كبير على أنْ لا يُقتَل هذا الرجل لأنَّه يعلم أنَّ قتله سوف يخلق مشكلة للمسلمين.
لقد هيَّؤوا مجموعة من الشعراء - وكان الشاعر آنذاك كالصحيفة السياسيَّة -، فتسمع من طرف يصيح أحدهم:

بني هاشم ردُّوا سلاح ابن أُختكم * * * ولا تنهبوه لا تحلُّ مناهبه
بني هاشم كيف الهوادة بيننا * * * وعند عليٍّ درعه ونجائبه
بني هاشم كيف التودُّد منكم * * * وبز ابن أروى فيكم وحرائبه
قتلتم أخي كيما تكونوا مكانه * * * كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه(١٥٠)

وآخر يصيح:

لتسمعنَّ وشيكاً في ديارهم * * * الله أكبر يا ثارات عثمانا(١٥١)

وهكذا شاعر ثالث ورابع وقلم خامس ومؤرِّخ سادس لقد جاء عن هذا الطريق وهو يعرف أنَّ هذا الطريق مفتعل غير صحيح.
وبعد ما تسنَّم غارب الكرسي بدأ بتصفية المعارضين وكلَّ من يخالفه في الرأي كعبد الرحمن بن خالد بن الوليد الذي كان ذا شعبيَّة في الشام أرسل إلى طبيبه (ابن أثال المسيحي) وقال: دبِّر قضيَّته، فصنع له شربة ووضع فيها السمَّ فتناولها ومسألة السمِّ ليست جديدة بل قديمة وتاريخيَّة ومتوارثة وفي مقابل هذا أعطى الطبيب ولاية حمص وأعفاه من الخراج طيلة ولايته(١٥٢).
وجاء إلى أُناس قتلهم ليس بالسمِّ بصراحة فمثلاً وضع السمَّ إلى مالك الأشتر(١٥٣) في طريقه (إلى مصر)(١٥٤).
وجاء إلى جماعة وصفَّاها تصفية جسديَّة صريحة مثل حجر بن عدي وابنه وجماعته الأحد عشر هيَّج عليهم جماعة بأنَّ هؤلاء شقُّوا عصا المسلمين وأخرجوهم مكبَّلين قبيل الغروب إلى مرج عذراء وقتلوهم هناك بعد أنْ عرضت عليهم البراءة من أمير المؤمنين (عليه السلام)(١٥٥).
في تلك السنة جاء معاوية حاجًّا ولا يستطيع طبعاً أنْ يجتاز ما لم يمر على أُمِّ المؤمنين عائشة مرَّ عليها، فقالت له: سمعت من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «سيُقتَل بمرج عذراء قوم يغضب الله لقتلهم» أين عزب عنك حلمك عن حجر هذا من رهبان الليل؟ تباكى معاوية وقال: ماذا أفعل؟ لم أجد عاقلاً ينصحني ولست بحليم بعد قتل حجر! إنَّه يهزأ في داخله طبعاً واعتذر وأظهر الندم(١٥٦).
وأكثر من هذا عمد إلى أساليب في الجدل فقد كان يرقى على منبر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المدينة ثمّ جلب المنبر إلى الشام وأحدث ذلك ضجَّة، وهدفه هو أنْ يقول الناس بأنَّه يملك تراث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وهذا أشبه شيء بقضيَّة عبد الله بن عمر حينما دخل عليه أحد يستفتيه عن دم البعوضة: هل يستحيل ويصبح من جسمها فيُعتَبر طاهراً أم لا يزال دم إنسان ونجساً؟ التفت إليه عبد الله بن عمر وقال: أنت من أين؟ قال: من الكوفة قال: أنتم ذبحتم الحسين (عليه السلام) ولم تستشكلوا وجئت تسألني عن دم البعوضة؟ تفضَّل اخرج(١٥٧).
فمعاوية من هذا النوع يأتي وينقل منبر النبيِّ من المدينة إلى الشام وهو قد حطَّم أضلاع النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وذبح أبناءه على المنبر ولـمَّا حدثت الضجَّة قال: ارجعوه وأعلن: أتينا به للترميم لأنَّ الأرضة قد أصابته(١٥٨)!
جاء إلى القبائل وتزوَّج من القبيلة اليمانيَّة بني كلب مرَّتين ليوجد التناحر بينها وبين قبيلة قيس(١٥٩) ويبقى العرب يضرب بعضهم بعضاً، وما ترك وسيلة ملتوية إلَّا واستعملها.
بينما نلاحظ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ، وَشُقَّ عِطْفَايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ»(١٦٠).
كلَّما يلاحقونه يقول لهم: «اعزبوا عنِّي اعصبوها برأس غيري»(١٦١)، إلى أنْ قال: «أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ اللهُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ وَلَا سَغَبِ مَظْلُومٍ، لَأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا»(١٦٢).
يوجد فرق كبير بين المنهجين، فهذا منهج الهدى الذي ليس فيه إلتواء بل فيه الوضوح فالآية الكريمة تقول لهم: إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أرسل رسوله بالهدى يعني بمنهج واضح لا يعتمد على القسر وبالفعل كان النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعرض الإسلام فإذا اعتنقوه كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، لكن إذا امتنعوا عن قبوله يقاتلهم لأنَّ الإسلام رسالة السماء والنبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يأتِ ليملي منهجاً من عنده بل السماء أرادت تطبيقه وهو يقول: أنا واحد منكم وليس عندي امتيازات فلا يمكن أنْ تتَّهموني بأنِّي سوف آخذ من وراء الحكم شيئاً أو أصل إلى لذَّة أو منصب تقول زوجته: مرَّ علينا أربعين يوماً وليس عندنا طعام إلَّا الأسودان: التمر والماء(١٦٣).
عاش رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك اللباس البسيط في تلك العُليَّة من الطين التي كان يسكنها إلى أنْ خرج من الدنيا فلا يمكن أنْ يتطرَّق الشكُّ إليه بأنَّه طلب الأمر لغاية أو حمل الرسالة لأهداف شخصيَّة بل بالعكس ما جاء إلَّا بالهدى لهداية الناس حتَّى انتقدوه وقالوا له: لماذا تعمل؟ قال تعالى: ﴿مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْ لَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ (الفرقان: ٧ و٨).
لماذا لا يعطيك الله كنزاً أو مَلَكاً يُصدِّقك؟ قال لهم: لا أسأل هذا، بل أتَّبع ما أُؤمر به فالآية تقول لهم: المنهج عندكم واضح، ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾.
قد يقول قائل: يوجد دين ليس بحقٍّ لأنَّ المركوز في أذهاننا هو أنَّ المقصود من الدِّين هو رسالات السماء، وليست هي الدِّين فقط، فالدِّين أشمل لأنَّه مأخوذ من الدينونة والعقيدة وكلُّ عقيدة بتعبير آخر هي عقيدة حقٍّ والأرض يوجد فيها عقائد غير حقَّة وحتَّى عقائد السماء دخلها غير الحقِّ فالتوراة والإنجيل تعرَّضا إلى عبث حيث توجد فيهما موادٌّ لا يمكن أنْ تُقبَل كيف أقبل أنَّ نبيَّ الله داود (عليه السلام) رأى زوجة أُوريا وعشقها وأرسل زوجها إلى المعركة حتَّى يُقتَل ويأخذ زوجته(١٦٤)؟ فهل هذا يتحدَّث عن نبيٍّ أو ابن شارع؟ وتجد من هذا النوع في هذه الكُتُب ممَّا يُؤيِّد أو يدعم الشكَّ أو الظنَّ بأنَّ هذه الكُتُب حصل فيها عبث لا حدود له. النصُّ القرآنيُ - من نِعَم الله (عزَّ وجلَّ) - لم يحصل فيه عبث فإنَّه محفوظ من قِبَل الله قد جعله ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فُصِّلت: ٤٢). نعم حدث العبث في التفسير.
دين الحقِّ يعني عقيدة الحقِّ التي تنشد الصواب والهدى وليس فيها زور ولا منافرة للواقع يعني أنَّ الواقع العلمي الذي تعيشونه لا يتنافر مع هذا المنهج الذي جاء به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولذلك لا يمكن أنْ تجد في العقيدة الإسلاميَّة شيئاً يصطدم بالعلم ولكن أيَّ علم؟
يتصوَّر بعض الناس أنَّ الدِّين يصطدم بالعلم لأنَّه يُسمِّي الأشياء التي هي عبارة عن نفايات الذهن علماً فيقول مثلاً: أصبح الإسلام اليوم لا يتلاءم مع الواقع فإنَّه يريد أنْ يضع المرأة في البيت وهي نصف المجتمع فإذا جلست المرأة في البيت فإنَّ ذلك يعني شلُّ الاقتصاد كلِّه، تقول له: إنَّ البحوث تفيد أنَّ الطفل إذا حصل لديه نقص في الحنان يتحوَّل إلى مشروع جريمة ويكون عرضة للانحراف، ففي سبيل أنْ تحصل المرأة على عشرة دراهم تترك ثلاثة أطفال في البيت لدى امرأة هنديَّة أو فليبينيَّة تُخرِّب أخلاقهم ولا يحصلون على الحنان والعطف والمودَّة وينشأ الطفل وهو لا يعرف لغته وعقيدته وأخلاقه وينشأ وهو كتلة فراغ من الحنان يعني يتحوَّل إلى مشروع جريمة فأين الحقُّ؟
إذا صنع الحدَّاد آلة فإنَّ المرأة تصنع الذهن والإنسان الولد مدين في صنعه إلى حجر الأُمِّ فإذا خرجت الأُمُّ إلى هذا المعترك المنحلِّ وبقي الطفل سائباً خالي الذهن وناقص الحنان والعطف والمودَّة، فأين هو الحقُّ؟ وأين التقدُّم؟
إنَّ شرعة الحقِّ وكتاب الله (عزَّ وجلَّ) لم يقسوا على المرأة ومع ذلك إذا اضطرَّت المرأة إلى العمل فإنَّ الإسلام يسمح لها بشرط المحافظة على فطرتها وعدم تعرُّضها إلى فساد لأنَّ العفَّة أثمن شيء إذا أردت إنساناً ذا إيمان بوطنه ومقدَّساته وشعبه فإنَّه لا يبنيه إلَّا الحضن النظيف، أمَّا الحضن الملوَّث فإنَّه لا يبني إنساناً ذا قِيَم.
إنَّ شرعة الحقِّ إذن تكون ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يعني ليجعل دينه ظاهراً على الأديان وعلى الشرائع.
ومتى يكون هذا؟
نعرف أنَّ الإسلام فيما مضى قد أخذ ربع الكرة الأرضيَّة مثلاً ولم يأخذها كلَّها بعد ذلك انحسر هذا الربع يعني أخذت بلاد المسلمين تنقص كمًّا وكيفاً بدلاً من أنْ تزداد، كما رجعت بعض البلدان وأصبحت مسيحيَّة مثل الأندلس وبعض المناطق التي خرجت من سلطان المسلمين وذهبت إلى سلطان غيرهم هذا كمًّا، وأمَّا كيفاً وهو الأخطر والذي عبَّر عنه النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حينما قالوا له: يا رسول الله، أمِنْ قلَّة؟ قال: «لا، أنتم لستم قليلون ولكنَّكم غثاء كغثاء الليل»(١٦٥)، عندما تمسك الفرد المسلم تجد ليس فيه محتوى صحيح فهو يقول: أشهد أنْ لا إله إلَّا الله وأشهد أنَّ محمّداً رسول الله ويعني القشر، وأمَّا المضمون فلا يوجد فيه لأنَّ عقيدته ومعلوماته فارغة ليس عنده مضامين ولا فكرة عن دينه، ونحن نعرف أنَّ الأجيال الإسلاميَّة كانت تستوعب شيئاً من مضامين الإسلام وأخلاقه وتطبيقاته لو بدأنا بأُسرتنا وجدنا ليس عليها الطابع الإسلامي، وهكذا تعاملنا واتِّصالاتنا هذه مظاهرنا وهذا واقعنا.
متى إذن يظهر دينه على الدِّين كلِّه؟
يميل كثير من المفسِّرين إلى أنَّه يكون عند نزول المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام)(١٦٦) الذي يقترن مع خروج الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لأنَّه إلى الآن نحن لم ننتصر وعيسى ينزل ليأتمَّ بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وعشرات الروايات والأحاديث الواردة عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تُبشِّر بالمهدي (عليه السلام)، منها قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم لطوَّله الله حتَّى يخرج المهدي من ولدي»(١٦٧)، فإذا أتى أحد الكُتَّاب الذين ليسوا على صلة بتأريخنا وعقائدنا ليقول: إنَّ فكرة المهدي فكرة يهوديَّة(١٦٨)! فإنَّه كلام رخيص لأنَّه هو رخيص. نقول له: هل تعرف تاريخك كمسلم؟
هل راجعت الروايات؟ هل ذهبت إلى صحاح المسلمين وتواريخهم؟ إنَّها كلَّها تجمع على أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) سيُعطي الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) القدرة على إقامة الحقِّ ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً.
وأكثر من هذا فإنَّ قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من الضروريَّات حتَّى أفتى المسلمون بكفر من لا يعتقد بذلك(١٦٩) والخلاف بين المسلمين هو أنَّه موجود بالفعل أو يوجد بعد ذلك؟
دليل الذين يقولون: إنَّه موجود بالفعل هو «أنَّ الله لا يُخلي الأرض من حجَّة»(١٧٠)، و«من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليَّة»(١٧١)، وكيف يحتجُّ الله (عزَّ وجلَّ) على عباده إذا لم تكن عنده حجَّة قائمة في الأرض؟
والاختفاء الذي نذهب إليه ليس الاختفاء عن النظر بل عن المعرفة أي قد يعيش بين ظهرانينا ولا نعرفه.
المهمُّ أنَّ فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عليها إجماع المسلمين، ولا يوجد حولها نقاش ولا تجد كتاباً من الكُتُب ذات العلاقة ببحث هذه الأُمور إلَّا ويحمل أكثر من نصٍّ على وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
المهمُّ أنَّ الله يُظهِر الدِّين على يديه وتُخرِج الأرض أفلاذها وتكثر النِّعَم ويُقام العدل ويُطرَد الباطل(١٧٢).
تقول أكثر الروايات: إنَّ حكمه سبعين عاماً(١٧٣) وفيه يستغني الناس عن أخذ الأموال يعرض المال ولا يأخذه أحد، لأنَّه لا يحتاج إليه(١٧٤).
هذا مجمل الصورة التي تعطيها كُتُب المسلمين على اختلاف مذاهبهم.
من أين يكون خروجه؟
تقول رواية: إنَّه من مكَّة(١٧٥).
وتقول رواية: إنَّه من المدينة(١٧٦).
وتقول روايات أُخرى: إنَّه من مكان آخر(١٧٧).
يأتي ومعه (٣١٣) شخصاً بعدد أصحاب بدر إلى ظهر الكوفة، ويمرُّ على قبر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويأتي إلى محراب جدِّه في الكوفة ثمّ يأتي إلى كربلاء(١٧٨).
أُريد أنْ أقول: إنَّ الإمام في غيبته لا يرفض ما أراده الله لكن ليس الأمر بيده حتَّى يمكن أنْ نطلب منه المبادرة بالخروج إلَّا أنَّ واقعة الطفِّ تقضُّ مضجعه يقول للحسين (عليه السلام) في الزيارة المنسوبة إليه: «فَلَئِنْ أَخَّرَتْنِي الدُّهُورُ، وَعَاقَنِي عَنْ نَصْرِكَ المَقْدُورُ، وَلَمْ أَكُنْ لِمَنْ حَارَبَكَ مُحَارِباً، وَلِمَنْ نَصَبَ لَكَ الْعَدَاوَةَ مُنَاصِباً، فَلَأَنْدُبَنَّكَ صَبَاحاً وَمَسَاءً، وَلَأَبْكِيَنَّ عَلَيْكَ بَدَلَ الدُّمُوعِ دَماً»(١٧٩).

* * *
أسئلة وأجوبة حول المهدي (عجَّل الله فرجه)
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلى آله الطاهرين.
لعلَّ من الأُمور المهمَّة التي تُشغِل بال الكثير من الكُتَّاب المسلمين ودار حولها نقاش حادٌّ، هي قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) واختلفت فيها الآراء، وكثر حولها الأخذ والردُّ ويمكن تلخيص النزاع على الشكل التالي:
السؤال الأوَّل: هل أنَّ روايات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كما توحي بها كتابات بعض كُتَّاب المسلمين مختصَّة بالشيعة أم تُنسَب إلى المسلمين كافَّة؟
السؤال الثاني: على فرض ثبوت قضيَّته هل هو موجود بالفعل أم أنَّه يوجد بعد ذلك؟
السؤال الثالث: لا يُعقَل أنْ يطول عمر الإنسان كلَّ هذه المدَّة، وما هي الفائدة منه؟
السؤال الرابع: ما هو مردود فكرة وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أي هل لها مردود إيجابي ينتفع به المجتمع الإسلامي أم لا؟
هذه الأسئلة نحاول أنْ نمرَّ عليها، ونحاول تلخيص النزاع لأنَّه مطوَّل قطعاً وفيه شُعَب كثيرة وتزامن تقريباً مع أُخريات عصور الأئمَّة (عليهم السلام) يعني من بعد غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) الكبرى بدأ التساؤل، وكان يمرُّ بأدوار قوَّة وضعف أي في بعض العصور يعنف الجدال حوله، وفي بعضها يأخذ صفة معتدلة إلى حدٍّ ما لكن يبقى أصل الفكرة محلُّ أخذ وردٍّ بين المسلمين.
السؤال الأوَّل: هل روايات المهدي مختصَّة بالشيعة أم تُنسَب إلى المسلمين جميعاً؟
الجواب:
للإجابة عن السؤال الأوَّل نأتي إلى الروايات التي تروي وتنصُّ على وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) لنلاحظ هل اختصَّ الشيعة بإيرادها أم أنَّها وردت في كُتُب المسلمين من مختلف المذاهب؟
أُلفت نظرك إلى أنَّ روايات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عند المذاهب الإسلاميَّة هي أكثر ممَّا عند الشيعة والذي يتصوَّر أنَّ الشيعة اختصُّوا بها فليس له في الواقع إلمام ولا علم بالموضوع.
بوسعك أنْ تلاحظ كُتُب الحديث التي تناولت أحاديث النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والموسوعات أي كُتُب السُّنَن والصحاح، فإنَّها بأجمعها قد حفلت بروايات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ولكن يختلف لسان الروايات، فتقول مرَّة: «لا تمضي الأيَّام والليالي حتَّى يبعث الله من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مهدي هذه الأُمَّة يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً».
ومرَّة: «المهدي منَّا أهل البيت».
ومرَّة: «المهدي من ولدي اسمه اسمي».
أي تدور كلُّها حول فكرة وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)(١٨٠) بمختلف الصِّيَغ والأساليب، وهذا هو القدر المتيقَّن ولا جدال فيه وقد حفلت بها كُتُب المذاهب الإسلاميَّة بأجمعها.
وأكثر من هذا فإنَّ لهجة ابن حجر هي أنَّ منكر الإمام المهدي كافر، لأنَّه يُنكِر ضرورة من ضروريَّات الدِّين(١٨١)، أي يعتبر وجوده ضرورة، لتواتر الروايات وكثرة الروايات التي عالجت هذا الموضوع.
إذن لا ننفرد نحن بذكر روايات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وإنَّما تتناولها كُتُب المسلمين عامَّة.
السؤال الثاني: على فرض صحَّة النظريَّة لكن هل هو موجود فعلاً أم سيُولَد في المستقبل؟
أمَّا السؤال الثاني فإنَّه هو الخلاف الواقع بين الإماميَّة وبين المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى، فهذه المذاهب تقول: مع تسليمنا بأنَّ الله يبعث المهدي فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً وبصحَّة الروايات وهذه الأحاديث، لكنَّه ليس موجوداً بالفعل وإنَّما يُوجَد بعد ذلك لأنَّ وجوده بالفعل يُحدِث عدَّة إشكالات:
أوَّلاً: طول العمر فالإنسان عمره الطبيعي لا يتعدَّى معدِّل الأعمار سبعين أو ثمانين سنة على أكثر الفروض فمن يعيش خارج هذا النطاق والمعدِّل أمر غير طبيعي خصوصاً إذا كان خارج المعدل بكمّيَّة كبيرة جدًّا (١٢٠٠ سنة مثلاً)، إضافةً إلى المدَّة التي سوف تُقضى ولا يعلم بها إلَّا الله (عزَّ وجلَّ).
ثانياً: إذا وُجِدَ بالفعل فلماذا يُحجَب عن الأبصار لماذا لا يُعرَف حتَّى يُقصَد ويُستفاد من وجوده؟
ما هي الفائدة من وجوده وعدم القدرة على الوصول إليه؟ لأنَّه إذا كان محجوباً فإنَّا لا نستطيع أنْ نصل إليه وإذا لم نصل إليه فما هي فائدة وجوده؟ لأنَّ المفروض في الإمام هو أنْ يكون على تماسٍّ بالناس ومصدر هدايتهم يلتقون به ويأخذون منه الهداية.
ثالثاً: أنَّ وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مع هذا المدى الطويل قد يعني أنَّنا إذا تعلَّقت أفكارنا بوجود إمام يملأ الأرض قسطاً وعدلاً فكأنَّه سوف ننيط هذه المهمَّة به أي هو المسؤول عن تعديل الأوضاع الشاذَّة في الأرض وهذا يعني إلغاء التكاليف وشلُّ حركة الأُمَّة لأنَّ المفروض أنْ تبقى الأُمَّة تنتظر الفرج على يديه ولا تعمل أيَّ شيء ممَّا يعني أنَّ وجود الأُمَّة وعدمها سيَّان تنتظر الإمام ليُغيِّر واقعها ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً ويقضي على الظلم.
ومن الإشكالات التي أُوردت على وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وعدم القدرة على الوصول إليه، هو كيف يصحُّ أنْ يحتجَّ الله (عزَّ وجلَّ) على العباد بإمام لا يُرى؟
الجواب:
الإماميَّة يذهبون إلى وجوده، والدليل هو:
أوَّلاً: قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّ الله لا يُخلي الأرض من حجَّة»(١٨٢)، أي لا بدَّ من وجود قائم بالأمر يُمثِّل النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وامتداده لأنَّه إذا خلا خلت الأرض من الحجَّة إذ ليس من المفروض أنْ يكون الحجَّة غير الإمام فإذا افترضناه غير الإمام المعصوم فإنَّنا لا نستطيع أنْ نجعله حجَّةً بيننا وبين الله، إذ يحتمل منه المعصية وفي حال صدور المعصية منه لا نستطيع أنْ نعتبره حجَّة ولذلك لا نعتبر قول الفقيه في ذاته حجَّة بل لأنَّه ينقل لنا النصَّ الشرعي ورأي النبيِّ أو الإمام إنَّه قناة لنقل الحكم لنا.
إذن الحجَّة إنَّما تتمُّ بوجود المعصوم ولا يوجد إنسان يُدَّعى له العصمة إلَّا الإمام، إذن لا يُخلي اللهُ (عزَّ وجلَّ) الأرضَ من حجَّة وعليه يجب أنْ يكون الحجَّة موجوداً وإلَّا ما معنى أنَّه لا يخلو الأرض منه مع أنَّه غير موجود؟
ثانياً: قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليَّة»(١٨٣).
هذا الحديث يرويه جمهور المسلمين، فإذا لم يكن إمام زماني موجوداً فكيف أعرفه المفروض أنِّي التقي به ويكون حجَّة عليَّ حتَّى أعرفه ولا أموت ميتة جاهليَّة، إذن لا بدَّ أنْ يكون موجوداً بالفعل، لكن يأتي إشكال: إذا كان موجوداً فلماذا لا يُرى؟ وما الفائدة منه إذا كان موجوداً ولا نراه؟ وكيف نصل إليه؟
وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لطف:
هنا نقول: إنَّ هذه المسألة في الواقع لها نظائر يقول العلماء: إنَّ وجود الإمام لطف للمكلَّفين، وكيف يكون لطفاً؟
أضرب لك مثالاً: كلُّ المسلمين يعتقدون بوجود الجنَّة والنار فعلاً أليس القرآن الكريم يقول: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ (مريم: ٦٣)، وهكذا النار ولا يوجد في المسلمين من يقدر أنْ يصل إلى النار أو الجنَّة، فهل معنى هذا أنَّ وجودهما عبث؟ لماذا الله خلقهما إذن؟
الجواب: أنَّ الدار حاليًّا دار تكليف وليست دار عقاب أو ثواب وجزاء فإذا أراد الله أنْ يحشر الخلق بعد ذلك فإمَّا إلى جنَّة وإمَّا إلى نار وفعلاً لا أحد يدخل إلى الجنَّة وإلى النار، فما الفائدة من وجودهما مع إنَّ جمهور المسلمين يقولون: إنَّ النار موجودة بالفعل، وهكذا الجنَّة، ونحن لا نستطيع أنْ نصل إليهما أليس وجودهما عبثاً؟
يجيبون بأنَّ في وجود الجنَّة والنار لطفاً للمكلَّف فالفرد المكلَّف المسلم إذا علم بوجود جنَّة ونار فبطبيعة الحال يكون لذلك تأثير على سلوكه فإنَّه يخشى من هذه ويرجو هذه ويأمل الوصول إليها مباشرةً بعد الموت.
اللطف يعني التقريب للهداية، إذن يوجد فيهما لطف للمكلَّفين، والجواب ذاته يكون بالنسبة لوجود الإمام (عجَّل الله فرجه)، ففيه لطف للمكلَّف وإنْ لم يرَه.
هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية من قال نحن لا نراه؟ إنَّه يُرى لكن لا نعرفه. أليس المسلمون بأجمعهم يروون أنَّ عيسى (عليه السلام) رُفِعَ إلى السماء ولم يمت ويذهبون إلى أنَّ الخضر حيٌّ بإجماع المسلمين ويُرى من قِبَل فئة خاصَّة(١٨٤)، إذن من يقول: إنَّه غير موجود أو لا نراه؟ نراه ولكن لا يُعرَف طرحه الله (عزَّ وجلَّ) بين عباده ويمكن أنْ يُلقي رأيه مع آرائهم أو مع آراء العلماء من دون أنْ يُعرَف، لذلك يذهب جمهور المسلمين تقريباً إلى هذا الرأي، وهو أنَّه موجود لكن نحن لا نعرفه.
السؤال الثالث: هل يمكن أنْ يتمتَّع بشر بهذا المقدار الطويل من العمر؟ وما فائدته وهو غائب عنَّا؟
الجواب:
أنَّ طول العمر ممكن، وفعلاً إجماع المسلمين هو أنَّ الخضر حيٌّ، ولا يقولون طبعاً: إنَّ الخضر حيٌّ بشكل طبيعي، يعني نحن لا نتكلَّم في نطاق طبيعي، بل في نطاق المعجزة، فلا يوجد إشكال فعندما نأتي إلى بعض المعاجز التي حدثت، مثلاً النطق الذي هو من سمات الإنسان ولا يُنتَظر من الجذع أو الشجرة أنْ تتكلَّم ويخرج منها الكلام، بينما نقرأ في القرآن أنَّ الكلام كان يخرج إلى النبيِّ موسى (عليه السلام) عن الشجرة(١٨٥). المسلمون كلُّهم يروون حنين الجذع لوفاة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١٨٦)، كلُّهم يروون لا نرويها نحن فقط، بل المذاهب الإسلاميَّة كلُّها ترويها.
حينما يحنُّ الجذع ويتكلَّم لا تعتبره إشكالاً لأنَّه معجزة، لكن أنْ يطول عمر إنسان تعتبره إشكالاً لماذا؟ صحيح أنَّ طول العمر غير طبيعي، ونحن لا نقول: إنَّه طبيعي، بل معجز. إنَّ كثرة الأحاديث التي تلزمنا بوجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تلزمنا بأنْ نُوجِّهها وليس أنَّنا نشتهي ونأتي برواية خياليَّة ونبحث لها حلولاً. كلَّا، إنَّ الروايات عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تأخذ بعنقي وتجبرني على الاعتراف بوجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وتوجيهها، وليس لها توجيه إلَّا هذا، وهو أنْ يكون طول العمر على الإعجاز ليس إلَّا، وعادةً لا يُعمّر الإنسان أكثر من العمر الطبيعي، فإذا عمّر أكثر منه فلا بدَّ أنْ يكون وضعه غير طبيعي ومعجزة ويعني خروج عن الحدِّ المألوف وكلُّ المعجزات هي خروج عن الوضع الطبيعي فإمَّا أنْ نُنكِر المعجزات كلَّها وإمَّا أنْ نعترف بالبعض دون البعض الآخر فيصبح تحكُّماً.
إنَّ طول العمر بالنسبة للإمام إذن معجزة وليس أمراً طبيعيًّا فإذا كان معجزة فلا يوجد إشكال إطلاقاً كما اعتقد المسلمون بوجود الخضر وعيسى (عليه السلام) وأنَّه رُفِعَ إلى الله ولم يمت، فكذلك الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
وللإجابة عن التساؤل الآخر عن مردود فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) على الأُمَّة وكونها تشلُّ حركة الأُمَّة نقول: كلَّا، بل العكس، لأنَّ الذي جاءت الروايات وقالت: إنَّ المهدي موجود لم تقل: اترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أبداً واترك الجهاد. إنَّ المسلمين بصورة عامَّة يرون أنَّ الأمر بالجهاد قائم فإذا توفَّرت شروط الجهاد يتعيَّن عليهم أنْ يجاهدوا وهكذا شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا توفَّرت يتعيَّن عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذن فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لا تشلُّ حركتي ولا تقول لي: إذا أردت أنْ تبني مصنعاً لا تبني ولا إذا أردت أنْ تحرث أرض لا تحرثها أو تزرعها ولا إذا داهمك عدوٌّ انتظره إلى أنْ يدخل بلدك أبداً، القرآن يأمرني باستثمار الطاقات ويأمرني في الوقت نفسه بالدفاع عن مقدَّساتي يأمرني بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إذن فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ليس فيها إشلال لحركة الأُمَّة كما يتصوَّر البعض أبداً. هذه كُتُب الإماميَّة انظر باب الجهاد، هل نُسِخَ باب الجهاد من كُتُب الإماميَّة؟ هل يقول فقهاؤنا اليوم: إنَّ الجهاد معطَّل أو أنَّ حكمه قائم؟ طبعاً إنَّ حكمه قائم، يعني إذا كان هناك شخص يظلمك فهل تقول رواياتنا: إذا خرج صاحب الزمان يأخذ لك حقَّك؟ يقول القرآن الكريم: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: ١٩٤).
إذن دعوى أنَّ فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تشلُّ طاقات الأُمَّة وتُحوِّلها إلى كيان مسلوب الإرادة ينتظر أنْ يأتي شخص فيحلَّ له مشاكله مغالطة صريحة ولا توجد هذه الفكرة عندنا نهائيًّا.
السؤال الرابع: ما هو المردود الإيجابي لفكرة المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
الجواب:
نأتي إلى المردود الإيجابي، فإنَّ فكرة وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أساساً تعني فكرة وجود العدل يعني أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يريد أنْ يُشعِر العباد ويشدَّهم إلى العدل شدًّا يريد أنْ يُشعِرهم أنَّ الظلم أمر غير مراد وغير طبيعي في الأرض وأنَّ كلَّ ما يقع من ظلم لا بدَّ من تعديله. إنَّ الاعتراف بوجود المهدي (عجَّل الله فرجه) في الواقع يشدُّنا إلى فكرة العدل والاستقامة والوقوف بوجه الظلم. إنَّ معنى «يملأ الأرض قسطاً وعدلاً» هو أنَّ الأرض لا تستقيم بدون عدل ويتعيَّن على المسلمين دفع الظلم. إذن ليس عندنا أيُّ مردود سلبي في فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، خصوصاً بعد أنْ بلغت أحاديثها حدَّ التواتر.
هذه فكرة مجملة أحببت إيرادها وأنَّ مردودها مردود إيجابي وليس فيه أيُّ لون من ألوان السلبيَّة أبداً وأنَّها لا تتعارض مع إطلاق طاقات الأُمَّة ونسأل الله أنْ يُسدِّدنا بالقوَّل والعمل.
هل هناك من رآه (عجَّل الله فرجه)؟
سؤال: هل هناك من رأى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) شخصيًّا؟
الجواب: توجد دعاوى ولكن هذه الدعاوى وهم أم صحيحة؟ لا أستطيع أنْ أبتَّ فيها الله العالم ممكن يوجد ممكن لا يوجد.
هل يمكن إقامة حكومة إسلاميَّة في عصر الغيبة؟
سؤال: هل تقوم حكومة إسلاميَّة قبل ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ وكيف نقضي على الشبهة القائلة باستحالة قيام حكومة إسلاميَّة قبل الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، لأنَّه يظهر والأرض مملوءة ظلماً وجوراً؟
الجواب: لا يوجد تعارض بين قيام حكومة إسلاميَّة وبين وجود ظلم، لأنَّ الإنسان قد يظلم نفسه بقلَّة عبادته واحترامها وقد يكون ظلماً للآخرين، فإذا نقول بأنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يقضي على الظلم يعني ظلم الناس للناس أمَّا ظلم الإنسان لنفسه فإنَّ الإنسان يظلم نفسه دائماً. ثمّ إنَّ الحكومة الإسلاميَّة لا تملك الأرض كلَّها، إذ إنَّها تكون في منطقة دون باقي المناطق وهذه المناطق تكون مملوءة ظلماً فعندما يقول الإمام (عجَّل الله فرجه): إنَّه لا يظهر إلَّا والأرض مملوءة ظلماً(١٨٧) فيعني أنَّه ليس على نحو الاستيعاب أي ليس أنْ يكون في كلِّ سنتيمتر في الأرض ظلم وهذا من قبيل أنَّ امرأة مسلمة دخلت أحد الأيَّام على النبيِّ صلى(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقالت: يا رسول الله، أُريد أنْ أتزوَّج فلاناً، قال لها: «هذا لا يصلح لكِ» قالت: لماذا؟ قال: «إنَّه لا يضع عصاه عن عاتقه» يعني إنَّه في سفر دائماً، فليس معناه أنَّه لا يضع عصاه دائماً، إذ إنَّه حينما ينام يضعها لكن هذه مبالغة(١٨٨) فلمَّا يقول: الأرض، يعني أغلب أقسام الأرض.
هل توجد رواية (اسم أبيه اسم أبي)؟
سؤال: هناك رواية بأنَّ اسم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يشابه اسم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واسم أبيه يشابه اسم أبي الرسول، ما مدى صحَّة هذه الرواية؟
الجواب: هذه الرواية مفتعلة، لأنَّ الحديث يقول: «اسمه اسمي» فقط، وليس اسم أبيه اسم أبي، فهذه زيادة مدَّعاة وليس أساسيَّة عند كلِّ الفقهاء(١٨٩).

* * *
المصادر والمراجع

١ - القرآن الكريم.
٢ - إثبات الوصيَّة للإمام عليِّ بن أبي طالب: عليُّ بن الحسين بن عليٍّ الهذلي المسعودي/ ط ٣/ ١٤٢٦هـ/ أنصاريان/ قم.
٣ - الاحتجاج: أحمد بن عليٍّ الطبرسي/ تعليق وملاحظات: السيِّد محمّد باقر الخرسان/ ١٣٨٦هـ/ دار النعمان/ النجف الأشرف.
٤ - الأخبار الطوال: ابن قتيبة الدينوري/ تحقيق: عبد المنعم عامر/ ط ١/ ١٩٦٠م/ دار إحياء الكُتُب العربي.
٥ - الاختصاص: الشيخ المفيد/ تحقيق: عليّ أكبر الغفاري والسيِّد محمود الزرندي/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد للطباعة والنشر/ بيروت.
٦ - الأدب المفرد: البخاري/ ط ١/ ١٤٠٦هـ/ مؤسَّسة الكُتُب الثقافيَّة/ بيروت.
٧ - الإرشاد: الشيخ المفيد/ تحقيق: مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام)/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٨ - أسباب نزول الآيات: الواحدي النيسابوري/ ط ١٣٨٨هـ/ مؤسَّسة الحلبي/ القاهرة.
٩ - أُسد الغابة: عزُّ الدِّين ابن الأثير/ دار الكتاب العربي/ بيروت.
١٠ - الإصابة: ابن حجر العسقلاني/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
١١ - إعلام الورى بأعلام الهدى: الفضل بن الحسن الطبرسي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث/ قم.
١٢ - إقبال الأعمال: السيِّد عليُّ بن طاوس/ تحقيق: جواد القيُّومي الأصفهاني/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ مكتب الإعلام الإسلامي.
١٣ - الأمالي الخميسيَّة: يحيى بن حسين الحسني الجرجاني/ تحقيق وتصحيح: محمّد حسن محمّد حسن إسماعيل/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
١٤ - الأمالي: الشيخ الطوسي/ تحقيق: مؤسَّسة البعثة/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ دار الثقافة/ قم.
١٥ - الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من المهد إلى الظهور: السيِّد محمّد كاظم القزويني/ ط ١/ ١٤٢٧هـ/ دار الأنصار/ قم.
١٦ - الإمامة والتبصرة: ابن بابويه/ ط ١/ ١٤٠٤هـ/ مدرسة الإمام الهادي (عليه السلام)/ قم.
١٧ - أُمراء الكوفة وحُكَّامها: محمّد عليّ آل خليفة/ تحقيق وتصحيح: ياسين صلواتي/ ط ١/ ١٤٢٥هـ/ مؤسَّسة الصادق (عليه السلام)/ طهران.
١٨ - أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى بن جابر (البلاذري)/ تحقيق: الدكتور محمّد حميد الله/ ١٩٥٩م/ معهد المخطوطات بجامعة الدول العربيَّة بالاشتراك مع دار المعارف بمصر.
١٩ - بحار الأنوار الجامعة لدُرَر أخبار الأئمَّة الأطهار: العلَّامة المجلسي/ تحقيق: يحيى العابدي الزنجاني وعبد الرحيم الربَّاني الشيرازي/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.
٢٠ - البداية والنهاية: ابن كثير/ تحقيق وتدقيق وتعليق: عليّ شيري/ ط ١/ ١٤٠٨هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
٢١ - البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: المتَّقي الهندي/ تحقيق وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٣٩٩هـ/ مطبعة الخيام/ قم.
٢٢ - بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمّد (عليهم السلام): محمّد بن الحسن ابن فرُّوخ (الصفَّار)/ تصحيح وتعليق وتقديم: الحاج ميرزا حسن كوجه باغي/ ١٤٠٤هـ/ منشورات الأعلمي/ طهران.
٢٣ - البيان في أخبار صاحب الزمان: محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي/ مطبوع ضمن كفاية الطالب/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ دار إحياء تراث أهل البيت (عليهم السلام)/ طهران.
٢٤ - تاريخ ابن خلدون: ابن خلدون/ ط ٤/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
٢٥ - تاريخ الطبري (تاريخ الأُمَم والملوك): محمّد بن جرير الطبري/ ط ٤/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٢٦ - تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب الكاتب العبَّاسي المعروف باليعقوبي/ دار صادر/ بيروت.
٢٧ - تذكرة الخواصِّ: سبط ابن الجوزي/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ منشورات الشريف الرضي/ قم.
٢٨ - تصحيح اعتقادات الإماميَّة: الشيخ المفيد/ تحقيق: حسين دركاهي/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٢٩ - تفسير ابن كثير: ابن كثير/ تقديم: يوسف المرعشلي/ ١٤١٢هـ/ دار المعرفة/ بيروت.
٣٠ - تفسير الآلوسي (روح المعاني): شهاب الدِّين أبو الثناء محمود بن عبد الله الآلوسي البغدادي.
٣١ - تفسير البغوي (معالم التنزيل في تفسير القرآن): البغوي/ تحقيق: خالد عبد الرحمن العك/ دار المعرفة.
٣٢ - تفسير الثعالبي (جواهر الحسان في تفسير القرآن): الثعالبي/ تحقيق: عبد الفتَّاح أبو سنة وعليّ محمّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ دار إحياء التراث العربي، مؤسَّسة التاريخ العربي/ بيروت.
٣٣ - تفسير الثعلبي (الكشف والبيان عن تفسير القرآن): الثعلبي/ تحقيق: أبو محمّد بن عاشور/ مراجعة وتدقيق: نظير الساعدي/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دار إحياء التراث العربي.
٣٤ - تفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنزيل): علاء الدِّين عليّ بن محمّد البغدادي/ تصحيح: عبد السلام محمّد عليّ شاهين/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٣٥ - تفسير الرازي (مفاتيح الغيب): فخر الدِّين محمّد بن عمر التميمي البكري الرازي الشافعي/ ط ٣.
٣٦ - تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن): محمّد بن جرير الطبري/ تقديم: الشيخ خليل الميس/ ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطَّار/ ١٤١٥هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٣٧ - تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): أبو عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي/ تصحيح: أحمد عبد العليم البردوني/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
٣٨ - تفسير الميزان (الميزان في تفسير القرآن): العلَّامة الطباطبائي/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٣٩ - تقريب المعارف: أبو الصلاح الحلبي/ تحقيق: فارس الحسُّون/ ط ١٤١٧هـ.
٤٠ - تهذيب الأحكام: الشيخ الطوسي/ تحقيق وتعليق: السيِّد حسن الموسوي الخرسان/ ط ٣/ ١٣٦٤هـ/ دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
٤١ - تهذيب التهذيب: ابن حجر العسقلاني/ ط ١/ ١٤٠٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٤٢ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم الأصفهاني/ ط ١/ دار أُمّ القرى/ القاهرة.
٤٣ - الخرائج والجرائح: قطب الدِّين الراوندي/ بإشراف: السيِّد محمّد باقر الموحِّد الأبطحي/ ط ١/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/ قم.
٤٤ - دراسات في الحديث والمحدِّثين: هاشم معروف الحسني/ ط ٢/ ١٣٩٨هـ/ دار التعارف/ بيروت.
٤٥ - دفاع عن العقيدة والشريعة ضدّ مطاعن المستشرقين: محمّد الغزالي/ ط ٣/ ١٩٩٩م/ دار النهضة/ مصر.
٤٦ - دلائل الإمامة: محمّد بن جرير الطبري الشيعي/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ مؤسَّسة البعثة/ قم.
٤٧ - دلائل النبوَّة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة: أحمد بن الحسين البيهقي/ وثَّق أُصوله وخرَّج حديثه وعلَّق عليه: عبد المعطي قلعجي/ ط ١/ ١٤٠٥هـ/ دار الكتب العلميَّة/ بيروت.
٤٨ - ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: أحمد بن عبد الله الطبري (المحبُّ الطبري)/ ١٣٥٦هـ/ مكتبة القدسي لصاحبها حسام الدِّين القدسي/ القاهرة.
٤٩ - الذريعة إلى أُصول الشريعة: السيِّد المرتضى/ تصحيح: أبو القاسم الگرجي/ ط ١/ ١٣٧٦ش/ طهران.
٥٠ - رسائل المرتضى: الشريف المرتضى/ تقديم: السيِّد أحمد الحسيني/ إعداد: السيِّد مهدي الرجائي/ ١٤٠٥هـ/ دار القرآن الكريم/ قم.
٥١ - الروض الأنف في شرح السيرة النبويَّة لابن هشام: عبد الرحمن السهيلي/ تحقيق وتعليق وشرح: عبد الرحمن الوكيل/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
٥٢ - روضة الواعظين: محمّد بن الفتَّال النيسابوري/ تقديم: السيِّد محمّد مهدي السيِّد حسن الخرسان/ منشورات الشريف الرضي/ قم.
٥٣ - زاد المسير في علم التفسير: عبد الرحمن بن عليِّ بن محمّد الجوزي القرشي البغدادي (ابن الجوزي)/ تحقيق: محمّد بن عبد الرحمن عبد الله/ ط ١/ ١٤٠٧هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٥٤ - سرور أهل الإيمان في علامات صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه): السيِّد بهاء الدِّين عليّ النيلي النجفي/ ط ١/ ١٤٢٦هـ/ دليل ما/ قم.
٥٥ - السقيفة وفدك: أحمد بن عبد العزيز الجوهري البصري البغدادي/ تقديم وجمع وتحقيق: الشيخ محمّد هادي الأميني/ ط ٢/ ١٤١٣هـ/ شركة الكتبي/ بيروت.
٥٦ - سُنَن ابن ماجة: أبو عبد الله محمّد بن يزيد القزويني (ابن ماجة)/ تحقيق وترقيم وتعليق: محمّد فؤاد عبد الباقي/ دار الفكر.
٥٧ - سُنَن أبي داود: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني/ تحقيق وتعليق: سعيد محمّد اللحَّام/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ دار الفكر.
٥٨ - سُنَن البيهقي: البيهقي/ دار الفكر/ بيروت.
٥٩ - سُنَن الترمذي: أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة الترمذي/ تحقيق وتصحيح: عبد الوَّهاب عبد اللطيف/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٦٠ - سُنَن النسائي: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن عليّ بن بحر النسائي/ تحقيق: عبد الغفَّار سليمان البنداري وسيِّد كسروي حسن/ ط ١/ ١٤١١هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٦١ - السيرة الحلبيَّة في سيرة الأمين المأمون: أبو الفرج نور الدِّين عليُّ بن إبراهيم بن أحمد الحلبي الشافعي/ ١٤٠٠هـ/ دار المعرفة.
٦٢ - السيرة النبويَّة (عيون الأثر): ابن سيِّد الناس/ ١٤٠٦هـ/ مؤسَّسة عزِّ الدِّين للطباعة والنشر/ بيروت.
٦٣ - شرح إحقاق الحقِّ: السيِّد شهاب الدِّين المرعشي النجفي/ تصحيح: السيِّد إبراهيم الميانجي/ منشورات مكتبة آية الله المرعشي/ قم.
٦٤ - شرح سُنَن النسائي: جلال الدِّين السيوطي/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٦٥ - شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي/ تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم/ ط ١/ ١٣٧٨هـ/ دار إحياء الكُتُب العربيَّة.
٦٦ - صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان: ابن حبَّان/ تحقيق: شعيب الأرنؤوط/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ مؤسَّسة الرسالة.
٦٧ - صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري الجعفي/ ط ٢/ ١٤١٠هـ/ أوقاف مصر.
٦٨ - صحيح مسلم: مسلم بن الحجَّاج بن مسلم القشيري النيسابوري/ دار الفكر/ بيروت.
٦٩ - الصواعق المحرقة في الردِّ على أهل البدع والزندقة: أحمد بن حجر الهيتمي المكّي/ خرَّج أحاديثه وعلَّق حواشيه وقدَّم له: عبد الوهَّاب عبد اللطيف/ ط ٢/ ١٣٨٥هـ/ مكتبة القاهرة لصاحبها عليّ يوسف سليمان/ القاهرة.
٧٠ - العرف الوردي في أخبار المهدي: جلال الدِّين السيوطي/ ط ١/ ١٤٢٧هـ/ المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميَّة/ طهران.
٧١ - عقد الدُّرَر: يوسف بن يحيى المقدسي/ انتشارات نصائح.
٧٢ - عقيدة الشيعة: دوايت رونالدسن/ تحقيق وتصحيح: عليّ دهباشي/ ط ٢/ مؤسَّسة المفيد/ بيروت.
٧٣ - علل الدارقطني: الدارقطني/ تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله السلفي/ ط ١/ ١٤٠٥هـ/ دار طيبة/ الرياض.
٧٤ - علل الشرائع: الشيخ الصدوق/ تقديم: السيِّد محمّد صادق بحر العلوم/ ١٣٨٥هـ/ منشورات المكتبة الحيدريَّة ومطبعتها/ النجف الأشرف.
٧٥ - عيون أخبار الرضا (عليه السلام): الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق وتقديم: الشيخ حسين الأعلمي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٧٦ - الغيبة: ابن أبي زينب النعماني/ تحقيق: فارس حسُّون كريم/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ أنوار الهدى.
٧٧ - الغيبة: الشيخ الطوسي/ تحقيق: عبد الله الطهراني وعليّ أحمد ناصح/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مطبعة بهمن/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
٧٨ - الفتن: أبو عبد الله نعيم بن حمَّاد المروزي/ تحقيق وتقديم: سهيل زكار/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٧٩ - فجر الإسلام: أحمد أمين/ ط ١٠/ ١٩٦٩م/ دار الكتاب العربي/ بيروت.
٨٠ - الفصول المختارة: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٨١ - الفصول المهمَّة في معرفة الأئمَّة: عليُّ بن محمّد أحمد المالكي المكّي (ابن الصبَّاغ)/ تحقيق: سامي الغريري/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دار الحديث/ قم.
٨٢ - فضائل الخمسة من الصحاح الستَّة: السيِّد مرتضى الحسيني الفيروزآبادي/ ط ٣/ ١٣٩٣هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٨٣ - فيض القدير شرح الجامع الصغير: محمّد عبد الرؤوف المناوي/ تصحيح: أحمد عبد السلام/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٨٤ - قَصص الأنبياء: قطب الدِّين الراوندي/ تحقيق: الميرزا غلام رضا عرفانيان اليزدي الخراساني/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ انتشارات الهادي.
٨٥ - القول المختصر في علامات المهدي المنتظر (عجَّل الله فرجه): أحمد بن حجر الهيتمي المكّي/ ط ١/ ١٤٢٨هـ/ دار التقوى/ دمشق.
٨٦ - الكافي: الشيخ الكليني/ تحقيق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٥/ ١٣٦٣ش/ مطبعة حيدري/ دار الكُتُب الإسلاميَّة/ طهران.
٨٧ - كامل الزيارات: جعفر بن محمّد بن قولويه/ تحقيق: الشيخ جواد القيُّومي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة نشر الفقاهة.
٨٨ - الكامل في التاريخ: عزُّ الدِّين أبو الحسن عليُّ بن أبي الكرم محمّد بن محمّد الشيباني (ابن الأثير)/ ١٣٨٥هـ/ دار الصادر/ بيروت.
٨٩ - الكامل في ضعفاء الرجال: عبد الله بن عدي/ تحقيق: يحيى مختار غزاوي/ ط ٣/ ١٤٠٩هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٩٠ - كشف الغمَّة في معرفة الأئمَّة: عليُّ بن أبي الفتح الإربلي/ ط ٢/ ١٤٠٥هـ/ دار الأضواء/ بيروت.
٩١ - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: العلَّامة الحلِّي/ تحقيق: إبراهيم الموسوي الزنجاني/ ط ٤/ ١٣٧٣ش/ مطبعة إسماعيليَّان/ انتشارات شكوري/ قم.
٩٢ - كفاية الأثر في النصِّ على الأئمَّة الاثني عشر: أبو القاسم عليُّ بن محمّد الخزَّاز القمّي الرازي/ تحقيق: السيِّد عبد اللطيف الحسيني الكوهكمري الخوئي/ ١٤٠١هـ/ انتشارات بيدار.
٩٣ - كمال الدِّين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٩٤ - كنز العُمَّال في سُنَن الأقوال والأفعال: علاء الدِّين عليّ المتَّقي بن حسام الدِّين الهندي البرهان فوري (المتَّقي الهندي)/ ضبط وتفسير: الشيخ بكري حيَّاني/ تصحيح وفهرسة: الشيخ صفوة السقَّا/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
٩٥ - اللباب في تهذيب الأنساب: عزُّ الدِّين ابن الأثير الجزري/ دار صادر/ بيروت.
٩٦ - مثير الأحزان: محمّد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما الحلِّي/ ١٣٦٩هـ/ المطبعة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
٩٧ - مجموعة الفتاوى: ابن تيميَّة/ طبعة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم.
٩٨ - المحصول: فخر الدِّين الرازي/ تحقيق: طه جابر فيَّاض العلواني/ ط ٢/ ١٤١٢هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
٩٩ - مختصر بصائر الدرجات: الحسن بن سليمان الحلِّي/ ط ١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
١٠٠ - مروج الذهب ومعادن الجوهر: عليُّ بن الحسين بن عليٍّ المسعودي/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ منشورات دار الهجرة/ قم.
١٠١ - المزار الكبير: محمّد بن جعفر المشهدي/ تحقيق: جواد القيُّومي الأصفهاني/ ط ١/ ١٩١٩هـ/ نشر القيُّوم/ قم.
١٠٢ - المزار: الشيخ المفيد/ تحقيق: محمّد باقر الأبطحي/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
١٠٣ - المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله الحاكم النيسابوري/ إشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي.
١٠٤ - مسند ابن راهويه: إسحاق بن راهويه/ تحقيق: عبد الغفور عبد الحقِّ حسين برد البلوسي/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ مكتبة الإيمان/ المدينة المنوَّرة.
١٠٥ - مسند أبي يعلى: إسماعيل بن محمّد بن الفضل التميمي (أبو يعلى الموصلي)/ تحقيق: حسين سليم أسد/ دار المأمون للتراث.
١٠٦ - مسند أحمد: أحمد بن حنبل/ تحقيق عدَّة محقِّقين/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت، وط ١٣٧٧هـ/ شرحه وصنع فهارسه: أحمد محمّد شاكر/ دار المعارف/ مصر.
١٠٧ - مسند الشاميِّين: سليمان بن أحمد اللخمي الطبراني/ تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي/ ط ٢/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
١٠٨ - مصباح الزائر: السيِّد عليِّ بن موسى بن طاوس/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث/ قم.
١٠٩ - المصنَّف: ابن أبي شيبة/ تحقيق وتعليق: سعيد اللحَّام/ ط ١/ ١٤٠٩هـ/ دار الفكر/ بيروت.
١١٠ - المصنَّف: أبو بكر عبد الرزَّاق بن همَّام الصنعاني/ عُني بتحقيق نصوصه وتخريج أحاديثه والتعليق عليه: حبيب الرحمن الأعظمي.
١١١ - مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (عليهم السلام): كمال الدِّين محمّد بن طلحة الشافعي/ تحقيق: ماجد بن أحمد العطيَّة.
١١٢ - معاني الأخبار: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٣٧٩هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
١١٣ - المعجم الأوسط: سليمان بن أحمد الطبراني/ ١٤١٥هـ/ دار الحرمين.
١١٤ - المعجم الصغير: الطبراني/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
١١٥ - المعجم الكبير: سليمان بن أحمد الطبراني/ تحقيق وتخريج: حمدي عبد المجيد السلفي/ ط ٢/ دار إحياء التراث العربي.
١١٦ - المعمَّرين من العرب: أبو حاتم السجستاني/ ط ١/ ١٣٢٣هـ/ مطبعة السعادة/ مصر.
١١٧ - مقتضب الأثر: ابن عيَّاش الجوهري/ مطبعة العلميَّة/ مكتبة الطباطبائي/ قم.
١١٨ - مقتل الحسين (عليه السلام): الموفَّق بن أحمد الخوارزمي/ تحقيق: الشيخ محمّد السماوي/ ط ٢/ ١٤٢٣هـ/ أنوار الهدى/ قم.
١١٩ - الملاحم والفتن: ابن طاوس/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة صاحب الأمر/ أصفهان.
١٢٠ - الملاحم: أحمد بن جعفر بن محمّد المعروف بـ (ابن المنادي)/ تحقيق: عبد الكريم العقيلي/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ مطبعة أمير/ دار السيرة/ قم.
١٢١ - من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٢/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
١٢٢ - مناقب آل أبي طالب: ابن شهرآشوب/ ١٣٧٦هـ/ المكتبة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
١٢٣ - مناقب أهل البيت (عليهم السلام): عليُّ بن محمّد بن محمّد الواسطي الجُلَّابي الشافعي الشهير بـ (ابن المغازلي)/ تحقيق: محمّد كاظم المحمودي/ ط ١/ ١٤٢٧هـ/ المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميَّة/ طهران.
١٢٤ - مناقب عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام): عليُّ بن محمّد بن محمّد الواسطي الجُلَّابي الشافعي الشهير بـ (ابن المغازلي)/ ط ١/ ١٤٢٦هـ/ مطبعة سبحان/ انشارات سبط النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
١٢٥ - المنتظم في تاريخ الأُمَم والملوك: عبد الرحمن بن عليِّ بن محمّد ابن الجوزي/ دراسة وتحقيق: محمّد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا/ راجعه وصحَّحه: نعيم زرزور/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
١٢٦ - منهاج السُّنَّة النبويَّة في نقض كلام الشيعة القدريَّة: أحمد بن عبد الحليم ابن تيميَّة الحرَّاني الحنبلي الدمشقي/ تحقيق: محمّد رشاد سالم/ ط ١/ ١٤٠٦هـ/ جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميَّة.
١٢٧ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال: أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي/ تحقيق: عليّ محمّد البجاوي/ ط ١/ ١٣٨٢هـ/ دار المعرفة/ بيروت.
١٢٨ - النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجَّة الغائب (عجَّل الله فرجه): ميرزا حسين الطبرسي النوري/ تقديم وترجمة وتحقيق وتعليق: السيِّد ياسين الموسوي/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ أنوار الهدى.
١٢٩ - النكت الاعتقاديَّة: الشيخ المفيد/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ مؤتمر الشيخ المفيد/ قم.
١٣٠ - نهج الإيمان: زين الدِّين عليُّ بن يوسف بن جبر/ تحقيق: السيِّد أحمد الحسيني/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ مجتمع إمام هادي (عليه السلام)/ مشهد.
١٣١ - نهج البلاغة: خُطَب أمير المؤمنين (عليه السلام)/ ما اختاره وجمعه: الشريف الرضي/ تحقيق: الدكتور صبحي صالح/ ط ١/ ١٣٨٧هـ، وبشرح محمّد عبدة/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ دار الذخائر/ قم.
١٣٢ - نهج الحقِّ وكشف الصدق: العلَّامة الحلِّي/ تقديم: السيِّد رضا الصدر/ تعليق: الشيخ عين الله الحسني الأرموي/ ١٤٢١هـ/ دار الهجرة/ قم.
١٣٣ - نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيِّ المختار (صلّى الله عليه وآله وسلّم): مؤمن بن حسن مؤمن الشبلنجي/ الرضي/ قم.
١٣٤ - الهداية الكبرى: الحسين بن حمدان الخصيبي/ ط ٤/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة البلاغ/ بيروت.
١٣٥ - هويَّة التشيُّع: الشيخ أحمد الوائلي/ ط ٣/ ١٤١٤هـ/ دار الصفوة/ بيروت.
١٣٦ - الوافي بالوفيات: الصفدي/ تحقيق: أحمد الأرنؤوط وتركي مصطفى/ ١٤٢٠هـ/ دار إحياء التراث.
١٣٧ - وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم): نور الدِّين عليُّ بن أحمد السمهودي/ ط ١/ ١٤٢٦هـ/ دارالكُتُب العلميَّة/ بيروت.
١٣٨ - ينابيع المودَّة لذوي القربى: سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي/ تحقيق: السيِّد عليّ جمال أشرف الحسيني/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ دار الأُسوة.

* * *

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) بحار الأنوار (ج ٤٤/ ص ٣٢٩).
(٢) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٣٠٧ و٣٠٨/ ح ٨٢)، عن سرور أهل الإيمان (ص ٩٦ و٩٧).
(٣) علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٢٩/ باب ١٦٤/ ح ١).
(٤) النجم الثاقب (ج ١/ ص ٥١١).
(٥) الكافي (ج ٨/ ص ٢٠٦/ ح ٢٥٠).
(٦) مختصر بصائر الدرجات (ص ١٨).
(٧) مختصر بصائر الدرجات (ص ٤٨ و٤٩).
(٨) أتباع واصل بن عطاء فرقة كلاميَّة ظهرت في أواخر العصر الأُموي في البصرة وازدهرت في العصر العبَّاسي، ولعبت دوراً رئيساً على المستوى الدِّيني والسياسي، غلب عليها النزعة العقليَّة، فاعتمدوا على العقل في تأسيس عقائدهم وقدَّموه على النقل، ورفضوا الأحاديث التي لا يقرها العقل حسب وصفهم.
(٩) أتباع أبي الحسن الأشعري مدرسة من أهل السُّنَّة لا يخالفون إجماع الأئمَّة الأربعة، ولا يُكفِّرون أحداً من أهل القبلة، ويعتبر أتباعها أنفسهم منهجاً بين دعاة العقل المطلق وبين الجامدين عند حدود النصِّ وظاهره.
(١٠) قال العلَّامة الحلِّي (رحمه الله) في كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد (ص ٣٢٧): (الفصل الثالث في أفعاله تعالى، وفيه مسائل: المسألة الأُولى: في إثبات الحسن والقبح العقليَّين، قال: (الفصل الثالث في أفعاله: الفعل المتَّصف بالزائد إمَّا حسن أو قبيح، والحسن أربعة).
أقول: لـمَّا فرغ من إثباته تعالى وبيان صفاته شرع في بيان عدله، وأنَّه تعالى حكيم لا يفعل القبيح ولا يخلُّ بالواجب وما يتعلَّق بذلك من المسائل، وبدأ بقسمة الفعل إلى الحسن والقبيح، وبيَّن أنَّ الحسن والقبح أمران عقليَّان، وهذا حكم متَّفق عليه بين المعتزلة، وأمَّا الأشاعرة فإنَّهم ذهبوا إلى أنَّ الحسن والقبح إنَّما يُستفادان من الشرع، فكلَّما أمر الشرع به فهو حسن، وكلَّما نهى عنه فهو قبيح، ولولا الشرع لم يكن حسن ولا قبيح، ولو أمر الله تعالى بما نهى عنه لانقلب القبيح إلى الحسن)؛ وراجع: نهج الحقِّ وكشف الصدق (ص ٨٢)، ورسائل المرتضى (ج ٣/ ص ١٧٥).
(١١) قال الطبري في تفسيره (ج ١٨/ ص ٢١٢): (ذُكِرَ أنَّ هذه الآية نزلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أجل شكاية بعض أصحابه إليه في بعض الأوقات التي كانوا فيها من العدوِّ في خوف شديد ممَّا هم فيه من الرعب والخوف وما يلقون بسبب ذلك من الأذى والمكروه)؛ وراجع: تفسير القرطبي (ج ١٢/ ص ٢٩٧)، وأسباب النزول للواحدي (ص ٢٢١).
(١٢) قال الطبري في تاريخه (ج ٢/ ص ٢٣٩) في ذكر الخبر عن غزوة الخندق: (... فلمَّا اشتدَّ البلاء على الناس بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سَلَمة، قال: حدَّثني محمّد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، وعن محمّد بن مسلم بن شهاب الزهري إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المرِّي وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أنْ يرجعا بمن معهما عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح حتَّى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلَّا المراوضة في ذلك، ففعلا، فلمَّا أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنْ يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه، فقالا: يا رسول الله، أمر تُحِبُّه فنصنعه، أم شيء أمرك الله (عزَّ وجلَّ) به لا بدَّ لنا من عمل به، أم شيء تصنعه لنا؟ قال: لا، بل لكم والله ما أصنع ذلك إلَّا أنِّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كلِّ جانب، فأردت أنْ أكسر عنكم شوكتهم لأمر ما ساعة...)؛ وراجع: البداية والنهاية (ج ٣/ ص ١٧٣).
(١٣) قال ابن هشام: وحدَّثني بعض أهل العلم أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أنْ يُؤذِّن، وأبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام، جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب: لقد أكرم الله أسيداً أنْ لا يكون سمع هذا، فسمع منه ما يغيظه، فقال الحارث بن هشام: أمَا والله لو أعلم أنَّه محقٌّ لاتَّبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئاً، لو تكلَّمت لأخبرت عنِّي هذه الحصا. البداية والنهاية (ج ٤/ ص ٣٤٧).
(١٤) قال الثعالبي في تفسيره (ج ٤/ ص ١٩٥): (الآية عامَّة لأُمَّة نبيِّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أنْ يُملِّكهم الله البلاد كما هو الواقع، فسبحانه ما أصدق وعده)؛ وراجع: تفسير الميزان (ج ١٥/ ص ١٥١).
(١٥) مسند أحمد بن حنبل (ج ٣٩/ ص ٢٣٦/ ح ٢٣٨١٤).
(١٦) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في معنى قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور: ٥٥]، قال: «نزلت في القائم وأصحابه». الغيبة للنعماني (ص ٢٤٧/ باب ١٣/ ح ٣٥).
وعن إسحاق بن عبد الله بن عليِّ بن الحسين في هذه الآية: ﴿فَوَ رَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]، قال: «قيام القائم (عليه السلام) من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»، قال: وفيه نزلت: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾، قال: «نزلت في المهدي (عليه السلام)». الغيبة للطوسي (ص ١٧٦ و١٧٧/ ح ١٣٣).
(١٧) عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام) يقول: «لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله (عزَّ وجلَّ) ذلك اليوم حتَّى يخرج رجل من ولدي، فيملأها عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، كذلك سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول». كمال الدِّين (ص ٣١٧ و٣١٨/ باب ٣١/ ح ٤)؛ ورواه أبو داود في سُنَنه (ج ٢/ ص ٣٠٩ و٣١٠/ ح ٤٢٨٢)، والترمذي في سُنَنه (ج ٣/ ص ٣٤٣/ ح ٢٣٣٢)، وغيرهما من مصادر العامَّة الكثيرة.
(١٨) عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري، قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) وأنا أُريد أنْ أسأله عن الخلف [من] بعده، فقال لي مبتدئاً: «يا أحمد بن إسحاق، إنَّ الله تبارك وتعالى لم يخلُ الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام) ولا يُخليها إلى أنْ تقوم الساعة من حجَّة لله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه يُنزِل الغيث، وبه يُخرج بركات الأرض»، قال: فقلت له: يا بن رسول الله، فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السلام) مسرعاً، فدخل البيت، ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأنَّ وجهه القمر ليلة البدر من أبناء الثلاث سنين، فقال: «يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك على الله (عزَّ وجلَّ) وعلى حُجَجه ما عرضت عليك ابني هذا، إنَّه سميُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكنيُه، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً...». كمال الدِّين (ص ٣٨٤/ باب ٣٨/ ح ١).
(١٩) روى الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٥٠ و٢٥١/ باب ٢٣/ ح ١) بسنده عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لـمَّا عُرِجَ بي إلى ربِّي (جلَّ جلاله) أتاني النداء: يا محمّد، قلت: لبَّيك ربَّ العظمة لبَّيك، فأوحى الله تعالى إليَّ: يا محمّد، فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قلت: إلهي لا علم لي، فقال: يا محمّد، هلَّا اتَّخذت من الآدميِّين وزيراً وأخاً ووصيًّا من بعدك؟ فقلت: إلهي ومن أتَّخذ؟ تخيَّر لي أنت يا إلهي، فأوحى الله إليَّ: يا محمّد، قد اخترت لك من الآدميِّين عليَّ بن أبي طالب، فقلت: إلهي ابن عمِّي؟ فأوحى الله إليَّ: يا محمّد، إنَّ عليًّا وارثك ووارث العلم من بعدك، وصاحب لوائك لواء الحمد يوم القيامة، وصاحب حوضك يسقي من ورد عليه من مؤمني أُمَّتك، ثمّ أوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليَّ: يا محمّد، إنِّي قد أقسمت على نفسي قسماً حقًّا لا يشرب من ذلك الحوض مبغض لك ولأهل بيتك وذرّيَّتك الطيِّبين الطاهرين، حقًّا أقول: يا محمّد، لأُدخلنَّ جميع أُمَّتك الجنَّة إلَّا من أبى من خلقي، فقلت: إلهي (هل) واحد يأبى من دخول الجنَّة؟ فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليَّ: بلى، فقلت: وكيف يأبى؟ فأوحى الله إليَّ: يا محمّد، اخترتك من خلقي، واخترت لك وصيًّا من بعدك، وجعلته منك بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنَّه لا نبيَّ بعدك، وألقيت محبَّته في قلبك، وجعلته أباً لولدك، فحقُّه بعدك على أُمَّتك كحقِّك عليهم في حياتك، فمن جحد حقَّه فقد جحد حقَّك، ومن أبى أنْ يواليه فقد أبى أنْ يواليك، ومن أبى أنْ يواليك فقد أبى أنْ يدخل الجنَّة، فخررت لله (عزَّ وجلَّ) ساجداً شكراً لما أنعم عليَّ، فإذا منادياً ينادي: ارفع يا محمّد رأسك، وسَلْني أُعطك، فقلت: إلهي أجمع أُمَّتي من بعدي على ولاية عليِّ بن أبي طالب ليردوا جميعاً علي حوضي يوم القيامة، فأوحى الله تعالى إليَّ: يا محمّد، إنِّي قد قضيت في عبادي قبل أنْ أخلقهم، وقضائي ماضٍ فيهم، لأُهلك به من أشاء وأُهدي به من أشاء، وقد آتيته علمك من بعدك، وجعلته وزيرك وخليفتك من بعدك على أهلك وأُمَّتك، عزيمة منِّي (لأُدخل الجنَّة من أحبَّه و)لا أُدخل الجنَّة من أبغضه وعاداه وأنكر ولايته بعدك، فمن أبغضه أبغضك، ومن أبغضك أبغضني، ومن عاداه فقد عاداك، ومن عاداك فقد عاداني، ومن أحبَّه فقد أحبَّك، ومن أحبَّك فقد أحبَّني، وقد جعلت له هذه الفضيلة، وأعطيتك أنْ أُخرج من صلبه أحد عشر مهديًّا كلُّهم من ذرّيَّتك من البكر البتول، وآخر رجل منهم يُصلِّي خلفه عيسى بن مريم، يملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت منهم ظلماً وجوراً، أُنجي به من الهلكة، وأُهدي به من الضلالة، وأُبرئ به من العمى، وأُشفي به المريض...».
هذا، وقد ورد النصُّ على ذلك من الله سبحانه وتعالى ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة من ولده (عليهم السلام)، فراجع: كمال الدِّين (ص ٢٥٠ - ٤٠٩/ الباب ٢٣ - ٣٨).
(٢٠) روى أبو داود في سُنَنه (ج ٢/ ص ٣٠٩ و٣١٠/ ح ٤٢٨٢) بسنده عن سفيان: «لا تذهب - أو لا تنقضي - الدنيا حتَّى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي»، والترمذي في سُنَنه (ج ٣/ ص ٣٤٣/ ح ٢٣١٣) بسنده عن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تذهب الدنيا حتَّى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمى».
(٢١) روى أحمد بن حنبل في مسنده (ج ٢/ ص ٧٤/ ح ٦٤٥) بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «المهدي منَّا أهل البيت، يُصلِحه الله في ليلة»؛ ورواه ابن ماجة في سُنَنه (ج ٢/ ص ١٣٦٧/ ح ٤٠٨٥).
وروى أبو داود في سُنَنه (ج ٢/ ص ٣١٠/ ح ٤٢٨٤) بسنده عن أُمِّ سَلَمة، قالت: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»؛ ورواه ابن ماجة في سُنَنه (ج ٢/ ص ١٣٦٨/ ح ٤٠٨٦)، وفيه: «المهدي من ولد فاطمة».
وراجع: الصواعق المحرقة (ص ١٦٣)، والبيان في أخبار صاحب الزمان المطبوع ضمن كفاية الطالب (ص ٤٨٦)، والفصول المهمَّة (ج ٢/ ص ١١٠٩)، ومطالب السؤول (ص ٤٨٢).
(٢٢) روى ابن طاوس (رحمه الله) في الملاحم والفتن (ص ٢٨٠ و٢٨١/ ح ٤٠٧) عن أبي صالح السليلي في كتاب الفتن من فتوح المهدي (عليه السلام) بسنده عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إذا كان رأس الخمسين والثلاثمائة - وذكر كلمة - نادى منادٍ من السماء: ألَا يا أيُّها الناس إنَّ الله قد قطع مدَّة الجبَّارين والمنافقين وأتباعهم، وولَّاكم الجابر خير أُمَّة محمّد، الحقوه بمكَّة فإنَّه المهدي، واسمه أحمد بن عبد الله»، قال عمران بن الحصين: صف لنا يا رسول الله هذا الرجل وما حاله، فقال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّه رجل من ولدي، كأنَّه من رجال بني إسرائيل، يخرج عند جهد من أُمَّتي وبلاء، عربي اللون، ابن أربعين سنة، كأنَّ وجهه كوكب دُرِّي، يملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، يملك عشرين سنة، وهو صاحب مدائن الكفر كلِّها: قسطنطينيَّة وروميَّة، يخرج إليه الأبدال من الشام وأشباههم، كأنَّ قلوبهم زبر الحديد، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، وأهل اليمن حتَّى يأتونه فيبايعونه بين الركن والمقام، فيخرج من مكَّة متوجِّهاً إلى الشام، يفرح به أهل السماء والأرض والطير في الهواء والحيتان في البحر».
(٢٣) روى نعيم بن حمَّاد المروزي في كتابه الفتن (ص ٢٣١) بسنده عن محمّد بن جعفر، عن عليِّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)، قال: «سمَّى النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الحسن سيِّداً، وسيخرج من صلبه رجلاً اسمه اسم نبيِّكم، يملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت جوراً».
وفي (ص ٤٢٥) بسنده السابق، قال: قال عليُّ بن أبي طالب: «يخرج رجل من ولد حسين اسمه اسم نبيِّكم، يفرح بخروجه أهل السماء والأرض».
(٢٤) سُئِلَ عمَّن أنكر المهدي الموعود به، فأجاب:... فإنْ كان لإنكارهم السُّنَّة رأساً فهو كفر يُقضى عليهم بكفرهم وردَّتهم فيُقتَلون...، وإنْ كان لا لإنكارهم لها وإنَّما هو محض عناد لأئمَّة الإسلام...، فهو يقتضي التعزير البليغ وإهانتهم بما يراه الحاكم لائقاً بعظيم جريمتهم وقبح طريقتهم وفساد عقيدتهم...
وكذلك أفتى الشيخ العلَّامة يحيى بن محمّد الحنبلي بكفر من أنكر المهدي (عليه السلام)، فقال: وأمَّا من كذَّب بالمهدي الموعود به فقد أخبر (عليه الصلاة والسلام) بكفره.
راجع: البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ١٧٩ فصاعداً/ الباب الثالث عشر: في فتاوى علماء العرب من أهل مكَّة المشرَّفة في شأن المهدي الموعود في آخر الزمان).
وروي عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من كذَّب بالدجَّال فقد كفر، ومن كذَّب بالمهدي فقد كفر». راجع: القول المختصر في علامات المهدي المنتظر (ص ١٥٦)، والروض الأنف (ج ١/ ص ٢٨٠)، وعقد الدُّرَر (ص ١٥٧)، وتاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣١٢)، والعرف الوردي (ص ١٦٥/ ح ٢٢٩).
(٢٥) هناك جمع من علماء العامَّة وافقوا الشيعة في وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) الآن وفي ولادته وأنَّه هو ابن الحسن العسكري (عليه السلام)، وإليك بعض أسمائهم:
١ - محمّد بن طلحة الشافعي (٦٥٢هـ)، قال في مطالب السؤول (ص ٤٧٩ - ٤٨١): (الباب الثاني عشر في أبي القاسم (عليه السلام) الإمام أبي القاسم المهدي (عليه السلام) محمّد ابن الحسن الخالص بن عليٍّ المتوكِّل بن محمّد القانع بن عليٍّ الرضا بن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليٍّ زين العابدين بن الحسين الزكيِّ بن عليٍّ المرتضى أمير المؤمنين ابن أبي طالب، المهدي الحجَّة الخلف الصالح المنتظر (عليهم السلام ورحمة الله وبركاته...)، إلى أنْ قال: (فأمَّا مولده: فبسُرَّ من رأى في ثالث وعشرين رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين للهجرة. وأمَّا نسبه أباً وأُمًّا: فأبوه محمّد الحسن الخالص بن عليٍّ المتوكِّل بن محمّد القانع بن عليٍّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليٍّ زين العابدين بن الحسين الزكيِّ بن عليٍّ المرتضى أمير المؤمنين، وقد تقدَّم ذكر ذلك مفصَّلاً. وأُمُّه: أُمُّ ولد تُسمَّى صقيل، وقيل: حكيمة، وقيل: غير ذلك. وأمَّا اسمه: فمحمّد. وكنيته: أبو القاسم. ولقبه: الحجَّة، والخلف الصالح، وقيل: المنتظر).
٢ - سبط ابن الجوزي (٦٥٤هـ)، قال في تذكرة الخواصِّ (ص ٣٢٥): (فصل: في ذكر الحجَّة المهدي، هو محمّد بن الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى الرضا ابن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، وكنيته: أبو عبد الله، وأبو القاسم، وهو الخلف الحجَّة، صاحب الزمان، القائم والمنتظر والتالي، وهو آخر الأئمَّة).
٣ - محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي (٦٥٨هـ)، قال في البيان في أخبار صاحب الزمان المطبوع ضمن كفاية الطالب (ص ٥٢١): (الباب الخامس والعشرون: في الدلالة على كون المهدى (عليه السلام) حيًّا باقياً مذ غيبته إلى الآن، ولا امتناع في بقائه بدليل بقاء عيسى وإلياس والخضر من أولياء الله تعالى، وبقاء الدجَّال وإبليس الملعونين أعداء الله تعالى، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسُّنَّة، وقد اتَّفقوا عليه ثمّ أنكروا جواز بقاء المهدي، وها أنا أبين بقاء كلِّ واحدٍ منهم، فلا يسع بعد هذا لعاقل إنكار جواز بقاء المهدي (عليه السلام)).
٤ - عليُّ بن محمّد بن أحمد المالكي المكّي المشهور بـ(ابن الصبَّاغ) (٨٥٥هـ)، قال في كتابه الفصول المهمَّة (ج ٢/ ص ١٠٩٥ - ١١٠٤): (الفصل الثاني عشر: في ذكر أبي القاسم محمّد (عليه السلام) الحجَّة الخلف الصالح ابن أبي محمّد الحسن الخالص (عليه السلام)، وهو الإمام الثاني عشر، وتاريخ ولادته ودلائل إمامته وذكر طرف من أخباره وغَيبته ومدَّة قيام دولته وذكر كنيته ونسبه وغير ذلك ممَّا يتَّصل به (رضي الله عنه وأرضاه)...)، إلى أنْ قال: (وُلِدَ أبو القاسم محمّد الحجَّة ابن الحسن الخالص بسُرَّ من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين للهجرة. وأمَّا نسبه أباً وأُمًّا، فهو أبو القاسم محمّد الحجَّة ابن الحسن الخالص ابن عليٍّ الهادي ابن محمّد الجواد ابن عليٍّ الرضا ابن موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ابن محمّد الباقر ابن عليٍّ زين العابدين ابن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (صلوات الله عليهم أجمعين)، وأمَّا أُمُّه فأُمُّ ولد يقال لها: نرجس، خير أَمَة، وقيل: اسمها غير ذلك. وأمَّا كنيته فأبو القاسم. وأمَّا لقبه فالحجَّة، والمهدي، والخلف الصالح، والقائم المنتظَر، وصاحب الزمان، وأشهرها: المهدي).
٥ - ابن حجر الهيتمي المكّي (٩٧٤هـ)، قال في الصواعق المحرقة (ص ٢٠٨) بعد ذكر بعض حالات الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): (ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمّد الحجَّة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين لكن آتاه الله فيها الحكمة، ويُسمَّى القائم المنتظر).
إلى غير ذلك من علمائهم لا نُطوِّل بذكرهم ففي ما أوردناه كفاية لمن أنصف.
(٢٦) عن سدير، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ في القائم سُنَّة من يوسف (عليه السلام)»، قلت: كأنَّك تذكر خبره أو غيبته، فقال لي: «وما تُنكِر من ذلك هذه الأُمَّة أشباه الخنازير، إنَّ إخوة يوسف كانوا أسباطاً أولاد أنبياء تاجروا يوسف وبايعوه وهم إخوته وهو أخوهم، فلم يعرفوه حتَّى قال لهم: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾، فما تُنكِر هذه الأُمَّة أنْ يكون الله (عزَّ وجلَّ) في وقت من الأوقات يريد أنْ يستر حجَّته؟ لقد كان يوسف (عليه السلام) إليه ملك مصر، وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوماً، فلو أراد الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يُعرِّفه مكانه لقدر على ذلك، والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة مسيرة تسعة أيَّام من بدوهم إلى مصر، فما تُنكِر هذه الأُمَّة أنْ يكون الله (عزَّ وجلَّ) يفعل بحجَّته ما فعل بيوسف أنْ يكون يسير في أسواقهم، ويطأ بُسُطهم، وهم لا يعرفونه؟ حتَّى يأذن الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يُعرِّفهم بنفسه كما أذن ليوسف حتَّى قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ [يوسف: ٨٩ و٩٠]». الإمامة والتبصرة (ص ١٢١ و١٢٢/ ح ١١٧)؛ ورواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٦ و٣٣٧/ باب في الغيبة/ ح ٤)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٦٦ و١٦٧/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٤)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ١٤٤ و١٤٥/ باب ٥/ ح ١١، وص ٣٤١/ باب ٣٣/ ح ٢١)، وفي علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤٤/ باب ١٧٩/ ح ٣)، والطبري (رحمه الله) في دلائل الإمامة (ص ٥٣١ و٥٣٢/ ح ٥١٠/١١٤)، وأبو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف (ص ٤٣٠)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٣٦ و٢٣٧)، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٩٣٤ و٩٣٥).
(٢٧) قال ابن خلدون في تاريخه (ج ١/ ص ١٩٩): (... وخصوصاً الاثنا عشريَّة منهم، يزعمون أنَّ الثاني عشر من أئمَّتهم، وهو محمّد بن الحسن العسكري، ويُلقِّبونه المهدي، دخل في سرداب بدارهم في الحلَّة وتغيَّب حين اعتُقِلَ مع أُمِّه وغاب هنالك، وهو يخرج آخر الزمان فيملأ الأرض عدلاً، يشيرون بذلك إلى الحديث الواقع في كتاب الترمذي في المهدي، وهم إلى الآن ينتظرونه ويسمُّونه المنتظر لذلك، ويقفون في كلِّ ليلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السرداب وقد قدَّموا مركباً، فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتَّى تشتبك النجوم، ثمّ ينفضون ويرجئون الأمر إلى الليلة الآتية، وهم علي ذلك لهذا العهد).
(٢٨) قال في تفسيره (ج ١٠/ ص ٤ و٥): (... ومذهب الإماميَّة أنَّه ينقسم إلى ستَّة أسهم أيضاً كمذهب أبي العالية إلَّا أنَّهم قالوا: إنَّ سهم الله تعالى وسهم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسهم ذوي القربى للإمام القائم مقام الرسول (عليه الصلاة والسلام)، وسهم ليتامى آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم لا يشركهم في ذلك غيرهم، ورووا ذلك عن زين العابدين ومحمّد بن عليٍّ الباقر (رضي الله تعالى عنهم)، والظاهر أنَّ الأسهم الثلاثة الأُوَل التي ذكروها اليوم تُخبَّأ في السرداب، إذ القائم مقام الرسول قد غاب عندهم، فتُخبَّأ له حتَّى يرجع من غيبته).
(٢٩) لعلَّ هذه الإحصائيَّة في تاريخ هذه المحاضرة، أمَّا اليوم وهو سنة (٢٠٢١م) فإنَّ عدد الشيعة يزيد على (٣٥٠) مليون نسمة، والحمد لله.
(٣٠) الشيخ عبد الجليل عيسى أبو النصر المالكي، وُلِدَ في عزبة الرملة بمديريَّة البحيرة عام (١٨٨٨م)، وتلقى علومه الأُولى في الجامع الأحمدي في طنطا، وحصل على عالميَّة الأزهر في سنِّ الخامسة والعشرين، عُيِّن مدرِّساً بمعهد طنطا، وأسَّس معهد شبين الكوم في (١٩٣٧م)، وكان أوَّل عميد لهذا المعهد. له: ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين، تيسير التفسير، اجتهاد الرسول، صفوة صحيح البخاري، وغير ذلك، تُوفِّي عام (١٩٨١م).
(٣١) قال في ما لا يجوز فيه الخلاف (ص ٧٠/ فصل: بعض آثار هذه الخلافات المحزنة): (... ويُؤيِّد كلام الشاطبي قول بعض متعصِّبي الملاكيَّة: إنَّ من حلف على أنَّ جميع ما في كتاب موطَّأ مالك من الأحاديث صحيح لا يحنث، أمَّا من حلف على أنَّ جميع ما في البخاري ومسلم من الأحاديث صحيح فإنَّه يحنث في يمينه).
(٣٢) راجع: دراسات في الحديث والمحدِّثين (ص ١٠٩/ الفصل الرابع: البخاري وصحيحه بنظر المحدِّثين).
(٣٣) روى البخاري في صحيحه (ج ١٠/ ص ٤٩/ ح ٥٥٢٤)، بسنده عن أبي هريرة، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «خلق اللهُ آدمَ على صورته، طوله ستُّون ذراعاً...».
(٣٤) روى البخاري في صحيحه (ج ١/ ص ٣٥٣/ ح ٤٨٧) بسنده عن ابن عبَّاس أنَّ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صلَّى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
(٣٥) روى مسلم في صحيحه (ج ٢/ ص ١٥١) بسنده عن ابن عبَّاس، قال: صلَّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر.
(٣٦) راجع: سُنَن ابن ماجة (ج ١/ ص ٣٤٠)، وسُنَن أبي داود (ج ١/ ص ٢٧٠)، وسُنَن الترمذي (ج ١/ ص ١٢١)، وسُنَن النسائي (ج ١/ ص ٤٩١).
(٣٧) روى مسلم في صحيحه (ج ٢/ ص ١٥٢) بسنده عن ابن عبَّاس أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال سعيد: فقلت لابن عبَّاس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أنْ لا يحرج أُمَّته.
(٣٨) حديث متواتر رواه الخاصَّة والعامَّة بألفاظ مختلفة؛ راجع على سبيل المثال: فضائل الخمسة من الصحاح الستَّة (ج ٢/ ص ٤٣ - ٥٣)، عن صحيح مسلم (كتاب فضائل الصحابة/ باب فضائل عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام))، ومسند أحمد (ج ٣/ ص ١٤ و١٧ و٢٦ و٥٩، وج ٤/ ص ٣٦٦ و٣٧١، وج ٥/ ص ١٨١)، وسُنَن البيهقي (ج ٢/ ص ١٤٨، وج ٧/ ص ٣٠)، وسُنَن الدارمي (ج ٢/ ص ٤٣١)، وكنز العُمَّال (ج ١/ ص ٤٤ و٤٥ و٤٧ و٤٨ و٩٦ - ٩٨، وج ٣/ ص ٦١، وج ٦/ ص ٣٩٠، وج ٧/ ص ١٠٢ و٢٢٥)، ومشكل الآثار للطحاوي (ج ٤/ ص ٣٦٨)، وسُنَن الترمذي (ج ٢/ ص ٣٠٨)، وأُسد الغابة (ج ٢/ ص ١٢، وج ٣/ ص ١٤٧)، والدُّرِّ المنثور (في ذيل تفسير آية المودَّة في سورة الشورى)، وقال: أخرجه ابن الأنباري في المصاحف، ومستدرك الحاكم (ج ٣/ ص ١٠٩ و١٤٨)، وخصائص النسائي (ص ٢١)، والصواعق المحرقة (ص ٧٥ و٨٩ و١٣٦)، وتفسير الرازي في ذيل تفسير قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: ١٠٣)، ومجمع الزوائد (ج ٥/ ص ١٩٥، وج ٩/ ص ١٦٣ و١٦٤، وج ١٠/ ص ٣٦٣)، وطبقات ابن سعد (ج ٢/ القسم ٢/ ص ٢)، وفيض القدير للمناوي (ج ٣/ ص ١٤)، وحلية الأولياء (ج ١/ ص ٣٥٥، وج ٩/ ص ٦٤)، وتاريخ بغداد (ج ٨/ ص ٤٤٢)، والرياض النضرة (ج ٢/ ص ١٧٧)، وقَصص الأنبياء للثعلبي (ص ١٤)، إلى غير ذلك من مصادر العامَّة الكثيرة.
(٣٩) روى الحاكم في المستدرك (ج ٢/ ص ٣٤٣) بسنده حنش الكناني، قال: سمعت أبا ذرٍّ يقول وهو آخذ بباب الكعبة: أيُّها الناس من عرفني فأنا من عرفتم، ومن أنكرني فأنا أبو ذرٍّ، سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلَّف عنها غرق»، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يُخرِّجاه.
(٤٠) روى الجرجاني في أماليه (ج ١/ ص ٢٠٠/ ح ٧٤٢) بسنده عن موسى بن إبراهيم المروذي الأعور، قال: حدَّثني موسى بن جعفر بن محمّد، قال: حدَّثني أبي جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليٍّ، عن أبيه عليِّ بن الحسين ، عن أبيه، عن عليٍّ (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، فويل لمن خذلهم وعاندهم».
(٤١) قد مرَّ ذكر مصادره قبل قليل، فراجع.
(٤٢) روى الحاكم في المستدرك (ج ١/ ص ٩٣) بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّي قد تركت فيكم شيئين لن تضلُّوا بعدهما: كتاب الله وسُنَّتي، ولن يتفرَّقا حتَّى يردا عليَّ الحوض».
(٤٣) محمّد بن جعفر الكتاني الحسني، وُلِدَ بفاس عام (١٢٧٤هـ)، أخذه والده للكُتَّاب فحفظ القرآن ومهمَّات المتون، ثمّ دخل جامع القرويين، فأخذ مختلف العلوم على أئمَّة العلم في عصره. له: نظلم المتناثر من الحديث المتواتر، سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس، تعجيل البشارة للعامل بالاستخارة، وغير ذلك. تُوفِّي عام (١٣٤٧هـ).
(٤٤) الظاهر أنَّ هذه المحاضرة أُلقيت في (١٤/ شعبان/ ١٤١٧هـ) الموافق (٢٥/١٢/١٩٩٦م) الذي هو يوم ولادة نبيِّ الله عيسى (عليه السلام).
(٤٥) روى الكنجي في البيان في أخبار صاحب الزمان المطبوع ضمن كفاية الطالب (ص ٥٠٢ و٥٠٣) بسنده عن أبي هارون العبدي، قال: أتيت أبا سعيد الخدري، فقلت له: هل شهدت بدراً؟ فقال: نعم، فقلت: ألَا تُحدِّثني بشيء ممَّا سمعته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في عليٍّ (عليه السلام) وفضله؟ فقال: بلى أُخبرك أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مرض مرضة نقه منها، فدخلت عليه فاطمة (عليها السلام) تعوده وأنا جالس عن يمين رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلمَّا رأت ما برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الضعف خنقتها العبرة حتَّى بدت دموعها على خدِّها، فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ما يُبكيكِ يا فاطمة؟ أمَا علمتِ أنَّ الله تعالى أطلع إلى الأرض إطلاعة فاختار منها أباكِ فبعثه نبيًّا، ثمّ أطلع ثانيةً فاختار بعلكِ، فأوحى إليَّ فأنكحته واتَّخذته وصيًّا، أمَا علمتِ أنَّكِ بكرامة الله تعالى أباكِ زوَّجكِ أعلمهم علماً، وأكثرهم حلماً، وأقدمهم سلماً»، فضحكت واستبشرت، فأراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنْ يزيدها مزيد الخير كلِّه الذي قسمه الله لمحمّد وآل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال لها: «يا فاطمة، ولعليٍّ ثمانية أضراس - يعني مناقب -: إيمان بالله ورسوله، وحكمته، وزوجته، وسبطاه الحسن والحسين، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر. يا فاطمة، إنَّا أهل بيت أُعطينا ستّ خصال لم يُعطها أحد من الأوَّلين، ولا يُدرِكها أحد من الآخرين غيرنا أهل البيت، نبيُنا خير الأنبياء وهو أبوكِ، ووصيُنا خير الأوصياء وهو بعلكِ، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عمُّ أبيكِ، ومنَّا سبطا هذه الأُمَّة وهما ابناكِ، ومنَّا مهدي الأُمَّة الذي يُصلِّي عيسى خلفه»، ثمّ ضرب على منكب الحسين (عليه السلام) فقال: «من هذا مهدي الأُمَّة».
(٤٦) روى الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٤٢٦ - ٤٣٠/ باب ٤٢/ ح ٢) بسنده عن محمّد بن عبد الله الطهوي، قال: قصدت حكيمة بنت محمّد (عليه السلام) بعد مضيِّ أبو محمّد (عليه السلام) أسألها عن الحجَّة وما قد اختلف فيه الناس من الحيرة التي هم فيها، فقالت لي: اجلس، فجلست، ثمّ قالت: يا محمّد، إنَّ الله تبارك وتعالى لا يُخلي الأرض من حجَّة ناطقة أو صامتة، ولم يجعلها في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام) تفضيلاً للحسن والحسين وتنزيهاً لهما أنْ يكون في الأرض عديلهما، إلَّا أنَّ الله تبارك وتعالى خصَّ ولد الحسين بالفضل على ولد الحسن (عليهما السلام) كما خصَّ ولد هارون على ولد موسى (عليه السلام) وإنْ كان موسى حجَّة على هارون، والفضل لولده إلى يوم القيامة. ولا بد للأُمَّة من حيرة يرتاب فيها المبطلون، ويخلص فيها المحقُّون، كيلا يكون للخلق على الله حجَّة، وإنَّ الحيرة لا بدَّ واقعة بعد مضيِّ أبي محمّد الحسن (عليه السلام)، فقلت: يا مولاتي، هل كان للحسن (عليه السلام) ولد؟ فتبسَّمت ثمّ قالت: إذا لم يكن للحسن (عليه السلام) عقب فمن الحجَّة من بعده وقد أخبرتك أنَّه لا إمامة لأخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)؟ فقلت: يا سيِّدتي، حدِّثيني بولادة مولاي وغيبته (عليه السلام)، قالت: نعم، كانت لي جارية يقال لها: نرجس، فزارني ابن أخي فأقبل يحدق النظر إليها، فقلت له: يا سيِّدي، لعلَّك هويتها فأُرسلها إليك؟ فقال لي: «لا يا عمَّة، ولكنِّي أتعجَّب منها»، فقلت: وما أعجبك [منها]؟ فقال (عليه السلام): «سيخرج منها ولد كريم على الله (عزَّ وجلَّ) الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»، فقلت: فأُرسلها إليك يا سيِّدي؟ فقال: «استأذني في ذلك أبي (عليه السلام)»، قالت: فلبست ثيابي وأتيت منزل أبي الحسن (عليه السلام)، فسلَّمت وجلست، فبدأني (عليه السلام) وقال: «يا حكيمة، ابعثي نرجس إلى ابني أبي محمّد، قالت: فقلت: يا سيِّدي، على هذا قصدتك، على أنْ أستأذنك في ذلك، فقال لي: «يا مباركة، إنَّ الله تبارك وتعالى أحبَّ أنْ يُشرككِ الأجر ويجعل لك في الخير نصيباً»، قالت حكيمة: فلم ألبث أنْ رجعت إلى منزلي وزيَّنتها ووهبتها لأبي محمّد (عليه السلام) وجمعت بينه وبينها في منزلي، فأقام عندي أيَّاماً، ثمّ مضى إلى والده (عليهما السلام) ووجَّهت بها معه.
قالت حكيمة: فمضى أبو الحسن (عليه السلام) وجلس أبو محمّد (عليه السلام) مكان والده، وكنت أزوره كما كنت أزور والده، فجاءتني نرجس يوماً تخلع خفِّي، فقالت: يا مولاتي، ناوليني خفَّكِ، فقلت: بل أنتِ سيِّدتي ومولاتي، والله لا أدفع إليكِ خفِّي لتخلعيه، ولا لتخدميني، بل أنا أُخدمكِ على بصري، فسمع أبو محمّد (عليه السلام) ذلك فقال: «جزاكِ الله يا عمَّة خيراً»، فجلست عنده إلى وقت غروب الشمس، فصحت بالجارية وقلت: ناوليني ثيابي لأنصرف، فقال (عليه السلام): «لا يا عمَّتا بيتي الليلة عندنا، فإنَّه سيُولَد الليلة المولود الكريم على الله (عزَّ وجلَّ) الذي يُحيى الله (عزَّ وجلَّ) به الأرض بعد موتها»، فقلت: ممَّن يا سيِّدي؟ ولست أرى بنرجس شيئاً من أثر الحبل، فقال: «من نرجس لا من غيرها»، قالت: فوثبت إليها فقلبتها ظهراً لبطن فلم أرَ بها أثر حبل، فعدت إليه (عليه السلام) فأخبرته بما فعلت، فتبسَّم ثمّ قال لي: «إذا كان وقت الفجر يظهر لكِ بها الحبل، لأنَّ مثلها مثل أُمِّ موسى (عليه السلام) لم يظهر بها الحبل ولم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها، لأنَّ فرعون كان يشقُّ بطون الحبالى في طلب موسى (عليه السلام)، وهذا نظير موسى (عليه السلام)».
قالت حكيمة: فعدت إليها، فأخبرتها بما قال، وسألتها عن حالها، فقالت: يا مولاتي، ما أرى بي شيئاً من هذا، قالت حكيمة: فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر وهي نائمة بين يدي لا تقلب جنباً إلى جنب حتَّى إذا كان آخر الليل وقت طلوع الفجر وثبت فزعة، فضممتها إلى صدري وسمَّيت عليها، فصاح [إليَّ] أبو محمّد (عليه السلام) وقال: «اقرئي عليها ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾»، فأقبلت أقرأ عليها، وقلت لها: ما حالكِ؟ قالت: ظهر [بي] الأمر الذي أخبركِ به مولاي، فأقبلت أقرأ كما أمرني، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ مثل ما أقرأ وسلَّم عليَّ.
قالت حكيمة: ففزعت لما سمعت، فصاح بي أبو محمّد (عليه السلام): «لا تعجبي من أمر الله (عزَّ وجلَّ)، إنَّ الله تبارك وتعالى يُنطِقنا بالحكمة صغاراً، ويجعلنا حجَّةً في أرضه كباراً»، فلم يستتمّ الكلام حتَّى غُيِّبت عنِّي نرجس فلم أرَها كأنَّه ضُرِبَ بيني وبينها حجاب، فعدوت نحو أبي محمّد (عليه السلام) وأنا صارخة، فقال لي: «ارجعي يا عمَّة فإنَّكِ ستجديها في مكانها».
قالت: فرجعت، فلم ألبث أنْ كُشِفَ الغطاء الذي كان بيني وبينها، وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشَّى بصري، وإذا أنا بالصبيِّ (عليه السلام) ساجداً لوجهه، جاثياً على ركبتيه، رافعاً سبَّابتيه، وهو يقول: «أشهد أنْ لا إله إلَّا الله، [وحده لا شريك له]، وأنَّ جدِّي محمّداً رسول الله، وأنَّ أبي أمير المؤمنين»، ثمّ عدَّ إماماً إماماً إلى أنْ بلغ إلى نفسه، ثمّ قال: «اللَّهُمَّ أنجز لي ما وعدتني، وأتمم لي أمري، وثبِّت وطأتي، واملأ الأرض بي عدلاً وقسطاً»، فصاح بي أبو محمّد (عليه السلام) فقال: «يا عمَّة، تناوليه وهاتيه»، فتناولته وأتيت به نحوه، فلمَّا مثلت بين يدي أبيه وهو على يدي سلَّم على أبيه، فتناوله الحسن (عليه السلام) منِّي [والطير ترفرف على رأسه]، وناوله لسانه، فشرب منه، ثمّ قال: «امضي به إلى أُمِّه لترضعه ورديه إليَّ».
قالت: فتناولته أُمُّه، فأرضعته، فرددته إلى أبي محمّد (عليه السلام) والطير ترفرف على رأسه، فصاح بطير منها، فقال له: «أحمله واحفظه وردَّه إلينا في كلِّ أربعين يوماً»، فتناوله الطير وطار به في جوِّ السماء وأتبعه سائر الطير، فسمعت أبا محمّد (عليه السلام) يقول: «أستودعك الله الذي أودعته أُمُّ موسى موسى»، فبكت نرجس، فقال لها: «اسكتي فإنَّ الرضاع محرَّم عليه إلَّا من ثديكِ، وسيعاد إليكِ كما رُدَّ موسى إلى أُمِّه، وذلك قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [القَصص: ١٣]».
قالت حكيمة: فقلت: وما هذا الطير؟ قال: «هذا روح القدس الموكَّل بالأئمَّة (عليهم السلام)، يُوفِّقهم ويُسدِّدهم ويُربِّيهم بالعلم»، قالت حكيمة: فلمَّا كان بعد أربعين يوماً رُدَّ الغلام، ووجَّه إليَّ ابن أخي (عليه السلام) فدعاني، فدخلت عليه، فإذا أنا بالصبيِّ متحرِّك يمشي بين يديه، فقلت: يا سيِّدي، هذا ابن سنتين؟ فتبسَّم (عليه السلام)، ثمّ قال: «إنَّ أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمَّة ينشؤون بخلاف ما ينشؤ غيرهم، وإنَّ الصبيَّ منَّا إذا كان أتى عليه شهر كان كمن أتى عليه سنة، وإنَّ الصبيَّ منَّا ليتكلَّم في بطن أُمِّه ويقرأ القرآن ويعبد ربَّه (عزَّ وجلَّ)، [و]عند الرضاع تطيعه الملائكة وتنزل عليه صباحاً ومساءً».
قالت حكيمة: فلم أزل أرى ذلك الصبي في كلِّ أربعين يوماً إلى أنْ رأيته رجلاً قبل مضيِّ أبي محمّد (عليه السلام) بأيَّام قلائل، فلم أعرفه، فقلت لابن أخي (عليه السلام): من هذا الذي تأمرني أنْ أجلس بين يديه؟ فقال لي: «هذا ابن نرجس، وهذا خليفتي من بعدي، وعن قليل تفقدوني، فاسمعي له وأطيعي».
قالت حكيمة: فمضى أبو محمّد (عليه السلام) بعد ذلك بأيَّام قلائل، وافترق الناس كما ترى، ووالله إنِّي لأراه صباحاً ومساءً، وإنَّه ليُنبئني عمَّا تسألون عنه فأُخبركم، ووالله إنِّي لأُريد أنْ أسأله عن الشيء فيبدأني به، وإنَّه ليرد عليَّ الأمر فيخرج إليَّ منه جوابه من ساعته من غير مسألتي، وقد أخبرني البارحة بمجيئك إليَّ وأمرني أنْ أُخبرك بالحقِّ.قال محمّد بن عبد الله: فوَالله لقد أخبرتني حكيمة بأشياء لم يطلع عليها أحد إلَّا الله (عزَّ وجلَّ)، فعلمت أنَّ ذلك صدق وعدل من الله (عزَّ وجلَّ)، لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) قد أطلعه على ما لم يُطِلع عليه أحداً من خلقه.
(٤٧) قال ابن الجوزي في المنتظم في تاريخ الأُمَم والملوك (ج ١/ ص ٣٣٣): (قال علماء السِّيَر: قالت الكهنة لفرعون: يُولَد مولود في بني إسرائيل يكون هلاكك على يده، فأمر بذبح أبنائهم، ثمّ اشتكت القبط إلى فرعون وقالت: إنْ دمت على الذبح فلم يبقَ من بني إسرائيل من يخدمنا، فصار يذبح سنة ويترك سنة. فوُلِدَ هارون في السنة التي لا يذبح فيها، ووُلِدَ موسى بعده بسنة. وقال قوم: بينهما ثلاث سنين. قال وهب: بلغني أنَّه ذبح سبعين ألف وليد. فلمَّا حملت أُمُّ موسى بموسى لم يتبيَّن حملها ولم تعلم بولادتها إلَّا أُخته مريم، فكتمته ثلاثة أشهر...)؛ وراجع: تفسير ابن كثير (ج ٣/ ص ٣٩٢).
(٤٨) روى الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٤٨ - ٢٥٠/ ح ٢١٨) بسنده عن رشيق صاحب المادراي، قال: بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر، فأمرنا أنْ يركب كلّ واحد منَّا فرساً ونجنب آخر ونخرج مخفِّين لا يكون معنا قليل ولا كثير إلَّا على السرج مصلى، وقال (لنا): الحقوا بسامرَّة، ووصف لنا محلَّةً وداراً، وقال: إذا أتيتموها تجدون على الباب خادماً أسود، فاكبسوا الدار، ومن رأيتم فيها فأتوني برأسه. فوافينا سامرَّة فوجدنا الأمر كما وصفه، وفي الدهليز خادم أسود، وفي يده تكَّة ينسجها، فسألناه عن الدار ومن فيها، فقال: صاحبها، فوَالله ما التفت إلينا وقلَّ اكتراثه بنا، فكبسنا الدار كما أُمرنا، فوجدنا داراً سرّيَّة ومقابل الدار ستر ما نظرت قطُّ إلى أنبل منه، كأنَّ الأيدي رُفِعَت عنه في ذلك الوقت، ولم يكن في الدار أحد، فرفعنا الستر، فإذا بيت كبير كأنَّ بحراً فيه (ماء)، وفي أقصى البيت حصير قد علمنا أنَّه على الماء، وفوقه رجل من أحسن الناس هيأةً قائم يُصلِّي، فلم يلتفت إلينا ولا إلى شيء من أسبابنا، فسبق أحمد بن عبد الله ليتخطَّى البيت، فغرق في الماء، وما زال يضطرب حتَّى مددت يدي إليه فخلَّصته وأخرجته وغشي عليه وبقي ساعة، وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك الفعل فناله مثل ذلك، وبقيت مبهوتاً، فقلت لصاحب البيت: المعذرة إلى الله وإليك، فوَالله ما علمت كيف الخبر ولا إلى من أجيء، وأنا تائب إلى الله، فما التفت إلى شيء ممَّا قلنا، وما انفتل عمَّا كان فيه، فهالنا ذلك، وانصرفنا عنه، وقد كان المعتضد ينتظرنا، وقد تقدَّم إلى الحُجَّاب إذا وافيناه أنْ ندخل عليه في أيِّ وقتٍ كان، فوافيناه في بعض الليل، فأُدخلنا عليه، فسألنا عن الخبر، فحكينا له ما رأينا، فقال: ويحكم لقيكم أحد قبلي وجرى منكم إلى أحد سبب أو قول؟ قلنا: لا، فقال: أنا نفي من جدِّي، وحلف بأشدّ أيمان له أنَّه رجل إنْ بلغه هذا الخبر ليضربنَّ أعناقنا، فما جسرنا أنْ نُحدِّث به إلَّا بعد موته.
(٤٩) روى الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٤٧٣ - ٤٧٦/ باب ٤٣/ ح ٢٥) بسنده عن أبي الحسين الحسن بن وجناء، قال: حدَّثنا أبي، عن جدِّه أنَّه كان في دار الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، فكبستنا الخيل وفيهم جعفر بن عليٍّ الكذَّاب، واشتغلوا بالنهب والغارة، وكانت همَّتي في مولاي القائم (عليه السلام)، قال: فإذا (أنا) به (عليه السلام) قد أقبل وخرج عليهم من الباب وأنا أنظر إليه، وهو (عليه السلام) ابن ستّ سنين، فلم يرَه أحد حتَّى غاب.
ووجدت مثبتاً في بعض الكُتُب المصنَّفة في التواريخ ولم أسمعه إلَّا عن محمّد بن الحسين ابن عبَّاد أنَّه قال: مات أبو محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) يوم جمعة مع صلاة الغداة، وكان في تلك الليلة قد كتب بيده كُتُباً كثيرة إلى المدينة، وذلك في شهر ربيع الأوَّل لثمان خلون منه سنة ستِّين ومائتين من الهجرة، ولم يحضر(ه) في ذلك الوقت إلَّا صقيل الجارية، وعقيد الخادم، ومن علم الله (عزَّ وجلَّ) غيرهما، قال عقيد: فدعا بماء قد أُغلي بالمصطكي، فجئنا به إليه، فقال: «أبدء بالصلاة، هيِّئوني»، فجئنا به وبسطنا في حجره المنديل، فأخذ من صقيل الماء فغسل به وجهه وذراعيه مرَّة مرَّة ومسح على رأسه وقدميه مسحاً، وصلَّي صلاة الصبح على فراشه، وأخذ القدح ليشرب، فأقبل القدح يضرب ثناياه ويده ترتعد، فأخذت صقيل القدح من يده، ومضى من ساعته (صلوات الله عليه) ودُفِنَ في داره بسُرَّ من رأى إلى جانب أبيه (صلوات الله عليهما)، فصار إلى كرامة الله (جلَّ جلاله) وقد كمل عمره تسعاً وعشرين سنة.
قال: وقال لي عبَّاد في هذا الحديث: قَدِمَت أُمُّ أبي محمّد (عليه السلام) من المدينة، واسمها: (حديث) حين اتَّصل بها الخبر إلى سُرَّ من رأى، فكانت لها أقاصيص يطول شرحها مع أخيه جعفر ومطالبته إيَّاها بميراثه وسعايته بها إلى السلطان وكشفه ما أمر الله (عزَّ وجلَّ) بستره، فادَّعت عند ذلك صقيل أنَّها حامل، فحُمِلَت إلى دار المعتمد، فجعل نساء المعتمد وخدمه، ونساء الموفَّق وخدمه، ونساء القاضي ابن أبي الشوارب يتعاهدن أمرها في كلِّ وقت ويراعون، إلى أنْ دهمهم أمر الصغار وموت عبيد الله بن يحيى بن خاقان بغتة وخروجهم من سُرَّ من رأى وأمر صاحب الزنج بالبصرة وغير ذلك، فشغلهم ذلك عنها...
إلى أنْ قال: وحدَّث أبو الأديان، قال: كنت أخدم الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، وأحمل كُتُبه إلى الأمصار، فدخلت عليه في علَّته التي تُوفِّي فيها (صلوات الله عليه)، فكتب معي كُتُباً وقال: «امض بها إلى المدائن، فإنَّك ستغيب خمسة عشر يوماً، وتدخل إلى سُرَّ من رأى يوم الخامس عشر، وتسمع الواعية في داري، وتجدني على المغتسل»، قال أبو الأديان: فقلت: يا سيِّدي، فإذا كان ذلك فمن؟ قال: «من طالبك بجوابات كُتُبي فهو القائم من بعدي»، فقلت: زدني، فقال: «من يُصلِّي عليَّ فهو القائم بعدي»، فقلت: زدني، فقال: «من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي»، ثمّ منعتني هيبته أنْ أسأله عمَّا في الهميان.
وخرجت بالكُتُب إلى المدائن، وأخذت جواباتها، ودخلت سُرَّ من رأى يوم الخامس عشر كما ذكر لي (عليه السلام)، فإذا أنا بالواعية في داره، وإذا به على المغتسل، وإذا أنا بجعفر بن عليٍّ أخيه بباب الدار والشيعة من حوله يعزُّونه ويهنُّونه، فقلت في نفسي: إنْ يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة، لأنِّي كنت أعرفه يشرب النبيذ، ويقامر في الجوسق، ويلعب بالطنبور، فتقدَّمت فعزَّيت وهنَّيت، فلم يسألني عن شيء، ثمّ خرج عقيد فقال: يا سيِّدي، قد كُفِّن أخوك فقم وصلِّ عليه، فدخل جعفر بن عليٍّ والشيعة من حوله يقدمهم السمَّان والحسن بن عليٍّ قتيل المعتصم المعروف بسلمة، فلمَّا صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن عليٍّ (صلوات الله عليه) على نعشه مكفَّناً، فتقدَّم جعفر بن عليٍّ ليُصلِّي على أخيه، فلمَّا همَّ بالتكبير خرج صبيٌّ بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجبذ برداء جعفر بن عليٍّ وقال: «تأخَّر يا عمّ، فأنا أحقّ بالصلاة على أبي»، فتأخَّر جعفر، وقد أربد وجهه واصفرَّ، فتقدَّم الصبيُ وصلَّى عليه ودُفِنَ إلى جانب قبر أبيه (عليهما السلام)، ثمّ قال: «يا بصري، هات جوابات الكُتُب التي معك»، فدفعتها إليه، فقلت في نفسي: هذه بيِّنتان بقي الهميان، ثمّ خرجت إلى جعفر بن عليٍّ وهو يزفر، فقال له حاجز الوشَّاء: يا سيِّدي من الصبيُ؟ لنقيم الحجَّة عليه، فقال: والله ما رأيته قطُّ ولا أعرفه.
فنحن جلوس إذ قَدِمَ نفر من قم فسألوا عن الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) فعرفوا موته، فقالوا: فمن (نُعزِّي)؟ فأشار الناس إلى جعفر بن عليٍّ، فسلَّموا عليه وعزُّوه وهنُّوه وقالوا: إنَّ معنا كُتُباً ومالاً، فتقول ممَّن الكُتُب؟ وكم المال؟ فقام ينفض أثوابه ويقول: تريدون منَّا أنْ نعلم الغيب، قال: فخرج الخادم فقال: معكم كُتُب فلان وفلان (وفلان)، وهميان فيه ألف دينار وعشرة دنانير منها مطليَّة، فدفعوا إليه الكُتُب والمال وقالوا: الذي وجَّه بك لأخذ ذلك هو الإمام، فدخل جعفر بن عليٍّ على المعتمد وكشف له ذلك، فوجَّه المعتمد بخدمه فقبضوا على صقيل الجارية فطالبوها بالصبيِّ، فأنكرته وادَّعت حبلاً بها لتُغطِّي حال الصبيِّ، فسُلِّمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي، وبغتهم موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان فجأةً، وخروج صاحب الزنج بالبصرة، فشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم، والحمد لله ربِّ العالمين.
(٥٠) روى الراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ١/ ص ٤٧٨ و٤٧٩/ ح ١٩): عن عيسى ابن صبيح، قال: دخل الحسن العسكري (عليه السلام) علينا الحبس، وكنت به عارفاً، فقال لي: «لك خمس وستُّون سنة، وشهر، ويومان»، وكان معي كتاب دعاء عليه تاريخ مولدي، وإنِّي نظرت فيه فكان كما قال، وقال: «هل رُزِقْتَ ولداً؟»، قلت: لا، فقال: «اللَّهُمَّ ارزقه ولداً يكون له عضداً، فنعم العضد الولد»، ثمّ تمثَّل (عليه السلام):

من كان ذا عضد يُدرِك ضلامته * * * إنَّ الذليل الذي ليست له عضد

قلت: ألك ولد؟ قال: «إي والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطاً [وعدلاً]، فأمَّا الآن فلا»، ثمّ تمثَّل:

لعلَّك يوماً أنْ تراني كأنَّما * * * بنيَّ حوالي الأسود اللوابد
فإنَّ تميماً قبل أنْ يلد الحصى * * * أقام زماناً وهو في الناس واحد

(٥١) قد مرَّ ما روي في ذلك قبل قليل، فراجع.
(٥٢) قد مرَّ ذكر مولده (عليه السلام) في (ص ٤٦ - ٤٩)، فراجع.
(٥٣) قال الشوكاني في (التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجَّال والمسيح) ما نصُّه: (والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها: منها خمسون حديثاً، فيها الصحيح، والحسن، والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شكٍّ ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحرَّرة في الأُصول).
راجع: شرح إحقاق الحقِّ (ج ٣٣/ ص ٩٢٠).
(٥٤) قال القرطبي في تفسيره (ج ٨/ ص ١٢١ و١٢٢): (قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]، قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ يريد محمّداً (عليه السلام). ﴿بِالْهُدَى﴾ أي بالفرقان، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي بالحجَّة والبراهين، وقد أظهره على شرائع الدِّين حتَّى لا يخفى عليه شيء منها، عن ابن عبَّاس وغيره. وقيل: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أي ليُظهِر الدِّين دين الإسلام على كلِّ دين. قال أبو هريرة والضحَّاك: هذا عند نزول عيسى (عليه السلام). وقال السُّدِّي: ذاك عند خروج المهدي، لا يبقى أحد إلَّا دخل في الإسلام أو أدَّى الجزية. وقيل: المهدي هو عيسى فقط، وهو غير صحيح، لأنَّ الأخبار الصحاح تواترت على أنَّ المهدي من عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلا يجوز حمله على عيسى. والحديث الذي ورد في أنَّه (لا مهدي إلَّا عيسى) غير صحيح)؛ وراجع: (ج ٢/ ص ٧٩) (ج ١٠/ ص ٣٨٩ و٣٩٠).
(٥٥) قال ابن تيميَّة في منهاج السُّنَّة (ج ٤/ ص ٩٥): (وأحاديث المهدي معروفة، رواها الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم)، وقال في (ج ٨/ ص ٢٥٤): (إنَّ الأحاديث التي يُحتَجُّ بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود، والترمذي، وأحمد، وغيرهم).
(٥٦) روى الذهبي في ميزان الاعتدال (ج ١/ ص ٦٣/ الرقم ١٩٩) عن ابن عمر مرفوعاً: «يخرج المهدى وعلى رأسه مَلَك ينادي: هذا المهدي فاتَّبعوه»، وفي (ج ١/ ص ٤٤٩/ الرقم ١٦٨٤) عن عبد الله أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إذا أقبلت الرايات السود من خراسان فأتوها فإنَّ فيها المهدي» وفي (ج ٢/ ص ٨٧/ الرقم ٢٩٢٧) عن أُمِّ سَلَمة مرفوعاً: «المهدي من عترتي، من ولد فاطمة».
(٥٧) روى البيهقي في سُنَنه (ج ٩/ ص ١٨٠) بسنده عن أبي الزبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) يقول: سمعت النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لا تزال طائفة من أُمَّتي يقاتلون على الحقِّ ظاهرين إلى يوم القيامة»، قال: «وينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم: تعالَ صلِّ لنا، فيقول: لا، إنَّ بعضكم على بعض أُمراء لتكرمة الله هذه الأُمَّة».
(٥٨) راجع: سُنَن الترمذي (ج ٣/ ص ٣٤٣/ باب ما جاء في المهدي/ ح ٢٣٣١ - ٢٣٣٣) وسُنَن ابن ماجة (ج ٢/ ص ٩٢٨ و٩٢٩/ ح ٢٧٧٩ وص ١٣٦٦ - ١٣٦٨/ باب خروج المهدي/ ح ٤٠٨٢ - ٤٠٨٨) وسُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٣٠٩ - ٣١١/ كتاب المهدي/ ح ٤٢٧٩ - ٤٢٩٠).
(٥٩) وإنَّما رويا حديث نزول عيسى بن مريم (عليه السلام)، وفيه: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم»، ولم يُصرِّحا به راجع: صحيح البخاري (ج ٥/ ص ٤٠١/ ح ٣٠٨٧)، وصحيح مسلم (ج ١/ ص ٩٤).
(٦٠) قال ابن عدي في الكامل (ج ١/ ص ١٣١): (حدَّثني محمّد بن أحمد القومسي، قال: سمعت محمّد بن حمدويه يقول: سمعت محمّد بن إسماعيل [البخاري] يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح).
(٦١) روى ابن ماجة في سُنَنه (ج ١/ ص ٤٨/ ح ١٣٣) بسنده عن سعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل، قال: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عاشر عشرة، فقال: «أبو بكر في الجنَّة، وعمر في الجنَّة، وعثمان في الجنة، وعلىٌّ في الجنَّة، وطلحة في الجنَّة، والزبير في الجنَّة، وسعد في الجنَّة، وعبد الرحمن في الجنَّة»، فقيل له: من التاسع؟ قال: أنا.
وروى الترمذي في سُنَنه (ج ٥/ ص ٣١١ و٣١٢/ ح ٣٨٣٢) بسنده عن عبد الرحمن ابن حميد، عن أبيه أنَّ سعيد بن زيد حدَّثه في نفر أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «عشره في الجنَّة: أبو بكر في الجنَّة، وعمر في الجنَّة، وعلىٌّ، وعثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن، وأبو عبيدة، وسعد بن أبي وقَّاص»، قال: فعدَّ هؤلاء التسعة وسكت عن العاشر، فقال القوم: ننشدك الله يا أبا الأعور من العاشر؟ قال: نشدتموني بالله أبو الأعور في الجنَّة، قال: هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.
وقد أثبت علماؤنا بطلان هذا الحديث بعدَّة أدلَّة، منها ما رواه البخاري في صحيحه (ج ٦/ ص ١٦٠/ ح ٣٣٩٥) بسنده عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاص، عن أبيه، قال: (ما سمعت النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول لأحد يمشي على الأرض: إنَّه من أهل الجنَّة، إلَّا لعبد الله بن سلام).
(٦٢) روى الطبراني في المعجم الأوسط (ج ٣/ ص ١٣١) بسنده عن ابن عبَّاس، قال: (اسم الملكين اللذين يأتيان في القبر: منكر ونكير، وكان اسم هاروت وماروت، وهما في السماء عزرا وعزيرا).
(٦٣) راجع: دراسات في الحديث والمحدِّثين (ص ١٠٩/ الفصل الرابع: البخاري وصحيحه بنظر المحدِّثين).
(٦٤) هذا الحديث أورده وفنَّده جلُّ محدِّثي العامَّة فمن قائل: إنَّه موضوع ومنهم من ضعَّفه ومنهم من قال: إنَّه منكر أو فيه رجل مجهول أو تفرَّد به من رواه وأقلُّ ما قيل فيه: إنَّه لا ينافي حديث خروج المهدي، لأنَّ المراد أنَّه لا مهدي على الحقيقة إلَّا عيسى، أو لا مهدي معصوماً إلَّا هو راجع: منهاج السُّنَّة (ج ٨/ ص ٢٥٦) وتذكرة الموضوعات للفتني (ص ٢٢٣) وفيض القدير (ج ٥/ ص ٤٢٢ و٤٢٣ وج ٦/ ص ٣٦٢)، وتفسير القرطبي (ج ٨/ ص ١٢٢) وميزان الاعتدال (ج ٣/ ص ٥٣٥) وتهذيب التهذيب (ج ١١/ ص ٣٨٨) وتاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣٢٧)، إلى غير ذلك من مصادر العامَّة.
(٦٥) عبد المحسن بن حمد آل بدر (العبَّاد)، وُلِدَ عام (١٣٥٣هـ) في محافظة الزلفي شمال مدينة الرياض، درس الابتدائيَّة في الزلفي، ثمّ انتقل إلى الرياض ودخل معهد الرياض العلمي، ثمّ التحق بكليَّة الشريعة بجامعة محمّد بن سعود، عُيِّن مدرِّساً بالمعهد العلمي ببريدة، ثمّ عُيِّن مدرِّساً بالمعهد العلمي بالرياض، ثمّ عُيِّن مدرِّساً بالجامعة الإسلاميَّة. له: فضل أهل البيت وعلوّ مكانتهم عند أهل السُّنَّة والجماعة، عقيدة أهل السُّنَّة والأثر في المهدي المنتظر، فضل آل البيت، وغير ذلك.
(٦٦) وهو العلَّامة محمّد هادي الأميني.
(٦٧) راجع ما مرَّ في (ص ٢٦).
(٦٨) راجع: تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣١١/ الفصل الثاني والخمسون).
(٦٩) تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٤٤٦).
(٧٠) روى الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٤٠ و٢٤١/ باب ٢٢/ ح ٦٤) بسنده عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليٍّ، عن أبيه عليِّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليٍّ (عليهم السلام)، قال: «سُئِلَ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، عن معنى قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إنِّي مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، من العترة؟ فقال: أنا والحسن والحسين والأئمَّة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديُهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتَّى يردوا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حوضه»؛ ورواه (رحمه الله) في معاني الأخبار (ص ٩٠ و٩١/ باب معنى الثقلين والعترة/ ح ٤)، وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٦٠/ ح ٢٥)، والراوندي (رحمه الله) في قَصص الأنبياء (ص ٣٥٨/ ح ٤٦٥)، والإربلي (رحمه الله) في كشف الغمَّة (ج ٣/ ص ٣١٤).
(٧١) السيِّد محمّد تقي الحكيم عالم ومفكِّر وأديب وخطيب وعميد كلّيَّة الفقه بجامعة الكوفة، وُلِدَ عام (١٣٣٩هـ) بمدينة النجف الأشرف، درس في النجف وتدرَّج في مراتبها حتَّى وصل إلى البحث الخارج فدرس عند أعلام عصره. له: الأُصول العامَّة للفقه المقارن، وفكرة التقريب بين المذاهب، حرّيَّة التملُّك في الإسلام، وغير ذلك. تُوفِّي (رحمه الله) عام (١٤٢٣هـ)، ودُفِنَ بالمسجد الهندي في النجف الأشرف.
(٧٢) روى الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٤٠٧ و٤٠٨/ ج ٨/ باب ٦/ ح ١) بسنده عن سورة بن كليب، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): بأيِّ شيء يفتي الإمام؟ قال: «بالكتاب»، قلت: فما لم يكن في الكتاب؟ قال: «بالسُّنَّة»، قلت: فما لم يكن في الكتاب والسُّنَّة، قال: «ليس شيء إلَّا في الكتاب والسُّنَّة»، قال: فكرَّرت مرَّة أو اثنين، قال: «يُسدَّد ويُوفَّق، فأمَّا ما تظنُّ فلا».
(٧٣) روى الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٣١٩/ ج ٦/ باب ١٤/ ح ١) بسنده عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «يا جابر، إنَّا لو كنَّا نُحدِّثكم برأينا وهوانا لكنَّا من الهالكين، ولكنَّا نُحدِّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضَّتهم»؛ ورواه المفيد (رحمه الله) في الاختصاص (ص ٢٨٠)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ١/ ص ٥٣٧).
(٧٤) أحمد محمّد شاكر الملقَّب بشمس الأئمَّة أبو الأشبال، وُلِدَ عام (١٣٠٩هـ) بالقاهرة، إمام مصري من أئمَّة الحديث في العصر الحديث، درس العلوم الإسلاميَّة وبرع في كثير منها، برز في علم الحديث حتَّى انتهت إليه رئاسة أهل الحديث في عصره، كما اشتغل بالقضاء الشرعي حتَّى نال عضويَّة محكمته العليا. له: دراسة وشرح وتصحيح كتاب مسند أحمد بن حنبل، شرح وتخريج أحاديث سُنَن الترمذي، وغير ذلك. تُوفِّي عام (١٣٧٧هـ).
(٧٥) قال في شرحه على مسند أحمد (ج ٥/ هامش ص ١٩٧/ ذيل الحديث ٣٥٧١): (أمَّا ابن خلدون، فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحماً لم يكن من رجالها، وغلبه ما شغله من السياسة وأُمور الدولة، وخدمة من كان يخدم من الملوك والأُمراء، فأوهم أنَّ شأن المهدي عقيدة شيعيَّة، أو أوهمته نفسه ذلك، فعقد في مقدّمته المشهورة فصلاً طويلاً... تهافت في هذا الفصل تهافتاً عجيباً، وغلط فيه أغلاطاً واضحة).
(٧٦) قال ابن تيميَّة في مجموعة الفتاوى (ج ٥/ ص ١١٨ و١١٩): (قال بعض الناس: أكثر ما يُفسِد الدنيا: نصف متكلِّم، ونصف متفقِّه، ونصف متطبِّب، ونصف نحوي. هذا يُفسِد الأديان، وهذا يُفسِد البلدان، وهذا يُفسِد الأبدان، وهذا يُفسِد اللسان).
(٧٧) يقول في تاريخه (ج ١/ ص ١٤٩): (الفصل السادس والعشرون: في أنَّ العرب إذا تغلَّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، والسبب في ذلك أنَّهم أُمَّة وحشيَّة باستحكام عوائد التوحُّش وأسبابه فيهم، فصار لهم خلقاً وجبلَّةً، وكان عندهم ملذوذاً، لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم وعدم الانقياد للسياسة، وهذه الطبيعة منافية للعمران ومناقضة له...)، إلى آخر ما قاله.
(٧٨) روى الطوسي (رحمه الله) في أماليه (ص ٢٩١ و٢٩٢/ ح ٥٦٦/١٣) بسنده عن محمّد بن سنان، عن سيِّدنا أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، قال: «قال أبي لجابر بن عبد الله: لي إليك حاجة أُريد أخلو بك فيها، فلمَّا خلا به في بعض الأيَّام قال له: أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أُمِّي فاطمة (عليها السلام)، قال جابر: أشهد بالله لقد دخلت على فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأُهنِّئها بولدها الحسين (عليه السلام)، فإذا بيدها لوح أخضر من زبرجدة خضراء، فيه كتاب أنور من الشمس، وأطيب من رائحة المسك الأذفر، فقلت: ما هذا، يا بنت رسول الله؟ فقالت: هذا لوح أهداه الله (عزَّ وجلَّ) إلى أبي، فيه اسم أبي واسم بعلي واسم الأوصياء بعده من ولدي، فسألتها أنْ تدفعه إليَّ لأنسخه، ففعلت، فقال له: فهل لك أنْ تعارضني به؟ قال: نعم، فمضى جابر إلى منزله وأتى بصحيفة من كاغد، فقال له: انظر في صحيفتك حتَّى أقرأها عليك، وكان في صحيفته مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز العليم، أنزله الروح الأمين على محمّد خاتم النبيِّين. يا محمّد، عظِّم أسمائي، واشكر نعمائي، ولا تجحد آلائي، ولا ترج سواي، ولا تخشَ غيري، فإنَّه من يرجو سواي ويخشى غيري أُعذِّبه عذاباً لا أُعذِّبه أحداً من العالمين. يا محمّد، إنِّي اصطفيتك على الأنبياء، وفضَّلت وصيَّك على الأوصياء، وجعلت الحسن عيبة علمي من بعد انقضاء مدَّة أبيه، والحسين خير أولاد الأوَّلين والآخرين، فيه تثبت الإمامة، ومنه تعقب عليّ زين العابدين، ومحمّد الباقر لعلمي والداعي إلى سبيلي على منهاج الحقِّ، وجعفر الصادق في العقل والعمل تنشبُّ من بعده فتنة صمَّاء، فالويل كلُّ الويل للمكذب بعبدي وخيرتي من خلقي موسى، وعليّ الرضا يقتله عفريت كافر، يُدفَن بالمدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شرِّ خلق الله، ومحمّد الهادي إلى سبيلي الذابّ عن حريمي والقيِّم في رعيَّته حسن أغرّ، يخرج منه ذو الاسمين عليّ (والحسن)، والخلف محمّد يخرج في آخر الزمان على رأسه غمامة بيضاء تظلُّه من الشمس، ينادي بلسان فصيح يسمعه الثقلين والخافقين، وهو المهدي من آل محمّد، يملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت جوراً».
هذا، وقد روي حديث اللوح المشهور بصيغ وألفاظ مختلفة، فراجع: ما رواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ١٠٣ - ١٠٦/ ح ٩٢)، والكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٥٢٧ و٥٢٨/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ٣)، والخصيبي(رحمه الله) في الهداية الكبرى (ص ٣٦٤ - ٣٦٦)، والمسعودي في إثبات الوصيَّة (ص ١٦٨ - ١٧٠)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٦٩ - ٧٢/ باب ٤/ ح ٥)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣٠٨ - ٣١٣/ باب ٢٨/ ح ١ - ٤)، إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة.
(٧٩) روى الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٢٣٠ و٢٣١/ باب ٢٢/ ح ٣١) بسنده عن الحارث بن نوفل، قال: قال عليٌّ (عليه السلام) لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا رسول الله، أمنَّا الهداة أم من غيرنا؟ قال: «بل منَّا الهداة (إلى الله) إلى يوم القيامة، بنا استنقذهم الله (عزَّ وجلَّ) من ضلالة الشرك، وبنا يستنقذهم من ضلالة الفتنة، وبنا يصحبون إخواناً بعد ضلالة الفتنة كما بنا أصبحوا إخواناً بعد ضلالة الشرك، وبنا يختم الله كما بنا فتح الله»؛ ورواه ابن بابويه (رحمه الله) في الإمامة والتبصرة (ص ٩٢/ ح ٨١).
وروى الطوسي (رحمه الله) في أماليه (ص ٦٥ - ٦٧/ ح ٩٦/٥) بسنده عن محمّد بن عمر بن عليٍّ، عن أبيه، عن جدِّه (عليه السلام)، قال: «... فقلت: يا رسول الله، العدل منَّا أم من غيرنا؟ فقال: بل منَّا، بنا فتح الله وبنا يختم، وبنا ألَّف الله بين القلوب بعد الشرك، وبنا يُؤلِّف بين القلوب بعد الفتنة، فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله».
وروى الطبراني في المعجم الأوسط (ج ١/ ص ٥٦ و٥٧) بسنده عن عمر بن عليٍّ، عن أبيه عليِّ بن أبي طالب أنَّه قال للنبيِّ: «أمنَّا المهدي أم من غيرنا يا رسول الله؟»، قال: «بل منَّا، بنا يختم الله كما بنا فتح، وبنا يُستَنقذون من الشرك، وبنا يُؤلِّف الله بين قلوبهم بعد عداوة بيِّنة كما بنا ألَّف بين قلوبهم بعد عداوة الشرك»، قال عليٌّ: «أمؤمنون أم كافرون؟»، فقال: «مفتون وكافر».
(٨٠) روى المسعودي في مروج الذهب (ج ٣/ ص ٤٥٤) عن مطرف بن المغيرة بن شعبة، قال: وَفَدْتُ مع أبي المغيرة إلى معاوية، فكان أبي يأتيه يتحدَّث عنده ثمّ ينصرف إليَّ فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب ممَّا يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، فرأيته مغتمًّا، فانتظرته ساعة، وظننت أنَّه لشيء حدث فينا أو في عملنا، فقلت له: ما لي أراك مغتمًّا منذ الليلة؟ قال: يا بنيَّ، إنِّي جئت من عند أخبث الناس، قلت له: وما ذاك؟ قال: قلت له - وقد خلوت به -: إنَّك قد بلغت منَّا يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً وبسطت خيراً فإنَّك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم، فوَالله ما عندهم اليوم شيء تخافه، فقال لي: هيهاتَ هيهاتَ! مَلكَ أخو تيمٍ فعدل وفعل ما فعل، فوَالله ما عدا أنْ هلك فهلك ذكره، إلَّا أنْ يقول قائل: أبو بكر، ثمّ ملك أخو عَدِيٍ، فاجتهد وشمَّر عشر سنين، فوَالله ما عدا أنْ هلك فهلك ذكره، إلَّا أنْ يقول قائل: عمر، ثمّ ملك أخونا عثمان، فملك رجلٌ لم يكن أحد في مثل نسبه، فعمل ما عمل وعمل به، فوَالله ما عدا أنْ هلك فهلك ذكره، وذكر ما فُعِلَ به، وإنَّ أخا هاشم يُصْرَخُ به في كلِّ يوم خمس مرات: أشهد أنَّ محمّداً رسول الله، فأيُّ عمل يبقى مع هذا لا أُمَّ لك؟ والله إلَّا دفناً دفناً.
وأمَّا قوله: (ابن أبي كبشة)، فرواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج ٥/ ص ١٢٩ و١٣٠).
(٨١) روى الطبري في تاريخه (ج ٣/ ص ٢٨٨ - ٢٩٠) بسنده عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: بينما عمر بن الخطَّاب وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر، فقال بعضهم: فلان أشعر، وقال بعضهم: بل فلان أشعر، قال: فأقبلت، فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بها، فقال عمر: من شاعر الشعراء يا ابن عبَّاس، قال: فقلت: زهير بن أبي سلمى، فقال عمر: هلمَّ من شعره ما نستدلُّ به على ما ذكرت، فقلت: امتدح قوماً من بني عبد الله بن غطفان، فقال:

لو كان يقعد فوق الشمس من كرم * * * قوم بأولهم أو محدهم قعدوا
قوم أبوهم سنان حين تنسبهم * * * طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا
إنسٌ إذا أمنوا جنٌّ إذا فزعوا * * * مرزءون بها ليل إذا حشدوا
محسدون على ما كان من نِعَم * * * لا ينزع الله منهم ما له حسدوا

فقال عمر: أحسن، وما أعلم أحداً أولى بهذا الشعر من هذا الحيِّ من بني هاشم، لفضل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقرابتهم منه، فقلت: وُفِّقت يا أمير المؤمنين، ولم تزل موفَّقاً، فقال: يا ابن عبَّاس، أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمّد؟ فكرهت أنْ أُجيبه، فقلت: إنْ لم أكن أدري فأمير المؤمنين يُدريني، فقال عمر: كرهوا أنْ يجمعوا لكم النبوَّة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها، فأصابت ووُفِّقت، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنْ تأذن لي في كلام وتمط عنِّي الغضب تكلَّمت، فقال: تكلَّم يا ابن عبَّاس، فقلت: أمَّا قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووُفِّقت، فلو أنَّ قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله (عزَّ وجلَّ) لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود، وأمَّا قولك: إنَّهم كرهوا أنْ تكون لنا النبوَّة والخلافة، فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) وصف قوماً بالكراهية فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمّد: ٩]، فقال عمر: هيهاتَ، والله يا ابن عبَّاس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أنْ أفرك عنها فتزيل منزلتك منِّي، فقلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ فإنْ كانت حقًّا فما ينبغي أنْ تزيل منزلتي منك، وإنْ كانت باطلاً فمثلي أماط الباطل عن نفسه، فقال عمر: بلغني أنَّك تقول: إنَّما صرفوها عنَّا حسداً وظلماً، فقلت: أمَّا قولك يا أمير المؤمنين: ظلماً، فقد تبيَّن للجاهل والحليم، وأمَّا قولك: حسداً، فإنَّ إبليس حسد آدم، فنحن ولده المحسودون، فقال عمر: هيهاتَ، أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلَّا حسداً ما يحول، وضغناً وغشًّا ما يزول، فقلت: مهلاً يا أمير المؤمنين لا تصب قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً بالحسد والغشِّ، فإنَّ قلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من قلوب بني هاشم، فقال عمر: إليك عنِّي يا ابن عبَّاس، فقلت: أفعل، فلمَّا ذهبت لأقوم استحيا منِّي، فقال: يا ابن عبَّاس مكانك، فوَالله إنِّي لراعٍ لحقِّك، محبٌّ لما سرَّك، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنَّ لي عليك حقًّا وعلى كلِّ مسلم، فمن حفظه فحظَّه أصاب، ومن أضاعه فحظَّه أخطأ، ثمّ قام فمضى.
ورواه الجوهري في السقيفة وفدك (ص ١٣٠ - ١٣٢)، وابن الأثير في الكامل في التاريخ (ج ٣/ ص ٦٢ - ٦٥).
(٨٢) روى القندوزي في ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٢٧١ و٢٧٢/ ح ٤) عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، قال: «منَّا المهدي يسري في الدنيا بسراج منير، ويحذو فيها على مثال الصالحين، ليحلَّ ربقاً، ويعتق رقًّا، ويصدع شعباً، ويشعب صدعاً، في سترة عن الناس، لا يبصر القائف أثره ولو تابع نظره».
(٨٣) روى الطبراني في المعجم الصغير (ج ١/ ص ٣٧) بسنده عن أيُّوب الأنصاري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لفاطمة: «نبيُّنا خير الأنبياء وهو أبوكِ، وشهيدنا خير الشهداء وهو عمُّ أبيكِ حمزة، ومنَّا من له جناحان يطير بهما في الجنَّة حيث يشاء وهو بن عمِّ أبيكِ جعفر، ومنَّا سبطا هذه الأُمَّة الحسن والحسين وهما ابناكِ، ومنَّا المهدي»؛ ورواه ابن المغازلي في مناقب عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) (ص ١٠٦/ ح ١٣٠)، وفي مناقب أهل البيت (عليهم السلام) (ص ١٧٠ - ١٧٢/ ح ١٤٦)، والمحبُّ الطبري في ذخائر العقبى (ص ٤٤)، والمقدسي في عقد الدُّرَر (ص ٢٥)، إلى غير ذلك.
وقد مرَّ ما رواه الكنجي في كتابه البيان بتفصيل أكثر في (ص ٤٥ و٤٦)، فراجع.
(٨٤) ذكر السيِّد محمّد كاظم القزويني في كتابه الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من المهد إلى الظهور (ص ٨٢ و٨٣) نقلاً عن (معالي السبطين) أنَّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) قال في ضمن خطبته في مجلس يزيد: «أيُّها الناس أُعطينا ستًّا، وفُضِّلنا بسبع: أُعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبَّة في قلوب المؤمنين، وفُضِّلنا بأنَّ منَّا النبيَّ المختار، ومنَّا الصدِّيق، ومنَّا الطيَّار، ومنَّا أسد الله وأسد رسوله، ومنَّا سبطي هذه الأُمَّة، ومنَّا مهدي هذه الأُمَّة...» إلى آخر الخطبة.
هذا، ولكن لا توجد عبارة (ومنَّا مهدي هذه الأُمَّة) في باقي المصادر، فراجع: مقتل الحسين (عليه السلام) للخوارزمي (ج ٢/ ص ٧٦ و٧٧)، وبحار الأنوار (ج ٤٥/ ص ١٣٨)، تجدهما خاليين من هذه العبارة.
(٨٥) ابن شهاب الزهري القرشي أبو بكر المدني، وُلِدَ سنة (٥٠ أو ٥١ أو ٥٢ أو ٥٨) للهجرة في آخر خلافة معاوية، في السنة التي ماتت فيها عائشة، ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة، مجموع أحاديثه (٢٢٠٠) حديث، تُوفِّي سنة (١٢٤هـ)، ودُفِنَ بشغب.
(٨٦) روى البيهقي في دلائل النبوَّة (ج ٣/ ص ٢١٠/ باب سياق قصَّة خروج النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى أُحُد وكيف كانت الوقعة) بسنده عن ابن شهاب أنَّه قال: (... وكان حامل لواء المهاجرين رجل من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...)؛ ورواه أيضاً القرطبي في تفسيره (ج ٤/ ص ١٨٥)، وابن سيِّد الناس في السيرة النبويَّة (ج ١/ ص ٤٠٩).
(٨٧) قال ابن تيميَّة في منهاج السُّنَّة (ج ٧/ ص ٢٧): (أوَّل من آمن باتِّفاق أهل الأرض أربعة: أوَّل من آمن به من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان عليٌّ، ومن الموالي زيد).
وقد ردَّ الشيخ المفيد (رحمه الله) على هذا الزعم في الفصول المختارة (ص ٢٧٥)، قال (رحمه الله) - بعد إنكاره أنَّه (عليه السلام) كان صبيًّا حين إيمانه -: (على أنَّا لو سلَّمنا لخصومنا ما ادَّعوه من أنَّه (عليه السلام) كان له عند المبعث سبع سنين، لم يدلّ ذلك على صحَّة ما ذهبوا إليه من أنَّ إيمانه كان على وجه التلقين دون المعرفة واليقين، وذلك أنَّ صغر السنِّ لا ينافي كمال العقل، وليس دليل وجوب التكليف بلوغ الحلم فيُراعى ذلك، هذا باتِّفاق أهل النظر والعقول، وإنَّما يُراعى بلوغ الحلم في الأحكام الشرعيَّة دون العقليَّة. وقد قال الله سبحانه في قصَّة يحيى (عليه السلام): ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، وقال في قصَّة عيسى (عليه السلام): ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٢٩ - ٣١]، فلم ينفِ صغر هذين النبيَّين (عليهما السلام) كمال عقلهما والحكمة التي آتاهما الله تعالى، ولو كانت العقول تحيل ذلك لأحالته في كلِّ أحد وعلى كلِّ حال...).
(٨٨) قال ابن تيميَّة في منهاج السُّنَّة (ج ٨/ ص ٨٢ و٨٣): (... والمقصود هنا أنَّ أبا بكر كان أشجع الناس، ولم يكن بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أشجع منه، ولهذا لـمَّا مات النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونزلت بالمسلمين أعظم نازلة نزلت بهم، حتَّى أوهنت العقول، وطيشت الألباب، واضطربوا اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة القعر، فهذا يُنكِر موته، وهذا قعد أُقعد، وهذا قد دُهِشَ، فلا يعرف من يمرُّ عليه ومن يُسلِّم عليه، وهؤلاء يضجُّون بالبكاء، وقد وقعوا في نسخة القيامة، وكأنَّها قيامة صغرى مأخوذ من القيامة الكبرى، وأكثر البوادي قد ارتدُّوا عن الدِّين، وذلَّت كماته، فقام الصدِّيق (رضي الله عنه) بقلب ثابت، وفؤاد شجاع، فلم يجزع، ولم ينكل، قد جُمِعَ له بين الصبر واليقين، فأخبرهم بموت النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّ الله اختار له ما عنده...).
(٨٩) مبتدع هذه الشُّبهة هو المستشرق دوايت رونالدسن في كتابه عقيدة الشيعة (ص ٢٣١) حيث أوعز فكرة المهدويَّة إلى فشل الشيعة واضطهاد الأعداء لهم، فقال: (إنَّ من المحتمل جدًّا أنَّ الفشل الظاهر الذي أصاب المملكة الإسلاميَّة في توطيد أركان العدل والتساوي على زمن دولة الأُمويِّين كان من الأسباب لظهور فكرة المهدي آخر الزمان).
(٩٠) روى الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٣١٧/ باب ٣٠/ ح ٣) بسنده عن عبد الرحمن ابن سليط، قال: قال الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام): «منَّا اثنا عشر مهديًّا، أوَّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الإمام القائم بالحقِّ، يُحيي الله به الأرض بعد موتها، ويُظهِر به دين الحقِّ على الدِّين كلِّه ولو كره المشركون...»؛ ورواه (رحمه الله) في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٦٩/ ح ٣٦)، والخزَّاز القمِّي (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ٢٣٢)، وابن عيَّاش (رحمه الله) في مقتضب الأثر (ص ٢٣)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ١٩٤).
(٩١) روى الطوسي (رحمه الله) في أماليه (ص ٥١٢ و٥١٣/ ح ١١٢١/٢٨) بسنده عن جبر بن نوف أبي الودَّاك، قال: قلت لأبي سعيد الخدري: والله ما يأتي علينا عام إلَّا وهو شرٌّ من الماضي، ولا أمير إلَّا وهو شرٌّ ممَّن كان قبله، فقال أبو سعيد: سمعته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول ما تقول، ولكن سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لا يزال بكم الأمر حتَّى يُولَد في الفتنة والجور من لا يعرف غيرها حتَّى يملأ الأرض جوراً، فلا يقدر أحد يقول: الله، ثمّ يبعث الله (عزَّ وجلَّ) رجلاً منِّي ومن عترتي، فيملأ الأرض عدلاً كما ملأها من كان قبله جوراً، وتُخرِج له الأرض أفلاذ كبدها، ويحثو المال حثواً ولا يعدُّه عداً، وذلك حين يضرب الإسلام بجرانه».
(٩٢) روى النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢١٣/ باب ١٢/ ح ٩) بسنده عن عميرة بنت نفيل، قالت: سمعت الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام) يقول: لا يكون الأمر الذي تنتظرونه حتَّى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، ويشهد بعضكم على بعض بالكفر، ويلعن بعضكم بعضاً»، فقلت له: ما في ذلك الزمان من خير؟ فقال الحسين (عليه السلام): «الخير كلُّه في ذلك الزمان، يقوم قائمنا ويدفع ذلك كلَّه»؛ ورواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٣٧ و٤٣٨/ ح ٤٢٩)، والراوندي (رحمه الله) في الخرائج والجرائح (ج ٣/ ص ١١٥٣/ ح ٥٩)، والمقدسي في عقد الدُّرَر (ص ٦٣ و٦٤).
(٩٣) روى نعيم بن حمَّاد المروزي في كتابه الفتن (ص ٢٢٣) بسنده عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه)، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «تنعم أُمَّتي في زمن المهدي نعمة لم ينعموا مثلها قطُّ، ترسل السماء عليهم مدراراً، ولا تزرع الأرض شيئاً من النبات إلَّا أخرجته، والمال كدوس، يقوم الرجل فيقول: يا مهدي أعطني، فيقول: خذ»؛ ورواه الطبراني في المعجم الأوسط (ج ٥/ ص ٣١١)، والحاكم في المستدرك (ج ٤/ ص ٥٥٨)، والمقدسي في عقد الدُّرَر (ص ١٧٠)، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٧/ ص ٣١٧)، والسيوطي في العرف الوردي (ص ١٠١ و١٠٢/ ح ٤٢).
(٩٤) قد مرَّ عليك كثيراً أنَّه (عجَّل الله فرجه) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً.
(٩٥) لقد اشتركت الديانات السماويَّة والوضعيَّة في عقيدتها الراسخة حول وجود منقذ مصلح، ينشر العدل وكلمة الله على الأرض في آخر الزمان، رغم اختلافها حول شخصيَّة هذا المصلح والمنجي المؤمَّل، للمزيد من التفصيل والاطِّلاع حول هذا الموضوع عليك بمراجعة كتاب المنقذ في الأديان (دراسة تاريخيَّة مقارنة) للدكتورة نور ناجح حسين من إصدارات مركزنا.
(٩٦) قال القرطبي في تفسيره (ج ٢/ ص ٧٩) في تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ [البقرة: ١١٤]: (... السُّدِّي: الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي، وفتح عموريَّة وروميَّة وقسطنطينيَّة، وغير ذلك من مدنهم)؛ وراجع ما مرَّ في (ص ٥٦).
(٩٧) قال الفخر الرازي في تفسيره (ج ١٦/ ص ٣٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]: (فإنْ قيل: ظاهر قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ يقتضي كونه غالباً لكلِّ الأديان، وليس الأمر كذلك، فإنَّ الإسلام لم يصر غالباً لسائر الأديان في أرض الهند والصين والروم، وسائر أراضي الكفرة. قلنا: أجابوا عنه من وجوه...)، إلى أنْ قال: (الوجه الثاني في الجواب أنْ نقول: روي عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أنَّه قال: هذا وعد من الله بأنَّه تعالى يجعل الإسلام عالياً على جميع الأديان. وتمام هذا إنَّما يحصل عند خروج عيسى. وقال السُّدِّي: ذلك عند خروج المهدي، لا يبقى أحد إلَّا دخل في الإسلام أو أدَّى الخراج).
(٩٨) قال الآلوسي في تفسيره (ج ١٧/ ص ١٠٤) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]: (وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّ الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنَّ أُمَّتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها»، وهذا وعد منه تعالى بإظهار الدِّين وإعزاز أهله واستيلائهم على أكثر المعمورة التي يكثر تردُّد المسافرين إليها، وإلَّا فمن الأرض ما لم يطأها المؤمنون كالأرض الشهيرة بالدنيا الجديدة وبالهند الغربي. وإنْ قلنا بأنَّ جميع ذلك يكون في حوزة المؤمنين أيَّام المهدي (رضي الله تعالى عنه) ونزول عيسى (عليه السلام) فلا حاجة إلى ما ذُكِرَ).
(٩٩) راجع ما مرَّ في (ص ٢٦).
(١٠٠) محمّد الغزالي، وُلِدَ عام (١٣٣٥هـ) في قرية نكلا العنب، عالم ومفكِّر إسلامي مصري، يُعَدُّ أحد دعاة الفكر الإسلامي في العصر الحديث، عُرِفَ عنه تجديده في الفكر الإسلامي وكونه من المناهضين للتشدُّد والغلوِّ في الدِّين، تُوفِّي عام (١٤١٦هـ) في الرياض، ودُفِنَ بمقبرة البقيع بالمدينة المنوَّرة.
(١٠١) قال في كتابه دفاع عن العقيدة والشريعة (ص ٢١٩ و٢٢٠): (إنَّني آسف لأنَّ بعض من يُرسِلون الكلام على عواهنه، لا بل بعض من يسوقون التُّهَم جزافاً غير مبالغين بعواقبها دخلوا في ميدان الفكر الإسلامي بهذه الأخلاق المعلولة فأساؤوا إلى الإسلام وأُمَّته شرَّ إساءة. سمعت واحداً من هؤلاء يقول في مجلس علم: إنَّ للشيعة قرآناً آخر يزيد [أو] ينقص عن قرآننا المعروف! فقلت له: أين هذا القرآن؟ إنَّ العالم الإسلامي الذي امتدَّت رقعته في ثلاث قارَّات ظلَّ من بعثة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى يومنا هذا بعد أنْ سلخ من عمر الزمن أربعة عشر قرناً لا يعرف إلَّا مصحفاً واحداً مضبوط البداية والنهاية، معدود السور والآيات والألفاظ، فأين هذا القرآن الآخر؟! ولماذا لم يطَّلع الإنس والجنُّ على نسخة منه من خلال هذا الدهر الطويل؟ لماذا يُساق هذا الافتراء؟! ولحساب من تُفتَعل هذه الإشاعات وتُلقى بين الأغرار ليسوء ظنُّهم بإخوانهم وقد يسوء ظنُّهم بكتابهم. إنَّ المصحف واحد يُطبَع في القاهرة فيُقدِّسه الشيعة في النجف أو في طهران ويتداولون نُسَخه بين أيديهم وفي بيوتهم دون أنْ يخطر ببالهم شيء بتَّة إلَّا توقير الكتاب ومنزله (جلَّ شأنه) ومُبلِّغه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلِمَ الكذب على الناس وعلى الوحي؟).
(١٠٢) روى أحمد بن حنبل في مسنده (ج ٣٧/ ص ٧٠/ ح ٢٢٣٨٦) بسنده عن ثوبان، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قِبَل خراسان فأتوها فإنَّ فيها خليفة الله المهدي»؛ ورواه نعيم بن حمَّاد المروزي في الفتن (ص ١٨٨)، والحاكم في المستدرك (ج ٤/ ص ٥٠٢)، والبيهقي في دلائل النبوَّة (ج ٦/ ص ٥١٦)، والمقدسي في عقد الدُّرَر (ص ١٢٥).
(١٠٣) روى الشبلنجي في نور الأبصار (ص ٣٤٧) عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها مَلَك ينادي: هذا خليفة الله المهدي فاتَّبعوه».
(١٠٤) قال الشيخ الوائلي (رحمه الله) في هوية التشيُّع (ص ١٨٤): (المردود السلبي في عقيدة المهدي: المردود الأوَّل: إنَّ أوَّل المردودات السلبيَّة أنَّ هذه الفكرة تشلُّ الإنسان وتمنعه عن القيام بواجباته وتُخدِّر الإنسان وتتركه خائفاً ذليلاً بانتظار ظهور الإمام ليأخذ له بحقِّه، وقد صوَّر بعضهم شدَّة لهفة الشيعة لانتظار ظهور الإمام بأنَّ قسماً من الشيعة لا يُصَلُّون مخافة أنْ يخرج الإمام وهم مشغولون بالصلاة فلا يستطيعون اللحاق به، وهذا التصوُّر مردود جملةً وتفصيلاً، فلا أحتاج إلى إكثار القول فيه، بل أُلفت النظر إلى كُتُب فقه الإماميَّة فإنَّ الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوب الدفاع عن النفس قائم بالفعل ولا يرتبط بالمهدي من قريب أو بعيد، ومن ادَّعى خلاف ذلك فليدلَّنا على المصدر، أمَّا الدعاوى الفارغة والقول البذيء فمردود على القائل وهو به أولى...).
(١٠٥) روى مسلم في صحيحه (ج ١/ ص ٩٥) بسنده عن جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لا تزال طائفة من أُمَّتي يقاتلون على الحقِّ ظاهرين إلى يوم القيامة»، قال: «فينزل عيسى بن مريم (عليه السلام) فيقول أميرهم: تعالَ صلِّ لنا، فيقول: لا، إنَّ بعضكم على بعض أُمراء تكرمة الله هذه الأُمَّة»؛ ورواه أحمد بن حنبل في مسنده (ج ٢٣/ ص٣٣٤ و٣٣٥/ ح ١٥١٢٧)، وابن حبَّان في صحيحه (ج ١٥/ ص ٢٣١ و٢٣٢)، والبيهقي في سُنَنه (ج ٩/ ص ١٨٠)، إلى غير ذلك من مصادر العامَّة.
(١٠٦) قد مرَّ كلامه في (ص ٣١ و٣٢)، فراجع.
(١٠٧) قد مرَّ في (ص ٧٧)، فراجع.
(١٠٨) قد مرَّ في (ص ٤٦ - ٤٩)، فراجع.
(١٠٩) راجع ما مرَّ في (ص ٢٦).
(١١٠) راجع ما نقله السيِّد المرعشي (رحمه الله) في شرح إحقاق الحقِّ (ج ١٣/ ص ٢١٣/ من أنكر خروج المهدي (عليه السلام) فقد كفر)، وقد مرَّ أيضاً في (ص ٢٦)، فراجع.
(١١١) حديث متواتر رواه الخاصَّة والعامَّة بألفاظ مختلفة، فقد رواه البخاري في صحيحه (ج ١١/ ص ٧٠/ ح ٦٤٥٧) بسنده عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «يكون اثنا عشر أميراً»، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنَّه قال: «كلُّهم من قريش»؛ ورواه مسلم في صحيحه (ج ٦/ ص ٣ و٤) بألفاظ مختلفة، وأبو داود في سُنَنه (ج ٢/ ص ٣٠٩/ ح ٤٢٧٩ و٤٢٨٠)، والترمذي في سُنَنه (ج ٣/ ص ٣٤٠/ ح ٢٣٢٣)، إلى غير ذلك من مصادر العامَّة.
(١١٢) روى أبو داود في سُنَنه (ج ٢/ ص ٣٠٩ و٣١٠/ ح ٤٢٨٢) بسنده عن سفيان: «لا تذهب - أو لا تنقضي - الدنيا حتَّى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي»، والترمذي في سُنَنه (ج ٣/ ص ٣٤٣/ ح ٢٣١٣) بسنده عن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تذهب الدنيا حتَّى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمى».
(١١٣) روى الطبراني في المعجم الكبير (ج ٨/ ص ١٠١ و١٠٢) بسنده عن سليمان بن حبيب، قال: سمعت أبا أُمامة يقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «سيكون بينكم وبين الروم أربع هُدَن، تقوم الرابعة على يد رجل من أهل هرقل، يدوم سبع سنين»، فقال له رجل من عبد القيس يقال له: المستورد بن خيلان: يا رسول الله، من إمام الناس يومئذٍ؟ قال: «من ولد أربعين سنة، كأنَّ وجهه كوكب دُرِّي، في خدِّه الأيمن خال أسود، عليه عباءتان قعوايتان، كأنَّه من رجال بني إسرائيل، يملك عشرين سنة، يستخرج الكنوز، ويفتح مدائن الشرك»؛ ورواه الكنجي في البيان في أخبار صاحب الزمان المطبوع ضمن كفاية الطالب (ص ٥١٤ و٥١٥)، والمقدسي في عقد الدُّرَر (ص ٣٦)، والهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٧/ ص ٣١٨ و٣١٩)، وابن حجر العسقلاني في الإصابة (ج ٦/ ص ٧١/ ح ٧٩٤٥)، والسيوطي في العرف الوردي (ص ١١٦/ ح ٧٨)، إلى غير ذلك من مصادر العامَّة.
(١١٤) لم نجد رواية عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يصفه (عجَّل الله فرجه) بذلك في المصادر التي بأيدينا، بل وصفه بذلك أبو الأديان حينما خرج للصلاة على أبيه (عليهما السلام)، وقد مرَّت الرواية في (ص ٥٢)، فراجع.
(١١٥) لم نجد وصف النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) له (عجَّل الله فرجه) في المصادر التي بأيدينا؛ هذا وقد روى صاحب إلزام الناصب في (ج ٢/ ص ١٧٤) بعد نقله لخطبة البيان المنسوبة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: فقامت إليه الفضلاء والعلماء ووجوه أصحابه وقالوا: يا أمير المؤمنين، صف لنا هذا المهدي فإنَّ قلوبنا اشتاقت إلى ذكره؟ فقال (عليه السلام): «هو صاحب الوجه الأقمر والجبين الأزهر، وصاحب العلامة والشامة، العالم غير المعلَّم، والمخبر بالكائنات قبل أنْ تُعلَم...» إلى آخره.
(١١٦) ذكر ابن المنادي في الملاحم (ص ١٠٥): (... ثمّ إنَّ المسيح يأخذ إبليس، ويقول للإمام: خذ هذا فاذبحه، فيأخذه الإمام فيُضجِعه فيذبحه على صخرة بيت المقدس، ويموت حينئذٍ جميع أصحابه من الشياطين، ويدخل جميع الناس من جميع الدنيا وملوكها في الإسلام، ويذهب الجور ويحيى العدل، ويموت كلُّ مؤذي من السباع والهوامِّ حتَّى الذباب والنمل والبعوض وكلُّ مؤذي، وتفشو الأمنة في الأرض كلِّها، ولا يبقى عاقٌّ، وتظهر الأرض كنوزها وبركاتها، وتنزل الرحمة، وتخصب الناس فلا يكون في الأرض فقير ولا مسكين، ويقسم المال بالسويَّة، ويذهب من الناس التجبُّر والسفه...).
(١١٧) روى أحمد بن حنبل في مسنده (ج ١٧/ ص ٥٤ و٥٥/ ح ١١٠١٢) بسنده عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يكون في آخر الزمان خليفة يُعطي المال، ولا يعدُّه عدًّا»، وفي (ج ١٨/ ص ٣٩/ ح ١١٤٥٦) عنه، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يكون بعدي خليفة يحثي المال حثياً، ولا يعدُّه عدًّا»، وفي (ص ١٢٧ و١٢٨/ ح ١١٥٨١) عنه، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من خلفائكم خليفة يحثي المال حثياً، لا يعدُّه عدًّا»، وفي (ص ٤٠٧/ ح ١١٩١٤) عنه أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ليبعثنَّ الله (عزَّ وجلَّ) في هذه الأُمَّة خليفة يحثي المال حثياً، ولا يعدُّه عدًّا»، وفي (ص ٤٢٢ و٤٢٣/ ح ١١٩٤٠) عن أبي الودَّاك، قال: قلت: والله ما يأتي علينا أمير إلَّا وهو شرٌّ من الماضي، ولا عام إلَّا وهو شرٌّ من الماضي، قال: لولا شيء سمعته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لقلت مثل ما تقول، ولكن سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «إنَّ من أُمرائكم أميراً يحثي المال حثياً ولا يعدُّه عدًّا، يأتيه الرجل يساله فيقول: خذ، فيبسط الرجل ثوبه فيحثي فيه »، وفي (ج ٢٢/ ص ٢٩٨/ ح ١٤٤٠٦) بسنده عن أبي نضرة، قال كنَّا عند جابر بن عبد الله، قال: يُوشَك أهل العراق أنْ لا يُجبى إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبَل العجم، يمنعون ذلك، ثمّ قال: يُوشَك أهل الشام أنْ لا يُجبى إليهم دينار ولا مدّ، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قِبَل الروم، يمنعون ذاك، قال: ثمّ سكت هنيهة، ثمّ قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يكون في آخر أُمَّتي خليفة يحثو المال حثواً لا يعدُّه عدًّا».
وراجع ما رواه نعيم بن حمَّاد المروزي في الفتن (ص ٢٢٢)، وأبو يعلى في مسنده (ج ٢/ ص ٤٧٠/ ح ٣٢٠/١٢٩٤)، وابن حبَّان في صحيحه (ج ١٥/ ص ٧٥)، والدارقطني في علله (ج ١١/ ص ٣٢٩)، والحاكم في المستدرك (ج ٤/ ص ٤٥٤)، والبيهقي في دلائل النبوَّة (ج ٦/ ص ٣٣٠)، إلى غير ذلك من مصادر العامَّة؛ وقد مرَّ في (ص ٧٣) عن أمالي الطوسي، فراجع.
(١١٨) ممَّا لا ريب فيه أنَّ هذه الزيادة من وضع الأُمويِّين والعبَّاسيِّين لتطبيق الحديث على أحد حُكَّامهم كعمر بن عبد العزيز من بني أُميَّة والمهدي العبَّاسي من بني العبَّاس ساعدهم على ذلك فقهاء السوء ووضَّاعو الحديث.
واحتمل البعض أنْ يكون أتباع محمّد بن عبد الله بن الحسن هم الذين أنتجوا هذه الصيغة، وأضافوا عبارة: (واسم أبيه اسم أبي)، ثم روَّج المنصور وأتباعه هذه الصيغة، لأنَّه كان يحاول تسويق ابنه الذي لقَّبه بالمهدي، مدَّعياً أنَّه هو المهدي على الحقيقة، وكان اسمه محمّد بن عبد الله أيضاً.
قال الكنجي في البيان في أخبار صاحب الزمان المطبوع ضمن كفاية الطالب (ص ٤٨١ - ٤٨٥) بعد نقله للرواية من دون قوله: (واسم أبيه اسم أبي): (قلت: هذا حديث حسن صحيح، أخرجه أبو داود في سُنَنه كما أخرجناه، وقال أبو داود: أخبرنا عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا الفضل بن دكين، حدَّثنا قطر، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، عن عليٍّ، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «لو لم يبقَ من الدهر إلَّا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما مُلِئَت جوراً»، قلت: هكذا أخرجه أبو داود في سُنَنه. وأخبرنا الحافظ إبراهيم بن محمّد بن الأزهر الصريفيني بدمشق والحافظ محمّد بن عبد الواحد المقدسي بجامع جبل قاسيون، قالا: أخبرنا أبو الفتح نصر الله بن عبد الجامع بن عبد الرحمن الفامي بهراة، أخبرنا محمّد بن عبد الله بن محمود الطائي، حدَّثنا عيسى بن شعيب ابن إسحاق السجزِّي، أخبرنا الحافظ أبو الحسن محمّد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم الأبري في كتاب مناقب الشافعي ذكر هذا الحديث، وقال فيه: وزاد زائدة في روايته: «لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يبعث الله رجلاً منِّي - أو من أهل بيتي - يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»، قلت: وقد ذكر الترمذي الحديث ولم يذكر قوله: «واسم أبيه اسم أبي»، وذكره أبو داود، وفي معظم روايات الحُفَّاظ والثقات من نقلة الأخبار «اسمه اسمي» فقط، والذي رواه «واسم أبيه اسم أبي» فهو زائدة، وهو يزيد في الحديث، وإنْ صحَّ فمعناه واسم أبيه اسم أبي، الحسين وكنيته أبو عبد الله، فجعل الكنية اسماً كنايةً عنه أنَّه من ولد الحسين دون الحسن. ويحتمل أنَّه قال: اسم أبيه اسم ابني، أي الحسن، ووالد المهدي اسمه حسن، فيكون الراوي قد توهَّم قوله: ابني، فصحَّفه فقال: أبي، فوجب حمله على هذا جمعاً بين الروايات. وهذا تكلُّف في تأويل هذه الرواية، والقول الفصل في ذلك: إنَّ الإمام أحمد مع ضبطه وإتقانه روى هذا الحديث في مسنده عدَّة مواضع «واسمه اسمي»، أخبرنا بذلك العلَّامة حجَّة العرب شيخ الشيوخ أبو محمّد عبد العزيز بن محمّد بن عبد المحسن الأنصاري، قال: أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن أحمد ابن أبي المجد الحربي، أخبرنا أبو القاسم بن الحصين، أخبرنا ابن المذهب، أخبرنا ابن حمدان، حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدَّثنا يحيى بن سعيد، حدَّثنا سفيان، عن عاصم، عن زرٍّ، عن عبد الله، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لا تذهب الدنيا - أو لا تنقضي الدنيا - حتَّى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي». وجمع الحافظ أبو نعيم طُرُق هذا الحديث عن الجمِّ الغفير في مناقب المهدي، كلُّهم عن عاصم بن أبي النجود، عن زرٍّ، عن عبد الله، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فمنهم سفيان بن عيينة، كما أخرجناه، وطُرُقه عنه بطُرُق شتَّى...)، إلى أنْ قال: (ورواه غير عاصم عن زرٍّ، وهو عمرو بن مرَّة عن زرٍّ، كلُّ هؤلاء رووا «اسمه اسمي» إلَّا ما كان من عبيد الله بن موسى عن زائدة عن عاصم، فإنَّه قال فيه: «واسم أبيه اسم أبي»، ولا يرتاب اللبيب أنَّ هذه الزيادة لا اعتبار بها مع اجتماع هؤلاء الأئمَّة على خلافها، والله أعلم).
(١١٩) راجع: الجزء (٥١ و٥٢ و٥٣) من بحار الأنوار للعلَّامة المجلسي (رحمه الله)، وقد طُبِعَ في مجلَّدين ضخمين تحت عنوان (الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في بحار الأنوار).
(١٢٠) راجع: تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣١١/ الفصل الثاني والخمسون).
(١٢١) روى الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٥٠٦/ ج ١٠/ باب ١٠/ ح ١٥) بسنده عن أبي إسحاق الهمداني، قال: حدَّثني الثقة من أصحابنا أنَّه سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «اللَّهُمَّ لا تُخلى الأرض من حجَّة لك على خلقك ظاهر أو خافي مغمور، لئلَّا تبطل حجَّتك وبنيانك»، وفي (ص ٥٠٧/ ج ١٠/ باب ١٠/ ح ١٧) بسنده عن صدق ابن صدقة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «لن تخلو الأرض من حجَّة عالم يحيى فيها ما يميتون من الحقِّ»، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصفّ: ٨]»، وفي (ص ٥٠٩/ ج ١٠/ باب ١٢/ ح ٨) بسنده عن سليمان الجعفري، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)، قلت: تخلو الأرض من حجَّة الله؟ قال: «لو خلت الأرض طرفة عين من حجَّة لساخت بأهلها».
وراجع ما رواه الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٣٦/ باب ما روي في أنَّ الله لا يُخلي أرضه بغير حجَّة).
(١٢٢) قال ابن جبر في نهج الإيمان (ص ٣٤ و٣٥): (واختلف الناس في الإمامة على أربعة أقوال: منهم: من لم يوجبها أصلاً، وهم الخوارج والأصمّ من المعتزلة...، ومنهم: من يوجبها سمعاً، مثل أبي هاشم وأبي عليٍّ ومن وافقهما...، ومنهم: من أوجبها عقلاً لدفع الضرر، وأوجب نصب الإمام على المكلَّفين بهذا الاعتبار، وهم النظَّام والخيَّاط وأبو الحسن البصري ومن وافقهم. ومنهم: من أوجبها عقلاً وسمعاً، لكونها لطفاً في أداء الواجبات واجتناب المقبّحات، وأوجب نصب الإمام على الله سبحانه وتعالى، وهم الإماميَّة الاثنا عشريَّة. وهذا هو المذهب الصحيح...)؛ وراجع: رسائل المرتضى (ج ٢/ ص ٢٩٣)، والمحصول للفخر الرازي (ج ٤/ ص ١٠٢/ المسألة الرابعة).
(١٢٣) قال المرتضى (رحمه الله) في الذريعة إلى أُصول الشريعة (ج ٢/ ص ٦٠٣ - ٦٠٥): (باب الكلام في الإجماع: اختلف الناس في هذه المسألة: فقال أكثر المتكلِّمين وجميع الفقهاء: إنَّ إجماع أُمَّة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حجَّة، وإنَّهم لا يجوز أنْ يجمعوا على باطل. وخالف النظَّام ومن تابعه في ذلك، ونفى كون الإجماع حجَّة وحُكي عن قوم من الخوارج مثل ذلك، وحُكي أيضاً عن بعضهم أنَّه أحال كون الإجماع حجَّة، وذهب إلى أنَّه لا يجوز في جماعة يجوز الخطأ على كلِّ واحد منها أنْ ينتفي عن جماعتها. وآخرون نفوا كونه حجَّة بأنْ قالوا: إنْ أجمعوا على الشيء تبخيتاً فذلك لا يجوز اتِّباعه، وإنْ كان توقيفاً عن نصٍّ فيجب ظهور الحجَّة بذلك ويُغني عن الإجماع، وإنْ كان عن قياس فلن يجوز مع اختلاف الهمم وتباين الآراء واختلاف وجوه القياس أنْ يتَّفقوا على ذلك. وفي الناس من نفى الإجماع لتعذُّر العلم باتِّفاق الأُمَّة، مع أنَّها غير معروفة على مذهب من المذاهب.
والصحيح الذي نذهب إليه أنَّ قولنا: إجماع، إمَّا أنْ يكون واقعاً على جميع الأُمَّة، أو على المؤمنين منهم، أو على العلماء فيما يُراعى فيه إجماعهم. وعلى كلِّ الأقسام لا بدَّ من أنْ يكون قول الإمام المعصوم داخلاً فيه، لأنَّه من الأُمَّة، ومن أجلّ المؤمنين، وأفضل العلماء، فالاسم مشتمل عليه، وما يقول به المعصوم لا يكون إلَّا حجَّةً وحقًّا، فصار قولنا موافقاً لقول من ذهب إلى أنَّ الإجماع حجَّة في الفتوى، وإنَّما الخلاف بيننا في موضعين، إمَّا في التعليل أو الدلالة، لأنَّا نُعلِّل كون الإجماع حجَّة بأنَّ العلَّة فيه اشتماله على قول معصوم قد علم الله سبحانه أنَّه لا يفعل القبيح منفرداً ولا مجتمعاً، وأنَّه لو انفرد لكان قوله الحجَّة، وإنَّما نُفتي بأنَّ قول الجماعة التي قوله فيها وموافق لها حجَّة لأجل قوله، لا لشيء يرجع إلى الاجتماع معهم، ولا يتعلَّق بهم....).
(١٢٤) قال المفيد (رحمه الله) في النكت الاعتقاديَّة (ص ٣٧): (فإنْ قيل: ما حدُّ العصمة؟ فالجواب: العصمة لطف يفعله الله تعالى بالمكلَّف بحث يمتنع منه وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما).
(١٢٥) قال القرطبي في تفسيره (ج ١١/ ص ٤٣): (قد ذكر أبو إسحاق الثعلبي في كتاب (العرائس) له: والصحيح أنَّ الخضر نبيٌّ معمَّر محجوب عن الأبصار. وروى محمّد بن المتوكِّل عن [ضمرة بن ربيعة]، عن عبد الله بن [شوذب]، قال: الخضر (عليه السلام) من ولد فارس، وإلياس من بني إسرائيل يلتقيان كلَّ عام في الموسم. وعن عمرو بن دينار، قال: إنَّ الخضر وإلياس لا يزالان حيَّين في الأرض ما دام القرآن على الأرض، فإذا رُفِعَ ماتا. وقد ذكر شيخنا الإمام أبو محمّد عبد المعطي بن محمود بن عبد المعطي اللخمي في شرح الرسالة له للقشيري حكايات كثيرة عن جماعة من الصالحين والصالحات بأنَّهم رأوا الخضر (عليه السلام) ولقوه، يفيد مجموعها غلبة الظنِّ بحياته مع ما ذكره النقَّاش والثعلبي وغيرهما).
وقال علاء الدِّين البغدادي في تفسير الخازن (ج ٣/ ص ١٧٥): (واختلف العلماء في أنَّ الخضر حيٌّ أم ميِّت، فقيل: إنَّه حيٌّ، وهو قول الأكثرين من العلماء، وهو متَّفق عليه عند مشايخ الصوفيَّة وأهل الصلاح والمعرفة، والحكايات في رؤيته والاجتماع به ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أنْ تُحصَر، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاواه: هو حيٌّ عند جماهير العلماء والصالحين والعامَّة. هذا آخر كلامه. وقيل: إنَّ الخضر وإلياس حيَّان يلتقيان كلَّ سنة بالموسم. وكان السبب في حياة الخضر فيما حُكي أنَّه شرب من عين الحياة، وذلك أنَّ ذو القرنين دخل الظلمة لطلب عين الحياة، وكان الخضر على مقدّمته، فوقع الخضر على العين فاغتسل وشرب منها وصلَّى شكراً لله تعالى، وأخطأ ذو القرنين الطريق فرجع...).
(١٢٦) قال أبو حاتم السجستاني في المعمَّرين (ص ٣): (قالوا: وكان أطول الناس عمراً بعد الخضر لقمان بن عاديا الكبير، عاش خمسمائة سنة وستِّين سنة)، وقال في (ص ٦): (قالوا: وكان من أطول من كان قبل الإسلام عمراً رُبيع بن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة، عاش أربعين وثلاثمائة سنة ولم يسلم)، وقال في (ص ٩): (قالوا: وعاش المستوغر بن ربيعة بن كعب ثلاثاً وثلاثين وثلاثمائة سنة)، إلى آخر من ذكر من المعمَّرين.
(١٢٧) قد مرَّ في (ص ٢٢)، فراجع.
(١٢٨) كما فعل النظام البعثي البائد في العراق في انتفاضة شعبان عام (١٩٩١م).
(١٢٩) روى الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤) عن أبي محمّد الحسن ابن أحمد المكتِّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي تُوفِّي فيها الشيخ عليُّ بن محمّد السمري (قدَّس الله روحه)، فحضرته قبل وفاته بأيَّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، يا عليُّ بن محمّد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنَّك ميِّت ما بينك وبين ستَّة أيَّام، فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية [التامَّة]، فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم»، قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمَّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيُّك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه. ومضى (رضي الله عنه)، فهذا آخر كلام سُمِعَ منه.
ورواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٣٩٥/ ح ٣٦٥)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٦٠)، والراوندي في الخرائج والجرائح (ج ٣/ ص ١١٢٨ و١١٢٩/ ح ٤٦)، وأحمد بن عليٍّ الطبرسي في الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٩٧)، والإربلي في كشف الغمَّة (ج ٣/ ص ٣٣٨).
(١٣٠) راجع ما مرَّ في (ص ٢٩) عن الإمامة والتبصرة (ص ١٢١ و١٢٢/ ح ١١٧) بسنده عن سدير الصيرفي، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، حيث جاء فيه: «... فما تُنكِر هذه الأُمَّة أنْ يكون الله (عزَّ وجلَّ) يفعل بحجَّته ما فعل بيوسف أنْ يكون يسير في أسواقهم، ويطأ بُسُطهم، وهم لا يعرفونه؟ حتَّى يأذن الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يُعرِّفهم بنفسه كما أذن ليوسف حتَّى قال لهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ [يوسف: ٨٩ و٩٠]».
(١٣١) روى الصفَّار (رحمه الله) في بصائر الدرجات (ص ٢٤٢/ ج ٥/ باب ٣/ ح ١١) بسنده عن محمّد بن حمران، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: إنَّ الناس يقولون: إنَّ ليلة النصف من شعبان تُكتَب فيه الآجال، وتقسم فيه الأرزاق، وتخرج صكاك الحاجِّ، فقال: «ما عندنا في هذا شيء، ولكن إذا كانت ليلة تسع عشر من شهر رمضان يُكتَب فيها الآجال، ويقسم فيها الأرزاق، ويخرج صكاك الحاجِّ، ويطلع الله على خلقه، فلا يبقى مؤمن إلَّا غفر له إلَّا شارب مسكر، فإذا كانت ليلة ثلاث وعشرين فيها يفرق كلُّ أمر حكيم أمضاه ثمّ أنهاه»، قال: قلت إلى من جعلت فداك؟ فقال: «إلى صاحبكم، ولولا ذلك لم يعلم ما يكون في تلك السنة».
(١٣٢) روى الطبري في تفسيره (ج ٢٥/ ص ١٤١/ ح ٢٤٠٠٩) بسنده عن عثمان بن محمّد بن المغيرة بن الأخنس، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «تُقطَع الآجال من شعبان إلى شعبان حتَّى إنَّ الرجل لينكح ويُولَد له وقد خرج اسمه في الموتى»؛ ورواه الثعلبي في تفسيره (ج ٨/ ص ٣٤٩)، والبغوي في تفسيره (ج ٤/ ص ١٤٩)، والقرطبي في تفسيره (ج ١٦/ ص ١٢٦ و١٢٧)، وابن كثير في تفسيره (ج ٤/ ص ١٤٨)، والثعالبي في تفسيره (ج ٥/ ص ١٩٥)، وغير ذلك.
(١٣٣) قال المفيد (رحمه الله) في تصحيح اعتقادات الإماميَّة (ص ٦٥ و٦٦): (قول الإماميَّة في البداء طريقه السمع دون العقل، وقد جاءت الأخبار به عن أئمَّة الهدى (عليهم السلام)، والأصل في البداء هو الظهور، قال الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧]، يعني به: ظهر لهم من أفعال الله تعالى بهم ما لم يكن في حسبانهم وتقديرهم، وقال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ﴾ [الزمر: ٤٨]، يعني: ظهر لهم جزاء كسبهم وبان لهم ذلك، وتقول العرب: قد بدا لفلان عمل حسن، وبدا له كلام فصيح، كما يقولون: بدا من فلان كذا، فيجعلون اللَّام قائمة مقامه، فالمعنى في قول الإماميَّة: بدا لله في كذا، أي ظهر له فيه، ومعنى ظهر فيه، أي ظهر منه، وليس المراد منه تعقُّب الرأي ووضوح أمر كان قد خفي عنه، وجميع أفعاله تعالى الظاهرة في خلقه بعد أنْ لم تكن فهي معلومة له فيما لم يزل، وإنَّما يُوصَف منها بالبداء ما لم يكن في الاحتساب ظهوره، ولا في غالب الظنِّ وقوعه، فأمَّا ما عُلِمَ كونه وغلب في الظنِّ حصوله فلا يُستَعمل فيه لفظ البداء).
(١٣٤) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ٢/ ص ٥٤٧ - ٥٤٩/ باب الدعاء في أدبار الصلوات/ ح ٦) بسنده عن محمّد بن الفرج قال: كتب إليَّ أبو جعفر ابن الرضا (عليهما السلام) بهذا الدعاء وعلَّمنيه وقال: «من قال في دُبُر صلاة الفجر لم يلتمس حاجة إلَّا تيسَّرت له، وكفاه الله ما أهمَّه: بسم الله وبالله وصلَّى الله على محمّد وآله...»، إلى أنْ قال: «وأسألك يا ربِّ قلباً سليماً، ولسانا صادقاً، وأستغفرك لما تعلم، وأسألك خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، فإنَّك تعلم ولا نعلم، وأنت علَّام الغيوب»؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في من لا يحضره الفقيه (ج ١/ ص ٣٢٧ و٣٢٨/ ح ٩٦٠).
(١٣٥) روى ابن ماجة في سُنَنه (ج ١/ ص ٤٤٤/ ح ١٣٨٨) بسنده عن معاوية بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن عليِّ بن أبي طالب، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إذا كانت ليلة النصف من شعبان، فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإنَّ الله ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماء الدنيا، فيقول: ألَا من مستغفر لي فأغفر له؟! ألَا مسترزق فأرزقه؟! ألَا مبتلى فأُعافيه؟! ألَا كذا ألَا كذا، حتَّى يطلع الفجر».
(١٣٦) روى ابن طاوس (رحمه الله) في إقبال الأعمال (ج ٣/ ص ٣٣٨ و٣٣٩) بسنده عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت عليَّ بن الحسين (عليهما السلام) يقول: «من أحبَّ أنْ يصافحه مائة ألف نبيٍّ وأربعة وعشرون ألف نبيٍّ، فليزر الحسين (عليه السلام) ليلة النصف من شعبان، فإنَّ الملائكة وأرواح النبيِّين يستأذنون الله في زيارته فيأذن لهم، فطوبى لمن صافحهم وصافحوه، منهم خمسة أُولو العزم من المرسَلين: نوح وإبرهيم وموسى وعيسى ومحمّد (صلَّى الله عليه وعليهم أجمعين)»، قلت: لِـمَ سمُّوا أُولو العزم؟ قال: «لأنَّهم بُعِثُوا إلى شرقها وغربها، وجنِّها وإنسها».
(١٣٧) روى ابن قولويه (رحمه الله) في كامل الزيارات (ص ٤٥٢/ ح ٦٨٠/٧) عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «الغاضريَّة هي البقعة التي كلَّم الله فيها موسى بن عمران (عليه السلام)، وناجي نوحاً فيها، وهي أكرم أرض الله عليه، ولولا ذلك ما استودع الله فيها أولياءه وأبناء نبيِّه، فزوروا قبورنا بالغاضريَّة.
(١٣٨) روى ابن قولويه (رحمه الله) في كامل الزيارات (ص ٢٣٧ و٢٣٨/ ح ٣٥٥/٥) بسنده عن عبد الرحمن بن كثير مولى أبي جعفر (عليه السلام)، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «لو أنَّ أحدكم حجَّ دهره ثمّ لم يزر الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام) لكان تاركاً حقًّا من حقوق رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لأنَّ حقَّ الحسين (عليه السلام) فريضة من الله واجبة على كلِّ مسلم»؛ ورواه المفيد (رحمه الله) في المزار (ص ٢٧/ ح ٢)، والطوسي (رحمه الله) في تهذيب الأحكام (ج ٦/ ص ٤٢/ ح ٨٧/٢)، وابن المشهدي (رحمه الله) في المزار (ص ٣٤١/ ح ٣).
(١٣٩) روى أبو يعلى في مسنده (ج ١١/ ص ٣٤٨/ ح ٦٤٦١) بسنده عن أبي هريرة أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رأى في المنام كأنَّ بني الحَكَم ينزون على منبره وينزلون، فأصبح كالمتغيِّظ، وقال: «ما لي رأيت بني الحَكَم ينزون على منبري نزو القردة؟»، قال: فما رُئِيَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مستجمعاً ضاحكاً بعد ذلك حتَّى مات (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»؛ ورواه الحاكم في المستدرك (ج ٤/ ص ٤٨٠)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرِّجاه، ورواه أيضاً الثعلبي في تفسيره (ج ٦/ ص ١١١)، والبيهقي في دلائل النبوَّة (ج ٦/ ص ٥١١)، إلى غير ذلك من مصادر العامَّة.
(١٤٠) حديث مستفيض رواه الخاصَّة والعامَّة، فراجع ما رواه ابن أبي شيبة في المصنَّف (ج ٧/ ص ٥١٥/ ح ٢٢)، وأحمد بن حنبل في مسنده (ج ٢٩/ ص ١٠٣/ ح ١٧٥٦١)، والبخاري في الأدب المفرد (ص ٨٥/ ح ٣٦٩)، وابن ماجة في مسنده (ج ١/ ص ٥١/ ح ١٤٤)، والترمذي في سُنَنه (ج ٥/ ص ٣٢٤/ ح ٣٨٦٤)، وابن حبَّان في صحيحه (ج ١٥/ ص ٤٢٨)، إلى غير ذلك من مصادر العامَّة.
(١٤١) راجع زيارته (عليه السلام) في أوَّل يوم من رجب والنصف من شعبان في مصباح الزائر لابن طاوس (ص ٢٩٢).
(١٤٢) روى ابن قولويه (رحمه الله) في كامل الزيارات (ص ٣١٤ و٣١٥/ ح ٥٣٤/٨) بسنده عن ابن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): دعاني الشوق إليك أنْ تجشَّمت إليك علي مشقَّة، فقال لي: لا تشكُ ربَّك، فهلَّا أتيت من كان أعظم حقًّا عليك منِّي»، فكان من قوله: «فهلَّا أتيت من كان أعظم حقًّا عليك منِّي» أشدّ عليَّ من قوله: «لا تشكُ ربَّك»، قلت: ومن أعظم عليَّ حقًّا منك؟ قال: «الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)، ألَا أتيت الحسين (عليه السلام) فدعوت الله عنده وشكوت إليه حوائجك؟».
(١٤٣) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ٤/ ص ٥٨٩/ باب النوادر/ ح ٨) بسنده عن حنان، عن أبيه، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا سدير، تزور قبر الحسين (عليه السلام) في كلِّ يوم؟»، قلت: جعلت فداك لا، قال: «فما أجفاكم»، قال: «فتزورونه في كلِّ جمعة؟»، قلت: لا، قال: «فتزورونه في كلِّ شهر؟»، قلت: لا، قال: «فتزورونه في كلِّ سنة؟»، قلت: قد يكون ذلك، قال: «يا سدير، ما أجفاكم للحسين (عليه السلام)، أمَا علمت أنَّ لله (عزَّ وجلَّ) ألفي ألف مَلَك شعث غبر يبكون ويزورون لا يفترون؟ وما عليك يا سدير أنْ تزور قبر الحسين (عليه السلام) في كلِّ جمعة خمس مرَّات، وفي كلِّ يوم مرَّة؟»، قلت: جعلت فداك إنَّ بيننا وبينه فراسخ كثيرة، فقال لي: «اصعد فوق سطحك، ثمّ تلتفت يمنةً ويسرةً، ثمّ ترفع رأسك إلى السماء، ثمّ انحو نحو القبر وتقول: السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، تُكتَب لك زورة، والزورة حجَّة وعمرة»، قال سدير: فربَّما فعلت في الشهر أكثر من عشرين مرَّة.
وروى ابن قولويه (رحمه الله) في كامل الزيارات (ص ٤٨٨/ ح ٧٤٥/٦) بسنده عن الفضيل ابن يسار، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «ما أجفاكم يا فضيل لا تزورون الحسين (عليه السلام)، أمَا علمتم أنَّ أربعة آلاف مَلَك شعثاً غبراً يبكونه إلى يوم القيامة؟»، وفي (ص ٤٨٨/ ح ٧٤٦/٧) بسنده عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «كم بينكم وبين قبر الحسين (عليه السلام)؟»، قال: قلت: ستَّة عشر فرسخاً أو سبعة عشر فرسخاً، قال: «ما تأتونه؟»، قلت: لا، قال: «ما أجفاكم»، وفي (ص ٤٨٩/ ح ٧٤٩/١٠) بسنده عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال لي: «كم بينك وبين قبر الحسين (عليه السلام)؟»، قلت: يوم للراكب ويوم وبعض يوم للماشي، قال: «أفتأتيه كلَّ جمعة؟»، قلت: لا ما آتيه إلَّا في حين، قال: «ما أجفاكم، أمَا لو كان قريباً منَّا لاتَّخذناه هجرةً».
(١٤٤) روى ابن قولويه (رحمه الله) في كامل الزيارات (ص ٢٥٨/ ح ٣٨٩/٢) بسنده عن صالح بن ميثم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «من سرَّه أنْ يكون على موائد النور يوم القيامة فليكن من زوَّار الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)».
(١٤٥) رواه المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٩٨)، والطبرسي في إعلام الورى (ج ١/ ص ٤٥٩)، وابن شهرآشوب (رحمه الله) في مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٢٢٤)، وابن نما (رحمه الله) في مثير الأحزان (ص ٣٧)، والبلاذري في أنساب الأشراف (ج ٣/ ص ١٨٨)، والخوارزمي في مقتل الحسين (عليه السلام) (ج ١/ ص ٣٥٨).
(١٤٦) قال الخوارزمي في مقتل الحسين (عليه السلام) (ج ٢/ ص ٣٨): (... ثمّ إنَّه (عليه السلام) دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كلَّ من دنا إليه من عيون الرجال حتَّى قتل منهم مقتلة عظيمة، فحالوا بينه وبين رحله، فصاح بهم: «ويحكم، يا شيعة آل أبي سفيان، إنْ لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم هذه، وارجعوا إلى أحسابكم إنْ كنتم عرباً كما تزعمون»، فناداه شمر: ما تقول يا حسين؟ فقال: «أقول: أنا الذي أُقاتلكم وتقاتلوني، والنساء ليس عليهم جناح، فامنعوا عتاتكم وطغاتكم وجُهَّالكم عن التعرُّض لحرمي ما دمت حيًّا»، فقال له شمر: لك ذلك يا ابن فاطمة، ثمّ صاح شمر بأصحابه: إليكم عن حرم الرجل، واقصدوه بنفسه، فلعمري لهو كفو كريم، فقصده القوم بالحرب من كلِّ جانب، فجعل يحمل عليهم ويحملون عليه، وهو في ذلك يطلب الماء ليشرب منه شربة، فكلَّما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه، حتَّى أجلوه عنه، ثمّ رماه رجل يقال له: أبو الحتوف الجعفي بسهم فوقع السهم في جبهته، فنزع الحسين السهم، ورمى به، فسال الدم على وجهه ولحيته، فقال: «اللَّهُمَّ قد ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة العتاة، اللَّهُمَّ فاحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً»...).
(١٤٧) عبيد الله بن الحرِّ الجعفي، وُلِدَ في أوائل القرن الأوَّل الهجري، وتُوفِّي سنة (٦٨هـ) غرقاً في الفرات، شارك في الفتوحات الإسلاميَّة، التقى بالإمام الحسين (عليه السلام) وهو في طريقه إلى كربلاء، وعرض عليه الانضام إلى جنبه ونصرته، فأبى وقدَّم سيفه وفرسه للإمام الحسين (عليه السلام)، فرفض أخذهما وقال له: «إذا بخلت عنَّا بنفسك فلا حاجة لنا بمالك»، ندم على تركه نصرة الإمام الحسين (عليه السلام)، هرب من ابن زياد فأتى كربلاء فنظر إلى مصارع الحسين ومن قُتِلَ معه، فاستغفر لهم، وقال في ذلك:

يقول أمير غادر وابن غادر * * * ألَا كنت قاتلت الحسين بن فاطمه
ونفسي على خذلانه واعتزاله * * * وبيعة هذا الناكث العهد لائمه
فيا ندمي لا أكون نصرته * * * ألَا كلُّ نفس لا تشدّد نادمه
وإنِّي لأنِّي لم أكن من حماته * * * لذو حسرة أنْ لا تفارق لازمه
سقى الله أرواح الذين تبادروا * * * إلى نصره سحًّا من الغيث دائمه
وقفت على أجداثهم ومحالهم * * * فكاد الحشا ينقضُّ والعين ساجمه

إلى آخره، راجع: الكامل في التاريخ (ج ٤/ ص ٢٨٧/ ذكر خبر عبيد الله بن الحرِّ ومقتله).
(١٤٨) سليمان بن قتة التيمي القرشي العدوي، مولى بني تيم بن مرَّة، من شعراء أهل البيت (عليهم السلام)، وُلِدَ في النصف الأوَّل من القرن الأوَّل الهجري، وتُوفِّي بدمشق سنة (١٢٦هـ)، مرَّ بكربلاء بعد قتل الحسين (عليه السلام)، فنظر إلى مصارعهم فاتَّكأ على فرس له عربيَّة وأنشأ:

مررت على أبيات آل محمّد * * * فلم أرَها أمثالها يوم حلَّت
ألم ترَ أنَّ الشمس أضحت مريضة * * * لفقد حسين والبلاد اقشعرَّت
وكانوا أجراءً ثمّ أضحوا رزيَّة * * * لقد عظمت تلك الرزايا وجلَّت

إلى آخره، راجع: مثير الأحزان (ص ٨٨).
(١٤٩) روى الخوارزمي في مقتل الحسين (عليه السلام) (ج ٢/ ص ١٩٠/ ح ٢) بسنده عن عطيَّة العوفي، قال: خرجت مع جابر بن عبد الله الأنصاري زائراً قبر الحسين بن عليٍّ، فلمَّا وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل، ثمّ اتَّزر بإزار وارتدى بآخر، ثمّ فتح صُرَّةً فيها سعد فنثره على بدنه، ثم إنَّه لم يخطُ خطوة إلَّا ذكر فيها الله تعالى، حتَّى إذا دنا من القبر قال: ألمسنيه يا عطيَّة، فألمسته، فخرَّ على القبر مغشيًّا عليه، فرششت عليه شيئاً من الماء، فلمَّا أفاق قال: يا حسين يا حسين - ثلاثاً -، ثمّ قال: حبيب لا يجيب حبيبه، وأنَّى لك بالجواب وقد شخبت أوداجك على أثباجك، وفُرِّق بين رأسك وبدنك؟ فأشهد أنَّك ابن خاتم النبيِّين، وابن سيِّد الوصيِّين، وحليف التقى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيِّد النقباء، وابن فاطمة سيِّدة النساء...
(١٥٠) قالها الوليد بن عقبة - وهو أخو عثمان من أُمِّه - يذكر قبض عليٍّ (عليه السلام) نجائب عثمان وسيفه وسلاحه، فأجابه عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطَّلب بأبيات طويلة من جملتها:

فلا تسألونا سيفكم إنَّ سيفكم * * * أُضيع وألقاه لدى الروع صاحبه
وشبهته كسرى وقد كان مثله * * * شبيهاً بكسرى هديه وضرائبه

راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (ج ١/ ص ٢٧٠ و٢٧١).
(١٥١) قاله حسَّان بن ثابت يرثي عثمان، قال ابن الأثير: (وزاد فيها بعض أهل الشام أبياتاً لا حاجة إلى ذكرها، ومنها:

يا ليت شعري وليت الطير تُخبرني * * * ما كان بين عليٍّ وابن عفَّانا

وإنَّما زادوا فيها تحريضاً لأهل الشام على قتال عليٍّ ليقوى ظنُّهم أنَّه هو قتله).
راجع: أُسد الغابة (ج ٣/ ص ٣٨٣ و٣٨٤).
(١٥٢) قال الطبري في تاريخه (ج ٤/ ص ١٧١) في ذكر أحداث سنة ستٍّ وأربعين: (وفيها انصرف عبد الرحمن بن خالد بن الوليد من بلاد الروم إلى حمص، فدسَّ ابن أثال النصراني إليه شربة مسمومة فيما قيل فشربها فقتلته. وكان السبب في ذلك ما حدَّثني عمر، قال: حدَّثنا علىٌّ، عن مسلمة بن محارب أنَّ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشام ومال إليه أهلها لما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد، ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه، حتَّى خافه معاوية وخشي على نفسه منه لميل الناس إليه، فأمر ابن أثال أنْ يحتال في قتله، وضمن له إنْ هو فعل ذلك أنْ يضع عنه خراجه ما عاش، وأنْ يُولِّيه جباية خراج حمص، فلمَّا قَدِمَ عبد الرحمن بن خالد حمص منصرفاً من بلاد الروم دسَّ إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه فشربها فمات بحمص، فوفى له معاوية بما ضمن له وولَّاه خراج حمص ووضع عنه خراجه).
(١٥٣) مالك بن الحارث النخعي المشهور بالأشتر، تابعي كوفي، كان فارساً شجاعاً رئيساً من أكابر الشيعة وعظمائها، شديد التحقُّق بولاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ونصره، تُوفِّي سنة (٣٧هـ) متوجِّهاً إلى مصر والياً عليها لعلىٍّ (عليه السلام)، خرج حتَّى وصل إلى القلزم، فبعث معاوية إلى صاحب القلزم بأنْ يغتال الأشتر، فلمَّا نزل به قدَّم إليه شربة من عسل فشربها فمات، فبلغ معاوية فقال لأصحابه: إنَّ لله جنوداً من عسل. رثاه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «رحم الله مالكاً، فلقد كان لي كما كنت لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)».
(١٥٤) راجع: اللباب في تهذيب الأنساب (ج ٣/ ص ٣٠٤)، وتذكرة الخواصِّ (ص ١٠١).
(١٥٥) قال اليعقوبي في تاريخه: (كان حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما من شيعة عليِّ بن أبي طالب، إذا سمعوا المغيرة وغيره من أصحاب معاوية، وهم يلعنون عليًّا على المنبر، يقومون فيردُّون اللعن عليهم، ويتكلَّمون في ذلك. فلمَّا قَدِمَ زياد الكوفة خطب خطبة له مشهورة لم يحمد الله فيها ولم يُصلِّ على محمّد [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)]...) إلى أنْ قال: (وأخذ زياد حجر بن عدي الكندي وثلاثة عشر رجلاً من أصحابه فأشخصهم إلى معاوية، فكتب فيهم أنَّهم خالفوا الجماعة في لعن أبي تراب، وزروا على الولاة، فخرجوا بذلك من الطاعة، وأنفذ شهادات قوم...، فلمَّا صاروا بمرج عذراء من دمشق على أميال أمر معاوية بإيقافهم هناك، ثمّ وجَّه إليهم من يضرب أعناقهم، فكلَّمه قوم في ستَّة منهم فوقف عنهم، فقُتِلَ سبعة: حجر بن عدي الكندي...، ثمّ ضُرِبَت عنقه وأعناق القوم، وكُفِّنوا ودُفنوا، وكان ذلك في سنة (٥٢هـ))؛ وراجع: الأخبار الطوال (ص ٢٢٣)، والبداية والنهاية (ج ٦/ ص ٢٥٢).
(١٥٦) قال الصفدي في الوافي بالوفيات (ج ١١/ ص ٢٤٧ و٢٤٨): (وحجَّ معاوية فاستأذن على عائشة فحجبته، ثمّ أذنت له، فقالت له: ما حملك على قتل أهل عذراء حجر وأصحابه؟ قال: يا أُمَّ المؤمنين، إنِّي رأيت قتلهم صلاحاً للأُمَّة وإنَّ بقاءهم فساد للأُمَّة، فقالت: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «سيُقتَل بعذراء أُناس يغضب الله لهم وأهل السماء»، أمَّا خشيت أنْ أُخبئ لك رجلاً فيقتلك؟ فقال: لا إنِّي في بيت أمان. وكان يقول عند موته: إنَّ يومي من ابن الأدبر لطويل، وانتحب ابن عمر لـمَّا بلغه قتله، وندم معاوية على قتله، وعُرِفَ منه الندم والخوف عند الموت، وقال: ما قتلت أحداً إلَّا وأنا أعرف فيم قتلته وما أردت به ما خلا حجراً).
(١٥٧) روى البخاري في صحيحه (ج ٩/ ص ٢١٧ و٢١٨/ ح ٥٢٩٩) بسنده عن ابن أبي نُعْم، قال: كنت شاهداً لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض، فقال: ممَّن أنت؟ فقال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وسمعت النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «هما ريحانتاي من الدنيا»؛ ورواه الترمذي في سُنَنه (ج ٥/ ص ٣٢٢/ ح ٣٨٥٩)، والنسائي في سُنَنه (ج ٥/ ص ١٥٠/ح ٨٥٣٠)، إلى غير ذلك من مصادر العامَّة.
(١٥٨) قال السمهودي في وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (ج ٢/ ص ١٠): (قالوا: فلمَّا قَدِمَ معاوية عام حجَّ حرَّك المنبر، وأراد أنْ يُخرجه إلى الشام، فكُسِفَت الشمس يومئذٍ، حتَّى بدت النجوم، فاعتذر معاوية إلى الناس، وقال: أردت أنظر إلى ما تحته، وخشيت عليه من الأرضة)، وذكر ذلك أيضاً اليعقوبي في تاريخه (ج ٢/ ص ٦٨)، والحلبي في سيرته (ج ٢/ ص ٣٧١ و٣٧٢).
(١٥٩) راجع: أُمراء الكوفة وحُكَّامها (ص ١٥٤).
(١٦٠) قال (عليه السلام) في الخطبة الشقشقيَّة: «... فَمَا رَاعَنِي إِلَّا وَالنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ، وَشُقَّ عِطْفَايَ، مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ، فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ، وَمَرَقَتْ أُخْرَى، وَقَسَطَ آخَرُونَ...».
نهج البلاغة (ص ٤٩/ الخطبة ٣).
(١٦١) من كلام له (عليه السلام) لـمَّا أراده الناس على البيعة بعد قتل عثمان: «دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي، فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَه وُجُوه وَأَلْوَانٌ، لَا تَقُومُ لَه الْقُلُوبُ، وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْه الْعُقُولُ، وَإِنَّ الآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ، وَالمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ، وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ وَلَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتْبِ الْعَاتِبِ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ، وَلَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوه أَمْرَكُمْ، وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً».
نهج البلاغة (ص ١٣٦/ ح ٩٢).
(١٦٢) نهج البلاغة (ص ٥٠/ الخطبة ٣).
(١٦٣) روى أحمد بن حنبل في مسنده (ج ٤١/ ص ٢٨٥/ ح ٢٤٧٦٨) بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنَّها قالت: (... وأيم الله يا ابن أُختي إنْ كان ليمرَّ على آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الشهر ما يوقد في بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من نار إلَّا أنْ يكون اللحيم، وما هو إلَّا الأسودان: الماء والتمر...).
(١٦٤) روى ابن أبي شيبة في المصنَّف (ج ٧/ ص ٤٦٥/ ح ٨) بسنده عن ابن عبَّاس: (أنَّ داود حدَّث نفسه إنْ ابتُلي أنْ يعتصم، فقيل له: إنَّك ستُبتلى وتعلم اليوم الذي تُبتلى فيه فخذ حذرك، فقيل له: هذا اليوم الذي تُبتلى فيه، فأخذ الزبور فوضعه في حجره وأغلق باب المحراب وأقعد منصفاً على الباب، وقال: لا تأذن لأحد عليَّ اليوم، فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر مذهَّب كأحسن ما يكون الطير، فيه من كلِّ لون، فجعل يدرج بين يديه، فدنا منه، فأمكن أنْ يأخذه، فتناوله بيده ليأخذه، فاستوفزه من خلفه، فأطبق الزبور وقام إليه ليأخذه، فطار فوقع على كوة المحراب، فدنا منه أيضاً ليأخذه فوقع على حصن، فأشرف عليه لينظر أين وقع، فإذا هو بالمرأة عند بركتها تغتسل من المحيض، فلمَّا رأت ظلَّه حرَّكت رأسها فغطَّت جسدها بشعرها، فقال داود للمنصف: اذهب فقل لفلانة تجيء، فأتاها فقال: إنَّ نبيَّ الله يدعوكِ، فقالت: ما لي ولنبيِّ الله؟ إنْ كانت له حاجة فليأتني، أمَّا أنا فلا آتيه، فأتاه المنصف فأخبره بقولها، فأتاها، وأغلقت الباب دونه، فقالت: ما لك يا داود؟ أمَا تعلم أنَّه من فعل هذا رجمتموهما، ووعظته فرجع، وكان زوجها غازياً في سبيل الله، فكتب داود (عليه السلام) إلى أمير المغزى: انظر أُوريا فاجعله في حملة التابوت، فقُتِلَ...)؛ وراجع: تاريخ اليعقوبي (ج ١/ ص ٥٢)، وتاريخ الطبري (ج ١/ ص ٣٣٩)، وغير ذلك من مصادر العامَّة.
(١٦٥) روى أبو داود في سُنَنه (ج ٢/ ص ٣١٣/ ح ٤٢٩٧) بسنده عن ثوبان، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يوشك الأُمَم أنْ تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها»، فقال قائل: ومن قلَّة نحن يومئذٍ؟ قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنَّكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن»، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: «حبُّ الدنيا وكراهيَّة الموت»؛ ورواه ابن أبي شيبة في المصنَّف (ج ٨/ص ٦١٣/ ح ١٣٩)، وأحمد بن حنبل في مسنده (ج ٣٧/ ص ٨٢/ ح ٢٢٣٩٧)، والبلاذري في أنساب الأشراف (ج ١/ ص ٤٨١)، وابن المنادي في الملاحم (ص ١٤٩ و١٥٠/ ح ٧٣/١ و٧٤/٢)، والطبراني في مسند الشاميِّين (ج ١/ ص ٣٤٤ و٣٤٥/ ح ٦٠٠)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (ج ١/ ص ١٨٢)، إلى غير ذلك من مصادر العامَّة.
(١٦٦) قال ابن الجوزي في زاد المسير (ج ٣/ ص ٢٩٠) في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣): (وفي قوله [تعالى]: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ قولان: أحدهما: أنَّ الهاء عائدة على رسول الله، فالمعنى: ليُعلِّمه شرائع الدِّين كلّها، فلا يخفى عليه منها شيء، قاله ابن عبَّاس. والثاني: أنَّها راجعة إلى الدِّين. ثمّ في معنى الكلام قولان: أحدهما: ليُظهِر هذا الدِّين على سائر الملل. ومتى يكون ذلك؟ فيه قولان: أحدهما: عند نزول عيسى (عليه السلام)، فإنَّه يتبعه أهل كلِّ دين، وتصير الملل واحدة، فلا يبقى أهل دين إلَّا دخلوا في الإسلام أو أدَّوا الجزية، قاله أبو هريرة والضحَّاك. والثاني: أنَّه عند خروج المهدي، قاله السُّدِّي. والقول الثاني: أنَّ إظهار الدِّين إنَّما هو بالحُجَج الواضحة، وإنْ لم يدخل الناس فيه).
(١٦٧) قد مرَّ في (ص ٢٢)، فراجع.
(١٦٨) لاحظ ما كتبه أحمد أمين المصري في كتابه فجر الإسلام (ص ٢٧٠/ الفصل الثاني: الشيعة)، قال: (... وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهوديَّة، فعندهم أنَّ النبيَّ إلياس صعد إلى السماء وسيعود فيعيد الدِّين والقانون، ووُجِدَت الفكرة في النصرانيَّة أيضاً في عصورها الأُولى، وتطورت هذه الفكرة عند الشيعة إلى العقيدة باختفاء الأئمَّة، وأنَّ الإمام المختفي سيعود فيملأ الأرض عدلاً، ومنها نبعت فكرة المهدي المنتظر).
(١٦٩) راجع ما مرَّ في (ص ٢٦).
(١٧٠) مرَّ في (ص ٨٩)، فراجع.
(١٧١) كمال الدِّين (ص ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩).
(١٧٢) قد مرَّ كلُّ ذلك في (ص ٧٣ و٧٤)، فراجع.
(١٧٣) روى المفيد (رحمه الله) في الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٨١) عن عبد الكريم الخثعمي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كم يملك القائم (عليه السلام)؟ قال: «سبع سنين، تطول له الأيَّام والليالي حتَّى تكون السنة من سنيه مقدار عشر سنين من سنيكم، فيكون سنو ملكه سبعين سنة من سنيكم هذه...»؛ ورواه الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٧٤/ ح ٤٩٧)، والفتَّال (رحمه الله) في روضة الواعظين (ص ٢٦٤)، والطبرسي (رحمه الله) في إعلام الورى (ج ٢/ ص ٢٩٠)، والإربلي (رحمه الله) في كشف الغمَّة (ج ٣/ ص ٢٦٢).
(١٧٤) روى أحمد بن حنبل في مسنده (ج ١٨/ ص ٦١ و٦٢/ ح ١١٤٨٤) بسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أُبشِّركم بالمهدي يُبعَث في أُمَّتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، ويملأ الله قلوب أُمَّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) غنًى، فلا يحتاج أحد إلى أحد...».
(١٧٥) روى نعيم بن حمَّاد المروزي في الفتن (ص ٢١٣) بسنده عن أبي رومان، عن عليٍّ (عليه السلام)، قال: «إذا هزمت الرايات السود خيل السفياني التي فيها شعيب بن صالح تمنَّي الناس المهدي، فيطلبونه، فيخرج من مكَّة ومعه راية النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيُصلِّي ركعتين بعد أنْ يئس الناس من خروجه لما طال عليهم من البلاء، فإذا فرغ من صلاته انصرف فقال: أيُّها الناس ألحَّ البلاء بأُمَّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبأهل بيته خاصَّة، قُهرنا وبُغِيَ علينا»؛ ورواه السيوطي في العرف الوردي (ص ١٤٧/ ح ١٧١)، وابن حجر في القول المختصر في علامات المهدي المنتظر (عليه السلام) (ص ١٤٧)، والمتَّقي الهندي في كنز العُمَّال (ج ١٤/ ص ٥٩٠/ ح ٣٩٦٧٣).
(١٧٦) روى أبو داود في سُنَنه (ج ٢/ ص ٣١٠ و٣١١/ ح ٤٢٨٦) بسنده عن أُمِّ سَلَمة زوج النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكَّة، فيأتيه ناس من أهل مكَّة فيُخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويُبعَث إليه بعث من الشام فيُخسَف بهم بالبيداء بين مكَّة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق فيبايعونه بين الركن والمقام، ثمّ ينشأ رجل من قريش أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثاً فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل في الناس بسُنَّة نبيِّهم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويلقى الإسلام بجرانه في الأرض، فيلبث سبع سنين، ثمّ يتوفَّى ويُصلِّي عليه المسلمون»؛ ورواه الصنعاني في المصنَّف (ج ١١/ ص ٣٧١/ ح ٢٠٧٦٩)، وابن راهويه في مسنده (ج ٤/ ص ١٧٠ و١٧١/ ح ١٤١/١٩٥٤)، وأحمد بن حنبل في مسنده (ج ٤٤/ ص ٢٨٦ و٢٨٧/ ح ٢٦٦٨٩)، وأبو يعلى في مسنده (ج ١٢/ ص ٣٦٩ و٣٧٠/ ح ٦٩٤٠)، وابن حبَّان في صحيحه (ج ١٥/ ص ١٥٨ و١٥٩)، إلى غير ذلك من مصادر العامَّة.
(١٧٧) روى الخزَّاز القمِّي (رحمه الله) في كفاية الأثر (ص ١٤٧ - ١٥١) بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قال عليٌّ (عليه السلام): «كنت عند النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بيت أُمِّ سَلَمة إذ دخل علينا جماعة من أصحابه منهم: سلمان وأبو ذرٍّ والمقداد وعبد الرحمن بن عوف، فقال سلمان: يا رسول الله، إنَّ لكلِّ نبيٍّ وصيًّا وسبطين، فمن وصيُّك وسبطيك؟ فأطرق ساعة، ثمّ قال: يا سلمان، إنَّ الله بعث أربعة ألف نبيٍّ وكان لهم أربعة ألف وصيٍّ وثمانية ألف سبط، فوَالذي نفسي بيده لأنا خير الأنبياء، ووصيِّي خير الأوصياء، وسبطاي خير الأسباط...»، إلى أنْ قال: «ثمّ التفت إلينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال رافعاً صوته: الحذر إذا فُقِدَ الخامس من ولد السابع من ولدي»، قال عليٌّ [(عليه السلام)]: «فقلت: يا رسول الله، فما تكون هذه الغيبة؟ قال: أصبت حتَّى يأذن الله له بالخروج، فيخرج من اليمن من قرية يقال لها: كرعة، على رأسه عمامة، متدرِّع بدرعي، متقلِّد بسيفي ذي الفقار، ومنادي ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتَّبعوه، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، وذلك عندما يصير الدنيا هرجاً ومرجاً، ويغار بعضهم على بعض، فلا الكبير يرحم الصغير، ولا القويُّ يرحم الضعيف، فحينئذٍ يأذن الله له بالخروج».
(١٧٨) روى الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٢٣١/ باب ما عند الأئمَّة من آيات الأنبياء (عليهم السلام)/ ح ٢) بسنده عن أبي سعيد الخراساني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «إنَّ القائم إذا قام بمكَّة وأراد أنْ يتوجَّه إلى الكوفة نادى مناديه: ألَا لا يحمل أحد منكم طعاماً ولا شراباً، ويحمل حجر موسى بن عمران، وهو وقر بعير، فلا ينزل منزلاً إلَّا انبعث عين منه، فمن كان جائعاً شبع ومن كان ظامئاً روي، فهو زادهم حتَّى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة»؛ ورواه النعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ٢٤٤/ باب ١٣/ ح ٢٩)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٧٠ و٦٧١/ باب ٥٨/ ح ١٧).
وروى الطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٦٨ و٤٦٩/ ح ٤٨٥) بسنده عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث طويل -، قال: «يدخل المهدي الكوفة وبها ثلاث رايات قد اضطربت بينها، فتصفو له، فيدخل حتَّى يأتي المنبر ويخطب، ولا يدري الناس ما يقول من البكاء، وهو قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): كأنِّي بالحسني والحسيني وقد قاداها فيُسلِّمها إلى الحسيني فيبايعونه. فإذا كانت الجمعة الثانية قال الناس: يا بن رسول الله، الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والمسجد لا يسعنا، فيقول: أنا مرتاد لكم، فيخرج إلى الغريِّ، فيخط مسجداً له ألف باب يسع الناس، عليه أصيص، ويبعث فيُحفَر من خلف قبر الحسين (عليه السلام) لهم نهراً يجري إلى الغريَّين حتَّى ينبذ في النجف، ويعمل على فوهته قناطر وأرحاء في السبيل، وكأنِّي بالعجوز وعلى رأسها مكتل فيه برٌّ حتَّى تطحنه بكربلاء».
(١٧٩) المزار لابن المشهدي (ص ٥٠١/ زيارة الناحية المقدَّسة).
(١٨٠) قد مرَّ ذلك عليك في طيَّات البحث.
(١٨١) راجع ما مرَّ في (ص ٢٦).
(١٨٢) قد مرَّ في (ص ٨٩)، فراجع.
(١٨٣) قد مرَّ في (ص ١٢٥)، فراجع.
(١٨٤) قد مرَّ في (ص ٩٣)، فراجع.
(١٨٥) إشارة إلى قوله تعالى في سورة (القَصص: ٣٠): ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
(١٨٦) أي حنين الجذع لـمَّا تحوَّل (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى المنبر، وكان الجذع أُسطوانة في المسجد، وكان يستند إليه إذا خطب، ولـمَّا تحوَّل إلى المنبر صدر عنه حنين، فلمَّا جاء إليه والتزمه سكن، وهو من معاجزه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ وقد روته مصادر المسلمين، راجع: صحيح البخاري (ج ٦/ ص ٤٤/ ح ٣٢٠٧)، وسُنَن ابن ماجة (ج ١/ ص ٤٥٤ و٤٥٥/ باب ما جاء في بدء شأن المنبر)، وسُنَن الترمذي (ج ٢/ ص ٨/ ح ٥٠٣، وج ٥/ ص ٢٥٤/ ح ٣٧٠٦)، إلى غير ذلك من المصادر.
(١٨٧) راجع ما مرَّ في (ص ٢٢).
(١٨٨) روى مسلم في صحيحه (ج ٤/ ص ١٩٥) بسنده عن فاطمة بنت قيس أنَّ أبا عمرو بن حفص طلَّقها البتَّة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لكِ علينا من شيء، فجاءت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فذكرت ذلك له، فقال: «ليس لكِ عليه نفقة»، فأمرها أنْ تعتدَّ في بيت أُمِّ شريك، ثمّ قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أُمِّ مكتوم فإنَّه رجل أعمى تضعين ثيابكِ، فإذا حللت فآذنيني»، قالت: فلمَّا حللت ذكرت له أنَّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أمَّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأمَّا معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أُسامة بن زيد»، فكرهته، ثمّ قال: «انكحي أُسامة»، فنكحته، فجعل الله فيه خيراً، واغتبطت به.
ورواه أبو داود في سُنَنه (ج ١/ ص ٥١٠/ ح ٢٢٨٤)، والنسائي في سُنَنه (ج ٣/ ص ٤٩٥/ ح ٦٠٣٢).
قال السيوطي في شرح سُنَنه النسائي (ج ٦/ ص ٧٦): (وقد علم الرسول أنَّ أبا جهم كان يأكل وينام ويستريح، فعلمنا أنَّه (عليه الصلاة والسلام) عنى بقوله: «لا يضع عصاه عن عاتقه» على تفسير أنَّ الأغلب من أحواله ذلك).
(١٨٩) راجع ما مرَّ في (ص ٨٧ و٨٨).

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٢ / ٤.٥
 التعليقات
الدولة:
الإسم: علي سعد
العراق
النص: نشكر مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي عج للجهود التي تبذلها من اجل صيانة تراث اهل البيت وتراث مفكرينا والاعلام الذين كرسوا حياتهم لخدمة المذهب بالكلام النابع من الشعور الولائي ليصوغه الدكتور الوائلي رحمه الله وتغمده في فسيح جناته كلاما ذهبيا ولكنكم جعلتموه سفرا خالدا بمداد الوفاء
تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/٠٢/٠٥ ٠٣:٠٨ م
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved