فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام الجزء الأول
 كتب المركز

الكتب محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام الجزء الأول

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٥ المشاهدات المشاهدات: ٢٦٥٠٨ التعليقات التعليقات: ٢

محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام (الجزء الأول)

إعداد وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله فرجه

الفهرست

مقدمة المركز
شكر وتقدير
١ _ فهم حركة الإمام المهدي عليه السلام / السيد محمد باقر الحكيم
النقطة الأولى: العدل
وثيقة حقوق الإنسان
قضية المال
النقطة الأخرى: الانتظار
معنى الانتظار
٢ _ نسب الإمام المهدي عليه السلام / السيد كاظم السرابي
الغيبة
سبب الغيبة
معنى الانتظار
٣ _ محن وآلام صاحب الزمان عليه السلام / السيد حسين الحكيم
٤ _ الإمام المهدي عليه السلام والخلاص العالمي / السيد داخل الموسوي
المدرسة الأولى
المدرسة الثانية
المدرسة الثالثة
مصادر فكرة المهدي عليه السلام
القرآن الكريم
السنة النبوية
٥ _ الإيمان بالإمام المهدي عليه السلام / السيد علاء الموسوي
الجانب الأول: الفكري العقائدي
الجانب الثاني: الوجداني
الانتظار
٦ _ إثبات ظهور المهدي عليه السلام / السيد منير الخباز
الأولى: ظهوره وغيبته
الثانية: دوافع الغيبة
الثالثة: التفاعل بين المسلمين وبين إمامهم الغائب
الأول: الإحساس برقابته
الثاني: التسديد والتأييد
الثالث: رؤية الإمام
٧ _ أدلة وجود الإمام المهدي عليه السلام / الشيخ باقر المقدسي
٨ _ ولادة الإمام الحجة عليه السلام / الشيخ إبراهيم النصيراوي
عظمة المولد
بقية الله
إشراق الأرض
الإمام حجّة الله
٩ _ قضايا العصر / الشيخ عبد الحميد المهاجر
الأولى: مسيرة البشرية
الثانية: ظهور الإمام

مقدّمة المركز

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وخاتم رسله وعلى آله الطيبين الطاهرين...
أمّا بعد:
شاءت القدرة الإلهيّة أن تضع بأزاء كل حقّ باطلاً يتناسب معه بالقوّة والاستطالة ويوازيه من حيث الاتجاه والمسيرة التأريخية، فكان ذلك من القوانين والسنن الثابتة التي ابتنت عليها أسس الخليقة منذ نشأتها الأولى، والتي رسمت للدنيا إطارها الذي لا تملك أن تخرج عن حدوده.
وهذا هو ذات الأمر الذي أشارت إليه الآية المباركة في قوله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(١)، إذ أنّ التتبّع الواعي لكل مسيرة أو حركة تنتسب إلى الحق في منهجيتها يبرهن لنا أنّ مسيرة الباطل وحركته لم تتخلّ يوماً عن ملازمة حركات الإصلاح والتحرّر والسير الحثيث بموازاتها، منذ اليوم الأوّل الذي وقف فيه أبونا آدم ليعبد الله الواحد القهّار، ومروراً بما يحدّثنا التأريخ عن قابيل وهابيل والأنبياء والمصلحين، وإلى يومنا الذي نعيشه.
ولعلّ من أوضح الأفكار والرؤى التي تنتسب إلى الحق ونهجه القويم، بل وينتسب الحق إليها، هي الفكرة العقائدية الربّانية المقدّسة التي زرعتها الشرائع السماوية المتعاقبة في حقل الذهن البشري من خلال المسيرة التكاملية للأنبياء والرسل والأوصياء، وهي فكرة المنقذ الذي سيمدّ يده التي باركتها قدرة السماء لتنتشل البشرية من الأودية السحيقة للظلم والجور إلى مرابع القسط والعدل الإلهي، والتي ستحقق الأحلام والآمال التي بذل الأنبياء والمصلحون دماءهم زهيدة في سبيل تحقيقها، ساعين بذلك لجذب الدنيا من بؤر الظلم والفساد والعبودية إلى آفاق الحرية والعيش الرغيد.
فخضعت هذه العقيدة المقدّسة لهذه القوانين الثابتة وتعرضت لشتى أنواع المحاربة على مر العصور، فكانت هذه المحاربة متناسبة مع عظم الأهمية والسمو والرفعة التي أولتها السماء لها.
وبما أنّ أهميّة الدفاع عن هذه العقيدة تنبع من طرفين أوّلهما مقدار عظمة هذه الفكرة من حيث ارتباطها بمبدأ العقيدة الإسلامية التي عبّر عنها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في قوله: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(٢)، وثانيهما مقدار ما يبذله الأعداء من جهود لم يعرف لها مثيل من تسخير كافة الطاقات لإظهارها على أنها العامل الخرافي الذي يتشبث به أناس ناموا على أمل أن يجدوا العالم ذات يوم يحقق لهم آمالهم وأحلامهم التي كبتها ظلم الظالمين مدة مديدة من الزمن العسير.
لذلك وجدنا أنفسنا _ في خضم هذه الظروف والمداخلات _ نتحمل عبئاً كبيراً وجزءً غير يسير من المسؤولية الملقاة على عاتق المجتمع الصالح من أتباع أهل البيت عليهم السلام في الدفاع عن هذا المبدأ المقدّس الذي يعتبر أس العقيدة وأساس المذهب.
على أنّ كثرة المدافعين من العلماء الأعلام وذوي الأقلام الشريفة على مرّ الدهور لا تغني عن الاستمرار في انتهاج سبيل الذود عن هذه العقيدة المقدسة، إذ أنّ الشبهات _ وإن تكررت بصيغ مختلفة _ تحتاج إلى ردود تتناسب والطريقة التي يتبناها أعداء الحق والأساليب التي يسلكونها والطرق الملتوية التي يتبعونها في توجيه سهام الحقد الأسود للصورة الناصعة لهذه العقيدة المقدّسة.
ومركزنا الذي أنشئ بعد الاستشارة والمداولة مع ثلة من العلماء الأعلام وفضلاء الحوزة العلمية المباركة، وبرعاية من المرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله، يجد أنّ واجبه الأول هو بذل الجهد للدفاع عن سيدنا ومولانا صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف.
فتبنّى هذا المركز مجموعة من المحاور في عمله منها:
١ _ طباعة ونشر الكتب المختصّة بالإمام المهدي عليه السلام، بعد تحقيقها، وذلك ضمن سلسلة وسمناها بـ (سلسلة اعرف إمامك).
٢ _ نشر المحاضرات المختصّة به عليه السلام من خلال تسجليها وطبعها وتوزيعها، ضمن سلسلة (محاضرات في الإمام المهدي).
٣ _ إقامة الندوات العلمية التخصصية في الإمام عجّل الله فرجه، ونشرها من خلال التسجيل الصوتي والصوري وطبعها وتوزيعها في كتيّبات ضمن (سلسلة الندوات المهدوية)، أو من خلال وسائل الإعلام وشبكة الانترنيت.
٤ _ إصدار مجلّة شهرية تخصّصية باسم (الانتظار).
٥ _ العمل في المجال الإعلامي بكل ما نتمكّن عليه من وسائل مرئية ومسموعة، بما فيها شبكة الانترنت العالمية من خلال الصفحة الخاصّة بالمركز.
٦ _ نشر كل ما من شأنه توثيق الارتباط بين الأجيال الجديدة وإمامهم المنتظر عليه السلام، وذلك من خلال القصص والكتب التي تتناسب مع أعمارهم.
٧ _ الاهتمام بنشر التراث المختص بالإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، ضمن (سلسلة التراث المهدوي).
وها نحن عزيزي القارئ الكريم نضع بين يديك هذا الكتاب الذي يحمل بين طياته المحاضرات الفكرية المختصّة بالإمام المنتظر عجل الله فرجه، بعد جمعها وإعدادها، ثم تحقيقها وإستخراج المصادر والمنابع التي اعتمد عليها المحاضرون بالمقدار الذي نتمكّن عليه، بالصورة التي توثّق المعلومات الواردة فيها، ثم مراجعتها وإخراجها بهذه الحلّة التي نسأل الباري عز وجل أن يجعلها محط قبولكم ورضاكم، وأن يجعل هذا العمل مرضياً عند إمام زماننا الذي يعيش بين أظهرنا ويتفقد أحوالنا ويعلم بكل سرائرنا.
إنه نعم المولى ونعم المجيب.
شكر وتقدير
يتقدم المركز بالشكر الجزيل لكل من ساهم في إعداد هذه السلسلة تحت عنوان محاضرات حول المهدي عجل الله فرجه ونخصّ بالذكر كلاً من:
١ _ لجنة التحقيق، المؤلفة من: سماحة الشيخ رعد الجميلي، وسماحة الشيخ أحمد الساعدي، والأخ الفاضل علاء عبد النبي.
٢ _ كافة الاخوة الأكارم العاملين في قسم الحاسوب الآلي، لجهودهم الكبيرة في إنجاز هذا العمل.
سائلين المولى القدير جلّ وعلا أن يجعل هذا العمل وجميع الأعمال محطّ قبوله، وأن يأخذ بأيدي الجميع لما فيه الصلاح والموفقية والسؤدد.

والحمد لله ربّ العالمين

السيد محمد القبانجي
مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي عليه السلام
ربيع الثاني١٤٢٥هـ/ النجف الأشرف

فهم حركة الإمام المهدي عليه السلام
 شهيد المحراب سماحة السيد محمد باقر الحكيم قدس سره
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين محمّد صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا بقيّة الله في أرضه الإمام المهدي عجل الله فرجه، والسلام على شهداء الإسلام في كل مكان منذ الصدر الأوّل من الإسلام وإلى هذا العصر.
والسلام على سادتي العلماء، إخواني وأعزائي المؤمنين الكرام ورحمة الله وبركاته.
قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم:
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ)(٣).
في هذه الليلة المباركة _ ليلة النصف من شعبان _ كان ميلاد سيدنا ومولانا بقيّة الله في أرضه _ على ما تذكر الروايات _ عند الفجر، وهذه الليلة هي ليلة شريفة شرّفها الله سبحانه وتعالى ببركة نبيّه صلّى الله عليه وآله، وكانت _ على ما ورد في الروايات الشريفة(٤) _ في الفضل بعد ليلة القدر، وزادها الله سبحانه وتعالى شرفاً بهذا الميلاد الشريف.
ولذلك أتقدّم بالتهنئة والتبريك لكلّ السادة الأفاضل والاخوة الأعزّاء بمناسبة هذا المولد الشريف، وكذلك لكلّ المسلمين، ولكل محبّي أهل البيت، ولقائد الثورة الإسلامية (ولي أمر المسلمين) أقدّم لهم التبريك والتهنئة لهذه المناسبة، بل لكل المستضعفين في الأرض.
ذلك أنّ هذا المولد الشريف يمثّل ولادة دولة الحق المطلق والعدل المطلق الذي أراده الله سبحانه وتعالى لمسيرة الإنسان التكامليّة، ووجدنا بأنّ هذه الدولة الشريفة تمثّل الوعد الإلهي الذي وعد الله سبحانه وتعالى عباده الصالحين، كما قرأت عليكم من هذه الآية الكريمة، وتوجد كثير من الروايات والنصوص التي تؤكّد، حتى الآيات الكريمة أيضاً فيها هذا النوع من التأكيد والإشارة على أنّ هذه القضيّة _ قضيّة الاستخلاف المطلق للصالحين من عباد الله _ هي قضيّة وعد الله سبحانه وتعالى عباده على لسان كلّ الأنبياء وكلّ المرسلين (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ)(٥).
هذه حقيقة من الحقائق الإلهية التي كانت ضمن القرارات الإلهية في خلق الإنسان مع هبوط أوّل خليفة لله على الأرض.
وإذا أردنا أن ننظر إلى هذا الموضوع نظرة طبيعيّة، مع قطع النظر عن الأدلّة الكثيرة والمتوفّرة على هذه الحقيقة، أي إذا أردنا أن ننظر إلى هذا الموضوع من خلال النظرة العامّة لوجود هذا الكون ومسيرته والظواهر الموجودة في هذا الكون، نرى بأنّ هذه القضيّة هي قضية طبيعية ومنسجمة مع كل هذه الظواهر الكونيّة.
نحن نلاحظ في هذا الكون _ في الإنسان، في النباتات، في الحيوانات، في مختلف معالم هذا الكون، وحتى في الكون بشكل عام _ نلاحظ أنّ هناك مسيرة تكاملية في حركة هذه الموجودات.
فالإنسان يكون نطفة ثمّ يتكامل هذا الإنسان تدريجياً حتى يصبح إنساناً عاقلاً رشيداً قادراً على أداء المهمّات الصعبة، وهذه الشجرة الكبيرة تكون نواةً بسيطة صلبة لا يوجد فيها أي مَعلم من معالم الحياة ثمّ بعد ذلك تتكامل حتى تصبح شجرة كبيرة متحركة يانعة مثمرة معطاء.. وهكذا في الحيوانات وفي كل مظاهر الوجود.
ولذلك يصبح من الطبيعي أن تكون مسيرة الإنسان الكليّة الاجتماعية الجماعيّة ذات بداية صغيرة محدودة ضعيفة، ثمّ تتكامل هذه المسيرة في مجمل حركاتها وفي عموم حركتها حتى تصل إلى مرحلة الكمال المطلق المتمثل في دولة الحق التي وعد الله سبحانه وتعالى عباده.
يبدأ هذا الإنسان برجل وامرأة يسكنان الجنة ويعيشان حياة بسيطة وعاديّة، ثمّ بعد ذلك يبدأ هذا الإنسان الحياة الصعبة، فيتحوّل من تلك الحياة البسيطة إلى الحياة الصعبة، التي هي حياة المشاكل والمعاناة والآلام والفتن،ثمّ تتعقّد الحياة الاجتماعية وتكبر وتنمو وتتكامل، ومن خلال هذا التكامل أيضاً تنزل الرسالات الإلهية، ويأتي الأنبياء من أجل أن يثروا هذه المسيرة ويكمّلوها حتى تصل هذه المسيرة إلى نهاياتها في ذلك الكمال المطلق المتمثل في دولة المهدي عجل الله فرجه.
أي أنّ هذه الرؤية البسيطة _ العرض والشرح _ تجعل من قضية الإمام المهدي عجل الله فرجه ووجود هذه الدولة ووجود هذه الوراثة المطلقة تجعلها أمراً منسجماً مع مختلف الظواهر الموجودة في هذا الكون.
وأيضاً يمكن أن ننطلق في فهم هذه القضية _ قضية الإمام المهدي عجّل الله فرجه _ وقيام دولة الحق المطلق على يده الشريفة، من أبعاد متعدّدة، هي في عمق النظريّة الإسلامية والعقيدة الإسلامية والفهم الإسلامي في هذه الحياة.
وقلت: هذا كلّه مع قطع النظر عن النصوص والأدلّة الكثيرة المتوفّرة التي تظافرت جهود العلماء في بحثها وفي تدوينها وفي تأليف الكتب الكثيرة بعرضها وتوضيحها وإفهامها للناس.
وهذا الاجتماع _ في الواقع _ ليس اجتماعاً معقوداً للحديث في مثل هذه الموضوعات ذات الطابع العلمي، فيمكن الرجوع إلى هذه المؤلّفات التي تظافرت جهود العلماء رحم الله الماضين وحفظ الباقين منهم على توفير الدليل والبرهان والحجّة والمنطق الذي يخاطبون فيه العقل والوجدان والتصوّر الإنساني من أجل شرح هذه القضية.
فمع قطع النظر عن كل هذه الجهود أيضاً، يمكن أن ننطلق في فهم هذا الموضوع من المنطلقات الأوّلية الواضحة في العقيدة الإسلامية، والتي تجعل من قضية الإمام المهدي عجل الله فرجه قضية مركزيّة ورئيسة في هذا الفهم الإسلامي للحياة ولهذا الوجود.
أنا أشير في هذا الحديث إلى عدّة نقاط رئيسة ومهمّة، تشكّل بمجموعها هذه الرؤية وهذا الفهم لقضية الإمام المهدي عجل الله فرجه:
النقطة الأولى: (العدل):
وهي ترتبط بالعنوان الرئيس لقضية الإمام المهدي عجل الله فرجه، فنحن إذا أردنا أن نتأمل في قضية الإمام المهدي عجل الله فرجه تأمّلاً دقيقاً نجد أنّ النقطة المركزية والعنوان الرئيس لقضية الإمام المهدي عجل الله فرجه هي قضية العدل.
ولذلك عندما يُتحدّث عن الإمام المهدي عجل الله فرجه يقال عنه أنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وهذه هي المهمّة الرئيسة التي يقوم بها الإمام المهدي عجل الله فرجه.
فالإمام المهدي لا يأتي بدين جديد؛ لأنّ دينه هو دين خاتم الأنبياء محمّد صلى الله عليه وآله، صحيح أنّ هذا الدين قد يبدو غريباً في آخر الزمان، كما ورد في الروايات،(٦) ويصبح غريباً على الناس في آخر الزمان، ولكنه على كل حال هو دين ذلك الرسول، والإمام المهدي عجل الله فرجه هو أطروحة ترتبط بالرسالة الخاتمة للنبي الخاتم، فلا يأتي بدين جديد ولا يأتي بشريعة جديدة، فمن هذه الناحية لا يوجد شيء جديد فيما يتعلّق بقضية الإمام المهدي عجل الله فرجه.
وإذا أخذنا بنظر الاعتبار حقيقة من الحقائق القرآنية، وهي أن الرسالة الإسلامية هي رسالة كاملة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِْسْلامَ دِيناً)(٧) فهذه الرسالة ليس فيها نقص، وإنّما هي رسالة كاملة بكل خصوصياتها، فالإمام المهدي صلوات الله عليه لا يأتي بدين جديد ولا يكمّل رسالة ناقصة، فالرسالة هي أيضاً قائمة.
وإذا كان الحديث في تفاصيل هذه الرسالة، فإنّ الذي يتحمّله أئمّة أهل البيت سلام الله عليهم في تفاصيلها، في مصاديقها، في تطبيقاتها، في مواردها فهو أيضاً ليس أمراً مختصّاً بالإمام المهدي عجل الله فرجه، بل هذا أمر قام به الإمام علي عليه السلام، وقام به الإمام الحسن عليه السلام، وقام به الإمام الحسين عليه السلام، وقام به الإمام زين العابدين عليه السلام، وهكذا... يعني أنّ كل الأئمّة كانوا يقومون بمثل هذا الدور، الذي هو دور تطبيق الرسالة الإسلامية على مصاديقها الخارجية الجديدة واستنباط هذه المفاهيم الإسلامية لتطبيقها على هذه المصاديق، استنباطاً ليس كاستنباط المجتهدين، وإنّما هو استنباط الاستنطاق كما يعبّر عنه الإمام علي عليه السلام حيث يقول: (ذلك القرآن فاستنطقوه)(٨) يعني استنباطاً يأخذ الحقائق المطلقة التي لا يعتريها شك ولا يعتريها ريب ولا يعتريها احتمال آخر، ويطبّقونها على مصاديقها الخارجية.
مثل هذه العملية أيضاً قد يمارسها الإمام المهدي عجل الله فرجه ولكنها ليس عملية مختصّة بالإمام المهدي عجل الله فرجه، وإنّما هي عملية مارسها جميع أئمّة أهل البيت عليهم السلام، وبالتالي فالإمام المهدي عجل الله فرجه باعتباره إماماً من أئمّة أهل البيت عليهم السلام يقوم بمثل هذه العملية، ولكن لا يتميّز في هذا الأمر.
وأيضاً قضية الإمام المهدي سلام الله عليه ليست هي مجرّد إقامة حكومة صالحة حقّة، حكومة تكون إلهيّة شرعيّة مرتبطة بالسماء، فإنّ هذا الأمر أيضاً ممّا وقع خارجاً على أقل تقدير من النبي صلّى الله عليه وآله في زمن النبي، وأيضاً من الإمام علي عليه السلام في فترة حكم الإمام علي عليه السلام، هذا على أقل تقدير طبعاً، وإلاّ فوجود هذه الحكومة الآن المباركة، الحكومة الصالحة حكومة ولي الأمر، حكومة إمام العصر، حكومة صاحب الزمان، حكومة العلماء الربّانيين، حكومة المجتهدين، أيضاً هي حكومة صالحة وصحيحة وتنطبق عليها، لكن لو تعدّينا أي فرضية أخرى وفرضنا أنّ هذه الحكومة الصالحة هي حكومة قائمة في زمن النبي صلّى الله عليه وآله وزمن الإمام علي عليه السلام.
فالإمام المهدي عجل الله فرجه إذا أراد أن يقيم مجرّد حكومة صالحة، حكومة شرعيّة، فإنّ هذا أيضاً ليس أمراً مختصّاً بالإمام المهدي عجل الله فرجه، وإنّما يكون من الأمور التي وقعت قبل ذلك كما وقع لرسول الله ووقع للإمام علي، ونحن أيضاً نعتقد بالأدلّة الواضحة أنّ هذا الحكم الموجود فعلاً هو أيضاً من مصاديق هذه الحكومة الصالحة(٩)، وإن لم يكن يرقى إلى مستوى حكم النبي أو حكم الأئمّة، باعتبار أنّ حكم النبي وحكم الأئمّة هو حكم المعصومين، ولا يدّعي أحد أنّ العصمة في هذه الحكومات الفعليّة وإن كانت هي حكومات شرعية صالحة.
إذاً نرجع مرّة أخرى لنقول بأنّ الخصوصية الموجودة في الإمام المهدي عجل الله فرجه ليست هي المجيء بدين جديد _ نعوذ بالله _ لأنّ هذا الدين هو دين رسول الله خاتم الأنبياء (وَلا نَبي بعدي)(١٠) وليست إكمال الدين لأنّ الدين قد أكمل في زمن رسول الله صلّى الله عليه وآله، وليست هي مجرّد إيجاد تطبيقات جديدة، لأنّ هذا أيضاً ممّا صنعه أئمّة أهل البيت عليهم السلام، وليست مجرّد إقامة حكومة شرعية صالحة، لأن هذا أيضاً ممّا وقع قبل الإمام المهدي عجل الله فرجه، طبعاً أنا أؤكّد على هذه النواحي من أجل أن تتّضح الأفكار، لأنّ بعض الناس قد تشتبه عليه مهمّة المهدي سلام الله عليه في هذه الأمور، ويتصوّر أنّ قضية الإمام المهدي عجل الله فرجه مرتبطة بهذه الأمور.
قضية الإمام المهدي عجل الله فرجه هي قضية العدل المطلق، يعني كمال العدل الإلهي في حركة الإمام المهدي عجل الله فرجه، هذا الشيء هو الذي لم يتحقّق في أيّ زمان وفي أيّ عصر من العصور، أن تكون هناك حكومة صالحة وهذه الحكومة تكون متمكّنة من الأرض وتطبّق العدل على جميع الأرض وفي كل مناحي الأرض.
وهذا هو الوعد الإلهي الذي وعد الله سبحانه وتعالى به نبيّه في القرآن الكريم على أنّه يتم في الأمّة الخاتمة (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ثم قال: (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ)(١١).
إذا كانت القضية مجرد الاستخلاف فهذا الاستخلاف كان من قبل أيضاً (كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، لكن القضية هي أن يمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى، أي يصبح هذا الدين ديناً متمكّناً تمكّناً كاملاً، ثمّ (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)(١٢)، هذا الأمر هو الأمر الموعود الذي يعبّر عنه القرآن الكريم أيضاً بظهور الدين، بظهور الإسلام على الدين كله.
هذا الأمر هو الذي يقصد من قضية الإمام المهدي عجل الله فرجه، هذا العدل الذي هو عنوان قضية الإمام المهدي عجل الله فرجه، العنوان الرئيس، العنوان المركزي في قضية الإمام المهدي سلام الله عليه.
نأتي إلى النظرية الإسلامية في فهمنا لهذا العدل في عقيدتنا.
أولاً: نأتي إلى فهم القرآن الكريم، القرآن الكريم يقول بأن قضية العدل الذي يعبّر عنها القرآن أحياناً بالقسط، أحياناً يعبّر عنها بالميزان هذه القضية قضية إلهية قائمة في هذا الوجود (وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ)(١٣) هنا قضية الميزان قضية رئيسيّة وأساسية موضوعة في حياة الناس وفي حياة الكون وفي هذا الوجود، كل الوجود.
فإذن قضية الإمام المهدي عجل الله فرجه التي تشكل النقطة المركزيّة فيهما _ قضية العدل وقضية الميزان _ هي قضية تنطلق من هذا الفهم لهذا الكون، ولهذه الحياة.
من ناحية أخرى، عندما ننظر إلى قضية العدل وهذا شيء يتميّز به الإسلام ويعتز ويفتخر به المسلمون على كل الحضارات المادية التي هي الآن تحاول أن تطرح مفاهيم حقوق الإنسان، ومفاهيم التطور في إيجاد الحق والعدل بين الناس، الإسلام يتميّز في هذه النقطة، وهي أن الإسلام ينظر إلى قضية العدل على أنها قضية واسعة لا تختص بعلاقات الإنسان مع الإنسان وإنما هي قضية ترتبط بهذا الكون وبهذا الوجود في كل نواحيه، مثلاً قضايا حقوق الإنسان الآن.
وثيقة حقوق الإنسان
إذا أردنا أن نتحدّث عنها في مقر الأمم المتحدة، فإنّها تعني أن جميع الأمم اجتمعت ونظرت في نظرية حقوق الإنسان، وأقرت هذه الوثيقة على أساس أنها وثيقة تمثل حقوق الإنسان، نجد فيها نقصاً كبيراً جداً، إذا أردنا أن نقارنها بالنظرية الإسلامية وفهم الإسلام لقضية الحقوق.
مثلاً في قضية حقوق الإنسان فقط يقرّون لهذا الإنسان _ فيما يتعلّق بنفسه _ يقرّون له أنّه ليس له الحق أن يقتل نفسه، يعني قضية الانتحار، هذا أيضاً ليس من حقّه، وأمّا فيما بقي فالإنسان من حقّه أن يتصرّف في نفسه كيفما يشاء، وبالتالي يصبح هذا الإنسان في قضية الحقوق إنساناً قد صودرت بشأنه الكثير من حقوقه تجاه تصرّفه وسلوكه، لأن الإنسان في حركته يخضع أحياناً لانفعالات، ويخضع أحياناً لحالة من الجهل والسفه والغفلة، ويخضع أحياناً لحالات من الضغوط الخارجية التي تمارس ضدّ هذا الإنسان، كل هذه الأمور وثيقة حقوق الإنسان لا تأخذها بنظر الاعتبار، يقول هذا الإنسان له الحق أن يتصرّف إذا اقتضت شهواته وأن يصنع ما يشاء، من حقّه أن يصنع ما يريد، إذا اقتضى غضبه أن يصنع ما يشاء، فمن حقّه أن يصنع ذلك، وإذا أكره في طريقة ما أيضاً هذا الإكراه يأخذ مجراه القانوني في حياة هذا الإنسان.
إلى غير ذلك من القضايا التي إذا أردنا أن ندقق فيها نجد أنها مصادرة حقيقية لحقوق الإنسان.
أما الإسلام هنا، فقد طرح مفهوم حرمة أن يظلم الإنسان نفسه، فكما أنّ الإنسان يحرم عليه أن يظلم أخاه الإنسان وأن يظلم الإنسان الآخر، والإنسان الآخر له حق في الحياة، فكذلك هذا الإنسان أيضاً يحرم عليه أن يظلم نفسه، فليس يحرم عليه فقط أن يقتل نفسه بل يحرم عليه أن يلحق الضرر بنفسه في الدنيا، وأن يلحق الضرر بنفسه في الآخرة، يعني إذا ارتكب عملاً محرماً مثلاً فهذا العمل يؤدي إلى أن يعاقب عليه في الآخرة، هنا _ في الدنيا _ لا يترتب شيء على هذا العمل لكن في الآخرة يعاقب.
القرآن الكريم يعبّر عن هذا بأنّه ظلم للنفس، بمعنى أنّه تجاوز على هذه النفس، وهكذا في مختلف مجالات الإنسان.
قضيّة المال
وثيقة حقوق الإنسان تعطي الحق لهذا الإنسان في أن يتصرّف بأمواله كيفما يشاء، حتى لو كان هذا التصرّف تصرّفاً سفهياً، حتى لو كان هذا التصرّف تصرفاً إسرافياً، أي يسرف في المال ولا ينفق هذا المال في محلّه، حتى لو كان هذا المال تصرّف به تصرّفاً ضررياً بمعنى أن يلحق الضرر بالآخرين، أيضاً لا يوجد هناك ما يمنع هذا الإنسان، يعتبرون هذا أمراً طبيعياً.
أما الإسلام في قضية الحقوق هنا يقول للمال حق، هذا المال أيضاً له حق، والممارسة غير الطبيعية في المال ظلم وتجاوز على العدل الإلهي في هذا المال، لأن هذا المال حقيقة خلقها الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان من أجل أن يتصرّف بها تصرّفاً تكاملياً، يؤدّي به إلى التكامل في مسيرته الحياتيّة، وإذا تصرّف في هذا المال تصرّفاً تسافلياً يؤدي إلى الإضرار في هذه الحياة والإضرار في هذا المجتمع فسيكون ظلماً وتجاوزاً على العدل من هذا الباب.
ثم طوّر الإسلام أيضاً العلاقة في قضية الظلم والعدل، قضية العلاقة بالله سبحانه وتعالى، الله هذا منعم النعم، هذا المتفضّل على الإنسان، خالق هذا الإنسان، معطي هذا الإنسان، كلّ هذا الوجود، كل هذه النعم، كل هذا الفضل، علاقة هذا الإنسان بالله سبحانه وتعالى أيضاً علاقة يجب أن تخضع للعدل ويكون فيها حقوق لله سبحانه وتعالى، ولذلك عبّر القرآن الكريم عن الشرك بالله سبحانه وتعالى أنه ظلم، بل عبّر عنه بأنه ظلم عظيم، يعني أن هذا ليس فقط ظلماً وإنما هو درجة عالية من الظلم في مقابل العدل.
فقضيّة العدل في النظريّة الإسلامية عندما نتناولها في البحث، يمكن استيضاحها من خلال مراجعة سريعة إلى (رسالة الحقوق) التي رويت عن الإمام زين العابدين صلوات الله وسلامه عليه، فعندما يتحدّث فيها عن الحقوق وعلاقات الحقوق تجد أن هناك آفاقاً ومجالات للحقوق لم يتمكن هذا الإنسان في القرن العشرين _ وقد اجتمعت كل أمم هذا الإنسان من أجل أن يفكروا في هذه الحقوق _لم يتمكنوا أن يصلوا إلى هذه الآفاق في قضية العدل وفي فهمهم لقضية الظلم.
فالعلاقة بين الإنسان وأبيه تخضع لحقوق ولموازنة ولقضية عدل وظلم _ نعوذ بالله _ إذا تجاوز هذه العلاقة، العلاقة بين المؤمن والمؤمن تخضع إلى هذه الموازنة، العلاقة بين الزوج وزوجته تخضع إلى هذه الموازنة، العلاقة بين العامل وربّ العمل تخضع إلى هذه الموازنة.
وهكذا نجد أن قضية العدل وقضية الموازنة والميزان وقضية الظلم ضدّ العدل قضية قائمة وسارية في فهم هذا الكون، كل الكون.
النظرية الإسلامية هي النظرية الوحيدة التي يمكن أن تنسجم مع قضية الإمام الحجة، أي أننا عندما نفهم دائرة العدل، وسعة دائرة الميزان، واستيعابها لكل مناحي الحياة في حركة هذا الإنسان عندئذٍ يمكن أن نفهم أنّه كيف يأتي ذلك الإنسان الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، لأن قضية العدل والظلم ليست هي مجرّد قضايا حقوق الإنسان وعلاقات الإنسان بعضهم مع البعض الآخر، وإنما لها هذا المجال الواسع في حركة الإنسان.
والنقطة الأخرى: (الانتظار)
وهي التي يتميّز بها شيعة أهل البيت سلام الله عليهم، ويتميز بها أتباعهم ويفتخرون بذلك، وهذا التميز هو الذي أعطاهم فرصة أن يكونوا هم الممهدون لظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه، وهو الهدف الذي وضع أمام مسيرة البشرية وحركة البشرية، وهو أن تملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، والذي أصبح هدفاً وعنواناً وشعاراً ولافتة _ كما نعبّر _ أمام مسيرة أتباع أهل البيت سلام الله عليهم.
و(المنتظرون) صفة رئيسية يجب أن يتصف بها أتباع أهل البيت سلام الله عليهم، وهذا واجب من الواجبات الشرعية التي نغفل عنها أحياناً، بمعنى أنّ بعض الناس يعرف أنه من واجباته الصلاة والصوم والزكاة والحج والخمس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من الواجبات التي فرضها الله سبحانه وتعالى، لكن يغفل أن يكون هناك واجب آخر هو من أفضل الواجبات، وهذا الواجب هو أن يكون في حالة الانتظار لتحقق هذا الهدف الكبير المتمثّل بالإمام المهدي عجل الله فرجه.
نحن نغفل أحياناً أن نكون من أولئك المنتظرين، بالرغم من أننا نؤمن بهذا عندما يلفت نظرنا أحد ما، فصحيح أننا نرى أنفسنا هكذا لكن أحياناً نغفل عن أن نكون في هذه الحالة.
معنى الانتظار
معناه أن يكون هذا الإنسان منتظراً لتحقق الهدف، أي يكون منتظراً لفرج الإمام المهدي عجل الله فرجه، وقد ذكرت أن فرج الإمام المهدي سلام الله عليه لا يعني فقط أن يكون بلا منزل فيكون في منزل، أو يكون مشرداً فيرجع إلى بلده، طبعاً هذا أيضاً منه لكن لا يعني هذا المعنى، أحياناً بعض الناس يقول: ننتظر عسى أن يكون لنا فرج ونرجع إلى بلادنا، ننتظر حتى تكون عندنا منازل، حتى تكون عندي زوجة، إذا لم يكن لديه زوجة ويشعر بمشكلة من هذه الناحية.. وهكذا.
توجد مشاكل للناس كثيرة جدّاً في حياتهم وفي حركتهم فيتصوّرون أن الفرج يعني تحقق هذه الأمور. صحيح عندما تمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً، لابد أن هذه الأمور تتحقق بظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه، لكن القضية ليست هي هذه فقط، وإنما قضية الفرج تعني تحقق هذا الهدف الكبير، فالهدف الكبير قد يمنع الإنسان من أن يظلم نفسه، وهو ظالم لنفسه لكن غير ملتفت إلى نفسه، هذا الفرج يعني أن يمنعك من ظلم نفسك، يمنع هذا الغني من أن يسرف في المال، هذا الغني يدعو بالفرج لكن لا يعرف أن هذا الفرج يعني إلغاء هذا الظلم وتحقيق هذا النوع من العدل، وهكذا في مختلف مجالات حياتنا، الكثير منّا الآن في مجالسنا وفي مجتمعاتنا نرى بعض الناس خصوصاً هذه الليلة ليلة مباركة، ليلة توبة، ليلة لجوء إلى الله سبحانه وتعالى، ليلة استغفار، ليلة استفادة من هذه الأوقات الشريفة بالإنابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى والعزم والندم على كل ما صدر منّا من ذنوب وآثام، نعوذ بالله من الذنوب والآثام، لكن بعض الناس، أنا لا أتكلم عن الناس الحاضرين أتكلم عن بعض الناس طبعاً الله أعلم بهؤلاء الناس، لا أريد أن أتّهم أحداً بل أتهم نفسي قبل أن أتهم أحداً من الناس، فالقضية أن بعض الناس تكون عنده هذه الحالة فيرتكب من هذه الآثام.
قضية الإمام المهدي عجل الله فرجه، هو أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً فيحقق العدل، بمعنى أن يمنع هذا الذي يشيع الفاحشة، الإمام المهدي عجل الله فرجه يهدف أن لا تكون هذه الإشاعة للفاحشة، أن لا يكون هذا الافتراء، أن لا يكون هذا الكذب، أن لا تكون هذه الغيبة، أن لا تكون هذه الفتنة، أن لا تكون هذه العداوات، أن لا تكون هذه الاختلافات.
إذاً قضية الانتظار تعني كل هذا المعنى، لكن تحقيق العدل المطلق يعني هذا الشيء.
فهذا الواجب الشرعي الذي يعبّر عن حالة الانتظار يعني انتظار تحقيق العدل، والانتظار لتحقيق العدل يحتاج إلى حركة يقوم بها الإنسان من أجل أن يحقق هذا العدل، لأنّ تحقيق العدل _ كما ذكرت في بداية حديثي _ ليس قضية منفصلة عن حركة المجتمع وحركة هذا الكون وحركة هذا الوجود، إنما هي حركة تكاملية، أي أنّ قضية العدل قضية تبدأ من نقطة وتتكامل من خلال المسيرة، حتى تصل إلى نهاياتها، فاذا لم يكن هذا الإنسان متحركاً في عملية الانتظار، فيصبح خارج العملية التكامليةّ، خارج هذه المسيرة، لا يكون جزءً من المسيرة.
قضية الانتظار التي هي واجب من الواجبات الشرعية التي يجب أن يتصف بها الإنسان المؤمن لافتتها وعنوانها وشعارها ومضمونها هو أن يسعى كل واحدٍ منّا إلى أن يحقق العدل الإلهي الذي يتكامل _ طبعاً هذا الحق والعدل _ في خروج الإمام المهدي عجل الله فرجه، وهذا المضمون يمتاز به شيعة أهل البيت عن غيرهم ويفتخرون به على غيرهم، ويفتخرون بهذا الامتياز _ يعني شيعة أهل البيت _ إنّما تجدون فيهم هذه الروح من التضحية، وهذه الروح من الفداء، وهذا الاستعداد للصمود، وللثبات ولمواصلة المسيرة وللصبر في هذا الطريق، الصبر الذي تجزع وتتزحزح منه الجبال أحياناً، الصبر الذي يبدو في رجال المسيرة، وفي قادة المسيرة، وفي مجاهدي هذه المسيرة، صبر عجيب في حياتهم إنما كان هذا الصبر لأنه أمامهم هذا العنوان، أمامهم هذا الشعار، أمامهم هذه الحقيقة الإلهية التي وضعها الله سبحانه وتعالى أمام أعينهم.
وقضية الإمام المهدي عجل الله فرجه يجب أن ننظر إليها من هذا المنظار والسبب، يعني إذا أردنا أن نرجع إلى التفسيرات الطبيعية، أنا قلت أنّ قضية الأدلة والبراهين قائمة وهي شيء عظيم، ولا بد من البحث لكن ليس بحثه هنا.
أُنظر إلى القضايا الطبيعية، القضية الطبيعية التي تفسّر لنا ظاهرة غريبة جداً في تأريخنا وفي تأريخ المسلمين _ وأنا أشرت أحياناً إلى هذه الظاهرة _ ظاهرة غريبة تفكروا في تفسيرها، ما هو تفسير هذه الظاهرة أن تبدأ هذه المسيرة، مسيرة أتباع أهل البيت، شيعة أهل البيت المتمسّكين بولاية أهل البيت، يبدأون وهم قلّة قليلة في تأريخ الإسلام بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله، يقول بعض المؤرخين أنهم أربعة أو سبعة عشر مثلاً، أو ثلاثين، أنا لا أريد أن أحدّد عدداً، لكن لا شك أنهم كانوا قلّة مطلقة بل أقل الأقل، يعني قلّة قليلة بكل معنى الكلمة مع غض النظر عن الأعداد، لأن هذه القضايا تأريخية ليس الحديث فيها جيداً، هؤلاء كانت هذه بدايتهم.
ثم هذه المسيرة لا يشك التأريخ أنّها طيلة أربعة عشر قرناً من الزمن منذ وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله حتى أيامنا القريبة الحاضرة، وحتى هذه الأيام أيضاً تتعرض باستمرار إلى قمع مستمر من قبل الحكومات، ومن قبل السلطات، ومن قبل الطغاة، ومن قبل المتجبّرين، ومن قبل المنحرفين، ومن قبل المستكبرين، ومن قبل الضالّين، هذا شيء أيضاً واضح جدّاً في هذه المسيرة، يعني لا يشك أحد حتى أعداؤنا أيضاً لا يشكون في أنهم كانوا يقمعون ويقتلون ويتقرّبون أحياناً إلى الله سبحانه وتعالى إذا كانوا يعرفون الله، والكثير منهم لم يكن يعرف الله سبحانه وتعالى، فقد كان منهم جهلة، يتقرّبون بقتل أتباع أهل البيت عليهم السلام، وهذه المسيرة كانت بهذا الشكل، وتتعرض على مر التأريخ إلى عمليات قمع واسعة من قبل دول عظمى وكبيرة، ومع ذلك هذه المسيرة ليست فقط تقف عند حالها بل تكبر وتكبر وتكبر، تنمو وتنمو وتنمو حتى أصبحت الآن وهي القوة البارزة التي تخافها أمريكا، تخافها أوربا الغربيّة، يخافها كل الطغاة في العالم، كل المستكبرين في العالم.
فما هو التفسير الطبيعي لهذه الظاهرة؟ فإنّ أي جماعة عندما تكون قليلة وتتعرّض إلى قمع تنتهي هذه الجماعة، كما انتهت الكثير من الجماعات، أمّا أن تستمر فترة طويلة من الزمن وبالرغم من ذلك تكبر وتنمو هذه الجماعة كيف!!
لا يوجد هناك تفسير لهذه الحقيقة إلاّ هذا المضمون أن هذه الجماعة أمامها شعار وهدف، هذا الهدف هو لمسيرة الإنسان، فإن كل إنسان وضعه الله منذ اليوم الأوّل هدفاً للمسيرة التكاملية للإنسان، هذه الجماعة وضعت هذا الشعار أمامها شعار العدل، شعار إقامة العدل.
وأيضاً هذه الجماعة تستمد الروح المعنويّة من تضحيات أولئك الذين يمثلون رموز العدل، الإمام عليّ عليه السلام، الإمام الحسن عليه السلام، الإمام الحسين عليه السلام، أئمة أهل البيت، أصحاب أهل البيت الذين تأثّروا بمدرستهم، تأثروا بأخلاقهم، تأثروا بروحهم، وهكذا استمرت المسيرة بهذه الروح، وبهذه النفس، حتى تمكنت أن تكبر وتنمو وتصبح بهذا الحجم القائم الموجود.
الآن لا يشك أحد في عالمنا اليوم أنّ هذا الخط الإسلامي الأصيل الذي تقوده الجمهورية الإسلامية في إيران يتولّى أموره (ولي أمر المسلمين) حفظه الله تعالى وأطال الله في عمره الشريف، أن هذا الخط هو خط يرعب الولايات المتحدّة الأمريكية، خط يرعب أوربا الغربية، يرعب كل الطغاة الموجودين في المنطقة، ولذلك تجد التآمر الآن على هذا الخط في مصر.
وهذه قضية من القضايا، فإنّه على أكثر تقدير _ في إحصاءاتهم _ يقولون أنّ أكثر تقدير لشيعة أهل البيت في مصر مائة ألف نفر، جيد؛ مائة ألف نفر مقارنين بستين أو سبعين مليون مصري ماذا يمثلون من عدد! لا يمثلون شيئاً، فلماذا يخاف المصريون من هذا العدد وجوارهم إسرائيل لا يخافون منها، جوارهم المسيحية العالمية، الوثنية الموجودة في بعض المناطق المحيطة بالحبشة، في المناطق الأخرى الموجودة لا يخافون منها، ويخافون من مائة ألف شيعي وتصبح قضية التشيع في مصر قضية كبيرة ويطرحونها من خلال أجهزة الدولة والإعلام، ويتحدثون عنها في كل مكان.
وهكذا يلاحظ هذا الشيء في الجزائر، ونلاحظ أيضاً هذا النوع من التآمر على شيعة أهل البيت عليهم السلام في مناطق الخليج، نلاحظ هذا الشيء في العراق، نلاحظ هذا الشيء في مناطق أخرى من العالم، يطول الحديث عنها والكلام عنها، لماذا؟ لأنّ هذا الخط له هذه الأصالة، له هذا التجذّر، له هذا العمق في حركته، خط العدل يتحرك باتجاه العدل.
قضية الإمام المهدي عجل الله فرجه تعني هذه المضامين، هذا المحتوى، هذه الروح، وهي قضية طبيعية تماماً وتنسجم مع حركة البشريّة باتجاه العدل، ولولا هذا الانسجام لم يكن من الممكن أن يصمد شيعة أهل البيت طيلة هذه القرون من الزمن، وفي ظروف قمعية وهم قلّة ومطاردون في كل مكان، وتحت كل حجر ومدر.
واقعاً كان شيعة أهل البيت وما زالوا بهذه الطريقة، وبهذا الشكل يتحولون إلى هذا الشيء، ثم بعد ذلك الآن نلاحظ هذا الشيء الطبيعي الذي نقوله أنّ العالم _ وهذا لا أقوله من باب التحليل، وإنما من باب التجربة لأن عندي معلومات وعندي شواهد وعندي اطّلاع على هذه الحقيقة الآن _ كثير من شعوب العالم يتطلّعون إلى المنقذ، المنقذ الذي يتطلعون اليه كأملٍ هو الإمام المهدي عجل الله فرجه.
هذا المنقذ يتطلّع إليه العالم كأمل، ويتطلعون إلى المنقذ كحقيقة متحركة يشاهدونها ويحسّونها ويشاهدونها في خط أتباع أهل البيت عليهم السلام.
أنا أذكر لكم بعض الشواهد البسيطة جداً الآن، فمثلاً في بلجيكا يوجد عدد كبير جدّاً من المغاربة الذين هاجروا بعد الحرب العالمية الثانية إلى بلجيكا في الأربعينات، يعني قبل خمسين سنة هاجروا إلى تلك المناطق، وأبناؤهم نشؤوا هناك في أوربا، وبلجيكا تعتبر بلداً ثقافته فرنسية ولغتها لغة فرنسية وتقع في وسط أوربا، ومن البلاد المتقدمة الأوربية، الآن بدأت حركة واسعة جدّاً للتشيع وللأخذ بمذهب أهل البيت سلام الله عليهم في أوساط الشباب المغاربة البلجيكيين، لا لشيء إلاّ من خلال القراءة والمطالعة والفحص للحالة الموجودة من ناحية، والشعور بأن الملجأ الذي يمكن أن يلجؤوا إليه في هذه الحياة في المستنقع الأوروبي، سفينة النجاة التي يمكن أن يركبوا فيها في المستنقع الأوروبي إنما هو مذهب أهل البيت سلام الله عليهم، والآن يوجد أكثر من ألف مغربي جنسيته بلجيكية تشيّع وأصبح من أتباع أهل البيت عليهم السلام.
أذكر لكم أرقاماً أخرى أيضاً تثير الدهشة، فمثلاً عندما يسجّل الناس في الدنمارك، وهي دولة صغيرة أوربية تعتبر من أكثر الدول الأوربية تقدماً في الحالة المادية والرفاه المادي، اخواننا العراقيون المهاجرون الذين ضاقت بهم المعيشة وذهبوا إلى الدنمارك واستقرّوا فيها _ كما تعرفون _ يقولون بأنّ الناس هناك عندما يُسألون في الإحصاءات: (ما هي الديانة)؟؟، تسجّل ٩٢ بالمائة من أبناء الدنمارك أنهم بلا دين، أي عندما نأتي إلى سؤال الديانة: ما هي ديانتك؟ يقول: بلا دين!! بمعنى أنّ الناس بهذا الشكل يعيشون الفراغ.
في إحصاء آخر في جامعة من أهم الجامعات البريطانية كان هناك إحصاء للطلبة الذين يشكلون طبقة مثقفة عادة في هذا المجتمع، طلبة الجامعة كان ٧٥ بالمائة منهم عندما جاء الإحصاء لتسجيل ديانته يقول إنه بلا دين.
هذا النوع من الفراغ الذي تعيشه أوربا والذي تعيشه أمريكا الآن.
يوجد من الشواهد على هذا الموضوع _ العنوان والشعار _ أنّ المرأة أخذت حريتها، وأخذت مواقعها، وتتحرك بشكل واسع وكبير وتساوي الرجل، وأحياناً كأنها متقدّمة على الرجل في هذه الحركة، ومع ذلك نجد أن الكثير من النساء يقبلن على الإسلام، علماً أن الإسلام فيه _ كما تعرفون _ الكثير من القيود التي يفرضها على المرأة، مثل الحجاب الإسلامي، أقصد هكذا ينظر إلى الإسلام، أنه يفرض قيوداً على حركة المرأة، وعلى سلوك المرأة، وخصوصاً المرأة التي تكون في المجتمع الأوربي، أي أنّ قيوده كثيرة جداً، ففي المجتمع الشرقي توجد قيود ناشئة من المجتمع اجتماعية وعرفية وقضايا عادات وتقاليد إلى غير ذلك، أما في المجتمع الأوربي المرأة آخذة حريتها تماماً، والإسلام يفرض عليها الكثير من القيود الطبيعية الاجتماعية، فهي لا تصافح، لا تتكشف... أشياء كثيرة جدّاً يفرضها الإسلام عليها.
فما هو التفسير لهذه الظاهرة؟ فيكون إقبال النساء في أوربا الغربية على الإسلام أكثر من إقبال الرجال، ويوماً بعد يوم ينمو هذا الأمر! لا يوجد له تفسير إلا هذا الموضوع، موضوع الإحساس بالفراغ والتطلع إلى المنقذ.
بعض الأشخاص أنا سألتهم، وهم على مستوى عالٍ جداً من الثقافة، فبعضهم أساتذة في الجامعة، كان عنده زوجة قال: زوجاتنا هكذا تقول: نحن عرفنا شخصيتنا الإنسانية كمرأة _ وهن مثقفات وعلى مستويات عالية يعني ليس فقط ليسانس بل عند بعضهم ماجستير أو دكتوراه _ يقلن: نحن عرفنا شخصيتنا كمرأة في الإسلام، فهمنا معنى المرأة وشخصية المرأة وخصوصية المرأة، من خلال الالتزام بالإسلام والأخذ بالإسلام.
بالأمس كنت أتحدث مع بعض السادة الأفاضل من العلماء الكبار كنت أقول لهم: الإسلام الذي يمكن أن يطلع على الغرب، ويمكن أن يفتح الفتوح ويفتح الطريق أمام ظهور المهدي عجل الله فرجه إنما هو إسلام أهل البيت سلام الله عليهم، لا الإسلام المتحلل الضائع الذي لا يتقيد بقيود ويصبح حالة من التميّع والاستعداد للركض وراء الحضارة الغربية كما يقع في ذلك بعض المتميعين، ولا الإسلام المتحجّر الجامد الذي يعبّرون عنه بإسلام أهل الحديث.
سابقاً كان يوجد تعبير عن كلا هذين الإسلامين عند أهل البيت عليهم السلام:
الإسلام الأول المتحلل، ويعبرون عنه (إسلام الرأي) فإنّ أهل الرأي كلما يأتي بذوقهم واستحسانهم يأخذونه ويعتبرونه إسلاماً.
والنوع الثاني من الإسلام كان يعبّر عنه أهل البيت سلام الله عليهم: إسلام أهل الحديث، هؤلاء جامدون على الحديث، هو شيء جيد، أهل البيت كانوا يدعون إلى تدوين الحديث، لكن يقصدون من ذلك أولئك الذين يجمدون على الكلمات والنصوص دون أن يستخدموا عقولهم ودون أن يستخدموا الأسس والقواعد التي وضعها الله سبحانه وتعالى أمام هذا الإنسان، ودون أن يتدبّروا في الأمر، فهؤلاء أناس يجمدون على لفظ الحديث دون أن يكون لهم هذا التدبّر.
الآن أيضاً نحن نعاصر هذا النوع من الخطين في حركة فهم الإسلام، القسم الأوّل خط متحلل، ولا أحب أن أذكر أسماء، وهذا القسم موجود عندنا وفي مصر موجود، وقسم منها في أوربا، وقسم منها في شمال أفريقيا، وموجودة قسم منها في المنطقة، فهؤلاء يتحدثون كلاماً باسم الإسلام لكن ليس له أي صلة بالإسلام، يعملون أذواقهم وآراءهم وتصوراتهم الشخصية واستحساناتهم ويفترضون أنه هو الإسلام.
وقسم آخر هو الإسلام المتحجر، الذي يعتبر أفضل مثال له (الوهابية)، وهؤلاء هم المتحجّرون في فهم الإسلام، ترون أنه لا يمكن لمثل هذا الإسلام أن يعرّف إلى العالم أو أن ينقذ العالم، ولذلك تجد الوهابيين بالرغم من الإمكانات الواسعة الكبيرة التي تملكها المملكة العربية السعودية، وبالرغم من الانسجام الموجود في سياساتها مع أمريكا والغرب، وأعني بالانسجام هنا أنّه لا يوجد هناك صراع، وبالتالي أمريكا والغرب يفتحون أبوابهم لهذه الحركة الدينية(١٤)، وبالرغم من وجود عدد كبير جداً من المبلّغين منتشرين في مختلف أنحاء أوربا، ووجود إمكانات سياسية ودعم مستمر بشعارات يطرحونها لكن الآن بدأ هذا الإسلام يتراجع في أوربا وفي أمريكا الشمالية وفي أمريكا الجنوبية، وتتحول بالتدريج كثير من المساجد التي بناها الوهابيون من أجل أن تصبح مراكز لهم تتحول إلى إسلام أهل البيت سلام الله عليهم وتدافع عن هذا الإسلام وعن هذا المنظور.
شواهد كثيرة، أنا لا أريد أن أطيل الحديث الآن في الشواهد، فعندما أقول: استنتاج، ليس استنتاجاً يعبّر عن رغبة وميل، كلنا نرغب في أن الإمام المهدي عجل الله فرجه يكون هو المنقذ الفعلي لكن في هذه القضية توجد أرقام، (التفسير الطبيعي) لهذه الأرقام هو أن هذه الحركة _ حركة العدل _ هي حركة تكاملية منسجمة مع حركة الكون، ومع الحركة التكاملية للمجتمع الإنساني، ولا بد أن تصل إلى نهاياتها وتصل إلى تحقيق هذا الهدف الكبير.
وشيعة أهل البيت سلام الله عليهم إنما نموا وتمكنوا من هذه الأرض وسوف يتمكنون أكثر بعون الله وبإذن الله أيضاً بهذا السبب.
وعندنا شاهد واضح على هذه الحقيقة في العراق، ونجد أكثر الاخوة الآن من الحاضرين عراقيين وإن كان فيهم من اخواننا الأعزاء من الأنصار والمحبين والموالين والمعتقدين بالعراق كنجف، وكمركز، وكإمام علي عليه السلام باعتباره يمثل هدفاً كبيراً، لكن أكثر الاخوة يعرفون ماذا جرى في العراق من عمليات القمع، وعمليات المطاردة، حتى صار الأمر من الوقاحة عند النظام أن يرفع شعاراً (لا شيعة بعد اليوم)(١٥) ويبدأ بتنفيذ هذا الشعار، فيهدم المساجد والمؤسسات والمدارس والمكتبات، ويقوم بحملة واسعة لقتل العلماء، ويطارد المبلّغين والخطباء، وقبل قليل كنت أتحدث مع أحد الاخوة الأعزاء الحاضرين في هذا المجلس من الخطباء يقول: أنا لحد الآن أحصيت ١٣٠ خطيباً في العراق قتلوا واستشهدوا على يد هذا النظام في هذه الفترة الأخيرة.
ليس قليلاً هذا الرقم ١٣٠ خطيباً، نظام قمعي قام بعمليات واسعة من أجل أن يقمع هؤلاء الناس، وبالرغم من هذا القمع الآن تجد هذا التبدل العظيم الذي يحصل في العراق باتجاه الإسلام، حتى وصل الرقم في زيارة الإمام الحسين سلام الله عليه بين ستة إلى ثمانية ملايين زائر كانوا موجودين في كربلاء في زيارة الأربعين.(١٦)
طبعاً النظام حاول أن يمنع الناس من هذه الزيارة أيضاً، ولكن كربلاء غصّت بهؤلاء الزوار فهي لا تستوعب ثمانية ملايين، بعض الأشخاص من الزائرين كان يقول: سابقاً كان الازدحام الذي لا يطاق في داخل الحرم، أمّا عندما ذهبت في زيارة الأربعين فإنّ كربلاء كلها كانت حرماً في ذلك الوقت بسبب الزحام والإقبال على زيارة الإمام الحسين عليه السلام.
وهذا الشيء في الواقع يعبّر عن هذه الحقيقة.
ونحن أيها الاخوة لا بدّ لنا من الالتفات إلى أمور:
الأوّل: أن يكون إيماننا بالإمام المهدي عجل الله فرجه إيماناً عميقاً.
والثاني: أن نعرف أن عنوان الإمام المهدي عجل الله فرجه هو قضية العدل، وهذا العدل قضية أوصي نفسي بها وأوصي بها كل إخواني الأعزاء، فالعدل يدخل في كل التفاصيل، فالإمام عليه السلام يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
يجب أن ننتبه إلى سلوكنا، إلى حركاتنا، إلى كلماتنا، إلى عواطفنا ومشاعرنا ومواقفنا، ويجب أن نعرضها على الله سبحانه وتعالى وعلى الحكم الشرعي، من أجل أن نعرف العدل فيها، وإلاّ قد تكون كلمة أو سلوك أو عمل، يكون متسماً بالظلم، والإنسان في غفلة عنه.
طبعاً الله سبحانه وتعالى هو أرحم الراحمين، وهو غفور رحيم، وهذه الليلة المباركة ليلة دعاء _ كما ذكرت _ وإنابة وتوبة إلى الله سبحانه وتعالى ليغفر الذنوب (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) نرجو من الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا.
يجب أن نأخذ قضية العدل مأخذاً جدّياً في حركتنا.
والثالث: أن نكون من المنتظرين حقاً لتحقق هذه الدولة الشريفة، والمساهمين في تحققها ولو بخطوة أو خطوتين في هذه المسيرة، حتى نكتب في جنود الإمام المهدي عجل الله فرجه.
نحن الآن نتمنى رضاه..نتمنى أن نكون في موضع الرضى من الله سبحانه وتعالى، ثم في موضع الرضى منه، ولكن لا شك أنه عندما يسجّلنا في دفاتره بأننا جنود له فإنّ هذا أعظم شرف، وأعظم رضى منه صلوات الله وسلامه عليه.
أنا بعض الأحيان أذهب إلى مناطق المخيمات وتجمعات العراقيين فيأتون ويلحّون عليّ ويقدّمون العرائض، يطلبون التطوع في فيلق بدر، بعضهم يقول: ولو سجّل اسمنا، يعني أنّه عنده حب أن يسجّل في قوائم المجاهدين، في قوائم الشهداء، في قوائم المؤمنين، في قوائم الصالحين، فكيف إذا كان التسجيل في قائمة الإمام المهدي عجل الله فرجه..واقعاً نحن نعتقد بأنه إمام عصرنا إمامنا يرعى مسيرتنا، فكيف يمكن أن يسجّلنا من جنوده ما لم يكن لنا عمل أو فعل يصب في خدمة أهدافه، ويصب في خدمة هذه المسيرة؟!
نسأل الله تعالى أن نكون من هؤلاء الجنود.. أن نكون من هؤلاء المؤمنين المرتبطين بهذه المسيرة..أسأل الله لكم ذلك من صميم القلب.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد واجعل اخواني المؤمنين نصيبهم من هذه الدنيا أن يكونوا جنوداً للإمام المهدي عجل الله فرجه.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد واغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
اللهم تغمّد شهداءنا الماضين برحمتك الواسعة.
اللهم تغمد علماءنا ومراجعنا برحمتك الواسعة.
اللهم تغمّد سلفنا الصالح برحمتك الواسعة.
اللهم نسألك أن تمنّ علينا بالإجابة في هذه الليلة الشريفة..توفقنا للعمل الصالح..توفقنا للدعاء، للإقبال عليك، للتوسل بك، ثم نسألك يا ربنا أن تستجيب دعانا وأن تبلغنا منانا.
اللهم انتقم من الطاغية صدام انتقاماً عاجلاً سريعاً، اللهم خذه أخذ عزيزٍ مقتدر.
اللهم اثأر لشهدائنا إنك أنت القوي، أنت العزيز، أنت القادر، أنت العالم بأمورنا، أنت الرحمن الرحيم الرؤوف.
اللهم إنّا نسألك بكل أسمائك الحسنى أن تنتقم من هذا الطاغية، وأن تفرّج عنّا وعن اخواننا المؤمنين.
اللهم فرّج عن اخواننا في العراق.
اللهم احفظ اخواني الحاضرين..اللهم بلّغهم مناهم.
اللهم تغمّد إمام الأمة برحمتك(١٧)، احفظ هذه الدولة الشريفة، احفظ ولي أمر المسلمين، احفظ علماءنا ومراجعنا واحرسهم بحراستك.
وإلى أرواح الشهداء وسلفنا الصالح خصوصاً الشهيد الصدر وإمام الأمة، رحم الله من قرأ الفاتحة قبلها الصلاة على محمد وآل محمد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

* * *
نسب الإمام المهدي عليه السلام
سماحة السيد كاظم السرابي
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نتقدم بالإجلال والإكبار لنقف بين يدي سيدنا ومولانا ولي العصر وصاحب الزمان، لنقدّم له أحلى التهاني والتبريكات بمناسبة إطلالته المباركة وميلاده الميمون، كما ونبارك لجميع أبناء هذه الطائفة، وفي مقدمتهم المراجع العظام والعلماء الكبار سيّما القائد آية الله الخامنئي حفظه الله.
إخوتي الكرام إنّ السماء شاءت أن تجعل من هذا الميلاد المبارك ميلاداً لكل ما هو خير لهذه الإنسانية، حتى أنّ الزواج الذي أنتج هذا المولود هو زواج رتّبته السماء، وأشرفت على تدبيره، فالسيدة نرجس والدة الإمام الحجة صلوات الله وسلامه عليه ما كانت من بنات الأمّة الإسلامية، بل كانت شابّة مسيحيّة، وهي نرجس ابنة يشوعا قيصر الروم.
لماذا شاءت السماء أن يتم الزواج بين أبي محمد العسكري سلام الله عليه وبين ابنة الملك هذه؟ هل أنّ بنات الأمّة الإسلاميّة قليلات لماذا؟ إنّها إرادة السماء.
كلكم أو جلّكم سمع بقصة زواج بنت قيصر الروم، كانت بنتاً صالحة مسيحيّة تمت خطبتها وتمّ نقلها إلى أهل البيت من بيت أبيها إلى بيت النبوة بواسطة الرؤيا، حيث رأت السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها قامت بالترتيبات اللاّزمة، كل شيء تم بواسطة عالم المنام..
أعطيت الخطّة والإرشادات كيف تنتقل إلى أهل البيت عليهم السلام، فقيل لها: سوف تقع حرب بين الروم والمسلمين. أمّا بالنسبة لك فالبسي ملابس الجواري وانخرطي مع الخدم وجيش الروم وسوف تقعين أسيرة وتعرضين في السوق للبيع فلا تقبلي بأن يشتريك أحد، ارفضي كل من يأتي لشرائك، إلاّ إذا جاء رجل يحمل كتاباً من أبي محمد العسكري سلام الله عليه، فهو الخاطب لك.
وتمّت الخطبة والتزمت تلك البنت بتلك الإرشادات حتى وصلت إلى بيت مولانا الإمام الحسن العسكري عليه السلام ليتم ذلك الزواج الذي نتج عنه أعظم مولود في سنة ٢٥٥هـ إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة.
ففي مثل هذه الليلة من سنة ٢٥٥هـ وقبل بزوغ الفجر بزغ البدر الثاني عشر في سماء الإمامة وتلطفت السماء على أهل الأرض بأعظم هدية، وأزين هدية، الهدايا تقدّم على طبق من ذهب إذا كانت غالية لكن هدية السماء هذه قدّمت على كفين طاهرتين هما أفخر وأغلى من الذهب إنهما كفّا الإمام الحسن العسكري عليه السلام هذا الإمام _ أيها الاخوة _ اكتنفت إمامته الغموض، وأثيرت حوله الشكوك لماذا؟ لأنّ البشرية قاصرة عن هضم كثير من إطروحات السماء. عقول الناس لا تهضم كثيراً مما تطرحه السماء. أكثر الأمور التي يؤمن بها الشيعة لم يفهمها حتى الكثير من الشيعة أنفسهم.
الإمام الحجّة صلوات الله عليه ولد بالخفاء، إمامته بالخفاء. وأثيرت حوله وحول آبائه كثرة من الشكوك والشبهات والتساؤلات.
فالإمام الصادق عليه السلام عندما حضرته الوفاة أوصى إلى خمسة، أحدهم الإمام موسى الكاظم للتعتيم والتغطية عليه، لظروف قاسية مرت به.(١٨)
وكذلك جدّ الإمام الحجّة، وهو الإمام الهادي جرت عليه قصّة، لا أدري مضحكة أم مبكية. مات الإمام الجواد سلام الله عليه وعمر الإمام الهادي لم يبلغ سبع سنوات. فعندما بقي الإمام بهذه السن قام المتوكّل العبّاسي بجلب أستاذ ومعلّم لتأديب وتعليم علي الهادي. هذه المصيبة هو إمام الأمّة قاطبة إمام البشر ويأتون له بمعلّم، هذه إحدى مصائب أهل البيت. فحجزه في القصر وقال: أريد معلّماً يبغض أهل البيت ناصبي حتى يغيّر هذا الصبي فلا يكون على خط آبائه، فوقع الاختيار على رجل عالم بالأدب والعلم يقال له الجنيدي أو الجُنيد. جيء به لتأديب علي الهادي. يقول هذا: عندما قمت بتدريس هذا الصبي إذا قدّمت له حرفاً يشرح لي عن هذا الحرف علوماً لا أعلمها، وراح يقدّم لي علوماً لم أسمع بها، والناس يظنون إنّي أعلّمه، ولكن في الحقيقة إنّي أتعلّم منه، وأصبحت أنا تلميذاً عند هذا الصبي، وإنّي لأعجب منه فهو صبي من أين يأتي بهذا العلم؟(١٩) صحيح ربّما يكون طفلاً نابغة بالاستثناء، لكن عنده هذا العمق العلمي بحيث يحدثني بعلوم الأولين والآخرين. إن هذا مما لا يهضمه العقل. فخرج وهو متعجّب!!
 فالإمام الحجة سلام الله عليه ليس هو الوحيد الذي أثيرت حوله الشبهات. فهناك شبهات حول مسألة طول العمر، وأريد أن اختصر لك قضية طول العمر بأدلة علمية وبقضايا عقلية ودينيّة.
أما من حيث القضايا العلميّة فقد ثبت علميّاً أنّ في جسم الإنسان خلايا وهذه إذا حظيت بتغذية صحيحة وظروف ملائمة، وابتعاد عن العطب والتمزيق، تعيش إلى سنين طوال. وحتى الحيوان كذلك وليس فقط الإنسان. واكتشف مؤخراً في القطب الشمالي أسماك منجمدة عمرها ستة آلاف سنة، عندما أخرجت من الثلوج، وأرسلت بالماء فإذا بها حيّة تتحرّك.
وهذا يدعمه قول الباري جلّ وعلا (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(٢٠) يعني هذا الحوت عنده قابليّة أن يحيى إلى يوم القيامة بإذن الله تبارك وتعالى.
قام دكتور _ كارل _ وهو جراح أمريكي بأخذ عيّنات من جسم الإنسان؛ من الجلد، ومن الكبد، ومن القلب، قطع من اللّحم وزرعها زرعاً علمياً وأخذ يغذّيها وإذا بقطعة اللحم التي تتغذى خلال ساعة تعيش إلى أكثر من ثمان سنوات. إذاً قابلية في جسم الإنسان للعيش والديمومة. طبعاً كثيرة هي الأدلّة العلمية لكن نأخذ من كل جانب عيّنة.
القانون الإلهي الذي بحكم الطبيعة يحكم على الإنسان، لا يحكم على الله، بل الله يحكم عليه. مثلاً: عندما يسقط الإنسان من الأعلى إلى الأرض فقانون الجاذبية يقتضي تهشّم العظام والموت. لماذا؟ لأن هذا قانون. وليس لي الخيار أمامه. قانون النار تحرق. أنا لا أتمكن أن أغير هذا القانون، أن أحوّلها من نار إلى ماء. وهكذا قانون الماء مثلاً أنه مادّة سائلة، لا أستطيع أن أجعله يقف كالعمود أو كالحجر، دائماً يأخذ هذا الشكل.
لكن هذه القوانين بالنسبة إليّ لا أتمكن أن أغيّرها، أمّا بالنسبة إلى الله تبارك وتعالى فالأمر مختلف تماماً، وهو خالق هذه الأمور كلها. وهو قادر أن يجعل من النار برداً وسلاماً (يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ)(٢١) تحولّت من محرقة إلى باردة، كيف؟ الحاكم على القانون هو الذي تصرّف.
الماء لا يقف كالجبل كالحائط، لكنه وقف عندما انشق لموسى عليه السلام (فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ)(٢٢) الحاكم على القانون هو سبحانه والذي عطّل هذا القانون هو أيضاً.
فإذن طول العمر ليس قضية مستعصية، خصوصاً وأنّ القرآن يشهد، والتأريخ يشهد بأن هناك من عمّروا طويلاً مثل نوح عليه السلام، فالقرآن يسجّل رقماً لحياته وهو ٩٥٠ سنة يقال أنّ هذه فترة النبوّة أما عمره فيبلغ ألفين أو ثلاثة آلاف سنة، آدم عليه السلام عمّر ٩٣٠ سنة، شيث عليه السلام عمّر ٩١٢ سنة، وهكذا.
وبعضهم معمّر من قبل آدم إلى يوم القيامة وهو إبليس لعنه الله. إبليس قبل آدم مخلوق ولا زال حياً ويشهد بذلك القرآن.
الخضر عليه السلام.. عيسى عليه السلام.. إدريس عليه السلام، وهكذا عندنا قائمة من المعمّرين الأحياء. فلماذا الاستنكار والاستكثار على الإمام الحجّة صلوات الله وسلامه عليه؟ الذي يغيّر القانون في الماء وفي النار وفي الأحياء، يغيّر هذا القانون، ويجعل هذا الإمام حياً. لماذا هذا التعجب والاستثارة؟
أيّها الإخوة تعالوا لنفهم ما هي قضية الإمام الحجّة؟ من هو إمامنا في هذا الزمان؟ هل نعرف عنه شيئاً؟ لماذا غاب؟ وما هي أسباب الغيبة؟ وما معنى الانتظار؟
هذه المصطلحات والمفاهيم دائماً نسمعها ونتداولها ولكن البعض لم يفهم ما معنى الانتظار وما معنى الغيبة.
الغيبة:
متعارف فيما بيننا حينما نقول: إن فلاناً غائب، يعني غير موجود في هذا المكان. لكن هذا المعنى لا ينطبق على الإمام الحجّة صلوات الله وسلامه عليه، لماذا؟ لأن غيبة الإمام لا تعني عدم الوجود في هذا المكان لكونه في مكان آخر، بل لها معنى آخر وهو التخفّي.
فهو موجود، نراه وقد نسلّم عليه، وقد يجيبنا على سؤال، وقد يدلّنا على طريق. يمارس دوره كإمام لكننا لا نعرفه بالذات.
هذا هو معنى الغيبة. التنكّر والتخفي لا الغياب فربّما كان جالساً في مجلسنا هذا، في مجالس أخرى، سيّما وأن العالم الشيعي الإسلامي يحتفل هذه الليلة بميلاده الميمون المبارك، فهو حاضر حتماً لكن لا نعرفه. وهذا معنى الغيبة، غائب لا يعني أنّه غير موجود إطلاقاً، إذن أين موجود هو؟ لا ندري إنّه متخفّي.
سبب الغيبة:
متى يظهر الإمام...هذه النقطة مهمّة _ توجّه إليّ قليلاً _ إذا عرفنا أسباب غيبة الإمام، عرفنا متى يظهر الإمام.
الآن لا يستطيع أحد أن يعرف متى يظهر الإمام، لكن بطريقة واحدة نعرف متى يظهر، أتدري متى يظهر؟ تعال لنعرف أسباب الغيبة لماذا غاب الإمام؟ المفروض أن يكون الإمام حاضراً بين ظهرانينا، يخطّط يوجّه يدرس يدير البلدان. لماذا لم يحضر؟ لماذا لم يظهر؟
الجواب واضح: أنّ الإمام سلام الله عليه بما أنّه خاتم الأوصياء فإذا قُتل خلت الأرض من حجّة. وإذا خلت من حجّة ساخت بأهلها. فالنبي صلى الله عليه وآله قال: (أهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض)(٢٣) الإمام سلام الله عليه أراد شيئين، وهما سبب الغيبة.
الشيء الأوّل: أن يبقى إماماً وحجة لله على الخلق.
والشيء الثاني: أن يبقى بعيداً عن متناول الظلمة والطواغيت، لأنّه لو كان ظاهراً كآبائه كان مصيره مصير آبائه سلام الله عليهم. سجن أو تشريد أو تعذيب. وبعد ذلك يعيش أياماً ثم يقتل. والنتيجة هي خلوّ الأرض من حجّة. وهذا خلاف القانون الإلهي.
فالإمام عليه السلام جمع بغيبته بين ممارسة دور الإمامة، وبين السلامة من أذى الطواغيت.
فإذاً سبب الغيبة هو عدم وجود قاعدة تحتضن الإمام، تنصر الإمام، فمتى ما توفّرت هذه القاعدة وجاءت الإرادة الإلهيّة، يظهر الإمام. وهذا يعني: أننا وصلنا إلى معنى الانتظار.
معنى الانتظار: تهيئة القاعدة وتحضيرها. كل واحد يبدأ بنفسه. أنا وأنت وذاك. ابدأ بنفسك للتهيئة لخروج الإمام سلام الله عليه.
من هنا نفهم أن المهدي عليه السلام مولود وموجود غائب، وهو بحاجة إلى تمهيد لظهوره، ولا شك في وجوده عند كل عاقل.
ثم أنّ النبي صلى الله عليه وآله أثبت بحديثه الشريف أنّ الإمام موجود بالرغم من المنكرين والملتفين على فكرة الإمام سلام الله عليه، حيث قال: (لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)(٢٤) يعني أهل البيت والقرآن لا يحصل بينهما أي افتراق إلى يوم القيامة.
فلو كان الإمام الحجّة ليس موجوداً كما يدّعي البعض لحصل الافتراق بين أهل البيت وبين القرآن. وهذا يعني نقضاً لكلام النبي صلى الله عليه وآله. ولا ينقض كلام رسول الله صلى الله عليه وآله.
فإذن الإمام موجود حتماً.
ثم إنّ النبي صلى الله عليه وآله قال: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(٢٥) الميتة الجاهلية يعني ليس له إمام، أي ليس على الإسلام فهو جاهلي فيصير إلى النار. فإذا كان الإمام ليس موجوداً منذ الحسن العسكري سلام الله عليه وإلى يومك هذا. فما ذنب الأجيال تموت على غير هدىً وتذهب إلى النار؟ التقصير والذنب على عاتق من يقع؟ تقصير النبي؟ أبداً ليس تقصير النبي صلى الله عليه وآله. التقصير والعيب بالذين نصبوا العداء لأهل البيت.
حتى اخواننا أبناء السنة أكثرهم يجمعون ويتّفقون معنا على وجود الإمام صلوات الله وسلامه عليه. وأنه ولد، والبعض منهم يقول: يوجد لكنه لم يولد الآن، وهذه نظريّة خاطئة، لأنه إذا لم يولد لحدّ الآن فمعنى ذلك أن الأجيال كلّها ماتت بغير إمام.
أحد الباحثين وصل إلى نتيجة وهي: أنّ الإمام موجود من ستين مصدراً من أبناء السنّة. إضافة إلى المصادر الشيعية.
وللعلم فإنّ هناك من شهد بوجود الإمام من غير المسلمين، وهو المتنبئ الفرنسي (نوسترا داموس) قبل ٥٠٠ سنة تقريباً، إذ ظهر في فرنسا وكان عنده أدوات خاصة يعرف من خلالها أحداث المستقبل. طبعاً تنبأ بأمور كثيرة وتغيرات حدثت في أوربا كلها تحققت، مثل: ظهور نابليون وأمثاله. هذا المتنبئ قال: سوف يخرج _ وكانما حدّد بسنة الألفين أو ما يقاربها _ يخرج رجل من ولد إسماعيل يعني الإمام سلام الله عليه، حتى أنّ الولايات المتحدّة الأمريكيّة على ضوء هذه النبوءة، صنعت فلماً لخروج الإمام المهدي سلام الله عليه. وكيف أنه يحتل العالم، وكيف ينشر الرسالة، وهذا الفلم يعرض في التلفزيونات والسينمات لمدّة ثلاثة شهور.
كل من له عقل يفكّر ويقف أمام الحقيقة بدون حواجز سيصل إلى أن الإمام الحجّة صلوات الله عليه موجود، وسيملؤها قسطاً وعدلاً، وهذه الكلمة (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً)(٢٦) تعبير عن أكبر حركة إصلاحيّة تحدث على هذا الكوكب في طور البشريّة، عملية تصحيح عامّة لسلوك البشريّة. فالإمام الحجّة صلوات الله وسلامه عليه هو المصحّح والمصلح الأكبر، الذي يدعمه العلم والعقل والفطرة والمنطق والدين.
وقد يطول بنا المقام لو سردت لكم الأدلّة من آيات وأحاديث وقصص على وجود الإمام الحجّة صلوات الله وسلامه عليه.
وأختم حديثي بقصة: (أبي الأديان). أبو الأديان أحد أصحاب الإمام الحسن العسكري سلام الله عليه.
هذا الرجل أرسله الإمام بمهمّة من سامراء إلى منطقة أخرى، فقال له الإمام: إنّ سفرتك هذه تستغرق خمسة عشر يوماً. وإذا رجعت إلى سامراء ستسمع الواعية، يعني: تسمع بكاء وجلبة وضجيجاً، فقال له: ماذا يا مولاي؟ قال: تجدني ميّتاً وجسمي مسجّى على الأرض، قال: مَن مِن بعدك؟ قال لمن يصلّي عليّ... هذا أوّلاً، ولمن يجيب على الأسئلة ولمن يخبر ما في الهميان، ثلاث علامات إذا تيسّرت عند هذا الشخص كبيراً كان أو صغيراً لم يحدّد له. فهو الإمام من بعدي.
ذهب أبو الأديان ورجع وإذا بسامراء خرجت عن بكرة أبيها، فتقدّم جعفر _ الذي كان يلقّب بالكذاب وأصبح توّاباً حسب ما ينقل _ فأراد أن يصلّي على الإمام، وهو أخو الإمام العسكري سلام الله عليه، يقول أبو الأديان: كنت أنظر وإذا بصبي خماسي، ابن خمس سنوات جذب جعفراً من ثيابه، وقال: تنحّ يا عم فإني أولى بالصلاة على أبي، أنا ولي الأمر، فصلّى عليه، يقول أبو الأديان: قلت في نفسي: هذه الأولى، ثم جاء أناس فأجابهم على الأسئلة ثم أخبرهم بما في الهميان وكان عندهم حقوق شرعية بعملات مختلفة، عند ذاك عرف أبو الأديان أن الإمام من بعد العسكري عليه السلام هو ولده الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف.(٢٧)
قد يقال: كيف يستلم الإمامة وأنتم أيها الشيعة تعتقدون أن الإمامة رئاسة العالم، الإمام وكيل النبي والنبي مبعوث للجميع، فإذن الإمام رئيس الكرة الأرضية، كيف يكون ابن خمس سنوات رئيس الكرة الأرضية؟ أما تخجلون أما تفكرون؟ أين العقول؟ أين المنطق؟
يقال: أيها العاقل أما سمعت القرآن الكريم يقول (قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)(٢٨) كم عمره؟ كان عمره يوماً أو أقل، عيسى سلام الله عليه قدّم نفسه نبيّاً لبني إسرائيل.
فإذا كانت النبوّة تعطى لطفل صغير في المهد فهل نستكثر على الإمامة أن تكون عند ابن خمس سنوات؟
ثم هل أنّ الإمامة هي رئاسة جمهوريّة حتى تنتخب من قبل الناس؟ لا، الإمامة منصب إلهي يعطى للطفل الرضيع ولابن التسعين ولابن خمس سنوات، لأنّ القرار إلهي ولا خيار للبشريّة أمام الخيار الإلهي.
أين التسليم لأمر الله إذا كنا نناقش كل شيء؟ هذا معناه نأتي بالشريعة كلها ونفهم الحكم منها، فعدم هضم قضية الإمامة قصور في الفهم، وإذا كان الإنسان قاصراً في فهمه وكان عقله محدوداًً فلا يلقي باللائمة على الشريعة وعلى أطروحات السماء لهذه البشرية.
والإمام الحجّة صلوات الله وسلامه عليه لا أحد يراه، حتى في الغيبة الأولى، عندما غاب كان يتصل بالناس من خِلال العلماء الوكلاء. وعندما قام بتعويد الناس وترتيب المراجعة وربط الأمّة بالمراجع غاب الغيبة الكبرى، ولم يره أحد إلاّ لضرورة وعلى غير توقّع. كما نقل عن العلاّمة الحلّي.
أختم ثانية بهذه القصّة، وهي: أنّ السيد حيدر الحلّي _ شاعر أهل البيت _ كان يكتب كل سنة قصيدة، وقبل أن يقدّمها إلى الخطباء وإلى الشعراء والكتاب يلقيها بنفسه، فألّف قصيدته المشهورة:

مات التصبّر بانتظارك * * * أيّها المحيي الشريعة
انهض فما أبقى التصبّر * * * غير أحشاءٍ جزوعة
قد مزّق الثوب الأسى * * * وشكت لواصلها القطيعة

... إِلى أخر القصيدة، يردّدها بينه وبين نفسه، وكان قد كتبها في الليل وجاء يستريح في بستان وهو في طريقه إلى إلقائها.
جلس يردّد القصيدة فجاءه رجل بزيّ عربي جلس إلى جانبه، سلّم عليه قال: يا سيد حيدر اسمعني قصيدتك. الرجل لم يكن متوقعاً، فإنّ الإمام التقى بأناس لكنه على حين غفلة، لكي لا يشعروا به ولا يعرفوه بإذن الله. يقول السيد حيدر: قرأت القصيدة وإذا به ينتحب باكياً، دموعه تتحادر على وجنتيه إلى أن وصلت...

ماذا يهيجك إن صبرت * * * لوقعة الطف الفظيعة
حيث الحسين على الثرى * * * خيل العدا طحنت ضلوعه

إلى آخر القصيدة...
يصل إلى الرضيع يقول أجهش بالبكاء. فقال: كفى كفى يا سيد حيدر فإنّ الأمر ليس بيدي، حكمة إلهيّة متى ما اكتملت الظروف وشاءت السماء أن أظهر، أظهر...
وما بوسعنا أيّها الاخوة إلاّ أن نبتهل إلى الله تبارك وتعالى أن يوفقنا للتمهيد _ على الأقل _ لظهور الإمام الحجة صلوات الله وسلامه عليه، وأن يرينا ولو يوماً من دولته المباركة وحكومته الشريفة المقدّسة، وأن يجعلنا من أنصاره وأعوانه، وأن يوفق الجميع للعمل الصالح سيما في هذه اللّيلة الشريفة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

* * *
محن وآلام صاحب الزمان عليه السلام
سماحة السيد حسين الحكيم
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
قال الله تعالى في كتابه الحكيم (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ)(٢٩) صدق الله العلي العظيم.
نبارك لكم هذا اليوم الأغر وهذه المناسبة السعيدة التي نحتفل فيها بميلاد إمام زماننا وسيدنا ومولانا الحجة بن الحسن صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين.
هذه الولادة يمكن أن نقول عنها: ولادة الفرح الكبير، بل ولادة الفرح الأكبر، لأنها ولادة العدل لكشف الظلم، ولأنها ولادة الحق لإزهاق الباطل، ولأنها ولادة سيدنا ومولانا الحجة بن الحسن المعد لتحقيق آمال الأنبياء، وكل الرسالات السماوية التي جاءت وهدفها أن تمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً. ولا يتحقق هذا الهدف إلاّ على يده صلوات الله عليه.
ولكن هذا الفرح حينما نحتفل به في زمان الغيبة يكون فرحاً مشوباً بالحزن. لماذا؟ لأننا نحتفل بولادة وليدها غائب. ذكرى ولادة مولود سعيد، مولود عظيم مولود هو الفرح بعينه، ولكن أين هو هذا المولود أين استقرت به النوى؟ هذا الفرح فرح مشوب بالحزن واقعاً.
والقلب الشيعي والقلب العراقي بالخصوص قلب مفعم، يبحث دائماً عن مواطن الأسى ليعبر عما في قلبه من آلام وأحزان قد أحاطت بالعراقيين من كل جانب.
ولنتحدث في هذا اليوم السعيد، وفي هذه المناسبة المباركة العطرة عن أحزاننا وعن شجوننا وعمّا يمر بنا، ارتباطنا وعلاقتنا تحديداً بإمامنا، إمام زماننا، وعن غيبته التي كانت سبباً لهذا الحزن، ففراق الحبيب من أشد ما ابتلى الله به عباده.
ولكن حينما نمر على مكامن الأسى في هذا الحزن لابد أن نتذكر، ولابد أن نستحضر أن إمامنا وحبيب قلوبنا صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين هو الذي يسبقنا حتى في حزننا.
فتعالوا لنتأمل ولنتحسس بأحزانه، إذا كنا نحب ولينا وإمامنا وسيدنا صاحب العصر لابد أن نعيش أو نحاول أن نقترب مما يحمله ذلك القلب من حزن.
نحن نعيش حزن الغيبة، وهو عليه السلام مع كونه قائداً إلا أنه يعيش حزن الغيبة أيضاً، ولكن عندما يلتقي حزننا بحزنه، وعندما يكتوي يومنا بجمره، يزداد الجمر اتقاداً وتزداد العواطف التهاباً. نحن نحزن ونحن نتألم لأن إمامنا وسيدنا غائب عنا ومفارق لنا. ولكن هو أيضاً يحزن لأننا نحن مفارقون له.
وقد يغفل البعض عن هذه السنخية، عندما يكون شخص ما في ظروف معينة تستدعي منه الاختفاء عن بعض الرقباء، بحيث لا يريد لأحد أن يطلع على مكانه، حتى أقرب الناس إليه. ويمر من بعيد أحد أعزائه، أو أحد أولاده، أو أحد أعوانه وهو يراه ولكن لا يتمكن من أن يخاطبه، وأن يحادثه، وأن يكاشفه بما يعتلج في قلبه. هذا ألم قد يكون أشد ألماً من ذلك المفارق وأشد ألماً من ذلك الذي لا يعلم من أمر هذه الحقيقة شيئاً.
والقلب العراقي يفهم الألم، ويدركه أكثر من غيره بلا مبالغة.
نعود مرة أخرى لغيبته صلوات الله عليه وعلى آبائه، فنجده أيضاً إماماً لنا في ذلك الألم. عندما نجد هذا الظلم، وعندما نجد هذه القيم التي ضاعت من دنيانا، وعندما نجد الشريعة التي انتهكت حرمتها في دنيانا، نتألم، لأنه هو المعد لإعادة الحق إلى نصابه. ولكن هو يتألم أكثر منا. صحيح قد يخاطبه بلسان حالنا شاعرنا(٣٠) الذي ينطق باسمنا يقول له:

الله يا حامي الشريعة * * * أتقرّ وهي كذا مروعة
كم ذا القعود ودينكم * * * هدمت قواعده الرفيعة
تنعى الفروع أصوله * * * وأصوله تنعى فروعه

ولكن حينما نعيش هذا الألم، وحينما نكتوي بهذا الجمر. هو أيضاً صلوات الله عليه يتحسس بهذا الألم أكثر منا أضعافاً مضاعفة، ولكن نحن بحدودنا، بضعفنا، بعجزنا تضيق صدورنا عن تحمل الألم فنبث هذه الشكوى التي يكون هو عليه السلام صاحبها الحقيقي، فهو منشأ الشكوى الحقيقية وليس نحن، يخاطبه شعراؤنا، وحق لهم أن يخاطبوه، فإلى من يشتكي المهموم إلا إلى إمامه؟

أصبراً وكادت تموت السنن * * * لطول انتظارك يا بن الحسن

نحن نتضرر صحيح ونحن نتألم لأن السنن ضاعت، ولأن القيم اندثرت. ولكن هو يعيش هذا الألم أكثر منا.
رفقاً بإمامنا عندما نعاتبه. رفقاً بذلك القلب الممتلئ بالحزن والألم. صحيح نحن نعاتبه. إذ لا ملجأ لنا إلا إليه. صحيح هو إمامنا ولكن لا ننكأ الجراح التي في قلبه صلوات الله عليه.
لنعرف نحن لمن نخاطب. هذا إمامنا وهذا حبيب قلوبنا وهذا المتألم أكثر منا سلام الله عليه.
نحن نتألم مرة أخرى عندما نجد الثأر معطلاً. والذي عنده ثأر لا يقر له قرار حتى يأخذ بثأره، لا يتحمل تأخير الثأر يوماً أو شهراً أو سنة. هذه ثاراتكم يا أئمتنا، وهذه ثارات جدتكم الزهراء. وهذه ثارات الحسين، وآل الحسين. هذه ثارات زينب وأطفال زينب تؤلمنا وتؤرقنا ونحن نتمنى أن نخرج معك وبقيادتك يا سيدي وقد طالت علينا غيبتك.
ولكن بربكم من الذي يعيش ألم تأخير الثأر حقيقة؟ نحن نعيش ألم الثأر أكثر أم هو الذي يعيش ألم الثأر؟ الثأر ثأره ونحن إذا نغضب نغضب من أجله ومن أجل أهل بيته. نحن إذا نغضب نغضب من أجل أجداده من أجل جدته الزهراء، من أجل ضلعها المكسور، ولكن عين الزهراء الحمراء ما زالت لحد الآن شابحة تنتظر الأخذ بثأرها. وأضلاع الإمام الحسين المكسرة المهشمة ما زالت تنتظر وأسر زينب وعبرات زينب تنتظر، وأول ما تنتظر صاحب العصر. هو يعلم بهذا جيداً.
لكن مع ذلك حينما يأتي موسم الحزن، وحينما يهل علينا عاشوراء، نجد أننا نطالبه بأخذ الثأر، البدار يا صاحب الأمر البدار البدار، طال على شيعتك الانتظار. نحن نخاطبه وكأن قلبه فارغ، وكأننا نحن الذين نعيش الألم وهو الخلي من الألم، لقد صدق السيد حيدر الحلي رحمه الله حينما يقول:

وإنّ أعجب شيءٍ أن أبثكها * * * كأنّ قلبك خالٍ وهو محتدم

يقول له: سيدي أعجب شيء أن هذه الشكوى التي أبثك إياها، والتي أعبر بها لك عما يعتلج في صدري مع كون قلبك محتدماً بالأحزان، ولكن أنا أبثك الشكوى لضيق صدري لضيق قلبي.
ولكن ساعد الله قلبك يا سيدي يا صاحب الزمان، نحن نتألم بسبب طول المدة، وبسبب الثأر المعطل. ولكن هو يتقدمنا في هذا الألم.
إذا كنا نحب صاحب العصر حقيقة لابد أن نفكر ولو سويعة في هذا القلب الكبير، هذا قلب الإمام الذي هو إمام القلوب، هذا القلب ماذا يحمل في داخله من عذاب، ومن أحزان، ومن شجى؟
نتألم حينما نقول له: سيدي أحاطت بنا الأعداء من كل جانب، فحاصرونا وأعادوا لنا تأريخكم، وأعادوا لنا كربلاءكم. ونحن محاصرون من الداخل والخارج، ونحن مهددون في كل مكان. ولكن هل يغيب هذا عنه؟ هل هو بعيد عن هذا الأمر؟ إذا نحن نعيش غربة فهو يعيش غربة أكثر من أي منا. وإذا نحن نعيش حزناً ونعيش وحشة فهو يعيش وحشة أكثر منا، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، وإذا نحن نطل من جانب على الانتفاضة الشعبانية وما جرى فيها من مجازر وانتهاك للحرمات، فهو محيط بكل تفاصيلها ودقائقها، ويتحسّس كل أناتها وآهاتها الصغير منها والكبير.
هو يعيش هذا الألم، وهو يعيش ألم الزنزانات التي يهزأ بنا أعداؤه مرة أخرى من خلال الهزء به.
صدقوني أيها الاخوة كان أحد مدراء الأمن يستهزئ أمام المعذبين وهم معلقون بالسقف يستهزئ ويردد أمامهم وهو يضحك: (اظهر يالمهدي وصفّيهه * * وشوف الشيعة اشصاير بيهه) يهزأ بنا، يستهزئ بآلامنا، يسخر من آهاتنا. ولكنه يسخر بإمامنا، ويسخر بنا من خلال سخريته بإمامنا صلوات الله عليه.
هذه الآلام إذا نحن اطلعنا على شيء بسيط ومحدود وضئيل منها، فإنّ إمامنا يحيط بها كلها، ويعلم بدقائقها وتفاصيلها.
فرفقاً به ثم رفقاً حينما نبث شكوانا. هو يعيش آلامنا، يعيش فجائعنا، يعيش أحزان أيتامنا وأراملنا.
نقرأ في بعض الروايات عن الإمام زين العابدين عليه السلام _ والأئمة عموماً في محبتهم، ولطفهم، وارتباطهم بشيعتهم على حد سواء _ أن أحداً من شيعتهم جاءه يشكو إليه الفقر. الإمام زين العابدين محاصر وما كان يتمكن شيعته من الوصول إليه، ولم يتمكن الإمام أن يعتذر منه. تعلمون ماذا ورد في الرواية؟ إن الإمام زين العابدين بكى حتى سالت دموعه من عينيه، لأن هذا الإنسان من شيعته ويطلب عوناً ولا يملك الإمام ما يدفع به فقره، هناك مصلحة للإعجاز ولإظهار الكرامة، الإمام لم يكن يملك شيئاً وهذا إنسان محتاج جاد له بدموع عينه، هذه الدموع التي كانت تسيل من خشية الله أو تسيل لمصاب أبي عبد الله لأن الإمام لن يجد نفسه قادراً على مواساة هذا الرجل من شيعته بكى حتى أن هذا الإنسان الشيعي المؤمن الموالي تألم كثيراً قال: سيدي لماذا تبكي؟ أخيراً عرف سبب البكاء فزاد ألمه.
الآن لنتصوركم ذرف إمامنا وسيدنا صاحب الأمر من الدموع؟ وكم اختلجت في صدره من الآهات لما يشهده من العذابات التي أحاطت بشيعته من كل مكان. يتحسّس هذه الأمور، يعلم بها وكلها تجعله يشتاق أشد الشوق لذلك اليوم الذي يقف فيه بين الركن والمقام وينادي بأصحابه فيخرجون ويلتحقون به من بقاع الأرض. ولكن ماذا بيده؟
بعض الناس يرون صاحب الأمر في المنام أو يتشرفون به. أغلب الروايات والأخبار توصينا نحن الشيعة بالدعاء له بالفرج، هو في بلاء عظيم، هو في ضيق، هو في غربة، هو في وحشة. يطالبنا بالدعاء له بأن يعجل الله فرجه.
حينما نقول: اللهم عجل فرجه، فلا تحسب أن المعنى: اللهم عجل فرجنا. صحيح اللهم اجعل فرجه فرجنا، ولكن الفرج الحقيقي له. فهو المظلوم الحقيقي.
بعض أساتذتنا من العلماء الموجودين الآن في النجف دفع الله عنهم كل مكروه يقول: الظلامة الكبرى والمصيبة العظمى من مصائب أئمتنا هي مصيبة صاحب الأمر عليه السلام، هذه المدة الطويلة المديدة التي مرّت عليه هو بهذا الحال، عندما تشتد الفتن بنا، وعندما تعصف بساحتنا الخلافات فأول ما نتذكر حاجتنا الماسّة والحقيقية والأساسية لولينا الأول، لولينا الحقيقي، لإمامنا لقائدنا لسيدنا ومولانا.
عندما نختلف فيما بيننا ونتألم من اختلافنا ومن شدة اختلافنا، ومن تحارب بعضنا مع بعض من كيد بعضنا لبعض، ومن اعتداء بعضنا على بعض، ومن تهجم بعضنا على بعض، نتألم كثيراً ولكن إمامنا يتألم أكثر. قد نتألم لأن هذا التحارب يمسنا، ويمس مشاعرنا بحدود معينة. ولكن هو يتألم لنا جميعاً، وهو يتألم لاختلافنا جميعاً، يتألم لكل فردٍ فرد منا.
يتألم إذا رأى أحداً منا يظلم أخاه، لماذا هذا من شيعتي. أو يتمنى أن يكون من أنصاره، لماذا يتجاوز، لماذا لا يتمكن أن يقدر للاختلافات قدرها؟ لماذا لا يتمكن أن يهضم أن الاختلافات في الرؤى فقط أو بالقناعات أو أن الاختلافات بالفتاوى أو بالتشخيص، أو بالتحليل السياسي أو غير السياسي؟
حينما نجد أننا نؤمن أو نقلد أو نتبع أو نقتنع بأحد من العلماء فنحن في ذلك لابد أن نلتزم الحجة الشرعية دائماً. ولا يعني هذا أن كل من يختلف مع هذا الإنسان الذي نعيش الاقتناع به ويكون خارج دائرتنا فنتعامل معه كما نتعامل مع غير المؤمن بأهل البيت، ليبقى الثابت الأول والأساس الذي لا محيص عنه هو الإيمان بأئمتنا، وما عداهم فلا يشكل إلا حكماً ظاهرياً لطريقه إليهم، هم الواقع الصحيح الصافي الخالص وكل ما عداه اجتهادات.
حينما نختلف في الاجتهادات، أو نختلف بالتحليل، أو نختلف بالقناعات، فإن ذلك لا يعني أن نختلف فيما بيننا في الشخصيات، أو فيما بيننا من جماعات فهذا الأمر كله بنظره صلوات الله عليه، وبمعرفته وباطلاعه وهو يتألم أكثر منا.
وقد يكون هدفنا حينما نختلف في أمر جزئي قد نقول ونتكلم ونرفع الشعارات، نحن نتألم من أجل أصل الاختلاف ولكننا في كثير من الأحيان نتألم لما يصيبنا من هذا الجانب أو ذلك، لما يمسنا من هذا الكلام أو ذلك، لما نتعرض له من هذا الظلم أو ذلك. أما الإمام صلوات الله عليه فهو يتألم لنا جميعاً، ويعيش آلامنا جميعاً، ويعيش معاناتنا جميعاً.
فلنلتق عنده، ولنجدد العهد معه مرة أخرى في أخوّتنا، في صفاء قلوبنا، في حسن ظنوننا بالآخرين، وعدم التسرع بإلقاء التهم وتوزيعها في كل مكان، وعلى أنفسنا.
إذا أردنا أن نعيش الارتباط بإمام زماننا حقيقة فلابد أن نفهم هذه الحقيقة لابد أن نعيش هذا الأمر. أنا لا أتمكن أن أقول بأن المختلفين دائماً أحدهما على باطل، بل نحاول أن نحمل حتى من يخالفنا على حسن الظن، على المحمل الحسن (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)(٣١) وإن لم نعمل على ذلك فنحن نقطع أنفسنا بأنفسنا، ونحن نقتل أنفسنا بأنفسنا، ونحن نسقط أنفسنا بأنفسنا، ونحن نضعف مرجعيتنا وعلماءنا وكل هذا يكون تحت شعار الإسلام، أو تحت شعار الأمر بالمعروف، وتحت شعار النهي عن المنكر، وتحت شعار نصرة العرب، وتحت شعار نصرة المظلومين.
إذا كان هذا الشعار بهذه السعة فلماذا لا يكون واسعاً حتى يجمعنا؟ لماذا يكون واسعاً فقط للتمزيق والتفريق فيما بيننا؟ وإذا بنا مع كل الأسف نجد أن بعض الناس مشغول بمقارعة الظالمين والتصدي لهم، والبعض الآخر مشغول بالتصدي لمقارعة من يقارع الظالمين، وبالتهجم على أولئك الذين يحملون لواء التشيع، ويحملون لواء العراق، ويحملون لواء الحق، الذي نتمنى كلنا من أعماقنا أن يرتفع.
فالساحة ليست ملك أحد، والعراق ليس ملك أحد، والتصدي واجب على الجميع، ولا يعني هذا أني إذا أردت أن أتصدى لابد أن أزيح كل المتصدين، بل بالعكس لابد أن أتعاون معهم.
لابد لنا حينما نأمر بحسن الظن، وندعو إلى حسن الظن، لابد أن نكون أول المبادرين لحسن الظن، وحتى لو تجاوز علينا الآخرون، واعتدى علينا الآخرون، لابد أن تكون عندنا سعة قلب، ولابد أن نتأسى بإمام زماننا في استيعاب هذا الاعتداء ومقابلته بالصفح والتجاوز عمّا قد يحدث هنا أو هناك من قصور أو تقصير.
ولكن نجد أننا نشترك مع إمامنا ونواسيه في هذه الآلام التي مررنا عليها واحداً واحداً.
هو غائب الآن عنا ونحن غائبون عنه، هو يعيش الهم لشريعة جدّه، ونحن نعيش الهم شيئاً ما لشريعة جدّه. هو يتألم لما يصيبنا، ونحن نتألم أيضاً. هو يتألم للظلم والبلاء الذي يعصف بنا، هو يتألم لنا حينما نختلف، هو يشاركنا الألم، بل هو دائماً يتقدّمنا في الألم. إمامنا في آلامنا كما هو إمام آمالنا صلوات الله عليه، كعبة آمالنا.
ولكن يبقى ألم واحد في قلب صاحب الأمر، وهذا لا نشترك نحن معه فيه، وهذا الألم وهذا العذاب الذي يتعذب به ويتألم به إمامنا صاحب الأمر قد نكون نحن سبباً في زيادته، ما هو هذا الألم؟ حينما تعرض أعمالنا عليه.
ونحن نقرأ في روايات أهل البيت أن الأعمال تعرض على إمام الزمان، في بعض الروايات في كل ليلة جمعة.(٣٢)
إنّ الإمام عجل الله فرجه يفرح لله. والإمام يغضب لله. والإمام يحزن لله، والإمام يحب في الله ويبغض في الله. فإذا وجد في صحيفة أحدنا سيئة أو ذنباً ارتكبه فكيف به وهو يعيش تلك الأكداس والجبال من الآلام. هذا الألم يأتي إضافياً، ولسان حاله يقول: أنتم لماذا؟! فهمنا أن أعداء الزهراء يحقدون على الزهراء ويزيد وابن سعد يحقدون على الحسين، والظالمون لكم والمعادون لي ولكم يكونون سبباً في آلامي وأحزاني. أنتم شيعتي أنا أريد أن أفرح بكم، لماذا أنتم تزيدون ألمي ألماً آخر؟
هذا ألم ذوي القربى، هذا ألم المقربين الأحبة الأعزة، لماذا هذه الذنوب؟ لماذا هذه الجرأة على المعاصي؟ لماذا لم نرأف لذلك القلب الذي أفعمته الآلام وملأته الجراح؟
لماذا لا نكون السبب في إدخال السرور عليه؟ لماذا لا نكون سبباً حينما يطّلع على بعض الأعمال لأن يقول: الحمد لله شيعتي شيعة حقيقيون، هؤلاء الذين يدعون أني أنا إمامهم ويقولون: رضيت بالله رباً وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبياً وبعلي إماماً ثم يذكرونني ويعتبرونني أنا آخر أئمتهم وإمام زمانهم، هؤلاء أفعالهم متطابقة مع شعارهم وعقيدتهم وكلامهم ودعائهم وخطابهم لله سبحانه وتعالى، حينما يقولون: رضيت بهم أئمة، هؤلاء حقيقة أتباع لي.
لعل أشد ما يؤلم، بل يمكن أن نقول: إن أشد ما يؤلم أولياء الله، ما يجترح وينتهك من حرمات الله سبحانه وتعالى، لأنهم يعرفون عظمة الله. نحن حينما نعرف عظمة الله شيئاً ما ونجد أن حرمة من حرمات الله تنتهك نتألم ونغضب أكثر مما نكون نعرف الله بهذا المقدار من المعرفة. أما أهل البيت صلوات الله عليهم، الذين ما عرف الله أحد من العباد كما عرفوه سبحانه وتعالى، يغضبون لحرمات الله أكثر منا، يتألمون أكثر منا.
لماذا.. لماذا نشارك في هذه الكربلاء التي في قلبه، وهي كربلاء كبيرة؟ لماذا نشترك في زيادة ألمه صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين؟
فلنجدد في هذه الليلة العهد معه، ولنتب على يديه حباً له، ونعقد العزم من هذا المكان المبارك، وهو مرقد هذا العبد الصالح المقرب من صاحب الأمر (ابن بابويه)(٣٣) الرجل العظيم الذي ورد كثير من الروايات الدالة على أنه ممن حظي برؤية إمام زمانه، فطوبى له ثم طوبى له. لنجدد العهد، لنعقد العزم على أن نقاطع ونهجر كل الذنوب، ونتمنى من الله سبحانه وتعالى أن يعصمنا ببركة إمام زماننا من كل ذنب، حباً وشفقة وحناناً لسيدنا صاحب الأمر ومحبة له.
التوبة لا تكون دائماً خوفاً من النار، وإن كان الخوف حقيقياً، والنار حقيقة فلابد أن نخشاها، والجنة حقيقة من الحقائق فلابد أن نطمع فيها. ولكن شفعاءنا إلى الجنة، ومنقذينا من النارهم أهل البيت عليهم السلام، فلنؤكد ارتباطنا وانتماءنا وتلاحمنا واهتمامنا بأئمتنا صلوات الله عليهم في طاعتنا لله حباً لهم، من أجل أن يفرح مهدي هذا العصر.
نحن نعمل بعض الأعمال من أجل إدخال السرور على أحبتنا. أنت تأتي بالهدية الصغيرة لأولادك حتى تدخل السرور على قلوبهم. أنت ألا تفعل بعض المستحبات، وتأتي ببعض الأمور من أجل إدخال السرور على قلب المؤمن؟ ورد في روايات تكاد تكون متواترة، لعل عشرات الروايات ترجع إلى هذا المضمون: أن العبد في القبر في اللحظة الأولى في أول ما يطل على عالم الآخرة ويفارق هذه الدنيا، في تلك الساعة العصيبة يرى مثالاً كأجمل ما خلق الله يهدئ من روعه ويسكن روعاته، ثم عند الحساب يجد أن هذا المثال معه عند الصراط، يجد أن هذا المثال معه عند تطاير الكتب، في كل مراحل الخوف والفزع، يجد أن هذا المثال معه يهدئ من روعه، فيسأله المؤمن يقول له: من أنت جزاك الله عني خير الجزاء، فإني لم أمر بمحنة، ولم أمر في خطر، ومرحلة من مراحل الآخرة إلا وأنت تهدئ من روعي؟ يقول له: أنا السرور الذي أدخلته على قلب المؤمن في اليوم الفلاني، في الساعة الفلانية.(٣٤)
إدخال السرور على قلب مؤمن _ إنسان عادي _ له هذا الأثر.
إذا نتوب ونعيش في هذه اللحظة التوبة الحقيقية ونجدد التوبة، فإنّ التوبة مراتب وهي يمكن تجديدها، ويمكن تأكيدها، ويمكن الإسراع إليها، ويمكن تجديد عهد التوبة مع الله سبحانه وتعالى.
وأهم ما يفرح إمام زماننا أن نعترف له بالتقصير لتشرق قلوبنا بنور التوبة، قبل أن تشرق أزقتنا من أنوار المصابيح التي نعبر بها عن احتفاليتنا بالنصف من شعبان.
لنجدد هذه التوبة حباً له، إخلاصاً له، من أجل إدخال السرور على قلبه الشريف صلوات الله عليه وعلى آبائه.
ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يؤكد هذه التوبة في قلوبنا، لنطل على شهره الكريم ونكون أهلاً لضيافته سبحانه وتعالى، ونكون ممن يستجيب الله دعاءهم في كشف هذه الغمة عن هذه الأمة، وتعجيل الفرج، ودفع البلاء وجمع الشمل، تحت تلك القباب الشاهقات العليات في مراقد أئمتنا في عراق أهل البيت صلوات الله عليهم.
واستغفر الله لي ولكم. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

والحمد لله رب العالمين

* * *
الإمام المهدي عليه السلام والخلاص العالمي
سماحة السيد داخل الموسوي
بسم الله الرحمن الرحيم

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً).(٣٥)
هذه الآية الكريمة من آيات الملاحم في القرآن الكريم، وقد تكفلت بنشر السلام العالمي على وجه الأرض.
وقد توزع المفسرون والذين سلطوا الأضواء على أهدافها ومقاصدها، توزعوا على ثلاث مدارس:
المدرسة الأولى: ذهبت إلى أن الآية الكريمة نزلت بالرواد الأوائل للإسلام، والرواد الأوائل يقصد بهم صحابة النبي صلى الله عليه وآله، يعني الطلائع الإسلامية المؤمنة التي التفت بصدق وحرارة حول رسول الله صلى الله عليه وآله وآمنت بالإسلام، وانصهرت في بوتقة الإسلام، وتفاعلت تفاعلاً حقيقياً مع العقيدة حتى تحولت إلى إسلام متحرك يمشي على وجه الأرض، وتحملت من أجل ذلك صنوف الأذى وفنون التعذيب وألوان الاضطهاد من ذلك المجتمع المتخلف، هؤلاء وعدهم الله بالنصر وحقق الله لهم ذلك الوعد.
فهذه المدرسة تذهب إلى أن هذه الآية الكريمة نزلت في الطلائع الإسلامية الأولى(٣٦).
المدرسة الثانية: تقول أن لسان الآية لسان عام، والخطاب فيها خطاب شامل لكل الأمة الإسلامية، فهي تنطبق على المجتمع الإسلامي وعلى الأمة الإسلامية بكل فصائلها وبكل شرائحها.
إن الله عز وجل جعل هذه الأمة _ وهي المحور وهي القطب للمجتمع البشري بأجمعه _ جعل الأمة الإسلامية هي الأمة القيادية التي تتولى الإشراف على المسيرة الإنسانية، ولذلك القرآن الكريم يقول: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً)(٣٧) يعني أمة محورية، يعني هي المحور الذي تنتظم حوله كافة الشرائح الإنسانية، فشرائح المجتمع البشري تنتظم بأجمعها من وراء الأمة الإسلامية التي تتحمل مسؤولية القيادة، وقد ضمن القرآن الكريم السلام العالمي لهذه الأمة (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً).(٣٨)
المدرسة الثالثة: والتي سيكون عليها محور الحديث، وهي التي تذهب إلى قيادة الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه فتقول: إن الآية الكريمة تستهدف خروج الإمام المهدي.(٣٩)
وفي الواقع إن قضية الإمام المهدي من القضايا التي يكثر حولها الجدل والتساؤل، وفي هذه الفترة المحددة نحاول أن نتعرف أو نعطي نظرة خاطفة وسريعة، وبنفس الوقت صورة جلية وواضحة عن المعالم الرئيسية لقضية الإمام المهدي المنتظر، نتعرف على خطوطها العريضة ونلقي نظرة فاحصة من الناحية التأريخية والناحية العقائدية على مسألة الإمام المهدي عجل الله فرجه.
طبعاً نحن الطائفة الإمامية نرسل هذه القضية إرسال المسلمات.
قبل كل شيء، وقبل الخوض في الروايات والأحاديث والإشارة إلى أسانيدها التي تتعلق بقضية الإمام المهدي لابد من القول بأنّ قضية الإمام المهدي مسألة عالمية قبل أن تكون مسألة إسلامية، أي أنّ مجتمعات الدنيا وشعوب الأرض، وكافة الشعوب والأمم والمجتمعات التي تعيش على سطح الكرة الأرضية كلها تؤمن بخروج المنقذ المصلح المحرر، الذي سيخرج في آخر الدنيا لتغيير مجرى حياة البشر لنشر العدالة الاجتماعية على وجه الأرض. فالمجتمعات العالمية _ مجتمعات الدنيا _ بكل فصائلها، بكل عقائدها، بكل قومياتها، بكل اتجاهاتها وأديانها كلها تؤمن وترى ضرورة خروج الإنسان المحرر المنقذ المصلح الذي سيخرج في آخر الدنيا.
فاليهود يؤمنون بخروج الإنسان المصلح، والمسيحيون يؤمنون بخروج الإنسان المنقذ والمحرر، حتى المجوس يعتقدون أنّه سيخرج رجل من أحفاد زرادشت هو الذي ينتشل الإنسانية من دمارها وهلاكها وويلاتها ومآسيها ويجعلها تعيش حياة حرة كريمة.
بل أكثر من هذا لو تركنا الأديان السماوية نرى حتى الماركسيين والكفار والملحدين يؤكدون على هذه الحقيقة، بأن الدنيا لابد لها من أن تنتهي في يوم من الأيام إلى شخصية قيادية تنشر ألوية الأمن والسلام على وجه الأرض.
هذه المجتمعات العالمية والأديان العالمية والعقائد العالمية سواء كانت سماوية أم أرضية، كلها تصب في هذا الجدول لتتحرك في هذا الاتجاه.
قد يسأل سائل يقول: إذن لماذا حوصرت هذه القضية وجعلت من مختصات الفكر الشيعي؟
هذا خطأ فاحش تلاعبت به السياسة التأريخية، تأريخياً سياسة الدولة الأموية والدولة العباسية والصراع المذهبي العنيف الذي حصل تأريخياً الصراع الذي كان قائماً على قدم وساق، الصراع الذي أريقت فيه الدماء، هو الذي حصر وحجّم قضية الإمام المهدي المنتظر في الإطار المذهبي الضيق، في الإطار الطائفي، وإلاّ فهي قضية إسلامية عامة كما سيمر علينا، قضية تسالمت عليها كافة المذاهب الإسلامية.
كل المذاهب الإسلامية تروي وترى أن الإمام المهدي المنتظر بشّر به رسول الله صلى الله عليه وآله قبل ألف وأربعمائة سنة، بما في هؤلاء الرواة ابن تيمية الذي يعتبر المعارض التقليدي للفكر الإمامي والروايات الإمامية، مع ذلك ابن تيمية يؤيد ويؤكد الروايات في الإمام المهدي، مستنداً إلى مسند أحمد بن حنبل وإلى صحيح الترمذي اللذين ذكرا روايات حول الإمام المهدي المنتظر، ويؤيدها ويؤمن بها ويدعو إليها.(٤٠)
أما إذا تسألني لماذا حُجّمت قضية الإمام المهدي المنتظر؟
لأنها تجعل عند الإنسان مربي، عند الإنسان المؤمن روح الوثبة والتطلع إلى الحياة الفضلى، إلى الحياة العادلة فتراه يدعو الله بهذا الدعاء: (اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة)، طبعاً هذا منطق لا يروق للأمويين، هذا منطق لا يروق لبني العباس الذين يريدون من الناس أن يعيشوا الخمول والكسل والخنوع والتسكع والذل.
وهكذا كل نمط من السلوك التربوي في مدرسة أهل البيت مرفوض عندهم، تربية أهل البيت الذين غلغلوا في أعماقنا وفي ضمائرنا وفي تربيتنا الفكرَ الثوري المتوثب الذي يقف بوجه الباطل، موقف التحدي وموقف الصراحة والجرأة.
لذلك حوصرت قضية الإمام المهدي هذه المحاصرة، وقُسّمت وحُجّمت هذا التحجيم على أنها من مختصات الفكر الشيعي، والحال أنها إسلامية عامة لا تخصّص للشيعة فيها أبداً.
نتعرف على بعض الشؤون والقضايا والروايات التي تتعلق بهذه المسألة بعد التعرف على البطاقة التأريخية _ إن صح التعبير _ للإمام المهدي.
الإمام محمد بن الحسن العسكري هو الإمام الثاني عشر من أئمة وأعلام مدرسة أهل البيت، ولد بسامراء في الخامس عشر من شهر شعبان سنة ٢٥٥ من الهجرة، ولما ولد الإمام سلام الله عليه وبلغ من العمر خمس سنين أو ست قبض أبوه الإمام الحسن العسكري ولحق بالرفيق الأعلى.
تحركت السلطة العباسية وكبست دار الإمام العسكري لإلقاء القبض على الإمام، فغيّبه الله عز وجل سبعين عاماً، التي هي الغيبة الصغرى.
خلال هذه الفترة كان الإمام يتصل بشيعته ومواليه من خلال السفراء والنواب الأربعة، إلى أن توفي السفير الرابع، ترك الإمام قاعدة عامة عندما سئل: لمن الرجوع بعدك يابن رسول الله؟ فحدد الإمام الشروط قال: (ارجعوا إلى رواة حديثنا)(٤١) من هم؟ قال: (فأما من كان من الفقهاء حافظاً لدينه صائناً لنفسه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه)(٤٢).
ماذا نستشف من هذه الشروط؟ طردياً وعكسياً؟
هذه الشروط التي من المفروض أن تتواجد في الفقيه هي: حفظ الدين، وصيانة النفس من الانحراف، ومخالفة الهوى، وطاعة الله عز وجل، وهذه كلها تتلخص بالتقوى، والتقوى معناها الانضباط أمام الله تعالى، أي أن الإنسان يكون منضبطاً في كل تصرفاته وسلوكه وأعماله أمام الله عز وجل، ويشعر بأن رقابة الله مسلطة عليه في الصغيرة والكبيرة، في كل حركة يتحركها، في كل كلمة يتلفظ بها، في كل حرف يسطره على الورق، في كل شيء، أنّ رقابة الله عز وجل تنظر إليه، هذه الملكة التي من المفروض أن تتوفر بالشخصية القيادية التي يرجع المجتمع إليها.
الجانب العكسي ماهو؟ عندما يقول الإمام المهدي: أما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه، إذن نستنج من مفهوم هذا الحديث أنه يوجد قسم من الفقهاء غير صائن لنفسه ولا حافظ لدينه، فقيه لكن ليس له دين، عنده علم وعنده فقه لكن ليس عنده ضوابط دينية، والمفروض أن العلم والدين توأمان لا يمكن الفصل بينهما، العلم إذا افتقر إلى العنصر الثاني يتحول إلى مأساة وكارثة على المجتمع، لذلك تلاحظ أن العلماء الموجودين في مختلف الحقول _ وليس شرطاً الحقل الديني _ فمثلاً عالم الذرة يمكن في كبسة زر أن يحرق الدنيا وما فيها، فلو كانت عنده الضوابط الدينية والعنصر الأخلاقي طبعاً يتورع ويقف عند الحدود دون فناء الإنسانية ودون تدمير البشرية.
كثير من القضايا الخاضعة للعلم تعود على المجتمع بالضرر، تعود على المجتمع بالكوارث عندما تفتقد إلى الضابط الديني وتفتقد إلى عنصر الإيمان.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى الفقيه، فليكن مشحوناً بالعلم لكن إذا لم يكن عنده دين وليس عنده تقوى وورع، هذا يتحول فعلاً إلى كارثة على المجتمع، ولذلك الإمام المهدي سلام الله عليه يقول: (أما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه...).
طبيعة الحياة أن الجاهل يرجع إلى العالم في كافة أبعاد المعرفة، وفي كافة حقول الحياة، كل متطلبات الدنيا، كل إنسان يجهل أي علم من العلوم يرجع إلى ذوي الاختصاص، يستفيد من خبرتهم، يستفيد من تخصصاتهم، يستفيد من علومهم..كذلك العلوم الدينية، ربطنا الإسلام بالواقع عن طريق أهل البيت بهذه الشخصيات التي هي المنابع الأصيلة للتشريع الإسلامي.
مصادر فكرة المهدي عليه السلام:
من بعد هذه اللمحة ابتدأت الغيبة الكبرى إلى أن يأذن الله عز وجل للإمام سلام الله عليه، يؤشر بعض الباحثين الاجتماعيين وخصوصاً بعض المستشرقين حول قضية الإمام المهدي المنتظر يقولون: إن منشأ الانتزاع لهذه القضية هو الحرمان والقهر، فإنّ بعض الشعوب وبعض المجتمعات تعيش حالة من الحرمان والقهر والاضطهاد واغتصاب الحقوق والسحق والإبادة، فتولدت عندها فكرة التطلع إلى المنقذ الذي سوف يعيد لها الكرامة المسلوبة والرغيف المفقود والحق المهدور، وتكون عندها التطلع إلى وجود الإنسان المنقذ والمصلح، نتيجة لحالة الحرمان التي عاشوها.
لذلك الشيعة عاشوا تأريخياً حالة من القهر وحالة من التمرد وحالة من الأذى والاضطهاد والتعسف، مما عمق عندهم الشعور بالألم والشعور بالمأساة، وتفتحت عندهم هذه الفكرة.
هؤلاء المتشرقون هكذا يحللون، طبعاً هذا ليس شيئاً غريباً على تصورنا وعلى أفهامنا، لأننا نعرف ونؤمن أن الشعوب المسحوقة تتطلع إلى الإنسان المنقذ والمخلص وهذا صحيح، لكن المصادر لوجود الإمام المهدي المنتظر والمنابع الأساسية لهذه القضية العقائدية المهمة في تأريخنا وفي عقيدتنا وفي وجودنا وفي مستقبلنا ليست هذه أسبابها، التي هي السحق والتدمير التأريخي الذي عاشته هذه الطائفة.
وإنما عندنا مصادر قضية الإمام المهدي المنتظر هي المنابع الأصيلة للإسلام المتمثلة بالقرآن والسنة الشريفة المقدسة.
القرآن الكريم:
هنالك حشد هائل من الآيات القرآنية جاء وفُسّر، فسّره أفذاذ العلماء بأنه يتعلق بالإمام المهدي سلام الله عليه:
بسم الله الرحمن الرحيم (ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) الإمام ومن يلتف حول الإمام (وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ).(٤٣)
بسم الله الرحمن الرحيم (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ).(٤٤)
بسم الله الرحمن الرحيم (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ومَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ).(٤٥)
هذه نماذج من الآيات التي نزلت، وذهب أكثر من مفسر من مفسري المسلمين إلى ارتباطها بقضية الإمام المنتظر.
هذا منبع وهذا مصدر من مصادر فكرة وجودالإمام المهدي.
السنّة النبوية:
لنلاحظ السنة النبوية المقدسة ماذا تقول؟
السنة النبوية الشريفة تقول: لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج قائمنا آل محمد صلى الله عليه وآله(٤٦).
والحديث الثاني: (سيخرج رجل من ولدي يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً).(٤٧)
هذا لم يتحقق عبر التأريخ، فإنه لم يحصل أنّ الأرض كلها ملئت بالقسط والعدل، هذا كلام لم يتحقق تأريخياً حتى في الصدر الإسلامي الأول، الأرض فيها قسم جور وقسم عدل، أمّا أنّ كل الكرة الأرضية تمتلئ بالعدالة الاجتماعية فهذا أمر مجهول، وهو من الغيبيات التي لابد لها أن تتحقق في آخر الدنيا.
هذه الروايات وهذه الأحاديث ترويها كافة الكتب الإسلامية بما فيها الصحاح الإسلامية، بما فيها الصحاح الستة إلاّ البخاري ومسلم.
البخاري ومسلم فقط يتخلفون عن رواية هذه الأحاديث بصراحة، إلا أنهما أشارا إليها فمثلاً يقولون: (وإمامكم يومئذ منكم)(٤٨)، عند خروج الدجال، يعني لا يحددونه.
فالاتفاق حاصل، لكن الاختلاف أن المذاهب الإسلامية الشقيقة تذهب إلى أن المهدي ربما يولد في المستقبل، ونحن نقول: ولد، ونحدد شخصيته بمحمد بن الحسن العسكري، الإمام الثاني عشر المولود سنة ٢٥٥ من الهجرة في سامراء بالضبط.
نحن عندنا تحديد لشخصية الإمام، والمذاهب الإسلامية تقول بأنّه مجهول وربما سيولد مستقبلاً. هذه هي نقطة الخلاف.
البخاري لا يروي هذه الأحاديث التي تتعلق بمسألة الإمام المهدي، مع العلم أن الصحاح الستة كلها تروي قضية الإمام المهدي، والأحاديث عن الإمام المهدي في الصحاح الستة الأخرى غير البخاري، وهذا يعني أن ذلك ليس شرطاً، لأن المسلمين يعملون بكثير من الأحكام الدينية وكثير من قضايا العقيدة ويمارسونها وهي غير مذكورة في البخاري، بمعنى أنّه ليس كل حكم ديني ولا كل قضية من قضايا العقيدة يجب أن تكون في البخاري، وإلا فتلك العقيدة تكون باطلة، لا توجد عند المسلمين هذه القاعدة وكل المذاهب الإسلامية ليس عندهم هذه القاعدة.
مبدئياً أقول لك: لا تتصور أننا نريد أن نتهجم على البخاري، بل بالعكس البخاري نعتبره صاحب كتاب مقدس ونحترمه غاية الاحترام، لأن البخاري روى أحاديث النبي صلى الله عليه وآله، لكن نحن عندنا ملاحظة واحدة، الملاحظة هي أنه ليس كل ما ورد عند البخاري هو صحيح، وليس فقط البخاري حتى الكافي للكليني، وهذا من كتبنا، وهو يعتبر مقابل البخاري عند أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى.
نحن عندنا قاعدة، وهي: (لا يوجد كتاب خالد إلا كتاب الله عز وجل القرآن الكريم) (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ(٤٩) كتاب الله محفوظ من الزيادة والنقيصة ومن الدس، أما الكتب الأخرى فيمكن أن يأتي عملاء _ مثلاًُ _ أو يأتي يهود يدسون في رواياتها الكثير.
ومن الذين اختلقوا الروايات ودسوها في تأريخنا الإسلامي كعب الأحبار ووهب بن منبه وسليمان بن مقاتل، هؤلاء كلهم يهود ودخلوا في الإسلام وأفكارهم اليهودية تعشعش في أدمغتهم، فدسوا في تأريخنا الكثير من الألغام اليهودية، فنحن لسنا مسؤولين.
كما أنّ عندنا قاعدة عن الأئمة: (ما وردكم عنا اعرضوه على كتاب الله وسنة رسوله، فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما خالف الكتاب والسنة فاضربوا به عرض الحائط)(٥٠) القاعدة المنطقية سواء البخاري أو الكليني أو أي كتاب من الكتب الإسلامية، عندنا مقياس وعندنا ميزان وعندنا مختبر، مختبر تحليلي، نأتي بالرواية نحللها في هذا المختبر ونرى النتيجة هي أنها رواية نظيفة أم رواية مزورة.
لابد من التحليل والتأكد من الروايات، لأن هذا أمر يتعلق بأهم شيء عند الإنسان، وهو جانب العقيدة.
ثم لا توجد قاعدة عند المسلمين أن البخاري يروي كل الروايات الإسلامية، فكثير من الروايات تستقى من مصادر أخرى، والحمد لله تأريخنا غني بكتب الأحاديث وبكتب الروايات، وعندنا ثروة هائلة وثروة كبيرة من المؤرخين المسلمين الآخرين بما فيهم أصحاب الصحاح الستة. فالمسلمون يستقون رواياتهم وأحاديثهم وأحكامهم وعقائدهم عن طريق كتب ومصادر ومنابع متعددة، ليس فقط البخاري.
ثم إنّا غير ملزمين بالإيمان بكل ما ورد في البخاري، وليس عندنا قاعدة فيه، لأنه كثير من الروايات واردة في صحيح البخاري ولا يمكن أن يؤمن بها إنسان مسلم، لأنها تصطدم اصطداماً مباشراً مع الخطوط العريضة للتشريع الإسلامي، فمثلاً توجد روايات تقول بالتجسيم، ويكفي مثالاً لذلك الرواية التي تقول: إن الله عز وجل في يوم القيامة يأتي بالعصاة والمذنبين فيدخلهم إلى جهنم وجبات، ويسأل جهنم: هل امتلأت تجيب وتقول له: هل من مزيد؟، ويأتي بوجبة أخرى ويقول: هل امتلأت؟ تقول: هل من مزيد؟ وكلما يضع فيها مجموعة من العصاة والمجرمين والمتمردين ويسألها: هل امتلأت؟ تقول: هل من مزيد؟ حينئذ ينزل الله فيمد رجله في جهنم حتى تمتلئ وتقول: قطني قطني حسبي لقد امتلأت. هذه رواية موجودة في البخاري.(٥١)
أولاً: ما هو الداعي لاشتراط امتلاء جهنم وعدم ترك جزء منها فارغاً، بحيث يجعل الباري رجله فيها ليملأها؟ ألا يكفي امتلاء نصفها مثلاً؟ ونحن نتمنى فعلاً أن جهنم لا تمتلئ، ويكون الناس كلهم اتقياءً وأخياراً حتى يذهبوا إلى الجنة ولا يذهبوا إلى جهنم.
ثانياً: إن تصوير أن الله عز وجل عنده رجل، وإذا كان عنده رجل يعني عنده يد، وإذا عنده يد يعني عنده رأس، إذا عنده رأس وعنده بطن عنده جسم، إذا عنده جسم يعني احتل حيزاً من الفراغ، وإذا احتل حيزاً من الفراغ معناه فرغ منه المكان الآخر والله لا يخلو منه مكان، ثم إن الله يقول في القرآن (لا تُدْرِكُهُ الأَْبْصارُ)(٥٢) والجسم تدركه الأبصار.
فتلاحظ أن هذه رواية تصطدم وتتنافى مع أبسط المبادئ والخطوط العريضة للتشريع الإسلامي.
أو ليس البخاري هو الذي يروي بأن ملك الموت نزل على نبي الله موسى فالتفت إليه نبي الله موسى قال له: جئتني زائراً أم قابضاً؟ قال: لا إني ليس لي زيارة خصوصية، إني ملك موكل بقبض الأرواح، إني أتيت لأقبض روحك، يقول البخاري: فرفع يده ولطم ملك الموت على وجهه لطمة رجع إلى ربه وهو أعور(٥٣).
وهذا يعني مهزلة من المهازل موجودة في كتاب مقدس وفي كتاب ضخم من كتب المسلمين، نحن نقول: يجب أن تُنقى كتب المسلمين من هكذا روايات.
وألفت نظرك إلى أن البخاري رجل مات وكتابه كان مسودةً لم يبيض، ومن بعد مماته بُيّض هذا الكتاب، فلعل كثيراً من الدس وكثيراً من الروايات الإسرائيلية دخلت هذا الكتاب.
والبخاري الذي يروي عن مروان بن الحكم ويروي عن عمران بن حطان، عمران بن حطان الذي يقول:

يا ضربة من تقي ما أراد بها * * * إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا!!

التقي يعني به عبد الرحمن بن ملجم المرادي لما ضرب علي بن أبي طالب، هذا يقول: تقرب إلى الله بضربة علي بن أبي طالب وبقتل علي بن أبي طالب، أي أنّ عبد الرحمن بن ملجم كان يتقرب إلى الله. فالبخاري يجعل هذا الرجل مصدراً من مصادر الرواية في صحيحه، وفي الوقت نفسه يستشكل ويقف موقفاً متشنجاً من الحسن والحسين عليهما السلام ومن الإمام الصادق ومن بيت النبوة ولا يروي عنهم رواية واحدة.

قضية أشبه بالمرزئة * * * هذا البخاري إمام الفئه
بالصادق الصديق ما احتج في * * * صحيحه واحتج بالمرجئه
مشكلة ذات عوار إلى * * * حيرة أرباب النهى ملجئه
وحق بيت يممته الورى * * * مغذة في السير أو مبطئه
إن الإمام الصادق المجتبى * * * لم يقترف في عمره سيئه
أجلّ من في عصره رتبة * * * بفضله الآي أتت منبئه
قلامة من ظفر إبهامه * * * تعدل من مثل البخاري مئه؟

نحن لا نتجنى على أحد، مع احترامنا وتقديرنا، ولا نهاجم أي أحد، نعتز بهؤلاء ولكن نناقشهم مناقشة علمية، ونضع أصابعنا على الرقم العلمي والتأريخي وعلى المصدر وعلى المنبع الأصيل، ومن كان عنده رد علمي ومنطقي بلا تهجم فليرد، فإننا مستعدون للإجابة وللإرشاد إلى عشرات المصادر التي تثبت قضية الإمام من المنابع الأصيلة، وقد ألف علماؤنا عشرات الكتب وجمعوا المصادر الموثوقة المتعددة المرقمة المستقاة من أمهات المصادر التأريخية في إثبات قضية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه.
إذن من بعد هذه الجولة يتضح لنا أن المنابع الأساسية ليست منابع اجتماعية وليست حالة السحق والحرمان في قضية الإمام المهدي، وإنما القرآن والسنة، القرآن الكريم بآياته والسنة النبوية الشريفة بأحاديثها هي التي أثبتت قضية الإمام المهدي المنتظر.
من بعد هذا لنلاحظ عندنا (خرافة) أخرى، عندنا أسطورة، وهي أسطورة السرداب، فإنهم يهرّجون بها علينا دائماً، إن الشيعة يقفون عند الغروب بباب السرداب في سامراء يلبسون الأكفان ويضعون لهم بغلة بباب السرداب ويشهرون السيوف ترقباً وانتظاراً لخروج صاحب الزمان من السرداب.
يقول شاعرهم:

أما آن للسرداب أن يلد الذي * * * صيرتموه بزعمكم إنسانا
فعلى عقولكم العفا إذ أنكم * * * ثلثتم العنقاء والغيلانا(٥٤)

على عقولنا العفى لأننا نتطلع إلى الحق، لأننا نرفض الباطل، لأننا نتصدى للمنكر..وأنتم عقولكم هي العقول العبقرية الخانعة الذليلة الخاضعة المتسكعة على أعتاب الجلادين، فعلى عقولكم العفى.
ما هي مسألة السرداب؟ قد تتعرض وقد تُسأل: أنكم تقولون إن البغلة يصعد عليها أو يركب عليها الإمام المهدي إذا خرج والسيوف بأيديكم تقاتلون بين يديه إذا خرج!!
فنحن نقول:
أوّلاً: لا أدري لماذا القول بالسيوف! ونحن نعلم بأن عقيدتنا متطوّرة ولا مانع فيها من أن يحارب الإمام المهدي عليه السلام بالمدفع والصاروخ وأشباههما. أمّا التعبير بالسيف في الأحاديث والروايات فهو ليس أكثر من كناية عن القوّة والسلاح، وإلاّ فليس من المعقول أن تقابل الدبابة والطائرة والصاروخ بالرمح والسيف.
فلا داعي لهذه الرجعية في التفكير، ولا يعبّر السيف في الروايات إلاّ عن القوة كما قال الشاعر:

السيف أصدق أنباءً من الكتب * * * في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب

فالمقصود به منطق القوّة والاقتدار، لا المعنى الحقيقي للسيف.
وثانياً: إنّ الشيعة الآن يعيشون على الأرض وهذه سامراء موجودة، نحن الآن لو أجرينا إحصائية مَنْ مِن الشيعة الإمامية يقف في باب السرداب ينتظر خروج الإمام المهدي؟!
يا أخي كل ما في الأمر أن البيوت العراقية قديماً وحديثاً _ إلى اليوم _ يبنون فيها سراديب وقاية من لهب الشمس المحرقة، فالناس _ خصوصاً سابقاً _ يعيشون في السرداب أثناء الجو الحار وقاية من حرارة الجو، ينزلون إلى السرداب، والذي يظهر أن هذا بيت الإمام العسكري كان فيه سرداب وأن الإمام سلام الله عليه كان يتعبد في هذا السرداب.
فالشيعة يأتون يتبركون بهذا المكان باعتباره كان محراباً للإمام سلام الله عليه، ثلاثة من الأئمة كانوا يتعبدون بهذا السرداب: الإمام الهادي والإمام العسكري والإمام المهدي، لأن الإمام الهادي لما جاء إلى سامراء كان عمر الإمام الحسن العسكري في سن الطفولة ونشأ وترعرع هناك، فكان يتعبد في هذا السرداب، الإمام المهدي كذلك، وهذا من تراثهم ومن آثارهم.
فهو محراب من محاريب عبادتهم نتبرك به، ليس أكثر من هذا وإلا نحن ليس عندنا أن الإمام سيخرج من السرداب، هذه أسطورة وخرافة اختلقها خصومنا وخصوم الإمام المهدي، وإلاّ فإن كل الروايات تجمع على أن خروج الإمام سلام الله عليه سيكون من مكة المعظمة.(٥٥)
سيخرج الإمام من مكة إذا أذن الله له بالخروج ويخرج ويلتف حوله أصحابه وعددهم كعدد أصحاب بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر.
وقد يسأل أحد: لماذا هذا العدد؟ يعني هذه الدنيا ليس فيها إلا هذا العدد من أنصار المهدي؟
فنقول: إن هؤلاء هم الشخصيات القيادية، أي كبار القادة والعسكريين الذين يتوزعون على الدنيا، والذين ينشرون العدالة الاجتماعية في الدنيا، أما أنصار الإمام المهدي فكلنا إن شاء الله أنصار المهدي، الدنيا كلها ستنصر الإمام المهدي، يخرج الإمام من مكة ويلتف حوله أصحابه ثم يأتي إلى المدينة لزيارة قبر جده رسول الله ويطوف حول القبر الشريف، من بعد ذلك يأتي إلى البقيع لزيارة قبر جدته الزهراء، بناءً على أن الزهراء دفنت في البقيع يأتي إلى البقيع ليزور قبر فاطمة وقبور أجداده المدفونين هناك.
بعد ذلك يأتي الإمام المهدي إلى النجف ويمضي إلى الكوفة ويدخل إلى مسجد الكوفة ويذهب إلى المحراب الذي سقط فيه جده أمير المؤمنين مخضباً بدمائه، بعد ذلك يقصد كربلاء ويخرج النداء من داخل القبر الشريف: إلى الآن يا ولدي يا آخذ الثار.
يقف الإمام ويمد يده ليستخرج عبد الله الرضيع والسهم مشكوك في نحره، يعرض الإمام المهدي هذه الظلامة للتأريخ وللدنيا وللمجتمع، ويقول لأصحابه: أصحابي ما ذنب هذا الرضيع حتى يذبح من الوريد إلى الوريد؟
إلهنا نسألك وندعوك بالزهراء وأبيها وبعلها وبنيها وفّقنا لما تحب وترضى... ادفع عنا بلاء الدنيا والآخرة.. اجعل كلمة الحق هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى..اقض حوائج المحتاجين.. منّ على مرضى المؤمنين بالشفاء والصحة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

* * *
الأيمان بالإمام المهدي عليه السلام
سماحة السيد علاء الموسوي
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الأول قبل الإحياء والإنشاء والآخر بعد فناء الأشياء، العليم الذي لا ينسى من ذكره ولا ينقص من شكره، ولا يخيب من دعاه ولا يقطع رجاء من رجاه.
والصلاة والسلام على أشرف بريته وخاتم رسله أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله وعلى آله الطيبين الطاهرين المنتجبين.
أوصيكم اخواني بتقوى الله، فإن التقوى خير الزاد ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
عظّم الله أجورنا وأجوركم في هذه المناسبة الأليمة، مناسبة شهادة الإمام الحادي عشر الحسن العسكري صلوات الله وسلامه عليه.
في مثل هذا اليوم تبدأ مرحلة جديدة في حياة الشيعة، بعد أن غاب عنهم آخر إمام ظاهر، وهو الإمام الحسن العسكري عليه السلام فالإمام العسكري عليه السلام هو آخر إمام ظاهر بين الشيعة كان يجلس ويستقبل ويتحدث إليهم ويستلم منهم الحقوق ويوجههم ويبين لهم الأحكام ويتعامل معهم بشكل طبيعي لم يكن يحتجب عنهم.
من مثل هذا اليوم تبدأ مرحلة جديدة في حياة التشيع والشيعة، إذ يغيب عنهم هذا الإمام المظلوم الذي استشهد بسم الحاكم في وقته، وتبدأ إمامة الإمام المهدي صلوات الله عليه، هذه الفترة والمرحلة الحساسة التي لا زلنا نعيشها.
مسألة الإيمان بالإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه لها جانبان:
الجانب الأول: الفكري العقائدي:
ويتضمّن إثبات النص على الإمام، إثبات إمامة الإمام، إثبات اسمه واسم أبيه وأنه من ولد فاطمة صلوات الله عليها، طول عمر الإمام، وإثبات إمكان أن عمره يمكن أن يطول كما طالت الأعمار سابقاً، كما طال عمر الخضر وأمثال الخضر، إثبات أو الحديث عن مقدمات ظهوره، الحديث عن أيام ظهوره.. وهكذا.
هذا الحديث في الواقع جانب تأريخي عقائدي، وقد تكفل بهذا الجانب مئات الكتب في الحديث عن هذه الجوانب، تكفل بذلك مئات الكتب والرسائل والبحوث التي كتبت حول الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه من الفريقين.
لا تتصور أن مسالة الإمام المهدي مسألة خاصة بنا نحن فقط الشيعة، فهذه المسالة مسألة عامة يمكن أن نجزم أنها مسألة بشرية عامة لا فقط إسلامية عامة، المسلمون جميعاً يعتقدون بها وكتبوا فيها، وعلماء المسلمين جميعاً كانت لهم مؤلفات ومصنفات حول هذا الإمام وحول ظروف غيبته وحول ظروف ظهوره وحول اسمه واسم أبيه وبقية التفاصيل عنه.
وهكذا يمكن تعميم المسألة إلى غير المسلمين، إذ نجد غير المسلمين من الطوائف الدينية أيضاً يعتقدون برجل يأتي في آخر الزمان لينشر العدل في الأرض غاية الأمر أنهم يختلفون عنا في تعيين اسم الرجل وفي تعيين المصدر الديني أو المنبع الديني للرجل هل هو مسلم أم غير مسلم، القضية هنا يكون فيها اختلاف، ليس أكثر.
وأما أصل المبدأ، الذي هو مبدأ وجود مصلح في آخر الزمان، فإنه مبدأ إنساني عام.
هذه المسألة من الجانب الأول، الجنبة الأولى هي مسالة عقائدية فكرية تأريخية تكفّل ببيانها مئات الكتب والرسائل والبحوث.
الجانب الثاني: الجانب الوجداني:
الجانب الوجداني ما معناه؟ كيف نتعامل مع هذه العقيدة مع هذه الفكرة بشكل يجعلها فاعلة في حياتنا كما نتعامل مع أي حقيقة أخرى فاعلة في الحياة؟
ونذكر _ من باب المثل _ مسألة المال، الأموال هذه الأداة التي سيستخدمها الإنسان في حياته، في كل تصرفاته وحركاته ومعاملاته، هذه مسألة فاعلة في الحياة، بمعنى أن لها تأثيراً فاعلاً جداً وقوياً جداً في الحياة، فلا تكاد تخلو معاملة من مال، ولا تكاد تخلو حركة من حركات الإنسان من هذه المسألة، وكثير من المشاكل التي تنشأ في الحياة منشؤها المال، فالنزاعات المالية والمشاكل والجرائم كثير منها ينشأ من المال، حتى الحروب الكبيرة تنشأ من المال.
إذن مسألة المال مسألة لها فاعلية، لها تأثير في حياة الإنسان، الإنسان يحمل همها وتؤرقه وتسهره، الإنسان إذا خسر لا ينام الليالي، تمر عليه ليالٍ طويلة لا ينام. فإذن المسألة مهمة جداً، داخلة في وجود الإنسان، تؤثر فيه.
هذا الذي نريد أن نقوله: كيف نجعل مسألة الإمام المهدي عليه السلام مسألة فاعلة في حياة الإنسان كفاعلية المال بل أكثر؟ كيف نتعامل مع الإمام الحي الغائب؟، هذا الإمام الذي يعيش بين أظهرنا يرانا ولا نراه، يرقب أفعالنا ويشهد علينا أمام الله، هو الإمام المسؤول عنا نحن جيل عصر الغيبة؟ هذا هو الإمام المسؤول عنا كيف نتعامل معه؟ هل نتعامل معه كغيب وفكرة من الأفكار؟
نعم ثبتت هذه الفكرة بالدلائل العلمية وبالبراهين الثابتة، ونعتقد بها، لكن لا نتجاوز هذه العقيده إلى أكثر من ذلك، هي فكرة من الكتب ونمر عليها بين مناسبة وأخرى ونتحدث عنها لا أكثر، هل نقف عند هذا الحد أم أننا نريد أن نتجاوز العقيدة إلى الاطمئنان..
إلى الاطمئنان القلبي وإلى جعل هذه الفكرة أمراً فاعلاً في حياتنا بحيث تسهرنا كما يسهرنا المال وتؤرقنا كما يؤرقنا المال وحب الولد وحب الدنيا، بل أكثر من ذلك، فالمفروض في المؤمن أن يبحث عن كيفية تفعيل هذه الفكرة في حياته وإنزالها إلى واقعه.
هناك _ في الواقع _ نقاط ومراحل علينا أن نفهمها جيداً حتى نصل إلى إمكانية هذه العملية..عملية تفعيل العقيدة في الحياة وجعلها أمراً فاعلاً في حياة الإنسان مشاركاً في قرارات الإنسان في حياته.
أولاً: يجب أن نعلم أن الإمام صلوات الله عليه حي يرزق، كثير منا يغفل عن ذلك..صحيح نحن نعتقد انه حي موجود لكن شعورنا بحياته يكاد يكون منعدماً أو ضعيفاً جداً، لا نشعر بأنه موجود، وهذه في الواقع مسألة تتعلق بالإيمان بالغيب (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)(٥٦)، الذي يؤمن بالغيب يستطيع أن يشعر بالغيب وإن لم يره بعينه الباصرة.
الإمام المهدي وإن كنّا لا نراه بهذه العين، لكن المفروض أن نراه بعين البصيرة، المفروض أن نعيش معه بالقلب.
الإمام حي يرزق يعيش بين أظهرنا ويحضر مواسمنا الرئيسية كمسلمين، يحضر الحج ويقف عرفة، لذلك الواقفون في عرفة في ذلك اليوم العظيم هم أقرب الناس إلى صاحب الأمر صلوات الله وسلامه عليه، لأنهم يقفون معه على صعيد واحد، في ذلك الصعيد صعيد عرفة(٥٧)، يحضر المواسم، يحضر زيارة الإمام الحسين عليه السلام في ليالي الجمع، وفي المواسم الرئيسية في الأربعين وغير الأربعين، ويحضر مجالس الشيعة، ويحضر محافل المسلمين، غاية الأمر أنك لا تراه، وكون الشخص لا يراه لا ينبغي أن يؤثر في عقيدته بأنه موجود وفي شعوره بوجوده، هذا الشعور ينبغي أن يتعمق بأنه موجود ومراقب، والرقابة هذه طبعاً ينبغي التنبيه على أنها ليس مثل أي رقابة أخرى، فرقابة الإمام المهدي علينا وشهادته على أعمالنا تختلف عن بقية الرقابات، فمثلاً أنت إذا دخلت إلى سوق ضخم مراقب بالكاميرات حتى لا يسرق أحد وأنت تعلم حينما تدخل إلى ذلك السوق بأنك مراقب فتكون حذراً، لكن هذا الحذر في الواقع حذر سلبي بمعنى أنّك تشعر أن الذي يراقبك يريد أن يمسك عليك عثرة لكي يجازيك ويأخذ منك الحق.
أما رقابة الإمام المهدي علينا فهي رقابة من نوع آخر، رقابة المحب، ورقابة الرؤوف، ورقابة الأب الذي يرقب أولاده ورعيته، يرقبهم كيف يكبرون وكيف يتكاملون وكيف يسيرون في هذه الحياة، رقابة من نوع آخر ليس رقابة إنسان مترصد للعيوب إنما رقابة أب رحيم يريد لنا الصلاح ويريد لنا التسديد، رقابة من يرفع يده دائماً في الدعاء لنا ليلاً ونهاراً أن يسددنا الله عز وجل وأن يحفظنا وأن يوفقنا للطاعة وأن يثبتنا على الإيمان..الإمام في دعاء دائم لشيعته بل لكافة المسلمين.
فإذن هذا هو الأمر الأول، ينبغي أن نشعر بالرقابة وأن الإمام عينه مفتوحة علينا دائماً وأنه حي يرزق بين أظهرنا(٥٨).
ثانياً: ينبغي أن نعتقد أن وجوده صلوات الله وسلامه عليه هو سبب بقائنا واستمرار بقائنا، وهو البركات التي تحل بنا، فهو الواسطة بين الله تبارك وتعالى وبيننا في إيصال كل خير، وجودنا رهين بوجوده، البركات والنعم التي نتمتع بها رهينة بدعائه ورهينة برضاه، هذه مسالة أخرى.
وهو أيضاً يمكن تسميته بالمنعم، لأنه واسطة في النعمة، والمنعم الأول والأصيل هو الله تبارك وتعالى، والواسطة في هذه النعمة الإمام المهدي عجل الله فرجه فهو أيضاً منعم بدرجة من الدرجات، فينبغي النظر إليه نظر الامتنان والشكر.
ثالثاً: ينبغي أن نعلم ونتيقن أن رضى الله تبارك وتعالى مرهون برضاه صلوات الله عليه، فإذا لم يرض عنك إمامك اعلم أن الله غير راض عنك، لا يمكن لأحد أن يصل إلى رضى الله عز وجل إلا عن هذا الطريق، الطريق الذي عينه الله تبارك وتعالى، وهو الإمام الحاضر، والحجة الحاضر هو الإمام المهدي صلوات الله عليه.
إذن يجب أن يرضى عنك فإذا علمت أن رضى الله مرهون برضاه ومربوط برضاه حينئذ الموقف بلا شك سوف يتغير ويتبدل.
مجموع هذه الأمور إذا نضجت في الذهن:
إذا علمنا إن الإمام حي يرزق وشاعر بنا تماماً، يحيط بكل ما نفعل وما نقول، يراقبنا مراقبة الأب الرحيم بأولاده يدعو لنا ليلاً ونهاراً.
وعلمنا أن بقاءنا مرهون بوجوده.
ثم علمنا أن رضى الله مرهون برضاه.
كل ذلك يؤدي إلى هذا الشعور الناضج المتكامل في أننا نعتبر الإمام فاعلاً في حياتنا ومؤثراً في اتخاذ القرار، كما نفكر في أي مسألة حيوية في الحياة ونقلق من أجلها ونفكر بها ونعتبرها دائماً هاجساً يومياً لنا، فكذلك سنفكر بالإمام المهدي عليه السلام وسنعيش معه وسننتظره.
الانتظار:
هنا ننتقل إلى الانتظار بعد هذه المقدمة، ويتضح أو يقترب معنى الانتظار إلى الذهن، انتظار الإمام صلوات الله وسلامه عليه، ماذا يعني حينئذ؟ يعني انتظار الفضائل، شمس الفضائل التي غاب قرصها عن العالم، وينتظر كل البشر هذا القرص أن يظهر من جديد فيشع على البشرية كمالاً وعقلاً وروحاً متكاملة وسعادة، هذه الشمس التي غربت فغرب معها كل خير وغرب معها العقل الكامل.
الآن _ في الواقع _ من أكبر ما يعانيه البشر ضعف العقل، العقل الإنساني لا يستخدم في هذه الدنيا استخداماً كاملاً وتاماً، لا نستخدم نحن من عقولنا إلاّ نسبة ضئيلة جداً..من الذي يفجر هذه الطاقات؟ ومن الذي إذا ظهر مسح على رؤوس الخلائق فتكمل عقولهم؟ هو الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه.
وبلا شك إن الرواية أنه إذا ظهر يمسح بيده على رؤوس الخلائق فتكتمل عقولهم.(٥٩) لا شك إن هذا لا يعني أن الناس _ مثلاً _ يمرون أمام الإمام والإمام يمسح على رؤوسهم، ليس هذا هو المقصود، بل المقصود وجود الإمام، والتعبير بـ (يد الإمام) يعني سيطرة الإمام وهيمنة الإمام على الناس ورعايته للناس الفكرية والروحية، هذه ببركتها تكتمل عقول الناس تربية وتعليماً وترقية، مع عنايات إلهية طبعاً، مع معجزة وكرامة بلا شك.
فإذن الإمام انتظاره يعني انتظار الكمال الإنساني، انتظاره يعني انتظار فرج الناس جميعاً، انتظاره يعني انتظار السعادة التي ترتقب البشر والتي ينتظرها البشر ويرنو إليها البشر جميعاً.
وعلى ذلك حينما نأتي إلى الروايات التي تتحدث عن الانتظار:
عن النبي صلى الله عليه وآله: (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج)(٦٠) أفضل الأعمال.. مع هذه المقدمات وهذا البيان لعله يتضح أن الانتظار المقصود به في الرواية ماذا؟ الانتظار الذي يعني أنك تنتظر الكمال وتتهيأ له، هناك مثل بسيط اضربه للتوضيح: إذا أخبرت أن شخصية مرموقة بارزة سيزورك في دارك في منزلك، ماذا ستفعل؟ بلا شك أنك ستهيئ نفسك ودارك وأهلك وأولادك وكل ما في وجودك تهيئه لانتظار هذه الشخصية العظيمة المحترمة، فتدخل إلى الدار وتحاول أن ترتبها من جديد، وإذا كان أثاثها قديماً تبدل الأثاث إلى أثاث أفضل، وإذا كانت تحتاج إلى صبغ الجدران تصبغ الجدران حتى تبدو زاهية ناصعة، وإذا كان فيها أشياء لا تليق من قبيل وجود تماثيل مثلاً فيها أو صور غير مناسبة أو غير ذلك أنت سوف تستقبل مرجعاً، المفروض أن يدخل ذلك الإنسان وينظر إلى الأشياء كما يناسبه إلى ما يسره ويفرحه، فأنت سوف تزيل كل ما من شأنه أن يزعج هذا الضيف الكريم، وسوف ترتب دارك على طبق ما يحب ذلك الزائر، وسوف ترتب الوجبة التي هو يحبها والأجواء التي هو يريدها حتى تكون قد استقبلت ذلك الضيف الكبير بشكل لائق.
هنا نحن بانتظار الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه، انتظاره ماذا يعني؟! انتظاره يعني أن نهيئ أنفسنا وحياتنا لاستقباله، وبلا شك أن الإمام المهدي هناك خصوصية فيه، وهي أنّه حينما يظهر هو مطلع على السرائر ولا يستطيع أحد أن يخفي سريرته على الإمام(٦١)، ويتعامل مع الناس أيضاً بشكل خاص، فيسير بهم بسيرة داوود.
فعلى هذا إذا ظهر الإمام ولم أكن قد هيأت قلبي ونفسي لاستقباله كيف أكون منتظراً له؟! كيف يهيئ الإنسان نفسه؟
يطهّر هذا القلب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ويزكي نفسه، ويخلص نفسه من الأمراض النفسية والشوائب والحقد وحب الدنيا والحسد والبغضاء، فكل هذه الصفات ينبغي أن يطهر الإنسان نفسه منها، وإلا إذا ظهر الإمام واطلع على قلبه بلا شك لن يكون عنده مرضياً، يعني في أحسن الأحوال لم يكن معتبراً عنده، هذا إذا لم يتعرض للعقوبة.
وهكذا الحياة من حولنا، فينبغي أن نهيئ ما حولنا بعد تهيئة النفس نهيّء ما حولنا للإمام، أن تكون حياتنا مهيأة لاستقباله، حياة طاعة حياة طهارة، أن نهيئ أولادنا للإمام.
فالإنسان الذي يهمل أولاده ويترك ابنه ضحية وفريسة للتلفزيون والفضائيات وأمثال ذلك هل يمكن لهذا أن يكون منتظراً؟ كيف يخرج الإمام وكيف ينظر إلى ولده حين ذاك؟ هل تريد أن تقدم للإمام هدية بهذا الشكل؟ نحن نحاول دائماً أن نكون نحن وأبناؤنا وذرارينا جنداً مجندةً للإمام عليه السلام.
فإذا أردت أن تقدم جندياً إلى الإمام تقدمه بهذا الشكل ولد يكبر على التلفزيون والفضائيات ولا يعرف من دينه شيئاً، ولا يعرف من أحكام دينه شيئاً عقائده غير واضحة وسلوكه غير مستقيم.. هكذا يريد منا الإمام؟ إن هذا ليس بانتظار.
الانتظار الصحيح بمفهومه الذي يطرح هنا في هذا الحديث (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج) أن تتهيأ، أولاً تهيئ نفسك ثم تهيئ ما حولك..أولادك وعائلتك وبيتك ومجتمعك، وتحاول أن تكون في كل ذلك مرتقباً للإمام ناظراً إلى ذلك اليوم السعيد الذي يظهر فيه فيراك على أحسن أهبة فتكتمل السعادة.
تصور حالة المؤمن إذا ظهر الإمام وأهمله كم تكون المصيبة عظيمة، إذا ظهر الإمام وأعرض عنك وأشاح بوجهه عنك، لماذا؟ لأنك لم تفعل كذا لم تزكّ أموالك ولم تخمس، فالإمام لا يدخل بيتاً غير مخمس، ولا يجلس إلى سفرة فيها طعام حرام، ولا ينظر إلى وجه ولا يزكي أحداً انغمس في المحرمات.
نحن منتظرون للإمام، ينبغي أن نكون قد هيأنا أنفسنا لذلك اليوم لتكتمل السعادة، كم هي سعادة المؤمن حينما يظهر إمامه وسيده وحجة الله عليه ابن رسول الله يظهر فيستقبلنا بوجه ضحوك ويستقبلنا بذراع مفتوحة، حينذاك تكتمل الفرحة، حينذاك يشعر الإنسان المؤمن بأنه نجح في الامتحان وأنه عبر مرحلة الانتظار إلى النجاح.
ثم قد تقول: إننا قد نموت قبل أن يظهر الإمام، أقول: نعم الروايات تؤكد أن من مات منتظراً للإمام على هذه الهيئة في الانتظار للاستعداد التام في النفس وفي ما حول الإنسان كتب في معسكر الإمام.
الرواية تقول: (ما ضرّ من مات منتظراً لأمرنا أن لا يموت في وسط فسطاط القائم)(٦٢) أي أنه لو مات وهو في وسط العسكر لما كان أحسن حالاً منه وقد مات منتظراً.
الانتظار في حد ذاته رتبة يحصل عليها الإنسان، جائزة يحصل عليها الإنسان، سواء أدرك الظهور أو لم يدرك. ثم هناك روايات أخرى تقول أن من مات منتظراً مترقباً للإمام قد يظهر مع الإمام في الرجعة(٦٣)، يرجع مع الإمام ويظفر بتلك المرتبة العظيمة في نصرة الإمام المهدي صلوات الله وسلامه عليه.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا لرضاه، وأن يوفقنا لتتبع هداه، وأن يعجل فرجه ويسهل مخرجه، ويجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه.

والحمد لله رب العالمين

* * *
إثبات ظهور المهدي عليه السلام وغيبته
سماحة السيد منير الخباز
بسم الله الرحمن الرحيم

صلى الله وسلم عليك يا رسول الله وعلى أهل بيتك المعصومين المنتجبين المظلومين، لعن الله الظالمين لكم من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.
ورد عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: (إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وقد أنبأني اللطيف الخبير بأنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفونني فيهما)(٦٤)، صدق الرسول الكريم.
ذكرنا في الليلة السابقة أن حديث الثقلين يدل على قضية الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه باعتبار أن حديث الثقلين يصرح بأنّ العترة والكتاب لا يتفارقان أبداً إلى يوم القيامة: (وقد أنبأني اللطيف الخبير بأنهما لن يفترقا)، يعني القرآن وأهل البيت، (حتى يردا عليّ الحوض)، القرآن لا يفترق عن أهل البيت وأهل البيت لا يفترقون عن القرآن إلى يوم القيامة.
وهذا معناه أنه في كل زمان يوجد القرآن لابد من وجود رجل من أهل البيت في ذلك الزمان مع القرآن الكريم.
الحديث عن الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه من خلال حديث الثقلين يتم في ثلاث نقاط:
الأولى: ظهوره وغيبته:
ذكرنا في عدة ليالٍ سابقة أن مسألة ظهور الإمام أمر مسلّم به بين جميع المسلمين، لا أحد ينكر أن هناك إماماً يظهر آخر الزمان يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، هذا لا ينكره أحد من المسلمين، فجميع المسلمين شيعةً وسنة يسلمون أن آخر الزمان يظهر إمام يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
وهذا ليس فيه خلاف، وذلك لدلالة القرآن والحديث النبوي على ذلك:
القرآن الكريم يقول: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(٦٥).
يعني لابد أن يظهر الدين الإسلامي على جميع الأديان في يوم من الأيام (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) لابد في يوم من الأيام تمتد الدعوة الإسلامية ويمتد النداء الإسلامي إلى جميع أرجاء الأرض وتظهر راية الإسلام خفاقة على جميع الرايات.
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ)(٦٦).
يعني يرثون الأرض، أي أنهم آخر من يحكم الأرض، هذا معنى الوارثين، والمستضعفون هم المسلمون طبعاً، المسلمون هم الوارثون.
إذن لابد من دولة إسلامية تعم أرجاء الأرض في آخر الزمان، حسب صريح القرآن الكريم، وهذا أمر مسلم به ليس فيه شك.
كذلك ورد عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله أنه قال _ في مستدرك الصحيحين _: (لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلماً وجوراً، فيخرج رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً).(٦٧)
وفي كنز العمال: (لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من أهل بيتي من ولد فاطمة فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً).(٦٨)
كذلك أيضاً ينقل ابن حجر وذخائر العقبى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه ضرب بيده على كتف الحسين عليه السلام وقال: (من ظهر هذا، أو من صلب هذا، أو من ولد هذا _ حسب اختلاف الروايات _ مهدي هذه الأمة يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً).(٦٩)
مسألة ظهوره ليس فيها نقاش، إنما الكلام في غيبة الإمام فإنّ الشيعة الإمامية تعتقد أن الإمام ولد وهو غائب ويخرج يوماً من الأيام إذا أذن الله له بالخروج، وغيرهم من المسلمين يقولون: الإمام إلى الآن لم يولد وأنه يولد آخر الزمان ويخرج، فالخلاف في هذه النقطة، في الغيبة، هل أنه يولد آخر الزمان ويخرج، أي هل أنه ولد وهو غائب، أم لا؟
نحن الشيعة الأمامية نقول: نعم ولد وهو غائب، لماذا؟
أولاً: الدليل التأريخي ساعدنا، يعني أنت عندما تقرأ الآن كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان(٧٠)، أو تقرأ كتاب مطالب السؤول لمحمد بن طلحة الشافعي أو مثلاً تذكرة خواص الأمة لسبط ابن الجوزي، كلهم ينصون على أن الإمام الحسن العسكري عليه السلام أنجب ولداً اسمه محمد، ولد وغاب عن الأنظار، ويذكر صاحب وفيات الأعيان وغيره: وهو حي يرزق، وهذه كتب أهل السنة تنص تأريخياً على اسمه محمد ابن الإمام الحسن العسكري ولد وغاب، وهذه كتب تأريخية تنص على ذلك.
ثانياً: من جانب آخر الأحاديث تؤيد وجود الإمام، فقد ورد عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: (لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة ويقوم فيكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)(٧١)، وقلنا: إن هذا الحديث يدل على أن الأئمة متواصلين إلى يوم القيامة بمعنى أنه لا تمر فترة على الأمة الإسلامية بدون إمام، فإن هذا مستحيل (لا يزال الدين قائماً _ كما رواه البخاري _ حتى تقوم الساعة ويكون فيكم اثنا عشر أميراً أو اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)، فلا تأتي فترة على الأمة أو زمان على الأمة الإسلامية خالية من وجود الإمام.. مستحيل!!
وهذا ما أكده الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله في حديث آخر، كما رواه صحيح مسلم: (من لم يعرف إمام زمانه ومات مات ميتة جاهلية).(٧٢)

لكل زمان إمام، كل زمان يمر على الأمة الإسلامية يوجد فيه إمام، أنت تسأل أي أحد مسلم قل له: من إمامك الذي هو إمام هذا الزمان؟ هل يوجد أحد يجرؤ ويتجاسر ويدعي أنه إمام الزمان؟ لا يوجد أحد يقول: أنا إمام الزمان، شرقاً وغرباً لا يمكن أن تنسب هذه الدعوى إلا للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه.
الحديث يؤكد وجود إمام للزمان كله، ولا يوجد مسلم معد ومهيأ لأن يدعي هذه الدعوى إلا الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه.
نأتي إلى حديث الثقلين الذي ذكرناه: (وقد أنبأني اللطيف الخبير بأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)، إذن لابد لكل زمان من إمام والإمام باقٍ إلى يوم خروجه.
والدليل التأريخي _ كما ذكرنا _ ساعدنا أن هذا الإمام الغائب، هذا الإمام الموجود هو محمد بن الحسن المهدي عجل الله تعالى فرجه.
ومسألة استبعاد غيبة الإمام بأنه كيف يغيب هذه المئات من السنين، ويعيش هذه المئات من السنين؟ فهذه المسألة واضحة الدفع بعيسى بن مريم، فإن جميع المسلمين يقرون أن عيسى بن مريم لم يمت مازال حياً (وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)(٧٣) وفي آية أخرى (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ)(٧٤) وما زال حياً ويظهر آخر الزمان، ونحن طبعاً بحسب روايات الشيعة نؤكّد أن عيسى بن مريم يأتم بالإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه ويصلي خلف الإمام في بيت المقدس.
إذا كان يمكن أن يبقى عيسى بن مريم متمتعاً بصحة وعافية هذه السنين، وهذه المئات من السنين، فأي مانع يمنع من بقاء الإمام المنتظر هذه المئات من السنين بصحة وعافية مهيأ لذلك اليوم العظيم، وهو يوم خروجه؟
إذا صح ذلك في عيسى بن مريم صح في الإمام المنتظر ولا يوجد مانع.
الثانية: دوافع الغيبة:
لماذا الإمام غائب؟ لماذا لا يظهر؟ نفترض أن الإمام ولد والآن غائب، البشرية بلا شك تحتاج إلى وجود إمام معصوم يبلغ الأحكام الواقعية ويقيم العدل ويقيم القسط ويرشد الأمة الإسلامية إلى خيرها.
الأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى وجود الإمام، فلماذا لا يظهر الإمام؟ لماذا الإمام ما زال غائباً ولا يظهر؟ ما هو الدافع وما هو الداعي لغيبته وعدم ظهوره؟ الآن هذا سؤال يطرحه الكثير من الاخوة السنة وغيرهم.
نحن نذكر هنا جوابين أو وجهين:
الوجه الأول: ما طرحه علماؤنا من أن البشرية لابد أن تمر بتجربة مريرة تتهيأ فيها لدولة الإمام عليه السلام، كيف تتهيأ لدولة الإمام؟ خروج الإمام في هذه الظروف غير نافع، يعني لا توجد له الأرضية المهيأة للدولة الآن.
فمثلاً علماؤنا يقولون بأن الزمن والظروف التي عاش فيها الإمام علي عليه السلام ما كانت تتحمل دولة الإمام علي، أي أنّ دولة الإمام علي كانت أكبر من الظروف التي عاشتها، فإنّ العقلية والتجربة البشرية آنذاك ما كانت في مستوى وعي حكم الإمام علي عليه السلام وما كانت في مستوى إدراك حكم الإمام علي عليه السلام وبالتالي لم يستقر حكم الإمام علي أكثر من خمس سنوات وكلها حروب ودماء واختلافات واضطرابات بين المسلمين، نتيجة أن التجربة البشرية ما كانت في مستوى حكم الإمام عليه السلام.
طبعاً، صحيح أن الإمام نصبه الرسول صلى الله عليه وآله خليفة على المسلمين لكن لما أُبعدت الخلافة عنه خمساً وعشرين سنة جعلت الظروف غير مهيأة، وجعلت الظروف ليست في مستوى حكم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.
نقول الآن: إذا الإمام المنتظر يريد أن يقيم الدولة العادلة والدولة العامة الشاملة على أرجاء الأرض، ألا يحتاج إلى أرضية مهيأة؟ الجواب: نعم بلا إشكال.
إذا كان الإمام يريد أن يقيم الدولة الإسلامية العامة على جميع بقاع الأرض (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(٧٥) إقامة الدولة الإسلامية العامة تحتاج إلى أن البشر يستقبلون الإسلام، تحتاج إلى أن البشر يكونون مهيئين نفسياً وذهنياً لقبول الإسلام ولاعتناق الإسلام ولتلقي الإسلام، ولأن يكونوا عوناً للإسلام.
فالإمام وإن كان يحارب المرتدين ويحارب الكافرين ويحارب الظالمين، لكن لا يفني البشر كلهم، بل لابد من وجود أرضية بشرية مهيأة نفسياً وثقافياً لدولة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه.
وهذا كيف يتم؟ طبعاً يتم بأن البشرية تعيش التجربة المرّة وتمر البشرية بتجربة مرّة، فتجرب سائر الأنظمة وسائر الحضارات وسائر القوى وسائر الأجهزة إلى أن تيأس البشرية من كثرة المشاكل الاقتصادية ومن كثرة الحروب ومن كثرة الفتن ومن كثرة الويلات التي تمر بها، إلى أن تتهيأ نفسياً بكل انتظار وبكل شوق وبكل إِلحاح إلى أن الخلاص الوحيد والعلاج الوحيد لها كلها هو الإسلام، وتؤمن البشرية وقد جربت أنظمة مختلفة من رأسمالية وشيوعية واشتراكية وأنظمة أخرى وحضارات مختلفة وحضارات متباينة، نعم وأجهزة مختلفة ومتعددة، وترى فشل الجميع وعدم كفائتها.
وطبعاً تزداد المشاكل البشرية يوماً بعد يوم، تزداد نسب المجاعة ونسب الفقر ونسب الحروب ونسب الفتن ونسب القلاقل ونسب الاضطرابات يوماً بعد يوم، إلى أن تصل البشرية إلى أن لا مخلص إلاّ الإسلام ولا علاج إلا الإسلام ولا حلّ إلا الإسلام ولا كافل لسائر المشاكل إلا الإسلام.
إذا تهيأت البشرية إلى الإسلام وإلى نظام الإسلام كحل وكعلاج كان ظرفاً مهيأً ومناسباً لخروج الإمام عجل الله تعالى فرجه فيخرج والبشرية تحت رايته لأنها راية الإسلام الذي هو الحل الوحيد لسائر المشاكل المادية والاقتصادية والأمنية.
وهذا ما تؤكد عليه النصوص التي تذكر أنه يخرج بعد ما ملئت الأرض ظلماً وجوراً، والرسول لا يكذب، وهذا ليس معناه أن كل بقعة بقعة ستمتلئ ولكن أغلب بقاع العالم هكذا (تملأ الأرض ظلماً وجوراً فيخرج رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً).
فلابد للبشرية أن تخوض هذه التجربة المريرة التي تهيئها لقبول دولة الإمام ولقبول صوت الإمام سلام الله عليه.
الوجه الثاني: السيد محمد باقر الصدر رحمه الله يذكر أن غيبة الإمام نافعة حتى للإمام نفسه، فضلاً عن البشرية، والرأي يختص به لا يطرحه غيره من العلماء.
يقول: كل دور يحتاج إلى كفاءة مناسبة للدور، فمثلاً موسى بن عمران متى بُعث رسولاً؟ لما بلغ أربعين سنة والقرآن الكريم يقول: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى)(٧٦) يعني أصبح عقله ناضجاً وخبرته ناضجة ورجولته كاملة.. (آتَيْناهُ حُكْماً وعِلْماً) الدور كان يحتاج إلى هذا النوع من الكفاءة، يعني ما كان يمكن لموسى بن عمران أن يقوم بدوره كرسول إلا بعد هذا السن وبعد هذه التجربة.(٧٧)
نأتي إلى النبي الأعظم صلى الله عليه وآله بعث وعمره أربعون سنة، هو نبي منذ ولادته، وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله كما في كتاب تفسير الرازي: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين).(٧٨)
الله تبارك وتعالى خلق النبي نوراً قبل أن يخلق آدم وأعطاه النبوة قبل أن يخلق آدم، نور يجتبى بالنبوة والعصمة والطهارة قبل خلق آدم.
ولقد ورد عنه صلى الله عليه وآله: (إن الله خلق نوري ونور علي قبل أن يخلق آدم بألفي عام)(٧٩)، كما ورد عنه صلى الله عليه وآله: (كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)(٨٠).
إذن هو نبي منذ ولادته، فلماذا لم يبعث إلا وعمره أربعين سنة؟ لأنه ما بعث بالدعوة وإن كان نبياً إلا بعد أربعين سنة، والتجربة الإسلامية تقتضي تهيئته كقائد تنقاد له النفوس وتذعن له القلوب وتلتف حول رايته وتؤمن بخبرته وتؤمن بنضجه وتؤمن بفكره، ويحتاج إلى أن يمر بهذا السن، ويحتاج إلى أن يمر بهذه التجربة، ويحتاج إلى أن يمر بهذا الحد المعين فيتهيأ لقيادة الأمة آنذاك، فالدور يحتاج إلى هذا الاستعداد.
بالنسبة للإمام المنتظر، السيد الصدر _ وهذا رأي يختص به ولعله غريب على الناس _ يقول: إنّ الدور الذي يقوم به الإمام المنتظر ليس دوراً عادياً، لم يقم به نبي ولا رسول، إقامة دولة إسلامية على جميع بقاع الأرض، هذا الدور الذي هو إقامة دولة إسلامية على جميع بقاع الأرض، وكما في بعض الروايات تستمر هذه الدولة أربعين سنة(٨١)، إقامة دولة على جميع بقاع الأرض ولمدة أربعين سنة دور عملاق ما قام به أحد قبله لا من الأنبياء ولا من الرسل ولا من الأوصياء.
إذن يحتاج هذا الدور إلى كفاءة تتناسب مع الدور نفسه، فإنّ ضخامة الدور تقتضي ضخامة الكفاءة وضخامة الاستعداد، كلما كان الدور عظيماً احتاج إلى عظمة في الكفاءة أكثر، وكلما كان الدور أكبر احتاج إلى كفاءات أكبر واستعدادات أكبر، والإمام المنتظر يقوم بدور ما قام به أحد، وهو إقامة دولة إسلامية عامة على جميع بقاع الأرض، وهذا يحتاج إلى إعداد وخبرة تتناسب مع الدور تماماً.
وهذا يحتاج إلى شخص عاصر جميع الحضارات وعاصر جميع المجتمعات وعاصر جميع الأنظمة وعاصر جميع الدول، لأنه إذا عاصر جميع المجتمعات تعرف على جميع الأهواء وعلى جميع الشهوات وعلى جميع أنواع الميول وإذا عاصر جميع الأنظمة تعرف على نقاط الضعف ونقاط القوة في كل نظام، وإذا عاصر جميع الحضارات تعرف على عوامل البقاء وعوامل الفناء في كل حضارة معاصرة، فجميع الحضارات معاصرة وجميع الأنظمة معاصرة وجميع المجتمعات معاصرة، وجميع الأزمنة التي تمر على البشرية تكسب هذا الشخص الذي يعاصرها قدراً كاملاً في الخبرة بما تحتاج إليه الدولة الإسلامية العامة على جميع وجه الأرض.
جميع نقاط الضعف والقوة في المجتمعات وفي الحضارات وفي الأنظمة وفي أجهزة الحكم حاصلة لديه، لأنه عاصر الجميع وجرّب الجميع فوصل إلى الإعداد الكافي للقيام بدوره كقائد عام وكقائد لدولة إسلامية عامة.
طبعاً يأتي الإنسان هنا يتساءل: هل الإمام قبلاً لا يعرف؟ وهل هو قابل للتعلم؟ أي أنه كلما عاش يتعلم أكثر، هل الإمام هكذا!! صحيح الإنسان البشر العادي كلما يعيش يزداد معرفة وخبرة وينضج ويتكامل، لكن كإمام معصوم هل الإمام كذلك؟! يعني يحتاج إلى أن يعيش فترة طويلة من الزمن يكتسب فيها خبرات ومعارف وثقافات؟ هل الإمام المعصوم كذلك؟
السيد الصدر يجيب عن هذا السؤال يقول: عندنا فرق بين العلم وبين الخبرة، العلم أمر نظري والخبرة أمر تطبيقي، والأمر التطبيقي يحتاج إليه الإمام كأي إنسان آخر، فمثلاً الطبيب عنده معلومات نظرية بحتة، فإنه عندما يبدأ يفتح عيادة ويعالج المرضى تلك المعلومات النظرية تظهر للوجود فيبدأ يطبقها أثناء عيادته وأثناء علاجه، هذا الطبييب بعد تطبيقه للمعلومات الطبية النظرية ماذا يحصل؟ يحصل على أنه كان عنده علم نظري والآن تحول إلى خبرة، وفرق بين الخبرة والعلم النظري، هذا كان منذ دراسته إلى أن انتهى إلى مستوى معين يحمل معلومات نظرية، الآن عندما بدأ بتطبيقها تحول إلى خبرة فالخبرة غير المعلومات النظرية.
مثال أوضح: النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، انظر هذه الآية من القرآن الكريم _ وهذه الآية كثير من اخواننا أهل السنة يركزون عليها _ القرآن الكريم يقول في حق النبي صلى الله عليه وآله: (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلاَ الإِْيمانُ)(٨٢) فأهل السنة يقولون: انظروا النبي قبل البعثة ما كان يعلم شيئاً، لأن الآية تقول: (ما كُنْتَ تَدْرِي...). يعني قبل الوحي أنت لا تعلم شيئاً حتى الإيمان ما كنت تدري ما هو، فكان النبي مثل الناس، (مَا الْكِتابُ) يعني من قبل نزول القرآن، ولكنه سبحانه وتعالى يقول في مورد أخر: (وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتابَ الْمُبْطِلُونَ)(٨٣) إذا كانت تلك الآية تقول: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ما هو معنى هذه الآية؟
فهذا هو الذي نركز عليه، وهو الفرق بين الدراية النظرية والدراية التطبيقية، الدراية التطبيقية، الدراية التفصيلية، والنبي الأعظم صلى الله عليه وآله قبل البعثة يدري بتمام الأمور ولكن دراية نظرية ودراية علمية، وبعد البعثة ما درى به مجال التطبيق، خاض حروباً وخاض غزوات وطبق دولة إسلامية وعاصر منافقين وعاصر اليهود وعاصر المسيحيين، جادلهم وناقشهم، وهذا النوع من التجربة التي مر بها النبي صلى الله عليه وآله ثلاث وعشرين سنة ويطبق ما درى، يطبق المعلومات النظرية خلال ثلاث وعشرين سنة.
يقول صاحب الميزان هذه الثلاث والعشرين دراية تفصيلية، يقول له: أنت قبل نزول الوحي وقبل نزول الكتاب لم تكن عندك دراية تفصيلية، دراية تطبيقية ثم أعطيناك هذه الدراية التفصيلية ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان.(٨٤)
نحن نؤمن بأن الإمام المعصوم منذ ولادته يعلم ويدري سائر الأمور التي تحتاجها الدولة الإسلامية العامة وما تحتاج إليه المجتمعات وما تحتاج إليه الحضارات والأجهزة المختلفة، كان يعلم بذلك لكنه علم نظري.
لكن معاصرة الإمام بالفعل، فعلاً الإمام يعيش ١٤٠٠ سنة تقريباً يعاصر الحضارات بنفسه ويكتشف الأنظمة بنفسه ويعاصر المجتمعات بنفسه، هذا النوع من التجربة التي يمر بها أثناء غيبته، تحوّل ذلك العلم النظري إلى خبرة تطبيقية، وهذه الخبرة التطبيقية تساعد على إقامة النظام الإسلامي العام على وجه الأرض.
وتوجد عندنا روايات تؤيد هذا، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في الكافي: (لولا أننا نزداد كل جمعة لنفذ ما عندنا)(٨٥) الإمام يتكامل ويمر بمراحل تكاملية، تزداد علومه ومعارفه.
إذن السيد رحمه الله يقرر أن الغيبة ضرورية حتى للإمام وليست ضرورية فقط لنا وللعالم، حتى يتم الإعداد الكافي المناسب للدور الذي يقوم به، وهو دور إقامة لحكم الإسلامي العام على جميع وجه الأرض.
وطبعاً إنّا ندرك أن هذا الرأي أوّلاً خاص بالسيد الصدر، وبعض العلماء يختلف معه ويرى أن الإمام المعصوم لا يحتاج إلى هذه الخبرة ولا يحتاج إلى هذه التجربة لأنه قادر على تطبيق النظام في أي ظرف وفي أي وقت وهو في غير حاجة إلى الخبرة وغير حاجة إلى أن يمر بهذه التجربة. هذا اختلاف في الآراء.
هذا بالنسبة إلى النقطة الثانية، مسألة غيبة الإمام المنتظر ودوافع الغيبة.
الثالثة: التفاعل بين المسلمين وبين إمامهم الغائب:
كيف نتفاعل مع الإمام وهو غائب؟ إذا كان غائباً عن أنظارنا كيف نتفاعل معه ونستفيد من أنواره ونستفيد من وجوده عجل الله تعالى فرجه وهو غائب؟
التفاعل مع الإمام بعدة أمور:
الأول: الإحساس برقابته
نحن عندنا روايات تدل على أن الأعمال تعرض على الإمام، فالإمام الصادق عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى يقول: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)(٨٦) قال الإمام: المؤمنون هم الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وآله، وإن أعمالكم كانت تعرض على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى الإمام من بعده.(٨٧)
وفي رواية أخرى عن سماعة بن مهران يقول الإمام عليه السلام: ما لكم تسوؤون رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قلت: كيف سيدي؟ قال: إن أعمالكم لتعرض عليه فإذا رأى سيئة ساءه ذلك.(٨٨)
المؤمن طبعاً يشعر برقابة الله تبارك وتعالى (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(٨٩) (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى)، لكن إذا زاد إحساسي برقابة الله يزداد إحساسي برقابة الإمام أيضاً، طبعاً يزداد خوفي ويزداد خشوعي ويزداد بُعدي ونفوري عن الذنب والرذيلة، إذا شعرنا بأن الإمام يرانا ويراقبنا وتعرض عليه أعمالنا وتعرض عليه سيئاتنا ورذائلنا زاد إحساسنا بالرقابة، وزاد بعدنا عن الذنب وبعدنا واجتنابنا للرذيلة.
فإذن التفاعل مع الإمام عجل الله تعالى فرجه وهو غائب بالشعور بغيبته والإحساس برقابته عجل الله تعالى فرجه.
الثاني: التسديد والتأييد
كلنا نعتقد أن الإمام يسدد الشيعة وإن كان غائباً، ولولا تسديده وتأييده لانقرض التشيع من زمن طويل، فالتشيع منذ زمن السلطة الأموية وزمن السلطة العباسية تيار مبغوض محارب معارض من جميع ألوان المعارضة والمحاربة، وبقى التشيع مستمراً وامتد وكثر ونمى، يحمل علماء ومفكرين ومثقفين على مدى التأريخ وعلى مدى الأيام، نتيجة تسديد الإمام وتأييد الإمام عليه السلام.
وإذا الإمام يكتب إلى الشيخ المفيد (إنا لنحضر أفراحكم وأتراحكم ولا يعزب عنا شيء من أخباركم ولولانا لاصطلمتكم اللأواء وألمت بكم الأعداء).(٩٠)
دعاء الإمام، بركات الإمام، تسديد الإمام، هو الذي يحفظ التشيع على وجه الأرض.
فنحن هذه البركات التي نراها والامتداد الشيعي المستمر على وجه الأرض نعزوه لوجود الإمام وخير الإمام وبركة الإمام عجل الله تعالى فرجه.
الثالث: رؤية الإمام:
كيف يرى الإنسان الإمام؟ طبعاً نحن عندنا رواية تنفي رؤية الإمام عليه السلام.
الإمام كتب إلى علي بن محمد السمري _ آخر السفراء _ يا علي بن محمد السمري عظم الله أجور اخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، ولا تعهد لأحد من بعدك فقد وقع البلاء والغيبة التامة، ولا ظهور إلا بإذن الله، وذلك بعد قسوة القلوب وطول الأمد، وسيأتي قوم من شيعتنا يدعون مشاهدتنا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني وقبل الصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.(٩١)
كيف نوفق بين هذه الرواية وبين ما علم من رؤية كثير من العلماء ورؤية كثير من الصلحاء ورؤية كثير من الأبرار للإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه؟
العلامة الحلي أحد أقطاب الشيعة الإمامية كان يدرس عند عالم من علماء السنة، هذا العالم كتب كتاباً للرد على الشيعة والتشيع، العلامة الحلي طلب هذا الكتاب من أستاذه ولم يوافق لأنه يعرف أن العلامة ذكي وقادر على الرد، فلم يعطه الكتاب، حاول معه العلامة أن يعطيه، قال: إذا كان كذلك أعطيك إياه ليلة واحدة فقط، أخذ العلامة الكتاب من أستاذه وصمم على أن يسهر تلك الليلة على الكتاب ويستنسخه بالكامل. ونام وهو يستنسخ الكتاب من شدة التعب لما نام رأى كأن رجلاً ماثلاً أمامه أخذ منه الكتاب قال له: أساعدك على نسخه، ولم يستيقظ العلامة إلا قريب الفجر، إلاّ والكتاب منسوخ، فعلم العلامة أنه الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه.(٩٢)
أيضاً السيد بحر العلوم عندما سئل قيل له: الإمام يقول: من ادعى المشاهدة فهو كاذب مفتر، وأنت كما يقولون عنك رأيت الإمام، كيف نوفق بين رؤيتك وكلام الإمام؟ قال: ماذا أقول وقد ضمني إلى صدره؟!
وكثير من القصص التي تذكر للإمام عجل الله تعالى فرجه.(٩٣)
نحن نقول: المقصود بهذا الحديث (من ادعى المشاهدة فهو كاذب مفتر) يعني من ادعى السفارة والنيابة، الإمام يقول: بعد علي بن محمد السمري لا توجد سفارة، أما رؤية الإمام والتشرف بمحضره الشريف والاستفادة من أنواره الشريفة ومن تأييده ومن تسديده فهو أمر شائع مشهور لكثير من العلماء والصلحاء والأبرار، حتى الشخص العادي، فالإمام ورد عنه أنه قال: (لولا ذنوب شيعتنا لرأونا رأي العين)(٩٤) ولا يحجبنا عنه إلا ذنوبنا ومعاصينا وتجاوزنا ورذائلنا.
وفي بعض الروايات من قرأ دعاء العهد أربعين صباحاً وفق لرؤية الإمام، إما يقظة وإما في المنام(٩٥)، ودعاء العهد فيه تشويق لرؤية الإمام؛ (اللهم إن حال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتماً فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني شاهراً سيفي مجرداً قناتي ملبياً دعوة الداعي في الحاضر والبادي، اللهم أرني الطلعة الرشيدة والغرة الحميدة واكحل ناظري بنظرة مني إليه وعجل فرجه وأوسع منهجه).
دعاء الندبة.. دعاء الفرج، أدعية وردت عن أهل البيت لتقوية علاقتنا بالإمام المنتظر، لنظل على علاقة نفسية بالإمام، لنظل على شوق وعلى انتظار وعلى لهفة وعلى توجه نفسي للإمام عليه السلام هذه الأدعية إذا مارسناها تزداد اللهفة والشوق والانتظار له عجل الله تعالى فرجه، وهذا الشوق النفسي له آثار طيبة على السلوك وله آثار طيبة على الرزق وله آثار طيبة على العمر وله آثار طيبة على التوفيق وعلى التعلق النفسي بالإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه.
وكثير من الصلحاء يذكرون عنه الرؤيا الجميلة والرؤيا المفيدة، فأحد العلماء في النجف كان يكرر أبيات السيد حيدر الحلي (الله يا حامي الشريعة... الخ) فهذا العالم يقرأ أبيات العتاب للسيد الحلي في الليل ويبكي...

ماذا يهيجك إن صبرت * * * لوقعة الطف الفظيعة
أترى تجيء فجيعة * * * بأمضّ من تلك الفجيعة
حيث الحسين على الثرى * * * خيل العدى طحنت ضلوعه
ذبحته آل أمية ظامٍ * * * إلى جنب الشريعة
ورضيعه بدم الوريد * * * مخضب فاطلب رضيعه(٩٦)

ونام هذا العالم ورأى في المنام الإمام المنتظر جالساً حزيناً مطأطئ الرأس باكي العين وقف عنده هذا العالم قبّل يديه قال: سيدي مالي أراك حزيناً؟ قال: يا هذا أبلغ سيد حيدر السلام وقل له: لا يعاتبني فليس الأمر بيدي كلما عاتبني مزق قلبي أنا لا أقدر على ذكر مصيبة جدي الحسين.
اللهم بحق الإمام تقبل أعمالنا وشافي مرضانا ومرضى المؤمنين وعجل لوليك الفرج واقض حوائج المؤمنين وأيّد من نصر الدين وانصر الإسلام والمسلمين.

وآخر دعوانا ان الحمد لله ربّ العالمين

* * *
أدلة وجود الإمام المهدي عليه السلام
سماحة الشيخ باقر المقدسي
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
قال إمامنا وسيدنا أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام: (لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة إمّا ظاهراً مشهوراً وإمّا خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته)(٩٧).
يؤكد الإمام أمير المؤمنين في كلامه هذا على أنّ الأرض منذ خلقها الله سبحانه وتعالى وجعل فيها خليفة (إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً)(٩٨) منذ ذلك الوقت الذي قضى فيه وقرّر سبحانه وتعالى أن يجعل في الأرض خليفة، ما ترك الأرض خالية من قائم لله بحجّة، لأنّه لله الحجّة على عباده بصورة عامة.
والرسل والأنبياء الذين يبعثهم الله سبحانه وتعالى، همم حجج الله على بريّته، ومعنى ذلك كما يقول الذكر الحكيم: (إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَْسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)(٩٩).
ما هو الهدف... (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)(١٠٠).
ما كان الله سبحانه وتعالى يعذب الناس، ويحاسب الناس إلاّ بعد أن يقيم الحجّة عليهم. ومن جملة إقامة الحجة عليهم، إرسال الرسل والأنبياء وأوصياء الأنبياء. ويُعرَف هؤلاء جميعاً بالدرجة الأولى بماذا؟ بالعقل، لذلك يقول الإمام الكاظم صلوات الله وسلامه عليه: (إنّ لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجّة باطنة، أمّا الحجة الظاهرة فهي الرسل والأنبياء والأئمة، وأمّا الحجة الباطنة فالعقول)(١٠١) الله تعالى يحاسب الناس على قدر عقولهم، لأنّ الله أول ما خلق العقل فقال له: أقبل فأقبل، قال له: أدبر فأدبر، فقال: (وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحبّ إليّ منك. بك أثيب وبك أعاقب).(١٠٢)
هذا يعني أن العقل مطيع لله. الفطرة العقلية السليمة تأخذ بعنق الإنسان ليخضع لله تعالى ويعترف بوحدانيته وبصفاته. وفي نفس الوقت بواسطة العقل يعرف الإنسان نبيّه، يعرف رسوله، ثم يعرف الأوصياء الذين يأتون من بعد الرسل. هذا بواسطة العقل الذي هو حجة داخلية باطنية.
والحجّة الخارجية، نفس الأنبياء والرسل والأوصياء والأئمة، لأن هؤلاء حجج الله تعالى على بريّته.
إخواني الكرام: لما يقول الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه في حديثه هذا: (لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة...) سواء أكان على مستوى رسول أو نبي أو وصي، إمّا ظاهراً مشهوراً إذا استتبت له الأمور وإما خائفاً مغموراً. لماذا؟ لئلا تبطل حجج الله وبيناته، لأن الله تعالى يحتج برسله وبأنبيائه، ومن بعد دور الأنبياء بالأوصياء على آياته وعلى بيناته، يحتج على العباد، حتى لا يقول العباد: (رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).(١٠٣)
أو أن يقولوا: (رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى)(١٠٤) لأن القانون الإلهي هو: (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(١٠٥) والرسول يبلغ رسالة السماء إلى الناس، وله عمر طبيعي فإذا أراد أن يمضي، أي قربت وفاته يجب عليه أن يعيّن للناس خليفة، إماماً، وصياً، مرجعاً، لأن النبي أمين هذه الأمة.
يا إخوان أي إنسان أمين إذا كان أميناً على أغنام، إذا كان أميناً على أرض، إذا كان أميناً على مدرسة، إذا كان أميناً على بيت، إذا كان أميناً على رعية، لا يتركهم هملاً.
ومن قال هذا ونسب الترك لرسول الله، فقد كذب على رسول الله، وعمله يدل على كذبه. هل أنّ أبا بكر كان أكثر حرصاً على الإسلام ؟ إذ أنه ما ترك الأمة كما يقولون هملاً إلاّ وعيّن عمر؟ هل أنّ عمر أولى بالأمانة من رسول الله، بحيث تطلب منه عائشة أن يعيّن ويطلب منه عبد الله أن يعيّن ثم يعين بطريقة خاصة، طريقة الشورى؟ هل أن معاوية أكثر أمانة على الأمة من رسول الله؟ بحيث يعيّن ولي عهد (يزيد بن معاوية) نغله.
قضية طبيعية جداً أن الرسول أمين (الرسول الأمين)، وأمين على التبليغ، تبليغ رسالة السماء، أمين على مستقبل الأمة، فلا بدّ أن يعيّن من بعده مرجعاً للناس، كفواً كريماً حتى لا يتشتت أمر الناس.
ثم إن النبي مسؤول عن مستقبل أمته، كما هو مسؤول في أيام حياته عن أمته. ولذلك كان يقول صلى الله عليه وآله: (إئتوني بدواة وكتف كي أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدي أبداً)(١٠٦) ولذلك كان يقول: (إني تركت فيكم ثقلين، أو مخلف فيكم، أو تارك فيكم _ حسب اختلاف الروايات _ ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً. وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفونني فيهما)(١٠٧) فالنبي مسؤول عن هذا الأمر الخطير ولا يمكن أن يغفل عنه أو يتغافل.
انظر إلى تأريخ الأنبياء السابقين، كل نبي كان يخبر عن الأنبياء الذين سيأتون بعد ذلك. في حديث إبراهيم، في أحاديث موسى، أحاديث عيسى، ومثلهم حبيب الله محمد صلى الله عليه وآله، هنا هل أخبر النبي صلى الله عليه وآله بالأئمة من بعده؟ هل أخبر عن الدور الذي يقوم به قادة الأمة وخلفاؤه الراشدون بالحق؟ نعم أخبر.
هذه عشرات الروايات تخبر عن هذا المعنى.
أولاً: رواية جابر بن عبد الله الأنصاري رضوان الله تعالى عليه، يقول: لما نزل قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ) يقول: سألت النبي صلى الله عليه وآله قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله فمن أولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال: هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر، وستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه عني السلام ثم الصادق جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميّي وكنيّي _ يعني اسمه على اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وكنيته أبو القاسم على كنية النبي _ حجّة الله في أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي ذاك الذي يفتح الله _ تعالى ذكره _ على يديه مشارق الأرض ومغاربها.(١٠٨)
الروايات تقول أن المؤمنين يسلّمون على الإمام إذا ظهر،(١٠٩) يقولون: السلام عليك يا بقية الله في أرضه وبقيته في عباده، فهذا يعني أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان مسؤولاً أمام الله وأمام أمته عن تشخيص أوليائه، وخصوصاً بالنسبة إلى الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، باعتبار أنّ هناك حوادث تجري، تختلف عن حوادث بقية الأئمة، ولذلك أكّد على قضيته أكثر فأكثر، حتى يكون الناس على يقين من أمرهم.
(يفتح الله على يديه مشارق الأرض ومغاربها) ذاك الذي يغيب، لأن القضية غير طبيعية. يعني لو كان الإمام سلام الله عليه مباشرة يأتي بعد والده الإمام الحسن العسكري فالقضية طبيعية، أمّا أنه يغيب هذه المدة الطويلة وإن لم تكن مستحيلة لا عقلاً ولا علمياً ولا عملياً، بل هناك وقائع حدثت وهذا التأريخ بين أيدينا يذكر المعمّرين وهناك السجستاني عنده كتاب المعمّرون. بالعشرات يذكر أعمارهم.
دع عنك هؤلاء جميعاً. نحن والقرآن الذي هو مسلّم به عند كل الفرق الإسلامية. ونحن حديثنا مع المسلمين، لما يقول سبحانه وتعالى عن نبي الله نوح عليه السلام: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً)(١١٠) معنى ذلك أن النبي مبعوث لجيل وليس مبعوثاً لعدة أجيال أي أن أعمار ذلك الزمان كانت بهذا الشكل _ هذا واحد _، ثم يقول: عمره خمسون سنة لما بعث، و٩٥٠ سنة الدعوة إلى الطوفان، وبعده خمسين سنة بقي في الدنيا ثم مضى. يعني ألفاً وخمسين سنة. بعض الروايات تقول أكثر من هذا ١٥٠٠ سنة وبعض الروايات تزيد عمره إلى ٢٥٠٠ سنة.
دع عنك هذا الزائد، لنفرض ١٠٥٠ سنة فالذي يعيش ١٠٥٠ سنة معناه ليس وحده يعيش هذه المدة، لا بدّ أن هناك عشرات مثله يعيشون.
ويقول سبحانه وتعالى عن يونس عليه السلام: (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(١١١) _ أي بطن الحوت _ يعني هل الحوت ميت وهو ميت؟ ما الفائدة إذا كان هكذا ؟ فالناس كلهم من آدم أعمارهم طويلة إلى الحشر. فإذن هو حي والسمكة أيضاً حيّة (للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) فالله قادر أن يمدّ الحوت بهذا العمر المديد، ويمد يونس عليه السلام بهذا العمر المديد.
ثم عندنا إبليس عليه اللعنة (قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ)(١١٢) يعني ممهلين إلى يوم الوقت.
نأتي إلى الفرق الإسلامية الأخرى تعترف الفرق الإسلامية بأنّ عيسى عليه السلام حي يزرق عند الله، وينزل إذا جاء الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه، وكذلك إدريس عليه السلام والخضر معروف أيضاً. وبعضهم يعتبر إلياس أيضاً من جملة الأنبياء الذين أطال الله أعمارهم وهؤلاء قبل الإمام المهدي قبل ولادة الإمام المهدي منذ آلاف السنين. فلماذا استنكر على الله أن يمد في عمر الإمام المهدي؟
والقضية طبعاً غير طبيعية ترجع إلى مصلحة يراها الله تعالى، ومصلحة يعرفها الله سبحانه وتعالى. ولكن ليس على الله بعزيز.
لهذا يقول النبي صلى الله عليه وآله في هذا الحديث الشريف: (ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان).(١١٣)
إخواني هناك مقاطع في الحياة الناس يفتنون فيها، الناس يمتحنون. (الم أحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(١١٤) فإذن يمتحنون بأشكال متعددة.
امتحن الله عباده في قضية عيسى عليه السلام (خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا)(١١٥) قضية طبيعية، لكن أراد الله أن يثبت شيئاً، وأراد أن يمتحن العباد بولادة عيسى من أمّ دون أب، (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(١١٦) فالذي يؤمن بأن الله خلق آدم وحواء من تراب، يؤمن بأن الله تعالى خلق عيسى من أمّ دون أب. فصار الامتحان.
وبالنسبة إلى الإمام المهدي كذلك. هذا نوع من أنواع الامتحان. إذا كانت عشرات الأحاديث يرويها السنة والشيعة في وجود الإمام المهدي وفي حسبه ونسبه، وفي غيبته وطول عمره. فإذن هنا الامتحان، ليعرف المؤمن بالغيب، المؤمن بالله وبما جاء به رسول الله، من غير المؤمن.
ولذا يقول النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: (ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان. قال جابر: فقلت له: يا رسول الله فهل ينتفع الشيعة به في غيبته؟ _ لأن المتعارف أن الإمام أو النبي أو الرسول ظاهر للناس ينتفعون منه هذا إذا كان حاضراً أمّا إذا كان غائباً فهل ينتفع منه؟ _ فقال: إي والذي بعثني بالنبوة إنهم ينتفعون به ويستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجللها السحاب).(١١٧)
معنى ذلك أنّ القضية ليست منوطة بحضوره فقط، وإنما هو في غيبته، ووجوده بركة وخير، فإنّ الله سبحانه وتعالى يحفظ الأرض ومن عليها ببركة الإمام الحجة (لو خليت الأرض من حجة لساخت بأهلها)(١١٨)، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وآله يقول: (النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ما ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون).(١١٩)
وهنا أودّ أن ألفت النظر إلى شيء مهم، وهو: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ) مثال ذلك. كله يدل على انتهاء العالم، فالملائكة عندها علامة وهي أن هذه النجوم ما دامت مستقرّة فالحياة مستقرة، أما إذا تناثرت النجوم وإذا ذهبت الشمس والقمر وسيّرت الجبال، كل ذلك علامة على انتهاء العالم وقيام الساعة.
كذلك بالنسبة إلى الأرض (وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون).
لذلك: فإنّ القائلين برجعة المعصومين _ طبعاً بالجملة ليس بالتفصيل، كيف يرجعون؟ من يرجع ومن لا يرجع؟ مهما كان على كل حال _ بعد ظهور الإمام الحجة المنتظر يستندون إلى هذا لأنه لابد أن يكون.. فإنّ بعض الروايات تقول: (ما منّا إلاّ مسموم أو مقتول)(١٢٠)، فحتى الإمام المهدي عجل الله فرجه تكتب له الشهادة. يمنحه الله تعالى الشهادة، مع أنه يقضي على الظالمين، لكن لو بقي ظالم واحد أيضاً يفجع الأمة بقتل الإمام.
لكن هل تنتهي الدنيا؟ لا، فلابدّ من وجود معصوم حجّة لله تعالى على الخلق يقوم مقام الإمام المهدي، حتى يحكم في العباد، إلاّ أن يشاء الله سبحانه وتعالى للأرض وما عليها أن تنتهي، فينتهي أهل البيت ويأتي أهل الأرض ما يكرهون.
فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما يتحدث عن انتفاع الناس بوجود الإمام يقول: (لو خليت الأرض من الحجة لساخت)، والأرض أو المنطقة التي عليها حجة سواء أكان رسولاً أو نبياً أو إماماً لا تعذّب. ولما أراد الله أن ينزل العذاب على قوم يونس، يونس انسحب من المنطقة. وإلاّ مع وجود يونس لا ينزل العذاب. قضية لوط عليه السلام كذلك. إبراهيم يقول (إِنَّ فِيها لُوطاً)(١٢١) يقول للملائكة الذين أخبروه بأنهم جاءوا ليعذبوا قوم لوط، ليقضوا عليهم، قال: إن فيها لوطاً. يعني كيف ينزل العذاب ولوط نبي الله موجود. هناك حجة على الخلق. فأخبروه بأن يخرج بعائلته إلاّ امرأته، إذاً بالحجة استقرار الأرض والسماء بهذا المعنى.
ومن بركات وجوده صلوات الله وسلامه عليه: أنه واسطة الفيض الإلهي وبيمينه رزق الورى، أحاديث كثيرة تخبر وتؤكّد أنه في ليلة القدر (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ).(١٢٢) كيف ينزلون؟ بأمر ربهم. على من، على زيد على عمر ينزلون؟ على حجة الله في زمانه. وحجة الله في زماننا الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه. ومشيئة الله هكذا أن الملائكة إذا قررت شيئاً تستشير الإمام، تأخذ نظره بالنسبة للأعمار، وبالنسبة للأرزاق وما شابه ذلك، لأن ليلة القدر تعني: الليلة التي يعرف بها قدر الإنسان هل يرتفع أو ينخفض أو يبقى على ما هو عليه. كما هو الحال في الموظفين كل سنة وسنتين لابد أن يحاسبوا وينظر في عملهم أنهم في هذه المدّة ماذا عملوا، أدّوا الواجب بصورة صحيحة سليمة؟ يعطون ترفيعاً وأما إذا ظهروا مقصرين فينزلون من قدرهم.
البعض يفسرون القدر بهذا المعنى يعرف قدر الإنسان.
فلابد أنّ الإمام سلام الله عليه يعطي رأيه في هذه الأمور التي يجريها الله تعالى على العباد بمشيئته، عن طريق الإمام. مثلما يقبض الأرواح بواسطة ملك الموت وملك الموت بيد الله تعالى. فكل شيء ينسب إلى الله، حتى إذا كان الأمر يقوم به بعض عباده (اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَْنْفُسَ حِينَ مَوْتِها)(١٢٣)، (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ)(١٢٤) فما دام الله تعالى عين ملك الموت ليقوم بهذا الأمر ففعله يرجع إلى الله سبحانه وتعالى.
والإمام من قبل الله معيّن ليعطي رأيه، فهو واسطة الفيض الإلهي، بيمنه رزق الورى، وبوجوده ثبتت السماء.
بالإضافة إلى هذا هو مرجع للأمة، مرجع للأحكام. لابدّ للعلماء أن يتوصّلوا إلى الإمام بالواسطة، أو بغير الواسطة عبر هذه السنوات العديدة التي مرّت على وجود الإمام صلوات الله وسلامه عليه.
وهناك قصص كثيرة، للسيد بحر العلوم رضوان الله عليه وغيره من العلماء والمراجع هي دليل على أن الإمام سلام الله عليه لا يتركهم أبداً.
ثم هو ملجأ العباد في المشاكل، في الصعوبات دائماً. العباد المؤمنون يلجؤون إليه. وهناك قصص متعدّدة حول تلقي الشيعة حلولاً لقضاياهم، في البحرين في العراق في أماكن متعددّة أخرى، على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة، وكيف أنّ الإمام الحجة المنتظر عجل الله فرجه أنقذهم مما كانوا فيه. كثير من القصص موجودة في الكتب ويذكرها الأعلام.
فالإمام لم يترك أمته، ولم يترك رعيّته، فإنّ في غيبته خير وبركة كما في حضوره. لكن طبعاً في حضوره تكون البركة أكبر، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله: (إي والذي بعثني بالنبوة إنهم ينتفعون به ويستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّلها السحاب)، بمعنى أنّ الشمس إذا تجللّها السحاب في النهار منع ظهورها، فهل معنى هذا أنّ النهار يصير ليلاً؟ لا، هل معنى هذا أنّ أشعة الشمس لا تنفع البشر؟ بل تنفع، حتماً تنفع فالفرق واضح بين الليل الذي لا توجد فيه شمس وبين النهار الذي توجد فيه شمس لكن الشمس محجوبة، فلا بد أن تعطي ضوءها ولا بد أن تعطي إشعاعاتها وحرارتها والناس ينتفعون.
ولذلك يقول الشاعر:

يا غائباً لم تغب عنّا رعايته * * * ولا يزال بعين اللّطف يرعانا
بظله وهو محجوب منافعه * * * مثاله الشمس عند السحب تغشانا

فيقول النبي الكريم: ويستضيئون بنور ولايته في غيبته، كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّلها السحاب، يا جابر هذا من مكنون سرّ الله، ومخزون علمه _ يعني هو علم عن المستقبل بهذا التفصيل _ فاكتمه إلاّ عن أهله.(١٢٥)
لأن هذا الشخص الذي لا يؤمن بقول النبي في حق وصيّه علي عليه السلام ويخرج عليه ويحاربه، أو يعتقد بأعداء الله أنهم خلفاء على الحق، كيف يتوقع منه أن يتعرّف على قضية الإمام المهدي وما سيجري له في مستقبل الزمان؟
هناك حديث يلفت النظر يا إخوان، وعلينا أن نأخذ به وأن نؤكّد هذا الحديث على أعمالنا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون مصداقاً أو مصاديق لهذا الحديث الشريف. الإمام زين العابدين عليه السلام يقول لأبي خالد الكابلي: (تمتد الغيبة لولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة من بعده. يا أبا خالد إن أهل زمان غيبته _ أنا وأنت ومن سبقنا في أيام الغيبة ومن سيأتي بعدنا _ إن أهل زمان غيبته، القائلين بإمامته، المنتظرين لظهوره، أفضل أهل كل زمان لأنّ الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة).(١٢٦)
إقرأ قلبك أيها المؤمن. ما هي عقيدتك في الإمام المهدي؟ هل تؤمن بوجوده وتستنجد به وتندبه وتبكي وتطلب منه أن يعجّل في ظهوره وتدعو له وتطلب منه أن يدعو لك؟ كل هذه حقائق تدل على الإيمان الذي في قلبك أيها المؤمن.
ثم ولاية الفقيه ما معناها! نحن ملزمون أن نطيع رسول الله صلى الله عليه وآله، وملزمون أن نطيع الأوصياء من بعده. ولما جاءتنا روايات عن الأئمة عليهم السلام تؤكد على لزوم طاعة واتباع العلماء مع الأوصاف الضرورية من علم وورع وتقوى ومخالفة للهوى..إلى آخره، و(الراد عليهم كالراد عليّ والراد عليّ كالراد على الله).(١٢٧)
فولاية الفقيه ما كانت إلى هذه الدرجة قبل عشرات السنين أصلاً. انظر أيها الأخ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يقول: (لو وجدت أربعين ذوي عزم لنهضت).(١٢٨)
الحسين عليه السلام على عظمته ابن رسول الله، قرّة عين النبي، قرّة عين الزهراء، صحابي، وفي نفس الوقت هو من أقرب الأقربين إلى رسول الله، مع هذا لما استنجد الناس واستنصرهم حصل على (٧٢) ناصراً.
كذلك الأئمة الباقون كانوا في قلّة من الأنصار.
ويأتي رجل من تلامذة الأئمة يحمل شيئاً من علم الأئمة. يأتي رجل يمثّل المرجعية، فيأتي بولاية الفقيه والناس تطيعه وتقتل بين يديه، وتتعشّقه وتفدي نفسها لما يقول، معنى هذا أنّ هناك تطوّراً في العالم، وأنّ هناك تغيّراً في فكر الناس.
فإذن هذا هو الذي يقوله الإمام زين العابدين عليه السلام: (إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته، المنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان لأن الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة).
فإذا كان نائب الإمام هكذا يطاع فإذا ظهر الإمام الحجة المنتظر كيف يطيعه الناس؟ وقد جعلتهم الرواية في ذلك الزمان، بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف. (أولئك المخلصون حقّاً وشيعتنا صدقاً والدعاة إلى دين الله سرّاً وجهراً).. اللهم اجعلنا منهم.
نعم أيها الأخ الكريم قضية الإمام الحجة المنتظر قضية واقعيّة. وإنّ الإمام المنتظر حق كما أنّ الجنة حق والنار حق والموت حق. كل هذه الأشياء حق. كما أن الإسلام حق (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).(١٢٩)
في فرائد السمطين يقول شيخ الإسلام الجويني عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما أنزل على محمد)(١٣٠). لماذا كفر؟ لأن من جملة الأشياء التي تثبت صحة قول الرسول، الروايات الصحيحة التي تصل إلينا. فإذا وصلتنا رواية أخبرنا بها ثقة، أو كتبها عالم ثقة عن علماء إلى النبي، نأخذ بقوله. إذا كان الحديث متواتراً، إذا الأخبار متواترة، أي أنّ عشرات من الصحابة، عشرات من العلماء، عشرات الكتب تذكر قضية الإمام المهدي عجل الله فرجه بالتفصيل: شكله، طوله، أسنانه، عيونه، شعر رأسه، حواجبه، حركاته، عمره، أيام حكومته، قبل ظهوره، ماذا يجري بعد ظهوره، في أيام ظهوره. معالم حكومته، حتى الراية والسيف وما شابه ذلك.. إذا كان أحد ينكر هذا فمعناه أنه منكر لنبوة رسول الله صلى الله عليه وآله، يعني يكذّب رسول الله والمكذّب لرسول الله فيما قال كافر.
إخواني: ما أكّد النبي على شيء كتأكيده على شيئين: قضية الحسين بالتفصيل، وقضية الإمام المهدي المنتظر. كل ذلك حتى تكون الحجة له علينا فلا نقول: لم نسمع، لم نعرف، هذا شيء مستبعد، غير ممكن. هذا كله تهرب من الواقع، لأن الله ألزمنا الحجة وعلينا أن نعترف مذعنين.
هناك بعض الأشياء يجب الاعتقاد بها بصورة إجمالية وليس من الضرورة التفصيل كإجمالية عذاب القبر، إجمالي المعراج، وغيره. هناك آيات وهناك أحاديث تؤكد وجود الإمام المهدي واستمرار وجوده كما في حديث النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم: (وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)(١٣١) من جملة الافتراق ماذا؟ افتراق الزمان، أي أنّه إذا كان في زمانٍ ما القرآن موجود، والحمد لله القرآن لم يهمل ولم يترك، لم يأتِ زمان لا وجود للقرآن فيه، من يوم بعثة النبي وإلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)(١٣٢) والذكر هو القرآن. فإذاً القرآن موجود في كل زمان. فإذا قال القائل: ما ولد الإمام في زمن العسكري، ولا يوجد إمام إلى آخر الزمان، إذا شاء الله تعالى يولد الحجة ثم يظهر. معناه في هذه الفترة من الزمان الذي مضى وهو مئات السنين، لا وجود لعِدل القرآن، فكيف تفسّر كلام النبي الذي أكد بضرس قاطع أنهما لن يفترقا، ومن جملة الافتراق، الافتراق الزماني وقد وقع الافتراق حسب ادعاء القائل، وهو عين ما نفاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا يدل على أنهم عليهم السلام لا يفترقون عن القرآن الكريم. وما دام للقرآن وجود فلابدّ لله من حجة.
بالإضافة إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية)(١٣٣) ولا يمكن أن يكلّف النبي الناس بما لا يطيقون، فلابد من وجود إمام في كل زمان تجتمع فيه صفات العصمة والعلم وغير ذلك. وليس الإمام أيّاً كان يأتي ويصير إماماً، لا، وإنما إمام معصوم فيه كل شرائط العصمة، وكل شرائط الإمامة. فهو مرجع الناس وهو السبب بين السماء والأرض، وهو واسطة الفيض الإلهي. والله سبحانه وتعالى به يحفظ العباد والبلاد.
على كل حال نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعجل في فرج إمامنا، لأنّ الأحاديث التي تتحدث عن مقدمات ظهور الإمام عليه السلام كثير من هذه الأحاديث طبّقت، وتحققت كثير من التنبؤات، وكثير من الأخبار. ومن غير الممكن أن ينهض الإمام الحجة المنتظر ولم تكن هناك قاعدة شعبية مؤمنة تتعاون معه.
فمع كثرة الظلم والجور في العالم، لكن مع هذا كله لا بد من قاعدة شعبية، لا بد من قاعدة مؤمنة تتعاون مع الإمام حتى يظهر عليه السلام.
وهذه الظاهرة التي ترونها في انبثاق فجر الدولة الإسلامية الفتية، وفي ظهور المؤمنين الذين يدعون إلى الإسلام عالمياً. وفي الحديث عن أهل البيت: (لتعطفنّ الدنيا عطف الناقة الضروس على أهلها)(١٣٤) وهذه العلامات ظاهرة. واعتقد أن لا وقت لي حتى أتحدّث عن هذا الموضوع. ولكن انظروا اليوم وارجعوا إلى الوراء، إلى قبل مئة سنة أو قبل خمسين سنة هل في أوربا، في أمريكا، في أفريقيا، في استراليا، كانت مجالس حسينية ومجالس يذكر فيها أهل البيت عليهم السلام؟ هل كان الناس يتحدّثون عن حق أهل البيت كما يتحدث اليوم؟ حتى بعض من كان عدوّاً لأهل البيت قبل حين؟ إقرأ كتب التيجاني واقرأ كتاب إدريس الحسيني (لقد شيعني الحسين) واقرأ كتب أحمد يعقوب وغيرها.
لقد انتبه الناس إلى حق أهل البيت عليهم السلام وأخذوا يكتبون عنهم. وفي لندن إذاعة خاصّة هناك، اسمها إذاعة كل العرب. جاءتني من هذه الإذاعة مجموعة من محاضرات ألقاها الدكتور التيجاني وغيره. وبكل صراحة يحملون على أعداء أهل البيت بشكل صريح.
حتى أن الإمام الصادق عليه السلام ما كان يستطيع أن يتحدث بهذه الصراحة على مستوى إذاعة وعلى مستوى جمهور، يتحدّث عن ظلامة أهل البيت.
واليوم أيها الإخوة الكرام نرى شراسة الوهابيين، وشراسة الاستعمار، وأذناب الاستعمار، كل ذلك بسبب قوتنا. لو أنّ العدو رأى فينا ضعفاً لأهملنا. ولكنه يرى فينا قوّة وتحركاً، بعد أن مددنا أيدينا إلى السيوف، إلى السلاح، وإذا بالإمام الخميني رضوان الله عليه ينهض فيعطينا عزة، ويعطي الإسلام عزة وكرامة، ويأمرنا بالجهاد والفداء والشهادة لإعلاء كلمة الحق. وقام المسلمون في العراق وفي إيران وفي لبنان وفي مناطق أخرى من العالم يهتفون باسم الإسلام. وكثير منهم يهتف باسم علي وأبنائه الطاهرين، ويعترف بالإمام المهدي المنتظر. هذه بادرة طيبة يا إخواني.
إقرأ ما تنشره الصحف عن الكتب الإسلامية التي تباع في معارض الكتب في العالم _ من باب المثال لا الإحصاء والاستقراء _ في العام الماضي في تونس أقيم معرض للكتاب هناك وقد نشرت الجرائد بعد ذلك أن أول كتاب ضرب الرقم القياسي في البيع هو كتاب آية الله العظمى الشهيد الصدر (فلسفتنا) ثم (اقتصادنا) ثم (البنك اللاّربوي) معنى هذا أن الناس تتعشق العلم، وأن الناس أخذت تتعرّف على علماء الشيعة بعدما كانوا يكفّرونهم. وأن الناس أخذت تفتح أبواب عقولها وقلوبها على أهل البيت، وشيعة أهل البيت، ليأخذوا منهم المعين الصافي والمعدن النقي. وكل هذه مقدمات حتى يتعرّف العالم على الإمام المنتظر عجل الله فرجه.
أخي أسألك كيف تفسر هذا الحديث القائل: بأن الإمام الحجة المنتظر، إذا ظهر نادى منادٍ من السماء: قد ظهر المهدي والناس تقام عليهم الحجة.(١٣٥) قبل خمسين سنة كيف كان الناس يفسّرون هذا الحديث؟ فلو نادى مليون مرّة، من أين يفهم الأوربيون والأمريكيون من هو المهدي؟ ومن أين يعرف باقي سكاّن العالم؟
ولكن بعد هذا المخاض، بعد هذه الحرب، بعد هذه الانتفاضة، بعد هذه الصحوة، بعد هذه النهضة الإسلامية العظيمة، والتقارير التي تصل إلى القوم، فأخذوا يتحدثون عن الشيعة: من هم الشيعة؟ وما هي معتقداتها؟ إنهم يكتبون الآن أطروحات دكتوراه، أذكر امرأة إيطالية كتبت أطروحة وأخذت دكتوراه في أدعية الإمام الصادق عليه السلام، ما أظن أحداً من الشيعة كتب عن أدعية الإمام الصادق. وأخذ دكتوراه.
تعرف الآن البحوث عن الشيعة وبحوث عن معتقداتهم على قدمٍ وساق في العالم. وأن بعض الجرائد تتحدث عن علماء الشيعة وترسم صورة لآية الله العظمى فلان، ثم آية الله فلان ثم حجة الإسلام، وهكذا تتبنى صحيفة يابانية وصحف متعددة دراسة معمّقة عن الشيعة.
فعلى كل حال إخواني الكرام إنها نعمة من الله. وعلينا أن نستجيب لنعمة الله ونشكر الله تعالى، ونقرأ معاً: اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك...

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

* * *
ولادة الإمام الحجة عليه السلام
سماحة الشيخ إبراهيم النصيراوي
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين.
في هذه الليلة العظيمة، ليلة النصف من شهر شعبان المبارك، أشرق نور إمامنا ومنقذنا وسيدنا الثاني عشر الإمام المهدي المنتظر.
كما تحدثنا مصادر التأريخ أن حكيمة عمّة الإمام الحسن العسكري عليه السلام دخلت في هذا اليوم على الإمام الحسن العسكري عليه السلام ولما أرادت أن تخرج قال لها الإمام العسكري: يا حكيمة ابقي عندنا هذه الليلة فإن نرجس ستلد مولوداً مباركاً.
وأخذت تحدثه حكيمة ويحدثها وبقيت عنده هذه الليلة. فتقول رضوان الله عليها: لما صار وقت السحر من هذه الليلة العظيمة _ يعني قبيل الفجر _ وإذا بنرجس تنتبه وهي تشكو من أوجاع وآلام الولادة، ثم تولت أمرها حكيمة، وإذا بها تضع حجة الله الإمام المهدي المنتظر، فتشرق الأرض بأنواره صلوات الله وسلامه عليه.(١٣٦)
وهنا نشير إلى عدّة نقاط حول هذه المناسبة:
عظمة المولد:
ورد في الدعاء الذي يرويه الشيخ الطوسي عبارة رفيعة المستوى، وكل مضامين الدعاء رفيعة المستوى، إلا أن هذا المقطع ورد في ضمن سياقه: (جلّ مولده)(١٣٧) هذه العبارة، أيها الشباب أيها الأخوة أيها المثقفون، لنغتنم الفرصة، لنتعرف على حياة إمامنا وسيدنا الحاضر بيننا. هذه العبارة تقول: (جلّ مولده)، ومن جلالة المولد نعرف جلالة الوليد.
لنعرف إمامنا وسيدنا، أي لنقترب إلى معرفته. إن المعرفة الحقيقية لا نستطيع أن نصل إليها، ولكن الإمام الصادق عليه السلام عنده حديث يقول:"إن الليلة التي يولد فيها القائم عجل الله فرجه لا يولد فيها مولود إلا ويكون مؤمناً)، فقيل له: يا ابن رسول الله يولد في دار الكفر _ يولد مولود عند المسيح مولود عند اليهود، أو عند الصابئة _ فيقول الإمام: وإن ولد في أرض الشرك ينقله الله إلى الإيمان ببركة الإمام عجل الله فرجه.(١٣٨)
هذه الرواية عظيمة، لأنها تعطينا معرفة بعظمة الإمام، بشخصية الإمام، ببركة ولادة الإمام.
إن كل مولود في هذه الليلة يكون مؤمناً، أي أن الله سبحانه وتعالى يجعل فيه قابلية الإيمان أو مقتضي الإيمان، حتى إذا ولد في دار الشرك ينقل إلى دار الإيمان، ينقل إلى الأيمان والإسلام ببركة الإمام عجل الله فرجه. هذا أولاً. ولذا في الدعاء نقرأ: جلّ مولده، عظم مولده، كبر مولده.
بقيّة الله:
يأتي رجل إلى الإمام الصادق عليه السلام فيقول له: يا ابن رسول الله: أنسلّم على المهدي بإمرة المؤمنين، يعني نسلم على إمامنا صاحب الزمان ونقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين؟ فيقول الإمام: هذا اسم سمي به جدّي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وما سمي به أحد إلا كافر.
قالوا له: إذاً كيف نسلم على إمامنا صاحب الزمان؟ فقال الصادق عليه السلام: قولوا: السلام عليك يا بقية الله، وقرأ لهم الآية (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ).(١٣٩)
يعني عندما نسلم الآن على إمامنا صاحب الزمان، ماذا نقول؟ نقول: السلام عليك يا بقية الله.
ما معنى بقية الله؟ بقية الله يعني أنّ الإمام المنتظر البقية الباقية من الأنبياء، البقية من آدم، البقية من إبراهيم الخليل، البقية من عيسى بن مريم، البقية من نوح، البقية من يعقوب، البقية من محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. الإمام المهدي وارث علم الأنبياء، الإمام المهدي إذا ظهر يعيد أمجاد الأنبياء، المهدي المنتظر إذا ظهر يتحقق على يديه مالم يتحقق على يد الأنبياء.
هذا معنى بقية الله في الأرض، وهي ليس كلمة تطلق جزافاً وإنّما ذات محتوى ذات معنى.
الإمام الصادق يريد أن يشدنا بهذا المعنى، يريد أن يشدنا بهذا الإمام المنقذ المصلح. السلام عليك يا بقية الله في أرضه.
إذن النقطة الأولى عظمة المولد، النقطة الثانية هي كون الإمام بقية الله.
إشراق الأرض:
إن هذه الأرض لها يوم تشرق، لا بالشمس، ولا بالقمر، قد يقول قائل: كيف؟ القرآن يجيبنا (وَأَشْرَقَتِ الأَْرْضُ بِنُورِ رَبِّها) الشمس تشرق، النهار مشرق يومياً، الدنيا مشرقة بالنهار بالشمس، وفي الليل بالقمر. يأتي يوم الدنيا تشرق لا بالشمس ولا بالقمر.
أقرأ لك هذه الرواية: روى المفضل بن عمر أنه سمع الإمام الصادق عليه السلام يقول من الآية (وَأَشْرَقَتِ الأَْرْضُ بِنُورِ رَبِّها)(١٤٠) لاحظ كيف يبين الإمام لنا معنى هذه الآية.
يقول: (رب الأرض إمام الأرض)، ربّ الدار إمام الدار، رب المجد إمام المجد، رب الأسرة إمام الأسرة، يعني تقتدي الأسرة بصاحب الأسرة، رب الأرض إمام الأرض.
يقول المفضل: (قلت: فإذا خرج يكون ماذا؟ قال: إذاً يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر ويستضيئون بنور الإمام).(١٤١)
لذا ورد أن الناس كمعادن الذهب والفضة، هذا الجسم جسم الإمام يشرق كما تشرق الشمس. ولا غرابة في ذلك. فإن الإمام إذا ظهر يشرق إلى الدنيا كما تشرق الشمس نهاراً، وكما يشرق القمر ليلاً.
إذاً الإمام الصادق عليه السلام يفسر هذه الآية بأن الأرض ستشرق بنور المهدي الموعود عجل الله فرجه.
الإمام حجّة الله:
وهي النقطة الرابعة والأخيرة، وأرجو بها من الأخوة أن يعيروني انتباههم لخمس دقائق.
الإمام المهدي حجة الله في هذه الأرض، لمن؟ حجة الله على أهل الأرض فقط؟! الجواب لا، حجة الله على أهل السماء فقط؟! الجواب لا، الإمام المهدي حجة الله على أهل الأرض وعلى من في السماء، وعلى من مضى وعلى من يأتي. لاحظ الإمام ما أكبره، ما أعظمه. هذه الدنيا الآن تهتز بشراً بمولد الإمام. ليس اعتباطاً فهذا المولود عظيم.
اقرأ لكم: السلام عليك يا حجة الله التي لا تخفى، السلام عليك يا حجة الله على من في الأرض والسماء _ لاحظ إذاً الإمام حجة على أهل الأرض، وحجة على أهل السماء، على الملائكة _ أشهد أنك الحجة على من مضى، وعلى من بقى، على الأمم الماضية، المهدي حجة على الأمم الباقية الموجودة، المهدي حجة على الأمم التي ستأتي.
إذاً ما أعظم المهدي عجل الله فرجه، الإمام الذي يبشر به أنبياء الله، الإمام الذي يبشر به نبينا المصطفى في روايات عديدة، فيضع كنيته، يحدد اسمه، في روايات السنة والشيعة، وإن تلاعبوا فيها في الفترة الأخيرة، فحذفوا ما حذفوا.. لماذا؟ لأن المهدي يهدد كيان الظالمين، لأن المهدي يهدد كيان الغاصبين، لأن المهدي يهدد فراعنة الأرض، حكام الجور الظالمين المستخفين بأحكام الله، المستخفين بحرمات الله، المستخفين بالقرآن وبسنة النبي، وبطريق أهل البيت عليهم السلام الطريق المستقيم.
هؤلاء لما يظهر المهدي يهدم بيوتهم يهدم عروشهم. ولذا الدنيا تخشى من ظهور صاحب العصر والزمان.
لا يدب اليأس في مجالسنا ولا تتسرب إلينا روح اليأس، أيها الإخوة مع أن الانتظار يطول إلا أن اليأس يُذهب الأجر والثواب، الإنسان إذا يئس فذلك يعني أنه يئس من رحمة الله. ظهور المهدي رحمة، واليأس منها يأس من رحمة الله. ولا تيأسوا من روح الله مهما طالت المدة.
الإمام لا نعلم متى يظهر، ولكن الله يريد أن يمحصنا، الله يريد أن يمتحننا امتحاناً يميز فيه الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والحق من الباطل. حتى إذا ظهر الإمام المهدي يصبح الجنود واضحين، معسكر الإمام واضحاً ومعسكر الشرك واضحاً ومعسكر الباطل واضحاً.
فالإمام الحسين عليه السلام من خروجه من مكة المكرمة إلى كربلاء طيلة الطريق يختبر أصحابه، حتى بقيت منهم هذه المجموعة القليلة، سبعون مقاتلاً أو مئة مقاتل، على اختلاف الروايات.
إمام معصوم مفترض الطاعة يعيش في المدينة، لم يكن بينه وبين النبي فصل. أي أمة كانت حينما ظهر الإمام الحسين، حينما خرج الإمام الحسين، حينما جاء ليقاتل يزيد الرجل الفاسق، المعلوم فسقه وفجوره. أين كانت الأمة لماذا سبعون نفراً أو مائة نفر؟ أين الناس؟! الإمام أراد أن يختبرهم، أراد أن يميز الصادق من الكاذب، أراد أن يميز من يقول بصدق: يا ليتنا كنا معك فنفوز فوزاً عظيماً، وفعلاً لم يبق معه ولم يكن صادقاً معه إلا هذه القلة، ومن كان مضطراً لعدم الخروج، وكذلك هذه الغيبة.
أيها الأعزاء، الإمام المهدي معنا يحضر مجالسنا، يحضر احتفالاتنا، يشاركنا في الأفراح والأحزان. أعمالنا تعرض عليه، إن كانت خيراً يفرح، وإن كانت شراً يتألم، يتقطع قلبه حزناً، يتقطع قلبه ألماً حينما يرى أعمالنا سيئة، ويفرح حينما يرى أعمالنا حسنة.
ما هو المطلوب منا في ختام كلمتي؟ المطلوب منا أن نتآزر مع الإمام، أن نقوّي ارتباطنا مع الإمام، أن لا ننسى الإمام، أن لا تنسينا هذه الدنيا إمام زماننا الذي سيظهر حتماً _ كما هو لسان الروايات _ (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يظهر فيه رجل من ولدي اسمه اسمي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً).(١٤٢)
اللهم عجل فرجه واجعلنا من أنصاره وأعوانه واللائذين تحت لوائه، والمستميتين على يديه، وعلى طريقه.
اللهم بحقه عليك، بعظمة هذه الليلة العظيمة، هذه الليلة الجليلة، هذه الليلة التي ورد أنها بعد ليلة القدر في الفضل، هذه الليلة التي فيها زيارة الحسين عليه السلام ومن أراد أن يصافحه مائة وأربعة وعشرون ألف نبي فليزر الحسين عليه السلام فقيل للإمام: ليس كلنا يقدر على ذلك، نحن بعيدون عن الحسين عليه السلام بعيدون عن كربلاء كيف نزور الإمام الحسين عليه السلام في هذه الليلة؟ يقول الإمام: اصعد على مرتفع اصعد السطح ثم التفت يمنة ويسرة وقل: السلام عليك يا أبا عبد الله، فقد أديت الزيارة وحظيت بالفضل العظيم والشرف الرفيع.(١٤٣)
هذه الليلة بعد ليلة القدر، ليلة القدر للنبي وليلة النصف من شعبان للأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام.
اللهم ببركتها، اللهم بعظمتها، اللهم فرج عنا وعن جميع المؤمنين والمؤمنات.

والسلام عليكم ورحمة بركاته

* * *
قضايا العصر
سماحة الشيخ عبد الحميد المهاجر

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ).(١٤٤)
خلق الله تبارك وتعالى الخلق ابتداعاً، واخترعهم بمشيئته اختراعاً، وجعلهم على طريق محبته وعدالته، لا يملكون تأخيراً لما قدمهم إليه، ولا يملكون تقديماً لما أخرهم عنه. ثم قسم الله سبحانه بينهم معايشهم، ووضعهم في الدنيا مواضعهم، وزودهم بفطرة لا ترتوي إلا بذكر الله، وركب فيهم العقول، وجعل فيهم أنوار الإيمان في القلوب، ولم يتركهم هكذا وإنما زود هذا العطاء بعطاء يمده وينسجم معه، وهو إرسال الأنبياء والرسل وإنزال الكتب، لتكون لله الحجة البالغة على خلقه، فلا حجة لأحد على الله سبحانه وتعالى بعد هذه التركيبة من الخلق، وبعد إرسال الرسل والأنبياء.
ثم بدأ القرآن الكريم بإرشاد الناس وهدايتهم، وصار يبشر أهل العقل والفهم (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ).(١٤٥) ويركز على القلة المؤمنة التي تحرك بإيمانها قوانين الغيب في الكون ويذم الكثرة الغوغائية التي لا سبيل لها للهداية والحق، إنما أرادت لنفسها هذا الطريق حتى قال عز من قائل (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ).(١٤٦)
لكن الله في القرآن الكريم يبين أن هذه الحركة للإنسان وهذه التركيبة وهذه الحكمة إنما تتحقق بشيء واحد.
فالله تبارك وتعالى هو خالق الوجود وباعث الأنبياء والرسل والقرآن وخالق الفطرة لتنظيم الكون، إلاّ أن هناك أسباب مجتمعة إذا فقد منها سبب واحد لا تتحرك بمسيرتها.
فعلى سبيل المثال كل شيء لو أحضرته في مركبتك _ في سيارتك أو في راحلتك _ ونسيت شيئاً بسيطاً منها، على سبيل المثال مفتاح السيارة أو أن السيارة ليس فيها وقود أو أن هذه المركبة ليس فيها الوجهة أو الدليل الذي يأخذها على وجهتها لا يمكن أن تنطلق ولا يمكن أن تسير.
الله تبارك وتعالى جعل بتقديره وبعلمه وقضائه، كما قدر الإنسان وجعله في أحسن تقويم، قدر عقل الإنسان، وقدر روح الإنسان، وقدر دين الإنسان والعقيدة التي يمشي بها كلها بتقدير الله سبحانه وتعالى، وخصوصاً في ليلة القدر، لكنه جعل هذه المسيرة وهذا النجاح لا يتحقق أبداً ومطلقاً إلا بوجود إمام معصوم فمن دون إمام معصوم لا تتحقق هذه الأمور كلها.
ولا تستغرب عندما تسمع القرآن الكريم يحدثنا أن أشرف الخلق وأعظم الخلق الذي هو أبو الزهراء المصطفى محمد صلى الله عليه وآله والذي خلق الله الكون كله من نوره(١٤٧)، يحدّثنا أن الله أمر حبيبه المصطفى أن يعلن عن الإمامة وأن يعلن عن ولاية علي بن أبي طالب في يوم الغدير(١٤٨) وفي آيات واضحة يقول له: (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ)(١٤٩).
فإذا كان الأمر بهذا التقدير وبهذا الشكل، إذا كان الله يخاطب حبيبه المصطفى يقول: وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، في الوقت الذي لم يبق شيء عند رسول الله صلى الله عليه وآله لم يبلغه إلى يوم الغدير وإلى حجة الوداع، فالصلاة والصيام والحج وكل شعائر الدين ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم يبق إلا الإمامة التي يركز عليها الحبيب المصطفى دائماً، يركز عليها في كل مكان وفي كل موطن، لكن في ذلك المكان يأتيه النداء: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ).(١٥٠)
إذا أخذنا هذا الأمر بنظر الاعتبار، إضافة إلى أننا سنجد أيضاً الإمامة لها أثر كبير وفعال، في صحاح المسلمين (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(١٥١) ففي سكرات الموت تسأل عن إمامك، إذ أن الحديث (من مات ولم يعرف إمام زمانه) يعني في القبر أيضاً سؤال منكر ونكير: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ من إمامك؟ لأنه يقول: (من مات ولم يعرف إمام زمانه) فربط قضية الموت بمعرفة إمام الزمان.
في ساحة المحشر كذلك (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ)(١٥٢).
إذن المسألة واضحة، وأنت تعيش الآن في الحياة _ وعمرك طويل _ فالسؤال الذي يوجه إليك وإلي، القرآن الكريم يتحدث عنه، وهو: من إمامك؟ من هنا لابد أن تعرف من إمامك وإلا في عالم البرزخ ونحن مذهولون لا نعرف كيف نجيب.
المسألة لا تقتضي مقدمات ولا تقتضي تطويل حديث، مسائل واضحة (بَلِ الإِْنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)(١٥٣) لكن الناس غافلون عن هذه الحقيقة، وكفر الناس لا يلغي الحقائق، إذ أن الحقائق موجودة، لكن من أين نأخذ الحقائق؟ الله تبارك وتعالى عندما خلقنا بهذا الشكل وأمر الملائكة أن تسجد للإنسان _ ونحن نتحدث في عصر انقلبت فيه الموازين والمقاييس بالكامل _ من أين نأخذ الحق؟ إلى أين نتجه؟ هل نتجه إلى أهل الباطل ونأخذ منهم الحق أم المعرفة نأخذها من أهل الجهل والحمق؟ أم نذهب إلى أهلها؟
القرآن الكريم يوجهنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(١٥٤) والقرآن يؤكد أن كل كلمة يقولها رسول الله صلى الله عليه وآله هي وحي يوحى، سواء آية أو حديث (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى).(١٥٥)
بعد ذلك القرآن الكريم يبين أن رسول الله ليس فقط فعله حجة وشرع وأحكام، وإنما قوله حجة وتقريره حجة، وحتى ملامح وجه رسول الله حجة وحكم إسلامي، فإذا كان راضٍ أو كان غاضباً ملامح وجهه تعتبر حكماً إسلامياً.
فإذا كان الأمر هكذا فإن الرسول صلى الله عليه وآله أكد في حياته على ولاية أهل البيت عليهم السلام، وأكد على ولاية الأئمة الاثني عشر، وأكد على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، حتى يصل إلى الإمام الثاني عشر، الإمام الحجة المهدي عجل الله فرجه.(١٥٦)
هذا الحديث الذي أقوله ليس من كتب مدرسة معينة في الإسلام، بل كل المدارس الإسلامية وكل المسلمين، أنقل لكم هذا الحديث: الرسول عندما يصل إلى الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه يكثر بالحديث عنه، يتحدث عن مواصفاته، يتحدث عن ملامح وجهه(١٥٧)، يتحدث عن علامات آخر الزمان(١٥٨)، يتحدث عن شكل الإنسان في ذلك الزمان(١٥٩)، يتحدث عن وسائل النقل(١٦٠)، يتحدث الرسول عن العلامات التي تظهر في السماء وفي الأرض(١٦١)، يتحدث عن الجيوش التي يقودها الآخرون مثل جيش الدجال وجيش السفياني وجيش اليماني، وهذه كلها تخرج والناس ينظرون إليها(١٦٢)، يتحدث أن الشمس تشرق من المغرب(١٦٣)، يتحدث بظهور عمود من نار فيطبق الليل بالنهار، الكرة الأرضية تصبح في النهار وفي النور، يتحدث أن الإمام المهدي إذا ظهر يقف بين الركن والمقام يخطب وكل من على وجه الأرض من إنسان يسمع صوته ويرى شخصه بلسان فصيح وبكل لغات العالم(١٦٤) في نفس اللحظة، وفي نفس اللحظة يسمعون الصيحة التي تأتي من السماء من قبل جبرئيل، لا يبقى ذو روح في الأرض إلا يسمع تلك الصيحة: ألا يا أهل العالم لقد خرج مهدي آل محمد صلى الله عليه وآله.(١٦٥)
بعد ذلك يعطي مواصفاته بدقائق: يخرج الإمام من ولدي، الإمام المهدي ابن أربعين عاماً(١٦٦)، لكن هو عمره مديد لأن ولادته سنة ٢٥٥_ وهو نفس رقم آية الكرسي _ للهجرة ليلة النصف من شهر شعبان، ولد لأبيه الإمام الحسن العسكري، والإمام الحسن العسكري، ابن الإمام علي الهادي ابن الإمام محمد الجواد ابن الإمام علي الرضا ابن الإمام موسى الكاظم باب الحوائج ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام علي زين العابدين ابن الإمام الحسين، والحسين بن علي بن أبي طالب، الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله.
الإمام يصفه رسول الله صلى الله عليه وآله، يصف علامات وجهه: أقنى الأنف، خالٌ أسود على خده الأيمن، وجهه كأنه كوكب دري(١٦٧)، إذا مشى الإمام سلام الله عليه على رأسه غمامة _ كل ذلك حتى لا نضل عن الحق _ يمشي وعلى رأسه غمامة فيها مناد ينادي: أيها العالم هذا خليفة الله المهدي.(١٦٨)
هذه الصفات كلها يذكرها النبي، والأحاديث الواردة فيها يذكرها الشيعة والسنة بالإجماع، ولا فرق بين الشيعة والسنة، لكن أقولها لمعنى.
وتأخذ الكتب تتحدث عن الإمام المهدي، فلاحظ الإمام المهدي في صحيح البخاري(١٦٩) وفي صحيح مسلم(١٧٠) وفي كل الكتب، ولكن لا تسمع أحداً يتحدث عن الإمام المهدي في خطبة يوم الجمعة، ولا تسمع أحداً يتحدث عن الإمام المهدي في إذاعة أو تلفزيون.
لكن العالم كله يتحفز علم أم لم يعلم، شاء أم أبى، كل إنسان على الأرض اليوم بفطرته وواقعه ينتظر قدوم الإمام المهدي عجل الله فرجه، ولذلك موجة التشكيك كثرت هذه الأيام وموجة اليأس أنه إذا ظهر الإمام كيف يقابل هذه الأسلحة الفتاكة أو هذه القنابل الذرية، وهذه طبيعة الناس من أيام إبراهيم الخليل، فالناس لما نظروا إلى إبراهيم كيف قابل الفراعنة والنماردة، قابلهم بجيش نظامي لأول مرة، أول من أسس الجيوش بالأرض هو إبراهيم الخليل قاد الجيش فانتصر على أعداء الله(١٧١)، وبنى البيت الحرام.
فلما مرّت الدنيا ومضى التأريخ الناس الذين كانوا ينتظرون موسى بعد إبراهيم قالوا: كيف موسى سيأتي بالجيش الآن؟ الفراعنة في مصر عندهم جيش نظامي عرمرم لا يمكن لموسى أن يقابل هذا النظام وهذا الجيش، وإذا يأتي موسى بما لم يكن في الحسبان، بتسع آيات بينات وبعصاه التي تلقف ما يأفكون وبالبحر هل سمعت بمثل ذلك؟ لو أن إنساناً يحدثك، يقول لك: إن الله سيبعث نبياً يستخدم البحر لضرب أعدائه، يلطمهم بالبحر، فستقول: كيف يلطمهم بالبحر؟ وإذا ظهر موسى عليه السلام ضرب البحر وإذا البحر قوة هائلة يحركها موسى كما تحرك الخاتم بإصبعك مع التسع آيات مع العصا.
بعد ذلك الناس الذين كانوا ينتظرون قدوم عيسى قالوا: كيف يأتي عيسى والآن المسألة انقلبت والمعايير تغيرت والموازين تحولت، الآن أطباء وعلماء في هذا العصر يأتون للإنسان الذي يصل إلى درجة قريبة من الموت فيشافونه ويعالجونه بدقة متناهية، كيف يستطيع عيسى أن يتقدم؟ أي هل يمكن أن يأتي بنفس الآيات؟! فإن آيات موسى لا تؤثر الآن في هذا الزمن، فجاء بقوة بالغة، وإذا به ليس فقط يشفي المرضى وإنما يبرئ الأكمه والأبرص من دون دواء، وإنما بمسحة يد فقط بعد ذلك يحيي الموتى، قال لهم: (وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ)(١٧٢) وما أحيي الميت الذي مات قبل ساعة، بل أمشي معكم إلى قبر مات صاحبه قبل خمسمائة عام وبدنه كالرميم أنا أناديه فيقوم وينفض التراب عن بدنه ويقف أمامكم، وإذا تلك العظمة التي أعطاها الله لعيسى، وخرج عيسى والناس ينتظرونه، دائماً البشرية تنتظر مخلص _ التفت إلى القرآن حتى تعرف أن قضية الإمام المهدي عجل الله فرجه قضية فطرية في عقيدتنا وفي أعماقنا يجب أن نلتفت إليها _ وإذا البشرية تنتظر قدوم عيسى وعيسى يخرج بهذه الآيات العظيمة (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً)(١٧٣) وينبئ الناس بما يأكلون.. الأطباء كانوا في زمن عيسى إذا نظروا للشخص يقولون له: أكلت كذا وكذا، عيسى عليه السلام كان ينبئهم بما يدخرون في بيوتهم من الطعام ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله وينبئهم بما كان وما يكون..(١٧٤) ثمّ امتدت البشرية.
أبين لكم هنا ملاحظتين:
الأولى: مسيرة البشرية
ملاحظة: هذه الليلة خاصة بصاحب الأمر الإمام الحجة، والقرآن عندما يتحدث عن مسيرة البشرية يقول: إن البشرية بدأت من آدم ثم انطلقت من بعد آدم حتى وصلت إلى نوح فأغرقها بالطوفان، فانطلقت البشرية من سفينة نوح والذين في السفينة هم أصبحوا آباء البشر، ثم سارت المسألة أيضاً إلى موسى وانطلقت البشرية من أيام موسى، ثم يكون عيسى مكملاً لحركة موسى عليه السلام فتنطلق القضية من عيسى إلى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله.
بعد ذلك تنهمر الخيرات على العالم أجمع، والله يرسل النبي رحمة للعالمين، ويقول: (وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).(١٧٥)
بسم الله الرحمن الرحيم (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهذَا الْبَلَدِ الأَْمِينِ)(١٧٦) التين إشارة إلى الشجرة التي أكل منها آدم(١٧٧)، الزيتون إشارة إلى نوح لأنه عندما هبطت السفينة استوت على الجبل، نوح أرسل الحمامة ليستكشف ويستطلع هل هناك حياة فجاءت الحمامة بغصن الزيتون دليلاً وعلامة على أن الحياة موجودة(١٧٨)، وإلى الآن يعتبرونه رمزاً للسلام والمحبة، فإذن الزيتون إشارة إلى نوح. وطور سينين لموسى(١٧٩)، والبلد الأمين هو مكة المكرمة لرسول الله.(١٨٠)
(لَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ).
فتمشي البشرية بهذه المسيرة، وإذا بعد قضية عيسى المؤمنون الذين كانوا ينتظرون قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله أيضاً كانوا يتعجبون، الآن الرسول إذا جاء كيف يستقبل هذا العالم؟ هل يستقبله بقوة عيسى التي هي قوة الطب؟ العالم اليوم _ في عصر رسول الله _ تأكله الفوضى ويضربه الخوف، وفيه شيء بارز عظيم اسمه البلاغة والفصاحة، هذا السلاح الوحيد الذي عندهم، ولا يمكن لأي داعية ولأي مصلح أن يرفع صوته، فإنه يصفى جسدياً بأقرب فرصة لأن القبائل كلها تعتبر قتل الإنسان كقتل ذبابة، فمن المستحيل أن ينجح قائد بالجزيرة العربية في تلك الأحوال، لأن الوضع كان كما قالت فاطمة الزهراء: (وكنتم تشربون الطرق وتقتاتون القدّ والورق أذلّة خاسئين تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله بأبي محمد صلى الله عليه وآله).(١٨١)
وإذا الرسول يأتي للعالم، بأي شيء جاء وهو أفصح من نطق بالضاد؟ جاء بالقرآن الكريم، بمجرد أن سمع العرب وزعماء العرب بمجرد أن سمعوا سورة الحمد خفوا وأسرعوا إلى المعلقات السبع في بطن الكعبة وأنزلوها قائلين: عيب وعار عليكم تعلقون المعلقات بعد ما سمعتم هذه السورة وهذا الكلام.
الآن لأننا نحن بعدنا عن اللغة العربية لا ندرك هذا العمق الأدبي الموجود.
بعد هذا كله مسألة التصفية الجسدية لرسول الله، أيضاً جعله الله في حصن حصين، وعلينا أن ندرك كم هو عظيم موقف عمه أبي طالب عليه السلام هذا الذي دافع عن الرسول وحامى عنه ونصره، أبو طالب الذي هو قمة الإيمان وقمة الإسلام، لكن مع الأسف الشديد نسمع من البعض يقول بأن أبا طالب كان كافراً. ولا يمكن أن يكون أبو طالب كافراً أبداً، لأن فاطمة بنت أسد كانت تحته إلى آخر لحظة من حياتها، ولو كان كافراً لفرّق رسول الله صلى الله عليه وآله بين أبي طالب وبين فاطمة بنت أسد، هذه أمور واضحة، ثم الرسول أعلن عام الحزن ونكس الأعلام حزناً لموت أبي طالب وخديجة، فإذا كان مشركاً أبو طالب لا يمكن أن تنكس الأعلام من أجل موت مشرك وكافر.
فمن هذا المنطلق ترى أن الناس الآن ينتظرون قدوم المصلح الإمام المهدي ويتطلّعون كيف يقابل هذه الأساطيل وكيف يقابل هذه الدبابات والصواريخ والغواصات والأقمار الصناعية التي تدور، فهذه الكرة الأرضية محزمة الآن بحزام كبير من الأسلحة والمعدات، كيف سيقابل الإمام المهدي هذه الأسلحة؟!
فإذا أخذت بعين الاعتبار هذا المعنى، كل نبي عندما يأتي وكل ولي عندما يأتي يخرج بسلاح لم يكن في الحسبان، فتدرك أن السلاح الذي يخرج به الإمام المهدي لم يكن في الحسبان ولكن أمير المؤمنين عليه السلام أشار إليه، قال: (أصحاب الإمام المهدي الذين يجتمعون عنده كقزع الخريف)(١٨٢) مثل السحاب الواحد منهم يحمل سيفاً إذا وجه سيفه إلى جبل شقه نصفين، وهذا يعني أن السيف غير السيف الذي نحن نتصوره، يعني سلاحاً آخر.
العلم الذي يخرجه رسول الله صلى الله عليه وآله من خلال ولده الحجة عجل الله فرجه يقول: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَْرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأَْمْرُ جَمِيعاً).(١٨٣)
فرحلة العلم في القرآن تصل أنها تسير الجبال وتقطع الأرض وتكلم الموتى، بحيث تحكي مع الميت وتسمع جوابه. هذا العلم موجود عند صاحب الأمر عند الإمام الحجة عجل الله فرجه فإذا ظهر يبدأ العلم ينتشر في دولته. والمرأة اليوم التي هي محط رحال ونقطة ساخنة في البحث والحقوق يقال: إن المرأة في دولة الإمام المهدي عجل الله فرجه لتقضي بكتاب الله وسنة نبيه(١٨٤)، يعني تكون قاضية، ونحن عندنا الآن كلام فقهي بفقه القانون حول أن المرأة هل تصلح لأن تصبح قاضية أم لا، وفي الأخبار أن المرأة تصل إلى مرحلة من الفقه بحيث تقضي وتستنبط الأحكام الشرعية من القرآن والسنة النبوية، مع أدلة العقل والإجماع، لكن بوجود الإمام الإشارة إلى مصدرين فقط مصدر القرآن والسنة النبوية، وأنها لتأتي من العراق إلى الشام _ كما يقول أمير المؤمنين _ فلا تطأ قدماها إلا على الكلأ والعشب(١٨٥)، وقلت لبعض الإخوة: إن هذا الحديث فيه إشارة إلى أن المرأة دائماً تحتاج إلى حماية فعندما يقول الإمام علي عليه السلام أن المرأة لتأتي من العراق إلى الشام، يكشف بهذا الحديث عن الحالة الأمنية في العالم كله، حالة الأمن، ليس هناك ظلم وليس هناك طغيان وليس هناك قلق.
وفي الأخبار أن الإمام يضرب عنق الشيطان ويقتله، فلا يوجد شيطان إلى يوم يبعثون، في بعض التفاسير: عندما يبعث الإمام عليه السلام يقتل الشيطان وينشر الإسلام في كل ربوع الأرض وينشر الحالة العلمية والعدالة الاجتماعية والحق، بحيث ما من إنسان إلا ويستعذب طعم الإيمان وحلاوة العدالة الاجتماعية ويعرف حق أهل البيت ويعرف حقيقة هذا البيت الطاهر لماذا أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً(١٨٦)، ويعرف لماذا طلب منا مودتهم وأمرنا بمحبتهم فقال جل وعلا: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى).(١٨٧)
فإذا ظهر بأبي وأمي، وقريباً ما يظهر إن شاء الله، وهذا ليس حلماً نتكلم عنه، وإنما علامات يأخذ بعضها بالبعض الآخر، كل العلامات التي ذكرت وقعت وتحققت باستثناء أربع علامات: الصيحة وخروج السفياني والدجال وخروج الشمس من المغرب، هذه أربع علامات كلها تحصل في أربع وعشرين ساعة، الله يعالج هذا الأمر بين ليلة وضحاها، قبل أربع وعشرين ساعة، أنت لا تسمع شيء بعدها العالم كله يتحدث بظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه.
الثانية: ظهور الإمام
الإمام يخرج بالكوفة ويتخذ مسجد السهلة _ وهو مسجد بالكوفة في العراق _ يتخذه بيتاً له ويقول: إن إبراهيم كان يسكن بهذا المسجد والأنبياء(١٨٨)، ثم يبني مسجداً له ألف باب(١٨٩)، إذا كانت المسافة بين باب وباب عشرة أمتار فعلى أقل تقدير ذلك يعني عشرة آلاف متر يعني عشرة كيلو مترات، فإذا كان مسجد بهذا العمق فإن ذلك يعني أن وسائل النقل سوف تكون كما في بعض الأخبار ربما يكون الإنسان نائماً في داره على السطح ويريد أن يلتقي بالإمام عليه السلام فيلتقي به بأسرع من غمضة عين، هذا العلم أيضاً موجود في القرآن الذي أحضر فيه آصف بن برخيا عرش بلقيس قبل أن يرتد إليه طرفه، هذا العلم موجود عند الإمام، فيستخدم هذا العلم بوسائل النقل.
فمعناه إذا أقيمت صلاة الجماعة في الكوفة والإمام المهدي عجل الله فرجه يصلي، فيمكن أن يأتي المصلون من كل مكان من العالم، لا حاجة إلى جواز ولا هوية، فالكرة الأرضية تكون كلها بيت واحد وقرية واحدة، والكرة الأرضية اليوم وإن كانوا يعبرون عنها بأنها قرية واحدة لكنها بعيدة المسافة، فبين بيت وبيت مسافات وفترات طويلة، والمصيبة أن الغرب الذين لا يعتقدون بالإسلام طبقوا هذا الشيء بينهم، فترى أمريكا المؤلفة من اثنين وخمسين دولة دولة واحدة، والصين كذلك، والسوفيت أيضاً باستثناء المسلمين..سبحان الله بين دولة ودولة _ تلاحظ _ ليس بينها إلا مرمى حجر، وإذا أنت المسلم سافرت إلى هذه الدولة وانتقلت من تلك الدولة فكأنما العالم انقلب.
وكأن الأمر بالعكس فنحن أهل الخير، هذه بلادنا الإسلامية العربية كلها خير وكلها عطاء، وجعلها الله في هذا الموقع العظيم، وجعل الله فيها الخيرات كلها.
ليس فقط الخيرات المادية، بل الخيرات المعنوية، فمثلاً عند هذه السيدة الطاهرة رقية، عمرها أربع سنين، وهي قطعة من نور رسول الله صلى الله عليه وآله، بنت الإمام الحسين، ولها قدر وجلالة عند الله سبحانه وتعالى، ودائماً أذكّر الاخوة أن هذه الطفلة قد ماتت على رأس أبيها الحسين، وأن هذه المنطقة منطقة مقدّسة، وهي منطقة الزيتونة التي وردت في القرآن الكريم، والتي ذكر المفسرون أن مكانها في الشام.
فلاحظ أنت كم عندنا حقائق وعندنا نعم وآلاء لا يمكن للإنسان أن يحصيها أو يعدها، فالانتماء إلى أهل البيت عليهم السلام هو بحد ذاته نعمة كبرى لا تحد أبداً.
ففي هذه الليلة المباركة، ليلة القدر، بسم الله الرحمن الرحيم (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ).(١٩٠)
تصور الليلة الملائكة تتنزل والروح ينزل معها، في الأخبار الروح أكبر من جبرئيل لأن جبرئيل من الملائكة، فالروح خلق عظيم ينزل مع الملائكة(١٩١) على الرسول صلى الله عليه وآله ويستعرض القرآن على رسول الله، لذلك حديث الثقلين يبين لكم هذه الفلسفة (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، وقد نبأني الخبير اللطيف أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).(١٩٢) أي أنه لا يوجد افتراق بين القرآن وبين العترة.
فالآن هذا الحديث يؤكد وجود الإمام المهدي عجل الله فرجه لأن الرسول قال: لن يفترقا، فمعناه أن الملائكة والروح تتنزل بالقرآن على المؤمنين والمؤمنات، ولكن قبل المؤمنين والمؤمنات تنزل على حجة الله في الأرض، ابن رسول الله الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
ففي مسجد السهلة بيته وأهله، ثم ينطلق من الكوفة مع ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً، وهم الأبدال والمخلصون، وهم من مصر والشام _ في الأخبار _ والعراق واليمن ومناطق أخرى، من قم، لكن أكثرهم _ خصوصاً الأبدال _ من الشام، والشام تشمل الحوض المتوسط كله، حتى بيت المقدس يدخل فيها، هؤلاء الأبدال والمخلصون يجتمعون عنده في مسجد الكوفة ثم يتحرك الإمام عليه السلام إلى مكة المكرمة.
وفي هذا الوقت بالذات يكون السفياني قد ظهر بجيشه، والدجال قد ظهر.
وبعد صيحة جبرئيل تسمعون صيحة الشيطان، لأنه هناك اختبار، فالشيطان يكذب صيحة جبرئيل، حتى أن قسماً من أصحاب الرسول ومن بينهم سلمان وأبوذر سألا رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف الإنسان يحفظ عقيدته ويعرف طريقه؟ أرشدهم الرسول وأهل البيت إلى قراءة سورة الكهف في كل يوم جمعة، فالذي يقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة لا يضل وإنما يمشي على الحق ويعرف الإمام عليه السلام، وإذا لم يستطع ان يقرأها فيقرأ الآيات العشر الأولى منها.(١٩٣)
ومن جملة الأمور التي تحفظ الإنسان وتجعله محباً للإمام الحجة عجل الله فرجه قراءة سورتي العنكبوت والروم في هذه الليلة، يقول الإمام الصادق عليه السلام لأبي بصير: (والله يا أبا محمد ما من أحد مؤمن قرأ هاتين السورتين ليلة القدر إلا وجبت له على الله الجنة).(١٩٤)
فيتحرك الإمام من الكوفة إلى مكة المكرمة بجيشه، ويدخل هناك ويسند ظهره بين الركن والمقام وجبرئيل معه، والعالم كله ينظر إليه، فيخطب الإمام.
ثم بعد ذلك كله يتحرك الإمام إلى بيت المقدس، إلى المسجد الأقصى ويصلي هناك بالناس وكل العالم يرون الإمام كيف يصلي، وفي تلك اللحظة ينزل عيسى بن مريم من السماء حتى كل أهل الكتاب _ اليهود والنصارى _ يرونه، لأن اليهود ينتظرون عيسى أيضاً والنصارى كذلك يرون عيسى نزل والإمام يقدّمه للصلاة، فعيسى يتراجع ويمسك عضد الإمام يقول: بكم تقام الصلاة يابن رسول الله، فيصلي خلفه.(١٩٥)
أما ما هو واجبنا ورسالتنا تجاه الإمام روحي فداه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج)(١٩٦) فانتظار الفرج عمل، والعمل بأي شيء؟ أول ما نبدأ بحل مشكلاتنا، فصلة الأرحام مقطعة، الله الله.. هذا الكلام هو أس البحث ولب الجوهر وقلب الحقيقة، إذا لم أقله أنا مسؤول أمام الله، وكلكم مسؤولون هذا شهر رمضان افتح قلبك لأرحامك الآن سلم عليهم اذكرهم لا تسمح للشيطان أن يغير رأيك، لأنك في تجارة مع الله، الآن أنا لساني إذا وجدت فيه كذباً أو نفاقاً أو غيبة أو نميمة احفظه من الليلة، فالليلة ليلة توبة وتطهير، ليلة تصفية حسابات مع الشيطان، وانظر إلى اللسان، الآن العين ظاهرة، الأنف ظاهرة، الأذن ظاهرة، اليد والجوارح ظاهرة، اللسان مسجون بسجون، شفتان، هذان سجنان، الفكان والأسنان والشدقان، وبين هذه السجون اللسان إذا خرج عقر ودمّر وهدم البيوت، فكلمة واحدة ممكن يقولها الإنسان بلسانه تهوي في جهنم سبعين خريفاً، الغيبة والنميمة والبهتان والتهم، لاحظوا التهم التي دائماً نوزعها على الناس بالمجان، على نساء على رجال، (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً)(١٩٧).
فإذا أردنا أن نأخذ رحمة وجائزة هذه الليلة لابد أن نصفي أنفسنا، يجب أن نكون أهلاً للتلقي.
الإنسان الليلة يتجه إلى الله (وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ).(١٩٨) فإن الاتجاه إلى الله يفتح لنا آفاق الدعاء والإجابة والصلاة، فإن الصلاة تحفظ الشباب من هذا الضياع وهذا التيه، وتحفظ الأسرة، وكذلك الدعاء وقراءة القرآن الكريم وصلة الأرحام، فلنتوكل على الله وننتبه لأنفسنا ونحسن علاقتنا مع إمام زماننا الذي ننتظره، والذي ورد أن انتظاره أفضل الأعمال كما قلنا سابقاً، فقد ورد في الحديث أن أفضل العبادة انتظار الفرج.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

 



 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) العنكبوت (٢٩): ٢.
(٢) الكافي: ١/ ٣٧٦ الباب الأول _ الحديث ١ _ ٤، المحاسن للبرقي: ١/ ٩٢ الحديث ٤٦، إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤٠٩ الحديث ٩، الإيضاح لابن شاذان: ٧٥، مجمع الزوائد: ٥/ ٢٢٤، مسند أبي داوود: ٢٥٩، كنز العمال: ١/ ٢٠٣ الحديث ٤٦٤، وفي صحيح مسلم: ٦/ ٢٢ والسنن الكبرى للبيهقي: ٨/ ١٥٦ بلفظ (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)....
(٣) النور (٢٤): ٥٥.
(٤) تهذيب الأحكام: ٣ /١٨٥ الحديث ٤١٩، وسائل الشيعة: ٨/ ١٠٦ الحديث ١١٨٢.
(٥) الأنبياء (٢١): ١٠٥.
(٦) عيون أخبار الرضا عليه السلام: ١/ ٢١٨، إكمال الدين وإتمام النعمة: ٦٦.
(٧) المائدة (٥):٣.
(٨) نهج البلاغة: ٢/ ٥٤، الكافي: ١/ ٦١ الحديث ٧.
(٩) المقصود هو حكومة الجمهورية الإسلامية في إيران.
(١٠) الاحتجاج:٢/٢٥٢، الخرائج والجرائح: ٣ /٩١.
(١١) النور (٢٤): ٥٥.
(١٢) النور (٢٤): ٥٥.
(١٣) الرحمن (٥٥): ٧ _ ٩.
(١٤) كان ذلك حينما كان لأمريكا اليد الطولى في تأسيس حركة الطالبان في أفغانستان، وهي أول من اعترف بحركة الطالبان كدولة رسمية مع عدم اعتراف الأمم المتحدة بها.
(١٥) كان ذلك في انتفاضة ١٥ شعبان المباركة حينما أطاح الشعب العراقي بنظام البعث في ١٤ محافظة، ولكن وبعد اتفاقات بين أمريكا والنظام البعثي حيث أذنوا له في إجهاض الانتفاضة المباركة فقتل من الشعب أكثر من نصف مليون بحسب الإحصائيات الرسمية.
(١٦) وذلك عام (١٩٩٨م).
(١٧) أي الإمام روح الله الموسوي الخميني قدس سرّه.
(١٨) الكافي للكليني، ج ١: ٣١٠، ح ١٣، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب، ج ٣: ٤٣٤.
(١٩) راجع: إثبات الوصية للمسعودي: ٢٢٢.
(٢٠) الصافات، الآية: ١٤٣ _ ١٤٤.
(٢١) الأنبياء، الآية: ٦٩.
(٢٢) الشعراء، الآية: ٦٣.
(٢٣) كفاية الأثر للخزاز القمي ص ٢٩، وغاية المرام للبحراني ج ١: ٢٤، وشرح إحقاق الحق للمرعشي ج ٩: ٣٠٧، ج ١٨: ٥٥٣، ج ٢٤: ٣٤١ _ ٣٥٢.
(٢٤) الامامة والتبصرة لابن بابويه ص ٨، ٤٤، ٢٥، والغيبة للنعماني ص ٥٠، ٧٨، والكافي للحلبي ص ٩٧...
(٢٥) المعيار والموازنة للاسكافي ص ٢٤، ٢٠٩، ٣٢١. وكتاب السنة لابن أبي عاصم ص ٤٣، ٤٢٢... والامامة والتبصرة لابن بابويه ص ١٠، ٣٣، ٦٣...
(٢٦) سنن أبي داود ج ٢: ٣٠٩، والمستدرك للحاكم ج ٤: ٤٦٤، ومجمع الزوائد ج ٥: ١٨٠ وج ٧ ص ٣١٣، ودلائل الإمامة للطبري، ص ٩، ١٣٤، ١٨٤،... والتوحيد للصدوق ص ٨٢، والاعتقادات للشيخ المفيد ص ٩٥، ١٢٢، ورسائل في الغيبة للشيخ المفيد ص ١٢.
(٢٧) الثاقب في المناقب لابن حمزة ص ٦٠٦، وينابيع المودة للقندوزي ج ٣: ٣٢٥.
(٢٨) مريم، الآية: ٣٠.
(٢٩) سورة القصص، الآية ٥.
(٣٠) هو الشاعر المرحوم السيد حيدر الحلي قدس سره.
(٣١) الحجرات: الآية ١٢.
(٣٢) راجع مستدرك الوسائل للنوري ج ١٢ ص ١٦٥، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص ٣٨٧.
(٣٣) أبو الحسن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، كان شيخ القميين في عصره وفقيههم وثقتهم، وكفى في فضله ما في التوقيع الشريف المنقول عن الإمام العسكري عليه السلام: (أوصيك يا شيخي ومعتمدي وفقيهي يا أبا الحسن...إلخ). توفي سنة ٣٢٩ ودفن في قم، وقبره الآن يزار ويتبرك به.
راجع: الكنى والألقاب: ١/ ٢٢٢.
(٣٤) لاحظ: الكافي: ٢ / ١٨٨ باب إدخال السرور على المؤمنين / الأحاديث ٨ و١٠ و١٢.
(٣٥) سورة النور، الآية: ٥٥.
(٣٦) راجع تفسير القرطبي، ج ١٢: ٢٩٧، تفسير ابن كثير، ج ٣: ٣١٢، الدر المنثور للسيوطي ج ٥: ٥٥، التبيان للشيخ الطوسي، ج ٧: ٤٥٤، مجمع البيان للطبرسي، ج ٦: ١٥٨.
(٣٧) سورة البقرة، الآية: ١٤٣.
(٣٨) راجع تفسير ابن كثير، ج ٣: ٣١١، مجمع البيان للطبرسي، ج ٧: ٢٦٧، تفسير الميزان للطباطبائي، ج ١٥: ١٥٤.
(٣٩) راجع التبيان للشيخ الطوسي، ج ٧: ٤٥٧، مجمع البيان للطبرسي، ج ٧: ٢٦٧، الغيبة للنعماني: ٢٤٠، وايضا ابن كثير في تفسيره ج ٣: ١٣٢، قال: ثم قد يوجد منهم من بقي في الوقت الذي يعلمه الله تعالى، ومنهم المهدي الذي اسمه يطابق اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنيته كنيته...
(٤٠) راجع صحيح الترمذي، ج ٣: ٣٤٣، مسند احمد، ٣٧٦، ٤٣٠، أما ابن تيمية فقد رواه في كتبه ايضاً، راجع كتابه منهاج السنة، ج: ٤: ٩٥، والمنار المنيف، ج ١: ١٤٣.
(٤١) راجع الاحتجاج للطبرسي، ج ٢: ٢٨٣، كمال الدين للصدوق، ج ٢: ٤٨٣.
(٤٢) راجع الاحتجاج للطبرسي، ج٢: ٢٦٣.
(٤٣) سورة القصص، الآية: ٥.
(٤٤) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٥.
(٤٥) سورة النور، الآية: ٥٥.
(٤٦) راجع مسند احمد، ج ١: سنن ابن ماجة، ج ٢: ٩٢٩،...
(٤٧) راجع مسند أحمد، ج ١: ٢٧٦، سنن أبي داود، ج ٢: ٣٠٩، سنن الترمذي، ج ٣: ٣٤٣، المستدرك للحاكم، ج ٤: ٤٤٢.
(٤٨) صحيح البخاري، ج ٤: ١٤٣، صحيح مسلم، ج ١: ٩٤.
(٤٩) سورة الحجر، الآية: ٩.
(٥٠) راجع التبيان للشيخ الطوسي، ج ١: ٥، تفسير مجمع البيان للطبرسي، ج ١: ٣٩، عدة الاصول للشيخ الطوسي، ج ٢: ١٣٨، وروي أيضاً بلفظ: "فردوه علينا، فاطرحوه، فدعوه..." راجع المقنع للصدوق: ٣١٢، الكافي للكليني، ج ١: ٦٩.
(٥١) صحيح البخاري، ج ٦: ٤٧، ج ٧: ٢٢٥، ج ٨: ١٦٧ و١٨٦.
(٥٢) سورة الأنعام، الآية: ١٠٣.
(٥٣) صحيح البخاري، ج ٢: ٩٢، ج ٤: ١٣٠.
(٥٤) راجع الصواعق لابن حجر: ١٠٠، مقدمة ابن خلدون: ٣٥٢.
(٥٥) راجع الغيبة للنعماني: ٣١٥، باب ٢٠، ح ٨، الغيبة للطوسي: ٢٨٤.
(٥٦) سورة البقرة، الآية: ٣.
(٥٧) راجع كمال الدين للشيخ الصدوق: ٣٤٦.
(٥٨) راجع التوقيع الشريف الى الشيخ المفيد في كتاب الاحتجاج للطبرسي ج٢: ٣٢٢_ ٣٢٥: وفيه: (.. ونحن وإن كنا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين... فإنّا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يغرب عنّا شيء من أخباركم...إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء...)، وفي توقيع آخر: (... لأننا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب...).
(٥٩) كمال الدين للصدوق: ٦٧٤، ولفظه: عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: (اذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت بها أحلامهم).
(٦٠) كمال الدين للصدوق: ٦٤٤، وروي أيضاً بلفظ: (أفضل العبادة انتظار الفرج).
(٦١) عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إذا قام القائم عليه السلام لم يقم بين يديه أحد من خلق الرحمن إلا عرفه صالح هو أم طالح...)، راجع كمال الدين للصدوق: ٦٧١، ح ١٩_ ٢٠.
(٦٢) الكافي للكليني، ج١: ٣٧٢، ح٦، كتاب الغيبة للنعماني: ٢٠٠.
(٦٣) لاحظ الكافي ١ / ٣٧٠ باب أنه من عرف إمامه لم يضره تقدم هذا الأمر أو تأخر، إكمال الدين وإتمام النعمة / ٦٤٤ باب ما روي في ثواب المنتظر للفرج.
(٦٤) راجع سنن الترمذي، ج٥: ٣٢٨، السنن الكبرى للنسائي، ج٥: ٤٥، المعجم الكبير للطبراني، ج٥: ١٥٤ _ ١٨٦،....
(٦٥) سورة التوبة، الآية: ٣٣.
(٦٦) سورة القصص، الآية: ٥.
(٦٧) المستدرك للحاكم، ج٤: ٤٦٤، ٥٥٧.
(٦٨) كنز العمال للمتقي الهندي، ج١٤: ٢٦١، ح٣٨٦٥٣، ج١٤: ٢٦٤، ح٣٨٦٦٢.
(٦٩) راجع ذخائر العقبى للطبري: ١٣٦، لسان الميزان لابن حجر، ج٣: ٢٣٨.
(٧٠) راجع وفيات الأعيان لابن خلكان، ج٤: ١٧٦.
(٧١) راجع صحيح البخاري، ج٨: ١٢٧، صحيح مسلم، ج٦: ٣، مسند أحمد، ج٥: ٨٦ _ ١٠٧، سنن أبي داود، ج٢: ٣٠٩، المستدرك للحاكم، ج٣: ٦١٨.
(٧٢) صحيح مسلم، ج٦: ٢٢، ولفظ الحديث: (... ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية).
(٧٣) سورة النساء، الآية: ١٥٧.
(٧٤) سورة النساء، الآية: ١٥٨.
(٧٥) سورة التوبة: الآية: ٣٣.
(٧٦) القصص (٢٨): الآية ١٤.
(٧٧) راجع بحث حول المهدي للسيد الشهيد الصدر (قدس سره).
(٧٨) تفسير الرازي، ج٣: ٢١٣.
(٧٩) راجع معاني الاخبار للصدوق: ٥٦، ح٤، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب، ج١: ٢٧.
(٨٠) المناقب لابن شهر آشوب، ج١: ٢١٤، مسند أحمد، ج٤: ٦٦ وفيه (آدم بين الروح والجسد)، كنز العمال للمتقى الهندي، ج١١: ٤٥٠، ح٣٢١١٥، وفيه: (بين الروح والطين).
(٨١) راجع عقد الدرر للشافعي السلمي: ٢٤١، باب ١١، الفتن لابن طاووس: ٨٠، باب ١٨٢.
(٨٢) سورة الشورى، الآية: ٥٢.
(٨٣) سورة العنكبوت، الآية: ٤٨.
(٨٤) راجع تفسير الميزان للطباطبائي، ج١٨: ٧٧.
(٨٥) الكافي للكليني، ج١: ٥٤، باب لولا ان الأئمة يزدادون لنفد ما عندهم، ولفظ الحديث في الكافي: (لولا أنا نزداد لانفدنا).
(٨٦) سورة التوبة، الآية: ١٠٥.
(٨٧) راجع مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج٣: ٥٠٤، تفسير القمي، ج١: ٣٠٤.
(٨٨) راجع بصائر الدرجات للصفار: ٤٤٦، الأمالي للشيخ المفيد: ١٩٦.
(٨٩) ق (٥٠): الآية ١٦.
(٩٠) راجع الاحتجاج للطبرسي، ج٢: ٣٢٣.
(٩١) الاحتجاج للطبرسي، ج٢: ٢٩٧، كمال الدين للصدوق: ٥١٦، ح٤٤.
(٩٢) راجع البحار للمجلسي، ج٥٣: ٢٥٢.
(٩٣) راجع البحار للمجلسي، ج٥٣: ٣٠٢، ج١٠٢: ٤.
(٩٤) راجع توقيع الناحية المقدسة إلى الشيخ المفيد في كتاب الاحتجاج للطبرسي، ج٢: ٣٢٥، ولفظه: ولو أن اشياعناً وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا...
(٩٥) راجع مهج الدعوات لابن طاووس: ٣٣٤، البحار للمجلسي، ج٥٣: ٣٢٨.
(٩٦) راجع البحار للمجلسي، ج٥٣: ٣٣١.
(٩٧) نهج البلاغة ج٤: ٣٧.
(٩٨) البقرة، الآية: ٣٠.
(٩٩) النساء، الآية: ١٦٣.
(١٠٠) النساء، الآية: ١٦٥.
(١٠١) الكافي للكليني ج١: ١٦.
(١٠٢) عوالي اللئالي لابن أبي جمهور ج٤: ١٠٠. وبحار الانوار ج١: ٩٧.
(١٠٣) القصص، الآية: ٤٧.
(١٠٤) طه، الآية: ١٣٤.
(١٠٥) الإسراء، الآية: ١٥.
(١٠٦) المستدرك للحاكم ج٣: ٤٧٧.
(١٠٧) البداية والنهاية لابن كثير ج٥: ٢٢٨ وج٧: ٣٨٦.
(١٠٨) كمال الدين وتمام النعمه للصدوق، ص٢٥٣.
(١٠٩) كمال الدين وتمام النعمة، ص٣٣١.
(١١٠) العنكبوت، الآية: ١٤.
(١١١) الصافات، الآية: ١٤٤.
(١١٢) الحجر، الآية ٣٦ _ ٣٧.
(١١٣) ينابيع المودة للقندوزى ج٣: ٢٣٨ و٣٩٩، كمال الدين للصدوق ص٢٥٣.
(١١٤) العنكبوت، الآية: ٢.
(١١٥) الحجرات، الآية: ١٣.
(١١٦) آل عمران، الآية: ٥٩.
(١١٧) كمال الدين للصدوق ص٢٥٣.
(١١٨) بصائر الدرجات للصفار ص٥٠٨.
(١١٩) مقتضب الأثر للجوهري ص١٥.
(١٢٠) كفاية الأثر للخزاز القمي ص٢٢٧.
(١٢١) العنكبوت، الآية: ٣٢.
(١٢٢) القدر، الآية: ٤.
(١٢٣) الزمر، الآية: ٤٢.
(١٢٤) السجدة، الآية: ١١.
(١٢٥) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٢٥٣.
(١٢٦) اعلام الورى للطبرسي ج٢: ١٩٦، وكمال الدين للصدوق ص٣٢٠.
(١٢٧) راجع مستند الشيعة للنراقي ج١٧، ٥٢ والخرائج والجرائح للراوندي ج١: ١٧٤، وغيرها....
(١٢٨) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج٢: ٤٧.
(١٢٩) التوبة، الآية: ٣٣.
(١٣٠) فرائد السمطين ج٢: ٣٣٤ ح٥٨٥.
(١٣١) مسند احمد ج٣: ١٤، ٢٦، ٥٩... وسنن الترمذي ج٥: ٣٢٩، والمستدرك للحاكم ج١: ٩٣، ج٣: ١٠٩.
(١٣٢) الحجر (١٥): الآية ٩.
(١٣٣) الكافي للكليني ج١: ٣٧٧، المحاسن للبرقي ج١: ٩٢، وكمال الدين للصدوق ص٤٠٩.
(١٣٤) نهج البلاغة ج٤: ٤٧، ولفظه:"لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها".
(١٣٥) راجع ينابيع المودة للقندوزى ج٣: ٢٢١ ولفظه: ومن أمارات خروج الإمام المهدي (عليه السلام) مناد ينادي ألا إن صاحب الزمان قد ظهر... فلا يبقي راقد إلاّ قام... وأيضاً ص٢٩٧، وفيه: ألا إن حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه فإن الحق معه...
(١٣٦) راجع كتاب كمال الدين للصدوق ص ٤٢٥.
(١٣٧) مصباح المتهجد للشيخ الطوسي ص ٨٤٢.
(١٣٨) البحار للمجلسي ج ٥١: ٢٨، إثبات الهداة ج ٣: ٥٨١.
(١٣٩) اليقين لابن طاووس، ص: ٢٧.
(١٤٠) الزمر، الآية: ٦٩.
(١٤١) راجع البحار للمجلسي ج ٧: ٣٢٦.
(١٤٢) راجع سنن أبي داود ج ٢: ٣٠٩، سنن الترمزي ج ٣: ٣٤٣، مستدرك الحاكم ج ٤: ٤٤٢ و...
(١٤٣) إقبال الأعمال لابن طاووس ج ١: ٤٦٤، منتهى المطلب ج ٢: ٨٩٢، وسائل الشيعة (ط: الاسلامية) ج ١٠: ٣٦٧.
(١٤٤) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٥.
(١٤٥) سورة الزمر، الآية: ١٨.
(١٤٦) سورة البقرة، الآية: ٢٤٩.
(١٤٧) راجع روايات خلق نور النبي صلى الله عليه وآله وانه خلق قبل الخلق، السيرة الحلبية، ج١: ٣٠، مروج الذهب المسعودي؛ ج ١: ٣٢، الكافي للكليني، ج١: ٤٤٢، ح ٩.
(١٤٨) راجع المستدرك للحاكم، ج٣، ١٠٩، السنن الكبرى للنسائي، ج٥: ٤٥، مجمع الزوائد للهيثمي، ج٩: ١٠٤.
(١٤٩) راجع سبب نزول الآية المباركة وانها نزلت في غدير خم في علي بن أبي طالب عليه السلام في كتاب اسباب نزول للواحدي: ١٣٥، شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني، ج١: ٢٣٩، الدر المنثور للسيوطي، ج٢: ٢٩٨.
(١٥٠) سورة المائدة، الآية: ٦٧.
(١٥١) صحيح مسلم، ج٦: ٢٢، السنن الكبرى للبيهقي، ج٨: ١٥٦مجمع الزوائد للهيثمي، ج٥: ٢١٨، الكافي للكليني، ج١: ٣٧٦، وقد روي الحديث بالفاظ مختلفة، منها: (وليس في عنقه بيعة، وليس له إمام، وليس عليه إمام، ولا يعرف إمامه...)..الخ.
(١٥٢) سورة الإسراء، الآية: ٧١.
(١٥٣) سورة القيامة، الآية: ١٤.
(١٥٤) سورة الحشر، الآية: ٧.
(١٥٥) سورة النجم، الآية: ٤.
(١٥٦) راجع المناقب لابن شهر آشوب، ج١: ٣٠١، راجع كما الدين للصدوق، ج١: ٢٨٢ باب ٢٤، ح٣٥، الغيبة للنعماني: ٩٢، باب ٤، ح ٢٣.
(١٥٧) راجع الفتن لابن حماد: ١٠١، الملاحم لابن طاووس: ٧٣، باب ٦١، كمال الدين للصدوق: ٤٤٥، باب ٣، ح١٩.
(١٥٨) الفتن لابن حماد: ١٠١، وعنه الملاحم لابن طاووس: ٧٣، باب ٦١.
(١٥٩) مجمع الزوائد للهيثمي، ج٧: ٣٢٣، كنز العمال للمتقي الهندي، ج١١: ١٨٣، ح ٣١١٤٤.
(١٦٠) الغيبة للنعماني: ٣١٢، ح٣٢٠.
(١٦١) راجع الفتن لابن حماد: ٦٠، أمالي الشجري، ج٢: ٢٧.
(١٦٢) الغيبة للطوسي: ٢٦٨.
(١٦٣) الفتن لابن حماد: ٩، كنز العمال للمتقى الهندي، ج١١: ٦٣، ح ١٣٠٥٠.
(١٦٤) الغيبة النعماني: ٢٥٧، باب ١٤، ح ١٤.
(١٦٥) الغيبة للنعماني: ٢٥٣، باب ١٤، ح ١٣.
(١٦٦) الفتن لابن حماد: ١٠١، كنز العمال للمتقي الهندي، ج١٤: ٥٨٦، ح ٣٩٦٦٠.
(١٦٧) المعجم الكبير للطبراني، ج٨: ١٢٠، ح ٧٤٩٥، البيان للشافعي: ٥١٤، باب ١٨.
(١٦٨) البيان للشافعي: ٥١١، باب ١٥، نور الأبصار للشبلنجي: ١٨٨.
(١٦٩) صحيح البخاري، ج ٤: ١٤٣، ولفظ الحديث (كيف أنتم إذ انزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم).
(١٧٠) صحيح مسلم، ج ١: ٩٥، ولفظ الحديث: (فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول: لا، ان بعضكم على بعض أمراء...).
(١٧١) لاحظ: مناقب ابن شهر آشوب: ٣ / ٨٥ فقد ورد فيه: (أول من اتخذ الرايات إبراهيم الخليل)، والمصنف لابن أبي شيبة: ٨ / ٣٥٩ وقد ورد فيه: (أول من عقد الألوية إبراهيم خليل الرحمن).
(١٧٢) سورة آل عمران، الآية: ٤٩.
(١٧٣) سورة آل عمران، الآية ٤٦١.
(١٧٤) قال تعالى: (وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَْكْمَهَ وَالأَْبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) آل عمران، الآية: ٤٩.
(١٧٥) سورة الانفال، الآية: ٣٣.
(١٧٦) سورة التين، الآية: ١_ ٣.
(١٧٧) راجع تفسير القرطبي، ج١: ٣٥، تفسير ابن كثير، ج١: ٨٣، الدر المنثور للسيوطي، ج١: ٥٣.
(١٧٨) الدر المنثور للسيوطي، ج٣: ٣٣٠.
(١٧٩) جامع البيان للطبري، ج٣٠: ٣٠٣.
(١٨٠) زاد المسير لابن الجوزي، ج٨: ٢٧٦، فتح القدير للشوكاني، ج ٥: ٤٦٥.
(١٨١) دلائل الإمامة للطبري (الشيعي): ١١٥، كشف الغمة للأربلي، ج٢: ١١١.
(١٨٢) الفتن لابن حماد: ١٠٨، الغيبة للشيخ الطوسي: ٤٧٧، ح ٥٠٣.
(١٨٣) سورة الرعد، الآية: ٣١.
(١٨٤) الغيبة للنعماني: ٢٣٨، باب ١٣، ح ٣٠.
(١٨٥) تحف العقول لابن شعبة: ١١٥، ولفظه: (...حتى تمشي المرأة بين العراق والشام لا تضع قدميها الا على نبات...).
(١٨٦) قال تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) الاحزاب، الآية: ٣٣.
(١٨٧) سورة الشورى، الآية: ٢٣.
(١٨٨) الغيبة للشيخ الطوسي: ٢٨٢، كشف الغمة للأربلي، ج٣: ٢٥٣، البحار للمجلسي، ج٥٢: ٣١٧، باب ٢٧، ح ١٣.
(١٨٩) الغيبة للشيخ الطوسي: ٢٨٠.
(١٩٠) سورة القدر،الآية: ١ _ ٥.
(١٩١) راجع الكافي للكليني، ج١: ٢٧٢، ح ١ _ ٦.
(١٩٢) سنن الترمذي، ج٥: ٣٢٨، ح ٣٨٧٤، سنن النسائي، ج٥: ٤٥، ح ٨١٤٨.
(١٩٣) راجع المستدرك للحاكم، ج ٤: ٥١١، السنن الكبرى للنسائي، ج ٦: ٢٣٦، ح ١٠٧٨٨، سنن الترمذي، ج ٥: ١٦٢، ح ٢٨٨٦.
(١٩٤) ثواب الأعمال للصدوق: ١١٠.
(١٩٥) راجع كمال الدين للصدوق: ٣٣٠، ح ١٦.
(١٩٦) كمال الدين للصدوق: ٦٤٤، ح ٣، المناقب لابن شهر آشوب، ج ٣: ٥٢٧، وورد بلفظ (أفضل العبادة انتظار الفرج) راجع سنن الترمذي، ج ٥: ٣٢٥، ح ٣٦٤٢، مجمع الزوائد للهيثمي، ج ١٠: ١٤٧.
(١٩٧) سورة الإسراء، الآية: ٣٦.
(١٩٨) سورة يوسف، الآية: ٨٧.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ١ / ٥.٠
 التعليقات
الدولة:
الإسم: علي سعد ا
e٩٠٩c٢d٧٠٦٧ea٣٧٤٣٧cf٩٧fe١١d٩١bd٠
النص: شكرا لمركز الدرسات التخصصية في الامام المهدي ع ونطلب منكم ان تكون هذا المؤلف باجزائه على صيغة اخرى غير pdf
تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/١٠/٢٨ ٠٥:٢٥ م
إجابة التعليق

الإسم: ادارة الموقع
النص: الاخ العزيز علي المحترم صيغة pdf
متوفرة للكتاب هذا اسف صفحة الكتاب هذه في حقل المرفقات هنالك ملف pdf الخاص بالكتاب اضغط عليه وقم بتحميله
حياكم الله
تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/١١/٠٢ ٠١:٣٣ م
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016