فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » موسوعة الإمام المهدي عليه السلام الكتاب الثالث تاريخ ما بعد الظهور
 كتب أخرى

الكتب موسوعة الإمام المهدي عليه السلام الكتاب الثالث تاريخ ما بعد الظهور

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: السيد محمد الصدر تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٤/١٠/٢٦ المشاهدات المشاهدات: ١٢٠٠٦ التعليقات التعليقات: ٠

موسوعة الإمام المهدي (عليه السلام)
الكتاب الثالث: تاريخ ما بعد الظهور

تأليف: السيد محمد الصدر

الفهرس

التمهيد
الجهة الأُولى: أهميّة الموضوع
الجهة الثانية: طرق الاستدلال
الجهة الثالثة: صعوبات البحث
الجهة الرابعة: الخروج من هذه الصعوبات
الجهة الخامسة: الفهرسة
القسم الأوّل: مقدّمات الظهور
الباب الأوّل: الأُسس العامّة للظهور
الفصل الأوّل: ارتباط الظهور بالتخطيط العام
الفصل الثاني: نتائج الغيبة الكبرى على ما بعد الظهور
الفصل الثالث: توقيت الظهور بشرائطه وعلاماته
روايات نفي التوقيت
الفصل الرابع: الإيديولوجية العامة للمهدي (ع)
الجهة الأُولى: في دينه
الجهة الثانية: مذهبه
الجهة الثالثة: موقفه من العنصرية
الجهة الرابعة: نظام الدولة المهدوية
الفصل الخامس: التخطيط الإلهي لما بعد الظهور
ما بين التخطيطين
الأُسس العامّة لتخطيط ما بعد الظهور
الجهة الأُولى: خصائص المجتمع حين الظهور
الجهة الثانية: هدف التخطيط الثاني
الجهة الثالثة: تفاصيل التخطيط الجديد
الباب الثاني: حوادث ما قبل الظهور
تمهيد
الفصل الأوّل: الظواهر الطبيعية
الجهة الأُولى: الخسوف والكسوف
الجهة الثانية: الفزعة والصيحة
الجهة الثالثة: النداء
الجهة الرابعة: المطر
الفصل الثاني: الظواهر الاجتماعية
الدجّال
الناحية الأُولى: موقف الدجّال من الأُمة الإسلامية
الناحية الثانية: علاقة الدجّال بالمسيح
الناحية الثالثة: علاقة الدجّال بالمهدي (ع)
يأجوج ومأجوج
الناحية الأُولى: عدم الأخذ بالدلالة الصريحة
الناحية الثانية: عرض أطروحة لفهم يأجوج ومأجوج
الناحية الثالثة: الفرق بين يأجوج ومأجوج والدجّال
السفياني
الناحية الأُولى: في سرد الأخبار
الناحية الثانية: في صلاحيتها للإثبات التاريخي
الناحية الثالثة: تنظيم مداليل الأخبار
الناحية الرابعة: الرايات السود والخراساني
الناحية الخامسة: الخسف يكون بجيش السفياني
الناحية السادسة: مقتل السفياني
الناحية السابعة: الفهم الرمزي للسفياني
النفس الزكيّة
الناحية الأُولى سرد الأخبار الدالة على ذلك
الناحية الثانية: فهم الأخبار ككل
الناحية الثالثة: بعض الاعتراضات
الناحية الرابعة: في تمحيص الأخبار
القسم الثاني: حوادث الظهور والدولة العالمية
الباب الأوّل: من الظهور إلى المسير إلى العراق
تمهيد
الفصل الأوّل: معنى الظهور وكيفيته
الجهة الأُولى: في كيفية الظهور
الجهة الثانية: أُسلوب معرفة الإمام بالوقت
الفصل الثاني: في تاريخ الظهور وموعده
في تعيين الظهور بعلم الحروف
في تعيين الظهور بالروايات إجمالاً
الفصل الثالث: خطبته الأُولى وبيعته
الجهة الأُولى: في ظهوره بين الركن والمقام
الجهة الثانية: أخبار خطبته
الجهة الثالثة: نقاط في الأخبار
الجهة الرابعة: في إقامة المعجزة
الجهة الخامسة: ظهوره في كرعة
الجهة السادسة: البيعة بعد الخطاب
الجهة السابعة: في السلام عليه
الفصل الرابع: أصحاب الإمام المهدي (ع)
الجهة الأُولى: في الروايات
الجهة الثانية: في أهمّيّتهم
الجهة الثالثة: في عددهم
الجهة الرابعة: في كيفيّة ورودهم إلى مكّة المكرّمة
الجهة الخامسة: جنسيّاتهم
الجهة السادسة: المشكلة القانونية التي تحدث في مكّة لورودهم
الجهة السابعة: في خصائص أُخرى لهم
الجهة الثامنة: في سؤالٍ مع جوابه
الفصل الخامس: المنجزات الأُولى للمهدي (ع) إلى حين وصوله إلى العراق
الجهة الأُولى: حديث يصلحه الله في ليله
الجهة الثانية: احتمال تأخّر الخسف عن الظهور
الباب الثاني: فتح العالم بالعدل
الفصل الأوّل: نقطة الانطلاق
الجهة الأُولى: سرد الأخبار
الجهة الثانية: قابليّة الروايات للإثبات
الفصل الثاني: في مقدار سعة مُلْكه
الجهة الأُولى: في سرد الأخبار
الجهة الثانية: اقتضاء التخطيط العام عالَميّة الدولة
الجهة الثالثة: في ملحوظات تساعد على الفهم
الفصل الثالث: ضمانات الانتصار
تمهيد
القسم الأوّل: الضمانات الناتجة من التخطيط السابق
الضمان الأوّل: فشل الأنظمة السابقة
الضمان الثاني: ضعف الدول السابقة
الحرب العالمية
الضمان الثالث: وجود العدد الكافي من المخلصين
الجهة الأُولى: شرائط النصر عموماً
الجهة الثانية: سرد الأخبار في أصحاب الإمام المهدي (ع)
الجهة الثالثة: في مقدار إيمانهم
الجهة الرابعة: عبادتهم
الجهة الخامسة: شجاعتهم
الجهة السادسة: مقدار طاعتهم للمهدي (ع)
الجهة السابعة: شعارهم
الضمان الرابع: مميّزات الإمام نفسه
الجهة الأُولى: نتائج التخطيط السابق
الجهة الثانية: الأخبار الواردة حول ذلك
الجهة الثالثة: الشرح اللغوي للأخبار
الجهة الرابعة: حل تعارضات الأخبار
الجهة الخامسة: كونه في سِنّ الشيوخ
القسم الثاني من ضمانات الانتصار
الضمان الأوّل: المباغتة
الجهة الأُولى: في تخطيط المباغتة
الجهة الثانية: في بعض المناقشات
الضمان الثاني: كونه منصوراً بالرعب
الجهة الأُولى: الأخبار الدالة على ذلك
الجهة الثانية: تفسير النصر بالرعب
الجهة الثالثة: في أسباب الرعب
الضمان الثالث: انطلاقه من زاوية متّفق عليها
الضمان الرابع: معونة الملائكة له
الجهة الأُولى: في إيراد الأخبار
الجهة الثانية: في فلسفة هذه الأخبار
الفصل الرابع: كيفيّة ومدّة استيلائه على العالم
تمهيد
القسم الأوّل: حرب السفياني مع الإمام المهدي (ع)
الجهة الأُولى: في سرد الأخبار
الجهة الثانية: في الفهم العام للروايات
القسم الثاني: في أنّ المهدي (ع) يستأصل المنحرفين جميعاً
الجهة الأُولى: في سرد الأخبار
الجهة الثانية: ارتباط كثرة القتل بالتخطيطين العامّين
الجهة الثالثة: في إيضاح بعض النقاط من الأخبار
القسم الثالث: في تحديد مدّة القتل بثمانية أشهر
الجهة الأُولى: في سرد الأخبار على ذلك
الجهة الثانية: الحديث عن هذه الأخبار
القسم الرابع: الفتح العالمي السّلْمي بدون قتال
الجهة الأُولى: في الأخبار الدالة على ذلك
الجهة الثانية: في نقد هذه الأخبار
الفصل الخامس: موقف الآخرين من الإمام المهدي (ع)
العواطف السلبية
العواطف الإيجابية
الفصل السادس: مدّة بقاء المهدي (ع) في الحكم
الجهة الأُولى: في مقتضى التخطيط العام
الجهة الثانية: في سرد الأخبار الدالة على مدّة مُلْكه
الجهة الثالثة: في تمحيص هذه الأخبار
الباب الثالث: التطبيق الإسلامي المهدوي والدولة المهدوية العالمية
الفصل الأول: مجيء المهدي بأمر جديد وكتاب جديد
الجهة الأُولى: في سرد الأخبار الدالة على ذلك
الجهة الثانية: في محاولة فهمها فهماً تخطيطياً
الجهة الثالثة: في نقاط القوّة في الفكر الإسلامي خلال الغيبة
الجهة الرابعة: موقف الإمام من الفكر الإسلامي
الجهة الخامسة: في شرح هذه الفقرات
الجهة السادسة: في أنّه هل يأتي بدين جديد
الجهة السابعة: في مقارنته برسول الله (ص)
الفصل الثاني: موقف الإمام المهدي من القضايا السياسية والاجتماعية السابقة على الظهور
تمهيد
الجهة الأُولى: إلقاء الضوء على موقفه من القضايا الراهنة
الجهة الثانية: ماذا سيكون شكل دولته العالمية
الجهة الثالثة: شأن الأحزاب في دولة المهدي (ع)
الفصل الثالث: ضمانات التطبيق السريع العميق للعدل في العالم
تمهيد
المستوى الأوّل: ضمانات التطبيق لأوّل مرّة
القسم الأوّل: الضمانات الموضوعية
القسم الثاني: الضمانات المنبثقة من شخص الإمام المهدي (ع)
القسم الثالث: الضمانات المنبثقة من صفات أصحابه
المستوى الثاني: ضمانات دوام التطبيق
الفصل الرابع: قيادات أصحابه ومقدار قابليّاتها
تمهيد
الجهة الأُولى: في إيراد الأخبار حول ذلك
الجهة الثانية: بعض نقاط الضعف في خطبة البيان
الفصل الخامس: تمحيص الإمام المهدي (ع) لأصحابه وللأُمّة
تمهيد
الجهة الأُولى: في سرد الأخبار الدالة على ذلك
الجهة الثانية: في فهم مفردات هذه الأخبار
الجهة الثالثة: في محاولة فهم عام لهذه الأخبار
الفصل السادس: أُسلوب الإمام المهدي (ع) في تربية الأُمّة
تمهيد
الجهة الأُولى: في الأساليب العامّة للتربية في عصر الظهور
الجهة الثانية: في نتائج التربية الإسلامية في دولة المهدي (ع)
الفصل السابع: بعض منجزات الإمام المهدي (ع) على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي
الجهة الأُولى: في الأخبار الدالة على هذه المنجزات
الجهة الثانية: في المسلك الشخصي للإمام المهدي (ع)
الجهة الثالثة: السياسة الزراعية للمهدي في دولته
الجهة الرابعة: السياسة العمرانية لدولة المهدي (ع)
الجهة الخامسة: أهمّيّة التعدين في الدولة المهدوية
الجهة السادسة: السياسة المالية للدولة المهدوية
الجهة السابعة: في التأييد الإلهي لدولة المهدي (ع)
الخاتمة الأُولى: في المنجزات القضائية والعبادية والفقهية وغيرها
الجهة الأُولى: في سرد الأخبار الدالة على هذه المنجزات
الجهة الثانية: في المبرّرات الكافية لاتخاذ المهدي (ع) أُسلوب قضاء سليمان وداود (ع)
الجهة الثالثة: في مقتل إبليس
الجهة الرابعة: الحج في عصر المهدي (ع)
الجهة الخامسة: في منجزات أُخرى وردت في الأخبار
الخاتمة الثانية: في المنجزات العلمية لدولة المهدي (ع)
الجهة الأُولى: في الأخبار الدالة على وجود الأجهزة الحديثة قبل الظهور
الجهة الثانية: في الأخبار الدالة على وجودها في عصر الظهور
الفصل الثامن: موقف الإمام المهدي (ع) من أهل الكتاب ونزول المسيح في دولته
الجهة الأُولى: في سرد الأخبار المتعلّقة بالمسيح وأهل الكتاب
الجهة الثانية: في وحدة المسيح والمهدي
الجهة الثالثة: في المضمون العام لهذه الأخبار
الجهة الرابعة: في الحديث عن بعض خصائص المسيح عيسى بن مريم (ع)
الجهة الخامسة: في بعض خصائص أهل الكتاب وعقيدتهم يومئذ
الباب السادس: في انتهاء حياة الإمام المهدي (ع) وهي في فصل واحد
الجهة الأُولى: تلخيص النتائج السابقة
الجهة الثانية: الأخبار التي تنفع بهذا الصدد
الجهة الثالثة: في أنّ المهدي (ع) هل يُقتل؟!
الجهة الرابعة: في أُمور أُخرى أشارت إليها الأخبار
القسم الثالث: العالم بعد المهدي (ع)
الباب الأوّل: قيادة ما بعد المهدي (ع)
القول بالرجعة
الأخبار الدالة على الرجعة
الآيات الممكنة الدلالة على الرجعة
حكم الأولياء الصالحين
الفهم العام لهذه الأخبار
أسئلة حول الأولياء الصالحين
الباب الثاني: قيام الساعة على شرار الخلق
الجهة الأُولى: في سرد الأخبار الدالة على ذلك
الجهة الثانية: في نقد هذه الأخبار
الجهة الثالثة: إعطاء الفهم المتكامل عن هذه الأخبار
أهمّ مصادر هذا التاريخ

تمهيد

قد يكون من الطريف أن يتصدَّى الباحث للنظر إلى ما وراء الغيب، ليخطّ تاريخ المستقبل بسطور، وقد لا يعدو هذا التاريخ في نظر الكثيرين، عن كونه سرداً لمجموعة من التنبُّؤات التي قد لا يقع شيء منها في مستقبل الدهر، وأيّ فشل لتنبُّؤات الفرد، أكثر رَكاكة من أن يثبت كَذِب هذه التنبُّؤات وسقوط هذه الإخبارات.
إذن؛ فقد يبدو أنّه من الأفضل أن يعرض الفرد صفحاً مثل هذا التاريخ ويُهمله إهمالاً، ويدع تسلسل الحوادث على مقاديرها، بدون أن يزعم لنفسه القدرة على اسْتِكْنَاه المُستقبل والنظر إلى ما وراء الغيوب.
إلا أنّ هذه الفكرة يمكن أن تزول عن الذهن تماماً، وتوجد الهِمَّة في النفس نحو هذه البحوث... حين نعرف أنّ هذه المُحاولة، وإن كانت في حقيقتها سرداً لحوادث لم تقع في الزمان، وإنّما المُستقبَل وحده هو الكفيل بمُعاصرتها وعرضها للعيان، إلا أنّها لن تكون مُحاولة لادّعاء معرفة ما وراء الغيب، كما أنّها ليست تنبُّؤاً محضاً غير منطلق من قاعدة وقائم على أساس، ويتمّ إيضاح ذلك فيما سنذكره من جهات الكلام، كما يلي:
الجهة الأُولى: في أهمّيّة الموضوع في نفسه:
الجهة الثانية: في طُرق الاستدلال التي سوف تكون مُتّبعة خلال هذا البحث.
الجهة الثالثة: في الصعوبات التي تواجه البحث.
الجهة الرابعة: في أُسلوب الخروج عن هذه الصعوبات ومُحاولة تذليلها جهد الإمكان.
الجهة الخامسة: في ترتيب أبواب وفصول هذا الكتاب.
الجهة الأُولى: أهمِّيَّة هذا الموضوع:
يكتسب هذا الموضوع أهمّيّته، من أهمّيّة البحث حول المهدي (ع) ككل، من حيث كون هذا التاريخ حقلاً من حقوله وشعبة من شعبه.
ومن المعلوم أنّ الفكرة المهدويّة عند كل قائل بها ومؤمن بصدقها، تقوم على أساس كون المهدي هو مصلحة العالم في المُستقبل، وهو الذي يقلب الظلم إلى العدل، ويُحوِّل الظلام إلى نور ويُحقِّق الرفاه والسعادة لكل فرد على وجه الأرض.
فمن الحق أن يطمع الفرد إلى التعرُّف على تصرُّفات هذا المُصلِح العظيم في يومه الموعود، وعلى أسلوبه وسياسته وطريقته في التدبير والقيادة.
وأنّ هناك العشرات من الأسئلة تنبثق حول ذلك، وخاصة بعد أن يُعاصر الفرد الحياة الحاضرة بما فيها من تعقيد اجتماعي، وتنظيم دولي وسياسي، فهل سيكون للمهدي المُصلِح نفس هذا التنظيم بحقوله العديدة، وأنّه سيتّخذ للعالم وجهاً آخر، ويُبيِّنه بيده على شكل جديد؟
فإذا استطاع هذا البحث أن يُزيل الغموض ـ ولو عن بعض هذه الأسئلة ـ ويُقرِّب جوابها إلى الذهن إلى حدٍّ كبير، فهو غاية المطلوب.
إذن؛ فالحديث عن (تاريخ ما بعد الظهور) يعني التعرُّف على يوم الإصلاح العام على يد القائد المُنتظر، وهو يعني – بكلِّ صراحة – التعرُّض إلى النتائج النهائية التي تتبنَّاها الفكرة المهدوية ككل، ووصف البشرية المُثلى في مُستقبله السعيد.
والتعرُّض إلى هذا التاريخ، لا يتوقَف على الإيمان بأطروحة مهدوية مُعينة، هي الأطروحة الإمامية – مثلاًً – التي تؤمن بالغيبية الطويلة للمهدي الموعود، إذ يكون في الإمكان أن يقوم بمثل هذه الأعمال التي سنذكرها له بعد ظهوره، وسواء كان غائباً في الفترة السابقة على ظهوره أم لم يكن؛(١) ومن هنا يكون لهذا البحث فائدة شاملة لكل المسلمين بصفتهم مؤمنين بفكرة المهدي، بل يكون لها أثر قريب بالنسبة إلى غير المسلمين ممَّن يؤمن بالمُصلح المُنتظر.
وتنبثق أهمّية هذا البحث مرّة أُخرى، في مُحاولة تصفية ما قيل ويُقال، في تحديد ما سوف يحدث يوم الظهور وبعده، ممّا قد يكون مُشوَّهاً بالأساطير، ومُحاولة الاقتصار على إثبات ما قام عليه الدليل، ورفض أيِّ أمر آخر.
وتنبثق فائدة هذا البحث من زاوية ثالثة، من البرهنة على الارتباط العضوي الوثيق بين يوم العدل الموعود، وبين الأساس العام الذي يقوم عليه الكون وأهدافه الكبرى التي خُلِق من أجلها، تلك الأهداف التي كانت تطبيقات من مفهوم العدل العام، والتي سار عليها التكوين والتشريع، واضطلع بالسير على طبقه موكب الأنبياء والشهداء، والأولياء والمُصلحين على مدى التاريخ.
وسيظهر بجلاء، أنّ يوم الظهور ليس تاريخاً طارئاً وقدراً مُرتجلاً، وإنّما هو في واقعه النتيجة الطبيعيّة الكبرى التي أرادها الخالق الحكيم في تخطيطه العام... والتي شارك في إعدادها الأنبياء، وبُذِلت في سبيلها التضحيات على مدى التاريخ.
والفائدة الرابعة ـ وليست الأخيرة ـ هي أنَّ الفرد بعد اطِّلاعه على هذا التاريخ، يستطيع أن يحمل فكرة كافية عن أوصاف المهدي وأعماله عند ظهوره، وممَّا يوفِّر الدليل الكافي بأن يعرف: أنّ مُدّعي المهدوية هل هو المهدي الموعود قائد العالم، وأنّه رجل مُبطِل كذَّاب؟
فإنَّ الفرد قد يواجه في غضون حياته ويقرأ في التاريخ دعوات مهدوية مُتعدِّدة، فلا يَحْار في مبدأ الأمر في تصديقها وتكذيبها، إن كان ممَّن يؤمن بالفكرة المهدوية أساساً، فلا يعلم أنَّ هذا هو المهدي المُنتظر وغيره.
وهذه المُشكلة وإن استطاع الفكر الإسلامي أن يُذلِّلها عن طريق البرهان العقائدي، إلا أنَّه ـ بغضِّ النظر عن ذلك ـ نستطيع أن نُذلِّلها عن طريق الدليل التاريخي... وذلك بمُحاولة تطبيق الصفات الثابتة تاريخيَّاً للمهدي الموعود على مُدَّعي المهدوية، فإن كانت ثابتة له؛ إذن فهو على الحقِّ، وهو المهدي الموعود.
وهذه جهة ـ بطبيعتها ـ مُهمَّة لكل مُعتقد بالفكرة المهدوية؛ فإنّه من المؤسِف حقَّاً ومن المُحرَّم دينيّاً، أن يكون المهدي حقيقياً ثمّ لا يستطيع الفرد التعرُّف عليه، وأن يكون المُدّعي كاذباً ثمّ لا يستطيع الفرد معرفة كذبه، وإنّما ينحرف باتِّجاهه وينجرف بتيَّاره، فلا بدّ أن يكون للفرد محكٌّ عقائدي، وميزان تاريخي في التعرُّف على رفض مَن يرفض وقبول مَن يقبل، وقد وفَّر الإسلام كِلا الجانبين، وما هو محلُّ كلامنا الآن هو الميزان التاريخي.
فهذه بعض فوائد هذا البحث، التي تجعله من الأهمِّيَّة والرسوخ ما يؤهِّله أن يكون شعبة من المعرفة الإسلامية، وحقلاً من المعرفة الإنسانية.
الجهة الثانية: في طرق الاستدلال التي سنتَّبعها من خلال البحث للتعرُّف على ما هو ثابت وما هو مرفوض.
والاستدلال يختلف – بطبيعة الحال – باختلاف النتائج التي نريد التوصُّل إليها، وهي ممَّا يمكن تقسيمها بانقسامات ثلاثة، لابدّ من التعرُّف عليها، وما هو محلُّ الحاجة ومنطلق البحث منها... لكي نختار ما يُناسبها من الاستدلالات.
الانقسام الأول: التقسيم من حيث اتِّجاه الفكرة المهدوية، أعني تحديد المُصلح المُنتظر في نظر الفرد، فإنّ الاتِّجاهات هنا ذات ثلاثة مسارات رئيسية:
المسار الأول: المُصلِح المُنتظر الذي يؤمِن به غير المسلمين، على اختلاف بينهم في تشخيصه وصفاته، كالمسيحيِّين واليهود والبراهمة وغيرهم.
المسار الثاني: المُصلِح المُنتظَر الذي يؤمِن به المسلمون غير الإماميين عادةً، وهو رجل يُلقَّب بالمهدي، يولَد في زمانه، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً.
المسار الثالث: المُصلِح المُنتظَر للمسلمين الإمامين خاصة، وهو المهدي الغائب محمد بن الحسن بن علي عليهم السلام الذي يظهر، فيملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً.
وهذه المسارات في جوهرها واحدة، تُشير إلى مفهوم واحد مُندرج في التخطيط الإلهي العام، بشَّرت به الأديان وأكّد عليه الإسلام، وإنّما حصل الاختلاف فيه نتيجةً لظروف مُعيّنة، تمُتُّ إلى التربية الفكرية للبشرية بصلة، كما سبق أن حملنا عنه فكرة في التاريخ السابق،(٢) وسنعرف تفاصيله في الكتاب القادم إلاَّ أنَّنا على أيِّ حال، ينبغي أن ننطلق في البرهان على حوادث المُستقبل من أُسُس مُسلَّمة، لهذه المسارات الثلاث ليكون الكلام مقبولاً مُسلَّم الصحَّة لديها جُهد الإمكان.
ومعه؛ فمَن المُتعذَّر ـ إلى حدٍّ كبير ـ التعرُّف على أُسُس مُشتركة بالنسبة إلى المسار الأول ـ بتعبير آخر ـ مشتركة بين المسارات الثلاثة كلها... ممَّا يعود إلى مفهوم المهدوية العام، الذي تتسالم عليه الأديان؛ وذلك لعدم تسالمها ـ في حدود المقدار المعروف لدى أهلها من القواعد والأُسُس ـ على أُمور مشتركة يمكن الانطلاق منها على حقيقة مُعيَّنة بهذا الصدد، ومعه يكون البحث عن تفاصيل اليوم الموعود، والأعمال التي سيقوم بها القائد المُنتظر مُتعذِّراً، وإنَّما غاية ما يمكن التعرُّف عليه والتسالم على صحَّته، هو تطبيق للعدل على وجه الأرض على الإجمال.
نعم، لو اقتصرنا في فكرة المُصلِح المُنتظَر على اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام أمكن الانطلاق من بعض الأُسُس المشتركة إلى بعض تفاصيل اليوم الموعود كما سنرى، وخاصة بعد أن يثبت في الإسلام ـ على ما ستسمع ـ نزول المسيح في ذلك اليوم، وسيكون لما ذكر في التوراة والإنجيل من تفاصيل جزء خاص آتٍ من الموسوعة.
وأمَّا الاستدلال على التفاصيل، من خلال المسارين الثاني والثالث، ففي الإمكان الحصول على الكثير من الأُسُس المشتركة النافعة بهذا الصدد، وسيكون المنطلق الأساسي المُشترك، هو ما نطق به القرآن الكريم من الوعد بيوم التطبيق الإسلامي العادل، ومن الخصائص الكبرى التي يتَّصف بها ذلك اليوم ـ على ما ستسمع ـ كما سينطلق الاستدلال ممَّا تسالمت عليه أخبار الفريقين من الحقائق، أمّا ما استقلَّ به كل فريق من الأخبار، فسيكون لنا منه موقف خاص، سنذكره.
وينبغي الإلماع إلى أنَّ الأخبار الإمامية، قد تكفَّلت بنقل الحوادث للفترة الزمنية التي نؤرِّخ لها، أكثر بكثير ممَّا نقلته أخبار العامة، وخاصة فيما يعود إلى المهدي وأصحابه وأعماله، وإن أكثرت الأخبار العامة الحديث عن المسيح والدجَّال وأشراط الساعة.
وعلى أيِّ حال، فما يعود إلى مقدار الأخذ بالخبر ورفضه سنذكره في الانقسام الثالث إن شاء الله تعالى.
الانقسام الثاني: التقسيم من حيث مقدار الحوادث التي يُراد الحصول عليها وإثباتها تاريخياً.
وذلك أنَّنا كنَّا نتوخَّى الاطِّلاع على التاريخ التفصيلي لما بعد الظهور، وذكر حودثه وأقوال مُعاصريه ـ جملة وتفصيلاً ـ كما لو كان مشاهداً محسوساً فعلاً، فهذا ممَّا لا يُمكن أساساً وينبغي الاعتراف سلفاً بتعذُّره وانقطاع السبيل إليه، بسبب ما سنسمعه فيما يلي من البحث، من وجود الفجوات الواسعة في الروايات الناقلة للتاريخ المطلوب.
إلاَّ أنَّ مثل هذا التفصيل، ممَّا لا يُهمُّ التعرُّض له، وليس هناك مصلحة في معرفته، وإنَّما المُستقبل وحده هو الكفيل بمُعاصرته، والله عزَّ وجلّ هو القدير على إيجاده والعليم به... وإن عشت أراك الدهر عَجَباً، فإنَّ أيَّاً من المصالح الأربعة السابقة لا يتوقَّف تحقُّقها على مثل هذا التفصيل، بل يكفي فيها التعرُّف على الأفكار العامة والحوادث الرئيسية في ذلك العهد، وواردة في الأخبار بشكل يمكن إثباته تاريخياً، دون ما هو أوسع من ذلك.
ومن ثمَّ؛ لا ينبغي أن نتوقَّع من الباحث في تاريخ ما بعد الظهور، زيادة من التفاصيل، وإنَّما يقتصر بمُقتضى مادَّة عمله وأُسُس مصادره على الأفكار العامّة، والحوادث الرئيسية بطبيعة الحال.
الانقسام الثالث: التقسيم من حيث ما نتطلَّبه من الإثبات التاريخي، باعتبار أنَّنا تارةً نتوخَّى حصول الاطمئنان والوثوق بوجود الحادثة المُعيَّنة، وأُخرى نكتفي بالإخبار الاعتيادي في إثباته.
ومن هنا يكون لنا – بلحاظ ذلك – موقفان:
الموقف الأوَّل: إذا أردنا حصول الاطمئنان بوجود حادثة مُعيَّنة ممَّا يُنقَل حدوثها بعد الظهور... أمكننا الاعتماد على المصادر التالية:
المصدر الأوّل: القرآن الكريم بما فيه من ظواهر واضحة دالَّة على وصف العدل الإسلامي، والخيرات التي تعود على البشرية عند تطبيق أحكام الإسلام.
المصدر الثاني: الروايات المُتعدِّدة الناقلة لحادثة مُعيَّنة، بحيث تكون إحداها قرينة على الأُخرى، ومصداقية لها، بحيث تكون بمجموعها موجبة للثبوت التاريخي في أيِّ حقل اعتيادي من حقول التاريخ.
المصدر الثالث: أخبار الفريقين إذا تسالمت على نقل حادثة مُعيَّنة، ولو كانت بعدد قليل عند كل فريق، فإنَّه يكفي لإثباتها؛ وذلك لأنّ ظروف الرواية وأشخاص الرواة، مُختلفَين عند كل مذهب إسلامي، ممَّا يوجب الاختلاف الكبير في النقل، فإذا تسالموا على نقل مضمون بعينه، كان هذا بعيداً عن الخطأ إلى حدٍّ كبير.
المصدر الرابع: الخبر الذي تعضده القواعد الإسلامية العامة، وتؤكِّد مضمونه، فإنَّه يكفي إثباتاً تاريخيّاً، ومثاله: الأخبار القائلة: بأنَّ المهدي (عليه السلام) يُطبِّق الإسلام كما جاء به النبي (ص) فإنَّها مُطابقة لنظرة الإسلام إلى استمرار تعاليم الدين الإسلامي إلى نهاية البشرية.
المصدر الخامس: القواعد الإسلامية العامّة المُبرهَن عليها في علوم مُختلفة من حقول الإسلام، كالعقائد والفقه وغيره، فإنَّها إذا كانت ثابتة في محلِّها أمكن التوصُّل بها إلى بعض النتائج، ومثاله: القاعدة التي تقتضي عدم جواز الحُكم القضائي إلا بسماع البيِّنة مع توفُّرها، فإنَّها تنفي الأخبار الدالَّة على أنَّ المهدي (ع) يقضي بدون سماع البيِّنة، كما سيأتي إيضاحه.
فإذا اجتمعت هذه المصادر الخمسة بنتائجها، كان تخطيطنا العام لهذا التاريخ قد كمل؛ إذ بها نستطيع أن نُثبت كل ما هو مُهمُّ ورئيسي في عهد الظهور، وتبقى جملة من التفاصيل يوكَل إثباتها بشيء من هذه المصادر الخمسة.
الموقف الثاني: إذا اكتفينا في الإثبات التاريخي الاعتيادي والنقل المُنفرد، وهو ما سنحتاج إليه بطبيعة الحال(٣) في سرد عدد من التفاصيل التي لا يمكن التوصُّل إلى معرفتها بدون ذلك، بالرغم من أنّ قيمة الإثبات لا تزيد على قيمة هذا الخبر المُنفرد.
ونحن بهذا الصدد، نستطيع أن نقبل بعض المصادر، وأن نرفض بعضاً:
أمّا المصادر التي نقبلها، فهي كما يلي:
المصدر الأول: النقل المُنفرد الذي تقوم القرائن القليلة على تأييده... كالقرائن الحالية، ووجود روايتين فقط بمضمون واحد، وسندين لرواية واحدة، فإنَّ أحدهما يكون قرينة على صحَّة الآخر.
المصدر الثاني: النقل المُنفرِد الذي يُقبل عادةً في الفقه كمُثبت للحُكم الشرعي الإسلامي، وهو الخبر الذي يتَّصل بالمُتحدِّث الأول عن طريق الثقات، فإنَّه يمكن اعتباره إثباتاً كافياً بلحاظ الموقف الثاني، وإن تجرَّد عن القرينة على صدقه.
وأمَّا المصادر التي نرفضها، فهي كما يلي:
المصدر الأول: الخبر الذي تنفيه القواعد الإسلامية العامَّة المُبرهَن عليها كما سبق مثاله: لا يختلف ذلك بين ما إذا كان خبراً مُنفرِداً وعدَّة أخبار، ولا يختلف في القاعدة بين أن يكون مُستفادة من الكتاب والسنَّة وغيرهما.
المصدر الثاني: الخبر الذي يوجَد له معارض ينقل خلافه، وذلك فيما إذا وجِد لدينا خبران ينقلان حادثة مُعيَّنة بشكلين مُتغايرين، وينقلان حادثتين مُتنافيتين، ونحو ذلك.
وفي مثل ذلك، إذا كان أحد طرفي المعارضة ـ أعني أحد الخبرين ـ راجحاً على صاحبه، كما لو كان مُستفيضَ النقل، وموافقاً مع القواعد العامة والشواهد الأُخرى، أخذنا به وطرحنا الآخر، وإن لم يكن هناك رجحان في أحد الطرفين سقط كلاهما عن إمكان الإثبات التاريخي، وقد فصَّلنا القول في ذلك التمهيد الذي عقدناه لـ (تاريخ الغيبة الصغرى)(٤) فلا حاجة إلى الإطالة فيه.
المصدر الثالث: المصدر الذي لا يوجد له مؤيِّد ولا مُفنِّد، ممَّا لم يروِه الثقات، ولا ارتباط له بالقواعد العامة بشكل مُباشر، لتدلّ على صحّته ونفيه، فإنَّه بطيعة الحال لا يصلح للإثبات التاريخي بهذا الصدد، ويُرفَض هذا المصدر إلى جنب المصدرين السابقين، يمكن ملاحظة أنَّ الروايات الناقلة لحوادث اليوم الموعود، قد تخلصَّت ممَّا يحتمل أن يتطرَّق إليها من دسٍّ، ويحزم حولها من وهمٌ ويكتنف حقلها من أساطير، وبذلك تكون مصادرنا المُعتمدة واضحة لا غبار عليها، وصالحة لعرض الفكرة المهدوية تجاه العالم.
الجهة الثالثة: في الصعوبات التي يواجهها هذا البحث.
وهي صعوبات عديدة، اقتضتها ظروفها ومصالحها الخاصة والعامة، على ما سنرى.
ولا بدّ في المقام من أن نستثني ما ذكرناه من الصعوبات في تاريخ (الغيبة الصغرى)، ممَّا يعود إلى التاريخ بشكل عام(٥) وإلى الروايات الواردة في المهدي بشكل خاص،(٦) فإنَّها صعوبات شاملة لهذا التاريخ، وقد ذلَّلناها هناك.
ونقتصر هنا على الصعوبات التي يختص بها هذا التاريخ، وهي قد تتَّحد مع تلك الصعوبات أحياناً في العنوان، إلاَّ أنَّها من حيث الفكرة والأهمِّيَّة تختلف عن سابقاتها، كما لا يخفى على المقارن.
ويمكن أن نعرض الصعوبات فيما يلي:
الصعوبة الأُولى: قيام الأخبار الناقلة لحوادث المُستقبل، على الرمزية في كثير من أساليبها ونقاط عرضها، وخاصة فيما يعود إلى شخص المهدي (ع)، كقوله في بعض الروايات الآتية (إذا هزَّ رأسه أضاء له ما بين المشرق والمغرب) وأنَّه (يضع يده على رؤوس الأنام فيجمع أحلامها) وإن (رايته ليست من قطن ولا كتَّان، وإنَّما هي ورقة من أوراق الجنّة) وغير ذلك من التعبيرات.
ويراد بها حقائق إسلامية واعية، لكنَّها لم تستعمل المداليل الاعتيادية للألفاظ، وإنّما استعملت الرمزية التي عرفناها في تاريخ الغيبة الكبرى.(٧)
الصعوبة الثانية: تعمُّد الإجمال في الروايات، والسكوت عن بعض ما سيحدث من الأعمال والأقوال... بشكل يبدو بوضوح إرادة المُتكلِّم حذف بعض الحقائق التي لا يجد مصلحة في التصريح بها، كسكوت بعض الروايات عن ذكر مضمون خُطبة المهدي في المسجد الحرام أول ظهوره، وسكوت الروايات عن مضمون خُطبته في مسجد الكوفة عند وروده العراق، وسكوتها عن كثير من نصائحه وأساليب امتحانه لأصحابه، بل يقتصر على القول: (وأنا أعلم بما يقوله لهم). وإمَّا ماذا يقول لهم، فهذا ممَّا لا سبيل إليه.
ومثله ما ورد في عدد من الروايات عن أصحاب المهدي (ع): (وأنا أعرف أسمائهم وأسماء أبائهم...)، ولكنَّه لا يُسمِّي واحداً بالمرة.
الصعوبة الثالثة: وجود الفجوات الضخمة فيما يُنقل من الروايات، وعدم انحفاظ تسلسل الحوادث بأيِّ حال، وهذا ما كان يبدو مثله في ما سمعناه من التواريخ السابقة، إلاَّ أنَّه في هذا التاريخ أشدُّ تركيزاً ووضوحاً، فانحفاظ التسلسل الزمني للعديد من الحوادث، يكاد يكون مُتعذِّراً، كما أنَّ كثيراً من مُهمَّات الأعمال التي سيُقام بها بعد الظهور محذوفة بالمرَّة، ومن المُلاحَظ أنَّه كلمَّا تقدَّم الزمن مُبتعداً قلّت الحوادث المنقولة، وازدادت الفجوات، مضافاً إلى ازدياد الرمزية والإجمال أيضاً.
فبالنسبة إلى الصعوبة التي نتحدَّث عنها، نُلاحظ أنَّ الحوادث الواقعة قبل الظهور بقليل وبعده بقليل، منقولة ومتوفِّرة إلى حدٍّ كبير، وأما في الفترة اللاحقة لذلك، فليس هناك إلاَّ حوادث مُتفرِّقة ولمام من الأقوال من دون ترتيب وتعيين، وإذا ازداد البُعْد وتوجَّه النظر - مثلاً - إلى حادثة موته وقتله وإلى مَن يخلفه بعده، كانت الروايات نادرة إلى حدٍّ كبير.
وهذه الصعوبات الثلاثة أمور راهنة تعمَّدها النبي (ص) والأئمة (ع) في حديثهم عن المهدي (ع) لعدَّة أسباب، أهمُّها: وجود الفجوات الثقافية والفكرية الواسعة بين عصر صدور الروايات والعصر الذي تتحدَّث عنه الروايات، من حيث إنَّ تطوُّر الفكر الإسلامي وتعمُّقه خلال القرون المُتطاولة التي يعيشها ما بين هذين العصرين، وتطوُّره المتزايد على يد القائد المهدي (ع)... جعل من المُتعذِّر على سامعي هذه الأحاديث في عصر المعصومين (عليهم السلام) فَهْمُ واستيعاب ما قد يقع من أعمال وأقوال في العصر المؤرَّخ له؛ ومن هنا كان من المصلحة سكوت المعصومين عن التصريح بها أساساً؛ وفقاً لقانون: كلِّم الناس على قدر عقولهم.
الصعوبة الرابعة: اتِّخاذ الروايات مساراً مُعيَّناً من التفكير، بحسب المذهب الإسلامي الذي تتبنَّاه.
والحديث عن ذلك، يتشعب إلى شعبتين، باعتبار ما ورد من الأخبار في مصادر العامة تارةً، وما ورد من الأخبار في المصادر الخاصة أُخرى.
الشعبة الأُولى: في الأخبار الواردة من مصادر العامة من إخواننا أهل السنَّة والجماعة، كالصحاح الستَّة وغيرها، فإن هذه الأخبار التي تتضمَّن التنبُّؤ بحوادث المُستقبل ـ من هذه المصادر ـ تنقسم إلى أربعة أقسام، وما يُفيدنا - كما سنعرف – هو أشدُّها اختصاراً وغموضاً.
القسم الأوَّل: وهو الذي يُمثِّل المسار العريض والاتِّجاه الفكري الأهمّ لهذه الأخبار، وهو الحديث عن الفتن والملاحم، أي الحروب التي تقع خلال التاريخ، وما ينبغي أن يكون موقف الفرد المسلم منها، ثمَّ الحديث عن الدجَّال وأوصافه وأفعاله، والحديث عن عيسى بن مريم (ع) ونزوله إلى الأرض وحروبه مع الدجَّال، ومع يأجوج ومأجوج بعد انفتاح السَّدِّ الذي حُبسوا خلفه، ونحو ذلك من المضامين.
وهذا هو الذي يُمثِّل الأعمال أغلب من الأخبار الناقلة لحوادث المستقبل، وقد سبق أنَّا ذكرنا وناقشنا في (تاريخ الغيبة الكبرى) ما يعود منها إلى تلك الفترة.
وهي لا تمتُّ إلى (اليوم الموعود) بصلة، وسنذكر في هذا التاريخ ما يعود منها إلى نزول المسيح وبعض الأمور الأُخرى.
القسم الثاني: وهو يُمثِّل طائفة مُهمَّة من الأخبار، وهي الأخبار المُثبتة لوجود المهدي (ع) أساساً، وأنَّه من وُلْد فاطمة مع التعرُّض إلى اسمه وأوصاف جسمه، وأنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وهي بمجموعها تزيد على التواتر بكثير، وتُثبت وجود المهدي بالضرورة... ولكنَّها لا تنفعنا في تاريخ ما بعد الظهور إلاَّ قليلاً.
القسم الثالث: ما يعود إلى شرح نتائج التطبيق الإسلامي الكامل، والمصالح الواسعة التي تترتَّب على العدل الحقيقي... كالأخبار الدالَّة على كثرة المال، وأنَّه يبحث الرجل عمَّن يقبل زكاته فلا يجد، وبأنَّ الفرات يحسر عن جبل من ذهب، لو فسَّرناه بسعة الزراعة وكثرة الخيرات، وهذا القسم لا يذكر في المصادر العامة مقترناً باسم المهدي (ع) وظهوره.
نعم، قام البرهان على أنَّ مضمونها لا يمكن أن يتحقَّق إلاَّ في ذلك العصر، لعدم توفُّر التطبيق العالمي الكامل قبله.
القسم الرابع: الأخبار المُتكفِّلة لبيان المصالح وبعض النتائج الكبرى، التي تترتَّب على ظهور المهدي (ع) بنفسه وعنوانه.
وهذا القسم وإن لم يرد في الصحاح الستَّة، إلاَّ أنَّه ورد في المصادر الحديثيّة الأُخرى، كمسند أحمد بن حنبل، ومستدرك الحاكم ـ وأربعين الحافظ الأصفهاني وغيرها.
وأوضح مثال على ذلك، ما ورد في هذه المصادر عن النبي (ص)، بمضمون: (تتنعَّم الأُمَّة في عهده نعمةً لم تتنعَّم مثلها قطُّ، يرضى عنه ساكن الأرض وساكن السماء).
وما يمتُّ إلى هذا القسم بصلة مُتوفِّر في الأخبار، إلاَّ أنّه يقتصر على العموميات، ولا يكاد يكون يُشكِّل تاريخاً واضحاً.
على أنَّه ـ مهما تعدَّد ـ فإنَّه يُشكِّل الجزء الأقلَّ من الأقسام الأربعة، بالنسبة إلى مجموع المصادر... كما أنَّ القسم الثالث، هو الجزء الأقلّ بالنسبة إلى الصحاح الستّة، وسنرى موقفنا من هذه القلَّة فيما يلي من البحث.
الشعبة الثانية: في الأخبار الواردة في مصادر الخاصة، فيما يمتُّ إلى تاريخ ما بعد الظهور بصِلَة.
والاتِّجاه الفكري الذي تتَّخذه هذه الأخبار ـ عادةً ـ هو الاتِّجاه الطائفي، فالمهدي (ع) يُناقِش طِبْقاً له، ويُحارب لأجله، ويُقيم الامتحانات المُعقَّدة للآخرين على أساسه، وكأنَّه ليس في العالم من البشر إلاَّ المسلمين بمذاهبهم المختلفة.
نعم، من المنطقي الصحيح، أن يجمع المهدي (ع) المسلمين على الحق الذي يعتقد به، وأن يختبر الناس على أساسه، إلاَّ أنَّ هذا لا يعني بأيِّ حال اقتصار جهوده على المسلمين، بعد الذي سنُبرهن عليه من عالميَّة دعوته من ناحية والعلم الوجداني، بأنَّ غير المسلمين أضعاف المسلمين إلى حين والظهور، كيف وإنَّ الأرض كانت وستبقى إلى يومئذ مملوءة ظلماً وجوراً؟!
إذاً، فالجهود المبذولة من قِبَل المهدي (ع)، وأصحابه الخاصة المُخلصين على سائر العالم، أضعاف الجُهد المبذول على المسلمين، وقل: تعادلهما على أقلِّ تقدير. أمَّا أن تكون الجهود المبذولة على المسلمين أضعاف جهوده على غيرهم، كما تدلُّ عليه المصادر الخاصة، فهو ممَّا لا يكاد يُفهم.
ولعلَّ فبالإمكان إعطاء المُبرِّرات الكافية لمثل هذا الاتِّجاه في الأخبار، إلاَّ أنَّها ـ بأيِّ حال ـ تبقى مُقتضبة بالنسبة لموقف المهدي (ع) من غير المسلمين.
وأهمُّ تبرير لذلك، هو كون هذه الأخبار ـ في واقعها ـ انعكاساً للظروف المُعاشة في زمن صدورها، ولا نعني بذلك كونها كاذبةً ومفتعلةً على نسق مُعيَّن؛ فإنَّ لكل خبر حسابه الخاص طِبقاً للمنهج الذي أسلفناه، بل تعني أنَّ ظروف الظلم والمصاعب التي كان يعيشها أصحاب الأئمة (ع) في المجتمع الإسلامي، من الدولتين الأُموية والعبّاسية، كانت تعكس في نفوس القواعد الشعبية الإمامية الاعتقاد بأنَّ الجبهة المُضطهِدة ـ بالكسر ـ لها، تُمثِّل المذاهب الإسلامية الأُخرى، ومن ثَمَّ تكتسب القضية المذهبية في أذهانهم عُمقاً وأصالةً، أكثر من نسبتها العالمية، لو صحَّ التعبير، ويكون هو بحاجة إلى رفع معنويَّاتهم من قِبَل قادتهم الأئمة المعصومين (ع)، من هذه الناحية أكثر من أيِّ ناحية أُخرى، وذلك باستخدام عدَّة طُرق، من أهمِّها: الكشف عن هذا الجانب بعينه من أعمال الإمام المهدي (ع)، والسكوت عن أعماله الأُخرى التي لا تمتُّ إلى حاجة المجتمع بصلة وثيقة، وإن كانت تُمثِّل الجانب الأكبر في دولته.
ومن المُستطاع القول أيضاً: إنَّ الفجوات التي تُرِكت، لم يكن المجتمع عموماً ليهضمها بوضوح، باعتبارها مُمثِّلة لتصرُّفات المهدي (ع) على المستوى العالمي، وفي عُمق الوعي الذي يُريده، ممَّا لم يكن المجتمع في عصر صدور هذه الأخبار على مستوى استيعابه؛ ومن ثَمَّ كان قانون (كَلِّم الناس على قدر عقولهم). مانعاً للمعصومين (ع) عن الإعراب والكشف عن هذا الجانب من دولة المهدي (ع) مهما كان واسعاً.
وعلى أيِّ حال، فهذه الصعوبة التي نحن بصددها، تُعتبر واقعاً لا محيص عنه، وإنَّ علاقات المهدي بغير المسلمين، لم تذكرها الأخبار إلاَّ بأقلِّ القليل.
الصعوبة الخامسة: ما يعود إلى نقص الباحث بصفته مُمثِّلاً لمرحلة مُعيَّنة من تطوُّر الفكر الإسلامي.
ويتمُّ إيضاح ذلك بتقديم عدَّة نقاط:
النقطة الأُولى: يُمثِّل مفهوم الفكر الإسلامي مستويين مُستقلَّين:
المستوى الأوّل: الفكر الإسلامي بصفته مجموعة من الحقائق والتشريعات، كما يُعرِّفها الله ورسوله وأولياؤه (عليه وعليهم السلام)... وهو الفكر الإسلامي الأعلى، والأطروحة العادلة الكاملة للحياة.
المستوى الثاني: الفكر الإسلامي الموجود عند علماء المسلمين والمُفكِّرين الإسلاميين على مَرِّ العصور، وهو في واقعه ناقل للمستوى الأول وحاكٍ عنه ومُنبثق عنه إلى حدٍّ كبير، نتيجة للتبليغات والبيانات التي قيلت من قِبَل المشرِّع الإسلامي المُقدَّس في الكتاب الكريم والسنَّة الشريفة.
والمقصود الأساسي هو تربية الأُمَّة على فَهْم وامتثال المستوى الأول، عن طريق مُمارستها وتدقيقها للمُستوى الثاني، بصفته مُمثِّلاً لمستوى الأول، وهي بأجيالها المُتعقِّبة كفيلة بأن تقوم بذلك تدريجيَّاً، وكما سبق أن عرفنا في التاريخ السابق.
ولا زال الفكر الإسلامي بمستواه الثاني في طريق التطوُّر والتعمُّق والتوسُّع؛ ومن هنا صح أن يُقال: إنَّ كل جيل وعدَّة أجيال من الأُمَّة الإسلامية يُمثِّل مرحلة للفكر الإسلامي، ولا زال الفكر الإسلامي في طريق الرُّقي، وينبغي الاعتراف بعدم وصوله إلى الكمال، ووجود عدد من البحوث غير المطروقة فيه، كما هو غير خفيٍّ على المُحقِّقين في هذا الصدد.
النقطة الثانية: إنَّه ينتج من ذلك: أنَّ كل باحث ومُفكِّر، هو بطبيعة تكوينه ابن الفترة التي يُعاصرها والزمن الذي يمرُّ فيه، ويتعذَّر عليه بالمرَّة ـ مهما أوتي من عبقرية وطول باع ـ أن يسبق الزمن، فيدَّعي الوصول إلى المُستوى الأول للفكر الإسلامي، وأنَّه محتوٍ على وعي وثقافة الأجيال الإسلامية القادمة من المستوى الثاني... تلك الثقافة القائمة على انكشاف ما في سوابقها من الأخطاء، وملء ما فيها من فجوات.
إذاً؛ فكل باحث يحتوي على قصور طبيعي وذاتي في تفكيره الإسلامي، بصفته مُمثِّلاً لمرحلة مُعيَّنة من تطوُّر الفكر الإسلامي لا يمكن أن يتعدَّاها، في حين يُمثِّل الإمام المهدي (ع) بما ينشر في عصر ظهوره من ثقافات وأفكار وتشريعات، يُمثِّل المستوى الأول من الفكر الإسلامي، ويصل بالمستوى الثاني إلى صفِّ المستوى الأول تماماً، كما نصَّت على ذلك الأخبار، واعترف به سائر مذاهب الإسلام من أن يُطبِّق الإسلام كما جاء به رسول الله (ص).
ومن هنا تنشأ الصعوبة، من أن يتصدَّى باحث قاصر للتفكير فيما يتعدَّى عصره، وللتوصُّل إلى حقيقة شخص كامل ومجتمع عادل.
النقطة الثالثة: أنَّه بعد الذي عرفناه من فجوات ومصاعب فيما وردنا من الأخبار من تاريخ ما بعد الظهور، سوف نضطرُّ ـ على ما سنعرضه عن قريب ـ إلى تذليل هذه المصاعب، عن طريق انتهاج القواعد الإسلامية المعروفة، في عدَّة مجالات: في فَهْمِ النصوص عامة، وفيما هو المقصود من الاستعمالات الرمزية خاصة، في مُحاولة التعرُّف على الاتجاهات العامة التي سيسير عليها الإمام القائد على الصعيدين، الاجتماعي والتشريعي، وفي ترجيح بعض النصوص على بعض، إلى غير ذلك من المسؤوليات في البحث والاستنتاج.
ويبدو من الواضح، بعد هذه النقاط: أنَّ كل باحث إنَّما يملأ هذه الفجوات بمقدار ما لديه من الثقافة الإسلامية، وما وصل إليه تطوُّر الفكر الإسلامي في عصره، ويستحيل في حقِّه أن يصل إلى الواقع الراهن القائم بعد عصر الظهور على عُمقه وشموله، وبخاصة بعد ورود ما سنسمعه في العديد من الأخبار من أنَّ المهدي (ع) يأتي بأمر جديد وكتاب جديد وسلطان جديد.
ولعلَّ من أوضح أمثلة ذلك، كما ذكره ابن عربي (في الفتوحات المكِّيَّة)(٨) عن تاريخ ما بعد الظهور، ممَّا يظنُّ أنَّ المهدي (ع) يقوم به من تصرُّفات، وما يُعيِّنه من وزراء وما يسنُّه من تشريعات، فإنَّه إنَّما كتبه بمستواه من التفكير الإسلامي، ونحن نجده الآن ـ بعد تعمُّق الفكر الإسلامي ـ في غاية الغرابة والتعقيد.
وهذه الصعوبة، بما ينفرد بها هذا البحث عن سائر أبحاث التاريخ، وبما فيها ما كتبناه من تاريخ الإمام المهدي (ع) في غيبته الصغرى وغيبته الكبرى، فإنّ تلك الأبحاث كانت عرضاً لحوادث مُعاشة سابقة ومُعاصَرة، مفهومة الأبعاد والجوانب، يمكن للمُفكِّر الإسلامي الأخذ بزمامها، بخلاف العرض التاريخي لما بعد الظهور، لما عرفناه من قصور الباحث من إدراك العُمق الحقيقي لذلك العصر.
الصعوبة السادسة: أنَّه قد يخطر على الذهن في نقد الأخبار الشارحة لحوادث الفترة التي نؤرِّخها: أنَّها قائمة على المعجزات وخوارق العادات، وهي بطبيعتها بعيدة الحدوث صعبة التصديق؛ ومن ثمََّ يُشكِّل ذلك ضعفاً في هذه الأخبار وصعوبة في فهمها واستيعابها.
إلاَّ أنَّ هذه الصعوبة ممَّا لا يمكن إدراجها في قائمة المصاعب الحقيقية للبحث، تلك المصاعب التي تضطرُّ الباحث إلى التسليم بالأمر الواقع، وإدخال النقص الحقيقي على بحثه، فإنّ هذه الصعوبة ليست كذلك، وإنّما تُعتبر نقطة ضعف في البحث عند اتِّجاه المُفكِّرين الذين اسقطوا المعجزات عن نظر الاعتبار.
فإنَّ عدداً مُهمَّاً من تلك الأخبار لا تحتوي على الإشارة إلى أيِّ معجزة على الإطلاق، وإنَّما تروي أعمال المهدي (ع)، ومُنجزاته، وعدد أصحابه وغير ذلك؛ ومعه فلا تكون مشمولة هذه الفكرة أساساً.
وأمَّا الأخبار الدالَّة على المعجزات منها، فينبغي فحصها ومُحاسبة كل خبر وكلّ حادثة على حِدة، فما كان منها مُطابقاً لقانون المعجزات الذي برهنَّا عليه في (تاريخ الغيبة الكبرى)(٩)... أخذنا به، بمعنى أنَّه لم يواجه صعوبة من هذه الناحية، وما كان خارجاً عن حدود هذا القانون، كان مرفوضاً من هذه الناحية، وساقطاً عن الإثبات التاريخي، وقد سبق أن طبَّقنا ذلك بدقَّة في الكتاب المُشار إليه، ويكون ذلك من القواعد العامة الدالَّة على تكذيبه.
إذاً؛ فهذه الصعوبة، لا تكاد تشكل عَقَبة حقيقية تجاه هذا البحث، وإنَّما المُهمُّ هو الصعوبات الخمس الأُولى. ولابدَّ من البحث عن إمكان تذليلها والكفكفة من عمق تأثيرها جَهد الإمكان.
الجهة الرابعة: في أُسلوب الخروج عن الصعوبات السابقة، وتذليلها، بمقدار ما هو المُمكن والمُتوفَّر.
وقد أشرنا فيما سبق، إلى أنّ الجواب الحاسم على هذه المشكلات، والقاضي على هذه العقبات ـ جُملة وتفصيلاً ـ ممَّا لا يتوفَّر، ولا يمكن توفُّره لأيِّ باحث، ما لم يكن مُعاصراً لعصر الظهور، ومُتأخِّراً.
ومن ثَمَّ؛ ينبغي الاعتراف بقصور هذا البحث عن الإحاطة بالعُمق الحقيقي لليوم الموعود، والحوادث التفصيلية الواقعة فيه، وإنَّما غاية ما نُحاول أن نُصوِّر الأفكار العامة والأعمال الرئيسيّة المُتوفّرة فيه، من خلال ما بلغنا من أخبار وما نعرفه من قواعد، وأنَّ خير ما يخرج من تلك المصاعب السابقة هو اتِّخاذ أُسلوبين مُترتِّبين:
الأُسلوب الأول: تذليل المصاعب عن طريق القواعد العامة المؤسَّسة في الكتاب والسنَّة، وذلك بعرض جميع ما وردَنا في مصادر هذا التاريخ، عرضه على ما هو المعروف من فَهْمِ الإسلام لأُمور ووجهة نظره إلى القضايا العامة والخاصة... ذلك الفَهم المُستنتَج من الكتاب والسنَّة، والمُستشهَد عليه بآية ورواية، والمعروف عن طريق الاستدلال العقلي القطعي.
ونستطيع بهذه القواعد، أن نصل إلى عدَّة نتائج أساسية حاسمة في تذليل تلك المصاعب:
أوَّلاً: مُحاولة فَهْم العبارات الرمزية، بنحو ينسجم مع الفَهم الإسلامي الصحيح؛ باعتبار أنَّ فَهم ظواهرها المباشرة غير مُحتمل أساساً، وإلاَّ كان أساساً لتصورات خاطئة إسلامياً، كما هو المُبرهَن عليه في البحوث الإسلامية.
وإذ يدور الأمر بين إهمالها وتأويلها، يكون تأويلها إلى المعنى الصحيح أفضل، كيف، ونحن نعلم أنَّ استعمال الرمز على لسان النبي (ص) والأئمة (ع) أمر غير غريب، وخاصة فيما يكون فوق فَهم السامعين المباشرين لهم، كما هو الحال في التعبير عن حوادث تاريخ ما بعد الظهور.
ثانياً: مُحاولة ملء بعض الفجوات الموجودة في هذا التاريخ المنقول، بما نعلم عادة قيام المهدي (ع) به بعد ظهوره، بحسب القواعد العامة... وإن لم يُصرَّح به في الأخبار نتيجةً لظروفها الخاصة.
ولكن تبقى – مع ذلك – فجوات واسعة قد نستطيع ملأها، وجملة منها، عن طريق الأُسلوب الثاني الآتي. وبدونه ينبغي الاعتراف بالعجز عن الملء، لكنَّنا سنرى أنَّنا نستطيع بالأخبار مع تحكيم هذين الأُسلوبين تغطية المُهمّ منها.
ثالثاً: رفض ما خالف القواعد العامّة من النصوص، وجعلها قرائن فاصلة في رفض وقبول الأخبار ما لم تكن مُستفيضة ومتواترة، وجعلها المَحكَّ في هذا التمحيص.
رابعاً: التوصُّل إلى بعض ما سكتت عنه الأخبار من الاتِّجاهات العامة لدولة المهدي (ع) ممَّا يمكن التوصُّل إليه، بعد تذليل الصعوبة الخامسة جهد الإمكان كما سيأتي.
خامساً: التوصُّل إلى الربط بين الحوادث التي لا تبدو مرتبطة في النقل الواصل إلينا، ومُحاولة ترتيبها زمنيَّاً إن لم يكن الترتُّب موجوداً على ضوء القواعد العامة، مع الإمكان.
إلى غير ذلك من النتائج المُهمَّة التي سيأتي تطبيقها فيما يلي من البحث.
الأُسلوب الثاني: عند إعواز القواعد العامة أحياناً، تنحصر معرفة النتيجة عن طريق عرض (الأُطروحات المُحتملة)، كالذي سبق أن طبَّقناه في تاريخ الغيبة الكبرى... بالنسبة إلى عدد من أُمَّهات الأمور.
وهذا يعني عرض أقرب الاحتمالات في مورد المُشكلة، أمَّا اثنين وثلاثة، ممَّا لا يكون مُخالفاً للقواعد العامة ويكون مُحتمل التحقُّق في زمنه الخاص، ويعني ذلك أيضاً عدم الجزم بأحد المُحتملات، بل تبقى المسألة معروضة بمُحتملاتها، لكن يبقى في الإمكان جمع القرائن الدالَّة على ترجيح أحد المُحتملات، في الأعم الأغلب.
نعم، يبقى لدينا أمران يحتاجان إلى مزيد من التأمُّل:
الأمر الأول: المفهوم الطائفي المؤكَّد عليه في أخبار المصادر الخاصة، كما سبق أن أشرنا... وهو وإن كانت له مُبرِّراته الخاصة في عصر صدور هذه الأخبار، كما عرفنا وإلاَّ أنَّ هذه المُبرّرات تكاد تفقد قيمتها الاجتماعية في العصر الحاضر؛ لأنَّ دولة المهدي (ع) عالمية شاملة للبشرية جمعاء، وإذا كان مقصودها هو الاستيعاب والشمول في التاريخ، فلا ينبغي التأكيد على هذا المفهوم خاصة، وترك ما عداه من الأعمال والأقوال، لعهد ما بعد الظهور بأيِّ حال؛ لأنَّنا نكون قد اقتصرنا على بعض الجوانب دون بعض.
والذي ينبغي أن يُقال: إنَّه بعد التسليم بإمكان تصديق هذه الأخبار، ما كان منها
صالحاً للإثبات التاريخي... بناءً على الفَهم المهدوي الإمامي.. يُمكننا تغطية هذا الاتِّجاه الطائفي في تاريخنا هذا بأُسلوبين:
الأُسلوب الأول: أنَّنا بعد أن نملأ الفجوات التي عرفنا، ونُبرْهِن على اتِّصال المهدي (ع) بغير المسلمين شعوباً وحكومات، تقديماً لإدراجهم في دولته العالمية... ونستطيع فهم الاتِّجاهات العامة والآثار الكبرى التي تترتَّب على ذلك... وعندئذ يُمكننا أن نُعطي لتلك الأخبار مدلولها الواقعي.
إنَّ الأمَّة الإسلامية ستُصبح هي القائدة والرائدة للبشر أجمعين على طريق العدل الكامل، وبجهودها سيفتح القائد المهدي (ع) العالم، ومن مُنطلقاتها سيستطيع بثّ الدعوة المُقدَّسة إلى العالم، والأمَّة القائدة ينبغي أن تكون على مستوى هذه المسؤولية الكبرى، وإلاَّ كانت جهودها في العالم فاشلة، ومُخلَّة في التخطيط العام في نهاية المطاف.
ومن هنا؛ كان التأكيد على ترتيبها في التخطيط الإلهي كبيراً، سواء في عصر (الغيبة) أم في عصر الظهور، وقد أنتجت تربيتها في عصر الغيبة تمخُّضها عن الجماعة المؤمنة، التي تُمارس فتح العالم بين يدي المهدي، إلى جانب انحراف الأعم الأغلب من البشر وتمرُّسهم بالظلم والطغيان، حتى من الأُمَّة الإسلامية نفسها، وهذه الأمَّة ـ التي أصبح الأكثر فيها مُنحرفاً ـ لا يمكن أن تكون على مستوى مسؤولية القيادة العالمية بأيِّ حال.
فإذا لاحظنا درجات الإخلاص الأربعة التي ذكرناها في التاريخ السابق،(١٠) ودرسنا احتمالات تجاوب أفراد الأمّة الإسلامية مع الإمام المهدي (ع) في أول دعوته، وهي احتمالات واسعة جدَّاً بلحاظ ما يحمله الأفراد من درجات الإخلاص، لكن يبقى الكثيرون وممَّا لا يتَّصفون بالإخلاص أساساً، كما ينبغي رفع درجات الإخلاص عند الأفراد، من الدرجات الدانية إلى العالية منها تدريجاً، لتكون الأمَّة بسرعة على مستوى القيادة العالمية، كأمَّة ذات دعوة وهدف.
وهذا يحتاج إلى أعمال عسكريَّة وفكرية واسعة النطاق، قد لا تقلُّ عن المقادير الواردة في الأخبار التي سنسمعها خلال هذا التاريخ، لكن ينبغي أن نفهم أنَّ مَن يعمل المهدي (ع) ضدَّه من الأفراد المسلمين هو كل مُنحرف منهم، وإن كان على مذهب لمهدي نفسه من الناحية النظريَّة.
وهذا الذي يُفسِّر لنا كيف أنَّ جهود المهدي (ع) في أوّل ظهوره، وخلال فترة سيطرته على العالم عسكرياً وفكرياً، وتكون مبذولة على الأمَّة الإسلامية نفسها، أكثر من أيِّ أمَّة أُخرى قائدة للعالم ورائدة للحق، ريثما يستتبُّ له الوضع العالمي؛ ليوزِّع جهوده على العالم على حدٍّ سواء، وليس في مداليل الأخبار التي نحن بصددها ما هو أوسع من ذلك.
الأُسلوب الثاني: في تغطية الاتِّجاه الطائفي للأخبار، وهو الاستغناء عن ذكر ما يوجب جرح العواطف المذهبية، وإثارة الضغائن بين المذاهب الإسلامية، وإن أوجب ذلك وجود فجوة تاريخية.
على أنَّ الأخبار المُتطرِّفة ليست كثيرة، ليست واردة بطريق صحيح، ولا تثبت للنقد أمام الأُسلوب الذي اتَّخذناه بالعمل بالأخبار، فلا يكون تركها مؤسفاً.
الأمر الثاني: ممَّا يحتاج إلى التأمُّل، أنَّ ما قلناه، من قصور الباحث عن إدراك العمق الحقيقي لليوم الموعود، وقيادة المهدي (ع) فيه، حقيقة واقعة لا مناص منها؛ ومن هنا كان الباب مُنسدَّاً أمام التعرُّف على التخطيطات والتشريعات التفصيلية، التي يقوم بها القائد المهدي (ع)، والعمق الحقيقي لثقافة الفرد المسلم والجماعة المسلمة في ذلك العصر.
إلاَّ أنَّ هذا لا يعني ـ بحال ـ عدم إمكان التعرُّف على ذلك بنحو الإجمال، على شكل قضايا تجريدية تتَّصف بشيء من العمومية... وذات اختصار تجاه تلك التفاصيل القليلة على ما سنرى.
إذاً؛ فهذا البحث لا يُمكنه أن يُزاحم الحقائق في ذلك العصر، ويُغني عنها، وإنَّما غاية جهده أن يُلِمَّ بعناوينها العامة وقضاياها الإجمالية ونتائجها الرئيسية عن طريق مُبرهَن صحيح.
وبالاطِّلاع على هذه الجهات، نعرف ـ بوضوح ـ جواب السؤال الذي ذكرناه في أول التمهيد، من أنَّ هذا البحث خالٍ من الفائدة ورجم بالغيب، قد يتحقَّق في المُستقبل وقد لا يتحقَّق.
أمَّا إنكار فوائد هذا البحث، فقد عرفنا ما يترتَّب عليه من فوائد الجهة الأُولى من هذا التمهيد، فإنَّ كل فائدة منها تكفي في رجحان الدخول في هذا البحث، فضلاً عن المجموع.
وأمَّا كونه رجماً بالغيب، فليس كذلك؛ لأنَّنا إذ نتكلَّم على المستوى الإسلامي، إنَّما نأخذ ذلك من مصادر الإسلام الأساسية وقواعده العامة، وليس فيه أيُّ إخبار بالمُغيَّبات على الإطلاق.
نعم، نفس الأخبار الواردة عن النبي (ص) والأئمة (ع) التي نعتمدها في هذا الصدد، تحتوي على الأخبار بالغيب وبحوادث المُستقبل، شأنها في ذلك شأن العديد من الأخبار التي اعتمدناها في التاريخ السابق، والتي أثبتنا صحَّة الأعمِّ الأغلب منها، وهو ممَّا لا يكون مُضرَّاً على المستوى الإسلامي، بعد إمكان تعليم الله تعالى إيَّاهم ذلك... ووجود المصلحة في تبليغه، وهو الإعداد التدريجي للأمَّة الإسلامية لتلقِّي اليوم الموعود.
مضافاً إلى أنَّنا اختبرنا هذه الأخبار، في التاريخ السابق، فوجدناها صادقة، وفيها ما هو مُبرهَن الصدق إلى حدٍّ يدلّ على صدق العقيدة الإسلامية، فضلاً عن قضية المهدي، كما قلنا هناك،(١١) فإذا أمكن أن نُصدِّق بعض الأخبار، أمكننا أن لا نستبعد صدق الجميع.
وأمَّا كون هذا التاريخ ممَّا قد يتحقَّق ولا يتحقَّق، فهذا تابع لقوَّة ما سنعرضه من الأدلَّة، وفيها ما هو قطعي الإنتاج، وما هو مؤكَّد وما هو ظنِّي، وإن كانت كلُّها صالحة للإثبات التاريخي، طبقاً للمنهج الذي ذكرناه، ولا معنى بطبيعة الحال، أن نقول ـ لما هو قطعي ومؤكَّد ـ: إنَّه سوف لن يتحقَّق وأنَّ احتماله ضعيف...!!
الجهة الخامسة: في بيان ترتيب أبواب وفصول هذا الكتاب...
نذكره في البدء؛ ليكون القارئ مُلمَّاً بالتسلسل المنطقي لها، قبل الدخول في التفاصيل:
يقع هذا التأريخ في أقسام ثلاثة:
القسم الأوّل: في إرهاصات وتقديمات الظهور، بما فيها من أُسُس عامة، وضواهر خاصة، وفيه بابان:
الباب الأوّل: في الأُسُس العامة للظهور، ونعني بها القضايا الرئيسية التي يبتني عليها اليوم الموعود.
ويتكوَّن هذا الباب من عدَّة فصول:
الفصل الأول: ارتباط يوم الظهور بالتخطيط العام الإلهي للبشريَّة، ذلك التخطيط الذي سبق أن عرضناه وبرهنَّا عليه في تاريخ الغيبة الكبرى.
الفصل الثاني: آثار الغيبة الكبرى على ما بعد الظهور، فيما يعود إلى الإمام المهدي (ع) نفسه، وما يعود إلى أصحابه، وما يعود إلى البشرية على وجه العموم.
الفصل الثالث: توقيت الظهور من ناحية شرائطه وعلاماته، وفائدة تحقُّق هذه الأشياء بالنسبة إلى ما بعد الظهور، مع الإلماع إلى أنَّ مثل هذا التوقيت لا يُنافي الأخبار الدالَّة على نفي التوقيت.
الفصل الرابع: الأيدولوجية العامَّة التي يتبنَّاها الإمام المهدي (ع) تجاه الكون والحياة والتشريع.
الفصل الخامس: التخطيط الإلهي لما بعد الظهور، وإنَّ التخطيط الإلهي العام للبشرية لا ينقطع بالظهور، بل يبقى ساري المفعول، لكن على شكل جديد.
الباب الثاني: حوادث ما قبل الظهور، ونعني بها الحوادث التي تقع قبل الظهور بزمن قليل، وهو ما سبق أن أجَّلنا فيه الكلام من تاريخ الغيبة الكبرى إلى هذا التاريخ، بعد إن فصَّلنا الكلام هناك بالحوادث التي لا تكون بطبيعتها قريبة من عصر الظهور.
يندرج في ذلك: حروب السفياني وفتنة الدجَّال، وقتل النفس الزكية، والصيحة والنداء، وغير ذلك، ممَّا ورد النقل عن حدوثه قبل الظهور بقليل.
وقد سبق أن أعطينا فكرة كافية عن الثلاث الأُوَل في التاريخ السابق، إلاَّ أنَّنا نُحاول هنا أن نُعطي فكرة جديدة عنها، في حدود الفرق في أُسُس الإثبات ومنهجة البحث بين الكتابين، وقد ألمعنا إلى المُهمِّ منها قبل صفحات.
القسم الثاني: حوادث الظهور وإقامة الدولة العالمية إلى وفاة الإمام المهدي (ع)، ويندرج فيه عدَّة أبواب:
الباب الأول: في حوادث الظهور، وما يليه إلى حين مسير المهدي (ع) إلى العراق، ويتمُّ الكلام في ذلك ضمن فصول:
الفصل الأوَّل: في معنى الظهور وكيفيَّة، وطريقة معرفة الإمام (ع) بالوقت المُلائم لذلك
الفصل الثاني: في مكان الظهور وزمانه، ونعني بالزمان: اسم اليوم والشهر، ونحو ذلك ممَّا قد في بعض الأخبار تعيينه.
الفصل الثالث: خُطبته الأُولى، مع بيان مغازيها والتعرُّض إلى عُمق مضامينها.
الفصل الرابع: عدد أصحابه وخصائصهم وكيفيَّة اجتماعهم.
الفصل الخامس: مُنجزاته الأُولى إلى حين الوصول إلى العراق.
الباب الثاني: فتحه للعالم بالعدل.
وهو على عدَّة فصول:
الفصل الأول: في نقطة الانطلاق، والمراد به المكان الذي يبدأ به المهدي (ع) غزو العالم.
الفصل الثاني: في سعة ملكه.
الفصل الثالث: ضمانات النصر لديه (ع)، وأنَّه كيف يمكن أن ينتصر بالعدد القليل على العالم، وفيه القوى الكبرى ذات العدد والعدَّة.
الفصل الرابع: في كيفيَّة ومدَّة استيلائه على العالم، أعني من أول ظهوره إلى حين تأسيس الدولة العالمية بكاملها.
الفصل الخامس: ما يُحتمل أن يكون موقف الآخرين منه، سواء في ذلك الأفراد أم الجماعات.
الفصل السادس: في مدَّة بقائه في الحُكم.
الباب الثالث: التطبيق الإسلامي المهدوي، والدولة المهدوية العالمية، ويتضمَّن هذا الباب عدَّة فصول:
الفصل الأول: مجيء المهدي (ع) بكتاب جديد وقضاء جديد... وإعطاء الفكرة الصالحة عن ذلك.
الفصل الثاني: موقفه من القضايا السياسية والاجتماعية.
الفصل الثالث: ضمانات التطبيق السريع للعدل الكامل في العالم.
الفصل الرابع: قيادات أصحابه، ومقدار قابليَّتهم وسِعتها.
الفصل الخامس: تمحيص المهدي لأصحابه وللأُمَّة عامة.
الفصل السادس: أُسلوبه في تربية الأمَّة على وجه الإجمال بعد تعذُّر الاطِّلاع على التفصيل.
الفصل السابع: مُنجِّزات المهدي على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، في حدود
ما وردنا في الأخبار، وما تقتضيه القواعد العامة.
الفصل الثامن: موقف الإمام المهدي (ع) من أهل الكتاب، ومسألة مشاركة المسيح عيسى بن مريم على نبِّينا وعليه السلام، ومعه في القيادة العالمية.
الباب الرابع: في انتهاء حياة المهدي (ع) والحديث عن سبب موته.
القسم الثالث: العالم بعد المهدي (ع).
وينقسم إلى بابين:
الباب الأول: في قيادة ما بعد المهدي (ع)، وعرض صفات الدولة، ومن حيث الرئاسة والخصائص العامة لها وللمُجتمع.
الباب الثاني: في نهاية البشرية، وهل يصح: أنَّه لا تقوم الساعة إلاَّ على شِرار الخَلق.
هذا، ويكون الكلام في هذا القسم الثالث موجَزاً نسبيَّاً؛ لأجل أن نعرضه بكل تفصيل في الكتاب الرابع من هذه الموسوعة.
وينبغي أن نُشير هنا إلى أنَّنا جعلنا عنوان هذا الكتاب: تاريخ ما بعد الظهور؛ لأنَّ المُهمّ هو التعرُّض إلى تاريخ البشرية من زاوية ما يقوم به المهدي (ع) من أعمال من حين ظهوره فصاعداً، ويبقى التعرُّض إلى العلامات القريبة السابقة على الظهور بقليل، وإلى الظهور نفسه وما يحتويه من ملابسات، يبقى ذلك كأنّه من مُقدِّمات هذا التاريخ.

القسم الأول: في إرهاصات الظهور ومُقدّماته
بما فيها من أُسُس عامة وظواهر خاصة.

وفيه بابان:
الباب الأول: في الأُسُس العامة لظهور المهدي (ع).
ونعني بها القضايا الرئيسية التي يبتني عليها اليوم الموعد بما يحتويه من ظهور المهدي (ع) ودولته العالمية العادلة ويتكوَّن هذا الباب من عدَّة فصول:
الفصل الأول: ارتباط الظهور بالتخطيط الإلهي العام
يكون التخطيط الإلهي العام المُنتِج لشرائط الظهور، قد انتهى، وتكلَّل بنتيجه الكبرى، وهو حصول اليوم الموعد.
وحاصل الفكرة التي فصَّلناها في التاريخ السابق(١٢): إنَّنا ـ انطلاقاً من قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(١٣) ـ نفهم أنَّ الغرض الإلهي الأسمى من إيجاد الخليقة، وإمدادها بالإدراك والاختيار، هو التوصُّل بها إلى الكمال، وهو تمحيض العبادة الحقيقة لله تعالى، والغرض الإلهي لا يمكن أن يتختلَّف.
وقد ذكرنا هناك معنى العبادة الحقيقية(١٤)... وبرهنَّا(١٥) على أنَّ وجود هذا الهدف يتوقَّف على عدَّة شرائط، هي كما يلي:
أولاً: وجود الأُطروحة العادلة الكاملة المُبلِّغة إلى البشر من قبل الله تعالى؛ لتكون هي القانون السائد في المجتمع.
ثانياً: وجود القيادة الحكيمة التي يقوم بتطبيق تلك الأُطروحة في اليوم الموعود.
ثالثاً: وجود العدد الكافي من المُخلِصين المؤازرين للقائد بتطبيقه العالمي المنشود.
أمَّا الشرط الأول: فقد خطَّط الله تعالى لإيجاده وتربية البشرية عليه. ضمن خَطِّ الأنبياء الطويل، حتى تكلَّل هذا التخطيط بالنجاح بانجاز هذا الشرط ضمن الأُطروحة الإسلامية المُبلَّغة من قِبَل خاتم الأنبياء (ع).
وقد سبق هناك أن برهنَّا أنَّ الأُطروحة العادلة الكاملة هي الإسلام.(١٦)
وأمّا الشرط الثاني: فقد وفّره الله تعالى في المهدي (ع) كقائد أمثَل للبشرية؛ ليكون هو المُطبِّق لتلك الأُطروحة الكاملة في اليوم الموعود... وأكّد على بقائه الطويل خلال أجيال عديدة من البشر، ذلك البقاء الذي سنرى ـ في الفصل الآتي ـ كونه ضرورياً لتولية القيادة المأمولة في اليوم الموعود، وقد أعطينا طرفاً مُختصراً عن ذلك في التاريخ السابق.(١٧)
وأما الشرط الثالث: فقد خطّط الله تعالى لإيجاده بعد الإسلام، فإنَّ تربية الفرد على تفهم وتطبيق مناهج سابقة غير الأُطروحة العادلة الكاملة، والتي سبق(١٨) أن برهنّا على مرحليّتها وضيق مضمونها، باعتبار أنّ الذهن البشري لم يكن قابلاً لأكثر من ذلك.
إنّ التربية على تفهم وتطبيق هذه المناهج ممّا لا يكون مُجديا ً في تحقيق العدل في اليوم الموعود.
وإنَّما لا بدّ من تربية الأمّة الإسلامية على الأطروحة الكاملة نفسها، من حيث تفهُّمها واستيعاب مضمونها ـ من ناحية ـ والكفاءة لتطبيقها وإطاعة موادّ قانونها ـ من ناحية ثانية ـ... ليكون اللأفذاذ المُمحَّصين من هذه الأمّة شرفُ المُشاركة في انجاز اليوم الموعود، وتوطيد دعائم الدولة العالمية العادلة.
ومن هنا؛ كان لا بدّ أن تمرّ الأمّة الإسلامية بخطٍّ طويل من التربية، وبظروف مُعيّنة من الامتحان والتمحيص، من الناحيتين الفكرية والعاطفية.
أمّا من الناحية الفكرية، فتتربّى الأمّة ـ وبشكل غير مباشر كل البشرية ـ بما يُقدِّمه لها المُفكّرون الإسلاميون من بحوث وتدقيقات لدينهم الحنيف؛ لكي تكون الأمة ـ ومن ثُمَّ البشرية كلها ـ على مستوى تفهم الأفكار والتشريعات الجديدة، التي تُعلَن في اليوم الموعود.
وأمّا التربية من الناحية العاطفية، أي من جهة تعميق الإيمان والإخلاص، فالأسلوب الرئيسي لذلك هو أن تمرَّ الأمّة بظروف صعبة، من الظلم والمصاعب والانحراف، ويكون ردُّ فعلهم تجاه هذا الظلم والانحراف، ويكون لدى النخبة الصالحة منها من الإخلاص والإيمان وقوّة الإرادة، بحيث يكون ردُّ فعلهم تجاه هذا الظلم والانحراف ردَّ فعل مُخلص، مُتضمّن للتطبيق الكامل للأُطروحة الكاملة، والإطاعة التامّة للإسلام.
وتستمرُّ التربية جيلاً بعد جيل على هذا الأساس، يتزايد خلالها هؤلاء المخلصون، كما يتطرّف العديدون إلى جانب الظلم والانحراف، حتى يأتي اليوم الذي يتوفّر العدد الكافي من هؤلاء المُخلصين لقيادة اليوم الموعود وتنفيذه، وعندئذ يكون الوعد الإلهي ضروري التطبيق، بعد توفّر شرائطه الثلاثة.
ومعه نستطيع أن نفهم ـ بكل وضوح ـ مدى ارتباط يوم الظهور الموعود بالتخطيط العام للبشرية، فإنّه في الحقيقة هو اليوم الذي يتحقّق فيه السبب الرئيسي لإيجاد العبادة الكاملة لله تعالى في خلقة... وبإيجاده يتحقَّق الهدف الأسمى لخلق البشرية ككُلّ.
إذاً؛ فيوم الظهور، ليس يوماً ولا عرضاً عارضاً، ولا ظاهرة موقَّتة، وإنّما هو النتيجة الطبيعة المقصودة لله عز وجل من خلقة، وعلى طريقة كانت جهودَ الأنبياء والأولياء والشهداء، أولئك الأعاظم الذين لم تتكمَّل جهودهم بالنتيجة الأساسية المأمولة في عصورهم، بل بقيت مذخورة ومُخطّطة لليوم الموعود.
وعلى طريقة كانت تضحيات البشر والآمهم، وما قاسوه من المصاعب والمصائب على مَرِّ التاريخ، وما مرُّوا فيه من ظروف الظلم والعَسْف والنحراف، فهو غياث المُستغيثين، وأمل الآملين، ورافع كرب المكروبين وظلم المظلومين، ومُحقِّق العدل العظيم.
وسيأتي فيما يلي من البحث، المزيد من التفصيل والإيضاح لهذه الفكرة.
الفصل الثاني: في نتائج الغيبة الكبرى على ما بعد الظهور
بالنسبة إلى كلٍّ من الإمام المهدي (ع) نفسه، وبالنسبة إلى أصحابه وخاصّته، وإلى الأمّة الإسلامية بشكل عام، بل إلى البشر أجمعين، تنقسم الغيبة الكبرى في مفهومها الضخم الذي حقّقناه في التاريخ السابق إلى ثلاثة مداليل:
المدلول الأول: تأجيل اليوم الموعود إلى أمدٍ بعيد، وإلى موعد مجهول.
المدلول الثاني: طول عمر الإمام القائد المذخور للمُهمّة، ومُعاصرة العالمية في اليوم الموعود... كما يقتضية الفهم الإمامي للمهدويّة، مُعاصرة هذا القائد لتاريخ طويل وأجيال كثيرة للأمّة الإسلامية.
المدلول الثالث: غيبة هذا القائد خلال ذلك، وعدم اطّلاع الناس على شخصه، ومكانه وأُسلوب حياته... بالمعنى الذي ذكرناه من الغيبة في التاريخ السابق،(١٩) ولكلٍّ من هذه المداليل تأثيره الحقيقي الفعّال في اليوم الموعود.
أمّا المدلول الأول: فهو مدلول ثابت ومُنتج، سواء على الفهم الإمامي للمهدي أم على الفهم الآخر؛ لأنّ قضيّة التأجيل أمر واضح للمسلمين عموماً، من صدر الإسلام وإلى المُستقبل... لا يختلف الحال فيه بين أن يكون القائد المهدي (ع) موجوداً خلال هذا الأجل الطويل ولم يكن، وغائباً وليس بغائب.
ولهذا المدلول، أعني التأجيل الطويل، فوائد المُهمّة وآثاره العميقة على اليوم الموعود والدولة العالمية، من عدَّة نواحٍ:
الناحية الأُولى: مرور الأُمّة الإسلامية بظروف التمحيص والاختيار، التي توضِّح حقيقة أفرادها، وتكشف عن إيمان المؤمنين فيها، وتجعلها على طريق تعميق الإخلاص والوعي.
الناحية الثانية: إنّ ظروف التمحيص الطويل تُنتج العدد الكافي من الإفراد المُخلصين الكاملين، لغزو العالم بالعدل، الذين يكون لهم شرف القيادة في اليوم الموعود، الأمر الذي عرفنا أهمِّيَّته في التاريخ السابق مُفصّلاً.
الناحية الثالثة: إنّ هذه المدّة الطويلة كفيلة بإكمال تربية الأجيال من الناحية الفكرية والعاطفية وـ بتعبير آخر: ـ على فهم الأُطروحة العادلة الكاملة، أولاً، والتدرُّب على إطاعتها والتضحية في سبيلها.
وقد سبق أن عرفنا في تاريخ الغيبة الكبرى فكرة مُفصَّلة عن ذلك، وهذه التربية لا تختصّ بخصوص المُمحّصين الكاملين، بل هي عامة تشمل سائر الأفراد على مُختلف المستويات، كما برهنّا، وهي تؤثِّر في الأُمّة من زاوية جعلها على مستوى فهم القوانين والأفكار، والمفاهيم التي تُعلن في الدولة العالمية، والتي يكون إعلانها ضروريّاً لاستتباب العدل الكامل في الأرض.
وهذه النواحي الثلاث ـ كما قلنا ـ لا ترتبط بوجود الإمام الغائب، بل يمكن تصوُّر إنتاجها لفوائدها بدون الإيمان بذلك، طبقاً للتصوُّر غير الإمامي للمهدي... حتى ما إذا علم الله تعالى إكماله للنتيجة بحسب ما هو المقصود في تخطيطه الطويل، أوجد الإمام المهدي في عصره، فأخذ بقيادة الأمّة الإسلامية والبشرية إلى شاطئ العدل والسلام.
إلاَّ أنّ هذا ممّا لا ينبغي المُبالغة في نتيجته، وإن كان صحيحاً على أيّ حال... وذلك بعد أن نلتفت إلى مجموعة أمرين:
الأمر الأول: ما تسالمت عليه مذاهب المسلمين على اختلافها، من أنّ الحقّ مُنحصِر في مذهب واحد على الإجمال، وأنَّ المذاهب الإسلامية الأُخرى بعيدة عن واقع الإسلام بقليل وبكثير، غاية الأمر أنّ كل مذهب يدّعي هذه المزيَّة لنفسه.
الأمر الثاني: إنّ التمحيص الإلهي الضروري لإيجاد اليوم الموعود، لا يكون إلاّ على الحقّ، والتجارب والمِحن لا تنطلق إلاّ من طاعته والإخلاص له، وأمّا المذهب والمذاهب التي يكون في واقعها بعيدة عن الإسلام، فالتربية على أساسها والتدريب على طاعتها تدريب على الباطل، وإن اتّخذ صفة الإسلام.
إذاً؛ فالتمحيص ينحصر في المذهب الواحد الحق المُطابق للإسلام، والمُرضي لله تعالى من المذاهب المُتعدِّدة في الإسلام، وهو ـ على إجماله ـ الذي يقوم فيه المُخلصون الكاملون بقيادة البشرية بين يدي الإمام المهدي في اليوم الموعود.
ومعه؛ فالفوائد المَبْنيّة على أساس المدلول الأول والناتجة عنه، لا تترتَّب إلاَّ على ذلك المذهب الحق، ولا يمكن أن يترتَّب على مجموع مذاهب المسلمين.
وأما المدلول الثاني: وهو عمر الإمام المهدي (ع) ومعاصرته لتاريخ طويل للأمّة الإسلامية خاصة، وللبشرية عامة... فما يترتّب عليه من الفوائد يختصّ بالفهم الإمامي للمهدي (ع)، ولا يعمُّ فَهْم المذاهب الأُخرى له، فإذا عرفنا ما لهذا المدلول من فوائد في تكميل وترسيخ العدل في عصر الظهور، أمكننا أن نعرف أفضليّة التصوُّر الإمامي على غيره من هذه الجهة، وأنّ الله تعالى حين يريد أفضل أشكال العدل للدولة العالمية، فهو يختار التخطيط للغيبة، وبذلك نستكشف صحّة التصوُّر الإمامي وتعين الأخذ به في التخطيط الإلهي.
وقد بحثنا ذلك في التاريخ السابق(٢٠) طبقاً لمنهج مُعيّن، ونريد أن نبحثه الآن طبقاً لمنهج آخر، قد يكون أكثر تحليلاً:
وخلاصة القول في ذلك: إنّ الأُطروحة الإمامية لفهم المهدي (ع)، في حدودها الصحيحة المُبرهنة التي عرضناها في التاريخ السابق، تتضمَّن ـ في حدود المدلول الثاني الذي نحن بصدده ـ عدّة خصائص مُهمّة:
الخصِّيصة الأُولى: الإيمان بعصمة الامام المهدي (ع)، باهتباره الثاني عشر من الائمة المعصومين.
الخصِّيصة الثانية: الإيمان بكونه القائد الشرعي الوحيد للعالم عامة، ولقواعده الشعبية خاصة، طيلة زمان وجوده، سواء كان غائباً أم حاضراً.
الخصِّيصة الثالثة: مُعاصرته لأجيال مُتطاولة من الأمَّة الإسلامية خاصة، والبشرية عامة.
الخصيصة الرابعة: كونه على مستوى الاطِّلاع على الأحداث يوماً فيوماً، وعاماً فعاماً، عارفاً بأسبابها ونتائجها وخصائصها.
الخصِّيصة الخامسة: كونه على ارتباط مُباشر بالناس خلال غيبته، يراهم ويرونه، ويتفاعل معهم ويتفاعلون معه، لا أنّهم لا يعرفون بحقيقة إلاّ نادراً جدّاً، وذلك طبقاً لـ (أُطروحة خفاء العنوان) التي اخترناها وبرهنّا عليها في تاريخ الغيبة الكبرى.(٢١)
وكل هذه الخصائص ممّا يفقدها الفهم غير الإمامي للمهدي، بكل وضوح، وإنّما المهدي بحسب تلك الأُطروحة شخص يولَد في زمانه، ويُيسِّر له الله عزّ وجلّ ظروف الثورة العالمية، فهل هذا العمل الكبير ممكن التنفيذ من قِبل شخص غير معصوم، أحسن ما فيه أنّه يُمثِّل ثقافة عصره ودرجة وعيه من الناحية الإسلامية؟!
الحق، إنّنا ينبغي أن نُذعن بأنّ مثل هذا الإنسان، لا يمكن أن يؤهَّل للقيادة العالمية بأيّ حال، وأنّ خصائص المهدي في التصوُّر الإمامي ليست بالخصائص الطارئة والثانوية، وإنّما هي أساسية في تكوين قيادته وتمكُّنه من تحقيق المجتمع العادل، كما أراده الله تعالى، وكما وعد به.
أمّا الخصيصة الأُولى: وهي عصمة الإمام المهدي (ع)، فتترتّب عليها عدّة فوائد، يمكن أن نُشير إلى أربعة منها:
الفائدة الأُولى: كونه وارثاً علم الإمامة المُتضمِّن للأُسس الرئيسية للفكر القيادي العالمي... عن آبائه المعصومين، عن رسول الله (ص)، عن الله عز وجل، وأنًَّى لمَن يوجد في العصور المُتأخِّرة الحصول على ذلك؟! إلاّ بوحي جديد من الله عز وجل! وهو ما حصل الإجماع من قِبل سائر المسلمين على عدم حصوله للمهدي (ع).
ولا يخفى ما في الاطِّلاع على هذه الأُسس الرئيسية، من زيادة في القدرة على القيادة العالمية، إن لم تكن في واقعها الطريق الرئيسي الوحيد لذلك، وتعذُّر القيادة العالمية بدونها، وكلّما تعيّن شيء للقيادة العالمية، وكان أفضل لها، كان الله تعالى مُنجِزاً له لا محالة؛ لكونه واقعاً في طريق الهدف البشري الأعلى، وكون اختيار عكسه ظلم للبشرية، وموجب لتخلُّف الهدف وكلاهما مُحال على الله عز وجل!
الفائدة الثانية: الشعور بالأُبوَّة للبشر أجمعين، فهو حين يُحارب الكافرين والمُنحرفين، ويقتل العاصين، لا يشعر تجاههم بحقد وضغينة، وإنّما يُحاربهم من أجل مصالحهم أنفسهم، ونشر العدل والسعادة في ربوعهم، وإيصال الحق إلى أذهانهم.
واجتماع هاتين العاطفتين، أعني الشعور بالأُبوّة مع قصد القتل، لا تتوفّر لدى أيِّ أحد في التجربة الفعلية للفتح الإسلامي، إلاّ إذا كان معصوماً.
ومن هنا؛ رأينا الفتح الإسلامي بعد انحسار القيادة المعصومة عنه، قد تحوّل إلى مقاصد أُخرى لا تمتُّ إلى الشعور بالعطف الأبوي على الشعب المغلوب، بأيِّ صلة... وإنَّما أصبح الفتح تجاريَّاً محضاً، كما سمعنا طرفاً منه في (تأريخ الغيبة الصغرى).(٢٢)
فإذا كان هذا الشعور مُتعذِّراً لغير المعصوم في الفتح الإسلامي العالمي ذو النطاق المحدود، فكيف بالفتح الإسلامي العالمي، بما تزهق فيه من نفوس، وما تحصل فيه من أموال، وما يتّسع فيه من سلطان.
الفائدة الثالثة: عدم الانحراف بالقيادة عن مفهومها الإسلامي الصحيح، الذي يشجب استغلالها في سبيل ترسيخ الكرسي والتمسُّك بدفّة الحُكم والجَشَع الشخصي... هذه الآثار السيِّئة والعواطف المُنحرفة التي لا يكاد تنفكُّ عن كل مَن يحكم رقعة من الأرض، ودولة مُعيَّنة، فكيف إذا أصبح الحُكم عالمياً وأصبحت السيطرة والنفوذ في القمَّة من السعة والشمول.
إنّ الفرد مهما كان صالحاً ونقيَّاً قبل هذه القيادة، سيكون مثل هذه القيادة محكَّاً لانحرافه وطمعه، لمدى ضغط الدافع الشخصي والمصلحي على الفرد الحاكم، ما لم يكن معصوماً بالفعل عن ارتكاب كلِّ قبيح ومعصية في التشريع الإسلامي.
الفائدة الرابعة: الدقَّة الكاملة في التطبيق العالمي للأُطروحة العادلة الكاملة، ومن ثُمَّ الأخذ بزمام المجتمع للعبادة المحضة لله عزَّ وجلَّ، التي هي الهدف الأساسي من إيجاد الخليفة.
وهذه الدقَّة يمكن أن تتوفَّر للمعصوم بكل سهولة، بناءً على الفهم الإمامي للعصمة، وهو أنّ المعصوم مُمتنع عليه الخطأ والنسيان، مضافاً إلى عصمته من الذنوب، وأنّ الإمام (متى أراد أن يعلم شيئاً أعلمه الله تعالى ذلك) كما نطقت به الأخبار،(٢٣) فإنَّ المشاكل العالمية مهما كثرت وتعقَّدت، يمكن للإمام المُتَّصف بهذه الصفات، أن يُهيِّئ لحلِّها أقرب الأسباب.
ولعلَّ هذا هو السرُّ الأساسي في جعل هذه الصفات للمعصوم، واتِّصافه بها، مع أنًّه لا تترتَّب عليها مصالح الدعوة الإلهية بالمعنى الشخصي.
وذلك؛ أنَّه قد يُستشكل في الدليل العقلي التقليدي على العصمة، بأنَّ: غاية ما دلَّ عليه ذلك الدليل هو وجوب عصمته عن الذنوب، وعن الكذب في التبليغ والدعوة؛ لكي يكون كلامه مؤثِّراً في الآخرين ومُقنعاً لهم، بخلاف ما لو عرفوه مُحتمَل الكذب في حياته السابقة، فإنّ هذا التأثير لا يحصل لا محالة، أمّا عصمته عن الخطأ والنسيان فهو ممَّا لا يشمله ذلك الدليل؛ لإمكان تدراك ما فات بعد الالتفات.
والجواب عن ذلك ـ على ضوء النتائج السابقة: إنّ العصمة عن الخطأ والنسيان ممّا يتوقّف عليه التطبيق العالمي للعدل الكامل،(٢٤) وخاصة في مُهمَّته الأُولى، وتحويل العالم الفاسد إلى عالم صالح عادل، والمفروض في كل معصوم أن يكون على مستوى القيادة الثابتة له نظرياً، أعني أن يكون له من القابليّات ما يمنعه من التقصير في تنفيذها، باعتبار أنَّ إيكال الدعوة إلى شخص قاصر عن تطبيقها مُستحيل على الله عزَّ وجلّ، بل لا بدّ أن تنسجم دائماً مُدّعيات الدعوة الإلهيّة من الناحية النظرية، مع إمكان التطبيق على طول الخطِّ.
هذا حال المعصوم، أم الغير المعصوم، فيتعذَّر عليه تماماً قيادة العالم بالعدل، وخاصة في تحويل لأول مرَّة من الظلم إلى العدل، الأمر المملوء بالمشاكل والعَقبات.
ولعلَّ أطرف ما يُبرِّر ذلك، ما روي عن ذي القرنين، حين أوكل إليه الله تعالى قيادة العالم، ولم يكن حاكماً من الناحية العملية إلاَّ على بعض العالم... وقد أوحى الله تعالى: (يا ذا القرنين، أنت حُجَّتي على جميع الخلائق ما بين الخافقين، من مطلع الشمس إلى مغربها، وهذا تأويل رؤياك.
فقال ذو القرنين: (يا إلهي، إنّك ندبتني لأمر عظيم، لا يقدر قدره غيرك، فأخبرني عن هذه الأمَّة، بأيَّة قوّة أُكابرهم؟ وبأيِّ عدد أغلبهم؟ وبأيِّ حيلة أكيدهم؟ وبأيّ صبر أُقاسيهم؟ وبأيِّ لسان أُكلِّمهم؟ وكيف لي بأن أعرف لغاتهم؟ وبأيّ سمع أعي قولهم؟ وبأيّ بصر أنقدهم؟ وبأيّ حُجّة أُخاصمهم؟ وبأيّ قلب أعقل عنهم؟ وبأيّ حكمة أُدبِّر أمرهم؟ وبأيّ علم أُتْقِنُ أمرهم؟ وبأيّ حِلم أُصابرهم؟ وبأيّ معرفة أُفضِّل بينهم؟ وبأيّ عقل أُحصيهم؟ وبأيِّ جُند أُقاتلهم؟ فإنّه ليس عندي ممّا ذكرت ـ يا ربِّ شيء ـ! فقوِّني عليهم، فإنَّك الربُّ الرحيم، الذي لا تُكلِّف نفساً إلاَّ وسعها، ولا تُحمِّلها إلاَّ طاقتها).(٢٥)
فهذه الرواية تُبرز بوضوح صعوبة مُمارسة الحُكم العالمي، ولئن ذلَّلت المدينة الحديثة بعض هذه المصاعب إلى حدٍّ ما، فإنَّها أضافت إليها مصاعب وتعقيدات جديدة، تزيد في الطين بَلَّة، ولولا أنّ الله عزَّ وجلَّ وعده بعد ذلك ـ لو صحَّت الرواية ـ بالتوفيق والتسديد، لكان من الحقِّ تعذُّر ـ بل استحالة ـ القيادة الشخصية غير المعصومة للعالم، بل لبعض العالم، فإنَّ ذا القرنين لم يكن حاكماً للعالم، بل لبعض العالم، فإنَّ ذا القرنين لم يكن حاكماً للعالم كلِّه.
نعم، ترتفع هذه الاستحالة ويقلُّ التعذُّر، مع وجود القيادة الجماعية، إلاَّ أنَّنا سبق أن ناقشناها بالتفصيل في التاريخ السابق،(٢٦) وسيأتي تطبيق ذلك في مُستقبل هذا التاريخ، وسيتَّضح أنَّه لا يمكن للمهدي أن يأخذ بالقيادة الجماعية إلاَّ بعد أن تمرَّ البشرية بتربية طويلة، طبقاً للمناهج التي يضعها بنفسه.
وعلى أي حال، فقد كان المقصود البَرْهنة على أهمِّيَّة الخصِّيصة الأُولى للمهدي (ع)، وهي صفة العصمة، وأنَّه لا يمكن لأيِّ شخص غير معصوم الاضطلاع بمُهمَّة القيادة العالمية.
وأمَّا الخصّيصة الثانية للإمام المهدي (ع) في الفهم الإمامي، وهي كونه القائد الشرعي والوحيد للعالم عامة، ولقواعده الشعبية خاصة، حتى في حال غيبته... فتترتَّب عليها عدَّة فوائد بالنسبة إلى مَن يؤمِن بقيادته، فإنَّ أثرها الكبير في تعميق التمحيص الإلهي وتوسيعه.
فإنَّ الفرد المؤمن بقيادته حال غيبته، حين يكون على محكِّ التمحيص الإلهي، الساري المفعول لأجل صقل إيمانه، وتعميق إخلاصه، وتكميل نفسه... إذا أخذ الفرد مفهوم القيادة المهدوي في ذهنه، فإنَّه سوف ينعكس على سلوكه بكل وضوح، وسيتَّجه إلى العمل والتضحية أكثر من الفرد الخالي من هذه الفكرة بطبيعة الحال، وذلك؛ لاقتران مفهوم القيادة المهدوية في ذهنه بعدَّة حقائق:
الحقيقة الأُولى: كونه جنديّاً مأموراً موجَّهاً بالفعل للعمل في سبيل الله وإطاعة أحكامه، وأنَّ أوامر قائده المهدي (ع) موجودة ومُتوفِّرة لدية مُتمثِّلة بالأحكام الإسلامية، فإنَّ المهدي هو المُمثِّل الحقيقي للإسلام، فأوامر الإسلام أوامره، ورغبات النبي (ص) في أُمَّته رغباته.
الحقيقة الثانية: كونه مسوؤلاً ومحاسَباً أمام هذا القائد، ولو بشكل غير مُباشر، كيف، وأنَّ صوت القائد موجود في ضميره الإسلامي، يحمله على الخير ويردعه عن الشرِّ، وهذا الفرد يعلم أنَّ قائده حيٌّ مُطَّلع على ما يصدر منه من أعمال ويُقيِّم ما يقوم به من حسنات وسيِّئات؟! فأحرى به أن يُدخل السرور عليه بحسناته، وأن لا يخجل أمامه بسيِّئاته وانحرافه.
الحقيقة الثالثة: الشعور بمظلومية هذا القائد حال غيبته، وبمظلومية البشر البائسة التي أوجبت لها غيبة إمامها، ومرورها بعصور الظلم والانحراف، كثيراً من القَمع والاضطهاد.
الحقيقة الرابعة: الشعور باتنظار هذا القائد، واحتمال ظهوره وقيامه بدولة الحق في أيِّ لحظة من الزمن، وهذا يستدعي، بطبيعة الحال، أن يُراعي الفرد تعميق إخلاصه، وإيمانه، وتضحياته في سيبل دينه... ليكون له الزلفة لدى إمامه وقائده عند ظهور وأهليَّة شرف المُشاركة بين يديه في إصلاح العالم وقيادته.
إلى غير ذلك من الحقائق التي تكون كل واحدة منها ـ فضلاً عن مجموعها ـ من أكبر المُحفِّزات للفرد المؤمن على مزيد العمل، والتضحية في الخطِّ الإسلامي الصحيح، وهذا نفسه يوجب النجاح في التمحيص الإلهي بشكل أعمق وأسرع بطبيعة الحال، ولا يمكن أن يترتَّب شيء من هذه الفوائد مع عدم الإيمان بقيادة الإمام المهدي (ع) وغيبته.
وهناك فوائد أُخرى تترتَّب على ذلك، تكون مشتركة مع الخصائص الآتية بحسب التطبيق والوجود؛ ومن هنا كان الأفضل ذكرها مع تلك الخصائص.
الخصّيصة الثالثة: وهي عبارة عن مُعاصرة الإمام المهدي (ع) لأجيال طويلة من البشرية... ولها عدَّة فوائد، نقتصر منها على فائدتين تعود إحداهما على الإمام نفسه، وتعود الأُخرى على البشرية:
أمَّا الفائدة التي تعود إلى الإمام، فهي ما عرضناه في التاريخ السابق(٢٧) وأقمنا عليه القرائن من أنّ مُعاصرة الإمام للأجيال توجب اطِّلاعه المُباشر على قوانين تطوُّر التاريخ وتسلسل حوادثه، الأمر الذي يؤثِّر تأثيراً كبيراً في عُمق قيادته بعد ظهوره.
وأمّا الفائدة التي تعود إلى البشر، فهي باعتبار ما ورد في أخبار المصادر الخاصة، من الحاجة إلى وجود الإمام حاجةً كونيَّةً قهريَّةً مُضافاً إلى الحاجة القيادية.
منها: ما أخرجه ثقة الإسلام الكُليني في الكافي،(٢٨) بإسناده عن أبي حمزة، قال: قلت لأبي عبد الله ـ الصادق ـ (ع): تبقى الأرض بغير إمام؟
قال: (لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت).
وما أخرجه بسنده عن أبي هراسة، عن أبي جعفر ـ الباقر ـ (ع)، قال: (لو أنَّ الإمام رُفِع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله).
وهي تدلُّ بظاهرها ـ بغض النظر عن إمكان حملها على الرمزية ـ بأنَّ بقاء الإمام ضروري لحفظ بقاء الأرض ومَن عليها، حتى يكون لها وجود ونظام كَوْنِي كامل، يمكن تنفيذ الوعد الإلهي وإنتاج التخطيط العام من خلاله، وهذا إنَّما يتمُّ مع وجود الإمام مُعاصراً لكل الأعوام والأجيال البشرية... وخاصة بعد الاعتقاد الإمامي المؤيَّد بأخبار العامة:(٢٩) بأنَّ الأئمة اثنا عشر. للحصول على هذه الفائدة.
وقد يكون هذا هو المراد من قول الإمام المهدي (ع)، فيما روي عنه: (وإنِّي لأمان لأهل الأرض، كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء).(٣٠)
الخصيصة الرابعة: كون الإمام المهدي (ع) على مستوى الاطِّلاع على الأحداث، يوماً فيوماً، وعاماً فعاماً، عارفاً بأسبابها ونتائجها.
وتحتوي على عدد من الفوائد مُضافاً إلى الفائدة الأُولى من الخصيصة الثالثة، أهمُّها: الحفاظ على المجتمع المسلم، ودفع البلاء الواقع عليه من أعدائه عليه.
فإنَّ الإمام المهدي (ع) حين يعلم يجريان الأحداث وأسبابها ومسبَّباتها، وما قد تؤول إليه من مُضاعفات، وحين يكون مُكلَّفاً إسلامياً برفع الأضرار والدواهي عن المجتمع المسلم، في بعض الحدود التي ذكرناها في التاريخ السابق(٣١)... وقد وعد هو (ع) بذلك فيما وري عنه(٣٢)... حين يكون كذلك، فإنَّه لا محالة يقوم بوظيفته المُقدَّسة خير قيام، وقد عرضنا(٣٣) الأُسلوب الذي يُمكنه (ع) به أن يقوم بالأعمال النافعة خلال غيبته.
هذا مضافاً إلى تقييمه للناس والمجتمعات، طبقاً للميزان العميق الذي يحمله ويعرفه، الأمر الذي يوفِّر عدَّة نتائج:
منها: اطِّلاعه على درجة إيمان المؤمنين وإخلاص المُخلصين، واتِّجاهاتهم السلوكية والعقائدية في الحياة.
ومنها: اطِّلاعه على سلوك المُنحرفين والكافرين، ومُحتملات نتائجه على الإسلام والمسلمين، لأجل التوصُّل من ذلك إلى مُحاولة الحدِّ من تأثيره.
ومنها: معرفته بتحقيق شرط اليوم الموعود، الذي هو يوم ظهوره، وهو وجود العدد الكافي من الناصرين والمؤازرين له على فتح العالم، ومباشرة حكمه بالعدل طبقاً لأحد المُحتملات في أسلوب تعرُّفه على يوم ظهوره، ممَّا سوف يأتي عرضه واختيار الصحيح منه.
الخصيصة الخامسة: وهي اتِّصال الإمام المهدي (ع) بالناس، ومُحادثته لهم وتفاعله معهم... ولها ـ على الأقلِّ ـ فائدتان، إحداهما خاصة بالإمام المهدي (ع)، والأُخرى عامة للمجتمع المسلم كله.
أمَّا الفائدة الخاصة به (ع)، فهو اختلاطه بالناس وارتفاع الوحشة عنه، تلك الوحشة المُشار إليها في بعض الأخبار،(٣٤) والثابتة له على تقدير بُعْدِه عن الناس وسُكناه في الصحارى والقفار، كما ورد في رواية ناقشناها في التاريخ السابق.(٣٥)
هذا، مضافاً إلى قضاء حوائجه الشخصية الضرورية لكل إنسان، بشكل أسهل من أيِّ أُسلوب آخر يتَّخذه في الحياة.
وأمَّا الفائدة التي تعمُّ المجتمع كله، باتِّصال المهدي (ع) بأفراده، فهي أنَّه (ع)، حين يتَّصل بالناس، يقوم بوظيفة الإسلامية تجاههم، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقريبهم من الطاعة وإبعادهم عن المعصية، وحثِّهم على الأعمال العامة النافعة، وبذور الصلاح في الأفراد والمجتمع... في الحدود وبالشكل الذي سبق أن حوَّلناه على التاريخ السابق، ومن ثُمَّ السير قدماً بتحقيق الشرط الثالث من شرائط الظهور، باعتبار أنَّ الناس كلَّما ازداد إيمانهم وإخلاصهم، كلَّما كان احتمال تحقُّق العدد الكافي لغزو العالم أقرب وأوضح.
وهذا، وينبغي أن نعرف، في نهاية الحديث عن خصائص الإمام المهدي (ع) في غيبته، أنَّها خصائص مُتساندة ومُتعاضدة، باعتبار أنَّ المُتَّصف بها شخص واحد، فمن المنطقي أن تكون الفوائد المُشار إليها منطلقة من مجموع الخصائص، وإن كانت بواحدة ألصق ونحوها أقرب.
وبهذا يتمُّ الكلام عن المدلول الثاني للغيبة الكبرى.
وأمَّا المدلول الثالث للغيبة الكبرى، وهو استتار الإمام القائد، وخفاء شخصه وعمله ومكانه على الناس، أعني بصفته الحقيقية.
... ففائدته الكبرى بالنسبة إلى اليوم الموعود، هو حفظه (ع) من شرِّ الأعداء للقيام؛ ليبقى مذخوراً بالمهامِّ الكبرى في ذلك اليوم المجيد.
وهذا ما أُشير إليه في الأخبار:
أخرج الشيخ الطوسي في الغيبة،(٣٦) بإسناده عن زرارة، قال: (إنَّ للقائم غيبة قبل ظهوره).
قلت: ولِمَ؟
قال: (يخاف القتل).
وفي حديث آخر،(٣٧) عن زرارة بن أعين أيضاً، قال سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (إنّ للغلام غيبة قبل أن يقوم).
قلت: ولِمَ؟
قال: (يخاف). وأومأ بيده إلى بطنه.
وأخرج الشيخ الصدوق في إكمال الدين،(٣٨) بإسناده عن سعيد بن جبير قال: سمعت سيد العابدين علي بن الحسين يقول: (في القائم منَّا سُنن من سُنَّة الأنبياء (ع)... ـ إلى أن قال: ـ وأمَّا موسى فالخوف والغَيْبَة...) الحديث.
وفي حديث آخر،(٣٩) عن محمد بن مسلم الثقفي الطحَّان، قال: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي الباقر، وأنا أريد أن أسأله عن القائم من آل محمد صلوات الله عليه وعلى آله فقال لي، مُبتدئاً: (يا محمد بن مسلم، إنَّ في القائم من آل محمد (ص) شَبهاً من خمسة من الرُّسل... ـ إلى أن يقول: ـ وأمَّا شَبهُه من موسى، فدوام خوفه، وطول غَيْبَته، وخفاء ولادته...) الحديث.
ولعلَّ هذه الفائدة، هي المصلحة الوحيدة التي بيَّنتها الأخبار للغيبة الكبرى؛ باعتبارها المصلحة الوحيدة المناسبة مع المستوى الفكري والثقافي، الذي كان موجوداً في عصر صدور هذه الأخبار.
وثبوت هذه الفائدة واضح، بعد التسليم بأمرين:
الأمر الأول: الفَهْم الإمامي القائل: بأنَّ المهدي هو الإمام الثاني عشر من الأئمة المعصومين (ع). الذي هو الفهم الذي ننطلق منه في إثبات أكثر مداليل الغيبة الكبرى، كما عرفنا.
الأمر الثاني: إنَّ الإمام المهدي (ع) لو كان ظاهراً معروفاً بحقيقته، قبل اليوم الموعود، لقتله الظالمون لا محالة... بعد التسالم الواضح على أنَّ هدفه الأساسي هو تطهير الأرض من الظلم، وتبديل أوضاع الظالمين.
إذاً؛ فكل مَن لا يرضى بهذا التبديل، انطلاقاً من انحرافه ومصالحة الشخصية، سيكون ضدَّه.
وسيكون القضاء على المهدي (ع) مُتيسِّراً بأسهل طريق؛ لأنه ليس له مَن ينصره ويُدافع عنه، وويوجَد مَن لا يكفي لذلك؛ لما عرفناه مُفصَّلاً من أنَّ نصره مُتوقِّف على تمخُّض التخطيط العام، عن وجود العدد الكافي لغزو العالم بالعدل، وإنَّ هذا لا يتمُّ إلاّ قُبيل ظهوره، وإمّا خلال المدّة المُتخلِّلة قبله، فإنَّ التخطيط لم ينتهِ بعد ولم يُنتج هذا العدد الكافي.
إذاً؛ فقيامه بالثورة العالمية مُتعذِّر تماماً، ودفاعه عن نفسه بدون ذلك مُتعذر أيضاً؛ لاقتران وجوده في أذهان الناس بالثورة العالمية...
إذاً؛ فتعيَّن أن يكون غائباً غير معروف، وأن لا تنكشف حقيقته إلاَّ يوم ظهوره في اليوم الموعود؛ وذلك من أجل أن يبقى مذخوراً لتلك المُهمَّة الأُخرى، ومن الواضح أنَّ مقتله يُفقد اليوم الموعود قائده، الذي لا يوجد غيره ـ بحسب الفهم الإمامي ـ ومن ثُمَّ يخلُّ بالدولة العالمية، وبالهدف العام من خلق البشرية.
وقد يخطر في الذهن: أنَّ المهدي (ع) يمكن أن يكون معروفاً، إلاَّ أنَّ الله تعالى يحفظه عن طريق المعجزة؛ لأجل تنفيذ اليوم الموعود والهدف العام... بعد أن عرفنا من قانون المعجزات، أنَّ كل ما يتوقَّف عليه الغرض الإلهي يمكن إقامة المعجزة فيه.
وجواب ذلك: إنَّنا عرفنا إلى جنب ذلك من قانون المعجزات، أنَّه متى أمكن السير نحو الهدف بدون مُعجزة، كان الطريق الطبيعي غير الاعجازي، مُتعيِّناً، ولا تحدث فيه معجزة.
فبالنسبة إلى المهدي (ع)، حين كان هو الإمام الثاني عشر من المعصومين (ع)، ولا إمام بعده، كان حفظه لليوم الموعود وإطالة عمره مُتعيِّناً بالمعجزات، ولا بديل لذلك؛ ومن أجل هذا حدثت المعجزة وطال عمره.
وأمَّا حفظه لذلك اليوم، بمعنى دفع القتل عنه، فهذا لا يتعيَّن عن طريق المعجزة، بل يمكن أن يكون عن طريق الغيبة أيضاً، وهي طريق طبيعي واضح، كما سبق أن برهنَّا في التاريخ السابق(٤٠) لا يتضمَّن في أساسه إلاَّ غفلة كل أفراد البشر عن حقيقته، وعدم العلم بكونه هو المهدي، ومن ثُمَّ لا يوجد عند أحد القصد إلى قتله، بصفته مهديَّاً.
وقلنا: إنَّه إذا أمكن الطريق الطبيعي، ولا تقوم المعجزة بتنفيذه.
وبمعرفتنا مداليل الغيبة الكبرى ونتائجها الكبرى، بالنسبة إلى الأُمَّة الإسلامية خاصة والبشرية عامة، وبالنسبة إلى الإمام المهدي (ع) خاصة، وتنفيذ اليوم الموعود عامة... يتبرهن لدينا ـ بوضوح ـ أهمِّيَّة الغيبة الكبرى، وكونها رئيسياً في التخطيط الإلهي العام لا يمكن الاستغناء عنه.
وأمَّا مع الأخذ بالفهم غير الإمامي للمهدي، وكونه شخصاً يولَد في زمانه، وسيُوفَّق للثورة العادلة في حينه، إنَّ مثل هذا القائد لن يستطيع بأيِّ حال قيادة العالم قيادة عادلة عادةً، ولو فرضنا ـ جدلاً ـ أنَّه استطاع ذلك لفترة، فهو لا يستطيع ضمان بقاء التطبيق الإسلامي على الدوام، كما هو المفروض في دولة المهدي، وسيأتي الاستدلال عليه.
وينطلق الحُكم بعدم استطاعة مثل هذا الإنسان القيام بهذه المهمَّة، من حقيقة عدم لياقته لذلك، وقصوره عنه قصوراً تامَّاً، بعد كونه فاقداً لكل النتائج التي عرفناها للغيبة الكبرى، وبخاصّة صفة العصمة التي يكون فاقداً لها ولكلِّ خصائصها المُهمَّة.
وأمَّا المدلول الأول الذي يشمل الفهم غير الإمامي للمهدي، فنتائجه تظهر في الأمَّة والبشرية، وليس لها نتائج خاصة بالمهدي كما مرَّ.
الفصل الثالث: توقيت الظهور من ناحية شرائطه وعلاماته
إنَّ أهمَّ الفروق بين شرائط الظهور وعلاماته، هو أنَّ الشرائط عدَّة خصائص لها التأثير الواقعي في إيجاد يوم الظهور والنصر فيه، وانجاز الدولة العالمية، ولولاها لا يمكن أن يتحقَّق، سواء وجدت أم لم توجد، وإنَّما هي أمور جُعلت من قِبَل الله سبحانه، وبلغت إلى البشر من قِبل الصادقين قادة الإسلام الأوائل، بصفتها دوالاَّ ًوكواشف عن قُرب الظهور، إذا كانت من العلامات القريبة، وعن أصل حصوله، لو كانت من العلامات البعيدة؛ وذلك ليكون الأفراد المُنتظِرون لذلك اليوم المُختارون للعمل فيه نتيجة لنجاحهم التامِّ في التمحيص، بحالة التهيُّؤ النفسي الكامل لاستقباله عند حدوث العلامات القريبة.
وهذا هو الذي قلناه في التاريخ السابق،(٤١) وعرفنا فيه(٤٢) عدَّة فروق بين الشرائط والعلامات بالنسبة إلى ما بعد الظهور.
عرفنا في الفصل الأول، أنَّ المُهمَّ المُتبقِّي ممَّا لم يحدث إلى الآن من شرائط الظهور، ولم يتمخَّض التخطيط الإلهي عن إيجاده، أمران:
الأمر الأول: تربية الأمَّة ككل من الناحية الفكريَّة؛ حتى يكون لها القابلية لاستيعاب وفَهْمِ وتطبيق القوانين الجديدة التي تُعلَن بعد الظهور.
الأمر الثاني: تربية العدد الكافي للنَّصْر في يوم الظهور، من الأفراد المُخلصين الكاملين المُمحَّصين، الذين يكونون على مستوى التضحية والفداء لتطبيق الأطروحة العادلة الكاملة.
وهذان الأمران يحدثان تدريجاً نتيجة للتربية الطويلة البطيئة للأمَّة، تحت الظروف والخصائص التي سبق أن عرفناها، وسوف لن يتمخَّض التخطيط الإلهي لإيجادهما إلاَّ قُبْيل الظهور.
وبتعبير آخر: إنَّهما عندما يتحقَّقان يكون اليوم الموعود نافذاً بجميع شرائطة، ومعه لا يمكن أن يكون مُتخلِّفاً ومُتأخِّراً عن ذلك.
وأمَّا الاطَّلاع على أنَّهما تحقَّقا فعلاً ولم يتحقَّقا، فهو ممَّا لا يمكن أن يعرفه الناس إلاَّ عند الظهور؛ لأنَّه يكون دالاَّ ًعلى تحقُّقهما قبله لا محالة، ولا يحصل هذا الاطِّلاع عند البشر إلاَّ للإمام المهدي نفسه، على ما سنذكره في فصل قادم.
وهذان الشرطان يكونان مُقترنين في تطوُّرهما التدريجي، والوصول إلى الغاية المطلوبة، وبخاصة وهما لا يتضمَّنان في مفهومهما مقداراً مُحدَّداً غير قابل للزيادة؛ إذ في الإمكان تطوُّر الأمَّة من الناحية الفكرية والإخلاص على الدوام، غير أنَّ لهذين الأمرين (حدٌّ أدنى) يصلح أن يقوم عليه اليوم الموعود، ومع تحقُّق هذا الحدِّ الأدنى لكلا الشرطين معاً يكون اليوم الموعود واقعاً ونافذاً لا محالة، ويكون التطوُّر الزائد في جوانب الأمَّة الإسلامية موكولا ً إلى ما بعد الظهور.
وهذان الشرطان مُتشابهان في التطوير إلى حدٍّ كبير، تبعاً لازدياد الظلم والانحراف، المُنتج لهما معاً، ولكن لو فُرِض أنَّ أحدهما كان أسرع من الآخر، فترة من الوقت، بحيث وصل إلى الحدِّ الأدنى المطلوب قبل الآخر كما يُتصوَّر ـ عادة ـ في الجانب الفكري، فإنَّه أسرع تطوُّراً من جانب الإخلاص وقوَّة الإرادة، كما برهنَّا عليه في التاريخ السابق(٤٣)... هو حصول الحدِّ الأدنى من العدد الكافي من الجيش الفاتح للعالم، مع تعمُّق القابلية الفكرية للأمَّة أكثر دقَّةً ورسوخاً، وكذلك لو فُرِض تطوُّر الإخلاص أكثر من القابلية الفكرية، فإنَّه ممَّا لا ضير فيه، إن لم يكن أكثر نفعاً بالنسبة إلى يوم الظهور.
وعندما يتكامل هذان الشرطان، تكون كل الشرائط المطلوبة قد اجتمعت في زمن واحد، فالأطروحة العادلة الكاملة موجودة بين البشر، مُتمثِّلة بتعاليم الإسلام كما برهنَّا عليه في التاريخ السابق،(٤٤) والأمَّة قد تربَّت على فَهمها بدقَّة وإتقان، وأصبحت قابلة لتفهُّم القوانين الجديدة التي تكون على وَشَكِ الصدور في اليوم الوعود، والقائد موجود متمثل بالإمام المهدي (ع) على كلا الفَهْمين الإمامي وغيره، والعدد الكافي من الجيش العقائدي القيادي مُتوفِّر لفتح العالم، ونشر العدل والسلام بين ربوعه، مع وجود العامل المُساعد المُهمّ، وهو انكشاف نقاط الضعف لكلِّ التجارب البشريَّة والمبادئ والقوانين الوضعية السابقة على الظهور، واليأس من حلٍّ بشري جديد، كما سبق أن أوضحناه في التاريخ السابق.(٤٥)
وإذا اجتمعت هذه الشرائط، كان تنفيذ الوعد الإلهي والغرض الأهمّ من الخَلق ضرورياً، لاستحالة تخلُّف الوعد والغرض في الحِكمة الإلهية الأزليَّة.
ومن هنا نعرف أنَّ وقت الظهور، منوط باجتماع هذه الشرائط.
ومن أجل ذلك، قد يخطر في الذهن مُنافات ذلك مع ما ورد في أخبار المصادر الخاصة، من نفي التوقيت وتكذيب الوقَّاتين.
كرواية الفضيل، قال: سألت أبا جعفر (ع): هل لهذا الأمر وقت؟
فقال: (كَذَبَ الوقَّاتون! كَذَبَ الوقَّاتان! كَذَبَ الوقَّاتون).
وعن أبي عبد الله الصادق (ع): (كَذَبَ الوقَّاتون! وهلك المُستعجلون، ونجا المُسلِّمون، وإلينا يصيرون).
وعنه (ع): (مَن وقَّت لك من الناس شيئاً، فلا تهابنَّ أن تُكذِّبه، فلسنا نوقِّت لأحد وقتاً).(٤٦)
وأخرج النعماني، عن أبي بكر الحضرمي، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (إنَّا لا نوقِّت هذا الأمر).(٤٧)
وهذه الأخبار بعدد قابل للإثبات التاريخي، وواضحة الدلالة على نفي التوقيت، فلو كان ما ذكرناه من اقتران اليوم الموعود بشرائطه توقيتاً له، إذاً يجب تكذيبه جملةً وتفصيلاً.
إلاَّ أنَّه من حُسن الحظِّ! أنَّ التوقيت المنفي ليس هو ذلك، بل المراد به ـ بوضوح ـ تحديد الوقت بتاريخ مُعيَّن، كما لو قيل ـ مثلاً ـ: إنَّ الظهور واليوم الموعود، يكون في سنة ألفين ميلادية، وفي سنة ألفين هجرية.
والقرينة على ذلك، ما ورد من الأخبار التي تنفي توقيتاً مُعيَّناً، كالذي أخرجه النعماني،(٤٨) بإسناده عن عمار الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (قد كان لهذا الأمر(٤٩) وقت، كان في سنة أربعين ومئة، فحدَّثتم به وأذعتموه، فأخَّره عزَّ وجلَّ).
وعن أبي الثمالي، قال سمعت أبا جعفر (ع) يقول: (يا ثابت، إنَّ الله كان قد وقَّت هذا الأمر في سنة السبعين، فلمَّا حدَّثناكم بذلك أذعتم وكشفتم قناع الستر، فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك عندنا وقتاً، يمحو الله ما يشاء ويُثبت وعنده أُمُّ الكتاب).
وفي هذه الأخبار بعض المفاهيم وبعض المُناقشات، لا مجال للدخول فيها، ولكنَّها لا تضرُّ بما نريده الآن، من أنَّها دالَّة على أنَّ المراد من التوقيت تحديد الوقت بتاريخ مُعيَّن، فإنَّ الروايات الأخص تكون قرينة على الأعم.
وهذا النحو من التوقيت فيه عدد من نقاط الضَّعف:
النقطة الأُولى: إنَّه جُزاف بدون أيِّ دليل؛ كيف، وقد أجمع المسلمون على أنَّ وقت اليوم الموعود موكول إلى علم الله عزَّ وجلّ. مع الغموض التام بالنسبة إلى الناس...؟! بل ظاهر الرواية الأخيرة أنَّه خفي حتى على المعصومين أنفسهم، ومن هنا يكون ذكر أيِّ تاريخ مُعيَّن جزافاً محضاً وكذباً صريحاً.
النقطة الثانية: إنَّ تاريخ الظهور لو كان مُحدَّداً معروفاً، لكان من أشدِّ العوامل على فَشل الثورة العالمية، وفناء الدولة العادلة؛ فإنَّه يكفي أن يحتمل الأعداء ظهوره في ذلك التاريخ، ولو اعتبار المسلمين ذلك، فيجتمعوا على قتله في أول أمره وقبل اتِّساع مُلكه واستتباب أمره.
ولذا اقتضى التخطيط الإلهي ـ من أجل إنجاح اليوم الموعود ـ أن يكون الظهور فجائيَّاً، مثاله مثال الساعة لا يُجلِّيها لوقتها، كما نطقت بذلك الأخبار وسنرى ما لعنصر المفاجأة من أثر فعال في نصره.
النقطة الثالثة: إنَّ الأُمَّة الإسلامية حين يكون التخطيط الإلهي قد أنتج نتيجته فيها، ولم يُصبح بعد على مستوى مسؤولية اليوم الموعود، فإنَّها تكون مُقصِّرةً بالنسبة إلى كل حدود ومقدِّماته... وتكون هذه الحدود والمقدِّمات فوق مستواها العقلي والثقافي والديني؛ ومن هنا لم يتورَّع الناس عن إفشاء التوقيت الذي كان فيما سبق، ولو أعطوا وقتاً جديداً لأفشوه أيضاً لا محالة... ومن هنا أُلْغي التوقيت، كما سمعنا من هذه الأخبار.
وهذا أيضاً أحد الأسباب في تحريم تسمية الإمام المهدي (ع) خلال غيبته الصغرى، كما سمعنا في تاريخها؛(٥٠) فإنَّهم إن عرفوا الاسم أذاعوه، وإن علموا بالمكان دلُّوا عليه.
وهذا القصور العام في الأمَّة هو المُشار إليه في بعض الأخبار، كقول الإمام موسى بن جعفر (ع): (يا بُني عقولكم تضعف عن هذا، وأحلامكم تضيق عن حمله، ولكن إن تعيشوا تُدركوه).(٥١)
فإنَّ المراد بالعقول ما نُسمِّيه بالمستوى الفكري والثقافي، والمراد بالأحلام ما نُسمِّيه بالإخلاص وقوَّة الإرادة، وكون الأُمَّة على مستوى المسؤولية... وكلاهما ضعيفان بمنطوق الرواية، كما دلَّ عليه البُرهان أيضاً.
وليس المراد من هذه الرواية وأمثالها ما يفهمه بعض الناس، من امتناع التعرُّف على مصلحة الغيبة، وخفاء مصلحة وجود الإمام خلالها... بعد كل الذي سبق أن عرضناه في كُتب هذه الموسوعة مُستفاداً من القرآن الكريم والسنَّة الشريفة نفسها.
النقطة الرابعة: إنَّ وقت الظهور وإن كان مُحدَّداً في علم الله الأزلي، لكنَّه بالنسبة إلى علله وشرائطه ينبغي أن لا يُفترض له وقت مُحدَّد.
فإنَّ تحديد التاريخ يمكن أن يكون على مُستويين:
المُستوى الأول: علم الله الأزلي بالأشياء منذ القدم، المُتعلِّق بكل المُمكنات والمخلوقات بأسبابها ومسببَّاتها.
المُستوى الثاني: وجود المعلول بالنسبة إلى وجود علَّته، فإنَّ المعلول يحدث متى حدثت عِلَّته، بلا دخل للزمان في ذلك أصلا ً.
مثاله: إنَّنا لو نسبنا تاريخ إكمال بناء البيت بالنسبة إلى القوى المادَّية والبشرية العاملة فيه، كان تاريخه منوطاً بتحقيق هذه المُكوِّنات، حتى ما إذا وضع البنَّاء آخر حجر في كيان الدار، تكون هذه الدار قد انتهت، بغَضِّ النظر عن طول زمن البناء وقصره... فإنَّه قابل للاختلاف حسب الظروف والطوارئ والقابليَّات والإمكانيَّات.
وحيث يُبرهَن فلسفيَّاً بأنَّ علم الله تعالى الأزلي المُتعلِّق بالأشياء ليس علَّة لها، وإنَّما يتعلَّق بها ويكشف عنها على ما هي عليه في الواقع.
إذاً؛ ففي الإمكان قَصر النظر عن تعلُّق ذلك العلم به، ومعه يكون المستوى الثاني للتوقيت صحيحاً، ويكون وجود الشيء منوطاً بوجود عِلَّته واجتماع شرائطه ومُكوِّناته، من دون أن يكون الزمن ملحوظاً في تحديد حدوثه على الإطلاق... بل قد يكون قابلاً للزيادة والنقص، كما قلنا.
ومن هذا القبيل، يوم الظهور، فإنَّنا لو غضضنا النظر عن علم الله الأزلي لم يبقَ لدينا أيُّ وقت مُحدَّد له، وإنَّما هو منوط بحصول شرائطه وعِلله، فمثلاً نقول: متى اجتمع العدد الكافي للغزو العالمي بالعدل الكامل. من المُخلصين المُمحَّصين، كان يوم الظهور ناجزاً، سواء كان زمان وجودهم والفترة التي تُحقِّقهم طويلة جدَّاً أم قصيرة.
وهذا دليل آخر على أنَّ التوقيت بمعنى تحديد التاريخ المُعيَّن جُزاف محض.
وهذا هو مُرادنا من التوقيت الذي برهنَّا عليه، وهو توقيت إجمالي يخلو من التحديد بالزمان تماماً، فلا يكون قولاً جزافاً ولا واجب التكذيب، كما لا يكون تحديده الإجمالي خطراً على الإمام المهدي، وموجباً لفشل مُهمَّته بعد الظهور. هذا تمام الحديث في توقيت الظهور باعتبار شرائطه.
وأمَّا توقيت الظهور باعتبار علاماته، فقد سبق أن عرفنا في التاريخ السابق جملة من العلامات، وفحصنا أدلَّتها ودقَّقنا في معانيها... ولنا موقف آخر معها في الباب الثاني الآتي من هذا التأريخ.
والمُهمُّ هنا هو أن نعرف أنَّ العلامات على قسمين:
القسم الأول: علامات واردة في الأخبار، لا على أن تقع قبل الظهور بزمن قليل، بل على أن تقع قبله، ولو بزمان بعيد وأمد طويل.
وقد عرفنا في التاريخ السابق، أنَّ أغلب هذه العلامات قد تحقَّقت وصدَّقت بها الأخبار، إلاَّ إنَّها في واقعها لا تحتوي على أيِّ توقيت بالنسبة إلى الظهور، وإنَّما لها فوائد أُخرى، أهمُّها: أنَّ الخبر الوارد إذا قرن الحادثة بالظهور وأنَّها واقعه قبله في الجملة.
ثمَّ رأينا الحادثة قد حدثت، فنعرف أنَّ الخبر صادق في إخباره عن الحادثة، ومن ثَمَّ فهو صادق بإخباره عن حصول الظهور ولو في مستقبل الدهر، وبهذا تكون هذه الحادثة علامة على الظهور.
القسم الثاني: من العلامات ما صرَّحت الأخبار بقُرب حصوله من زمن الظهور.
وقد قلنا في التاريخ السابق:(٥٢) إنَّ هذا النحو من العلامات وإن لم يكن له ارتباط سببي بيوم الظهور، إلاَّ أنَّه ممَّا جعله الله تعالى تنبيهاً لخاصة أوليائه المُخلصين المُمحَّصين علامةً على قُرب الظهور، ليكونوا على الاستعداد التام من الناحية النفسية والعقائدية لاستقبال إمامهم وقائدهم، وتلقِّي مهامَّهم ومسؤولياتهم عنه.
بل إنَّ التهيُّؤ النفسي غير خاص بالمُمحَّصين، بل شامل لكل مسلم مسبوق بوجود هذه العلامات، وخاصة بعد تحقُّقها والتأكُّد من صدق الإخبار السابق عنها، غير أنَّ تهيُّؤ الأفراد لاستقبال الظهور يختلف باختلاف درجة ثقافتهم وإيمانهم ووعيهم، ويكون أحسن أشكال التهيُّؤ صادراً ـ بطبيعة الحال ـ من المُخلصين المُمحَّصين، وسيكون لهذه الفكرة نتائجها في مُستقبل هذا البحث.
وهذا القسم من العلامات يتضمَّن التوقيت بوضوح، ويُشير إلى قُرب حصول الظهور؛ ومن هنا أمكن التهيُّؤ لاستقباله.
إلاَّ إنَّه قد يخطر في الذهن سؤالان حول ذلك:
السؤال الأول: إنَّ هذه العلامات كما تُنبِّه المُخلصين الذين يعدُّون أنفسهم للفداء بين يدي المهدي (ع)، كذلك تكون مُنبِّهة لأعداء المهدي (ع)، فيُعدُّون أنفسهم للقضاء عليه وطمس حركته، في أول حدوثها.
وهذا سؤال أثرناه في التاريخ السابق، وأجبنا عنه مُفصَّلاً،(٥٣) ومُجمل الفكرة: أنَّ الأعداء سوف لن يلتفتوا إلى حصول هذه العلامات، ولو التفتوا فإنَّهم لن يعلموا أنَّها من قَبيل العلامات إلى ظهور المهدي (ع)، ولو علموا فإنَّهم لن يستطيعوا التألُّب عليه؛ لأنَّه يظهر في زمان غير مناسب لذلك، على ما سنرى في فصل قادم.
ولو فرضنا أنَّهم التفتوا وتألَّبوا، فلا يكون ذلك مُجدياً أيضاً؛ لما سنعرفه في مُستقبل البحث، من أنَّ المهدي (ع)، لن يُعلن عن أهدافه الكاملة لأول وهْلَة؛ ومن هنا فلن تلتفت الدول إلى خطره المباشر عليها، إلاَّ بعد أن تقوى شوكته ويتَّسع سلطانه.
إذاً؛ فلو كانوا تألَّبوا فإنَّهم سوف لن يستعملوه ضدَّه إلاَّ بعد فوات الأوان.
السؤال الثاني: إنَّ التوقيت بهذه العلامات، مُنافٍ للأخبار النافية للتوقيت، والآمرة بتكذيب الوقَّاتين.
والجواب على ذلك، يكون على مستويين:
المستوى الأول: أن ننظر إلى الزمان المُتخلِّل بين وقوع هذه العلامات كزماننا هذا... ونقول: بأنَّ هذه العلامات لو وقعت لدلَّت على قُرب الظهور، وهذه قضية صادقة لا تشتمل على التوقيت المنهي عنه على الإطلاق، وإنَّما هي توقيت إجمالي، كالذي قلناه في شرائط الظهور تماماً: من أنَّها لو حصلت لظهر المهدي (ع)، فإنَّ عدم الاطِّلاع على زمان وقوع هذه العلامات، مُستلزم بطبيعة الحال لجهالة زمان الظهور وعدم تحديده، ذلك التحديد المُنفي من الأخبار.
المستوى الثاني: أن ننظر إلى الزمان المُتخلل بين وقوع هذه العلامات وبين الظهور، فإنَّ كل فرد يُشاهد إحدى العلامات القريبة، من حقِّه أن يقول: إنَّ المهدي (ع) سيظهر بعد قليل. ويمكن أن نفهم هذا القول على شكلين:
الشكل الأول: إنَّ هذا القول لا يحتوي على تحديد مُعيَّن للوقت، باعتبار أنَّه يبقى مُردَّداً بين اليوم والأيام، بل بين العام والأعوام، فإنَّ تخلُّل عشرة أعوام ـ ممَّا بين ظهور العلامة القريبة وظهور المهدي (ع) ـ غير ضائر بكونها قريبة، لضآلة هذه الأعوام العشرة، تجاه الزمان الطويل السابق عليها، ومعه فلا تكون تحديداً، ولا تندرج في الأخبار النافية للتحديد.
الشكل الثاني: أن نتنازل عمَّا قلناه في الشكل الأول، ونقول: إنَّ هذا القول، أعني: أنَّ المهدي سيظهر بعد قليل... يتضمَّن التحديد والتوقيت.
إذاً، فلا بدَّ من الالتزام بأنَّ الأخبار الدالَّة على وقوع العلامات القريبة مُخصِّصة لأخبار التكذيب، وخارجة عن مدلولها، وتكون النتيجة: أنَّ كل تحديد لتاريخ يوم الظهور كذب وواجب الرفض، إلاَّ إذا كان مُستنداً إلى حدوث علامة من العلامات القريبة، فإنَّه يكون صادقاً وجائز التلقِّي بالقبول.
ولأجل ذلك ـ في الحقيقة ـ وضِعت هذه العلامات، وهو تأكُّد المُخلصين المُمحَّصين من قُرب الظهور، ومعه؛ فمن غير المُحتمَل بقاء التحديد كاذباً ومُحرَّماً إلى ذلك الحين، كما أنَّه ليس جزافاً من القول بعد استناده إلى العلامة التي سمع بوقوعها في الأخبار، وقد رآها مُتحقِّقة في عالم الوجود.
مع العلم، أنَّ هذه العلامات لا تدلُّ على أكثر من اقتراب اليوم الموعود، وأمَّا تحديده باليوم والشهر ونحوه، فيبقى سِرَّاً في علم الله تعالى، حتى يتحقَّق الظهور.
الفصل الرابع: الأيديولوجيَّة العامَّة التي يتبنَّاها المهدي (ع) تجاه الكون والحياة والتشريع
والذي نريد التعرُّف عليه في هذا الصدد، هو الاطِّلاع الكامل على العُمق الحقيقي للوعي الذي ينشره الإمام المهدي في المجتمع، لا تفاصيل الأُسس العامة التي تبتني عليها الأيديولوجية يومذاك، فإنَّ ذلك ممَّا يتعذَّر الاطِّلاع عليه قبل يوم الظهور، كما ذكرنا في التمهيد.
وإنَّما الذي نُثير التساؤل عنه ونُحاول التعرُّف عليه الآن، هو بعض العناوين العامة التي يُتصوَّر اتجاه الأيديولوجية المهدوية نحوها، والتي قد يخطر في الذهن ذلك منها، ومعه يكون التساؤل مُثاراً عن أمور أربعة:
الأمر الأول: الدين يعتنقه المهدي (ع)، ويُعلنه في العالم.
الأمر الثاني: المذهب الذي يتَّخذه (ع).
الأمر الثالث: التساؤل عمَّا إذا كان يتبنَّى بعض المفاهيم المُحدَّدة الضيِّقة، كالعنصرية، والقومية، والوطنية ونحوها.
الأمر الرابع: التساؤل عمَّا إذا كان نظامه مُشابهاً في المفهوم والمدلول مع الأنظمة السابقة على الظهور، كالرأسمالية والاشتراكيَّة، ولا؟
ونتكلَّم عن كل من هذه التساؤلات الأربعة، في ضمن جهة من الكلام.
الجهة الأُولى: في الدين الذي يتبنَّاه الإمام المهدي (ع) ويحكم العالم على أساسه.
وهو دين الإسلام بصفته الأطروحة الكاملة التي تُحقِّق العبادة الحقيقية المُستهدفة من خلق البشرية أساساً، كما سبق أن عرفنا.
ويتمُّ الاستدلال على ذلك بعدَّة أساليب، نذكر منها ما يلي:
الأُسلوب الأول: أن نستعرض بعض الظواهر المُهمَّة لنتائج العدل السائدة في دولة المهدي... فإذا عطفنا على ذلك انحصار العدل الكامل بالإسلام، إذاً، فهذا الأُسلوب متوقُّف على مُقدَّمتين:
المُقدِّمة الأُولى: استعراض بعض الظواهر المُهمَّة والنتائج العظيمة للعدل السائد في دولة المهدي العالمية.
وهذا بتفاصيله موكول إلى الباب الثالث من القسم الثاني من هذا التاريخ، وإنَّما نقتصر في المقام على ذكر بعض الأمثلة.
فمن ذلك ما أخرجه ابن ماجه،(٥٤) عن أبي سعيد الخدري: أنَّ النبي (ص) قال: (يكون في أُمَّتي المهدي... فتنعم فيه أُمَّتي نعمةً لم ينعموا مثلها قطُّ، تؤتي أُكلها ولا تدخر منهم شيئاً. والمال يومئذ كدوس، فيقوم الرجل فيقول: يا مهدي، عطني فيقول: خُذْ).
وما يرويه البخاري،(٥٥) عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله (ص) قال، ـ في حديث ـ: (ومتى يكثر فيكم المال فيفيض، حتى يَهمُّ ربُّ المال مَن يقبل صدقته، ومتى يعرضه فيقول الذي يُعرَض عليه لا أرِبَ لي به).
وقد برهنَّا في التاريخ السابق،(٥٦) بانحصار حدوث هذه الكثرة من المال في دولة المهدي (ع) دون ما قبلها، مضافاً إلى دلالة هذه الأخبار المرويَّة هنا.
وما أخرجه مسلم في صحيحه،(٥٧) عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله قالا: قال رسول الله (ص): (يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعدُّه).
وما أخرجه الشيخ المفيد في الإرشاد،(٥٨) عن المفضَّل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (إنَّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربِّها ـ إلى أن قال: ـ وتُظهر الأرض من كنوزها حتى الناس الأرض على وجهها، ويطلب الرجل منكم مَن يصله بماله ويأخذ منه زكاته، فلا يجد أحداً يقبل منه ذلك، واستغنى الناس بما رزقهم الله من فضله).
ومثل ذلك ما ورد في كتاب العهدين في وصف دولة العدل المُنتظرة، كقوله:(٥٩) وتنفتح أبوابك دائماً(٦٠) نهاراً وليلاً لا تُغلق، ليؤتى إليك بغنى الأُمم وتُقاد ملكهم؛ لأنَّ الأمة والمملكة التي لا تخدمك تبيد، وخراباً تخرب الأُمم.
وكقوله: بل يقضي بالعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض، ويضرب الأرض بقضيب فمه، ويُميت المُنافق بنفخة شفتيه... فيسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي... والبقر والدُّبَّة ترعيان، تربض أولادهما معاً، والأسد كالبقر يأكل تبناً، ويلعب الرضيع على سرب الصل، ويمدُّ الفطيم يده على جحر الأفعوان، لا يسوؤن ولا يفسدون، في كل جبل قدسي؛ لأن الأرض تمتلئ من معرفة الربِّ.(٦١)
إلى غير ذلك من النصوص في كُتب العهدين، ولكلٍّ من هذه النصوص تحليله وتفسيره الذي سيأتي في مستقبل البحث... وإنَّما المراد الإلمام في الجملة بحالة السعادة والرفاه التي يعيشها شعب المهدي (ع) – وهو كل البشرية – في دولته وتحت نظامه.
المُقدِّمة الثانية: انحصار العدل الكامل في الإسلام.
وهذا يحتاج إلى بحث عقائدي لسنا الآن بصدده، وإنَّما نُشير الآن إلى خلاصة نتائجه: وهي أنَّنا بعد أن علمنا الإسلام هو آخر الشرائع السماوية، وأنَّ العقل البشري قاصر عن إيجاد العدل الكامل في العالم، وأنَّ الله تعالى وعد في كتابه الكريم بتطبيق العدل الكامل والعبادة المحضة على وجه الأرض، بل كان هذا هو الغرض الأساسي للخَلق.
إذن؛ فينحصر أن يكون هذا العدل المُشار إليه هو الإسلام؛ لعدم إمكان حصوله من العقل البشري، وعدم إمكان نزول شريعة أُخرى بعد الإسلام.
وإذا تمَّ الأسلوب الأول وبكلا مُقدِّمتيه، عرفنا أنَّ كل ما ذُكِر من أنحاء وأنواع السعادة والرفاه الموجود في دولة المهدي (ع)، دولة الحق والعدل المُنتَظرة، هو في الحقيقة نتيجة لتطبيق مفاهيم وقوانين الإسلام فيها.
إذاً؛ فقد تبرهن أنَّ الدين الإسلامي الذي يُعتنق، والقانون الذي يُتَّخذ في تلك الدولة هو الإسلام، بقيادة القائد العظيم الإمام المهدي (ع).
الأُسلوب الثاني: أن نستعرض نصوص الأخبار الدالَّة على أنَّ الإمام المهدي (ع) يُطبِّق الإسلام بالخصوص، وهي على عدَّة أقسام:
القسم الأول: الأخبار الدالَّة على أنَّ المهدي من النبي (ص)، ومن عترته، ومن أُمَّته، ومن أهل البيت، وإذا كان المهدي مُتَّصفاً بهذه الصفات، فهو على دين الإسلام بالضرورة.
أخرج أبو داوود،(٦٢) ونعيم بن حماد، والحاكم، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله (ص): (المهدي منِّي...) الحديث.
وأخرج أحمد، والباوردي في المعرفة، وأبو نعيم، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله (ص): (أُبشِّركم بالمهدي، رجل من قريش، من عترتي...) الحديث.
وأخرج أبو داود، وابن ماجة، والطبراني، والحاكم، عن أُمِّ سلمة: سمعت رسول الله (ص) يقول: (المهدي منَّا أهل البيت، رجل من أُمَّتي...) الحديث.
وأخرج أحمد، وابن أبي شيبة، وابن ماجة، ونعيم بن حماد في الفتن عن علي قال: (قال رسول الله (ص): المهدي منَّا أهل البيت...) الحديث.
وأخرج(٦٣) ابن أبي شيبة، والطبراني، والدارقطني في الإفراد، وأبو نعيم، والحاكم، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله (ص): (لا تذهب الدنيا حتى يبعث الله تعالى رجلاً من أهل بيتي...) الحديث.
وأخرج الطبراني، عن ابن مسعود، عن النبي (ص) قال: (لو لم يبقَ من الدنيا إلاَّ ليلة لمَلك فيه رجل من أهل بيتي).
إلى غير ذلك من الأخبار، ودلالتها على المطلوب أوضح من أن تخفى.
القسم الثاني: الأخبار الدالَّة على أنَّ المهدي (ع) يحكم الأُمّة الإسلامية على الأخص، وهو حين يحكمها بصفتها الإسلامية، فسوف لن يكون حُكمه إلاَّ بالإسلام.
أخرج الترمذي(٦٤) وحسَّنه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (ص) قال: (إنَّ في أُمّتي المهدي، يخرج...) الحديث. أقول: يخرج فيها يعني يحكمها.
وأخرج نعيم بن حماد، وابن ماجة، عن أبي سعيد، أنَّ النبي (ص) قال: (يكون في أُمَّتي المهدي...) الحديث.
وأخرج(٦٥) أحمد ومسلم، عن جابر، قال: قال رسول الله (ص): (يكون في آخر أُمَّتي خليفة...) الحديث.
القسم الثالث: الأخبار الدالَّة على تطبيق المهدي (ع) للإسلام وسنَّة النبي (ص).
أخرج الطبراني في الأوسط،(٦٦) وأبو نعيم، عن أبي سعيد: سمعت رسول الله (ص) يقول: (يخرج رجل من أهل بيتي يقول بسنَّتي) الحديث.
وأخرج ـ يعني نعيم بن حماد ـ،(٦٧) عن علي، عن النبي (ص)، قال: (المهدي رجل من عترتي، يُقاتل على سنَّتي، كما قاتلت أنا على الوحي).
وأخرج ابن حجر في الصواعق(٦٨) قال: وصحَّ أنَّه (ص) قال:

 

(يكون اختلاف عند موت خليفة... إلى أن قال: ويعمل في الناس بسنَّة نبيِّهم (ص) ويُلقي الإسلام بجرانه على الأرض).
وروى الشيخ الطوسي في الغيبة،(٦٩) عن أبي جعفر الباقر (ع)، قال: (ويقتل الناس حتى لا يبقى إلاَّ دين محمد (ص)...) الحديث.
واخرج أبو يعلى،(٧٠) عن أبي هريرة قال: حدَّثني خليلي أبو القاسم (ص) قال: (لا تقوم الساعة حتى يخرج عليهم رجل من أهل بيتي، فيضربهم حتى يرجعوا إلى الحق...) الحديث.
أقول: الحقُّ في نظر رسول الله هو الإسلام.
وروى الشيخ المفيد في الإرشاد،(٧١) عن المفضَّل بن عمر الجُعفي، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد (ع) يقول: (إذا أذِنَ الله تعالى للقائم في الخروج، صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه، وناشدهم بالله ودعاهم إلى حقِّه، وأن يسير فيهم بسنَّة رسول الله (ص) ويعمل فيهم بعمله...) الحديث.
القسم الرابع: من الأخبار، ما دلَّ على أنَّ المهدي (ع) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً.
وهي أخبار متواترة، مروية عن النبي (ص) وقادة الإسلام الأوائل، وهم يرون أنَّ القسط والعدل هو الإسلام ليس إلاَّ؛ فيكون المعنى اعتناق وتطبيق الإمام المهدي (ع) للإسلام عقيدة ونظاماً.
وقد أحصى الصافي في مُنتخب الأثر(٧٢) لهذه العبارة الكريمة مئة وتسعة وعشرين حديثاً، وقد روتها المصادر العامة بكثرة، بما فيها الصحاح، كأبي داود، وابن ماجة، والترمذي إلى مصادر أُخرى كثيرة ذكرناها في التاريخ السابق،(٧٣) مضافاً إلى مصادر علماء الإمامية ومُصنِّفيهم، فإنها أكثر من أن تُحصى.
وسيأتي في القسم الثاني من هذا الكتاب ما يزيد هذه الأخبار بأقسامها الأربعة وضوحاً.
وهذان الأسلوبان من الاستدلال على حقيقة الدين الذي يتَّخذه المهدي (ع)، ثابتان بغضِّ النظر عن الدليل القائم على أساس التخطيط الإلهي، والقائل: بأنَّ الأُطروحة العادلة والكاملة المُطبَّقة في اليوم الموعود في دولة المهدي (ع) هي الإسلام، وتصلح نتيجة هذين الأسلوبين للاستدلال على هذه الحقيقة، بأن نقول:
إنَّ المهدي (ع) يُطبِّق الأطروحة العادلة الكاملة في دولته العالمية، كما ثبت في التخطيط العام، وهو يعتنق ويُطبِّق الإسلام، كما ثبت بهذين الأسلوبين الأخيرين...
إذاً؛ فالإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة.
وكذلك يصحُّ الاستدلال بالعكس، بأن نغضَّ النظر عن هذين الأسلوبين، ونتساءل من جديد عن حقيقة الدين الذي يعتنقه المهدي (ع)، فنقول: إنَّ المهدي يُطبِّق الأطروحة العادلة الكاملة في دولته، كما ثبت في التخطيط العام، والإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة، كما استدللنا في التاريخ السابق،(٧٤) وسيأتي الحديث عن ذلك في الكتاب الآتي أيضاً...
إذاً؛ يثبت أنَّ الدين الذي يعتنقه المهدي (ع) ويُطبِّقه هو الإسلام، إذ لا يُحتمل أنَّه يُطبِّق الإسلام وليس بمسلم... فإنَّ التطبيق الإسلامي سوف لن يكون تامَّاً وعادلاً، إلاَّ إذا كان الرئيس الأعلى مسلماً، كما ثبت في الفقه الإسلامي، ويصلح أن يكون هذا أسلوباً ثالثاً إلى جنب الأسلوبين السابقين.
إذاً؛ فهاتان الحقيقتان وهما:
١ـ إنَّ دين المهدي (ع) هو الإسلام.
٢ـ إنَّ الإسلام هو الأطروحة العادلة الكاملة، يمكن الاستدلال بإحداهما على الأُخرى، بعد أخذ إحداهما مُسلَّمة والأُخرى محلاًّ للاستلال، وكلتاهما مدعمتان بأدلَّة أُخرى غير هذه.
وإذا تبرهن على أنَّ المهدي (ع) يُطبِّق الإسلام في اليوم الموعود، باعتبار النظام الذي يتكفَّل العدل الكامل... فإنَّه يترتَّب على ذلك عدَّة نتائج، فيما إذا قورنت دولته بالدولة الحاضرة، وهذا ما سيأتي في القسم الثاني من الكتاب، ونذكر الآن بعضها على سبيل المثال.
منها: توحيد المُعتقَد الديني في العالم بدين الإسلام، طبقاً لقوله تعالى:
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ...)،(٧٥) على أساس أنَّ هذا الدين هو الذي يُنظِّم العالم ويحلُّ مشاكله، ويُحقِّق له العدل الكامل، ويأتي هذا التوحيد تحت ظروف مُعيَّنة يُهيِّؤها القائد المهدي، نُشير إليها في مُستقبل البحث.
ومنها: أنَّ العالم سوف يحكم بأُطروحة قانونية واحدة، لا يحق فيها التجزئة، ولا يجوز عليها الخروج.
ومنها اتِّحاد السياسة والدين في سير التطبيق والتاريخ، كما كان عليه الحال في زمن النبي (ص) والخلافة الأُولى، وإنهاء فكرة: فصل الدين عن الدولة.
ومنها: إبتناء الحُكم، ابتناء التكامل الفردي والاجتماعي على الأساس الإلهي، ويتمُّ القضاء تماماً على أيِّ اتِّجاه مادي في العالم، مهما كان نوعه.
ومنها: إنهاء فكرة كحق تقرير المصير، فإنَّ مصير البشر قد تقرَّر من الأعلى، من التخطيط الإلهي العام ولن يكون مُنبثقاً من البشر، وناتجاً عن آرائهم الناقصة.
إلى غير ذلك من النتائج، التي سيأتي التعرض لأسبابها ونتائجها مُفصَّلاً.
الجهة الثانية: المذهب الذي يتَّخذه المهدي (ع) من مذاهب الإسلام، يمكن أن يراد من المذهب أحد المعنيين:
المعنى الأول: أن يُراد بالمذهب مجموع الأفكار المُتبنَّاة من العقائد والفقه السائد، بحيث يكون كلام شيوخ المذهب وعلمائه دخيلاً في بلورته وصقل فكرته.
المعنى الثاني: أن يُراد بالمذهب العقائد الرئيسية التي تُشكِّل حجر الزاوية فيه والأساس الرئيس له... كالقول بالعدل والإمامة اللذين كانا محلَّ الخلاف بين الإمامية وغيرهم من المسلمين.
فإن أردنا المعنى الأول من المذهب، فينبغي لنا أن نجزم بأنَّ المهدي (ع) سيُغيِّر في تفاصيل تشريعه كل مذاهب المسلمين الموجودة قبل ظهوره، ولا يُحتمل فيه أن يكون منسوباً إلى أيٍّ من المذاهب السائدة؛ لأنَّ الكثير من أفكار كلِّ مذهب، ناتج عن أفكار مُفكِّريه واستنتاجات علمائه، وهي ـ على أيِّ حال ـ قابلة للخطأ والصواب، ما لم تكن من ضروريَّات الدين وواضحات العقل.
والمهدي (ع) سيُطبِّق عند ظهوره الإسلام الواقعي، كما جاء به النبي (ص) سواء وافق الأحكام المعروفة للمذاهب وخالفها، وسيأتي بقوانين إسلامية جديدة لتنظيم العالم؛ ليجعله كله على عتبة الرُّقيِّ والتكامل.
ولذا؛ صرَّح عدد من علماء العامة ومفكريهم في مناسبات مُختلفة، بعد انطباق أحكام المهدي مع شيء من المذاهب الأربعة، ولا غيرها.
قال ابن العربي في الفتوحات المكِّيَّة(٧٦) في كلامه عن المهدي: به يرفع المذاهب من الأرض، فلا يبقى إلاَّ الدين الخالص، أعداؤه مُقلِّدة العلماء أهل الاجتهاد لما يرونه من الحُكم بخلاف ما ذهبت إليه أئمتهم...
وقال السيوطي(٧٧) ـ عن الحُكم الذي سيُمارسه عيسى بن مريم (ع) وهو العضد الأيمن للمهدي (ع)، كما سنعرف، في دولة الحق، قال ـ: وإذا قلتم: إنَّه يحكم بشرع نبيِّنا، فكيف طريق حُكمه به أبمذهب من المذاهب الأربعة المُقرَّرة، وباجتهاد منه؟!
هذا السؤال أعجب من سائله!! وأشدُّ عجباً منه قوله فيه: بمذهب من المذاهب الأربعة!! فهل خطر ببال السائل: أنَّ المذاهب في المِلَّة الشريفة مُنحصرة في أربعة، والمجتهدون من الأُمَّة لا يُحصون كثرة...؟! فلأيِّ شيء خَصَّص السائل المذاهب الأربعة؟!
ثمَّ كيف يظنُّ بنبيٍّ أنَّه يُقلِّد مذهباً من المذاهب، والعلماء يقولون: إنَّ المجتهد لا يُقلِّد مُجتهداً؟! فإذا كان المجتهد من آحاد الأمة لا يقلد، فكيف يظن بالنبي أنه يقلد؟!
إلى غير ذلك من الكلمات التي لا حاجة إلى استقصائها.
وأمَّا موقف الإمامية من ذلك فواضح، فإنَّهم يعتبرون المهدي (ع)، مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي، بصفته الإمام الثاني عشر من أئمَّتهم (ع)، فمن غير المُحتمل لديهم رجوعه في التشريع وغيره إلى أحد علمائهم وإلى أكثر، بل هو يستقيل ببيان التشريع الإسلامي، ويكون واجب الطاعة في غيبته.
وأمَّا إذا أردنا بالمذهب، ما يعود إلى المقوِّمات الرئيسية، كالاعتقاد بالعدل
والإمامة، وعدمه...
فالمُلاحَظ بالنسبة إلى المهدي (ع) سكوت الأخبار الواردة في مصادر العامة والجماعة عن مذهبه، سكوتاً تامَّاً، في حدود اطِّلاعنا، فلو أردنا الجواب على مثل هذا السؤال، وهو: أنَّ المهدي من أهل السنَّة، يؤمِن بأصولهم الاعتقادية، وبالأهمِّ منها على الأقل... كان ذلك مُتعذِّراً عن طريق الأخبار.
ومن هنا سكتت كلمات مُحقِّقيهم عن التعرُّض لذلك... واكتفوا بالقول: بأنَّه يُطبِّق الدين الحقيقي، من دون أيِّ إشارة إلى أنَّه ممَّن يوافقهم في المذهب أولا.
نعم، مَن يرى منهم بأنَّ المهدي (ع) يعمل بفقه أحد المذاهب الأربعة يرى ـ بطبيعة الحال ـ أنَّه مُلتزم عقائدياً بما يعتقدونه، غير أنَّ مُحقِّقيهم اعترضوا على هذا القول واستنكروه، كما سمعنا.
إذاً؛ فلم يتمَّ الإثبات التاريخي الكافي لذلك.
نعم، تبقى هناك فكرتان، إحداهما أشمل من الأُخرى، لابدَّ من عرضهما في هذا الصدد:
الفكرة الأُولى: فيما تقتضيه القواعد العامة، من تعيُّن مذهبه على وجه الإجمال.
من المُسلَّم به بين المسلمين، كون أحد المذاهب الموجودة بين مذاهبهم حقَّاً، وأنَّ المذاهب الأُخرى باطلة غير مطابقة للعقائد الإسلامية الصحيحة، وسبق أن قلنا: إنَّ أصحاب الإمام المهدي (ع) المُمحَّصين في عصر الغيبة، إنَّما يكونون من ذلك المذهب ـ أيَّاً كان ـ دون غيرهم؛ ليتمَّ تمحيصهم على الحق وإخلاصهم له، لا على غيره، كما هو واضح.
ومعه؛ فلابدَّ من الالتزام بأنَّ مذهب المهدي (ع) هو ذلك المذهب الحقُّ، الذي يختار له الله تعالى عليه أصحابه، ولا يُحتمل أن يكون مُخالفاً لهم في المذهب؛ لأنَّه يلزم منه أن لا يكون أحدهما على الحقِّ. وهو باطل بالضرورة.
وأمّا تعيين هذا المذهب الحق، وتسميته من دون المذاهب الأُخرى... فهذا راجع إلى وجدان كل مسلم، وما قام الدليل عنده من صحَّة أيِّ مذهب من المذاهب.
ستكون الفكرة الأُولى لدى الفرد المسلم أن يقول: إنَّ المذهب الحق هو مذهبي؛ والدليل على صحَّته قائم عندي.
إذاً؛ فالمهدي يكون عليه، هكذا يقول أهل كل مذهب... ويبقى مذهب المهدي ـ بعد ذلك ـ مُجملاً.
وقد لا يكون هذا ضائراً، فإنَّ التعرُّف الإجمالي على مذهبه، بالشكل الذي قلناه، كافٍ على المستوى الذي يُقنع سائر المسلمين، ويكون البحث فيه إسلامياً عامَّاً غير طائفي، ويكون المهدي (ع) ـ في ذاته ـ مختاراً في تطبيق المذهب الذي يُريده على العالم.
الفكرة الثانية: وهي أخصُّ من سابقتها، فإنَّه يمكن القول: بأنَّ المهدي (ع) على المذهب الإمامي الاثني عشري؛ وذلك باعتبار القرائن والمُرجِّحات التالية:
المُرجِّح الأول: ما ورد أنَّ المهدي (ع) من أهل البيت ومن العترة، وقد سمعنا عدداً من هذه الأخبار فيما سبق، ومنها ما هو موجود في الصحاح الستَّة، التي سنقتصر على النقل عنها:
أخرج أبو داود،(٧٨) وابن ماجة،(٧٩) عن أُمِّ سلمة، قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: (إنَّ المهدي من عترتي من وُلْد فاطمة).
وأخرج أبو داود أيضاً(٨٠) قوله (ص): (لو لم يبقَ من الدهر إلاَّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي...) الحديث.
وأخرج ابن ماجة(٨١) قوله (ص): (المهدي منَّا أهل البيت...) الحديث.
وأخرج الترمذي(٨٢) قوله (ص): (لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي).
إلى غير ذلك من الأخبار.
وإنَّ أخص موارد انطباق مفهومي العترة وأهل البيت هم: بنت النبي (ص) الزهراء وزوجها وولداها، وقد يشمل سلمان الفارسي رضوان الله عليه، الذي ورد في شأنه قول النبي (ص): (سلمان منَّا أهل البيت)(٨٣)، فليكن الإمام المهدي (ع) على مذهبهم، وليس هو غامضاً ولا مُجملاً في التاريخ.
المُرجِّح الثاني: ما ورد من الأخبار في مصادر العامة، من أنَّ الأئمَّة اثنا عشر بعد النبي (ص)... أمَّا بالنص على أنَّ المهدي (ع) هو آخرهم، وبدون ذلك، فإنَّها تنطبق على الاتِّجاه الإمامي في فَهْمِ الإسلام بالتعيين، دون غيره، ومعه؛ يتعيَّن الالتزام بأنَّ مذهب المهدي (ع) موافق لهذا الاتِّجاه.
أخرج البخاري(٨٤) عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي (ص) يقول: (يكون اثنا عشر أميراً). فقال كلمة لم أسمعها. فقال أبي: إنَّه قال: (كلُّهم من قريش).
وأخرج مسلم(٨٥) نحوه، وذكر له أسناد عديدة إلى جابر بن سمرة.
وأخرج الترمذي،(٨٦) عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله (ص): (يكون من بعدي اثنا عشر أميراً).
قال: ثمَّ تكلَّم بشيء لم أفهمه.
فسألت الذي يليني، فقال: (كلُّهم من قريش).
ثمَّ قال الترمذي: هذا حديث حَسن، وقد روي من غير وجه عن جابر بن سمرة.
وأمَّا ما رواه أحمد وغيره في خارج الصحاح، فكثير.
وإذا تعيَّن صحَّة الاتِّجاه الإمامي، بهذه الأخبار، ثبت كون المهدي هو الثاني عشر من هؤلاء الأُمراء الذين يُشير إليهم النبي (ص)، وهو المطلوب.
كالذي أخرجه القندوزي في ينابيع المودَّة،(٨٧) نقلاً عن فرائد السمطين للحمويني، بسنده عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قدم يهودي يُقال له: نعثل. فقال: يا محمد، أسألك عن أشياء تُلَجْلِجُ في صدري منذ حين... إلى أن يقول: فما من نبيٍّ إلاَّ وله وصي، وأنَّ نبينا موسى بن عمران أوصى يوشع بن نون.
فقال: (إنَّ وصيِّي علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، تتلوه تسعة أئمة من صُلب الحسين).
قال: يا محمد، قَسِّمْهم لي.
قال: (إذا مضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا مضى محمد فابنه جعفر، فإذا مضى جعفر فابنه موسى، فإذا مضى موسى فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمد، فإذا مضى محمد فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه الحسن، فإذا مضى الحسن فابنه الحجة محمد المهدي).
فهؤلاء اثنا عشر.
وهذه النتيجة، وهي صحَّة الاتِّجاه الإمامي في فهم المهدي (ع)، ومن ثمَّ القول: بأنَّ المهدي إمامي المذهب، وأنَّه أحد الأئمة الاثنا عشر... هذه النتيجة لازمة لكل مَن يقول من علماء العامَّة: بأنَّ المهدي هو محمد بن الحسن العسكري. كابن عربي في الفتوحات المكِّيَّة على ما نُقل عنه في إسعاف الراغبين،(٨٨) إذ نسمعه يقول: (وهو عترة رسول لله (ص) من وُلْد فاطمة رضي الله عنها، جدُّه الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده الإمام حسن العسكري بن الإمام علي النقي ـ بالنون ـ بن الإمام محمد (التقي ـ بالتاء ـ بن الإمام علي)(٨٩) الرضا بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد (التقي ـ بالتاء ـ بن الإمام علي) الباقر بن الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم. يواطئ اسمه اسم رسول الله (ص)...).
وكذلك الشعراني في اليواقيت والجواهر،(٩٠) إذ قال هناك: المهدي من وُلْد الإمام حسن العسكري.
وذكر موافقة الشيخ حسن العراقي، وسيدي علي الخواص على ذلك.
وكذلك كمال الدين بن طلحة، في مطالب السؤول،(٩١) حيث قال: الباب الثاني عشر: في أبي القاسم بن محمد الحسن الخالص بن علي المُتوكِّل بن القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين بن أبي طالب. المهدي الحجَّة الخَلَف الصالح المُنتظر (ع) ورحمة الله وبركاته.
وكذلك الحافظ الكنجي، في كتابه البيان،(٩٢) حيث قال: وأمَّا بقاء المهدي (ع)، فقد جاء في الكتاب والسنَّة... ثم شرح ذلك إلى أن قال: وأمَّا ألإمام المهدي (ع)، مُذْ غيبته عن الأبصار إلى يومنا هذا لم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما تقدَّمت الأخبار في ذلك، فلابدَّ أن يكون ذلك مشروطاً بآخر الزمان، فقد صارت هذه الأسباب لاستيفاء الأجل المعلوم.(٩٣)
أقول: وهذا الكلام منه واضح في اختيار الاتِّجاه الإمامي في فَهْم المهدي.
وكذلك ابن الصبَّاغ، في الفصول المهمَّة،(٩٤) إذ نجده يتحدَّث عن المهدي مُفصلاً، وقال ـ فيما قال ـ: وأمَّا نسبه أُمَّاً وأباً، فهو أبو القاسم، محمد الحجَّة بن الحسن الخالص بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين... وأمَّا لقبه: فالحجَّة، والمهدي، والخَلَف الصالح، والقائم المُنتظر، وصاحب الزمان... إلخ.
وذكر الحافظ القندوزي، في ينابيع المودَّة، عدداً من العلماء الذاهبين إلى ذلك: منهم: الشيخ صلاح الدين الصفدي في شرح الدائرة،(٩٥) وشيخ الإسلام أحمد الجامي النامقي، والشيخ عطَّار النيشابوري، وشمس الدين التبريزي، وجلال الدين الرومي، والسيد نعمة الله الولي، والسيد النسيمي،(٩٦) والشيخ عزيز بن محمد النسفي،(٩٧) مُضافاً إلى مَن ذكرناهم قبل قليل.
المُرجِّح الثالث: اعتراف الأئمَّة المعصومين السابقين عليه به عليه وعليهم السلام... بل تنويههم به والحثُّ على إطاعته وانتظاره في عدد من الأخبار تفوق حدَّ التواتر، وقد نَقل عنهم بعض هذه الأخبار عدد من مصادر العامة، كالبيان للكنجي، وينابيع المودَّة للقندوزي، وغيرهما.
أمَّا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (ع):
فأخرج عنه الكنجي،(٩٨) وابن ماجة(٩٩) وغيرهما، قال: (قال رسول الله (ص): المهدي منَّا أهل البيت يُصلحه الله في ليلة).
وأمَّا فاطمة الزهراء بنت الرسول (ص)، فقد قال لها أبوها ـ كما أخرجه عنه للكنجي في البيان،(١٠٠) وابن الصبَّاغ في الفصول المُهمَّة(١٠١) وغيرهما، واللفظ للكنجي ـ: (أنا خاتم النبيِّين وأكرم النبيِّين على الله وأحبُّ المخلوقين إلى الله، وأنا أبوك، ووصيِّي خير الأوصياء وأحبُّهم إلى الله وهو بعلك... ومنَّا سبطا هذه الأُمَّة وهما ابناك الحسن والحسين، وهما سيِّدا شباب أهل الجنَّة، وأبوهما – والذي بعثني بالحق – خير منهما. يا فاطمة، والذي بعثني بالحق، إنَّ منهما مهدي هذه الأُمَّة، إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً وتظاهرت الفتن...) الحديث.
والإمام الحسن الزكي بن علي (ع) نظر إليه النبي (ص) ـ فيما رواه السيوطي(١٠٢) ـ فقال: (إنَّ ابني هذا سيِّد، كما سمَّاه النبي (ص)، سيخرج من صُلبه رجل يُسمَّى اسم نبيِّكم يُشبهه في الخَلق ولا يُشبه في الخُلُق).
واخرج السيوطي،(١٠٣) عن ابن عساكر، عن الحسين (ع): (أنَّ رسول الله (ص) قال: أبْشِري يا فاطمة، المهدي منك).
وأخرج أيضاً،(١٠٤) عن الدار قطني في سُننه، عن محمد بن علي (وهو الإمام الباقر عليه السلام) قال: (إن لمهديِّنا آيتين لم يكونا منذ خلق الله السموات والأرض: ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان، وتنكسف الشمس في النصف منه...) الحديث.
وأخرج عنه (ع) أيضاً بكُنيته: أبي جعفر(١٠٥) بعض الأخبار.
وأمّا الإمام أبو عبد الله الصادق (ع)، فقد كان له في ذكر الإمام المهدي (ع) موقف عاطفي عظيم...
أخرج القندوزي،(١٠٦) عن المناقب، عن سدير الصيرفي قال: دخلت أنا والمفضَّل بن عمر وأبو بصير وإبان بن تغلب على مولانا أبي عبد الله جعفر الصادق (رضي الله عنه) فرأيناه جالساً على التراب وهو يبكي بكاءً شديداً ويقول: (سيّدي، غيبتك نفت رقادي! وسلبت منِّي راحة فؤادي!).
قال سدير: تصدَّعتْ قلوبنا جزعاً. فقلنا: لا أبكى الله ـ يا بن خير الورى ـ عينيك!
فزفر زفرةً انتفخ منها جوفه. فقال: (نظرت في كتاب الجفر الجامع صبيحة هذا اليوم... وتأمَّلت فيه مولِد قائمنا المهدي، وطول غيبته، وطول عمره، وبلوى المؤمنين في زمان غيبته...) إلخ الحديث وهو مطوَّل.
والإمام الرضا علي بن موسى (ع) بشر بالمهدي (ع) أيضاً:
أخرج القندوزي(١٠٧)، عن الحمويني الشافعي في فرائد السمطين، بإسناده عن دعبل بن علي الخزاعي قال: أنشدت قصيدة لمولاي الإمام علي الرضا، رضي الله عنه، أولها:

 

مدارس آياتٍ خَلَتْ من تِلاوةٍ ومنزل وحيٍ مُقفِرُ العَرصاتِ

 

إلى أن قال دعبل: ثمَّ قرأت باقي القصيدة عنده، فلمَّا انتهيت إلى قولي:

 

خروج إمامٍ لا محالة واقع يقوم على اسم الله والبركاتِ
يُميِّز فينا كلَّ حقٍ وباطلٍ ويجزي على النعماء والنقماتِ

 

بكى الرضا بكاء شديداً. ثم قال: (يا دعبل، نطق روح القُدس بلسانك! أتعرف هذا الإمام؟).
قلت: لا، إلاَّ أنِّي سمعت خروج إمام منكم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
فقال: (إنَّ الإمام بعدي ابني محمد، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجَّة القائم، وهو المُنتظر في غيبته المُطاع في ظهوره، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً) الحديث.
وروى القندوزي في الينابيع(١٠٨) حادثة ولادة المهدي (ع)، وفيها بشارة أبيه الإمام الحسن العسكري (ع) بولادته... منها قوله عن أُمِّه رضي الله عنها، أنَّه: (سيخرج منها ولَد كريم على الله عزّ وجلّ، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلئت ظلماً وجوراً).
فهذا ما روته المصادر العامة، عن الأئمة المعصومين (ع)، وقد أخرجت عن كلٍّ منهم عدداً من الأحاديث، ذكرنا قسماً منها كنموذج.
وأمَّا المصادر الإمامية، فقد روت عن جميع المعصومين عدداً وافراً من الأخبار في التبشير بالمهدي (ع)، لا حاجة إلى نقلها.
والأئمَّة المعصومين عليهم السلام ـ بغضِّ النظر عن المفهوم الإمامي عنهم ـ أُناس أتقياء علماء صالحون، لا يوجد لهم في المصادر العامة إلاَّ الذكر الجميل، ومذهبهم الإسلامي أشهر من أن يُذكر، فإنَّهم جميعاً إماميُّون اثنا عشريُّون، يؤمن كلٌّ منهم بإمامة نفسه وإمامة الباقين من آبائه وأولاده.
ومن هنا ينبثق عندنا تقريبان لتعيين مذهب الإمام المهدي على هذا الضوء:
التقريب الأول: إنَّه من غير المُحتمَل أن يقوم الأئمَّة المعصومون بهذا التأييد للإمام المهدي (ع)، وينوُّهوا به هذا التنويه المُتواصل الشديد، وهو شخص يختلف عنهم في المذهب، ويُغايرهم في الفَهْم والمُعتقد الإسلامي.
إذاً؛ فيتعيَّن أن يكون الإمام المهدي على مذهبهم واتِّجاههم واعتقادهم، وهو المطلوب.
التقريب الثاني: إنَّنا لو قلنا: بأنَّ المهدي (ع) يختلف عنهم في المذهب، للزم الالتزام ببطلان مذهبه ومذهبهم... باعتبار وضوح أنَّ المذهب الحق واحد في الإسلام بالضرورة والإجماع، وهذا ممَّا لا يمكن التفوُّه به تجاه الأئمَّة المعصومين ولا تجاه المهدي.
إذاً؛ فهُمْ جميعاً على مذهب واحد.
المرجح الرابع: ما اعترف به عدد من علماء العامة والجماعة، من أنَّ المهدي (ع) لا يُفضَّل عليه أبو بكر وعمر.
روى السيوطي في العرف الوردي،(١٠٩) بسنده عن محمد بن سيرين أنَّه ذكر فتنة تكون، فقال: إذا كان ذلك فاجلسوا في بيوتكم حتى تسمعوا على الناس بخير من أبي بكر وعمر.
قيل: أفيأتي خيرٌ من أبي بكر وعمر؟!
قال: قد كان يُفضَّل على بعض.
قال السيوطي: قلت: في هذا ما فيه.
وقال ابن أبي شيبة في المُصنَّف في باب المهدي: حدَّثنا أبو أُسامة عن عوف بن محمد ـ هو ابن سيرن ـ قال: يكون على هذه الأُمَّة خليفة لا يُفضَّل عليه أبو بكر ولا عمر.
قال السيوطي: قلت: هذا إسناد صحيح، وهذا اللفظ أخفُّ من الأول... إلى آخر كلامه.
وظاهر اللفظ أنَّه خبر عن ابن سيرين نفسه، لا عن النبي (ص).
إذاً؛ فابن سيرين يرى عدم أفضلية الشيخين على المهدي، ووافقه البرزنجي في الإشاعة، حيث قال ـ بعد نقل ما ذكره السيوطي(١١٠) ـ: وتقدَّم عن الشيخ في الفتوحات أنَّه معصوم في حُكمه مُقْتَفٍ أثر النبي (ص) لا يُخطئ أبداً، ولا شكَّ أنَّ هذا لم يكن في الشيخين، وأنَّ الأمور التسعة التي مرَّت لم تجتمع كلُّها في إمام من أئمَّة الدين قبله؛ فمن هذه الجهات يجوز تفضيله عليهما، وإن كان لهما فضل الصحبة ومُشاهدة الوحي والسابقة، وغير ذلك، والله أعلم.
قال الشيخ علي القاري في المشرب الوردي في مذهب المهدي: وممَّا يدلُّ على أفضليَّته، أنَّ النبي (ص) سمَّاه خليفة الله، وأبو بكر لا قال له إلاَّ خليفة رسول الله، انتهى كلام البرزنجي.
وإذا تمَّ ذلك، فمن البعيد جدَّاً، إن لم يكن من القبيح عقلاً اتِّباع الأفضل للمفضول، ومُسايرته في فَهْمِه واتَّجاهه... مع أنَّ سرَّ فضله كامن في الاطِّلاع على الحقائق، والاتِّساع في النظر، والعمل بشكل غير موجود لدى المفضول.
إذاً؛ فكل واحد من هذه القرائن، يُبرهن على أنَّ مذهب الإمام المهدي (ع) من حيث الأصول الرئيسية، هو المذهب الإمامي الاثنا عشري، بحسب الأدلَّة التي ينبغي أن يعترف بها سائر المسلمين.
وأمَّا عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية، فهذا من الضروريات القطعيَّات، التي لا يمكن أن يرقى إليها الشكُّ، وتدلُّ عليه أعداد غفيرة من أخبارهم في المهدي، ممَّا لا حاجة إلى الإفاضة فيه، يكفي في ذلك أن نعرف أنَّهم يرون أنَّ المهدي إمامهم الثاني عشر، وأنَّهم يرون وجوب طاعته ولزوم انتظاره.
وفي أخبار المصادر العامة ما يدلُّ على ذلك، وقد سمعنا قبل قليل بعضها، وفيها تعبير الأئمة المعصومين عنه (ع) بقائمنا ومهديّنا، ونحو ذلك، فليرجع القارئ إليها.
الجهة الثالثة: موقف الإمام المهدي (ع) من العنصريَّة وأمثالها.
وهي عدَّة مفاهيم ذات مدلول أناني ضيِّق، يتضمَّن تفضيل عنصر على عنصر من البشر، على أساس الدم، واللغة، واللون، والوطن، والقبيلة، ونحو ذلك، ولنصطلح عليها جميعاً بالعنصرية، من أجل تخفيف التعبير.
والرأي الذي لا بدَّ من الجزم به ـ باعتبار الأدلَّة الآتية ـ هو أنَّ موقف الإمام المهدي (ع) من العنصرية دائماً موقف سلبي ومُعارض... بل دعوته ودولته عالمية، تصل إلى كل البشر على حدٍّ سواء، بدون تفضيل لجماعة على أُخرى.
ويُمكن إقامة الدليل على ذلك على عِدَّة مُستويات:
المُستوى الأول: أنَّ دعوة المهدي (ع) قائمة على الإسلام، كما برهنَّا، فإنَّه إنَّما يُطبِّق الإسلام على وجه الأرض، ويرفض أيَّ عنصر غريب عنه وأجنبي.
ونحن نعرف أنَّ الإسلام نصَّ ـ بكل صراحة ـ على إلغاء العنصرية، بمثل قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).(١١١)
وقول النبي (ص) المشهور عنه: (لا فضل لعربيٍّ على أعجميٍّ إلاَّ بالتقوى).
والإسلام دين الناس أجمعين، وليس خاصاً بأحد، قال الله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا...).(١١٢)
وقال عزوجل: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).(١١٣)
وقد أعطى الإسلام للتفاضل أُسُساً جديدة، لا تمتُّ إلى أيِّ شكل من أشكال العنصرية بصِلَةٍ، وهي ثلاثة:
الأساس الأول: العلم.
قال الله سبحانه: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ).(١١٤)
الأساس الثاني: التقوى.
قال تعالى: (... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)(١١٥)، ويدلُّ عليه الحديث النبوي الشريف السابق أيضاً.
الأساس الثالث: الجهاد.
قال الله تعالى: (لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاَّ ًوَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا * دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا).(١١٦)
هذا بعد التساوي بالإسلام وحُسن العقيدة والتطبيق بطبيعة الحال، ولا يبقي ذلك في الإسلام أيَّ تفاضل، وإنَّما الناس سواسية كأسنان المشط، تجاه عدله الكامل... يكون العظيم عنده صغيراً حتى يأخذ منه الحق، والحقير عنده عظيماً حتى يؤخَذ له الحق.
فإذا كان هذا هو الرأي الصريح للإسلام، وهو الأمر العادل بحكم العقل أيضاً وفطرة الفكر، كما أشار إليه سبحانه حين قال: (... إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ).
إذاً؛ فالمهدي (ع) سوف يسير على ذلك أيدولوجيته العامة، وتفاصيل تشريعه وقضائه، وكيف لا، وهو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ويُطبِّق الأطروحة العادلة الكاملة.
وقد يخطر في الذهن هذا السؤال: إنَّ الإسلام مهما شجب العنصرية، فإنَّنا نعرف إلى جنب ذلك أنَّ الإمام المهدي (ع) سيأتي بأمر جديد وكتاب جديد وقضاء جديد، فلعلَّ فيما يأتي به من الأمور إنفاذ العنصرية والاعتراف ببعض حدودها، ومعه لا يكون الدليل تامَّاً.
وجواب ذلك: أنَّه سيأتي في مستقبل البحث ـ أيضاً ـ أنَّ ما يُعلنه المهدي في دولته، مهما كان جديداً وعميقاً ومُفصَّلاً، إلاَّ أنَّه يتعدَّى مستوى التطبيقات والتنظيمات للمجتمع الذي يحكمه، بالشكل الذي لا يكون خارجاً بأيِّ حال على التشريعات والمفاهيم الرئيسية في الإسلام ولا مضادَّاً لها، ومن الواضح أنَّ شجب العنصرية بكل أشكالها من واضحات الإسلام ونصِّ الكتاب والسنَّة.
إذاً؛ فمن غير المُحتمل أن يقوم الإمام المهدي (ع) بتغيير ذلك.
المستوى الثاني: إنَّ دعوة المهدي (ع) ودولته عالمية، كما هو ضروري الوضوح لكل مُعترف به من المسلمين، وسيأتي التعرُّض للنصوص الدالَّة على ذلك بصراحة.
والدعوة العالمية على طول الخطِّ مُنافية مع العنصرية؛ ولذا نرى سائر المبادئ في التاريخ، ممَّن طمعت بالاستيلاء العقائدي على العالم، تقفُ من العنصرية موقفاً، سلبيَّاً، وتعتبرها نظرة ضيِّقة لا ترقى إلى أُسلوبها الواسع وأُفقها الرَّحب.
وحيث كانت دعوة المهدي (ع) عالمية؛ إذاً، فهي تُنافي العنصرية كأيِّ دعوة عالمية أُخرى، بمعنى أنَّه بمجرد أن يتَّخذ بعض شعارات العنصرية، فإنَّ دائرة دعوته ستكون ضيِّقة، وسيتعذَّر عليه بأيِّ حال، أن تبقى دعوته عالمية، وهذا خلاف الضرورة والتواتر عن دعوة المهدي (ع)، وسيُخلُّ بتأسيس الدولة العالمية، وهو خلاف ما استهدفه هذا القائد العظيم في ظهوره، والغرض الأساسي الذي وجِد التخطيط الإلهي من أجله.
وقد يخطر في الذهن: أنَّ ما دلَّ عليه الدليل القطعي، بالضرورة والتواتر هو استيلاء المهدي (ع) على العالم بأجمعه واتِّساع رقعته، وهذا لا يُنافي الاعتراف من قِبله ببعض أشكال العنصريَّة.
والجواب على ذلك: أنَّ استيلاء الإمام المهدي (ع) على العالم، إن كان غزواً عسكرياً مُجرَّداً، فهذا الذي قاله السائل صحيح؛ فإنَّ الغزو العسكري المُجرَّد لأجل الحصول على السلطة، يُناسب مع الاعتقاد بالعنصرية، ومع رفضها فلا يكون مُجرَّد الاستيلاء على العالم دليلاً على شجب العنصرية.
إلاَّ أنَّ استيلاء الإمام المهدي (ع) على العالم ليس مُجرَّد غزو عسكري، بل هو دعوة عقائدية وأطروحة عادلة، يريد نشرها وتطبيقها على البشرية أجمعين، وتربية البشر على أساسها تربية صالحة؛ لتتحقَّق العبادة المحضة لله عزَّ وجلَّ على وجه الأرض، كما هو الغرض الأساسي من الخَلق ومن اليوم الموعود.
والدعوة إذا كانت عالمية هذا الشكل، فإنَّها تكون مُنافية للعنصرية بالمرَّة؛ وذلك بعد الالتفات إلى مجموع أمرين:
الأمر الأول: إنَّ التطبيق الحقيقي للعدل والتربية العادلة، لا يمكن إتمامه إلاَّ بجوٍّ من الانسجام والتقبُّل النفسي للفرد والجماعة؛ لكي تترسَّخ القواعد الأساسية والسلوك الصالح في عالم الحياة، وأمَّا مع جوِّ الانزجار والتأفُّف والتباعد، فلا يمكن أن تنال البشرية مثل تلك النتائج الصالحة، ومن ثُمَّ لا يمكن تطبيق العبادة الكاملة على تلك الجماعة؛ فيكون مُخلاَّ ًبالغرض الأساسي لخَلق البشرية.
الأمر الثاني: إنَّ الاعتراف بالعنصرية بأيِّ شَكل من أشكالها، يعني أنَّ العنصر الآخر، الذي لم يُعترَف به من البشر، وقام النظام على الالتزام بتسافله وخسَّته أمام العنصر المُفضَّل، إنَّ هذا العنصر سوف يشعر بالغربة في ذلك النظام، وبالتعقيد النفسي والانزجار والتأفُّف تجاهه، بطبيعة الحال.
ونحن إذا لاحظنا العالم ككلّ، لم نجد أيَّ عنصر من العناصر التي يتبنَّاها العنصريُّون يُشكِّل أكثرية في العالم، وإنَّما يُشكِّل الأقلِّية على طول الخطِّ ـ وهذا يعني بكل وضوح ـ أنَّ الدولة العالمية لو تبنَّت أيَّ عنصر من العناصر، وفضَّلته على غيره، فإنَّها تتبنَّى مصالح الأقلِّية من شعبها، وتعتبر أكثريَّتهم من الجنس الأخسِّ الأدنى.
إذاً؛ فستحسُّ الأكثرية بالتعقُّد والانزجار تجاه تلك الدولة، بحكم كونهم محكومين بالخساسة والتسافُل في نظامها؛ وبالتالي ستتعذًَّر تربيتهم الصالحة المطلوبة، ويكون الغرض من أصل الخليقة مُتخلِّفاً وفاشلاً.
وباستحالة تخلُّف هذا الغرض، نعرف لزوم كون الدولة العالمية المهدوية سلبيَّة تجاه العناصر البشرية، وحيادية تجاه التفاضل بينها، ومُلْغِيَة لها كأساس للتفاضل تماماً... توصُّلاً إلى التربية العادلة للبشرية أجمعين
وقد يخطر في الذهن: إنَّ الفكر الحديث قد طوَّر مفهوم العنصرية، فقد أصبحت لا تعني تفضيل عنصر على عنصر، وإنَّما كل ما تعنيه هو الاهتمام بمصالح مجموعة مُعيَّنة مشتركة في اللغة والوطن، وغير ذلك، انطلاقاً من اشتراكها بالمصالح والتاريخ والآمال، وهذا لا يتضمَّن تفضيلاً لأحد.
وجواب ذلك: إنَّه بغضِّ النظر عن أنَّ هذا التطوير لا يخرج بالفكرة عن التحديد والأنانية، ومن ثُمَّ عن العناصر نفسها... بغضِّ النظر عن ذلك، فإنَّها أوضح بُعْدَاً عن الفكرة العالمية المهدوية من العنصرية نفسها؛ لأنَّ المفروض فيها الاهتمام بمجموعة مُعيَّنة لا بمجموع البشر... ومن الواضح إلى حدِّ الضرورة أنَّ الدولة العالميَّة تهتمُّ بمصالح وتربية وآمال مجموع البشر، لا بمجموعة مُعيَّنة مهما كانت صفتها.
وقد يخطر في الذهن: أنَّ هذا الاتِّجاه لا يصحُّ في الدولة العالمية، ولكنَّها قد تُعطي للشعوب والعناصر المُختلفة الاهتمام بصفاتها تلك، من دون أن يكون للحُكم المركزي نفسه تركيز على جهة دون جهة.
وجواب ذلك: إنَّ هذا غير مُحتمل أيضاً؛ لمُخالفة هذا الاتِّجاه مع العدل الكامل من عدَّة جهات، أوضحها ما يحدث بين العناصر المُختلفة من التشاحن والتعاقد، نتيجةً لحُرِّيَّة التفاخر والتركيز العنصري... الأمر الذي يُنافي ـ كل المُنافات ـ مع العدل الكامل.
نعم، قد تبقى اتِّجاهات فرديَّة مُتفرِّقة، ناشئة من (لا شعور ما قبل الظهور) تتضمَّن الإحساس بأهمِّيَّة العنصر والطبقة... ولكنَّها تذوب تدريجياً تحت التربية المركَّزة والمُستمرَّة، التي تقوم بها الدولة العالمية طبقاً للأطروحة العادلة الكاملة.
المُستوى الثالث: الاستدلال بما وردنا من الأخبار الدالَّة على نفي العنصرية، وعلى وجود الفكرة المُنفتحة والمُتعادلة من هذه الناحية في دولة المهدي (ع).
وهي على أنحاء:
النحو الأول: ما دلَّ على أنَّ حُكم المهدي (ع) يكون قاسياً وشديداً على العرب... باعتبار فشل أكثرهم في التمحيص الإلهي حال الغيبة، وتقصيرهم تجاه الشريعة الإسلامية، فلو كان الإمام المهدي (ع) عنصرياً لكان يميل إلى أبناء لُغته، على كل حال.
والأخبار بذلك مُتظافرة لدى الفريقين:
فمنها: ما أخرجه البخاري(١١٧) عن زينب بنت جحش، أنَّها قالت: استيقظ النبي (ص) من النوم مُحمرَّاً وجهه يقول: (لا إله إلا الله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب...!) الحديث.
وتأسُّف النبي (ص) وتحذيره منصبٌّ على انحراف العرب وخروجهم على شريعته، بقرينة الحديث الذي يليه، والذي يقول فيه:
(فإنّي لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع المطر).(١١٨)
ورواه الترمذي(١١٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجة في سُننه.(١٢٠)
وأخرج ابن ماجة،(١٢١) عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله (ص): (تكون فتنة تستنظف العرب قتلاها في النار، اللسان فيها أشدُّ من وقع السيف).
وفيه دلالة واضحة على فشل العرب في التمحيص، في عصر الفتن والانحراف خلال الغيبة الكبرى، وهو ما حدث فعلاً، وحيث نعلم موقف الإمام المهدي (ع) من كل فاشل في التمحيص ـ كما سيأتي مُفصَّلاً ـ نعرف موقفه من هؤلاء العرب الفاشلين.
ومنها: ما أخرجه النعماني في الغيبة:(١٢٢) عن أبي بصير، قال: قال أبو جعفر (ع): (يقوم القائم بأمر جديد، وكتاب جديد، وقضاء جديد، على العرب شديد، ليس شأنه إلاَّ السيف... ولا تأخذه في الله لومة لائم).
وفي حديث آخر،(١٢٣) عن أبي عبد الله (ع)، أنَّه قال: (إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلاَّ السيف...) الحديث.
إلى غير ذلك من الأحاديث، الدالَّة على أنَّ الميزان الصحيح في نظر القائد المهدي (ع) هو الإيمان والنجاح في التمحيص، وليس هو اللغة ولا القبلية، فهو لا يميل إلى أهل لغته (العرب) ولا إلى قبيلته (قريش) بل يأخذهم أخذاً شديداً نحو طاعة الله تعالى، ويُعاقبهم على ما سلف منهم من الذنوب.
وفي هذه أحاديث عديدة، اقتصرنا منها على مقدار النموذج.
النحو الثاني: ما دلَّ من الأخبار على أنَّ أصحابه المُمحَّصين الخاصِّين، الذين يجتمعون إليه، ويُحاربون بين يديه ليسوا من عنصر واحد، بل هم من مُختلَف بُلدان العالم.
فمن ذلك:
ما أخرجه الشيخ في الغيبة،(١٢٤) عن أبي بصير، عن عبد الله يقول فيه (ع) عن أصحاب القائم (ع): (فيتوافون من الآفاق ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً، عدَّة أهل بدر).
أقول: وفيه دلالة على ورودهم إليه من مُختلف البلدان في العالم.
وما أخرجه النعماني في غيبته،(١٢٥) بإسناده عن علي (ع) يقول فيه: (ثمَّ يجتمعون قزعاً كقزع الخريف من القبائل، ما بين الواحد والاثنين، والثلاثة والأربعة، والخمسة والستَّة، والثمانية والتسعة والعشرة).
أقول: وهو نصٌّ في عدم التمييز بين القبائل والأنساب في أصحابه، وإنَّما الميزان هو عُمق الإخلاص وقوَّة الإيمان والإرادة.
وأخرج(١٢٦) في خبر آخر، عن الإمام الباقر (ع) وقال: (أصحاب القائم ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، من أولاد العجم بعضهم).
أقول: والمراد بالعجم غير العرب لا خصوص الفرس، كما هو معروف في اللغة.
فليس الميزان هو اللغة والدم والعنصر، وإلاَّ لم يقبل المهدي (ع) القائم في أصحابه إلاَّ العرب، بل الميزان أمور أُخرى أوسع وأعمق.
النحو الثالث: ما دلَّ من الأخبار على مُشاركة غير العرب في حُكم العالم، وهداية الناس تحت ظلِّ دولة المهدي (ع).
فمن ذلك: ما رواه النعماني في غيبته، بسنده عن الأصبغ بن نباته قال: سمعت علياً (ع) يقول: (كأنِّي بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة، يُعلِّمون الناس القرآن، كما أُنزل).
أقول: وهذا إمَّا يحدث في دولة المهدي (ع)؛ لأنَّهم إنَّما يعلمون القرآن على أساس مُعانيه الواقعية، مأخوذة من الإمام المهدي (ع) نفسه، وإمَّا قبل ذلك، فهو مُتعذِّر بطبيعة الحال.
المستوى الرابع: في الاستدلال على موقف المهدي (ع) من العنصرية.
إنَّنا نضمُّ فكرتين اثنتين واضحتين، تُنتِجان نتيجةً واضحةً.
الفكرة الأُولى: إنَّ الإمام المهدي (ع) يسير بسيرة النبي (ص)، ويُطبِّق منهجه على المُجتمع والحياة، وهو ما سبق أن أقمنا عليه الدليل.
الفكرة الثانية: إنَّ سيرة النبي (ص) في أصحابه ومجتمعه، كانت بالضرورة على نفي العنصرية وشجبها بكل أشكالها، وإعلان عقيدة الإسلام ونظامه عاماً عالمياً لكل الناس، وقد جمع في أصحابه بين عبيد المُجتمع وأحراره، وبين عربه وعجمه، وبين مختلف القبائل، وراسل ملوك العالم في عصره يدعوهم إلى الإسلام، وكلُّهم لم يكونوا عرباً، وإنَّ أشهر أصحابه من غير العرب سلمان الفارسي، وبلال، وصهيب الحبشيان... وهناك الكثير وغيرهم.
وأودُّ بهذه المناسبة أن أروي ما أخرجه الترمذي،(١٢٧) عن أبي هريرة، قال: كنَّا عند رسول الله (ص) حين أُنزلت سورة الجمعة فتلاها، فلما بلغ (وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ...)،(١٢٨) قال له رجل: يا رسول الله، مَن هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟
فلم يُكلِّمه.
قال: وسلمان الفارسي فينا.
قال: فوضع رسول الله (ص) يده على سلمان، فقال: (والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان بالثُّريَّا لتناوله رجل من هؤلاء).
قال الترمذي: هذا حديث حَسَن، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي (ص).
أقول: وهو يدلُّ ـ بوضوح ـ على مشاركة غير العرب بالإيمان العميق، عقيدة وتطبيقاً... إذا كان المراد جعل سلمان الفارسي (رض) مُمثِّلاً لهم، مع احتمال أن يكون المراد جعله مُمثِّلاً لمستوى معُيَّن في الإخلاص والتفكير، ويكون قوله (ص): (رجال من هؤلاء...). يعني مَن كان مُتَّصفاً بذلك المستوى.
وعلى أيِّ حال، فإنَّ المُلاحّظ أنَّ هذا الخبر غير دالٍّ بالمرَّة على أنَّ سلمان الفارسي من الآخرين الذين لم يلحقوا بهم، المذكورين في الآية الكريمة، بل هو دالٌّ على العكس، كما هو واضح لمَن يُفكِّر، وأمَّا السؤال عن معنى الآية، فقد أعرض النبي (ص) عن جوابه.
وعلى أيِّ حال، فما دامت دولة النبي (ص) خالية من العنصرية، إذاً فستكون دولة المهدي (ع) كذلك؛ لأنَّه يستنُّ بسنَّته، ويسير بسيرته.
الجهة الرابعة: نظام الدولة المهدوية، هل هو مُشابه لبعض الأنظمة السابقة عليه، كالرأسمالية والاشتراكية وغيرهما، أولا؟
والذي ينبغي الجزم به أساساً هو النفي المطلق، وأنَّ شيئاً من الأنظمة السابقة على الظهور، لا تصدق على نظام المهدي ولا تشمله.
والدليل الحسِّي التطبيقي، سوف لن يظهر، إلاَّ بعد الظهور، حين يتمُّ تطبيق نظام الإمام المهدي (ع) ودولته العالمية، ويكون في الإمكان مُقارنته بالأنظمة السابقة عليه مُقارنةً حسِّيَّة، وهذا لا يتمُّ في العصر الحاضر بطبيعة الحال.
ولكنَّنا نستطيع ـ طبقاً للأدلة التالية ـ الجزم بأنَّ نظام المهدي (ع) مُباين ومُغاير تماماً مع أيِّ نظام سابق عليه، وذلك باعتبار الأدلة التالية:
الدليل الأول: أنَّنا عرفنا أنَّ الإمام المهدي (ع) سوف يُطبِّق الإسلام، بصفته الأطروحة العادلة الكاملة... وقد تمَّ البرهان في بحوث الفكر الإسلامي على مغايرة نظام الإسلام لسائر الأنظمة الأُخرى، وأنَّه أطروحة مُستقلَّة لحلِّ مشاكل البشرية لا تمتُّ إلى الحلول الأُخرى بصِلَةٍ.
ولا مجال لسرد تلك الأدلة في هذا التاريخ ـ بطبيعة الحال ـ إلاَّ أنَّها تُنتِج بعد التسليم بصحتها مُغايرة نظام الإمام المهدي (ع) للأنظمة السابقة عليه... لأنَّ نظامه هو الإسلام المُغاير لتلك الأنظمة.
الدليل الثاني: إنَّنا ننطلق من فكرة الحديث النبوي المتواتر، القائل: (إنَّ المهدي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلِئت ظلماً وجوراً...)، ننطلق منه إلى النتيجة المطلوبة، فإنَّنا قلنا ـ في تاريخ الغيبة الكبرى(١٢٩) ـ: إنَّ البشرية عامة والأمَّة الإسلامية خاصة، لا بدَّ أن تمرَّ بظروف صعبة وقاسية من الظلم والجور والانحراف... لكي تتمخَّض في نهاية المطاف عن عدد من المُخلصين المُمحَّصين، يكفي للقيام بمسؤولية الدولة المهدوية، ونتيجة لتلك الظروف (تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً)، وبجهود هؤلاء المُخلصين تحت قيادة الإمام المهدي (ع) (تمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً).
وإذا تساءلنا عن أسباب هذه الظروف، تكشفت لنا خلال التاريخ المُعاصر والسابق، عن سلسلة مُتَّصلة ومُتواصلة من الأسباب الكبيرة... التي من أهمِّها أساليب الحُكم الفردي الدكتاتوري، التي مورست خلال التاريخ، وجود الكيان الرأسمالي الأوروبي ـ الأمريكي وما تبعه من الاستعمار بشكليه القديم والحديث ـ وما لاقى منه العالم بشكل عام، والأمَّة الإسلامية بشكل خاص من بلايا وأضرار، وكذلك مُحاولة فرض الحلول المُدعاة لمشاكل العالم على الشعوب عن طريق الغزو الفكري للعالم،(١٣٠) كما قامت به الشيوعية، وهي تُعلن إيمانها بحق تقرير المصير للشعوب، فيبدو موقفها مُتهافتاً غريباً.
ولئن كان الرأي العام العالمي، قد أُحيط علماً ـ بحسب التجربة التاريخية القاسية التي عاشوها ـ بالأضرار الناتجة عن الحُكم الفردي والاستعمار الرأسمالي، فإنَّ الأعوام الآتية كفيلة بكشف ما في النظام الشيوعي من هنات ونقاط ضعف، ومُنطلقاً من ذلك نستطيع أن نُعمِّم، ونقول: إنَّ أيَّ نظام وضعي بشري المولد، موجود قبل الظهور، يُمثِّل في واقعه أهمَّ أسباب الظلم والانحراف في العالم، إن كان بدوره ناتجاً عن ظلم وانحراف سابقين... ومعه فستكون المُهمَّة الرئيسية للإمام المهدي (ع) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، أن يقوم بتغيير هذه الأنظمة والقضاء على جذورها وتفاصيلها.
الدليل الثالث: إنَّ سائر الأنظمة والقوانين الوضعية، قائمة على المادية وإسقاط العنصر الإلهي عن نظر الاعتبار، إمَّا بالصراحة، كالشيوعية والوجودية، وبالخفاء كالرأسمالية، والفاشية، والنازية، والقوانين الرومانية، والجرمانية، ومُتفرَّعاتها الحديثة؛ فأنَّها قائمة على أساس دنيوي مادِّي صرف، لا أثر للروح ولله تعالى فيه.
وقد علمنا أنَّ نظام المهدي (ع) سيقوم على ربط الإنسان بربِّه، وتربيته لجسمه وروحه، والربط بين هذه العناصر ربطاً عادلاً وعميقاً، وستكون كل القوانين المُطبَّقة قوانين إلهيَّة إسلامية، حتى إنَّ المهدي (ع) نفسه إنَّما يكون واجب الإطاعة باعتباره أحد أئمة المسلمين المخوَّلين من قِبل الله تعالى للحُكم والتقنين والتطبيق.
إذاً؛ فسوف لن يكون في دولة المهدي مجال للمادِّية بشكليها الصريح والخفي، وسوف يتمُّ القضاء عليها قضاء تامَّاً.
الدليل الرابع: الانطلاق من زاوية أُخرى من القواعد التي فهمناها عن فكرة المهدي... وقد أشرنا إليها في التاريخ السابق.(١٣١)
وهي: أنَّ التخطيط الإلهي قائم على اكتساح التمحيص الدقيق للأفراد والمبادئ، وبذلك ينكشف بشكل حسِّي مُبرهَن ومُدعم بالتجارب الكثيرة والمريرة، عن فشل كل دعوة تدِّعي لنفسها حلَّ مشاكل العالم وتذليل مصاعبه، حتى ما إذا انكشفت وبانَ زيفُها ونقاط الضعف فيها وأيَّست البشرية من أن تضع حلَّها لنفسها... انبثق الأمل في أنفسها من جديد إلى حلٍّ جديد ونظام جديد يُنقذها من وهْدَتِها، ويُخرجها من ورطتها، وهذا الأمل إحساس نفسي مُجمل، لا زال في طريق التربية في نفوس البشر، كما هو المحسوس الآن بالوجدان، ولا زالت الحوادث وما ينكشف من مساوئ الأنظمة والفلسفات الوضعية تؤيِّده وتدعمه.
وهو أمل مُجمل، لا يُشير ـ على التعيين ـ إلى الإسلام، وإلى نظام المهدي (ع)، ولكنَّ الله تعالى يكون قد أعدَّ لخلقه الإنقاذ الحقيقي والعدل الكامل، على يد القائد المهدي (ع) ومُخلصيه، فإذا رأت البشرية نظامه وعدله، فإنَّها ستؤمِن بكل وضوح بأفضليَّته على كلِّ التجارب والمُدَّعيات السابقة التي مرَّت بها، وأنَّه الحلُّ الأساسي الذي يُنقذها من ورطتها، وبالتالي هو الصورة الحقيقية لذلك الأمل المُجمل، وقد أُشير إلى هذا التخطيط في المصادر الخاصة، في بعض الأخبار، كالخبر الذي رواه الشيخ المفيد في الإرشاد،(١٣٢) والطبرسي في أعلام الورى،(١٣٣) والذي يقول فيه:
(إنَّ دولتنا آخر الدول، ولم يبقَ أهل بيت لهم دولة إلاَّ ملكوا قبلنا، لئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء، وهو قوله تعالى: (... وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)).
وليس المراد بحكم (... أهل بيت لهم دولة...) حُكم (الأُسَر) والقبائل، بل المراد بهم الجماعة الذين يتَّخذون أيدولوجية مُعيَّنة في دولتهم، بقرينة قوله في الحديث: (... إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء...)، فإنَّ مَن يقول ذلك إنَّما هم مثل تلك الجماعة، لا الحاكم القبلي، وهو يخلو حكمه من أيِّ هدف اجتماعي وعادل، بحيث لا يكون قابلاً للمُقارنة أساساً، وإنَّما عَبَّر الحديث الشريف بهذا التعبير بقانون: (كَلِّمْ الناس على قدر عقولهم).
وفي رواية أُخرى،(١٣٤) عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع)، وأنَّه قال: (ما يكون هذا الأمر ـ يعني دولة المهدي (ع) ـ حتى لا يبقى صنف من الناس إلاَّ وقد ولَّوا من الناس ـ يعني باشروا الحُكم فيهم ـ حتى لا يقول قائل: إنَّا لو ولِّينا لعدلنا. ثمَّ يقوم القائم بالحق والعدل).
أقول: لأنَّهم لو قالوا ذلك بعد ظهور القائم المهدي (ع) فإنَّ جوابهم يكون واضحاً، وهو: أنَّكم حكمتم وفُضِّلتم في حلِّ مشاكل العالم، بل كان حُكمكم وظلمكم من جملة مشاكله وويلاته.
إذاً؛ فالتخطيط قائم على كشف الحلول المُدَّعاة للعالم أمام الرأي العام العالمي، قبل تولِّي دولة العدل للحُكم ومُمارستها إيَّاه في الخارج... وإعطاء روح اليأس من تلك الحلول عالمياً، بشكل لا يؤمل معه وجود حلٍّ بشري جديد... كما هو المفهوم من الحصر الموجود في هذه الأخبار (... حتى لا يبقى صنف من الناس إلاَّ قد ولوا من الناس...)، المُستفاد من الاستثناء بعد النفي.
وهذا معناه ـ بكل بساطة وصراحة ـ تنافي نظام دولة المهدي (ع) مع النُّظُم السابقة، وقيامها على إنقاضها وبعد انكشاف زيفها وبطلانها، وهل من المُحتمل أن يتَّبع القائد المهدي ـ في دولة العدل المطلق ـ إحدى النُّظم التي بانَ زيفها وفشلها.
إذاً؛ فقد تبرهن عدم أخذ الإمام المهدي (ع) في دولته بشيء من النُّظم السابقة على ظهوره، واستغنائه بالعدل الإلهي المُعدُّ لتطبيقه في دولته.
وسوف يشعر الرأي العام العالمي ـ بكل وضوح ـ بهذا الاستغناء، فإنَّ مَن يتَّخذ أحد هذه المبادئ الحاضرة مذهباً له وطريقة في الحياة، يستهدف ـ لا محالة ـ إمَّا الهدف الشخصي في الحصول على المال والشهرة والسعادة، والهدف العام في الدفاع عن الفقراء والمُضطهَدين باعتقاده، وكلا هذين الهدفين يتحقَّق بأجلى مظاهره في دولة المهدي (ع)، على ما سمعناه مجملاً من كَثرة المال لدى كل الأفراد في عصره، وما سنسمعه من سائر التفاصيل في مُستقبل البحث.
إذاً؛ يكون بإمكان الهادفين في العالم أن يُحقِّقوا النتائج الجيِّدة، التي يعتقدونها لأهدافهم بنظام المهدي (ع)، ويتخلَّصوا ـ في نفس الوقت ـ من نقاط الضعف التي كانت فيها.
وبالنتيجة؛ فالعنوان العام لأيدولوجية دولة المهدي (ع) وهو الإسلام، بصفته النظام العادل الكامل، كما جاء به النبي الأعظم (ص)، ولا يمتُّ إلى النُّظم السابقة عليه بصِلَة.
الفصل الخامس: التخطيط الإلهي لما بعد الظهور
كما يوجد لعصر ما قبل الظهور تخطيطه العام ـ وهو الذي شرحناه مُفصَّلاً في التاريخ السابق ـ يوجد لعصر ما بعد الظهور تخطيطه أيضاً.
وهذا القسم هو محلُّ الحديث الآن، فأنَّ التخطيط الإلهي العام لتكامل البشرية، لا يكون مُنقطعاً بحصول نتيجة التخطيط السابق، بل يكون مواكباً مع البشرية إلى نهايتها، بمقدار استحقاقها في وضعها العادل الجديد... وسيهدف عندئذ نتيجةً أبعد تمتُّ إلى عميق العدل والتربية البشرية بصِلَة.
فهذا التخطيط، وهو الامتداد الطبيعي السابق والموافق ـ أيضاً ـ للموازين الثابتة في الفلسفة الإسلامية القائلة: بأنَّ الله تعالى يُفيض نعمة الكمال على كلِّ موجود بقدر استحقاقه، فإذا كانت درجته من الكمال دانية كان استحقاقه مُنحصِراً في الرتبة الكمالية التي فوقها مباشرة، وإذا كانت درجة الموجود عالية في الكمال، كان استحقاقه لدرجة أعلى من الكمال مُتحقِّقاً، والله تعالى كريم مطلق، فيُفيض عليه الكمال الجديد، فإنَّه سيستحقُّ رُتبة أُخرى، وهكذا يسير في طريق الكمال اللا نهائي.
وإذا طبّقنا ذلك على محلِّ الكلام، نقول: إنَّ البشرية بعد اجتماع شرائط الظهور ـ طِبقاً للتخطيط السابق ـ تكون مُستحقَّةً لدرجة جديدة من الكمال، وهو تطبيق العدل الكامل فيها، بواسطة ظهور المهدي (ع).
وبتطبيق العدل تكون البشرية قد بلغت درجة أعلى من الكمال، تستحقُّ بعدها درجة أعلى، وهو عمق هذا العدل وترسُّخه، إلى أن تصل إلى استحقاق صفة (العصمة) حيث يوجد المجتمع المعصوم، كما سوف نُشير في مستقبل البحث.
وبهذا يتبرهن فلسفيَّاً ما بعد الظهور...
إلاَّ أنَّ إنتاج هذا التخطيط لنتائجه النهائية، منوط ببقاء البشرية مدَّة كافية من الدهر؛ لكي تتربَّى على عُمق العدل ورسوخه، ولكي نصل في نهاية المطاف إلى الكمال الإنساني الأعلى.
وأمَّا إذا انتهت حياة البشرية جميعها، وقامت القيامة خلال زمن قصير ينسدُّ باب الترقِّي والتكامل بطبيعة الحال.
ومن هنا ينفتح احتمالان:
الاحتمال الأول: قصر عمر البشرية بعد الظهور، وتَحقُّق اليوم الموعود.
الاحتمال الثاني: بقاء البشرية لفترة طويلة من الدهر بعد ذلك.
ولكل من الاحتمالين مرجِّحاته ـ على ما سنذكر ـ على حين لم يكن للاحتمال الأول وجود في التخطيط السابق، باعتبار ضرورة إنتاجه لليوم الموعود، وذلك لأكثر من دليل:
الدليل الأول: كونه وعداً إلهيَّاً، والله لا يُخلف الميعاد؛ وذلك في قوله عز وجل: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُم...).(١٣٥)
الدليل الثاني: كونه غرضاً أصلياً في خَلق البشرية، ومن المُستحيل أن يزول الشيء من الكون قبل أن يستوفي غرضه، وقد سبق في التاريخ السابق(١٣٦) أن برهنَّا على كونه غرضاً، وسيأتي في الكتاب الآتي تركيزه بشكل أوسع وأعمق.
وهذا هو الذي أشارت إليه الأخبار من الفريقين.
فمنها: ما أخرجه النعماني في الغيبة،(١٣٧) بسنده إلى أبي هاشم الجعفري، قال: كنَّا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (ع)، فجرى ذِكْرُ السفياني، وما جاء في الرواية من أنَّ أمره المحتوم. فقلت لأبي جعفر (ع): هل يبدو لله في المحتوم؟
قال: (نعم).
قلنا له: فنخاف أن يبدو في القائم.
فقال: (إن القائم من الميعاد، والله لا يُخالف الميعاد).
ومنها: ما أخرجه أبو داود،(١٣٨) عن زر، عن عبد الله، عن النبي (ص) قال: (لو لم يبقَ من الدنيا إلاَّ يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً منِّي ـ ومن أهل بيتي ـ يواطئ اسمه اسمي...) الحديث.
وأخرج أيضاً،(١٣٩) عن علي (ع)، عن النبي (ص): (قال: لو لم يبقَ من الدهر إلاَّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي...) الحديث.
وهذه التأكيدات في الأخبار كثيرة ومُتضافرة، وكلّها دالّة على ضرورة تمخُّض التخطيط الإلهي السابق عن وجود اليوم الموعود، وعدم فناء البشرية قبله.
وأمَّا بالنسبة إلى التخطيط الموجود بعد الظهور، حيث يكون الوعد قد تحقَّق، والغرض الأساسي من خلق البشرية قد أُنجِز، فقد يبدو أنَّه لا حاجة لبقاء البشرية بعد ذلك، ولا دليل عليه.
وستأتي مُناقشة ذلك مُفصَّلة في القسم الثالث من هذا التاريخ، غير أنَّ الصحيح هو طول عمر البشرية؛ لأجل دليلين رئيسين:
الدليل الأول: أنَّنا فهمنا في التاريخ السابق(١٤٠) من قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ...)(١٤١)، فهمنا: أنَّ الغرض الأساسي من خَلق البشرية هو إيجاد العبادة الكاملة في ربوعها، وفهمنا هناك(١٤٢) من العبادة الكاملة وجود المجتمع الصالح، والدولة العالمية الصالحة.
فلو أنَّنا اقتصرنا على هذا المقدار من الفَهْم، لكان الغرض من خَلق البشرية مُتحقِّقاً بمُجرَّد تأسيس المهدي (ع) لدولته العالمية العادلة، ومعه؛ فقد يخطر في الذهن: أنَّ المقصود هو إيجاد هذا النوع العالي من العبادة، ولو في فترة قصيرة من الزمن، فلا بقى أيُّ دليل على استمرار البشرية بعد ذلك ردحاً طويلاً من الزمن، إن لم يكن ذلك مُستحيلاً؛ لأنَّ بقاء الشيء بعد استيفاء لأغراضه مُحال في الحكمة المُطلقة.
لكنَّنا نريد في هذا الدليل أن نخطو خطوةً جديدةً في فهم هذه الآية، وهي: إنَّ المعنى الذي ذكرناه للعبادة، وإن كان مُهمَّاً ورئيسياً جدَّاً... إلاَّ أنَّه ليس نهائياً بحال، بل هناك مراتب أعلى من العبادة، تكون تلك المرتبة الأُولى مقدِّمة لها، وإعداداً لإيجادها، وكلُّها مُمكنة الحصول من البشريَّة، واتِّصفاها بها في المدى الطويل، كما سيتَّضح عند استعراضها.
وبطبيعة الحال، كما تصوَّرنا مرتبة من العبادة مُمكنة للبشرية، كانت مُندرجة في مدلول الآية الكريمة، لعدم وضع الآية أيَّ تحديد على مفهوم العبادة، فيكون إيرادها مُطلقة، دليلاً على إيراد العبادة المطلقة.
إذاً؛ فالغرض الأساسي من خلق البشرية أبعد بكثير من مُجرَّد وجود الدولة العالمية، وإنَّما وجِدت هذه الدولة العظيمة، وخُطِّطَ لها في تاريخ البشرية الطويل، من أجل هدف أعلى وأمامها، ويكفينا الآن أن نُعبِّر عنه بـ(العبادة المطلقة) لخالق الكون، حتى يأتي في مُستقبل البحث ما يُلقي الأضواء الكافية على هذا المفهوم.
إذاً؛ فوجود الدولة العالمية، لا يعني نَجاز الغرض الأقصى من خلق البشرية، وتحقُّقه في عالم الوجود، بل هو لم يوجد بتأسيس هذه الدولة، ولا زال أمام البشرية الكثير لكي تصل إليه.
إذاً؛ فلا معنى لقُصر عُمر البشرية بعد تأسيس هذه الدولة، بل لا بدَّ أن تبقى حتى تستوفي غرضها الأعمق؛ إذ يستحيل تخلُّف الأغراض في الحكمة الإلهية الأزلية.
الدليل الثاني: أنَّه يُستبعد أن يكون زمان النتيجة أقصر بكثير من زمان المُقدِّمات.
فإنَّنا عرفنا كم من الزمان يستغرق إعداد البشرية لليوم الموعود... وهو كل عمرها منذ أول وجودها إلى حين نَجاز ذلك اليوم العظيم، وهو ما لا يقلُّ عن عِدَّة الآف من السنين، إن لم يكن أكثر من ذلك، كما عليه أنصار الفكر الحديث، وقد استوعبت هذه المدَّة ملايين الحوادث من تضحيات البشرية وآلامها ومظالمها، ومن جهود الأنبياء والأولياء والمصلحين والشهداء، ومن ظروف التمحيص الإلهي، وما أدَّته البشرية من خيرات، وما ارتكبته من جرائم، فإنَّ كل ذلك، كان مُقدِّمة لليوم الموعود، وإعداداً لحصول شرائطه المطلوبة التي لا يمكن تحقُّقه بدونه، كما عرفنا من التخطيط الإلهي السابق على الظهور.
وقد عرضنا ذلك في التاريخ السابق مُفصَّلاً.(١٤٣)
فهل من المعقول أن تستمرَّ المقدَّمات آلافاً من السنين، ثمَّ لا تكون النتيجة غير تسع سنوات وأقلَّ، كما تدَّعي الفكرة التقليدية، إنَّ هذا في غاية البُعد بحكم العقل؛ فإنَّه يعني بكل وضوح استخدام الأجيال البشرية المُتطاولة في سبيل إسعاد جيل ونصف جيل!! إنَّ هذا قبيح عقلاً ومُستحيل في الحكمة المطلقة الأزلية.
وتبقى هذه الاستحالة سارية المفعول، ما لم تصل النتائج ـ أعني أجيال ما بعد الظهور ـ إلى حدٍّ من الكثرة، بحيث تكون التضحية بالأجيال السابقة في سبيلها، من قبيل التضحية بالمصلحة الخاصة في سبيل المصلحة العامة، وبالمصلحة القليلة في سبيل المصلحة الكبيرة، فليكن القارئ مُتذكِّراً لذلك، حتى يأتي موضع الحاجة منه وإيضاحه.
وإذا تمَّ البرهان على طول عمر البشرية بعد الظهور، وعدم وصولها إلى هدفها الأسمى بمُجرَّد حصوله.
إذاً؛ فمن اللازم التخطيط لهذا الهدف خلال هذا العمر، إذ لا يوجد شيء مُهمل في هذا الكون، ولا بدَّ من إعداد البشرية بالشكل الذي يُمكنها الوصول إلى ذلك الهدف، كما كانت قد أُعدَّت للتشرُّف بلقاء اليوم الموعود.
ومعه؛ يكون قد تبرهن هذا التخطيط وثبت ثبوتاً كاملاً، ولا بدَّ لنا فيما يلي أن نُعطي المؤدَّى العام لهذا التخطيط، فنتعرَّف على صياغته وخطواته، كما تعرَّفنا على صياغة وخطوات التخطيط السابق عليه.
ما بين التخطيطن:
إذا كان المقصود من التخطيط الإلهي السابق، هو التوصُّل إلى ظهور المهدي (ع) وحسب.
إذاً، يكون هذا التخطيط مُنتهياً في لحظة الظهور.
إلاَّ أنَّ التخطيط الجديد سوف لن يبدأ بلحظة الظهور بطبيعة الحال؛ لأنَّ تخطيط للعالم الذي تمَّ فيه تطبيق العدل للسير باتِّجاه (العبادة المطلقة)، وهذا التطبيق لا يتمُّ في اللحظة الأُولى... بل يحتاج إلى جهود عميقة وواسعة من قِبَل القائد المهدي (ع) وأصحابه المُخلصين، في غزو العالم عسكرياً وثقافياً، والسيطرة عليه تماماً، فإذا تمَّت وأثمرت هذه الجهود، يكون التخطيط قد بدأ.
ومن ثُمَّ نواجه في فَهْم الموقف ثلاث أُطروحات مُحتملة:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ هناك ما بين التخطيطين، فترة من الزمن محدودة، ذات تخطيط خاص بها، يستهدف سيطرة القائد المهدي (ع) على العالم، واستتباب الدولة العالمية
العادلة...
حتى ما إذا أثمرت جهوده، وتمَّ تطبيق العدل الكامل على العالم، كان أول يوم لذلك، وأول يوم لتطبيق العام الجديد.
الأُطروحة الثانية: إنَّ الأُطروحة الأُولى لا تخلو من تسامح في التصوُّر؛ فإنَّ ظهور الإمام المهدي (ع) لم يُخطَّط لإيجاده بمُجرَّده، بل خُطِّط له من أجل تأسيس الدولة العالمية العادلة، وقد كانت شرائط الظهور التي عرفناها، وبرهنَّا عليها في التاريخ السابق.(١٤٤)
شرائط لهذا الهدف... وإنَّما كانت شرائط للظهور نفسه، باعتبار كونه المُقدّمة الرئيسية الأخيرة له أيضاً.
إذاً؛ فإنتاج التخطيط السابق كاملاً لا يكون إلاَّ بتأسيس الدولة العالمية، ومعه تكون جهود الإمام المهدي (ع) وأصحابه للسيطرة على العالم داخلة في التخطيط السابق نفسه، باعتبارها الحلقة الأخيرة لهذه النتيجة الكبيرة
فإذا تمَّ تطبيق العدل وتأسيس الدولة العادلة، يكون التخطيط السابق قد انتهى.
وبلحظة البدء بتطبيق العدل تكون بداية التخطيط الثاني، ولا يكون بين التخطيطين فاصل زماني ملموس.
الأُطروحة الثالثة: إنَّ فترة السيطرة على العالم بالعدل والجهود المبذولة في هذا السبيل، داخلة في التخطيط الجديد، لا في التخطيط السابق.
وذلك بأن نفترض أنَّ الهدف من التخطيط السابق هو الظهور نفسه، بصفته كاشفاً عن القائد العالمي المؤسِّس لدولة العدل الكبرى، بهذا ينتهي هذا التخطيط عند الظهور، ولا معنى لبقائه بعد تحقُّق نتيجته.
ويبدأ التخطيط الجديد من حين الظهور فصاعداً، وتكون فترة السيطرة على العالم بالعدل مُندرجة فيه، باعتبارها مُقدِّمة لهدفه، فإنَّه يستهدف إيجاد (العبادة المطلقة) في ربوع البشرية، وهذا الهدف يحتاج إلى مُقدِّمته الرئيسية، وهي إيجاد الدولة العالمية العادلة، وهذه الدولة تحتاج إلى السيطرة على العالم بطبيعة الحال في أول تأسيسها، ومن هنا تكون الجهود المبذولة في هذه السيطرة واقعة في هدف التخطيط الثاني، فتكون مندرجة فيه. وبالرغم من أنَّ ما عرضناه خلال الأطروحة الثانية كافٍ للقول: بأنَّها هي الصحيحة، وإلاَّ أنَّ نتيجة هذا البحث تبدو وكأنَّها مجرد اصطلاح؛ فإنَّه سواء كانت فترة السيطرة على العالم بالعدل مُندرجة في التخطيط السابق أم في التخطيط اللاحق، فإنَّها واقعة في خطِّ تكامل البشرية العام الذي لا بدَّ منه باستمرار، وإنَّما عقدنا هذا البحث لأجل إيضاح جوانب الفكرة لا أكثر.
الأُسُس العامة لتخطيط ما بعد الظهور
إذا أردنا التعرُّف على أُسس وتفاصيل التخطيط العام لما بعد الظهور، لا بدَّ لنا من التفاتة إلى ما سبق أن قلناه في التمهيد، من أنَّه يتعذَّر على الباحث الذي يعيش الفترة السابقة على الظهور أن يُدرك العُمق الحقيقي للاتِّجاهات القانونية والفكرية العميقة، التي تكون سائدة بعد الظهور، وعند تطبيق العدل الكامل على العالم.
ومن هنا؛ ينبغي أن تبقى التفاصيل والتفريعات مصونة في الغيب إلى حين تحقُّقها، وإنَّما غاية جُهد الباحث أن يُدرك الخطوط العريضة، والقضايا العامَّة المهمَّة التي يمكن الاطِّلاع عليها في حدود الثقافة الإسلامية الموجودة في العصر الحاضر.
وبذلك نعرف إحدى نقاط الاختلاف بين التخطيطين، فإنَّ التخطيط الإلهي السابق مُتَّخذ للسير بالبشرية الماضية والحاضرة إلى نتائجها المطلوبة...
وبتعبير أوضح: أنَّنا ـ بحسب وجودنا في هذا الزمن ـ نعيش التخطيط الساري المفعول فيه.
ومن هنا يكون اطِّلاعنا على تفاصيل هذا التخطيط مُمكناً ومتيسِّراً إلى حدٍّ كبير، عن طريق القواعد العامة المعروفة، وعن طريق ما هو مُشاهد بالوجدان ممَّا قد تحقَّق من حلقاته وتفاصيله، كما سبق أن عرضنا ذلك مُفصَّلاً في التاريخ السابق.
وأمَّا تخطيط ما بعد الظهور، فيحتوي على عدِّة نقاط ضعف في التعرُّف عليه:
أولاً: بُعْدنا الزماني عنه، بحيث لا يمكن مُشاهدته بالوجدان، ولا أن يصل منه شاهد عيان.
ثانياً: إنَّنا نقتصر ـ في الغالب ـ في التعرُّف عليه على القواعد العامة، وهي لا تُعطي إلاَّ العموميات، ولا يمكنها الوصول إلى التفاصيل.
ثالثاً: إنَّنا نجهل القوانين الجديدة والنُّظم التي ستكون مُعلنة في ذلك العصر، الأمر الذي يوفِّر لنا طريقاً سهلاً، في معرفة التخطيط لو كان مُتوفِّراً، إلى غير ذلك، ممَّا يحدونا إلى الكفكفة من غلواء البحث، والاقتصار في النتائج على مقدار الإمكان.
والكلام في ذلك يقع ضمن جهات ثلاث:
الجهة الأُولى: في الخصائص العامة للمجتمع الذي ينطلق منه التخطيط، وهو المجتمع العالمي الذي يتمُّ فيه حُكم الإمام المهدي (ع) وتطبيق العدل الكامل لأوَّل مرَّة.
وإزالة العوائق التي يُمكن أن تُشكِّل خطراً عليه، وليس معناه صياغة كل نفوس الأفراد صياغة إسلامية عادلة كاملة لأول وهْلَة.
إنَّ المهدي (ع) سيقتل عدداً كبيراً من الأفراد ممَّن فشل في التمحيص الموجود في التخطيط الإلهي السابق، وأصبح يُشكِّل خطراً على العدل الكامل في المجتمع الجديد، على ما سيأتي تفصيله... ولكن سيبقى مع ذلك عدَّة فجوات ونقاط ضعف في العالم ـ يكون على التخطيط الجديد بشكل عام، وعلى المهدي (ع) بشكل خاص، ملؤها وتذليل مصاعبها، ممَّا لا يؤثِّر فيه الفتح العسكري عادة ـ:
النقطة الأُولى: وجود أهل الذمَّة، وهم الشعوب التي تؤمِن بالأنبياء السابقين على الإسلام، وسيُسمح لها ـ بمقتضى القواعد الإسلامية المعروفة الآن ـ البقاء على دينها مع دفع الجزية... ويكون لها أن تدخل في دين الإسلام طواعية.
النقطة الثانية: وجود المذاهب المُتعدِّدة من مُعتنقي الإسلام، ممَّن لا يُظهرون مُعارضةً للنظام الجديد.
النقطة الثالثة: نقص الثقافة الإسلامية العامة، بالنسبة إلى العالم الذي يواجه قوانين الإسلام لأول مرَّة، وهي الشعوب التي كانت كافرة قبل الظهور، ورضيت بالإسلام ديناً بعده.
النقطة الرابعة: نقص الثقافة الإسلامية العامة، في الأمَّة الإسلامية نفسها؛ نتيجة لبُعدها عن الإسلام في عصور الفتن والانحراف.
النقطة الخامسة: نقص الثقافة الإسلامية في الأمَّة خاصة وفي البشرية عامة، بالنسبة إلى القوانين الجديدة التي يُصدرها القائد المهدي (ع)، والأفكار العميقة التي يُعلنها، ريثما يتمُّ إعلانها وتوضيحها للناس.
النقطة السادسة: نقص الإخلاص وقوَّة الإرادة لدى الأعمِّ الأغلب من المسلمين، فإنَّ غاية ما تمخَّض عنه التخطيط الإلهي الأول، هو وجود الإخلاص العميق لدى جماعة من المسلمين، ولم يؤثِّر ـ بطبيعة الحال ـ نفس الأثر في مجموعهم، كيف وإنَّ الأرض امتلأت ظلماً وجوراً؟!
فهذه أهمُّ نقاط الضعف من الناحية الدينية، التي يزخر بها المجتمع الذي يواجهه المهدي (ع) لأول وهْلَةٍ، وهي النقاط الأهمُّ تأثيراً في بناء الدولة العالمية، باعتبار ما عرفناه، من أنَّ الإسلام هو الأُطروحة العادلة الكاملة، التي يقوم الإمام المهدي (ع) بتطبيقها، والأُمَّة الإسلامية هي الأمَّة الرائدة في خِضَمِّ تلك الجهود البانية للدولة، فأيُّ صعوبة في هذه الأمَّة تعني الصعوبة في نيل الهدف أيضاً.
وأمَّا الصعوبات (الدنيوية) ـ لو صحَّ هذا التعبير ـ وأعني بها الصعوبات ونقاط الضعف الموجودة في الاتِّجاهات غير الدينية، وما أنتجته الناديَّة والعلمانيَّة من ويلات في العالم، فهي أكثر من أن تُذْكر وتُحْصَر.
وإذ يواجه نظام الإمام المهدي (ع) كل هذه المصاعب، سيكون مسؤولاً عن اتِّخاذ الخطوات الحاسمة اللازمة لحلِّ كل مشكلة وتذليل كل عقبة، وسيكون على مستوى المسؤولية، بعد أن كان مُتدرِّعاً بالسلاح ومُتذرِّعاً بالإخلاص، ومُنطلقاً من الأطروحة العادلة الكاملة، ومُتَّصفاً بصفات شخصية عُلْيَا، حاولنا أن نحمل عنها فكرة في التاريخ السابق(١٤٥) الأمر الذي قلنا: إنَّه يُيسِّر له القيادة والتطبيق العادل في اليوم الموعود.
الجهة الثانية: يستهدف هذا التخطيط الثاني، الكمال الإنساني الأعلى للبشر، في الحدود المُمكنة له على هذه الأرض، فهو يوفِّر الأرضية الكافية لتكامل الإنسان إلى غاية ما يمكن أن يحصل عليه من الكمال... حتى يكون بالتدريج البطيء في إمكان الفرد أن يكون معصوماً، وأن يتكامل في عصمته.(١٤٦)
وليس معنى ذلك أنَّ البشر جميعاً يكونون لأول وهْلَة، على هذا المستوى العالي، بل معناه توفير الطريق لأن ينال كل فرد من هذا الهدف بمقدار قابليَّاته الشخصية، وبمقدار ما يؤدِّي من إطاعة وتضحيات في سبيل الحق والعدل.
وهو من هذه الناحية يُشبه ما رأيناه في التخطيط السابق على الظهور، فإنَّه كان يستهدف ـ فيما يستهدف إليه ـ تعميق الثقافة الإسلامية في الأمَّة،(١٤٧) وتقوية الإرادة الإيمانية تجاه المشاكل، وقد رأينا كيف يأخذ الناس من هذه الأهداف بمقدار قابليَّاتهم ومقدار ما يؤدُّونه من تضحيات، وكيف يُنتج هذا التخطيط تكاملهم التدريجي البطيء.
غير أنَّ هذا التخطيط الجديد يختلف عن سابقه في نتيجته، فإنَّه بينما رأينا في التخطيط السابق أنَّه لم يتَّصف بالنجاح الحقيقي خلاله إلاَّ عدد قليل نسبيَّاً، فإنَّ هذا التخطيط الجديد سيشمل بالنجاح أكثر الأفراد، وسيصل في المدى البعيد كل الأفراد إلى المستوى المطلوب، بالتدريج البطيء.
وسيأتي في مستقبل هذا البحث أنَّ المجتمع البشري، نتيجة للتدابير الآتية التي تضعها الدولة العالمية، سيمرُّ بمرحلتين من العصمة:
المرحلة الأُولى: أن يكون الأفراد غير معصومين، ولكنَّ الرأي العام المُتَّفق عليه بينهم معصوماً، وقد أشرنا في التاريخ السابق(١٤٨) إلى ذلك مُختصراً، وسيأتي في مُستقبل البحث ما يزيده إيضاحاً.
المرحلة الثانية: أن يكون كل الأفراد معصومين... بتلك العصمة القائمة على أساس العدل الكامل مفاهيميَّاً وتشريعيَّاً، الذي كان ولا زال ـ في تلك الفترة ـ مُطبقَّاً منذ عهد بعيد، وسيأتي ما يوضِّح ذلك أيضاً.
الجهة الثالثة: في التعرُّف على تفاصيل التخطيط الإلهي العام لما بعد الظهور وأُسسه العامة بمقدار الإمكان، تلك التفاصيل والأُسس التي يُمكنها أن تُحوِّل المجتمع الذي عرفنا نقاط ضعفه في الجهة الأُولى، إلى الصفات الكبرى التي حملنا عنها فكرة كافية في الجهة الثانية.
ونحن إذ نتحدَّث عن هذه الأُسس، إنَّما نتحدَّث عمَّا يمكن أن يكون كذلك في الفترة الأُولى للدولة العالمية، وهي التي تسبق المجتكع المعصوم بكلا قسميه، فإنَّ هذا أقرب إلى إمكان التعرُّف عليه من تلك المجتمعات العُلْيَا المُتأخِّرة، فإنَّنا سبق أن أكَّدنا عجز الباحث عن إدراك العُمق الحقيقي للفكر والتشريع لما بعد الظهور، وهذا ثابت منذ تأسيس الدولة العالمية، فضلاً عن المجتمعات المعصومة.
إذاً؛ فليس لنا أن نعرف عن المجتمعات المعصومة شيئاً مُفصَّلاً.
وما يمكن لنا الآن تصوُّره ولإثباته بالقواعد العامة، من الأُسس لتلك الفترة. ما يلي:
الأساس الأول: تربية العالم ثقافياً من جهة الإسلام الواقعي، والعدل الكامل الذي يقوم عليه نظام المهدي (ع) في دولته العالمية.
ويُعطي من ذلك لكل فرد ولكل شعب ما يحتاجه من أساليب التثقيف ومقداره، بشكل تدريجي وعلى مراحل، وكلَّما طويت مرحلة، استحقَّ الفرد والجماعة مرحلة جديدة من الثقافة.
فالشعوب غير المسلمة، سوف تُدْعى إلى الإسلام، وسوف يعتنقونه باقتناع وسهولة؛ نتيجة للأسباب التي سوف نذكرها بعد ذلك، وكل مَن أسلم من جديد وهو مُسلم سلفاً سوف يُربَّى على الثقافة الإسلامية العامة الضرورية لوجود الطاعة والابتعاد عن المعصية، إن لم يكن قد نال ذلك نتيجة للتخطيط الإلهي السابق.
وكل مَن تربَّى إلى هذه الدرجة، فإنَّه يُعطى الثقافة التي تؤهِّله استيعاب الأفكار والمفاهيم والقوانين الجديدة التي تُعلن في ذلك العهد، طبقاً للمصالح الموجودة يومئذ.
ثمَّ يبدأ التصاعد والتكامل الثقافي من هذه الدرجة أيضاً، ويأخذ كل فرد من البشر من ذلك بقدر قابليَّاته وجهوده أيضاً.
ولئن كانت المراحل الأُولى والأُسس الرئيسية من هذا التثقيف، سيُنجزها الإمام المهدي (ع) بسهولة وسرعة، على ما سوف نسمع في هذا التاريخ، إلاَّ أنَّ المراحل المُتأخِّرة التي تُعتبَر تفريعاً وتطبيقاً للأُسس، سوف تكون تدريجية وبطيئة، طبقاً لتربية كل أُمَّة.
الأساس الثاني: تربية البشرية من حيث الإخلاص وقوَّة الإرادة تجاه المسؤوليات الجديدة في دولة العدل.
ويكون الأُسلوب العام في ذلك مُشابهاً في الفكرة للأُسلوب الذي كان متَّخذاً في التخطيط الأول، وهو مرور الفرد بمصاعب وعقبات تجاه العدل، ليرى موقفه منها وردَّ فعله تجاهها، فإن وقف موقفاً إسلامياً عادلاً كان ناجحاً في هذا التمحيص، وإلاَّ كان فاشلاً.
لكن يختلف سبب التمحيص في التخطيط السابق عنه في هذا التخطيط الجديد، فإنَّنا قلنا في التخطيط الأول: إنَّ ظروف الظلم والانحراف كافية في التمحيص، من حيثُ ردِّ الفعل الإسلامي الصحيح من الفرد تجاهها، وأمَّا التخطيط الثاني، فسوف لن يكون لعصور الظلم وظروف الفساد أيُّ أثر، وإنَّما ينبثق التمحيص في العهد الجديد من المسؤوليَّات التي يفرضها التمسُّك بالعدل الكامل وتطبيقه، والمحافظة على بقائه في علاقة الفرد مع نفسه ومع ربِّه ومع الآخرين ومع النظام القائم... تلك العلاقات التي يتوقَّع من الفرد خلالها ردَّ فعل إسلامي عادل كامل.
وسوف يكون التمحيص شاملاً لكل فرد بمقدار قابليَّاته وثقافته؛ لأنَّه يتناسب دائماً مع ارتفاع الثقافة تناسباً طردياً مُطِّرداً... إذ يقبح على الله عز وجل أن يوفِّر للفرد امتحاناً وتمحيصاً يكون الفرد فيه فاشلاً باليقين، فإنَّ ذلك خلاف العدل الإلهي، وإنَّما يكون التمحيص على مقدار الثقافة والقابلية دائماً، حتى ما إذا وصلت الثقافة قمَّة عالية، كان التمحيص في غاية الدقَّة والصعوبة، وكان النجاح المتوقَّع منها نجاحاً مناسباً لتلك المرتبة، والفشل الصادر فيها مُسجَّلاً بأدقِّ الموازين وبأهون العثرات.
وقد وردت في أخبار ـ المصادر الخاصة ـ نماذج التمحيصات التي يقوم بها المهدي (ع) في الفترة الأُولى من عهده، تجاه الأمَّة عامة، وتجاه أصحابه الخاصَّين ممَّن نجحوا في تمحيص التخطيط الأول خاصة، على ما سوف نعرف تفصيله في ما يأتي.
وقد يخطر في الذهن: إنَّه ما الحاجة إلى التمحيص في التخطيط الإلهي الجديد، وإنَّما كانت الحاجة في التخطيط السابق إلى التمحيص، لإيجاد العدد الكافي من أفراد الجيش الفاتح للعالم بين يدي المهدي (ع)، وقد أنْجَزَ هذا الجيش عمله وانتفت الحاجة إلى مثله، فلماذا يستمرُّ التمحيص ساري المفعول في البشر؟
وجواب ذلك: أنَّ ناموس الله في خلقه هو تربيتهم عن طريق التمحيص، كما دلَّ عليه الكتاب الكريم في عدد من آياته، والسنَّة الشريفة، منها، قوله تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ...).(١٤٩)
فإنَّه قانون عام لاختبار طاعة الأفراد في عصر ما قبل التمحيص... وهو كل عصر يواجه فيه الناس دعوة جديدة وتربية جديدة لم تُختبَر مواقفهم تجاهها، ولم تُعرَف ردود فعلهم حيال المشاكل التي تعترضها، فلا بدَّ أن تمرَّ الأُمَّة المسلمة خلال هذا القانون؛ ليكون له الأثر الفعَّال في تربية الأفراد وتعميق إخلاصهم وتقوية إرادتهم تجاه المشاكل، وبذلك يتميَّز الخبيث من الطيِّب، ويُعرف مَن يكون له موقف إسلامي صحيح تجاه المصاعب والعقبات، ومَن يكون ذا موقف مُنحرِف باطل، وهذا مَيْز واقعي بين الأفراد يمتُّ إلى اختلاف قابليَّاتهم ومُسبقاتهم الفكرية والعقلية والنفسية بصِلَةٍ... قبل أن يكون مُجرَّد انكشاف لدى الآخرين.
وقد سمعنا كيف أنَّ هذا القانون، كان شاملاً لدعوات الأنبياء السابقين على الإسلام، ومشاركاً في تربيتهم مشاركةً فعَّالةً، وقد شرحناه في التاريخ السابق(١٥٠) وقلنا:(١٥١) إنَّ الحاجة ـ مع ذلك ـ تعنُّ إلى سريان قانون التمحيص إلى ما بعد الإسلام؛ لتتربَّى البشرية طبقاً لمفاهيم وتشريع الأطروحة العادلة الكاملة.
وكما واجه المجتمع المؤمن دعوة جديدة في صدر الإسلام، فكان مُقتضى هذا القانون تمحيص الأفراد على أساسه، خلال تربية الأجيال تربية بطيئة وطويلة، وهذا هو التمحيص الساري في تخطيط ما قبل الظهور، كذلك سوف يواجه المجتمع المؤمن والبشرية جمعاء دعوةً إسلاميةً جديدةً، بعد اندراس الإسلام وعوده غريباً، ونسيان وعصيان الكثير من أحكامه، وسيواجه في هذه الدعوة الجديدة نظاماً وقوانين ومفاهيم، لم يكن له بها سابق عهد مضافاً إلى القواعد الإسلامية السابقة.
ومن هنا يكون المجتمع بالنسبة إلى هذه الدعوة الجديدة، مجتمع ما قبل التمحيص، ويحتاج بمقتضى هذا القانون الشامل إلى أن يمرَّ بعصر التمحيص خلال تربية طويلة وبطيئة، لتتميَّز مواقف الناس تجاه النظام الجديد والدعوات الجديدة، ويأخذ كل فرد على قدر قابليَّاته وجهوده من النجاح والتكامل خلال التمحيص، ما يستطيع.
وبينما كان التمحيص السابق يُنتج فشل الأعم الأغلب من البشر ـ كما عرفنا ـ فإنَّ هذا التمحيص وبصفته مُدعَماً بالأُسس، التي سنعرفها، ينتج نجاح الأعم الأغلب من البشر، وسيكون النجاح مُطِّرداً، حتى تصل البشرية في النتيجة إلى المجتمع المعصوم.
الأساس الثالث للتخطيط الجديد: توفير جوٍّ من السعادة والرفاه المادِّي المُتزايد، تحت جوٍّ من الأُخوَّة والتضامن والعدل الكامل، بأساليب مُعيَّنة، ستأتي في القسم الثاني الآتي من الكتاب.
والأساس النظري لإيجاد هذا الرفاه، ليس هو مُجرَّد نيل اللَّذَّة؛ لأنَّها مهما كانت مُهمَّةً، فإنَّها لا تكفي وحدها للسير بالبشرية نحو هدفها المقصود النهائي... وإنَّما يلاحظ الرفاه المادِّي بمقدار ما يستطيع أن يؤثِّر في ذلك الهدف البعيد ويُربِّي البشرية باتِّجاهه.
وذلك من زاوية أنَّ الرفاه المادِّي مُتناسباً مُطَّرداً مع توفير الجوِّ الكافي لذلك، ولا يمكن أن يكون عائقاً عنه، بعد أن يتشرَّب الناس ذلك الأساس النظري، وهو ملاحظة الرفاه بصفته طريقاً نحو الهدف، لا أنَّه بنفسه الهدف، ومن ثمَّ ستكون زيادة الرفاه مؤيِّدة لتركيز التربية وترسيخ العدل، ومن ثمَّ المُشاركة في بناء ذلك الهدف.
وهذا هو المؤدِّى الحقيقي لما سمعناه من الأخبار في فصل سابق، من كثرة المال في عهد الإمام المهدي (ع)، وأنَّه يُقسِّم المال ولا يَعدُّه... تلك الأخبار المرويَّة من قِبل الفريقين، وقد سمعنا ما ورد منها في الصحيحين.
وقد يخطر في الذهن: أنَّ توفير المال والرفاه إنَّما يكون من زيادة العمل، فيكون مُتناسباً عكسيّاً مع الهدف؛ لأنَّ زيادة العمل في سبيل الرفاه سوف يمتصُّ الجُهد الذي يمكن أن يُبذل في الجانب الأخلاقي والعبادي، ولا تكون زيادة الرفاه مؤيِّدة لتركيز التربية، كما قلنا.
والجواب على ذلك واضح جدَّاً لمَن استطاع استيعاب المفهوم الصحيح للعبادة مع المفهوم الصحيح للعمل، فإنَّه سيستغرب كيف تكون العبادة عائقاً عن العمل، مع أنَّه الأسلوب المُهمُّ في حصول الرفاه الاقتصادي المطلوب من أجل العبادة نفسها، وكيف يكون العمل عائقاً عن العبادة، وهي الهدف الرئيسي للحياة؛ وبالنتيجة هُمْ معاً واقعين في طريق الهدف البشري الأعلى.
ومن هنا يمكن أن ننطلق إلى الجواب على مستويين:
المستوى الأول: أنَّنا إذا فَهْمِنا من العبادة معنى لا ينطبق على العمل، وأصبح العمل المتزايد عائقاً عن العبادة، فإنَّ ذلك لا يمكن أن يحدث تحت ظلِّ النظام العالمي العادل؛ إذ يمكن التوفيق بين العبادة والعمل، وتنظمها تنظيماً عادلاً يكفل إيفاء كلٍّ منهما للحاجة التربويَّة، وتحصيله لنتيجته المطلوبة، تحت إشراف القانون والدولة.
المستوى الثاني: أنَّنا نفهم من العبادة معنى ينطبق على العمل، ولا يتنافى معه، فإنَّ العمل نفسه يمكن أن يُصبح عبادة، إذا كان واقعاً في طريق العبادة، ومُطابقاً للنظام العادل الكامل، فإنَّه يُصبح آنئذٍ من أفضل العبادات في علاقة الفرد مع الآخرين، ولا نريد بالعبادة خصوص الطقوس الفردية التي تربط الفرد بربِّه، وقد أعطينا في هذا الكتاب والكتاب السابق فكرة كافية عن ذلك.
... لكن بشرط أن يشعر الفرد العامل بهذا الترابط وهذا الاستهداف، فإنَّ شعوره بذلك يجعله مُتَّصفاً من خلال عمله بالعبادة وهو في معمله، ومَتْجَره ومَنْجَمه.
وهذا الشعور متوفِّر ـ بطبيعة الحال ـ تحت الإشراف التربوي للدولة العادلة.
لكنَّ العمل إذا انطلق من المفهوم، فلن يكون مُستهدَفاً لذاته، ولمُجرَّد الحصول على المال، فإنَّ العمل ما دام في سبيل المصالح العامة وتحقيق العبادة التامَّة... إذاً؛ فيجب أن يتحدَّد بحدودها، يكثر حين يقتضي كثرته، ويقلُّحين تقتضي تلك المصالح قلَّته، ولا معنى لأن يكون العمل مُعيقاً عن تحقيق المصالح والأهداف.
الأساس الرابع للتخطيط الثاني: الإشراف العام لدولة على تفاصيل التطبيق من الناحيتين القانونية والاجتماعية.
حيث تُشرِف الدولة العادلة على نشر الثقافة العامة، وتقوم ببعض التمحيصات على ما سنسمع، ونُراقب الأفراد من حيث رُقيِّهم في الدرجات المطلوبة من الكمال، وتُساعدهم على النجاح والتكامل بالمقدار اللازم، وتُسجِّل في سجِّل ضميرها مَن نجح من الأفراد ومَن فَشِل منهم في التمحيص، ومَن له قابلية الرُّقِّي ممَّن ليس له ذلك.
وسنرى كيف يكون للدولة من أثر مباشر في تربية الأفراد في العالم، والتدخُّل في حياتهم الروحية والعاطفية والعقلية والاجتماعية، وهذا ممَّا يؤكِّد نجاح الدعوة المهدوية والتطبيق الكامل للعدل، كما يؤكِّد اجتياز الأفراد للمراحل الأُولى من الكمال بنجاح وسرعة وسهولة، وهذا الأساس ممَّا يفترق به هذا التخطيط عن سابقه؛ نتيجةً لاختلافهما في الأهداف، فقد كان الهدف من التخطيط السابق تمييز الخبيث من الطيِّب وتكريس جهود الطيِّبين، وتعميق إخلاصهم ليكونوا الطليعة الأُولى لدولة العدل العالمية في اليوم الموعود، ولم يكن هناك أيُّ تأكيد على إنجاح الراسبين وتوفير فرص النجاح، بل إنَّ الفرد إذا رسب في التمحيص وعصى الأحكام الإلهيَّة الإسلامية، فقد جنى بنفسه على نفسه، وسعى بظلفه إلى حتفه، فليس وراءه إلاَّ استحقاق العقاب.
ولذلك لم يكن هناك حاجة للإشراف المركزي على التثقيف والتمحيص، وإن كان هذا راجحاً، إلاَّ أنَّه في إمكان التخطيط العام أن يصل إلى نتيجته وصولاً تلقائيَّاً وفي كل الظروف.
ولكنَّ التخطيط الثاني يختلف عن الأول في هذه النقطة؛ وذلك لأنَّه لا يستهدف مُجرَّد التمحيص، بل الوصول إلى الهدف الأعلى للإنسانية على الصعيد العالمي كلِّه، وهذا يستدعي القيام بأمرين مُقترنين:
الأمر الأول: تعميق التمحيصات تبعاً لتعميق الثقافة الإسلامية المُعْلَنة في العالم يومئذ، وتشديد النكير على الراسبين في هذا التمحيص، إلى حدٍّ قد يؤدِّي بهم إلى القتل؛ لعدم انسجام الفرد الراسب في التمحيص مع مجتمع العدل المطلق.
الأمر الثاني: توفير الفرص الكافية للأفراد، ممَّن لا يتَّصف بالقابلية العُلْيَا والثقافة العميقة، إلى النجاح، تحت إشراف الدولة العادلة؛ ليكون الوصول إلى نتيجة التخطيط أسرع وأسهل وأوسع.
وليس بين هذين الأمرين تنافٍ، بل هما مُتَّفقان في الإيصال المطلوب إلى النتائج المُتوخَّاة، وسوف يكون الأمر الأول أشدَّ وضوحاً وأهمِّيَّة مع وجود الأمر الثاني، فإنَّ مَن يرسب في التمحيص، بالرغم من وجود الفرص الكافية للنجاح، يكون أشدَّ إجراماً وأبعدَ عن الحق والعدل، ممَّن يرسب بدون هذه الفرص، كما هو واضح.
وهذا يُشكِّل إحدى الفروق في النتائج بين هذا التخطيط وسابقه، فبينما نجد أنَّ التخطيط السابق يتمخَّض عن ضعف المسؤولية، كما سبق أن برهنَّا في التاريخ السابق(١٥٢) نرى هذا التخطيط مُساوقاً مع عُمق المسؤوليَّة ودقَّتها.
ويرجع ذلك لعدَّة أسباب، لعلَّ من أوسعها وأوضحها، كون تطبيق العدل في التخطيط السابق مُخالفاً للاتِّجاه العام المملوء بالظلم والجور، حتى يكون القابض على دينه كالقابض على جمرة من النار ـ كما ورد في بعض الأخبار ـ ومن الواضح أنَّ القبض على الجمر يحتاج إلى قوَّة إرادة عُلْيَا، وإنَّ عدم القبض عليه لا يتضمَّن المسؤولية العُلْيَا والإجرام الكبير، بخلاف الحال في التخطيط الجديد، فإنَّ تطبيق العدل موافق للاتجاه العام المملوء قسطاً وعدلاً، ومن هذه الجهة يكون موافقاً للهوى، ويكون الانحراف مُخالفاً للاتجاه العام، فتكون مسؤوليته ذات درجة عُلْيَا من الأهمِّيَّة ومن استحقاق العقاب.
فهذه هي الأُسس الرئيسية التي يمكن التوصُّل إليها الآن، وبها وأشباهها يستطيع القائد المهدي (ع) تربية الأُمَّة الإسلامية بسرعة وبسهولة، وأمَّا بالنسبة إلى سائر أجزاء العالم، فهذه الأُسس سوف تُشارك في تربيته بعد استتباب السيطرة عليه، وأمَّا حصول هذه السيطرة فلا، وكيفيَّتها، فهو ما سنذكره مُفصَّلاً في فصل قادم.

 

الباب الثاني: حوادث ما قبل الظهور

 

ونعني بها الحوادث التي تقع قبل الظهور بزمن قليل، حسب ما نعرف من أدلَّتها، وهو ما سبق أن أجَّلنا الحديث عن الأعمِّ الأغلب من (تاريخ الغيبة الكبرى) إلى هذا التاريخ، باعتبار ما أُلصق به، وإن كانت هذه الحوادث ـ في واقعها ـ تحصل في عصر الغيبة الكبرى، إلاَّ أنَّ قصر الزمان نسبيَّاً، بينها وبين الظهور يجعلها أشدَّ ارتباطاً به ممَّا قبله، كما سيتَّضح فيما يلي من البحث.

 

تمهيد

 

لا بدَّ لنا ـ في هذا الصدد ـ أن نأخذ بنظر الاعتبار، عدَّة أُمور:
الأمر الأول: أنَّنا سرنا في التاريخ السابق(١٥٣) على أُسلوب مُعيَّن في فَهْمِ غالب الحوادث الواردة في الأخبار، وهو أُسلوب الحمل على الرمزية؛ لوجود الاطمئنان ـ في كثير من الأحيان ـ بأنَّ المداليل اللفظية للأخبار الناقلة لهذه الحوادث غير مقصودة، وإنَّما المقصود من ورائها الإشارة إلى حوادث اجتماعية، ممَّا قد يتمخَّض عنها التخطيط السابق على الظهور، وإنَّما صيغت بأُسلوب الرمز لمصالح مُعيَّنة... لعلَّ من أهمِّها:
أولاً: عدم الموافقة بهذه الحوادث مع المُستوى الفكري للعصر الذي صدرت فيه هذه الأخبار.
ثانياً: إنَّه لو صُرِّح بهذه الحوادث وشُرِحت بوضوح، لأمكن استغلالها واتِّخاذ مواقف سيِّئة منها، بنحو يُخلُّ بالتخطيط الإلهي العام.
ثالثاً: إنَّ مؤدَّى جملة كبيرة من الأخبار الناقلة للحوادث، ظاهر بأنَّها تحصل عن طريق إعجازي غير طبيعي، بشكل يكون مُنافياً مع قانون المعجزات الذي برهنَّا على صحَّته، فيدور الأمر بين طرح الحديث أساساً وبين حملة الرمز، وقلنا هناك(١٥٤): بأنَّ الحمل على الرمز أولى من الطرح، وخاصَّة فيما إذا كانت الحادثة منقولة بأخبار كثيرة، صالحة للإثبات التاريخي، ولا يمكن طرحها.
وهنا نواجه هذه النقاط مرَّة أخرى ـ وبشكل وآخر ـ في الأخبار الناقلة لحوادث ما بعد الظهور، مع وجود اختلافين: أحدهما نقطة قوَّة، والأُخرى نقطة ضعف.
الاختلاف الأول: الذي يُمثِّل نقطة القوَّة، وهو أنَّنا هنا لن نواجه العقبة التي قلناها في تمهيد هذا التاريخ، وهي أنَّنا لا نستطيع التعرُّف على العُمق الحقيقي للحادثة ولمجموع الحوادث؛ وذلك لأنَّ ذلك إنَّما يصدق على حوادث ما بعد الظهور، وأمَّا ما يكون موجوداً قبل الظهور ـ كما هو شأن العلامات التي نتحدَّث عنها في هذا الفصل ـ فاستيعاب فَهْمِه مُتيسِّر إلى حدٍّ كبير.
الاختلاف الثاني: الذي يُمثِّل نقطة الضعف، ينطلق من صعوبة اختيار المعنى المرموز إليه، في الموارد التي نحتاج فيها إلى ذلك، فإنَّه بعد أن يتبرهن الحمل على الرمزية، قد لا يتعيَّن المعنى المُشار إليه بالرمز، ولعلَّه من الممكن انطباقه على أكثر من مفهوم وعدَّة وقائع.
ومع وجود هذه المصاعب، قد لا يتعذَّر الاطِّلاع على المعنى المرموز إليه، إذ وجِدت من القرائن والمُثبتات حوله ما يكفي، ولكن مع تعذُّر ذلك لا بدّ أن نبني البحث على أُسلوب الأُطروحات، بمعنى عرض أقرب المعاني المُحتملة إلى الواقع وإلى القواعد العامة، وقد لا يكون المعنى المُحتمل بلحاظ ذلك أكثر من معنى واحد، فيتعيَّن، وإن كان لا يعدو كونه (أُطروحة) باعتباره معنى مُحتمَلاً.
وتوجد هناك صعوبة أُخرى، قد نواجهها في فَهْم بعض الأخبار، وهي أنَّنا نجهل ما هو الرمزي ـ من ألفاظ الروايات ـ ممَّا هو صريح، فهل كل ألفاظها رمزيَّة؟ ويوجد بعضها ما يمكن حمله على معناه الصريح؟ وهل يمكن التبعيض في ألفاظ الحديث الواحد؟ وهل نحن مُحتاجون إلى هذه الرواية، للحمل على الرمز ولا؟
أمَّا من حيث أُسس ذلك، وهي إمكان التبعيض في ألفاظ الحديث الواحد، فالصحيح المطابق للفهم العام في الكلام، أنَّ ذلك ممكن إذا لم يكن مجموع الفَهم من ألفاظ الحديث مُتنافراً، بمعنى ضرورة الانسجام بين المعاني التي فهمناها، سواء الصريح منها والرمزي.
وأمّا الحاجة إلى الرمزية وعدمه، فهو ما سبق أن بحثناه في التاريخ السابق،(١٥٥) وخلاصته عدم إمكان الحمل على الرمز، مع إمكان فَهْم المعنى اللفظي المطابقي نفسه، ومع إمكان الحمل على المجاز والكناية؛ إذ مع إمكانه لا حاجة إلى الرمز.
انطلاقا من هذه الأُسس سنقوم بتذليل هذه الصعوبة، أعني تعيين الرمز من الصريح من الألفاظ، عن طريق (القواعد العامة) ودلالة الأخبار الأُخرى أولاً، فإن تعذّر ذلك، كان أُسلوب (الأطروحات) كفيلاً بتذليل هذه المشكلة؛ لأنَّنا حين نعرض الأُطروحة المُعيَّنة القريبة إلى الذهن، سنعرف بطبيعة الحال ما يدلُّ عليها من الأخبار بنحو الرمز، وما يدلُّ عليها بنحو الصراحة.
الأمر الثاني ـ من التمهيد ـ: في تمحيص ما ورد من الحوادث.
يمكن تقسيم هذه الحوادث ـ من حيث إعرابها عن المعجزات ـ إلى قسمين:
القسم الأول: ما كان بدلالته اللفظية، وبعد حمله على الرمزية، دالاَّ ًعلى حوادث غير إعجازية، اجتماعية وطبيعية.
القسم الثاني: ما كان دالاَّ ًعلى حوادث إعجازية، بشكل واضح، لا يمكن صرفه عنها.
ويختصُّ القسم الثاني بتحفُّظين لا حاجة إليهما في القسم الأول:
التحفُّظ الأول: إنَّ هذا القسم مربوط بقانون المعجزات، فما كان منه مُنسجماً معه أمكن الأخذ به لو تمَّ فيه التحفُّظ الثاني الآتي... وما لم يكن مُنسجماً معه، فلا بدَّ من رفضه على كلِّ حال.
التحفُّظ الثاني: إنَّ القسم الأول يمكن قبول حدوثه مع الانسجام مع المنهج العام الذي قلناه في هذا التمهيد العام لهذا التاريخ... في حين أنَّ القسم الثاني يحتاج إلى درجة أعلى من التشدُّد في القبول، كما عملنا عليه في التاريخ السابق،(١٥٦) ففي الوقت الذي قبلنا فيه الخبر الموثوق الواحد المُجرَّد عن القرائن المُثبتة في التمهيد... لم نكن قد قبلناه في التاريخ السابق، ولا نستطيع قبوله في أخبار القسم الثاني المُتكفِّل لنقل أخبار المعجزات، باعتبارٍ ما، فينقلها من مظنَّة الخطأ والدسِّ، كما سبق أن عرضناه في التاريخ السابق،(١٥٧) فنقتصر فيه على قبول الخبر المُستفيض والمحفوف بالقرائن الموافقة.
الأمر الثالث: سبق منَّا في التاريخ السابق(١٥٨) أن ذكرنا حوادث ما قبل الظهور مُفصَّلة، وعرفنا ما حدث منها وما لم يحدث، وما هو محمول على الرمزية وما ليس كذلك، وعرفنا هناك خصائص كثيرة لا حاجة إلى تكرارها في هذا التاريخ.
إلاَّ أنَّ هذا التركيز فيما سبق، كان على حوادث ما قبل الظهور، ككل سواء منها البعيد عنه والقريب... بل كان التركيز على البعيد عنه أشدَّ، الحديث عنه أوسع... باعتباره بعضاً من حلقات تاريخ الغيبة الكبرى.
ومع تجنُّب التكرار في هذا التاريخ، والاستغناء عن ذكر الحوادث البعيدة والمُحتملة البُعْد عن يوم الظهور، يبقى على هذا الفصل أربعة مهامٍّ:
المُهمَّة الأُولى: التعرُّض إلى بعض العلامات التي لم تكن قد ذُكِرت في التاريخ السابق، مع مُحاولة تمحيصها، وإعطائها الفَهْم اللازم.
المُهمَّة الثانية: مُحاولة إثبات بعض العلامات التي سبق ذكرها، طبقاً لتغيير المنهج في الإثبات التاريخي، كما سبق أن أوضحنا في التمهيد.
المُهمَّة الثالثة: مُحاولة إعطاء فَهم جديد لبعض العلامات القريبة، التي لم تكن قد أخذت حظَّها الكافي من البحث في التاريخ السابق... وعرض جوانب جديدة منها، لم تكن قد عُرِضت هناك.
المُهمَّة الرابعة: مُحاولة ضبط التسلسل التاريخي للحوادث مهما أمكن، وهذا ما لم نتوفَّر عليه في التاريخ السابق، في حين يكون استنتاجه مُهمَّاً في هذا التاريخ.
وإذا تمَّت هذه المهامُّ، فسيكون هناك فرق أساسي كبير بين بحث التاريخ السابق، وبين هذا الباب، كما سوف يظهر عند الدخول في التفاصيل.
وعلى أيِّ حال، فتنقسم هذه الحوادث، أعني القريبة إلى الظهور، إلى قسمين رئيسين:
الأول: الظواهر الطبيعية والسماوية التي لا تمتُّ إلى اختيار الناس بصِلَةٍ.
الثاني: الظواهر الاجتماعية التي تعود إلى تصرُّفات الناس، وما يعود إلى الحوادث التي تحصل للأمًّة الإسلامية بين آونة وأُخرى.
وينبغي أن يقع الحديث عن القسم الأول سابقاً على الحديث عن القسم الثاني؛ لأجل أن تتَّصل حوادث القسم الثاني بما بعدها من التاريخ؛ حفظاً للتسلسل الزماني لها، وسنتحدَّث عن كل قسم في فصل مُستقلٍّ.
الفصل الأوَّل: الظواهر الطبيعية والسماوية
ونريد بها الحوادث المنقول حدوثها في الطبيعة، وإن كانت صفتها إعجازية.
والمنقول منها أُمور عديدة، ونحن نقتصر ـ اختصاراً للكلام وتمحيصاً للروايات ـ على ما كان مُتَّصفاً بشرائطَ ثلاثة:
الشرط الأول: عقدنا من أجله هذا الباب، وهو خصوص الحوادث القريبة من الظهور، بحسب أدلَّتها دون البعيد منها.
الشرط الثاني: أن تكون الحادثة ممَّا يمكن إثباته، بحسب المنهج الذي اتَّخذناه مع مُحاولة تجنُّب ما لا يمكن إثباته.
الشرط الثالث: أن يكون ممَّا ورد ارتباطه في الأخبار نفسها بظهور المهدي (ع)، وبهذا نختصر هذه الحوادث بالمصادر الخاصة الإمامية، وليس في المصادر العامة منها إلاَّ النادر.
وما يبقى مُندرجاً تحت هذه الشروط، من الحوادث، عدَّة أمور، نذكر كلاَّ ًمنها في جهة:
الجهة الأُولى: الخسوف والكسوف:
ويُراد به حدوثهما بشكل يختلف عن الشكل الاعتيادي له، فبدلاً عن أن يحدث الكسوف في أول الشهر والخسوف في وسطه، كما هو المُعتاد، فإنَّ حدوثهما سوف يكون بالعكس، فيحدث الكسوف في وسط الشهر والخسوف في أوله... بشكل لم يسبقْ له نظير منذ أول البشرية إلى حين حدوثه، وهذا ما تُعرِب عنه عدد من الروايات، ذكرنا ثلاث منها في التاريخ السابق،(١٥٩) عن الشيخ الطوسي، والشيخ المفيد، والشيخ النعماني.
وأخرج الشيخ الطوسي في (الغيبة)(١٦٠) أيضاً، بسنده عن بدر الأزدي، قال:
قال أبو جعفر الباقر (ع): (آيتان تكونان قبل القائم لم تكونا منذ هبط آدم (ع) إلى الأرض: تنكسف الشمس في النصف من شهر رمضان، والقمر في آخره).
فقال رجل: يا بن رسول الله، تنكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف؟
فقال أبو جعفر: (إنِّي لأعلم بما تقول! ولكنَّهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم (ع)).
وأخرج السيوطي في العُرف الوردي،(١٦١) عن الدار قطني في سُننه، عن محمد بن علي الإمام الباقر (ع)، قال: (إنَّ لمهدينا آيتين لم تكونا منذ خلق الله السموات والأرض: ينخسف القمر لأول ليلة من رمضان، وتنكسف الشمس في النصف منه، ولم يكونا منذ خلق الله السموات والأرض).
وفيما روينا هناك ما يدلُّ على أنَّ انخساف القمر يكون في الخامس والعشرين من رمضان، وأمَّا انكساف الشمس، فهو في ثلاث عشرة وأربع وخمس عشرة منه.
ويدل سياق هذه الرواية ـ وأكثر من رواية أخرى ـ على قُرب هذه العلامة من قيام القائم، أعني ظهور المهدي (ع).
وهذا العدد من الروايات يكفي للإثبات التاريخي حتى مع (التشدُّد السَّندي) الذي سِرْنا عليه في التاريخ السابق، وطبَّقناه هنا على الروايات الناقلة للمعجزات.
وقد أشرنا هناك إلى المُبرِّر الذي دعا إلى إيجاد هاتين الواقعتين في التخطيط الإلهي لما قبل الظهور، وهو ـ باختصار ـ ترسيخ فكرة المهدي (ع) عند حدوث هذه العلامة، أولا، والإيعاز إلى المُخلصين من الخاصة إلى قُرب الظهور ثانياً.
يبقى علينا الآن أن نتكلَّم عن المُبرِّر الكوني لوجودها، وهل هو بطريق إعجازي وطبيعي... وإذا كان طبيعياً، فكيف يحصل... وهذا ما لم نُفِضْ فيه الحديث في التاريخ السابق.
إنَّ لحدوث هذه الوقائع عدَّة أُطروحات، لا بدَّ من استعراضها ونقدها:
الأُطروحة الأُولى: حصول الكسوف والخسوف بسببه (العلمي) الاعتيادي، لكن مع اختلاف بسيط، هو الاختلاف في الزمان، فإن ثبت في العلم الحديث أنَّ الكسوف يحصل بتوسُّط الأرض بين الشمس والقمر، أمكن حصول ذلك في زمان آخر جديد.
وهذه الأُطروحة هي الأوفق بالظاهر الأوَّلي من الروايات، لو فُرِض الالتزام بكون هذه الحوادث طبيعية غير إعجازية.
إلاَّ أنَّها واضحة المُناقشة طبقاً للنظرية العلمية الحديثة، ومن ثمَّ لا بدَّ من التنازل عن هذا الظهور الأوَّلي في الروايات.
فإنَّ القمر ـ وهو يستمدُّ نوره من الشمس، والنور يسير بخطوط مُستقيمة لا يمكن أن تنعطف انعطافاً كبيراً ـ... أنَّ القمر لا يمكن أن يكسف الشمس حال كونه بدراً في وسط الشهر؛ لأنَّ انكساف الشمس به، يلازم بالضرورة كون الوجه المُظلم من القمر مُتوجِّهاً إلى الأرض، وهذا يُنافي بالضرورة كونه بدراً.
كما أنَّ خسوف القمر لا يكون إلاَّ بوقوع ظلِّ الأرض على القمر، بعد توسُّطها بينه وبين الشمس، وهذا معناه: أنَّ الأرض أقرب إلى الشمس من القمر، وهذا لا يحدث إلاَّ في وسط الشهر حين يكون القمر بدراً.
ولا يمكن دفع هذه المُناقشة، إلاَّ بالطعن بالنظرية العلمية، انطلاقاً من زاوية أنَّ النظريات العلمية مهما تأكَّدت، فإنَّها قائمة على الحساب الظنِّي، وإن كان راجحاً، ولا تُنتج يقيناً تامَّاً بأيِّ حال، وهذا موكول إلى وجدان القارئ.
الأطروحة الثانية: أن تكون رؤية الكسوف والخسوف في غير الأرض، بل في مناطق وكواكب أُخرى من المجموعة الشمسية.
أمَّا بالنسبة إلى كسوف الشمس، فقد حدث فعلاً عام (١٣٩١ هـ – ١٩٧١م)، حين كان بعض روَّاد الفضاء على القمر، فشاهدوا الشمس مكسوفة كلِّيَّاً بتوسُّط الأرض بينهم وبينها، وهذا التوسُّط لا يحدث عادة إلاَّ في وسط الشهر.
وأمَّا الخسوف فلم يحدث إلى حدِّ الآن، لكن في الإمكان تصوُّر حدوثه، فيما إذا انتقل بعض أفراد الإنسان إلى كوكب آخر من المجموعة الشمسية، كالمرِّيخ والزهرة، فإنَّه قد تُصبح الأرض ما بين القمر وذلك الكوكب، فيحدث الخسوف في نظرهم. ومن الواضح أنَّ هذا غير مشروط بحدوثه في وسط الشهر القمري، بل قد يحدث في أوَّله وآخره أيضاً.
ويمكن المُناقشة في هذه الأُطروحة من أكثر من جهة:
أوَّلاً: أنَّ الظهور الأوَّلي للروايات يقتضي حدوث الكسوف بالنسبة إلى ساكني الأرض، لا بالنسبة إلى مَن في القمر والمرِّيخ.
غير أنَّه يمكن الاستغناء عن هذا الظهور، من زاوية أنَّ ظهورها في أنَّ الإنسان هو الذي يرى هاتين الواقعتين، وهو أمر لا يختلف فيه الحال بين الأرض والمرِّيخ، ما دام الإنسان هو المُشاهد.
ثانياً: إنَّ الظهور الأوَّلي للروايات يقتضي حدوث هاتين العلامتين في شهر واحد، هو شهر رمضان، وهذا ممَّا لم يتحقَّق في الخارج.
ثالثاً: إنَّ الظهور الواضح لهذه الروايات – كما قلنا – يقتضي قُرب هذه الوقائع إلى اليوم الموعود، فإذا كان قد حدث أحد الأمرين، إذن؛ فهو لم يحدث قريباً من اليوم الموعود.
الأُطروحة الثالثة: أن يحدث الكسوف والخسوف بتوسُّط جُرم آخر طارئ في الفضاء صدفة، من الأجرام التي تُعتبر علميَّاً تائهة في الفضاء، وذات مدار ضخم جدَّاً وغير مُحدَّد، فيحجب القمر عن الشمس، فيحدث الخسوف، ويحجب الشمس عن الأرض في وسط الشهر، فيحدث الكسوف، ومن الواضح أنَّ مرور الجرم الطارئ غير مُحدَّد بزمان مُعيَّن في الشهر.
وقد يؤيَّد ذلك بقوله في أكثر من رواية: (إنَّهما آيتان لم تحدثا منذ هبط آدم (ع)).
فلعلَّ جُرماً ما قد أوجد هذه الظاهرة قبل وجود البشرية، ثمَّ يكون وقت مروره بالمجموعة الشمسية منوطاً بتاريخ مُعيَّن يُصادف قبل ظهور المهدي بقليل.
وهذه الأُطروحة لا ترد عليها المُناقشة الأُولى للأطروحة السابقة، لفرض أنَّها تُرى من الأرض.
وأمَّا المناقشة الثانية، فمن حيث حصول الواقعتين في شهر واحد، أمر لا غبار عليه، إذا التفتنا إلى أنَّ جُرماً واحداً هو الذي يعمل كلا العملين، فإنَّ المُذنَّب وأمثاله إذا ظهر قريباً من الأرض لا يختفي عادة لليلة واحدة، بل يبقى مدَّة من الزمن، حتى ينتهي عبوره فضاء المجموعة الشمسية، فيمكن أن يحدث خلال وجوده كلا هذين الأمرين.
وأمَّا حدوث ذلك في شهر رمضان دون غيره، فهذا على تقدير ثبوته، لا بدَّ من إيكال علمه إلى أهله، وسيأتي ما يوضِّحه فيما يلي:
الأطروحة الرابعة: أن يحدث الكسوف والخسوف بتوسُّط جرم آخر طارئ، ولكنَّه من الأجرام المنطلقة من الأرض لبعض الإغراض العلمية والحربية؛ إذ لعلَّ البشرية تتطوَّر حتى تصل إلى المستوى الذي يؤهِّلها لإطلاق الأجرام الضخمة المُنتجة لمثل هذه النتائج الكبيرة.
وقد يرد في الذهن: أنَّه كان ذلك بفعل البشر، فكيف يكون ذلك علامة على اليوم الموعود.
وجوابه من عِدِّة وجوه:
أولاً: لعلَّ البشر يُطلقون الجرم لا لأجل إحداث الكسوف والخسوف، بل لغرض آخر، فيترتَّب عليه من حيث لا يعلمون، فإذا كان من الضروري أن تكون العلامة قهريَّة الوقوع، فهذه بمنزلة العلامة القهريَّة.
ثانياً: أنَّ البشر حتى لو كانوا مُلتفتين إلى إمكان حدوث الخسوف والكسوف من إطلاق الجرم، إلاَّ أنَّ الذين يُطلقونها لا يحملون عن المهدي (ع) وعلامات ظهوره أيَّة فكرة، فتكون هذه العملية بالنسبة إلى فكرة علاميَّتها كالقهريَّة.
ثالثاً: أنَّ البشر الذين يُطلقون الجرم حتى لو التفتوا إلى فكرة العلاميَّة، إلاَّ أنَّهم لا يمكن أن يُطلقوه إلاَّ بعد بلوغهم مستوى (مدنياً) مُعيَّناً، فمن الممكن أن تكون العلامة في الواقع هو هذا المستوى المدني العلمي، وإنَّما ذكرت الروايات وجود الكسوف والخسوف للإشارة إليه، بشكل لا يُنافي المستوى الفكري العام لعصر صدور الأخبار.
وأمَّا ورود المُناقشات التي أوردناها عن الأُطروحة الثانية، فهو غير مُهمٍّ، كما هو واضح لمَن يُفكِّر، سوى حصول ذلك في شهر رمضان، وهو ما سيأتي إيضاحه.
وقد يخطر في الذهن: أنَّ الروايات دالَّة على حدوث هاتين الواقعتين قبل وجود البشرية، فكيف ينسجم ذلك مع هذه الأطروحة.
وجوابه واضح من زاوية أنَّ الروايات لم تدلَّ على أكثر من عدم حصوله خلال عمر البشرية (منذ هبط آدم (ع))، وأمَّا حصوله قبل ذلك، فليس لها ظهور تامٌّ في ذلك، وإن كانت مُشعرة به قليلاً، ويمكن الاستغناء عن هذا الإشعار مع تأكُّد هذه الأطروحة.
فهذه جملة من الأطروحات الطبيعية، أعني حدوث هاتين العلامتين بشكل غير خارق لنظام الطبيعة، وهناك بعض الأُطروحات الأُخرى، منها ما هو مبتنٍ على النظرية النسبية، لا حاجة إلى التطويل بذكرها.
ويرد على هذه الأطروحة إشكال مُشترك: هو ما أشرنا إليه من التوقيت، سواء منه التوقيت بشهر رمضان وبقُرب الظهور، فإنَّهما معاً قد يُستشكَل بعدم انسجامهما مع الحدوث الطبيعي لهاتين الواقعتين، بأيِّ أُطروحة كان.
ويمكن الجواب على هذا الإيراد من أكثر من وجه واحد، نذكر منها ما يلي:
الوجه الأول: الطعن بصحَّة هذا التوقيت، والالتزام بأنَّ أقصى ما يثبت هو وجود هاتين الواقعتين في غير أوانهما الطبيعي من الشهر، فإنَّ هذا المعنى تسالمت عليه الروايات، وأمَّا غير ذلك من الصفات فهو ممَّا استقلَّت به البعض دون البعض، فلا يكون له الإثبات التاريخي الكافي، فلا يكون هذا الإشكال المشترك وارداً.
إلاَّ أن هذا الوجه لا يتمُّ في بعض الصفات الأساسية، كحدوث الواقعتين قُرب الظهور... وإن صحَّ الاستغناء عن بعض الصفات الأُخرى.
الوجه الثاني: أنَّنا إذا سلَّمنا بثبوت التوقيت، لا يبقَ من إشكال إلاَّ في أصل جعلها علامة على الظهور، مع أنَّها حوادث مُستقبَلة، وهي ممَّا لا يمكن الاطِّلاع عليها من قِبل أحد، وهذا ما سبق أن ناقشناه في الكتاب السابق،(١٦٢) ومع ارتفاعه وتسليم إمكان التنبُّؤ بالمُستقبل من قِبل قادة الإسلام المعصومين (ع)، وتسليم ثبوت هذه الصفات ـ كما قلنا ـ... لا يبقى لهذا الإشكال مجال.
الأُطروحة الخامسة: أن يحدث هذا الخسوف والكسوف على نحو الإعجاز، بخرق نواميس الطبيعة.
وقد تؤيَّد هذه الأطروحة ببعض القرائن المؤيِّدة:
القرينة الأُولى: قوله في أكثر من رواية: (أنَّهما آيتان لم تحدثا منذ أن هبط آدم (ع) إلى الأرض...)، إذ لو كانت هذه الحوادث طبيعية لحدثت خلال وجود البشرية أكثر من مرَّة.
إلاًَّ أنَّ هذه القرينة لا تتمُّ مع ثبوت إحدى الأُطروحتين الأخيرتين، بل مع مُجرَّد احتمالهما، فإنَّهما يُعطيان التبرير (الطبيعي) لعدم حدوث هذه الوقائع خلال عُمر البشرية، فلا ينحصر أن يكون هذا إعجازياً.
القرينة الثانية: إنَّ إعجازية هذه الوقائع هي المناسبة مع جعلها علامة للظهور، ومُنبِّهة للمُخلصين المُمحَّصين، وأمَّا مع وجودها وجوداً طبيعياً، فتضعف فكرة جعلها علامة إلى حدٍّ كبير.
وهذه القرينة أيضاً قاصرة؛ لأنَّها تتضمَّن غفلة عن معنى جعل العلامة، الذي سبق أن ذكرناه في التاريخ السابق،(١٦٣) وعرفنا هناك أنَّ السرَّ الأساسي فيه ليس منطلقاً من الإعجاز، بل من الإخبار نفسه، حيث يختار قادة الإسلام (ع) شيئاً مُهمَّاً مُلفِتاً للنظر، فيُخبرون به مرتبطاً بالظهور، حتى ما إذا وقعت الحادثة ثبت عند الجيل المعاصر لها صدق الإخبار عنها بالوجدان، فيثبت بالوجدان أيضاً صدق ما ارتبط بها في الرواية، وهو أصل الظهور إن كانت علامة مُطلقة، وقربه إن كانت علامة قريبة.
وأضفنا هناك: ومن هنا لا معنى لكون بعض هذه الحوادث علامة، إلاَّ إذا ورد في الروايات ذكره، وجعل منها علامة على الظهور.
أقول: فالأساس في ذلك هو الإخبار لا الإعجاز، وما دام الإخبار موجوداً وكافياً للإثبات التاريخي، لا يكون حدوثها (الطبيعي)، مُخلاَّ ًبفكرة جعلها علامة.
هذا، وينبغي الإلماع إلى أنَّ في هذه الأُطروحة الإعجازيّة، نقطة ضعف ونقطة قوَّة، بالنسبة إلى (قانون المعجزات)، فهي موافقة له من زاوية كون هذه الوقائع واقعة في طريق الهداية، كما أسلفنا في التاريخ السابق،(١٦٤) وهذه نقطة قوَّته، ولكنَّها مُخالفة له باعتبار عدم انحصار طريق الهداية بها، ولا أقلّ من الشكِّ في ذلك، ومعه لا تكون موافقة مع هذا القانون من جميع جهاته، فلا تكون صحيحة، فإذا انحصر الأمر بالأطروحة الإعجازيّة، كان اللازم رفض الأخبار الدالَّة عليها؛ لأنَّنا عرفنا عدم الانحصار بها، ومعه يتبيَّن رفض هذه الأُطروحة والحفاظ على الأخبار مع حملها على إحدى الأطروحات الطبيعية.
الجهة الثانية: الفَزْعة والصيحة
وهما أيضاً من الحوادث المنقولة في الأخبار، وإنَّما دمجناهما في عنوان واحد، لاحتمال أن يكون المراد بهما شيء واحد، على ما سوف نُشير.
أخرج الصدوق،(١٦٥) بإسناده إلى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) في حديث، قال فيه: (ومن علامات خروجه (ع)... وصيحة من السماء في شهر رمضان).
وأخرج أيضاً، عن الحرث بن المغيرة، عن أبي عبد الله (ع): (الصيحة التي في شهر رمضان تكون ليلة الجمعة، لثلاث وعشرين مَضَين من شهر رمضان).
وأخرج عن عمر بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (قبل القائم خمس علامات محتومات...)، وعدَّ منها: الصيحة.
ونحوه أخرج النعماني في (الغيبة)(١٦٦)، إلاَّ أنَّه قال: (... والصيحة في السماء).
وأخرج النعماني أيضاً،(١٦٧) عن داود الدجاجي، عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) قال: (سُئل أمير المؤمنين (ع) عن قوله تعالى: (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ...). فقال: انتظروا الفرج من ثلاث! فقيل: يا أمير المؤمنين، وما هُنَّ؟ فقال:... والفزعة في شهر رمضان. فقيل: وما الفزعة في شهر رمضان؟ فقال: أوَ ما سمعتم قول الله عز وجل في القرآن: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)، هي آية تُخرِج الفتاة من خِدرها، وتوقِظ النائم، ويُفزِع اليقظان).
وأخرج أيضاً،(١٦٨) عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال: (وفزعة في شهر رمضان توقِظ النائم، وتُفزِع اليقظان، وتُخرِج الفتاة من خِدرها).
وفي حديث آخر، عن أبي بصير، عن أبي جعفر محمد بن علي (ع)، في حديث أنَّه قال: (الصيحة لا تكون إلاَّ في شهر رمضان شهر الله، وهي صيحة جبرئيل إلى هذا الخلق ـ ثمَّ يقول بعد حديث طويل – إذا اختلف بنو فلان فيما بينهم. فعند ذلك فانتظروا الفرج، وليس فرجكم إلاَّ في اختلاف بني فلان، فإذا اختلفوا فتوقَّعوا الصيحة في شهر رمضان وخروج القائم، إنَّ الله يفعل ما يشاء...) الخبر.
ولعلَّ من أهمِّ ما دلَّ على وقوع الصيحة من الأخبار، ما ورد في الخطاب الذي أخرجه السفير الرابع عن الإمام المهدي (ع)، والذي أعلن فيه المهدي (ع) انتهاء السفارة بموت هذا السفير، يقول فيه: (إلاَّ فمَن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كذَّاب مُفترٍ).(١٦٩)
وأخرج القندوزي في ينابيع المودَّة بعض هذه الأخبار.
ونستطيع أن نُعطي لفهم هذه الصيحة، عدَّة أُطروحات، لنرى ما يصحُّ منها وما لا يصحُّ:
الأُطروحة الأُولى: إنَّ الصيحة والفزعة بمعنى واحد، ويُراد بها صوت عظيم يكون في السماء، يوقِظ النائم ويُفزِع اليقظان، ويُخرِج الفتاة من خِدرها خوفاً وفزعاً؛ ومن هنا سُمِّيت بالفزعة، ويكون الصوت حادثاً بالمعجزة، ولا يكون له مدلول كمداليل الكلام، وإنَّما هو صوت كالرعد والهَدَّة العظيمة.
إلاَّ أنَّ هذا ممَّا لا يكاد يصحُّ؛ فإنَّ أهمَّ ما يُنافيه في الروايات، قوله: (وهي صيحة جبرئيل إلى هذا الخَلْق)، فإنَّ صحَّته تكون - لا محالة – ذات معنى كمعاني الكلام، لا أنَّها مُجرَّد صيحة صامتة، وسيأتي ما يدلُّ على ذلك في أخبار (النداء).
الأُطروحة الثانية: إنَّ المراد بالصيحة هو النداء الآتي ذكره، وهو نداء جبرئيل على ما سنسمعه من الأخبار، وفي التعبير بأنَّها صيحة جبرئيل، ما يؤيِّد ذلك.
ويكون السبب في هذا الصوت شيء من قبيل المعجزة، فإنَّ سببه صادر من فوق الطبيعة المادِّية؛ لأنَّه صوت أحد الملائكة الكرام، كما سمعنا في الأخبار.
وعلى أيِّ من هاتين الأُطروحتين، يكون الصوت إعجازياً حادثاً من أجل مصالح مُعيَّنة، أهمُّها ما أشرنا إليه من التنبيه على قُرب الظهور، من أجل إيجاد الاستعداد النفسي لدى المُخلصين والمسلمين لاستقباله.
الأُطروحة الثالثة: أن يكون المراد بالصيحة والفزعة معانٍ طبيعيَّة غير إعجازية، فالفزعة تعبير عن وجود رُعب عام لسبب من الأسباب، كتوقُّع حرب ووباء مثلاً، ويكون المراد بالصيحة صوت عظيم صادر من بعض القنابل والصواريخ، ومن اختراق إحدى الطائرات حاجز الصوت، وانفجار بعض المُستودعات... ونحو ذلك غير أنَّ الأُطروحة بعيدة للغاية عن مداليل هذه الأخبار وسياقها العام، وخاصة مع الاستدلال بقوله تعالى: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ).(١٧٠)
وقد استدلَّ بهذه الآية على الفزعة، كما سبق أن سمعنا، وعلى الصيحة، فيما رواه الصافي في مُنتخب الأثر،(١٧١) والقندوزي في الينابيع،(١٧٢) عن أبي عبد الله (ع)، وقال في آخره:... تلوتُ هذه الآية، أي: قوله تعالى: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً...) الآية، فقلت: أهي الصيحة؟
قال: (أما لو كانت الصيحة خضعت أعناق أعداء الله عزَّ وجل).
وإنَّما تخضع أعناق أعداء الله نتيجةً لحادث كَوْنيِّ كبير غير معهود، فيه عنصر إعجازي، لا لحادث بسيط كصوت صاروخ وطائرة.
ولعلَّ في تفسير الآية تارةً بالصيحة وأُخرى بالفزعة ما يوحي بالأُطروحة الأُولى.
أو أن تكون الفزعة بمعنى الصيحة، فإنَّهما آية واحدة تخضع لها أعناق أعداء الله سبحانه.
ويكون ذلك مُطابقاً للأُطروحة الثانية، ويكون الفزع ناشئاً من صوت جبريل الأمين، في قلوب أعداء الله.. وأمَّا المؤمنين، فيكون الصوت بشارةً كبرى لهم عن قُرب الفرج وتوقُّع الظهور.
ومن أجل هذا يحصل الاهتمام الكبير بهذا الصوت، ويستيقظ منه النائم، ويفزع اليقظان، وتخرج الفتاة الحييَّة المُخدَّرة من خدرها، ولا تتحدَّث عن الفتيات غير المُتَّصفات بالحياء.
هذا، والظاهر من سياق هذه الأخبار، وخاصة مثل قوله: (فتوقَّعوا الصيحة وخروج القائم...)، أن تكون الصيحة قبل الظهور بزمن قليل نسبيَّاً... وهو المقصود.
الجهة الثالثة: النداء.
والأخبار عن ذلك على ثلاثة أشكال:
الشكل الأول: ما كان دالاَّ ًعلى وجود النداء إجمالاً، وإنَّه من المحتوم.
أخرج الصدوق،(١٧٣) بسنده إلى ميمون البان، عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: (خمس قبل قيام القائم...)، وعد منها: (المُنادي يُنادي من السماء).
وروى المفيد، بسنده(١٧٤) عن أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لأبي جعفر (ع): خروج السفياني من المحتوم؟ قال: (نعم، والنداء من المحتوم). الحديث.
وأخرج النعماني،(١٧٥) بسنده عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (ع) أنَّه قال: (النداء من المحتوم...) الحديث.
الشكل الثاني: النداء بالحق وبالباطل، ويكون النداء بالحقِّ أولاً، ثمَّ النداء بالباطل.
أخرج الصدوق،(١٧٦) بسنده إلى ميمون البان، في حديث عن أبي جعفر (ع) قال: ثمَّ قال: (يُنادي منادٍ من السماء: إنَّ فلان بن فلان هو الإمام باسمه، ويُنادي إبليس لعنه الله من الأرض، كما نادى برسول الله (ص) ليلة العقبة).
وأخرج النعماني في الغيبة،(١٧٧) عن أبي بصير، عن أبي جعفر محمد بن علي (ع)، في حديث طويلٍ قال فيه:
(... يُنادي مُنادٍ من السماء باسم القائم، فيُسمع من بالمشرق ومن بالمغرب، لا يبقى راقد إلاَّ استيقظ، ولا قائم إلاَّ قعد، ولا قاعد إلاَّ قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت، فرحم الله عبداً اعتبر بذلك الصوت فأجاب، فإنَّ الصوت صوت جبرئيل الروح الأمين).
وقال (ع): (الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة، ليلة ثلاث وعشرين، فلا تشكُّوا في ذلك، واسمعوا وأطيعوا.
وفي آخر النهار صوت إبليس اللعين يُنادي: ألا إنَّ فلاناً قُتِل مظلوماً، ليُشكِّك الناس ويفتنهم، فكم ذلك اليوم من شاكٍّ مُتحيِّر قد هوى في النار.
فإذا سمعتم الصوت في شهر رمضان، فلا تشكُّوا فيه أنَّه صوت جبرئيل، وعلامة ذلك أنَّه يُنادي باسم القائم واسم أبيه (ع)، وحتى تسمعه العذراء في خدرها، فتُحرِّض أباها وأخاها على الخروج ـ إلى أن قال: ـ فاتَّبعوا الصوت الأول وإيِّاكم والأخير أن تُفتنوا به...) الحديث.

 

وأخرج السيوطي في العُرف الوردي،(١٧٨) قال: أخرج نعيم عن علي، قال: (إذا نادى مُنادٍ من السماء: إنَّ الحق في آل محمد. فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويُشْرَبون حُبَّة، ولا يكون لهم ذِكْر غيره).
وأخرج أيضاً،(١٧٩) عن نعيم بن حماد أيضاً، عن أبي جعفر، قال: (يُنادي مُنادٍ من السماء: إنَّ الحق في آل محمد، ويُنادي مُنادٍ من الأرض: إنَّ الحق في آل عيسى – وقال: العباس شكَّ فيه – وإنَّما الصوت الأسفل كلمة الشيطان، والصوت الأعلى كلمة الله العُلْيَا).
وأخرج القندوزي في الينابيع شيئاً من ذلك.
القسم الثالث: النداء باسم القائم (ع)، بدون أن يكون في الأخبار تعرُّض إلى نداء آخر:
أخرج الصدوق،(١٨٠) بسنده إلى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر الباقر (ع)، في حديث، قال: (... ومن علاماته خروج السفياني، ومُنادٍ نُادي باسمه واسم أبيه).
وأخرج النعماني،(١٨١) بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع)، قال:
قلت له: جُعِلت فداك، متى خروج القائم. فقال: (يا أبا محمد، إنَّا أهل بيت لا نوقِّت... ـ إلى أن قال: ـ ولا يخرج القائم حتى يُنادى باسمه في جوف السماء، في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، ليلة جمعة).
قلت: بِمَ يُنادى؟
قال: (باسمه واسم أبيه، ألا إنَّ فلان بن فلان قائم آل محمد، فاسمعوا له وأطيعوه).
وأخرج الشيخ في الغيبة،(١٨٢) بسنده عن محمد بن مسلم، قال: (يُنادي منادٍ من السماء باسم القائم، فيُسمع ما بين الشرق إلى الغرب، فلا يبقى راقد ولا قائم إلاَّ قعد، ولا قاعد إلاَّ قام على رجليه من ذلك الصوت، وهو صوت جبرئيل الروح الأمين).
وأخرج أيضاً(١٨٣) عن أبي بصير (ع) قال: قال أبو عبد الله (ع): (إنَّ القائم صلوات الله عليه، يُنادى اسمه ثلاث وعشرين...) الحديث.
إلى غير ذلك من الأخبار.
والمعنى المفهوم من مجموع هذه الأخبار وأخبار الجهة السابقة: أنَّ أخبار الصيحة والفزعة وأخبار النداء بأقسامها، تُشير إلى معنى مُشترك وحادثة واحدة، لا اختلاف فيها، وإن تعدَّدت أساليب الأخبار، ولا تعارض بينها في الحقيقة، كما أنَّها لا تدلُّ على كثرة النداءات أكثر من صوتين لو تمَّ القسم الثاني من الأخبار.
وعلى ذلك عدَّة قرائن، من هذه الأخبار نفسها:
منها: أنَّ الصيحة والنداء معاً نُسِبا إلى جبرئيل (ع) بشكل مُستفيض.
ومنها: أنَّ وقتهما معاً في ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شهر رمضان.
ومنها: أنَّها جميعاً تورِث الاهتمام الكبير، يستيقظ النائم، ويقوم القاعد، وتخرج العذراء من خدرها.
ومنها: أنّ الصيحة والنداء من المحتوم.
إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى على المتتبِّع.
وبعد حمل المُطلق على المقيَّد، والمُجمَل على المُفصَّل، ما يلي:
١- إنَّ المراد من النداء الذي هو من المحتوم هو نداء جبرائيل باسم القائم.
٢- إنَّ المراد من النداء بالحق ليس إلاَّ ذلك.
٣- إنَّ صيحة جبرئيل هي هذا النداء أيضاً.
٤- إنَّ الآية التي تخضع لها أعناق أعداء الله هو ذلك أيضاً.
٥- إنَّ الفزعة التي تُخرِج الفتاة من خدرها هو ذلك أيضاً.
٦- إنَّ التوقيت في الثالث عشر من شهر رمضان، توقيته أيضاً.
فإنَّ القسم الثالث من أخبار النداء، أعني النداء باسم القائم واسم (أبيه) هي أخصُّ هذه الأخبار جميعاً، بما فيها أخبار الصيحة والفزعة... فتصلح أن تكون مُفسِّرة لها وشارحة لمدلولها... كما ستكون الصفات الأُخرى المُعطاة في تلك الأخبار، صفة للنداء أيضاً، كالتوقيت والحتميَّة وغيرهما.
وإذا تمَّ هذا الفَهْم العام، كانت الأخبار الدالَّة، على هذا المعنى المُشترك متواترة، بل تزيد على التواتر، فإنَّ أخبار النداء وحدها مُستفيضة، فإذا أضفنا إليها أخبار الفزعة والصيحة كانت متواترة.
كما أنَّ بعض الخصائص المذكورة لها مُستفيضة، كحصول الاهتمام المتزايد والتوقيت الذي عرفناه، وكونها من المحتوم، وكونها صوت جبرئيل الأمين، وأنَّها تكون بالحق وضدَّ أنصار الباطل.
لا يبقى بعد ذلك مجال للنقد إلاَّ في مستويين.
المُستوى الأول: ما هو محتوى النداء؟
هذا ما بيَّنته الروايات التي سمعناها على شكلين:
الشكل الأول: النداء باسم المهدي واسم أبيه.
الشكل الثاني: النداء بأنَّ الحقَّ في آل محمد.
فقد تَحْصَل المُعارضة بين هذه الروايات، ويبقى محتوى النداء خالياً من الدليل الصالح للإثبات.
والصحيح هو عدم التعارض، باعتبار إحدى النقاط:
النقطة الأُولى: إن افترضنا أنَّ كلاَّ ًمن الندائين ذو دليل كافٍ لإثباته، إذاً؛ فينبغي أن نلتزم بوجود نداء واحد يحتوي على كلا المدلولين، فهو يقول: إنَّ الحق في آل محمد، وإنَّ أمامكم فلان بن فلان. ولا تنافي بين الأمرين.
النقطة الثانية: أن نفهم الشكل الثاني للنداء راجع إلى الشكل الأول منه، وإنَّ ما يحصل في الخارج هو الشكل الأول فقط، وإنَّما ذكر الشكل الثاني نتيجةً لظروف تاريخية مُعيَّنة.
وخاصَّة إذا التفتنا أنَّ الأخبار الناقلة للندائين بالحق أوَّلاً، ثمَّ بالباطل، نقلت النداء الأول على شكلين، هما نفس الشكلين اللذين أشرنا إليهما، فيكون ما دلَّ على النداء هو من الشكل الأول قرينة على فَهْم مُعيَّن لما دلَّ على أنَّ النداء هو من الشكل الثاني، وأنَّه صدر في ظروف مُعيَّنة.
النقطة الثالثة: أنَّنا لو تنزَّلنا عن كلا النقطتين السابقتين، وافترضنا حصول التنافي بين الندائين، للعلم بأنَّ أحدهما غير حاصل. إذاً؛ يتعيَّن الأخذ بالشكل الأول من النداء، ورفض الشكل الثاني؛ لوفرة الأخبار الدالَّة على أنَّه يُنادى باسمه واسم أبيه، لأنَّ منها ما ورد مُستقلاًَّ، وهو القسم الثالث من الأخبار، ومنها ما ورد مع عطف النداء الباطل عليه، وهو أغلب القسم الثاني، فلا يكون ما دلَّ من الأخبار على الشكل الثاني للنداء معارضاً، لقلَّة عدد الأخبار فيه... فيكون مرفوضاً.
المستوى الثاني: هل الأخبار الدالَّة على وجود النداء بالباطل كافية للإثبات ولا؟
هناك بعض المُقدِّمات الفكرية التي يمكن أن تُنتج رفضها:
المُقدِّمة الأُولى: إنَّ عدد الأخبار الدالَّة على النداء بالباطل أقلُّ بكثير من الأخبار الدالَّة على النداء بالحق، فبينما نرى الأخبار الدالَّة على النداء بالحق، وباسم المهدي (ع) عديدة، فإذا ألحقنا بها أخبار الفزعة والصيحة ـ كما سبق ـ أصبحت متواترة... نرى أنَّ الأخبار الدالَّة على النداء بالباطل ذات عدد قليل، تُمثِّل قسماً من أخبار النداء فقط.
المُقدِّمة الثانية: إنَّنا إذا سرنا على الفهم التقليدي لهذه الأخبار المُطابق مع ظهورها الأُولي، وهو صدور النداء بالباطل بشكل إعجازي وميتافيزيقي، فيكون هذا مُعجزةً صادرة في جانب الباطل، وقد برهنَّا على استحالة ذلك في التاريخ السابق؛(١٨٤) لما فيه من التغرير بالجهل، والدفع إلى الفتنة والانحراف، وهو مُستحيل على الحكيم المُطلق جلَّ وعلا.
فإذا تمَّت هاتان المُقدِّمتان، لزمنا رفض هذه الأخبار؛ لأنَّها أخبار قليلة نسبيَّاً ودالَّة على أمر مُستحيل، فيكون الأخذ بمضمونها مُستحيلاً.
وهذا لا يعني إسقاط القسم الثاني من أخبار النداء كلِّه، بل الساقط هو الجزء الدالّ على وجود النداء بالباطل فقط، وأمَّا الجزء الدالُّ منها على النداء بالحق، فيبقى ساري المفعول، مُعتضداً بالأخبار الدالَّة على ذلك، وقد سبق أن برهنَّا على إمكان التبعيض في الأخذ بمدلول الخبر.
نعم، لو ناقشنا بالمُقدِّمة الثانية، وأمكننا حمل النداء عموماً والنداء بالباطل خصوصاً، على معنى (طبيعي) غير إعجازي، أمكن الأخذ بالأخبار الدالَّة عليه، غير أنَّ هذا سوف يكون قابلاً للمُناقشة على ما سيأتي.
وإذا نُحاول تكوين فَهْمٍ مُتكامل عن هذين الندائين، نواجه عدَّة أُطروحات، منها الطبيعي، ومنها الإعجازي.
الأُطروحة الأُولى: أن نفهم من (جبرئيل) المُنادي بالحق و(إبليس) المُنادي بالباطل، أن نفهم منهما – ولو بنحو الرمز والمجاز – التعبير عن أنصار الحق وأنصار الباطل، فجبرئيل كناية عن المهدي نفسه، ونداؤه نداء الحق، وإبليس عبارة عن أعداء المهدي والمُنحرفين من البشر عموماً.
ويكون المراد بسِعَة الصوت وانتشاره إلى الشرق والغرب، وإلى كل إنسان، كونه مبثوثاً عن طريق وسائل الإعلام الحديثة، كالإذاعة والتلفزيون، وما ورد من أنَّ الصوت من السماء، فباعتبار أنَّ البثَّ الإذاعي والتلفزيوني لا يكون التقاطه إلاَّ من الفضاء، وخاصة مع وجود الكواكب الصناعية للبثِّ الإذاعي والتلفزيوني.
ومعه؛ يكون من السهل ـ بل من الطبيعي ـ أن نتصوَّر أنَّ جبهة الإمام المهدي (ع) تُنادي باسمه بطريق الوسائل الحديثة... و(جبهة) أعدائه تُنادي بنداء مُضادٍّ ـ سوف نعرف مدلوله ـ تريد به الفتنة، وصرف الناس من الحق إلى الباطل.
ويكون السبب في التأثير النفسي البالغ، والاهتمام الذي يُحدِثه الصوت الحق في العالم، ليس هو ارتفاع الصوت، بل هو أهمِّيَّة المضمون، فإنَّ الإعلان العام عن ظهور المهدي (ع) لأول مرَّة، وإعطاء المفهوم الواضح لثورته العالمية، مع كون المسلمين عامة، بل أكثر البشر ممَّن يتوقَّع حدوث دولة الحق، سوف يحدث ردود فعل عنيفة مُختلفة في الناس بلا شكٍّ.
وهذه الأُطروحة وإن كانت واضحة منطقيَّاً، غير أنَّه يرد عليها بعض الإشكالات التي من أهمِّها: أنَّ ما يُستفاد من سياق هذه الأخبار من أنَّ النداء، صوت الحق وصوت الباطل، إنَّما يكون قبل ظهور المهدي (ع) وليس بعده... وهذا يكون مُنافياً مع مضمون هذه الأُطروحة؛ لأنَّها تنظر إلى دعوات الحق والباطل بعد الظهور.
الأُطروحة الثانية: أن نلتزم – طبقاً لظاهر الأخبار – بأنَّ هذين الصوتين يوجَدان قبل ظهور المهدي (ع)، لكن بطريق طبيعي أيضاً، وعن طريق وسائل الإعلام الحديثة، ويكون السبب في هذين الصوتين، وجود حركتين مُتناحرتين في العالم الإسلامي: إحداهما مُحقّة، تهدي الناس إلى الإسلام الصحيح، والأُخرى حركة مُبطلة، تغوي الناس وتخدعهم وتُثير فيهم الشبهات.
ويكون التأييد لحركة الحق، في أول قيامها تأثيراً كبيراً في الناس، حتى إنَّ المرأة تحثُّ أباها وأخاها على نُصرة هذه الحركة وتأييدها، ولكنَّ هذه الحركة لن تدوم طويلاً، بل تكون ضدَّها حركة مُبطلة، تُعلن عن رأيها، وتُصرِّح بمقاصدها، فتوقع الناس في بلبلة وشبهات في العقيدة الإسلامية وما يمتُّ لها بصِلَةٍ.
ويكون من نداءاتها وشعاراتها المُهمَّة: أنَّ فلان قُتِل مظلوماً، والمراد به – والله العالم – ذلك الشخص الذي قتلته وقضت على حكمه الحركة الأُولى المُحقَّة، ومن هنا تُصرِّح الحركة الثانية بمظلوميَّته وانتهاج سبيله، والاحتجاج على قتله.
ولعلَّ التعبير يكون نداء الحركة الأُولى صادراً من السماء، ونداء الحركة الثانية صادراً من الأرض، باعتبار احترام النداء الأول، وكونه مُحقَّاً وانتقاص النداء الثاني باعتباره باطلاً وزُخرفاً.
إلاَّ أنَّ هذه الأُطروحة لا تصحُّ؛ لوضوح أنَّ نداء الحركة المُحقَّة سوف يكون هو الدعوة إلى مبادئها وتأييدها، لا النداء باسم القائم المهدي (ع) واسم أبيه، كما صرَّحت به الأخبار العديدة، ومعه يبقى هذا النداء بلا تفسير من زاوية هذه الأُطروحة.
وأمَّا احتمال أن يكون المراد من لفظ القائم: قائد الحركة المُحقَّة. باعتبار أنَّه قائم بالسيف، وناصر للحق بالسلاح في الجملة، وإن لم تكن حركته عالمية، فهذا الاحتمال غير صحيح، فإنَّ الأخبار صرَّحت بكونه قائمَ آل محمد وأنَّه المهدي، وفي بعضها وجود الصلاة والسلام عليه، وهو ممَّا لا ينطبق إلاَّ على المهدي الموعود.
الأُطروحة الثالثة: وهي المُطابقة مع ظاهر الأخبار وسياقها العام... وهو أن نفهم الأسلوب الإعجازي للنداء بالحق، باسم القائم واسم أبيه، ويكون ذلك من المُنبِّهات للاستعداد النفسي للظهور، كما قلنا.
وهو في عين الوقت يُضفي أهمِّيَّة عُظمى مُسبقة على يوم الظهور، ويُعيِّن اسم القائد العظيم فيه، ويكفي أن يُقال ـ بعد الظهور الذي يبدو أنَّه سوف لن يتأخَّر كثيراً بعد النداء ـ: أنَّ هذا القائد العظيم هو الذي هتف الهاتف باسمه، وحدثت المعجزة الضخمة آمرة بإطاعته والتسليم بأمره، وسوف يكون لذلك أعظم الأثر في نصره وانتشار دعوته، وقد عرفنا أنَّ يوم الظهور هو نتيجة جهود الأنبياء والأوصياء، والصالحين والشهداء، وهو الغرض الأسمى من خلق البشرية، فلا عجب أن يُمهِّد الله تعالى بمثل هذه المعجزات.
وهو ممَّا دلَّت الأخبار المتواترة عليه، كما عرفنا، وهو غير مُنافٍ مع قانون المعجزات؛ لوقوعه في طريق الهداية، إذاً؛ فلا بدَّ من التسليم به والاعتراف بوقوعه.
ويكون هذا الصوت في شهر رمضان في ليلة ثلاث وعشرين، التي هي – الأرجح – ليلة القدر، وهي أفضل ليالي السنة، ويكون التوجُّه الديني في ذلك الحين لدى المسلمين، وتقبُّل المفاهيم الدينية والأمور الروحية قد بلغ ذروته، فإنَّه يزداد في مُناسبات العبادة وخاصة في شهر رمضان، بالأخص في ليلة القدر.
وسيكون ردُّ الفعل بالاهتمام والفزع لهذا النداء، ناشئاً من عوامل ثلاثة مُقترنة.
العامل الأول: ارتفاع الصوت وانتشاره، بحيث يُسمع الآفاقَ كلَّها.
العامل الثاني: جانبه الإعجازي، الذي لا يكاد يمكن تفسيره مادِّياً.
العامل الثالث: مضمونه، من حيث كونه مُشيراً إلى القائد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلِئت ظلماً وجوراً.
وأودُّ أن أُلاحِظَ على النداء بعض المُلاحظات.
المُلاحظة الأُولى: هناك فَهْم تقليدي للنداء، بأنَّه يقع في لحظة الظهور، إعلاناً عنه وإيذاناً بوقوعه، وهذا ما لم نجد من الروايات شيئاً دالاَّ ًعليه، ومن هنا لا يمكن الالتزام بصحَّته.
ولكن لا يمكن ـ مع ذلك ـ رفع اليد عن فكرة الإيذان والإعلان عن الظهور، إلاَّ أنَّ هذا كما يمكن أن يحصل عند إيجاد النداء مع الظهور، كذلك يمكن أن يحصل مع إيجاد النداء قبله بقليل، ويبدو كأنَّ الظهور قائم على أساس النداء ومنطلق منه، وإن كان الأمر – في الواقع – بالعكس.
ولا يبعد القول بإمكان البرهنة على تقديم النداء قبل الظهور بفترة زمنية؛ وذلك أنَّ النداء إذا حصل مع الظهور، كان المُتعيَّن عالمياً انطباقه على المهدي (ع)، الذي لا زال في أول ظهوره غير راسخ المُلك والقوَّة؛ ومن هنا ينفتح احتمال توجُّه الأسلحة العالمية ضدَّه، وهو خلاف بعض الضمانات التي سنذكرها لانتصاره، بخلاف ما لو حصل النداء قبله، فإنَّ حركة المهدي (ع) في أول عهدها سوف لن تكون ضرورية الانطباق على ذلك النداء، عالمياً، وسوف لن يلتفت إلى ذلك إلاَّ المؤمنون به والمنطقة التي تُعاصر حركته الأُولى، وهذا هو الأنسب مع بعض الضمانات التي سنذكرها.
وحيث إنَّ النداء باسم المهدي (ع) مع ظهوره مُخلاَّ ًبانتصاره، إذاً؛ فيتعيَّن عدم حصوله ساعتئذٍ، وحيث ثبت وجود النداء إجمالاً، إذاً؛ فهو يحصل قبل الظهور، بزمن قليل لا يضرُّ مع وجود فكرة الإعلام والتنبيه.
المُلاحظة الثانية: إنَّ حصول النداء قبل الظهور، معناه حصوله في عصر الغيبة، طبقاً للمفهوم الإمامي عن المهدي.
وهذا النداء عندئذٍ، لا يُنافي الغيبة الحاصلة في الفترة المُتخلّلة بين النداء والظهور؛ لأنَّ المعنى الأساسي للغيبة ـ كما عرفناه في التاريخ السابق(١٨٥) ـ هو الجهل المطلق بحقيقة شخص المهدي (ع)، فبالرغم من أنَّ الناس يرون الإمام ويُعاشرونه، إلاَّ أنَّهم يعرفونه باسم آخر غير صفته الواقعية، ومن الواضح أنَّ هذا المعنى لا يتغيَّر بوجود النداء، ما لم يُطبِّقه المهدي نفسه على نفسه عند ظهوره.
وكذلك الحال مع الأُطروحة الأُخرى التي رفضناها هناك، وسميَّناها بـ (أُطروحة خفاء الشخص) حتى مع وجود النداء، ولا يرتفع إلاَّ مع الظهور.
المُلاحظة الثالثة: كم هي الفترة المُتخلِّلة بين النداء والظهور؟
دلَّت الروايات السابقة على وقوع النداء في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان،(١٨٦) ولعلَّه هو الشهر الذي قع فيه الكسوف والخسوف على غير المألوف، ورمضان آخر قريب منه نسبيَّاً.
والمُلاحَظ أنَّ هذا التوقيت في روايات النداء مُستفيض صالح للإثبات التاريخي، إلاَّ أنَّ هذا التوقيت لم يبلغ إلى هذه الدرجة من الكثرة في روايات الخسوف والكسوف.
وسوف يأتي أنَّ الروايات تدلُّ على حصول الظهور في مساء اليوم العاشر من مُحرَّم الحرام... فإذا استطعنا أن نُبرهن ـ كما سبق ـ على قُصر المُدَّة بين النداء والظهور، تعيَّن القول: إنَّ المُحرَّم الذي يتمُّ فيه الظهور هو المُحرَّم الذي يأتي بعد ذلك الرمضان الذي يوجَد فيه النداء، ويفصل بينها ـ في كل عام ـ ثلاثة من الأشهُر القمريَّة، فتكون المُدَّة المُتخلِّلة ثلاثة أشهُر وسبعة عشر يوماً، وإن كان شهر رمضان تامَّاً.
وستكون هذه المُدَّة المُتخلِّلة كافية لتنيبه المؤمنين، واجتماعهم لاستقبال إمامهم وقائدهم عند ظهوره، كما سيأتي.
فهذه المُلاحظات، عن النداء بالحق، وهو الصالح للإثبات كما عرفنا، وأمَّا النداء بالباطل، فهو غير صالح للإثبات، فلا يُهمُّ التعرُّض إلى تفاصيله.
الجهة الرابعة: المطر.
أخرج الطبرسي في أعلام الورى،(١٨٧) عن عبد الكريم الخثعمي، عن أبي عبد الله الصادق (ع)، في حديث عن القائم يقول فيه: (وإذا آن قيامه، مُطِر الناس في جُمادى الآخرة وعشرة أيَّام من رجب مطراً لم يُرَ مثله...) الحديث.
وذكر المفيد في الإرشاد(١٨٨): قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي (ع)، وحوادث تكون أمام قيامه، وآيات ودلالات.
ثمَّ إنَّه (عليه الرحمة) ذكر العديد منها إلى أن قال:
ثمَّ يختم ذلك بأربع وعشرين مطرةٍ تتَّصل فتُحيى بها الأرض بعد موتها وتُعرَف بركاتها.
وأخرج الشيخ في (الغيبة)،(١٨٩) بإسناده عن سعيد بن جبير قال: السنة التي يقوم فيها المهدي تمطر أربعاً وعشرين مطراً يُرى أثرها وبركاتها.
ولا تخفى الحكمة من هذا المطر، وهو الاستعداد للظهور، بإنعاش الأرض إنعاشاً كافياً لتوفير الزراعة، ذلك التوفير العظيم الذي سنسمع عنه فيما يلي من الفصول:
وهذا التقديم خير من نزول المطر بعد الظهور بغزارة، بحيث قد يعيق عن جملة من الأعمال التي يريد القائد المهدي (ع) انجازها، ففي تقدُّمة على الظهور جني لفوائد المطر مع تفادي مُضاعفاته.
ونزول المطر ليس إعجازياً ـ بطبيعة الحال ـ إلاَّ أنَّ توقيته وكمِّيَّته، يبدو من سياق الروايات أنَّها بقصد إعجازي خاص من قِبل البارئ الحكيم، توصُّلاً للنتائج المطلوبة من ورائها.
غير أنَّ عدَّة نقاط ضعف تبرز في هذا الصدد.
النقطة الأُولى: ضعف الروايات من حيث السند؛ فإنَّ روايتي الطبرسي والمفيد مُرسلتان، ورواية الشيخ منقولة عن سعيد بن جبير، لا عن أحد الأئمة المعصومين، فلا تكون صالحة للإثبات التاريخي.
النقطة الثانية: قلَّة عدد الروايات الدالَّة على ذلك؛ فإنَّ منهجنا في هذا الكتاب وإن كان قائماً على أساس قبول الخبر الواحد، غير أنَّنا أشرنا إلى لزوم تطبيق (التشدُّد السندي) في روايات المُعجزات، وهذه منها بلحاظ ما قلناه من التوقيت الاعجازي، فلا تكون هذه الروايات كافية للإثبات حتى ولو لم تكن مُرسلة.
النقطة الثالثة: إنَّ هذه الروايات لا تدلُّ على أمطار ضخمة جدَّاً، فإنَّ أربعاً وعشرين مطرة موزَّعة على شهر وشهرين ممَّا يحدث في البلاد المتوسِّطة المطر، فضلاً عن الغزيرة الباردة، ومعه لا يمكن أن يكون هذا المطر علامة على الظهور؛ لأنَّ فكرة العلامة منطلقة من الإخبار عن شيء مُهمٍّ ومُلفت للنظر في التأريخ، وليس هذا المطر كذلك.
النقطة الرابعة: إنَّ هذه الروايات لا تدلُّ على مكان حدوث هذه الأمطار، فقد تكون بلاداً باردة مُمطرة، وقد تكون بلاداً جافَّة... كل ما يمكن قوله: إنَّ المطر سوف يحدث في بلاد الشرق الأوسط الإسلامية، إلاَّ أنَّ هذه البلاد نفسها تحتوي على كلا القسمين من المناخ، فهناك الباردة الممطرة كإيران ولبنان، وهناك الجافَّة المُمحلة كالحجاز ونَجد على العموم.
نعم، يمكن أن يُقال ـ كـ (أُطروحة) من أجل اكتساب هذا المطر الأهمِّيَّة ومن ثمَّ تصدق عليه فكرة العلامية ـ: إنَّ مكان هذا المطر يمكن أن يكون على شكلين:
الشكل الأول: أنَّه ينزل في الأماكن المُقدَّسة: مكَّة والمدينة، المُشرَّفتين، وهي من البلاد الجافَّة المُمحِلة، فيكون وجود هذه الكمِّيَّة من المطر فيه مُهمَّاً جدَّاً.
الشكل الثاني: أن ينزل في كل منطقة الشرق الأوسط جميعاً، وبشكل مشترك... بالعدد والزمان المُحدَّدين السابقين؛ فيكتسب أهمِّيَّة كبيرة أيضاً.
غير أنَّ هذين الشكلين إنَّما يكتسبان الأهمِّيَّة، لو تمَّ إثباتهما التأريخي، وقد عرفنا في النقطتين الأوليتين عدم صلاحيَّة الروايات للإثبات التأريخي.
وإذا لم يثبت ذلك، كان العديد ممَّا ذُكِر في المصادر من الحوادث والعلامات القريبة للظهور، غير قابل للإثبات التأريخي أيضاً؛ لأنَّه ليس أحسن حالاً في النقل من هذه الحادثة على أيِّ حال؛ ومن ثَمَّ يكون الأحجى أن نُعرِض عنها، وندع العلم بها إلى أهله.
فهذا هو الكلام عن العلامات (الطبيعية)، أعني الكَوْنيَّة الخارجة عن المجتمع البشري، وعرفنا أنَّ أهمَّها وأوضحها اثنان فقط، هما النداء باسم القائم واسم أبيه، ويليه الكسوف الخسوف، وليس هناك ما يمكن إثباته من الحوادث والعلامات (الطبيعية) غير ذلك، إذا مشينا على منهجنا في التمحيص التأريخي.

 

الفصل الثاني: الظواهر الاجتماعية

 

أعني الظواهر التي تنطلق من المجتمع وتصرُّفات الناس وهي عِدَّة علامات، نذكر كلاَّ ًمنها بعنوان
الدجَّال:
وقد سبق أن عرضناه مُفصَّلاً في التاريخ السابق، وقدَّمنا هناك الفَهْم المُتكامل عنه، والمُناسب مع كل ما ورد وثبت عنه من الخصائص والصفات.
وإنَّما كرَّرنا العنوان في التاريخ، باعتبار ما دلَّت عليه بعض الأخبار، ممَّا سيأتي من قُرب ظهور الدجَّال إلى ظهور المهدي (ع)، فيكون من العلامات القريبة للظهور، التي نحن بصددها، وهذا ممكن الصدق على كلا الفهمين اللذين قدَّمناهما للدجَّال في التاريخ السابق.
وسوف لن نُكرِّر ما ذكرناه هناك ـ بطبيعة الحال ـ وإنَّما المُهمُّ هنا أن نسير خطوات أُخرى إلى الأمام في فَهْم الدجَّال، ونؤكِّد على مدى علاقة الدجَّال بالمهدي والمسيح (ع)، وإيراد ما ورد في ذلك من الأخبار، ونحوها من الخصائص التي لم نتوفَّر على عرضها في التاريخ السابق.
الناحية الأولى: موقف الدجَّال من الأمَّة الإسلامية، ومدى تأثيره فيها، ذلك التأثير الذي نستطيع أن نفهم استمراره إلى حين الظهور، ويواجهنا بهذا الصدد عدد من الأخبار، نذكر ما أورده الشيخان من العامة وبعض الإمامية.
أخرج مسلم،(١٩٠) بسنده عن حذيفة، قال: قال رسول الله (ص): (لأنا أعلم بما مع الدجَّال منه، معه نهران يجريان وأحدهما: رأى العين ماء أبيض، والآخر رأى العين نار تُأجَّج. فأمَّا أدركن أحد، فليأت النهر الذي يراه ناراً، وليُغمِض، ثمَّ ليُطأطِئ رأسه فيشرب منه، فإنَّه ماء بارد، وإنَّ الدجَّال ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة ومكتوب بين عينيه: كافر. يقرأه كاتب وغير كاتب).
وفي حديث آخر أخرجه(١٩١) أيضاً عن النواس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله الدجَّال، إلى أن قال: (إنَّه خارج خلَّة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله، فاثبتوا ـ إلى أن قال: ـ فيدعوهم فيؤمنون ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتُنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذراً وأسبغه ضروعاً وأمدَّه خواصر.
ثمَّ يأتي القوم فيردُّون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيُصبحون مُمحلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم...) إلخ.
وأخرج البخاري(١٩٢) عن أنس بن مالك، قال: قال النبي (ص): (يجيء الدجَّال حتى ينزل في ناحية المدينة، ثمَّ ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كلُّ كافر ومُنافق).
وأخرج الصدوق(١٩٣)، بإسناده عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) يتحدَّث عن الدجَّال ويقول عنه: (يُنادي بأعلى صوته يُسمِع ما بين الخافقين... يقول: إليَّ أوليائي، أنا الذي خلق فسوى! وقدَّر فهدى أنا ربُّكم الأعلى. وكَذَب عدوُّ الله، إنَّه أعور يُطعَم الطعام ويمشي في الأسواق، وإنَّ ربَّكم ليس بأعور ولا يُطعَم ولا يمشي في الأسواق، ولا يزول، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
ألا وإنَّ أكثر أتباعه يومئذ أولاد الزِّنا، وأهل الطيالسة الخضر...) إلخ الحديث، وغير ذلك من الأخبار.
قد أعطينا في التاريخ السابق أُطروحتان لفَهْم الدجَّال (إحداهما: تقليديَّة تقول: إنَّ الدجَّال شخص مُعيَّن طويل العمر، سيظهر في آخر الزمان من أجل ضلال الناس وفتنتهم عن دينهم. ويدلُّ عليه قليل من الأخبار.(١٩٤)
والأُخرى: إنَّ الدجَّال عبارة عن مستوى حضاري أيديولوجي مُعيَّن، مُعادٍ للإسلام والإخلاص الإيماني ككل، وقد سبق هناك أن ناقشنا الأُطروحة الأُولى ورفضناها بالبرهان، ولا بدَّ من طرح ما دلَّ عليها من الأخبار، ودعمنا الأُطروحة الثانية وهي، التي ستكون منطلق كلامنا الآن.
ونحن نعلم، فيما يخصُّ الحضارة المادِّية المُعاصرة، كيف استطاعت غزو المجتمع المُسلم فكريَّاً وعسكريَّاً ونادت بأعلى صوتها فأسمعت ما بين الخافقين، عن طريق وسائل الإعلام الحديثة، فجمعت إليها أولياءها، وهم كل مَن يؤمِن بعظمتها وصدقها وأغراه العيش بين أكنافها.
ونرى كيف أنَّها أمدَّت هؤلاء بالخير الوفير والقوَّة والسيطرة (فتروح سارحتهم) أي أغنامهم، وهو كناية ورمز عن كل مصدر للمال والقوَّة (أطول ما كانت ذراً وأسبغه وأمدَّه خواصر) يكنى بذلك عمَّا ينال المُنحرفون من خير الحضارة المادِّية وما تستطيع هذه الحضارة أن تضمنه لهم من مُستقبل عريض.
على حين نرى الخاصَّة المُخلصين، الذين شجبوا هذه الحضارة، وأنكروا عليها مادِّيَّتها ولا أخلاقيَّتها وظلمها، يعيشون في الضيق والضرر (يُصبحون مُمحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم) كما يقول الخبر.
(يجيء الدجَّال) مُمثِّل هذه الحضارة (حتى ينزل في ناحية المدينة) أي مدينة، ليس له فيها إلاَّ مركز واحد غير مُلفت للنظر، قد يكون هو سفارة، وقد يكون مركز تبشير، وقد يكون مدرسة ومُستشفى، ولكن بمضيِّ الأيَّام والليالي (ترجف المدينة ثلاث رجفات) خلالها، وهو كناية ورمز عن المصاعب والمِحن التي تمرُّ بها المجتمعات، وهي محن التمحيص دائماً (فيخرج إليه كل كافر ومُنافق) فاشل في التمحيص.
وقد ذكرنا في التاريخ السابق(١٩٥) معنى ادِّعاء الدجَّال للربوبية، وإنَّ له نهرين... طبقاً لهذه الأُطروحة... فلا نُعيد.
(أكثر أتباعه أهل الطيالسة الخضر) وهم – حسب ما يبدو – أهل الأموال والسُّمعة والسيطرة الاجتماعية في المجتمع المسلم المُنحرف، و(أولاد الزنا) يمكن أن يُراد بذلك أحد معنيين:
المعنى الأول: أُولئك الذين انقطعوا عن آبائهم عقائديَّاً ومفاهيميَّاً... وأصبحوا أولاداً للناس الآخرين، الذين آمنوا بربوبيتهم وولايتهم ومبادئهم.
المعنى الثاني: إنَّ الإيمان بالاتجاه المادِّي الحديث، يُنتج إنكار عقد الزواج وتكوين الأُسرة بدونه، كما عليه عدد من الناس في البلاد الإسلامية الآن، فيُنتجون ذُرِّيَّة تكون لقمةً سائغةً في شدق السبع المادِّي الهائل.
وليس هذا موقف الحضارة المادِّية المُعاصرة فقط، بل موقف كل حضارة مادِّية على مدى التاريخ، وخاصة فيما إذا استمرَّت في المُستقبل عدداً مهمَّاً من الأجيال، ومفهوم (الدجَّال) شامل لمجموع الحضارة المادِّية على مدى التاريخ، لا خصوص حضارتنا المُعاصرة المُحترمة!!
وإذا كان للدجِّال أن يُعاصر ظهور المهدي ونزول المسيح، وأن يوجَد قبل ذلك بقليل، ليكون من علاماته القريبة... فمعنى ذلك استمرار الحضارة المادِّية إلى ذلك الزمان، مهما كان بعيداً، لكي يستمرَّ التمحيص ويتعمَّق بالتدريح، حتى يُنتج نتيجته المطلوبة المُنتظَرة.
والدجَّال يقتله المسيح والمهدي (ع)، كما سنسمع؛ لأنَّ نظامهما تماماً سيقضي على الحضارة المادِّية، وما ملأت به الأرض من الظلم والجور والانحراف، ويتبدَّل إلى القسط والعدل والإنصاف والرفاه.
الناحية الثانية: علاقة الدجَّال بالمسيح (ع) عند نزوله.
أخرج مسلم(١٩٦) من حديث عن النواس بن سمعان، قال: ذكر رسول الله (ص) الدجَّال... إلى أن يقول: (فبينما هو كذلك، إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعاً كفَّيه على أجنحة مَلكين، فيطلبه حتى يُدركه بباب لُدّ، فيقتله، ثمَّ يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويُحدِّثهم بدرجاتهم في الجنَّة...) الحديث.
وفي حديث آخر لمسلم(١٩٧) قال: قال رسول الله (ص): (يخرج الدجَّال في أُمَّتي فيمكث أربعين... فيبعث الله عيسى بن مريم، كأنَّه عروة بن مسعود، فيطلبه فيُهلكه، ثمّ يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة...) الحديث.
وهناك في المصادر العامَّة الأُخرى أخبار بهذا لمضمون، ولكنّنا نقتصر على ما أخرجه مسلم.
والمصادر العامة اقتصرت على ذكر العلاقة بين الدجّال ـ بأيِّ معنى فهمناه ـ وبين المسيح (ع) على حادثة قتله، كما اقتصرت في قاتل الدجّال على المسيح (ع)، ولم تتعرّض للمهدي (ع) على ما سنسمع ذلك ونُناقشه.
وسنتعرّض إلى حادثة نزول المسيح في القسم الثاني من هذا التاريخ، وسنوافق عليها إجمالاً، فإذا تمّ ذلك، وهو لا يتمُّ إلاَّ بعد طغيان الدجّال واستفحال أمره ـ بأيِّ معنى فهمناه ـ كان من أهمِّ الأعمال التي يستهدفها هو القضاء على الدجّال والإجهاز على نظامه ومفاهيمه.
ومنطق الأشياء أن يسبق مقتل الدجّال حرب سجال بينه وبين المسيح، يُكتب فيها النصر للمسيح فيقتله، وأمّا فوزه عن طريق المُعجزة، كما يظهر من البرزنجي في (الإشاعة)،(١٩٨) فهو مُخالف لما قلناه: من أنَّ أُسلوب الدعوة الإلهية غير قائم على المعجزات، ما لم ينحصر بها الأمر، وإلاَّ كان نبي الإسلام (ص) في نصره على قريش أولى بالمعجزات، ولاستطاع السيطرة على كل العالم بين عشيِّةٍ وضحاها؛ ومن هنا لا نقول بوجود المعجزات في طريق نصر المهدي (ع) إلاَّ بمقدار الضرورة التي لا بديل عنها.
وقد سمعنا في هذه الأخبار عدَّة خصائص، من حيث إنَّ قتل الدجَّال سيكون في دمشق، وهو أمر يصعب إثباته تاريخياً، ولكنّه لو تمّ فهو يدلُّ على أنّ هذه البلدة ستُصبح مسرحاً مُهمَّاً ومركزاً رئيسيّاً للدجّال ـ بأيّ معنى فهمناه ـ ولا يخفى أنّه طبقاً للأُطروحة التي فهمناها للدجّال لا يكون لقتل الدجّال هناك أكثر من هذا المعنى، أعني تحويل دمشق من الانحراف إلى الإيمان.
وهذا ممَّا يُفسِّر لنا ما سيأتي من وجود عدد من المُخلصين المُمحّصين الراسخين في الإيمان في دمشق، على ما دلّت عليه الأخبار ـ وسيأتي في محلِّه من هذا الكتاب ـ فإنَّ انحراف المجتمع كلّما تزايد والظلم كلّما تضاعف، أوجب ذلك عمق التمحيص ودقّته؛ الأمر الذي يوجب زيادة عدد المؤمنين وزيادة إخلاص الموجود منهم... حتى وصِفوا في هذه الأخبار بالأولياء والأبدال، وهؤلاء وأمثالهم هم الذين يأتي إليهم عيسى بن مريم (فيمسح عن وجوههم ويُحدِّثهم بدرجاتهم في الجنَّة)، كما سمعنا في الحديث.
غير أنَّ ظاهر الحديث أنَّه يأتي إليهم بعد أن يتمَّ قتل الدجَّال على يديه، لا أنّه يرتكز عليهم في قتاله، والصحيح أنَّ الحديث دالٌّ على أنَّه (ع) يأتي إليهم ويُبشِّرهم بالجنَّة بعد قتل الدجَّال، ولكنَّه لا يدلُّ على عدم مشاركة هؤلاء في قتله وقتاله، بل لعلَّ الدرجات التي استحقُّوها في الجنَّة ناشئة إلى حدٍّ كبير من هذه الأعمال الكبرى.
الناحية الثالثة: في علاقة الدجَّال بالمهدي (ع).
وهذا ما وجدناه في المصادر الخاصة، دون العامة.
أخرج الشيخ الصدوق،(١٩٩) بإسناده عن النزال بن سبرة، قال خطبنا علي بن أبي طالب (ع)، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه، وصلَّى على محمد وآله، ثمَّ قال: (سلوني قبل أن تفقدوني ـ ثلاثاً ـ).
فقام إليه صعصعة بن صوحان.
فقال: يا أمير المؤمنين، متى يخرج الدجَّال؟
فقال له: (اقعد، فقد سمع الله كلامك وعلم ما أردت... ـ إلى أن يقول بعد حديث طويل: ـ يقتله الله عزَّ وجلَّ بالشام على عقبة تُعرف بعقبة أَفيق، لثلاث ساعات مضت من يوم الجمعة على يد من(٢٠٠) يُصلِّي عيسى بن مريم خلفه...) الحديث.
أقول: والذي يُصلِّي عيسى بن مريم خلفه هو المهدي (ع)، كما وردت بذلك الآثار المُستفيضة، ومنها ما في الصحيحين(٢٠١): (كيف بكم إذا نزل عيسى بن مريم فيكم وإمامكم منكم).
وأخرج الصدوق(٢٠٢) أيضاً، بإسناده عن المفضَّل بن عمر، قال: قال الصادق جعفر بن محمد (ع): (إنَّ الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً قبل خَلِق الخلق بأربعة عشر ألف عام، فهي أرواحنا).
فقيل له: يا بن رسول الله، ومَن الأربعة عشر؟
فقال: (محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، والأئمَّة من وُلْد الحسين، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجَّال(٢٠٣)، ويُطهِّر الأرض من كلِّ جور وظلم).
وفي مُنتخب الأثر،(٢٠٤) في حديث عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) يقول فيه: (ومنَّا رسول الله، ووصيُّه، وسيِّد الشهداء، وجعفر الطيار في الجنَّة، وسبطا هذه الأُمَّة، والمهدي الذي يقتل الدجَّال).
ومن الغريب أنَّ الصحاح تذكر أحاديث في علاقة الدجَّال بالمسيح، وأحاديث في علاقة المسيح بالمهدي (ع)، ولا تورِد أيَّ خبر في علاقة المهدي بالدجَّال! مع أنَّه تفهم من تَيْنَك العلاقتين مُعاصرته له، ومن المعلوم كون المهدي (ع) هو رائد الحق في العالم، فكيف لا يكون له اليد الطَّولى في قتله وقتاله؟!
لو نظرنا من زاوية أُخرى، رأينا أنَّ تأخُّر نزول المسيح (ع) عن ظهور المهدي (ع) بفترة من الزمن ـ على ما سنسمعه عن المصادر العامة ـ يُنتج لنا: أنَّ السبب الرئيسي الوحيد في زوال الدجَّال هو عمل القائد المهدي (ع) ضدَّه، وتخطيطه للقضاء عليه، ومن المقطوع بزيفه وبطلانه باليقين أن يظهر الإمام المهدي (ع) فلا يُحارب الدجَّال – بأيِّ معنى فهمناه ـ، ويُرجئ قتاله إلى حين نزول المسيح من السماء، فإنَّ ذلك خالف تكليفه الإسلامي ووظيفته الإلهية، في قمع الكفر والانحراف ونشر الهداية في العالم.
كما أنَّ المقطوع ببطلانه: أن يُفترض أنَّ المهدي (ع) يُحارب الدجَّال فيندحر أمامه، وينتصر الدجَّال ويُحاصر المهدي (ع) ورجاله، كما يظهر من البرزنجي في الإشاعة،(٢٠٥) وكيف يمكن أن يتحقَّق ذلك، وقد ثبت بضرورة الدين وتواتر الأخبار، وعن طريق البرهان على التخطيط العام الذي عرفناه، كون الإمام المهدي (ع) منصوراً مؤيَّداً حتى يفتح العالم بأجمعه، ويجمع البشر على الحق والعدل؟!
إذاً؛ فاليد الطَّولى في الإجهاز على الدجَّال ونظامه، للمهدي (ع) نفسه.
نعم، يمكن أن نفترض مشاركة المسيح (ع) من قَتل الدجَّال ضمن إحدى أُطروحتين:
الأُطروحة الأُولى: إنَّ المسيح (ع) يقتل الدجَّال بالمُباشرة، والمهدي (ع) يقتل الدجَّال بالتسبُّب، أعني بصفته قائداً أعلى لا تصدر التعليمات الأساسية إلاَّ منه؛ فيكون إسناد القتل إلى المهدي (ع) من قبيل قولنا: فتح الأمير المدينة، يعني بأمر منه، والفاتح المُباشر هو الجيش بطبيعة الحال.
وهذه الأُطروحة، كما تُناسب الفهم الكلاسيكي للدجَّال، وهو كونه شخصاً بعينه، كذلك تُناسب مع الفهم الرمزي الذي دعمناه، ويكون الإجهاز على الدجّال من قِبَل المسيح (ع) بصفته أحد القادة الرئيسين في دولة المهدي العالمية.
الأُطروحة الثانية: إنَّ المسيح (ع) إذا كان يتأخَّر نزوله عن ظهور المهدي (ع)، فقد نتصوَّر أنَّ المهدي (ع) عند ظهوره يُقاتل الدجّال، بأيِّ فَهْمٍ فهمناه، وبعد نزول المسيح يوكِل هذه المُهمَّة إلى المسيح (ع).
ولا تُنافي بين هاتين الأُطروحتين، كما هو واضح لمَن يُفكِّر، وبها نجمع بين الأخبار الدالَّة على أنَّ المسيح يقتل الدجَّال والأخبار الدالَّة على أنَّ المهدي يقتله؛ فإن كلا هذين القسمين من الأخبار صادقاً، ولا تنافي بينهما.
يأجوج ومأجوج:
وهذا ما ورد عنه في القرآن الكريم، في أكثر من موضع... وتطاحنت التفاسير فيه، حتى لم تكَدْ ترسو على أمر مُشترك، وذُكِر لهم بعضها صفات غريبة، وليس المُهمُّ الآن الدخول في تفاصيل ذلك، وإنَّما المقصود، هو معرفة مدى ارتباطه بالظهور، ومدى ما يمكن أن يكون مدى تأثيره لو كان له ارتباط.
وقد ذكر في التاريخ السابق(٢٠٦) شيئاً من الأخبار عن يأجوج ومأجوج، وتكلَّمنا عمَّا إذا كان القرآن بضمه إلى الإخبار دالاَّ ًعلى تقدُّم خروج يأجوج ومأجوج على الظهور، ولم نستطع أن نتميَّز ظهور القرآن في ذلك، بل بات الأمر مُحتملاً غير قابل للإثبات التاريخي، وإن كان مُحتملاً جدَّاً.
وقد روينا هناك(٢٠٧) ما أخرجه مسلم عن هؤلاء، نُكرِّر منه هذه الفقرة:
(ثمَّ يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس.
فيقولون: لقد قتلنا أهل الأرض، هلمَّ فلنقتُل مَن في السماء، فيرمون بنشَّابهم إلى السماء، فيردُّ الله عليهم نشَّابهم مخضوبة بالدم).
وأخرج ابن ماجة(٢٠٨) عن أبي سعيد الخدري، أنَّ رسول الله (ص)، قال:
(تفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون. كما قال الله تعالى: (... وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ)، فيعمُّون الأرض وينحاز منهم المسلمون، حتى تصير بقيَّة المسلمين في مدائنهم وحصونهم، ويضمُّون إليهم مواشيهم، حتى إنَّهم ليمرُّون بالنهر فيشربونه، حتى ما يذرون فيه شيئاً، فيمرُّ آخرهم على أثرهم، فيقول قائلهم: لقد كان بهذا المكان مرَّة ماء.
فبينما هم كذلك، إذ بعث الله دوابّ كنَغف الجُراد، فتأخذ بأعناقهم، فيموتون موت الجُراد، يركب بعضهم بعضاً.
فيصبح المسلمون لا يسمع لهم حسَّاً، فيقولون: مَن رجل يشري نفسه، وينظر ما فعلوا؟
فينزل منهم رجل قد وطَّن نفسه على أن يقتلوه، فيجدهم موتى، فيناديهم: ألا أبشروا، فقد هلك عدوُّكم. فيخرج الناس ويُخلُّون سبيل مواشيهم، فما يكون لهم رعي إلاَّ لحومهم، فتشكر عليها، كأحسن ما شكرت من نبات أصابته قطُّ).
وأخرج الصحيحان(٢٠٩) وغيرهما، بالإسناد عن زينب بنت جحش قالت: إنَّ النبي (ص) استيقظ من نومه وهو يقول: (لا إله إلاَّ ألله، ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه).
وعقد سفيان بيده عشرة.
قلت: يا رسول الله، أفَنَهْلَك وفينا الصالحون؟
قال: (نعم، إذا كثر الخُبْث).
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، جوَّد سفيان هذا الحديث.
وأخرج أبو داوود،(٢١٠) بإسناده عن حذيفة الغفاري في حديث قال فيه: فقال رسول الله (ص): (لن تكون ولن تقوم الساعة حتى يكون قبلها عشر آيات:... ـ وعد منها ـ خروج يأجوج ومأجوج).
وينبغي أن نتكلَّم حول هذه الأخبار في عدَّة نواحي:
الناحية الأُولى: أنَّه لا يمكن الأخذ بالدلالة (الصريحة) لهذه الأخبار، الأمر الذي يُعيِّن علينا الالتزام بالفهم (الرمزي) لها؛ وذلك لوجود عدَّة موانع عن الأخذ بصراحتها، نذكر منها ما يلي:
المانع الأول: وجود التهافت بين بعض مدلولاتها؛ الأمر الذي يُسقطها عن قابليَّة الإثبات التاريخي.
فإنَّ الخبر الذي أخرجه مسلم، ورويناه في التاريخ السابق، يدلُّ على وجود نبي الله عيسى بن مريم (ع) بين المسلمين، عند انتشار يأجوج ومأجوج، وقد أعرضتْ عنه سائر الأخبار الأُخرى، فتكون دالَّة على عدم وجوده؛ لأنَّ وجوده ليس بالواقعة البسيطة التي يمكن إهمالها.
كما أنَّ ذاك الخبر دالٌّ على أنَّ زوال يأجوج ومأجوج كان بدعاء المسيح وأصحابه، وإنَّ إزالة جُثثهم كان بدعائه أيضاً، والأخبار الأخرى خالية عن ذلك، ويدلُّ خبر ابن ماجة على أنَّهم يهلكون بإرادة مُباشرة من الله عزَّ وجلَّ.
كما أنَّ خبر مسلم يتضمَّن لوجود المَطر الذي يغسل الأرض من نَتْنِهم بعد زوال جثثهم... وهذا ما سكتت عنه الأخبار الأُخرى، واعتبرته كأنَّه لا حاجة إليه.
كما أنَّ خبر مسلم دالٌّ على أنَّ الطير تنقل الجثث إلى حيث يشاء الله، ولكنَّ خبر ابن ماجة دالٌّ على أنَّ الأغنام تأكل لحومها، فتشكر عليها، أي تسمن أحسن من أكلها للنبات.
المانع الثاني: قيام عدد من الحوادث في نقل هذه الأخبار على المعجزات، بشكل يتنافى مع (قانون المعجزات) الذي تمَّ البرهان عليه في محلِّه.
منها: موت يأجوج ومأجوج، فجأة بطريق إعجازي، وهذا غير ممكن في قانون المعجزات، فإنَّ أُسلوب الدعوة الإلهية ـ كما قلنا ـ قائم على مقابلة السلاح بالسلاح، وتحصيل النصر بالكفاح، لا عن طريق المعجزات.
وبتعبير آخر: إنَّ كل ما يمكن حصوله بالطريق الطبيعي ـ مهما يكن صعباً وبعيداً ـ لا تقوم المعجزة بتحصيله، ومن الواضح أنَّ تربية وتأديب يأجوج ومأجوج، واستئصالهم إذا لم يتأدَّبوا، أمر ممكن بالطريق الطبيعي.
ومنها: أنَّ افتراض أكل الماشية للحم، وهو أمر غريب ولا مُبرِّر له في قانون المعجزات، ويزيد غرابة استفادتهم الصحية من أكل اللحم أكثر من أكل النبات.
ومنها: ما ذكر من تصرُّفات يأجوج ومأجوج أنفسهم، كشربهم بُحْيرة طبرية حتى تجفُّ، كما في خبر مسلم، وشربهم النهر حتى يجفُّ، كما في خبر أبن ماجة، فإنَّ هذا ممَّا لم يتَّضح فهمه، مهما تزايد عددهم وطال بقاؤهم، ومهما طالت أجسامهم، كما تقول الأساطير.
ومنها: إرسالهم السهام إلى السماء لأجل غزوها... وليس في هذا غرابة، إذا كانوا أغبياء إلى هذه الدرجة... وإنَّما الغرابة في أن تعود السهام مكسوَّة بالدم؛ من أجل إيهامهم بأنَّهم قد قتلوا الناس الموجودين في السماء... فإنَّه من الأساطير التي لا يمكن أن يكون لها أيُّ مُبرِّر، فضلاً عن موافقته لقانون المعجزات.
هذا، ولكنَّ أغلب هذه الأشياء ستُصبح حقائق، عند دمجها في تكوين مُتكامل من الفهم الرمزي، على ما سنذكر بعد قليل، ومعه تُصبح هذه الاعتراضات، واردة على الفهم التقليدي لمثل هذه الأخبار، لا للمقاصد الحقيقية منها.
الناحية الثانية: في عرض أُطروحة مُتكاملة لفهم يأجوج ومأجوج، منطلقة من الفهم الرمزي للأخبار.
مرّت البشرية ـ بحسب ما هو المقدر لها في التخطيط الإلهي العام ـ بشكلين مُنفصلين من الأيديولوجية:
الشكل الأول: الاتِّجاه الذي ينفي ارتباط العالم بخالقه بالكلِّية، ونستطيع أن نُسمِّيه بالمادِّية المحضة والإلحاد التام.
الشكل الثاني: الاتِّجاه الذي يربط العالم بوجود لخالقه، بشكل وآخر.
ولكلٍّ من هذين الاتِّجاهين فروعه وانقساماته، التي تختلف باختلاف المستوى العقلي والحضاري للمجتمع البشري.
ويمكن القول: بأنَّ تاريخ البشرية على طوله عاش في الأعمِّ الأغلب الاتِّجاه الثاني، بمُختلف مستوياته، نتيجةً لجهود الأنبياء وتربية الصالحين، ومهما فسد المُنحرفون والمصلحون، فإنَّهم لم يخرجوا عن الاعتراف الغامض بالخالق الحكيم، ويكفينا مثالاً على ذلك قوله تعالى على لسان مُشركي قريش: (... مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى...)،(٢١١) فهم بالرغم من تطرُّفهم بالكفر، مؤمنون بالخالق، ومن ثَمَّ مندرجون في الاتِّجاه الثاني، وعلى هذا الغرار.
يُقابل ذلك، الاتِّجاه الأول الرافض لوجود الخالق تماماً... والمُعطي زمام قيادة الإنسان بيد نفسه، بالرغم من قصوره وتقصيره.
ولم يوجد ـ على مرِّ التاريخ ـ لهذا الاتجاه وجود مُهمٌّ، فيما عدا الأفكار الشخصية المُتفرِّقة في التاريخ... ما عدا مرَّتين ـ فيما نعرف ـ:
المرَّة الأُولى: اتِّجاه المادِّية البدائية، المُتمثِّلة بشكل رئيسي في قبائل يأجوج ومأجوج.
والمرَّة الثانية: اتِّجاه المادِّية الحديثة المُعاصرة، بمختلف أشكالها وألوانها.
وقد كان المَدُّ المادِّي الأول خطراً ـ وبالغ الضرر ـ على ذوي الاتجاه الثاني عموماً، وبخاصة تلك الشعوب الصالحة المُتَّبعة لدعوات الأنبياء، ولعل القسط الأهمَّ من الضرر لم يكن هو الإفساد العقيدي، وإن كان هذا موجوداً من أولئك المُلحدين البدائيين... وإنَّما الأهمُّ من أشكال الضرر هو الضرر الاجتماعي والاقتصادي، وأشكال القتل والنهب الذي كانت توقِعه القبائل البدائية المُلحِدة على المجتمع المؤمن.
ومن هنا؛ خطَّط الله تعالى للقضاء الحاسم على هذا المَدِّ الواسع، بإيجاد قائد كبير ذو حركة عالمية وقدرة واسعة، ومُمثِّل لأفضل أشكال الاتِّجاه المؤمن، هو الإسكندر ذو القَرنين.
وقد شكا المجتمع المُتضرِّر لهذا القائد من حملات أولئك البدائيِّين: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا...)،(٢١٢) أي أُجرة، لكي تكفينا شرَّهم وتكسر شوكتهم.
وقد استطاع هذا القائد الكبير أن يُعلن دعوة الله في الأرض، ويحصر نشاط ذلك المَدِّ المادِّي في أضيق نطاق، وأن يُعيد المجتمع البشري إلى سابق عهده، من كون الاتِّجاه المُسيطر هو الشكل الثاني للأيديولوجية، ويبقى الاتِّجاه الأول اتِّجاهاً شخصيَّاً مُتفرِّقاً.
وقد اتِّخذت تدابير ذي القرنين في هذا الصدد، شكلين أساسيّين:
الشكل الأوَّل: بناء السدِّ الموصوف في القرآن الكريم، المتكوِّن من الحديد والصفر، وهو يحتوي على الحماية (العسكرية) من هجمات القبائل البدائية المُلحِدة.
الشكل الثاني: بناء السدِّ المعنوي في المجتمع المؤمن، وزرع المفاهيم وقوّة الإرادة الكافية ضدّ الانحراف والفساد.
ولعلّ في الإمكان مع بعض التوسُّع في فَهْمِ القرآن الكريم، أن نحمل السدّ الموصوف فيه على السدِّ المعنوي، الذي يفصل بين الحقِّ والباطل، وأنّ الحديد والصفر عبارة عن مكوِّناته المفاهيميَّة، إلاَّ أنَّنا نعرض ذلك كأُطروحة مُحتملة، على غير اليقين... وإن كان ذلك مُمكناً في لغة العرب، ولكنَّنا سنسير بهذا الاتِّجاه ريثما تتمُّ هذه الأطروحة.
(قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ...)، ممَّا لديكم من المال والحطام، بعد أن مكَّنه الله تعالى من المُلك والهداية معاً.
وكان السدُّ الذي بناه ذو القرنين، ضخماً ومُهمَّاً إلى حدٍّ يكفي لكبح جِماح البدائيِّين المُلحدين وردِّ عاديتهم، (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً)، فإنَّ الاتِّجاهات المُلحِدة تكون دائبة في نشر عقيدتها، واختراق السدِّ الإيماني، وقهر قوَّة الإرادة والإخلاص عند المؤمنين، وإلاَّ أنَّ سدَّ ذي القرنين كان منيعاً لا يمكن لهذه الاتِّجاهات أن تؤثِّر فيه.
ولكنَّه على أيِّ حال، لم يستطع القضاء عليه نهائياً، بل بقي بوجوده الضعيف مؤثِّراً في المجتمع الإنساني بمقدار ما يستطيع (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ...)، ولم يكن مُقدَّراً في التخطيط الإلهي استئصاله عن الوجود؛ لإمكان مشاركته في التمحيص العام الذي حملنا عنه فكرة كافية، ولذا كان لا بدَّ من الاقتصار على كبح جماحه، وكسر شوكته فقط، ببناء السدِّ ضدَّه، على وجه الأرض، وفي نفوس المؤمنين.
ومن هنا بقي هذا الاتجاه في التاريخ، لكي يتمحَّض بعد حوالي ثلاثة آلاف عام من السيطرة الجديدة للمادِّيَّة على البشر للمرَّة الثانية، ولكنَّها في هذه المرَّة لست بدائيَّة، ولكنَّها مادِّية (تقدُّمية) ومُعقَّدة ومُفلسفة وذات شعارات برَّاقة، وذات قوَّة ومنعة بحيث يصعب مجرَّد التفكير في منازلتها، فضلاً عن القضاء عليها، وهو معنى قوله في أحد الأخبار السابقة: لا يدان لأحد في قتالهم.
لقد خرقت السدَّ القديم، ولم يعد كافياً للسيطرة عليهم وكبح جماحهم، إن ذلك السد كان مناسباً مع مستوى عصره العقلي والثقافي والعسكري، ولم يعد الآن كافياً (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ(٢١٣) أي من كل جهة ينتشرون، كذلك انتشرت المادّية الحديثة.
وتُسيطر الحضارة المادّية على خيرات البلاد الإسلامية، في ضمن سيطرتها على العالم كله، وتستولي مصادرها الطبيعية، فتشرب البحيرات والأنهار – كما أشارت الأخبار – بمعنى أنَّها تستغلُّها تماماً لصالحها، وتمنع أهلها من الاستفادة منها، فيحصل الفقر والقحط في البلاد المحكومة المستعمرة: (... حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مئة دينار لأحدكم اليوم).
وتأتي الأجيال المتأخِّرة من أتباع الحضارة المادّية، فيقولون: (... لقد كان بهذا المكان ماء)، فإنَّهم عرفوا من التاريخ أنَّ هذه المنطقة كانت تغلُّ لأهلها وتُفيدهم، وأمَّا الآن – بعد سيطرة الحضارة الكافرة – فقد أصبحت الغلاَّت لها، وأصبح وجود الماء كالعدم بالنسبة إلى أهل البلاد.
وأمَّا المسلمون المُخلصون، فينحازون عنهم ويبتعدون عن مُمالأتهم والسير في طريقهم، خوفاً على إيمانهم من الانهيار، وعلى سلوكهم من التفسُّخ والانحلال.
وحين تتمُّ للحضارة المادّية المُلحدة، بسط السيطرة على الأرض، تتَّجه أطماعها إلى السماء، ومن هنا نجدهم يقولون: (هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، ولنُنازلنَّ أهل السماء). وهذا بمعناه – الرمزي – ممَّا حدث فعلاً؛ فإنَّ الحضارات المادَّية بعد أن أحكمت قبضتها على الأرض، طمعت بغزو السماء، بدئة بالأقرب من الكواكب، ومن هنا انبثقت فكرة غزو الفضاء الخارجي والسير بين الكواكب.
(فيرمون نشَّابهم إلى السماء، فيردُّ الله عليهم نشَّابهم مخضوبة بالدم)، وهذا – بمعناه الرمزي – مما حدث فعلاً، مُتمثِّلاً بإطلاق الأقمار الصناعية، والمركبات الفضائية والصواريخ الكونية، فأعجب لمثل هذه التنبُّؤ الصادق الذي لم يكن للنبي (ص) أن يُصرِّح به في عصره إلاَّ بمثل هذا الرمز، طبقاً لقانون (كَلِّم الناس على قدر عقولهم).
ومعنى كونها تعود مُخضَّبة بالدم، هو أنَّها مُحاولات ناجحة، تُنتج الأثر المطلوب المُتوقَّع... فكما أنَّ المتوقَّع من القتل بالحربة والسهم أن تتخضَّب بالدم، كذلك من المُتوقَّع للمركبات أن تُنتج الخُبرات العلمية المطلوبة، وأن تجلب التراب من القمر مَثلاً.
ولعلَّ في التعبير بأنّ السهام (ترجع عليها الدم الذي أجفظ) أي فاض وغزر... فيه إشارة واضحة على ذلك... بعد العلم أنَّ السهم الاعتيادي لا يفيض منه الدم، وإنَّما يُراد بذلك التأكيد على مدى نجاح الرحلات الفضائية، وسعة ما تُنتجه من نتائج، ومن حيث العمق والانتشار في العالم.
وحين يتمُّ لهم ذلك، ينالهم الغرور بعلومهم ومدنيَّتهم، فقولون: (قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء). وكل حضارة ينالها الغرور، وتفشل في التمحيص الإلهي العام للبشرية، لا بدّ أن يُحكم عليها بالزوال، ويكون غرورها نذير فنائها واندثارها... طبقاً للقانون الذي يُعرب عنه قوله تعالى: (... حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).(٢١٤)
وكما كان للإسكندر ذي القرنين الدور الأهمَّ في منازلة المادِّية الأُولى... سيكون للقائد المهدي (ع) الدور الأهمَّ في منازلة المادّية الحديثة؛ ولذا قورِن الإمام المهدي (ع) بذي القرنين بعدد من الروايات، كما سنسمع بعد ذلك.
وسيكون للمسيح (ع) مشاركة فعَّالة في هذا الصدد، تحت قيادة القائد المهدي (ع)... إلى حدٍّ يمكن أن نُعبِّر عنه بأنَّه السبب المُباشر لذلك، مع شيء من التجوُّز والتعميم؛ ومن هنا تسبّب موت يأجوج ومأجوج إلى عمله وجهوده، كما سمعنا من بعض الأخبار.
وأمّا أُسلوب موت هؤلاء، فيُمكن أن نطرح له أُطروحتان:
الأُطروحة الأُولى: موتهم عن طريق تفشِّي الأمراض والأوبئة فيهم... كما هو الموافق مع ظاهر الأخبار، على المستوى (الصريح) دون الرمزي، ففي خبر مسلم: (فيُرسل الله عليهم النَّغف في رقابهم).
وفي خبر ابن ماجة: (فبينما هم كذلك، إذ بعث الله دواب كنَغف الجُراد، فتأخذ بأعناقهم فيموتون كموت الجُراد، يركب بعضهم بعضاً)، والنَّغف دود صغار يكون في الإبل، وكل ما هو حقير عند العرب فهو نغفة)(٢١٥)؛ ومن هنا يكون الأرجح كونه تعبيراً عن مكنونات الأمراض (الميكروبات)، ومن هنا يكون الخبر نبوءة عن هلاك المادِّيين الجُدد عن طريق الأوبئة الفتاكة، والحرب الجرثومية ونحوها.
الأُطروحة الثانية: أن نفهم من الموت موت الكفرة الانحراف، لا موت الأبدان.
وهي المُهمَّة الكبرى التي يقوم بها المهدي والمسيح (ع) في العالم، ولئن كان الكفر قاتلاً للإيمان، وهو أشدُّ من موت الأبدان (... وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ...)(٢١٦)، فإنَّ الإيمان قاتل للكفر، وهو أفضل شكلَي الحياة.
وهذا هو الذي يُفسِّر لنا ما يظهر من الأخبار السابقة، من أنَّ موتهم جميعاً يكون سريعاً وفي زمان مُتقارب جدَّاً، فإنَّه – طبقاً للأطروحة الثانية – نتيجة للجهود الكبيرة المركَّزة في السيطرة على العالم بالعدل وتربية البشرية باتِّجاه الكمال، وهو – أيضاً – دليل على النجاح الفوري لتلك الجهود في اليوم الموعود.
وستكون مُخلَّفات الحضارة المادِّية كبيرة جدَّاً من الناحية الصناعية والعلمية، وسيكون لذلك الأثر الكبير في دعم الدولة العاليمة العادلة، وترسيخ جذور التربية في المجتمع البشري، (فما يكون لهم(٢١٧) رعي إلاَّ لحومهم، فتشكر عليها كأحسن ما شكرت على نبات قط).
فلحومهم – طبقاً لهذه الأُطروحة – مُخلَّفاتهم،(٢١٨) ومن المعلوم أنَّ المستوى التكتيكي الرفيع إذا اقترن بمستوى اجتماعي عادل، وأنتج أضعافاً مُضاعفة من النتائج، ممَّا إذا لم يقترن بالمستوى الاجتماعي العادل.
ولم تَنجُ البشرية، ما بين المادّيتين: البدائية والتقدمية!! من جذور وبذور وإرهاصات للتجدُّد والاشتعال، ومن هنا تأسّف نبي الإسلام (ص) أسفاً شديداً؛ لأنّه قد (فتح اليوم من رَدم يأجوج ومأجوج مثل هذه ـ وعقد عشراً ـ)، من حيث إنّ هذا الردم الإيماني قد بدأ بالتصدُّع مُقدّمة لوجود المادّية التقدمية...!!
غير أنّ موقف المهدي والمسيح (ع)، سيختلف عن موقف ذي القرنين، فلئن اكتفى ذو القرنين ببناء السدِّ، مع الحفاظ على وجودهم إجمالاً ـ طبقاً للتخطيط العام ـ فإنّ المهدي (ع) سيتّخذ موقف الاستئصال التام لكل العقائد المُنحرفة والكفر والضلال، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، (فيموتون موت الجُراد، يركب بعضهم بعضاً).
الناحية الثالثة: في الفرق بين يأجوج ومأجوج، والدجّال.
فإنّه قد يرد إلى الذهن: أنّنا بعد أن فسّرنا الدجّال بالحضارة المادّية، كيف صحّ لنا أن نُفسِّر يأجوج ومأجوج بنفس التفسير، وهل يمكن أن نعترف أنّهما تعبيران عن حقيقة واحدة، مع العلم أنّ تعدُّد الأسماء والعناويين دليل على تعدُّد الحقائق.
ويمكن أن يُجاب ذلك بعدّة أجوبة، يصلح كلٌّ منها تفسيراً كاملاً للموقف:
الجواب الأول: إنَّ مفهوم (الدجَّال) ناظر إلى الحضارة المادّية ككُل، ومُستوعب لها على نحو المجموع، وأمّا مفهوم (يأجوج ومأجوج) فيُقسِّم تلك الحضارة إلى قسمين مُتميِّزين؛ فإنّه بالرغم من أنّ للحضارة المادِّية ككُل مُميِّزاتها وخصائصها التي تفصلها عن الاتجاه الآخر بميزاته وخصائصه، ولها فروقها عن الحضارة الإسلامية والمفاهيم الدينية الإلهية.
وهذه الحضارة المادّية المنظور إليها بهذا الشكل، هي التي تُمثِّل مفهوم الدجّال.
... بالرغم من ذلك، فإنّ للحضارة المادّية انقساماتها الداخلية التي تجعلها في معرض الصراع الداخلي، الذي يكون في الأعمّ الأغلب عنيفاً وعميقاً، وهذا الانقسام هو المُعبّر عنه بمفهوم (يأجوج) مرّة ومفهوم (مأجوج) أُخرى.
وهذا الانقسام ليس حديثاً، بل هو قديم قِدَم المادّية نفسها، فالمادّية البدائية كانت مُنقسمة، وكان انقسامها مشوباً بالشعور القبلي، والمادّية (التقدمية) مُنقسمة، ولكنّ انقسامها أيديولوجي ومصلحي معاً.
الجواب الثاني: إنّ مفهوم الدجّال يُمثِّل المادّية الحديثة... ولذا لم يُنقل عنه قبل الإسلام أيُّ وجود، وإنّما بدأت إرهاصاته ـ حسب إفادات الأخبار التي عرفناها في التاريخ السابق(٢١٩) ـ بعد بدء الإسلام، وكان وجوده الكامل مُتأخِّراً عنه بألف عام.
وأمّا مفهوم (يأجوج ومأجوج)، فهو يُمثِّل الخطَّ المادِّي بتاريخه الطويل؛ ولذا كان له وجود بدائي ووجود حديث، ولم يخلُ التاريخ المُتوسِّط بينهما من التأثيرات والإرهاصات.
وهذا يعني أنّ الوجود الحديث ليأجوج ومأجوج، هو الدجَّال نفسه، وليس شيئاً آخر.
الجواب الثالث: إنَّ مفهوم يأجوج ومأجوج، يعني الحضارتين المادِّيتين بوجودهما الأصيل، وأمَّا عنوان الدجَّال فلا يعني ذلك بالضبط، وإنَّما النظر فيه إلى نقطة تأثُّر المسلمين بتلك الحضارة المادَّية، فالدجّال يُعبِّر عن عُملاء تلك الحضارة في البلاد الإسلامية، وهم مُتَّصفون بنفس أوصافهم ومُتّخذون نفس منهجهم في الحياة... وكثيراً ما مارسوا الحُكم وزرعوا الشبهات، وحاولوا فكَّ المسلمين عن دينهم، وإبعادهم عن طريق ربِّهم.
ويؤيِّد ذلك اتِّخاذ مفهوم الدجّال، الدالُّ على أنّه مُسلِم بالأصل، ولكنّه أصبح كافراً ومُنحرفاً، يدعو الناس إلى الكفر والانحراف، وقد ينطلق في إثبات أفكاره في الأذهان عن طريق الخداع والتمويه، باستعمال المفاهيم الإسلامية بشكل مُشوّه ومُستغلٍّ للمنافع الشخصية والنتائج الباطلة، كما يدلُّ عليه الحديث الذي أخرجه أبو داود،(٢٢٠) قال: قال رسول الله (ص): (مَن سمع الدجَّال فلينأ عنه! فوالله، إنَّ الرجل ليأتيه وهو يحسب أنَّه مؤمن، فيتبعه ممَّا يبعث به من الشبهات).
وهناك أجوبة أُخرى مُحتملة للجواب على السؤال الذي ذكرناه في هذه الناحية، لا حاجة إلى سردها.
وللقارئ أن يختار أيَّاً من هذه الوجوه الثلاثة شاء... فإنَّ أيَّاً منها كافٍ في تصحيح تفسيرنا للدجَّال وليأجوج ومأجوج معاً.
الناحية الرابعة: طبقاً للأُطروحة التي فهمناها عن يأجوج ومأجوج، فإنَّ انتشارهما من ردمهما سيكون قبل عصر الظهور، وسيظهر المهدي (ع) وينزل المسيح عيسى بن مريم، وهم حلبة العالم، فيتمُّ القضاء عليهم تماماً، غير أنَّ بعض الأخبار دالٌّ على تأخُّر انتشارهما عن عصر الظهور.
منها: ما أخرجه الحاكم في المُستدرَك،(٢٢١) في حديث يتحدَّث فيه عن نزول المسيح، وسيطرة المسلمين وقتلهم لليهود، ويقول: (يظهر المسلمون فيكسرون الصليب ويقتلون الخنزير ويضعون الجزية، فبينما هم كذلك، أخرج الله أهل يأجوج ومأجوج...) الحديث.
فإذا عرفنا أنَّ نزول المسيح وكسر الصليب وقتل الخنزير تعبير آخر عن قيام الدولة العالمية المهدوية العادلة... كان الحديث دالاَّ ًعلى خروج يأجوج ومأجوج بعد تأسيس هذه الدولة.
ومنها ما أخرجه مسلم،(٢٢٢) ورويناه في التاريخ السابق،(٢٢٣) في حديث يذكر فيه حادثة نزول المسيح، ثمَّ يقول: (... فبينما هو كذلك، إذ أوحى الله إلى عيسى أنِّي قد أخرجت عباداً لي لا يُدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج، (... وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ)...) الحديث.
فإذا استطعنا أن نُبرهن – كما سيأتي – على تأخُّر نزول المسيح (ع) عن ظهور المهدي (ع)، وكان انتشار يأجوج ومأجوج بعد نزول المسيح – كما قال الخبر – إذاً؛ فسيكون انتشارهم بعد ظهور المهدي (ع).
إلاَّ أنَّه يمكن المُناقشة في هذه الأخبار من وجهين:
الوجه الأول: وجود الدلالات المُعارضة في الأخبار لهذه الدلالة... تدلُّ على تقدُّم ظهور يأجوج ومأجوج على الظهور.
ولعلَّ أهمَّ ما يدلُّ على ذلك ما دلَّ من الأخبار على خوف المسلمين من فتح يأجوج ومأجوج، وهي عديدة وقد سمعنا بعضها، وهي دالَّة بوضوح على تحصُّن المسلمين منهم، وعجزهم عن قتالهم، وسحبهم لمواشيهم معهم، وهذا الخوف إنَّما يمكن تحقُّقه قبل تأسيس الدولة العالمية، بل قبل ظهور المهدي (ع) أساساً؛ إذ لا معنى للخوف بعد الظهور، حين يكون النصر مُحرزاً والأمن مُستتبَّاً... طبقاً لقوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً...).(٢٢٤)
إذاً؛ فيتعيَّن أن يكون انتشار يأجوج ومأجوج الموجب للخوف والتحرُّز بين المسلمين، سابقاً على الظهور، حين لا يكون للمسلمين قوَّة مهيمنة عُلْيَا.
وقد يخطر في الذهن: أنَّ هذه الأخبار دلَّت على وجود هذا الخوف بين المسلمين، بالرغم من وجود المسيح (ع) فيهم، وأنَّه (ع) مأمور بتحصينهم ضدَّ اعتداءات يأجوج ومأجوج، فإذا كان نزول المسيح (ع) بعد الظهور كما أسلفنا، إذاً؛ فسيكون فتح يأجوج ومأجوج بعده أيضاً.
والصحيح: أنَّ هذه الرواية إنَّما تدلُّ على تقدُّم نزول المسيح على الظهور، وأنَّه ينزل في زمان اضطراب المسلمين وضعفهم ووجود الفتن فيهم، وهذا ما سوف نُناقشه في القسم الثاني من هذا التاريخ... ويكفينا الآن أن نعلم بوجود عدد من الأخبار دالِّ على تأخُّر نزوله (ع) عن الظهور.
إذاً؛ فلا بدَّ من الالتزام بأنَّ انتشار يأجوج ومأجوج سابق على النزول والظهور معاً، ونرفع اليد عن دلالة هذا الخبر بهذا المقدار، وهو المطابق مع الأُطروحة التي عرفناها قبل قليل.
الوجه الثاني: وجود الدلالات المعارضة من ناحية أُخرى.
وذلك: أنَّنا سنسمع الروايات الواردة لسرد حوادث ما بعد الظهور، وسنجدها جميعاً خالية من التعرُّض ليأجوج ومأجوج، وإنَّما سنجد العالم هو العالم الذي نعرفه خالياً من الغرائب التي نُسبت إلى هاتين القبيلتين... يظهر المهدي (ع) وينزل المسيح (ع)، فيحكمان فيه بالعدل، ومعه تكون تلك الأخبار ككل دلالة على عدم انتشار يأجوج ومأجوج يومئذ.
وحيث علمنا من القرآن الكريم والسنَّة الشريفة، أنَّهم لا بدَّ أن ينتشروا في يوم ما، إذاً؛ فهذا واقع قبل الظهور لا محالة.
وهنا لا بدَّ لنا أن نتنازل عمَّا دلًَّت عليه بعض الأخبار السابقة، عن تأخُّر انتشار هاتين القبيلتين عن نزول المسيح تماماً، كما قلنا في الجواب السابق.
وينبغي أن نُلاحِظ ـ أيضاً ـ أنَّه طبقاً للأُطروحة التي فهمناها لا تكون هناك أيَّة معارضة بين أخبار يأجوج ومأجوج وبين الروايات التي تذكر حوادث ما بعد الظهور؛ لأنَّ هذه الأطروحة كما تقول بتقدُّم انتشار يأجوج ومأجوج المادّية على الظهور، تنفي عن هاتين القبيلتين كل الغرائب، وإنَّما هما يُمثِّلان العالم نفسه كما نعرفه، فيما عرفناه من دلالة الأخبار على سيطرة المهدي (ع) على العالم كما نعرفه، يكون مُنسجماً مع الأُطروحة كل الانسجام.
نعم، طبقاً للأُطروحة يكون عمل المهدي (ع) مُكرَّساً في أول ظهوره للسيطرة على يأجوج ومأجوج، والمادِّية السابقة على ظهوره، وهذا المفهوم لم يرد في أخبار ما بعد الظهور، وهذا يعني تحوُّل المفهوم في هذه الأخبار، وترك التعرُّض إلى عنوان يأجوج ومأجوج... ولا يعني وجود الأشكال في هذه الأُطروحة.
السُّفياني:
وهو من الحركات الاجتماعية التي أكَّدت عليها المصادر الإمامية تأكيداً كبيراً، وأهملتها مصادر العامة إلى حدٍّ كبير، على العكس من الدجَّال، كما أشرنا في التاريخ السابق،(٢٢٥) وقد سبق هناك أن ذكرنا العديد من تفاصيل أوصافه وأعماله، وأعطينا عنه فَهْماً خاصَّاً، وهو كونه يُمثِّل حركة الانحراف، وحركةً مُنحرفةً واسعةَ النفوذ، في داخل المجتمع المسلم.
والمهمُّ في تاريخنا هذا، أن ننظر إلى أعمال السفياني، كشيءٍ سبق على الظهور بقليل، بحيث يتمُّ الظهور، ولا يزال السفياني يعمل عمله وينشر حُكمه ودعوته، كما عليه ظاهر الأخبار.
وينبغي أن نتكلَّم حول ذلك ضمن عدَّة نواحي.
الناحية الأُولى: في سرد الأخبار التي تُفيدنا في حدود الغرض الذي أشرنا إليه، بعد سردنا من أخبار السفياني في التاريخ السابق(٢٢٦) الشيء الكثير، وعرفنا أنَّها متواترة لا مناص من الأخذ بها إجمالاً.
أخرج الصدوق،(٢٢٧) عن أبي منصور البجلي، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن اسم السُّفياني.
فقال: (وما تصنع باسمه؟! إذا مَلَكَ كور الشام الخَمْس: دمشق، وحمص، وفلسطين، والأردن، وقنسرين، فتوقَّعوا الفَرَج).
قلت: يملك تسعة أشهُر؟
قال: (لا، ولكن يملك ثمانية أشهُر لا يزيد يوماً).
وأخرج النعماني في الغيبة،(٢٢٨) عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في حديث طويل يقول فيه:
(لا بدَّ لبني فلان من أن يملكوا، فإذا ملكوا ثمَّ اختفوا تفرَّق مُلكهم وتشتَّت أمرهم، حتى يخرج عليهم الخراساني والسُّفياني، هذا من المشرق وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفَرَسي رهان، هذا من هنا وهذا من هنا، حتى يكون هلاك بني فلان على أيديهما، أما إنَّهم لا يُبقون منهم أحداً).
ثمَّ قال: (خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، كنظام الخرز، يتبع بعضه بعضاً) الحديث.
وأخرج النعماني أيضاً،(٢٢٩) بسنده عن الحارث، عن أمير المؤمنين (ع) في حديث يقول فيه: (... وإذا كان ذلك، خرج السفياني، فيملك قدر حمل امرأة، تسعة أشهُر، يخرج بالشام، فينقاد له أهل الشام إلاَّ طوائف من المُقيمين على الحق، يعصمهم الله من الخروج معه، ويأتي المدينة بجيش جرَّار، حتى إذا انتهى إلى بيداء المدينة خسف الله به، وذلك قول الله عزَّ وجلَّ في كتابه: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ)).(٢٣٠)
وأخرج أيضاً،(٢٣١) بسنده عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع) قال: (السفياني أحمر أصفر أزرق، لم يعبد الله قطُّ، ولم يرَ مكَّة ولا المدينة قطُّ، يقول: يا ربّ، ثأري والنار! يا ربّ، ثأري والنار!).
وأخرج الشيخ في الغيبة،(٢٣٢) عن بشر بن غالب (قال): يُقبل السفياني من بلاد الروم مُنتصراً، في عُنقه صليب، وهو صاحب القول.
وأخرج أيضاً،(٢٣٣) عن أبي عبد الله (ع) قال: (كأنِّي بالسُّفياني – ولصاحب السفياني – قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة، فنادى مُناديه: مَن جاء برأس شيعة علي، فله ألف درهم، فيثبُ الجار على جاره، ويقول: هذا منهم. فيضرب عُنقه ويأخذ ألف درهم، أما إنَّ إماراتكم يومئذ، لا تكون إلاَّ لأولاد البغايا).
ولعلَّ أهمَّ الأخبار التي تُحدِّد حركات السفياني وحروبه خبران:
أحدهما: ما أخرجه الشيخ،(٢٣٤) عن عمار بن ياسر(أنّه قال): إنَّ دولة أهل بيت نبيِّكم في آخر الزمان، ولها إمارات... ـ إلى أن قال: ـ ويظهر ثلاثة نفر بالشام، كلهم يطلب المُلك: رجل أبقع، ورجل أصهب، ورجل من أهل بيت أبي سفيان، يخرج من كلب، ويحضر الناس بدمشق، ويخرج أهل الغرب إلى مصر، فإذا دخلوا، فتلك إمارة السفياني.
ويخرج قبل ذلك مَن يدعو لآل محمد، وتنزل التُّرك الحِيرة، وتنزل الروم فلسطين، ويسبق عبدُ الله عبدَ الله حتى يلتقي جنودهما بقرقيسيا على النهر، ويكون قتالٌ عظيمٌ، ويسير صاحب المغرب فيقتل الدجَّال ويسبي النساء، ثمَّ يرجع في قيس حتى ينزل الجزيرة السفياني، فيسبق اليماني، ويحوز السفياني ما جمعوا، ثمَّ يسير إلى الكوفة، فيقتل أعوان آل محمد (ص)، ويقتل رجلاً من مُسمِّيهم، ثمَّ يخرج المهدي على لوائه شعيب بن صالح.
وإذا رأى أهل الشام قد اجتمع أمرها على ابن أبي سفيان، فألحقوا بمكَّة، فعند ذلك تُقتَل النفس الزكيَّة، وأخوه بمكَّة ضيعة، فيُنادي مُنادٍ من السماء: أيُّها الناس، أميركم فلان، وذلك هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً).
ثانيهما: ما أخرجه النعماني،(٢٣٥) بسنده إلى جابر الجُعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي (ع) في حديث طويل يقول فيه: (يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفياني. فيلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون، فيقتله السفياني ومَن تبعه، ويقتل الأصهب. ثمَّ لا يكون له همَّة إلاَّ الإقبال نحو العراق. ويمرُّ جيشه بقرقسيا، فيقتتلون بها، فيُقتل بها من الجبَّارين مئة ألف. ويبعث السفياني جيشاً إلى الكوفة، وعدَّتهم سبعون ألفاً، فيُصيبون أهل الكوفة قتلاً وصلباً وسبياً، فبينما هم كذلك، إذ أقبلت رايات من خراسان، وتطوي المنازل طيَّاً حثيثاً، ومعهم نفر من أصحاب القائم.
ثمَّ يخرج من موالي أهل الكوفة في ضعفاء، فيقتله أمير جيش السفياني بين الحِيرة والكوفة، ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة، فينفر المهدي (ع) منها إلى مكَّة، فيبلغ أمير جيش السفياني أنَّ المهدي قد خرج إلى مكَّة. فيبعث جيشاً على أثره، فلا يُدركه حتى يدخل مكَّة خائفاً يترقَّب على سنَّة موسى بن عمران).
قال: (وينزل أمير جيش السفياني البيداء، فيُنادي مُنادٍ من السماء: يا بيداء، أبيدي القوم. فيخسف بهم، فلا يفلت منهم إلاَّ ثلاثة نفر...) الحديث.
ثمَّ يبدأ الحديث بشرح حوادث الظهور التي ستسمعها في القسم الثاني.
وسنذكر الأخبار الدالَّة على قتال السفياني للمهدي ومقتله على يده في ناحية آتية.
الناحية الثانية: في إمكان الاعتماد على هذه الأخبار في الإثبات التاريخي؛ طبقاً لمنهج الذي سردنا عليه في هذا الكتاب.
إنّ الاتجاه العام لهذه الأخبار مُنطبق على هذا المنهج، لولا بعض نقاط الضعف:
النقطة الأُولى: أنَّ الخبر الذي رواه الشيخ عن عمار بن ياسر، لم يروَ عن أحد المعصومين (ع)، بل عن عمار نفسه، وإن كان من المُرجَّح أنَّه استقى هذه المعلومات عنهم (ع)، إلاَّ أنَّ الكلام كلامه؛ بدليل قوله في أول الخبر: أنَّ دولة أهل بيت نبيِّكم في آخر الزمان. الدالّ على أنّ المُتحدِّث لم يعتبر نفسه من أهل البيت، وهذا ما لا يحدث لو كان المُتحدِّث أحد المعصومين (ع)؛ ومعه يسقط الخبر عن الإثبات التاريخي، وتكون صحَّته مُتوقِّفة على القرائن واشتراك نقله مع الأخبار الأُخرى، وتحقُّق ما أخبر به في العالم الخارجي.
وهذا هو الحال في الخبر الذي أخرجه الشيخ عن بشر بن غالب، فإنّ الظاهر منه أنّه هو المُتكلِّم؛ فلا يكون قابلاً للإثبات التاريخي.
النقطة الثانية: أنّ خبر عمار غير مُرتّب من حيث الزمان، فهو يحتوي على حوادث مُختلطة، مُتقدِّمة ومتأخِّرة، وغير مُحدَّدة على ما يبدو.
فنزول التُّرك الحِيرة، تعبير عن السيطرة العثمانية على العراق، ونزول الروم فلسطين هو الغزو الصليبي.
وصاحب المغرب هو – على الأرجح – أبو عبد الله الشيعي، الذي مهَّد بقتاله الواسع في شمال أفريقيا لحُكم المهدي الإفريقي (محمد بن عبد الله)(٢٣٦)، جدِّ الفاطميين الذين حكموا بعدئذ مصر ردحاً من الزمن.
وهذه الحوادث وردت في الحديث على عكس حدوثها التاريخي تماماً، كما يتَّضح بمراجعة التاريخ الإسلامي، وإذا كانت حوادث الماضي فيه غير مرتَّبة فلعلَّ حوادث المُستقبل فيه كذلك.
النقطة الثالثة: أنَّ هناك تهافتاً بين بعض مضامين هذه الأخبار.
فمن ذلك: مدَّة بقاء حكم السفياني، فبينما يُصرِّح أحد الأخبار أنَّه يملك قدر حمل امرأة تسعة أشهُر، نرى خبراً آخر ينفي ذلك بصراحة، وأنَّه لا يملك إلاَّ ثمانية.
ومن ذلك: موعد وجود حركة السفياني، فبينما يظهر من بعض هذه الأخبار أنَّ زوال دولة بني العباس يكون على يده، إذا فهمنا من بني فلان وذلك كما هو الظاهر، ومعنى ذلك أن حركة السفياني قد وجِدت وانتهت منذ أمَدٍ بعيد، نجد – إلى جنب ذلك – ارتباط حركة السفياني بالخسف، وأنَّ المهدي (ع) نفسه هو الذي يقتله، ومعنى ذلك أنَّ حركته لم تحدث لحدِّ الآن، وكم بين هذين الموعدين من بُعْدٍ شاسع.
غير أنَّنا في التاريخ السابق(٢٣٧) ناقشنا الخبر الدالَّ على إزالته لدولة بني العباس، ومعه يكون هذا الموعد مُنتفياً، ويتعيَّن الموعد الآخر.
ومن ذلك: تعيين دين السفياني، فبينما نسمع من أحد الأخبار أنَّه مسيحي بشكل وآخر (في عُنقه الصليب)، نجد في خبر آخر أنَّه من المسلمين المُهتمِّين باستئصال شيعة علي (ع)، مع الالتفات إلى أنَّ المسيحي قلَّما يكون له اهتمام خاص بذلك.
ومن ذلك: أنَّ هناك تشويشاً وتضارباً في تسمية القادة الموجودين قبل الظهور؛ فإنَّ ظاهر الأخبار تعاصر هذه الحركات تقريباً، وكلها ذات أهمِّية في المجتمع، إلى درجة يكون إهمال الخبر لذكر بعض قرينة على عدمه أساساً؛ لعدم إمكان الإغراض عن ذكره – عادة – مع وجوده.
ففي بعض الأخبار لا نجد غير السفياني، وفي بعضها نجد الخراساني والسفياني دون غيرهما، وفي أخبار أُخرى نسمع بوجود عدَّة قوَّاد: أبقع، وأصهب، وسفياني، ويماني.
وقلَّ مثل ذلك في المنطقة التي يحكمها السفياني، فإنَّ المقدار الواضح من الأخبار انطلاقه من دمشق وسيطرته عليها، إلى جنب عدم وصوله إلى مكّة والمدينة المُشرّفتين.
وأمّا بالنسبة إلى باقي البلدان، فالأمر لا يخلو من تشويش.
ولعلّ من أوضح موارد التشويش هذه (الكوفة)؛ حيث نسمع من بعض الأخبار ارتكازه فيها وسيطرته عليها، نجد في بعضها الآخر أنَّ (الخراساني) يحتلَّها معه أيضاً.
بل إنَّ انطلاقه من دمشق أيضاً لا يخلو من ظِلال، نظراً إلى الخبر القائل: بأنَّ السفياني يُقبِل من بلاد الروم.
غير أنَّ الذي يُهوِّن الخطب، أنَّ أكثر مُنطلقات هذه النقطة قابلة للتذليل مع شيء من التفكير، كما سوف نُطبِّق بعضه فيما يلي:
الناحية الثالثة: من الحديث عن السفياني، في مُحاولة فَهْم الحوادث التي تدلُّ عليها هذه الأخبار، ومُحاولة ضبطها وترتيبها، وانطلاقاً من ظاهرها على المستوى (الصريح) دون (الرمزي)... ما لم تَعنِّ الحاجة إلى الحمل على الرمز أحياناً.
إنَّ مُنطلق السفياني سيكون هو الشام دون بلاد الروم، وأمَّا الخبر الدالُّ على إقباله من هناك، فسنذكر له فَهْمَاً خاصَّاً في حديثنا عن علاقة السفياني بالدجَّال.
إنَّ دمشق ستكون في يوم من الأيّام مسرحاً لحروب داخلية، وصِدْامٍ مُسلَّح بين فئات ثلاث، كلُّها مُنحرفة عن الحق، وكلٌّ منها يريد الحكم لنفسه، ولا تُعبِّر لنا الأخبار عن اتجاهات هؤلاء وعقائدهم بوضوح، غير أنَّها توضِّح وجود الاختلاف بينها عن طريق اختلاف ألوانها... وهي تُعبِّر عن ألوان الأُمراء باعتبارهم مركز الثقل في التوجيه الفكري والعسكري لقواعدهم الشعبية، فأحدهم أبقع، والآخر أصهب، والآخر أحمر أصفر أزرق، وهو السفياني، وهو الذي يُكتب له النصر في المعمعة، ويستطيع السيطرة على الموقف في الشام، ويتبعه أهلها، إلاَّ أنَّ عدد قليل من الناس، يعصمهم الله تعالى عن اتِّباعه، وهم جماعة من المُخلصين المُمحَّصين الكاملين، المُعبَّر عنهم في بعض الأخبار بالأولياء والأبدال، كما أسلفنا.
ويحكم السفياني الكور الخَمس: دمشق، وحمص، وفلسطين، والأردن، وقنسرين(٢٣٨) إلى جنب ما سوف يملكه من مُدن العراق.
وحين يستتبُّ له الأمر يطمع بالسيطرة على العراق، ويُفكِّر في غزوها عسكريّاً، فيوجِّه إليها جيشاً يكون هو قائده، فيلتقي في طريقه جيش أرسله حُكَّام العراق من أجل دفعه، فيقتتل الجيشان في منطقة تُسمَّى بقرقيسيا (٢٣٩) ويكون قتالهم ضارباً، يُقتل فيه من الجبّارين حوالي مئة ألف، والجبّار العنيد هو كلُّ حاكم مُنحرف... وهو كناية عن أنّ كل مَن يُقتل يومئذ من أيِّ الجيشين هو من الفاسقين المُنحرفين، وبذلك تتخلّص المنطقة من أهمِّ القوَّاد العسكريين الذين يُحتمل أن يُجابهوا المهدي (ع) عند ظهوره.
وعلى أيِّ حال، فالنصر سوف يكون للسفياني أيضاً، فيدخل العراق، ويضطرُّ إلى منازلة (اليماني) في أرض الجزيرة،(٢٤٠) فيسيطر عليه أيضاً ويحوز من جيش اليماني ما كان قد جمعه من المنطقة خلال عمليّاته العسكرية.
ثمّ يسير إلى الكوفة، فيُمعن فيها قتلاً وصلباً وسبياً... ويقتل أعوان آل محمد (ص)، ورجلاً من مُسمِّيهم يعني المحبوسين عليهم، وقد سمعت ما في أحد الأخبار من أنَّه يُنادي مُناديه في الكوفة: مَن جاء برأس من شيعة علي، فله ألف درهم، فيثبُ الجار على جاره، وهما على مذهبين مُختلفين في الإسلام، ويقول: هذا منهم، فيضرب عنقه، ويُسلِّم رأسه إلى سُلطات السفياني، فيأخذ منها ألف درهم.
ولا تستطيع حركة ضعيفة وتمرُّد صغير يحدث في الكوفة من قِبل مؤيِّدي اتِّجاه أهلها... لا تستطيع التخلُّص من سُلطة السفياني، بل سوف يفشل وسيتمكّن السفياني من قتل قائد الحركة بين الحِيرة والكوفة، وكأنّه يكون قد انهزم بعد فشل حركته، فيُلقي السفياني عليه القبض في الطريق فيقتله.
وفي بعض الأخبار أنّه تُراق بين الحِيرة والكوفة دماء كثيرة، وهو إشارة إلى هذه الحادثة... فيها الدلالة على أنَّ لقائد الحركة مركزاً مُهمَّاً هناك، لن يستطيع السفياني السيطرة عليه بسهولة.
وحين يستتبُّ له الأمر في العراق أيضاً، يطمع في غزو الأراضي المُقدَّسة في الحجاز، فيُرسل جيشاً ضخماً إلى المدينة لاحتلالها، وظاهر أغلب الأخبار أنّ السفياني نفسه ليس فيه، فيسير هذا الجيش بعُدَّته وسلاحه مُتوجِّهاً نحو المدينة المنوَّرة، ويكون الإمام المهدي (ع) يومئذ في المدينة، فيهرب منها إلى مكَّة فيعرف السفياني ذلك ـ عن طريق استخباراته ـ فيُرسل جيشاً في أثره مُتوجِّهاً نحو مكَّة، مُحاولاً قتله والإجهاز عليه وعلى أصحابه، وظاهر سياق الأخبار أنَّ الجيش المتوجِّه إلى مكَّة هو جزء من الجيش الذي كان مُتوجِّهاً إلى المدينة المنوَّرة.
إلاَّ أنَّ مكَّة حرم آمن بنصِّ القرآن الكريم، لا يمكن أن يخاف فيه المُستجير، كما أنَّ الإمام المهدي (ع) قائد مذخور لليوم الموعود وهداية العالم، لا يمكن أن يُقتل، ولا بدّ من حمايته... ومن هنا تقتضي الضرورة إفناء هذا الجيش، والقضاء عليه بفعل إعجازي إلهي، فيُخسف به في البيداء، ولا ينجو منه إلاَّ نفر قليل ـ اثنين وثلاثة ـ يُخبرون الناس عمَّا حصل لرفاقهم.
إلاَّ أنَّ ذلك لا يعني الكفكفة من غلواء السفياني، بعد أن ملك سوريا والعراق، والأردن وفلسطين، ومنطقة واسعة من شبه الجزيرة العربية، وهدَّد الإمام المهدي وحاربه... بل سيبقى حُكمه ريثما يظهر المهدي (ع) بعد الخسف بقليل ويردُّ جيشه إلى العراق، ويُناجزه القتال فيُسيطر عليه ويقتله، كما سنذكر.
هذا وقد اعتبرنا في هذا الفهم لتسلسل الحوادث، أنَّ كل ما ورد في شيء من الأخبار من دون أن يكون له نافٍ ومُعارِض في خبر آخر، فهو ثابت، وهذا صحيح في سائر الأخبار، غير الخبرين اللذين عرفنا ورودهما من غير المعصومين (ع)، وهما من نقاط الضعف في هذا الفهم.
كما أنَّها قد تواجه نقاط ضعف أُخرى، ينبغي عرضها ونقدها:
النقطة الأُولى: أنَّه قد يخطر في الذهن: أنَّ هذه التحرُّكات العسكرية وما رافقها من المُلابسات، صيغت على غرار تحرُّكات الجيوش القديمة، التي كانت تُحارب خلال العصر العباسي – مثلاً ـ حيث لا يوجد قانون دولي ولا أُمَم مُتَّحدة ولا حدود مُعترَف بها، وأمَّا بعد أن تقدَّمت الحضارة وأسَّست هذه الأُسس، فمن غير المُحتمَل أن تحدث مثل هذه التحرُّكات.
ويمكن عرض عدَّة أجوبة على هذه الأجوبة على النقطة، نذكر منها جوابين:
الجواب الأول: أنَّ قيمة القانون وما يستتبعه، من الاعتراف بالأُمم المُتَّحدة والحدود الآمنة المُعترَف بها، إنَّما تنطلق من المصلحة الخاصَّة ليس إلاَّ؛ لأنَّ الفرد والدولة إذا تنازلت عن شيء من المصلحة أمكن تبادل هذا التنازل مع الآخرين، وبذلك تنحفظ مصالح خاصّة أهمُّ وأشمل.
وأمَّا في الوقت الذي يُحرز الفرد والحاكم إمكان سيطرته على الآخرين، وحصوله على الربح مع إحراز دفع الضرر عن نفسه، فسيكون هو وبنود القانون على طرفي نقيض.
ومن هنا؛ لم يكن وجود القانون ولا الأُمم المُتَّحدة، ولا محكمة العدل الدولية مانعاً عن أنواع الاعتداءات، وأشكال الغزو والسيطرة على الشعوب الضعيفة من قِبَل مُختلف الأنظمة، كما نُشاهده باستمرار، وليست حركة السفياني بأفضل من أيِّ واحد من هذه الاعتداءات.
الجواب الثاني: أنَّه من المُحتمل – على الأقلِّ – أن تكون تحرُّكات السفيناي ذات طابع (قانوني) مشروع في حدود الفهم الحديث لهذه المشروعية، كما لو كانت نتيجة لاتفاقيَّات بين الدول واتِّحاد في شكل الأنظمة فيما بينها، وإعلان شكل من الاتِّحاد بين اثنين وأكثر منها، وغير ذلك ممَّا لا حاجة إلى الدخول في الحديث عن تطبيقاته في عالم اليوم.
وبهذا يرتفع الإشكال الذي قد يرد إلى الذهن، من حيث إنَّ ظاهر الأخبار عدم وجود أيَّة مُقاومة ضدَّ جيش السفياني حين يدخل الحجاز... فإنَّ ذلك يكون نتيجةً لاتفاقات مُعيَّنة، ولضعف الحكم القائم هناك يومئذ تجاه الجيش المُحتلِّ ضعفاً شديداً.
النقطة الثانية: إنَّ ظاهر بعض الأخبار التي سمعناها، كون الإمام المهدي (ع) قبل ظهوره معروفاً للسفياني، ويبدو أنَّ الهدف الرئيسي للجيش الذاهب إلى الحجاز هو قتل المهدي (ع)؛ ومن هنا يخاف (ع) ويهرب من المدينة إلى مكَّة على سنَّة موسى بن عمران (ع) حين هرب إلى مَدْيَن... ويكون الخسف بالجيش إنقاذاً له، ويفهم السفياني بهرب المهدي (ع)، فيُرسل خلفه جيشاً فيُخسف به.
وهذا – بظاهره – مُنافٍ لمسلك الغيبة الذي يتَّخذه الإمام (ع) إلى حين ظهوره، وخاصة من الأعداء الذين يُحتمل فيهم أن يقتلوه ويُشكِّلون خطراً عليه، ولو انحصر الأمر بذلك وجب رفض دلالة الخبر للجزم بثبوت الغيبة قبل الظهور.
لكنَّنا يمكن الاستغناء عن هذه النقطة أيضاً، لو التفتنا إلى (أُطروحة خفاء العنوان) التي عرضناها في التاريخ السابق، والتي تقول: إنَّ المهدي (ع) خلال غيبته يرى الناس ويرونه ولا يعرفونه. وإنَّما تكون غيبته باعتبار غفلة الناس مُطلقة عن حقيقته... ويعرفونه بعنوان مُستعار وشخصيّة (ثانوية) يتّخذها المهدي (ع) في المجتمع.
ومعه؛ فمن الممكن أنَّ السفياني يعرف تلك (الشخصية الثانوية)، أعني ما اتَّخذه المهدي من عنوان مُستعار في ذلك العصر، ويُتابع أخباره بتلك الصفة، ويُرسل جيشاً لقتله بتلك الصفة أيضاً، وإنَّما عبَّر عنه في الأخبار بالمهدي باعتبار حقيقته، وإنَّما يُخسف بالجيش المُعادي له باعتبار ذلك أيضاً، إلاَّ أنَّ السفياني لن يشعر أنَّه قاصد لقتل المهدي (ع) نفسه، ولن يشعر الناس بذلك أيضاً؛ لأنَّه، والناس إنَّما يعرفونه بشخصيَّته الثانوية دون الحقيقية.
النقطة الثالثة: أنَّه تبقى عدَّة فجوات في تسلسل الحوادث لم تنطق بها الأخبار بوضوح... ومن الصعب استدراكها بطبيعة الحال، نذكر لها بعض الأمثلة.
منها: دور الجماعة المُقبلة من خراسان، وفيها بعض أصحاب القائم (ع) بقيادة الخراساني، ما هو دورها في العراق هل هو عسكري وفكري وليس لها دور؟ ما هو موقف السفياني منها حين يُسيطر على البلاد؟
ومنها: دور اليماني عسكرياً وفكرياً وعقائدياً، وإن كان المظنون أنَّه هو المُشار إليه في بعض الأخبار، بأنَّ رايته راية هُدى، كما سمعنا في التاريخ السابق،(٢٤١) والسفياني سيُجْهِز عليه وسيُخلِّي الساحة العراقية منه، إلاَّ أنَّ فجوات أُخرى سوف تبقى غير قابلة للجواب.
ومنها: عدد أفراد الجيش الذين يتَّجهون إلى مكَّة المُكَّرمة للقبض على المهدي (ع)، فهل هو جماعة كبيرة وصغيرة، فبينما يُعبِّر عنه في عدد من الأخبار بالجيش، وهو يوحي بالعدد، ويؤيِّده ما في بعض الأخبار من أنَّهم ثمانون ألفاً.(٢٤٢)
إلاَّ أنَّ بعض الأخبار تقول: فيُبعث إليه بعثٌ،(٢٤٣) وهو يوحي بالإرسالية الصغيرة نسبيَّاً، إلاَّ أنَّ الأغلب على التعبير بالجيش على أيِّ حال.
الناحية الرابعة: أنَّنا فهمنا في التاريخ السابق،(٢٤٤) من الأخبار التي تذكر خروج الرايات السود من خراسان... فهمنا الإشارة إلى حركة أبي مسلم الخراساني، التي أجهزت على حُكم بني أُميَّة، ومهَّدت لحُكم العباسيين... ومعه فقد يخطر في الذهن: أنّ الخراساني المذكور في الأخبار التي ذكرناها هنا هو أبو مسلم أيضاً.
وهذا احتمال معقول لو استطعنا أن نفهم من (بني فلان) في الخبر الذي نقلنا عن النعماني في (الغيبة)... بني أُميَّة دون بني العباس. فكأنَّه قال: لابدَّ لبني أُميَّة أن يملكوا، فإذا ملكوا خرج عليهم الخراساني فأهلكهم، فيكون واضح الانطباق على أبي مسلم دون شكٍّ.
غير أنَّ هذا الفهم لا يخلو من بعض المصاعب:
أولاً: إنّ الخبر مروي عن الإمام محمد بن علي الباقر (ع)، وهو مُعاصر لدولة بني أُميَّة... فلا يكون لقوله: (لا بدَّ لبني أُميَّة أن يملكوا) معنى واضح، بل يتعيَّن حمله على الدولة التي لم تحدث في زمانه، وهي دولة بني العباس، ومن المعلوم أنَّ أبا مسلم أسَّس دولة العباسيين لا أنَّه أهلكها.
ثانياً: إنَّ الخبر كالصريح في تعاصر حركة الخراساني والسفياني، ومن المعلوم عدم تحقُّق حركة السفياني لحدِّ الآن!!
إذاً؛ فحركة الخراساني لم تتحقَّق... إذاً؛ فهي ليست مُنطبقة على حركة أبي مسلم على أيِّ حال.
ومعه؛ تكون الحركة المُشار إليها في أخبار الرايات السود غير الحركة المُشار إليها في هذه الأخبار بقيادة الخراساني، غير أنَّنا نخسر بذلك شيئاً ذا بالٍ، وهو: إنَّ الحادثة المُشار إليها لو كانت واحدة، لاستطعنا ضمَّ أخبار الرايات السود إلى أخبار (الخراساني)، فتُصبِح كثيرة ومُستفيضة، إن لم تكن متواترة، وهذا غير ممكن مع تعدُّد الحادثة المقصودة.
ولكنَّ هذا لا يعني سقوط كلا الطائفتين من الأخبار عن إمكان الإثبات التاريخي، كلٌ بمُقدار قابليَّته.
الناحية الخامسة: قد ثبت بهذه الأخبار وغيرها، كون الخسف الذي استفاضت به الأخبار في مصادر الفريقين....إنَّما يكون بجيش السفياني، حين يقصد قتل الإمام المهدي (ع) وهو مُستجير بمكَّة.
وبذلك نحصل على شيء ذي بالٍ – على عكس الناحية السابقة – وهو انضمام أخبار الخسف المُستفيضة إلى أخبار السفياني، وإن لم تذكر السفياني بالصراحة، فإذا علمنا أنَّ أخبار السفياني مُستفيضة، كان ضمُّ المستفيض إلى المُستفيض مُنتِجاً للتواتر لا محالة.
الناحية السادسة: بقي علينا التعرُّض إلى مقتل السفياني على يد الإمام المهدي (ع)، ولا زلنا نتكلَّم طبقاً للفهم (الصريح) دون الرمزي لمفهوم السفياني، لنتوفَّر في الناحية الآتية على عرض الفهم الرمزي له.
وقد وردت في ذلك عدَّة أخبار:
قال في إسعاف الراغبين،(٢٤٥) وهو يُعدِّد ما ورد في الروايات من حوادث ظهور المهدي (ع)... قال:
وإنَّ السفياني يبعث إليه من الشام جيشاً، فيُخسف بهم البيداء، فلا ينجو منهم إلاَّ المُخبِر، فيسير إليه السفياني بمَن معه، فتكون النصرة للمهدي، ويُذبح السفياني.
وروي في البحار(٢٤٦) حديثاً طويلاً عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر الباقر (ع)، يتحدَّث فيه عن المهدي (ع) وظهوره وما يحدث بعد ذلك، إلى أن قال: (... ثمَّ يأتي الكوفة فيُطيل فيها المَكْث ما شاء الله أن يمكث، حتى يظهر عليها، ثمَّ يسير حتى يأتي العذرا(٢٤٧) هو ومَن معه، وقد أُلحِقَ به ناس كثير والسفياني يومئذ بوادي الرملة، حتى التقوا وهم يوم الأبدال، يخرج أُناس كانوا مع السفياني من شيعة آل محمد (ص)، ويخرج ناس كانوا مع آل محمد إلى السفياني، فهم من شيعته حتى يلحقوا بهم، ويخرج كل ناس إلى رايتهم، وهو يوم الأبدال. قال أمير المؤمنين (ع): يُقتل يومئذ السفياني ومَن معه حتى لا يُدرك منهم مُخبِر، والخائب يومئذ مَن خاب من غنيمة كلب(٢٤٨)...) الحديث.
وفي خبر مُطوَّل آخر أخرجه المجلسي في البحار أيضاً،(٢٤٩) عن عبد الأعلى الحلبي قال:
قال أبو جعفر (ع): (يكون لصاحب هذا الأمر غيبة... إلى أن يقول لأصحابه: سيروا إلى هذا الطاغية، فيدعو إلى كتاب الله وسنَّة نبيِّه (ص)، فيُعطيه السفياني من البيعة سلماً، فيقول له كلب – وهم أخواله –: ما هذا؟! ما صنعت؟! والله، ما نُبايعك على هذا أبداً...
فيقول: ما أصنع؟!
فيقولون:... استقبله! فيستقبله.
ثمَّ يقول له القائم صلى الله عليه: خُذْ حذرك، فإنَّني أدَّيت إليك، وأنا مُقاتلك، فيُصبح فيُقاتلهم، فيمنحه الله أكتافهم، ويأخذ السفياني أسيراً، فينطلق به يذبحه بيده...) الخبر.
ولا نجد في هذه الأخبار تنافياً يُذكر، مع الأخبار السابقة والفهم العام الذي فهمناه عنها، فإنَّ الجوَّ العام لها واحد، فينبغي الآن قصر الكلام على الحوادث الزائدة التي تُعرب عنها هذه الأخبار، ممَّا لم يكن موجوداً في الأخبار السابقة، ويكون فهمنا الآن تتمَّة للفهم العام السابق.
إنَّ مركز حُكم السفياني سيكون هو العراق بعد انتقاله عن الشام، ولن يوجب الجيش الذي تفشل مُهمَّته في الحجاز، انتقال مركز حُكمه إلى هناك.
ومن هنا سوف يواجه المهدي عند دخوله إلى العراق حُكم السفياني بكل جبروته، غير أنَّ السفياني – على ما يبدو – سوف يكره مُناجزته القتال؛ لأنَّ ذلك سوف يُثير ضدَّه مشاكل لا تُطاق، ومن هنا يدخل المهدي (ع) العراق سلماً، ويمكث في الكوفة ما شاء الله له ذلك كزعيم شعبي، حتى ما إذا اجتمع له من الرجال والسلاح ما يكفي للسيطرة على الحُكم استطاع مواجهة السفياني بصراحة.
وطبقاً للقواعد الإسلامية، سيبدأ المهدي (ع) بعرض العقائد الإسلامية الحقَّة على السفياني، فإن قَبِلَ بذلك وصار معه فهو... وإلاَّ ناجزه القتال.
وطبقاً للاتجاه النفسي لدى السفياني لمُجاملة المهدي (ع)، سيُعطي للمهدي ما يطلبه من الشهادة، إلاَّ أنَّ بطانته سوف تحتجُّ على ذلك وتشجب موقفه، وتُلزمه بأن يواجه المهدي (ع) مواجهة كاملة.
ولعلَّ هذا الاتجاه النفسي، هو الذي يفسح المجال لتسرُّب كل المؤمنين المُشتغلين في جيش السفياني إلى جيش المهدي (ع)، وفي نفس الوقت يميل الفسَّاق ـ الفاشلين في التمحيص من سكَّان الكوفة قبل الظهور ـ إلى الالتحاق بجيش السفياني، وهو يوم الإبدال.. أي تبادل الأصحاب، ويتمُّ ذلك في الفترة الأُولى قبل مُناجزة القتال.
وإذ يخضع السفياني لاقتراح بطانته، ينكمش ضدَّ المهدي (ع) ويتحدَّاه، فيُنذره المهدي (ع) بالقتال، فيضطرُّ السفياني إلى الصمود ضدَّه، فتحدث المعركة بين المعسكرين، ويكون الفوز للقائد المهدي، وينتهي حكم السفياني، ويؤخَذ أسيراً، ويقتله المهدي في الأسر، وبذلك تتمُّ سيطرة المهدي على العراق.
بل سوف تتمُّ سيطرة المهدي (ع) على كلِّ المنطقة التي عرفناها محكومة للسفياني، وهي العراق والشام والأردن وفلسطين؛ ومن هنا سوف تنفتح الفرصة المؤاتية للغزو العالمي، كما سيأتي في القسم الثاني من الكتاب.
الناحية السابعة: في مُحاولة إعطاء الفهم الرمزي عن السفياني، مع الإلماع إلى علاقة السفياني بالدجَّال.
ويحتاج الفهم الرمزي إلى شرطين أساسين، لا يصحُّ إلاَّ من خلالهما، فإن فُقِدَ أحد الشرطين، فضلاً عنهما معاً، كان الفهم الرمزي ممَّا لا لزوم له.
الشرط الأول: أن يكون العمل بظاهر الأخبار مُتعذِّراً، والفهم (الصريح) منها مُمتنِعاً... باعتبار قيام القرائن على عدم صحَّته واقتضاء القواعد العامَّة لنفيه.
وهذا ما كنَّا نواجهه في مفهوم الدجَّال، ومفهوم يأجوج ومأجوج، من حيث إنَّ ظاهر الأخبار نسبةُ الخوارق والمعجزات إلى المُنتسبين إلى الباطل، وهو مستحيل، وهو يُعطي لهذين المفهومين صورة مُخالفة للبشر الاعتياديِّين، ممَّا يوثق بعدم صدقه؛ فيكون ذلك سبباً للانطلاق إلى الفهم الرمزي الذي يُذلِّل هذه المصاعب، مع أخذ الشرط الثاني بنظر الاعتبار.
الشرط الثاني: أن يكون الفهم الرمزي أقرب ما يمكن إلى الظواهر، مُعطياً صورة شاملة ومُتكاملة ومُتساندة لمجموع الظواهر والمفاهيم الواردة في الأخبار... بحيث لا يندُّ عن ذلك إلاَّ الخبر الشاذُّ، غير القابل للإثبات التاريخي أساساً.
وهذا ما حاولنا تطبيقه في فهمنا الرمزي لمفهوم الدجَّال، ومفهوم يأجوج ومأجوج.
غير أنَّ مفهوم السفياني فاقد للشرط الأول؛ إذ من الواضح بعد استعراض الأخبار السابقة وغيرها ممَّا ورد في السفياني، أنَّها خالية من أيَّة معجزات وخوارق منسوبة إليه، وإلى غيره من المُبطلين، بل هي تخلو من أيَّة معجزة سوى الخسف بالبيداء الذي يحدث دفاعاً عن الحق لا عن الباطل، وقد عرفنا مُبرِّره الكامل فيما سبق.
كما أنَّ هذه الأخبار تعرض البشر على حالهم في عصر التمحيص والفتن، فهناك الآراء المُتعارضة والجيوش المُتحاربة والحُكَّام الظالمون، والقلَّة المُدافعة عن الحق، وكل هذه الأمور صفات أساسيَّة للمجتمع المعاصر، وبالتالي فهي لا تُعطي صورة مُخالفة للبشر الاعتياديِّين ليكون الوثوق بعدم صدقها موجوداً، ليكون ذلك مُنطلقاً إلى الفهم الرمزي.
إذاً؛ فالفهم الرمزي الكامل ممَّا لا لزوم له، وإنَّما الشيء الممكن هو ملاحظة الخصائص والصفات حول هذا المفهوم، وإسقاط ما يمكن إسقاطه منها.
فإذا أسقطناها جميعاً والأعمَّ الأغلب منها، كان (الفهم) الذي ذكرناه في التاريخ السابق(٢٥٠) صحيحاً، وهو أنَّ السفياني يُمثِّل خطَّ الانحراف داخل المعسكر الإسلامي ككل، فتندرج تحته كلُّ الحركات والعقائد التي تدَّعي الانتساب إلى الإسلام، ممَّا كان (بعد زوال الدولة العباسية) ويكون إلى يوم الظهور الموعود.
وأمَّا إذا أخذنا عدداً من الصفات بنظر الاعتبار، ممَّا تسالمت الروايات على صحَّته، فإنَّ هذا المفهوم الواسع سوف يضيق، وسوف ينحصر في تطبيق واحد من تطبيقاته، فإنَّني أود أن أقول: إنَّ مفهوم السفياني يُعبِّر عن آخر حُكم مُنحرف للمنطقة قبل ظهور المهدي (ع)، ويُمكننا أن نصف هذا الحُكم ممَّا ثبت له من الصفات، كدخول سوريا والعراق تحت حُكم واحد ومُتشابه، وحقده على أهل الحق، وإرساله الجيش ضدَّ المهدي (أو ضدَّ جماعة من أهل الحقِّ المُخلصين، يكون المهدي (ع) موجوداً فيهم بعنوان آخر غير حقيقته)، وحدوث الخسف على هذا الجيش.
وأمَّا الصفات الأُخرى، كتسميته بعثمان بن عنبسة، وخروجه من الوادي اليابس، وصفات جسمه وسيطرته على الأردن وفلسطين، وتفاصيل مواقفه العسكرية، فهي ممّا ينبغي إسقاطها تحت وطأة الفهم الرمزي، وإيكال علمها إلى أهله، وإن كان الوارد من الأخبار في بعض هذه الصفات صالح للإثبات التاريخي، وإن لم يكن أكيداً.
وانطلاقاً من فَهْمنا هذا، تتَّضح علاقة السفياني بالدجَّال بالمعنى الذي فهمناه أيضاً، بعد أن برهنَّا في التاريخ السابق،(٢٥١) على أنَّ هذين المفهومين يُعبِّران عن شيئين لا عن شيء واحد، فإنَّ للفهمين (الصريحين) التقليدين للسفياني والدجَّال، اتجاه إلى عزل أحدهما عن الآخر عزلاً تامَّاً، طبقاً للظهور الأوَّلي للأخبار... فالمسيح ينزل فيقتل الدجَّال في دمشق، بدون أن يكون السفياني موجوداً في العالم، والمهدي (ع) يظهر فيُحارب السفياني بدون أن يكون الدجَّال موجوداً في العالم.
ولكنَّنا إذا علمنا أنَّ زمن ظهور المهدي (ع) ونزول المسيح واحد، حتى إنَّ المسيح يُصلِّي وراء المهدي (ع) تكرمةً لهذه الأُمَّة، كما وردت بذلك الأخبار، وسنرويها فيما يلي؛ إذاً؛ سيكون هذا الاتجاه التقليدي مُبرهَن البطلان، ولا بدَّ من أن يكون الدجَّال والسفياني مُتعاصرين، ولابدّ من وجود العلاقة بينهما بشكل من الأشكال.
وإذا كان الدجّال عبارة عن الحضارة المادّية الحديثة بخطِّها الطويل، وكان السفياني آخر الحُكّام المُنحرفين في الشرق، فسوف لا يصعب علينا تصوُّر العلاقة يبنهما، بعد أن أصبحنا نعيش بكل حواسِّنا تطبيقات الدجَّال والسفياني بكل وضوح... ونعلم الأشكال الصريحة والمُبطَّنة لعلاقة أحدهما بالآخر، بشكل نكون في غنىً عن عرضه.
وهذا التحديد للعلاقة، منطلق من فهمنا لذينك المفهومين، بغضِّ النظر عمَّا اكتسبه مفهوم الدجَّال من رتوش مُحتملة عند الحديث عن علاقته بيأجوج ومأجوج، إذ مع الأخذ ببعض الأُطروحات التي ذكرناها هناك، سوف نحتاج إلى بعض التغيير في تصوُّر العلاقة... وهذا ما نوكِله إلى القارئ الذكي.
النفس الزكية:
وهو إنسان قُرِنت حركته ومقتله بظهور الإمام المهدي (ع)، في أخبار المصادر الخاصَّة على الأغلب.
وقد سبق في التاريخ السابق(٢٥٢) أن بحثنا ذلك، وعرضنا الأخبار التي تُصرِّح بأنَّ مقتل النفس الزكية من المحتوم، وغيرها.
ولكنَّنا لم نستطع هناك – بما كان لنا من منهج في الإثبات التاريخي – أن ندفع احتمالاً مُعيَّناً، هو أن تكون النفس الزكيَّة هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع)، وحيث إنَّ مقتله قد حصل في العهد العباسي الأول، فلا ينبغي انتظار حادثة أُخرى لمقتل النفس الزكية في مُستقبل الدهر.
ولكنَّنا نُحاول الآن أن نبحث المطلب بشكل جديد، انطلاقاً من المنهج الذي اتَّخذناه في هذا التاريخ، وهو التنزُّل عن التشدُّد السندي وقبول الخبر الموثوق، وإن لم تَقُم القرائن على صدقه من الخارج، وهذه هي نقطة الاختلاف بين المنهجين، كما أشرنا في أول الكتاب.
وينبغي أن نتكلَّم عن (النفس الزكية) ضمن عدَّة نواحي:
الناحية الأُولى: في سرد الأخبار الواردة في هذا الموضوع، غير ما نقلناه في التاريخ السابق، إلاَّ القليل الذي نحتاجه فنُكرِّره.
روينا في التاريخ السابق،(٢٥٣) عن المفيد في الإرشاد،(٢٥٤) عن أبي جعفر الباقر (ع) والشيخ في الغيبة(٢٥٥) والصدوق في إكمال الدين،(٢٥٦) عن أبي عبد الله الصادق (ع) بلفظ مُتقارب – واللفظ للمفيد ـ: أنَّه قال: (ليس بين قيام القائم (ع) وقتل النفس الزكية، أكثر من خمس عشرة ليلة).
وقال في الإرشاد(٢٥٧): قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي (ع)... وعدَّ منها: ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام.
وأخرج في البحار،(٢٥٨) عن السيد علي بن عبد الحميد، بالإسناد إلى أبي بصير، عن أبي جعفر (ع)، في حديث طويل، يقول فيه: (... يقول القائم (ع) لأصحابه: يا قوم، إنَّ أهل مكَّة لا يُريدونني، ولكنِّي مُرسَل إليهم لأحتجَّ عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتجَّ عليهم.
فيدعو رجلاً من أصحابه، فيقول له: امضِ إلى أهل مكَّة، فقل: يا أهل مكَّة، أنا رسول فلان إليكم، وهو يقول: إنَّا أهل بيت الرحمة ومَعدِن الرسالة والخلافة، ونحن ذُرِّيَّة محمد وسُلالة النبيِّين، وإنَّا قد ظُلمنا واضطُهِدنا وقُهِرنا وابتُزَّ منَّا حقُّنا، منذ قُبض نبيُّنا إلى يومنا هذا، فنحن نستنصركم فانصرونا.
فإذا تكلَّم هذا الفتى بهذا الكلام، أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهو النفس الزكية...) الحديث.
وأخرج أيضاً(٢٥٩) عن الكافي، بسنده عن يعقوب السراج، عن أبي عبد الله (ع) في حديث عن المهدي (ع) يقول فيه: (... ويستأذن الله في ظهوره، فيطَّلع على ذلك بعض مواليه، فيأتي الحسني فيُخبره الخبر، فيبتدر الحسني إلى الخروج، فيشبُّ عليه أهل مكَّة، فيقتلونه، ويبعثون برأسه إلى الشام، فيظهر عند ذلك صاحب الأمر...) الخبر.
وقال الرواندي في الخرايج والجرايج(٢٦٠): وروي أنَّ النفس الزكيَّة هو غلام من آل محمد، اسمه محمد بن الحسن يُقتل بلا جُرم، فإذا قُتِل فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد.
أقول: وأرسل الصافي في مُنتخب الأثر(٢٦١) هذا المعنى إرسال المُسلَّمات.
وأخرج الصافي،(٢٦٢) عن غيبة الشيخ، بسنده عن سفيان بن إبراهيم الجريري أنَّه سمع أباه يقول: النفس الزكيَّة غلام من آل محمد، اسمه محمد بن الحسن، يُقتَل بلا جُرم ولا ذنب، فإذا قتلوه لم يبقَ لهم في السماء عاذر ولا في الأرض ناصر، فعند ذلك يبعث الله قائم آل محمد... الحديث.
فهذا هو كل ما وجدناه من الأخبار بهذا الصدد، وسنُمحِّصها بعد إعطاء الفهم المُتكامل عنها.
الناحية الثانية: في مُحاولة فَهْمِ هذه الأخبار ككلِّ، على تقدير صحَّتها وكفايتها للإثبات التاريخي، ويكون فهمنا هذا تتمَّةً – بشكل وآخر – للفهم العام الذي ذكرناه للسفياني.
إنَّ المهدي (ع) مع خاصَّة أصحابه حين يهربون من وجه جيش السفياني المبعوث ضدَّهم، من المدينة المنوَّرة إلى مكَّة المُكَّرمة، يُصبح من الواجب على أهل مكَّة نُصرته، بحسب تكليفهم في نُصرة المؤمنين المظلومين ضدَّ الظالمين، ممَّن كان على شاكلة السفياني.
ولكن لن يكون لأهل مكَّة استعداد للنُّصرة، إمَّا لأجل اختلاف مذهبهم عن مذهب المهدي (ع) في الإسلام، وإمَّا لأجل خوفهم من سطوة السفياني وسلطته، وحسبنا أنَّنا سمعنا أنَّ السفياني دخل الحجاز من دون مُقاومة عسكرية، لمدى الرهبة والخوف الذي زرعه في النفوس، ومن هنا يُحافظ أهل مكَّة على مصالحهم الخاصة وينكمشون ضدَّ المهدي (ع)، أعني: بعنوانه المُعلَن وإن جهلوا حقيقته.
ويعلم الإمام المهدي (ع) بعدم استعدادهم لنُصرته، فيقول لخاصته: (يا قوم، إنَّ أهل مكَّة لا يُريدونني.ولكنِّي مُرسل إليهم لأحتجَّ عليهم، بما ينبغي لمثلي أن يحتجَّ عليهم).
ويكون هذا الاحتجاج إتماماً للحجَّة عليهم، ومواجهة صريحة لهم بالموقف؛ حتى لا يبقى منهم غافل ومُماطل.
ومن هنا يُفكِّر المهدي (ع) بأن يُرسل شخصاً من قِبَله إلى أهل مكَّة ليقوم بهذا الاحتجاج، فيدعو بعض أصحابه، وهو من الهاشميين ومن المُخلصين المُمحَّصين ـ على ما سنعرف في الوجه فيه... ـ ويُحمِّله رسالة شفويَّة مُعيَّنة، ويأمره بأن يخطب بها في المسجد الحرام بين الركن والمقام، وقد سمعنا نصَّ الخُطبة في الأخبار.
وينبغي هنا أن نُلاحِظ أنَّه حين يقول: أنا رسول فلان إليكم... لا دليل على أنَّه يورِد اسم المهدي (ع) بحقيقته ويُعرِّف المُخاطَبين أنَّه هو المهدي الموعود، بل لعلَّه يورِد الاسم والعنوان المُعلن اجتماعياً له (ع) في ذلك الحين.
وما أن يسمع أهل مكَّة هذه الخُطبة، حتى يجتمعون عليه ويقتلونه بين الركن والمقام، قُرب الكعبة المُشرّفة في بيت الله الحرام، ولعلَّهم يقطعون رأسه ويُرسلونه إلى السفياني، ليكون لهم الزُّلفى لديه.
هكذا تقول إحدى الروايات السابقة، ولكنَّنا عرفنا أنَّ مركز السفياني يومئذ لن يكون هو الشام، بل هو العراق، وإن كان كلاًّ القطرين تحت سيطرته وهذا له عدَّة توجيهات، أوضحها احتمال أن يكون السفياني في ذلك الوقت قد ترك مركزه وسافر إلى الشام لإنجاز بعض المصالح المُعيَّنة، ريثما يعود مرَّة أُخرى.
وعلى أيِّ حال، فإنَّهم حين يفعلون ذلك، يكونون قد عصوا العديد من أهمِّ أحكام الإسلام وضروريَّات الدين.
منها: المُحافظة على حُرمة البيت الحرام، الذي اعتبره القرآن الكريم حرماً آمناً.
ومنها: قتل النفس المؤمنة بدون جرم وبغير نفس.
ومنها: رفض نُصرة المُستنصرين بالحق.
فيشتدُّ غضب الله تعالى على أهل الأرض، فيأمر الإمام المهدي (ع) بالظهور لأخذ الحق ودحر الظالمين.
ويكون رسول المهدي (ع) هذا هو النفس الزكية، الموعود قتلها بين الركن والمقام، وسوف لن يكون بين مقتلها وبين الظهور أكثر من خمس عشرة ليلة.
وهذا هو التصوُّر العام الذي تعكسه هذه الأخبار ولتاريخ تلك الفترة، وهو تصوُّر سليم إلى حدٍّ كبير، لا يكاد يرد عليه إلاَّ المُناقشات القليلة الآتية التي لا تُغيِّر من جوهره شيئاً، ومعه لا حاجة إلى الحمل على الرمز، لمَّا قلناه: من أنَّه يتعيَّن ذلك عند قيام الدليل على بطلان المعنى (الصريح).
إلاَّ أنَّ ارتفاع هذا الفهم إلى مستوى الإثبات التاريخي، منوط بصحَّة تلك الأخبار وصلاحيَّتها للإثبات، وهذا ما سنبحثه غير بعيد.
الناحية الثالثة: في نقد بعض الاعتراضات التي تورَد على هذا الفهم العام:
الاعتراض الأول: أنَّه كيف تيسَّر لرجل واحد أن يُخاطب أهل بلدة بكاملها، بشكل طبيعي غير إعجازي؟
إلاَّ أنَّ هذا السؤال يحتوي على سذاجة واضحة؛ لوضوح كفاية قيام الفرد خطيباً في المسجد الحرام المُحتشد بأهل مكَّة، مُستعملاً الأجهزة الحديثة لبثِّ الصوت وتكبيره؛ لكي يستطيع الفرد أن يُخاطب لأهل مكَّة جميعاً، ويُبلِّغ الحاضر منهم الغائب في أقلِّ من ساعة من نهار.
وقد يخطر في الذهن: أنَّه من أين للنفس الزكية حصول مثل هذا الجمع، واستعمال المُكبِّرات.
وجوابه: أنَّنا لم نُلاحِظ إلى الآن في (النفس الزكية) إلاَّ جهته الخفيَّة، وهو أنَّه من خاصة الإمام المهدي (ع) في أواخر عصر الغيبة، ولم يتيسَّر لنا مُلاحظة الجهة الاجتماعية المُعلِنة له عادة.
إنَّ اختيار المهدي (ع) له لينوب عنه بالتبليغ ليس جزافياً، إلاَّ بعد إحراز النجاح في ذلك، أعني التبليغ، وله القابلية الفكرية والاجتماعية، المُعلنة له دخيلة لا محالة في ترجيح اختياره.
فقد يكون هذا الرجل خطيباً معروفاً ووجيهاً، وله درجة من المسؤولية والسُّلطة في المجتمع، ومن الممكن له أن يجمع الناس ويخطب بهم بواسطة أجهزة التكبير.
وخاصَّة إذا عرفنا أنَّه سيقول قولته والناس لا زالت مجتمعة بعد الحج، فقد وردت روايات سنسمعها تُعرِب عن أنَّ الظهور سيتمُّ في اليوم العاشر من مُحرَّم الحرام، فإذا استثنينا من ذلك خمس عشرة ليلة، كان موعد خطاب النفس الزكية هو اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي الحجَّة الحرام، أي بعد انتهاء أعمال الحج بحوالي عشرة أيَّام.
الاعتراض الثاني: أنَّه كيف أمكن للنفس الزكية أن يطَّلع على حقيقة الإمام المهدي (ع) خلال عصر غيبته، ويحمل منه الرسالة إلى أهل مكَّة، مع أن ذلك مُتعذِّر بالنسبة إلى كل أحد، إلى حين حصول الظهور؟
والجواب الأوَّلي الواضح لذلك: هو أنَّ الإرسال كان من قِبَل الإمام المهدي (ع) نفسه، وهو العالم بالمصالح، ويستطيع أن يكشف حقيقته للفرد، أيَّاً كان، في حدود ما يعرفه من ملابسات وحقائق.
لكنَّنا لو عبَّرنا عن الاعتراض بتعبير آخر، من زاوية ما عرفناه في التاريخ السابق،(٢٦٣) من أنَّ مصلحة الغيبة مُقدَّمة على كل مصلحة، فكيف جاز للإمام (ع) أن يكشف حقيقته أمام هذا الرجل، مهما كان صالحاً؟
يمكن الجواب على ذلك من عدَّة وجوه، نُلخِّصها فيما يلي:
الجواب الأول: أنَّ ما عرفناه من تقديم مصلحة الغيبة على كل مصلحة، وإن كان صحيحاً، إلاَّ أنَّ السرَّ الأساسي فيه هو أنَّ كشف الغيبة وارتفاعها مُنافٍ مع حفظ المهدي (ع) لليوم الموعود، ومن ثَمَّ تكون مصلحة الغيبة هي مصلحة اليوم الموعود.
ومصلحة ذلك اليوم مُقدَّمة على كل مصلحة.
وهذا البرهان لا يرد في واقعة إرسال النفس الزكية؛ لأنَّ مصلحة الظهور واليوم الموعود نفسه أصبحت مُتوقِّفة على انكشاف الغيبة بالنسبة إلى هذا الشخص، وتعرُّفه على حقيقة المهدي (ع)، بغضِّ النظر عن الأجوبة الآتية؛ فيكون مُقتضى تقديم مصلحة هو هذا الانكشاف لا الغيبة.
الجواب الثاني: أنَّنا قلنا في التاريخ السابق(٢٦٤) أيضاً: إنَّ كل ناجح نجاحاً تامَّاً في التمحيص الإلهي، بحيث يكون مؤهَّلاً للمشاركة في مهامِّ عصر الظهور، يكون في إمكانه رؤية المهدي (ع) خلال عصر غيبته؛ إذ لا يحتمل أن يكون مورد خطر بالنسبة إليه، وقد دلَّت كثير من الروايات وعدد من أخبار المشاهدة، بأنَّ المجتمعين به (ع) في عصر الغيبة مُتعدِّدون، ممَّن يعرف هويَّته وصفته، وأنَّه يجمع إليه أنصارُه ممَّن بلغ في التمحيص غايته، ونجح فيه النجاح المطلوب، وإنَّ في ذلك من المصالح التي تمتُّ إلى مُمارسة هؤلاء للقيادة في اليوم الموعود، ما لا يخفى.
ويبدو من سياق الرواية التي تُعرِب عن إرسال النفس الزكية، أنَّ هذا الرجل إنَّما هو من هؤلاء الخاصة الذين يجمعهم المهدي (ع) ويُعرِّفهم بحقيقته؛ ومن هنا لا يكون في اطِّلاع النفس الزكية على حقيقة الإمام المهدي (ع) أي إشكال.
وينبغي أن نُلاحِظ هنا: أنَّ النفس الزكية حتى لو كان مُطَّلعاً على حقيقة المهدي (ع) حين إرساله، فإنَّه ليس من الضروري أن يُسمِّيه في خطبته، بل قد يذكر العنوان المُعلَن للمهدي (ع)، ويتجنَّب ذكر الحقيقة بالرغم من معرفته لها، تبعاً لأمر إمامه وقائده (ع).
الجواب الثالث: أن ننطلق من الزاوية التي تصوَّرنا بها تعرُّف السفياني، على تحرُّكات الإمام المهدي (ع)، وهي اطِّلاعه عليه بعنوانه المُعلَن لا بحقيقته.
فمن المُحتمَل أن لا يكون (النفس الزكية) مُطَّلعاً على حقيقة الإمام المهدي (ع) الذي أرسله... بل يذهب لتبليغ الرسالة، وهو لا يعلم أكثر من كونها صادرة عن (فلان) الذي يُسمِّيه في خطبته، وهذا كافٍ في إقامة الحجَّة على الناس.
كما أنَّه كافٍ لتفسير مقتله؛ إذ لا دليل على أنَّهم يقتلونه باعتبار رسالته عن المهدي (ع) بالذات، بل باعتبار مضمون خُطبته، وقد يكون المهدي بعنوانه العلني مبغوضاً لديهم أيضاً، فينزعجون من تجاوب (النفس الزكية) معه، وقبوله لتحمُّل رسالته.
الاعتراض الثالث: إنَّ هذا التسلسل التاريخي الذي عرفناه في (الفهم العام) مُنافٍ مع ما برهنَّا عليه، من أنَّ شرائط الظهور هي الحُكم الفصل في إنجازه عند تحقُّقها، وهذه الأخبار تدلُّ على أنَّ سبب الظهور هو تهديد السفياني للمهدي (ع) بالقتل، وقتل النفس الزكية فأيُّهم نأخذ؟
والجواب: إنَّ كلا الفكرتين صادقتان، وكلا السببين سبب صحيح في نفسه، وليس مقتل النفس الزكية وتهديد المهدي (ع) إلاَّ نتيجة من نتائج شرائط الظهور.
فإنَّ التخطيط العام السابق على الظهور، بما له من خصائص وصفات، عرفناها في التاريخ السابق، مُنتِجٌ لعدَّة نتائج يُهمُّنا الآن منها اثنتان:
النتيجة الأُولى: وجود العدد الكافي من الأفراد المُخلصين المُمحَّصين، لغزو العالم بالعدل بين يدي المهدي (ع)، وهذا هو الشرط الأخير المُتبقِّي من شرائط اليوم الموعود الثلاثة التي عرفناها في التاريخ السابق،(٢٦٥) وبُمجرَّد نجازه يتمُّ الظهور ويُنجَز اليوم الموعود.
النتيجة الثانية: تطرُّف العدد الأكبر من أفراد المسلمين ـ فضلاً عن غيرهم ـ إلى جانب الانحراف والضلال، وأخذهم بالأفكار اللا إسلامية، وعصيانهم أحكام الإسلام.
وكلَّما ازداد الزمان، ازدادت نتائج التمحيص تركيزاً... وحصلت كلتا النتيجتين بشكل أوسع وأوضح، فيتكاثر في أحد الجانبين قوى الحق والإخلاص، ويتكاثر في الجانب الآخر انحراف المُنحرفين وظلم الظالمين، على مُختلف المستويات الاجتماعية.
حتى يُصبح جانب الانحراف والفساد في المجتمع عاصياً لأوضح أحكام الإسلام، ومُنكِراً لضروريَّات الدين، ومُهدِّداً لحُرمات الشريعة من أجل مصالحه وشهواته... الأمر الذي يُنتج أفظع النتائج لدى احتكاك اجتماعي بين الجانبين.
ومعه تكون كلتا النتيجتين اللتين سمعناهما من الأخبار، طبيعية وواضحة، فموقف المهدي (ع) من السفياني سوف لن يكون إلاَّ الشجب والاستنكار، في حدود المقدار الممكن له حال غيبته... الأمر الذي يولِّد ردَّ الفعل لدى السفياني، بإرسال الجيش وتهديده بالقتل، وأمَّا موقف النفس الزكية فواضح من خُطبته، وإن هو إلاَّ صورة أُخرى من صور الشجب والاستنكار، وسيكون ردُّ الفعل هو قتله من داخل بيت الله الحرام.
وستكون ردود الفعل هذه مُتطرِّفة إلى درجة إهدارها للأحكام الضرورية في الدين، الأمر الذي يكشف عن تمخُّض التخطيط والتمحيص الإلهيَّين عن نتائجهما المطلوبة... فيكون موعد اليوم الموعود قد تحقَّق.
الاعتراض الرابع: أنَّه قد يخطر في الذهن، أنَّ المُستفاد من سباق الأخبار، أنَّ سبب الظهور هو إثارة غضب المهدي (ع) من الحادثتين المُشار إليهما، وهذا غير صحيح، بعد أن قامت الضرورة القطعية لدى كل مؤمن بالمهدي كونه مذخوراً لإصلاح العالم برمَّته، وأنَّه ممَّن لا تُهمُّه مصالحه الشخصية على الإطلاق، فكيف يصحُّ أن يكون ظهوره ثأراً لهاتين الحادثتين؟!
والجواب على ذلك واضح ممَّا سبق، وواضح في ضمير كل مؤمن بعد وجود الضرورة القطعية المُشار إليها:
إنَّ هاتين الحادثتين ستُغضبان الله تعالى، لا المهدي وحده... بما يستبطنان من إهدار لضروريات الدين، ولكنَّ الظهور سوف لن يكون ثأراً لأيٍّ منهما... فإنَّ مُهمَّة المهدي (ع) الموعود أوسع وأعمق من هذا المجال الضيِّق، بالرغم من أهمِّيَّته، كلَّما في الأمر أنَّ ظهوره سيكون قريباً منهما زماناً، باعتبار تحقُّق شرائط الظهور، وليس لهاتين الحادثتين من صلة بالظهور، إلاَّ ما قلناه من الكشف عن تحقُّق الشرائط، إلى جانب جعلها علامة عليه في الأخبار... الأمر الذي يُنبِّه المُخلصين المُمحَّصين إلى قُرب الظهور.
وهذا ـ في واقعه ـ يُمثِّل إحدى الفروق الجوهرية بين شرائط الظهور وعلاماته، تلك الفروق التي أنهيناها في التاريخ السابق(٢٦٦) إلى سبعة.
الناحية الرابعة: في مُحاولة تمحيص تلك الأخبار التي ذكرناها في الناحية الأُولى، من حيث قابليّتها للإثبات التاريخي وعدمه.
وفي هذا الصدد نواجه عدَّة نقاط:
النقطة الأُولى: أنَّها روايات قليلة وغير مُستفيضة، بخلاف ما جاء في السفياني والدجَّال، فإنَّه كثير، منها ما ذكرناه، ومنها ما تركناه.
إلاَّ أنَّ هذه النقطة غير مُضرَّة، تمشِّياً مع ميزان الإثبات التاريخي الذي سرنا عليه... لو كانت الروايات مُتَّفقة في المضمون، وكان بعضها موثوقاً سنداً... ولم نكن نتوخَّى في الإثبات حصول الاستفاضة في الأخبار.
وقد يخطر في الذهن: أنَّ أخبار (النفس الزكيَّة) الموعودة، كثيرة العدد، ومُستفيضة، كما هو معلوم لمَن استعرضها... وليست قليلة كما قلناه.
والحق: أنَّنا إذا نظرنا إلى مجموع أخبار (النفس الزكيَّة)، بما فيها من الأخبار الدالَّة على أنَّ مقتل النفس الزكية من المحتوم، وأنَّه من علامات القائم، كانت الأخبار مُستفيضة حتماً.
إلاَّ أنَّ هذا المجموع، لا يُثبت إلاَّ مقتل النفس الزكية إجمالاً، وهذا لا يُفيدنا في صدد كلامنا الحاضر، لاحتمال انطباقها على محمد بن عبد الله الحسني، المُلقَّب بالنفس الزكية، وأمَّا الأخبار التي تتحدَّث عن التفاصيل، والتي تُوضِّح أنَّ هناك شخصاً آخر بهذا اللقب سوف يُقتل في المستقبل، وهي ما سمعناه في أول الفصل، فليس مُستفيضاً، وإن لم يكن عدم الاستفاضة مُضرَّاً، كما أشرنا.
النقطة الثانية: إنَّ في هذه الأخبار عدداً من جوانب الضعف:
الجانب الأول: ما كان رواية عن غير المعصوم، كالخبر الذي نقله الشيخ، عن سفيان ابن إبراهيم الحريري عن أبيه... وكلام الصافي في مُنتخب الأخبار.
الجانب الثاني: ما كان مُرسلاً، بدون ذكر أيِّ راوٍ على الإطلاق، كخبر الإرشاد، وخبر الخرايج والجرايح.
الجانب الثالث: ما كان مرفوعاً مع وجود جزء من السند، أعني بعض الرواة وجهالة الباقي، وهو رواية البحار المُتضمِّنة لخُطبة النفس الزكية... حيث رواها المجلسي عن السيد علي بن عبد الحميد، بإسناده إلى أحمد بن محمد الأيادي، يرفعه إلى أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام).
الجانب الرابع: ما كان قاصراً في دلالته أساساً على ما فهمناه، مثل خبر الإرشاد الذي يذكر من العلامات: ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام، فإنَّه لا يتعيَّن أن يكون هو النفس الزكية، المُسمَّى بمحمد بن الحسن في الأخبار الأُخرى، وإن كان المظنون هو ذلك، لاستبعاد أن يُقتَل قبل الظهور بين الركن والمقام شخصان... مع قدسيَّة بيت الله الحرام لدى المسلمين ووضوح حُرمته.
وكذلك الخبر الثاني للبحار، فإنَّه يُصرِّح باسم النفس الزكية، وإنَّما قال: فيبتدر الحسني إلى الخروج. وهو أيضاً غير مُتعيِّن الانطباق عليه.
الجانب الخامس: وجود التعارض في دلالات بعض هذه الأخبار.
فلو حاولنا أن نعرف أنَّ النفس الزكيَّة هل هو مُرسل من قِبَل المهدي (ع) ولا؟
نجد أنَّ الخبر المُطوَّل الذي نقلناه عن البحار، يُصرِّح بالإيجاب، ونجد الخبر الثاني ينفيه بقوله: فيبتدر الحسني للخروج. وهو واضح في عدم استئذانه من المهدي (ع)، فضلاً عن تحمُّل الرسالة عنه، مع افتراض أنَّه هو النفس الزكية والغضِّ عما سبق.
النقطة الثالثة: وفي هذه الأخبار بعض جوانب القوَّة، وإن لم تكن تعدل جميع جوانب الضعف السابقة.
الجانب الأول: إنَّ الخبر القائل: (ليس بين القائم وبين قتل النفس الزكيَّة إلاَّ خمس عشرة ليلة)، خبر موثوق قابل للإثبات التاريخي، بحسب منهج هذا الكتاب.
فقد رواه الشيخ المفيد في الإرشاد،(٢٦٧) عن ثعلبة بن ميمون، عن شعيب الحداد، عن صالح بن ميثم (الجمَّال)، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام).
وكل هؤلاء الرجال موثقون أجلاَّء، وكان بودِّي أن أُشير إلى تصريحات العلماء لولا أنَّه يطول به المقام، فنوكله إلى القارئ الباحث.
ورواه الشيخ الطوسي في الغيبة،(٢٦٨) عن الفضل بن شاذان، عن الحسن بن علي بن فضَّال، عن ثعلبة إلى آخر السند. وكلاهما من العلماء الثقات.
وعليه؛ فما ذكرناه في التاريخ السابق(٢٦٩) من المُناقشة في سند هذا الحديث مبنيٌّ على التشدُّد السندي الذي التزمناه هناك... وقد رفعنا اليد عن الالتزام به هنا.
الجانب الثاني: أنَّ الخبر الثاني الذي نقله عن البحار موثوق أيضاً، فقد نقله(٢٧٠) عن الكافي لثقة الإسلام الكليني، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن يعقوب السراج، عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) وكلُّهم ثقات أجلاَّء.
الجانب الثالث: أنَّنا يمكن أن نستفيد من مجموع هذه الأخبار، ومن كلمات مَن سمعنا تصريحاتهم، كالراوندي، والصافي، وإبراهيم الحريري، الذين اعتبروا الأمر في عداد المُسلَّمات، فنستفيد وجود التسالم والشهرة الواسعة على أنَّ مقتل النفس الزكية يكون قبل الظهور بقليل بين الركن والمقام، وأنَّه غير مقتل الثائر الحسني المُلقَّب بهذا اللقب.
غير أنَّ هذا الجانب لا يخلو من المناقشة:
أولاً: لأنَّه لم يثبت وجود شهُرة وتسالم أوسع من الأخبار الموجودة، لتكون قرينة عليها، وكلمات الراوندي والصافي وغيرهما قد تكون اعتماداً على هذه الأخبار فقط.
ثانياً: إنَّ الشهرة ـ لو ثبتت ـ تدفع احتمال انطباق مقتل النفس الزكية على الثائر الحسني السابق، إلاَّ أنَّها لا تُثبت كل الخصائص المطلوبة، ككونه رسول المهدي (ع) إلى الناس وخُطبته فيهم، ويكون سبب مقتله بين الركن والمقام مجهولاً.
غير أنَّ الأخذ بهذا الجانب الثالث قريب من النفس، وإن لم يصل إلى درجات الإثبات التاريخي.
فهذه هي النُّخبة من الحوادث الاجتماعية المرويَّة، لما قبل الظهور، وهناك أُمور مُتفرِّقة مرويَّة أيضاً أعرضنا عنها؛ لقصورها عن الإثبات التاريخي، فيكون الدخول في تفاصيلها تطويلاً بلا طائل.
كما أنَّ هناك تفاصيل في تحديد الوضع العالمي قبل الظهور، ممَّا يمتُّ إلى إيجاد الظرف المُناسب للنصر بعد الظهور بصِلَةٍ، وهي تفاصيل مُهمَّة، سنعرض إلى مُحتملاتها والاستدلال عليها في القسم الثاني الآتي عند عرض ضمانات النصر للمهدي (عليه السلام).

 

القسم الثاني: حوادث الظهور وإقامة الدولة العالمية إلى وفاة المهدي عليه السلام
وتندرج في هذا القسم عدَّة أبواب
الباب الأول: في معني الظهور وكيفيته وما يليه من الحوادث إلى حين مسير الامام المهدي (عج) إلى العراق ويتم الكلام في ذلك ضمن عدة فصول
تمهيد

 

حين يُنتج التخطيط الإلهي العام لعصر الغيبة نتيجته، ويتمخَّض عن وجود العدد الكافي لغزو العالم بالحق والعدل، يترتَّب على ذلك نتيجتان كبيرتان:
النتيجة الأُولى: إمكان الحفاظ على حياة الإمام المهدي (عج) بالطريق الطبيعي الاعتيادي، بالرغم من معروفيَّته وانكشاف حقيقته للناس، وذلك لوجود العدد الكافي من الأفراد الذين يُمكنهم بإخلاص أن يذودوا الأخطار بعون الله عزَّ وجلَّ عن إمامهم وقائدهم العظيم.
وبذلك ترتفع الحاجة إلى الغيبة بكلا شكليها: الإعجازي والطبيعي، أعني (أُطروحة خفاء الشخص) الإعجازية، و(أُطروحة خفاء العنوان) الطبيعية، ومع ارتفاع الحاجة إلى الغيبة، لا معنى لاستمرارها.
بل سيكون استمرارها مانعاً عن تحقيق الغرض الإلهي المطلوب في اليوم الموعود؛ ومن هنا تكون مُحرَّمة على الإمام المهدي (عج)... باعتبار أنَّه يجب عليه بحُكم الله عزَّ وجلَّ تنفيذ ذلك الغرض الذي ذُخِر من أجله، وقد أصبح بعد نجاز التخطيط مُمكناً.
فكل ما يكون مانعاً عنه وحائلاً عن تنفيذ، ممَّا يعود إلى عمله الشخصي واختياره، يكون مُحرَّماً عليه.
النتيجة الثانية: إمكان الفتح العالمي بالحق والعدل، بهذا العدد الكافي المُهيّأ لهذه المُهمَّة، وهو ما لم يتوفَّر لأحد من الأنبياء والأولياء، والعظماء والمصلحين السابقين عليه (ع)، وإنَّما شارك كل واحد منهم بقسط من الأعداد طبقاً للتخطيط العام، وبقيت النتيجة مؤجَّلة ومنوطة بالمهدي (عج)، عندما يتمخَّض هذا التخطيط عن نتائجه.
وإذ يكون الفتح العالمي بهذا العدد المُتوفِّر مُمكناً، ويكون واجباً لا محالة طبقاً للتكليف الإسلامي في كل زمان ومكان، والمتكوِّن من أمرين:
الأمر الأول: أنَّ الفتح الإسلامي لأيِّ مقدار ممكن من الأرض المسكونة، واجب... طبقاً لمفاهيم وأحكام الجهاد المنصوصة في الكتاب والسنَّة، فإذا كان الفتح لمجموع الكرة الأرضية ممكناً كان واجباً لا محالة.
الأمر الثاني: إنَّ امتثال كل تكليف في الإسلام، بما فيه وجوب الفتح الإسلامي منوط في الشريعة بإمكان حصوله وتوفُّر مُقدِّماته... فمتى كان المُكلَّف قادراً على امتثال التكليف ـ أيَّاً كان ـ وجب عليه، وكان مُعاتَباً ومُعاقبَاً على تركه، وإذا كان الفرد عاجزاً عن الامتثال؛ باعتبار قصوره وقصور فيه وفي الظروف المُحيطة به، كان التكليف ساقطاً عن الذمَّة؛ لأنَّ الله لا يُكلِّف نفساً إلاَّ وسعها، وليس معنى عدم وجود التكليف في الشريعة، وإنَّما معناه إناطته بحال القُدرة والاستطاعة.
إذا عرفنا ذلك، استطعنا أن نُشخِّص بوضوح أنَّ النبي (ص) والأئمة المعصومين الماضين (ع)، حيث لم يكن لديهم العدد الكافي من الأفراد لغزو العالم بالعدل، كان التكليف به ساقطاً عنهم؛ لأنَّ الغزو في تلك الظروف التي عاشوها لم يكن مُمكناً إلاَّ بالمُعجزة، وهو ما لم تَقُمْ الدعوة الإلهية على اتِّخاذه على طول التاريخ... بل كان يقتصر كل منهم على المقدار الممكن له من الأعمال المؤثِّرة في إقامة الحق.
وقد كان للنبي (ص) عدداً كافياً لفتح منطقة من الأرض، فكان يجب عليه المُبادرة إلى ذلك، وقد كان (ص) على مستوى المسؤولية فأدَّى تكليفه على أحسن وجه، وبذلك انتشر الإسلام.
ثمَّ إنَّ الله عزَّ وجلَّ خطَّط خلال عصر الغيبة ـ كما عرفنا ـ لوجود العدد الكافي من المُخلصين لغزو العالم... وإنَّ التكليف بذلك عند نجاز هذا الشرط، وسيكون هذا التكليف مُتوجِّهاً إلى الإمام المهدي (عج)، وسيكون هو على مستوى المسؤولية، وفي أعلى مراتب الحِكمة وأفضل أشكال القيادة... بعد الذي عرفناه من آثار طول الغيبة في ترسيخ وتعميق القيادة لديه.
وعلى أيِّ حال، فسيكون الظهور والقيام بالسيف والتحرُّك العسكري من قِبَل الإمام المهدي، عند نجاز التخطيط، مُتعيِّناً لازماً، بحسب الوعد الإلهي في القرآن الكريم، والغرض الأسمى من خلق البشرية، وبحسب التكليف الإسلامي للإمام المهدي نفسه.
وليس الإمام وحده مُكلَّفاً، بل مع تحقيق الإمكان، تكون كل البشرية مُكلَّفة بذلك، كل ما في الأمر، أنَّ مَن يكون على مستوى المسؤولية الكاملة لإطاعة هذا الحُكم وتنفيذه، هو الإمام المهدي (ع) وأصحابه... دون الكفَّار والمُنحرفين الذين يكون العدل مُنافياً لمصالحهم الشخصية.
ومن هنا أيضاً؛ كان من اللازم على كل فرد التجاوب مع ثورة المهدي (ع) بأقصى إمكانه، فإن استطاع الجهاد العسكري وجب، وإلاَّ فعليه التجاوب مع مفاهيمه وقوانينه وتطبيقها تطبيقاً دقيقاً.

 

الفصل الأول: في معنى الظهور وكيفيَّته وأُسلوب معرفة المهدي (ع) للوقت الملائم

 

للظهور معنيان مُقترنان يصدقان معاً بالنسبة إلى المهدي (ع)، طبقاً للفهم الإمامي، ويصدق أحدهما طبقاً للفهم الآخر، وله معنى ثالث لا يصدق إلاَّ في زمن مُتأخِّر نسبيَّاً.
المعنى الأول: أن يُراد من الظهور: البروز والانكشاف بعد الاحتجاب والاستتار.
وهذا ما يحصل فعلاً بالنسبة إلى الإمام المهدي (ع)، عند تعرُّف الناس إليه بعد غيبته واستتاره، وهو خاص بالفهم الإمامي الذي يرى حصول الغيبة.
المعنى الثاني: أن يُراد بالظهور: إعلان الثورة (في منطق العصر الحاضر)، والقيام بالسيف (في منطق العصر القديم).
وهو صادق بالنسبة إلى المهدي (ع) على كلا الفهمين الإمامي وغيره؛ لوضوح كونه عليه السلام الثائر الأكبر ضدَّ الظلم والطغيان، والتخلُّف على وجه الأرض.
ومن هنا نعرف؛ أنَّ كلا المعنيين صادقان من زاوية (إمامية)؛ إذ نجد الإمام المهدي (ع) يظهر بعد الاستتار، ثائراً على الظلم والطغيان.
المعنى الثالث: أن يُراد الظهور: الانتصار والسيطرة، يُقال: ظهر عليه. إذا انتصر ضدَّه وسيطر عليه. وهذا المعنى يصدق عند استتباب الأمر للمهدي (ع) على العالم كلِّه، وهو غير ما نُريده من كلمة الظهور.
إذن؛ فينحصر معنى الظهور في لحظاته الأُولى، بالمعنيين الأوَّلين.
ونحن حين ننظر إلى الظهور مُقابلاً للغيبة والاحتجاب، نحتاج إلى التساؤل عن كيفيَّته وطريقة تحقُّقه، كما أنَّنا حين ننظر إلى الظهور بوصفه ثورة عالمية وتنفيذاً لليوم الموعود، نحتاج إلى التساؤل في أُسلوب معرفة الإمام المهدي (ع) للوقت الملائم له،
وطريقة اطِّلاعه على تمخُّض التخطيط الإلهي عن نتائجه.
فباعتبار هذين التساؤلين، ينبغي أن نتكلَّم في جهتين:
الجهة الأُولى: في كيفيَّة الظهور بعد الغيبة.
وإذا نظرنا إلى الظهور من هذه الزاوية، نجد أنَّ له معنيين مُقترنين، عملي ونظري يصدقان معاً:
المعنى الأول: وهو المعنى العملي... وهو أن يرى الناس الإمام المهدي (ع) في أول ظهوره، فيُعرِّفهم بنفسه، ويكشف لهم عن صفته الحقيقية، ويُطالبهم بنصره ومؤازرته، وهذا ما سنعرف تفاصيله في هذا القسم من التاريخ.
المعنى الثاني: وهو المعنى النظري... ويتلخَّص بارتفاع الغيبة التي كان عليه السلام قد اتَّخذها مسلكاً لنفسه، طبقاً للتخطيط الإلهي... سواء كان معنى الغيبة هو (أُطروحة خفاء الشخص) أم (أُطروحة خفاء العنوان)، اللذين شرحناهما في التاريخ السابق، فيكون شخصه مكشوفاً وعنوانه معروفاً... تقديماً لإنجاز مهامِّه العالمية، المُتوقَّعة منه منذ الآن.
فإن صحَّت (أُطروحة خفاء الشخص) الإعجازية، كان معنى الظهور ارتفاع المعجزة عنه، وانكشاف جسمه للناس، مُضافاً على ضرورة تعريفه إيَّاهم بنفسه وإطلاعهم على حقيقته، فإنَّ هذه المعجزة إنَّما كانت سارية المفعول في إخفائه لأجل حفظه من الأعداء والطوارئ؛ ليتولَّى القيادة الكبرى في اليوم الموعود، فإذا حلَّ اليوم الموعود، واجتمعت شرائطه، لم يكن لبقاء ذلك الاختفاء من موضوع.
وإن صحَّت (أُطروحة خفاء العنوان) التي هي طريق لحفظ الإمام، يُغني عن الطريق الإعجازي، إلاَّ في أوقات الخطر، كما سبق أن ذهبنا إليه في التاريخ السابق... وكل ما في الأمر أنَّه عليه السلام يعيش (بشخصيَّة ثانوية)، مُتكوِّنة من اسم مُستعار، وعمل مُعيَّن وأُسلوب في الحياة غير مُلفت للنظر، ولا يمتُّ إلى الإمامة والقيادة بصِلَةٍ.
ومُقتضى هذه الأُطروحة، أنَّه ليس هناك أيُّ إعجاز في الاختفاء ليحتاج إلى زواله، بل يكفي في الظهور: أن يُبدِّل المهدي (ع) شخصيَّته الثانوية بشخصيّته الحقيقية، ويُعرِّف الناس بصراحة بصفته الواقعية، ويُقيم الحجّة على ذلك، بالأُسلوب الذي سوف يأتي.
فيثبت باليقين على أنَّ هذا الشخص الذي كان يُسمَّى بفلان ويعمل كيت، إنَّما هو المهدي الموعود، وقد باشر من الآن مُهمَّاته الكبرى.
ويؤيِّد ذلك من الأخبار ما رأيته في بعض المصادر التي لا تحضرني الآن، من أنَّه (عليه السلام) حين يظهر، يقول عدد من الناس: إنَّنا كنَّا رأينا هذا الشخص قبل هذا.
أقول: وهو أيضاً من الأخبار الصريحة في نفي الأُطروحة.
وهنا ينبغي أن نتذكَّر ما عرضناه من أُسلوب تعرُّف (السفياني) على تحرُّكات المهدي (ع)، ومُطاردته له في عصر غيبته... فإنَّه ممَّا لا موضوع له مع صدق الأُطروحة الأُولى، فتكون كل الأخبار الدالّة على ذلك دالَّة على صدق الأُطروحة الثانية.
ومعه؛ فإتماماً للفهم العام السابق، نفهم أنَّ هذا الشخص الذي كان السفياني يُطارده، وقد حصل الخسف من أجله، ولم يؤثِّر موقف (النفس الزكية) في ترجيح كفَّة الميزان الاجتماعية إلى جهته، إنَّ هذا الشخص سوف يذهب إلى المسجد الحرام، فيُعلن عن شخصيَّته الحقيقية، ويطلب من الناس نُصرته والفداء في سبيل أهدافه، ضدَّ السفياني وغير السفياني من الطُّغاة الظالمين.
الجهة الثانية: في أُسلوب معرفة الإمام المهدي (ع) بالوقت المُناسب للظهور، ذلك الوقت الذي يكون التخطيط الإلهي قد أنتج به نتائجه الكبرى.
والسؤال عن ذلك ينبغي أن يتوجَّه تارةً إلى الفهم غير الإمامي للمهدي، وأُخرى إلى الفهم الإمامي عنه.
أمَّا طبقاً للفهم غير الإمامي، وهو أنَّ المهدي رجل يولَد في عصره، فيوفَّق للثورة العالمية، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظُلماً وجوراً.
فطبقاً لذلك؛ لا نكاد نحسُّ بالحاجة إلى السؤال، إذ يكون شأن المهدي شأن أيِّ قائد آخر تتوفَّر له الظروف الموضوعية للثورة، ويُدرِك إمكان نجاح حركته، كما يُدرك أيُّ قائد ذلك لنفسه، وإنَّما يبقى الفرق بينه وبين سائر القادة، بأمرين:
الأمر الأول: أنَّه بينما يُفسِّر سائر القادة الأوضاع الاجتماعية من زواياهم الشخصيَّة، وينظرون الظروف والفرص من مُنظار مصالهم الخاصة، فإنَّ المهدي ينظر إلى ذلك من زاوية مصالح الإسلام الذي هو (الأُطروحة العادلة الكاملة)، الذي يُخرج البشر من الظلمات إلى النور والحق والعدل.
الأمر الثاني: أنَّه يتلقَّى الإلهام من الله عز وجل، ويكون مؤيَّداً ومُسدَّداً من عنده كما يذهب إليه أبن عربي في الفتوحات المكِّيَّة(٢٧١) وغيره، وإن لم نجد دليلاً واضحاً على ذلك من المصادر العامَّة، ممَّا اضطرَّ ابن عربي أن ينسبه إلى (الكشف الصحيح) دون الكتاب الكريم والسنَّة الشريفة.
ونحن ذهبنا في التاريخ السابق(٢٧٢) إلى صحَّة ثبوت الإلهام للمهدي... لكنَّ ذلك باعتبار الفهم الإمامي، وإما طبقاً للفهم الآخر، فيكاد أن يكون إثباته مُتعذِّراً.
وأمَّا التعرُّف على إنتاج التخطيط الإلهي لشرائط الظهور، فيكون هذا موكولاً إلى الله تعالى وحده؛ ومن هنا سيُقدَّر ميلاد المهدي في الزمان الذي يكون نُضجه الكامل شخصياً مُساوقاً ومُعاصراً مع إنتاج التخطيط واجتماع الشرائط، فإذا حان الوقت، فسيعرف المهدي بفطنته وجود الفرصة المؤاتية والعدد الكافي من الأفراد لغزو العالم مُتوفِّراً، فيصدع بمُهمَّته الكبرى.
وأمَّا لو أخذنا بالفهم الإمامي، فسيكون هذا السؤال وجيهاً... باعتبار أنَّ أيَّام الغيبة مُتساوية النسبة بالنظر السطحي، تجاه موعد الظهور، فلا يكون في بعض الأيام أوْلى من بعض لإنجاز ذلك، ما لم يحصل هناك علم إضافي وانتباه خاص حول الموضوع.
وهذا العلم لا شكَّ في أنَّه سيحصل للإمام الغائب (ع)، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ بحكمته الأزليَّة وتخطيطه العام سيُمكِّن المهدي (ع) من العلم بموعد ظهوره؛ لتوقُّف نجاحه عليه، وتوقُّف تنفيذ الوعد الحق والغرض الأسمى على الظهور، فيتوقَّف ذلك الغرض على العلم بحلول الموعد، فيكون علمه عليه السلام ضرورياً بالبرهان.
وإنَّما ينفتح السؤال عن أُسلوب علمه ذلك، وأنَّه هل هو بطريق إعجازي وطبيعي؟ وهو ما أجابت عليه جملة من الأخبار الخاصة، فتحصَّلت عندنا عدَّة أُطروحات في مقام الجواب على ذلك... وقد لا تكون مُتنافية فيما بينها، بل في الإمكان صدقها جميعاً لو صحّت بالدليل عليها، وتمّ عليها الإثبات التاريخي:
الأُطروحة الأُولى: أن يكون علم المهدي (ع) بموعد ظهوره وثورته، بنحو الرواية عن آبائه المعصومين، عن جدِّه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله.
وتُتصوَّر هذه الرواية على أشكال، تكون كل واحدة في واقعها منها أُطروحة مُستقلَّة:
الشكل الأول: أن يُحدَّد له الزمان في تاريخ مُعيَّن، في ساعة من يوم من شهر من عام بعينه... يكون معلوماً عنده مجهولاً عندنا.
الشكل الثاني: أن تُحدَّد له حادثة مُعيَّنة وعدَّة حوادث، تكون مُعاصرة للموعد المطلوب في حكمة الله عزَّ وجلَّ وتخطيطه، كمقتل النفس الزكية والخسف وأيِّ شيء آخر.
الشكل الثالث: أن يوصَف له جيل مُعيَّن، بأسماء أشخاصه وأعمالهم، وأحد منهم، وأكثر، ويكون الموعد نقطة مُعيَّنة من عمر ذلك الجيل.
إلى غير ذلك من الأشكال... كلُّها مُمكنة ومُحتملة، إلاَّ أنَّه لم يدلَّ عليها نصٌّ مُعيَّن في القرآن الكريم ولا السنَّة الشريفة، بحسب تتبُّعنا، غير أنَّ توقُّع وجود نصٍّ على ذلك ممَّا لا معنى له؛ لأنَّ النصَّ لا يرد إلاَّ فيما أُريد إبلاغه إلى الآخرين، إلى الناس، وأمَّا ما كان خاصَّاً بشخص المهدي (ع) فلا معنى لوروده في دليل عام، أعني واسع الانتشار، ومعه فتبقى هذه الأُطروحة ذات احتمال مُحتَرم.
وهذا هو أحد الفروق الرئيسية التي تمتاز بها الأُطروحة الإمامية عن غيرها؛ إذ لا يُتصوَّر بمن يوجد مُتأخِّراً عن صدر الإسلام، أن يتحمَّل مثل هذه الرواية، دون أن تشتهر وتتناقلها الألسن.
الأطروحة الثانية: أن يكون علم الإمام المهدي (ع) بموعد ظهوره إعجازيَّاً، بمعنى أنَّه يحين الموعد الذي يراه الله عزَّ وجلَّ صالحاً للظهور وانتصار الثورة العالمية، فإنَّه عزَّ وجلَّ يُحقِّق أمام الإمام المهدي (ع) مُعجزة بشكل وآخر توجِب إلفاته إلى ذلك... كما سنسمع.
وذلك بأحد أُسلوبين، وبالأُسلوبين معاً، وإن لم يكن أحدهما مُغنياً عن الآخر.
الأُسلوب الأول: وهو أوضحهما وأصرحهما بالإعجاز، ما لم يُحمَل على الرمز، لو أمكن.
فمن ذلك: ما أخرجه الراوندي،(٢٧٣) مُرسلاً عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، في حديث عن القائم يقول فيه: (إذا كان وقت خروجه انتشر العَلَم بنفسه، فناداه العلم: اخرُج يا وليَّ الله، اقتل أعداء الله. وله سيف الله، إذا حان وقت خروجه اقتُلِع السيف من عنده (غمده) فناداه السيف: اخرُج يا ولي الله، فلا يحلُّ لك أن تقعد عن أعداء الله)، وروي ذلك مُرسَلاً مُكرَّراً أيضاً.(٢٧٤)
وهذا الأُسلوب، كما ترى، فيه عدَّة نقاط ضعف:
النقطة الأُولى: أنَّ رواياته قليلة، وكلُّها مُرسَلة، لم يذكر لها الراوندي أيَّ سند؛ ومعه فلا يمكن الأخذ بها طبقاً لأبسط وأوضح الموازين.
النقطة الثانية: أنَّها مُنافية لقانون المعجزات، القائل: بأنَّ المعجزة لا تقوم مع إمكان وجود البديل الطبيعي عنها، المُنتِج لنفس النتيجة، ومن المعلوم ـ بوضوح ـ وجود البديل عن أمثال هذه المعاجز المنقولة من هذه الأخبار؛ فإن معرفة الإمام لمهدي (ع) بموعد الظهور لا ينحصر بها، ولا يتوقَّف عليها، بعد إمكان الأُطروحة الأُولى والثالثة، اللتان ترجعان إلى معنى طبيعي غير إعجازي.
النقطة الثالثة: أنَّها مُبتنية على المفاهيم القديمة في تصوُّر الحرب، وأنَّ سلاح الإمام المهدي (ع) في ظهوره سوف يكون هو السيف على التعيين، وإنّ قيادته سوف تكون بالراية وهي العلم الكبير، وكل هذا ممَّا ثبت بالوجدان تغيُّره وتطوُّره.
وقد يخطر في الذهن: أنَّنا سنحمل فيما يلي من البحث معنى السيف على كل سلاح، ونحمل معنى الراية على القيادة العقائدية ككل... فلماذا لا نحملها هنا على ذلك أيضاً؟
والجواب على ذلك: أنَّ من الأخبار ما يكون قابلاً للحمل على ذلك، وبعضها ما يكون كالصريح فيه، كما سنسمع، وأمَّا مثل هذه الأخبار المُرسلة، فلا يمكن أن تُحمل على ذلك... لوضوح أنَّ القيادة المعنوية لا يُتصوَّر فيها النطق والكلام، حتى وإن كان إعجازياً، كما أنَّ حَمْلَ السيف على المدفع والصواريخ الموجَّهة مثلاً، فتكون هي الناطقة بدل السيف... بعيد جدَّاً، كما هو واضح.
الأُسلوب الثاني: أنَّ الإمام المهدي (ع) يعرف موعد ظهوره عن طريق الإلهام.
فمن ذلك: ما أخرجه الصدوق في إكمال الدين،(٢٧٥) عن عمر بن إبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد الله (ع): (يأتي على الناس زمان... ـ إلى أن قال: ـ فإذا أراد الله عزَّ وجلَّ إظهار أمره، نكت في قلبه نكتة فظهر...) الحديث.
والنَّكْتُ في القلب هو الإلهام، كما تُفسِّره الأخبار الأُخرى.
أخرج الكليني في الكافي،(٢٧٦) بسنده عن علي السائي، عن أبي الحسن الأول موسى عليه السلام، قال: (مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه: ماضٍ، وغابر، وحادث. فأمَّا الماضي فمُفسَّر، وأمَّا الغابر فمزبور، وأمَّا الحادث فقذف في القلوب، ونقر في الأسماع، وهو أفضل علمنا، ولا نبيَّ بعد نبيِّنا).
وأخرج أيضاً(٢٧٧) بسنده عن المفضَّل بن عمر، قال:
قال قلت لأبي الحسن عليه السلام، عن أبي عبد الله (ع) أنَّه قال: (إنَّ علمنا غابر، ومزبور، ونكت في القلوب، ونقر في الأسماع)؟
فقال: (أمَّا الغابر فما تقدَّم من علمنا، وأمَّا المزبور فما يأتينا، وأمَّا النكت في القلوب فإلهام، وأمّا النقر في الأسماع فأمر المَلك).
ولهاتين الروايتين فهمهما الخاص، الذي يخرج بنا عن الصدد، والذي يُهمُّنا الآن هو الرواية الثانية، تُفسِّر النكت بالقلوب بالإلهام،(٢٧٨) وتُسمِّيه الأُولى: القذف في القلوب، وتُصرِّح بأنَّه أفضل العلم الواصل إليهم عليهم السلام.
وهذا المعنى عام لكل الأئمة عليهم السلام، بما فيهم المهدي (ع) طبقاً للفهم الإمامي له، الذي ننطلق منه الآن.
إذن؛ فيكون الإمام المهدي (ع) مُلهَماً في تحديد وقت ظهوره، بدون حاجة إلى تحديد سابق يرويه عن آبائه عليهم السلام.
وقد سمعنا في التاريخ السابق(٢٧٩) من الأخبار، ما دلَّ على أنَّ الإمام إذا شاء أن يعلم شيئاً أعلمه الله تعالى ذلك، وهو يَسند مضمون هذه الأخبار أيضاً، ولا شكَّ أنَّ المهدي (ع) يُريد طوال أيَّام غيبته أن يعلم وقت ظهوره، فيُعلمه الله تعالى بالموعد عند حلوله، عن طريق الإلهام ونحوه من أساليب العلم التي أشارت إليها تلك الروايات.
وإذا غضضنا النظر عن هذا المعنى (الإعجازي) للنَّكْت في القلب... أمكننا أن نحمله على عدَّة معاني طبيعيَّة اعتيادية نذكر منها اثنين:
المعنى الأول: معنى عاطفي، وهو الغضب لله عزَّ وجلَّ، وللعدل... عند بلوغ انحراف من المسلمين غايته، ويكون هذا الغضب هو المعنى الحادث في قلبه عليه السلام، يحمله على الخروج.
إلاَّ أنَّ هذا المعنى بمُجرَّده غير كافٍ في تبرير الظهور؛ فإنَّ غضبه لله عزَّ وجلَّ وللعدل موجود على الدوام، ما دام عصر الانحراف موجوداً، إلاَّ أنَّه يحتاج إلى العلم بانتصار حركته وثورته عند ظهوره، وهذا ما يُحرَز بالأُطروحة الأُولى والثالثة.
المعنى الثاني: معنى عقلي، وهو علم المهدي (ع) باجتماع شرائط الظهور وتكامل علاماته، وهذا المعنى راجع إلى الأُطروحة الثالثة التي سنذكرها، وإذا كان المراد من الخبر السابق على هذا المعنى، كان دليلاً على ما سنقوله في الأُطروحة الثالثة، ولا يكون دالاًّ على معنى إعجازي.
وعلى أيِّ حال، فهذا الخبر الذي دعمنا به الأُطروحة الثانية، لم تثبت وثاقة رواته، ولم نجد غيره بمضمونه؛ فلا يكون قابلاً للإثبات التاريخي، ومعه لا تتمُّ هذه الأُطروحة.
الأُطروحة الثالثة: إنَّ المهدي (ع) يُشخِّص وقت الظهور بخبرته الخاصة... بعد أن كان تلقَّى أُسسه العامة عن آبائه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وينبغي أن نتحدَّث عن إثبات هذه الأُطروحة، ضمن عدَّة أُمور:
الأمر الأول: أن نُعدِّد بشكل موجز شرائط الظهور، وأهمّ ما يتمخض عنه التخطيط الإلهي العام السابق على الظهور من نتائج، ممَّا سبق أن عرضناه في التاريخ السابق وهذا التاريخ... ويمكن تلخيص أهمِّها فيما يلي:
الأول: وجود القيادة المُتكاملة التي تقوم بمهامِّ يوم الظهور ونشر العدل في العالم كلِّه.
الثاني: وجود القانون العادل، والأُطروحة العادلة الكاملة، التي تتكفَّل حلَّ كل مشاكل البشرية، وتستأصل جميع مظالمها.
الثالث: وجود العدد الكافي من الأفراد لفتح العالم على أساس العدل، واستمرار حُكمه على هذا الأساس.
الرابع: بلوغ الأُمّة الإسلامية ككل، إلى درجة النُّضج الفكري والثقافي، بحيث تستطيع أن تستوعب وتتفهَّم القوانين والأساليب الحديثة التي يتَّخذها المهدي (ع) في دولة الحق والعدل
الخامس: تطرُّف انحراف المُنحرفين، إلى حدٍّ يكون على مستوى نَبْذِ الشريعة الإسلامية وعصيان واضحات أحكامها.
السادس: يأس العالم والرأي العام العالمي، ككل، من الحلول المُدَّعاة للمشاكل العالمية عن طريق الإسلام... كما سبق أن برهنَّا.
إلى غير ذلك من النتائج، وهذه أهمُّها ممَّا يمتُّ إلى محلِّ الحاجة بصِلَةٍ، وهذه الشرائط ولواحقها كلُّها تكون مُجتمعة ومُتعاصرة، نتيجة للتخطيط الإلهي العام، قُبَيل الظهور مُباشرة، ويكون الظهور كاشفاً لنا عن اجتماعها... كما تكشف بعض الحوادث السابقة عليه عن بعضها.
الأمر الثاني: أنَّ هناك أساليب عامَّة لتفسير وجود العلم لدى الإمام المعصوم (ع)، شاملة للإمام المهدي (ع)، طبقاً للفهم الإمامي الذي نتحدَّث عنه على طبقه الآن، وقد وردت أخبار المصادر الخاصة، وهي تصلح لتفسير علمه بأيٍّ من هذه الأُمور، كالإلهام، والنقر في الأسماع، وقاعدة: إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً أعلمه الله تعالى ذلك. وقاعدة: إنَّ أعمال العباد تُعرَض على الإمام كل جمعة، ويرى فيها رأيه النهائي في كل عام في ليلة القدر.
ولا نُريد الدخول الآن في إثباتات ذلك، ولعلَّ بعض ما سبق في هذا الكتاب والذي قبله ما يصلح لذلك، إلاَّ أنَّنا نريد التجاوز عن كل هذه الأساليب، طمعاً في أن يتَّخذ البحث الشكل الطبيعي المألوف، وقد لا تكون هناك مُنافيات بين الأُسلوبين الإعجازي والطبيعي، لكي يكون أحدهما نافياً للآخر.
الأمر الثالث: أنَّنا إذا تجاوزنا عن تلك الأساليب العامة، وحافظنا على الفهم الإمامي لفكرة المهدي، مع فَهْمِ الغيبة طبقاً لأُطروحة خفاء العنوان، الذي سبق أن فهمناها وبرهنَّا عليها.
إذا لاحظنا كل ذلك يُنتِجُ لدينا كون الإمام المهدي (ع) شخصاً طويل العمر، مُعاصراً لمئات الأجيال البشرية، مذخوراً لإقامة العدل الكامل في العالم كلِّه، مُتَّصلاً بالناس خلال عصر غيبته، بدون أن يعرفوه مواكباً لأخبارهم وورائهم عارفاً بآلامهم وآمالهم.
وإذا فهمنا المهدي (ع) بهذا الشكل، استطعنا أن نستوعب ـ بكل سهولة ووضوح ـ علمه بكل هذه الأمور، بشكل طبيعي لا أثر للإعجاز فيه؛ فإنَّنا لا ينبغي أن ننزل في التصوُّر عن الشخص العبقري والمُفكِّر الألمعي، فإنَّ الفرد العبقري قد يطَّلع على عدد من جوانب تلك الخصائص، وإن تعذَّرت إحاطته الكاملة بها، بطبيعة الحال... فكيف بالإمام المهدي (ع) صاحب الصفات الكبيرة والمُميِّزات الجليلة؟! وبخاصة إذا كان للإمام (ع) اهتمام خاص بتتبُّع هذه الخصائص ومواكبة وجودها التدريجي، حتى تصل إلى درجة الكمال، وهذا الاهتمام موجود بكل تأكيد؛ باعتبار حرص الإمام المهدي (ع) بمعرفة موعد ظهوره أكثر من أيِّ شخص آخر.
ليس هذا فقط، أعني أنَّ المهدي (ع) لا يكتفي فقط بمُجرَّد العلم بالحوادث والاطِّلاع على التفاصيل، بل هو مُكلَّف ـ في بعض الحدود التي عرفناها في التاريخ السابق(٢٨٠) ـ بالمشاركة بالبناء الاجتماعي الخيِّر ودفع البوائق والكوارث عن الأمَّة الإسلامية؛ ومعه فلا يكون فقط عالماً بتحقيق تلك الخصائص كفرد عبقري، بل هو مُشارك في وجودها مواكب لأخبارها مواكبةً داخليةً ـ لو صحَّ التعبير ـ وهو أفضل أشكال العلم (الطبيعي)، وأكثرها تفصيلاً ودقَّة.
وهذا هو الذي يُفسِّر لنا علمه (ع) بكل الأمور الستَّة، كما هو غير خفيٍّ على القارئ الذكيِّ... مع وجود بعض المُميِّزات في عدد من النقاط، نُشير إليها فيما يلي:
أولاً: بالنسبة إلى الأمر الأول، يُعتبر وجود القائد أمراً وجدانياً للمهدي (ع)؛ باعتباره يرى نفسه هو ذلك القائد بطبيعة الحال، ويُعرف ذلك بالضرورة.
ثانياً: بالنسبة إلى الأمر الثاني، يتمُّ تلقِّي أساس الشريعة وقواعدها العامة، بنحو الرواية عن آبائه عن النبي (ص)... وإن كان (ع) يطَّلع على عدد من التطبيقات عن طريق العلم (الطبيعي) الذي أشرنا إليه.
ثالثاً: بالنسبة إلى الأمر الثالث، وهو وجود العدد الكافي من المؤيِّدين والأنصار، يكفي في اطِّلاعه (ع) على تكاملهم عدداً وإخلاصاً، نفس الطريق السابق، مع ملاحظة اهتمامه الدائم والدائب عن الفحص عن ذلك، ويفوق هذا الأمر الثالث غيره نقطة قوَّة مُهمَّة، هو ما أشرنا إليه في التاريخ السابق،(٢٨١) من أنَّه (ع) يجتمع بالناجحين الكاملين بالتمحيص ويُعرِّفهم على حقيقته، انطلاقاً من عدَّة أدلَّة، أهمُّها الفكرة القائلة: إنَّ المانع عن التعرُّف على الإمام إنَّما هو الذنوب وأنحاء القصور والتقصير. فإذا ارتفع كل ذلك، كان التشرُّف بخدمة الإمام ممكناً وسهلاً، إلاَّ أنَّ ذلك خاص بالمُخلصين من الدرجة الأُولى من درجات الإخلاص الأربع التي ذكرناها هناك.(٢٨٢)
ومعه؛ يكون تعرُّفه (ع) على هؤلاء المُمحَّصين وعددهم ودرجة إخلاصهم، تعرُّفاً مُباشراً، بالمشاهدة والوجدان.
نعم، قد يبقى تعرُّفه على الناجحين في التمحيص من الدرجات الأدنى من ذلك مُتوقفاً على الطريق (الطبيعي) الذي ذكرناه.
رابعاً: بالنسبة إلى الأمر الخامس، وهو تطرُّف انحراف المُنحرفين، يحتوي على شواهد كثيرة، أعلاها مُطاردة الإمام المهدي (ع) بالجيش الذي يُخسف به ومقتل النفس الزكية... وقد تكون هناك شواهد أُخرى لدى الإمام المهدي (ع) لم ترد في النقل.
هذا، وأمَّا بالنسبة إلى الأمرين الخامس والسادس، فيبدو أنَّهما يقتصران على ذلك الطريق الطبيعي، وليس فيهما مزيَّة زائدة... وهو كافٍ تماماً في تفسير كيفيَّة علم الإمام المهدي (ع) بهما.
هذا، وينبغي أن نلتفت بهذا الصدد، أنَّ للأمور الأربعة من هذه الستَّة التي أسلفناها مُستويين من الإثبات:
المستوى الأول: تشخيص ما ينبغي أن تكون عليه الأُمَّة الإسلامية من مستوى هذه الصفات، لتكون مؤهَّلة لتنفيذ اليوم الموعود.
فكم ينبغي أن يكون عدد المُخلصين ليكون كافياً لغزو العالم بالعدل...؟ وكم ينبغي أن يكون العمق الفكري في الأمَّة لتكون قابلة لفهم القوانين المهدوية الجديدة...؟ وكم ينبغي أن يتطرَّف انحراف المُنحرفين وكفر الكافرين...؟ وكم نسبة من البشر ينبغي أن يكون يائساً من الحلول المعروضة في عصر التمحيص والانحراف؟ كل ذلك من زاوية التشخيص النظري.
المستوى الثاني: التشخيص العملي بأنَّ هذه الأمور التي ينبغي أن تقع، والتي استهدف التخطيط العام إيجادها جميعاً... هل وجِدت ليكون الوعد ناجزاً، ولم توجَد بعد؟ وما ذكرناه من طريق تعرُّف الإمام المهدي (ع) بالنتائج كان هذا المستوى هو المنظور فيه.
وأمَّا طريقة علمه (ع) بالمستوى الأول، فمن الواضح تكفُّل الأسلوب العام الإعجازي لعلم الإمام بتغطيته بوضوح، وأمَّا لو تجاوزنا عنه، فينبغي أن يكون علمه به ناتجاً عن خُبرتين مُزدوجتين:
الخُبرة الأُولى: ما يُحصِّله (ع) من اطِّلاع على حوادث الأجيال وقوانين التاريخ، في خلال مُعاصرته الطويلة لبشرية، كما سبق أن ذكرنا في التاريخ السابق.(٢٨٣)
الخُبرة الثانية: معرفته بالمستوى المطلوب الذي سيكون عليه اليوم الموعود، وـ بتعبير آخر ـ ما سيُعلنه هو في دولته العالمية من مفاهيم وقوانين، وما سيقوم به من أعمال.
وهو علم مفروض الوجود عنده (ع)، ولا أقلّ من زاوية قواعده العامة وأساليبه الكلِّيَّة.
ومع اجتماع هاتين الخُبرتين، يستطيع أن يتعرَّف على المستوى الأول بكل وضوح، خُذْ مثلاً: إنَّ كل مُثقَّف إلى الدرجة الكافية، يستطيع أن يُشخِّص المستوى الذي ينبغي أن يكون عليه الفرد ثقافياً، ليفهم كتاب (روح القوانين) لمونتوسكيو، وأن ينظُم قصيدة جميلة بمُناسبة زواج ما ـ مثلاً ـ كما أنَّه يستطيع أن يُشخِّص مقدار قوَّة الإرادة والعزم الذي يكفي لارتداع الفرد عن الرشوة.
وعلى أيِّ حال، فقد صحَّت الأُطروحة الثالثة القائلة: بأنَّ في إمكان المهدي (ع) أن يطَّلع على اجتماع شرائط الظهور بنفسه، ولا حاجة له ـ بعد ذلك ـ إلى المُعجزة المُنبِّهة له إلى ذلك، كالأُسلوب الأول من الأُطروحة الثانية، بل تكون عندئذ مُخالفة لقانون المعجزات.
الفصل الثاني: في تاريخ الظهور وموعده
ويمكن أن يتمَّ ذلك على عدَّة مستويات، لا بدَّ من عرضها ونقدها، واختيار الصحيح منها:
المُستوى الأول: في تعيين تاريخ الظهور بشكل تفصيلي، يذكر فيه العام والشهر واليوم، وهذا ما لا سبيل إليه، ولم يرد تحديده في أيِّ نصٍّ، وهو المستوى الذي تُكذِّبه أخبار نفي التوقيت ولَعْن الوقّاتين، التي رويناها في الباب الأول من القسم الأول من هذا التاريخ.
وقد سبق أن عرفنا أنَّ إخفاء التاريخ التفصيلي هو أحد حلقات التخطيط، التي تُتيح للمهدي (ع) وأصحابه فُرص النصر في مُهمَّتهم العالمية؛ وذلك باعتبار توفُّر عنصر المُفاجأة التي هي أهمُّ أسباب عناصر النصر.
المستوى الثاني: في تعيين موعد الظهور إجمالاً، كما لو قلنا: إنَّه يحصل متى أراد الله تعالى ونحو ذلك، وكل ذلك صادق إلاَّ أنَّه لا يُسعفنا بشيء مُهمَّاً فيما نحن بصدده.
المستوى الثالث: استنتاج التاريخ إجمالاً وتفصيلاً، من بعض كلمات النصوص القرآنية وغيرها، عن طريق قواعد (علم الحروف) المُسمَّى بالجُفر، وهو علم موجود عند بعض الفلاسفة والصوفية، يدَّعون أنَّه يُنتِج الاطِّلاع على الحقائق المجهولة؛ ومن هنا يحسُن أن نحمل عنه فكرة كافية.
وقد استعمل هذه القواعد لاستكشاف موعد ظهور المهدي (ع) جماعة من علماء المسلمين، منهم الشيخ مُحيي الدين بن عربي القائل:

 

إذا دار الـزمـان عــلى حـروف بـبـسـم الله فالمـهـديُّ قامـا
ويخـرج بـالحطيم عقـيـب صـوم ألا فـاقرِئه مـن عـندي السلامـا(٢٨٤)

 

وظاهره مُحاولة استكشاف الموعد من الحروف التي يتكوَّن منها لفظ: باسم الله
وقال الشيخ الكبير عبد الرحمان البسطامي:

 

ويـظهر ميم المـجد مـن آل أحمد ويـظهـر عـدل الله في الـنـاس أوَّلاً
كمـا قد روينـا عن علي الرضـا وفي كـنز علـم الحـرف أضحى مُحصَّـلاً

 

وقال أيضاً:

 

ويـخرج حرف الميـم مـن بعـد شينه بمكَّـة نحو البيـت بالنصـر قد علا
فهـذا هـو المـهدي بالحـق ظـاهـر سـيأتي مـن الرحمان للخلق مُرسلا

 

إلخ... الأبيات.(٢٨٥)
وستكون معرفة ذلك، بطبيعة الحال، مُتعذِّرة لغير مَن يُتقن تلك القواعد ويُجيد طريقة الاستخراج منها، ولو كانت صحيحة.
وإنَّ أوسع مُحاولة اطَّلعتُ عليها في ذلك، هو ما قام به الشيخ المجلسي في (البحار)،(٢٨٦) على أثر خبر يرويه عن أبي لبيد، عن الإمام الباقر (ع) قال:
قال أبو جعفر (ع): (يا أبا لبيد، إنَّه يملك من وُلْد العباس اثنا عشر... ـ إلى أن قال: ـ يا أبا لبيد، إنَّ في حروف القرآن المُقطَّعة لعلماً جمَّاً، إنَّ الله تعالى أنزل: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ...)، فقام محمد (ص) حتى ظهر نوره وثبتت كلمته، وولِد يوم ولِد، وقد مضى من الألف السابع(٢٨٧) مئة سنة وثلاث سنين).
ثمَّ قال: (وتبيانه في كتاب الله في الحروف المُقطَّعة، إذا عددتها من غير تَكرار، وليس من حروف مُقطَّعة حرف ينقضي إلاَّ وقيام قائم من بني هاشم عند انقضائه).
ثمّ قال: (الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون، والصاد تسعون، فذلك مئة وإحدى وستُّون، ثمَّ كان بدء خروج الحسين بن علي (ع) الم الله، فلما بلغت مدَّته قام قائم وُلد العباس عند (المص)، فقام قائمنا عند انقضائها بـ (الر) ذلك وعِه واكتمه).
وقد تكلَّم المجلسي حول هذا الخبر كلاماً طويلاً، وذكر أنَّ بعض ما أشار إليه الخبر من تحديدات، يُطابق الواقع، كبعثة النبي (ص).
ونحن ننقل منه فيما يلي ما يمتُّ إلى المهدي (ع) بصِلَةٍ:
قال المجلسي:
قوله: (... ويقوم قائمنا عند انقضائها بـ الر).
هذا يحتمل وجوهاً:
الأول: أن يكون من الأخبار المشروطة البدائية،(٢٨٨) ولم يتحقَّق لعدم تحقُّق شرطه، كما تدلًُّ عليه أخبار هذا الباب.
الثاني: أن يكون (يعني: الر) تصحيف (المر)،(٢٨٩) ويكون مبدأ التاريخ ظهور أمر النبي (ص) قريباً من البعثة كـ (ألم)، ويكون المراد بقيام القائم قيامه بالإمامة تورية.
فإنَّ إمامته كانت في سنة ستِّين ومئتين، فإذا أُضيفت إليه إحدى عشرة سنة قبل البعثة يوافق ذلك.
الثالث: أن يكون المُراد جميع أعداد كل (الر) يكون في القرآن وهي خمس مجموعها ألف ومئة وخمسة وخمسون،(٢٩٠) ويؤيِّده أنَّه (ع) عند ذكر (ألم) لتَكرُّره، ذكر ما بعده لتعيين السورة المقصودة، ويتبين أنَّ المراد واحد منها، بخلاف (الر)؛ لكون المراد جميعها، فتفطَّن.(٢٩١)
الرابع: أن يكون المراد انقضاء جميع الحروف مبتدأ بـ (الر)، بأن يكون الغرض سقوط (المص) من العدد و(الم) أيضاً، وعلى الأول يكون: ألفاً وستّمئة وستّة وتسعين.(٢٩٢) وعلى الثاني يكون ألفاً وخمسمئة وخمسة وعشرين، وعلى حساب المغاربة يكون على الأول ألفين وثلاثمئة وخمسة وعشرين، وعلى الثاني ألفين ومئة وأربعة وتسعين، وهذه أنسب بتلك القاعدة الكلِّية، وهي قوله: (وليس من حرف ينقضي...)؛ إذ دولتهم (ع) آخر الدول، لكنّه بعيد لفظاً، ولا نرضى به، رزقنا الله تعجيل فرجه (ع).
وأضاف: هذا ما سمحت به قريحتي بفضل ربِّي في حَلِّ هذا الخبر المُعضَل وشرحه، فخُذْ ما أتيتك وكن من الشاكرين، وأستغفر الله من الخطأ والخطل في القول والعمل، إنَّه أرحم الراحمين.
أقول: ويُحتمل وجوهاً أُخرى عديدة، نذكر فيما يلي عدداً منها طبقاً لنفس الترقيم:
الخامس: وهو المُستظهر من الخبر حين يقول: (ويقوم قائمنا عند انقضائها) (يعني ألمص) ب: الر... يعني: حين ينقضي رقم المص نحسب حساب الر، فإذا انقضى رقمه كان موعد قيام القائم ناجزاً.
فإذا علمنا أنَّ قيمة (المص) مئة وواحد وستُّون، وقيمة مجموع ما ورد في القرآن من كلمة (الر) – وقد تكرَّرت خمس مرَّات – ألف ومئة وخمس وخمسون... كان المجموع ألفاً وثلاثمئة وستَّة عشر، وهو تاريخ هجري قد مضى قبل ثمانين عاماً، ولم يظهر المهدي (ع) فيه.
ومعه؛ لا بدَّ أن نحمل ذلك على أنَّه تاريخ لما بعد ولادته، وقد عرفنا في (تاريخ الغيبة الصغرى) أنَّه ولِد عام ٢٥٥؛ فيكون المجموع ألفاً وخمسمئة وواحداً وسبعين، أي أنَّ المهدي سوف يظهر بعد مئة وخمس وسبعين عاماً.
السادس: أن يكون المراد بـ (الر) قيمة حروفه باعتبار أسمائها، أعني: (ألف لام را) – والهمزة ساقطة عند علماء الحروف – فيكون مجموعها ثلاثمئة وثلاثة وثمانين. فإذا ضاعفنا ذلك خمس مرَّات، بعدد تكرُّر هذه الكلمة في القرآن الكريم، كان المجموع ألفاً وتسعمئة وخمسة عشر، فيكون هذا تاريخاً ميلادياً لا يظهر فيه المهدي، وأمَّا إذا كان هجريَّاً ومحسوباً من ولادته (عليه السلام)، وأضفنا إليه قيمة (المص)، كان التاريخ بعيداً نسبيَّاً.
السابع: أن يكون المراد المرتبة الثانية من أسماء حروف كلمة (الر)، فإنَّ المرتبة الأُولى منها هي أسماء حروف هذه الكلمات... وقيمة مجموعها سبعمئة وستّ وثلاثون، فإذا أضفنا إليها قيمة (المص) كان المجموع ثمانمئة وسبعاً وتسعين، وهو تاريخ هجري لا يظهر فيه المهدي (ع)، فإذا أضفنا إليه ٢٥٥ لميلاده (عليه السلام) كان الناتج ألفاً ومئة واثنتين وخمسين، وهو تاريخ لم يظهر فيه المهدي (ع) أيضاً، فإذا ضاعفنا القيمة المُشار إليها لكلمة (الر) خمس مرّات كان الناتج ثلاثة آلاف وستَّمئة وثمانين، فإذا أضفنا إليه قيمة (المص) كان المجموع ثلاثة آلاف وثمانمئة وواحداً وأربعين، وكلاهما تاريخ بعيد عن العصر الحاضر... يُحتمل فيه بدؤه من الهجرة ومن ولادته أيضاً.
فإذا التفتنا إلى جنب هذه الاحتمالات أن يكون الحساب على طريقة المغاربة، كما احتمل الشيخ المجلسي... كان الاحتمال أكثر... ويبقى موعد الظهور الحقيقي غيباً إلهيَّاً، كما أراده الله تعالى أن يكون في تخطيطه العام.
وعلى أيِّ حال، فإنَّه ممَّا يُهوِّن الخطب، أنَّ هذا الخبر لا يخلو من نقاط ضعف:
النقطة الأُولى: أنَّه مروي عن أبي لبيد المخزومي، وقد ذكره علماء (الرجال) ولم يوثِّقوه... فيكون الخبر ضعيفاً وغير صالح للإثبات التاريخي.
النقطة الثانية: إنَّ الرواة بيننا وبينه مجهولون، أعني غير مذكورين بالمرَّة، فيكون الخبر مُرسَلاً.
النقطة الثالثة: إنَّ تفسير الحروف المُقطَّعة في القرآن، على أساس كونها تتكفَّل التنبَّؤ بحوادث المُستقبل، بحساب الجُمل، هو أحد احتمالات التفسير لها، ويدلُّ عليه عدَّة أخبار منها خبر أبي لبيد هذا، إلاّ أنَّ في مقابل ذلك أخباراً أُخرى تدلُّ على تفسيرات أُخرى، لا حاجة إلى ذكرها، والمُهمُّ أنَّ تلك الأخبار تنفي مضمون هذا الخبر، وتكون معارضة له، فيسقط عن قابليَّة الإثبات بالمعارضة.
إلى بعض المُناقشات الأخرى، مُضافاً إلى المُناقشة في (علم الحروف) ككل؛ فإنَّه من العلوم الخفيَّة، التي لم يثبت دليل صحَّتها، ولا بدَّ من إيكال علمها إلى أهله.
المستوى الرابع: لمعرفة موعد الظهور، هو الاعتماد على الروايات الواردة بهذا الخصوص، والتي تُعطينا إلماماً عن اليوم والشهر الذي يحصل فيه الظهور، مع إهمال رقم السنة بطبيعة الحال.
وينبغي أن يقع الكلام هنا في نواحي:
الناحية الأُولى: في التعرُّف على هذه الروايات، ومُحاولة استفادة التاريخ منها.
وهي روايات عديدة، تأخذ التاريخ من زوايا مُتعدِّدة، تذكر لكل زاوية مثالاً من الأخبار:
الزاوية الأُولى: في تعيين السنة على وجه الإجمال.
أخرج الطبرسي في الإعلام،(٢٩٣) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق (ع)، قال: (لا يخرج القائم إلاَّ في وتر من السنين، سنة إحدى، وثلاث، وخمس، وسبع، وتسع).
الزاوية الثانية: في تعيين الشهر وعدد أيّامه:
أخرج الطبرسي أيضاً،(٢٩٤) عن أبي بصير، قال:
قال أبو عبد الله (ع): (يُنادى باسم القائم في يوم ستٍّ وعشرين من شهر رمضان، ويقوم في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قُتِل فيه الحسين بن علي (ع)...) الحديث.
وروى الشيخ في الغيبة،(٢٩٥) عن أبي بصير، قال:
قال أبو عبد الله (ع): (إنَّ القائم صلوات الله عليه، يُنادى اسمه ليلة ثلاثة وعشرين، ويقوم يوم عاشوراء، يوم قُتِل فيه الحسين بن علي (ع)).
الزاوية الثالثة: في تعيين اسم اليوم الأسبوعي.
روى الشيخ أيضاً(٢٩٦) عن علي بن مهزيار، قال:
قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): (كأنِّي بالقائم يوم عاشوراء، يوم السبت...) الحديث.
وروى الصدوق في الإكمال،(٢٩٧) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) قال: (يخرج القائم يوم السبت يوم عاشوراء، يوم الذي قُتِل فيه الحسين (ع)).
الناحية الثانية: في مقدار صلاحيّة هذه الأخبار للإثبات:
بعد مراجعة مجموع ما ورد في المصادر من هذه الأخبار، نجد أنَّ الروايات الدالَّة على أنَّ المهدي (ع) يظهر في وتر من السنين، قليلة العدد، وكذلك الروايات الدالَّة على أنَّه يظهر يوم السبت... بخلاف ما دلَّ على أنَّه يظهر في اليوم العاشر من مُحرَّم الحرام، فإنَّ فيه روايات عديدة قابِلة للإثبات التاريخي.
وقد وجدنا أنَّ تلك الأخبار القليلة مرويَّة بأسانيد ضعيفة، وقع فيها مجاهيل وضعاف، فلا تكون قابلةً للإثبات؛ ومعه يثبت أنَّه (ع) يظهر يوم العشر من مُحرَّم الحرام فقط، وهي أكثر هذه الخصائص أهمِّيَّة وأشدُّها دخلاً في التكوين الفكري العام الذي عرفناه... كما سنسمع.
الناحية الثالثة: في مُحاولة التعرُّف على حِكمة التوقيت في اليوم العاشر من المُحرّم، بحسب فهمنا الحاضر، وطبقاً للتكوين الفكري العام الذي عرفناه، ونتحدّث عن ذلك ضمن نقطتين:
النقطة الأُولى: إنَّ المقصود الأساسي ـ بحسب ما نفهم – من هذا التوقيت، أمران:
الأمر الأول: كون هذا اليوم هو مقتل جدِّه الإمام الحسين بن علي سيد الشهداء (ع)، وهو ما نطقت به الروايات على ما سمعناه.
باعتبار أنَّ ثورة الحسين (ع) وثورة المهدي (ع) معاً مُنسجمتان في الهدف، وهو حفظ الإسلام من الاندراس والضمور، وقد كانت ثورة الحسين (ع) في حقيقتها من بعض مُقدِّمات ثورة المهدي (ع) وإنجاز يومه الموعود، بصفتها جزءاً من التخطيط الإلهي لإعداد العاطفة والإخلاص والوعي في الأمَّة، توخِّياً لإيجاد العدد الكافي لغزو العالم بالعدل، بين يدي المهدي (ع) ولو بعد حين.
كما أنَّ ثورة الإمام المهدي (ع) دفاع عن الإمام الحسين (ع) وأخذ بثأره، باعتبار كونها مُحقِّقة للهدف الأساسي المُشترك، وهو تطبيق العدل وإزالة كلِّ ظلم وكفر وانحراف، وقد وردت بهذا المعنى بعض الأخبار التي سنسمعها.
وقد كان ولا زال وسيبقى وجود الحسين (ع) وثورته في ضمير الأمَّة خاصة، والبشرية عامة حيَّاً نابضاً، على مُختلف المستويات، يُلهِم الأجيال روح الثورة والتضحية والإخلاص؛ ومن هنا كان الانطلاق من زاويته انطلاقاً من نقطة قوَّة مُتسالَم على صحَّتها ورجحانها، وإنَّ أهمَّ مُناسبة يمكن الحديث فيها عن الإمام الحسين (ع) وأهدافه، هو يوم ذكرى مقتله في العاشر من شهر مُحرَّم الحرام؛ ومن هنا كان هذا التوقيت للظهور حكيماً وصحيحاً.
الأمر الثاني: كون هذا اليوم قريباً من موعد الحج الذي هو المنطلق الأساسي لاجتماع المسلمين، والفرصة الرئيسية الوحيدة التي يُمكن وصول أنصار الإمام المهدي (ع) إليه في الموعد المُخصَّص، بالأسلوب الطبيعي غير الإعجازي، على ما سنسمع في النقطة الآتية.
النقطة الثانية: أنَّنا سمعنا في أخبار النداء وفي أخبار التوقيت الأخيرة، أنَّ النداء باسم المهدي (ع) سيكون في شهر رمضان، حيث تكون النفوس عادة أقرب إلى طاعة الله وأبعد عن معصيته، وأكثر اهتماماً بالأمور الدينية من أيِّ شيء آخر، بل لعلَّ النداء سيكون في ليلة القدر، الثالث والعشرين من رمضان... التي هي مركز الطاعة والعبادة من ذلك الشهر.
وسيكون ظهوره (ع) في اليوم العاشر من المُحرَّم، أي أنّ الفاصل بين النداء والظهور حوالي مئة وسبعة أيّام والروايات، لم تنصّ على هذا التتابع، إلاّ أنّه من غير المُحتمل أن يكون النداء في رمضان من بعض السنين، ويكون الظهور في مُحرّم بعد عدّة سنين أُخرى، ولا حتى بعد مدار سنة كاملة، أي – بالضبط – بعد عام وثلاثة أشهُر وسبعة أيام.
ولعلّ أهمَّ دليل على التتابع ونفي الانفصال، هو ما استفدناه من أخبار النداء من كون حدوث النداء إنَّما هو للتنبيه والإعلان عن حصول الظهور، وهذا إنَّما يصدق في الزمان القريب، ولعلَّه إذا وجد بعد أيَّام قليلة كان أفضل، لولا أنَّ مصلحةً كبيرةً هي التي اقتضت تأجيله إلى العاشر من مُحرّم، وهو تاريخ كبير نسبيّاً بالنسبة إلى تطبيق فكرة التنبيه والإعلان؛ ومن هنا لا يمكن الزيادة عليه إلاَّ برفع اليد عن هذه الفكرة، ولكنَّها فكرة ثابتة باعتبار دلالة الأخبار عليها، كما سبق.
إذن؛ فلابدَّ من الالتزام بقر ب الظهور إلى وقت النداء... وذلك بالشكل الذي عرفناه.
وتستطيع أن تتصوَّر معي حال الأمَّة الإسلامية خلال هذه المدّة، وما هو مقدار تأثير النداء فيها، ومدى ردِّ الفعل المُتوقَّع له، وكيف سيكون عليه موسم الحج في ذلك العام، وماذا سيكون ردُّ الفعل من قِبَل أولئك المُمحّصين المُخلصين، المُؤهّلين لغزو العالم بالعدل بين يدي القائد المهدي (ع).
إنّ كل مؤمن مُمحّص سيرى في النداء باسم المهدي (ع) الشرارة الأُولى للظهور، ولإثارة الشعور بالمسؤولية الإسلامية والوجوب الإسلامي في نفس الفرد في نصرة المهدي (ع)، والمشاركة في شرف تأسيس العدل في العالم وتوطيد الدولة العالمية الإسلامية.
وسيكون ذهاب الفرد إلى مكَّة اعتيادياً، لا يُثير شكّاً ولا يُلفت نظراً، إنَّه يذهب إلى الحج، كما يذهب أيُّ فرد في كل عام، وبذلك يتخطَّى الحدود القانونية التي وضعتها الحضارة الحديثة،(٢٩٨) وسيكون الفرد في مكّة عند ظهور المهدي (ع)، طبقاً للتخطيط الإلهي الحكيم.
وبذلك يتوافد كل أنصار المهدي (ع) من كل العالم، وقد أصبحوا بعدد كافٍ لغزو العالم بالعدل، نتيجةً للتخطيط العام... ويحجُّون مع الناس، وهم يتوقَّعون ظهوره في أيِّ لحظة... إن لم يكونوا مسبوقين بروايات التوقيت، ولكنَّ الظهور سيتأخر عن أيّام الحج... فيُسافر الحجَّاج راجعين إلى بلدانهم، وتخلو مكّة المُكرّمة منهم... إلاّ أولئك الذين ينتظرون الظهور، إنّهم سوف يضطرُّون إلى البقاء بعد الحج إلى موعد قد لا يعرفونه بالتحديد... هو موعد الظهور... بدون أن يُصرِّحوا بمقاصدهم الحقيقية لأيِّ إنسان.
وسيُثير بقاؤهم مشكلة قانونيّة، يقع فيها الجدل بين الحاكمين هناك ـ على ما نقلته بعض رواياتنا ـ على ما سيأتي في فصل قادم، حتى إذا ما شاء الله عزّ وجلّ للمهدي (ع) أن يظهر في يوم عاشوراء، كان هؤلاء، هم البذرة الرئيسية لجيشه، أمضاهم إرادة وأعمقهم عقيدة.
وبذلك نفهم أنَّ لأصحاب الإمام المهدي (ع) الفرصة الكافية في الذهاب إلى مكَّة المُكَّرمة، بشكل طبيعي لا أثر للإعجاز فيه، ومعه فتكون الروايات الدالّة بظاهرها على أنَّ وصولهم إليه بنحو إعجازي، تكون مُخالفةً لـ (قانون المعجزات)، ومُحتاجة إلى فَهْمٍ جديد.
وسيأتي التعرُّض لذلك في فصل آتٍ من هذا القسم.
الناحية الرابعة: في إثارة بعض الاعتراضات والأسئلة على التوقيت الذي تحدَّثنا عنه، مع مُحاولة الجواب عنه، وهي عدَّة أمور:
الأمر الأول: ما هو موقف أعداء الإمام المهدي (ع) من النداء؟ فإنّ من المفهوم أنّ هذه المُدّة التي تتخلّل بين النداء والظهور كافية تماماً للاستعداد لسحق أيِّ حركة مُتوقّعة في العالم، والقضاء عليها في مهدها، وبمُجرَّد حدوثها، فكيف ينجو الإمام المهدي (ع) من ذلك؟
فإنّ الأعداء قد يسمعون النداء، وخاصة أنّه نداء رهيب واسع، يُخرِج الفتاة من خِدرها، ويوقظ النائم، ويُفزِع اليقظان، كما سمعنا من الأخبار، وإذا سمعوه توقَّعوا الظهور واستعدُّوا ضدَّه لا محالة.
ويمكن الجواب على ذلك ضمن عدّة مُستويات:
المُستوى الأول: أنَّه دليل على أنّ صوت النداء شامل للبشر أجمعين بل هو بصفته إعجازياً، سيُحدِّد ـ بالمعجزة ـ بالمقدار الذي يحتوي على المصلحة، ويكون خالياً عن المضاعفات؛ ومن هنا يمكن أن يكون النداء مُقتصراً على منطقة دون منطقة، ومجموعة من الناس دون مجموعة.
وهذا مُخالف لظاهر الأخبار التي سمعناها تقول: يُنادي مُنادٍ من السماء باسم القائم، فيسمع مَن بالمشرق ومَن بالمغرب. وتقول: فلا يبقى شيء من خلق الله فيه الروح إلاَّ سمع الصيحة.
إلاَّ أن نخصَّها بمنطقة وجماعة، باعتبار أنَّ عموم النداء وشموله لكلِّ الناس يُشكِّل خطراً على المهدي (ع) في أول ظهوره، وأمَّا ردُّ الفعل الموصوف في الأخبار للصيحة، وهي أنَّها تُوقِظ النائم، وتُفزِع اليقظان، وتُخرِج الفتاة من خِدرها... فيمكن أن نخصَّه بالسامعين، ولا يشمل غيرهم بطبيعة الحال، إلاَّ أنَّ قوله عن الصيحة: إنَّها تخضع لها أعناق أعداء الله تعالى. صريح في سماعهم لها... غير أنَّه صريح في نفس الوقت بعدم قدرتهم في وقوفهم ضدَّها.
المستوى الثاني: إنَّه لا دليل على أنَّ مضمون هذا النداء سيكون هو الدعوة إلى نصرة المهدي (ع) من أجل غزو العالم بالعدل بكل صراحة... ليُشكِّل خطراً على أعداء الله ليستعدُّوا ضدَّه، بل إنَّه ليس كذلك يقيناً، فإنَّ ما صرَّحت به الروايات هو أنَّه يُنادي باسمه واسم أبيه، ليس إلاَّ.
فنعرف من ذلك: أنَّ مضمون النداء هو ـ على الأغلب ـ إمامكم محمد بن الحسن حجَّة الله، ونحو ذلك، من دون أيِّ إشارة إلى أهدافه ولا إلى ظهوره، ولا حتى إلى كونه المهدي الموعود، وإنَّما سيعرف المؤمنون كل ذلك باعتبار مُسبقاتهم الذهنية وأدلَّتهم العقائدية... وهذا غير مُتوفِّر لدى أعداء الله بطبيعة الحال.
المستوى الثالث: إنَّ القوى العالمية المادِّية الحاكمة في الدول الكبرى وغيرها، لو فرضنا، أنَّها سمعت بالنداء ووصلها خبره، بل لو عرفت مضمونه بشكل وآخر... فسوف لن تفهمه كما ينبغي أن يفهم... وإنَّما تعتبره دعاية كاذبة، وعملاً تخريبياً صادراً من قِبَل بعض الدول والجهات، قد يكون مُذاعاً عن طريق بعض الإذاعات ومحطَّات التلفزة، وأحد الأقمار الصناعية المُخصَّصة للبثِّ الإذاعي، إذن؛ فهو – في رأيها – ليس عملاً يستحقُّ المُجابهة والتحدِّي.
المستوى الرابع: إنَّه لا دليل على بقاء الحالة العالمية ما هي عليه الآن، واستمرارها إلى وقت النداء والظهور، بل هناك ما يدلُّ على زوال الحضارات والقوى الكبرى عن المسرح العالمي قبل ذلك... وسنبحثه في فصل قادم.
ومعه؛ لن يكون للمهدي (ع) أعداء رئيسيُّون في أيِّ مكان من العالم، بحيث يُمكنهم القضاء على حركته في مهدها، حتى لو سمعوا النداء وفهموه.
المستوى الخامس: إنَّه مع التجاوز عن جميع المستويات السابقة، يصلح ما قلناه في خلال الحديث عن أخبار النداء جواباً في صددنا هذا، وهو أنَّ ظهور المهدي (ع) الذي يتأخَّر أكثر من مئة يوم، سوف لن يتعيَّن انطباقه على النداء إلاَّ بعد أن يقوى المهدي (ع) ويشتدَّ ساعده، وتكون حركته قابلة للصمود ضدَّ أيِّ اعتداء.
الأمر الثاني ـ من الناحية الرابعة ـ: إنَّه قد يخطر في الذهن أنَّ تحديد زمان الظهور بالنحو الذي سمعناه يُنافي مع الانتظار المُستمرِّ للمهدي (ع)، وأنَّه من المُتوقَّع ظهوره في أيِّ يوم، وفي أيِّ لحظة، إذ مع التحديد بيوم عاشوراء، سوف لن يكون ظهوره في سائر أيَّام السنة مُترقَّباً، كما أنَّه مع التحديد بالسنوات الوتر: إحدى وثلاث وخمس... لن يكون ترقُّب ظهوره في السنوات المزدوجة: اثنان وأربع وستّ موجوداً، وهذا بخلاف ما لو كان التحديد واقعياً غير معروف لأحد، فإنَّ توقُّع الظهور يبقى لدى الناس موجوداً، وبذلك نُحرز فوائد الانتظار التي عرفناها في التاريخ السابق.(٢٩٩)
ويمكن الجواب على ذلك ضمن عدَّة مُستويات:
المستوى الأوَّل: إنَّ كل هذه التحديدات لا تكاد تكون معروفة لدى عامة الناس... ومن هنا نجد منهم مَن يُحدِّد بتحديدات أُخرى لم نجدها في الأخبار ـ في حدود اطِّلاعنا ـ كتحديد الظهور في ليلة القدر، وتحديده بين شهري جمادى الثانية ورجب، وإذا لم يكن هذا التحديد معروفاً كان الجاهل به مُنتظراً للظهور على الدوام.
غير أنَّ هذا المستوى لا يكاد يكون تامَّاً؛ إذ بمقتضاه يكون الانتظار مُنتفياً بالنسبة إلى مَن يعلم بهذه المواعيد، ممَّن يقرأ هذا الكتاب وغيره.
المستوى الثاني: إنَّ هذه المواعيد، وإن ثبتت بأدلَّة قابلة للإثبات التاريخي، وكان بعضها كذلك... إلاَّ أنَّ الإثبات التاريخي شيء، واليقين شيء آخر، فمثلاً إنَّ قول ابن الأثير في كتابه (الكامل) كافٍ للإثبات التاريخي، ولكنَّه ليس بيقيني الصدق على أيِّ حال، ونحن لم نسمع هذه الأخبار من المعصومين (ع) أنفسهم، بل من الرواة الناقلين عنهم، فلا تعدو الرواية أن تكون ظنِّية ولكنَّها قابلة للإثبات، فإذا كانت هذه التحديدات والمواعيد ظنِّية، كان هناك احتمال آخر يُقابله.
فمثلاً: إنَّنا نظنُّ ـ طبقاً للأخبار ـ أنَّ المهدي (ع) سيظهر في يوم عاشوراء، ونحتمل احتمالاً أقلَّ بأنَّه سيظهر في يوم آخر من السنة، ومعه يكون الانتظار خلال كل أيَّام السنة ثابتاً.
المستوى الثالث: إنَّ ظهوره في أيِّ يوم آخر وأيِّ عام، إفرادياً كان رقمه أم زوجياً.
وبالتالي في أيِّ لحظة مهما كانت... ليس فقط بمُجرَّد احتمال، بل هناك ما يدلُّ عليه من الأخبار، كما سمعنا في التاريخ السابق كقوله: (مَثَله مثل الساعة لا يُجلِّيها لوقتها إلاَّ الله عزَّ وجلَّ، لا تأتيكم إلاَّ بغتة).
وقول المهدي الذي سمعناه هناك، في رسالته للشيخ المفيد(٣٠٠): (فإنَّ أمرنا بغتة فجأة).
إذن؛ فهناك ما يكفي للإثبات على بعض التحديدات، كما أنَّ هناك ما يكفي لإثبات الإطلاق – لو صحَّ التعبير ـ، ولا تعارض بينهما؛ لأنَّ ظهور المهدي (ع) في بعض هذه المواعيد المُحدَّدة مصداق من ذلك الإطلاق على أيِّ حال.
نعم، تكون أدلة الإطلاق موجبة نفسياً وعقلياً للانتظار الدائم.
المستوى الرابع: أنَّنا لو فرضنا أنَّ الأخبار الدالَّة على التحديد قطعية الصدور عن المعصومين (ع)، فإنَّ مضمونها يبقى مُحتملاً غير قطعي، لاحتمال نسخه وحصول البدء فيه... بالمعنى الذي قام الدليل على إمكانه على الله عزَّ وجلَّ، وخاصة بعد أن نسمع من الأخبار ما هو محتوم، يمكن أن يقع فيه البدء بالرغم من كونه محتوماً.
فالسفياني ـ مثلاً ـ الذي ورد في عدد من الروايات أنَّه من المحتوم، وفي بعضها القَسَم على ذلك... كالذي رواه النعماني في الغيبة(٣٠١) بسنده عن عبد الملك بن أعين، قال: كنت عند أبي جعفر (ع)، فجرى ذكر القائم (ع)، فقلت له: أرجو أن يكون عاجلاً، ولا يكون سفياني.
فقال: (لا والله، إنَّه لمِنَ المحتوم الذي لا بدَّ منه).
ويُشبهه الخبر الذي يليه.
بالرغم من ذلك، فقد ورد فيه احتمال البدء، ومن ثمَّ احتمال أن لا يوجد، كالخبر الذي ورد عن داود بن القاسم الجعفري، قال: كنَّا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (ع)، فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية من أنَّ أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر (ع): هل يبدو لله في المحتوم؟
قال: (نعم!).
قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم!
فقال: (إنَّ القائم من الميعاد، والله لا يُخْلِف الميعاد!).(٣٠٢)
فإذا كان البدء يمكن أن يحصل في المحتوم الذي لا بدَّ منه، فكيف حال التحديدات غير المحتومة؟!
وإذا كان احتمال البدء موجوداً، لم يبقَ هناك موعد مُعيَّن معروف لدى الناس لا يقبل الخلاف والتبديل، ومعه يبقى الانتظار الدائم ساري المفعول... طبقاً لروايات (الإطلاق) التي سمعناها.
الأمر الثالث: هل تكون هذه الأخبار الدالَّة على تعيين اليوم والشهر مشمولة لأخبار نفي التوقيت ولعن الوقَّاتين، فإن كانت كذلك كانت واجبة التكذيب لا محالة.
إلاَّ أنَّ هذا الشمول غير صحيح، ولكلٍّ من شَكلي الأخبار ميدانه الخاص به، من دون أن يُكذِّب احدهما الآخر.
وأهمُّ دليل على ذلك، وجود قرائن داخلية في نفس الأخبار النافية للتوقيت، تجعلها نصَّاً في مركز التكذيب هو رقم السنة فقط، دون اسم الشهر ورقم اليوم واسمه من الأسبوع، كالخبر الذي أخرجه النعماني،(٣٠٣) عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر الباقر (ع) يقول: (يا ثابت، إنَّ الله قد وقَّت هذا الأمر في سنة السبعين، فلمَّا قُتل الحسين (ع) اشتدَّ غضب الله فأخَّره إلى أربعين ومئة، فلمَّا حدَّثناكم بذلك أذعنتم وكشفتم قناع الستر. فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك عندنا وقتاً، (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)).
قال أبو حمزة: فحدَّثت بذلك أبا عبد الله الصادق (ع)، فقال: (قد كان ذلك).
وهناك بعض الأخبار بهذا المضمون... هي واضحة في أنَّ ما ألغاه الله تعالى وأمر بتكذيبه، إنَّما هو رقم السنة، وهو لا يشمل الخصائص الأُخرى، غير أنَّ هذه الأخبار تحتوي ـ من بعض الجهات الأُخرى ـ على بعض الاستفهامات التي لا مجال الآن إلى عرضها والجواب عليها.
ولعلَّنا نتوفَّر على ذلك في محلٍّ آخر من هذه الموسوعة.

 

الفصل الثالث: خُطبته الأُولى بين الركن والمقام وبيعته

 

وينبغي أن نتكلَّم في هذا الفصل عن عدَّة جهات:
الجهة الأُولى: في الأخبار الدالَّة على أنَّ المهدي (ع) يظهر أول ما يظهر بين الركن والمقام، وقد وردت بذلك الأخبار من الفريقين:
أخرج أبو داود(٣٠٤) عن أُمِّ سلمة زوج النبي (ص) عن النبي (ص) قال: (يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكَّة، فيأتيه ناس من أهل مكَّة فيخرجونه وهو كاره، فيُبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من أهل الشام، فيُخسَف بهم بالبيداء بين مكَّة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق، فيُبايعونه بين الركن والمقام...) الحديث.
وأخرج السيوطي في الحاوي،(٣٠٥) عن الطبراني في الأوسط والحاكم عن أمِّ سلمة، قالت: قال رسول الله (ص): (يُبايع لرجل بين الركن والمقام عدَّة أهل بدر، فيأتيه عصائب أهل العراق وأبدال أهل الشام، فيغزوه جيش من أهل الشام، حتى إذا كانوا بالبيداء خُسِفَ بهم).
وأخرج أيضاً،(٣٠٦) عن نعيم بن حماد عن قتادة، قال رسول الله (ص): (يخرج المهدي من المدينة إلى مكَّة، فيستخرجه الناس من بينهم فيُبايعونه بين الركن والمقام، وهو كاره)، وكذلك الخبر الذي قبله.
وأخرج المفيد في الإرشاد،(٣٠٧) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق (ع)، في حديث يقول فيه: (لكأنِّي يوم السبت العاشر من المُحرَّم قائماً بين الركن والمقام...) الحديث.
وروى الشيخ في الغيبة،(٣٠٨) عن علي بن مهزيار عن أبي جعفر الباقر (ع) قال:
قال أبو جعفر (ع): (كأنِّي بالقائم يوم عاشوراء، يوم السبت، قائماً بين الركن والمقام...) الحديث.
وأخرج النعماني في الغيبة،(٣٠٩) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع)، في حديث يقول فيه: (فإذا تحرَّك مُتحرِّك (مُتحرِّكنا) فاسعوا إليه ولو حَبواً! والله، لكأنِّي أنظر إليه بين الركن والمقام...) الحديث.
إلى أخبار أُخرى كثيرة تدلُّ على ذلك.
الجهة الثانية: في سرد الأخبار الدالَّة على خُطبته التي يُلقيها (ع) في موقفه ذاك بين الركن والمقام.
أخرج النعماني في الغيبة،(٣١٠) بإسناده عن جابر بن يزيد الجعفي، قال:
قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر (ع) – في حديث طويل ـ: (والقائم يومئذ بمكَّة، وقد أسند ظهره إلى البيت الحرام مُستجيراً، فيُنادي: يا أيها الناس، إنَّا نستنصركم الله، ومَن (فمَن) أجابنا من الناس، وإنَّا (فإنَّا) أهل بيت نبيِّكم محمد، ونحن أوْلى الناس بالله وبمحمد (ص).
فمَن حاجَّني في آدم، فأنا أوْلى الناس بآدم، ومَن حاجَّني في نوح، فأنا أوْلى الناس بنوح، ومَن حاجَّني في إبراهيم، فأنا أوْلى الناس بإبراهيم، ومَن حاجَّني في محمد، فأنا أوْلى الناس بمحمد، ومَن حاجَّني بالنبيِّين، فأنا أوْلى الناس بالنبيِّين، أليس الله يقول في مُحكم كتابه: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(٣١١)، فأنا بقيَّةٌ من آدم، وذخيرةٌ من نوح، ومصطفى من إبراهيم، وصفوة من محمد صلى الله عليهم أجمعين.
ألا ومَن حاجَّني في كتاب الله، فأنا أوْلى الناس بكتاب الله، ألا ومَن حاجَّني في سنَّة رسول الله، فأنا أوْلى الناس بسنَّة رسول الله.
فأنشد الله مَن سمع كلامي اليوم لما بلغ منكم الشاهد الغائب.
وأسألكم بحقِّ الله وبحقِّ رسوله وبحقِّي؛ فإنَّ لي عليكم حقَّ القُربى من رسول الله، إلاَّ أعنتمونا ومنعتمونا ممَّن يظلمنا، فقد أُخفنا وظُلِمنا وطُرِدنا من ديارنا وأبنائنا، وبُغي علينا ودُفعنا عن حقِّنا، فافترى أهل الباطل علينا، فالله الله فينا! لا تخذلونا! وانصرونا ينصركم الله!...) الحديث.
وأخرج المجلسي في البحار،(٣١٢) بالإسناد عن الفضل بن محبوب، رفعه إلى أبي جعفر (ع) قال ـ في حديث –: (والقائم يومئذ بمكَّة عند الكعبة مُستجيراً، يقول: أنا وليُّ الله، أنا أوْلى بالله وبمحمد (ص)، فمَن حاجَّني في آدم فأنا أوْلى بآدم، ومَن حاجّني في نوح، فأنا أوْلى الناس بنوح، ومَن حاجّني في إبراهيم، فأنا أوْلى الناس بإبراهيم، ومَن حاجّني في النبيِّين، فأنا أوْلى الناس بالنبيِّين، إن الله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).

 

فأنا بقيَّة آدم، وذخيرة نوح، ومصطفى إبراهيم وصفوة محمد، ألا ومَن حاجَّني بكتاب الله، فأنا أوْلى بكتاب الله، ومَن حاجَّني في سنَّة رسول الله (ص) فأنا أوْلى الناس بسنَّة رسول الله وسيرته.
وأنشد الله مَن سمع كلامي، لما يبلغ الشاهد الغائب).
وأخرج الطبرسي في أعلام الورى(٣١٣) عن المفضل بن عمر – في حديث ـ قال:
وسمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (إذا أذِن الله تعالى للقائم بالخروج صعد المنبر، فدعا الناس إلى الله عزَّ وجلَّ وخوَّفهم بالله، ودعاهم إلى حقِّه، على أن يسير فيهم بسيرة رسول الله (ص)، ويعمل فيهم بعمله...) الحديث.
وأخرج في البحار،(٣١٤) عن علي بن الحسين (عليهما السلام)، في حديث قال: (فيقوم هو بنفسه (يعني بعد مقتل النفس الزكية) فيقول: أيُّها الناس، أنا فلان بن فلان، أنا ابن نبي الله، أدعوكم إلى ما دعاكم إليه نبي الله. فيقومون إليه ليقتلوه، فيقوم ثلثمئة ونيِّف على الثلثمئة فيمنعونه).
وأخرج أيضاً،(٣١٥) عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر (ع): (إنَّه يأتي المسجد الحرام، فيُصلِّي فيه عند مقام إبراهيم أربع ركعات، ويُسند ظهره إلى الحجر الأسود، ثمَّ يحمد الله ويُثني عليه، ويذكر النبي (ص) ويُصلِّي عليه، ويتكلَّم بكلام لم يتكلَّم به أحد من الناس...).
الجهة الثالثة: في الالتفات إلى نقاط من الأخبار السابقة.
النقطة الأُولى: أنَّ الأخبار الدالَّة على وقوف المهدي (ع) في أول ظهوره بين الركن والمقام قابلة لإثبات التاريخي، لكثرتها وتظافرها.
وأمَّا الأخبار الدالَّة على خُطبته، فلا شكَّ أنَّها بمجموعها مُتضافرة، غير أنَّ هذا المجموع لا يُثبت أكثر من كونه (ع) يَقِفُ خطيباً في أول ظهوره، وأمَّا مضمون الخُطبة فلن نستطيع أن نتعرَّف عليه إلاَّ بعد التوثُّق من صحَّة الإسناد للأخبار الناقلة لها واحداً واحداً... وأن يوجد مضمون واحد، ممَّا يقوله (ع) في الخُطبة مُكرَّراً في عدَّة روايات، ليكون قابلاً للإثبات التاريخي.
أمَّا الخبر الأول الذي نقلناه للخُطبة عن النعماني، فهو يرويه عن أحمد بن محمد بن سعيد قال: حدَّثنا محمد بن الفضل، وسعدان بن إسحاق بن سعيد، وأحمد بن الحسين بن عبد الملك، ومحمد بن أحمد بن الحسن جميعاً، عن الحسن بن محبوب، أخبرنا محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه: قال: وحدَّثني محمد بن يحيى بن عمران، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن عيسى، قال: وحدَّثنا علي بن محمد وغيره عن سهل بن زياد جميعاً عن الحسن بن محبوب قال: حدَّثنا عبد الواحد بن عبد الله الموصلي، عن أبي أحمد بن محمد بن أبي ياسر (ناشر)، عن الحسن بن محبوب، عن عمر بن أبي مقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي.
فأنت ترى أنَّ للشيخ النعماني ثلاثة طُرق من الرواة إلى الحسن بن محبوب:
الطريق الأول: أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدَّثنا محمد بن الفضل وسعدان بن إسحاق بن سعيد، وأحمد بن الحسين بن عبد الملك ومحمد بن أحمد بن الحسن جميعاً عن الحسن بن محبوب.
الطريق الثاني: ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه (إبراهيم بن هاشم). قال: وحدَّثني محمد بن يحيى بن عمران، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن عيسى. قال: وحدَّثنا علي بن محمد وغيره، عن سهل بن زياد جميعاً، عن الحسن بن محبوب.
الطريق الثالث: الكليني (أو أحمد بن محمد بن سعيد)، قال: حدَّثنا عبد الواحد بن عبد الله الموصلي، عن أبي علي أحمد بن محمد بن (أبي) ياسر (ناشر) عن الحسن بن محبوب.
والحسن بن محبوب بدوره يروي عن عمر بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن الإمام الباقر.
والطُرق الثلاثة – باعتبار تعدُّدها – للإثبات التاريخي.
وأمَّا الحسن بن محبوب، فهو من العلماء الثقات الأجلاَّء.
وأمَّا عمر بن المقدام، فقد مُدِح ولم يطعن فيه طاعن.
وأمَّا جابر بن يزيد، فهو من خاصَّة أصحاب الإمامين، الباقر والصادق (عليهما السلام)، وثَّقه بعض، ونسبه إلى التخليط عند شيخوخته بعض آخرون.
والمُلاحَظ أنَّ شيخوخته مُعاصرة للإمام الصادق (ع)، في حين أنَّ الخبر مروي عن الإمام الباقر (ع)، فيكون من رواه جابر قبل شيخوخته، ومن ثمَّ قبل أن يكون مُخلِّطاً، ومعه ففي الإمكان أن يكون قابلاً للإثبات التاريخي.
وأمَّا الخبر الثاني الذي نقلناه من أخبار الخُطبة عن البحار، فقد رواه السيد علي بن عبد الحميد، بإسناده إلى كتاب الفضل بن شاذان، عن ابن محبوب رفعه إلى أبي جعفر (ع)، فهو خبر مرفوع يعني أنَّ فيه واسطة ساقطة مجهولة كالمُرسل... فلا يكون قابلاً للإثبات التاريخي.
نعم، يتَّحدُ هذا الخبر في كثير من مضامينه مع الخبر السابق، فيكون قابلاً لإثبات من هذه الناحية... وكذلك الأخبار الأُخرى التي تنقل ـ في الواقع ـ عدداً من مضامين الخطبة، فتكون قابلة للإثبات بهذا المقدار... فلا حاجة إلى استعراض أسانيدها ورواتها.
النقطة الثانية: يقف الإمام المهدي (ع) في أول ظهوره قريباً من الكعبة المُشرّفة، مُستدبِراً لها، ومواجهاً للجماهير؛ لكي يقول فيهم كلمته الأُولى.
ويكون وقوفه بين (الركن والمقام) والركن واحد الأركان، وأركان الكعبة المُشرّفة زواياها الأربعة التي هي مُلتقى جوانبها الأربعة، وقد سُمِّي كل ركن باسم البلد الذي يتَّجه إليه عند الصلاة، فالشمالي هو الركن العراقي، والجنوبي هو الركن اليماني، والغربي هو الركن الشامي، وأما الشرقي فيُسمَّى بالركن الأسود؛ لأنَّه يحتوي على (الحجر الأسود) الذي منه مبدأ الطواف حول الكعبة.
وأمَّا المقام، فهو مقام إبراهيم الخليل (ع)، وهو أرض مُربعة صغيرة نسبياً، ذات بُنْيَة جميلة، تبعد عن الكعبة من جهة الشرق عدَّة أمتار.
وإذا قيل: (الركن). بدون وصف، فُهِمَ منه الركن الأسود بطبيعة الحال، باعتبار أهمِّيَّته؛ لاحتوائه على الحجر الأسود وابتداءِ الطواف منه، ويكون هو على يسار الواقف مُستقبلاً للكعبة ومُستدبراً مقام إبراهيم، ويكون إلى يمين الواقف الركن العراقي، وتقع باب الكعبة إلى نفس هذه الجهة الشرقية، قريباً من الركن الأسود.
ومن هنا نستطيع أن نقول: إنَّ باب الكعبة يقع (بين الركن والمقام)؛ لأنَّ الركن الأسود على يمينها بحوالي نصف متر من جدار الكعبة، والمقام عن يسارها، وإن كان بعيداً عن الكعبة بعدَّة أمتار، والأرض التي أمام باب الكعبة حتى تصل إلى مقام إبراهيم واقعة (بين الركن والمقام) بطبيعة الحال.
ومن هنا؛ يكون وقوف الإمام المهدي (ع) بين الركن والمقام مُستدبراً الكعبة... يعني مُستدبراً الجدار الذي فيه باب الكعبة، جاعلاً الحجر الأسود عن يمينه، ومقام إبراهيم عن يساره، ومواجهاً للجماهير ليقول كلمته الأُولى.
وقد سمعنا في بعض الروايات: أنَّه يُسنِد ظهره إلى البيت الحرام، يعني الكعبة المُشرَّفة، وأنَّه يُسند ظهره إلى الحجر الأسود.
فإذا فهمنا ذلك مع الحفاظ على كون وقوفه (بين الركن والمقام)، فيكون من اللازم أن نتصوَّره مُستدبراً جدار الكعبة الذي بين الباب والركن الأسود، وهي مسافة نصف متر وتزيد قليلاً، فيصدق أنَّه واقف بين الركن والمقام، كما يصدق أنَّه مُسنِد ظهره إلى الكعبة، وإلى الحجر الأسود أيضاً؛ لأنَّ الحجر سيكون قريباً جدَّاً منه عن يمينه إلى جهة ظهره.
النقطة الثالثة: في ارتباط خُطبة المهدي (ع) بالتخطيط العام، وتعبيرها عن نتائجه.
إنَّ هذه الخُطبة المباركة بصفتها واقعة في آخر التخطيط العام السابق على الظهور، ومُعبِّرة عن نتائجه، ومن هنا كانت لوحة كاملة عمَّا ينبغي أن يُعلَن ساعتئذٍ من نتائج ذلك التخطيط، ويظهر من عدَّة زوايا.
الزاوية الأُولى: ما عرفناه من التخطيط، من أنَّ (اليوم الموعود) إنَّما هو نتيجة لجهود البشرية منذ أول وجودها إلى زمن وجوده، وإنَّ خطَّ الأنبياء والأولياء، والصالحين والشهداء، والمُصلِحين، إنَّما هو واقع في طريقه والتمهيد إليه بشكل قريب وبعيد... وسيأتي في الكتاب الآتي من الموسوعة ما يزيد ذلك برهاناً.
وإذا كان الأمر كذلك، وكان المهدي (ع) هو قائد اليوم الموعود ومؤسِّس العدل الكامل في العالم، إذن؛ فمن حقِّه أن يقول: (... فأنا بقية آدم، وخيرة نوح، ومصطفى إبراهيم، وصفوة محمد).
الزاوية الثانية: ما عرفناه في التخطيط من تركيزه بشكل خاص على تربية الجانب القيادي في شخصية القائد المذخور للثورة العالمية، وقد برهنَّا على ذلك بكل تفصيل في الكتاب السابق،(٣١٦) وها قد أنتج هذا التخطيط نتيجته، وها هو القائد الكامل يواجه الناس ليبدأ بمُمارسة قيادته التي ذُخِر من أجلها.
فمن المنطقي، وهو خير البشر في زمانه، بل خير البشر بعد صدر الإسلام إلى عصر ظهوره، من المنطقي أن يكون أوْلى من جميع الناس، بالأنبياء والمُرسلين، بما فيهم نبي الإسلام (ص)، فهو أقرب إليهم علماً وعملاً وعدلاً من أيِّ إنسان آخر.
ومن هنا نسمعه قول: (فمَن حاجّني في آدم، فأنا أوْلى الناس بآدم، ومَن حاجَّني بنوح، فأنا أوْلى الناس بنوح، ومَن حاجَّني في إبراهيم، فأنا أولى الناس بإبراهيم، ومَن حاجَّني في محمد، فأنا أوْلى الناس بمحمد، ومَن حاجَّني في النبيِّين فأنا أوْلى الناس بالنبيِّين).
الزاوية الثالثة: ما عرفناه في التخطيط العام، من إنتاج التمحيص الساري المفعول خلاله، لانحراف وضلال الأعمِّ الأغلب من الناس، وبذلك تمتلئ الأرض جوراً وظلماً.
كما ورد في الخبر التواتر عن النبي (ص)، ويكون تطرُّف المُتطرِّفين منهم شديداً، كما يكون تطرُّف المؤمنين إلى جانب الإيمان شديداً، وسمعنا في التاريخ السابق(٣١٧) ما تفعله الأكثرية المُنحرفة بالأقلِّية المؤمنة من مظالم وشرور.
النقطة الرابعة: تحتوي الخُطبة المباركة أيضاً، بعض النقاط من تخطيطات المُستقبل، الذي تندرج خصائصه في التخطيط العام لما بعد الظهور.
ويُمكن الالتفات إلى ذلك ضمن عدَّة زوايا أيضاً:
الزاوية الأُولى: وجوب طاعة المهدي (ع) وبذل النصر له، من أجل تطبيق العدل الكامل في العالم كلِّه، حيث نسمع المهدي (ع) يقول: (فالله الله فينا! لا تخذلونا! وانصرونا ينصركم الله).
وسيكون أول المُبادرين إلى تطبيق هذا الأمر، أولئك الصفوة المُخلصين المُمحَّصين، ذوو العدد الكافي لغزو العالم بالعدل، وسيأتي تفصيل ذلك غير بعيد.
الزاوية الثانية: إنَّ المهدي يَعِدُ الناس في خُطبته بتطبيق الأُطروحة العادلة الكاملة في دولته العالمية، (أن يسير فيهم بسيرة رسول الله (ص) ويعمل فيهم بعلمه)، كما سمعنا من إحدى الروايات، وكما سبق أن برهنَّا على ذلك في فصل سابق.
ونعني بسيرة رسول الله (ص): القواعد والمفاهيم العامة التي كان ينطلق منها النبي (ص) إلى أعماله، لا السيرة بكل خصائصها وتفاصيلها بطبيعة الحال؛ لوضوح اختلاف المصالح الزمنية بين العصرين بكثير... بل سيأتي في بعض الروايات وجود بعض الاختلاف في تطبيقات الإمام المهدي (ع) عن تطبيقات رسول الله (ص)، فالمهدي (ع) يُدرِك الهارب، ويُجهِز على الجريح ويقتل المُنحرف، وإن كان مسلماً، وإن كان على نفس مذهبه الإسلامي، ويقضي بعلمه ولا بالبيِّنة ـ كما في بعض الأخبار ـ وكل ذلك ممَّا لم يعمله رسول الله (ص)، وهذه الأمور ونحوها لو ثبتت تُعتبر تخصيصاً واستثناءً من المفهوم الذي بيَّنته الخُطبة... وهو أن يسير بسيرة النبي (ص) على تفاصيلها.
الزاوية الثالثة: تكفُّله (ع) بتطبيق وتفسير كتاب الله وسنَّة رسول الله (ص)... من حيث إنَّه أوْلى الناس بهما وأشدُّهم اطِّلاعاً على تفاصيلهما وقدرةً على فَهْم مغازيهما ومراميهما.
النقطة الخامسة: دلَّت رواية ممَّا سبق أنَّ المهدي (ع) يصعد المنبر ويخطب، فإن كان المراد منبراً يوضع له وقتيَّاً في المكان المُشار إليه سابقاً، فهو إن كان المراد به المنبر المبني فعلاً في المسجد الحرام، فهو أبعد عن الكعبة المُشرّفة من مقام إبراهيم، ومن ثَمَّ لا يصدق عليه أنَّه وقوف بين الركن والمقام.
ومعه؛ تكون هذه الروايات معارضة للروايات الدالَّة على وقوفه بين الركن والمقام.
ومعه؛ تكون هذه الروايات مُقدَّمة على تلك الرواية، فيُنتج الالتزام بأنَّه (ع) لا يصعد المنبر الموجود حالياً، بل يقف بين الركن والمقام، ولو فوق منبر آخر.
النقطة السادسة: دلَّت رواية ممَّا سبق أنَّ المهدي (ع) يبدأ كلامه بتقديم نفسه إلى الناس، بذكر اسمه الحقيقي واسم أبيه، بينما سكتت الروايات الأُخرى عن ذلك، بحيث يبدو أنَّه يُهمِل ذلك تماماً.
وفي كلٍّ من هذين الموقفين نقطة قوَّة ونقطة ضعف مُحتمَلة.
فإنَّه (ع) إن أهمل ذكر اسمه للناس ـ كما عليه أكثر الروايات ـ كانت هناك نقطة قوَّة ونقطة ضعف:
نقطة القوَّة: إنَّ فيه حماية من أعدائه في وقت حاجته إلى الحماية في أول حركته، فإنَّ الأعداء إن فهموا أنَّه المهدي الموعود، فإنَّهم سوف يقضون على حركته بأسرع وقت، بخلاف ما لو لم يظهر للعالم بصفته المهدي الموعود.
نقطة الضعف: إنَّ الناس سوف لن يفهموا أنَّه هو المهدي بالمرَّة، ومن ثَمَّ سوف لن ينصره المؤمنون، ولن يسمع لكلامه الناس.
فلو انطلقنا من (أُطروحة خفاء العيون) التي عرفناها، كان معنى إخفاء اسمه أنَّه لا زال في غيبته، وأنَّه يُخاطب الناس بـ (شخصيَّته الثانوية) لا بشخصيَّته الحقيقية، فإنَّها هي الشخصية الوحيدة التي يعرفها الناس منه، وهذا لا معنى له بالنسبة إلى المهدي (ع) منذ ذلك الحين.
وأمَّا إذا اختار (ع) أن يذكر اسمه للناس، فهذا الموقف يحتوي ـ في النظر ـ على نقطة قوَّة ونقطة ضعف مُقابلتين لذينك النقطتين.
نقطة القوَّة: أنَّه (ع) حين يكشف شخصَّيته الحقيقية للناس، يرفع بذلك غيبته التي آن له رفعها وحُرِّم عليه استمرارها، ويُصرِّح بانتساب الخُطبة وطلب النُّصرة إليه بتلك الصفة.
نقطة الضعف: أنَّ كشفه لحقيقته سوف يؤلِّب عليه الأعداء، في وقت هو شديد الحاجة فيه إلى الحماية والمنعة.
ويمكن أن نفهم من هذه الروايات (أُطروحة) نحصل بها على كلتا نقطتي القوَّة، وندفع بها كلتا نقطتي الضعف، وهي أنَّه يذكر اسمه الحقيقي واسم أبيه، من دون الإلماع إلى أنَّه المهدي الموعود.
فإنَّه بذلك يرفع غيبته ويكشف شخصيَّته الحقيقية، ويُصرِّح بانتساب الخُطبة وطلب النُّصرة إليه بتلك الصفة، وبذلك يُحرز نقطة القوَّة الأخيرة، وفي نفس الوقت يُحرز حمايته من الأعداء المُتربِّصين له بصفته مهدياً، يملاً الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.
فيُحرز نقطة القوَّة الأُولى ويدفع نقطة الضعف الثانية.
وأمَّا نقطة القوَّة الأُولى: فلن تحصل بصراحة وشمول، وإنَّما تحصل بالمقدار الذي ينبغي لها أن تحصل، إنَّ المؤمنين المُمحَّصين الذين يُمثِّلون العدد الكافي لغزو العالم، وكذلك مَن كان في الدرجة الثانية من الإخلاص من الدرجات الأربعة التي عرفناها في التاريخ السابق،(٣١٨) كلهم سيعرفون أنَّ هذا الشخص هو المهدي الموعود، ومن ثَمَّ سيؤيِّدونه تأييداً كاملاً.
وأمَّا الناس الآخرون، من أعداء مُتربِّصين، وأشخاص مُحايدين من مسلمين وغيرهم، وحتى عدد كبير ممَّن على المذهب الإسلامي الذي يتبنَّاه المهدي (ع)، فسوف لن يعرفوا هذه الحقيقة الكبرى، إلاَّ في الحدود التي تقتضيها المصلحة، ويُخطِّط لها المهدي (ع) نفسه.
والروايات لم تدلَّ على أكثر من ذلك، وإنَّ المهدي يُسمِّي نفسه وأباه، تماماً كما فعل (النداء) من قبل، وليس في أيٍّ منهما تصريح بأنَّه المهدي الموعود.
النقطة السابعة: في مدى ارتباط الخُطبة بالتصوُّر الإمامي للمهدي.
من الواضح أنَّ الوقوف بين الركن والمقام، وإلقاء الخُطبة على الجماهير غير خاص بالمهدي (ع) بالتصوُّر الإمامي، بل يشمل المهدي بالتصوُّر الآخر، بل يشمل أيَّ إنسان ذو قدرة وجدارة، وإنَّما المُهمُّ من ذلك مضمون الخُطبة أولاً، ونتائجها ثانياً.
أمَّا النتائج، وأهمُّها السيطرة على العالم كله بالعدل، وتأسيس الدولة العالمية العادلة... فهذا ما سيكون صفة للمهدي الواقعي في التخطيط الإلهي العام أيَّاً كان.
ويُهمُّنا الآن تطبيق مضامين الخُطبة على التصوُّر الآخر للمهدي، بعد العلم على أنَّها منطبقة مع التصوُّر الإمامي تماماً.
إنَّ المهدي – بهذا التصوُّر ـ يستطيع أن يُصرِّح بعدَّة أمور من الخُطبة:
١ ـ أن يدعو الناس إلى الله ويُخوِّفهم به.
٢ ـ أن يُقسِم عليهم بحقِّ القُربى من رسول الله (ص)... فإنَّه على أيِّ حال من وُلْد فاطمة، ومن أولاد الحسين (ع).
٣ ـ أن يُشير إلى الظلم والمُطاردة والتنكيل الذي وقع على المؤمنين المُخلصين خلال عصر التمحيص والامتحان السابق على الظهور.
٤ ـ أن يطلب من الناس نُصرته وتأييده، توخِّياً لنُصرة الحقِّ، باعتباره المُمثِّل الرئيسي له.
٥ ـ أن يعدهم أنَّه إذا تمَّ له الاستيلاء على منطقة وأكثر واستتبَّت له الأمور، أن يُطبِّق القانون الإسلامي العادل المُتمثِّل بكتاب الله الكريم، وسنَّة رسوله العظيم.
ولكن سوف لن يكون المراد من كتاب الله وسنَّة رسوله، إلاَّ المستوى الذي وصل إليه الفكر الإسلامي إلى ذلك الحين، نتيجةً للتخطيط السابق، ولن يستطيع هذا المهدي أن يسير خطوات مُهمَّة في تربية هذا الفكر، وإعطاء الفَهم المُتكامل للكتاب والسنَّة.
إنَّ المهدي ـ طبقاً لهذا التصوُّر ـ لن يكون ـ كما قلنا في التاريخ السابق(٣١٩) ـ أكثر من فرد اعتيادي، له في الإخلاص والعلم أقصى ما اقتضاه التخطيط السابق، وله من القابليَّات النفسية ما يتوقَّع بها لنفسه أن يقوم بالتطبيق الإسلامي، ومثل هذا الشخص لا يُمكنه بأيِّ حال أن يقوم بعبادة الدولة العالمية، كما سبق أن برهنَّا.
كما لا يستطيع أن يُقدِّم للكتاب والسنَّة فَهْمَاً أعمق من المستوى الذي وصل إليه الفكر الإسلامي في عصره، ولن يقدِّم لهما الفهم الذي له أهليَّة مُمارسة الحُكم العادل الكامل في العالم كلِّه.
ومن هنا؛ يتعذَّر عليه أن يقول عدَّة مضامين واردة في الخُطبة وضرورية الثبوت للمهدي الموعود، ليكون هو القائد العالمي المنشود فهو:
١ ـ لن يستطيع أن يدَّعي أنَّه أوْلى بكتاب الله وسنَّة رسوله من أيِّ شخص آخر... حتى من قادة الفكر الإسلامي الذين تقدَّموا به وأوصلوه إلى المستوى المُعاصر له.
وإنَّما يدَّعي ذلك، مَن له الفهم الكامل لهذين المصدرين الإسلاميين المُقدَّسين بالرواية عن النبي (ص) وقادة الإسلام الأوائل، بالشكل الذي يكفل سعادة البشرية العاجلة وتربيتها العُلْيَا في الآجل.
وباختصار: أن يتقدَّم بالفكر الإسلامي بخطوات جبَّارة لا تُقاس بأيِّ مُفكِّر آخر، سنُشير إلى ما يُقدِّمه المهدي (ع) في هذا المجال.
٢ ـ وهو ليس بقيَّةً من آدم، وذخيرة من نوح، ومصطفى إبراهيم، وصفوة من محمد صلى الله عليهم أجمعين.
وكونه من المُخلصين الكاملين لا يُبرِّر هذه النسبة، إلاَّ كما يُبرِّرها في أيِّ شخص آخر مُتَّصف بهذا المقدار من الإخلاص والإيمان... وهم يومئذ عدد غير قليل... كما عرفنا في نتائج التخطيط.
٣ ـ وهو ليس أوْلى الناس بالنبيِّين... فإنَّ مَن يكون كذلك إنَّما هو القائد المذخور الذي يُكلِّل جهود كل الأنبياء بالنجاح في تطبيق العدل الكامل في العالم... وأمَّا الذي يتصدَّى لذلك من دون أن يُحرز نجاح حركته، ولا تكون له قابلية القيادة العالمية، كما قلنا في التاريخ السابق،(٣٢٠) فلن يُمكن أن يكون مُتَّصفاً بالأولوية.
٤ ـ ومن هنا نعرف أنَّه لن يتكلَّم بكلام لم يتكلَّم به أحد من الناس (فإنَّ مَن يكون من حقِّه ذلك، بحيث يكون كل ما يقوله صادقاً عليه كل الصدق ومُنطبقاً تمام الانطباق، هو ذلك الشخص المؤهَّل للقيادة العالمية، والوارث لخطِّ الأنبياء، والذي هو أوْلى بهم وبكتاب الله وسنَّة رسوله، من أيِّ شخص آخر، إنَّ هذا هو الذي يتكلَّم الكلام الجديد ويُعطي المفاهيم بالأُسلوب التربوي الجديد العادل، الذي لم يكن يخطر قبل الظهور على بالٍ... دون أيِّ شخص آخر.
... هذا آخر ما نودُّ التعرُّض إليه من خصائص الخُطبة المباركة... موكلين الخصائص الأُخرى إلى فطنة القارئ.
الجهة الرابعة ـ من هذا الفصل ـ: إنَّ مُقتضى التسلسل المنطقي للدعوة الإلهية، التي يُمثِّل المهدي (ع) حلقة من أكبر حلقاتها، هو أن يُقيم المعجزة في أول ظهوره؛ إثباتاً لصدق مُدَّعاه: بأنَّه المهدي الموعود الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً. ولا أقلَّ أمام المؤمنين المُخلصين ممَّن سيُصبحون خاصَّته؛ لوضوح أنَّه لولا ذلك لأمكن لأيِّ شخص جريء أن يقِفَ في المسجد الحرام بين الركن والمقام ويُلقي مثل هذا الخطاب، وخاصة بعد أن يقرأ الخُطبة في مصادرها، فكيف يمكن أن نُصدِّق من شخص أنَّه هو المهدي لمُجرَّد أن يقِفَ هذا الموقف.
تماماً، كما هو الحال في النبوَّة، فإنَّه لا يمكن تصديق أيِّ شخص مُدَّعٍ للنبوَّة، ما لم تقترن دعواه بدليل يوجب القطع بكونه نبيَّاً مُرسَلاً؛ ومن هنا أقام نبي الإسلام (ص) معجزات كدلائل على صدقه، تقطع حجَّة المُنكرين، كان أهمُّها القرآن الكريم نفسه.
وقد أسلفنا في التاريخ السابق أنَّ المهدي (ع) عند مُقابلاته مع الناس خلال غيبته، كان يُقيم الدلالة على حقيقته، وهي دلالة تحتوي دائماً على عنصر إعجازي، وإلاَّ لاستحال التعرُّف على حقيقته، وتصديقه في دعواه إذا قال لنا: إنَّه هو المهدي (ع).
وقد سبق أن عرفنا في التاريخ المُشار إليه(٣٢١) وغيره من بحوثنا، أنَّ المعجزة لا توجد عشوائياً، وإنَّما لها قانونها العام، وهو أنَّه تقع في طريق إقامة الحجَّة (إذا كانت مُنتفية) وإتمامها (إذا كانت ناقصة)، ومن الواضح جدَّاً، أنَّ إقامة المهدي (ع) للمعجزة بعد ظهوره يكون في طريق إثبات الحجَّة على صدقه، توصُّلاً إلى تطبيق العدل الإلهي الكامل على وجه الأرض، وهو الهدف الإلهي المُهمُّ الذي عاشت البشرية التخطيط له وباتجاهه، منذ ولادتها إلى ذلك الحين؛ لوضوح أنَّه ما لم تثبت شخصيته الحقيقية لا يستطيع هو أن يحصل على المؤيِّدين والمؤمنين، ومن ثَمَّ لا يستطيع القيام بهذا التطبيق والوصول إلى ذلك الهدف.
إذن؛ فقد يستنتج من هذه المُقدَّمات لزوم أن يُقيم المهدي (ع) معجزة واضحة منذ موقفه الأول، ليُثبت حقيقته بكلِّ صراحة ووضوح تجاه العالم، مع العلم أنَّنا لا نجد في الروايات الناقلة لهذا الموقف أيَّ إشارة إلى كونه مُقيماً للمعجزة في ذلك الحين.
ويمكن الجواب على ذلك من عدَّة وجوه:
الوجه الأول: إنَّ الإمام المهدي ليس بحاجة في موقفه هذا إلى إقامة المعجزة على الإطلاق.
ذلك؛ لوجود الإرهاصات الكافية لظهوره في زمن قريب، وهي قائمة على إعجاز عظيم، وأوضحها معجزتا الكسوف والخسوف في غير أوانهما... والخسف بالجيش الذي يُحاول قتله... والنداء باسمه صراحة في إسماع الخلق؛ فيكون القطع بصدق مَن اجتمعت فيه هذه الخصائص ضرورياً لازماً.
وأمَّا احتمال: أنّ شخصاً مُحتالاً يستغلُّ الموقف، بعد حدوث الخسف وقتل النفس الزكية بالمضمون السابق للخطبة، فهو في غاية البُعد... ولو حدَّثته نفسه بذلك فإنَّه يُقتل لا محالة في موقفه ذاك، ويُلقى عليه القبض ويفشل مُخطَّطه ألبتَّة... ولن يستطيع الحصول على العدد الكافي لغزو العالم بالعدل، ولا بعض منه.
إذن؛ فكلُّ مَن يحصل له ذلك، هو المهدي الحقيقي بكل تأكيد.
الوجه الثاني: هناك في العالم ـ طبقاً للتصوُّر الإمامي لفكرة المهدي (ع) ـ عدد غير قليل من الناس يعرف المهدي بشخصه، ولا يحتاج إلى إقامة المُعجزة للتعرُّف عليه؛ لأنَّه رآه خلال غيبته مرَّة وعدَّة مرَّات، وهم كل الأفراد المُخلصين من الدرجة الأُولى، وبعض الأفراد المُخلصين من الدرجة الثانية، من الدرجات التي أشرنا إليها سابقاً.
وقد كان هؤلاء هم وسائطه إلى الناس ـ بشكل وآخر ـ خلال غيبته، وسيكونون لنا بأنفسهم رادةَ الحق والعدل، واللسان الناطق، والسيف الضارب بين يدي قائدهم المهدي (ع).
فمن الممكن ـ بغضِّ النظر عن أيِّ شيء آخر ـ أن يكون هؤلاء هم الشاهد الصادق في تعريف قائدهم إلى الناس، ريثما يثبت من مجموع أعماله وأقواله صدقه وعظمة أهدافه، ومعه لا حاجة إلى إقامة المعجزة.
الوجه الثالث: إنَّ المهدي (ع) ليس بحاجة إلى المعجزة، بل يستطيع أن يعتمد على المستوى الفكري والعقائدي والمفاهيمي الذي يُعلنه لإثبات صدقه وعظمة أهدافه.
فإنَّ المعجزة مطلوبة لأجل إقناع الفكر البشري غير المُعقَّد، وهذا ما سيحصل بشكل عميق وأكيد عند إعلان المستوى الفكري الجديد... فيكون الاتجاه نحو المعجزة أمراً مُستأنفاً.
ويمكن تقسيم المستوى الفكري الذي يُقيمه الإمام المهدي في أول ظهوره إلى مُستويين:
المستوى الأول: ما يقوله (ع) في خطبته ممَّا، وردنا وسمعناه، وممَّا لم يردنا ولم نسمعه، فإنَّه لا دليل على اقتصاره (ع) في حديثه على هذا المقدار، بل لعلَّه يذكر أموراً أُخرى لم يكن المستوى الفكري السابق في عصر صدور النصوص مُناسباً للتصريح بها في الأخبار طبقاً لقانون: (كلِّم الناس على قدر عقولهم).
ولعمري، أنَّ في هذا المضمون الذي سمعناه ما يكفي لإقامة الحجَّة، لولا احتمال أن يكون منقولاً عن المصادر المُتوفِّرة.
المستوى الثاني: استعداده (ع) للجواب على أيِّ سؤال مهما كان صعباً، فيما إذا عرفت أنَّ السائل موضوعي الفكرة مُطالباً للحق... وأنَّه إنَّما يسأله لأجل التأكُّد من صدقه، طبقاً للشكِّ (الديكارتي) الذي لا يستقيم بدونه أيُّ برهان.
وقد وردت حول ذلك رواية: هي ما أخرجه ثقة الإسلام الكليني،(٣٢٢) بسنده عن مفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: (لصاحب هذا الأمر غيبتان: إحداهما يرجع منه إلى أهله، والأُخرى يُقال: هلك في أيِّ واد سَلَكَ؟).
قلت: فكيف نصنع(٣٢٣) إذا كان كذلك؟
قال: (إذا ادَّعاها مُدَّعٍ فاسألوه عن أشياء يُجيب فيها مثله).
وهذا الأمر أوضح من أن يُستند فيه إلى رواية؛ لأنَّه هو المفهوم من الاتجاه العام للإمام المهدي (ع)، بل من كل مَن يدَّعي منزلة عالية في القيادة، وفي العلم، وفي التقوى، وفي جميعها... فإنَّه يمكن للفرد أن يختار السؤال الذي يعتقد بأنَّ الجواب الصحيح يدلُّ على صدق المُجيب وجدارته على مستوى مُدَّعاه، فإن جاء الجواب صحيحاً لم يكن للسائل أن يشكَّ من جديد، إلاَّ إذا كان مُعقَّداً غير طبيعي التفكير.
فليفكِّر القارئ في السؤال الذي يرغب بتوجيهه إلى المهدي (ع) عند ظهوره.
فهذين المُستويين الفكريين، يمكن له (ع) الانطلاق منهما لإثبات صدقه في أول ظهوره.
وأمَّا بعد ذلك، فستكون المستويات والحقول الفكرية الجديدة أكثر من أن تُعَدَّ، وأوضح من أن تُذكَر.
الوجه الرابع: أنَّنا لو غضضنا النظر عن كل ما سبق، وفرضنا حاجة المهدي (ع) إلى إقامة المعجزة بعد ظهوره مباشرة لإثبات صدقه وحقيقته، وهو – لا محالة – قادر على ذلك؛ طبقاً لكلا التصوُّرين الإمامي والآخر عن المهدي (ع)، وستقع المعجزة – لو قام بها ـ مُطابقة لقانون المعجزات، أنَّها واقعة في طريق إقامة الحق والعدل والهدى، وهي الطريق المُنحصر إليه – بعد غضِّ النظر عن الوجوه السابقة ـ... لأنَّها الطريق الوحيد لمعرفته، ولا يمكن إقامة الحق والهُدى بدون معرفته، وكلَّما انحصرت إقامة الحق على المعجزة أوجدها الله تعالى في البشرية ـ طبقاً لقانون المعجزات ـ لا يُفرِّق في ذلك بين نبيٍّ ووليٍّ.
فإذا تمَّ ذلك، كان لنا أن نقول: إنَّنا لا نستطيع أن نقطع بعدم إقامة المهدي (ع) للمعجزة... فإذا اقتضتها القواعد العامة في الإسلام كان ذلك إثباتاً كافياً لها، وعدم النقل لا يدلُّ على عدم الوجود، ويمكن أن يكون عدم النقل مُستنداً إلى السبب الآتي، وهو أنَّنا نستطيع أن نُقسِّم المعجزة ـ في حدود ما نحتاجه الآن ـ إلى خاصة وعامة: والعامة منها إلى معجزة (كلاسيكية) وتقليدية، ومعجزة (علمية)!.. وما يمكن نقله إلينا قسم واحد فقط ـ كما سنوضح ـ في حين أنَّ المهدي (ع) قد يقتصر على القسمين الآخرين، فيكون ورود نقله في الأخبار مُتعذِّراً.
ونقصد بالمعجزات الخاصة ما يقع بين إمام وشخص واحد، وجماعة محدودة من خوارق... كما لو أخبر الإمام شخصاً بما في ذهنه وأجابه قبل سؤاله، وعبَّر عن أيِّ شيء لا يمكن بحسب القوانين المعروفة للكون أن يكون عالماً به، كما يعلم به الفرد المواجه للإمام وجداناً.
ونقصد بالمعجزات العامة، تلك الخوارق التي تكون مُعلنة أمام الناس، وهي تختلف عن المعجزات الخاصة بأمر رئيسي:
وهو أنَّ المعجزات العامة لا بدَّ أن تكون واضحة الإعجاز أمام الناس، ومُقنعة للذهن البشري الاعتيادي بحسب المستوى العام للجيل المُعاصر للمعجزة، وأمَّا المعجزة الخاصة، فحسبها أن تكون مُناسبة لمستوى الفرد المواجه للإمام ومُقنعة له، وقد لا تكون مُقنعة للآخرين، ولا يعرف الغير أنَّها معجزة على الإطلاق.
ويمكن تقسيم المعجزة العامة إلى قسمين:
القسم الأول: ما سمَّيناه بالمعجزات الكلاسيكية، وهي التي تقوم على تغيير خارق واضح وسريع في نظام الكون، بحيث يراه ويفهمه عامة الناس.
وهذا القسم هو الذي يغلب على معاجز الأنبياء السابقين، ومن هنا سمَّيناه بـ (الكلاسيكي)، والغرض منه إعطاء أكبر مقدار من الزخم العاطفي والعقلي في مجتمع لم يكن يفهم التعمُّق والتحليل، كانقلاب العصا ثعباناً، وانفلاق البحر، وإحياء الموتى، وانقسام القمر إلى قسمين وغيرها.
القسم الثاني: ما سمَّيناه بالمعجزات (العلمية)، وهي التي تقوم فكرتها الإعجازية على التدقيق والتحليل... قد لا يلتفت الفرد الاعتيادي إلى وجود شيء خارق لنظام الطبيعة فوراً، وإنَّما ينبغي أن يلتفت الناس على ذلك بالتدريج.
وأوضح وأقدم شكل لهذا القسم هو (القرآن الكريم)، أهمُّ معجزات نبي الإسلام، ومن هذا القسم يمكن أن تنطلق معجزات القائد المهدي (ع) ـ كما سنُمثِّل ـ ويتلخَّص الفرق بين القسمين بعدَّة أُمور:
أولاً: ما ذكرناه من فوريَّة الالتفات إلى الإعجاز في القسم الأول دون الثاني، فإنَّه يحتاج إلى مضيِّ زمان لكي يُفهَم.
ثانياً: إنَّ القسم الأول يُناسب المستويات الاجتماعية غير المُتقدِّمة والمُعمَّقة من البشرية.
ثالثاً: إنَّ القسم الأول يقصد به النتيجة الواضحة، وإن أوجبت خرق عدَّة نقاط من النظام الكوني، بخلاف القسم الثاني؛ فإنَّ المقصود منه نقطة واحدة فقط من النظام الكوني، وعدَّة مُحدَّدة تماماً ومُعلنة بوضوح، فالقرآن الكريم تجاوز المستوى الفكري والبياني البشري عموماً، وفي الإمكان تقليل الجاذبية في منطقة وزمان مُعيَّنَين، كما لو أعلن أنَّ جاذبية الأرض في مدينة (بغداد) ستُصبح بمقدار نصف ما كانت عليه أسبوعاً مُحدَّداً من الزمن.
كما يمكن أن يُعلن تحديد زمان لتقليل سرعة النور في منطقة ما، وفي حدود مُعيَّنة، وزيادة في سرعة دوران الأرض قليلاً، وهكذا.
إنَّ أمثال هذه المعاجز لن يحسَّ الفرد العادي بحدوث التغيُّر إلاَّ بعد أن يُشاهد تطبيقاته في الخارج... ولقد رأينا أنَّ الفرد الاعتيادي لا يُدرك لأوَّل وهلة وجود الإعجاز في آية يسمهعا من آيات القرآن الكريم.
رابعاً: إنَّ القسم الثاني من المعجزات قابل للدوام والاستمرار جيلاً وعدَّة أجيال من البشر، وإلى نهاية البشرية كما في القرآن الكريم نفسه، وقد يمكن الاستمرار في بعض تلك الأمثلة إلى أزمنة طويلة أيضاً.
أمَّا القسم الأول، فهو وقتي الحدوث، لا يمكن استمرار الأعجاز فيه، وهذا يُمثِّل إحدى الفوارق بين معجزات الأنبياء السابقين على الإسلام التي كانت كلها وقتيَّة الحدوث... وبين معجزات نبي الإسلام التي استطاعت على الدوام والاستمرار، مُتمثِّلة بالقرآن الكريم.
وإلى هنا عرفنا ثلاثة أقسام من المعجزات: المعجزات الخاصة، والمعجزات العامة (الكلاسيكية)، والمعجزات العامة (العلمية).
وما يمكن أن نسمع نقله في الأخبار قسم واحد ـ كما قلنا ـ وهي المعجزات العامة الكلاسيكية، دون المعجزات الخاصة والمعجزات العلمية.
وأمَّا إمكان نقل هذا القسم، فباعتبار كونه مفهوماً فَهْماً اجتماعياً عاماً، وموافقاً مع مستوى الجيل الذي سمعت عنها، وأمَّا عدم إمكان نقل المعجزات العلمية في الأخبار، فواضح أيضاً، باعتبار عدم انسجامها مع المستوى العقلي والفكري والثقافي للمجتمع الذي صدرت فيه هذه الأخبار لأول مرَّة، فكما يكون نشازاً في ذلك المجتمع التنبُّؤ صراحة بحدوث الطائرة والصواريخ الموجَّهة، كذلك يكون التنبُّؤ بحدوث معجزة على هذا المستوى العلمي الرفيع.
وقد يخطر في الذهن: أنَّ بعض المعجزات العلمية كانت موجودة يومئذ، مُتمثِّلة بالقرآن الكريم، إذن؛ فلم يكن هذا القسم أعلى من مستوى الفكر الاجتماعي.
وجوابه من عدَّة وجوه نذكر منها اثنين:
الوجه الأول: إنَّ الأُسس التي قام إعجاز القرآن الكريم على أساسها، وبتعبير أصحِّ: إنَّ (القانون) الذي خرقه القرآن بإعجازه... كان مفهوماً للمجتمع يومئذ.
وهو المستوى الأدبي البلاغي للُّغة العربية، على حين لم تكن الأُسس التي تقوم عليها المعجزات (العلمية) التي مثَّلنا لها، مفهومة بالمرَّة.
الوجه الثاني: بالرغم من كون الأُسس لإعجاز القرآن كانت مفهومة، إلاَّ أنَّ فكرة إعجازه وفكرة كونه معجزة خالدة وإيضاح مُميِّزاته عموماً، لم يقم القادة الإسلاميون بإعطائها دُفعةً واحدة، بل كانت تُعطى بالتدرُّج طبقاً للخطِّ التربوي العام... ابتداءً بالتحدِّي القرآني نفسه وانتهاء بالسنَّة الشريفة وما بعدها من عناصر الفكر الإسلامي التي شرحت مُميِّزات القرآن الكريم.
فإذا كان الحال بالقرآن الكريم مع وضوح أُسُسه، هو ذلك، فكيف بالمعجزات التي لا تكون واضحة الأُسس.
ومعه؛ فمن غير المُحتمل أن نسمع في الأخبار أيَّ نقل، عن المعجزات (العلمية) التي ستكون الأسلوب الرئيسي للإعجاز في عصر الإمام المهدي على المظنون.
وأمَّا عدم نقل المعجزات (الخاصة) معجزةً معحزةً، فهو أوضح؛ لما عرفناه من أنَّ الآخرين قد لا يُدركون فكرة إعجازها بالمرَّة... حتى وإن وقعت أمامهم، فضلاً عمَّا إذا نُقلِت إليهم بالأخبار.
وقد يخطر في الذهن: أنَّ في إمكان الأخبار أن تُشير إلى قيام المهدي (ع) ببعض المعجزات الخاصة إجمالاً... فلماذا لم تفعل؟!
وجوابه: أنَّ هذا النوع من المعجزات، حيث كان نطاقه شخصياً، فيكون ذكره في الأخبار مُستأنفاً، ولا يبعد أنَّنا نجد في الأخبار شيئاً من ذلك... ولكنَّه قليل وغير مُلفِت للنظر، باعتبار أنَّ الاهتمام مركَّز في الأخبار إلى ما هو أشمل من أعمال الإمام المهدي وصفات أصحابه ودولته.
إذن؛ فكل ما في الأمر أنَّنا نتوقَّع أن نسمع من الأخبار إقامة المهدي (ع) معجزات (كلاسيكية) على غرار الأنبياء والأولياء السابقين، على حين أنَّه (ع) سوف يعرض عن هذا النوع؛ لكونه قاصراً عن المستوى الذي يكون عليه المجتمع يوم ظهوره... وإنَّما كان مُناسباً فقط مع الأزمة السابقة، المعاصرة مع الأنبياء والأولياء الأقدمين
وأمَّا النوع والأنواع التي يُقيمها المهدي (ع) من المعجزات، فلا يُناسب ذكرها في الأخبار؛ لكونها أعلى من مستوى عصر صدور الأخبار، وعدم فَهْم المجتمع لأُسسها، واعتياده على الأسلوب الكلاسيكي للمعجزات يومئذ.
الجهة الخامسة ـ من هذا الفصل ـ: وردت بعض الأخبار تقول: بأنَّ المهدي(ع) يظهر من قرية يُقال لها: كرعة. ـ بالكاف الفارسية على الظاهر ـ، وهي تُنافي الروايات التي سمعناها في هذا الفصل من كونه (ع) يظهر في مكَّة بين الركن والمقام.
أخرج الكنجي في كتابه البيان،(٣٢٤) بإسناده عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله (ص): (يخرج المهدي من قرية يُقال لها: كرعة).
قلت: هذا حديث حسن رزقناه عالياً، أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في عواليه كما سقناه، ورواه أبو نعيم في مناقب المهدي (ع). انتهى كلام الكنجي.
وقال السيوطي في الحاوي:(٣٢٥) وأخرج أبو نعيم وأبو بكر بن المقري في مُعجمه عن ابن عمرو، قال: قال النبي (ص): (يخرج المهدي من قرية يُقال لها: كرعة).
وروى الأربلي(٣٢٦) عن الأربعين حديثاً للحافظ أبي نعيم، بإسناده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال النبي (ص): (يخرج النبي من قرية يُقال لها: كرعة).
وروى ابن طاووس،(٣٢٧) عن كتاب الفتن للسليلي، بإسناده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله (ص): (يخرج المهدي من قرية يُقال لها: كرعة).
فكيف يمكن أن نوفِّق بين هذه الروايات وتلك...؟
ويمكن الانطلاق في الجواب عن ذلك من عدَّة زوايا:
الزاوية الأُولى: إنَّ هذا الخبر غير قابل للإثبات التاريخي؛ فإنَّه مروي عن عبد الله بن عمر... وهو الذي يتحمَّل مسؤولية روايته.
وأمَّا وروده ـ كما سمعنا ـ في رواية السيوطي والكنجي بلفظ: عبد الله بن عمرو، فهو إن كان خطأ مطبعياً وكتابياً، وواقعه هو: عبد الله بن عمر... إذن؛ فالكلام فيه ما سبق أن قلناه. وإن كان شخصاً غيره، فهو مجهول ومُردَّد بين عدَّة أشخاص؛ فلا تكون روايته قابلة للإثبات.
فجوابه: أنَّها مروية في عدَّة مصادر وعن عدد من الرواة، إلاَّ أنَّهم جميعاً يُسندونها إلى عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو، وقد عرفنا حال الرواية عنهما.
وتكون الروايات الدالة على ظهور المهدي (ع) في مكَّة، بين الركن والمقام قائمة وحدها بلا معارض.
الزاوية الثانية: إنَّنا لو قَبِلنا كون هذه الرواية قابلة للإثبات التاريخي، ففي الإمكان أن ننفي التعارض بينهما، طبقاً لعدد من الأُطروحات المُحتملة، نذكر بعضها:
الأُطروحة الأُولى: أن يكون ظهوره (ع) في كرعة أولاً، طبقاً لأُطروحة خفاء الشخص، ويكون ظهوره ثانياً في مكّة، طبقاً لأُطروحة خفاء العيون.
فإنَّه ـ طبقاً للفهم الكلاسيكي لغيبة المهدي (ع) ـ في بعض الأذهان أنَّه غائب بحيث يختفي جسمه عن الأنظار، مُطابقاً لأُطروحة خفاء الشخص، فإذا آن أوان ظهوره في (كرعة) ارتفع الخفاء الشخصي عنه، ولكنَّه يبقى مجهولاً للناس مُطابقاً لأُطروحة خفاء العنوان، حتى ما إذا وصل إلى مكَّة، وقام بين الركن والمقام، وأعلن عن اسمه واسم أبيه، ارتفع خفاء العنوان وعرفه الناس.
الأُطروحة الثانية: إنَّنا لو التزمنا على أنَّ الصبغة العامة للغيبة مُطابقة لأُطروحة خفاء العنوان، دون الأُخرى كما ذهبنا إليه، في التاريخ السابق(٣٢٨) كان مُحصَّل المعنى للجمع بين الروايات: إنَّ المهدي (ع) حين يريد الظهور في (كرعة) فإنَّه يكشف نفسه للناس، أعني يُطْلِعهم على اسمه واسم أبيه، ولكنَّه لا يُمارس أيَّ عمل إلاَّ بعد الوصول إلى مكَّة والوقوف بين الركن والمقام.
الأُطروحة الثالثة: أن نفترض أنَّ (كرعة) عبارة أُخرى عن (مكَّة المُكرَّمة)، بنحو المجاز والرمز.
وأمَّا التعبير عن مكّة المُكرَّمة بالقرية، فباعتبار التعبير عنها بذلك في عدَّة آيات من القرآن الكريم... كما لا يخفى على القارئ.
غير أنَّ أيّاً من هذه الأُطروحات لا تخلو من الخدشة والإشكال، ممَّا نُحيله على ذكاء القارئ، ولا حاجة إلى الدخول في تفاصيله... بعد أن عرفنا سقوطها عن الإثبات التاريخي.
الزاوية الثالثة: إنَّنا لو سلَّمنا بقابلية تلك الرواية للإثبات، ونفينا تلك الأُطروحات في الجمع ما بينهما... فإنَّنا سنواجه المُعارضة بين هذه الرواية وروايات ظهوره في مكَّة وفي المسجد الحرام بين الركن والمقام... وهي روايات عديدة مرويَّة عن جماعة من الرواة من الفريقين؛ فتكون مُتقدِّمة في الإثبات على تلك الرواية بطبيعة الحال.
الجهة السادسة: إنَّ المهدي (ع) بعد أن ينتهي من خطابه، يبدأ بأخذ البيعة من أنصاره ومؤيِّديه.
وقد دلَّت على ذلك عدَّة روايات، نذكر أهمَّها؛
أخرج الصدوق في إكمال الدين،(٣٢٩) بسنده عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد الله (ع): (إنَّ أول مَن يُبايع القائم (عليه السلام) جبرئيل (عليه السلام)...) الحديث.
وأخرج النعماني،(٣٣٠) عن أبي بصير، عن أبي جعفر (ع) في حديث أنَّه قال: (... لكأنَّي أنظر إليه بين الركن والمقام يُبايع الناس...) الحديث.
وأخرج روايات أُخرى بنفس هذا المضمون.(٣٣١)
وأخرج الشيخ الطوسي(٣٣٢) بسنده، عن علي بن مهزيار، قال: قال أبو جعفر: (كأنِّي بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت، قائماً بين الركن والمقام، بين يديه جبريل يُنادي: البيعة لله! فيملؤها عدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً).
وأخرج الطبرسي،(٣٣٣) عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله (ع)، في حديث: أنَّه ذكر أولاً مضمون خطبة الإمام المهدي (ع) ثمَّ قال: (فيبعث الله عزَّ وجلَّ جبرئيل، حتى يأتيه ويسأله ويقول له: إلى أيِّ شيء تدعو؟ فيُخبره القائم، فيقول جبرئيل: فأنا أول مَن يُبايع. ثمَّ يقول له: مُدَّ كفَّك. فيمسح على يده. وقد وافاه ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً، فيُبايعونه...) الحديث.
وقد وردت في مضمون هذه البيعة عدَّة روايات:
منها ما أخرجه النعماني،(٣٣٤) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع)، في حديث، قال: (... يبايع الناس على كتاب جديد على العرب شديد).
وفي رواية أُخرى،(٣٣٥) عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) ـ في حديث ـ قال: (... لكأنِّي أنظر إليه بين الركن والمقام يُبايع الناس بأمر جديد (شديد) وكتاب جديد وسلطان جديد من السماء).
وأخرج الصافي في مُنتخب الأثر،(٣٣٦) عن كشف الأستار للحاج النوري، عن عقد الدُّرر لجمال الدين المقدسي والفتن لأبي صالح السليلي، عن أمير المؤمنين (ع): (إنَّه ـ أي المهدي (ع) ـ يأخذ البيعة عن أصحابه، على أن لا يسرقوا، ولا يزنوا، ولا يسبُّوا مسلماً، ولا يقتلوا مُحرَّماً، ولا يهتكوا حريماً مُحرَّماً، ولا يهجموا (يهدموا) منزلاً، ولا يضربوا أحداً إلاَّ بالحق، ولا يكنزوا ذهباً ولا فضَّة، ولا برَّاً ولا شعيراً، ولا يأكلون مال اليتيم، ولا يشهدوا بما لا يعلمون، ولا يُخرِّبوا مسجداً ولا يشربوا مُسْكِراً، ولا يلبسوا الخزَّ ولا الحرير، ولا يتمنطقوا بالذهب، ولا يقطعوا طريقاً ولا يُخيفوا سبيلاً، ولا يفسقوا بغلام، ولا يحبسوا طعاماً من برٍّ وشعير، ويرضون بالقليل، ويشمُّون الطيب ويكرهون النجاسة، ويأمرون المعروف وينهون عن المُنكَر، ويلبسون الخشن من الثياب، ويتوسَّدون التراب على الخدود، ويجاهدون في الله حق جهاده).
ويشترط على نفسه لهم: أن يمشي حيث يمشون، ويلبس كما يلبسون، ويركب كما يركبون، ويكون من حيث يريدون ويرضى بالقليل، ويملاً الأرض ـ بعون الله ـ عدلاً كما مُلئت جوراً، يعبد الله حق عبادته، ولا يتَّخذ حاجباً ولا بوَّاباً.
وهناك من الروايات ما يدلُّ على أنَّ المهدي يُبايع كارهاً، وقد ورد هذا المضمون في طرق العامة بشكل أوسع ممَّا عليه في طرق الخاصة.
أخرج أبو داود،(٣٣٧) بسنده عن أمِّ سلمة زوج النبي (ص) عن النبي (ص)، قال: (يكون اختلاف عند موت الخليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكَّة، فيأتيه ناس من أهل مكّة فيُخرجونه وهو كاره، فيُبايعونه بين الركن والمقام...) الحديث.
ورواه ابن حجر في الصواعق،(٣٣٨) والقندوزي في ينابيع المودَّة،(٣٣٩) والصبَّان في إسعاف الراغبين.(٣٤٠)
ومن طريف ما روى السيوطي(٣٤١) بهذا الصدد، ما أخرجه عن نعيم بن حمَّاد، عن ابن مسعود، قال ـ في حديث عن المهدي (ع) ـ: فيطلبونه فيُصيبونه بمكَّة، فيقولون له: أنت فلان بن فلان؟
فيقول: لا، بل أنا رجل من الأنصار.
حتى يُفلت منهم، فيصفونه لأهل الخير والمعرفة به، فيُقال: هو صاحبكم الذي تطلبونه، وقد لحق بالمدينة، فيُخالفهم إلى أهل (مكّة)، فيطلبونه بمكّة فيُصيبونه.
فيقولون: أنت فلان بن فلان. وأُمُّك فلانة ابنة فلان، وفيك آية كذا وكذا. وقد أفلتَّ منَّا مرَّة، فمُدَّ يدك نُبايعك.
فيقول: لستُ بصاحبكم.
حتى يُفلت منهم، فيطلبونه بالمدينة، فيُخالفهم إلى مكَّة.
فيُصيبونه بمكَّة عند الركن، ويقولون له: إثمنا عليك! ودماؤنا في عنقك إن لم تمدَّ يدك نُبايعك. هذا عسكر السفياني قد توجَّه في طلبنا، عليهم رجل من حرام.
فيجلس بين الركن والمقام، فيمد يده فيُبايع له، فيُلقي الله مُحبَّته في صدور الناس، فيصير مع قوم أسد بالنهار رهبان في الليل.
وأخرج(٣٤٢) أيضاً عن شهر بن حوشب، قال: قال رسول الله (ص): (سيكون في رمضان صوت ـ إلى أن قال: ـ حتى يهرب صاحبهم، فيؤتى بين الركن والمقام فيُبايع وهو كاره).
ويُقال له: إن أبيت ضربنا عنقك!!... يرضى به ساكن السماء وساكن الأرض.
وورد في طُرق الخاصة تفسير هذه الكراهة.
أخرج النعماني،(٣٤٣) بسنده عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع)، أنَّه قال: (يُنادى باسم القائم فيؤتى وهو خلف المقام، فيُقال له: قد نودي باسمك، فما تنتظر؟ ثمَّ يؤخذ بيده فيُبايَع).
قال: قال لي زرارة: الحمد لله! قد كنّا نسمع أنَّ القائم (ع) يُبايع مُستكرَهاً (مُكرَهاً) فلم نكن نعلم وجه استكراهه، فعلمنا أنَّه استكراه لا إثم فيه.
فهذه هي أخبار البيعة، ولا بدَّ أن نتكلَّم حولها ضمن عدَّة نقاط.
النقطة الأُولى: البيعة: هي المعاهدة على الطاعة والنُّصرة، وذلك بإيكال القيادة والرأي في كل الأُمور العامة ـ بل والخاصة ـ إلى القائد الذي أُعطيت البيعة له، بحيث لا يَحْوُلُ دون بذل مال ولا نفس.
وهي أمر مُشرَّع في الإسلام، قام به النبي (ص) تجاه أصحابه في بيعة الرضوان، ونزل في مدحهم القرآن الكريم: قال الله تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا).(٣٤٤)
وقد كانت البيعة أمراً مُعترَفاً به ومُطبَّقاً قبل الإسلام بين الملوك والرعية...
وأمضاها الإسلام بعد أن أعطاها الصبغة الدينية؛ لما لها من الأثر البليغ في ربط الفرد بالحاكم وشَدِّه إليه نفسياً وعاطفياً، في أغلب المجتمعات التي هي في طريق التربية، ومن الواضح أنَّ شَدَّ الفرد نفسياً إلى الحاكم والقائد الإسلامي مطلوب وذو نتائج عامة وخاصة، تعود إلى تربية الفرد نفسه وإلى المجتمع، ومن ثَمَّ اقتضت المصلحة في الإسلام إقرار هذه الفكرة وهذا الأسلوب في تأييد الحاكم والاعتراف بحكومته وولايته.
وهذا لا يعني أنَّ لها أثراً فقهيَّاً و(قانونياً) كاملاً في الإسلام... لوضوح وجوب إطاعة الحاكم الإسلامي على كل حال، سواء وقعت البيعة أم لا، كما أنَّ عدم وقوع البيعة لا يعني التمرُّد على الحاكم إذا كان الفرد مؤمناً وعازماً على تطبيق أوامره وإرشاداته، وإنَّما تعني التمرُّد إذا كانت دليلاً على العصيان والانحراف.
نعم، إذا أمر الحاكم الإسلامي بالبيعة وجلس لاستقبال المُبايعين ـ كما فعل النبي (ص) وسيفعل المهدي (ع) ـ فيجب على الأفراد القيام بها تجاهه، ويكون تركها عصيان من جهتين:
أولاً: لكون تركها إهمالاً لأمر الحاكم الإسلامي الذي يجب إطاعته في كل أوامره.
ثانياً: لأنَّ أمره بالبيعة وجلوسه من أجلها يُعطي هذه الفكرة، وهي أنَّ الحاكم الإسلامي يرى الآن ـ ومن خلال هذا الأمر ـ أنَّ الاعتراف بولايته وحاكميَّته منوط بالبيعة ومُتوقِّف عليها، فلو تركها الفرد كان غير مُعترِف بولايته، فيكون مُتمرِّداً عليه.
ومن ثَمَّ لا تقتضي تلك القاعدة الفقهية ترك البيعة التي يأمر الحاكم الإسلامي بها ويجلس من أجلها، بل مُقتضى القواعد الفقهية الإسلامية وجوبها على كل مُلتفت إلى ذلك الأمر وتلك الرغبة.
نعم، لو انتهى أمد الأمر، وأراد فرد من غير المُبايعين أن يُعلن ولائه من جديد... كفى له (فقهياً) مُجرَّد الإعراب عن عقيدته، ولم تكن هناك ضرورة لاتخاذ أُسلوب البيعة، وهذا كلُّه صادق بالنسبة إلى الإمام المهدي (ع) عند ظهوره.
النقطة الثانية: إنَّ الذين يُبايعون المهدي (ع) في موقفه بين الركن والمقام، يتكوَّنون من عدَّة أقسام:
القسم الأول: جبرائيل الأمين (ع)، وهو من أهمِّ الملائكة، وأحد أربعة أعاظمهم، طبقاً للفهم الإسلامي.
وبيعته للإمام المهدي (ع)، يمكن أن تُحمل على أحد معنيين:
المعنى الأول: المعنى الرمزي، الراجع في الواقع، إلى مرتبة عُلْيَا من التأييد الإلهي للمهدي (ع) ومباركة حركته العالمية ودعوته، وإنِّما دون ذكر جبرائيل بالخصوص، باعتباره المُمثِّل للحق من زاوية عُلْيَا كاملة، وقد كان هو رسول الحكمة وحامل الوحي بين الله عزَّ وجلّ ورسوله الكريم (ص).
إلاَّ أنَّ هذا المعنى لا يكون صحيحاً، بصفته رمزياً، إلاَّ بعد اليأس من المعنى (الصريح) المباشر، وهذا ما سنبحثه في المعنى الثاني.
المعنى الثاني: البيعة بالمعنى المباشر الذي يقوم به سائر الناس، يقوم بها جبرائيل بعد أن يتَّخذ شكل رجل، توصُّلاً إلى فائدتين كبيرتين:
الفائدة الأُولى: إلفات نظر الناس إلى لزوم مُبايعة المهدي (ع) في موقفه ذلك بين الركن والمقام، فإنَّ الناس غافلون ـ على الأقلِّ ـ عن ذلك، ويحتاجون إلى المُنبِّه بطبيعة الحال، وستكون مُبايعة جبرئيل (ع) مُنبِّهاً لبعض الناس من الخاصة، فإذا بايعوا كانت مُبايعتهم مُنبِّهاً لسائر الناس الموجودين في المسجد الحرام ساعتئذٍ.
الفائدة الثانية: دعم وتأييد حركة المهدي (ع) من أول حدوثها؛ إذ من الضروري أنَّ مُبايعة جبرئيل (ع) لا تكون إلاَّ لأجل تلقِّيه الأمر الإلهي بذلك، وإذا كان الله تعالى موجباً على جبرئيل (ع) مُبايعة المهدي (ع)، فذلك من أعظم الدعم والتأييد.
غير أنَّ هذا التأييد لا يمكن انعكاسه اجتماعياً ما لم يكن جبرائيل ـ وهو على شكل رجل ـ معروف الهوية لدى الموجودين حال مُبايعته، وهذا ـ بحسب فَهْمنا المُعاصر ـ ممَّا يصعب توفُّره في ذلك الموقف، وإنَّما يمكن إعلانه تدريجياً طبقاً لاتِّساع حركة المهدي (ع) وسلطته، وهذا كافٍ لدعم الحركة بمقدار احتياجها التدريجي.
وقد يخطر في الذهن: أنّ هناك فائدة أُخرى لمبايعة جبرائيل (ع) للمهدي (ع).
وهي المشاركة في الدليل على صدق المهدي وأحقيّة دعوته.
وهذا يصحّ بالنسبة إلى مَن يعرف جبرئيل (ع) حال قيامه بالمبايعة وبعدها بدقائق، فإنّه يكون من الأدلة العظيمة على صدق المهدي (ع) إلى جنب: الخسف، والخسوف، والكسوف، وقتل النفس الزكية، ومضمون خطبته وغيرها من الأدلة. غير أنّ هذا ممّا يصعب تحقيقه هناك كما قلنا.
وأمّا التعرّف على حقيقته بعد ذلك، فإنّما يكون بإخبار المهدي (ع) وخاصّته، بعد قيام البرهان وإتمام الحجّة على صدقه، فيصلح دعماً لحركة المهدي (ع) ولا يصلح أن يكون دليلاً عليها.
وهناك بعض الاستفهامات عن مبايعة جبرائيل، سنذكرها في النقاط الآتية:
القسم الثاني: ممّن يبايع الإمام المهدي (ع) في موقفه الأوّل:
أصحابه الخاصّون الذين كانوا يعرفونه على حقيقته في غيبته الكبرى، فإنّنا سبق في تاريخ الغيبة الكبرى أن قلنا: إنّ هناك نفر قليل من البشرية في كل جيل، يمكن أن يكون مطلعاً على حقيقة المهدي (ع) ومكانه. وهناك من الروايات ما يدل على وجود مثل هؤلاء الأفراد، وقد سبق أن رويناها هناك.(٣٤٥)
وبالطبع سيكون هؤلاء، مع سائر المخلصين الممحّصين الناتجين عن التخطيط الإلهي العام، حاضرون خطاب المهدي (ع) في المسجد الحرام، وقد يكونون على موعد خاص سابق بهذا الاجتماع. ولا يحتاجون في التعرّف على شخص الإمام المهدي إلى أي إثبات.
ومعه فسوف يكونون هم الأوائل من المبادرين إلى البيعة بعد جبرائيل، والمدافعين عنه عندما يحاول المنحرفون قتله، عند سماعهم الخطبة، كما دلّت عليه رواية ممّا نقلناه عن المجلسي في البحار، خلال أخبار الخطبة، بل سيكونون اللسان الناطق في إيضاح ما ينبغي إيضاحه في هذه الساعة الأُولى.
القسم الثالث: ممّن يبايع الإمام المهدي (ع):
سائر المخلصين الذين كانوا في مكّة، وقد انتظروا الظهور بفارغ الصبر.
وسنتعرّض لكيفيّة اجتماعهم وسائر أوصافهم في الفصل الآتي.
وسيشارك هؤلاء بنفس مهام القسم الثاني، مع فرق أنّهم لم يكونوا قد شاهدوا المهدي خلال العصر السابق... الأمر الذي يجعل الفكرة في أذهان القسم الثاني أوضح منها في أذهان هؤلاء في هذه الساعة الأُولى، وسيكون ما يشاهدونه وما يسمعونه في موقفهم ذلك كافياً في الإيضاح.
القسم الرابع: أفراد آخرون يشهدون الموقف: فتحصل لهم القناعة التامة، فيأتون لمبايعة المهدي خاضعين. وهم عادةً يمثّلون الدرجة الثانية والثالثة من درجات الإخلاص الأربعة التي سبق أن سمعنا عنها.
النقطة الثالثة: في عرض بعض الاستفهامات عن مبايعة جبرائيل (ع) للمهدي (ع) ينبغي عرضها، قبل العبور إلى خصائص أُخرى من البيعة.
الاستفهام الأوّل: إنّ جبرائيل (ع) أفضل من المهدي في درجات الكمال الإلهي، فكيف يخضع للمهدي (ع) بالمبايعة...؟
وهذا الاستفهام يحتوي على عدّة أجوبة، نذكر منها اثنان:
الوجه الأوّل: إنّه لا دليل على أن جبرائيل أفضل من الإمام المهدي (ع)، بل لعلّ الدليل قائم على العكس، باعتبار أنّ الإنسان الصالح المتكامل في صلاحه، أفضل من الملائكة؛ لأنّ الملائكة ليس لهم نفس القيمة الخلقية في إطاعة الله تعالى كالفرد الصالح، بل إنّ ميزان هذه القيمة في الفرد الصالح أرجح بكل تأكيد؛ لأنّ الملائكة إمّا أنّهم لا يملكون الاختيار أصلاً، بل هم مجبورون على أفعالهم من قِبل باريهم جلّ وعلا، وهم على الأرجح مختارون ولكنّهم يجدون الطاعة موافقة لهواهم ومنسجمة مع ميولهم، بخلاف الفرد الصالح، فإنّه مختار في طاعته، ويجد في الطاعة مصاعب نفسيّة واجتماعية عديدة، وهو مع ذلك جاد فيها مثابر عليها. ومن الواضح اتخاذ هذه الطاعة قيمة أخلاقية أعلى من تلك الطاعة؛ فيتصف هذا المطيع بكمال أكبر من ذاك الآخر.
هذا بالنسبة إلى أي فرد صالح متكامل من البشر تجاه أي ملك من الملائكة، ومن الواضح ثبوت نفس التفاضل، وبدرجة أكبر، لو تحدّثنا عن النسبة بين رؤساء الملائكة وقادة البشر الدينيين. كالأنبياء والأولياء، فإنّهم يتّصفون بالأفضلية على الملائكة بطبيعة الحال.
فإذا كان المهدي (ع) أفضل من جبرئيل، كان المانع من هذه الجهة، عن البيعة الوجه الثاني: إنّ هذه المبايعة من قبل جبرائيل ليس خضوعاً للمهدي (ع)... وإنّما هي احترام له وتقديس لمهمّته العالمية التي خطّط من أجلها خلال عمر البشرية كلّه، وقد وُجدت المبايعة لأجل مصالح معيّنة عرفنا بعضها.
الاستفهام الثاني: إنّه ما الذي يستفيده جبرائيل من هذه المبايعة؟
والجواب على ذلك من عدة وجوه نذكر أهمّها:
الوجه الأوّل: أنّه يبايع إطاعةً لأمر الله تعالى، لا من أجل مصلحته الخاصّة.
الوجه الثاني: إنّ احترام الحق وتقديس قادته، يعتبر كمالاً له وفائدة تعود عليه.
وهذا ما يتحقق بالبيعة كما عرفنا.
الوجه الثالث: إنّ البيعة ذات مصالح عامّة عرفناها، تعود إلى البشر أنفسهم، ومن ثمّ تتدرج في التخطيط العام الساري المفعول بعد الظهور، وهذا كافٍ في إيجادها.
الاستفهام الثالث: إنّ فكرة مبايعة جبرائيل (ع) للمهدي (ع) لا تنسجم مع فكرة أنّ المهدي (ع) يبايع مكرهاً. فإنّ مَن يكرهه على المبايعة هم البشر المتضررون من الظلم الواقع عليهم، وليس لجبرائيل (ع) في ذلك أية مشاركة، فكيف نجمع بين الأخبار الدالة على هاتين الفكرتين..؟!
وجواب ذلك: أنّنا سنفهم من الإكراه المشار إليه معنى معيّناً، يتضمّن لهفة المظلومين إلى رفع الظلم عنهم، وتواضع الإمام المهدي (ع) عن أن يتصدّى للمبايعة بنفسه، بل من الأفضل أن تكون بطلب من غيره بطبيعة الحال. وكما دلّ على الإكراه أكثر من ذلك، ينبغي الاستغناء عنه، وهذا المعنى لا ينافي مع بيعة جبرائيل (ع) معه، بل هو منسجم معها، وسيكون جبرائيل (ع) هو المبادر إلى طلب البيعة منه.
والاستفهام الرابع: أنّه دلّت بعض الروايات على أنّ جبرائيل قال عند وفاة النبي (ص): إنّه لن ينزل إلى الأرض مرّةً أُخرى.
قال علي بن عيسى الأربلي في كشف الغمة(٣٤٦): وروي عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام)، قال: (أتى جبرائيل (ع) إلى رسول الله (ص) يعوده. فقال: السلام عليك يا محمد، هذا آخر يوم أهبط فيه إلى الدنيا).
وعن عطاء بن يسار: أنّ رسول الله (ص)، لمّا حُضر أتاه جبرائيل، فقال: يا محمد، الآن أصعد إلى السماء، ولا أنزل الأرض أبداً.
وعن أبي جعفر (ع) قال: (لمّا حضرت النبي (ص) الوفاة ـ إلى أن قال ـ: فعند ذلك قال جبريل: يا محمد، هذا آخر هبوطي إلى الدنيا، إنّما كنتَ أنتَ حاجتي فيها).
والجواب على ذلك، يكون من عدّة وجوه، نذكر منها:
الوجه الأوّل: أنّ هذه الروايات النافية لنزول جبرائيل (ع) مقيّدة ـ في حقيقتها ـ بقيدٍ خفيٍّ غير مصرّح به، وهو عدم تعلّق الأمر الإلهي والمصلحة العامّة ورغبة رسول الله (ص) بذلك، فإن حصل شيء من ذلك، فإنّي سأنزل إلى الدنيا.
ومن المعلوم أنّ الروايات الدالة على نزوله مع المهدي (ع) تدل على حصول شيء من ذلك، وكلّه، فإنّ شأن المهدي (ع) بصفته المطبِّق الأكبر للهدف الأعلى من التخطيط العام، يناسب ذلك.
ووجود مثل هذا القيد الخفي الضمني في مضمون الكلام واضح لا يحتاج إلى استدلال، غير أنّ قوله في إحدى هذه الروايات: ولا أنزل إلى الأرض أبداً، ينافي فكرة هذا التقييد، فإنّها تدل ـ على الأقل ـ بأنّ شيئاً من ذلك سوف لن يحدث، ومن ثمّ لن ينزل جبرائيل (ع) إلى الأرض أبداً، غير أنّ هذه رواية واحدة يمكن التجاوز عنها بدلالة الروايات السابقة الدالة على نزوله في مناسبات أُخرى بعد وفاة النبي (ص) إلى نهاية البشرية، تكون نافية لمدلول هذه الرواية.
الوجه الثاني: هناك في هذه الروايات ما يدل على ما يشبه التقييد المشار إليه، وهو قوله: إنّما كنتَ أنتَ حاجتي فيها. فإنّه دال على أنّ نزوله كان من أجل رسول الله (ص) وتنفيذ مصالحه العامّة ورغباته الحكيمة. فإذا علمنا أنّ رسول الله (ص)، نفسه يرغب بتأييد المهدي (ع) ويدرك مصلحة وجوده وهدفه العام كما بشّر به مراراً وتكراراً خلال حياته، كما دلّتنا على ذلك الأخبار المتواترة، إذن فسيكون نزول جبرائيل (ع) مع المهدي (ع) مطابقاً لرغبة النبي (ص)، فإذا كان ينزل في زمن النبي (ص) من أجل رغبته، فأحرى به أن ينزل مع المهدي (ع) من أجل ذلك أيضاً.
الوجه الثالث: أنّنا يمكن أن نقيّد الأخبار النافية لنزول جبرائيل (ع) بالهدف الذي كان ينزل لأجله يومئذ، وهو تبليغ الوحي إلى النبي (ص)، فكأنّه قال: لن أنزل إلى الأرض من أجل تبليغ الوحي. وهذا أمر صحيح ولن يحدث أبداً؛ لأنّ نزوله مع المهدي (ع) لن يكون من أجل تبليغ الوحي، بطبيعة الحال.
وهذا التقييد، وإن كان مخالفاً لظاهر هذه الأخبار، إلاّ أنّه موافق مع طبيعة مهمّة جبرائيل مع النبي (ص)... كما أنّ أخبار نزوله مع المهدي (ع) توجب الالتزام بهذا التقييد، بغضّ النظر عن الوجهين السابقين.
الوجه الرابع: أنّنا لو تجاوزنا عن الوجوه السابقة، فوقع التنافي التام بين الأخبار النافية لنزول جبرائيل (ع) والأخبار المثبتة له؛ أمكننا بسهولة إسقاط الأخبار النافية لنزوله، بأحد أُسلوبين:
الأُسلوب الأوّل: تقديم الأخبار القائلة بنزول جبرائيل مع المهدي (ع) باعتبارها أكثر عدداً وأصحّ سنداً. أمّا عدداً، فهو واضح لمَن راجع المصادر، وأمّا سنداً فلأنّ الأخبار الثلاثة النافية كلها مرسلة، لم يذكر الأربلي لها سنداً.
نعم، واحدة منها رُويت مرسلةً عن عطاء بن يسار، فأصبح هو الراوي الوحيد المعروف من سلسلة الرواة، والباقي كلهم مجاهيل... وهو غير كافٍ في تصحيح الرواية، فكيف بالروايتين الأخيرتين اللتين لم يذكرها ولا راوٍ واحد؟
هذا، بخلاف روايات نزول جبرائيل (ع) مع المهدي (ع) فإنّها جميعاً مسندة في مصادرها معروفة الرواة.
الأُسلوب الثاني: معارضة الأخبار النافية، بكل ما يدل على نزول جبرائيل (ع) بعد النبي (ص) إلى نهاية البشرية.
وقد سمعنا هذا الأُسلوب في الوجه لخصوص رواية: لا أنزل إلى الأرض أبداً. ولكن بعد التنزّل عن الوجوه السابقة، يكون هذا أُسلوباً في معارضة كل الأخبار الثلاثة النافية، وهي أكثر عدداً منها، بحيث يكون مجموعها مستفيضاً، فلا يبقى لهذه الأخبار الثلاثة بإزائها أي إثبات.
فإن هناك من الأخبار ما يدل على نزول جبرائيل (ع) في زمن الأئمة المعصومين (ع) عدّة مرّات، كنزوله عند ثورة الحسين بن علي (ع) وعند ميلاد الإمام المهدي (ع) ومناسبات أُخرى. وكنت أودّ أن أُورد عدّة أخبار منها، لولا أنّه يخرج بنا عن الصدد.
وعلى أي حال، فقد سقطت الأخبار النافية لنزول جبرائيل (ع) بعد وفاة النبي (ص) عن قابليّة الإثبات التاريخي.
النقطة الرابعة: ـ من الحديث عن البيعة ـ: ورد في مضمون البيعة، كما سمعنا في الأخبار، شكلان من الغرض، كلاهما موافق للقواعد الإسلامية العامّة.
الشكل الأوّل: إنّ المهدي (ع) يبايع أصحابه على: كتاب جديد، وأمر جديد، وسلطان جديد.
وهذا في حقيقته ـ يمثّل مستوى الوعي الإسلامي الجديد الذي لم يكن معروفاً قبل الظهور. على ما سوف نبرهن عليه في مستقبل البحث.
ويمكن أن نفهم من المبايعة على ذلك، أحد ثلاث معان:
المعنى الأوّل: وهو الظاهر المباشر من اللفظ، وهو أن يقول المهدي (ع) حال المبايعة: أُبايعكم وتبايعونني على كتاب جديد وسلطان جديد.
غير أنّ المعنى لا يخلو من بعد، بإزاء المعاني الآتية، من حيث: إنّ الكتاب الجديد والسلطان الجديد من الألفاظ غير المفهومة للجمهور الحاضر يومئذ، وإنّما يتضح معناه وتطبيقاته بعد ذلك من خلال عمل المهدي (ع) في دولته، ومن المعلوم: أنّ المبايعة على أُمور غير مفهومة مخالفةٌ للمصلحة، مع وجود مفاهيم كثيرة واضحة ودافعة إلى الفداء أكثر من هذه الأُمور.
المعنى الثاني: لمبايعته على ذلك: إنّ نتيجة المبايعة هو العمل الجاد لإنجاز العدل وتطبيقه في العالم كلِّه، الأمر الذي سيصبح أمراً جديداً وسلطاناً جديداً، ويتضمّن كتاباً جديداً ـ كما سيأتي ـ فالمبايعة على ذلك يعني: إنتاجها لذلك في المدى البعيد.
وهذا المعنى محتمل في التصوّر، إلاّ أنّه مخالف لظاهر هذا الأخبار، وأبعد مفهوماً من المعنى الثالث الآتي، كما هو غير خفي عند المقارنة.
المعنى الثالث: إنّ المهدي (ع) يبايع أصحابه على شروط معيّنة بتفاصيلها، وهذه التفاصيل تمثّل ـ في واقعها ـ الكتاب، والسلطان، والأمر الجديد.
فالكتاب الجديد والأمر الجديد، لا يذكره المهدي (ع) بصراحة ليكون مجهول المعنى للجمهور، طبقاً للمعنى الأوّل. كما أنّه لا يهمل الاشتراط تماماً اتكالاً على النتائج، طبقاً للمعنى الثاني، بل بذكره عدّة أُمور في البيعة، تكون هي: الكتاب الجديد والأمر الجديد، في الواقع.
وأمّا هذه التفاصيل التي يذكرها المهدي (ع) في البيعة، فهو ما أعربت عنه الروايات الأُخرى التي سمعناها، والتي سنذكرها في الشكل الثاني، وبذلك يتحد محتوى الشكلين لمضمون البيعة؛ لأنّ الكتاب الجديد والأمر الجديد يعود إلى نفس التفاصيل المندرجة في الشكل الثاني، وليست شيئاً آخر.
الشكل الثاني: إنّ المهدي (ع) يبايع أصحابه على شروط معيّنة بتفاصيلها، تمثّل في حقيقتها أهم أحكام الإسلام. وقد سردت إحدى الروايات السابقة قائمة طويلة منها، لا حاجة إلى تكرارها الآن.
غير أنّ هذا الشكل من الشروط المطوّلة، يحتوي على بعض الاستفهامات، لابد من عرضها ونقدها:
الاستفهام الأوّل: كيف يتصوّر أنّ المهدي (ع) يتلو هذه الشروط على كل واحد من الحاضرين، فإنّه يستغرق زمناً طويلاً...؟
وجوابه: واضح، وهو أنّه لا يحتاج إلى ذكرها أكثر من مرّة، أمام مجموع الحاضرين ومجموعة منهم، ثم يقوم بالتنبيه على تلك الشروط في كل مبايعة.
الاستفهام الثاني: إنّ ما ذكر في هذه القائمة الطويلة من الأحكام، ليست أحكاماً جديدة، بل هي أحكام معروفة في الإسلام، ونافذة قبل الظهور، فكيف نقول إنّها من الكتاب الجديد والأمر الجديد.
ويمكن الجواب على ذلك من عدة زوايا، نذكر اثنتين منها:
الزاوية الأُولى: أنّنا نحتمل ـ على الأقل ـ أنّ الرواية التي تكفّلت بيان الشكل الثاني لمضمون البيعة قد حذفت من القائمة التي يذكرها المهدي (ع) لأصحابه، كل حكم جديد.. لأنّ ذكرها في الرواية يساوق إعلانها قبل الظهور، مثل قوله: ويرضون بالقليل، ويشمّون الطيب، ويلبسون الخشن من الثياب، ويتوسّدون التراب على الخدود.
فإنّ هذه أحكام نافذة المفعول قبل الظهور، ولكنّها مستحبّة وغير (إلزامية) بمعنى أنّه يجوز تركها للفرد... ولكن بعد أن تعيش الأُمّة التجارب القاسية السابقة على الظهور، التي تنتج فيها الإيمان العالي والإخلاص العميق في جماعة واسعة من الناس.... يصبح فيها القابلية لأن تكون (ملزمة) بهذه الأحكام وأمثالها، فتتحول هذه الأحكام من الاستحباب إلى وجوب.
ويكون هذا الوجوب، ممثّلاً لجهة مهمّة من جهات (الكتاب الجدي والأمر الجديد) الذي سوف يُعلن بعد الظهور.
ومن هنا نفهم الجواب على:
الاستفهام الثالث: إنّ هذه الأحكام (المستحبة) صعبة التنفيذ، فكيف تكون واجبة بعد الظهور؟
وجوابه من وجهين:
الوجه الأوّل: أنّه لا دليل على شمول هذه الأحكام للأُمّة كلها، وإنّما كل ما في الأمر، أنّ الرواية دلّتنا على أنّ المهدي (ع) يشترط على أصحابه... ومن المعلوم أنّ هؤلاء الأصحاب المخلصين من الدرجة الأُولى، سيكونون على مستوى قابلية التنفيذ لا محالة.
الوجه الثاني: أنّه لا بأس بشمول هذه الأحكام وأمثالها للأُمّة ككل، بعد تكاملها نتيجة للتمحيص الطويل، فإن التوقّعات من الفرد تزداد كلّما ازداد إخلاصاً وتكاملاً، وكذلك الأُمّة، بصفتها متكوّنة من الأفراد.
كل ما في الأمر، أنّ إعلان أمثال هذه الأحكام سيكون تدريجياً، بمقدار ما يستطيع الإخلاص العميق أن يرسّخ أقدامه في الأُمّة. فهو يبدأ بأضيق صورة وهو الاشتراط خلال البيعة أمام جماعة محدودة من الناس، وينتهي بالإعلان العام عندما تقتضي المصلحة ذلك.
الاستفهام الرابع: قد يخطر في الذهن: بأننا عرفنا أن جبرائيل (ع) هو أول من يبايع، فهل تكون هذه الأحكام سارية المفعول عليه أيضا؟
إنّ مجرّد إثارة هذا السؤال، غريب.... فإنّه واضح النفي، بعد أن عرفنا أنّ مبايعة جبرائيل (ع) ليس من أجل أن يصبح من شعب دولة المهدي (ع) بشكل مباشر... بل لأجل مصالح أُخرى عرفنا طرفاً منها. وهذه الأحكام إنّما تسري على شعب تلك الدولة من البشر بطبيعة الحال.
ومن هنا نسمع الروايات تقول: (لكأنّي أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس بأمرٍ جديد...) فهو يبايع الناس والملائكة، غير أنّ الأمر الجديد، سيكون ساري المفعول على البشر فقط.
وفي الخبر الآخر: أنّه يأخذ البيعة عن أصحابه... وجبرائيل (ع) وإن كان من أصحاب المهدي (ع)، غير أنّ لفظ الأصحاب واضح في أولئك الذين انتخبهم التمحيص، كعددٍ كافٍ لغزو العالم بالعدل، وكلهم من البشر بطبيعة الحال.
النقطة الرابعة: ـ من الحديث عن البيعة ـ: أنّه ورد في بعض الروايات التي سمعناها عن البيعة: أنّ الإمام المهدي (ع) يشترط على نفسه أُموراً إلى جانب ما يشترطه على أصحابه من الأُمور.
والمفهوم الأساسي الذي تؤكّد عليه هذه الأُمور: أنّ الأمام المهدي (ع) سيكون قائداً شعبيّاً يعيش حياة اعتيادية بعيدةً عن الفخفخة والجبروت التي عاشها حكّام العهد السابق على الظهور، فهو (يمشي حين يمشون، ويلبس كما يلبسون، ويركب كما يركبون، ويرضى بالقليل).
وكذلك كان رسول الله خلال حكمه، وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الذي يقول:
(فو الله ما كنزت من دنياكم تبراً، ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً.. ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز. ولكن هيهات، أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي على تخيّر الأطعمة، ولعل بالحجاز واليمامة مَن لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع... أأقنع من نفسي بأن يُقال: أمير المؤمنين، ولا أُشاركهم في مكاره الدهر، وأكون لهم أُسوة في جشوبة العيش...).(٣٤٧)
وكذلك ينبغي أن يكون المهدي (ع)، بصفته الحاكم الأعلى للدولة العالمية العادلة، فإنّ من القواعد العامّة في الإسلام، أنّ الرئيس الأعلى للدولة الإسلامية يجب عليه أن يعيش في حياته الشخصية على مستوى أفقر فرد في شعبه. وستأتي تطبيقات ذلك عند الحديث عن دولة المهدي ونظامها.
غير أنّه تبقى بعض الاستفهامات عن هذه الأُمور التي يفرضها المهدي (ع) على نفسه، ينبغي عرضها ونقدها:
الاستفهام الأوّل: أنّ ما يشترطه المهدي (ع) على أصحابه، يعبّر عن تكاليف عامّة على المسلمين، يكون مشمولاً لها أيضاً، فلماذا لم يشترطها على نفسه؟ في حين نجد أنّ ما اشترطه على أصحابه أكثر بكثير ممّا اشترطه على نفسه، فلو كانت زيادة الأحكام تدور مدار عمق الإيمان والإخلاص، لكان الأنسب هو العكس؛ لأنّ المهدي (ع) أعمق إيماناً وإخلاصاً من أصحابه بطبيعة الحال.
وجواب ذلك ينبغي أن يكون واضحاً للقارئ اللبيب... إذ لا معنى لشمول كل الأحكام لشخص الإمام المهدي (ع). إذ من الأحكام ما يقول بوجوب إطاعة الحاكم المتمثّل يومئذٍ بالمهدي (ع) نفسه وكما من الأحكام ما يكون تربويّاً للمراتب الواطئة نسبيّاً من الناس، والمفروض بالمهدي (ع) أنّه أعلى من هذه المراتب بكثير. فلا معنى لشمول أمثال هذه الأحكام له.
هذا، ولكن غالب الأحكام شاملة له، غير أنّ تطبيقها من قِبله واضح ومفروض، لا يحتاج إلى اشتراط ـ فيكون اشتراطها عليه أمراً مستأنفاً لا معنى له. كيف وهو الذي سيأخذ بزمام المبادرة لاشتراطها على أصحابه، فكيف لا يلتزم هو شخصيّاً بها، وإنّما يتمّ هذا الاشتراط بالنسبة إلى المراتب الإيمانية التي يكون هذا الاشتراط في مصلحة تربيتها.
على حين أنّ كمال الإمام المهدي (ع) أعلى من هذا المستوى بكثير.
ففي لُبّ الحقيقة أنّ ما يشترطه المهدي على نفسه، وما يشترطه على أصحابه معاً، مكلّف هو بها، غير أنّ تلك الأُمور لا تحاج إلى اشتراط.
وإنّما يخص المهدي (ع) نفسه باشتراط الأُمور التي تخص القائد العادل في الإسلام ومضافاً إلى مهمته الخاصّة التي كان مذخوراً من أجلها، وهي: أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.
وهو وإن كان عالماً بهذه الأُمور، عازماً على تطبيقها، إلاّ أنّ الإعراب عنها أمام أصحابه، وخلال البيعة، تنوير لهم عن وظيفته، وتحديد لتوقّعاتهم منه، وبالتالي فهو إعلان مختصر عن المنهج الذي سوف يتبعه في المستقبل... شأن البيان الوزاري الذي تعلنه الدول الحالية عند مجيء الوزارة الجديدة إلى الحكم.
الاستفهام الثاني: إنّ المهدي (ع) يأخذ فيما يأخذ على نفسه وأن يكون من حيث يريدون. ومن المعلوم بضرورة الدين، أنّ التطبيقات الإسلامية لا تكون بمشيئة الناس، وإنّما تكون بإرادة الله وتشريعه، ومقتضيات العدل الكامل والمصالح العامّة، والمهدي (ع) هو المطبِّق لذلك لا لما يريده الآخرون، فكيف يشترط ذلك على نفسه؟
والحق، أنّنا لو فهمنا من هذا الشرط كون الإمام المهدي (ع) يكون طوع إرادة أصحابه في التشريع والتطبيق، لكان هذا الشرط باطلاً لا محالة. غير أنّ هذا نفسه سيكون قرينة لنا على أن نفهم هذا الشرط بأُسلوب آخر.
ويتم ذلك من خلال وجوه غير متنافية، فقد تصدق جميعاً وأكثر من واحد منها.
الوجه الأوّل: إنّ أصحابه إنّما يريدون العدل العالمي المطلق، وأن تمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً... فإذا كان المهدي (ع) (من حيث يريدون) عنى ذلك تطبيقه للعدل المذخور من أجله...
الوجه الثاني: إنّ في هذا الشرط إشارة إلى الأُمور التي تكون موكولة (فقهيّاً) إلى رغبة المجتمع في الدولة الإسلامية... كتأسيس المؤسسات، والحصول على مقادير من الأرض، والاشتغال في الوظائف العامّة... ونحوها، فيكون معنى كون الإمام المهدي (ع) حيث يريدون، أنّه (ع) يرضى لهم بذلك ويمضي لهم هذه الحاجات، في حدود ما لا يكون مخلاًّ بالعدل والمصلحة العامّة.
الوجه الثالث: إنّ المهدي (ع) لا يقضي فقط هذه الحاجات، بل يقضي لأصحابه ولكل المؤمنين جميع ما يريدون من حوائجهم الشخصية، وهذا ما سوف يحدث فعلاً في نظامه العادل، كما سوف نعرف طرفاً مهمّاً منه، خلال الحديث عن نظام الدولة العالمية المهدوية.
الجهة السابعة: من هذا الفصل، في التعرّض إلى نقطة معيّنة وردت في الأخبار، يحسن بنا الإلمام بها، أعني أُسلوب السلام عليه خلال بيعته وبعد ذلك أيضاً.
أخرج ابن الصباغ في الفصول المهمّة(٣٤٨) عن أبي جعفر (ع) ـ في حديث ـ يقول فيه: (فعند ذلك خروج قائمنا، فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة...
فأوّل ما ينطق هذه الآية: (بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ...)، ثمَّ يقول: أنا بقيَّة الله وخليفته وحجَّته عليكم.
فلا يُسلِّم عليه مُسلِّم إلاَّ قال: السلام عليك يا بقيَّة الله في الأرض...) الحديث.
وفي مُنتخب الأثر(٣٤٩) نقلاً عن إكمال الدين للصدوق: أنَّه روى أنَّ التسليم على القائم أن يُقال: السلام عليك يا بقيَّة الله في أرضه.
وفي إكمال الدين نفسه،(٣٥٠) بسنده عن محمد بن مسلم الثقفي، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر يقول: (القائم منَّا منصور بالرعب مؤيَّد بالنصر... ـ إلى أن قال: ـ فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة...) الخ الحديث كما سمعناه عن الفصول المُهمَّة.
وقال الشبلنجي في نور الإبصار:(٣٥١) وهذه علامات قيام القائم مرويَّة عن أبي جعفر رضي الله عنه، قال: (إذا تشبَّه الرجال بالنساء... ـ وساق الخبر إلى قوله: ـ فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة...) الخ الحديث كما سمعناه عن الفصول المهمَّة.
وفي مُنتخب الأثر،(٣٥٢) عن غيبة الشيخ، بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر (ع) قال: (مَن أدرك منكم قائمنا، فليقل حين يراه: السلام عليكم يا أهل بيت النبوَّة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة).
وأخرج الشيخ الحُرِّ في الوسائل،(٣٥٣) بإسناده عن عمر بن زاهر، عن أبي عبد الله (ع) قال: سأله رجل عن القائم يُسلم عليه بإمرة المؤمنين؟ قال: (لا، ذاك اسم سمَّى الله به أمير المؤمنين، لم يُسمَّ به أحد قبله ولا يُسمَّى به أحد بعده إلاَّ كافر!).
قلت: جُعلت فِداك، كيف يُسلَّم عليه؟
قال: (تقول: السلام عليك يا بقيَّة الله في أرضه).
ثمَّ قرأ: (بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ...).
قال الشيخ الحُرُّ: والأحاديث في ذلك كثيرة، لكن ورد لها معارضات غير صريحة في الزيارة، فالأحوط التَّرْك.
وفي بعض الروايات التي لم يحضرني مصدرها ما مضمونه: (أنَّ المهدي (ع) إذا ظهر لم يُلقَّب بأمير المؤمنين؛ فإنَّه لَقَبٌ خاص بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، بل يُقال له: السلام عليك يا بقيَّة الله في أرضه).
والمراد من هذا اللقب: كون المهدي (ع) هو الباقي من خطِّ الأنبياء والأولياء والصالحين، الذين مهَّدوا لوجوده وضحُّوا من أجل تطبيق عدله، فأصبح هو النتيجة الطبيعية الكبرى لجهودهم، والقيمة العالية لأقوالهم وأعمالهم، فالمراد من (بقيِّة الله) كونه (ع) بقيَّة أنبياء الله ورُسُله عليهم السلام.
وإنَّما نُسِبَت البقيَّة إلى الله مُباشرة؛ باعتبار كون هذا الخطِّ المُقدَّس على طوله خطَّاً مُمثِّلاً لعدل الله ودعوته الحقَّة، وهو ـ عزَّ وجلَّ ـ مؤسِّسه ومُخطِّطه من أجل تربية البشرية والسير بها نحو الكمال.
وأمَّا نسبتها إلى (أرض الله) حين يُقال: بقيَّة الله في أرضه. فباعتبار تأسيسه (ع) للدولة العالمية العادلة على مجموع الكرة الأرضية.
ومن المعلوم أنَّ (أرض الله) هي كل الكرة الأرضية، لا يستثني منها أيَّ منطقة ومجتمع، كما أنَّه (ع) في عصره هو القائد الإلهي الوحيد الموجود في مجموع هذه الأرض.

 

الفصل الرابع: أصحاب الإمام المهدي (عج) جنسيَّاتهم، عددهم، كيفيَّة اجتماعهم
وينبغي أن نتكلَّم عنهم (رضي الله عنهم) في عدَّة جهات:

 

الجهة الأُولى: في الروايات التي تخصُّ أصحاب القائم المهدي (ع)، وتتكفَّل بيان خصائصهم وصفاتهم، حتى ما إذا حملنا عن ذلك فكرة كافية، انطلقنا في الجهات الآتية إلى إعطاء فهم مُتكامل لما سمعناه.
والروايات بهذا الصدد كثيرة جدَّاً، ومُتوفِّرة المصادر العامة والخاصة معاً، بعضها مُختصر العبارة، وبعضها مُسهِب، ونحن نقتصر على جملة كافية منها:
أخرج مسلم في صحيحه،(٣٥٤) عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله (ص) ـ في حديث ـ: (... إنِّي لأعرف أسماءهم، وأسماء أبائهم، وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ، ومن خير فوارس على ظهر الأرض يومئذ).
وأخرج أبو داود،(٣٥٥) بسنده عن أمِّ سلمة زوج النبي (ص)، عن النبي (ص)، قال: (يكون اختلاف عند موت الخليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكَّة، فيأتيه ناس من أهل مكَّة فيُخرجونه ـ إلى أن قال: ـ فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق، يُبايعونه بين الركن والمقام).
ونُقل هذا الحديث عن أبي داود وابن عساكر في المصادر المُتأخِّرة عنهما، كالصواعق المُحرِقة لابن حجر، والبيان للكنجي، وينابيع المودَّة للقندوزي، ونور الإبصار للشبلنجي، وإسعاف الراغبين للصبَّان وغيرها...
وأخرج ابن ماجة،(٣٥٦) عن عبد الله، قال: بينما نحن عند رسول الله (ص)... إلى أن قال: (... حتى يأتي قوم من قِبل المشرق معهم رايات سود، فيسألونه الخير، فلا يُعطونه، فيُقاتلون فيُنصرَون، فيُعطَون ما سألوا، فلا يقبلونه... حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطاً كما ملؤوها جوراً.
فمَن أدرك ذلك منكم فليأتهم، ولو حبواً على الثلج).
وفي حديث آخر(٣٥٧) قال: قال رسول الله (ص): (يخرج ناس من المشرق فيوطِّئون للمهدي ـ يعني سلطانه ـ).
وأخرج الحاكم في المستدرك،(٣٥٨) بسنده عن محمد بن الحنفية قال: كنَّا عند علي رضي الله عنه، فسأله رجل عن المهدي.
فقال رضي الله عنه: (هيهات! ثمَّ عقد بيده سبعاً، فقال: ذاك يخرج في آخر الزمان، إذا قال الرجل: الله الله. قُتِل، فيجمع الله تعالى له قوماً، قَزَع كقَزَع السحاب، يؤلِّف الله بين قلوبهم، لا يستوحشون إلى أحد، ولا يفرحون بأحد، يدخل فيهم على عدَّة أصحاب بدر، لم يسبقهم الأوَّلون ولا يُدركهم الآخرون، وعلى عدد أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر...) الحديث.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرجاه.
وأخرج القندوزي في الينابيع(٣٥٩)، عن الباقر والصادق (رضي الله عنهما)، في قوله تعالى:
(وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ...).(٣٦٠)
قالا: (إنَّ الأُمَّة المعدودة هم أصحاب المهدي في آخر الزمان ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً، كعدَّة أهل بدر، يجتمعون في ساعة واحدة، كما يجتمع قَزَعُ الخريف).
وأخرج الكنجي في البيان،(٣٦١) عن ابن أعثم الكوفي عن كتاب الفتوح، عن أمير المؤمنين علي (ع) أنَّه قال: (ويحاً للطالقان! فإنَّ لله عزَّ وجلَّ بها كنوزاً ليست من ذهب ولا فضَّة، ولكن بها رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته، وهم أنصار المهدي (ع)، في آخر الزمان).
أقول: وأخرجه عنه في ينابيع المودَّة في موضعين.(٣٦٢)
وأخرج السيوطي في الحاوي،(٣٦٣) عن نعيم بن حمَّاد، عن ابن مسعود، قال: (يُبايع للمهدي سبعة رجال علماء توجَّهوا إلى مكَّة من أُفق شتَّى على غير ميعاد، وقد بايع لكل رجل منهم ثلاثمئة وبضعة رجلاً، فيجتمعون بمكَّة فيبايعونه، ويقذف الله محبَّته في صدور الناس) الحديث.
وأخرج ابن الصبَّاغ في الفصول المُهمَّة،(٣٦٤) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) في حديث القائم يقول فيه: (... فيصير إليه أنصاره من أطراف الأرض تُطوى لهم طياً، حتى يُبايعوه).
أقول: هذا بعض ما أخرجته المصادر العامة بهذا الصدد.
وأخرج النعماني،(٣٦٥) في حديث عن أمير المؤمنين (ع) يذكر فيه جيش الغضب قال: (... أولئك قوم يأتون في آخر الزمان قَزَعٌ كقَزَع الخريف، والرجل والرجلان والثلاثة من كل قبيلة، حتى يبلغ تسعة.
أما والله، إنِّي لأعرف أميرهم ومناخ ركابهم...) الحديث.
وفي حديث آخر عن علي (ع)، قال فيه: (... ثمَّ يجتمعون قَزَعاً كقَزَع الخريف من القبائل، ما بين الواحد والاثنين، والثلاث والأربعة، والخمسة والستّة، والسبعة والثمانية، والتسعة والعشرة).
وفي حديث آخر، عن المُفضَّل بن عمر، قال: قال: أبو عبد الله (ع): (إذا أُذِنَ الإمام، دعا الله باسمه العبراني، فأُتيحت (فانتُخب) له صحابته الثلاثمئة والثلاثة عشر، قَزَعٌ كقَزَع الخريف، فهم أصحاب الألوية، منهم مَن يُفقَد عن فراشه ليلاً فيُصبح بمكَّة، ومنهم مَن يُرى يسير في السحاب نهاراً يُعرف باسمه واسم أبيه وحِلْيته ونسبه).
قلت: جُعلت فداك، أيُّهم (أيُّهما) أعظم إيماناً؟
قال: (الذي يسير في السحاب نهاراً، وهم المفقودون، وفيهم نزلت هذه الآية: (... أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً...)).(٣٦٦)
وفي خبر آخر،(٣٦٧) عن أبي خالد الكابلي، عن علي بن الحسين وعن محمد بن علي (ع) أنَّه قال: (الفُقداء قوم يُفقَدون من فُرُشهم فيُصبحون بمكَّة، وهو قول الله عز وجل: (... أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً...)، وهم أصحاب القائم (ع)).
وفي حديث آخر، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(ع) أنَّه قال: (... فيكون أول خلق الله مُبايعة له أعني جبرائيل، ويُبايعه الناس الثلاثمئة والثلاثة عشر، فمَن كان ابتُلي بالمسير وافى في تلك الساعة، ومَن افتُقد من فُرشه،(٣٦٨) وهو قول أمير المؤمنين علي (ع): المفقودون من فُرُشهم، وهو قول الله عزَّ وجلَّ: (... فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا...)) الحديث.
وفي حديث آخر،(٣٦٩) عن أبي الجارود، عن أبي جعفر الباقر (ع)، قال: (أصحاب القائم ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً أولاد العَجم، بعضهم يُحمل في السحاب نهاراً يُعرف باسمه واسم أبيه وحِليته، وبعضهم نائم على فراشه، فيوافيه في مكَّة على غير ميعاد).
وفي خبر آخر،(٣٧٠) عن حكيم بن سعيد قال: سمعت علياً (ع) يقول: (إنَّ أصحاب القائم شباب لا كهل فيهم، إلاَّ كالكحل في العين، وكالملح في الزاد، وأقلَّ الزاد الملح).
وأخرج الشيخ في الغيبة(٣٧١) نحوه.
وأخرج الطبرسي(٣٧٢) في حديث، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) أنَّه قال فيه: (... لكأنِّي به في يوم السبت العاشر من المُحرَّم قائماً بين الركن والمقام، جبرائيل بين يديه يُنادي بالبيعة له، فتصير شيعته من أطراف الأرض تُطوى لهم طيَّاً حتى يُبايعوه، فيملأ الله به الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً).
وأخرج المفيد في الإرشاد(٣٧٣) نحوه.
وفي خبر آخر(٣٧٤) عن محمد بن مسلم الثقفي، قال سمعت أبا جعفر (ع)، يقول: (القائم منَّا منصور بالرعب، مؤيَّد بالنصر... ـ إلى أن قال: ـ فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة، واجتمع إليه ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً... ـ إلى أن قال: ـ فإذا اجتمع له العقد: عشرة آلاف رجل، فلا يبقى في الأرض معبود دون الله...) الحديث.
وأخرج المفيد في الإرشاد،(٣٧٥) عن المُفضَّل بن عمر الجعفي، عن أبي عبد الله (ع) في حديث، بعد أن ذكر مُبايعة القائم، قال: (... وقد وافاه ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً، فيُبايعونه، ويُقيم بمكَّة حتى يتمَّ أصحابه عشرة آلاف نفس، ثمَّ يسير منه إلى المدينة).
وأخرج الصدوق في إكمال الدين،(٣٧٦) بسنده عن أبي بصير قال: سأل رجل من أهل الكوفة أبا عبد الله (ع): كم يخرج مع القائم (ع)؟ فإنَّهم يقولون: إنَّه يخرج مثل عدَّة أهل بدر، ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً.
قال: (ما يخرج إلاَّ في أولي قوَّة، وما يكون أولوا قوَّة أقل من عشرة آلاف).
إلى غير ذلك من الروايات، وهناك بعض الروايات تقوم بتعداد أماكن، و(جنسيّات) أصحاب الإمام المهدي (ع)، وتُعرب أيضاً عن (المشكلة القانونية) التي سيُحدثها وجودهم في مكّة قبل الظهور، وسنسمع طرفاً منها في هذا الفصل.
كما أنَّ هناك من الروايات ما يوضَّح شجاعتهم وإيمانهم وإخلاصهم لقائدهم والأعمال الموكولة إليهم.
وهذا ما سنذكره فيما بعد كلاَّ ًفي مكانه المناسب.
الجهة الثانية: في أهمِّيَّة أصحاب الإمام المهدي (ع):
يكتسب أصحاب الإمام المهدي (ع) أهمِّيَّتهم من جهة كونهم ناجحين ومُمحَّصين، في التمحيص الإلهي الذي كان ساري المفعول في عصر الغيبة الكبرى، كما عرفنا، فقد اثبتوا ـ من خلال التمحيص الذي عاشوه ـ جدارتهم وإخلاصهم وقدرتهم على التضحية الكبرى في سبيل الأهداف الإسلامية العُلْيَا.
وهذه هي الجهات الرئيسية التي تُميِّز المؤمن الحقيقي، والمُشارك الرئيسي في تنفيذ الأهداف الإسلامية، عن غيره، وكلَّما كان الهدف أوسع وأكبر احتاج إلى تركيز في الإيمان والإخلاص، بشكل أعمق، فكيف لو كان هدفاً عالمياً لم ينله فيما سبق أيُّ قائد كبير ولا نبيٌّ عظيم؟ وإنَّما كان خطُّ الأنبياء والمرسلين، وما نالته البشرية من مظالم، وما أدَّته من تضحيات كلُّها من مُقدِّمات هذا الهدف الكبير وإرهاصاته، وقد كان التخطيط العام السابق على الظهور مُركَّزاً من أجل إنتاج هؤلاء على المستوى المطلوب لهذا الهدف الكبير.
ومن هنا نطقت الروايات التي سمعناها وغيرها، بمدحهم والثناء عليهم، فهم: (رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته)، وهم (رهبان بالليل ليوث بالنهار)، وهم (خير فوارس على ظهر الأرض، ومن خير فوارس على ظهر الأرض)، وهم أيضاً (أبدال الشام وعصائب أهل العراق) , و(النُّجباء من مصر).
كل ذلك باعتبار أهمِّيَّتهم التي اكتسبوها من التخطيط العام السابق على الظهور.
وأمَّا أهمِّيَّتهم باعتبار ما سيُشاركون به تحت إمرة القائد المهدي (ع)، من غزو العالم بالعدل، وإقامة الدولة العالمية العادلة، ومُمارسة الحُكم في مناطق الأرض المختلفة، كما سيأتي... فحدّث عن هذه الأهمِّيَّة ولا حرج، فإنَّه الهدف الذي وجِدوا من أجله وكُرِّس التخطيط العام السابق من أجل تنمية قابليَّاتهم عليه.
الجهة الثالثة: في عددهم.
نصَّت الروايات ـ بشكل مُستفيض يكاد أن يكون متواتراً ـ أنَّ عددهم بمقدار جيش النبي (ص) في غزوة بدر، ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً،(٣٧٧) كما وردت روايات سمعناها تنصُّ على أنَّ أصحابه لا يقلُّون عن عشرة آلاف رجل، فإنه (ع): (ما يخرج إلاَّ في أُولي قوَّة، وما يكون أُولو قوَّة أقلَّ من عشرة آلاف)، كما نصَّت على ذلك الروايات.
والسرُّ في ذلك يعود إلى اختلاف درجات الإخلاص، التي قسَّمناها إلى أربعة في التاريخ السابق،(٣٧٨) يُنتجها التخطيط العام السابق على الظهور، ولا حاجة إلى تكراراها الآن، وإنَّما المُهمِّ أنَّها تُنتج بصددنا هذا عدَّة نتائج:
النتيجة الأُولى: اختلاف عدد الناجحين في كل درجة؛ لضوح أنَّ درجات الإخلاص كلَّما ارتفعت، تطلَّبت قابليَّات أوسع وثقافة أعمق لإحراز النجاح، ومن المعلوم أنَّ الأفراد الأكثر قابلية والأوسع ثقافة أقلُّ في العالم ممَّن هم دونهم... وهكذا.
ومن هنا كان الناجحون من الدرجة الأُولى أقلَّ منهم في الدرجة الثانية، وهم أقلُّ منهم في الدرجة الثالثة، وكلَّما قلَّت درجة الإخلاص زاد عدد القواعد الشعبية المُتَّصفة به.
وقد دلَّتنا هذه الروايات على أنَّ المُخلصين المُمحَّصين من الدرجة الأُولى، مُنحصرون في ذلك الجيل الذي يظهر فيه الإمام المهدي (ع) بثلاثمئة وثلاثة عشرة رجلاً.
على أنَّ الناجحين المُمَّحصين من الدرجة الثانية، لا يقلُّون عن عشرة آلاف شخص في العالم، إن لم يكونوا أكثر.
فهذا هو السبب في اختلاف العدد الذي نطقت به هذه الأخبار، وستأتي في النتائج الآتية إيضاحات أكثر.
النتيجة الثانية: سُرعة التحاقهم بالمهدي (ع) ووصوله إليه... فالثلاثمئة والثلاثة عشر رجلاً يكونون حاضرين في المسجد الحرام في مكَّة، حين خطاب المهدي (ع) وبيعته الأُولى.
على حين أنَّ الباقين يتواردون إلى مكَّة بعد ذلك خلال الأيَّام القليلة القادمة؛ ومن هنا دلَّت الروايات التي سمعناها: أنَّ الإمام المهدي (ع) ينتظر في مكَّة حتى يتكامل لديه عشرة آلاف رجل.
النتيجة الثالثة: سرعة إيمانهم بالمهدي (ع) وسرعة مُبايعتهم له؛ إذ من المعلوم أنَّ الفرد كلَّما كان أعمق إيماناً وأوسع ثقافة يستطيع أن يُفهم قول الحق ويُشخَّص القائد الحق، بشكل أعمق وأسرع؛ ومن هنا سيكون هؤلاء هم الروَّاد الأوائل إلى مُبايعة الإمام المهدي (ع) بعد جبرائيل (ع)، ولربَّما كان جملة منهم يعرفونه في عصر غيبته، كما أسلفنا، فلا يحتاجون معه إلى أيَّة حجَّة ومعجزة.
النتيجة الرابعة: إنَّ هؤلاء سيكونون أول مَن يُدافع عنه، وذلك باعتبار ما دلَّت عليه بعض الروايات.
أخرج المجلسي في البحار،(٣٧٩) بالإسناد عن علي بن الحسين (ع) في ذكر القائم (ع) ـ يقول فيما قال ـ: فيقوم هو بنفسه فيقول:
(أنا فلان بن فلان، أنا بن نبيِّ الله، أدعوكم إلى ما دعاكم إليه نبيِّ الله. فيقومون إليه ليقتلوه، فيقوم ثلاثمئة ونيِّف على الثلاثمئة، فيمنعونه منه...) الحديث.
فبينما كان (النفس الزكية) حين يُلقي خطابه بين الركن والمقام، رجلاً أعزل ليس له مُدافع، فيثورون عليه فيقتلوه، نجد أنَّ المهدي (ع) يقف في نفس الموضع بعد عدَّة أيَّام، فيخطب، فيثورون عليه ليقتلوه ـ طبقاً لهذه الرواية ـ لأنَّ المُنحرفين يكرهون هذا الاتجاه الذي يُمثِّله الحق على كلِّ حال.
غير أنَّ الله تعالى يكون قد رصد للإمام المهدي (ع) مَن يحميه ويُدافع عنه ويُضحِّي من أجله، وهم هؤلاء الرادة الأوائل للثورة العالمية الجديدة.
غير أنَّه من المُلاحَظ أنَّ هذه الرواية وحدها لا تكفي للإثبات التاريخي، غير أنَّ طبائع الأشياء تقتضي صحَّة حدوث مُحاولة القتل هذه، والله العالم.
النتيجة الخامسة: اختلاف أصحاب الإمام المهدي (ع) في الوظائف والأعمال التي توكل إليهم؛ نتيجةً لاختلاف درجاتهم في الإخلاص.
فإنَّ هؤلاء المُمحَّصين الكاملين، سوف يكونون في جيش المهدي (ع) (هم أصحاب الرايات) يعني القوَّاد ورؤساء الفرق، بالاصطلاح الحديث، على حين يكون المُمحَّصون من الدرجة الثانية عامة جيشه الفاتح للعالم بالعدل.
وبعد أن يستتَّب الحُكم العادل للمهدي (ع) على البسيطة، سيكون هؤلاء الخاصة حُكَّاماً في العالم موزَّعين على مجموع الكرة الأرضية، كما سيأتي مُفصَّلاً، على حين لن يكون للمُمحَّصين من الدرجة الثانية هذه المنزلة، بل يتكفَّلون أموراً إدارية أدنى من ذلك.
النتيجة السادسة: أنَّنا نفهم من مجموع الروايات: أنَّ العدد الكافي لغزو العالم بالعدل، الذي أنتجه التخطيط العام السابق على الظهور، والذي كان هو الشرط الأخير من شرائط الظهور وإيجاد اليوم الموعود... ليس العدد الكافي هو وجود ثلاثمئة وثلاثة عشر جندياً، كما قد يتخيَّل الناس من هذه الروايات وتذهب إليه بعض الأفهام الكلاسيكية؛ إذ يفهمون حصر أصحاب المهدي (ع) بهذا العدد.
وإنَّما العدد الكافي لغزو العالم، يتمثَّل في مثل هذا العدد من القوَّاد، والحصر في حقيقته ـ لو كان مُستفاداً من الروايات ـ منصبٌّ على ذلك، بقرينة ما عرفناه ونعرفه من الروايات الأُخرى الدالة على كونهم قوَّاداً وحكاماً.
يُضاف إلى هؤلاء عدد ضخم من الجيش، لا يقلُّ عن عشرة آلاف شخص في نواته الأُولى عند مبدأ الحركة؛ ومن هنا قالت إحدى الروايات: (ما يخرج إلاَّ في أُولي قوَّة، وما يكون أُولو قوَّة أقلَّ من عشرة آلاف)، فهي تنفي بصراحة أن يكون جيش المهدي مُنحصراً بالثلاثمئة وثلاثة عشر؛ فإنَّهم وحدهم لا يُشكِّلون قوَّة، ولا يكونون كافين في تحقيق الهدف الكبير، وإنَّما هم يقومون بالقيادة والإشراف بالنسبة إلى غيرهم من الناس.
وسنعرف ـ في مُستقبل البحث ـ أنَّ عشرة آلاف جندي عدد كافٍ للمهدي (ع) في أول حركته، وكلَّما تتَّسع حركته، فإنَّ جيشه يتَّسع وتتَّضح أهدافه وأسلحته وتتكاثر على ما سوف نرى.
الجهة الربعة: في كيفيَّة وروده إلى مكَّة:
ونواجه حول ذلك أُطروحتين مُحتملتين:
الأُطروحة الأُولى: أنَّ هؤلاء الجماعة يصلون إلى مكَّة بشكل إعجازي، يجعل وصولهم سريعاً جدَّاً، وهذا هو ظاهر قسم من الروايات، ويكاد أن يكون صريح روايات أُخرى.
فهم (يجتمعون في ساعة واحدة، كما تجتمع قَزَع الخريف)، وهم (الفُقداء)، قوم يفقدون من فُرُشهم فيُصبحون بمكَّة (وهو قول الله عز وجل: (... أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا...)، والاستشهاد بالآية الكريمة في الأخبار بدفع الاستغراب الناتج من تجمُّعهم الإعجازي.
والصريح في ذلك ما صرَّح من الأخبار، بأنَّهم يصلون عن طريق طيِّ الأرض، يعني اختصارها بطريق إعجازي: ففي خبر ابن الصبَّاغ:
(فيصير إليه أنصاره من أطراف الأرض تُطوى لهم طيَّاً، حتى يُبايعوه).
وفي خبر الطبرسي: (فتصير شيعته من أطراف الأرض تُطوى لهم طيَّاً، حتى يُبايعوه).
بل إنَّ ظاهر عدد من الروايات، أنَّ المعجزة تتحكَّم في سرعة وصول الفرد تبعاً لمقدار إخلاصه، فكلَّما كان إخلاصه أعمق أوصله الله تعالى بشكل أسرع، فمن هنا سيكون هؤلاء على عدَّة أقسام:
القسم الأول: (مَن كان ابتُلي بالمسير)، وهو السفر الأرضي، وظاهر سياق الرواية أنَّه أردأ الأقسام، بالرغم من أهمِّيَّته، فلم يوفَّق إلى الوصول الإعجازي.
القسم الثاني: (المفقودون من فُرُشهم)، يكون الفرد مُستلقياً وهو نائم على فراشه، فيوافيه في مكَّة على غير ميعاد، وظاهر السياق العام: أنَّهم هم الذين تُطوى لهم الأرض، وبذلك فهُم أفضل من القسم الأول.
القسم الثالث: (الذي يسير في السحاب نهاراً)، وهو (يعرف باسمه واسم أبيه ونسبه وحِلْيته)، وهم (الأسرع وصولاً والأعظم إعجازاً...)، فيكون الأفضل من الثلاثة.
وظاهر هذه الروايات أنَّ القسمين الأخيرين لا يكونان إلاَّ من الثلاثمئة والثلاثة عشر من الخاصة، ولكن لا ظهور على أنَّهم جميعاً يصلون بالمعجزة، بل قد يكون منهم مَن يكون من القسم الأول، فيُبتلى بالمسير.
هذا، فضلاً عن غيرهم الذين هُم أقلُّ إخلاصاً، فإنَّ وصولهم عن طريق المعجزة غير مُحتمَل.
الأطروحة الثانية: أنَّهم يصلون إلى مكَّة بطريق السفر الاعتيادي، وقد سبق أن سمعنا كيف يحدث ذلك في وقت واسع، وبأسلوب طبيعي غير مُلفت للنظر.
حيث سمعنا أنَّه يُنادى باسم المهدي (ع) في شهر رمضان، ويكون موعد ظهوره في العاشر من مُحرَّم الحرام، وسيمرُّ خلال هذه الفترة موسم الحجِّ في ذي الحجَّة الحرام.
وحيث يعلم المُخلصون المُمحَّصون حصول الظهور بمكَّة، كما يعلمون بانفصال وقت الظهور عن وقت النداء زماناً ليس بالكثير.
إذن؛ فسوف يُسافر إلى الحج في ذلك العام كل راغب بلقاء الإمام المهدي (ع) مع سائر الحجَّاج، وبعد انتهاء موسم الحج سيختلف هؤلاء في الحجاز، وفي مكَّة على التعيين، بدافع من رغبتهم المُلحَّة في حدوثه، وسيبقون هناك حتى يحصل الظهور في مُحرَّم الحرام.
وبهذا نفهم كيف يحضر الفرد من بلاده البعيدة، بالرغم من أنَّه لا يعلم بنفسه أنَّه من المُخلصين المُمحَّصين الكاملين، كما سبق من أنَّ الفرد لا يعلم انطباق نتيجة التخطيط عليه، غير أنَّه يبقى في مكَّة انطلاقاً من إيمانه وأشواقه، لا نتيجة لمعرفته بحقيقة نفسه.
وبذلك تتمُّ معرفة كيف أنَّ الله يجمعهم من البلاد المُتباعدة (قَزَعاً كقَزَع الخريف)، أي قطعاً كقطع السحاب حين تجتمع في السماء (على غير ميعاد)، لا يعرف بعضهم بعضاً، ولا يعرف أيُّ واحد منهم بمقصود الآخر، وربَّما لا يستطيع أن يسأله عن مقصوده وأن يُخبره بذات نفسه، إلاَّ أنَّ جميعهم في الواقع، مُنتظرون للظهور مؤيِّدون له بكل ما لديهم من نفس ونفيس.
فإذا ظهر قائدهم، كانوا هم أول سامع لخطابه وأول مُدافع عنه، وأول مُبايع له.
وهم من قبائل مُختلفة، ومن بلدان شتَّى، لا تجمعهم جنسيَّة ولا نسب ولا قبيلة.
إنَّما يكون من كل قبيلة (الرجل والرجلان والثلاثة، حتى يبلغ تسعة)، وهكذا الحق ينطبع على أفراد قلائل على غير تعيين، بحسب ما للفرد من قابليَّات وثقافة لا بحسب جنسيته ولغته ونسبه.
وهم يجتمعون في ساعة واحدة، لا باعتبار أنَّ الطريق إلى مكَّة يستوعب ساعة واحدة فقط ـ بطيِّ الأرض الإعجازي ـ فإنَّ المعجزة لا تستغرق أكثر من دقائق، ولا تحتاج إلى ساعة، وإنَّما بمعنى: أنَّ وقت اجتماعهم متوافق في ساعة واحدة يكونون كلُّهم في المسجد الحرام سويَّة، ساعة إلقاء المهدي (ع) خطبته... بغضِّ النظر عن كيفيَّة وصولهم تماماً.
وأمَّا أنَّهم (يفقدون من فُرُشهم)، فباعتبار خروجهم خلسة عن أهلهم وذويهم المُنحرفين، الكارهين للسفر إلى الحق، سواء كان إلى الحج أم إلى المهدي (ع).
وأمَّا السير في السحاب نهاراً، فهو السفر بطريق الجوِّ إلى مكَّة، وهو أيضاً بدوره أُسلوب مُعتاد وطبيعي في الوصول إلى مكَّة.
ولَعَمْرِي، إنَّ هذه الأمور كانت حال صدور هذه الأخبار، وحال تسجيلها في مصادرها الأُولى، أموراً على مستوى المعجزات، إلاَّ أنَّ العصر الحديث عصر السرعة حقَّق ذلك ورفع الاستغراب عنه.
نعم، بقي الإعجاز في حصول الأخبار عن هذه الأُمور، وتسجيلها في المصادر قبل حدوثها بمئات السنين. ولم يكن قانون: (كلِّم الناس على قدر عقولهم)، ليسمح بالتصريح بهذه الحقائق في ذلك العصر من قوَّاد الإسلام الأوائل، بغير هذا الأسلوب.
ونفس الشيء نستطيع أن نفهمه من (طيِّ الأرض)، فإنَّ الانطباع العام عنه وإن كان هو الإعجاز حتى يكون نصَّاً فيه بحسب الذوق العام... إلاَّ أنَّنا يمكن أن نفهم منه ـ في كل مورد نسمعه في السنة الشريفة ـ معنى رمزيَّاً لسرعة الانتقال بالوسائط الحديثة، وما كان على غرارها في أيِّ عصر ماضٍ ومستقبل، باعتبار أنَّ التصريح بحقيقة الأمر لم يكن مناسباً مع فَهْمِ السامعين الموجودين في عصر صدور هذه الأخبار.
ومن تسلسل هذه الفكرة يمكن أن نفهم الوجه فيما دلَّت عليه بعض الروايات، من أنَّ مَن يسير في السحاب نهاراً أفضل من المفقود في فراشه ليلاً، وذلك؛ لأنَّنا فهمنا أنَّ المفقود من فراشه ليلاً سيتَّخذ طريق البرِّ طريقاً له، على حين يتًَّخذ الآخر طريق الجوِّ، وطريق الجوِّ أسرع وصول، فطبقاً لاحتمال ظهور المهدي (ع) في أيِّ لحظة، يكون الوصول السريع بعد (النداء) أدلَّ على الإخلاص والإيمان؛ لأنَّ فيه توفيراً للوقت الزائد على السفر البرِّي، واستعداداً للظهور بشكل أسرع.
كما يمكن أن نفهم معنى كون الفرد الذي يسير في السحاب نهاراً، معروفاً بحِلْيته واسمه واسم أبيه، فإنَّ ذلك ممَّا يُضبط عادة في سجلاَّت السفر في الدوائر المُختصَّة، وفي الدفتر الذي تُزوِّده به، وإلاَّ فليس المفروض أن يعرفه كل الناس وأغلبهم حتى لو سافر بالطريق الإعجازي، إلاَّ أن تكون المعرفة بالطريق الإعجازي أيضاً.
وليس في الروايات صراحة في أنَّ المفقودين من فُرُشهم، أعني مَن يُسافرون أرضاً، ليسوا معروفين، فإنَّهم لا محالة معروفون لجماعة من الناس، كالآخرين ومُزوَّدون أيضاً بدفتر السفر الذي يحتوي على الصورة والاسم وأسم الأب وغير ذلك.
بقيت حول هذه الأُطروحة الثانية (الطبيعية) بعض الاستفهامات، ينبغي عرضها ونقدها، لتستطيع هذه الأُطروحة أن تقف تجاه الأُطروحة الأُولى (إعجازية).
الاستفهام الأول: إنَّ ظاهر عدد من الروايات، أنَّ الجميع يصلون سويَّة في صباح يوم واحد مُشترَك، يكون ـ في الأكثر ـ هو اليوم الذي يحصل الظهور خلاله، وفي مسائه، على ما في بعض الروايات، وهذا لا يمكن تفسيره إلاَّ بالمفهوم الإعجازي، فكيف نوافق بينها وبين الأُطروحة الثانية؟!
وجوابه: (إنَّ كلا الانطباعين وإن كانا يردَّان إلى الخيال عند استعراض الروايات، إلاَّ أنَّ استظهارهما منها محل المناقشة، فإنَّ الروايات قالت: (منهم مَن يُفقَد عن فراشه ليلاً فيُصبح بمكَّة).
وهذا صحيح بالنسبة إلى الفرد الواحد، باعتبار سرعة الواسطة التي تحمله، وأمَّا إن كان كل الأفراد يصلون في صباح يوم واحد، فهذا ممَّا لا دليل عليه.
وأمَّا بالنسبة إلى الانطباع الآخر، وهو أنَّهم يجتمعون في يوم الظهور، دون الأيام السابقة عليه، فكل ما سمعناه من الروايات أنَّها تقول: (فتصير شيعته من أطراف الأرض، حتى يُبايعوه)، وتقول: (وقد وافاه ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً، فيُبايعونه)، وهي غير دالَّة على ذلك كما هو واضح... إذ يُناسب أن يصلوا في يوم، ويُبايعونه في يوم آخر مهما كان هذا اليوم بعيداً.
الاستفهام الثاني: إنَّ الأُطروحة الأُولى الإعجازية، موافقة لقانون المعجزات؛ لأنَّ مجيئهم الإعجازي السريع في وقت ضيِّق نسبيَّاً، هو الأوفق بنجاحهم في مُهمَّتهم، ومن ثمَّ نجاح المهدي (ع) نفسه، فيكون المجيء الإعجازي دخيلاً في نجاح الدولة العالمية العادلة نفسها، فيكون قيام المعجزة ضرورياً لذلك؛ لأنَّها بحسب قانونها تقوم حينما يتوقَّف عليها الهدف العادل وتطبيق الهُدى والحق، الأمر الآن على ذلك.
وبذلك تترجَّح الأُطروحة الأُولى، فكيف ولماذا نُرجِّح الأُطروحة الثانية؟
وجواب ذلك: إنَّ قانون المعجزات دلَّنا على أنَّ المعجزة إنَّما تقوم إذا انحصر طريق إقامة الحق والعدل بالمعجزة، وأمَّا إذا كان هناك أُسلوبان، كلاهما موصِل إلى نفس النتيجة، احدهما طبيعي، والآخر إعجازي، لم تحدث المعجزة، بل أوكِلت النتيجة إلى الأسلوب الطبيعي لإنتاجها، وإن كان يستغرق وقتاً أكبر وجهداً أكثر، وقد استنتجنا من ذلك عدَّة نتائج في التاريخ السابق.
وقلنا هناك: إنَّ كل ظهور في الروايات وغيرها، يُخالف هذا القانون، ينبغي الاستغناء عنه وعدم الاعتماد عليه.
والحال بالنسبة إلى هؤلاء الخاصة كذلك، فإنَّ الأطروحة (الطبيعية) لا قصور فيها عن إنتاج النتيجة، وهو مؤازرة المهدي (ع) ودعم حركته، فإنَّ المُهمَّ وجودها جميعاً حال إلقائه الخطبة، التي هي أول لحظات الظهور، وأمَّا الذي لم يحدث لهم قبل ذلك، فهذا لا يزيد ولا يُنقص في الأمر شيئاً إذا أُحرزت حياتهم إلى ذلك الحين، وسنعرف عدم تعرُّض أحد منهم للقتل.
فإذا كانت الأطروحة الطبيعية مُنتِجة للمطلوب، كانت هي المُتعيِّنة ضدَّ الأطروحة الإعجازية؛ لأنَّ المعجزة لا تقوم مع إمكان الإنتاج بالطريق الطبيعي، وكل ظهور في الروايات يقف ضدَّ ذلك لا بدَّ من الاستغناء عنه.
الجهة الخامسة: في جنسيَّات هؤلاء الثلاثمئة والثلاثة عشر، بمعنى تعيين بلدانهم التي كانوا فيها قبل حضورهم إلى مكَّة، واللغات التي ينتسبون إليها.
ويحسن بنا ـ أولاً ـ أن نتذَّكر بعض العبارات التي تمَّت إلى ذلك من الروايات السابقة، ونُضيف إليها روايات أخرى، لنعرف الموضوع بوضوح.
قالت الروايات: (فيأتيه ناس من أهل مكَّة فيُخرجونه... أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق)، و(يخرج ناس من المشرق فيوطِّئون للمهدي سلطانه)، و(الرجل والرجلان والثلاثة من كل قبيلة، حتى يبلغ تسعة)، و(أصحاب القائم ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً أولاد العَجم).
وأخرج النعماني،(٣٨٠) بسنده إلى أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله الصادق (ع)، أنَّه قال: (سيبعث الله ثلاثمئة وثلاثة عشر إلى مسجد مكَّة، يعلم أهل مكَّة أنَّهم لم يولدوا من آبائهم ولا أجدادهم) الحديث.
وأخرج الشيخ(٣٨١) عن الفضل بن شادان، بسنده عن جابر الجعفي، قال أبو جعفر(ع): (يُبايع القائم بين الركن والمقام ثلاثمئة ونيِّف، عدَّة أهل بدر، فيهم النُّجباء من أهل مصر، والأبدال من أهل الشام، والأخيار من أهل العراق...) الحديث.
وأخرج السيوطي في الحاوي(٣٨٢) عن الطبراني في الأوسط والحاكم، عن أمِّ سلمة قالت: قال رسول الله (ص): (يُبايع لرجل بين الركن والمقام عدَّة أهل بدر، فيأتيه عصائب أهل العراق وأبدال أهل الشام...) الحديث.
وفي حديث آخر:(٣٨٣) (الأبدال من الشام وعصب أهل المشرق) الحديث.
وأخرج أيضاً(٣٨٤) عن أبي غنم الكوفي في كتاب الفتن، عن علي بن أبي طالب، قال: (وَيْحَاً للطالقان! فإنَّ لله فيه كنوزاً ليست من ذهب ولا فضَّة، ولكن بها رجال عرفوا الله حقَّ معرفته، وهم أنصار المهدي في آخر الزمان).
ورواه الكنجي في البيان،(٣٨٥) عن ابن أعثم الكوفي في كتاب الفتوح، ونقله القندوزي في الينابيع(٣٨٦) عن الكنجي.
ونقله عنه أيضاً في موضع آخر من الينابيع(٣٨٧) بلفظ مُقارب.
وهناك بعض الروايات التي تحمل أسماء أصحاب المهدي (ع) وأسماء مُدنهم تفصيلاً، ينبغي أن نذكر بعض نماذجها؛ لأجل أن نفهمها بعد ذلك فَهْماً مُتكاملاً.
أخرج ابن طاووس في الملاحم والفتن،(٣٨٨) عن أبي صالح السليلي في كتاب الفتن، من عدد رجال المهدي (ع) بذكر بلادهم، ثمَّ ذكر السند إلى الأصبغ بن نباتة، قال: خطب أمير المؤمنين علي (ع) خطبة، فذكر المهدي وخروج مَن يخرج معه وأسماءهم.
فقال له أبو خالد الحلبي: صفه لنا يا أمير المؤمنين!
فقال علي (ع): (ألا إنَّه يُشبه الناس خلقاً وخُلقاً وحُسناً برسول الله (ص)، ألا أدلُّكم على رجاله وعددهم؟!).
قلنا: بلى يا أمير المؤمنين.
قال: (سمعت رسول الله (ص) قال: أوَّلهم من البصرة وآخرهم من اليمامة)، وجعل علي (ع) يعدد رجال (المهدي) (ع) والناس يكتبون، فقال: (رجلان من البصرة، ورجلان من الأهواز، ورجل من عسكر مكرم، ورجل من مدينة تُستر، ورجل من دورق، ورجل من الباستان (لعلَّها: الباكستان)، واسمه علي، وثلاثة... من اسمه (لعلَّها: أسمرة)، أحمد وعبد الله وجعفر، ورجلان من عمان، محمد والحسن، ورجلان من سيراف، شدَّاد وشديد، وثلاثة من شيراز، حفص ويعقوب وعلي، وأربعة من أصفهان، موسى وعلي وعبد الله وغلفان، ورجل من أبدح واسمه يحيى، ورجل من المرج (العرج) واسمه داود، ورجل من الكرخ واسمه عبد الله، ورجل من بروجرد واسمه قديم، ورجل من نهاوند واسمه عبد الرزاق، ورجلان من الدينور، عبد الله وعبد الصمد، وثلاثة من همدان، جعفر وإسحاق وموسى، وعشرة من قم، أسماؤهم على أسماء أهل بيت رسول الله (ص)، ورجل من خراسان اسمه دريد، وخمسة من الذين أسماؤهم على أهل الكهف، ورجل من آمل، ورجل من جرجان، ورجل من هراة، ورجل من بلخ، ورجل من قراح، ورجل من عانة، ورجل من دامغان، ورجل من سرخس، وثلاثة من اليسار، ورجل من ساوة، ورجل من سمرقند، وأربعة وعشرون من الطالقان، وهم الذين ذكرهم رسول الله (ص)، وفي خراسان(٣٨٩) كنوز لا ذهب ولا فضَّة، ولكن رجال يجمعهم الله ورسوله، ورجلان من قزوين، ورجل من فارس، ورجل من أبهر، ورجل من برجان (لعلها جرجان)، ورجل من جموح، ورجل من شاخ، ورجل من صريح، ورجل من أردبيل، ورجل من مراد، ورجل من تدمر، ورجل من أرمينية، وثلاثة من المراغة، ورجل من خوي، ورجل من سلماس، ورجل من أردبيل (مكرر في الرواية)، ورجل من بدليس، ورجل من نسور، ورجل من بركري، ورجل من سرخيس، ورجل من من أرجرد (لعلَّها: بروجرد)، ورجل من قلقيلا، وثلاثة من واسط، وعشرة من الزوراء، ورجل من السراة، ورجل من النيل، ورجل من صيداء، ورجل من جرجان، ورجل من القصور، ورجل من الأنبار، ورجل من عكبرا، ورجل من الحنَّانة، ورجل من تبوك، ورجل من الجامدة، وثلاثة من عبادان، وستَّة من حديثة الموصل، ورجل من الموصل، ورجل من معلثاي، ورجل من نصيبين، ورجل من كازرون، ورجل من فارقين (أقول أصله: ميا فارقين)، ورجل من آمد، ورجل من رأس العين، ورجل من الرقَّة، ورجل من حرَّان، ورجل من بالس، ورجل من قبج.. ثلاثة من طرطوس، ورجل من القصر، ورجل من أدنة (لعلَّها أدرنة)، ورجل من خمرى (أقول أصلها: باخمرى)، ورجل من عرار (لعلَّها: عرعر)، ورجل من قورص (لعلَّها: قبرص)، ورجل من أنطاكية، وثلاثة من حلب، ورجلان من حمص، وأربعة من دمشق،... ورجل من سورية، ورجلان من قسوان (لعلَّها: أسوان)، ورجل من قيموت (لعلَّها: بيروت)، ورجل من كراز ورجل من أذرح، ورجل من عامر، ورجل من دكار، ورجلان من بيت المقدس، ورجل من الرملة، ورجل من بالس (مكرَّر)، ورجلان من عكَّا، ورجل من صور، ورجل من عرفات، ورجل من عسقلان، ورجل من غزَّة، وأربعة من الفسطاط، ورجل من قرميس، ورجل من دمياط، ورجل من المحلة، ورجل من الإسكندرية، ورجل من برقة، ورجل من طنجة، ورجل من الإفرنجة (يعني أوروبا بلاد الإفرنج، وفرنسا خاصة)، ورجل من القيروان، وخمسة من السوس (لعلَّها: الشرق الأقصى)، ورجلان من قبرص، وثلاثة من حميم قوص، ورجل من عدن، ورجل من علالي، وعشرة من مدينة الرسول (ص) وأربعة من مكَّة، ورجل من الطائف، ورجل الدير، ورجل من الشيروان ورجل من زبيد، وعشرة من مرو، ورجل من الإحساء، ورجل من القطيف، ورجل من هجر، ورجل من اليمامة ـ قال علي عليه الصلاة والسلام: ـ أحصاهم لي رسول الله (ص) ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً، بعدد أصحاب بدر، يجمعهم الله من مشرقها إلى مغربها).
فهؤلاء حوالي المئتين والأربعين فرداً، وهو ينقص عن العدد المطلوب بتسعين.
وهناك رواية تذكرهم بكاملهم وتذكر أسماءهم ومدنهم، يحسن بنا أن نذكرها بالرغم من طولها، لنتوفَّر على المقارنة بين الروايتين.
روي في إلزام الناصب،(٣٩٠) بسند ضعيف عن عبد الله بن مسعود، رفعه إلى علي بن أبي طالب: لمَّا تولى الخلافة... أتى البصرة فرَقِيَ جامعها وخطب الناس... وهي آخر خُطبة خطبها (وتُسمَّى خطبة البيان، وهي لها نسختان، وهذا النصُّ مطابق لأحد النسختين، كما ذكر في المصدر).
أقول: بين النسختين اختلاف كبير جدَّاً، ونحن ننقل منها بمقدار الحاجة من النسخة الأُولى: (اسمعوا أُبيِّن لكم أسماء أنصار القائم! إنَّ أوَّلهم من أهل البصرة وآخرهم من الأبدال، فالذين من أهل البصرة رجلان، اسم أحدهما علي والآخر محارب، ورجلان من قاشان، عبد الله وعبيد الله، وثلاثة رجال من المهجمة، محمد وعمر ومالك، ورجل من السند، عبد الرحمان، ورجلان من حجر (لعلَّها: هَجَر)، موسى وعباس، ورجل من الكورة، إبراهيم، ورجل من شيراز عبد الوهاب، وثلاثة رجال من سعداوة، أحمد ويحيى وفلاح، وثلاثة رجال من زين، محمد وحسن وفهد، ورجلان من حمير، مالك وناصر، وأربعة رجال من سيروان، وهم عبد الله وصالح وجعفر وإبراهيم، ورجل من عقر، أحمد، ورجلان من المنصورية، عبد الرحمان وملاعب، وأربعة رجال من سيراف، خالد ومالك وحوقل وإبراهيم، ورجلان من خوفج (لعلَّها خوي)، محروز ونوح، ورجل من المثقة، هارون، ورجلان من السنن (لعلَّها السند)، مقداد وهود، وثلاثة من رجال الهويقين، عبد السلام وفارس وكليب، ورجل من الزناط، جعفر، وستَّة رجال من عمان، محمد وصالح وداود وهواشب وكوش ويونس، ورجل من العارة (لعلَّها: عانة)، مالك، ورجلان من ضفار يحيى وأحمد، ورجل من كرمان، عبد الله، وأربعة رجال من صنعاء، جبرائيل وحمزة ويحيى وسميع، ورجلان من عدن، عون وموسى، ورجل من لونجة كوثر، ورجلان من صمد (لعلَّها: صفد)، علي وصالح، وثلاثة رجال من الطائف، علي وسبا وزكريا، ورجل من هجر، عبد القدوس، ورجلان من الخطِّ، عزيز ومبارك، وخمسة رجال من جزيرة آوال، وهي البحرين، عامر وجعفر ونصير وبكير وليث، ورجل من الكبش، فهد (محمد)، ورجل من الجدَّا، إبراهيم، وأربعة رجال من مكَّة، عمر وإبراهيم ومحمد وعبد الله، وعشرة من المدينة، على أسماء أهل البيت، علي وحمزة وجعفر وعباس وطاهر وحسن وحسين وقاسم وإبراهيم ومحمد، وأربعة رجال من الكوفة، محمد وغياث وهود وعتاب (عباب)، ورجل من مرو، حذيفة، ورجلان من نيشابور، علي ومهاجر، ورجلان من سمرقند، علي وجاهد، وثلاثة رجال من كازرون، عمر ومقمر ويونس، ورجلان من الأسوس، شيبان وعبد الوهاب، ورجلان من دستر، أحمد وهلال، ورجلان من الضيف، عالم وسهيل، ورجل من طائف اليمن، هلال، ورجلان من مرقون، بشر وشعيب، وثلاثة رجال من بروعة، يوسف وداود وعبد الله، ورجلان من عسكر مكرم، الطيِّب وميمون، ورجل من واسط، عقيل، وثلاثة رجال من الزوراء، عبد المطَّلب وأحمد وعبد الله، ورجلان من سرَّ مَن رأى، مرائي وعامر، ورجل من المسهم (المتهم)، جعفر، وثلاثة رجال من سيلان، نوح وحسن وجعفر، ورجل من كرخ بغداد، قاسم، ورجلان من نوبة، واصل وفاضل، وثمانية رجال من قزوين، هارون وعبد الله وجعفر وصالح وعمر وليث وعلي ومحمد، ورجل من البلخ، حسن، ورجل من المداغة (لعلًَّها: المراغة) صدقة، ورجل من قم، يعقوب، وأربعة وعشرون من الطالقان، وهم الذين ذكرهم رسول الله (ص) فقال: أجد بالطلقان كنز ليس من الذهب ولا فضَّة (الفضة). فهم هؤلاء كنزهم الله فيها، وهم صالح وجعفر ويحيى وهود وفالح وداود وجميل وفضيل وعيسى وجابر وخالد وعلون وعبد الله وأيوب وملاعب وعمر وعبد العزيز ولقمان وسعد وقبضة ومهاجر وعبدون وعبد الرحمان وعلي، ورجلان من سحار، أبان وعلي، ورجلان من شرخيس، ناحية وحفص، ورجل من الأنبار، علوان. ورجل من القادسية، حصين، ورجل من الدورق، عبد الغفور، وستَّة رجال من الحبشة، إبراهيم وعيسى ومحمد وحمدان وأحمد وسالم، ورجلان من الموصل، هارون وفهد، ورجل من بلقا، صادق، ورجلان من نصيبين، أحمد وعلي، ورجل من سنجار، محمد، ورجلان من خرسان (لعلَّها: خراسان)، نكبة ومنسون، ورجلان من أرمينية، أحمد وحسين، ورجل من أصفهان، يونس، ورجل من وهان (لعلَّها: وهران) حسين، ورجل من الريِّ، مجمع، ورجل من دنيا، شعيب، ورجل من هراش، نهروش، ورجل من سلماس، هارون ورجل من بلقيس، محمد، ورجل من الكرد، عزن، ورجل من الحبش، كثير، ورجلان من الحلاط، محمد وجعفر، ورجل من الشوبا، عمير، ورجلان من البيضا، سعد وسعيد، وثلاثة رجال من الضيعة، زيد وعلي وموسى، ورجل من أوس، محمد، ورجل من الأنطاكية، عبد الرحمان، ورجلان من حلب، صبيح ومحمد، ورجل من حمص، جعفر، ورجلان من دمشق، داود وعبد الرحمان. ورجلان من الرملية (لعلَّها: الرميلة)، طليق وموسى، وثلاثة رجال من بيت المقدس، بشر وداود وعمران، وخمسة رجال من غسقان (لعلَّها: عسفان)، محمد ويوسف وعمر وفهد وهارون، ورجل من غزَّة، عمير، ورجلان من عكَّة (عكَّا) مروان وسعد، ورجل من عرفة، فرخ، ورجل من الطبرية، فليح، ورجل من البلسان، عبد الوارث، وأربعة من القسطاط (لعلَّها الفسطاط) من مدينة فرعون لعنه الله، أحمد وعبد الله ويونس وظاهر، ورجل من بالس، قيصر، وأربعة رجال من الإسكندرية، حسن ومحسن وشبيل وشيبان، وخمسة رجال من جبل اللكام، عبد الله وعبيد الله وقادم وبحر وطالوت، وثلاثة رجال من السادة، صلب وسعدان وصبيب، ورجلان من الإفرنج، علي وأحمد، ورجلان من اليمامة، ظافر وجميل، وأربعة عشر رجلاً من المعادة، سويد وأحمد ومحمد وحسن ويعقوب وحسين وعبد الله وعبد القديم ونعيم وعلي وحيَّان وظاهر وتغلب وكثير، ورجل من المرطة، معشر، وعشرة رجال من عبادان، حمزة وشيبان وقاسم وجعفر وعمر وعامر وعبد المُهيمن وعبد الوارث ومحمد وأحمد، وأربعة عشر من اليمن، جبير وحويش ومالك وكعب وأحمد وشيبان وعامر وعمار وفهد وعاصم وحجرش وكلثوم وجابر ومحمد، ورجلان من بدو مصر، عجلان ودواج، وثلاثة رجال من بدو عقيل، منبه وضابط وعريان، ورجل من بدو أغير، عمر، ورجل من بدو شيبان، نهرش، ورجل من تميم، ريَّان، ورجل من بدو قين، جابر، ورجل من بدو كلاب، مطر، وثلاثة رجال من موالي أهل البيت، عبد الله ومخنف وبراك، وأربعة رجال من موالي الأنبياء، صباح وصياح وميمون وهود، ورجلان مملوكان، عبد الله وناصح، ورجلان من الحِلَّة، محمد وعلي، وثلاثة رجال من كربلاء، حسين وحسين وحسن، ورجلان من النجف، جعفر ومحمد، وستَّة رجال من الأبدال، كلهم أسماؤهم عبد الله...) الحديث.
وينبغي أن نتحدَّث عن هذه الروايات ضمن عدَّة نواحي:
الناحية الأُولى: تحتوي هاتان الروايتان الأخيرتان على عدَّة من نقاط الضعف:
النقطة الأُولى: إنَّهما معا ضعيفتان سنداً، والثانية تزيد على ذلك بأنَّها مرفوعة، والمرفوع ما يكون محذوف بعض رواته مرسولاً، فلا يكون قابلاً للإثبات.
النقطة الثانية: إنَّ لخُطبة البيان نسختين غير مُتشابهتين، يكفينا أنَّه ليس في النسخة الثانية تعرُّض لأنصار الإمام المهدي (ع)، وإنَّما تُعدِّد أسماء الحُكَّام الذين يوزعهم على العالم، ونحن لا نعلم أنَّ أيَّ النصَّين والنسختين هي الصادرة عن أمير المؤمنين (ع)، فيكون كلاهما ساقطاً عن قابلية الإثبات.
النقطة الثالثة: إنَّ عدداً من المُدن والأماكن المذكور فيها غير معروف، وينبغي أن نلتفت أنَّ للخطأ المطبعي والكتابي دَخْلاً كبيراً في تغيير أسماء البلدان، مضافاً إلى صعوبة الضبط خلال كتابة الخُطبة، في مثل القوائم المُفصَّلة، مع تشابه الأسماء وتفرُّق البلدان.
هذا، ولعلَّ بعضها قُرى منعزلة غير معروفة، وبعضها معروف ولكنَّه بائد الآن تماماً.
ولعلَّ بعضها مُدن ستوجد في المُستقبل، لا نعلم الآن منها شيئاً!!
النقطة الرابعة: إنَّ هاتين الروايتين بالرغم من التقائهما في عدد من المضامين، إلاَّ أنَّها تحتوي على عدد من نقاط التعارض، كما لا يخفى على القارئ عند المقارنة.
النقطة الخامسة: توجد بعض الروايات الأُخرى الناقلة لأسماء أنصار الإمام المهدي (ع)، وهي تختلف أيضاً مع كلتا الروايتين، في أسماء المدن وأسماء الأشخاص معاً، وإن اتَّفقت معهما على بعض الأمور الرئيسية، كعدد الطالقانيين في هؤلاء الخاصة.
ومهما يكن شأن تلك الروايات التي لا نُحبُّ الإطالة بذكرها، فإنَّها تُعارض كلتا هاتين الروايتين في عدد من مضامينهما... فتكون قابلية هاتين الروايتين وتلك المُشار إليها، للإثبات التاريخي أقرب للوهن والسقوط.
ولكنَّنا إذا أردنا أن نُكوِّن عن جنسيَّات أصحاب الإمام المهدي فَهْمَاً مُعيَّناً لا بدَّ أن نغضَّ النظر عن هذه النقاط... وإلاَّ كان الطريق إلى فَهْم ذلك مُنسداً تقريباً، وإن كان الجهل بذلك لا يحتوي على إسفاف تاريخي وعقائدي.
الناحية الثانية: لا يخفى وجود نقطتين للقوَّة في هذه الروايات، ونظرنا إلى هذا الاستدلال بها، لو ضممنا إلى الروايتين الأخيرتين مع مُعطيات الروايات، ونظرنا إلى هذا المجموع كلِّه.
النقطة الأُولى: اشتراك مضمون كل من الروايتين الأخيرتين مع مُعطيات الروايات الأُخرى... إذا لوحظت الروايتان كل على حدة.
النقطة الثانية: إنَّ هناك عدد من المُعطيات مشترك بين هاتين الروايتين، ومشترك في نفس الوقت مع مضمون بعض الروايات السابقة، وإذا أصبح المضمون مُتسالماً عليه بهذا الشكل، فمن الممكن القول: بأنَّه ثابت تاريخياً ومُتجاوز نقاط الضعف السابقة، باعتبار تسالم عدد من الروايات على صحَّته، وسنرى لكل من هاتين النقطتين فيما يلي:
الناحية الثالثة: أنَّنا بملاحظة مجموع الروايات الناقلة لجنسيَّات أصحاب الإمام المهدي (ع) يمكن أن نصل إلى النتائج التالية:
النتيجة الأُولى: إنَّ مضمون (حديث الطالقان) مروي عن النبي (ص) من كلا الفريقين، وإن اختلف بعض ألفاظه.
النتيجة الثانية: إنَّ مقدار الكنز الذي بشَّر به النبي (ص) وامتدحه، في الطالقان، مُكوَّن من أربعة وعشرين رجلاً، فإنَّ ذلك ممَّا تسالمت عليه جميع الروايات الناقلة لأسماء هؤلاء الأصحاب، بالرغم من اختلافاتها الأُخرى.
النتيجة الثالثة: إنَّ مصر والشام والعراق من جملة البلاد التي تحتوي على عدد من هؤلاء الخاصة، فقد ذكرت ذلك على وجه الإجمال الروايات من الفريقين، كما ذكرت الروايات المُكرِّسة لأسمائهم عدداً من مدن هذه البلاد وأنَّ في كل منها جماعة منهم.
النتيجة الرابعة: نصَّت الروايات التي سمعناها على أنَّ هؤلاء يجتمعون من مُختلف بقاع العالم... وهذا هو نفس المُعطى الذي توحيه الروايات المُكرِّسة لأسمائهم.
النتيجة الخامسة: إنَّ الأعمَّ الأغلب من هؤلاء الخاصة، هم من المشرق الأوسط الذي كان هو الموقع الرئيسي لخطِّ الأنبياء والمُرسلين، والمنطلق الأهمَّ للتخطيط الإلهي، فمصر سوف تُرسِل من عدد من مُدُنها (نجباء)... والعراق سوف تُعطي عدداً آخر (أخياراً) وخاصة من البصرة والكوفة والنجف... والشام تبعث أبدالاً وخاصة من دمشق نفسها، وإن كان عنوان الشام في الأخبار شاملاً لكلٍّ من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، والحجاز سوف تُشارك في هذا المَجْد العظيم بأفراد من مدينتيها المُقدَّستين: مكَّة المُكرَّمة، والمدينة المُنوَّرة، وغيرهما.
و(المشرق) سوف يُشارك أيضاً في هذه المُهمَّة الجليلة، كما نصَّت على ذلك الروايات الموجَّزة والروايات المُطوَّلة معاً، فإنَّه عنوان ينطبق على ما كان في شرق المنطقة المُشار إليها، أعني في شرق العراق على وجه التحديد، وهو يشمل إيران على الخصوص، والمنطقة الشاملة لأفغانستان وباكستان والجمهوريات المسلمة في الاتِّحاد السوفيتي على العموم، وقد عدَّدت الروايات المُطولَّة عدداً من مدن هذه المنطقة، وإن كان أغلبها من إيران خاصة.
النتيجة السادسة: إنَّ سائر مناطق العالم سوف تُشارك في هذه المُهمَّة، ولكن على نطاق أضيق.
وإنَّ أوسع المناطق مُشارَكة بعد المناطق السابقة هو الشمال الأفريقي المُسلم، وتليه إفريقيا السوداء، وهنالك أفراد من اليمن وشرق الجزيرة العربية، ومن أوروبا وقبرص، ومن الشرق الأقصى، وهذا ما تدلُّ عليه الروايات المطوَّلة من الخصوص، وما دلَّ من الروايات على أنَّ أصحاب المهدي (ع) يجتمعون في كل مناطق العالم.
الناحية الرابعة: إذا اعتبرنا اتِّفاق الروايتين الأخيرتين، قابلاً للإثبات التاريخي.
أمكننا أن نُلاحِظ ما يلي:
أولاً: اتَّفقت الروايتان على نسبة قليلة من المُدن، فبينما ذكرت الرواية الأُولى مئة وستَّاً وعشرين مدينة، والثانية: مئة وستَّ مدن مع أنساب وعناوين أُخرى... نراهما يتَّفقان في تسمية خمس وثلاثين مدينة فقط. وهي نسبة تقلُّ عن الثُّلث في كلتا الرواتين.
ثانياً: لأجل الحقيقة، وتسهيلاً على القارئ نذكر المُدن المُتَّفق عليها البصرة، عسكر مكرم، عمان، سيراف، شيراز، أصفهان، الكرخ، قم، الطالقان، قزوين، أرمينية، الزوراء، عبادان، الموصل، نصبين، نابلس، حلب، حمص، دمشق، بيت المقدس، غزة، الفسطاط الإسكندرية، الإفرنج، عدن، المدينة، مكَّة، الطائف، مرو، هجر عرفات (عرفة)، رملة (رملية) عكَّا، أنطاكية، اليمامة.
ثالثاً: اختلفت الروايتان في العدد الذي يخرج من هذه المُدن.... فيما عدا إحدى عشر مدينة، هي كما يلي: البصرة اثنان، الطالقان أربع وعشرون، بالس واحد، عرفات واحد، الفسطاط أربعة، المدينة المنوَّرة عشرة، مكَّة المُكرَّمة أربعة، هَجر واحد، عكر اثنين. أنطاكية واحد.
رابعاً: أهملت الرواية الثانية عدداً من المُدن المُهمَّة التي ذكرتها الرواية الأُولى، والتي يبعد أن لا يوجد أحد من الخاصة، نذكر على سبيل المثال: بروجرد، ونهاوند، وهمدان، وخرسان، وأردبيل، وصيدا، وصور، والإحساء والقطيف، ودمياط، والقيروان.
وأهملت الرواية الأُولى عدداً من المُدن المُهمَّة أيضاً، ممَّا ذكرته الرواية الثانية: كعمان، وقاشان، وسمرقند، وبغداد، وكربلاء، والنجف، والكوفة، وعكَّا، والبحرين، واليمن.
ويُعتبر هذا من نقاط الضعف في هاتين الروايتين.
الناحية الخامسة: هناك بعض الاستفهامات حول هذه الروايات، نذكر أهمَّها، خشية التطويل:
الاستفهام الأول: دلَّت بعض الروايات السابقة على أنَّ هؤلاء الخاصة هم (أولاد العَجم)... فهل يمكن الأخذ بذلك؟
وجوابه: أنَّنا بعد أن نُلفت الانتباه إلى أنَّ المراد من العَجم غير العرب عموماً لا خصوص الفرس، نجد نسبة عالية من المُدن المذكورة في كل من الروايتين المُطوَّلتين هي مُدن غير عربية، وأنَّ الأهمَّ منهم ـ وهم الطالقانيُّون ـ من العَجم، غير أنَّ هذه النسبة لن تزيد على النصف كثيراً، بل لعلَّها أقلُّ، كما يتَّضح عند الإحصاء والمُقارنة.
ومعه؛ لا يمكن الالتزام بظاهر تلك الرواية بأنَّ كلَّهم وأغلبهم من العَجم، فإنَّ فيهم من العرب نسبة عالية بكل تأكيد على أنَّ اللغة غير مُهمَّة بإزاء الدفاع عن الحق وتوطيد الهدف العادل.
الاستفهام الثاني: دلَّ الخبر الذي أخرجه أبو داود وغيره، على أنَّ أهل مكَّة الذين يُخرِجون المهدي (ع) ويُبايعونه، وظاهره أنَّ جميعهم من أهل مكَّة، فهل يمكن الالتزام بذلك؟
وجوابه: إنَّه كان المراد من أهل مكَّة: مَن يكون فيها يومئذ، فهذا صحيح؛ لأنَّ جميع الخاصة سوف يكونون فيها، فيكونون من أهلها بهذا المعنى، مهما كانت بلدانهم السابقة.
وإن كان المُراد سكَّانها الاعتياديُّون، كما هو مفهوم عادة من اللفظ، أعني (أهل مكَّة)... فهو غير صحيح، فإنَّ آحاداً منهم من أهلها، غير الكثرة الكاثرة منهم ليسوا منهم على أيِّ حال، يدلُّ على ذلك ما في الخبر نفسه من أنَّ منهم (أبدال الشام وعصائب أهل العراق)، وأنَّ منهم (ناس من المشرق)، وأنَّ منهم (الرجل والرجلان والثلاثة من كل قبيلة...)، وليست القبائل كلُّها في مكَّة.
مضافاً إلى الرواتين المُطوَّلين، اللتين دلَّتا على أنَّ جميعهم ما عدا أربعة فقط من غير أهل مكَّة إذا أضفت إلى ذلك الخبر الذي سمعناه عن أبي عبد الله الصادق (ع):
(سيبعث الله ثلاثمئة وثلاثة عشر إلى مسجد مكَّة، يعلم أهل مكَّة أنَّهم لم يولَدوا من آبائهم ولا أجدادهم).
وظاهره أنَّهم جميعاً ليسوا من أهل مكَّة، غير أنَّ التنزُّل عن هذا الظاهر في أربعة فقط، غير عسير.
مضافاً إلى ما سنسمعه ـ غير بعيد ـ من أنَّ وجود هؤلاء في مكَّة سيُشكِّل (مشكلة قانونية) بصفتهم غُرباء لم يدخلوا بترخيص من الجهات الحاكمة، كما دلَّت عليه الأخبار، فلو كانوا من أهل مكَّة، لم يكن لهذه المشكلة أيُّ موضوع.
الاستفهام الثالث: هل أنَّ وجود بعض هؤلاء الخاصة في مدينة ما، يُعتبر شرفاً وفضيلة لتلك المدينة، أم لا؟
وجوابه: أنَّه لا شكَّ أنَّ هذه جهة مُعيَّنة مُهمَّة جدَّاً بالنسبة إلى أيِّ مدينة، غير أنَّه لا ينبغي المُبالغة في ذلك... لأنَّ السبب الرئيسي لتكامل الفرد في المدن الاعتيادية، ما لم تحتوِ المدينة على زخم علمي وعقائدي خاص موجب للتكامل، كالذي يوجد في القاهرة، والنجف، وقم، وجامعة القرويِّين، وأمثالها في العالم الإسلامي، وإلاَّ فسيكون المُسبِّب الرئيسي للتكامل هو زيادة الظلم والانحراف الساري المفعول ضدَّ المؤمنين في كل الأجيال، وكلَّما تطرَّف أهل المدينة إلى جانب الباطل تطرَّف هؤلاء إلى جانب الحق، كما برهنَّا عليه في التاريخ السابق(٣٩١) ومن هنا يكون سبب التكامل العالي، حتى يكون الفرد بدلاً من الأبدال، وهو تطرُّف الأفراد الآخرين إلى جهة الباطل واضطهادهم الأفراد المؤمنين إلى أقصى حدٍّ.
وهذا هو الذي يجعل إنتاج المدينة الاعتيادية لبعض الأفراد المُتكاملين الخاصِّين، لا يُمثِّل شرفاً ولا فضيلةً بالنسبة إلى الأفراد الآخرين في الأعمِّ الأغلب.
الجهة السادسة ـ من هذا الفصل ـ: في المشكلة القانونية التي يُحدثها بقاء هؤلاء الثلاثمئة والثلاثة عشر في مكَّة المُكرَّمة، ما بين ورودهم إلى حين تحقُّق الظهور.
ونتحدَّث عن ذلك، ضمن عدَّة نقاط:
النقطة الأُولى: في مُحاولة فَهْم هذه المُشكلة أساساً:
إنَّ المنطلق الأساسي الذي يُثير المشكلة هو وجود هؤلاء الغرباء فترةً من الزمن، تقلُّ وتكثر بدون سبب ظاهر.
إنَّها مُشكلة مفهومة في جوِّ المجتمع القديم، حين كان الغريب منظوراً إليه بعين الاستغراب، ومُراقباً من قِبَل أيِّ فرد في كل تحرُّكاته، تصعب مُجاملته ومُكالمته، وتُعتبر الصداقة معه خطوة خطرة، بل إنَّ مُجرَّد بيع الطعام إليه لا يكون إلاَّ بالحذر، فكيف إذا كان الغرباء كثيرين في وقت لم تَعْتَدْ المدينة على استقبال الزوَّار، وكان من الواضح عدم وجود هدف مُعيَّن لاجتماعهم. ولم يتذكَّر فرد من أهل البلدة أنَّه رأى أيَّ واحد منهم طيلة حياته؟!
إنَّ أهل مكَّة سيعيشون مثل هذه المشكلة إذا كانوا يُمثِّلون المجتمع القديم، وهي مشكلة مفهومة أيضاً، بحسب قوانين الدول الحديثة، على كلا الفهمين (الطبيعي) والإعجازي في ورودهم إلى مكَّة.
أمَّا طبقاً للفهم الطبيعي الذي أعطيناه، وهو أنَّه سوف يقع النداء في شهر رمضان، وسيظهر الإمام المهدي(ع) ـ كما دلَّت الروايات ـ في اليوم العاشر من مُحرَّم الحرام، فتكون المدَّة المُتخلِّلة ـ وهي حوالي أربعة أشهُر ـ فترة كافية للسفر الاعتياي إلى مكَّة لمُقابلة الإمام (ع)، من قِبَل أيِّ شخص مُشتاق إلى ذلك، وسيمرُّ موسم الحجِّ خلال هذه الفترة، وسيكون الذهاب من هذه الجهة مشروعاً تماماً للناس، كما سيفوز الفرد المُخلص بأداء فريضة الحجِّ أولاً، وبمقابلة الإمام المهدي (ع) ثانياً.
إنَّ هذه الأُطروحة هي مركز المُشكلة بالنسبة إلى أهالي مكَّة، فإنَّ ما بين انتهاء فترة الحجِّ واليوم العاشر من مُحرَّم أكثر من خمسة وعشرين يوماً، والمفروض أنَّ الحُجَّاج سيعودون أدراجهم بعد انتهاء موسم الحجِّ مُباشرة، كما هو الحال في كل عام، فما الذي حصل في أن تتخلَّف جماعة كبيرة بعد الحجِّ زمناً طويلاً نسبيَّاً؟! وما هي مقاصدهم من هذا التخلُّف؟!
إنَّ هؤلاء (الخاصة) لا يمكنهم أن يُصرِّحوا بهدفهم الحقيقي لأحد، بل لعلَّ أيَّ واحد لا يستطيع أن يُصرِّح للآخر منهم بذلك، لعدم سابق معرفة بينهم أصلاً فضلاً عن التصريح به للشعب المكِّي وللحُكَّام.
إنَّ غاية ما يستطيع الفرد منهم أن يعمله، هو أن يأخذ إذناً بالإقامة لمدَّة شهر، عسى أن يحصل الظهور خلاله، فإن لم يحصل أخذوا إذناً بالبقاء شهراً آخر، ولكنَّ الظهور سوف لن يتأخَّر عنهم أكثر من شهر.
فهذه هي الصورة للفهم الطبيعي الذي أعطيناه، وسنعرف فيما بعد مدى صحَّة هذه الصورة وعدمها.
وأمَّا طبقاً للفهم الإعجازي لاجتماعهم، وذلك في الليلة السابقة على الظهور، كما سنسمع... فالمشكلة أوضح؛ إذ يُصبح أهل مكَّة، فيجدون هؤلاء بالمئات من الناس يتجوَّلون في الأسواق بدون هدف معروف، لا يعرفون واحداً منهم، ولم يسبق لأيٍّ منهم أن حمل في جيبه جواز سفر وإذناً بالإقامة.
ولعلَّ الروايات أقدرُ منِّي في بيان شَكل المُشكلة، غير أنَّها منطلقة من زاوية إعجازية ـ أولاًـ وفي مجتمع لا تحكمه دولة نظاميَّة حديثة ثانياً.
النقطة الثانية: في سرد الروايات الواردة بهذا الصدد:
وهي عدَّة روايات، أكثرها يورِد المُشكلة باختصار، ولعلَّ أهمَّ الروايات وأوضحها ما أخرجه ابن طاووس في الملاحم والفتن،(٣٩٢) نقلاً عن كتاب يعقوب بن نعيم قرقارة الكاتب لأبي يوسف.
قال ابن طاووس: قال النجاشي ـ الذي زكَّاه محمد بن النجار ـ: إنَّ يعقوب بن نعيم المذكور روى عن الرضا (ع)، وكان جليلاً في أصحابنا ثقة.
ورأينا أنَّ ما ننقله في نسخة عتيقة لعلَّها كُتبت في حياته، وعليه خطُّ السعيد فضل الله الرواندي (قدَّس الله روحه)، فقال ـ ما هذا لفظه ـ: حدَّثني أحمد بن محمد الأسدي، عن سعيد بن جناح، عن مسعدة: أنَّ أبا بصير قال لجعفر بن محمد (ع): هل كان أمير المؤمنين (ع) يعلم مواضع أصحاب القائم (ع) كما كان يعلم عدَّتهم.
فقال جعفر بن محمد (ع): (إي والله، يعرفهم بأسمائهم رجلاً فرجلاً، ومواضع منازلهم).
أقول: وتحتوي هذه الرواية على تعداد الأماكن، وإن من كل مكان رجل ورجلان وأكثر، من دون تسمية ثمَّ يقول: (فهؤلاء ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً، يجمعهم الله عزَّ وجلَّ بمكَّة في ليلة واحدة، وهي ليلة الجمعة، فيُصبحون بمكَّة في بيت الله الحرام، لا يتخلَّف منهم رجل واحد، فينتشرون بمكَّة في أزقَّتها، ويطلبون منازل يسكنونها، فيُنكرهم أهل مكَّة، وذلك (لأنهم) لم يعلموا بقافلة قد دخلت من بلدة من البلدان لحجٍّ ولا لعُمرة، ولا تجارة، فيقول مَن يقول من أهل مكَّة ـ بعضهم لبعض ـ: ما ترون، قوماً من الغرباء في يومنا هذا، لم يكونوا قبل هذا، ليس هم من أهل بلدة واحدة، ولا هم قبيلة واحدة، ولا معهم أهل ولا دوابّ.
فبينما هم كذلك، إذ أقبل رجل من بني مخزوم، فيتخطَّى رقاب الناس ويقول: رأيت في ليلتي هذه رؤيا عجيبة، وأنا لها خائف، وقلبي منها وَجِلٌ!
فيقولون: سِرْ بنا إلى فلان الثقفي، فاقْصُص عليه رؤياك.
فيأتون الثقفي، فيقول المخزومي: رأيت سحابة انقضَّت من عنان السماء، فلم تزل حتى انقضَّت على الكعبة ما شاء الله، وإذا فيها جُراد ذو أجنحة خضر، ثمَّ تطايرت يميناً وشمالاً، لا تمرُّ ببلد إلاَّ أحرقته، ولا بحصن إلاَّ حطَّمته.
فيقول الثقفي: لقد طرقكم هذه الليلة، جند من جنود الله عزَّ وجلَّ، لا قوَّة لكم به!
فيقولون: أما والله، لقد رأينا عَجباً! ويُحدِّثونه بأمر القوم!
ثمَّ ينهضون من عنده فيهتمُّون بالوثوب بالقوم، وقد ملأ الله قلوبهم رُعباً وخوفاً، فيقول بعضهم لبعض ـ وهم يأتمرون بذلك ـ: يا قوم، لا تعجلوا على القوم ولم يأتوكم بمُنكر ولا شهروا السلاح، ولا أظهروا الخلاف، ولعله أن يكون في القوم رجل من قبيلتكم، فإن بدا لكم من القوم أمر تُنكرونه، فأخرجوهم.
أمَّا القوم فمتنسِّكون، سيماهم حسنة، وهم في حرم الله عزَّ وجلَّ، الذي لا يفزع مَن دخله حتى يُحدثوا فيه حادثة، ولم يُحدِث القوم ما يجب (به) مُحاربتهم.
فيقول المخزومي ـ وهو عميد القوم ـ: أنا لا آمن أن يكون من ورائهم مادة! وإن أتت إليهم انكشف أمرهم وعظم شأنهم، فأحصوهم وهم في قلَّة العدد وعِزَّة بالبلد، قبل أن تأتيهم المادَّة، فإنَّ هؤلاء لم يأتوكم إلاَّ وسيكون لهم شأن، وما أحسب تأويل صاحبكم إلاَّ حقَّاً.
فيقول بعض لبعض: إن كان مَن يأتيكم مثلهم فإنَّه لا خوف عليكم منهم؛ لأنَّه لا سلاح معهم، ولا حُصن يلجأون إليه، وإن أتاكم جيش نهضتم بهؤلاء فيكونون كشربة ضمآن.
فلا يزالون في هذا الكلام ونحوه، حتى يحجز الليل بين الناس، فيُضرب على آذانهم بالنوم، فلا يجتمعون بعد انصرافهم (إلى) أن يقوم القائم، فيلقى أصحاب القائم (ع) بعضهم بعضاً كبني أب وأُمٍّ، افترقوا غدوة واجتمعوا عشيَّة...) الحديث.
النقطة الثالثة: في تلخيص المُهمِّ من مضامين هذه الرواية، مع نقده:
أولاً: تدلُّ ـ بوضوح ـ على اجتماع هؤلاء الخاصة هؤلاء بطريق المعجزة، لا يبقون إلاَّ نهاراً واحداً، يظهر الإمام المهدي في مسائه.
وهذه المعجزة مُنافية لقانون المعجزات، بعد أن عرفنا إمكان انتقالهم بطريق السفر الاعتيادي، وكلَّما أمكن إنتاج الهدف بالأسلوب الطبيعي لم تقم المُعجزة لإنجازه.
ثانياً: تعكس هذه الرواية مدى القلق الذي يُسيطر على أهل مكَّة وحُكَّامها من هؤلاء الغُرباء... حتى إنَّهم يُفكِّرون في مُقاتلتهم، لولا أنَّ الله تعالى يصرفهم عن ذلك؛ باعتبار الحرمة الإسلامية في القتل في مكَّة المُكرَّمة ما لم يبدأ الآخرون بالقتال، فيحفظ الله تعالى نفوسهم بذلك إلى حين الظهور.
وهذا القلق لدى أهل مكَّة، واضح وضروري، مع صحَّة الانتقال الإعجازي لهؤلاء الخاصة، وأمَّا مع وصولهم بالسفر الاعتيادي لأجل الحجِّ ـ كما قلنا ـ فالظاهر أنَّه ليس هناك أيَّة مُشكلة ولن يكونوا مُلفِتين للنظر على كلِّ حال.
فإنَّ مكَّة المُكرَّمة في الأزمنة السابقة كانت لا تستقبل الزوَّار الحجَّاج، إلاَّ في موسم الحج، فمن الطبيعي أن يكون بقاء الزوَّار في غير هذا الموسم وبعد انقضائه، غريباً مُلفِتاً للنظر، إلاَّ أنَّ الحال قد اختلف جدَّاً في السنوات المُتأخِّرة، فقد أصبحت مكَّة تستقبل أعداداً كبيرة من الزوَّار على طول مدار العام، وتشتغل فنادقها بالقاطنين طوال السنة، لا تخرج جماعة إلاَّ لتدخل أُخرى، ويكون التخلُّف عن الحجِّ لأجل عدَّة أهداف، كالتجارة، والنزهة، وتطويل الزيارة، ومراجعة الكُتَّاب والمُفكرِّين والعلماء، وغير ذلك.... أمراً طبيعياً لا غبار عليه.
ومعه؛ يكون أهل مكَّة قد اعتادوا مواجهة الغرباء باستمرار، واعتادت السلطات على إعطاء الإذن بالإقامة فترات مختلفة من الزمن طول العام.
إذن؛ فبقاء هؤلاء الخاصة لن يكون مُلفِتاً للنظر، ولن يوجب أيَّ مُشكلة ولا دليل كامل على أنَّ الباقين بعد الحجِّ هم هؤلاء فقط، بل لعلًَّ أُناساً آخرين يستمرُّون بنفس القصد ولأغراض أُخرى.
ثالثاً: تدلُّ الرواية على أنَّ السلطات المكِّية بدائية الشكل، والمجتمع المكِّي مُتديِّن إلى حدٍّ ما، بحيث يتورَّع عن قتل هؤلاء في الحرم المكِّي، وكلا الفكرتين قابلة للمُناقشة.
أمَّا بدائيَّة الدولة، فقد ارتفعت في العصر الحديث، وتبدَّلت إلى الدولة النظامية الحديثة، ومن الواضح أنَّ معجزةً مثل هذه لو حدثت في دولة حديثة لما تلكَّأت الدولة في إلقاء القبض على هؤلاء واستنطاقهم فرداً، ولا أقلّ من تشديد قوى الأمن الداخلي وجعلهم تحت الرقابة المُستمرَّة؛ استعداداً لكل طارئ، فالغضُّ عنهم، ووقوع الجدل بشأنهم لا يكاد يكون مُحتملاً في أنظمة الدولة الحديثة.
نعم، سوف يكون لهذا أثر مع صحَّة الأُطروحة الطبيعية التي عرضناها لاجتماعهم ـ كما هو واضح ـ وإنَّما يترتَّب ذلك طبقاً للفهم الإعجازي لاجتماعهم، وقد يُعتبر ذلك أحد نقاط الضعف في هذا الفهم.
وأمَّا تديُّن المجتمع المكِّي... فهناك قرينة رئيسة على نفيه، وهو قتل النفس الزكية بين الركن والمقام قبل الظهور بخمسة عشر يوماً، وسيُصادف ذلك زمن وجود هؤلاء في مكَّة طبقاً للأُطروحة الطبيعية، ومَن يكون على مستوى القتل في داخل المسجد الحرام، سوف لن يتورَّع عمَّا هو دونه، وهو القتل في خارج المسجد.
غير أنَّ ذلك ممَّا سوف يكون مُستغنى عنه طبقاً للأُطروحة الطبيعية، للاختلاف الجذري بين مُهمَّة النفس الزكية الذي يواجه الشعب المكِّي بما لا يرتضيه، وبين مُهمَّة هؤلاء الذين لن يُحرِّكوا ساكناً، ولن يُلفتوا نظراً قبل الظهور.

 

الجهة السابعة: في خصائص أُخرى نصَّت عليها الروايات، لأصحاب الإمام المهدي (ع):
الخصيصة الأُولى: تسميتهم بجيش الغضب.
وهو ما دلَّت عليه روايات أخرجها النعماني في الغيبة،(٣٩٣) والصدوق في إكمال الدين،(٣٩٤) وقد نقلنا بعضها فيما سبق.
والسرُّ في هذه التسمية هي أنَّها بقيادة إمامهم المهدي (ع)، يُمثِّلون غضب الله تعالى على المُجتمع الفاسد المُتفسِّخ عقيدة ونظاماً وأخلاقاً، والحُكم عليه بالفناء والزوال، مع بديله إلى مجتمع عادل تسوده السعادة والرفاه.
الخصيصة الثانية: أنَّهم شباب لا كهول فيهم إلاَّ أقل القليل، كالكحل في العين، وكالملح في الطعام، كما دلَّت عليه إحدى الروايات، وهذا التشبيه دالٌّ على أنَّ هؤلاء الكهول القلائل هم من أفضل الجماعة إيماناً وإخلاصاً وثقافة، وإنَّ وجودهم فيهم ضروري... شأن الملح في الطعام، فإنَّه على الرغم من قلته إلى سائر الأجزاء، إلاَّ أنَّه أهمَّها وأكثرها ضرورة.
وهذا أمر موافق مع خصائص النفس الإنسانية، فالشابُّ بطبيعته أقوى من الكهل اندفاعاً وقوَّة وإرادة، والكهل أفضل من الشابِّ رُشداً وتجربة وثقافة، والجيش المُتكامل يحتاج إلى كلا النوعين بطبيعة الحال، ولكنَّه إلى الاندفاع وقوَّة الإرادة أحوج، وأمَّا الرأي ـ إن احتيج إليه ـ فيكفي فيه العدد القليل، ومن الواضح كون الرأي الأهمِّ موكول إلى الإمام المهدي (ع) نفسه، إلاَّ في ما يستشير أصحابه من الأمور، كما كان النبي (ص) يفعل أحياناً، وخاصة بعد أن وعدهم أن يكون حيث يريدون.
وقد يخطر في الذهن: إنَّ المفروض في أصحاب الإمام المهدي (ع) ـ كما قلنا ـ أن يكونوا من المُخلصين المُمحَّصين المُتكاملين في الإيمان والإرادة إلى درجة عالية جدَّاً، وهذا ما يحتاج الفرد في الوصول إليه إلى سنين وسنين، وإلى ظروف كثيرة وتجارب مُثيرة، وهذا لا يتمُّ في الشباب على أيِّ حال، فكيف ينسجم ذلك مع ما دلَّ على كونهم ـ في الأغلب ـ من الشباب.
والجواب على ذلك يكون على مستويين:
المستوى الأول: أنَّنا قلنا في تاريخ الغيبة الكبرى:(٣٩٥) إنَّ تمحيص الفرد وتربيته لا يعود فقط إلى الظروف التي يعيشها الفرد خلال حياته... بل يعود جزء كبير منها إلى تربية الأُمَّة كلها مُتمثِّلة بالأجيال المُتصاعدة، فكل جيل من الصالحين يوصل نتيجة التمحيص إلى درجة مُعيَّنة، ويورثها إلى الجيل الذي يليه ليمشي بها خطوة أخرى، وبقانون (تلازم الأجيال) يبقى التمحيص ساري المفعول على مجموع الأمَّة.
ومعه؛ فمن الممكن القول: إنَّ التمحيص في الجيل الأسبق على الظهور قد بلغ من العمق والشمول بحيث لم يبقَ منه إلى إنتاجه الكامل، إلاَّ خطوات قليلة تتحقَّق خلال السنوات الأُولى من الجيل الذي يليه، وهو الجيل السابق على الظهور مباشرة، أعني الجيل الذي يحصل فيه الظهور، ومعه فسيتحقَّق الظهور حال شباب الأعمِّ الأغلب من هؤلاء الصالحين.
المستوى الثاني: إنَّ الأسباب التي يخرج بها الفرد مُمحَّصاً كاملاً تُمثِّل في حقيقتها ـ كما برهنَّا عليه في االتاريخ السابق(٣٩٦) ـ المواقف وردود الفعل التي يتَّخذها الفرد تجاه الظروف الخارجية الظالمة والعادلة على حدٍّ سواء، فكلَّما كانت المواقف أصحَّ وكانت ردود الفعل أفضل، كان الفرد أكثر نجاحاً وتمحيصاً، وهذه الظروف قد تكون بطيئة الإنتاج، بمعنى أنَّ كل حادثة تمرُّ بالفرد لا تقتضي منه إلاَّ درجة بسيطة من الإخلاص وقوَّة الإرادة، فيكون تكامله مُحتاجاً إلى تجارب كثيرة وطويلة، فيُصبح بطيئاً مُحتاجاً إلى عشرات السنين، وقد لا يُنتج المستوى المطلوب طول عمر الفرد أصلاً، وإنَّما يصل الفرد إلى مرتبة ناقصة من الكمال فحسب.
وقد تكون الظروف التي تمرُّ بالفرد تقتضي منه قوَّة ضخمة في الإرادة، ودرجة عظيمة في الإخلاص، وتكون موافقة، وردود فعله صالحة وصحيحة... فتكون تربيته سريعة، ووصوله إلى الدرجة المطلوبة ـ لو وفِّق إلى النجاح في كل الخطوات ـ غير مُحتاج إلى زمان طويل.
ومعه يمكن أن نحصل على أشخاص مُمحَّصين كاملين، وهم في سنِّ الشباب.
على أنَّنا لو جمعنا بين هذين المستويين... والحياة تتضمَّن ـ في الأعمِّ الأغلب ـ الجمع بينهما بشكل وآخر، فالفرد ـ حتماً – يكتسب من الجيل السابق ما يمكنه اكتسابه من الثقافة والإخلاص، ويُضيف عليه من عنده فيما يتَّخذه من مواقف وردود فعل صالحة تجاه الحوادث، فإن كانت هذه الحوادث ضخمة ومُهمَّة، ووفِّق إلى النجاح فيها، كان من المُخلصين المُمحَّصين لا محالة.
الخصيصة الثالثة: إنَّ هؤلاء الخاصة الثلاثمئة والثلاثة عشر رجلاً يتميَّزون عن غيرهم لعدَّة أسباب:
أولاً: اتِّصافهم بالإخلاص من الدرجة الأُولى، في نتيجة التمحيص السابق على الظهور... دون غيرهم.
ثانياً: مُبايعتهم للمهدي (ع) لأول مرَّة بعد جبرائيل (ع) واستماعهم لخُطبته.
ثالثاً: أنَّهم قادة جيشه خلال القتال... لا أنَّهم يُمثِّلون كل الجيش كما سبق أن قلنا... فهم العدد الكافي من القوَّاد لغزو العالم، لا من الجنود العاديين.
ومن هنا؛ لن يكتفي الإمام المهدي (ع) بهؤلاء الخاصة، بل إنَّه (ما يخرج إلاَّ في أُوْلي قوَّة، وما يكون من أُوْلي قوَّة أقلَّ من عشرة)، كما سمعنا في الروايات، (ويُقيم بمكة حتى يتمَّ أصحابه عشرة آلاف نفس، ثمَّ يسير منها إلى المدينة)، كما سمعنا في رواية أُخرى، (فإذا اجتمع له العقد، عشرة آلاف رجل، فلا يبقى في الأرض معبود دون الله)، كما في رواية ثالثة.
والروايات تَسْكُت عن تحديد فترة بقائه في مكَّة ريثما يجتمع له هذا العدد، وإن كان المَظْنُون من مجموع القرائن أنَّه لن يزيد عن أسبوع.
الجهة الثامنة: هناك سؤال قد يخطر على البال، من خلال التأكيد في الروايات على أعداد هؤلاء الخاصة، والتعرُّف على شخصيَّاتهم وأماكنهم، وهو أنَّه إذا صحَّ ذلك فسوف لن ستطيع أيُّ إنسان آخر أن يُصبح مُتَّصفاً بالإخلاص من الدرجة الأُولى، وسوف تذهب جهوده في ذلك سُدى، بعد أن كان المُتَّصفون به مُعيَّنين ومعروفين سلفاً.
فكيف نوفِّق بين ذلك وبين قانون التمحيص العام الساري المفعول قبل الظهور، الذي لا يقتضي نجاح أفراد لأعيانهم، بل يوكِل ذلك إلى هِمَّة الفرد وإيمانه ومقدار تضحياته في سبيل الحق، وهذا معنى عام قد تزيد نتيجته وقد تنقص.. فكيف نوفِّق بين هذين المعنيين؟!
ويمكن أن نعرض هذا السؤال على مُستويات ثلاثة:
المستوى الأول: أن ننظر إلى التنافي المُحتمل بين المفهوم العام لقانون التمحيص وما ورد من التحدِّي بثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً؛ باعتبار أنَّ هذا التحديد واضح وثابت في الروايات، وأمَّا التحديدات الأُخرى، فلا يخلو ثبوتها من ضعف، كما سمعنا.
ويمكن الجواب على هذا التنافي بوجوه ثلاثة:
الوجه الأول: أنَّ النجاح في التمحيص من الدرجة الأُولى غير خاص بهذا العدد لو نظرنا إلى مجموع أجيال الأمَّة الإسلامية، فإنَّ عدداً من الناس قد يصلون إلى هذا المستوى الرفيع، ولكنَّ حياتهم تنتهي ولا يحصل الظهور؛ لأنَّ مجموع مَن حصل على هذه الدرجة العُلْيا من الجيل ليس كافياً لغزو العالم بالعدل.
ومعه؛ فلو نظرنا إلى أجيال الأُمَّة لوجدنا عدداً ضخماً من الناس المُتَّصفين بهذه الصفة، كل ما في الأمر أنَّ كل جيل بعينه لا يحتوي على العدد الكافي منهم... وأول جيل يحتوي على ذلك هو الجيل الذي يحصل فيه الظهور.
إذن؛ فالفرصة مفتوحة، طبقاً للقانون العام، للوصول إلى تلك المرتبة، وإنَّما يقصر الناس عن ذلك انطلاقاً من اختيارهم وإرادتهم، وأول جيل سوف يتوفَّر العدد الكافي فيه لغزو العالم بالعدل، سوف يتمُّ فيه الظهور.
الجواب الثاني: إنَّ المسألة مسألة وقت ليس إلاَّ، غير أنَّه وقت مُتعيِّن غير قابل للزيادة والنقصان، فإنَّ الظهور كما لا يمكن أن يحدث قبل توفُّر العدد الكافي لا يمكن أن يتأخَّر عن زمان توفُّره.
أمَّا قبل توفُّر العدد كله، فالفرصة موجودة بوضوح؛ لأجل توفير العدد بالتدريج من مجموع الناس، حسب ما لديهم من الهمَّة والتضحية... طبقاً للقانون، وأمَّا بعد توفُّر العدد، فالقانون ولو كان باقياً، غير أنَّ الظهور سوف لن يتأخَّر عندئذ بطبيعة الحال، وبه سوف يستوفي القانون السابق غرضه، وتتحوَّل تربية البشرية إلى التخطيط العام الجديد.
فعدم إمكان الزيادة على العدد، لا لأجل التصوُّر في الفرص القانونية للتمحيص، بل لأجل تحقُّق الظهور عند توفُّر العدد الكافي؛ الأمر الذي يُغيِّر قانون التمحيص إلى شكل جديد.
الجواب الثالث: أنَّنا لو تنزَّهنا ـ جدلاً ـ عن ذلك كله، وفرضنا كون هذا الرقم مرصوداً لأشخاص مُعيَّنين، أمكننا الجواب على ذلك من نواحي أُخرى اجتماعية وفلسفية، بالشكل الذي نُحاول عرضه في الجواب على المستوى الثالث.
المستوى الثاني: أنَّه بعد البرهنة على التنافي بين رقم الثلاثمئة والثلاثة عشر، وبين قانون التمحيص العام، وأنَّ هذا الرقم يبقى فارغاً قابلاً للملء بأيِّ إنسان، ننظر في المستوى الثاني إلى التنافي المحتمل بين قانون التمحيص وبين تسمية البلدان، والأعداد المذكورة لكلٍّ منها؛ إذ قد يخطر في البال، عدم وجود الفرصة للزيادة على ذلك.
ويمكن تقديم ثلاثة أجوبة موازية للروح العامة للأجوبة الثلاثة الواردة في المستوى الأول.
الجواب الأول: أنَّنا لو نظرنا إلى الأجيال المُتطاولة للبصرة ـ مثلاً ـ لم نجد أربعة من الناجحين الكاملين فقط، بل أكثر من ذلك بكثير، وكل ما في الأمر أنَّ هذا الرقم هو الذي سيخرج من البصرة في الجيل المُعاصر للظهور.
بل إنَّ الحال أوسع من ذلك، فقد يوجد في البصرة أكثر من هذا العدد في جيل ما، وإنَّما لم يحصل الظهور باعتبار عدم توفُّر العدد المطلوب في العالم، على وجه العموم، لتقلُّص عدد من المُدن عن المشاركة في تصدير حصَّتها من هؤلاء، بينما يُعاصر جيل الظهور تقلُّصاً في رقم (البصرة) وتوسُّعاً في بعض المُدن الأُخرى، طبقاً للحالة النفسية والعقلية والاجتماعية التي تعيشها كل مدينة.
الجواب الثاني: إنَّ المسألة مسألة وقت لا غير، تماماً كالمستوى الأول، لكن بعد ملاحظة (البصرة) وكل مدينة عينها، كجزء من كلِّ مُشارِك في التخطيط العام لإيجاد العدد الكافي، فبمجرَّد أن يتمَّ العدد الكافي يحدث الظهور، ولكن من حُسن حظِّ بعض المناطق أنَّها تُشارك بعدد أكثر، لحسن تصرُّف الأخيار من أهلها، وأدائهم التضحية في سبيل الحق والهُدى، على حين تُشارك المدن الأُخرى بعدد أقل، لسوء تصرُّف أهلها، وتفضيلهم اللذاذة العاجلة على التضحية العادلة.
ولا ينبغي أن ننسى ما عرفناه في التاريخ السابق، من صعوبة الوصول إلى هذه الدرجة العُلْيا والإخلاص، واحتياجها إلى قوَّة في الإرادة، وسعة في الثقافة لا تتوفَّر إلاَّ في القليل من الناس.
الجواب الثالث: أنَّنا لو تنزَّلنا ـ جدلاً ـ عن الوجهين السابقين، وفرضنا أنَّ رقم الأربعة من البصرة، مرصود لأشخاص مُعيَّنين، وكذلك غيرها من المدن، أمكننا الجواب على ذلك من زوايا أُخرى، على ما سنذكره في الجواب الثاني والثالث على المستوى الثالث.
المستوى الثالث: أنَّه بعد البرهنة على عدم التنافي بين مجرَّد الترقيم، سواء منه العام أم الخاص بكل مدينة، وبين التمحيص العام... يبقى التنافي بين هذا القانون العام، وبين التسمية الواردة في الروايات، فإنَّها ـ على أيِّ حال ـ إشارة إلى أشخاص مُعيَّنين، لا يمكن إبدالهم بغيرهم، وليس كالترقيم يمكن ملؤه بأيِّ إنسان.
ويمكن أن يُجاب على ذلك بثلاثة أجوبة:
الجواب الأول: أنَّنا بينما نرى أنَّ الترقيم ثابت في الروايات؛ فإنَّ العدد ثلاثمائة وثلاثة عشر مُستفيض النقل، وعليه عدد مُهمٌّ من الروايات، كما أنَّ التحديد لكلِّ مدينة أكثر نقلاً من التسمية، من حيث إنَّ بعض الروايات تتضمَّن الرقم والتسمية، وبعضها تتضمَّن الرقم فقط، كالرواية الأُولى التي نقلناها عن ابن طاووس.
فبينما نرى الترقيم ثابتاً في الجملة، نجد أنَّ التسمية غير ثابتة، لما سمعناه من أنَّ الروايات الناقلة للأسماء ضعيفة السند وقليلة العدد مُتعارضة في ذكر الأسماء، فتسقط عن قابلية الإثبات التاريخي، ومع انتفاء الدليل على التسمية يكون الإشكال في مستواه الثالث مُنتفياً موضوعاً.
هذا، وسيكون الجوابان الآتيان شاملين للمستويات الثلاثة كلها، وإنَّما أجَّلناها إلى المستوى الثالث؛ لمناسبتها معه دون ما سبق من الأجوبة على المستويين الأوَّلين، وستكون زاوية النظر في إحدهما اجتماعية وفي الآخر فلسفية.
الجواب الثاني: أن نُعيد النظر في الخصائص المُعطاة لهؤلاء الثلاثمئة والثلاثة عشر، فبينما عرفناها خصائص (داخلية) تمتُّ إلى تكوينهم الشخصي الإيماني بصِلَةٍ وثيقة، يمكن أن نعتبرها الآن خصائص عرضية وخارجية، تمتُّ إلى وضعهم الاجتماعي بصِلَةٍ، بالشكل الذي سنذكره بعد لحظة.
فليس هؤلاء فقط هم المُتَّصفين بالدرجة الأُولى من الإخلاص، بل هناك أُناس غير مُسمَّين مُتَّصفين بها أيضاً، وإنَّما يختصُّ هؤلاء بصفات أُخرى (اجتماعية)، يمكن فهمها على شكلين طبقاً للأُطروحة المُختارة لكيفيَّة اجتماعهم.
فإن اخترنا لهم الاجتماع الإعجازي في مكَّة، كانت خصِّيصتهم الرئيسية أنَّهم ـ دون غيرهم ـ يُنقلون بالمعجزة من أجل نُصرة المهدي (ع)، وليس اختصاصهم بذلك من أجل مستواهم الإيماني، بل قد تكون لمصالح أُخرى في علم الله عزَّ وجلَّ، كاتِّصافهم بقوَّة جسمية مُعيَّنة، وبثقافات وتدريبات قيادية مُعيَّنة يفقدها الآخرون... ممَّا لا يمتُّ إلى قانون التمحيص بربط مباشر؛ ومعه لا تكون هذه الخصائص ولا خصِّيصة الانتقال الإعجازي مُضرَّة بشمول هذا القانون.
وإن اخترنا لهم الاجتماع الطبيعي ـ كما رجَّحناه ـ أمكننا أن نضع التسلسل الفكري للحوادث كما يلي:
أنَّ الوصول إلى الدرجة الأُولى من الإخلاص أوسع من هذا الرقم، وأوسع من هذه الأسماء المذكورة في الروايات، وسوف يؤثِّر (النداء) باسم المهدي (ع) في إثارة الشوق في نفوس الجميع، وسيُسافرون جميعاً إلى مكَّة المُكرَّمة، غير أنَّ لحظة الظهور حيث إنَّها غير مُحدَّدة في أذهانهم وإنَّما ينتظرونها بعد الحجِّ إجمالاً؛ فمن الصعب بطبيعة الحال أن يبقى الجميع في المسجد الحرام باستمرار طوال الأيام انتظاراً للظهور، وإنَّما هم يبقون في منازل مكَّة وفنادقها، ثمَّ يحصل الظهور في لحظة مُعيَّنة، وهي مساء اليوم العاشر، كما ورد في بعض الروايات، وسيُصادف أنَّ المسجد الحرام يحتوي على ثلاثمئة وثلاثة عشر من المُنتظرين في مكَّة المُكرَّمة... لمُجرَّد رغبتهم في الطواف في تلك الساعة.
وهذه المُصادفة سوف تقتضي أن يكون هؤلاء ـ دون غيرهم ـ هم أول مَن يواجه الإمام المهدي (ع)، ويسمع خُطبه ويتشرَّف بمُبايعته... ريثما يتسامع الناس بالظهور، ويهرع الآخرون للوصول بخدمة الإمام المهدي (ع).
ومن الواضح أنَّ هذه المُصادفة غير مُضرَّة بشمول قانون التمحيص، ولا مُنافية معه.
الجواب الثالث: أنَّنا لو تنزَّلنا عن كل ذلك، وفرضنا أنَّ التسمية لأشخاص مُعيَّنين لا يمكن تبديلهم، وأنَّه أمر ثابت لا محيص عنه الآن، فكرة مُبسَّطة ومُختصرة، مُحيلين التفصيل إلى المصادر الفلسفية.
إنَّ هذه الروايات الناقلة للأسماء ـ على تقدير ثبوتها ـ تنقل لنا رأي قائليها وهم الأئمة المعصومون (ع) وآرائهم دائماً، مُستقاة من النبي الأعظم (ص)، وهو (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى).(٣٩٧)
إذن؛ فالأمر يعود إلى تعلُّق العلم الإلهي بنجاح أشخاص مُعيَّنين، ووصولهم إلى الدرجة الأُولى من الإخلاص.
وعلم الله عزَّ وجلَّ عين إرادته ـ كما ثبت الفلسفة ـ فلو كانت إرادته تعالى قد تعلَّقت باتِّصاف هؤلاء بهذه الصفة على كل حال، أعني: ولو بسبب قهري غير إرادي، لكان الإشكال وارداً؛ إذ من الظلم أن تتعلَّق الإرادة الإلهية بإنجاح هؤلاء دون غيرهم، والظلم مُستحيل الثبوت لله عزَّ وجلَّ كما ثبت في الفلسفة أيضاً.
ولكنَّ إرادة الله تعالى على نجاح هؤلاء بملء إرادتهم واختيارهم، وهو ـ في واقعه ـ معنى النجاح في التمحيص؛ لما عرفناه من أنَّ عنصر الاختيار ضروري في قانون التمحيص، وأحد الأركان الرئيسية للنجاح فيه؛ إذ لو كان النجاح جبرياً قهرياً، لما كان نجاحه أصلاً، فإنَّ إعطاء معدن الذهب شكل الحُلي الجميل ليس فخراً للذهب، كما هو واضح.
ومعه؛ نعرف إنَّ علم الله الأزلي بنجاح هؤلاء باختيارهم، وبرسوب الراسبين باختيارهم أيضاً، وإرادته تعلَّقت بذلك أيضاً... فهما مُتساوقان مع القانون العام للتمحيص الذي سنَّه الله تعالى بعلمه وإرادته أيضاً، ووهب الاختيار للبشر بعلمه وإرادته أيضاً.
ومعه؛ يكون مدلول الروايات: إنَّ هؤلاء المسلمين والمعدودين هم الذين سيُحسنون التصرُّف، وتكون مواقفهم الاختيارية صحيحة وعادلة، وإنَّ غيرهم سوف لن يبلغ مبلغهم باختياره أيضاً، ولو لم يُقصِّر المُقصِّرون، وكان الناس على المسؤولية في عهد التمحيص، لكان الناجحون أكثر، ولوردت تسميتهم في الروايات أيضاً.
ولكن من المؤسِف أنَّ الناس قد أبدوا باختيارهم سلوك المُقصِّرين وتصرُّف المذنبين، فتضاءل عدد الناجحين، فتضاءلت تسميتهم في الروايات أيضاً، وقد قال الله تعالى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).(٣٩٨)
ومن الطبيعي أن يكون الناجحون باختيارهم، والواصلون إلى الدرجة الأُولى بتضحياتهم وجهادهم، يكونون أهلاً لكل المُميِّزات التي يتفرَّدون بها عن البشر أجمعين؛ لأنَّهم أدّوا من التضحيات ما لم يؤدِّ غيرهم من الناس، فارتفعوا إلى مستوى لم يرتفع إليه غيرهم من البشر... ابتداءً باهتمام رسول الله (ص) والأئمة المعصومين (ع) بتعدادهم وتسميتهم، وانتهاءً بنُصرتهم للمهدي (ع) ومُمارسة القيادة والحُكم بين يديه.
هذا، ولا ينبغي أن ننسى أنَّ الدرجات الأُخرى من الإخلاص، ينالها الفرد بالاختيار أيضاً، ولكنَّها حيث تكون أسهل منالاً، فإنَّ القواعد الشعبية المُتَّصفة بها أيضاً ستكون أوسع، وكلُّهم بالتدريج سينصرون المهدي (ع) ويعملون بين يديه.

 

الفصل الخامس: المُنجزات الأُولى للإمام المهدي (ع) إلى حين الوصول إلى العراق
وينبغي أن نتكلَّم في هذا الفصل ضمن عدَّة جهات:

 

الجهة الأُولى: في حديث: (... يُصلحه الله في ليلة).
وهو ما نودُّ استهلال هذا الفصل به؛ لأنَّ انتصاره سيكون في ليلة ظهوره نفسها.
وهذا الحديث وارد في مصادر كلا الفريقين، وإن كان في المصادر العامة أغلب.
فمن مصادر الإمامية: ما أخرجه الصدوق في إكمال الدين، بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (ع) ـ في حديث ـ قال: (ويُصلح الله عزَّ وجل أمره في ليلة).
وروي نحوه عن أبي جعفر الباقر (ع).(٣٩٩)
ما رواه الطبرسي،(٤٠٠) عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: (قال الحسين (ع) ـ في حديث ـ: قائمنا أهل البيت يُصلِح الله تعالى أمره في ليلة واحدة).
ومن المصادر العامة، ما أخرجه ابن ماجة،(٤٠١) عن علي (ع)، قال: (قال رسول الله (ص): المهدي منَّا أهل البيت يُصلِحه الله في ليلة).
ونقل نحوه ابن حجر في الصواعق،(٤٠٢) عن أحمد.
وفي مفتاح كنوز السنَّة،(٤٠٣) نقله عن أبي داود، والترمذي، وأحمد.
ونقله السيوطي،(٤٠٤) عن أحمد، وابن أبي شيبة، وابن ماجة، ونعيم ابن حمَّاد في الفتن، وأخرجه القندوزي في الينابيع أيضاً.(٤٠٥)
وفي بعض الروايات تشبيهه بموسى بن عمران (ع) من هذه الناحية.
روى القطب الراوندي(٤٠٦) مُرسلاً، قال: قال محمد بن علي التقيِّ الجواد لعبد العظيم الحسني: (المهدي... من ولدي، وإن الله يصلح أمره في ليلة، كما أصلح أمر كليمه موسى (ع) حيث ذهب ليقتبس لأهله ناراً).
والمراد من إصلاحه وإصلاح أمره توفير النصر لديه، وإيجاد المقدِّمات الواضحة للنصر.
قالوا في اللغة: صلح ضدَّ فسُد، وزال عنه الفساد، يُقال: صلحت حال فلان، وأصلحه بعد فساد أقامه.(٤٠٧)
فالمهدي (ع) بعد أن كان في حال غيبته وتنكُّر، وكان أعزلاً عن السلاح بعيداً عن الحُكم، يُصبح بين عشيَّة وضحاها، في ليلة واحدة، مُنتصراً فائزاً قائداً، له من العدّة والعدد ما يستطيع به السيطرة على العالم بأسرع وقت وأسهل سبيل.
وأول وأهمُّ خطوة لهذا النصر هو اجتماع أصحابه الخاصِّين حوله ومُبايعتهم له، وهو يحدث في ليلة واحدة، هو نفس المساء الذي يخطب فيه بين الركن والمقام، وهذا صحيح على كلا الأُطروحتين: الإعجازية والطبيعية لاجتماعهم... فإنَّهم يجتمعون في تلك اللحظة حوله على أيِّ حال.
إذن؛ فاجتماع أصحابه هو الشيء الرئيسي المُشار إليه في هذا الحديث الشريف، بصفته أول مراحل تصاعد الانتصار التدريجي السريع، بما فيه اجتماع عشرة آلاف نفس في الأيام القليلة القادمة، قبل الخروج من مكَّة.
الجهة الثانية: عرفنا تقدُّم حكم السفياني وتهديده للإمام المهدي (ع) بالقتل، والخسف بالجيش الذي يُرسله، تقدُّم كل ذلك على الظهور، حتى جُعِل الخسف من علامات الظهور للمهدي (ع)، كما سمعناه في هذا الكتاب وسابقه.(٤٠٨)
غير أنَّ هناك من الأخبار ما يدلُّ على تأخير التهديد والخسف على الظهور، وهو إنَّما يحصل في الأيَّام الأُولى للظهور، وهي الفترة التي نعرضها الآن من حياة الإمام المهدي، فينبغي أن لا نمرَّ بهذه الأخبار مُسرِعين.
أخرج أبو داود،(٤٠٩) عن أمِّ سلمة زوج النبي (ص)، عن النبي (ص) قال:
يكون اختلاف عند موت خليفة... فيُخرجونه (يعني المهدي (ع)) وهو كاره، فيُبايعونه بين الركن والمقام، ويُبعَث إليه بعث من أهل الشام، فيُخسف بهم البيداء بين مكَّة والمدينة، فإن رأى الناس ذلك، أتاه أبدال الشام وعصائب أهل العراق، فيُبايعونه) الحديث.
وأخرجه السيوطي،(٤١٠) عن أبن أبي شيبة، وأحمد، وأبو يعلى، والطبراني.
وأخرج السيوطي(٤١١) عن الطبراني في الأوسط، والحاكم عن أمِّ سلمة، قالت: قال رسول الله (ص): (يُبايع لرجل بن الركن والمقام عدَّة أهل بدر، فتأتيه عصائب أهل العراق وأبدال أهل الشام، فيغزوه جيش من أهل الشام، حتى إذا كانوا بالبيداء خُسف بهم).
وأخرج المجلسي في البحار،(٤١٢) عن عبد الأعلى الحلبي، قال: قال أبو جعفر (ع): (يكون لصاحب هذا الأمر غيبة... (ثمَّ يذكر حوادث الظهور واجتماع أصحاب المهدي (ع) ومُبايعتهم له، ويقول بعد ذلك: (حتى ينتهي (يعني المهدي (ع) وجيشه) إلى البيداء، فيخرج إليه جيش السفياني، فيأمر الله الأرض فيأخذهم من تحت أقدامهم، وهو قول الله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ * وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ(٤١٣) يعني بقائم آل محمد، (وقد كفروا به)، يعني بقائم آل محمد، إلى آخر السورة، فلا يبقى منهم إلاَّ رجلان...) الحديث.
وتحتوي هذه الأخبار على نقاط قوَّة ونقاط ضعف.
أمَّا نقاط القوَّة فثلاث:
النقطة الأُولى: إنَّ الوضع العام يكون واضحاً، وإرسال الجيش للقضاء على حركة المهدي (ع) في مهدها، من قِبل قوى الانحراف والطغيان... يكون معلوم الدوافع، بخلاف مُحاولة القضاء على المهدي (ع) قبل ظهوره واتِّضاح دعوته؛ فإنَّه لا يكون واضحاً بهذا المقدار.
النقطة الثانية: إنَّه في صورة تقدُّم الخسف على الظهور، يثور التسائل عن كيفية معرفة السفياني بالمهدي (ع) ليُحاول الإجهاز عليه؟ كما سبق أن عرضناه وناقشناه، غير أنَّ هذا السؤال يكون بلا موضوع مع تأخُّر الخسف عن الظهور، فإنَّ السفياني سيتعرَّف على المهدي بظهوره وسيُرسل عليه الجيش وهو عالم بحقيقته.
النقطة الثالثة: إنَّ الخسف سيُصبح بعد الظهور بأيَّام قلائل، هو المعجزة الرئيسية الكبرى التي تدعم حركة الإمام المهدي (ع)، وتفهم الناس بكل صراحة عدالة دعوته وأحقِّيَّة حركته.
وقد صرَّحت الروايات بتأثير هذه المعجزة في النفس (فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال أهل الشام وعصائب أهل العراق، فيُبايعونه) (وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ) (يعني بقائم آل محمد) (وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ) (يعني بقائم آل محمد).
بل إنَّ معجزة الخسف ستؤثِّر في (السفياني) نفسه، فتجعله قريب العاطفة من المهدي (ع)؛ الأمر الذي يُسبِّب عدَّة نتائج، أهمُّها: دخول العراق بدون قتال.
ففي خبر أخرجه السيوطي،(٤١٤) عن نعيم بن حمَّاد، عن الوليد بن مسلم، عن محمد بن علي يقول فيه: (... فيقول الذي بعث الجيش حين يبلغه الخبر من إيلياء: لعمر الله، لقد جعل الله في هذا الرجل عبرة؛ بعثت إليه ما بعثت فساخوا في الأرض، إنَّ في هذا لعبرة ونُصرة، فيؤدِّي إليه السفياني الطاعة...) الخ الخبر الذي يروي نقض السفياني للبيعة ومقتله.
وهذا الخبر واضح بأنَّ بيعة السفياني للمهدي (ع)، واتِّخاذه معه موقف المُلاينة، إنَّما هو نتيجة للخسف بجيشه.
وأمَّا نقاط الضعف في تلك الأخبار، أعني الدالَّة على تأخُّر الخسف عن الظهور:
النقطة الأُولى: معارضة هذه الأخبار مع الأخبار الدالَّة بصراحة على وقوع الخسف قبل الظهور.
منها: ما رويناه في التاريخ السابق،(٤١٥) عن غيبة النعماني، عن أبي عبد الله (ع) أنَّه قال: (من المحتوم الذي لا بدَّ منه أن يكون قبل قيام القائم، خروج السفياني وخسف بالبيداء).
وفي خبر آخر عنه (ع)... قال الراوي: قلت له: ما من علامة بين يدي هذا الأمر؟
فقال: (بلى).
قلت: وما هي؟
قال: (هلاك العباسي ـ إلى أن قال: ـ والخسف في البيداء).
وهذا الأمر تعبير عن الظهور. وبين يديه يعني قبله.
وفي خبر آخر عنه (ع): (للقائم خمس علامات... ـ وعد منها: الخسف في البيداء).
أقول: والعلامة لا تكون إلاَّ سابقة على الظهور، كما هو واضح.
النقطة الثانية: معارضة هذه الأخبار بما دلَّ من الأخبار بأنَّ الخسف يحصل من أجل رجل وجماعة لا عدد لهم ولا عدَّة؛ إذ من الواضح أنَّ الإمام المهدي (ع) بمُجرَّد ظهوره سيكون له عدد وعدَّة، لا تقلُّ عن عشرة آلاف جندي.
أخرج مسلم(٤١٦): أنَّ رسول الله (ص) قال: (سيعوذ بهذا البيت قوم ليس لهم مُنعة ولا عدد ولا عدَّة، يُبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بهم).
أقول: وهذه صفة المهدي (ع) بل الظهور.
النقطة الثالثة: معارضة هذه الأخبار بما دلَّ من الأخبار المُطوَّلة الدالَّة على تفاصيل الحوادث، والتي تنصُّ على حدوث الخسف قبل الظهور.
أخرج النعماني في الغيبة،(٤١٧) بسنده عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي (ع)، في حديث طويل قال فيه: (ويبعث السفياني بعثاً إلى المدينة، فينفر المهدي منها إلى مكَّة، فيبلغ أمير جيش السفياني أنَّ المهدي قد خرج إلى مكَّة، فيبعث جيشاً في أثره فلا يُدركه حتى دخل مكَّة خائفاً يترقَّب على سنَّة موسى بن عمران ـ قال: ـ وينزل أمير جيش السفياني بالبيداء، فيُنادي مُنادٍ من السماء: يا بيداء، أبيدي القوم. فيخسف بهم... ـ قال: ـ والقائم يومئذ بمكَّة، قد أسند ظهره إلى البيت الحرام مُستجيراً...) الخ الحديث الذي يستمرُّ في نقل خُطبته (ع).
وأخرجه المجلسي في البحار،(٤١٨) وهو واضح – على الأقلِّ ـ عدم تأخُّر الخسف عن الظهور.
ومع وجود هذه الروايات، تكون الأخبار الدالة على تأخُّر الخسف عن الظهور، ساقطة عن قابلية الإثبات في هذه الجهة، ولكنَّنا مع ذلك لن نخسر نقاط القوَّة السابقة التي ذكرناها لها.
أمَّا النقطة الأُولى: فلأنَّ عزم السفياني على قتل المهدي (ع) لن يكون بصفته مهدياً، بل بصفة أُخرى يشعر معها السفياني بأنَّ المهدي بتلك الصفة شخص مُتمرِّد عليه، ثائر على نظامه، فينبغي الإجهاز عليه.
وهذا الوضع طبيعي وواضح، من موقف الانحراف تجاه الحقِّ وأهله دائماً، ولا يلزم من ذلك أنَّ المهدي (ع) حال غيبته يكون قد قام بحركة واسعة ضدَّ السفياني... فإنّ ذلك مُخالف لفكرة غيبته، إلاَّ أنَّ نفس وجود المهدي (ع) بالصفة الأُخرى هادياً للناس يُثير حقد السفياني ضدَّه وتخيُّله بالتمرُّد عليه.
وأمَّا النقطة الثانية: قد سبق أن بحثناها مُفصَّلاً، وعرفنا أنَّ السفياني لن يعرف المهدي (ع) بصفته الحقيقية، بـ (شخصيَّته الثانية) التي يتَّصف بها في ذلك العصر من عصور غيبته.
وأمَّا النقطة الثالثة: فباعتبار أنَّه من الواضح أنَّ كون الخسف معجزة صريحة وعلنيَّة، تقع إلى جانب المهدي (ع)، فتُثبت عدالة دعوته، لا يفرق الحال فيه بين أن يكون الخسف مُتأخِّراً عن الظهور بأيَّام ومُتقدِّماً عليه بأيام، فإنَّ تقدُّمه على الظهور يكشف للناس أنَّ هذا الذي وقع الخسف من أجله هو المهدي (ع)، وهذه المعجزة تُشارك في إثبات حصانته عن الكذب والتزوير، عند إلقاء الخطبة وأخذ البيعة، وإلى نهاية الخطِّ.
(الجهة الثالثة والرابعة الخامسة حُذِفت من المُسودَّة)

 

الباب الثاني: (من القسم الثاني للكتاب)
فتح العالم بالعدل
وهو على عِدَّة فصول
الفصل الأول: نقطة الانطلاق إلى العالم
ونتكلَّم في هذا الفصل ضمن عدَّة جهات:

 

الجهة الأُولى: في سرد الأخبار الدالَّة على ذلك:
ستكون نقطة الانطلاق إلى فتح العالم هي الكوفة من العراق على وجه التعيين، وستكون في المدى القريب عاصمة الدولة العالمية المهدوية العادلة.
والمراد بالكوفة ـ وكما عرفنا ـ المنطقة التي تشمل النجف أيضاً، باعتبار أنَّ تجاورهما أرضاً وبناءً، يجعلهما كالمدينة الواحدة؛ ومن هنا جاءت الأخبار لتُسمِّي الكوفة تارةً والنجف أُخرى، وكلا القسمين يرجع إلى معنى واحد:
روى القندوزي في الينابيع،(٤١٩) عن كتاب فضل الكوفة لمحمد بن علي العلوي، بسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (ص): (يملك المهدي أمر الناس سبعاً وعشراً، أسعد الناس به أهل الكوفة).
وروى ابن الصبَّاغ في الفصول المُهمَّة،(٤٢٠) عن أبي جعفر (ع) – في حديث طويل – قال: (إذا قام (ع) سار إلى الكوفة فوسَّع مساجدها...) الخ الرواية.
وروى المفيد في الإرشاد،(٤٢١) عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر (ع)، قال: (كأنِّي بالقائم (ع) على نجف الكوفة، قد سار إليها من مكَّة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يُفرِّق الجنود في البلاد).
وفي رواية عن عمر بن شمر، عن أي جعفر (ع)، قال: ذكر المهدي فقال: (يدخل الكوفة وبها ثلاث رايات قد اضطربت، فتصفو له، ويدخل حتى يأتي المنبر فيخطب، فلا يدري الناس ما يقول، من البكاء.
فإذا كانت الجمعة الثانية سأله الناس أن يُصلِّي بهم الجمعة، فيأمر أن يُخطَّ له مسجد على الغريِّ، ويُصلِّي بهم هناك...) الحديث.
ورواه الطبرسي(٤٢٢) أيضاً بنفس النصِّ.
ورواه الشيخ في الغيبة،(٤٢٣) عن عمر بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر (ع) ـ وساق الحديث إلى قوله ـ: (ولا يدري الناس ما يقول من البكاء ـ وقال فيه: ـ فإذا كانت الجمعة الثانية، قال الناس: يا بن رسول الله، الصلاة خلفك تُضاهي الصلاة خلف رسول الله (ص)، والمسجد لا يسعنا. فيقول: أنا مُرتاد لكم. فيخرج إلى الغريِّ فيخطُّ مسجداً له ألف باب يسع الناس).
وأخرج الشيخ أيضاً،(٤٢٤) بسنده عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر (ع) قال: (إذا دخل القائم الكوفة، لم يبقَ مؤمن إلاَّ وهو بها ويجيء إليها).
وهو قول أمير المؤمنين (ع)، وقول لأصحابه: (سيروا بنا إلى هذا الطاغية، فيسيروا إليه).
وأخرج أيضاً،(٤٢٥) بسنده عن صالح بن أبي الأسود، عن أبي عبد الله (ع) قال: ذكر مسجد السهلة، فقال له: (أما أنَّه منزل صاحبنا إذا قدم بأهله).
وروى المجلسي في البحار،(٤٢٦) عن السيد علي بن الحميد في كتاب الأنوار المضيئة، بإسناده إلى أحمد بن محمد الأيادي يرفعه إلى إسحاق بن عمار قال: سألته عن إنظار الله تعالى إبليس وقتاً معلوماً ذكره في كتابه، فقال: (فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ).
قال: (الوقت المعلوم يوم قيام القائم، فإذا بعثه الله كان في مسجد الكوفة...) الخ الخبر.
وروى أيضاً،(٤٢٧) عن بعض مؤلَّفات أصحابنا، بإسناده عن المفضَّل بن عمر، قال: سألت سيدي الصادق (ع): هل للمأمور(٤٢٨) المُنتظر من وقت مُوقَّت يعلمه الناس – والحديث طويل إلى عدَّة صفحات، يقول فيه: – قال المفضل: قلت: يا سيدي، فأين يكون دار المهدي ويجتمع (مجمع) المؤمنين؟
قال: (دار مُلكه الكوفة، ومجلس حكمه جامعها، وبيت ماله مقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة، وموضع خلواته الذكورات البيض بين الغريين).
قال المُفضَّل: يا مولاي، كل المؤمنين يكونون بالكوفة؟
قال: (أي والله، لا يبقى مؤمن إلاَّ كان بها وحواليها، وليبلغنَّ مجالة فرس منها ألفي درهم...) الخ الخبر.
وهناك عدد من الأخبار عن مُنجزات الإمام المهدي (ع) في الكوفة، سيأتي الحديث عنها عند عرض نظام دولته (ع).
وذكر الشبلنجي في نور الإبصار(٤٢٩) عدَّة فوائد، بعد إيراده لأخبار المهدي (ع) وقال: الخامسة أنَّه بعد أن تُعقد له البيعة بمكَّة، يسير منها إلى الكوفة، وثمَّ يُفرَّق الجند إلى الأمصار.
أقول: التعبير في الأخبار بالنجف ونجف الكوفة، والغري، والذكوات البيض بين الغريَّين، كلُّها تعبيرات عن منطقة واحدة هي مدينة النجف الأشرف الحالية، التي فيها مرقد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
ومسجد (السهلة) أحد مساجد الكوفة، يبعد عنها إلى جهة الشمال نحو كيلو متر واحد، بناه أحد أصحاب الإمام أمير المؤمنين (ع)، ويحتوي على عدَّة نقاط، روي أنَّها موضع صلاة عدد من الأنبياء والأولياء، والظاهر أنَّ أول مَن قام بتحديدها هو السيد مهدي بحر العلوم، من أبرز علماء الإمامية في القرن الثاني عشر الهجري، وهو أعلم بما قال وفعل.
منها: الموضع الذي يُعرف بمقام المهدي (ع)، الذي يروى أنَّ الإمام المهدي (ع) صلَّى فيه ركعتين في بعض عصور غيبته.
وأمَّا (جامع الكوفة) الكبير، الذي كان مركز قضاء الإمام أمير المؤمنين (ع) وصلاته وخطبه، وفيه الموضع الذي ضُرِب فيه ضربته التي توفِّي عنها... وكان له في التاريخ الإسلامي أثر كبير، فهذا الجامع غني عن التعريف.
(الجهة الثانية والجهة الثالثة حُذِفت من المُسودَّة)
الجهة الرابعة: هل هذه الروايات قابلة للإثبات بالنسبة إلى الأغراض التي سقناها من أجلها.
دلَّتنا هذه الروايات على عدَّة أشياء داخلة في حاجتنا وغرضنا:
أولاً: إنَّ المنطقة الرئيسية لوجود الإمام المهدي (ع) بعد مكَّة المُكرَّمة هي الكوفة (بالمعنى الشامل للنجف الأشرف).
وقد أصبح هذا المضمون مُستفيضاً بل مُتواتراً، بعد أن كان مرويَّاً من كلا الفريقين، ويدلُّ عليه هذا المجموع من الروايات، كما تدلُّ عليه الأخبار التي سمعناها لسفر المهدي (ع) وجيشه إلى الكوفة، وتدلُّ عليه أيضاً مجموعة أخرى من الأخبار التي تتحدَّث عن انجازات المهدي (ع) في الكوفة، ممَّا أجَّلنا الحديث عنه.
ثانياً: اجتماع المؤمنين في الكوفة نُصرة وتأييداً للإمام (ع).
وقد دلّ على ذلك عدد من الأخبار، ذكرنا أهمَّها، وهو عدد كافٍ للإثبات.
ثالثاً: إلقاء المهدي خطاباً أساسياً في مسجد الكوفة.
وهذا ما دلَّت عليه روايتان ممَّا سبق، روتهما ثلاثة من المصادر الإمامية القديمة، فإذا لاحظنا طبيعة الموقف تقتضي إلقاء هذا الخطاب، بحيث لو لم يرد له ذكر، لكان الأنسب عرضه كأُطروحة مُحتمَلة على أقلِّ تقدير، فكيف وقد ورد ذكره في الأخبار؟
إذن؛ يكون هذا الخطاب ثابتاً تاريخياً.
رابعاً: إنَّ الكوفة ـ والعراق على العموم ـ محكومة للسفياني، وإنَّه يقوم من المهدي (ع) – لأول مرَّة – موقف المُجاملة والمُلاينة، وهذا ثابت تاريخياً، كما سمعنا من أخبار السفياني السابقة، وما سيأتي من الأخبار التي تتحدَّث عن قتاله مع المهدي (ع)، وإن كانت أخبارنا في هذا الفصل لم تذكر ذلك بوضوح.
خامساً: إنَّ الشعب الكوفي والنجفي سيخضع للمهدي (ع) بسهولة ويؤيِّده بحرارة، وهذا واضح من مجموع الروايات، وقد تحدَّثت كلٌّ منها عن زاوية من نتائجه... إلى جانب مُناسبته مع طبع هذا الشعب وطبع الحوادث.
نعم، دلَّت إحدى الروايات أنَّ المهدي (ع) يُصلِّي بالناس صلاة الجمعة.
وهو أمر دلَّت عليه الروايات، وتقتضيه القواعد الفقهية الإسلامية أيضاً، كما لا يخفى على المُطَّلع، إلاَّ أنَّنا عرفنا أنَّه لا دليل على شرعة إقامته لهذه الصلاة... وإن كان الطلب منه لإقامتها سريعاً، نتيجةً لاندفاع الناس عاطفياً نحو الإمام المهدي (ع) وحُبِّهم له، واحترامهم إيَّاه، واعتبارهم له الحُجَّة بينهم وبين الله تعالى.
فقد تتأخَّر إقامتها إلى حين انتهاء بناء المسجد الكبير في النجف بين الغريَّين.
سابعاً: إنَّ المهدي (ع) يبدأ بغزو العالم انطلاقاً من الكوفة، وذلك بإرسال السرايا وبثِّ الجيوش المُتكاملة للقيام بهذه المُهمَّة.
وقد عرفنا ذلك تاريخياً، بعد وروده في مصادر كلا الفريقين، حتى اعتبره الشبلنجي أصلاً مُسلَّماً، كما عرفنا.
مضافاً إلى اقتضاء طبع الحوادث له، من حيث الحصول على القوَّة الكافية لهذا الهدف يومئذ، وعدم حصولها قبل ذلك، وخاصة بعد سيطرته على حُكم البلاد على وجه العموم، وأمَّا تأجيلها أكثر من ذلك فهو بلا موجب بعد حصول القوَّة الكافية، ووجود الضمانات الكافية للانتصار التي سنسمعها عمَّا قريب.
هذه هي أهمُّ الأمور التي أردنا التعرُّف عليها في هذا الفصل.

 

الفصل الثاني: في مقدار سعة مُلكه وشموله لكل العالم

 

ونتكلَّم عن ذلك ضمن عدَّة جهات:
الجهة الأُولى: في سرد الروايات الدالَّة على ذلك، والروايات المُندرجة تحت هذا العنوان على أقسام:
القسم الأول: ما يتكفَّل بيان ذلك بصراحة:
أخرج أبو داوود،(٤٣٠) بسنده عن أُمِّ سلمة، عن النبي (ص) قال: (يكون اختلاف عند موت خليفة... ـ إلى أن قال: ـ فيُقسِّم المال ويعمل في الناس بسنَّة نبيِّهم (ص) ويُلقي الإسلام بجرانه في الأرض).
وأخرج أيضاً،(٤٣١) عن أبي هريرة، عن النبي (ص) في حديث أنَّه قال: (ويُهلِك الله في زمانه المِلل كلَّها إلاَّ الإسلام).
وأخرج القندوزي،(٤٣٢) عن زرارة قال: سُئِل الباقر رضي الله عنه، عن قوله تعالى:
(... وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً...)(٤٣٣)، (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله).(٤٣٤)
قال: (لم يجيء تأويل هذه الآية، وإذا قام قائمنا بعد، يرى مَن يُدركه، ما يكون من تأويل هذه الآية. وليُبلِغنَّ دين محمد (ص) ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يكون شرك على ظهر الأرض، كما قال الله عزَّ وجلَّ). وعن عباب بن ربعي(٤٣٥) قال:
قال أمير المؤمنين على كرَّم الله وجهه، في هذه الآية: (والذي نفسي بيده، لا تبقى قرية إلاَّ نودي فيها بشهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً رسول الله، بُكرة وعشيَّاً).
وأخرج الصدوق في إكمال الدين،(٤٣٦) في الحديث المُسند عن النبي (ص) في كلام منقول عن الله تعالى يقول فيه: (لأُظهِرنَّ بهم ديني، ولأُعلينَّ بهم كلمتي، ولأُطهِّرنَّ الأرض بآخرهم – يعني آخر الأئمة المعصومين عليهم السلام – من أعدائي ولأُملِّكنَّهم مشارق الأرض ومغاربها... حتى يُعلِن دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي...) الخ الحديث.
وأخرج أيضاً،(٤٣٧) عن محمد بن مسلم الثقفي قال: سمعت: أبا جعفر محمد بن علي الباقر (ع) يقول: (القائم منَّا... يبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويُظهِر الله عزَّ وجل به دينه، على الدين كلِّه ولو كره الكافرون، ولا يبقى في الأرض خراب إلاَّ عُمِّر...) الخ الحديث.
وما أخرجه المفيد في الإرشاد،(٤٣٨) في حديث عن القائم (ع)، قال: (ولم يبقَ أهل دين حتى يُظهِروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان، أما سمعت قول الله سبحانه: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)(٤٣٩)...؟) الحديث.
وأخرج المجلسي في البحار،(٤٤٠) عن المُفضَّل بن عمر: قال الصادق (ع): (كأنِّي أنظر إلى القائم على منبر الكوفة، وحوله أصحابه ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً، عدَّة أهل بدر، وهم أصحاب الأولوية، وهم حُكَّام الله في أرضه على خلقه).
وفي حديث آخر،(٤٤١) عن جابر، عن أبي جعفر (ع) قال: (كأنِّي بأصحاب القائم وقد أحاطوا بما بين الخافقين، ليس من شيء إلاَّ وهو مُطيع لهم).
إلى أخبار أُخرى مُشابهة.
القسم الثاني: ما دلّ من الأخبار على أنَّ المهدي (ع) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
وهو خبر متواتر ـ كما سبق أن عرفنا ـ أخرجته الصحاح العامة والحفَّاظ، وأجمع رجال الحديث من الفريقين على صحَّته، وقد خرجناه في التاريخ السابق.(٤٤٢)
وقد ورد بألفاظ مُتقاربة وبمناسبات مُختلفة، بمعنى أنَّ النبي (ص) وقادة الإسلام (ع) كرَّروه مراراً، ولم يقتصروا على المرَّة والمرَّتين، ومن هنا كان مجموع النقول واضحة ومُتواترة.
والمراد من (الأرض) كل الأرض المعمورة بطبيعة الحال؛ إذ لا قرينة على ما دون ذلك.
القسم الثالث: تشبيه المهدي (ع) بذي القرنين، في سعة المُلك.
أخرج الصدوق في إكمال الدين،(٤٤٣) عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: (إنَّ ذي القرنين كان عبداً صالحاً، جعله الله حجَّة على عباده ـ إلى أن قال: ـ وإنَّ الله عزَّ وجلَّ سيُجري سنَّته في القائم من ولدي، ويُبلغه شرق الأرض وغربها، حتى لا يبقى منها موضعاً من سهل ولا جبل وطأه ذو القرنين إلاَّ وطأه... يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت جوراً وظلماً).
وأخرجه الطبرسي في إعلام الورى.(٤٤٤)
القسم الرابع: سيطرته على أقاليم الأرض جميعاً.
أخرج النعماني في الغيبة، بسنده(٤٤٥) عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي (ع) يقول: (لو قد خرج قائم آل محمد (ع)... ـ إلى أن قال: ـ يفتح الله له الروم، والصين، والتُّرك، والديلم، والسِّنْد، والهند، وكابل شاه، والخزر).
وأخرج الطبرسي،(٤٤٦) عن أبي بصير، عن أبي جعفر (ع) في حديث عن القائم (ع)، قال: (ويفتح قسطنطينية والصين وجبال الديلم...) الحديث.
ويندرج في هذا القسم ما ورد من توزيع المهدي (ع) أصحابه حكَّاماً على أقاليم الأرض، كما سوف يأتي في الحديث عن الشكل الإداري للدولة العالمية.
وهذه الأخبار بأقسامها الأربعة مُتواترة قطعية الصدق بالنسبة إلى المطلوب، وهو: عالمية الدولة المهدوية، وخاصة إذا التفتنا إلى أنَّ نتيجة التخطيط الإلهي العام تقتضي ذلك بعينه، كما سنذكر في الجهة الآتية.
وسنُحاول فَهْم تفاصيل هذه الأخبار بعد الحديث عن التخطيط الإلهي.
الجهة الثانية: اقتضاء التخطيط الإلهي العام عالمية الدعوة المهدوية.
سبق أن ذكرنا في هذا التاريخ، والذي قبله(٤٤٧) أنَّه يمكن أن ننطلق من قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ).(٤٤٨)
وآيات كريمة أُخرى في القرآن، إلى الاستدلال على أنَّ هدف وجود الخليقة عموماً إنَّما هو العبادة بمعناها الكامل الشامل الدقيق، وهو تطبيق العدل الكامل على الفرد والمجموع، المُتمثِّل بتفاصيل أوامر الله ونواهيه وإرشاداته بدقائقها على كل الخليقة: الإنس والجن.
وقد عرفنا ـ فيما يخصُّ الإنس والبشرية ـ أنَّها عاشت حقباً طويلاً من الدهر في التخطيط التربوي العام لها؛ لأجل تحقيق شرائط هذا الهدف وإيجاد المستوى اللائق به في المجتمع البشري.
وكان القائد الكبير المذخور لتحقيق هذا الهدف الكبير، هو الإمام المهدي الموعود عليه السلام، وهو الذي بشَّرت به الأديان ونادى به الإسلام، باعتبار أنَّ كلَّ الأديان السماوية ـ بما فيها الإسلام ـ إنَّما كانت واقعة في طريق ذلك الهدف الكبير، ومن ثمَّ لتحقيق شرائط قيادة المهدي (ع) ووجود دولته العالمية.
ومن ثَمَّ يتَّضح ـ بجلاء ـ أنَّ عمل المهدي (ع) وقيادته وأهدافه في البشرية هي الأهداف التي أرادها الله تعالى لخليقته من حين وجودها، وهي نتيجة جهود الأنبياء والأولياء والصالحين جميعاً، وهي تطبيق العدل الكامل والعبادة المحضة في ربوع المجتمع الإنساني (الإنس) كلهم، على ما نطقت به الآية الكريمة.
ولا يمكن أن يكون هذا الهدف ضيِّقاً ومُقتصراً على قوم دون قوم، ومجتمع ودولة دون دولة... فإنَّ نسبة البشرية إلى الخالق الحكيم وإلى الأهداف التي توخَّاها في خليقته، نسبة واحدة متساوية.
إذن؛ فالهدف يجب أن يكون عامَّاً شاملاً، وبشرياً بكل ما في هذه الكلمة من سعة وشمول.
إذن؛ فمن الطبيعي أن نفهم من الآية الكريمة نفسها: أنَّ دولة الإمام المهدي (ع) ستكون شاملة للإنس كلِّهم وللمُجتمع والبشرية كلِّها.
ولسنا الآن في حاجة إلى إعطاء التفاصيل لهذا التخطيط العام، بعد الذي عرفه قارئ الموسوعة، وما سوف يأتي في الكتاب الآتي تفصيل عميق لهذا التخطيط.
الجهة الثالثة: في إعطاء بعض الملحوظات التي تُساعد على فَهْم الروايات السابقة.
الملحوظة الأُولى: روايات القسم الأول التي سمعنا، صريحة في عالمية الدولة المهدوية، كقوله: (وليُبلِغنَّ دين محمد (ص) ما بلغ الليل والنهار، حتى لا يكون شرك على ظهر الأرض، ولا تبقى قرية إلاَّ نودي فيها بشهادة أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً رسول الله بُكرة وعشيَّاً).
والقرية هي كل منطقة مسكونة، وقد ورد في الرواية طبقاً للفهم القرآني حين يقول: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ).(٤٤٩)
والمقصود من الرواية: أنَّ كل المُدن على الإطلاق، سوف يُنادى فيها بالأذان الإسلامي المعهود.
وكذلك قوله: (يبلغ سلطانه المشرق والمغرب).
وقوله: (لأُملِّكنهم مشارق الأرض ومغاربها... حتى يُعلن دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي). إلى غير ذلك.
الملحوظة الثانية: إنَّ عقد المُقارنة بين سعة مُلك ذي القرنين، وبين سعة حكم المهدي (ع)، إنَّما هو باعتبار أنَّ ذي القرنين أكبر قائد عرفه التاريخ القديم، وسيكون المهدي أكبر قائد يعرفه التاريخ الحديث، وسيبقى الفرق بين هذين القائدين هو الفرق بين العهدين، وما يحتويانه من إمكانيات معنوية ومادِّية.
وليس المراد بهذه المقارنة تشابه المقدار الذي يفتحه المهدي (ع) مع المقدار الذي فتحه ذو القرنين، ليخطر على البال: أنَّ مُلك المهدي لا يزيد على ذلك، ولا يستوعب العالم كله؛ لأنَّ ذا القرنين لم يستوعب بمُلكه العالم كلِّه على أيِّ حال.
إنَّ النصوص التي سمعناها في الملحوظة الأُولى، صريحة في عالمية الدولة العالمية، مضافاً إلى اقتضاء التخطيط الإلهي العام لذلك، فتكون قرينة على أنَّ المراد من التشبيه هو مُجرَّد السعة والشمول دون التحديد.
وليس في الرواية دلالة على الانحصار؛ فإنَّها قالت: (حتى لا يبقى منهلاً ولا موضعاً وطأه ذو القرنين إلاَّ وطأه)، وهذا صادق مع استيعاب الحُكم المهدوي للعالم، فإنَّ مناطق (ذي القرنين) تقع (ضمن الحُكم المهدوي) بطبيعة الحال.
فالتحديد المروي يعني أنَّ المهدي (ع) لا يطأ، أي لا يفتح مقداراً أقلَّ من ذلك، بل يفتح هذا المقدار الذي فتحه ذو القرنين، وقد يزيد المهدي (ع) على ذلك بكثير، وليس في الرواية ما يدلُّ على نفي ذلك، فإذا دلَّ على هذه الزيادة دليل كافٍ، كالروايات من القسم الأول والتخطيط العام، كانت عالمية الدولة المهدوية أمراً ثابتاً، بل قطعيَّاً.
الملحوظة الثالثة: نصَّت روايات القسم الرابع على أسماء بقاع مُعيَّنة في العالم، يستولي عليها الإمام المهدي (ع) ضمن دولته العالمية، وهي ـ بلسان كلا الروايتين ـ: الروم، والصين، والديلم، والتُّرك، والسند، والهند، والقسطنطينية، وكابل شاه، والخزر.
وهذا أكبر استيعاب ممكن لمناطق العالم، بحسب مستوى الفهم العام للمجتمع حال صدور هذه النصوص، الفهم الذي لم يكن ليُساعد على تعداد ما هو أكثر من ذلك.
وفي الحقيقة، أنَّ هذه المناطق إنَّما ذُكرت لإعطاء الانطباع عن سعة فتح الإمام المهدي (ع) ودولته... وسيقت كأمثلة لذلك، لا على وجه التعيين، ومعه فيُمكن استفادة فَهْم الانحصار بهذه المذكورة، وكيف يمكن فَهْم الانحصار مع قيام الدليل القطعي الذي عرفناه على خلافه.
ومن هذه الأمثلة نعرف سعة حكم المهدي (ع) على ذي القرنين، فإنَّ المعروف أنَّ ذا القرنين لم يحكم الصين ولا الروم،(٤٥٠) وإنَّما حاربهم، على حين أنَّ المهدي سوف يُسيطر على ذلك سيطرة تامَّة.
والمراد بالروم في الرواية، طبقاً للفهم المُعاصر لصدورها، معناه الشامل للإفرنج كلِّهم، أعني أوروبا عموماً، وقد يشمل قادة أمريكا أيضاً، لا أنَّهم من عنصر بشري مُشابه، أي أنَّهم من الإفرنج بالمعنى العام.
والمراد بالصين المنطقة المعروفة في شرق آسيا... الشاملة للقسم المحكوم للشيوعيين اليوم، والقسم المحكوم لأمريكا وللصين الوطنية، والشامل لليابان أيضاً.
والمراد بالديلم وجبال الديلم، المناطق التي تقع الآن في (جنوب الاتِّحاد السوفيتي)، والتي تحتوي على أكثرية مسلمة، فإنَّ نسبة الديالمة في التاريخ إلى تلك المنطقة، وقد تُسمَّى بمنطقة ما وراء النهر في بعض التواريخ.
وأمَّا الهند فمعروفة، إلاَّ أنَّ المقصود منها ما يشمل باكستان أيضاً؛ لكونهم ممَّا يصدق عليهم اسم الهند لغةً بطبيعة الحال.
وأمَّا السند، فالمراد به ما يُسمَّى اليوم بجنوب شرقي آسيا، بما فيها أندونيسيا وفيتنام ولاوس وغيرها.
والمراد بالقسطنطينية، مدينة استانبول، التي هي الجزء الأوروبي من تركيا، وهي ترد ـ عادة ـ في لسان الروايات كأقوى مدينة في العالم القديم، بحيث يكون فتحها نقطة استراتيجية مُهمَّة في حركة القيادة العالمية، وإنَّما تكتسب أهمِّيتها باعتبارها إحدى المداخل الرئيسية لأوروبا الشرقية.
ومن هذا المنطلق، ورد التبشير في الروايات بشمول الفتح الإسلامي للقسطنطينية، وبات مُنتظَراً عدَّة قرون، حتى تحقَّق على يد (العثمانيين)، وبذلك اكتسبوا أهمِّية كبيرة بصفتهم المُطبِّقين لذلك التبشير الإسلامي، وقد عرضنا ذلك في التاريخ السابق،(٤٥١) وسيفتحها المهدي (ع) مرَّة أُخرى.
وكابل شاه، هي عاصمة مملكة الأفغان الحالية، وفتحها يعني فتح المنطقة كلِّها بطبيعة الحال، وشُهرتها على (كابل)، وأُضيفت إلى الشاه إمَّا باعتبار أنَّها الاسم القديم لها، وباعتبار عاصمة دولة ملكية... والشاه هو الملك عندهم.
والخزر، هو المنطقة المجاورة لبحر الخزر، المعروف ببحر قزوين من الشمال... الذي يحكم أغلب شواطئه الآن دولة الاتِّحاد السوفيتي، وقد اختصَّت إيران بقسم من شواطئه الجنوبية.
ومن هنا؛ نعرف أنَّ هذه المناطق شاملة لكل العالم المعروف، والمسكون في عصر صدور هذه الروايات، ولم يكن من المعقول التصريح بما يزيد عليه، فإنَّه يكون مُخالفاً للمستوى الثقافي والعقلي للسامعين في ذلك العصر.
وهو يكاد يستوعب كل قارَّة أروربا وآسيا، وقد يشمل ـ بشكل وآخر ـ أمريكا الشمالية أيضاً.
وقد سكتت هاتان الروايتان عن أفريقيا وإستراليا وأمريكا الجنوبية والقطبين؛ لما قلناه: من أنَّ تسميتها كانت غير مناسبة مع مستوى السامعين.
وهذا صادق في غير الشمال الإفريقي (بالمعنى الشامل لمصر)، والحبشة (بالمعنى الشامل للسودان والصومال أيضاً)؛ فإنَّه كان معروفاً للمجتمع يومئذ؛ فيكون دليل شمول الحُكم المهدوي لها ثابتاً بالقسم الأول من الروايات ودلالة التخطيط العام.
وإذا نظرنا إلى هذه البلاد المذكورة من زاوية حالها الحاضر، أمكننا أن نعرف كيف أنَّها تحتوي على مناطق إفرنجية رأسمالية صرفة، وعلى مناطق شيوعية صرفة، وعلى مناطق مُستعمرة للشرق الشيوعي... ممَّا يؤكِّد ما قلنا عن استقلال أيديولوجية المهدي (ع) عن هذه الأيديولوجيات السائدة في عصر الغيبة.
ويؤكِّد ـ بكل وضوح ـ أنَّ المهدي (ع) سوف يأتي مُحارباً للمادِّية بكل أشكالها وأحوالها، وللفساد القانوني والأخلاقي بكل عناوينه وشعاراته.
وهو أيضاً يؤكِّد ـ في نفس الوقت ـ مقدار القوى التي ستُقابل المهدي (ع) في هذا العالم وأهمِّية العمل القيادي الذي سوف يتكفَّله، وهذا ما سنعرفه في الفصل الآتي وفي ضمانات النصر.
فإنَّ المُهمَّ بعد الآن، هو أن نعرف بوضوح كيفيَّة حصول المهدي (ع) على هذا الهدف الضخم، الذي لم يسبق له الوجود في تاريخ البشرية كلها، وما هي ضمانات الانتصار في هذا الهدف.

 

الفصل الثالث: ضمانات انتصار المهدي (ع)

 

ونريد بهذه الأسباب التي تتوفَّر للإمام المهدي (ع) حين ظهوره، فتوجب له تحقُّق النصر الأكيد السريع، الذي يسيطر به على كل المجموعة البشرية.
وهي لا شكَّ ضمانات أكيدة وشديدة وواسعة، يوفِّرها الله تعالى للمهدي (ع)؛ لكي تكون بمجموعها سبباً لإنجاز هذا القائد العظيم الهدفَ الأسمى من وجود البشرية.
تمهيد:
قد يخطر في الذهن: أنَّه لا حاجة إلى البحث عن الضمانات وتفاصيلها، بعد أن كنَّا نعلم أنَّ إرادة الله هي الضمان الوحيد لنصر الإمام المهدي (ع)، الذي جعله القائد الكبير لتطبيق الهدف الكبير والقيام بدولة الحق في آخر الزمان.
وجواب ذلك: أنَّ إرادة الله عزَّ وجلَّ هي الضمان الوحيد للنصر، وهذا صحيح بكل تأكيد، ولا يوازيها أيُّ عامل آخر.
ولكنَّ هذا لا ينافي البحث عن الطريقة التي يريد بها الله تعالى نصر مهديِّه الموعود، في حدود الإثباتات والأدلة المُتوفِّرة، فإنَّ الأسلوب الذي يريده الله تعالى أسلوباً لانتصار المهدي (ع)، يُحتمل فيه عدَّة أُطروحات.
الأُطروحة الأُولى: الانتصار بالطريقة الإعجازية الكاملة.
وهي الأُطروحة التي يذهب إليها الفكر التقليدي لدى المسلمين؛ ولذا استنتجوا: أنَّ الإمام (عليه السلام) يحصل على الأسلحة بطريق المعجزة، وأنَّ الأسلحة لا تعمل ضدَّ جيشه، وأنَّ الأعداء لا يمكنهم الكيد ضدَّه، بمعنى أنَّهم سوف يُصرَفون ذهنياً عن استنتاج الطرق العسكرية والاجتماعية المؤثِّرة ضدَّ الكيان المهدوي.
غير أنَّنا نأسف لعدم إمكان الالتزام بهذه الأُطروحة؛ لأنَّ الدليل الصحيح القطعي قائم على دحضها وتفنيدها، فإنَّها تواجه عدَّة اعتراضات مُهمَّة نذكر منها ما يلي:
الاعتراض الأول: لو كان الإعجاز طريقاً صحيحاً للدعوة الإلهية، لأمكن للمهدي (ع) خلال غيبته الصغرى السيطرة الكاملة على العالم، بالرغم من جبروت العباسيين والفرس والروم يومئذ، فيملؤها قسطاً وعدلاً بعد أن مُلِئت ظلماً وجوراً، بل لأمكن لنبي الإسلام (ص) – وهو خير البشر – تحقيق هذا الهدف، ولما احتاج إلى بذل الجهود المُضاعفة في نشر الهدى والعدل، ومقاتلة المشركين، ولما انتهى الأمر إلى مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) وأهله وأصحابه في سبيل الهدى والعدل، في واقعة كربلاء الدامية المعروفة.
وإذا أمكن إنجاز الهدف البشري الكبير في وقت أسرع، كان تأخيره ظلماً للبشر، والظلم غير ممكن من الحكمة الإلهية الأزلية؛ فيجب تقديم الموعد بمقدار الإمكان.
والسرُّ الأساسي في هذا التأجيل ما عرضناه مُفصَّلاً في التاريخ السابق،(٤٥٢) من أنَّ طريق الدعوة الإلهية لا يقوم على المعجزات؛ لأنَّ الهدى والعدل الناتج عن المعجزات أقلُّ وأضحل من الهدى والعدل الناتج عن طرقه الطبيعية؛ ومن هنا كانت كل نتيجة يمكن تحقيقها بالطرق الطبيعية، فإنَّها لا توجد عن طريق المعجزة، بل يوكَل أمرها إلى تلك الطرق مهما طال بها الزمن، لا يُستثنى من ذلك إلاَّ قيام المُعجزة عند انحصار السبب بها انحصاراً مطلقاً.
وحيث كان الهدف البشري العام الموعود، يمكن إيجاده بالطرق الطبيعية، وكانت هذه الطرق تحتاج في فعالياتها إلى طول الزمان ـ كما سبق أن عرضناه هناك ـ إذن؛ فقد تعيَّن تأجيل الموعد إلى حين وجوده بالسبب الطبيعي.
ولمَّا عرفنا من ذلك، بنحو القاعدة العامة، أنَّ طريق الدعوة الإلهية، ليس بطريق إعجازي، فهذا لا يختلف فيه الحال ما بين عصور ما قبل الظهور، وعصور ما بعده. وبتعبير آخر: لا يختلف فيه الحال بين المُقدِّمات البعيدة لإنجاز الهدف البشري، والمُقدِّمات القريبة منه، وعصر ما بعد انجازه، فإنَّ سنَّة الله تعالى في خلقه لا تختلف على كلِّ حال.
ومن هنا لا يمكن الالتزام بأنَّ سيطرة المهدي (ع) على العالم تكون بطريق إعجازي مطلق.
الاعتراض الثاني: أنَّ افتراض الإعجاز في انتصار الإمام المهدي (ع) على العالم، ممَّا تنفيه أعداد كبيرة من الأخبار:
أولاً: الأخبار الدالَّة على أنَّ أصحابه الخاصة ثلاثمئة وثلاثة عشر؛ إذ مع المعجزة لا حاجة إلى أيِّ واحد منهم.
ثانياً: الأخبار الدالَّة على أنَّه يخرج من مكَّة بعشرة آلاف... إذ مع المعجزة أمكن أن يخرج بعشرة ملايين.
ثالثاً: الأخبار الدالَّة على سفره من مكَّة إلى الكوفة، إذ بالمعجزة يمكن الوصول إلى الكوفة فوراً.
رابعاً: الأخبار الدالَّة على إلقاء خُطبته في مكَّة، وإلقاء خطاب آخر بالكوفة؛ إذ يمكن بالإعجاز إيصال هذه المعاني إلى أذهان الناس بدون كلام!
خامساً: الأخبار الدالَّة على مقاتلته للسفياني، وقتله إيَّاه؛ إذ مع المعجزة تكون الحاجة إلى هذا الجهد مُنتفية.
سادساً: الأخبار الدالَّة على أنَّ المهدي (ع) يقتل المُنحرفين بكثرة، يضع السيف فيهم ثمانية أشهُر بدون انقطاع ـ كما سيأتي ـ وهذا لا حاجة له مع إمكان إنجاز ذلك بالمعجزة بين عشيَّة وضحاها، وطَرفة عين.
بل أنَّ نفس ظهور المهدي (ع) ممَّا لا حاجة إليه، لو آمنا بتأثير المعجزة إيماناً مطلقاً؛ إذ يمكن له إصلاح العالم، في حال غيبته، بل في نفس وجود المهدي (ع) يبقى أمراً مُستأنفاً، إذ يمكن لله أن يُصلح العالم بدون قائد ولا قيادة ولا حروب، قال الله تعالى: (... وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً...).(٤٥٣)
(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ).(٤٥٤)
فكل ما دلَّ على وجود الإمام المهدي (ع) وعلى ظهوره، يُنافي مع فكرة الإعجاز المطلق.
إذن؛ فالأُطروحة الأُولى قطعيَّة البطلان.
الأُطروحة الثانية: إنَّ الله تعالى يريد نصر الإمام المهدي (ع) على حدِّ إرادته لسائر الأشياء في الكون، بمعنى أن يوكِل الله انتصاره إلى القوانين الطبيعية إيكالاً كاملاً، بدون أيِّ زيادة ورتوش من تأييد وتخطيط.
وهذه الأُطروحة أيضاً لا يمكن الالتزام بصدقها صدقاً كاملاً، بالرغم من صحَّة القول: بأنَّ السير على طبق القوانين الكونية هو الأسلوب (العام) في عمل المهدي (ع)، غير أنَّ التمحُّض في ذلك، ونفي التأييد والتخطيط الإلهيين يواجه عدَّة اعتراضات.
الاعتراض الأول: أنَّ التاريخ السابق على الظهور الذي دلَّنا عليه التخطيط الإلهي العام، دالٌّ بوضوح على وجود العناية والتأييد الخاصَّين بالمهدي (ع) ويومه الموعود.
فهناك التخطيط لإيجاد الشرط الأول من شرائط اليوم الموعود، التي عرفناها في التاريخ السابق،(٤٥٥) وهو جود الأُطروحة العادلة الكاملة معروفة بين الناس، وقد تمَّ هذا التخطيط ووجِدت الأُطروحة مُتمثِّلة بالإسلام كما عرفنا هناك.
وهناك التخطيط لإيجاد الشرط الثالث، وهو العدد الكافي لغزو العالم بالعدل... الذي عرفنا أنَّ التمحيص، ومرور البشرية في ظروف الظلم والتعسُّف ردهاً طويلاً من الزمن من أهمِّ أسبابه.
وهناك التخطيط لإيجاد الشرط الثاني، وهو صفة القيادة العالمية المُثلى، مُتمثِّلة بشخص الإمام المهدي (ع)... الأمر الذي عرفنا للغيبة الطويلة ـ أعني لطول العمر ـ دخلاً كبيراً في التسبُّب إليه.
وهناك التخطيط بإيجاد الغيبة نفسها، التي كان لا بد أن يقترن طول العمر بها حفاظاً على القائد المذخور ليوم العدل الموعود.
وهناك علامات الظهور القريبة، التي سمعناها في هذا التاريخ، وأهمُّها الخسف والخسوف والكسوف في غير أوانه، وهي علامات إعجازية.
وقد يخطر في الذهن: أنَّ أكثر هذه الأمور التي عرضناها هي ـ في واقعها ـ أمور (طبيعية) تحدث طبقاً للقوانين العامة في الكون، وليست إعجازية، حتى (الغيبة) طبقاً للفهم الذي رجَّحناه في التاريخ السابق،(٤٥٦) وهو (أُطروحة خفاء العنوان)، فلا تكون هذه الأمور دالَّة على وجود العناية والتأييد الإلهيين.
وجواب ذلك: أنَّها أمور (طبيعية) بكل تأكيد، ولكنَّها تدلُّ على العناية والتأييد، بكل تأكيد أيضاً، فإنَّ القوانين الكونية بوجودها الخالص، لا تقتضي هذه الأمور اقتضاء ضرورياً، لتكون هذه الأمور (طبيعية) خالصة، بل هي محتاجة إلى التخطيط المُتعمد المرتَّب.
وكان السبب في هذا التخطيط المتعمد ـ كما عرفنا هناك وكما سيأتي مزيد البرهان عليه في الكتاب القادم... ـ هو التسبيب لأجل إيجاد الغاية التي خلق الكون والبشرية خصوصاً من أجلها، وهو الكمال الفائق والعبادة الخالصة.
وإرادة الخالق وقدرته، يمكنها أن تعطف اتجاه القوانين الكونية إلى حيث تريد، من دون أن تتغيَّر قوانينها ودقَّتها، فقد عطفتها باتجاه إيجاد الغاية من الخلق؛ ومن هنا وجِدت فكرة التخطيط المُتعمد المرتَّب.
إذن؛ فهذه الأمور (طبيعية)، وهي في نفس الوقت تدلُّ على العناية والتأييد الإلهيين.
الاعتراض الثاني: إنَّ التاريخ اللاحق للظهور، الذي دلَّت عليه الروايات التي سمعناها والتي سنسمعها، يتضمَّن ـ بوضوح ـ العناية والتأييد الإلهيين.
فمن ذلك: اجتماع أصحاب الإمام المهدي (ع) عند أول ظهوره، وتتابعهم في الوصول إليه بعد ذلك، وهم يصلون بطريق (طبيعي)، ولكنَّ تركيز عواطفهم باتجاه نصر المهدي (ع) وتأييده... لطف وعناية، ناتج عن التخطيط العام السابق على الظهور.
ومنه: كون المهدي (ع) مُنتصراً في كل حروبه، ضدَّ أيِّ عدوٍّ، عظيماً كان وحقيراً.
ومنه: ما سنسمعه من نُصرة الملائكة للمهدي (ع)، وقد وردت في ذلك روايات عديدة سنرويها.
ومنه: سيطرته على العالم كله، وهو هدف لم يتحقَّق على يد أيِّ قائد سابق، ظالماً كان وعادلاً.
ومنه: تجاوب (الطبيعة) مع العدل الساري في دولته، بالمعنى الذي سنذكره.
وغير ذلك من النقاط التي تدلُّ ـ بوضوح ـ على العناية والتأييد، ممَّا ذكرنا وسنذكر إثباتاته الكافية... وبعضها ترقى إلى رتبة اليقين لكل مؤمن بفكرة المهدي أساساً.
ومعه؛ فالأُطروحة الثانية القائلة بإيكال أمر الإمام المهدي (ع) إلى القوانين الكونية إيكالاً كاملاً... لا يمكن أن تكون صحيحة.
الأُطروحة الثالثة: وهي المُتعيِّنة بعد نفي الأُطروحتين السالفتين:
إنَّ الإمام المهدي (ع) ينتصر طبقاً للطريق (الطبيعي)، ولا يمكن أن تكون المعجزة سبباً قهريَّاً لانتصاره، غير أنَّ هذا الطريق (الطبيعي) مُطعَّم بالتأييد الجزئي وغير القهري من قِبل الله عزَّ وجلَّ؛ باعتبار أنَّ دولة الإمام المهدي (ع) هي النتيجة الكبرى لوجود البشرية وجهودها وتضحياتها.
تماماً كما أيَّد الله نبيه (ص)... وأوضح أشكال هذا التأييد الذي لا يمكن أن يُنكره مُنكر، هو وصول الجيش الإسلامي القليل العدد والعدَّة، إلى مناطق شاسعة من الكُرة الأرضية في أقلِّ من نصف قرن، ولازال الإسلام ـ بالرغم من تكالب الجهود الدولية على طمسه والإجهاز عليه ـ باقياً في توسُّع وانتشار، وإن كان أبطأ من السابق بطبيعة الحال.
هذا، إن صرفنا النظر عن انتصار النبي (ص) في كل حروبه، وتأييده بالملائكة، وبالقرآن الكريم، ولماذا نصرف النظر عن ذلك؟!
وبعد هذا التمهيد، لابدَّ لنا من التعرُّض إلى صُلْب الموضوع في هذا الفصل، وهو عرض أسباب وضمانات النصر للإمام المهدي (ع)... تلك الضمانات التي تُهيِّئ له البيئة المناسبة لسرعة وسهولة سيطرته على العالم بالعدل، بالرغم من أهمِّية هذه المُهمَّة وجسامة مسؤولياتها، وأمَّا كيفيَّة وأساليب الخطط العسكرية والمفاهيم الفكرية التي يستعملها المهدي (ع) خلال عمله، فهذا ممَّا لا يمكن الاطِّلاع عليه إلاَّ للفرد المُعاصر لذلك الزمن... سوى بعض الأمور القليلة التي سنذكرها بعد ذلك.
وهذه الضمانات يرتبط بعضها بالتخطيط العام للعصر السابق على الظهور، بمعنى أنَّها من نتائجه بشكل وآخر.
وبعضها راجع إلى تخطيط خاص مُتَّخذ يومئذ لكي يوصل إلى نتائج مُعيَّنة؛ ومن هنا لا بد من وقوع الحديث في قسمين من الضمانات:
القسم الأول: الضمانات الناتجة عن التخطيط العام السابق على الظهور:
وهي ضمانات عديدة، أكثرها منصوص في الروايات بوضوح:
الضمان الأول: فشل الأنظمة السابقة على الظهور، واتضاح زيفها وظلمها لدى الناس
فقد قلنا في تاريخ الغيبة الكبرى:(٤٥٧) إنَّ من جملة النتائج التي يتمخَّض عنها التخطيط العام السابق على الظهور، هو مرور كل المبادئ التي تدَّعي لنفسها حلَّ مشاكل البشرية وتذليل مصاعبها... بتجارب طويلة الأمد، ينكشف في نهاية المطاف زيفها، وجهات القصور والنقص والظلم فيها... ذلك النقص الذي تتضمَّنه بالضرورة؛ باعتبارها بنت العقل البشري القاصر، المُقيَّد في حدود العاطفة والزمان والمكان، هذا النقص الذي لا يبرز للعيان بعد التجربة والامتحان.
وتمرُّ المبادئ في خضمِّ التجارب ـ واحدة بعد الأُخرى ـ أمام الرأي العام العلمي، وبمرأى ومسمع من الجميع، الصديق والعدوِّ، والموافق والمُخالف... حتى يظهر زيفها وظلمها، ومخالفتها للمصالح العامة والخاصة، أمَّا الجميع وهذا ما نعيشه فعلاً بتاريخنا الحاضر، الذي كشف لرأي العام العالمي عن عدد من المبادئ التي تدَّعي حلَّ مشاكل العالم.
وإذا تهاوت كل التجارب على صخرة الواقع، يحدث عند البشر عموماً يأس نفسي قاتل من المبادئ المعروضة كلها، وإحساس عميق بأنَّها غير قابلة لرفع المظالم عن كاهل البشرية، وإبدالها بالسعادة والرفاه، لكنَّ خيط الخير وومضة النور، تبقى تعتمل في صدور الناس بشكل غامض عميق الغموض، إنَّ خيط الأمل بالسعادة سوف لن ينقطع.
وينبعث أمل غامض بأنَّ هناك مبدأً مجهولاً عادلاً، يمكن أن يضمن للبشرية سعادتها ورفع المشاكل من ساحتها، ويزداد الأمل أصالة ووضوحاً كلَّما ازداد الإحساس بفشل المبادئ المعروضة في العالم.
لا يختلف في هذا الأمل، مؤمن عن كافر... فإن الكل يحسون بالظلم وإن كانوا مُشاركين في إيجاده، وكلُّهم يشعرون بمرارته وقساوته، كما أنَّ الجميع سيعرفون فشل المبادئ المعروضة لحلِّ مشاكلهم، وأنَّها إنَّما أضافت إلى الظلم ظلماً، وإلى المشاكل مشاكل.
فتنعكس هذه الأحاسيس على شكل تصوُّر لا شعوري مُجمل، يتضمَّن انبثاق المبدأ المؤهَّل لإيجاد السعادة في يوم من الأيام، ويُصبح البشر على العموم في حال انتظار غامض لهذا الغد السعيد المنشود... تماماً كما ينتظر المؤمن ظهور المهدي (ع) انتظاراً واضحاً.
وانطلاقاً من هذه الزاوية بالذات، سوف يتلهَّف الناس ويلتفتون بكل إخلاص يملكونه، ومَن منهم لا يُخلص لمصلحته وسعادته؟!.. إلى أول صوت صريح يدَّعي وجود حلٍّ جديد لمشاكل البشرية، وسبب جديد لنشر السعادة في ربوعها.
سيقول المؤمن: هذا هو أملي الذي كنت أعرفه، وانتظره بوعي ووضوح.
وسيقول الكافر: هذه تجربة خيِّرة البوادر، لعلَّها تُنقذ البشرية وتُحقِّق آمالها المنشود، وسيقول المهدي (ع): أنا المُصلح المُنتظَر.
فيُجيبه العالم: أنت المُصلح المُنتظر...!
وهذا ليس بدعاً من الأمر... بعد أن اعتادت البشرية أن تستقبل كل مبدأ جديد يريد حلَّ مشاكل العالم، بصدر رحب وحُسن نيَّة، لعلَّه هو الذي يكون المبدأ المنشود الذي يُحالفه التوفيق لإنجاز الغد السعيد...
وحين تبوء تجاربه بالفشل، تستقبل المبدأ الآخر بصدر رحب أيضاً، فما سيكون حالها حين تفشل كل التجارب المعروضة والأُطروحات المُحتملة، إنَّ يأسها من هذه الأُطروحات سوف يتركَّز، وأملها بالغد السعيد سوف يتَّضح، وصدرها تجاه المبدأ الجديد والأُطروحة الجديدة سيكون أرحب وحسب ظنِّها أكثر.
تلك هي الأُطروحة العادلة الكاملة، التي سيجدها الناس لأول وهلة فوقاً شاسعة بينها وبين أيِّ واحد من المبادئ السابقة الفاشلة، الأمر الذي يجعل الأمل في نجاحها في إنجاز الغد السعيد المأمول، واضحاً ومنطقياً أكثر من أيِّ مبدأ آخر.
ومن هنا، حين يقول القائد المهدي (ع) أنا المُصلح المُنتظر.
سيُجيبه العالم: أنت المُصلح المُنتظر.
ومن هنا يتولَّد الضمان الأول لانتصار المهدي (ع).
وهذا ما أشارت إليه الأخبار التي سبق أن روينا قسماً منها في التاريخ السابق.(٤٥٨)
أخرج المفيد في الإرشاد،(٤٥٩) والطبرسي في الإعلام،(٤٦٠) عن عقبة، عن أبيه قال: (إذا قام القائم حَكَم بالعدل... ـ إلى أن قال: ـ إنَّ دولتنا آخر الدول، ولم يبقَ أهل بيت لهم دولة إلاَّ ملكوا قبلها؛ لئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء وهو قوله تعالى: (... وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)).
وأخرج الشيخ في الغيبة،(٤٦١) بسنده عن أبي صادق، عن أبي جعفر (ع)، قال: (دولتنا آخر الدول)، وساق الحديث.
أقول: وهذا الخبر قرينة على أنَّ القائل في ذلك الخبر هو الإمام الباقر نفسه.
وأخرج النعماني في الغيبة،(٤٦٢) بسنده عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (ع)، أنَّه قال: (ما يكون هذا الأمر، حتى لا يبقى صنف من الناس إلاَّ وقد ولوا من الناس؛ حتى لا يقول قائل: إنَّا لو ولينا لعدلنا، ثمَّ يقوم القائم بالحق والعدل).
وهو صريح في مرور المبادئ التي تدَّعي حل مشاكل العالم، بالتجارب واحدة بعد الأُخرى عن طريق تسلُّمها زمام الحكم في منطقة من العالم، صغيرة وكبيرة، وستفشل لا محالة فيما تدَّعيه، وسيسود بدل العدل المطلوب الظلم والفساد في مناطقها المحكومة لها؛ ومن هنا لا تستطيع أن تدَّعي عند قيام حكم المهدي (ع) ونظامه العادل: أنَّنا (إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة هؤلاء)، وتقول: (إنَّا لو ولينا لعدلنا)؛ لأنَّ مثل هذا الادِّعاء سوف يكون مُعرَّىً عن الصحَّة أمام الجميع، بعد أن أثبتت التجارب بمرأى ومسمع من الرأي العالمي فشلها وزيفها، فيُقال لهم بوضوح: إنَّكم باشرتم الحُكم، ولم تسيروا بمثل هذه السيرة العادلة، ولو كان عندكم رأي واتجاه أعمق ممَّا مارستموه خلال حُكمكم، لظهر يومئذ لا محالة.
ويُقال للرأي العام: إنَّكم جرَّبتم هذه المبادئ، وعشتم قساوتها وظلمها، وأملتم زوالها وتبدُّلها إلى العدل، فها هو العدل قد جاء ليُخرجكم من الظلمات إلى النور، ويهديكم إلى الصراط المستقيم.
وهذا هو قول الله تعالى: (... وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).(٤٦٣)
أي أنَّ نهاية المطاف في التخطيط العام للبشرية، هو حكم المُتَّقين الأخيار حملة العدل الكامل والعبادة الخالصة إلى الناس.
الضمان الثاني: ضعف الدول السابقة على الظهور، وال