فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » النظرية المهدوية في فلسفة التأريخ
 كتب أخرى

الكتب النظرية المهدوية في فلسفة التأريخ

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الأسعد بن علي قيدارة تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٤/٠٤/٠٦ المشاهدات المشاهدات: ١٢٥٢٤ التعليقات التعليقات: ١

النظرية المهدوية في فلسفة التأريخ

تأليف: الأسعد بن علي قيدارة
مركز الأبحاث العقائدية
سلسلة الرحلة إلى الثقلين (٤١)

الفهرس

مقدّمة المركز
بين يديّ المقدّمة
المقدّمة
مقدّمة المؤلّف
الفصل الأول فلسفة التاريخ: المفهوم والأبعاد
تمهيد
القسم الأول: التاريخ النقلي
القسم الثاني: التاريخ النقدي
القسم الثالث: فلسفة التاريخ
القرآن والمادّة التاريخية
موضوع فلسفة التاريخ ومسائلها
الغاية من فلسفة التاريخ
فلسفة التاريخ ضرورة عقائدية
فلسفة التاريخ وتراكم الخبرة الإنسانية
فلسفة التاريخ وخطورة الوعي المزيف
فلسفة التاريخ والتحدّيات الراهنة
الفصل الثاني عقيدة المخلّص في التراث الإنساني
أوّلاً: المخلّص في الأديان
ديانات المصريين القدامى
ديانة اليونان
الديانة الهندوسية
الديانة الجانتية
البوذية
الزرادشتيه
اليهودية
المسيحية
ثانياً: المخلّص في الفكر الفلسفي
جمهورية أفلاطون
مدينة الفارابي
ثالثاً: المخلّص في التاريخ السياسي الإسلامي
رابعاً: المخلّص في النظريات الوضعية
النظرية الأولى: القانون هو المخلّص
النظرية الثانية: التقدّم العلمي هو المخلّص
النظرية الثالثة: الماركسية واليوم الموعود
النظرية الرابعة: فوكوياما ونهاية التاريخ
خامساً: النظرية الإسلامية والمخلّص الواقعي
الفصل الثالث فلسفة التاريخ في المنظور الإسلامي العام
الشمولية
الواقعية
التعالي
الموضوعية
الإنسانية
الحركية والرسالية
الأسس العامة
أوّلاً: غاية التاريخ
ثانياً: العوامل المؤثرّة في حركة التاريخ
أوّلاً: الله سبحانه وتعالى والتاريخ
العامل الثاني: الإنسان
العامل الثالث: النظام التكويني
العامل الرابع: النظم الاجتماعية السياسية
العامل الخامس: قوانين التاريخ
الأساس الثالث: سنن التاريخ وقوانينه
النموذج الأوّل: حتمية الأجل للأمم
النموذج الثاني: حتمية انتصار الحقّ وظهوره على الباطل
النموذج الثالث: قانون الاستبدال
النموذج الرابع: نصرة الله من ينصره وأنّ النصر بمقدار ثبات المؤمن
النموذج الخامس: حتمية البلاء
النموذج السادس: الترابط والملازمة بين العدل الاجتماعي والرفاه الاقتصادي
النموذج السابع: العاقبة للمتقين، والأرض يرثها الصالحون والمستضعفون
الأساس الرابع: مراحل التاريخ
أوّلاً: مرحلة خلق آدم عليه السلام وحضانته
تفضيل آدم على الملائكة
العداء بين إبليس والإنسان
هبوط آدم على الأرض وبدء حركة التاريخ
المرحلة الثانية: مرحلة الفطرة أو الوحدة
المرحلة الثالثة: مرحلة الاختلاف والتشتت
المرحلة الرابعة: مجتمع الصالحين أو المتقين
الأساس الخامس: المستقبل البشري
الفصل الرابع: أصول الوعي التاريخي من منظور مهدوي
الأصل الأوّل: عقيدة المهدي وسنن التاريخ
الأصل الثاني: الإمام والأُمّة
الأصل الثالث: المسار التاريخي: الصورة الكاملة
طور النبوات القبلية
طور النبوات العالمية
مرحلة النبوّة الخاتمة
مرحلة المجتمع العالمي العادل
الأصل الرابع: تفاصيل المستقبل السعيد في ضوء عقيدة المهدي عجل الله تعالى فرجه
النظام السياسي
الصعيد الاقتصادي
الصعيد الفكري والثقافي
القوة البدنية والمعنوية لأنصار المهدي
مواجهة التحريف والتزييف
الأصل الخامس: التزامن بين التكامل التشريعي والتكامل التكويني
الفصل الخامس فلسفة الغيبة
الغيبة الصغرى ودلالاتها
الغيبة الكبرى وأبعادها
١. البعد القيادي للغيبة
٢. البعد الحضاري للغيبة
٣. البعد التاريخي للغيبة
٤. البعد التربوي للغيبة
٥. البعد المعنوي للغيبة
الفصل السادس فلسفة الانتظار
المفاهيم السلبية للانتظار
منشأ التصوّرات السلبية للانتظار
المفهوم الرسالي للانتظار
الأبعاد الرسالية للانتظار
الأبعاد الرسالية لانتظار الأُمّة
البعد العقائدي الفكري للانتظار
البعد النفسي والعاطفي للانتظار
البعد السلوكي والعملي للانتظار
أوّلاً: الالتزام الفعلي الكامل بتطبيق الأحكام الإلهية
ثانياً: الاقتداء بالمهدي
ثالثاً: الارتباط الفعلي بالقيادة الزمنية
رابعاً: تعبئة الجماهير وراء قيادة المهدي عجل الله تعالى وأطروحته
المستوى الثاني للانتظار: انتظار الإمام
المستوى الثالث للانتظار: انتظار الكون
على طريق الانتظار
الفصل السابع فلسفة الدور وتعجيل الظهور
تعجيل الفرج هل هو ممكن؟
أ. التخطيط الإلهي
ب. بين الانتظار والتعجيل
ج. التعجيل والروايات الناهية عن الاستعجال
مبدأ التعجيل بين الفهم الإيجابي والفهم السلبي
عوامل تعجيل الفرج
١. المستوى الفردي
أ. امتلاك الوعي العقائدي العميق
ب. الدعاء والالتحام الروحي بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه
ج. الالتزام الفعلي بالإسلام (بناء الشخصية الملتزمة)
د. الارتباط بالقيادة الشرعية الزمنية
هـ. الإخلاص للإمام والترقّب المستمرّ له
٢. عوامل التعجيل على مستوى الأمة
أ. إحراز العدد الكافي من الأنصار
ب. انتشار فكرة المهدي ورواجها في العالم
ج. فشل النظريات والنظم الحضارية الأخرى
د. طرح الإسلام بصيغة حضارية تلائم العصر
هـ. امتلاك الخبرة القيادية والجهادية
الانتظار الإيجابي فرج قبل الفرج
خلاصة وأفق
فهرس المصادر والمراجع

مقدّمة المركز
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين محمّد وآله الميامين
من الثوابت المسلّمة في عملية البناء الحضاري القويم، استناد الأُمّة إلى قيمها السليمة ومبادئها الأصيلة، الأمر الذي يمنحها الإرادة الصلبة والعزم الأكيد في التصدّي لمختلف التحدّيات والتهديدات التي تروم نخر كيانها وزلزلة وجودها عبر سلسلة من الأفكار المنحرفة والآثار الضالة باستخدام أرقى وسائل التقنية الحديثة.
وإن أنصفنا المقام حقّه بعد مزيد من الدقّة والتأمّل، نلحظ أنّ المرجعيّة الدينية المباركة كانت ولا زالت هي المنبع الأصيل والملاذ المطمئن لقاصدي الحقيقة ومراتبها الرفيعة، كيف؟! وهي التي تعكس تعاليم الدين الحنيف وقيمه المقدّسة المستقاة من مدرسة آل العصمة والطهارة عليهم السلام بأبهى صورها وأجلى مصاديقها.
هذا، وكانت مرجعية سماحة آية الله العظمى السيّد علي الحسيني السيستاني - مدّ ظلّه - هي السبّاقة دوماً في مضمار الذبّ عن حمى العقيدة ومفاهيمها الرصينة، فخطت بذلك خطوات مؤثّرة والتزمت برامج ومشاريع قطفت أينع الثمار بحول الله تعالى.
ومركز الأبحاث العقائدية هو واحد من المشاريع المباركة الذي أُسس لأجل نصرة مذهب أهل البيت عليهم السلام وتعاليمه الرفيعة.
ولهذا المركز قسم خاص يهتم بمعتنقي مذهب أهل البيت عليهم السلام على مختلف الجهات، التي منها ترجمة ما تجود به أقلامهم وأفكارهم من إنتاجات وآثار - حيث تحكي بوضوح عظمة نعمة الولاء التي منّ الله سبحانه وتعالى بها عليهم - إلى مطبوعات توزّع في شتّى أرجاء العالم.
وهذا المؤلّف - (النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ) - الذي يصدر ضمن (سلسلة الرحلة إلى الثقلين) مصداق حيّ وأثر عملي بارز يؤكد صحّة هذا المدّعى.
على أنّ الجهود مستمرة في تقديم يد العون والدعم قدر المكنة لكلّ معتنقي المذهب الحقّ بشتى الطرق والأساليب، مضافاً إلى استقراء واستقصاء سيرة الماضين منهم والمعاصرين وتدوينها في (موسوعة من حياة المستبصرين) التي طبع منها عدّة مجلّدات لحدّ الآن، والباقي تحت الطبع وقيد المراجعة والتأليف، سائلين المولى تبارك وتعالى أنّ يتقبّل هذا القليل بوافر لطفه وعنايته.
ختاماً نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لكلّ من ساهم في إخراج هذا الكتاب من أعضاء مركز الأبحاث العقائدية، ونخصّ بالذكر الأخ الكريم سماحة الحجّة السيّد علي الرضوي، الذي قام بمراجعته، فللّه درّهم وعليه أجرهم.
 

محمّد الحسّون
مركز الأبحاث العقائدية
٤/ رجب ١٤٣٢
الصفحة على الإنترنت:

www.aqaed.com

البريد الإلكتروني:
aqaed@Muhammad.com

بين يديّ المقدّمة
تعتمد الإنجازات المعرفية على انتقال الأفكار وعرض البيّنات وتداول الناس ما يهمّهم من شؤون الحياة، ليخرج الخطاب من دائرته الشخصية والخاصة وينتشر في أفق الإنسانية جمعاء.
ولمَّا كان حصول العلم مرتبطاً بحركة العقل من المعلوم إلى المجهول، فإنّه يفترض في أي حوار وجود أرضية مشتركة، أو مبتنيات قبلية متسالم عليها عند طرفي الحوار، الذي لابدّ له من الاعتماد على ذلك في جولاته، وإلا فإنّه سيبقى يدور ويدور في أفقٍ محدود خاص لا يتجاوز أهله، وستُحرم الإنسانية من إنجازاته، ولابدّ من الإشارة هنا إلى أنّ هذا المتبنّى القبلي قد يكون مسألة جزئية لا يشار إلى ارتباطها بأي شيء آخر، وتبحث بما هي كذلك، ونقتفي أثر دليلها الخاص، وقد يكون مسألة جزئية يُنظر إليها من خلال نظرية كاملة، ويكون البحث عن دليلها بواسطة ذلك.
١. أقسام الخطابات
وعليه فإنّه يمكن النظر إلى الخطاب أو البيان من جهتين:
أولاهما: جهة وجود متبنّيات مشتركة خاصّة أو عدمها.
ثانيهما: جهة تعلّق الخطاب، فهل هي مسألة جزئية مع غضّ النظر عن أي شيء آخر؟، أو أنّه ينطلق من نظرية شاملة كلّية يظهر فيها موضوع المسألة محلّ الكلام، كما تبرز أهمّيّتها وروابطها مع سائر عناصر النظرية، وعليه سيكون عندنا أربعة أنواع من الخطابات لكلّ منها سِمته الخاصّة وأسلوبه الخاص، وهنالك بونٌ واسع في الهدف والأسلوب بين هذه الأنواع:
أولها: أن تكون المسألة جزئية تعالج بما هي مع وجود متبنّيات قبلية مشتركة وعرف خاص كذلك، كالكثير من المسائل الفقهية أو العقائدية عندما يدور بحثها بين أبناء المذهب الواحد، حيث تمثّل الأدلّة الخاصّة أو غيرها من القواعد المشتركة تلك المتبنّيات القبلية.
ثانيها: أن تكون المسألة جزئية يراد بحثها بما هي، مع عدم وجود عرف خاص ومتبنّيات قبلية كذلك، فلابدّ هنا من الاعتماد على المتبنّيات العامة المشتركة وعلى القضايا المسلّمة والبديهية وما شابه، للانطلاق من أرضية مشتركة وقواعد مقبولة عند أطراف البحث، كما في المسائل الخلافية بين المذاهب الإسلامية، حيث تكثر الخلافات في القواعد الأصولية والرجالية والاستظهارات العرفية وغيرها.
ثالثها: أن تكون المسألة الجزئية محلّ البحث يراد عرضها كجزء من نظرية شاملة لإبراز موقعها وأهمّيّتها وارتباطها بغيرها من المسائل، مع وجود عرف علمي خاص بها، حيث سيؤيّد فقه النظرية ما يثبته العرف العلمي الخاص؛ إذ يعتبر الانسجام بين الأحكام دليلاً على صحّتها، ويحضرني هنا ما ذهب إليه الإمام الخميني قدس سره من الفتوى بحرمة بيع العنب ممّن تَعلم أنّه يجعله خمراً، عندما اعتمد على تشدّد الشريعة في تحريم الخمر، وعلى الأحاديث المستفيضة التي تتحدّث عن أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد لعن في الخمر عشراً تشمل كلّ من له أدنى مساهمة في زراعتها أو في صنعها أو في تجارتها، فأفتى بالحرمة مع أنّ القاعدة عند تساقط الأدلّة هي الذهاب إلى الإباحة، وقد اعتمد فيما ذهب إليه من الحرمة على ذوق الشريعة، وهو تعبيرٌ آخر عن فقه النظرية.
رابعها: أن تكون المسألة أيضاً كالسابق، لكن مع عدم وجود متبنّيات قبلية خاصّة، كما لو كان البحث بين طرفين مختلفين عقيدةً وثقافةً، فينبغي هنا اللّجوء إلى النظر الشمولي وإلى الأعراف والقواعد العامة التي تشكّل مقبوليتها أرضية مشتركة لبحوث الجميع.
ففي الحوار الإنساني لابدّ دوماً من وجود متبنّيات قبلية مشتركة يحتكم إليها الجميع، سواءً كانت من العرف الخاص أو العام، لتحصيل المقبولية ولو بالمعنى الأعمّ للمسألة محل البحث - أي بمعنى أنّ هذا مقبول وممكن ومعقول - ولتنمية الحيّز المشترك من الثقافة الإنسانية الشاملة، ولقد أشار الله تعالى في كتابه الكريم إلى ذلك في آيات عديدة:
منها قوله عزّ من قائل: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ) (آل عمران). وكذلك قوله تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة).
٢. أهمّيّة النظرة الشمولية... فقه النظرية
يختلف الناس في درجة تسليمهم وبالتالي في درجة إيمانهم، مع أنّ الدين الحقّ قد عبّر عنه ربّنا في كتابه الكريم بقوله: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران)،.. فحقيقة كلّ الأديان هي كمال التسليم وتمامه، (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء)، ولكن كثرة التعرّض للشبهات وللتشكيك في الأحكام من جهة صحّة الاستنباط لاعتماده على قواعد علمية دقيقة ذات أدلّة قطعية أصولية ورجالية ولغوية وغيرها، تخفى علميتها على الكثيرين فيعتقدون أنّ الاستنباط مرادف للرأي وتابع للذوق، فيناقشون فيه وكأنّه مسألة شخصية ذاتية، فلكل أحد أن يخضعها لرأيه وذوقه، وهذا في الحقيقة شيءٌ عجيب، لأنّ كلّ الناس يقرّون بضرورة الذهاب إلى صاحب الاختصاص فيما يرجع إلى اختصاصه إلا في المسألة الدينية، فإنّ الكثيرين منهم يفترضون أنفسهم من الاختصاصيين ويقبلون شيئاً ويردّون آخر بحسب أمزجتهم ودوافعهم.
وإذا قلنا انّه لا عبرة بجهل الجاهلين؛ فإنّهم يقعون في جهلٍ مركّب ويظنّون بأنفسهم خيراً فيرون كلامهم محقاً ورأيهم مسدّداً، لذا نحتاج في حوارهم إلى التذكير بضرورة التسليم بشرع الله والتعبّد بمقتضاه مع شيءٍ من الاستدلال الفطري والحوار العقلائي واللجوء إلى فقه النظرية لندلّ على موقع المسألة وعلى أهمّيّتها، وعلى انسجام حكمها مع سائر منظومة الأحكام التشريعية المرتبطة بها فإنّ انسجام الأحكام وتناسقها دليل غير مباشر على صحّتها.
وقد عرّف بعضهم الأعلمية في الاجتهاد بأنّها: العلم بملازمات الأحكام، وكلّما اعترف غير العالم بجهله ونما التسليم الإيماني عنده، أمكن خضوعه لحكم المسألة الجزئية بما هي هي، بغضّ النظر عن موقعها في المنظومة التشريعية؛ لأنّه سيكون خاضعاً تعبّداً لسائر الأحكام.
إنّ بناءنا على أنّ انسجام الأحكام وتناسقها دليل غير مباشر على صحّتها، يجعل فقه النظرية ضرورياً أيضاً حتّى لأصحاب الاختصاص؛ فإنّهم مع اتّباعهم للدليل الخاص، تبقى هنالك حاجة لعرض ما توصّلوا إليه لاحقاً على ما وصلوا إليه سابقاً للقطع بصحّته وانسجامه، أو لنقل على النظرية الشاملة إذا كانت موجودة، كما لو كان بعض الأطراف من أهل التشكيك أو من أتباع دين آخر أو ثقافة أخرى أو لم يكن التسليم بالشريعة موجوداً عنده بالقدر المطلوب.
فإنّ الحوار لن يقتصر عندئذٍ على المتبنّيات والأدلّة الخاصّة؛ بل لابدّ من الإفادة من البناء المعرفي الإنساني ومنطلقاته المتسالم عليها في عملية الاستدلال، حتّى نصل إلى القناعة التّامة بموضوع أو إلى المقبولية العامة في أضعف الأحوال.
ولاشكّ ولا ريب في أنّ هذا الاتجاه يمكّننا من مخاطبة جميع الناس وإن كانوا مخالفين لنا في الرأي وفي العقيدة، لأنّه سيدور في إطار المعرفيات الإنسانية العامة، عندها قد تشكّل النظرية في حال قبولها أرضية مشتركة للخطاب، ولهذا فائدتان: أولهما الخروج بالأمر الخاص إلى الساحة الإنسانية ليكون في متناولها جمعاء، وثانيهما يتعلّق بطبيعة الاستدلال، لأنّ النظرية تحاول أن ترسم صورة كاملة لما تتحدّث عنه، فإذا ظهرت فيها بعض الفجوات أمكن سدّها بالبحث والاستكمال بالاستعانة بالأجزاء الأخرى للصورة، لأنّ تناسقها سيكون عنوان الصحّة المائز لها عن الفساد.
وخير مثالٍ على ذلك ما حصل مع - مندلييف - عندما وضع جدوله للعناصر الأولية المكتشفة في هذا الكون، فوجد فيه فراغاً فافترض بسببه وجود عنصر جديد، ثمّ ثبّت بعد ذلك وجوده، ولولا وضعه لذلك الجدول الذي يمثّل نظرة شمولية إلى العناصر الطبيعية وعثوره على ذلك الفراغ لربّما بقي الأمر مجهولاً حتّى هذه الأيام....
وكذلك لو نظرنا إلى هذا العالم من حولنا بدقّة صنعه وإحكام نظامه، وإلى أنّ الإنسان هو القادر من بين الخليقة على إعماره والإفادة من خيراته - مع ما يتطلّبه هذا من حياة جماعية - فإنّنا ندرك ضرورة وجود قانون ينظّم العلاقات القائمة بين الله الخالق المبدع وبين الإنسان والكون والحياة، كما ندرك أنّه حتّى يصل إلينا ذلك القانون لابدّ له من كتابٍ
ورسول، وأنّه إذا كان هو القانون الخاتم فلابدّ له من حفظ بالنصّ وبالمضمون حفظاً معصوماً، كما كان بلاغه ووصوله معصوماً أيضاً، فيدلّ ذلك على المرسل والرسول والرسالة، وعلى لزوم حفظها والمسؤولية عنها، أي على سائر أصول الدين.
إنّ البحث بهذه الطريقة يمكن أن يكون أكثر يسراً وسهولة لعامة الناس، خصوصاً إذا كانت القضايا المبحوثة تحتاج في إطار البحث الخاص إلى استدلال علمي لا يستطيعه عادةً إلاّ قلّة من الأفراد هم ذوو الاختصاص، كالقضايا الدينية الخلافية، فإنّ الإحاطة بأدلّتها الشرعية وإمكانية مناقشتها ودفع الإشكالات عنها يحتاج إلى اختصاصيين متضلّعين في علوم شتّى، كاللغة وأصول الفقه والحديث والتفسير وعلوم القرآن الكريم...، وعلى هذا الأساس يكون اللجوء إلى الأدلّة العقلائية والقضايا الفطرية والمسلّمة عند مخاطبة غير الاختصاصين هو الطريق الأسلم والأكثر نفعاً في مثل هذه الحالات.
وهنا يحضرني حوار جرى مع أحد الطلاب الأفارقة في مدينة قم عندما سألته عن ديانة آبائه وأجداده، فقال: إنّهم من الوثنيين، فقلت له: ما الذي جاء بك إلى الإسلام؟ فقال: جاءنا قسّ هولندي فدعانا إلى المسيحية فآمنّا ولكنّه لم يعرض علينا شريعة خاصّة، فقلت له: لقد آمنت بدينك ولكنّه لم يغيّر شيئاً من أسلوب حياتي فما فائدة هذه المعرفة وهذا الإيمان!؟، فقد كنت ملتزماً بالفضائل الإنسانية مذ كنت وثنياً.
فقال لي ذلك القسيس: إنّ تقييد عمل الإنسان بأحكام شرعية خاصّة لا وجود له في المسيحية، وإنّما هو موجود في الإسلام، فدفعني هذا إلى البحث عن الإسلام حتّى أسلمت، فلما أسلمت وعلمت أنّه الدين الخاتم دفعني هذا إلى البحث عن كيفية حفظه إلى أن تقوم الساعة، فأوصلني هذا إلى مذهب أهل البيت عليهم السلام.
فإنّ النقلة التي نقلها هذا الإنسان إنّما كانت تعتمد في جميع مراحلها على استدلالات من هذا النوع، وأيضا لابدّ من الإشارة إلى أنّ الكثير من مسائل الفقه لا يمكن تعقّلها والالتفات إلى أهمّيّتها إلا من خلال فقه النظرية، كقضايا الحجاب للمرأة، ونصيبها من الميراث، وبعض مسائل الزواج، وحضانة الطفل، والنفقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والربا، والقصاص،... إلخ.
إنّ وجود منظومة أخلاقية وتشريعية دينية يجعل المسائل الجزئية لتلك المنظومة تكتسب أهمّيّتها لدى العرف العام، باعتبار أنّها جزء من المنظومة الأخلاقية والاجتماعية، مما يمكّننا من الدفاع عنها أمام غير المسلّمين بها، وكمثال فإنّ يد الإنسان لها كلّ القيمة إذا كانت متصلة ببدنه، بخلاف ما لو كانت منفصلة عنه، وعلى الذي يريد أن يناقش مسألة من مسائل الشريعة عليه أن يناقشها بما هي جزء من منظومة متكاملة، لا أن يعزلها عن بقية الأجزاء ثمّ يبدأ بمناقشتها.
ولو أخذنا مسألة الحجاب كمثال، فإنّ أصل تشريعه وكذلك فرضه على المرأة دون الرجل يمكن مناقشته بناءً على ما تقدّم، وبحيث يجاب على كلّ الأسئلة والاعتراضات الموجّهة إليه، فإنّ المشرِّع لهذا الدين ينطلق في تشريعاته من تصوّر للمجتمع الذي يريده، أي الذي يقوم على أساس النظام الأسروي وعلى العفّة، وبالتالي لابدّ من تشريع الأحكام التي تكفل ذلك مع مراعاة خصائص الذين تتعلّق بهم تلك الأحكام، فنراه أوّلاً ينصّ على التربية الصالحة، وغرس القيم في نفوس الأبناء، وعلى التوعية والعلم لينشئ النفس الإنسانية الصحيحة، ثمّ يعالج قضايا الميل الغريزي بين الجنسين على أساس التحصين التربوي والفصل بينهما ما أمكن - تحريم الاختلاط غير المبرّر والخلوة -، وعدم إبداء الزينة حتّى لا يكون شيء من ذلك سبباً في إيقاظ الغرائز وتفعيلها، فشرّع الحجاب وأمر بغض البصر وما شابه.
وكلّ ذلك ضمن منظومة تشريعية متكاملة، فالحجاب هو جزء متمّم وليس هو كلّ القضية، ولكن المركّب بطبيعة الحال لا يكون حاصلاً إلا إذا اكتملت كلّ أجزائه، فلا ينقض علينا هنا بأنّه يمكن الاكتفاء بالتربية، لأنّها جزء السبب وليست تمامه، ولا ينقض علينا بالحرية الشخصية، وأنّ السلوك والعلاقة بين الطرفين تابع لتلك الحرية، لأنّ ذلك مخالف لأساس النظرية، وهي طبيعة الصورة الربّانية للحياة الاجتماعية والأسس التي ينبغي أن تقوم عليها، والتي هي ذاتها الصورة التي تمليها الفطرة الإنسانية.
إنّ الخلاف بيننا وبين الغرب ليس في مسألة الحجاب كمسألة جزئية، وليس في الفصل بين الرجال والنساء كذلك، وإنّما هو في أصل الصورة الاجتماعية المنشودة وقيمها الأساسية من الحرام والعيب وما شابه، حيث تتجلّى الصورة والقيم الأساسية في تفاصيل الأمور الحياتية وأحكامها التشريعية.
وتبيّن تلك الكلمات المتقدّمة أهمّيّة فقه النظرية والنظرة الشمولية لكلّ مسألة عقائدية أو فقهية ومجال تطبيق ذلك في الحوار الهادف، لإيجاد بنية معرفية إنسانية شاملة.
وقد يقول قائل: وما دخل كلّ هذا الكلام بما نحن بصدده من قضية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه؟ والجواب على ذلك: أنّ الكتاب الذي بين أيدينا يحاول السير على هذا المنهج، لذا كان لابدّ من ذلك الكلام الذي جاء كمقدّمة للمقدّمة وعنونته - بين يدي المقدّمة -.

المقدّمة

إنّ الحديث عن المهدوية في ضوء فلسفة التاريخ هو حديث عن عنوان يضمّ مفهومين: أوّلهما المهدوية، وثانيهما فلسفة التاريخ.
والأول: هو الاعتقاد بمخلّص يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وهي عقيدة تسالمت عليها إجمالاً كلّ الأديان، ويُجمع المسلمون أنّ الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه هو من سلالة رسول الله صلى الله عليه وآله، أي من أبناء علي وفاطمة عليهما السلام، مع اختلاف في كونه من أبناء الإمام الحسن عليه السلام، أو من أبناء الإمام الحسين عليه السلام، وأنه وُلِدَ وهو حيّ غائب عن الأبصار، أو أنّه سيولد في آخر الزمان، مع اعتقاد سائر الإمامية بأنّه إمامهم الثاني عشر، وأنه حيٌ غائبٌ عن الأبصار.
والثاني: فلسفة التاريخ، وهي تعني أن ينظر الباحث إلى الحادثة التاريخية على أساس أنّها حلقة من مسيرة متجهة نحو نهاية محدّدة ترتبط غالباً بالرؤية الكونية الخاصّة بذلك الباحث - بمنطلقاته القبلية -، فلا ينظر إلى الحادثة التاريخية على أساس تجزيئي منفصل عن تلك المسيرة التاريخية الكلية؛ بل يسندها إلى القوانين التي تحكم مسيرة التاريخ الإنساني ويربطها بغيرها من الحوادث على هذا الأساس، مما يؤدّي إلى ربط الماضي بالحاضر والقدرة على استشراف المستقبل.
إنّ خلق الإنسان عاقلاً من جهة، وناطقاً من جهة أخرى، بحيث يكون قادراً على التفكير وعلى نقل الأفكار والحوار، يجعله يتآلف ويتخالف مع الآخرين، وتتراكم المصالح وتتبلور الانتماءات، فتتشكّل المجتمعات وتدور الصراعات حول تلك الأسس في داخلها وفيما بينها، حيث يأمل المظلومون أن يأتي يوم يكون لهم فيه الخلاص.
إنّ كلّ صاحب نظر يرى أنّ نظريته هي التي ستسود كلّ العالم في نهاية المطاف، وأنّ الصراع سيحسم لصالحه، وستكون هناك نهاية للتاريخ من جهة كونه سجلاً للأحداث وحركة للصراع، لا باعتبار كونه توالي للأيام والزمان، ونحن كمسلمين لا نختلف مع هذا المسار بنحو الإجمال، لأنّنا نعتقد بحسب ديننا أن ديناً واحداً سيسود كلّ العالم، وهو الإسلام، فإنّه تعالى قد ذكر في كتابه العزيز: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة)، وأيضاً: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة)، كما ذكر جلّ وعلا: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء).
إنّ غلبة حضارة وانتشارها في كلّ العالم يعني أنّ هناك صراع حضارات بالمعنى الأعمّ للفظ الصراع، الذي يشمل حتّى الجدل والمحاورة كسبيل إلى غلبة فكر على آخر أحياناً، ولكن منطق الإسلام يختلف عن غيره في أنّه يفرض على المسلمين الإفادة من كلّ إيجابيات الحضارات والأمم الأخرى، فقد قال سيدنا محمّد صلى الله عليه وآله: - لا يهمنّك من الحكمة من أي وعاء نزلت -، و- أطلب العلم ولو في الصين -، وقال تعالى في كتابه الكريم: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران).
فليس في ديننا رفض كلّ الآخر؛ بل نقبله بقدر ما يكون سوياً سالماً صحيحاً، وهو بهذا الاعتبار يدعو إلى حوار الحضارات واختيار ما يكون صواباً على طريقة قوله تعالى: (... وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (سبأ)، وإن كان يرى ضمناً أنّ ما عليه هو الصواب لا ريب، (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة).
كما أنّ هذا الدين يقدّم الإنسان في نموذجه الكامل على أنّه خليفة الله في أرضه، وأنّه بإمكانه بلوغ هذه المرحلة باعتبار أنّ الله تعالى قد قدّمه كذلك لملائكته، وإن كان يشير أيضاً إلى لزوم قطعه لمسيرة تكاملية طويلة يكون له فيها صراع طويل ومرير مع الشرّ والشيطان تبرز في حوادثه كمالات إنسانية فائقة ونماذج رائعة تكون أسوة وقدوة على هذا الطريق، والذي لابدّ وأن يبلغ الإنسان نهايته في آخر المطاف، وبالتالي كلّ المجتمع الإنساني عندها يصبح محكوماً بشريعة الله شريعة الإسلام، وهذا ما يجعل للتاريخ مسيرة نحو غاية محدّدة وهدف منشود، وبالتالي تفسير كلّ حلقاته وأحداثه على أنّها مراحل لهذا الطريق، ونحن في ديننا الإسلامي أمام تصوّر يقوم على أمرين: الإنسان الخليفة، والدين الخاتم الذي سيظهره الله على الدين كلّه، والاستخلاف بلا ريب بحاجة إلى نظام، أي إلى كتب وأنبياء معصومين، وكون هذا الدين هو الخاتَم يعني لزوم حفظه حفظاً معصوماً بالنص وبالمضمون في أصوله وفروعه، ليبقى كما شرّعه الله، ولابدّ لذلك من إمامة معصومة تبيّن الأصول وتحفظ الفروع، حتّى إذا ما وصلنا إلى زمان ظهور هذا الدين على الدين كله وقيام العدل البشري بشكل تام، عندما يحثو الحاكم في ذلك الزمان المال والطعام للناس حثواً ولا يعدّه عدّاً، لا يبقى عندها مبرر للصراع البشري، وإذا انتهى الصراع انتهت حركة التاريخ، وكان ذلك آخر أزمنة الحياة، فإن السير في الأنفس والآفاق يرينا أن الحركة هي خاصة الحياة أو لازمها، وأن السكون أي نهاية الصراع إنما يعني الموت والفناء.
وإنه وفق هذه التصورات يمكننا أن نقدّم عقيدتنا في الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه لكلّ العالم على اختلاف دينه وفكره، فإن مسيرة العالم على ضوء فلسفة التاريخ وعلى ضوء جميع المقولات الأخرى - نهاية التاريخ، صراع الحضارات، المقولات الدينية السماوية والأرضية على السواء - كلّها تنصّ على أنها تتجه نحو: إمّا الإنسان المخلّص وإن اختلفت صوره فيما بينهم واختلفوا في تحديد شخصيته ومكانته، وإمّا إلى المذهب السياسي المخلّص الذي سيكون في النهاية مذهب كلّ البشرية، كالذي يطرح الليبرالية الغربية على أنها هي النظام الأكمل الذي ينبغي أن تبلغه كلّ البشرية على حد مقالة - فوكوياما -، حيث يمكننا على ضوء ما تقدّم أن نطرح على مقولته السؤال التالي: وهو إذا كانت هذه الليبرالية لا تستطيع إلغاء الصراع في يومٍ من الأيام، فكيف ستكون عند انتشارها في كلّ العالم نهاية التاريخ!؟.
لذا سيكون الأوفق بنهاية التاريخ أن تكون على يد رجلٍ يلغي عملية الصراع، وهذا يعني زوال أسبابه المادية والمعنوية، وهذا ما سيكون عندما يُظهر الله دينه على الدين كلّه فلا صراع فكري بعد ذلك، وعندما تخرج الأرض كنوزها ويحثو الحاكم المال والطعام للناس حثواً ولا يعدّه عدّاً، فلا صراع مادي بعد ذلك، وتبلغ المسيرة البشرية نهايتها وغاية كمالها وينتهي كلّ شيء.
فيما بين أيدينا كتاب يحاول أن يطرح العقيدة في الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه على ضوء تلك الفلسفة، ليقول للبشرية إن الاعتقاد بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه يتوافق بالإجمال مع كلّ تلك المقولات، وهو مُنتَظر البشرية على الإطلاق، ويحاول أن يقدّم هذه المسألة العقائدية الهامّة من خلال فلسفة التاريخ وإدراك طبيعة حركته، مما يؤيّد الدليل الديني الخاص بدليل علمي يمكننا بواسطته أن نخاطب جميع الناس، مع غضّ النظر عن العقيدة والدين.
ولقد بذل مؤلِّفه سماحة الشيخ الأسعد بن علي قيدارة جهداً كبيراً في إخراج بحوثه العلمية الدقيقة بأسلوب شيّق ورصين، أسأل الله تعالى أن يَزيده علماً وفضلاً، وأن يوفّقه إلى كلّ خير، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

حرّره الفقير إلى رحمته تعالى
عبد الله السيد عبد اللطيف نظام

مقدّمة المؤلّف

- نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ - أحد العناوين المميّزة للشهيد مرتضى مطهّري رحمه الله، وهو إلى جانب كتابه - المجتمع والتاريخ - يعدّ من الإضافات المهمّة في مجال فلسفة التاريخ.
في الكتاب الأوّل - نهضة المهدي - يقارن الشهيد بين طريقتين مختلفتين في تفسير تكامل التاريخ:
الطريقة الآلية - المادّية الديالكتيكية -، و- الطريقة الإنسانية -.
ولا يخفى على القارئ اللبيب سرّ التركيز على المدرسة الماركسية، وحصر المقارنة بين النظرية اليسارية والنظرية الإسلامية، فالظروف التاريخية التي عاشها المجتمع الإيراني قبل الثورة وامتداد الفكر اليساري وانتشاره في أوساط واسعة من المثقّفين، دعا لهذا التأكيد على نقد - النظرية الديالكتيكية -.
ولكن هذا السياق التاريخي أو الظرفي للدراسة لا ينقص ألبتة من قيمة الأفكار التي أوردها الشيخ الشهيد رحمه الله وتألّقها.
لقد طرح في هذا الكرّاس الأساس الذي يقوم عليه كلّ اتجاه، والنتائج التي تترتّب عليه.
ويعتقد الشهيد أنّ جوهر الاختلاف بين هذين الاتجاهين يعود أساساً إلى اختلاف النظريتين في تفسير الإنسان وطبيعة المجتمع المثالي الذي تؤمن به كلّ من هاتين الرؤيتين وسبل الانتظار البنّاء التي تدعو إليها - النظرية المهدوية -.
باختصار حاول الشهيد مطهّري رحمه الله أن يعطي عبر هذه الدراسة، مركزية فكرة - المهدي - ونهضته في نسيج التفسير الإسلامي (الإنساني) للتاريخ، وكيف تمثّل هذه النظرية تجسيداً لأهداف الصالحين والمجاهدين على طريق الحقّ.
هذه نظرة عابرة لـ - نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ -، أمّا ما نحاول استكشافه في هذه الدراسة - النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ - انعكاسات عقيدة المهدي، والإيمان به، وبرسالته في المستقبل البشري، على فلسفة التاريخ من منظور إسلامي، أي: فلسفة التاريخ في ضوء عقيدة المهدي.
بلغةٍ أخرى، الإضافات النوعية التي يدخلها عنصر الاعتقاد بالمهدي - وغيبته وظهوره... - على رؤيتنا للتاريخ وسُنَنِه، وحركته، وغاياته، ومراحله، وآفاقه، وقوانينه التي تحكم كلّ مرحلة....
فهل تؤثّر هذه العقيدة المهدوية على تفاصيل النظرية الإسلامية في تفسير التاريخ؟ هل تعطي لهذه الرؤية أبعاداً جديدة؟
هذه الأسئلة وغيرها نحاول الإجابة عنها من خلال هذه الدراسة في فصولها السبعة:
الفصل الأول: فلسفة التاريخ: المفهوم والأبعاد.
الفصل الثاني: المهدي والمخلّص في التراث الإنساني.
الفصل الثالث: فلسفة التاريخ في المنظور الإسلامي العام.
الفصل الرابع: أصول الوعي التاريخي في ضوء عقيدة المهدي.
الفصل الخامس: فلسفة الغيبة.
الفصل السادس: فلسفة الانتظار.
الفصل السابع: فلسفة الدور وتعجيل الظهور.
وفي الواقع، هذا المضمون الذي نقدّمه للقارئ اليوم بهذه الرؤية والصيغة، هو في أساسه مجموعة بحوث ودراسات حول الثقافة المهدوية، اطّلع عليها بعض الأصدقاء وطلبوا منّي نشرها تعميماً للفائدة، وتردّدت بين نشرها كما هي: مقالات ودراسات مستقلّة، وبين أن أُعيد صياغتها وصبّها في قالب جديد.
وبعد تأمّلٍ وقراءة ثانية لهذه البحوث والدراسات، لمحت الخيط الرفيع الذي يشدّ هذه الحلقات بعضها لبعضها، ورجّحت أخيراً أن أقدّمها في قالب دراسةٍ موضوعيةٍ موحّدة تحت العنوان المذكور، واستناداً للخطّة المحدّدة، بعد أن أضفت فصولاً جديدةً لاستكمال بناء النظرية من جميع الجهات.
أدعوه سبحانه أن أكون قد وفّقت لتقريب المسألة شكلاً، ومضموناً، وأن يجد الناس عموماً، والمؤمنون خصوصاً، شيئاً من الفائدة في هذا الكتاب، وأن ينفعنا الله به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

الفصل الأول فلسفة التاريخ: المفهوم والأبعاد

تمهيد
يقود التأمّل في الخطّة المعروضة في المقدّمة أنّها تستهدف التمهيد لدراسة الإشكالية الأساسية ببحثين:
البحث الأوّل: ما عنونّاه في الفصل الأوّل: تعريف مفهوم فلسفة التاريخ.
البحث الثاني: تقريب مفهوم المخلّص في الدين، والتاريخ، والفكر عموماً، في التراث الإنساني.
ولمح القارئ أنّ هذين الفصلين يمهِّدان لدراسة القضية المركزية المحورية في الفصول الأخرى - فلسفة التاريخ في ضوء عقيدة المهدي -.
فلا يمكن معالجة الإشكالية إلا بعد الإحاطة بحديّها.
فما هي فلسفة التاريخ؟ وما هي عقيدة المخلّص أو المهدي؟
في هذا الفصل نعالج السؤال الأوّل.
التاريخ: لغةً: - تعريف الوقت، والتوريخ مثله، أرّخ الكتاب بيوم كذا...، وقيل إنّ التاريخ الذي يؤرِّخه الناس ليس بعربي محض، وأنّ المسلمين أخذوه عن أهل الكتاب - (١).
وإذا دقَّقنا في الجذور اللغوية لكلمة التاريخ: - الأرْخُ: ومعناه ولد البقرة الصغير، لذا قيل إنّ التاريخ مأخوذ منه كأنّه شيء حدث كما يحدث الولد، وقيل التاريخ مأخوذ منه لأنّه حديث -.(٢)
 - أَرَخّ إلى مكان أُرُوخاً: حنّ، وأرخ الكتاب وغبره بكذا: بيّن وقته.
أرّخ الكتاب: حدّد تاريخه، وأرّخ الحادث ونحوه: فصّل تاريخه وحدّد وقته - (٣).
والتاريخ: جملة الأحوال والأحداث التي يمرّ بها كائن، ويصدق على الفرد والمجتمع، كما يصدق على الظواهر الطبيعية والإنسانية.(٤)
أمّا اصطلاحاً: التاريخ: علم يبحث في الوقائع والحوادث الماضية.
يقول ابن خلدون: - اعلم أنّ فنّ التاريخ غزير المذهب، جسيم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتّى تتمّ فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا - (٥).
ولكن علوم التاريخ لم تنحصر في حدود تدوين الوقائع والحوادث الماضية بل تطوّرت وتنوّعت، ويمكن أن نرصد ثلاثة أقسام أساسية للبحوث التاريخية:
القسم الأول: التاريخ النقلي
ما أشرنا إليه في التعريف السابق يسمّى بالتاريخ النقلي، ويستهدف تدوين مجموع حوادث وشؤون الناس، والعالم، والدول،.....
وخصوصية هذا القسم أنّه يسجِّل كينونة الأشياء، والإنسان، والحوادث، ويوصِّف الأوضاع القائمة دون لحاظ أمرٍ آخر.
وتعجّ المكتبة العربية بعناوين تنتمي إلى هذا القسم، منها: - تاريخ اليعقوبي - (ت٢٩٢هـ)، - تاريخ الرسل والملوك - للطبري (ت٣١٠هـ)، - مروج الذهب ومعادن الجواهر - للمسعودي (ت٣٤٦هـ)، - الكامل في التاريخ - لابن الأثير (ت٦٣٠هـ)....
وفي هذا النوع من الدراسات ينصبّ تركيز واهتمام الباحث على الماضي والحوادث السالفة، وهو يدرس هذه الجزئيات والوقائع في الماضي دون محاولة البحث عن القواعد العامة والضوابط الكلية.
ويغلب على هذا القسم المنهج النقلي الذي يعتمد على الوثائق وما ينقله المؤرّخون من روايات، ومشاهدات، ومسموعات....
يقول اليعقوبي: - إنّه لما انقضى كتابنا الأوّل اختصرنا فيه ابتداء كون الدنيا وأخبار الأوائل من الأمم المتقدّمة من العلماء والرواة وأصحاب السير والأخبار والتأريخات، ولم نذهب إلى التفرّد بكتاب نصنِّفه ونتكلّف منه ما قد سبقنا إليه غيرنا، لكن قد ذهبنا إلى جمع المقالات والروايات؛ لأنّنا قد وجدناهم قد اختلفوا في أحاديثهم وأخبارهم... وزاد بعضهم ونقّص بعض، فأردنا أن نجمع ما انتهى إلينا مما جاء به كلّ امرئ منهم - (٦).
القسم الثاني: التاريخ النقدي
لم تتوقّف البحوث التاريخية عند الأفق الأوّل من التدوين والنقل؛ بل تطورت وظهرت اتجاهات لا تكتفي بمجرّد سرد الأحداث؛ بل تخطّت ذلك إلى تمحيص الأخبار وتعليل الوقائع، واستبدال التسلسل الزمني بالتسلسل السببي والعلّي، وهذا ما يُعبّر عنه بالتاريخ النقدي أو التاريخ العلمي.
ولا يخفى أنّ هذا الأخير يعتمد أساساً على التاريخ النقلي، فهو مادّته الأساسية ومستنده فيما يفرزه من نتائج.
وهذا النزوع إلى التاريخ النقدي والعلمي نجد ملامحه بدأت تتضح مع المسعودي، حيث نراه طرق باب التنظير في هذا المجال، وسعى إلى تقديم رؤية حضارية للتاريخ، وأبرز في عرضه للأحداث التاريخية الأسباب والعلل المباشرة والعامة.(٧)
كما نلمح هذه النزعة عند ابن خلدون في تعريفه للتاريخ: - في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأُوَل، تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال وتعرف بها الأندية إذا غصّها الاحتفال وتؤدّي لنا شأن الخليقة كيف تتقلّب بها الأحوال، وفي باطنه نَظَرٌ وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة، عريق وجدير بأن يعدّ في علومها وخليق -.(٨)
القسم الثالث: فلسفة التاريخ
لا يكتفي الباحث في هذا القسم من الدراسات التاريخية بتفسير الأحداث وتعليلها في نظرة تجزيئية للماضي؛ بل يسعى للإحاطة بصيرورة التاريخ وحلقاته المتصاعدة واتجاهاته المتحرّكة، فيقف على الأسس العامة التي تحكم تطوّر المجتمعات والقوانين المنظّمة للتحوّلات والتغيّرات في حياة الشعوب والحضارات في الماضي والحاضر والمستقبل.
كما يهتمّ بالاتجاه العام الذي تتجه نحوه الحياة الإنسانية، ويحاول استكشاف الآفاق النهائية لمسيرة الإنسانية ومنتهاها.
واختلف الدارسون في تحديد مؤسّس هذا النوع من الدراسات، فالباحثون الغربيّون وعلى خلفية المركزية الأوربية ينسبون فلسفة التاريخ إلى المؤرّخ الإيطالي فيكو (١٦٦٨ - ١٧٤٤م) الذي قسّم التاريخ البشري إلى ثلاثة أدوار: (الدور الإلهي، الدور البطولي، الدور البشري).
ولكن الباحثين العرب والمسلمين يرون أن الفضل يعود إلى ابن خلدون في استكشاف وتأسيس فلسفة التاريخ، فهو أوّل من قال بالأدوار التاريخية لحركة المجتمع في نظريته الأطوار الثلاثة: (البداوة، العمران، الاضمحلال).
وهناك من الدّارسين من يرى أنّ بذور التفكير الفلسفي التاريخي أبعد غوراً من ذلك، فيثمّن جهود المسعودي قائلاً: - ونذهب نحن أبعد من ذلك فنعتبر المسعودي من روّاد فلسفة التاريخ، ولا مبالغة في ذلك ألبتة، إذ نجد في مصنّفه ما يشي بالرؤية البيولوجية للتاريخ، حيث يتحدث عن نشأة الدول وشبابها وهرمها، وعلل جميع ذلك، ودعوته إلى ضرورة معرفة المؤرّخ كيف تدخل الآفات على الملك وتزول الدول وتبيد الشرائع والملل والآفات الخارجية المفترضة لذلك، لقد وقف بحقّ على ما أسماه فلاسفة التاريخ المحدثون بـ - الظروف الموضوعية - التي هي نتاج عوامل داخلية وأخرى خارجية تتضافر معها لإحداث حركية التاريخ وصيرورته، هذا فضلاً عن تحوّل هذه الصيرورة لسائر الظواهر المادية والروحية التي توّحدت في خيال المسعودي وتأطّرت في ذهنه تأطيراً عقلانياً - (٩).
ولاشكّ أنّ المؤرّخين العرب والمسلمين قد تأثّروا بالثقافة القرآنية في هذا المجال والتي ساعدتهم على تطوير الدراسات التاريخية من أفق النقل إلى أفق التحليل والنقد، إلى أفق القواعد والقوانين والغايات.
فالقرآن الكريم يحتوي الكثير من الآيات التي تتحدّث عن غايات المسيرة الإنسانية ومنتهاها، كما يعجّ بالآيات حول سنن التاريخ وقوانينه، وهما من أهمّ قضايا فلسفة التاريخ ومسائله. (سيكتشف القارئ ذلك تباعاً).
القرآن والمادّة التاريخية
نلاحظ أنّ المادّة القرآنية التي تصدّت للمسألة التاريخية قد اتسعت لكلّ هذه المستويات من البحث التاريخي: نقل وعرض الوقائع، نقد وتعليل، قوانين وتقعيد.
ونذكر لكلّ قسم من هذه الأقسام نماذج قرآنية:
نقل الوقائع وعرض الحوادث
من ذلك القصص القرآني، سواء قصص الأنبياء عليهم السلام وأخبار الماضين.
ولا شكّ أنّ القرآن لا يستهدف فقط تدوين تاريخ الأنبياء وتسجيل أخبار الماضين أو الوقائع السالفة، وإنّما هدفه - بما هو كتاب هداية - قيادة الناس إلى سبيل الحقّ والسعادة، وما هذه القصص سوى إحدى الأدوات الناجعة لتعليم الناس وهدايتهم:
(وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود).
ويقول أيضاً: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) (يوسف).
ويقول تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ)(إبراهيم).
فهذه الوقائع المهمّة والأحداث البارزة في تاريخ الأمم تمثّل محطّات لابدّ للمجتمعات أن تقف عندها، وتتذكّرها لتتّعظ منها وتستقي الدروس من أجل توجيه المسيرة نحو الهدف الصحيح.
النقد والتعليل
ومن جهة النقد والتعليل نجد مادّة قرآنية خصبة أيضاً، فالقرآن يلفت انتباه المؤمنين إلى أنّ الحوادث التاريخية ليست تراكماً عشوائياً؛ بل تخضع لسنن وقوانين، وأنّ النصر له أسبابه وشروطه، والهزيمة لها أسبابها، وعلى المسلمين المؤمنين عموماً أن يأخذوا بأسباب النصر والنهوض، وأنّ المؤمنين وحتّى الرسل أنفسهم لن يكونوا استثناءً لهذا النظام العلّي الذي يحكم حركة التاريخ.
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة).
ويقول تعالى في بيان أسباب الهزيمة في أُحد: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَ ذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران).
(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) (التوبة).
وفي آيات أخرى تعليل لظهور الفساد في البرّ والبحر: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم).
ومن نماذج آيات فلسفة التاريخ:
(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (آل عمران).
(مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) (الأحزاب).
- (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (الأحزاب).
(فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (فاطر).
(سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) (غافر).
(سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا) (الإسراء).
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النساء).
فهذه الآيات تؤكّد وجود قوانين تحكم حركة التاريخ، وقواعد تضبط نهضة المجتمعات وتقود عملية التغيير فيها.
وهناك آيات أخرى تشرح تفاصيل هذه القوانين والسنن نستعرضها في عنصر لاحق (في الفصل الثالث).
موضوع فلسفة التاريخ ومسائلها
يمكن اعتبار المحور الذي تحوم حوله بحوث فلسفة التاريخ، أي موضوع هذا العلم، هو حركة المجتمعات الإنسانية من حيث المفهوم والقوانين، المبادئ والغايات، ففي هذا العلم نعالج الأسئلة التالية:
هل لأحداث التاريخ سنن وقواعد عامة تتحرّك وفقها؟
هل للتاريخ غاية يتجه نحوها أم لا؟
هل هناك مراحل يقطعها التاريخ البشري لبلوغ هذه الغاية إن وجدت أم أنّه مسار عشوائي نحو منتهاه؟
ما هي آفاق حركة التاريخ البشري؟ ما هي العوامل المتحكّمة في مستقبل الناس؟
هل انتهى التاريخ كما يدعي البعض - فوكاياما -، أم للتاريخ نهاية أخرى؟
ما هو القانون الذي يحكم التنوّع الحضاري والعلاقات الدولية، أهو الصراع والصدام، أم الحوار والتكامل؟
هذه الأسئلة تعكس أهمّ القضايا التي تتصدّى لها فلسفة التاريخ.
الغاية من فلسفة التاريخ
كأي بحث معرفي تستهدف فلسفة التاريخ جملة غايات، أهمّها:
أوّلاً: اكتشاف القوانين والسنن التي تحكم التاريخ البشري، والعوامل المؤثّرة في حركة المجتمعات والحضارات، والقوى الفاعلة في اتجاه المسيرة الإنسانية.
ثانياً: فهم التاريخ بشكل أعمق، واكتشاف الروابط المهمّة التي تشدّ الماضي إلى الحاضر، وهذا الأخير بالمستقبل.
ثالثاً: تحديد المستقبل بوضوح ودقّة كمقدّمة لطرح الاستراتيجيات والخطط المرحلية للوصول إليه وبلوغه.
رابعاً: امتلاك وعي تاريخي يسهم في اكتمال منظومة الوعي الإنساني قصد قيام النموذج الحضاري الذي يكفل السعادة للجميع.
وفي ضوء هذه الأهداف الخطيرة تبدو فلسفة التاريخ أبعد ما يكون عن الترف الفكري أو أحاديث الصالونات الذي تلوكه النخب المثقّفة و- الانتلجنسيا - المتعالية؛ بل هي جزء أساسي للتركيبة النفسية والفكرية للأُمّة المسؤولة عن واقعها وتغييره نحو الأفضل (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ٣) (الرعد).
فغياب وعي قرآني بالتاريخ ونواميسه يعني سيادة وعي زائف ومفاهيم خاطئة من شأنها أن تقود الأُمّة إلى السقوط، وتشدّها إلى الوراء.
ونحن نزعم أنّ أحد أسباب تخلّف الأُمّة وتقهقرها إلى الوراء وتداعي القوى الكبرى عليها ووقوفها وقفة الذليل مسلوب القوّة والطاقة يرجع فيما يرجع إلى غياب وعي تاريخي إيجابي يدفع للعمل الصالح والحضور الفعّال في ساحات الصراع، بدلاً من الاستغراق في الجدل وتمجيد الماضي وإلغاء الآخر، وبالتالي الانسحاب من مواقع التحدّي والعطاء.
إنّنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ فلسفة التاريخ تمثّل قاعدة أساسية لبناء شخصية الفرد وروح المجتمع، وهذا ما نوضّحه في العناوين التالية:
فلسفة التاريخ ضرورة عقائدية
لا ينفكّ الإنسان عن عقيدة يتبنّاها، فهو كائن عقائدي، لا يستقيم حاله دون امتلاك رؤية للكون والإنسان والحياة، وهذا يقود بالضرورة إلى الإيمان بدين من الأديان أو إيديولوجية ما أو مذهب من المذاهب، فمعرفة المبدأ والمنتهى والسبيل من القضايا المركزية في العقيدة.
وهذه المفاهيم تمثّل البناء التحتي للرؤية التاريخية وفلسفة التاريخ، فليست هذه الفلسفة سوى رؤية لِحَركة الإنسان في الزمان والمكان تقوم على قراءة للمبدأ وبيان معالم الغايات.
لذلك يمكن اعتبار فلسفة التاريخ جزءاً من المنظومة العقائدية، فإن كان البحث العقائدي التقليدي يرنو لدراسة هذه الأصول الخمسة: التوحيد، العدل، النبوة، الإمامة، المعاد، في مفاهيمها وتفاصيلها.
فإنّ فلسفة التاريخ قراءة لهذه الأصول من وجه آخر، أي في بعدها الاجتماعي والتاريخي، فالتوحيد يعبّر عن غاية الحركة التاريخية، ويحفز الطاقات نحو الفلاح والعمل.
والعدل يمثل أساس حركة الإنسان وضمانة النجاعة والنجاح في حركة الفرد، كما يمثل صمّام أمان لنجاح العلاقات الاجتماعية، وقيام حضارة إنسانية تكفل حقوق الجميع، وتوصلهم إلى السعادة الحقّة.
النبوة والإمامة فهذان الأصلان يحدّدان القيادة الإسلامية في التاريخ وتطوّر هذا الخطّ واستمراريته في الإشراف على المسيرة الاستخلافية للإنسان في إعمار الأرض.
أمّا المعاد: فهو يمثّل الأفق الاستراتيجي لحركة المجتمع البشري، ويكشف أنّ تحقّق الغايات على مستوى الساحة التاريخية (قيام المجتمع العالمي العادل) لا يعني فناء الكون والوجود، وإنّما هو مؤشّر على استنفاذ حركة التاريخ أغراضها في النشأة الدنيوية وأنّ مرحلة ما بعد الدنيا أو الآخرة قد حانت ساعتها.
فلسفة التاريخ وتراكم الخبرة الإنسانية
من منظور فلسفة التاريخ يمثّل الجنس البشري خطّاً مستمرّاً وحلقات مترابطة يكمّل بعضها بعضاً، وتسند تجارب السابقين وعي اللاحقين.
فالإنسان في أي مرحلة تاريخية هو امتداد للأجداد ويستمد عمقه من هذا التاريخ الطويل الذي يبدأ من آدم عليه السلام ليمتدّ إلى آخر الزمان، الذي سيتوّج بقيادة الصالحين، فالإنسان في أي عصر تاريخي يجد نفسه بين حدّين: آدم عليه السلام والمهدي عجل الله تعالى فرجه وعصر مجتمع العدل عموماً!
لذا فإنّ فلسفة التاريخ تمنح الإنسان هذا الوعي المتجذّر في أعماق البداية الإنسانية والممتدّ إلى نهايات المسيرة، (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (إبراهيم).
وعلى أساس هذه الرؤية الترابطية الموضوعية يستطيع الفرد والمجتمع في كلّ آن تاريخي أن يحدّد المرحلة التاريخية والمحطّة الزمانية التي تمرّ بها قافلة الإنسانية، وبالتالي يستطيع أن يشخّص بدقّة الدور والرسالة.
فغياب الوعي بطبيعة المرحلة يقود في أحيان كثيرة إلى الحيرة والاضطراب وفقدان الرؤية الصحيحة في العمل، و- من عَرِف زمانه لم تهجم عليه اللّوابس -.
فلسفة التاريخ وخطورة الوعي المزيف
في ثقافة الأُمّة الكثير من التصوّرات الخاطئة والمفاهيم المغلوطة عن التاريخ وعلاقتنا بالماضي، مما يؤكِّد الحاجة الماسّة لرؤية تاريخية جديدة تزيل الأوهام وتطرد الموروثات القاتلة، فقرون التخلّف لا تزال تلقي بظلالها على وجدان الأُمّة وروحها لتغرس وعياً مزيّفاً نتلمّس ملامحه في أكثر من صيغة.
مثال ذلك: غياب الفكر السنني على مستوى الدور التاريخي، وغياب عقلية الأخذ بالأسباب وانتظار الأُمّة أن ينزل عليها النصر بمعجزة من السماء! حيث لا تزال أوساط كثيرة من الأُمّة الإسلامية تتوقّع أن تَحسِمَ معاركها مع الخصوم والأعداء المعاجز والملائكة، وهي جالسة خاملة مكتفية في أحسن الأحوال بالدعاء!
ولذلك نَسَجَ الخيال الشعبي العديد من الحكايات التي نسمعها هنا وهناك عن هذه التوقّعات وهذه الرغبات الدفينة، وهي لا ترى مانعاً أن هذا النصر يَنزِل جاهزاً على يد طواغيت نكّلوا بالأُمّة وقتلوا علماءها وشرّدوا أخيارها!
ولكن غاب عن هؤلاء أنّ التاريخ تحكمه سنن وقوانين، والتدخل الإلهي له قوانينه وشروطه ومقوّماته، والتاريخ تحكمه إرادة الخيِّرين والصالحين، لا المعاجز!
وأنّ الرسول صلى الله عليه وآله خاصّةً والأنبياء عليهم السلام عموماً لم يكونوا استثناءً لقوانينه، وزُلزِلوا وامتُحنوا ولم ينزل النصر هديةً عليهم من السماء!
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة).
النموذج الثاني لهذا الوعي الزائف: تصوّرات الجماهير عن ثورة الإمام الحسين عليه السلام الموغلة في المأساوية والاستغراق في الماضي، بعيداً عن مركزية هذه الثورة في التاريخ الإنساني وعلاقتها بالمستقبل البشري: - أين الطالب بدم المقتول بكربلاء - (١٠).
ولذلك غابت روح المسؤولية تجاه الثورة الحسينية، وبالتالي تجاه التاريخ، وحضرت روح برغماتية نفعية: البكاء للفوز بالجنّة وشفاعة الحسين عليه السلام، فَعِوضَ أن يكون المؤمن ناصراً للحسين باليد والكلمة، يريد من الحسين أن يقضي حوائجه، وعِوضَ أن يعطي للثورة الحسينية يريد أن يأخذ منها.
هذه الروحية تنبع من وعي تاريخي مزيف بالثورة، ولابدّ من تخطّيه، ولن يتحقّق ذلك إلا ببناء وعي تاريخي جديد، يجمع في فهم الثورة الحسينية بين العقل والعاطفة، بين الفعل والانفعال، ويربط بين الماضي والحاضر، فلا يستغرق في التاريخ ويغفل عن طواغيت العصر، يمزج بين عطاء الإمام وفيوضاته، وتكاليف الفرد ومسؤولياته، ويقرن بين ثورة الحسين عليه السلام وثورة القائم عجل الله تعالى فرجه العالمية!
فلسفة التاريخ والتحدّيات الراهنة
يرى البعض أنّ فلسفة التاريخ - موضة بالية - سادت في فترة معينة القرن١٧و١٨ من القرون الميلادية، وتجاوزها تطوّر الفكر الإنساني إلى ما يمكن تسميته بالمستقبليات والدراسات الاستشرافية.
ولكن بعض الطروحات الغربية التي برزت في السنوات الأخيرة، وعُقدت لها مؤتمرات، وتداولتها الدوريات والكتب والمؤلّفات، تُبيّن أنّنا بحاجة إلى بلورة رؤية في فلسفة التاريخ.
وأنّ بروز علم المستقبليات لا يلغي أبداً بحوث فلسفة التاريخ وقيمها المعرفية والحضارية.
فالصراع الحضاري بين الشرق والغرب مستمرّ، ورغبة الأخير في الهيمنة والاستيلاء على العالم عبّرت عنها جملة من الأطروحات، كنهاية التاريخ لـ - فوكاياما -، الذي يحاول أن يثبت أنّ النموذج الليبرالي هو أرقى نمط سياسي مجتمعي يمكن أن تبلغه البشرية، وأنّ الليبرالية الديمقراطية هي الشكل النهائي للحكم في المجتمعات البشرية.
وهكذا تشكّل - العقلانية الليبرالية - أفق الكمال المعنوي للإنسانية، وتتحوّل بذلك إلى ظاهرة عالمية!
ومن المفاهيم البارزة التي تروّج للمشروع الليبرالي خاصّةً على المستوى الاقتصادي - العولمة - و- الكوكبة -، وكعنوان للهيمنة الغربية والأمريكية بالخصوص على العالم، إنّها الحلّ الجديد لمشروع أمركة العالم وتعميم النمط الليبرالي الغربي!
وفي ظلّ الممانعة التي تبديها المراكز الحضارية في العالم، خاصّة العالم الإسلامي، طلع علينا - صموئيل هينغنتون - بمقولة - صِدام الحضارات - وحتمية انتصار الحضارة الغربية.
كلّ هذا الجو المحموم من الحرب الفكرية والثقافية والنفسية المدعومة بأعتى وسائل الاتصال، والتي أخذت بعداً عسكرياً خاصة بعد ١١/أيلول حيث غَزَتْ الولايات المتحدة أكثر من دولة إسلامية بحجّة مكافحة الإرهاب والدفاع عن مكتسبات الحضارة والمدنية، كلّ هذا الجو يدعو بقوّة لطرح رؤية إسلامية متكاملة للتاريخ وفلسفته من منظور قرآني يحدّد موقفاً واضحاً من كلّ هذه الإشكالات.

الفصل الثاني عقيدة المخلّص في التراث الإنساني

تتحكّم جدلية - الوحدة والتنوّع - في التاريخ الإنساني، فالتنوّع الديني والمذهبي والاختلاف العرقي، والتعدّد اللساني، لا يلغي ألبتة نقاطاً مشتركة كثيرة بين البشر:
فلقد كانت المجتمعات الإنسانية بمختلف تمثّلاتها، وعلى مدى التاريخ، ترنو إلى إلهٍ خالق، ولذلك لم تخل حضارة من الحضارات من معبد، قد تخلو من مسرح أو ملعب، ولكنّها لا تخلو ألبتة من مكان لتقديس الإله وعبادته.
وعَبرَ التاريخ كان الإنسان يناصر العدل ويبغض الظلم والظالمين، ويقاومه إمّا بطريقة سلبية، وإمّا من خلال الرفض والممانعة الإيجابية، وفي كلّ الحضارات تقريباً نجد نزوعاً إنسانياً فطرياً وميلاً إلى الجمال، ترجمه بأساليب شتّى، وبما خلَّفته هذه الأمم من تراث فنّي وجمالي.
ومن مظاهر الوحدة بين هذه المجتمعات الإيمان بالمخلّص، فباستقراء التاريخ الديني والثقافي للإنسانية نجد أنّ مفهوم المخلّص ومبدأ الخلاص قاسم مشترك بين أكثر الحضارات، وإن كانت تختلف فيما بينها في حدود هذا المفهوم وعمقه وتفاصيله ومشخّصاته.
إنّنا نجد الفكرة ماثلة في أكثر روافد التراث الإنساني (الدين، الفلسفة، السياسة).
أوّلاً: المخلّص في الأديان
لا تخلو ديانة من الديانات تقريباً من فكرة - المخلّص -، وتتراوح هذه المقولة بين كونها مبدأ متجسداً في رمز يستقطب طموح الناس وأحلامهم في الانعتاق والسعادة، وبين كونها مساراً أو مسلكاً تربوياً وأخلاقياً يؤدّي في النهاية إلى السعادة والرفاه.
ويصعب استقصاء كلّ الأديان، وإنّما نستعرض بعضها محاولين الاستدلال على اطراد هذه الفكرة، فكرة المخلّص في التراث الديني الإنساني.
ديانات المصريين القدامى
آمن المصريون القدامى بتعدّد الآلهة، فكانت ما يسمّى بـ - تاسوع ميلبوليس - حيث يؤمنون أنّ - أتوم - هو الإله الخالق الأوّل، وهو الذي اتحد مع إله الشمس - رع -، ويعتقدون أنّ - أتوم - خرج من عماء الماء الذي يسمّى نون (المحيط الذي خرجت منه كلّ الكائنات) ثمّ ظهر فوق تل، وأنجب بغير زواج الإله - شو - الهواء، والإله - نوت - الرطوبة.
وكان إله الهواء هو الذي زجّ بنفسه بين إله السماء - نوت - وزوجها إله الأرض - جب - Geb، وأنجب هذا الزواج بين - جب - Geb و- نوت - Nut الأولاد: أوزوريس، وإيزيس، وست، ونقتيس.
وتقول أساطيرهم: إنّ - ست - قتل أخاه - أوزوريس -، فأرسل - رع - الابن الرابع - أوتس - ليدفنه، ولذلك كان إله الدفن، وأصبحت طريقة دفنه هي النموذج الذي يحتذي به المصريون، ولأجل ذلك طغى على طقوسهم الدينية الطابع الجنائزي، حيث يهتمّون أشدّ الاهتمام بالاحتفال بدفن الميت؛ لأنّهم يعتقدون أنّ خلاص الميت وسعادته في المستقبل يتوقّف على هذه الطقوس.
وكانوا يعتقدون أنّ كلّ إنسان بعد الموت سوف يواجه أمام - أوزوريس - والقضاة الاثنين والأربعين (ميزان القلب)، - وهناك العديد من الرسوم والنصوص التي تعالج هذه الفكرة ويظهر كفي الميزان واحد فيها رمز الإله (ماعت: ربة الحقيقة) وفي الكفة الثانية قلب المتوفي، فإذا استطاعت فضائله إحداث توازن مع كفة الحقيقة فسوف يصدر الحكم لصالحه بالسعادة الأبدية، وإلا فهناك وحش يسمّى (ملتهم الموتى) يقف منتظراً القضاء على الشخص المُدان - (١١)، وهكذا يصبح - أوزوريس - هو المخلّص، والتوحّد به هو سبيل السعادة.
كان التوحّد مع - أوزوريس - في الخلود ومنذ الدولة الوسطى وما بعدها أصبح هذا التوحّد ميزة يحصل عليها كلّ من مارس الطقوس الدينية المناسبة.
وفي العهد الروماني أصبح التوحّد مع - أوزوريس - يُعبّر عنه بتصوير المتوفّى في بعض الأحيان، وهو يحمل صفات من - أوزوريس -، لقد أصبح عرفاً سائداً لمدّة طويلة أن يوضع اسم - أوزوريس - قبل اسم المتوفّى، ولا يخفى ما ساهمت به البيئة الجغرافية التي كان يعيش فيها المصريون في تعميق فكرة الخلاص، حيث تجدّد الحياة النباتية مع موسم الأمطار، وعودة النيل الذي يعود حاملاً الخصب والنماء بعد القحط والجفاف، وكذلك الظروف السياسية التي عاشوها عقيب الحكم الفارسي على مصر الذي استولى عليها سنة /٥٢٥/ق.م، مما جعلهم يتوقون إلى مخلّص ينقذهم من الهيمنة الفارسية، إلى أن حرّر الإسكندر مصر سنة /٣٣٢/ق.م، ولذلك أضفوا عليه سمات القداسة، حيث أشاعوا أنّه ثمرة زواج الإله - آتون - الذي تقمّص جسد الأب والآلهة - أولمياس -.
وينقل صاحب قصّة الحضارة كيف كان عرّاف الإسكندرية يخاطب الإسكندر: - ينبغي لخطاك أن تكون بعد اليوم كخطى الصاعقة، وإنّ تاج المحرّر لمصر ينتظرك كابن منتظر للإله - آمون - (١٢).
وبعد موت الإسكندر حاول بطليموس أن يبدو في نظر المصريين بقداسة الإسكندر، فلقّب نفسه - سوتر - ولكنّه فشل، إذ كانت تنقصه أسطورة الأمل الإلهي، فظلّ المصريون مشدودين إلى قادم يزيل عنهم الظلم.
وهذا الانتظار تضخّم في نظر بعض المؤرِّخين فعزا معه سبب اعتناق المصريين للنصرانية إلى أنّ عيسى سوف يرجع ليحكم العالم ويرفع عنه الظلم بعد أن يقضي على الظالمين.(١٣)
ديانة اليونان
يعدّ اليونانيون أكبر صانعي الأساطير، وقد فرضوا معتقداتهم على تراث أوروبا القديم في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد(١٤)، ويُرجِع بعض المؤرِّخين هذه المعتقدات إلى ظروف الحرب والهجرة التي سادت.
ولكن ما يهمنا في المقام إيحاءات فكرة المخلّص في هذه الأدبيات الدينية، ويمكن أن نرصد ملامح ذلك في مفردتين أساسيتين:
أوّلاً: الإله - زيوس - الذي يعتبر أعلى آلهة الإغريق، حيث أدرك اليونانيون وجود إله محيط بكلّ شيء وبأنّ - زيوس جامع الغيوم وإله المطر والسحاب والبرق وإله الزواج والمكمل والمنقذ - (١٥)، ويصوِّر الشاعر اليوناني اسخيليوس (٥٢٥ - ٤٥٦ق.م) في ثلاثيته المسرحية - الأورستيا - على أنّ - زيوس - هو المنقذ، وإنّ - زيوس - هو محقّق الأمل.(١٦)
ثانياً: لقد أسقط اليونانيون على أبطالهم صفات الألوهية، وبقدر ما عرف تاريخهم من أبطالهم بقدر ما اهتزّت صورة الآلهة القديمة، ورأينا سابقاً كيف كان للإسكندر الأعظم تأثير على معتقدات المصريين، وهو ماثل عند اليونانيين مع محاولة الإسكندر في جعل الألوهية الفكرة الأساسية للإمبراطورية فأصبحت سابقة لمن بعده،فحاول ذلك بطليموس لكنّه فشل كما رأينا، وعندما جاء ديمتريوس فاتح المدن الذي طرد بطليموس من أثينا وهزم الأسطول البطلمي - أنشدوا ترنيمة جميلة تعلن أنّ الآلهة الأخرى غائبة صمّاء غير مكترثة أو غير موجودة أمّا هو فهو تجلّ للإله الواحد الحقّ... وبعد ذلك اتخذ الحكّام ألقاباً مثل المحيين EU - GETE - أو المنقذ وتجلّي الإله ويتخذون الصاعقة كـ(يرانوس) - (١٧).
الديانة الهندوسية
إنّ الهندوسية مزيج من الاعتقادات والفرائض والسنن، وهي قد تنتكس أحياناً في اتجاه عبادة بعض الظواهر الطبيعية، وتسمو أحياناً أخرى إلى التجريدات العقلية الفلسفية، لا يعرف لها مؤسّس بعينه، وكذلك كتابهم المقدّس - الفيدا - وهو الجامع لأحكامهم ومعتقداتهم وعاداتهم بين دفتيه.
تتميّز الديانة الهندوسية بكثرة الآلهة بسبب انشدادهم إلى جملة من الظواهر الطبيعية والكائنات، واعتقدوا أنّ لها أرواحاً أو نفوساً فتقرّبوا إليها بالعبادة والقرابين واعتبروها آلهة.
وفي مرحلة أخرى من نضج فكرهم العقائدي، آمنوا أنّ في صف الآلهة رؤساء ومرؤوسين، وأنّ ربّ الأرباب هو الرئيس الآمر وحده، وقالوا: إنّ الآلهة هي إله واحد - هو الذي أخرج العالم من ذاته، وهو الذي يحفظه ثمّ يهلكه ثمّ يردّه إليه، وأطلقوا عليه ثلاثة أسماء فهو - براهما - من حيث هو موجود، وهو - فشنو - من حيث هو حافظ، وهو - سيفا - من حيث هو مُهلك -.(١٨)
وتقوم الهندوسية على تصنيف طبقي للمجتمع حيث يقسّمونه إلى أربع طبقات: البراهمة، الجند، التجّار والصنّاع، الخدم والعبيد، وهو تقسيم عرقي؛ لأنّهم أخرجوا المنبوذين ومنعوهم من الدخول في هذه الأقسام، وقَصَروا التصنيف على الجنس الآري القادمين من الغرب، والتورانيين - الجنس الأصفر الذين جاءوا من الشرق -، ومنح هذا التصنيف البراهمة امتيازات كبرى إلى درجة اعتبروا أنّ - كلّ ما في الأرض ملك للبرهمي، وللبرهمي حقّ في كلّ موجود... لا يُدنّس البرهمي بذنب ولو قَتَلَ العوالم الثلاثة -.(١٩)
وتتضح فكرة المخلّص وضرورة الخلاص من خلال أمرين اثنين: الإله فشنو، ومبدأ الانطلاق.
أمّا فيما يخصّ مبدأ الانطلاق فالهندوسية تعتقد أنّ الشهوات أقوى العوامل في حياتنا، ومن خلال هذه النزعات الشهوانية إمّا أن نحُسن للآخرين وإمّا أن نُسيء إليهم، ومن هنا لابدّ لنا أن ننال جزاءنا، وهو ما يسمّونه بـ - الكارما -، ولكنّهم لاحظوا في الواقع أنّ الجزاء قد لا يصل إلى مُستَحِقِّه، فالظالم قد يموت قبل أن يُقتصّ منه، فلجؤوا إلى فكرة تناسخ الأرواح (تكرار الولادة)، وسبب ذلك أنّ الروح خرجت من الجسم ولا تزال لها أهواء وشهوات متعلّقة بالعالم، وكذلك عليها حقوق للآخرين، فلابدّ لها أن تستوفي شهواتها في أدوار حياتية أخرى، وتنال جزاءها وفق ما عملت في حياتها السابقة، وأمّا إذا أكملت الميول ولم يبق للإنسان شهوة ما وأزيلت الديون، فلم يرتكب الإنسان إثماً، ولم يقم بحسنة تستوجب الثواب، نجت روحه وتخلّصت من تكرار المولد وامتزجت بالبراهما سواء كان الاكتمال في جسد واحد أم أجساد متعدّدة(٢٠)، فالسبيل إلى عدم تكرار الولادة اكتمال الميول والشهوات بأن يقنع الإنسان بما عنده ولا يطمع في المزيد وينقطع عن كلّ الوشائج التي تربطه بالدنيا والناس، وإذا تمّ له ذلك نجا من تكرار الولادة وامتزج ببراهما وهذا ما يسمّونه بالانطلاق، فالانطلاق هو سبيل الخلاص بالامتزاج ببراهما.
وينقل ول ديورانت عن أسفار اليوبانشاد عن الملك الذي خلّف ملكه وضرب في الغابة متقشّفاً - الملك جاناك -، وكيف يتوسّل إلى الحكيم - باجنافالكيا - أن يرشده إلى طريق الخلاص من العودة إلى الولادة من جديد، فيجيبه الحكيم بشرح رياضة اليوغا والتخلّص من الشهوات إلى أن يقول: - وإنّها لجنّة صارمة تلك التي يعدها - باجنافالكيا - لذلك الملك المتبتّل؛ لأنّ الفرد هناك لن يشعر بفرديته بل كلّ ما سيتمّ هناك هو امتصاص الفرد في الوجود هو عودة الجزء إلى الأنحاء بالكلّ الذي انفصل عنه حيناً من الدهر، فكما تتلاشى الأنهار المتدفّقة في البحر وتفقد أسماءها وأشكالها فكذلك الرجل الحكيم إذا ما تحرّر من اسمه وشكله يفنى في الشخص القدسي الذي هو فوق الجميع - (٢١).
أمّا الأمر الثاني: ففيه إشارة واضحة إلى المخلّص في عقيدة الهندوس الذين يؤمنون بأنّ فشنو - الإلَه بما هو حافظ - يتجسّد على شكل إنسان أو شكل خارق عندما تدعو الحاجة لإصلاح كلّ شيء والقضاء على الشرّ، يقول فشنو: - وعندما يتدهور النظام والعدالة سأنزل إلى الأرض -، ويؤمن المعتقِد الهندوسي بوجود عشرة تجلّيات لفشنو الإله الحافظ للكون، ومن أشهر هذه التجلّيات تجسّده في شكل سمكة - ماتسا - لإنقاذ - مانو - من الفيضان العظيم و- مانو - هو الجدّ الأعلى للبشرية، وعندما أصبح وجوده في خطر وتهدّد الجنس البشري بالفيضان حماه فشنو عندما تجسّد في سمكة ضخمة.
كما تجسّد فشنو على شكل القزم - فامانا - الذي أنقذ العالم من عفريت شرّير يدعى - بالي -، وكانت العفاريت تحت قيادة بالي نجحت في السيطرة على الأرض بأسرها، ولم تدع مجالاً للأرباب فيها، فتوسّل فشنو وهو متنكّر في هيئة القزم إلى بالي أن يعطيه بقدر ما يستطيع أن يقطع في ثلاث خطوات، فاعتقد بالي أنّ ما يستطيع أن يقطعه لا يساوي شيئاً فمنحه ما أراد، وكان فشنو تحوّل إلى عملاق وقطع الأرض بكاملها في ثلاث خطوات واستعاد الأرض وحرّرها من العفاريت.(٢٢)
ولفشنو تجسّدات أخرى كمخلّص في شكل خنزير برّي وراما وبوذا، والتجلّي العاشر والأخير فهو تجسيد المستقبل ليكون الهبوط الأخير لفشنو، وسيحدث نهاية العصر الحاضر، وهو المخلّص الذي يجيء ليعاقب الأشرار ويجازي الأخيار، وقد وُصِفَ في صور مختلفة على أنّه حصان أو إنسان برأس حصان أو إنسان يمتطي صهوة حصان أبيض في يده سيف ملتهب، وسوف يحكم الأرض بالقسط والعدل ويستعيد العصر الذهبي.(٢٣)
الديانة الجانتية
نتيجة للنظام الطبقي الذي كرّسته الهندوسية والامتيازات التي خصّت بها البراهمة، واستبداد البراهمة وظهور تعسّفهم وطغيانهم أحياناً، وضجّ الناس من استبداد البراهمة وجورهم، وتَمنّوا ظهور قائد روحي جديد يخلّصهم من ظلم البراهمة وطغيانهم(٢٤)، وكانت طائفة - الكشتريا - أكثر الطوائف سخطاً وتبرّماً، وآمنت يوماً بعد آخر بضرورة الثورة، وتحقّق بالفعل حلمهم على يد مصلحين كبيرين، وديانتين جديدتين:
أوّلاً: مهاويرا مؤسّس الجينية أو الجانتية.
ثانياً: بوذا مؤسّس البوذية.
ولد - مهاويرا - ومعناه البطل العظيم سنة /٥٩٩/ ق.م، نشأ في وسط ثري ومالَ إلى الزهد والترهّب، وفي سن ّالثلاثين خلع ملابسه الفاخرة وحلق رأسه وبدأ حياة الزهد والتبتّل، ونتيجة الرياضات الروحية الشاقة والاستغراق في التفكير والتأمّل وصل إلى حالة من الذهول، وأدرك - كما يعتقد - درجات علية من العلم، إلى أن بلغ مرتبة - المرشد -، ومن هنا بدأ نشاطه الدَعَوي ولاقت دعوته انتشاراً ونجاحاً.
ولماّ كانت الجانتية في جوهرها محاولة للخروج من تسلّط البراهمة لم يعترف - مهاويرا - بالآلهة؛ لأنّ هذا الاعتراف قد يؤدّي إلى إحداث طبقة جديدة أو كهنة جدّد يجعلون أنفسهم واسطة بين الناس وبين الآلهة ويخصّون أنفسهم بامتيازات معيّنة، ولذلك سمّي دينه دين إلحاد، وتعتقد الجينية أنّ كلّ موجود إنساناً كان أم نباتاً أم حيواناً يتركّب من جسم وروح، وأنّ كلّ روح يجري فيها التناسخ، وهنا تلتقي الجانتية مع الهندوسية.
ونتيجة لمسالمتهم ومبالغتهم في عدم العنف لدرجة أنّهم يمنعون من قتل الهوام والحشرات، اعترفوا بآلهة الهندوس: براهما، فشنو، سيفا.
ومقابل - الانطلاق - كعنوان للخلاص لدى الهندوس نجد لديهم عنوان - النجاة -.
ومقابل - فشنو - المخلّص لدى الهندوس فإن المخلّص عند الجانتية هو - بارسفا -.
فما هي النجاة؟
للوصول إلى تخليص الروح من - الكارما - - الشهوات والميول - يظلّ الإنسان يولد ويموت حتّى تطهر نفسه وتنتهي رغباته، حينئذٍ تقف دائرة عمله ومعها حياته المادية فيبقى روحاً خالداً في نعيم خالد، وخلود الروح في النعيم بعد تخلّصها من المادة سمّي عند الجينين: النجاة، وهو ما يعادل الانطلاق في الهندوسية، والنرفانا في البوذية.(٢٥)
فالنجاة هي: تنزيه النفس عن الرغبات والشهوات للحيلولة دون تكرار الولادة، - ولابدّ للنجاة من قهر جميع المشاعر والعواطف والحاجات، ومؤدّى هذا ألاّ يحسّ الراهب بحب أو كره، بسرور أو حزن، لا بحرّ أو برد، ولا خوف أو حياة، ولا بجوع أو عطش، لا بخير أو شرّ، والجيني بذلك يصل إلى حالة من الجمود والخمود والذهول فلا يشعر بما حوله، ودليل ذلك أن يتعرّى فلا يحسّ بحياء، وينتف شعره فلا يتألّم، لأنّه لو أحسّ بما في الحياة من خير أو شرّ أو نظم متفق عليها فمعنى هذا أنّه لا يزال متعلّقاً بها خاضعاً لمقاييسها، وهذا يبعده عن النجاة... -.(٢٦)
ومن هو بارسفا؟
هو اترثانكارا (المرشد) الثالث والعشرون عند طائفة الجينيين، كان أبوه ملكاً حين أخبرته زوجته أنّ ابنها سيصبح ملك العالم ومخلّصه ومنقذه، وأنّها رأت ذلك في المنام.(٢٧)
وتقول الأسطورة: إنّ بارسفا تعب من عدم وجود الكمال في الوجود فاتجه إلى التناسل، وطلب منه الإلَه فتح طريق التعليم لبقية الكائنات، وقام بنزع ملابسه كعلامة لآخر تعلّق بالحياة الدنيا، ووقف ليتأمّل ويصوم دون توقّف، وطُلب منه أن يدرّس الناس طريق الخلاص.(٢٨)
البوذية
في البوذية - النرفانا - هي درب الخلاص، وبوذا - الذي من معانيه المنقذ المنتظر(٢٩) - هو المخلّص.
ولكن من هو بوذا؟ وما تعاليمه؟ وما هي وسيلة النرفانا؟
بوذا هو غواتيما سدهارتا ولد سنة /٥٧٣/ق.م من عائلة ملكية تعيش الرفاه والترف، عَزف عن هذه الحياة على الرغم مما وفّره له أبوه من وسائل الملذّات واللهو حتّى يشغله عن تأمّلاته في آلام الإنسان وعذاباته وتفاهة الحياة، وفي سنّ التاسعة والعشرين فرّ من قصر أبيه واتجه إلى البراري، التقى هناك باثنين من رهبان البراهمة لكنّه سرعان ما تركهما حين عرف أنّهما يطلبان التقشّف والزهد لذاتهما، وهو يريد الزهد طريقاً إلى أسرار الكون.
واصل سيره إلى أن بلغ ضفة نهر - جاياومو - وجلس تحت شجرة - البو -، وهناك بدأ في التأمّل الجاد على طريقة الرجال المقدّسين في الهند، عازماً أن يظلّ في تأمّله على هذا النحو حتّى يصل إلى الاستنارة التي يسعى لها.
بعد مجاهدة روحية أمكنه أن يتغلّب على كلّ العوامل الشريرة التي تربط الناس، ودخل إلى نطاق العالم الأزلي، وهكذا استيقظ سدهارتا وصار بوذا أي الرجل المستنير، - ويوضّح التراث البوذي أنّه كان باستطاعته عند هذه النقطة أن يظلّ هكذا دون أن ينشغل أو يهتمّ بالعالم الفاني الزائل،لكن بوذا رحمة منه وشفقة على جماهير الجنس البشري طرح هذا الإمكان لكي يكرّس نفسه خلال الفترة الزمانية الباقية لإعلان الـ - دهاما - DAHAMA أو الحقيقة الأزلية التي أيقظته -.(٣٠)
وما هي النرفانا؟
إنّها تلتقي بالانطلاق عند الهندوسية، والنجاة عند الجانتية، إنّها تعني الخلاص من تكرار المولد، وهي تقوم كما ذكرنا سابقاً على عقيدة تناسخ الأرواح.
لمّا أتت الإشراقة الروحية لبوذا تحت الشجرة المقدّسة وسمع ذلك الصوت يشعّ في داخله - نعم، في الكون حقّ أيّها الناسك، هناك حقّ لا ريب فيه، جاهدْ نفسك حتّى تناله -، حاول الشيطان - مارا - غوايته بهجران عالم الفناء والاستمتاع بعالم النرفانا، ولكن بوذا أصرّ أنّه لن يترك هذا العالم حتّى يأخذ بأيدي الآخرين على طريق الخلاص، من هنا قيل: إنّ النرفانا هي التخلّص من رغبات الذات وشهواتها، وأن يصبح الإنسان سيّد رغباته بفضل قوته الروحية الداخلية.
وقيل: إنّها وصول الفرد إلى أعلى درجات الصفاء الروحي لتطهير النفس والقضاء على جميع الرغبات المادية، ويصبح المقياس عندئذٍ: - كلّ من أراد أن ينقذ حياته عليه أن يخسرها -.
وقيل: إنّ النرفانا هي الاندماج في الإله والفناء فيه - في المرحلة التي كان يقول فيها بوذا بوجود إله -.
وقيل: إنّها إنقاذ الإنسان نفسه من الكارما، وتكرار المولد بالقضاء على الرغبات، والتوقّف عن عمل الخير والشرّ.
لقد واجه بوذا صعوبات في نشر تعاليمه؛ لأنّ تجربة الإشراق تجربة ذاتية داخلية يصعب تفسيرها للآخرين لمعرفة النفس ومعرفة طريق الخلاص.
ولمّا ترك بوذا منطقة الآلهة فارغة وأعرض عن الحديث عن الآلهة، وبحكم الميل الفطري للناس إلى الإله ونزوع الهنود خصوصاً إلى تعدّد الآلهة، فقد اتجه البعض إلى القول بأنّ بوذا هو تجلّي إلهي، وقال بعضهم: إنّه تجسّد لفشنو إله البراهمة - كما ذكرنا -، وفي مرحلة لاحقة لتطوّر البوذية ظهرت المهايانا (النهج الكبير) التي استطاعت أن تحتلّ عمقاً شعبياً بعد أن تجاوزت ضرورة حياة الأديرة، وفسّرت النصوص الدينية بأقلّ صرامة وتشدّد.
وفي إطار المهايانا ظهر مفهوم البوذستفا: وهو يطلق على كلّ شخص يكون على أعتاب النرفانا ثمّ يؤجّل عامداً الدخول في حالة الغبطة النهائية - النرفانا - شفقة منه على جماهير الناس العاديين، وبدلاً من أن يتحوّل إلى بوذا كامل فإنّه يظلّ مقيماً في العالم الزماني مكرّساً نفسه لخلاص الآخرين(٣١)، ويعود الفضل إلى فكرة المخلّص البوذستفا BODHI - ATTVA في انتشار البوذية في الصين، على الرغم من ازدراء الكونفوشية لكن - غالبية جماهير الشعب الصيني كانت على استعداد للترحيب بالتعاليم الجديدة لاسيّما رسالتها عن البدهشتا السماوية، التي يمكن أن يلجأ إليها المرء للمساعدة لالتماس الخلاص من شرور هذه الدنيا وأحزانها -.(٣٢)
وهكذا تؤكّد المهايانا ما يذهب إليه التراث البوذي من أنّ بوذا ظهر من وقت لآخر طوال التاريخ البشري، وسوف يواصل الظهور على هذا النحو... ويحصل هذا حسب مصطلحاتهم التقليدية كل/٥٠٠٠/ سنة.(٣٣)
ويَعتَبِر صاحب قصّة الحضارة التبشير بالمخلّص إحدى ميزات المهايانا فيذكرها في معرض تعداده لها -.. واعترافها ببوذيين منتظرين يخلّصون البشر بخلود الروح الإنسانية -.(٣٤)
الزرادشتيه
 - زرادشت - أو - زوراستر - اختلف في تاريخ ولادته فمن قائل أنّه ولد /٦٢٨/ق.م أو/٦٠٠٠/ق.م إلى قائل آخر يدّعي معاصرته لبوذا وكونفوشيوس وجينتية، مارس نشاطه شمال شرق إيران، حُفظت تعاليمه في سبع عشر ترنيمة تعرف بجاثا GATHA - وهي تمثّل القسم الأكبر من الأبستا ABE - TA الكتاب المقدّس عند الزرادشتين.
المبدأ الأساسي عند زرادشت أنّ الشرّ لا يأتي من الخالق، لأنّ الشرّ جوهر مثل الخير، وكلّ منهما يرجع إلى سبب أوّل، فكان إله الخير - أهورامزدا - وكان إله الشرّ - أهرمان - المسؤول عن شرور العالم وعن الأمراض والموت والغضب... فالتاريخ هو تاريخ صراع بين الخير والشرّ، بين أهورامزدا وأهرمان، ودور الإنسان يتحدّد بالقيام بدور فاعل في هذا التغيير من خلال المساهمة في التغلّب على الشرّ الأهرميني، جاء في كتابهم المقدّس - أتستطيع أن تكون من أولئك الذين يجدّدون هذا العالم - (٣٥).
وينقسم التاريخ باعتقادهم إلى أربع حقب، تمتدّ كلّ حقبة ثلاثة آلاف سنة، وقع التشابك في الفترة الثالثة بين أهورامزدا وأهرمان بعدما كان كلّ منهما يجهّز قوته وسوف ينهزم الشيطان في النهاية.
سيظهر المنقذ - ساونشيان - الذي سيولد من عذراء ستظهر في بحيرة كاسنويا وإنّ التجديد النهائي سيحصل على الأثر من تضحية ساونشيان الذي سيأتي لتجديد الحياة في نهاية الحياة، وستمحى في زمانه جميع الشرور التي أثارها أهرمان، وسيتمّ خلق العالم من جديد، وستتحد الأرواح بالأجساد(٣٦)، ويرى بعض المؤرِّخين أنّ زرادشت اعتقد أنّ الأرض ستصلح من بعده مباشرة، ولكن عندما لم يحدث ذلك وبقيت الأرض على ما هي عليه اعتقد أتباعه أنّه سيتبع بثلاثة منقذين يظهر كلّ عام...
وبموجب أسطورة متأخّرة فإنّ الزمن يتضمّن ١٢ ألف سنة مقسّمة إلى أربعة أقسام، كلّ قسم٣٠٠٠ سنة، والحقبة الأخيرة حظيت بتعاليم زرادشت، وتنتهي بمجيء ساوشيانت أو المنقذ٣٦، ونلمح هذا النزوع إلى المخلّص في كتابهم المقدّس - دُلّني يا مزدا على قائد مخلّص حكيم متلطّف يقودني إليك - (٣٧)، - اجعلنا من الذين يجدّدون هذا الوجود(٣٨) -، - اعمل كي تكون من زمرة الأشخاص الذين يساهمون في سبيل رقي وكمال هذا العالم -.(٣٩)
هناك أديان قريبة من الزرادشتية تلتقي معها حول الثنوية والإيمان بإله الخير وإله الشرّ، واتفقت معها أيضاً حول فكرة المخلّص، من هذه الأديان:
أ. المانديون: يؤمنون بملك النور وسيد العظمة هو - مانا - العظيم، الذي يقابل مملكة الظلام، ويعتقدون أنّه قد تم خلقه من طريق فيوض صدرت عن مملكة النور، ومن أهمّ الموجودات التي صدرت عنه المخلّص - مانداهاي - أو معرفة الحياة، ومنها اشتق اسم هذه الديانة، ويؤمنون أن ّالروح سجينة البدن، ونهاية العالم عندما يحصل التخلّص من الأرض والكواكب، فإنّ أرواح الأتقياء الأبرار سوف تتحرّر - ويمكن أن يتمّ التحرّر هنا نتيجة لعمل هيبل زيوا HIBILZIWA وهو مخلّص اقتحم العالم وهزم أرواح الشرّ -.(٤٠)
ب. المانوية: ولد - مان - سنة/٢١٦/م، وأعلن أنّه جاء ليتمّ عمل زرادشت وبوذا والمسيح عليه السلام، وهو يؤمن بثنائية إله النور وإله الظلام، وقد وحّد إلَهه مع إله المستمعين له، فإذا وجّه خطابه إلى المسيحيين فهو المخلّص يسوع، وعندما يخاطب الزرادشتيين فهو الإنسان الأوّل أهورامزدا.
اليهودية
تاريخ اليهودية - وبسبب ما عرف به اليهود من مكر وخديعة وتآمر على الشعوب الأخرى وتكتّل وعنصرية ضدّهم - مليء بالصراع، وكانوا دوماً عرضة للذلّ والهوان مما جعلهم منشدِّين دوماً إلى مخلّص يخلّصهم من واقعهم الرديء، ومما عزّز هذا الشعور ما حوته كتبهم من إشارات إلى المنقذ، وأهمّها الحديث عن - يهوه - الإله المخلّص، وثانيهما المسيح الموعود الذي يوحّد اليهود وينجِّيهم من ذلّتهم.
جاء في سفر أشعيا: - بها العذراء تحبل وتلد ابنا اسمه عمانويل؛ لأنّه يولد لنا ولد، ونعطى ابنا وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجباً، ويكون إلهاً قديراً أباه رئيس السلام، ويحمل عليه روح الربّ روح الحكمة والفهم، روح المشورة والعزّة روح المعرفة ومخالفة الربّ يقضي بالعدل للمسالمين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض، ويضرب الأرض بقضيب فمه، ويميت المنافق بنفخة شفتيه، ويكون البر منطقة ثنية، والأمانة منطقة حقوية، ويسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن وصبي صغير يسوقها... فيطبعون سيوفهم سككاً، ورماحهم مناجل، ولا ترفع أُمّة على أُمّة سيفاً، ولا يتعلّمون الحرب فيما بعد - (٤١).
وتهيُئ اليهود لهذا المخلّص وتوقّعهم يزداد كلّما ألمّت بهم البلايا والمحن، وظهر المسيح عليه السلام وأعلن أنّه المسيح الذي ينتظره اليهود، ولكن أكثرهم رفض هذا الادعاء، وقاوموا دعوة المسيح عليه السلام وألقوا عليه القبض وحكموا عليه بالصلب، وفي المزمور الثاني والسبعين من مزامير داود عليه السلام من العهد القديم نقرأ بشارة بالمخلّص جاء فيها:
- اللهم أعطِ شريعتك للملك، وعدلك لابن الملك؛
ليحكم بين شعبك بالعدل، ولعبادك المساكين بالحقّ.
فلتحمل الجبال والآكام السلام للشعب في ظلّ العدل؛
ليحكم لمساكين الشعب بالحقّ، ويخلّص البائسين ويسحق الظالم.
يخشونك ما دامت الشمس وما أنار القمر على مرّ الأجيال والعصور.
سيكون كالمطر يهطل على الشعب، وكالغيث الوارف الذي يروي الأرض العطشى.
يشرق في أيّامه الأبرار، ويعمّ السلام إلى يوم يختفي القمر من الوجود.
ويملك من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض.
أمامه يجثو أهل الصحراء، ويلحس أعداءه التراب.
ملوك توسيس والجزائر يدفعون الجزية، وملوك سبأ يقدّمون الهدايا.
يسجد له كلّ الملوك، وتخدمه كلّ الأمم؛
لأنّه ينجي الفقير المستغيث به، والمسكين إذ لامعين له.
يشفق على الضعفاء والبائسين، ويخلّص أنفس الفقراء.
ويحرّرهم من الظلم والجور، وتكرم دماؤهم في عينيه.
فليعش طويلاً، وليعط له ذهب سبأ، وليصلّ عليه، ويبارك كلّ يوم.
فليكثر القمح والبر في البلاد حتّى أعالي البلاد، ولتتمايل سنابل القمح...
كأشجار جبل لبنان، ويشرق الرجال في المدينة كحشائش الحقول.
ويبقى اسمه أبد الدهر، وينشر ذكره واسمه أبداً ما بقيت شمس مضيئة.
وليتبارك الجميع وجميع الأمم تنادي باسمه -.(٤٢)
لقد ذهب مفسّرو العهد القديم إلى أنّ المقصود بالملك: داود عليه السلام، وابن الملك: سليمان عليه السلام، ولكن القرائن الداخلية تصرف البشارة عن ذلك.
وذهب بعضهم إلى أنّ المقصود بالملك: عيسى عليه السلام، ولكنّهم تحيّروا في عبارة - ابن الملك -، ولكن صاحب - بشائر الأسفار - يرى: أنّ القرائن الداخلية والصفات التي جاء ذكرها في المزمور تجعل المقصود من الملك النبي صلى الله عليه وآله، وابن الملك هو الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه ابنه وحفيده.(٤٣)
وبقي اليهود إلى عهود قريبة ينتظرون المسيح المخلّص؛ بل إنّهم ينتظرونه إلى يومنا هذا، ولقد ظهر أكثر من شخص يدّعي ذلك في القرون الأخيرة.
المسيحية
لا نجد عناءً شديداً في التدليل على أنّ المسيحية حالها حال الديانات السابقة بشّرت بالمخلّص، بل يبدو المفهوم واضحاً وراسخاً إلى حدّ كبير، حتّى أنّ الإنجيل في أصل تسميته يرادف لفظ الحلوان GO - PEL باليونانية: وهو ما تعطيه لمن أتاك بالبشرى،
ثمّ أريد منه البشرى عينها، أمّا السيد المسيح عليه السلام فقد استعملها بمعنى بشرى الخلاص التي حملها واستعملها الرسل من بعده بالمعنى نفسه.(٤٤)
لقد وردت كلمة المسيح في التوراة ولا يزال اليهود ينتظرونه ويرونه ملكاً عظيماً سيأتي ليجعل لهم السلطان على الأرض، ولكنّه لمّا أتاهم تآمروا ضدّه وكفروا به وأنكروا أنّه الموعود... واعتقدوا أنّهم قتلوه.
ويقول المسيحيون: إنّ أنواراً قد ملأت الأجواء في بيت لحم عقيب مولد المسيح عليه السلام وإنّ نجماً لاح في السماء يبشّر بمولد المخلّص، وأن هيرودوس ملك اليهود لمّا علم بذلك خاف على ملكه من المولود الجديد، وكان يعرف أنّ زوال ملكه على يد مولود من بيت لحم، فقرّر قتل كلّ مواليد هذه المدينة.(٤٥)
وفي الواقع إنّ المسيح عليه السلام لم يدّعِ أنّه المسيح الذي ينتظره اليهود، ولكن أتباعه الذين هم من اليهود أصلاً أعطوه هذا اللقب، وساهم - بولس - الذي تعود إليه تعاليم المسيحية كما هي معهودة إلى يومنا هذا في تأكيد فكرة المخلّص ليستقطب أكبر عدد ممكن من اليهود، فأذاع أنّ المسيح منقذ ومخلّص.
وباستقراء العهد الجديد نجد العديد من النصوص الدينية التي تُبرز فكرة المخلّص وتُبشر بخلاص الإنسان، فقد جاء في إنجيل متى على لسان يسوع: - طوبى للمساكين بالروح؛ لأنّ لهم ملكوت السموات، طوبى للحزانى؛ لأنّهم يتعزون، طوبى للودعاء؛ لأنّهم يرثون الأرض، طوبى للجياع والعطاشى إلى البر؛ لأنّهم يشبعون -.(٤٦)
وفي نفس الإنجيل: - انظروا لا ترتاعوا لأنّه لابدّ أن تكون هذه كلّها، ولكن ليس المنتهى بعد؛ لأنّه تقوم أُمّة، على أمة ومملكة، على مملكة وتكون مجاعات وأوبئة وزلازل في المساكن، ولكن هذه كلّها مبتدأ الأوجاع، وحينئذٍ يسلمونكم إلى ضيق ويقتلونكم وتكونون مبغضين من جميع الأمم لأجل اسمي... ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلّص ويكرز بشارة الملكوت - (متى: الإصحاح ٤).
وورد في الإصحاح ٢٥/٣١ - ٣٤ من إنجيل متى: - متى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة المقدّسين معه فحينئذٍ يجلس على كرسي مجده، ويجتمع أمامه جميع الشعوب، فيميّز بعضهم من بعض، كما يميّز الراعي الخراف من الجداء، فيقيم الخراف عن يمينه، والجداء عن اليسار ثمّ يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رِثوا الملكوت المعدّ لكم منذ تأسيس العالم ليدين العالم بل ليخلّص به العالم -.
وفي الإصحاح الرابع من نفس الإنجيل: - وقالوا للمرأة إنّنا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن؛ لأنّنا نحن قد سمعنا ونعلم هذا هو الحقيقة المسيح مخلّص العالم -.
وورد في إنجيل يوحنا اسم المعزي كعنوان للمخلّص، ففي الإصحاح ١٥/٢٦ - ٢٧: - ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحقّ الذي عند الأب ينبثق فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضاً لأنّكم معنا في الابتداء -.
وفي الإصحاح ١٦من نفس الإنجيل: - ولكنّي أقول لكم الحقّ إنّه خير لكم أن انطلق لأنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت سأرسله إليكم، ومتى جاء ذلك العالم على خطيئة وعلى بر وعلى دينونة... - إلى أن يقول: - إنّ لي أموراً كثيرة ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، وأمّا متى ما جاء ذاك روح الحقّ فهو يرشدكم إلى جميع الحقّ؛ لأنّه لا يتكلّم من نفسه بل كلّ ما يسمع يتكلّم به، ويخبركم بأمور آتية - (الإصحاح: ١٦/١٢ - ١٣).
والمعزي الوارد في هذه البشارة هو النبي محمّد صلى الله عليه وآله حسب تعريف بعض الباحثين، ولقد استدلّ على ذلك بالتحريف الحاصل في أصل العبارة بعد ترجمتها إلى اليونانية من العبرية، وذلك بنقل الكلمة من عبارة PE - ICLYTO - بريكليطوس التي تعني محمّد بالعربية إلى عبارة باركليطوس PA - CLYTO - التي تعني المعزي.
وقد حاول بعض الباحثين أن يفسّر هذه البشارة وغيرها بأنّها تتعلّق بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه، ولكنّ صاحب - بشائر الأسفار - يناقش هذه المحاولة، ويؤكّد أنّ البشارات منصرفة إلى الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، وما يدعم ما ذهب إليه صاحب - بشائر الأسفار - من كون المعزي هو الرسول محمّد أنّ إنجيل برنابا الذي لا تعترف به الكنيسة قد نصّ على اسم النبي محمّد صلى الله عليه وآله صراحة: - أجاب يسوع إنّ اسم مسيا عجيب؛ لأنّ الله نفسه سمّاه لما خلق نفسه ووضعها في بهاء سماوي قال الله أصبر يا محمّد لأنّي لأجلك أريد أن أخلق العالم، وجمعاً غفيراً من الخلائق التي أهبها لك حتّى إنّ من يباركك يكون مبارك، ومن يلعنك يكون ملعوناً، ومتى أرسلك إلى العالم أجعلك رسولي للخلاص، وتكون كلمتك صادقة حتّى إنّ السماء والأرض تهنان، ولكن إيمانك لا يهن أبداً، وإنّ اسمه المبارك محمّد حينئذٍ رفع الجمهور أصواتهم قائلين يا الله أرسل لنا رسولك يا محمّد تعال سريعاً لخلاص العالم -.(٤٧)
ثانياً: المخلّص في الفكر الفلسفي
نظر بعض الفلاسفة للحياة نظرة سوداوية قاتمة فوصموها بالشقاء والعنت، بل اعتبرها بعضهم عبثاً زائداً ورحلة جبرنا عليها دون إرادة مسبقة ولا غاية واضحة، وبلغ الأمر عند بعضهم أن دعوا للانتحار واعتبروه سبيلاً للخلاص من هذه المتاهة التي وقعنا فيها دون جدوى، هذا الشذوذ الفكري لم يمنع من ظهور فلاسفة متفائلين عبر التاريخ آمنوا بإمكان قيام مجتمع سعيد يسوده العدل وتحكمه نظم تقود الإنسان إلى فردوس أرضي وأنّ الشرور والمآسي التي تئن تحت وطأتها الأرض يمكن تجاوزها بتأسيس نظام مؤنسن يسود ويضع حداً للفقر والجوع ويحقّق طموح الناس إلى العدل والحرية والسعادة.
ولم يَخْلُ عصر من العصور التاريخية من فيلسوف ينادي بتعدّي الحلول الوسطى والاكتفاء بالمعالجة الجزئية السطحية، ويطالب بتأسيس المجتمع والحياة المثالية للناس كما يحلم بها الحكماء، وهي ما يطلق عليه - اليوتوبيا - وينسب إلى توماس مور (١٤٧٨ - ١٥٣٥) نحت كلمة يوتوبيا، وقد اشتقّها من اللفظين اليونانيين OW بمعنى لا وTOPO - : مكان يعني - لا مكان - أو - ليس في مكان -، ووضع الكلمة عنواناً لكتاب له، وهو أشهر يوتوبيا في العصر الحديث، ومن ذلك الحين استعملت العبارة في اللغات الأوروبية، وكذلك في العربية، ويقصد بها: - نموذجاً لمجتمع خيالي مثالي يتحقّق فيه الكمال أو يقترب منه،ويتحرّر من كلّ الشرور التي تعاني منها البشرية، ولا يوجد مجتمع كهذا في بقعة محدّدة من بقاع الأرض؛ بل في أماكن وجزر متخيلة في ذهن الكاتب نفسه، وخياله قبل كلّ شيء، وأصبح للكلمة فيما بعد معانٍ كثيرة غير التي استخدمها مور، فصارت تطلق على أصل سياسي أو أي تصوّرات خيالية مستقبلية أو احتمالات علمية فيه... تنشد انسجام الإنسان مع نفسه ومع الآخرين ومع مجتمعه - (٤٨)، وهكذا تصبح اليوتوبيا حلم الجنس البشري بالسعادة واشتياقه الخفي للعصر الذهبي أو لجنّته المفقودة كما تصوّر البعض.(٤٩)
واليوتوبيات التي جادت بها قريحة الفلاسفة وتأمّلاتهم عديدة جدّاً، بشّروا فيها بالمخلّص والخلاص على طريقتهم الخاصّة، ولكن أشهرها على الإطلاق - جمهورية أفلاطون -، و- المدينة الفاضلة - للفارابي، و- مدينة الله - للقديس أوغسطين، و- المدينة الخيالية - لتوماس مور، و- مدينة الشمس - لدومنيك كامبانيلا الإيطالي، و- أطلنطا الجديدة - لفرنسيس بيكون، حيث يمارس العلماء سلطتهم حتّى على الملك...
ويمتدّ هذا التفكير الفلسفي ليتصل بطوبائيات اشتراكية وأخرى علمية وثالثة تستند إلى الحرية الفردية أكثر، وتترك مجالاً للصراع والخلافات كما هو حال ولز (١٨٤٤ - ١٩٤٤) في يوتوبيا حديثة وبَشَرْ كالآلهة.(٥٠)
ولكن تبقى الجمهورية لأفلاطون، ومدينة الفارابي الفاضلة أفضل نموذجين نتوقّف عندهما:
جمهورية أفلاطون
ولد أفلاطون سنة/٤٢٧/ق.م وعاش ثمانين سنة، كان مولده في جزيرة قرب أثينا،آمن بأنّ صلاح الدولة في اقتران الفلسفة بالسياسة، واتصاف الحاكم بالحكمة، وقد يكون للأحوال السياسية المتعكّرة دَوْرٌ في نضج كثير من آرائه الاجتماعية والسياسية، وينقل عنه: - لن يخلص الجنس البشري من متاعبه إلا بأن يستولي المشتغلون اشتغالاً حقيقياً بالفلسفة على السلطان السياسي، أو بأنّ أصحاب السلطان في المدن فلاسفة حقيقيون -.(٥١)
يرى أفلاطون أنّ الفرد للدولة، وأنّ الغاية هي الفضيلة والعدالة وتحقيق العلم والفلسفة، ومن أجل ذلك لابدّ أن يسلم الفرد منذ ولادته إلى الدولة، وهي التي تتكفّل تربيتهم وإعدادهم ومن ثمّ توزيعهم حسب مؤهّلاتهم على عدّة اختصاصات، فمن يصلح للجيش يربى تربية عسكرية، ومن يصلح للإدارة يربى تربية فلسفية... وغالى في ضرورة اختيار النسل، حتّى أنّه نادى بوجوب منع من كان فاسداً من الآباء من التناسل والقضاء على كلّ الأطفال غير الصالحين.
ويبدأ تعليم الفلسفة عنده من سنّ الثلاثين، ويستمرّ إلى حوالي الخمسين، ويحقّ للمرء عندئذٍ أن يكون حاكماً، ولابدّ أن تطهّر المدينة من كلّ نزعة أو فكرة مخالفة للفضيلة.
ولابدّ أن نشير إلى أنّ أفلاطون كان يعتقد بإمكان تحقّق هذه الدولة، لكن رحلاته إلى صقلية جعلته يرجع فاتر الأمل - ومن هنا عدل من شروطه في السياسة حتّى يجعل الدين هو الأساس في كلّ مؤسّسات الدولة - (٥٢)، وعلى الرغم من ذلك تبقى محاولة الجمهورية مصدراً فلسفياً هاماً.
مدينة الفارابي
هو أبو النصر محمّد بن محمّد طرخان المعروف بالفارابي، نسبة إلى فاراب من بلاد الترك، ولد سنة/٢٥٧هـ/٨٧٠م وتوفّي سنة/٣٢٩هـ/٩٥٠م، اشتهر بالمعلّم الثاني؛ لأنّه أوّل من شرح منطق أرسطو في العالم الإسلامي، والمدينة الفاضلة تسمية أطلقها الفارابي على المثل الأعلى للحكم، ويريد بها المدينة التي تحقّق السعادة القصوى في الدارين لأبنائها، ويعتقد أنّ - المدينة الفاضلة تشبه البدن التام الصحيح الذي يتعاون أعضاؤه كلّها على تتميم حياة الحيوان وعلى حفظها عليه -، وهذه السعادة القصوى التي تمثّل هذه المدينة لا تتحقّق إلا بالعلم والعمل، ويقول عن صفات رئيس المدينة الفاضلة: - إنّ رئيس المدينة الفاضلة ليس يمكن أن يكون أي إنسان اتفق؛ لأنّ الرئاسة إنّما تكون بشيئين: أحدهما أن يكون بالفطرة والطبع معداً لها والثاني بالهيئة والمَلَكة الإرادية -.
ولرئيس المدينة خصال - أن يكون تام الأعضاء، جيّد الفهم والتصوّر، جيّد الحفظ والفطنة، حسن العبارة، محبّاً للقيم، غير شره في المأكول والمشروب، متجنّباً للّعب، مبغضاً للذات، محبّاً للصدق وأهله، مبغضاً للكذب وأهله، كبير النفس، محبّاً للكرامة، محبّاً للعدل، مبغضاً للجور والظلم وأهلهما، سلس القيادة إذا دُعي إلى العدل، قوي القريحة، صبوراً لا يخاف -.
ويعدّد الفارابي مدناً أخرى تضادّ المدينة الفاضلة، وهي المدينة الجاهلة، والمدينة الفاسقة المتبدّلة، والمدينة الضّالة.
ولم تغبْ فكرة المخلّص عن الفلاسفة المحدثين، حيث صرّح العديد من فلاسفة العصر بأنّ العالم بانتظار المصلح، من بينهم الفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل الذي نسب إليه القول: - إنّ العالم في انتظار مصلح يوحّد العالم تحت علم واحد وشعار واحد -، وكذلك العالم الكبير أنشتاين صاحب نظرية النسبية الذي نسب إليه القول: - إنّ اليوم الذي يسود العالم كلّه الصلح والصفاء ويكون الناس متحابّين متآخين ليس ببعيد -.
ولوّح برناردشو بمجيء المصلح العالمي في كتابه - الإنسان والسوبرمان -، وهذه الفكرة فكرة السوبرمان عمّقها فيلسوف القوة فريدريك نيتشه في أواخر القرن التاسع، واعتبر أنّ - الغاية من الإنسانية هي خلق هذا الإنسان الأعلى - سوبرمان - -، وذلك لأنّ الإنسان عامة لا قيمة له في ذاته، وإنّما قيمته وسيلة إلى خلق هذا النوع الممتاز، ومن أجل تحقيق هذه الغايات ينادي نيتشه بضرورة تحطيم الأصنام التي استعبدت الإنسانية، أصنام الأخلاق، وأصنام السياسة، وأصنام الفلسفة، فالخير كلّ الخير في الإنسان الأعلى، والخلاص كلّ الخلاص في القوة - لأنّ الخير كلّ ما يعلو في الإنسان بشعور القوة وإرادة القوة والقوة نفسها، والشرّ كلّ ما يصدر عن الضعف، والسعادة هي الشعور بأنّ القوة تنمو وتزيد وبأنّ مقاومة ما قد قضي عليها -.
ثالثاً: المخلّص في التاريخ السياسي الإسلامي
مع بزوغ فجر الإسلام الذي ظهر على الدين كلّه اتضحت أكثر معالم فكرة المخلّص، وصدّق الرّسول مابين يديه من بشارات، وأعطاها مداها الواقعي وتفاصيلها التي تفتقر إليها الأديان السابقة.
لقد بشّر الرسول صلى الله عليه وآله بالمهدي عجل الله تعالى فرجه واتفق جميع المسلمين على مختلف طوائفهم إلا ما شذّ منهم ممن لا يعتدّ بهم على صحّة هذه الأحاديث في الجملة وتواترها الإجمالي، ومن هنا تعمّقت هذه الفكرة في وجدان المسلمين، وكان لها صداها العميق في وعيهم وتاريخهم، وتمّ لأجل ذلك توظيف الفكرة في سبيل تعبئة الجماهير ضدّ الظلم والطغاة مستغلّين المخزون العاطفي العميق لهذا المفهوم وللقائد المنتظر المهدي عجل الله تعالى فرجه، فظهر في التاريخ الإسلامي مهديون كثيرون، بل قامت على أساس الدعوة إليه دول ودويلات هنا وهناك.
وهذه الظاهرة جديرة بالدراسة المعمّقة والمتأنّية وهو مالا تتحمّله هذه القراءة السريعة في هذا الفصل.
إنّ أكثر الادعاءات في بعدها الإيجابي تدلّل على عمق تلهّف المسلمين إلى قائدهم المخلّص،خاصّة حينما كانت تعصف بهم ظروف اجتماعية وسياسية قاهرة.
وقد وظَّف العبّاسيون سياسياً مفهوم المخلّص - المهدي - - فلمّا جاء دور المنصور بعد السفّاح اِستغلّ شيوع كلمة المهدي عند الناس واعتقادهم فيها فلقّب ابنه بالمهدي على أساس هذه الفكرة، ودعا على أنّه هو المهدي المنتظر ليحيط الخلافة بالسلطان الدنيوي والتقديس الديني وجعله ولي عهده، وكان تأسيسه للدولة العباسية على أساس ديني بتلقيبه ابنه هذا بالمهدي، وتسمية أُمّ المهدي بأُمّ الخلفاء تشبهاً بأُمّ المؤمنين -.(٥٣)
ويقول عبد الرحمن بدوي: - فالعبّاسيون قد لجؤوا أيضاً إلى فكرة المهدي في الدعوة إلى أحقّيتهم بالخلافة، ذكر المسعودي أنّ الخليفة العباسي الأوّل الملقّب بالسفّاح كان يلقّب بالمهدي، وكذلك ثالث الخلفاء العبّاسيين سمّي المهدي، وهو الذي خلّف أبا جعفر المنصور -.(٥٤)
في المغرب الإسلامي استفاد المعارضون للعبّاسيين من مشاعر السخط والنقمة التي تختلج صدور البرابرة ضدّ السلطة العبّاسية، وبثّ فيهم أبو عبد الله الشيعي الدعوة للمهدي المنتظر، وانقلبوا على العبّاسيين، وظهر عبيد الله المهدي بعد أن وطّن له الأمور أبو عبد الله الشيعي، وأسّس عبيد الله المهدي مدينة المهدية، وشاد أركان الدولة الفاطمية، ومن نسل عبيد الله كان المعزّ لدين الله الفاطمي الذي فتح مصر على يد جوهر الصقلي وسمّاها المعزّية، وأسّسوا هناك حضارة عظيمة - وقد أقام الفاطميون حضارة عظيمة ونشروا فيها التشيّع وظلّوا قروناً حتّى أزال ملكهم صلاح الدين الأيوبي -.(٥٥)
ومن الدول التي قامت في المغرب كذلك باسم المهدي دولة الموحّدين، تحت إمرة محمّد بن تومرت، والتي انطلقت من الجبال البربرية جنوب المغرب الأقصى حوالي سنة ١١٣٠م، فبعد أن احتلّ الموحّدون المغرب الأقصى ومقاطعة تلمسان بين ١١٣٠ - ١١٤٧م، ثمّ المغرب الأوسط، غزوا أفريقية واحتلّوا المهدية سنة١١٦٠م - وكان نتيجة ذلك دولة الموحّدين المشهورين في التاريخ... فكانت هذه مملكة عظيمة من بركات المهدي المنتظر تشمل المغرب كلّه إلى حدود مصر والأندلس، وكانت أيضاً دولة شيعية عظيمة تستند على فكرة المهدي - (٥٦)، وفي عهد هذه الدولة ظهر الفيلسوفان المشهوران - ابن الطفيل - و- ابن رشد -، وقد سمح للفلسفة بعد أن كانت محظورة في الأندلس.
وفي المشرق قامت ثورات عديدة رافعة لواء المهدي، ولعلّ ذلك يعود إلى أنّه في العصور الأولى لم يكن لشعارات العدالة الاجتماعية ومقاومة الظلم صدى في النفوس إلا بمقدار ارتباطها بشعار ديني، وهذا ما أكّده ابن خلدون حين ذهب إلى أنّ العرب أُمّة لا تنقاد إلا لرسالة دينية ونحوها.
لقد استفادت هذه الثورات من المفهوم العقائدي المتجذّر لدى الأُمّة - المهدي - عجل الله تعالى فرجه لتصعيد العمل الثوري ضدّ السلطات القائمة انطلاقاً من التردّي الاجتماعي والنفسي للجماهير، ونحن لا يمكننا في هذا المقام تقويم هذه الحركات وحقيقة ما ينسب إليها من أعمال مشينة فظيعة، واعتقادات فاسدة باطلة بقدر ما يهمّنا إلى أي مدى تعكس هذه الجماعات الارتباط التاريخي بالمخلّص كثورة الزنج، وثورة القرامطة،وثورة الحشاشين.
ولم تنتفِ ظاهرة مدّعي المهدية في التاريخ الحديث أيضاً، وبزغ أكثر من مصلح باسم المهدي، ومع أنّهم لا يدينون بمذهب أهل البيت عليهم السلام أشهر هؤلاء:
مهدي السنوسية: هو محمّد المهدي السنوسي، ظهر في المغرب في القرن الثالث عشر للهجرة، ولد سنة ١٢٧٠هـ/ ١٨٤٤م، وتوفي سنة ١٣٢٠هـ/١٩٠٢م، خلف أباه بعد موته وقويت طريقته في أيامه، أقام زوايا كثيرة منتشرة في أماكن متعددة يبلغ عددها نحو /٣٠٠/ زاوية من المغرب الأقصى إلى الهند، ومن ودّاي إلى الأستانة وأكثرها في الصحراء الكبرى وشمال أفريقية، - وكان في كلّ زاوية خليفة يدير شؤونها ويعلم أولاد الناس ويقتني الماشية ويشتغل بالزراعة، يساعده المريدون، وينفق على الزاوية،وما يفيض عنه يرسله إلى الشيخ السنوسي، فأصبح صاحب الترجمة أشبه بملك يجبى إليه الخراج - (٥٧)، قبل وفاته لمّح إلى أن المهدي المنتظر سيظهر قريباً وأن ظهوره سيكون في ختام القرن الثالث عشر الهجري، وينقل أحمد أمين في كتابه المهدي والمهدية أنه رأى كتاباً عنوانه - الدرة الفردية في بيان الطريقة السنوسية - تدور مقدمته على إثبات أن السيد السنوسي هذا هو المهدي المبشّر به.(٥٨)
المهدي السوداني: هو محمّد أحمد بن عبد الله، ولد في جزيرة تابعة لدنقلة سنة ١٢٥٩هـ/١٨٤٣م، تلقّب بالمهدي المنتظر عام ١٨٨١م، وكتب إلى فقهاء السودان يدعوهم لنصرته، وانتشر أتباعه - ويعرفون بالدراويش - بين القبائل يحضّون على الجهاد.
خاض معارك مع حاكم السودان رؤوف باشا المصري وهزمه، فأرسلت الحكومة المصرية جيشاً آخر على دفعتين ويهزم في كلّ مرّة، وانقادت السودان كلّها للمهدي، واستقرّ بأم درمان، وطفق يجمع الجموع لينقض على مصر، ولكنّه أصيب بحُمّى التيفوس فمات بعد أن أوصى بالخلافة من بعده لعبد الله التعايشي سنة ١٨٨٥م وتذكر كتب التاريخ والأعلام آخرين ادّعوا المهدية، منهم مهدي تهامة باليمن، ومهدي السنغال، ومهدي السوس، ومهدي الصومال.
رابعاً: المخلّص في النظريات الوضعية
يأخذ الحديث عن فكرة المخلّص في النظريات الوضعية منحى آخر يتجه فيه البحث نحو الصيغة التي تحقّق السعادة للإنسان، وتدفع مسيرة المجتمع البشري إلى نمط من العيش يكفل العدالة على الأرض، ويضمن المستقبل السعيد.
فهل يمكن حقّاً للإنسانية أن تتجاوز معاييرها الأنانية الضيّقة، ونزعاتها الحيوانية من أجل المال، والسلطة، والنفوذ، والشهوات، لتسلّم زمام أمرها إلى مخلّص يسمو بها إلى آفاق موعودة مأمولة؟
يمكن أن نصوغ الإجابة عن هذا السؤال على لسان أهمّ النظريات الوضعية، لنرى إلى أي مدى أدركت هذه النظريات حقيقة الخلاص، وطبيعة المخلّص؟
النظرية الأولى: القانون هو المخلّص
حسب هذه النظرية فإنّ التاريخ الطويل للبشرية الحافل بالتجارب والمشاكل سيقودها إلى فكر قانوني متطوّر، وذلك بفضل الإحاطة التفصيلية الدقيقة بالقضايا، والإشكالات التي تواجه الحياة الاجتماعية، والتي توفّرها طبيعة الحياة من جهة، والجهود التي تبذلها مراكز القرار والتشريع والقانونيين في إيجاد الصيغ الملائمة للتنظيم من جهة أخرى.
وباستقراء تاريخ القانون نلاحظ الثراء العلمي والتكامل المطرد في نتاجه، - وقد وصل القانون في العصر الحاضر إلى مراق عليا حتّى أصبح من أدقّ العلوم الإنسانية، وإذا كنّا قد نجد فيه بعض النواقص والاختلافات بين المفكّرين في جملة من حقوله، فإنّ التكامل التدريجي للقانون خلال التجارب الطويلة كفيل بأن يزيل هذه النواقص، ويزيد في إدراك الفكر القانوني لذينيك المرحلتين الأساسيتين، مما يفتح أمام القانون فرصة الوصول التدريجي إلى إدراك العدل الحقيقي والتذليل الكامل للبشرية - (٥٩)، ومع بلوغ القانون العدل الحقيقي، والفهم الكامل للعدل يمكن حينئذٍ تنظيم المجتمع وفق هذه الصيغة القانونية الراقية، ويتحقّق بذلك المجتمع السعيد.
ويرد على هذه الأطروحة جملة من المناقشات:
أوّلاً: إنّ الإنسان من الصعب أن يدرك المصالح الواقعية، ويحيط بالعدل الكامل؛ لأنّه بحكم تركيبته التكوينية تتجاذبه ميول ذاتية تدفعه نحو المصلحة الشخصية، أو نحو الانحياز إلى العرق واللون والطائفة والطبقة...، فمن المتعذّر أن يتجرّد الإنسان من كلّ هذه الانتماءات ليشرّع قانوناً عادلاً من جميع الجهات، وهذا يفسّر لنا تنصيص الإسلام على أنّ التشريع بيد الله وعجل، وجعل التوحيد التشريعي من مظاهر التوحيد الأفعالي.
ثانياً: لو فرضنا أنّ الإنسان بلغ هذه الدرجة التي تخوّله سنّ قوانين موضوعية تشخّص العدل الأكمل فتوصل إلى المصالح الواقعية للفرد والمجتمع، فمن الصعوبة بمكان أن يتوافر مجتمع يتحرّر بدوره من كلّ العوائق لتطبيق هذه الأطروحة.
ثالثاً: إنّ سلطة القانون مهما أوتيت من نفوذ فلن تستطيع أن تراقب الإنسان في كلّ جزئيات حياته، ولن يقدر أن يمنح الإنسان الشعور بالمسؤولية التي تجعله يراقب نفسه في كلّ موقف وعند كلّ منعرج ضماناً لتطبيق العدالة.
رابعاً: إنّ القول بأنّ الفكر القانوني يتجه نحو التوحّد زعم باطل، والدليل على ذلك تشعّب المدارس القانونية، واختلافاتها العديدة في تشخيص المصالح والمفاسد وضبط البنود، - وإذا لم توجد الوحدة في الفكر القانوني كان من المتعذّر وجود المجتمع العالمي العادل تحت ظلّ القانون البشري بأي حال من الأحوال -.(٦٠)
النظرية الثانية: التقدّم العلمي هو المخلّص
تقوم هذه النظرية على اعتبار التقدّم العلمي هو السبيل لتحقيق مجتمع السعادة، فبواسطة التقنيات المعاصرة نستطيع أن نضاعف الإنتاج الزراعي والغذائي ونكفل بالتالي حاجات المجتمع، وتقضي على الفقر والمجاعة والخصاصة، وبفضل التقدّم الطبّي قد يصل الإنسان في المستقبل القريب إلى علاج لأكثر الأوبئة استعصاء، هذه التقنيات وغيرها مكّنت الإنسان من حياة مرفهة مريحة بعيدة عن المنغّصات والمتاعب، والتطوّر الإعلامي من جهته جعل الأرض قرية كونية يتابع المرء فيها عبر الشبكات الاتصالية كلّ ما يحدث في أي بقعة من بقاع الأرض، بل أصبح النتاج الثقافي والعلمي والأدبي متاحاً للجميع في أوقات قياسية، ولم تتخلّف الأنشطة الاقتصادية والتجارية التي استفادت من هذه الثورة المعلوماتية، فاندفعت أشواطاً كبيرة إلى الأمام.
والعلم حسب ما تتنبّأ به الدراسات المستقبلية ما زال يخطّط لمستقبل باهر قد لا نصدّق بعض ملامحه، حيث تتحكّم الهندسة البيولوجية في أولادنا، وفي إنتاجنا الحيواني والنباتي، ويفجّر الذكاء الصناعي زوبعة لا غاية لصداها، وتقوم حضارة إنسان الفضاء، ويحقّق الطبّ حلم الإنسان في التعمير عقوداً طويلة...، وفي ضوء هذه التوقّعات يمكن القول بأنّ العلم يكفل للبشرية المستقبل السعيد، وأنّه مخلّص المجتمع الإنساني مما يعيشه من تخبّط وفوضى وفاقة وحروب....
ولكنّنا نناقش هذه الأطروحة من عدّة وجوه:
أوّلاً: إنّنا لا ننكر أهمّيّة التقدّم العلمي والإنجازات العلمية التي غيّرت معالم حياة الناس وجلبت لهم الراحة والحياة المرفهة، ولكن ذلك لا يعني البتة أنّ العلم وحده كفيل بتحقيق السعادة المرجوة، فإنّ العلم يؤمِّن حاجات الإنسان في جانبها التقني والفنّي، ويساعد على حسن تدبير حاجاته من مأكل وملبس ومشرب ووسائل نقل و...، غير أنّ العلم لا يؤمِّن الجانب القيمي والتنظيمي من حياة الإنسان، فهو لا يمنحه رؤية في الحياة ولا يطرح لنا مشروعاً اجتماعياً، ولا صيغة تنظيمية، ولا تشريعاً ينظّم علاقة الإنسان، ومن باب أولى أنّه يهمل علاقة الإنسان بالله وعجل والغيب؛ لأنّ ميدان العلم هو التجربة والمحسوسات دون الماورائيات.
ثانياً: إنّ العلم كما قدّم اختراعات وابتكارات خدمت البشر،كذلك يقدّم كلّ يوم وسائل تهدّد البشرية بالفناء والدمار، فالمخزون الهائل من أسلحة الدمار الشامل الذي يهدّد حياة البشرية هو نتاج التقدّم العلمي والتقنيات العالية في تصنيع السموم والأسلحة الكيماوية... وصنع أدوات التعذيب، والتفنّن في وسائل الإغراء وإشاعة الفساد،كلّها من - بركات - العلم.
إنّ العلم يبقى أداة فعّالة بيد الإنسان يمكن أن يساهم في إرساء السعادة والعدل، كما يمكن أن يفسد في الأرض ويهلك الحرث والنسل، من هنا فإنّ هذه الأطروحة المادّية لا تمثّل المخلّص حقّاً، ولا يمكن إلا أن تبوء بالفشل.
النظرية الثالثة: الماركسية واليوم الموعود
تتميّز الرؤية الماركسية بصفات نظرية بوّأتها مكانة بارزة في تاريخ المذاهب الفكرية، ومن عناصر القوّة في هذه المدرسة؛ الشمولية في تفسيرها الطبيعة والتاريخ على أساس المادّية الجدلية في المستوى الأوّل، والمادية التاريخية في المستوى الثاني، والعنصر الثاني من عناصر القوّة؛ التبشير بمستقبل رغيد للبشرية عموماً والطبقة الكادحة خصوصاً.
لقد نظرت هذه المدرسة إلى التاريخ نظرة متفائلة، إذ رأته يتحرّك متصاعداً في اتجاه تكاملي ليبلغ مداه مع مرحلة نهائية تزول فيها كلّ عوامل الاستغلال وأشكاله، وهذا الانتقال يتمّ عبر خمس مراحل أساسية:
- مرحلة المشاعية البدائية.
- مرحلة الرق.
- مرحلة الإقطاع.
- مرحلة الرأسمالية.
- مرحلة دكتاتورية البروليتارية التي تمهّد لعهد الشيوعية.
هذا الانتقال تحكمه حتمية تاريخية كانعكاس للتطوّر الحاصل في علاقات الإنتاج المنبثق عن التطوّر في وسائل الإنتاج.
وفي الطور الأعلى الذي تبشّر به الماركسية والذي تسير إليه البشرية قهراً حسب تحليلها،يتساوى الناس جميعاً في المستوى الاقتصادي وتزول الطبقية؛ بل تزول الملكية الخاصّة وتزول الدولة؛ لأنّها مظهر من مظاهر التسلّط والقهر الطبقي في المجتمع.
ولن نقف طويلاً لمناقشة هذه النظرية؛ لأنّ الحديث حول ذلك يطول ويبعدنا عن غرضنا الأصلي من هذا البحث المحدود؛ ولأنّ هذه النظرية قد فُنّدت بشكل تفصيلي في جميع أركانها بإبطال الأساس المادّي في تفسير الطبيعة وتطبيقاتها على المجتمع والتاريخ، ومن أراد فليراجع المصادر المتخصّصة.
ومن جهة أخرى لقد كشف الفشل الذريع على مستوى الواقع العملي للماركسية زيف ادعائها وأباطيلها خاصّة بعد التحوّلات التي شهدها المعسكر الشرقي في العقدين الأخيرين.
لقد كشف سقوط المعسكر الشرقي وانحلاله، وتفكّك الاتحاد السوفيتي أنّ جحيماً كانت تحترق فيه جموع الجماهير وراء ستار حديدي أحمر وأنّ لا جنّة على الأرض كما يدّعون، وأنّ الاشتراكية ومن ورائها الشيوعية أكذوبة كبرى لا تحمل للناس الأمل في الخلاص.
النظرية الرابعة: فوكوياما ونهاية التاريخ
من عجائب هذا العصر أن يطلع علينا في نهاية القرن العشرين، وبعد حرب الخليج الثانية، وانفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم، فرنسيس فوكوياما مبشّراً بل مدعياً نهاية التاريخ، وأنّ الليبرالية الرأسمالية أرقى مراحل التاريخ البشري.
نعم هذه الليبرالية الرأسمالية التي طالما استعبدت الشعوب وامتصّت دماءها ومقدّراتها وحطّمت آمالها في الرقي والتقدّم، ها هي تبعث نبيها، بل مسيلمها الكذّاب يبشّر بالخلاص على يد الليبرالية الرأسمالية!
يلبس فوكوياما مسوح الرهبان ويطلع علينا مشفقاً:... أنّي ارتضيت لكم الديمقراطية الليبرالية سبيلاً؛ لأنّها قدركم الذي لا مفرّ منه، لأنّها الأيدلوجية التي استمرّت إلى نهاية القرن العشرين، ولا وجود لأي أيدلوجية قادرة على منافستها... يقول فوكوياما: - ليست المحاولة الليبرالية هي التي تبدو منتصرة بقدر ما هي الفكرة الليبرالية أي أنّه بالنسبة لقسم كبير جدّاً من العالم ليست هناك أيدلوجية تدّعي الشمولية حالياً تكون في موقع يمكنها من منافسة الديمقراطية الليبرالية -.(٦١)
ويسوغ فوكوياما تلويحه بنهاية التاريخ بأنّه ما دمنا اكتشفنا أنّ التاريخ لا يختزن داخله قابليات للتطوّر الخطي والتقدّم إلى الأمام، فإنّ الأيدلوجية السائدة حينئذٍ هي التي تصنع الإنسان الأخير، - فالتاريخ لم يكن تلاحقاً أعمى للأحداث؛ بل كان ذا دلالة تتطوّر فيه الأفكار الإنسانية المتعلّقة بطبيعة النظام السياسي والاجتماعي وتزدهر، وإذا بلغنا الآن نقطة لا نستطيع منها أن نتصوّر عالماً مختلفاً جوهرياً عن عالمنا حيث لا وجود لأي مؤشّر يدلّنا على إمكانية التحسّن الإنساني لنظامنا فإنّه يتوجّب علينا إذ ذاك أن نأخذ بالاعتبار أن يصبح التاريخ ذاته عند نهايته -.(٦٢)
وفي معرض نقده للإسلام يقرّ فوكوياما بأنّ هذا الأخير يمتلك أيدلوجية متماسكة، وأنّه استطاع أن يهزم الليبرالية في أجزاء متعدّدة من العالم الإسلامي، - إلا أنّ هذا الدين - حسب زعمه - لا يملك، وإنّه عارٍ من أي جاذبية خارج الأصقاع التي كانت إسلامية ثقافياً منذ بدايتها فقد ولّى زمن الغزو الثقافي الإسلامي كما يبدو -.(٦٣)
ولكن بأدنى تأمّل تُدفع هذه الأباطيل المزيفة، فمتى كانت الديمقراطية الليبرالية مطيّة خلاص وسفينة نجاة للبشرية؟! ها هو تاريخها يشهد عليها، لا يزال الاستعمار الغربي بمآسيه شاخصاً في ذاكرة الشعوب، ولا يزال عصرنا شاهداً على عنجهية الليبرالية وعنصريتها، إنّ بشارة فوكوياما قد تنطلي على الرجل الأبيض الذي كان ولا يزال يعيش عقدة النرجسية والمركزية، عقدة حجبت عنه رؤية الآخرين وحضاراتهم، وأحلامهم، وهمومهم، وفوكوياما - على الرغم من جذوره الصفراء - يسقط في حبائل هذه العقدة فيجزم بنهاية التاريخ والإنسان الأخير، وهذا ما جعله قاصراً أن يتصوّر نظاماً أفضل، ويتوقّع صورة أحسن للعالم وللعلاقات والنظم، لقد حالَ استغراقه الكهنوتي في تمجيد صنمه الخالد (الديمقراطية الغربية) أن يمتدّ ببصره إلى الآفاق الرحبة للمستقبل الإنساني الذي لن يتجمّد ألبتة في متاهات الليبرالية.
ومن جهة ثانية إنّ فوكوياما كثيراً ما يخلط بين واقع المسلمين القاصر عن تقديم الإسلام للعالم بالشكل الملائم، وبين قدرات الإسلام وما يختزنه من مقومات فكرية وحضارية، فيحكم على الثاني بالعجز، ولكن العجز في المسلمين وأساليبهم، لا في الإسلام، فهو قادر على مقارعة الليبرالية في أي زاوية فكرياً وحضارياً بما يمتلكه من عناصر فعاّلة وأساسية لقيادة الإنسان والمجتمع الإنساني نحو الخلاص الواقعي والسعادة الواقعية، لكن المشكلة تكمن في قصور العاملين والمبلّغين والمؤسّسات الإسلامية التي تعاني من عقم فادح في إيصال صوت الإسلام وصورته النقية إلى كلّ البشر؛ لأنّها لا تزال حبيسة آليات ووسائل بعيدة عن مقتضيات العصر ومتطلّباته، ولم تستفد كما ينبغي من التطوّر الرهيب لوسائل الاتصال في هذا الاتجاه إضافة إلى ما ابتلي به الإسلام من جماعات تكفيرية وعصابات إجرامية تمارس حماقات بعيدة عن جوهر الدين ساهمت في تنفير الرأي العام الغربي.
خامساً: النظرية الإسلامية والمخلّص الواقعي
في فقرة المخلّص في الأديان لم نتحدّث عن المخلّص في الإسلام كما هو الحال في سائر الأديان الأخرى؛ لأنّنا نعتقد أنّ عقيدة الإسلام في المهدي عجل الله تعالى فرجه ليست فرضية في مقابل الفرضيات الأخرى؛ بل الرؤية الإسلامية الإمامية هي الرؤية الواقعية، خاصّة بعد ما تبيّن كذب مدّعي المهدوية في كلّ الاتجاهات الأخرى.
إنّ الإسلام صدّق ما بين يديه من البشارات عن المخلّص؛ لأنّ أصل الفكرة كما أشرنا هو الوحي الإلهي، ولا توجد فرضية أخرى تفسّر لنا هذا الاطراد لهذه الفكرة وهذا التواطؤ والاتفاق العام بين عموم الديانات والفلسفات والمذاهب على فكرة المخلّص.
لكن الخصوصيات الزائدة على أصل الفكرة جاءت مضطربة ومتناقضة أحياناً هي نتيجة شوائب وعناصر غريبة أقحمت إقحاماً بحكم قصور الوعي البشري وعدم بلوغه الدرجة التي تؤهّله لمعرفة كلّ التفاصيل.
فالرسالة الإسلامية أكّدت المبدأ واستمراريته في تاريخ الأديان:
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء).
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص).
(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى) (الأعراف).
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصف)، (التوبة/ الآية٣٣).
ومن جهة أخرى أعطت هذه الرسالة للفكرة كلّ التفاصيل الضرورية، وهذا ما تتضمّنه الروايات عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام، هذه التفاصيل هي التي تخوّل للبشرية معرفة قائدها وتميّزه عن كلّ مدّعٍ كذّاب؛ بل تعطي للمسلمين وعياً تاريخياً عن شرائط الظهور وتمنحهم الأسس النظرية الضرورية لتحديد أدوارهم ومسؤولياتهم زمن الغيبة في انتظار الإمام المخلّص المهدي عجل الله تعالى فرجه.
وهناك ميزة أخرى للرؤية الإسلامية تنفرد بها: وهي أنّها تفسّر تكامل الفكرة في التاريخ وتنفرد بذلك، فحسب التفسير الإسلامي للتاريخ لم تنبت فكرة المخلّص دفعة واحدة بجميع أبعادها، وإنّما هي حقيقة عقائدية راعت تطوّر الذهن البشري، وأعطته في كلّ مرحلة ما يناسبه من مفاهيم عن الخلاص والمخلّص وفق تخطيط إلهي دقيق يأخذ بعين الاعتبار سنن التاريخ والإرادة الإنسانية، ويمكن أن نرصد أهمّ مراحل هذا التطوّر في تكامل فكرة المخلّص في التاريخ.
المرحلة الأولى: في هذه المرحلة من فجر الإنسان ركّزت النبوّات على ضرورة الإصلاح النفسي؛ ولأنّه الخطوة الأولى في إصلاح المجتمع وإصلاح العالم بقيام المخلّص وتأسيس الدولة العالمية، ومن أهمّ الأنبياء الذين أكّدوا ذلك نوح عليه السلام، يقول تعالى على لسان نوح: (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (نوح)،كما ركّزت النبوّات في هذه المرحلة على ضرورة الإصلاح الاجتماعي والعلاقة القائمة بين العدل في التشريع وبين الرفاه الاجتماعي والاقتصادي تحفيزاً للذهن البشري وإعداده لمعرفة عصر المخلّص، وما يمنحه من عطاءات حضارية ورفاه لا متناه نتيجة قيام العدل، من ذلك قوله تعالى على لسان نوح أيضاً: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) (نوح)، وقوله تعالى: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ هٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (هود).
المرحلة الثانية: وتتميّز بالإشارة، وإن كان بغموض، إلى المخلّص ودولته المهدية، يقول تعالى على لسان شعيب عليه السلام: (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) (هود)، والمراد من بقية الله المهدي على ما جاء في الروايات، وروي أنّه إذا قام الإمام عجل الله تعالى فرجه حيّاه المؤمنون بقولهم: السلام عليك يا بقية الله في أرضه، والمراد بالبقية كونه المتبقّي في الأرض من خطّ الأنبياء والأوصياء، وهذا يؤكّد أنّ عمله هو النتيجة النهائية لجهود كلّ الأنبياء والأولياء.
ويستكشف صاحب موسوعة الإمام المهدي من ذلك - إنّ جميع ما قالته الأديان عن وجود قيادات إصلاحية عالمية متأخّرة عن هذا العصر يعني متأخّرة عن العصر الموسوي بعض الشيء وأيضاً سواء ذلك في نبوات الشرق الأوسط أو نبوات الشرق الأدنى... كما أنّ جميع ما أعقب ذلك من انحرافات وتشويهات عن المهدية تأخّرة عن ذلك العصر -.(٦٤)
المرحلة الثالثة: التصريح بوضوح بوجود مخلّص يظهر في آخر الزمان، من ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء).
ورأينا في الفصول السابقة كيف ينقل العهد الجديد البشارة بالمهدي عجل الله تعالى فرجه في مزامير داود عليه السلام، ومن ذلك بشارة عيسى عليه السلام بالنبي محمّد صلى الله عليه وآله بوصفه الرسول الذي ستقوم دولة المهدي على أساس رسالته ودعوته: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الصف).
المرحلة الرابعة: مع الإسلام بلغت فكرة المخلّص أوجهاً، ومنحت كلّ الأبعاد وكلّ التفاصيل الدقيقة، خاصّة في ظلال مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وأصبح المهدي مشخّصاً معروفاً في ذاته وصفاته وآفاق حركته وانتصاراته، إنّه الإمام الثاني عشر: محمّد بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه - ولسنا في معرض الاستدلال بالروايات على ذلك فمن أراد فليراجع الكتب العديدة التي كتبت لذلك -.
هذا هو المخلّص الذي جاهد خطّ الأنبياء عبر التاريخ في إيصال البشرية إلى المستوى الذهني والروحي لتكون قادرة على تحمّل فكرته بجميع دقائقها.

الفصل الثالث فلسفة التاريخ في المنظور الإسلامي العام

لا توجد مدرسة فريدة في تفسير التاريخ ولا نظرية وحيدة في استنطاق الأحداث وتحقيب مراحل الحضارات، فمنذ وقت مبكّر حاول الإنسان فهم الماضي والكشف عن ألغازه وغوامضه، واستشراف المستقبل ومعرفة تفاصيله. فطفت إلى الساحة نظريات عديدة، يستند بعضها إلى تفسير لاهوتي يمنح الآلهة الدور المطلق في صناعة التاريخ، وبعضها الآخر ينحو منحى بشرياً فيعطي للبطل المسؤولية الأكبر في التأثير، وآمن البعض الآخر بمرحلة تسود فيها الجماهير وتقوم بالأدوار الأولى في نحت معالم المصير الإنساني.
واختلفت النظريات الوضعية فيما بينها فركّز بعضها على العامل الجغرافي، واستغرق بعضها الآخر على جنبة القيادة والزعامة، واعتبر آخر الكبت الجنسي صانع الحضارات، واتجاه رابع استند إلى العامل الاقتصادي وتطوّر وسائل الإنتاج في التحوّلات التاريخية.
والنظرية الإسلامية في هذا المجال وإن تجلّت في صيغ واجتهادات مختلفة إلا أنّها تلتقي حول جملة من الخصائص العامة التي تميّزها عن غيرها.
فهي تستند إلى رؤية كونية توحيدية، ومعطيات قرآنية وَحْيَانِيّة عن تاريخ الحضارة الإنسانية وبدايات المسيرة الإنسانية ومستقبل الإنسان، ما يمنح هذه النظرية حيوية وتألّقاً تفتقده العديد من النظريات الوضعية وأهمّ هذه الخصائص العامة:
الشمولية
تمتاز النظرية الإسلامية بالشمولية وتغطية التاريخ البشري كلّه، فالقرآن الكريم في حديثه عن الإنسان ورسالته في الحياة يبدأ من قصّة خلق آدم عليه السلام التي يولّيها أهمّيّة خاصّة، فهي تمثّل منطلق التاريخ الإنساني ومؤشّر بدء حركته في الزمان والمكان.
ولم يركّز المفسّرون على البعد الفلسفي التاريخي لقصّة آدم عليه السلام في القرآن الكريم وحرمنا بالتالي من إيحاءات عديدة لقصّة خلق آدم وسكناه الجنّة وصراعه مع إبليس...
(أي الإيحاءات للرؤية التاريخية ومسار حركة الإنسان ومستقبله).
لم تكن مصادفة أن تتكرّر قصّة آدم في سياقات مختلفة في عدّة سور من القرآن الكريم، وإعلان السماء أنّ آدم هو خليفة الله في الأرض، وذلك الحوار المميّز بين الله والملائكة حول دور هذا المخلوق الفريد، وتمرّد إبليس على القرار الإلهي، وانطلاق الصراع بين إبليس وآدم، (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَ ذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) (يس).
هذا من جهة البدايات، أمّا من زاوية النهايات فالقرآن يحدّثنا عن إرث الصالحين للأرض وقيام مجتمع العبودية الكاملة.
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء).
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ لِكَ فَأُولَ ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور).
فالنظرية القرآنية تمسح كلّ هذا التاريخ البشري من آدم إلى قيام مجتمع الصالحين، وتعطيه عنواناً عامّاً ينطبق على كلّ المراحل - الكدح نحو الله -، (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) (الانشقاق).
والتفسير الإسلامي لا ينحصر في إقليم دون آخر ولا يتقوقع في حقبة بعينها؛ بل هو قراءة مفتوحة على كامل التاريخ الإنساني من مبتداه إلى منتهاه؛ بل تمتدّ النظرية القرآنية في حديثها عن الإنسان إلى ما بعد قيام الساعة، مما له دلالات مهمّة على تفسير حركة الإنسان في التاريخ، وإن كان الفكر الإسلامي إلى اليوم يفتقد بحوثاً مهمّة تكشف عن أسرار الاهتمام الكبير بتفصيلات المعاد والآخرة في القرآن وآثار ذلك على الرؤية القرآنية للتاريخ البشري.
لقد ركّز القرآن على هذا المستقبل البعيد (النشأة الآخروية وعوالم القيامة) وخصّص مئات الآيات القرآنية، كما تحدّث عن المستقبل القريب ونهاية مطاف المسيرة في الدنيا: قيام مجتمع الصالحين، ولكنّنا نراه يركّز أكثر على المستقبل البعيد.
ومن مظاهر الشمولية في النظرية القرآنية إقرارها بكلّ الأطراف الفاعلة في الساحة التاريخية وعدم إقصاء أي طرف أو عنصر فاعل، خاصّة الغيب ودوره في صنع الحدث التاريخي وتوجيه الإنسان نحو الغايات السامية التي خلق لأجلها.
لقد التفت الفكر الإنساني إلى الخطأ الفادح الذي وقعت فيه التفسيرات الوضعية للتاريخ بإلغائها عنصر الغيب وإنكارها لعامل السماء في مسيرة الأرض، وتغييبها لله تعالى بحجّة - الموضوعية - و- العلموية -، بدعوى رفض الأسطورة والتفاسير الأسطورية ونبذ التفاسير اللاهوتية، إلا أنّها باسم المنهج العلمي تكون قد جانبت الواقعية، ولم تقدّم سوى فرضيات لا تتعدّى أذهان أصحابها، فالواقعية تقتضي الاعتراف بحضور الله تعالى في التاريخ وهيمنة الغيب وإحاطته بالطبيعة والإنسان والمسار والمصير.
الواقعية
حينما تتحدّث الرؤية القرآنية عن التاريخ، سُننه، مراحله، غاياته، بداياته، نهاياته...، هي لا تنسج خيوط فرضيات عاشها صاحبها كخيال علمي أو تصوّرات يبتدعها للمسيرة وأبعادها؛ بل هي صورة عن واقع الحركة، أي أنّ النظرية القرآنية تتحدّث عن الواقع كما هو، لا كما يتراءى لنا، فالواقعية هي السمة البارزة لهذه المدرسة الإسلامية.
وهي نقطة قوّة تمتاز بها عن غيرها من النظريات التي تستند إلى جهود بشرية قاصرة عن الإحاطة بكلّ معطيات التاريخ وأبعاده.
فاستناد هذه الرؤية إلى الوحي وإلى مَعين علم لا يتسلّل إليه الخطأ، بمعنى آخر إلى مصدر متعال يحيط بالزمان والمكان والإنسان، يعطي لهذه الرؤية مصداقية وواقعية أكثر من التفسيرات الأخرى التي ينطلق أصحابها من داخل التاريخ من مكان ما في زمان ما ليحاول أن يفسّر الحركة والتاريخ ككلّ.
وكيف لمن يعيش داخل التاريخ أن يحيط بما وراءه؟ وما بعده؟ إنّه عائق تكويني حقيقي يحول دون الوصول إلى وقائع الأمور.
التعالي
الوحي المتعالي هو المصدر الأساسي للنظرية الإسلامية في تفسير التاريخ، وهو المرتكز المعرفي لهذه النظرية.
وتلك ميزة ينفرد بها التفسير الديني؛ لأنّه لا يمكن صياغة رؤية عقلانية عن التاريخ إلا باتخاذ موقع من التاريخ والنظر إليه ككلّ، هذه النظرة إلى التاريخ من أعلى هي التي تمكّن فيلسوف التاريخ من النظر إلى الحوادث في ترابطها وتمكّنه من إسقاط العلاقات السببية بين الحوادث في المستقبل، ثمّ يستمرّ فيلسوف التاريخ في هذه العملية فيتجاوز حدود توقّع المستقبل وينتهي إلى طرح مشكلة غاية التاريخ أو نهاية التاريخ، مقابل الفكر الوضعي المستغرق في الزمان بما يمثّله من حاجز معرفي يحبس الباحث في حدود الآن ويعوق التحديق العميق في المستقبل بتحوّلاته وانقلاباته ويحول دون امتلاك رؤية شمولية تغطّي الحاضر والماضي والمستقبل.
يمكّن الاستناد إلى الوحي المتعالي من اقتناص هذه الرؤية الشمولية الواقعية.
فالتعالي هو ضمان الواقعية، ودونه يتضخّم في وعينا زمننا الحاضر ومكاننا القائم لتحتجب عنّا الرؤية الكاملة وتطغى علينا الرؤية الموضعية الناقصة الجزئية.
الموضوعية
إشكالية الموضوعية، مسألة منهجية تطّرد في كلّ البحوث خاصّة في مجال العلوم الإنسانية التي يكون فيها الإنسان جزءاً من موضوع العلم.
والموضوعية في التاريخ عموماً، وفلسفة التاريخ خصوصاً مقصد مهمّ يصطدم بإشكالية وحدة الذات والموضوع، حيث يكون الباحث هو الإنسان، والبحث هو مسيرة الإنسان نفسه من حيثيات معيّنة.
كما يصطدم هذا المقصد بالإطار المعرفي الذي ينطلق منه الباحث والذي يحدّد وجهة نظره في الوجود والإنسان ونهاية المسيرة الإنسانية.
ففلسفة التاريخ لا تنفكّ عن الرؤية الكونية والأيديولوجيا، ومن هنا فالأفكار المسبقة والأيديولوجيا خصوصاً تقف عائقاً أمام الموضوعية في فهم التاريخ وفلسفته.
ومن الصعوبة أن يتخلّص المؤرّخ أو فيلسوف التاريخ من نزعاته الذاتية وأفكاره المسبقة في قراءته للتاريخ.
وهنا أيضاً يمنحنا التعالي حلاً لإشكالية الموضوعية حيث يكون الالتزام الواعي والتقيّد بالإطار المرجعي للنصوص الدينية، بمنأى عن التحريف والتزييف، هو السبيل إلى تحقيق الموضوعية واجتناب السقوط في كلّ أشكال التحيّز للذات أو للمذهب أو للعرق أو للأهواء والمصالح....
الإنسانية
أشرنا سابقاً إلى اختلاف النظريات والمدارس في تحديد العوامل المؤثّرة في حركة التاريخ، فبعض المدارس تولي أهمّيّة خاصّة للعامل البيئي الجغرافي في تأثيره في حياة الناس وحضارتهم، وبعض الاتجاهات الأخرى تعتقد أنّ العامل الاقتصادي وتطوّر وسائل الإنتاج هو محور حركة التاريخ، ويذهب ثالث إلى أنّ الدولة والمؤسّسة السياسية هي الأداة الفاعلة في صنع التاريخ....
ومقابل هذه النظريات تنحاز المدرسة الإسلامية للإنسان وتؤمن بأصالة الإنسان وأصالة القيم والحاجات الإنسانية.
فالإنسان هو محور حركة التاريخ، وحاجاته الروحية المعنوية هي مركز الثقل في هذه الحركة، يقول الشهيد المطهري رحمه الله: - مسيرة التاريخ انطلاقاً من هذه النظرة تحوّل التاريخ وتكامله لا يقتصر على الجانب الفنّي والآلي أي لا يقتصر على الجانب المادّي؛ بل إنّه يعمّ ويشمل جميع الشؤون المعنوية والثقافية للإنسان ويتجه نحو تحرير الإنسان من القيود البيئية والاجتماعية -.(٦٥)
ليس الجغرافيا وحدها، ولا الكبت الجنسي، ولا وسائل الإنتاج، هي التي تصنع التاريخ وتشيّد الثورة؛ بل الإنسان يحقّق كلّ ذلك بمحتواه الداخلي.
الحركية والرسالية
يتميّز الدين عن الفلسفة بروح التقديس، هذه النزعة تدفع المؤمن إلى النضال والاستماتة في سبيل تجسيد أفكاره في الواقع.
لأجل ذلك يترك كلّ الأنبياء آثاراً واقعية في حياة الناس والمجتمع، ولا يكتفون برفع الشعارات وتقديم النظريات، وقلّة من الفلاسفة هم كذلك يندفعون للتضحية بذواتهم من أجل أفكارهم ورؤاهم.
وفلسفة التاريخ من منظور قرآني إسلامي ليست نظرية تجريدية تفتقت بها عبقرية مفكّر،ولا رؤية طوباوية تحلم بها الجماهير الجائعة المظلومة لتخفّف عن نفسها وطأة التاريخ وظلم المؤسّسات السياسية، وتعوّض عن أيّامها العصيبة المؤلمة بحلم وردي جميل.
وليست ترفاً فكرياً يتلألأ في صالونات الأنتلجنيسا - الإسلامية الجديدة - أو - النخب الفكرية الإسلامية الحديثة -.
فلسفة التاريخ ليست ذلك كلّه، ولكنّها ثقافة أساسية يتعرّف من خلالها الفرد والمجتمع على موقعه ودوره ورسالته في الزمن انطلاقاً من قراءة واقعية صائبة للوجود والإنسان والمستقبل.
الأسس العامة
بعد عرض وشرح الخصائص العامة لفلسفة التاريخ من منظور إسلامي، نعلّل الأسس العامة لهذه النظرية، وهي خمسة:
- غاية التاريخ.
- العوامل المؤثّرة في حركة التاريخ.
- سنن التاريخ وقوانينه.
- مراحل التاريخ.
- المستقبل البشري ونهاية التاريخ.
أوّلاً: غاية التاريخ
من الأسئلة المحورية المهمّة المبحوثة في فلسفة التاريخ والتي اختلف حولها المفكّرون: هل يتحرّك التاريخ نحو غاية محدّدة أم أنّه تراكم عشوائي للأحداث لا نستطيع معرفة مآله ومنتهاه؟
لقد أكّدت الكثير من القراءات الدينية منها بالخصوص على وجود غاية وحكمة للخالق - وهو ما ينسجم مع مباني العدلية في المنظومة الكلامية الإسلامية - وراء الوجود، وهذا الإنسان ومسيرته في الحياة والتاريخ.
ولكن قلّة هي المدارس التي تعطي تفاصيل وتوضيحات كافية عن الغايات وسبل الوصول إليها والمعوقات التي تحول دون بلوغها.
نعم، تلتقي العديد من المدارس حول عنوان عام للغاية - السعادة البشرية - أو - المجتمع الصالح - أو - المجتمع العادل - يتحرّك نحوها التاريخ الإنساني، لكن دون أن تقدّم التفاصيل الكافية.
في المنظور القرآني نجد عنوانين أساسين لغاية المسيرة البشرية:
الأوّل: مفهوم العبادة.
الثاني: مفهوم الخلافة.
فما هي دلالات وأبعاد كلّ واحد منهما؟ وما علاقة الأوّل بالثاني؟
في مستوى المفهوم الأوّل يركّز القرآن على أنّ الغاية من خلق الناس هي العبادة، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) (الذاريات).
ورسالات الأنبياء في شعاراتها الأساسية كانت تذكّر بهذه الغاية وتنادي بها، (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَ هَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء).
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) النحل).
(فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ هٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (المؤمنون).
وفي مقام التفصيل يتحدّث القرآن الكريم عن هذا الشعار كخطاب رفعه بعض الأنبياء عليهم السلام كهود وصالح وشعيب ونوح....
(وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ هٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (الأعراف).
(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ هٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَ ذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الأعراف).
(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ هٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَ لِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (الأعراف).
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ هٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (المؤمنون).
(وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَ لِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (العنكبوت).
والمفسّرون يذهبون إلى أنّ العبادة المقصودة في هذه الآيات والتي تمثّل غاية الخلق وعلّة وجود الناس هي العبادة بالمعنى الأعمّ، أي معرفة الله والسير الحثيث نحوه لتحقيق انسجام (المسار التشريعي مع السير التكويني)، مقابل المعنى الخاص للعبادة: الشعائر الخاصّة، أي الأعمال المشروطة بنية القربى.
وهذا المفهوم العام للعبادة له بعدان:
بعد نظري: يتمثّل في تلمّس مظاهر الجمال الإلهي واستكشاف صفاته، يقول تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) (الطلاق).
فالآيات تصرّح أنّ الغاية من خلق السموات والأرض معرفة صفات الله من علم وقدرة خصوصاً، وآيات أخرى تتحدّث عن جعل آخر مقابل الجعل التكويني (الخلق) وهو الجعل التشريعي، وأنّ غايته أيضاً معرفة صفات الله، (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَ لِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (المائدة).
فمعرفة الله وتلمّس صفاته هدف ذلك الجعل التكويني وهذا الجعل التشريعي.
ولا تخلو الأحاديث والروايات من الإشارة إلى هذا البعد النظري للعبادة: معرفة الله، من هذه الروايات: - كنت كنزاً مخفياً فأردت أن أعرف فخلقت الخلق -.
أما البعد العملي فيراد به السير العقلي والحثيث نحو الله، وهو ما عبّرت عنه آيات قرآنية كثيرة منها: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) (الانشقاق).
ومن اللافت أنّ الآية جاءت مطلقة لم تقيّد الإنسان بقيد الإيمان، فهذه الحقيقة الموضوعية - الكدح نحو الله - تشمل المؤمن والكافر، وخصوصية المؤمن أنّه يستشعر هذا السير نحو الله ويعمّق في نفسه هذا التوجّه، فيكون كدحه عبادة واعية وتسبيحاً مقصوداً ينسجم مع حركة ذرّات الكون وتسبيحها العام، (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَ كِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء).
وأمّا الإنسان الكافر فلن يكون كدحه - عبادة - ؛ ولكن حركة نحو جزائه الذي لا يفوته (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (النور).
هذه العبادة بمعناها الشامل هي برنامج الاستخلاف والاستئمان الإلهي: رسالة الخلافة، وهكذا يتكامل مفهوم العبادة كغاية للخلق مع مفهوم الخلافة.
فالخليفة عن المستخْلِف الأصيل لابدّ له من منهج يتحرّك عبره ليطبّق إرادة وبرنامج المستخلِف، والعبادة بمعناها العام في البعده النظري والعملي ترجمة لصفات الله وأسمائه، - تشبّهوا بأخلاق الله - وهي عنوان هذا البرنامج.
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة).
(ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (الأنعام).
(ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (يونس).
وبتتبّع الآيات يمكن أن نميّز في الاصطلاح القرآني بين نوعين من الخلافة: الخلافة العامة: وهي تشمل كلّ أفراد الإنسانية، بمعنى أنّ الله جعل بني البشر خلفاء الأرض واستعمرهم فيها: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (الحديد).
والخلافة الخاصّة: وهي خلافة المؤمنين الصالحين من بني البشر الذين يكرسون العبودية لله ويحفظون حدوده ويحرصون على تطبيق القيم الإلهية من حقّ وعدل وقسط وحرية، وهو كما نلاحظ مدلول قريب من معنى التمكين في الأرض: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَ ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور).
في هذه الآية وعد إلهي بتمكين الصالحين واستخلافهم في الأرض وتحقيق مجتمع العبودية الكاملة،وهنا تتّحد الخلافة العامّة مع العبادة والعبودية الكاملة لله وتتحقّق الغاية النهائية للمسيرة البشرية.
فمجتمع العبودية الكاملة هو المجتمع الصالح الذي ترنو البشرية نحوه، وهذا ما يذهب إليه السيد الطباطبائي رحمه الله - والمتحصّل أنّ الله سبحانه يعدّ الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات أن سيجعل لهم مجتمعاً صالحاً خالصاً من وصمة الكفر والنفاق والفسق، يرث الأرض، ولا يحكم في عقائد أفراده عامةً ولا أعمالهم إلا الدين الحقّ، يعيشون آمنين من غير خوف من عدو داخل أو خارج، أحرار من كيد الكافرين وظلم الظالمين وتحكّم المتحكّمين، وهذا المجتمع الطيّب الطاهر على ما له من صفات الفضيلة والقداسة لم يتحقّق ولم ينعقد منذ بعث النبي صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا، وإذا انطبق فينطبق على زمن ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه على ما ورد من صفته في الأخبار المتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وأئمة أهل البيت عليهم السلام لكن على أن يكون الخطاب لهم لا له عليه السلام وحده - (٦٦).
هذا المجتمع الصالح هو الذي يرث فيه الصالحون الأرض، (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء).
ويكون المستضعفون الأئمة والقادة، (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص).
(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) (الأعراف).
ثانياً: العوامل المؤثرّة في حركة التاريخ
السؤال الثاني المهم والمحوري في فلسفة التاريخ: ما هي القوى المؤثّرة والموجّهة لحركة التاريخ؟
والبحث عن محرّكات التاريخ ينسجم مع المبدأ العام والقانون الكلي الحاكم على أحداث الكون، - فأحداث التاريخ بصفتها جزء من أحداث الكون تخضع للقوانين العامّة التي تسيطر على العالم، ومن تلك القوانين مبدأ العلّيّة القائل: إنّ كلّ حدث سواء كان تاريخياً أم طبيعياً أم أي شيء آخر لا يمكن أن يوجد صدفة وارتجالاً وإنّما هو منبثق عن سبب، فكلّ نتيجة مرتبطة بسببها، وكلّ حادث متصل بمقدّماته، ودون تطبيق هذا المبدأ - مبدأ العلّيّة - على المجال التاريخي يكون البحث التاريخ غير ذي معنى -.(٦٧)
فهنا مبدآن أساسيان لتفسير التاريخ: الإيمان بالحقيقة الموضوعية لأحداث التاريخ والاعتقاد بأنّها تسير وفق مبدأ السببية.
ولكن الخلاف في الاتجاهات المختلفة في تحديد هذه العلل الزمنية والقوى الأساسية المهمّة التي توجّه حركة التاريخ.
ولئن تميّزت بعض الطروحات بتقديم قراءة متحرّكة متطوّرة للعامل الأساسي في التاريخ حيث يلحظ التطوّر البشري في مرحلة مبكّرة الآلهة تصنع التاريخ، وفي حقبة متقدّمة يكون البطل هو صانع التاريخ، وفي الحقبة الأخيرة المسؤولية تناط بعهدة الجماهير (نظرية فيكو).
ولكن كلّ هذه الفرضيات ترفضها النظرية الإسلامية - وكلّ هذه المحاولات لا تتفق مع الواقع ولا يقرّها الإسلام؛ لأنّ كلّ واحد منها حاول أن يستوعب بعامل واحد تفسير الحياة الإنسانية كلّها، وأن يصيب هذا العامل من أدوار التاريخ وفصول المجتمع ما ليس جديراً به لدى الحساب الشامل الدقيق -.(٦٨)
لأجل ذلك جنحت النظرية الإسلامية إلى قاعدة تعدّد العوامل، فواقعيتها توجب الإقرار والاعتراف بكلّ الفواعل المؤثّرة في حياة الإنسان وتاريخ المجتمعات وحركة الحضارات.
وتتشكّل منظومة هذه الفواعل من العناصر الآتية:
أوّلاً: الغيب.
ثانياً: الإنسان.
ثالثاً: النظام الكوني.
رابعاً: النظم السياسية والاجتماعية.
خامساً: سنن التاريخ.
أوّلاً: الله سبحانه وتعالى والتاريخ
تفرض العقيدة الإسلامية إرجاع الأمور كلّها إلى الله وعجل، (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف).
فالله خالق الكون وبارئ الإنسان وهادي الكائنات إلى كمالها النوعي، والله هو الذي جعل الإنسان خليفة في الأرض، واصطفاه على ملائكة السماء، وحمّله أمانة أشفقت منها السموات والأرض والجبال وأبين أن يحملنها.
فمقوّمات الحدث التاريخي إلهية المنشأ والتخطيط: فكيف يصحّ إنكار الدور الإلهي؟! كما تسعى لذلك النظريات الوضعية التي تتهم النظرية الإسلامية خاصّة والنظريات الدينية عموماً باللاهوتية، والخرافية والأسطورية طوراً آخر.
ولكن إقرار المدرسة الإسلامية بالدور الإلهي في التاريخ هو مظهر من مظاهر واقعية هذه المدرسة، وليس نكوصاً للوعي البشري إلى مرحلة الأسطورة كما يعبّر أوغست كونت، وليست تكريساً لحقبة الآلهة، الحقبة الأولى من مراحل التاريخ من منظور (فيكو) المؤرِّخ الإيطالي، إنّما الإيمان بالغيب والاعتقاد بالدور الإلهي من مسلّمات الإيمان الديني وعقيدة المؤمن أنّ الله هو الخالق والمربِّي للبشر.
والحوار السماوي بين الله والملائكة كما ساقه القرآن الكريم في مواطن عديدة حول استخلاف آدم عليه السلام، والقرار الإلهي بتوطينه في الأرض وتحميله مسؤولية الخلافة الإلهية،كلّ هذه الأمور حقائق كونية وليست أساطير اكتتبها المسلمون ونسجتها مخيلتهم أو خيالهم الديني؛ بل هي الدَفْعةُ الأولى لعجلة التاريخ التي انطلقت مع خلق آدم وتحميله مسؤولية الخلافة، ولن تتوقّف هذه العجلة حتّى ترسو على شاطئ الأهداف النهائية.
فالشكل الأوّل: من أشكال التدخّل الإلهي في التاريخ يتمثّل في خلق آدم عليه السلام وخلق الطبيعة واستخلاف الإنسان.
ولذلك فإنّ النظريات الوضعية التي تنكر فكرة الخلق ومبدأ الألوهية تضطرّ لتفسير وجود الإنسان والعالم بالصدفة العمياء أو بالتفاعلات المادّية الذاتية!
وكلّ هذه النظريات المنكرة لفكرة الخالق والإرادة الإلهية في خلق الإنسان لا تعطي تفسيراً منطقياً لبداية التاريخ ومنطلقاته وآفاقه وموقع الإنسان من الوجود.
ويشكل عليها: أي معنى للتاريخ ولفلسفته إن كان أصل وجود الناس هو مجرّد صدفة عمياء؟ فهو في نهاية المطاف وفي منظور هذه النظريات المادّية ليس سوى ذرّة تائهة في هذا الوجود العظيم لا تعرف من أين ولا إلى أين؟
الشكل الثاني: من أشكال التأثير الإلهي في التاريخ تشخيص غاية التاريخ وهدف المسيرة الإنسانية، فالله وعجل بما يمثّله من صفات الحقّ والعدل والكمال المطلق هو المثل الأعلى لهذه المسيرة ومنتهاها،فصفات الله الجمالية خاصّة هي الأفق السامي لحركة المجتمع وقبلة المسيرة التاريخية، وقد شرحنا هذا في النقطة الأولى.
الشكل الثالث: من أشكال التدخّل الإلهي، وهو إرسال الأنبياء وبعثه الرسل، فالخالق لم يكتف بما أودعه في البشر من عقل وفطرة ينيران لهم الدرب ويساعدانهم على التمييز بين الخير والشرّ والحقّ والباطل وما يتقدّم بالمسيرة وما يتأخّر:
(لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) (المدثر).
(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (الإنسان).
(وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد).
بل اقتضى اللّطف أن ينصّب حججاً يأخذون بيد الناس إلى سبيل الهداية ويكشفون لهم عن دروب الغواية والانحراف، فأرسل الرسل مبشِّرين ومنذرين وداعين إلى سبل النجاة ومصحّحين المسيرة الإنسانية لتتحرّك في الاتجاه الصحيح:
(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (البقرة).
(إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ) (الرعد).
وحسب روايات أهل البيت عليهم السلام يمثّل خطّ النبوة مائة وأربع وعشرين ألف نبي، شكّلوا خطّاً موازياً للخلافة الإنسانية العامة، خطّ يشرف على هذه الخلافة بما يستبطنه من إحاطة بالمعارف الإلهية وبأهداف المسيرة وشروط نجاحها ومقوّمات تصحيحها: إنّه خطّ الشهادة كما يبيّن باقر الصدر رحمه الله: - وضع الله سبحانه وتعالى إلى جانب خطّ الخلافة - خلافة الإنسان على الأرض - خطّ الشهادة الذي يمثّل التدخّل الربّاني من أجل صيانة الإنسان الخليفة من الانحراف، وتوجيهه نحو أهداف الخلافة الرشيدة، فالله تعالى يعلم ما توسوس به نفس الإنسان، وما تزخر به من إمكانات ومشاعر، وما يتأثّر به من مغريات وشهوات، وما يصاب به من ألوان الضعف والانحلال، وإذا ترك الإنسان ليمارس دوره في الخلافة دون توجيه وهدى كان خلق عبثاً ومجرّد تكريس للنزوات والشهوات وألوان الاستغلال - (٦٩).
وهذا الخطّ - الشهادة - لا يتمثّل في الأنبياء فقط،فالشهداء الذين يؤدّون دوراً في هذا الإشراف هم في الواقع ثلاثة أصناف، ويستدلّ الصدر رحمه الله على ذلك بالآية من سورة المائدة، يقول تعالى: (انا انزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربنيون والاحبار بما استحفظوا من كتب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكفرون).
والأحبار هم علماء الشريعة أمّا الربّانيون فهم درجة وسطى بين الأنبياء والأحبار، بين النبي والعالم، وهي درجة الإمام.
فالأنبياء والأئمة والعلماء يمثّلون حلقات هذا الخطّ، خطّ الشهادة الذي أناط الله بعهدتهم مسؤولية تصحيح المسيرة الإنسانية؛ لأنّ الشهيد - مرجع فكري وتشريعي من الناحية الأيديولوجية يشرف على سير الجماعة وانسجامه أيديولوجياً مع الرسالة الربّانية التي يحملها، وهو مسؤول عن التدخّل لتعديل المسيرة أو إعادتها إلى طريقها الصحيح إذا واجه انحرافاً في مجال التطبيق -.(٧٠)
الشكل الرابع: من أشكال التدخّل الإلهي، هذا الشكل يتمّ من خلال مجموعة النظم والقوانين التي تحكم الطبيعة والتاريخ والمجتمع، والتي ترجع إلى الإرادة الإلهية المهيمنة على عالم التكوين والتشريع، (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
ويمكن أن نسمّي منظومة القوانين الطبيعية الكونية التي تنظّم حركة الطبيعة ومنظومة القوانين التاريخية والاجتماعية بالقضاء الإلهي.
وأمّا حركة الطبيعة ومسارها الفعلي وحركة المجتمع ومسارها الفعلي فهي حركة القدر الإلهي، فالقضاء والقدر الإلهيان يمثّلان الشكل الرابع من أشكال التدخّل الإلهي في التاريخ.
العامل الثاني: الإنسان
من المنطقي أن يكون الإنسان أحد العوامل المؤثّرة في حركة التاريخ، بل هو محور هذه الحركة ومتعلّق بمختلف التحوّلات الحضارية وآفاق المستقبل البشري، ولكنّنا نواجه هنا أيضاً نفس التجاذبات بين المدارس المختلفة حول موقع الإنسان وحدود دوره التاريخي، فبعض الاتجاهات تختزل هذا الدور إلى أبعد حدّ حين تمنح العامل الاقتصادي والصراع الطبقي مثلاً الأثر الأكبر في صناعة التحوّلات والتبدّلات التاريخية والتحكّم في مسيرة الإنسان، ولا تعطي لهذا الإنسان من وظيفته في هذا المعنى سوى الوعي بالحتمية التاريخية، أو بالصيرورة التاريخية!
بالمقابل نجد اتجاهات تتطرّف لصالح العامل الإنساني فتمنح البطل الدور المركزي في الأحداث التاريخية وتهمل العوامل الأخرى.
ونعتقد أنّ الرؤية القرآنية للتاريخ وبالتالي المدرسة الإسلامية تقدّم رؤية متوازنة تحفظ للإنسان دوره الواقعي دون مبالغة ولا بخس لموقعه.
والسؤال الذي نترقّب الإجابة عنه: كيف يسهم الإنسان في صنع التاريخ؟
وهو سؤال يستمدّ جذور إجابته من الرؤية الكونية والأصول العقائدية التوحيدية: ففي المنظور الإسلامي العام ليس الإنسان مجبوراً مطلقاً، ولا مفوّضاً مطلقاً، ولكن هو بين أمرين: - لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين -. فما تقدّمه فلسفة التاريخ من خطوط للدور الإنساني في صناعة الحضارة وتحديد المصير يمثّل بشكل ما: تفصيلات هذه القاعدة - لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين - تفصيلات تلتصق بالبعد الاجتماعي والتاريخي.
لقد مكّنت الميزات التكوينية، التي حازها الإنسان من قوام خاص، وعقل مفكّر، وميول فطرية، وقابليات نفسية، صاحبها من أداء دور مميّز على الأرض، وجعلت منه الكائن الحي الوحيد القادر على بناء الحضارات، وتشييد نمط حياتي يتجاوز أفق المجاميع الحيوانية الأخرى التي قد تعيش في حياة اجتماعية ولكنّها غير قادرة على تخطّي النمط الغرائزي التي طبعت عليه منذ القدم.
هذا التفرّد يعود إلى ما يتميّز به الإنسان من فكر وإرادة حرّة، وقد أشار القرآن الكريم إلى هاتين الحقيقتين في مواطن عديدة كما في قوله تعالى: (البقرة). (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب).
هذه القابليات الفكرية التي غرست في الإنسان منذ فجر تاريخه بتعليم آدم الأسماء، وهذه الإرادة والحرّية والقدرة على الرفض والتمرّد والعصيان التي تحكم جهازه النفسي هما السرّان الكامنان وراء تفرّد هذا الكائن، وقدرته على صنع التاريخ والحضارة.
ويمكن أن نستنتج المعادلة التالية:
عقل + حرية + الشرائط المادّية الموضوعية = حضارة
ومنهج العقل وأسلوب ممارسة الحرية تحدّدان أساساً نمط الحضارة، أمّا الإطار المادّي التقني والفنّي والمعيشي ليس سوى القشرة الخارجية لها.
والدين والتجربة عاملان أساسيان لتشكيل العقل، والإيمان والسمو في الأهداف يفرزان الاختيارات الصائبة، وفعالية الإنسان في التاريخ تتسع بمقدار ما تتعمّق القاعدة الفكرية والنفسية له؛ لأنّ النظرية القرآنية ترى أنّ حركة البناء تنطلق دوماً من الداخل إلى الخارج، وأنّ التغيير الاجتماعي والتاريخي لا يمكن أن يحقّق أهدافه كاملة إلا إذا استند على قاعدة التغيير الداخلي، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) (الرعد).
هذا المحتوى الداخلي في المنظور القرآني هو القاعدة في بناء الحضارات، وعلى الرغم من أنّ تجارب الأنبياء تؤكّد أنّ الإطار الجغرافي، والعوامل العرفية، والعامل الاقتصادي تؤثّر على حياة الناس وطريقة إدارتهم لقضاياهم العامّة وبالتالي على تاريخهم، فإنّ ذلك لا يكون على سبيل العلّة التامّة؛ بل هي مقتضيات ويظلّ عمل المجتمع وخياراته الأساسية في الوجود هي المحدّد المحوري لمصير المجتمع.
العامل الثالث: النظام التكويني
هل تؤثّر الطبيعة في التاريخ حقّاً؟ هل لعبت دوراً في تاريخ الحضارات فعلاً؟
حينما نتساءل هنا عن دور الطبيعة والنظم الكونية التي تهيمن على الوجود العام، وحينما ننسب لها دوراً ما في هذا المجال، يكون ذلك على نحو الإسناد المجازي العقلي، فالطبيعة كمظهر من مظاهر القدرة الإلهية وإحدى التجلّيات للفعل الإلهي المهيمن على الوجود والإنسان والتاريخ.
فالطبيعة حضن التاريخ، وبالتالي فالإنسان مضطرّ أن يكيّف حياته ومسيرته وفق خصائصها التكوينية ونواميسها الحاكمة.
لا يمكن للإنسان أن يتمرّد على القوانين التي تحكم بنيته المادّية (جسمه مثلاً)، ولا أن يتمرّد على قوانين الطبيعة من حوله، قانون الجاذبية، خصائص المواد، الثوابت الفيزيائية...، فهو ينظّم حياته ويؤسّس لها على قاعدة هذه النظم والقوانين.
وكلّ تأثير سلبي في هذا النظام الطبيعي سيدفع الإنسان ثمنه باهظاً، وهذا ما نلاحظه بالنسبة للإنسان المعاصر حيث حدثت تحوّلات كونية وبيئية كثقب طبقة الأوزون وتلوّث المحيطات، وارتفاع درجات الحرارة... نتيجة الفساد والاستغلال المدمّر وغير المنظّم لثروات الأرض، (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم).
والطبيعة ليست إطاراً مادّياً لحركة الإنسان وفضاءً مكانياً لمسيرته وصيرورة حضاراته فقط، كما يعتقد بعضهم، حيث يتعاطى معها كعنصر حيادي تجاه مسيرة الإنسان وطبيعة النظم والرؤى التي يؤمن بها ويتحرّك وفقها، بل إنّ الطبيعة في المنظور القرآني تتفاعل إيجاباً وسلباً مع صلاح العمل الإنساني وعدم صلاحه واستقامة السلوك الإنساني وعدم استقامته، فالأرض تفجّر خيراتها والسماء تنزل قطرها إذا أقام المجتمع نظمه وقوانينه على قاعدة العدل والمساواة بمنأى عن الظلم والاستغلال، (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (الجن).
(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق).
وهذا المبدأ يفسّر لنا طبيعة الرفاه الاقتصادي الاستثنائي الذي يعرفه مجتمع الظهور حيث لا يوجد في المجتمع فقير محلّ للزكاة، والمال يحثوه الإمام حثواً، ولا يعدّه عداً، ولا تترك السماء قطراً إلا أنزلته والأرض نبتاً إلا أنبتته كما سنفصّل ذلك في الفصل الرابع إن شاء الله تعالى.
العامل الرابع: النظم الاجتماعية السياسية
تهمل دراسات فلسفة التاريخ عادة هذا العامل بسبب الاستغراق في النظرة الفردية للإنسان وحركته في الزمن.
ويُقصد بالنظم الاجتماعية السياسية: الصيغ الحياتية التي تنظّم حياة الناس في علاقات الإنسان بأخيه الإنسان في مختلف المجالات (الأسرية، الاقتصادية، السياسية)
لقد أكّد القرآن على الروح الجماعية والمسؤولية المجتمعية، ومن هنا كان الحديث عن عذاب الأُمّة وأجل الأُمم، ومصير الأُمم، وعقاب الأُمم، وليس ذلك إلا لأنّ للمجتمع والأُمّة روح واحدة تصحّح هذه المسؤولية وتسوّغ هذه التوصيفات.
والنظم الاجتماعية السياسية هي التي تشكّل هذه السمة الجماعية وتصبغ هذه الروح بطابعها الخاص، (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (البقرة).
(قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (الأنعام).
(وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الجاثية).
هذه الروح الجماعية هي التي تصحّح العقاب العام، (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال).
عرفت النظم السياسية وعبر التاريخ الإنساني تطوّرات عميقة جعلت الوعي البشري ككلّ يتمسّك أكثر فأكثر بمطالب الحقّ والعدل الاجتماعي وحقّ الجماهير والمستضعفين في تقرير مصيرهم، وغدت الثقافة الحقوقية للإنسان والأفراد والمجتمعات ولمختلف الأصناف المهنية والعرقية والطبقات الاجتماعية رافداً مهمّاً من روافد هذا الوعي العميق بضرورة حفظ الحقوق وقيم العدالة كمقصد أساسي لحركة الناس والمجتمعات.
ولكن لم يلتفت الإنسان المعاصر بعد بشكل جيّد إلى تجارب الأنبياء عليهم السلام، والأديان عموماً في تكريس العدالة وحفظ الحقوق وصونها والذود عنها، فهذه التراكمات في التجارب الإنسانية فيما أبدعه العقل الإنساني إذا استرشدت بتجارب الأنبياء والأوصياء وتراث الأديان قادرة على إفراز نظم تشريعية وأنظمة اجتماعية وبناء كيانات سياسية مؤهّلة لحفظ التوازنات الصعبة:
أوّلاً: حقّ الأفراد وحقّ المجتمع.
ثانياً: حاجات البدن ومتطلّبات الروح.
ثالثاً: مقتضيات التكوين ومقاصد التشريع.
رابعاً: ضغوط الماضي والحاضر وتحدّيات المستقبل.
خامساً: المسؤولية التاريخية والاجتماعية أمام الناس، والمسؤولية الشرعية أمام الله.
والأزمات الكبرى التي يشهدها عالمنا المعاصر، الحروب، واللا توازن، تؤكّد حاجتنا الملحّة لمثل هذه النظم الاجتماعية السامية البديلة والناضجة التي تبشّر بها إرهاصات التطوّر الفقهي الإسلامي وخروجه من القصور وملائمته لحاجات الدولة، ومقتضيات العصر، وضرورات المستقبل.
العامل الخامس: قوانين التاريخ
وهذا ما نفصّله في الأساس الثالث التالي:
الأساس الثالث: سنن التاريخ وقوانينه
يعدّ بلوغ فكرة - القانون التاريخي - أو - سنن التاريخ - فتحاً مبيناً للعقل البشري في مستوى الوعي التاريخي.
ففي ضوء هذا المفهوم القرآني لم يعدّ التاريخ تراكماً عشوائياً للأحداث أو مساراً يخضع للصدف العمياء، (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (الأحزاب).
(فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (فاطر).
(سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) (غافر).
والقرآن في نصوص عديدة يحثّ على الاقتداء بهذه السنن، وكما في قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النساء).
(قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (آل عمران).
(وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا * سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا) (الإسراء).
ونلاحظ أنّ استقراء التطوّر المعرفي في التاريخ يعكس مدى التقدّم الذي قطعته الخبرة البشرية في مجال استكشاف قوانين عالم الطبيعة والتكوين وحسن توظيفها في خدمة الإنسان وضمان الحاجات المادّية وتوفير الحياة المرفهة.
وأمّا في المجال الاجتماعي والتاريخي فلا يزال الفكر الإنساني يتلمّس طريقه إلى الكشف عن كلّ أسرار وقوانين هذه الدائرة وطرق الاستفادة منها.
والفكر الإسلامي بما يمتلكه من ينابيع الوحي الإلهي والهداية يتحمّل مسؤولية جسيمة في تقديم القراءة القرآنية للموضوع، وتعميق الوعي الإنساني في اتجاه ذلك الأفق عبر بلورة رؤى إسلامية ناضجة تقنع العقول المعاصرة وتستجيب لتساؤلات الباحثين.
ولتقريب أدقّ للموضوع نسوق نماذج من هذه السنن التاريخية في القرآن الكريم.
النموذج الأوّل: حتمية الأجل للأمم
فالقرآن الكريم يؤكّد في آيات عديدة أنّ الأجل المحتوم قدر لا فرار منه؛ بل إنّ المجتمعات لها حياة وموت، وأنّه إن حلّ أجل أُمّة ما لا يمكن أن تلوذ منه فكاكاً فالأجل محتوم، ويحكمه قانون صارم لا يتغيّر ولا يتبدّل.
(وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) (الحجر).
(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (الأعراف).
(يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (نوح).
(وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَ كِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (النحل).
النموذج الثاني: حتمية انتصار الحقّ وظهوره على الباطل
(وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) (الأنفال).
(وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) (الإسراء).
(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (الأنبياء).
(وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (الشورى).
النموذج الثالث: قانون الاستبدال
مفاد هذا القانون أنّ الأجيال التي لا تتحمّل مسؤولياتها التاريخية في صون الأمانة وحفظ الأهداف الإلهية في التاريخ لن تقف في النهاية حائلاً دون بلوغ ذلك فإنّ الله يستبدلهم بغيرهم ولا يكون البدلاء مثلهم.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَ لِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة).
فالقرآن لا يرى ديمومة لأي جيل أو أي فئة، فكلّ هذه المجموعات ليست في النهاية سوى حلقة من حلقات التتالي على مسرح التاريخ، وكلّ مجموعة لا تؤدّي دورها كما ينبغي لابدّ أن تُستبدل لتأتي مكانها مجموعة أخرى قادرة على إنجاز مهامها، ودفع عملية المسيرة إلى الأمام.
(إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (التوبة).
(هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) (محمّد).
(نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ) (الواقعة).
(فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) (المعارج).
النموذج الرابع: نصرة الله من ينصره وأنّ النصر بمقدار ثبات المؤمن
(وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة).
(وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج).
(وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (الروم).
(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات).
(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة).
النموذج الخامس: حتمية البلاء
فالبلاء والمحن سنن تاريخية مطّردة في كلّ المجتمعات وفي كلّ مراحل التاريخ الإنساني،والمسلم فرداً كان أو مجتمعاً كلّما زاد إيمانه وصلابته العقائدية ازدادت بلاءاته ومحنه.
(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت).
فالفتنة والمحنة قانون مطّرد ويشمل كلّ الذين آمنوا ليعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين.
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة).
(وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران).
(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(آل عمران))
النموذج السادس: الترابط والملازمة بين العدل الاجتماعي والرفاه الاقتصادي
أكّدت النصوص القرآنية في أكثر من مورد على الملازمة بين العدل في التوزيع والتقدّم الاقتصادي، وأنّ تطبيق نظام العدل والصلاح ينتج عنه الرفاه المعيشي ونزول الخيرات وبركات السماء.
(لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (المائدة).
(وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (الأعراف).
(وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (الجن).
(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) (نوح).
النموذج السابع: العاقبة للمتقين، والأرض يرثها الصالحون والمستضعفون
يجزم القرآن الكريم أنّ في نهاية المطاف ستؤول الأمور والأرض إلى المتقين والصالحين، فالمؤمنون سيسودون ويسوسون العالم بموازين الحقّ والعدل ويتوجون رحلة الإنسان في الحياة بالمجتمع العالمي العادل الخالي من الظلم والحيف والحرمان والفقر، (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف).
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء).
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص).
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة، الصف الآية٩).
الآيات تلخّص الوعد الإلهي بتمكين المستضعفين واستخلافهم وسيادتهم على الأرض.
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ لِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور).
الأساس الرابع: مراحل التاريخ
للتاريخ بداية ونهاية، بداية التاريخ كما تؤمن النظرية الإسلامية وكما بيّنا في الأساس الأوّل تجسّدت في خلق آدم وحواء عليهما السلام كممثّلين للجنس الإنساني محور الحركة التاريخية.
أمّا الغاية والنهاية كما بيّنا في الأساس الأوّل فهي قيام مجتمع الصالحين الذي ينجح نجاحاً كاملاً في تحقيق العبودية الكاملة وتجسيد القيم الإلهية الخالدة. وبين البداية والنهاية مسار تاريخي طويل ومعاناة عميقة وكدح متصاعد، (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) (الانشقاق).
هذا المسار التاريخي يمكن أن نختزله في أربع مراحل أساسية:
- المرحلة الأولى: مرحلة خلق آدم عليه السلام وحضانته في الجنّة.
- المرحلة الثانية: مرحلة الفطرة والوحدة.
- المرحلة الثالثة: مرحلة الاختلاف والتشتّت.
- المرحلة الرابعة: مجتمع الصالحين.
ولنتحدّث بتفصيل مناسب عن كلّ واحدة من هذه المراحل.
أوّلاً: مرحلة خلق آدم عليه السلام وحضانته
في القرآن آيات ومقاطع كثيرة تحدّثنا عن هذه المرحلة وتفاصيلها وهي مبثوثة في عدّة سور: البقرة الآيات من ٢٩ إلى ٢٣٨، في سورة الأعراف من الآية١٠ إلى الآية ٢٥، في سورة طه من الآية ١١٥ إلى الآية ١٢٦، وفي سورة الحجر من الآية ٢٨ إلى الآية ٤٣، وفي سورة الإسراء من الآية ٦٢ إلى الآية ٦٥، وسورة ص من الآية٧١ إلى الآية ٨٥.
وبقراءة موضوعية لهذه الآيات نكتشف أنّ هذه المرحلة - التي فصّل القرآن الكريم الكثير من جوانبها - تعدّ الأساس لتاريخ الإنسان وأنّها ستتحكّم في تاريخ الإنسان ومستقبله، معالم تفصح عنها الآيات، ومن الضروري الوقوف عند دلالاتها. هذه المعالم الأساسية هي:
أ. التركيبة التكوينية المزدوجة للإنسان.
ب. تفضيل آدم عليه السلام والنوع الإنساني على الملائكة.
ج. نشوء العداوة بين الإنسان والشيطان.
د. هبوط آدم عليه السلام إلى الأرض وبدء حركة التاريخ.
عن المعلم الأوّل تحدثنا الآيات عن هذه الطبيعة التكوينية لهذا الإنسان على لسان الخالق سبحانه وتعالى:
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ *فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ) (الحجر).
(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (ص).
(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) (الرحمن).
هذا الإخبار القرآني عن التركيبة التكوينية المزدوجة مهمّ جدّاً؛ لأنّ هذه التركيبة ستوجّه حركة هذا الإنسان في المراحل القريبة (زمن الحضانة)، كما ستوجّه وتتحكّم في مستقبله وفي تاريخه البعيد أيضاً.
لقد تجلّى ذلك بوضوح في المدى القريب حينما انساق آدم، وتحت تأثير نزوعه الأرضي الطيني إلى الخلود وحبّ البقاء، إلى تصديق الشيطان الرجيم فيما أوعده من مُلك لا يبلى وخُلد لا فناء بعده.
ويتجلّى ذلك أيضاً في كلّ تاريخ الإنسان وسائر المراحل الممتدّة إلى يومنا الحاضر في الصراع الذي يعيشه هذا الإنسان بين نوازع الخير ونوازع الشرّ، وبين السمّو والتعالي إلى القيم الروحية التي تشدّه إليها نفحة الروح الإلهية فيه، وبين الركون إلى الأنوية والشهوة، كما تفرض عليه قبضة الطين.
والتاريخ يكشف لنا أنّ هناك أناساً ينحازون إلى هذا الجانب، وهناك آخرون ينحازون إلى الطرف الآخر، والصراع حتمي بين الفريقين، وهذا الصراع لابدّ منه لحفظ القيم والوصول إلى النهاية السعيدة. وعن الاستعداد المزدوج توجد عدّة آيات،(وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد)، (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (الإنسان)، (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس)، (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَ كِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة)، (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج).
تفضيل آدم على الملائكة
المَعْلَم الثاني المهمّ في هذه المرحلة، تفضيل آدم - بما هو رمز للنوع الإنساني - على الملائكة؛ هذه المخلوقات النورانية التي جبلّت على الطاعة المطلقة لله تعالى.
هذا التفضيل يؤشر لموقع آدم الوجودي وعظمة هذا الكائن الذي صدر الأمر الإلهي للملائكة أجمعين أن يسجدوا له تكريماً وتبجيلاً وتعظيماً.
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) (البقرة).
في هذا الحوار تتخوّف الملائكة من استخلاف آدم على الأرض بعدما اطّلعت على تركيبته التكوينية التي تجعله قابلاً للتمرّد والعصيان، وهي ما لا تجده في ذواتها - حيث إنّ الموجود الأرضي بما أنّه مادّي مركّب من القوى الغضبية والشهوية، والدار دار التزاحم محدودة الجهات، وافرة المزاحمات، مركّباتها في معرض الانحلال، وانتظاماتها وإصلاحاتها في مظنّة الفساد ومصبّ البطلان، لا تتمّ الحياة فيها إلا بالحياة النوعية، ولا يكتمل البقاء فيها إلا بالاجتماع والتعاون فلا تخلو من الفساد وسفك الدماء، ففهموا من هناك أنّ الخلافة المرادة لا تقع إلا بكثرة الأفراد ونظام اجتماعي يسهم ويفضي بالآخر إلى الفساد والسفك -.(٧١)
هذا هو استنتاج الملائكة: هذا الكائن غير جدير بالخلافة؛ لأنّ الخليفة لابدّ أن يكون حاكياً لصفات المستخلِف، وأين هذه الصفات (الفساد والسفك) من الجمال والعظمة الإلهيين!
ولكن المعرفة الخاصّة التي ميّزت هذا الكائن فضّلته ورجّحته على الملائكة (والمعرفة هو القدر المشترك بين آراء أغلب المفسّرين في تفسير معنى الأسماء).فالله في ردّه على الملائكة لم ينسف تخوّفهم من الفساد وسفك الدماء وإنّما نبّههم إلى بعد آخر في هذا الكائن وبه استحقّ ما استحق (اني اعلم ما لا تعلمون).
لقد توجّست الملائكة من حريّة هذا الكائن، وخشيت من تمرّده على القوانين الإلهية والقيم الأخلاقية بالظلم وسفك الدماء، ولكن الله أعلمهم أنّ الإنسان يملك معرفة واستعدادات لمعرفة الحقائق الكونية مما يتيح له الاعتصام بخطّ الهداية وبلوغ مقام الخلافة والحكاية عن الله في صفاته وجماله.
العداء بين إبليس والإنسان
في هذه المرحلة أعلن الشيطان عداءه للإنسان ورفض السجود له وتعذّر بالتفوّق العنصري الذي يمتاز به حيث خلق من نار وأمّا آدم فخلق من طين.
(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (الأعراف).
وفي الواقع حَسَد الشيطان الإنسان على هذا الموقع الذي أولته إيّاه السماء وحجبته أنانيته أن يرى لهذا الكائن أيّة فضيلة؛ بل استغرق في الأنا يعصي أمر الله سبحانه وتعالى، فطُرد من ساحة الرحمة الإلهية لِيُعْلِنَ حرب غواية على هذا الإنسان، الذي بسببه أُقصيَ عن هذه الساحة، وأبعد عن صفوف الملائكة بعد الانتساب إليهم إثر عبادة طويلة امتدّت لستة آلاف سنة حسب ما تقول الروايات.
(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف).
وانطلقت حركة الصراع فعلياً منذ فترة الحضانة في الجنّة المؤقّتة التي أسْكِنَ آدم وحواء فيها لأجل مسمّى، واستنفر إبليس كلّ مواطن الضعف في شخصية آدم من سرعة تصديقه ونزعته الفطرية للخلود ليقنعه بالأكل من الشجرة المنهي عنها، ويخالف بذلك النهي الإرشادي الصادر من الله.
(وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) (الأعراف).
أكل آدم وحواء من الشجرة وبدت سوآتهما وكان ظهور السوءة (العورة) النتيجة الطبيعية للأكل من الشجرة.
فوسوس له الشيطان قال: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) (طه).
(فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ) (الأعراف).
وقد فسّر المفسّرون بدو السوءة وظهورها بالتمايل الجنسي المستلزم للغذاء والنمو، ومن هنا نفهم الربط بين الأكل من الشجرة وظهور العورة، ونفهم من سياق الآيات أنّ الأكل من الشجرة وظهور السوءة كان لابدّ منه، وقد تحقّق فعلياً بسوء اختيار آدم وزوجته نتيجة لغواية الشيطان الذي اتخذ على نفسه عهداً أن يغوي آدم ونسله ويضلّهم.
وهذا يؤكّد أنّ دور الشيطان لا يخرج عن التخطيط الإلهي؛ بل يخدم أهداف هذا التخطيط في النهاية ويعزّز مفهوم الاختيار والامتحان والابتلاء للإنسان.
بعد تجربة الجنّة وفترة الحضانة، اكتمل إعداد آدم تكوينياً ونفسياً لمهمّة الاستخلاف فكان الهبوط إلى الأرض وبدء المسيرة الإنسانية.
فالإنسان من جهته يحاول أن يكون في مستوى الخلافة الإلهية ومؤدّياً للأمانة التي أبت السموات والأرض والجبال حملها.
والشيطان من جهته يسعى لتضليل الإنسان وإبعاده عن سبيل الهدى والفلاح، (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف).
(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (الحجر).
(قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَ ذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء).
وأُبهِمَ على كثيرين موضوع الشيطان ودوره ووسوسته، فظنّوا أنّ الأمر بهذه الطريقة خروج عن ميزان العدل الإلهي، لما فيه من زيادة في تعقيد الامتحان والتكليف: أفلا يكفي ما سيلاقيه الإنسان من صعوبات وتعقيدات في حياته وصراع داخلي وخارجي بين الحقّ والباطل لنزيد عليه محنة الشيطان؟
والجواب - إنّ عمل الشيطان هو الإدراك الإنساني، ووسيلة عمله العواطف والإحساسات الداخلية، فهو الذي يلقي هذه الأوهام الكاذبة والأفكار الباطلة في النفس الإنسانية كما يدل عليه قوله تعالى: (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) (الناس)، ولكنّ الإنسان مع ذلك لا يشكّ في أنّ هذه الأفكار والأوهام المسمّاة وساوس شيطانية أفكار لنفسه يوجدها هو في نفسه من غير أن يشعر بأحد سواه يلقيها إليه أو يتسبّب إلى ذلك بشيء -.(٧٢)
هبوط آدم على الأرض وبدء حركة التاريخ
بعد تلك التجربة الفريدة التي عاشها آدم وحواء في مرحلة الحضانة التي استوفت أغراضها ببلوغ آدم وحواء درجة من النضج التكويني والنفسي، كان الدرس القاسي الذي تلقّاه آدم وزوجته ضرورياً، ليعرف الإنسان ما ينتظره في مرحلة الاستخلاف ومسؤوليات دار التكليف، إنّها ليست نزهة ترفيهية سهلة ومرحة، إنّها رحلة صعبة محفوفة بمخاطر ومزالق عنوانها الكبير الشيطان وجنوده.
كان الدرس الكبير الذي أعلنته السماء لآدم ستنزل إلى الأرض ولكن إذا لم تعتصم بهدى الله وخَضَعْتَ، وإذا أنصتّ مرّة أخرى لغواية إبليس فلن تكون حياتك إلا انحرافاً وآخرتك إلا خسراناً مبيناً.
(ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى * قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه).
وفي سورة البقرة نقرأ آيات في السياق نفسه معلنة القاعدة العامّة لحركة الإنسان في الزمن (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة).
فمرحلة الحضانة تؤسّس لمنهج المسيرة كما يجب أن تتحرّك فيه: عدم الخضوع لغواية الشياطين ودواعي الانحراف.
(يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف).
المرحلة الثانية: مرحلة الفطرة أو الوحدة
في بداية نشوء المجتمع الإنساني كان الناس أُمّة واحدة كما يخبرنا القرآن الكريم.
في تلك المرحلة كانت الفطرة هي السائدة، وكان التوحيد عقيدة المجتمع، وخلافاً لبعض النظريات الوضعية التي تحدّثت عن الإنسان الأوّل بمنأى عن الدين ومعرفة الله، كذات متحيّرة وقعت فريسة الأساطير والسحر والشكّ، فإنّ النظرية الإسلامية تؤكّد على البداية المسدّدة لحركة الإنسان، وهذه دلالة مهمّة لنبوة آدم عليه السلام، فالإنسان الأوّل نبي، وله اتصال خاص بالله، مما يؤكّد أنّ تاريخ الإنسان لم يبدأ منفصلاً عن الغيب ألبتة كما توحي بذلك هذه القراءات الوضعية.
هذا المجتمع الأوّل كان بسيطاً في حاجاته محدوداً في قابلياته واستعداداته، ومع تقارب القابليات بين أفراد ذلك المجتمع ووفرة الفرص والثروات الطبيعية وتشابه الاستعدادات التكوينية والنفسية كان يتوقّع أن تتقلّص هوامش النزاعات والخلافات، ولكن لا يعني هذا خلو المجتمع الأوّل من كلّ أشكال النزاع والصراع، فقد حدثت مثل هذه الوقائع الجزئية التي لم تخرج المجتمع الأوّل من سمته العامة: مجتمع فطري توحيدي، فالقرآن يحدّثنا مثلاً عن قصّة هابيل وقابيل ابني آدم، حيث تحرّكت نوازع الحسد في قابيل فقتل أخاه، وكانت أولى جرائم القتل على الأرض وفي التاريخ.
مع تشعبّ المجتمع الأوّل وتكاثر أفراده وتعمّق الفروقات وبروز التنوّعات وتعدّد الميولات والأذواق بدأت الخلافات تشبّ بين أفراد المجتمع الإنساني وتهدّد وحدته ومساره الصحيح، واحتاج الناس لأجل تصحيح المسيرة إلى عامل خارجي فكانت النبوات التشريعية التي جاءت لحلّ الخلافات، وكانت إيذاناً ببدء مرحلة جديدة: مرحلة التشتّت.
المرحلة الثالثة: مرحلة الاختلاف والتشتت
يقول الله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (البقرة).
الإنسان اجتماعي بالفطرة، فالفطرة تدعوه للتعاون والاجتماع، وهذه الفطرة كما تدعوه للاجتماع تدعوه لتقديم حاجاته ومصالحه الفردية، فكما أنّ الفطرة دعته للاجتماع والائتلاف كانت هي السبب في الخلافات.
يقول صاحب الميزان في تفسير الآية: - إنّ الإنسان - وهو نوع مفطور على الاجتماع والتعاون - كان في أوّل اجتماعه أُمّة واحدة ثمّ ظهر فيه بحسب الفطرة الاختلاف في اقتناء المزايا الحيوية، فاستدعى ذلك وضع قوانين ترفع الاختلافات الطارئة، والمشاجرات في لوازم الحياة فألبست القوانين الموضوعة لباس الدين، وشفّعت بالتبشير والإنذار: بالثواب والعقاب، وأصلحت بالعبادات المندوبة إليها ببعث النبيين، وإرسال المرسلين، ثمّ اختلفوا في معارف الدين أو أمور المبدأ والمعاد، فاختلّ بذلك أمر الوحدة الدينية وظهرت الشعوب والأحزاب، وتبع ذلك الاختلاف في غيره، ولم يكن هذا الاختلاف الثاني إلا بغياً من الذين أوتوا الكتاب، وظلموا عتواً منهم بعدما تبيّن لهم أصوله ومعارفه وتمّت عليهم الحجّة، فالاختلاف اختلافان: اختلاف في أمر الدين مستند إلى بغي الباغين دون فطرتهم وغريزتهم، واختلاف في أمر الدين، وهو فطري وسبب لتشريع الدين -.(٧٣)
وسنفصّل الحديث عن هذه المرحلة في الفصل التالي حيث نشرح تطوّر المجتمع الإنساني في هذه المرحلة عبر استعراض تكامل النبوات وختمها وبلوغ حقبة الوصاية الإلهية.
المرحلة الرابعة: مجتمع الصالحين أو المتقين
ذكرنا سابقاً أنّ النظرية الإسلامية في فلسفة التاريخ يحكمها التفاؤل، فهي تنظر إلى المستقبل البشري بإيجابية وتلتقي مع المدارس التي تؤمن بغدٍ سعيد ومزدهر تسود فيه قيم العدل والرخاء والرفاه.
وهي ترى: أنّ نهاية المسار التاريخي تكون السيادة فيه للمتقين والصالحين ويرث الأرض المستضعفون.
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء).
(وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) (الأعراف).
هذا التوريث الإلهي هو تنفيذ للوعد الإلهي بأن يمكّن المؤمنين ويستخلفهم في مجتمع لا شرك فيه.
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور).
هذا المجتمع الصالح ضرورة تاريخية لابدّ منها مهما طال الزمن، وهو ما عبّرت عنه الروايات الواردة من طرق العامّة والخاصّة ومن هذه الروايات: - لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله تعالى رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً -.(٧٤)
لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّله الله تعالى حتّى يملك رجل من أهل بيتي جبل الديلم والقسطنطينية -.(٧٥)
- لا تقوم الساعة حتّى يملك الأرض رجل من أهل بيتي أجلى أقنى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً، يكون سبع سنين -.(٧٦)
الأساس الخامس: المستقبل البشري
تحديد هوية المستقبل ومشخّصاته ركن أساسي في فلسفة التاريخ، فكلّ نظرية تمتلك رؤية محدّدة لمستقبل الناس وغدهم الآتي.
وكما رأينا سابقاً تؤمن النظرية الإسلامية بنهاية سعيدة للمسيرة البشرية، وهي نهاية حتمية لابدّ أن يصل إليها الناس حسب ما تمليه العوامل المؤثّرة في حركة التاريخ، يصلون إليها بإرادتهم واختيارهم أيضاً.
نهاية التاريخ في النظرية الإسلامية ليست إلغاء للآخر واستغراقاً في النمط الحضاري الذي ينتمي إليه صاحب النظرية، إنّه ليس استغراقاً في فلسفة ذاتية لا تمنح صاحبها فرصة النظر إلى الواقع بكلّ تجرّد، فما تثيره فلسفة التاريخ في الغرب من رؤى وأفكار حول سيادة الديمقراطية الغربية وصراع الحضارات وحتمية انتصار الحضارة الغربية ليس سوى مظهر من مظاهر هذا الانحياز والمركزية الغربية التي تعمي وتصم.
أمّا المستقبل في النظرية الإسلامية فهو مستقبل للإنسانية، ونجاح وفوز وسعادة للمجتمع الإنساني مهما كان دينه وحضارته، هو انتصار للنموذج الإنساني العالمي الذي ينتصر فيه الحقّ على الباطل، وتسود فيه قيم العدالة والحرّية والمساواة والرخاء للجميع للبشر والطبيعة والزمان والمكان، ليلتحم الوجود كلّه في ترنيمة توحيدية جميلة لم يعرف لها مثيلاً في التاريخ.
هذه الرؤية المستقبلية تقدّمها النظرية الإسلامية العامة في خطوطها العريضة انطلاقاً من الوعود الإلهية في القرآن الكريم والأحاديث الكثيرة حول الملاحم والفتن وظهور الإمام المهدي.
إلا أنّ الرؤية التفصيلية لهذا المستقبل تساعدنا على بلوغها النظرية الخاصّة وفق المنظور الإمامي، وهذا ما سيأتي الحديث عنه في الفصل الرابع إن شاء الله تعالى.

الفصل الرابع أصول الوعي التاريخي من منظور مهدوي

فكرة المهدي - كما حقّقنا - ليست بدعة شيعية أو أسطورة خرافية نسجها الخيال الشعبي للمحرومين والمسحوقين في التاريخ تعويضاً عن واقعهم الرديء، بل هي عقيدة راسخة التقت حولها الأديان وأجمع عليها المسلمون كلّهم وإن اختلفوا في بعض تفاصيلها.
عقيدة تستند إلى نصوص قطعية من القرآن الكريم والحديث، والذي بلغت بعض مروياته حدّ التواتر.
وما أثير حول هذا المعتقد من شبهات وما يثار كلّ يوم لا يصمد أمام تجذّر هذا المعتقد ورسوخه في الوعي الديني لجميع الفرق والمذاهب.
والاختلافات حول تفاصيل فكرة المهدي ليست سوى تباينات على هامش المسألة دون المساس بجوهر القضية وجذرها العقائدي.
ويتميّز الطرح المهدوي في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فهذه المدرسة تولي هذا المبدأ عناية خاصّة، وتتوافر على نصوص وتفاصيل تفوق ما تقدّمه المدارس الأخرى.
في هذا الفصل نحاول استكشاف تفاصيل جديدة يضيفها المعتقد الإمامي للرؤية الإسلامية العامة في فلسفة التاريخ التي عرضناها في الفصل السابق.
أي أنّنا نحاول هنا استكمال بناء النظرية الإسلامية بلحاظ خصوصيات المعتقد الإمامي، الذي يستوعب النظرية العامة ويضيف إليها عناصر جديدة على قاعدة الإيمان بالإمام الثاني عشر وسلسلة الأئمة عليهم السلام عموماً، وغيبته وانتظاره وتفاصيل ظهوره مما انفردت به هذه المدرسة.
هذه التفاصيل ستكون مدخلاً لشبهات جديدة حول هذه العناصر وإشكالات جديدة حول سنن التاريخ، وحتمية الظهور وتعظيم دور البطل (المهدي عجل الله تعالى فرجه)، حول تهميش دور الأُمّة والجماهير، ومفهوم الانتظار وتعطيل الأدوار الحضارية والمسؤوليات الكبرى للأفراد والأُمّة.
كلّ ذلك يجعل من طرح تفاصيل المنظور المهدوي وتأثير عقيدة المهدي في الوعي التاريخي مسألة حيوية لابدّ منها لاستكمال تفاصيل النظرية الإسلامية.
وسنحاول اختزال أصول هذا الوعي التاريخي من منظور خاص في النقاط الخمس التالية:
- أوّلاً: هل تتنافى عقيدة المهدي مع فكرة سنن التاريخ؟
- ثانياً: هل يلغي دور المهدي في التاريخ مسؤوليات الأُمّة؟
- ثالثاً: المسار التاريخي في ضوء عقيدة المهدي: الصورة الكاملة.
- رابعاً: المستقبل السعيد وتفاصيله في ضوء عقيدة المهدي.
- خامساً: التزامن بين التكامل التشريعي والتكامل التكويني.
الأصل الأوّل: عقيدة المهدي وسنن التاريخ
حينما يطّلع البعض على دور المهدي في الإصلاح العالمي وقيادة المجتمع البشري نحو السعادة والكمال - كما تشرح تفاصيله الروايات - يتوهّم أنّ حركة التاريخ وصناعة المستقبل تتوقّف على هذا القائد وحده، وتُسقِط كلّ العوامل الأخرى.
ويتهاوى أي معنى لقوانين التاريخ وسُنَن حركة الحضارات؛ بل الإمام الغائب وحده هو الذي يصنع النصر الكبير.
فهل يصطدم حقّاً الاعتقاد بالمهدي مع سنن التاريخ؟
من المفيد قبل الإجابة عن هذا الإشكال أن نعالج المشكلة على مستوى النظرية العامة؛ لأنّ هذه الشبهة تثار بالأساس حول السنن والاختيار الإنساني، وهل يمكن الجمع بين سنن وقوانين التاريخ وحرّية الإنسان واختياره ولو في الجملة؟ وكيف يصنع الإنسان مصيره مع أنّ السنن والقوانين لا تختلف ولا تتخلّف؟
ولذلك يتوهّم البعض أنّ الدفاع عن مبدأ الاختيار الإنساني يقتضي رفض فكرة السنن، فقالوا: باستثناء الساحة التاريخية، وتمييزها عن الساحة الكونية فيما يرتبط بفكرة القوانين.
وفي الإطار الخاص يقال نفس الكلام: الاعتقاد بالمهدي وبدور القائد الكبير في تغيير مجرى الأحداث يستلزم رفض فكرة قوانين التاريخ.
وفي الواقع لا يصادر الإيمان بسنن التاريخ وقوانينه الصارمة حرّية الإنسان، ونستدلّ على ذلك بأمرين:
أوّلاً: ما ذكره صاحب المدرسة القرآنية في الردّ على هذه التوهّم وأنّ - السنن التاريخية لا تجري من فوق رأس الإنسان؛ بل تجري من تحت يده، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد).، (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (الجن)، إذن هناك مواقف إيمانية للإنسان تمثّل حرّيته واختياره وتصميمه، وهذه المواقف تستتبع ضمن علاقات السنن التاريخية تستتبع جزاءاتها المناسبة تستتبع معلولاتها المناسبة -.(٧٧)
ثانياً: والجواب الثاني الذي نقتبسه منه أيضاً: أنّ سنن التاريخ - وكما يشرحها القرآن - لها أشكال ثلاثة أساسية:
الشكل الأوّل: سنن ذات قضية شرطية: كالنموذج الذي ذكرناه في الفصل الثالث عن العلاقة بين العدالة والتوزيع ووفرة الثروات.
الشكل الثاني: شكل القضية الناجزة، والتي تشبه القوانين الطبيعية الكونية.
الشكل الثالث: السنن التاريخية المصاغة على صورة اتجاه عام في حركة التاريخ. والفرق بين هذا الشكل والسابق أنّ هذا الشكل يقبل التحدّي ولو في المدى القريب، أمّا الثاني فهو صارم حدّي لا يمكن تحدّيه ولا تجاوزه لا في المدى القريب ولا البعيد.
مثال ذلك: الدين سنّة تاريخية لكنّها ليست صارمة؛ بل تقبل التحدّي فيمكن للمجتمع أن يتحدّاه ولكنّه يدفع الثمن أخيراً، أمّا التركيبة التكوينية للإنسان (طين وروح) فهذه سنّة تاريخية صارمة لا يمكن تحدّيها، الاختيار للإنسان أو أنّه (أمر بين أمرين) هذه سنّة تاريخية صارمة.
والإشكال الذي يثيره البعض حول التنافي بين فكرة القانون التاريخي والاختيار يرجع إلى توهّم البعض أنّ القانون التاريخي لا يكون إلا على الشكل الثاني الصارم، على شاكلة قانون الجاذبية أو غليان الماء، لا يقبل التحدّي.
ولكن القرآن الكريم يوضّح: أنّ أغلب القوانين والسنن التاريخية هي على نحو القضايا الشرطية.
ثالثاً: الردّ الثالث الذي يمكن أن نسوقه أيضاً أنّ حرّية الإنسان واختياره كما ألمحنا هي سنّة من سنن الله وقوانينه، وهي سنّة ناجزة لا يملك الإنسان إزاءها تبديلاً أو تحويلاً، وهي تعبّر عن خصوصيات الأشياء ومقاديرها الوجودية، فكما أنّ الخاصّية التكوينية للنار هي الإحراق، والخاصّية التكوينية للماء السيلان، كذلك من بين الخصائص النفسية التكوينية للإنسان: الاختيار.
فالإنسان شاء أم أبى مختار مريد يتحرّك نحو الأهداف حركة تكاملية اختيارية.
وهذا السرّ المستودع في فطرة الإنسان لم تستوعب الملائكة أبعاده، فاعترضت على استخلافه لخطورة هذا الاختيار وهذه الحرّية، فكونه غير مضطر تكوينياً للانصياع والطاعة المطلقة لله كما هو حالهم، فكان الجواب الإلهي: (اني اعلم ما لا تعلمون)(البقرة). فالحرّية والاختيار كما يمكن أن تسوق الإنسان للقتل والظلم وسفك الدماء، يمكن أيضاً أن يرجح هذا لاختيار الخير والحقّ والعدل، وسبق في علم الله أنّ هذه الإرادة الخيّرة هي التي ستنتصر في نهاية التاريخ.
أمّا الحديث عن التنافي بين مقولة سنن التاريخ والإيمان بالقائد العالمي المخلص الذي يتحقّق النصر على يديه، فهو اشتباه آخر؛ لأنّ الإيمان بهذا القائد لا يلغي العناصر الأخرى المتحكّمة في حركة التاريخ كما حلّلناها في الفصل الثالث، فمنظومة الفواعل المحرّكة للتاريخ متنوّعة تشمل الإنسان البطل والسنن والقوانين والغيب و....
وبتعبير آخر: المهدي جزء من منظومة شرائط قيام هذا المجتمع العالمي، وهذا يرجع إلى التخطيط الإلهي لنهاية التاريخ وقيام المجتمع العادل بإمامة الإمام المعصوم، التخطيط الذي تدخّل على مسار الحركة الإنسانية لحفظ هذا القائد وإطالة عمره، كما سيأتي توضيحه في الفصل الخامس: فلسفة الغيبة.
والإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه نفسه يخضع لسنن التاريخ، وليست إطالة عمره مثلاً إلا حاجة اقتضتها القوانين والضرورات التاريخية، كما أنّ انتظاره الطويل في غيبته مما تستوجبه هذه السنن التي تستدعي استكمال العناصر المقوّمة للظهور.
الأصل الثاني: الإمام والأُمّة
الأمر الثاني في الأطروحة الإسلامية الخاصّة والذي يحتاج إلى توضيح دور الأُمّة، وهل يلغي الاعتقاد بالقائد والإمام المخلّص مسؤوليات الأُمّة؟ كما تروّج لذلك بعض التصوّرات الخاطئة للانتظار.
فهل يتسبّب الاعتقاد بالإمام القائد المخلِّص دخول الأُمّة في سبات تاريخي طويل انتظاراً للإمام؟
والواقع أنّ الأُمّة لها رسالة ثابتة دائمة تجري مجرى الشمس والقمر، لا تنتهي ولا تنقضي، وهذا ما تدلّل عليه نصوص كثيرة:
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران).
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (البقرة).
(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء).
هذه الأُمّة لا يمكن لرسالتها أن تموت أو تتجمّد، فهي مجتمع متحرّك دوماً نحو تطلّعاته وأهدافه. وهذه الحركة مستمرّة لا تتوقّف مهما كانت الظروف والأسباب، فرسالة هذه الأُمّة مرتبطة بالله تعالى الذي لا يموت، والشهيد الربّاني: النبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام، وإن كان حضوره يساعد على أداء الأُمّة دورها إلا أن غيابه لا يعفي الأُمّة البتة من تكاليفها الشرعية ومسؤولياتها التاريخية.
بل غياب الإمام يحمّل الأُمّة مسؤوليات جديدة يتيح لها هامشاً أكبر لتحقيق التطلّعات.
ومن جهة أخرى لا يعني غياب الإمام الفراغ القيادي، حتّى تغدو الأُمّة كالغنم الهمل بلا راع ولا موجِّه، بل هناك قيادة نائبة تنبثق من بين أفرادها، تتصدّى لمسؤوليات التوجيه والإشراف على رسالة الاستخلاف، وهذا أيضاً وجه آخر من أوجه مسؤوليات الأُمّة: الحفاظ على مؤسّسة الاجتهاد ودعمها وإفراز القيادات الفقهية القادرة على القيادة والتوجيه.
وبالنتيجة الأُمّة والإمام جناحان ينهض بهما التاريخ، ولا يمكن للمسيرة أن تحلّق نحو الآفاق النهائية إلا بهما معاً. وهذا ما يوحي به الجذر اللغوي المشترك (الأُمّة) و(الإمام) فالإمام يؤم الأُمّة، والأُمّة لابدّ لها من إمام يقودها إلى الأمام.
فالأُمّة تظلّ زمن الغيبة مسؤولة عن المهام الأساسية للمجتمع المسلم: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة الدين، وحفظ أركانه، كما أنّها تظلّ مسؤولة عن توافر شرائط الظهور - كما نبيّن لاحقاً - وهي مسؤولة عن إفراز القيادات الربّانية المخلّصة التي تصنعها المحن والابتلاءات والنضال والجهاد وسط أجواء الدفاع عن الدين والإخلاص لرسالته ونصرة المحرومين والمستضعفين، إنّ انبثاق مثل هذه القيادات في أوساط الأُمّة هو الكفيل بتشكيل أنصار الإمام على المدى البعيد، وتوفّر كوادر قادرة على إدارة شؤون الدولة العالمية وتسيير أمور المجتمع العادل.
الأصل الثالث: المسار التاريخي: الصورة الكاملة
في الفصل الثالث استعرضنا مراحل التاريخ كما تتراءى لنا في المنظور العام، وهنا نحاول أن نطرح الصورة الكاملة لهذه المراحل وتحقيباتها في ضوء العقيدة المهدوية:
- مرحلة الحضانة.
- مرحلة الوحدة.
- مرحلة التشتّت.
- مرحلة النبوة الخاتمة.
- مرحلة المجتمع العادل.
في الحقيقة أضفنا هنا مرحلة جديدة: مرحلة النبوة الخاتمة أو ختم النبوة، وهذا العصر الذي يمتدّ من فجر الرسالة الإسلامية ومبعث النبي محمّد صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا، وهذه المرحلة تعتبر تتويجاً لكلّ المراحل التاريخية السابقة وتأسيساً للمرحلة الأخيرة قيام المجتمع العالمي العادل، وفي هذه المرحلة عدّة حقبات:
- حقبة النبي محمّد صلى الله عليه وآله.
- حقبة الأوصياء عليهم السلام.
- حقبة الغيبة.
ونحن اليوم في مرحلة النبوة وفي حقبة الغيبة الكبرى التي تمهِّد مباشرةً للمرحلة الخامسة والأخيرة وهي مرحلة الظهور.
والمرحلة الخامسة بدورها تنقسم إلى ثلاثة عصور:
- عصر الظهور وتأسيس الدولة العالمية.
- عصر المهديين أو الأولياء الصالحين.
- عصر الجماهير العادلة أو الأُمّة المعصومة (الشورى).
وبلوغ هذا العصر ينبئ باستنفاذ البشر أغراضهم من الوجود والكون من خلقه، ويُسدَل الستار عن المسيرة البشرية نهائياً لتقوم الساعة وتبدأ النشأة الأخروية كما هو ثابت في عقيدة المعاد.
سنركّز في تحليلنا على مرحلة التشتّت والتحوّلات الكبرى التي عرفتها لتقود في النهاية إلى النبوة الخاتمة، هذه اللحظة الاستثنائية في التاريخ، التي توّجت جهود الأنبياء عليهم السلام طوال المسيرة الإنسانية الطويلة.
أدّى خطّ الشهادة دوراً مهمّاً في بلوغ البشرية مرحلة النضج والرشد لتضحى مؤهّلة لتقبّل الأطروحة النهائية، التي تطبّق أصولها في المجتمع العادل.
ولذلك نعتقد أنّ النبوة في تكاملها لعبت دوراً مميّزاً في مرحلة التشتّت، ودفعت حركة التاريخ إلى الأمام، وساهمت في النضج المادي والفكري والأخلاقي المعنوي.
لقد تحرّكت النبوة في هذا الاتجاه عبر خطّ تصاعدي تمحور في أربع حلقات:
- نبوة عقائدية مفاهمية.
- نبوات تشريعية.
- نبوات قبلية.
- نبوات عالمية.
رأينا سابقاً أنّ البشرية مرّت بمرحلة الفطرة مجتمع التوحيد، في هذه المرحلة لم يكن هناك تفاوت ولم تكن هناك انقسامات وكان المجتمع خالياً من التفرقة.
ويفسّر عدم انقسام المجتمع الأوّل واختلافه حول العقائد والتشريعات بعدم وجود المستوى الذهني الكافي لفلسفتها ومناقشتها فهم جميعاً يتسالمون على صحّتها،(٧٨) وأمّا عدم الاختلاف في المصالح بدرجة تؤدّي إلى النزاع والحروب فلعدم وجود المستوى الكافي للتركيز على هذه الجهات.(٧٩)
في هذه المرحلة كان دور الأنبياء بسيطاً، فلم يعملوا على طرح قوانين تنظّم الحياة؛ لأنّ المستوى الذهني لم يكن قادراً على استيعاب معنى التشريع وإطاعة الأوامر والارتداع عن النواهي، فهذا بدوره يحتاج إلى درجة من النضج الفكري والذهني لا يزال الإنسان الأوّل بعيداً عنها.
ومن هنا حاول الأنبياء في هذه المرحلة الأولى أن يهيّئوا المجتمع الإنساني لتقبّل التشريع واستيعاب فكرة القانون والأمر والنهي من خلال أمرين(٨٠):
أوّلاً: تقديم مضمون عقائدي بسيط عن وجود خالق الكون وأفعاله المهمّة وإمكان مخاطبته للبشر عبر الأنبياء والمرسلين.
ثانياً: بثّ الروح الأخلاقية بدرجة تتناسب مع الواقع حيث سعى الأنبياء لرفع الاختلافات البسيطة بواسطة مفاهيم كالأخوة والتعاون وتعويد الناس على طاعة رموز السلطة، وقد ساهمت هذه المضامين النبوية في تعميق الحوار والجدال حول هذه الموضوعات مما أثّر إيجاباً على مستوى الوعي العام، (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (البقرة).
فبغضّ النظر عن الاختلاف الثاني يتصاعد الصراع في حياة الناس ليشمل قضايا النبوة ومضامينها، وهذا شرط أساسي للنهوض بوعي الناس أيضاً.
من أبرز أنبياء هذه المرحلة إدريس عليه السلام، (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) (مريم).
هذا النبي الذي ساهم في تفعيل النضج الذهني بفضل تعليمه الناس الكتابة فقد ورد في الأثر - أوّل من خطّ بالقلم إدريس -.(٨١)
كما ساهم في تنضيج القدرات التقنية واليدوية فقد نقلت كتب التاريخ أنّه أوّل من خاط الثوب ولبسها، وكذلك أوّل من نظر في النجوم، ووضع أسماء البروج والكواكب السيّارة(٨٢)، ونتج عن الطور الأوّل أمران مهمّان:
أوّلاً: تعوّد الناس على فكرة النبوة.
ثانياً: استعدادهم للتفاعل مع أفكار الأنبياء وتلقّي الأوامر والنواهي منهم.
ومع النبوات التشريعية استثمر هذا المستوى الذي بلغه الناس لتعميق ذلك أكثر فأكثر.
ويمكن أن نتحدّث عن التطوّر الذي أحدثته النبوات التشريعية من خلال نموذجها الأبرز وهو نوح عليه السلام.
لقد حقّقت رسالة نوح عليه السلام الأهداف التالية:
أ. تعميق المفاهيم الإلهية، (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ هٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الأعراف).
ب. إعطاء الأوامر والنواهي، (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ) (الشعراء).
ج. بروز فكرة العذاب والعقاب كمفهوم جديد، ولكن بحكم مستوى الوعي المحدود والسائد تمّ التأكيد على الجزاء الدنيوي أكثر من الجزاء الأخروي، والجزاء الدنيوي الموعود هنا يشمل بعديه: الثواب والعقاب.
يقول تعالى على لسان نوح عليه السلام: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) (نوح).
وأيضاً: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ) (هود).
وتحدّث القرآن الكريم في أكثر من موضع عن الطوفان كعذاب دنيوي لقوم نوح عليه السلام الذين جحدوا رسالته وكذبوا بها: (و قوم نوح لما كذبوا الرسل اغرقنهم وجعلنهم للناس ءاية واعتدنا للظلمين عذابا اليما) (نوح).
(قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ) (الشعراء).
تعمّق هذا الاتجاه على يد الأنبياء الذين جاؤوا بعد نوح عليه السلام والذين تندرج نبوتهم في نفس هذه المرحلة كهود وصالح عليهما السلام.
فلقد أُهلكت عادٌ: قَومُ هودٍ، وثمودُ: قومُ صالحٍ بعذاب دنيوي، يقول تعالى متحدّثاً عن قوم ثمود: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) (الأعراف).
وقال أيضاً متحدّثاً عن هود: (فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ) (الأعراف).
وعن هلاك قوم عاد قال تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَ ذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) (الأحقاف).
ومن أهمّ الأهداف التي حقّقتها النبوة في هذا الدور: بلورة شريعة تتماشى مع درجة الوعي، ويمكن أن نلخّص معالم شريعة نوح عليه السلام والتي تمثّل الأساس التشريعي للنبوات اللاحقة في العناصر التالية:
أ. توحيد الله ورفض الشركاء والتسليم لربّ العالمين.
ب. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ج. أداء الصلاة.
د. المساواة والعدالة.
هـ. اجتناب الفواحش والمنكرات وصدق الحديث والوفاء بالعهد.
ولم تتضمّن هذه الشريعة حدود ولا فروض مواريث.
طور النبوات القبلية
لم يكن الأنبياء إلى حدّ هذا الطور يتحدّثون عن القبلية أو عن العالمية رغم أنّ بعضهم كانت رسالته للناس كافّة، كنوح عليه السلام، وإبراهيم عليه السلام، الذي يمثّل أهمّ أنبياء هذا الطور.
وربما يعود السبب في عدم إعلان الأنبياء عن طبيعة توجّههم هو أنّ فكرة العالمية لم يكن ممكناً للوعي السائد أن يتفهمّها ويتقبّلها.
ومن جهة ثانية تقوم فكرة القبيلة على أساس باطل لذلك لم يطرحها الأنبياء أيضاً إلا بعدما تهاوى الأساس الباطل لتلك الفكرة بقيام قبيلة مؤمنة تتركّب من أحفاد إبراهيم، وتستند فيها العلاقات والبناء الاجتماعي على أسس عادلة، حينذاك أعلنت النبوة عن تبنّيها للقبيلة ثمّ تدرّجت نحو إعلان العالمية في طور لاحق.
ويشرح صاحب اليوم الموعود هذا التبنّي قائلاً: - لقد كان الواقع يومئذٍ قائماً على إدراك أنّ القبيلة هي أحسن تنظيم اجتماعي يمكن القيام به لمصلحة المجموع، من ثَمّ لم يكن في مقدور النبوات تغيير هذا الواقع بين عشية وضحاها؛ بل كانت بحاجة إلى مواكبة هذا الواقع ردحاً من الزمن -.(٨٣)
ويحدّثنا القرآن الكريم عن هذا التوجّه مشيراً إلى يعقوب: عليه السلام (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة).
(كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (آل عمران).
وسجّل إبراهيم عليه السلام مساهمة متقدّمة في تعميق الوعي التوحيدي، والاعتقاد بالعدل الإلهي حتّى إنّ رسالته أصبحت أساس كلّ الأديان السماوية وملتقى دعوات التوحيد، كما تجلّت في سيرته عليه السلام روح التضحية في سبيل العقيدة حين تعرّض لمحاولة الإحراق فأنجاه الله، وحين قدّم ابنه قرباناً لله عزّ وجلّ.
ويعتبر تأسيسه لفريضة الحجّ نقلة نوعية في التربية الحسّية للناس وارتباطهم بالدين، فالحجّ فكرة جديدة في التاريخ، توحي للناس بضرورة الاستجابة لله وتلبية نداء الدين، (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) (الحج).
ومن التطوّرات التي حقّقتها نبوة إبراهيم عليه السلام التقدّم المفاهيمي وما شهده الخطاب من تغيّر حول الجزاء ليركّز أكثر على الجزاء الأخروي، وإن حافظ على إشارات للجزاء الدنيوي، يقول سبحانه تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَ ذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (البقرة).
طور النبوات العالمية
في هذا الطور تحرّكت النبوات على مستوى البشرية، ويعتبر الأنبياء موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام ومحمّد صلى الله عليه وآله من أقطاب هذا الاتجاه، وتوّج هذا الطور النبي محمّد صلى الله عليه وآله الذي على يده يدخل التاريخ مرحلة جديدة: مرحلة النبوة الخاتمة، وتبلغ العالمية ذروتها وأوجها. ولا يعني الحديث عن عالمية النبوات إلغاء التحرّك الفعلي في دائرة أضيق، فالنبي موسى عليه السلام ركّز تحرّكه على بني إسرائيل فأنقذهم من فرعون، ومارس قيادة الدولة بنفسه.
إنّ أهمّ التطوّرات التي عرفتها النبوّة على يد موسى عليه السلام تتلخّص فيما يلي:
أوّلاً: مباشرة قيادة الدولة، وهذا تحوّل هامّ في خطّ الأنبياء الذين كانوا يقودون المجتمعات بطريقة غير مباشرة، وسنرى فيما بعد أن هذا الاتجاه يتعمّق أكثر فأكثر مع داود وسليمان عليهما السلام، (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص).
فبينما كان الأنبياء السابقون محكومين من الناحية العملية لملوك آخرين قد يكونون من أشدّ الناس كفراً وظلماً، ولم يحاول نبي سابق قبل موسى عليه السلام أن يسيطر على الحكم وإن حاول إبراهيم عليه السلام أن يدخل حاكم عصره في دائرة الإيمان، وهذا معنى آخر غير السيطرة على الحكم.(٨٤)
ثانياً: إيجاد شريعة متكاملة وهي أكثر تفصيلاً من شريعة نوح عليه السلام، (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) (الأنعام).
(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ) (الأنبياء).
ثالثاً: مباشرته للقتال، وهذه نقلة نوعية أخرى تحولت بموجبها النبوّة من مجرّد الإقناع والجدال إلى السيطرة والهيمنة والتوسّل بالقوّة في سبيل ذلك، وأصبح من أدوار المؤمنين حملهم رسالة الدين إلى العالم.
(يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) (المائدة).
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص).
(قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) (القصص).
رابعاً: تعميق الإيمان بالآخرة والجزاء الأخروي وإن ظلت الإشارات للعقاب الدنيوي والتخويف بالعقوبات العاجلة التي أخذت مجراها الواقعي في حياة بني إسرائيل، يقول تعالى: (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) (غافر).
ويقول أيضاً: (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ) (الأعراف).
(فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) (الأعراف).
وتحرّكت دعوات الأنبياء من بعد موسى عليه السلام في اتجاه تعميق هذه المكاسب التاريخية، ويظهر ذلك خاصّة في نبوة سليمان وداود عليهما السلام اللذين وإن لم يكونا نبيين عالميين وكانا تابعين لنبوة موسى إلا أنّهما ساهما في تحقيق أهداف النبوّة الحضارية وتفعيل تكاملها التاريخي وذلك بفضل:
أ. تأسيس دولة قوية متماسكة متكاملة: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص).
(وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (النمل).
وتحدّث القرآن الكريم تفصيلياً عن مظاهر القوّة والتقدّم في دولة سليمان عليه السلام خاصّة:
(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (ص).
(وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ).
ب. ممارسة الفتح: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (البقرة).
وأشار القرآن إلى الانتصارات العسكرية التي حقّقها داود: عليه السلام (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْ لَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة).
وهكذا يعلن القرآن صراحة عن موقع الجهاد والقتال في حركة التاريخ وصون أهدافها، وأنّ قانون التدافع هو سنّة تاريخية تحكم رسالات الأنبياء في مواجهتها لكلّ أنواع الاعتراضات والمصادمات مع خطوط الانحراف في المجتمع.
ج. تطبيق شريعة متكاملة: وقد استند في ذلك إلى شريعة موسى عليه السلام وإن كان القرآن يحدّثنا عن كتاب داود عليه السلام: (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا) (النساء).
د. بناء سليمان عليه السلام هيكلاً، ويعتبر أهمّ معبد للبشرية بعد بيت الله الحرام الذي أشاده إبراهيم عليه السلام، ويعني ذلك تأكيد وتأصيل علاقة الناس بالدين والاستجابة للنزعات الحسّية للنفس البشرية في ممارسة الطقوس العبادية.
هـ. من النقلات النوعية الحاصلة في هذه المرحلة حديث هؤلاء الأنبياء عن المستقبل المشرق للبشرية، ويتجلّى ذلك بوضوح خاصّة على لسان داود: عليه السلام (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء).
في ضوء هذه التحوّلات بدأت البشرية تدرك أكثر فأكثر البعد العالمي لظاهرة النبوّة وأنّ نجاحها الكامل سيتحقّق في المدى البعيد بإرث الصالحين للأرض وتبلغ النبوات العالمية أوجها على يد النبي محمّد صلى الله عليه وآله الذي أذِنَت نبوته بتأسيس مرحلة جديدة في التاريخ البشري أسميناها: مرحلة النبوّة الخاتمة.
مرحلة النبوّة الخاتمة
في هذه المرحلة كان إعلان الرسول صلى الله عليه وآله رسالة الإسلام تتويجاً لجهود الأنبياء، (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَ كِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الأحزاب).
لقد استفادت رسالة النبي صلى الله عليه وآله من أساسين اثنين حقّقتهما حركة الأنبياء عليهم السلام:
أ. خروج الناس من التخلّف الفكري والقصور الذهني.
ب. بلوغ الوعي الإنساني مرتبة من الرقي تسمح له بتقبّل أطروحة مفصّلة لنظام اجتماعي نموذجي.
واستطاعت تحقيق إنجازات مهمّة أخرى على مستوى التطوّر التاريخي وأهمّها:
أوّلاً: تصوّر توحيدي في درجة عالية من التنزيه لم تبلغها أي رسالة من الرسالات السابقة، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى)،.(ذَ لِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَ هَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام).
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَ هَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَ هَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران).
ثانياً: شريعة كاملة تستوعب كلّ المجالات التربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(النحل).
ثالثاً: إعلان عالمية الرسالة الإسلامية والتأكيد عليها:
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء).
(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (الحج).
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَ كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سبأ).
رابعاً: المزج بين الدعوة السلمية والجهاد المسلّح في تبليغ الرسالة، وكسر الموانع من انتشار الرسالة الإسلامية في ربوع العالم، (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل).
(وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة).
خامساً: معجزة مستمرّة دائمة: بخلاف معجزات الأنبياء السابقين عليهم السلام كانت معجزة النبي محمّد صلى الله عليه وآله صالحة لكلّ الأحقاب التاريخية مما يؤمّن خلود هذه الرسالة وديمومة تفاعلها مع الحياة والإنسان قصد بلوغ الأهداف النهائية للمسيرة البشرية على الأرض.
سادساً: التأكيد على مستقبل البشرية السعيد في القرآن الكريم وعلى لسان النبي صلى الله عليه وآله في مَرويات كثيرة جدّاً، والتأكيد على أنّ ذلك يتوقّف على تطبيق المنهج الربّاني الذي جاءت به شريعة الإسلام.
سابعاً: تقديم تفصيلات دقيقة لم تعرفها النبوات السابقة عن الحياة الأخروية والجزاء الأخروي، ولذلك نرى القرآن الكريم يعجّ بالآيات في هذا المعنى.
بعد فترة النبي صلى الله عليه وآله تبدأ فترة الأئمة عليهم السلام، ويفترض أن تمتدّ فترة الوصاية الإلهية عبر سلسلة الأئمة عليهم السلام ولمدّة قرنين ونصف من التطبيق الصحيح والتفاعل الناضج بين الأُمّة والرسالة، لتكون كافية لبلوغ المجتمع الإسلامي درجة تؤهّله لإدارة نفسه بنفسه، ولكن كما أشرنا سابقاً الإرادة الحرّة للإنسان والتحوّلات التي عرفها تاريخ المسلمين بإقصاء الأوصياء من ممارسة دورهم الطبيعي ألجأ الأمور إلى شكل آخر من التسلسل فكانت الغيبة (سيأتي توضيحها أكثر في فلسفة الغيبة).
وربّما لو أخذ التاريخ مجراه الطبيعي كما تستوجبه الضرورات الحضارية (وصاية الإمامة وقيادتها الفكرية) لَتَغيّر وجهه تماماً.
لذلك كانت فترة ثالثة في مرحلة النبوة الخاتمة: فترة الغيبة.
هذه الفترة تستهدف استكمال الشرائط الموضوعية الكاملة لقيام المجتمع العالمي وولوج التاريخ المرحلة الخامسة والأخيرة: مرحلة المجتمع العادل.
مرحلة المجتمع العالمي العادل
هذه المرحلة فيها ثلاث حقبات أو عصور:
- عصر الظهور.
- عصر الأولياء الصالحين.
- عصر المجتمع المعصوم.
لن يتحقّق ظهور الإمام إلا بتوافر شرائط قيام هذا المجتمع العالمي العادل (سنفصّلها في البحوث القادمة).
ويدخل المجتمع في عصر ازدهار ورخاء وعدل وتطوّر لم تعرف البشرية له مثيلاً، وفي الأصل الرابع من هذا الفصل سنشرح أكثر مظاهر هذا المستقبل السعيد زمن الظهور.
وبغضّ النظر عن المدّة التاريخية التي تمتدّ فيها هذه الحقبة (عصر الظهور)، فبعض الروايات تقول: سبع سنين، وبعضها الآخر: تسع أو سبعة عشر، وحتّى أربعين سنة، ولكن في كلّ الأحوال بعد المهدي يدخل التاريخ حقبة جديدة: عصر المهديين أو كما يسمّيه السيد الشهيد محمّد صادق الصدر - الأولياء الصالحين -، فبعد المهدي يسير المجتمع العالمي بقيادة معيّنة: المهديون، ونستفيد هذا المعنى من بعض النصوص نذكر منها:
أوّلاً: حديث - يا علي سيكون بعدي اثنا عشر إماماً، ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً فأنت يا عليّ أوّل الاثني عشر الإمام -.(٨٥)
ثانياً: ما جاء في الدعاء: - اللّهم صلّ على ولاة عهده والأئمة من بعده، وبلّغهم آمالهم، وزد في آجالهم، وأعزّ نصرهم، وأتمّ ما أسندت إليهم من أمرك لهم، وثبّت دعائمهم، واجعلنا لهم أعواناً وعلى دينك أنصاراً -.(٨٦)
ويقول الشهيد السيد محمّد صادق الصدر رحمه الله: - سيكون حكم الأولياء الصالحين فترة تمهيدية أو انتقالية يوصل المجتمع العالمي إلى عصر العصمة حيث يكون الرأي العام المتفق معصوماً. وعندئذٍ سترتفع الحاجة إلى التعيين في الرئاسة العامة كما كان عليه الحال خلال حكم الأولياء الصالحين، وستوكّل الرئاسة إلى الانتخابات أو الشورى -.(٨٧)
بعد فترة المهديين أو الأولياء الصالحين التي تمتدّ لعشرات السنين - اثني عشر مهدياً - تبدأ الفترة الأخيرة للتاريخ البشري: فترة المجتمع المعصوم الذي يستقلّ فيه المجتمع الإنساني بإدارة شؤونه دون وصاية، ويحكم فيه حكّام منتخبون، وهؤلاء أيضاً هم أولياء صالحون - ولكن الفرق أنّ الأولياء الصالحين من المهديين كانوا إفرازاً طبيعياً لتربية خاصّة مسلّطة من سلطة وفق الأصول والقواعد الموروثة من الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه وأمّا الحاكم المنتخب فهو إفراز من الرأي العام الصالح الذي سيوجد أفراد بلغوا درجة عالية من العدالة تصل إلى حدّ العصمة غير الواجبة -.(٨٨)
والأرجح أن تمتدّ هذه الفترة إلى قرون متطاولة لا كما تدعي بعض النظريات أنّ عصر المجتمع العادل فترة قصيرة سرعان ما ينتكس بعدها التاريخ البشري في الظلم والظلمات مستندة إلى روايات غير معتبرة مفادها: - أنّ الساعة تقوم على شرار الناس -.
فمنطق العدل الإلهي يقتضي أن يمتدّ عصر المجتمع العادل وفترة المجتمع المعصوم لأطول مدّة ممكنة حتّى تعوّض الإنسان عن تلك العهود الطويلة من الظلم والاضطهاد التي تجرع مرارتها.
إضافة إلى ما نجده من مؤيّدات في بعض النصوص مثال ذلك:
- إنّ أهل الحقّ لم يزالوا منذ كانوا في شدّة أما إنّ ذلك إلى مدّة قريبة وعافية طويلة -.(٨٩)
فالحديث يشير إلى عافية طويلة لا إلى عصر قصير سرعان ما يزول.
وفي حديث قدسي عن الأوصياء عليهم السلام: - وعزتي وجلالي لأظهرنّ بهم ديني، ولأعلينّ بهم كلمتي، ولأطهّرنّ الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأملّكنّه مشارق الأرض ومغاربها، ولأسخرنّ له الرياح، ولأذللّنّ له السحاب الصعاب، ولأرقيّنّه في الأسباب، ولأنصرنّه بجندي، ولأمدّنّه بملائكتي حتّى يعلن دعوتي، ويجمع الخلق على توحيدي، ثمّ لأديمنّ ملكه، ولأداولنّ الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة -.(٩٠)
وهذا صريح في استمرار المجتمع العادل الذي يقيمه المهدي إلى يوم القيامة.
هكذا يدخل هذا المجتمع مدارات من الرقي الروحي والمعنوي بعد أن حلّ كلّ مشاكل الاقتصاد والسياسة والإدارة وتوزيع الثروات ليبلغ مرحلة يعيش فيها الفرد درجة من الالتحام الروحي بخالقه، - حتّى يكون كلّ فرد مترقّباً لقاء الله جلّ شأنه، مسروراً بالوصول إلى رضاه العظيم ونعيمه المقيم، فيشاء الله عزّ وجلّ أن يأخذهم جميعاً إليه كما تزفّ العروس إلى عريسها والحبيب إلى حبيبه فيموتون جميعاً موتاً كشمّ الرياحين، وبذلك تنتهي البشرية ويبدأ بذلك يوم القيامة - (٩١)، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
وهذه صورة رائعة أخرى تفتح قلوبنا وعقولنا لقوله تعالى للملائكة: إني أعلم ما لا تعلمون.
الأصل الرابع: تفاصيل المستقبل السعيد في ضوء عقيدة المهدي عجل الله تعالى فرجه
في الفصل السابق وفي مبحث الأسس العامّة للنظرية الإسلامية تحدّثنا عن تفاؤلية هذه النظرية ورؤيتها الإيجابية لنهاية التاريخ السعيدة، فالقرآن والروايات عموماً يبشّران بمستقبل بشري رغيد يعمّ فيه العدل والحرّية ويسود فيه المتقون والصالحون.
وفي النظرية الخاصّة تدعيم وتأكيد لهذه الحقيقة كما رأينا في تفاصيل مراحل التاريخ، وتعجّ الروايات الخاصّة والعامّة أيضاً بتفاصيل عن المهدي عجل الله تعالى فرجه وعصره، ونحاول أن نحيط ببعض التفاصيل عن هذه المرحلة الأخيرة من التاريخ الإنساني مرحلة المجتمع العادل خاصّة حقبة الظهور وما يشيعه من تقدّم ورخاء على كلّ الأصعدة:
النظام السياسي
تؤكّد الأحاديث على السمة البارزة للنظام السياسي والاجتماعي لهذا العصر: العدل والحقّ والمحبّة والأخوة بين عناصر المجتمع.
- لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً -.(٩٢)
عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: - المهدي منّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً -.(٩٣)
وفي البحار عن أمير المؤمنين عليه السلام: - لو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، ولأخرجت الأرض نباتها، ولذهبت الشحناء من قلوب العباد، واصطلحت السباع والبهائم، حتّى تمشي المرأة من العراق إلى الشام لا تضع قدميها إلا على النبات وعلى رأسها زنبيلها لا يهيجها سبع ولا تخافه -.(٩٤)
عن رسول الله صلى الله عليه وآله - فإذا خرج أشرقت الأرض بنور ربّها، ووضع الميزان العدل بين الناس فلا يظلم أحد أحداً -.(٩٥)
الصعيد الاقتصادي
روايات كثيرة من المصادر العامّة والخاصّة تحدّثنا عن وفرة المال والرخاء الاقتصادي في عهد الظهور:
في البحار: - يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يأتيه الرجل والمال كدوس فيقول يا مهدي أعطني، فيقول: خذ -.(٩٦)
وعن أبي سعيد الخدري خشينا أن يكون بعد نبيّنا حدث فسألنا نبي الله صلى الله عليه وآله فقال: - إنّ في أُمّتي المهدي يخرج يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً فيجيء إليه رجل فيقول: يا مهدي أعطني قال فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله -.(٩٧)
ونقلاً عن المستدرك (كتاب الأموال) عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله قال: - يكون في أُمّتي المهدي إن قصر فسبع وإلا فتسع، تنعم فيه أُمّتي نعمة لم ينعموا مثلها قط، تؤتي الأرض أكلها لا تدخر عنهم شيئاً، والمال يومئذٍ كدوس، يقوم الرجل فيقول: يا مهدي أعطني، فيقول: خذ -.(٩٨)
هذا الرخاء الاقتصادي وهذه الوفرة في الخيرات تنعكس أيضاً خصوبة في الصحاري عن النبي صلى الله عليه وآله: - لا تقوم الساعة حتّى يكثر المال ويفيض حتّى يخرج الرجل زكاته فلا يجد أحد يقبلها منه، وحتّى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً -.(٩٩)
وهكذا يتمظهر الوضع الاقتصادي لهذا المجتمع اكتفاءً ذاتياً لجميع أفراد المجتمع، انعدام حالة الفقر، لا يجد صاحب الزكاة مريداً لزكاته، وخصوبة واخضرار لكلّ الأراضي.
الصعيد الفكري والثقافي
ظهور الإمام عجل الله تعالى فرجه ووجوده بين الناس سيمكّن الناس من معرفة الكثير من حقائق الدين والحياة التي ربّما كثر اللغط حولها وحجبها الجدال الطويل، ولذلك يتميّز هذا العصر بدرجة من التكامل الفكري والعقلي:
عن أبي جعفر عليه السلام قال: - إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت بها أحلامهم -.(١٠٠)
ويحدّثنا الصادق عليه السلام بأسلوب الكناية عن الطفرة العلمية المعرفية زمن ظهور الإمام:
عن أبي عبد الله عليه السلام: العلم سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس حتّى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمس والعشرين حرفاً فبثّها في الناس وضمّ إليها الحرفين حتّى يبثّها سبعة وعشرين حرفاً -.(١٠١)
وفي ضوء هذا التقدّم العلمي والثقافي نقرأ ونفهم الروايات التي تحدّثت عن - الأمر الجديد - و- المستأنف - وهي كلّها عبارة عن الفهم العميق والمستجد للإسلام والقرآن والذي يتناسب مع ذلك العصر وما بلغه الناس من كمال عقلي ورقي فكري، عن أبي عبد الله عليه السلام: - إذا قام القائم جاء بأمر غير الذي كان -.(١٠٢)
وعن جعفر بن محمّد عليهما السلام قال - كيف أنتم لو ضرب أصحاب القائم الفساطيط في مسجد كوفان ثمّ يخرج إليهم المثال المستأنف أمر جديد على العرب شديد -.(١٠٣)
ولا تستثني الروايات المرأة فيما تعرفه من تكامل علمي ومعرفي، عن أبي جعفر عليه السلام: - وتؤتون الحكمة في زمانه، حتّى إنّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله وسُنّة رسوله صلى الله عليه وآله -.(١٠٤)
القوة البدنية والمعنوية لأنصار المهدي
تبشّرنا الروايات بقوى استثنائية يتوافر عليها جيل المهدي، وهي ليست غريبة في سياق التحوّلات التي سيعرفها العالم في ذلك العصر، ومن ذلك ذهاب العاهات والأمراض والقوّة الروحية والمعنوية والجرأة وهيمنتهم وسيطرتهم على الكائنات الطبيعية والقوى من حولهم:
عن أبي عبد الله عليه السلام: - إذا قام القائم أذهب الله عن كلّ مؤمن العاهة وردّ قوّته -.(١٠٥)
عن الصادق عليه السلام: - إنّ الله عزّ وجلّ يلقي في قلوب شيعتنا الرعب فإذا قام قائمنا وظهر مهدينا كان الرجل أجرأ من ليث وأمضى من سنان -.(١٠٦)
وعن أبي جعفر عليه السلام: - كأنّي بأصحاب القائم وقد أحاطوا بما بين الخافقين ليس من شيء إلا وهو مطيع لهم حتّى سباع الأرض وسباع الطير تطلب رضاهم في كلّ شيء حتّى تفخر الأرض على الأرض وتقول مرّ بي اليوم رجل من أصحاب القائم -.(١٠٧)
وعن جعفر بن محمّد عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: - إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض وفي كلّ إقليم رجلاً يقول: عهدك في كفك فإذا ورد عليك مالا تفهمه، ولا تعرف القضاء فيه، فانظر في كفك واعمل بما فيها -.(١٠٨)
مواجهة التحريف والتزييف
من السمات البارزة لعصر الظهور المواجهة التي يخوضها المهدي عجل الله تعالى فرجه والحروب مع أعداء العدل وقيم المجتمع العالمي، وستكون المواجهة صعبة يدفع الأنصار ثمنها دماً أو كما تقول الروايات - علقاً وعرقاً -.
ولكن هناك مواجهة أخرى مع دين مزيّف يواجه المهدي عجل الله تعالى فرجه؛ لأنّه يهدّد مصالحه ومواقعه التي استطاع أن يحتلّها ويفرضها على الناس زمن الغيبة:
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: - إنّ القائم يلقى في حربه ما لم يلق رسول الله صلى الله عليه وآله ؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أتاهم وهم يعبدون الحجارة المنقورة والخشبة المنحوتة، وإنّ القائم يخرجون عليه فيتأوّلون عليه كتاب الله ويقاتلون عليه -.(١٠٩)
عن فضيل بن يسار قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: - إنّ قائمنا إذا قام استقبل من جهة الناس أشدّ مما استقبله رسول الله صلى الله عليه وآله من جهّال الجاهلية. فقلت: وكيف ذلك؟ قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة، وإن قائمنا إذا قام أتى الناس وكلّهم يتأوّل عليه كتاب الله ويحتجّ عليه به ثمّ قال: والله ليدخلنّ عليهم عدله أما والله ليدخلنّ عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحرّ والقرّ -.(١١٠)
نعم، كما ينتصر المهدي على سلاطين السياسات والجور ينتصر على - سلاطين الدين - والتزييف والتحريف الذين يوظّفون الدين لخدمة أمجادهم وفرض مصالحهم وأطماعهم.
الأصل الخامس: التزامن بين التكامل التشريعي والتكامل التكويني
السمة الأخيرة للوعي التاريخي من منظور خاص والتي يجب التأكيد عليها هي التزامن العجيب بين التكاملين التكويني والتشريعي.
عالم التشريع: هو عالم الجعل والتقنين (الأحكام الشرعية وتطبيقاتها في الواقع).
عالم التكوين: هو عالم الخلق والإيجاد (الطبيعة).
صار واضحاً مما سبق أنّ المجتمع والتاريخ والطبيعة كلّها خاضعة لقانون التكامل: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى)، (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه).
ورأينا أنّ التاريخ يتكامل، ورغم كلّ النكسات الموضعية والانحرافات الحاصلة هنا وهناك، ورغم كلّ الحروب والمظالم التي تعجّ بها الأرض، فإنّ المسيرة تسير صوب الهدف والمستقبل السعيد، فالتزام البشر بالأحكام التشريعية والانحياز نحو القيم الإلهية والاستماتة في الدفاع عن معاني الحقّ والعدالة كلّها اتجاهات تتعمّق مع الزمن متحدية الاستكبار العالمي الذي يحاول إبقاء هيمنته على العالم وثقافته واقتصاده وقدراته.
فالبشرية تتجه أكثر فأكثر إلى المعنويات والقيم الفكرية والدينية، وهذا التوجه ينبئ أننا سنصل في يوم ما لمجتمع عادل ينشد العدالة والقيم قبل أن يبحث عن المأكل والملبس والمسكن، فهذا المجتمع لا يعيش أزمة غذاء ولا نقل ولا سكن لأنه يستحق الرفاه المادي ويجده ببركات النظام العادل الذي يقيمهُ.
وعلى مستوى التكوين، كلّ مفردة في الكون لها مسار تكويني تتحرّك فيه قهرياً والكون بمجموعه يتحرّك نحو نهاية محدودة: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)
(الذاريات)، (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَ لِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (يس).
ولكن الغريب الذي تطرحه النظرية المهدوية أنّ هذا الأوج الذي يصل إليه عالم التكوين يتزامن - يَتّحد زماناً - مع التكامل التشريعي للإنسان.
فالتكامل التاريخي يبلغ ذروته مع قيام المجتمع العالمي العادل الذي يصل فيه البشر في رؤيتهم النوعية إلى أعلى درجات العلم والتقوى والالتزام والورع (مجتمع معصوم).
وكذلك الطبيعة أيضاً تبلغ أعلى درجات عطائها ووفرتها كما حدّثت بذلك الروايات المنقولة الواردة في الأصل الرابع، فلا تترك السماء مطراً إلا أنزلته وتتبدّل الأرض الصحراوية إلى سهول خصبة وتظهر الأرض معادنها على سطحها، حتّى السباع تتصالح في البراري،....
هذا الانقلاب الكوني يتساوق مع قيام المجتمع العالمي العادل، هذا التزامن ليس صدفة إنّه جزء من التخطيط الإلهي الذي يجمع بشكل باهر حرّية الإنسان وعلاقة الطبيعة بالمجتمع والقوانين التاريخية والأهداف النهائية للمسيرة البشرية في منظومة متناسقة، فتعطي هذه النتيجة المدهشة الرائعة حقّاً.
إنّها صورة جميلة لهذا التخطيط كتلك الصورة التي رأينا في مرحلة الحضانة كيف جمع التخطيط الإلهي الحكيم بين الدور السلبي الإرادي للشيطان في غواية آدم عليه السلام وبين نهي آدم عن أكل الشجرة ليظلّ في الجنّة وتنضج استعداداته أكثر، وبين الإرادة الإلهية الأولى ليكون آدم خليفة على الأرض وما يتوقّف على ذلك من استعدادات.
لقد ربط التخطيط الإلهي كلّ ذلك وتحرّكت الأحداث بإرادة جميع الأطراف في الاتجاه الذي يخدم الأهداف المرحلية والنهائية لخلق الإنسان.
إنّه شكل من أشكال الإعجاز الذي يقف العقل أمامه حائراً حقّاً!

الفصل الخامس فلسفة الغيبة

بعد طرح أصول الوعي التاريخي في المنظور المهدوي لابدّ لأجل استكمال بناء النظرية من استعراض ثلاث مقولات مركزية للقضية المهدوية ألا وهي: الغيبة، الانتظار، تعجيل الظهور.
في هذا الفصل نبحث في المقولة الأولى، وفي الفصل السادس نعالج المقولة الثانية، ونترك المقولة الثالثة للفصل السابع والأخير.
لقد كثر اللغط والجدل حول غيبة الإمام حتّى أحيطت بظلال قاتمة من الحيرة والغرابة زلّت معها الكثير من الأقدام في أوحال التشكيك والتكذيب، عن الإمام العسكري عليه السلام: - ألا إنّ لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلا من عصمه الله عزّ وجلّ -.(١١١)
هذه الغيوم زادها اتساعاً إعراض الكثيرين عن الكتابة في الموضوع مما جعل (الثقافة المهدوية) تفتقر إلى الكثير من البحوث والدراسات الشاملة والمعمّقة فيما يتعلّق بهذه المسألة بالذات (الغيبة فلسفتها وأبعادها).
و- الثقافة المهدوية - بكونها الأرضية الفكرية والعقائدية للارتباط بالمهدي، والقاعدة التربوية لتنشئة جيل مهدوي عاطفياً ومفاهيمياً وسلوكياً، عليها أن تتصدّى لهذا البعد المُهمَل نسبياً، ولابدّ ألاّ تكتفي لتفسير المسألة بالبعد الغيبي فقط - وإن كان لهذا العامل دور مركزي في المسألة - ولكن عليها أيضاً أن تعالج الفكرة في عمقها التاريخي والحضاري وفي ضوء تصوّر الإسلام لحركة الإنسان وحركة المجتمع.
من هنا نحاول في هذا الفصل من - النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ - سدّ هذه الثغرة في نسق ثقافتنا المهدوية سائلين المولى وعجل أن يُثَبِّتَنا على دينه وأن يُليِّن قلوبنا لولي أمره وأن يعافينا بما امتحن به خلقه، - اللّهم وثبّتني على طاعة ولي أمرك الذي سترته عن خلقك، وبإذنك غاب عن بريتك، وأمرك ينتظر، وأنت العالم غير المعلَّم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك في الإذن له بإظهار أمره، وكشف سرّه،فصبّرني على ذلك حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخّرت، ولا تأخير ما عجّلت، ولا كشف ما سترت، ولا البحث عمّا كشفت، ولا أنازعك في تدبيرك، ولا أقول لِمَ وكيف، وما بالُ ولي أمرك لا يظهر، وقد امتلأت الأرض من الجور، وأفوّض أموري كلّها إليك -.(١١٢)
الغيبة الصغرى ودلالاتها
للمهدي عجل الله تعالى فرجه غيبتان: صغرى وكبرى، عن أبي جعفر عليه السلام - إنّ لصاحب هذا الأمر غيبتين -.(١١٣)
وعن حازم بن حبيب عن أبي عبد الله عليه السلام قال: - يا حازم إنّ لصاحب هذا الأمر غيبتين فمن جاءك يقول: إنّه نفض يده من تراب قبره فلا تصدّقه -.(١١٤)
وتبدأ الغيبة الصغرى من حين تولّي الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه مسؤولية الإمامة بعد وفاة أبيه (سنة ٢٦٠هـ) وعمره حينذاك خمس سنين، (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) (مريم)، ويذهب بعض العلماء إلى أنّ الغيبة الصغرى تبدأ من حين الولادة (سنة ٢٥٥هـ) وتمتدّ الغيبة إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته، ولقد كان اتجاه الأئمة عليهم السلام منذ عصر الإمام الجواد والهادي عليهما السلام التخفيف من الاتصال بمواليهم، واعتمدوا أسلوب المراسلة عن طريق الكتب والتواقيع لشدّة الحصار المضروب عليهم والطوق الذي تحكمه السلطات على تحرّكاتهم خاصّة زمن الإمام الحسن العسكري عليه السلام لِما اشتهر في الآفاق أنّه سيولد الإمام الثاني عشر، ويقتلع جذور الطغاة، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، ولذلك حرص الإمام العسكري أن تتمّ الولادة المباركة في كنف السرّية التامّة ولم يَرَ الإمام المهدي سوى خاصّته.
وحتّى عند وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام في ٨/ربيع الأول/ سنة ٢٦٠هـ،لم يظهر المهدي عجل الله تعالى فرجه إلا للخاصّة، وبدأت حينها السفارة بينه وبين الشيعة التي امتدت طيلة تسع وستين عاماً وستة أشهر وخمسة عشر يوماً كما ينقل المؤرّخون، وسفراؤه هم على التوالي:
الأوّل: عثمان بن سعيد بن عمرو العمري.
الثاني: محمّد بن عثمان بن سعيد.
الثالث: حسين بن روح النوبختي.
الرابع: علي بن محمّد السمري.
ولما استوفت الغيبة الصغرى أغراضها صَدَر من الإمام عليه السلام إلى السفير الرابع توقيعه الأخير سنة ٣٢٩هـ وهو: - بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمّد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك؛ فإنّك ميّت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توصِ لأحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية فلا ظهور إلا بإذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً -.(١١٥)
ولقد حقّقت الغيبة الصغرى جملة من الأهداف، أهمّها:
أوّلاً: إثبات وجود المهدي لما حفّت ولادته من ظروف من خلال ما يصل إلى الشيعة عنه عبر السفراء والوكلاء من تواقيع وبيّنات وبيانات.
ثانياً: اعتياد الناس على أسلوب استتار الإمام واحتجابه بعد ما كانوا يعاصرون الأئمة السابقين عليهم السلام ويتمكّنون من مقابلتهم والاتصال بهم مباشرة.
ثالثاً: التدرّج مع الناس في اختفاء الإمام؛ لأنّ انسحاب القائد بشكل مباشر من الساحة قد يصدم الناس ولا يستطيعون مواجهة الأحداث وتدبير أمورهم الدينية والدنيوية بمعزل عن الإمام - لأنّ هذه القواعد كانت معتادة على الاتصال بالإمام عليه السلام في كلّ عصر والتفاعل معه والرجوع إليه في حلّ المشاكل المتنوّعة فإذا غاب الإمام عن شيعته فجأة وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الروحية والفكرية سبّبت هذه الغيبة المفاجأة الإحساس بفراغ دفعي هائل قد يعصف بالكيان كلّه ويشتّت شمله - (١١٦)، وهذا يفسّر حكمة الإمام المهدي في تدرّجه في الاحتجاب فهو أقلّ اعتزالاً في الفترة الأولى من السفارة ولكن لم نبلغ عصر السفير الرابع حتّى لا يكاد ينقل عن الحجّة عجل الله تعالى فرجه أي مشاهدة.
ولم تنته هذه المرحلة - فترة السفارة - حتّى نشأ جيل جديد مستعدّ لتقبّل غيبة الإمام والتعامل مع القيادة بشكل غير مباشر، ولا يرى بأساً في انقطاع السفارة واحتجاب الإمام عن قواعده.
لكن السؤال يطرح نفسه في مقام البحث: لماذا لم يتواصل أسلوب السفارة وبالتالي استمرار الغيبة الصغرى؟ لماذا انقطع هذا الأسلوب من الاتصال لتبدأ الغيبة الثانية؟
ويمكن إرجاع الجواب إلى العوامل التالية:
أوّلاً: حقّق الغرض من أسلوب السفارة - وهو كما رأينا -: تعويد الذهنية والنفسية العامّة على التعامل مع أسلوب جديد في الارتباط بالإمام: ألا وهو الارتباط بإمام مستور.
ثانياً: تشديد الحصار على المهدي عجل الله تعالى فرجه من قبل السلطات وتكثيف المراقبة عليه وعلى مواليه وعلى سفرائه أيضاً مما يهدّد وجود المهدي نفسه.
ثالثاً: إنّ استمرار أسلوب السفارة وامتداده أكثر يعني انكشاف أمر المهدي لعدم إمكان الجمع بين أسلوب السفارة إلى أجل غير محدود والسرّية كقاعدة في العمل.
الغيبة الكبرى وأبعادها
بدأت الغيبة الكبرى سنة ٣٢٩هـ حين أعلن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه في توقيعه الأخير نهاية السفارة، وكان ذلك إيذاناً بغياب الإمام واستتاره، وأنّه لن يظهر إلا بعد انتهاء أمد هذه الغيبة بعد أن يأذن له الله بذلك، ويساوق هذا بدء حقبة هامّة في التاريخ الإسلامي - في مرحلة النبوّة الخاتمة - وهي تمهّد للمرحلة الأخيرة من مراحل التاريخ، وهي مرحلة الظهور وقيام المجتمع الرشيد كما شرحنا ذلك في الفصل السابق.
وتمتاز الغيبة الكبرى عن الغيبة الأولى من عدّة جهات:
الأولى: النيابة في عصر الغيبة الصغرى كانت لأشخاص معيّنين بذواتهم، وكانوا يمارسون دور النيابة في أسلوب السفارة، أمّا في زمن الغيبة الكبرى فإنّ النيابة تكون لخطّ
عام ضبطه الإمام من خلال الخصائص العامّة الذي يجب أن تتوافر في الفقيه، فقد ورد في توقيع الحجّة: - فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه -.(١١٧)
الثانية: الغيبة الكبرى هي المرحلة الأساسية في الاستتار، وما الغيبة الصغرى سوى مقدّمة للغيبة الثانية، فإن كانت الأولى قد استنفذت أغراضها بما أنّها مهّدت فعلاً للثانية، فإنّ الغيبة الكبرى لا تزال ممتدّة قصد استكمال الشرائط الأساسية للظهور بعد ضمان الأطروحة الكاملة المتمثّلة بالإسلام كنظام اجتماعي شامل لتلك الدولة العالمية والقائد المعصوم لهذه الدولة، ولم يبق سوى تأمين الطليعة من الأنصار الذين سينصرون المهدي ويساعدونه في مواجهته ومعركته الكبرى، وانتظار توافر الظرف السياسي العام الملائم لقيام هذه الدولة العالمية.
الثالثة: إن توافر الشرطين السابقين يحتاج إلى أمد طويل مما يستوجب طول الغيبة، وما يلزم من ذلك من حيرة واضطراب تصل بالبعض إلى درجة الشكّ، فعن علي بن الحسين عليه السلام: - إنّ للقائم منا غيبتين إحداهما تطول حتّى يقول بعضهم: مات، ويقول بعضهم: قتل، ويقول بعضهم: ذهب، حتّى لا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير -.(١١٨)
وتجعل الغيبة الكبرى المؤمنين على محك الامتحان والابتلاء الذي يشكّل قانوناً عامّاً يحكم هذه الفترة؛ لأنّه لا يمكن فرز الجيش المهدوي المقاتل إلا في أجواء المحن والشدائد حتّى يولد من رحم هذا الواقع الصعب أنصار المهدي الذين يعيشون أعلى درجات الارتباط والولاء، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (الصف).
وهذه الخصائص التي توافرت عليها الغيبة الكبرى: استطالة في الزمن، احتجاب الإمام، الوضع العالمي غير المستقرّ، اضطراب حال المسلمين عموماً...، توجب على المتابع أن يسأل عن علّة الغيبة ولماذا حُرِمت الأُمّة من إمامها في ظروف هي أحوج ما تكون إليه؟
وكيف يظهر الباطل على الحقّ في أكثر من موقع وتعجّ الأرض بالمظالم والانتهاكات والإمام لا يظهر؟ هذه الأسئلة وغيرها تراود الكثيرين واستند إليها البعض للتشكيك في أصل المعتقد.
ونحن نسلّم أنّ أفعال الله معلَّلة بأغراض، وأنّه ما من فعل يصدر من المولى وعجل إلا وله حكمة ومصلحة للخلق، ولا يبرّر عدم قدرتنا على فهم هذه الحكمة والإحاطة التامة بملاك هذه الوقائع الرّدّ والإنكار، عن الصادق عليه السلام: - إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابدَّ منها يرتاب فيها كلّ مبطل، فقلت: ولمَ جعلت فداك؟ قال: الأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم. فقلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج الله تعالى ذكره؛ إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما آتاه الخضر عليه السلام من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى عليه السلام إلى وقت اقترافها يا ابن الفضل؛ إنّ هذا الأمر أمر من أمر الله تعالى، وسرّ من سر الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنّه عزّ وجلّ حكيم صدّقنا بأنّ أفعاله كلّها حكمة وإن كان وجهها غير منكشف -.(١١٩)
فالعقل البشري لا يمكن أن يدرك كلّ أسرار الغيبة إلا بعد ظهور الإمام؛ لأنّنا مهما أوتينا من علم لا يمكن أن تنكشف لنا كلّ الحقائق والنواميس الكونية والإلهية التي تحكم العالم والتاريخ.
ولكنّنا مع الإقرار بهذه الحقيقة يمكن أن نتلمّس الطريق لمعرفة بعض وجوه وأبعاد الغيبة بالمقدار الذي دلّت عليه روايات أهل البيت عليهم السلام وبما نستوحيه من نظرة الإسلام العامّة للكون والحياة وفلسفته لحركة التاريخ والمجتمع. فلا منافاة بين تلك الحقيقة وهذا المبدأ؛ لأنّ الأولى تستبعد الإحاطة التفصيلية بكلّ الأسرار أمّا هذا المبدأ فينصّ على إمكان المعرفة الإجمالية لبعض الأبعاد:
١. البعد القيادي للغيبة
والمقصود منه العوامل المرتبطة بالإمام نفسه وأدّت لغيابه، فالقائد لابدّ أن يمتلك كلّ الظروف الملائمة التي تخوّل له قيادة المسيرة بسلام، خاصّة بالنسبة لقائد عالمي كالمهدي عجل الله تعالى فرجه الذي يمتاز عن أي قائد آخر بالامتداد الأفقي لساحته التغيرية حيث تتّسع لكلّ العالم ويمتاز أيضاً بالرفض المطلق لكلّ أنظمة الظلم ورؤوسه وبالتالي فهو قائد ثورة شاملة معلنة لا تقية فيها، وهذه الأبعاد القيادية للغيبة يمكن إرجاعها إلى العناصر التالية:
أ. الخوف من القتل: قد وردت أحاديث كثيرة عن الأئمة عليهم السلام تعلّل الغيبة بالخوف من القتل والخوف من الذبح وما قارب هذا المعنى، وهي تؤكّد أنّ الإمام بما هو مستودع الوصاية الإلهية يمثّل الحفاظ على حياته أهمّيّة قصوى، عن أبي عبد الله عليه السلام: - يا زرارة لابدّ للقائم عليه السلام من غيبة، قلت: ولم؟ قال يخاف على نفسه وأومأ إلى بطنه -.(١٢٠)
وعن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: - للغلام غيبة قبل وفاته. قلت: ولم؟ قال: يخاف على نفسه الذبح -.(١٢١)
إنّ خوف الإمام على نفسه من القتل، وحرصه على وجوده الشريف، ليس إخلالاً بدوره القيادي - كما يتوهّم - في الحياة والتاريخ، وإنّما هو حرص على الرسالة، وهي حالة عاشها كلّ الأنبياء عبر التاريخ في صراعهم مع الطواغيت، فهذا الحرص لا ينبع من نزعة أنانية منغلقة على الذات، وخاضعة لغريزة حبّ البقاء، وإنّما هو شعور ينشأ عن إصرار على أداء الأمانة وتبليغ الرسالة، وذلك متوقّف عقلاً على وجود وحياة الولي نفسه، عن المفضّل بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام: - إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة، يقول فيها: ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربّي حكماً وجعلني من المرسلين -.(١٢٢)
ونواجه في هذا المقام إشكالاً فحواه أنّ الأئمة عليهم السلام كلّهم كانوا في مَعْرض القتل فلماذا لم يتواروا كالمهدي عجل الله تعالى فرجه بل كانوا ظاهرين؟
إنّ السائل غاب عنه أنّ حال المهدي يختلف عن حال آبائه، فهو معروف عنه أنّه لن يترك مملكة لظُلم ولا سلطان لجائر وأنّه سيملأ الأرض عدْلاً وقسطاً وسيقتلع كلّ الطواغيت من الأرض، ومن كان هذا شأنه لا يخرج عن دائرة الرصد والمراقبة والملاحقة خوفاً من قومه، ومن جهة أخرى - آباؤه إنّما ظهروا؛ لأنّه كان من المعلوم أنّه لو حدث لهم حادث لكان هناك من يقوم مقامهم وسند يسندهم من أولادهم، وليس كذلك صاحب الزمان؛ لأنّ المعلوم أنّه ليس بعده من يقوم مقامه قبل حضور وقت قيامه بالسيف، ولذلك وجب استتاره وغيبته وفارق حاله حال آبائه - عليهم السلام.(١٢٣)
ب. الاستقلالية في القرار: إنّ القائد العالمي الذي يحمل مشروع خلاص الأرض والإنسان من مآسي امتدّت قرون طويلة والذي يعلنها حرباً لا هوادة فيها على كلّ الذين حرموا الإنسانية نعمة العدل والأمن والرفاه، لابدّ أن يكون مستقلاً في قراره غير ملزم بولاء أو عهد لأي جهة كانت ولأي سلطة غاشمة.
عن المهدي عجل الله تعالى فرجه: - إنّه لم يكن أحد من آبائي إلاّ وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي - (١٢٤)، فغيبة الإمام وابتعاده عن ضغوطات الحكومات الجائرة تحول دونه ودون الالتزام بعقد أو عهد مع هؤلاء الجبارة، عن أبي عبد الله عليه السلام: - يقوم القائم وليس لأحد في عنقه عهد ولا عقد ولا بيعة -.(١٢٥)
لقد انطلق التخطيط الإلهي لتحقيق هذه الاستقلالية والأصالة في القرار وعدم التبعية لأحد مبكّراً منذ ولادة المهدي نفسه وما اكتنفها من إغماض وتكتّم، عن أبي عبد الله عليه السلام: - صاحب هذا الأمر تعمى ولادته على الخلق لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج -.(١٢٦)
ج. تكامل القائد (تكامل ما بعد العصمة): لمّا اقتضت الإرادة الإلهية أن يتحقّق الوعد الإلهي بقيام دولة العدل العالمية على يد الإمام الثاني عشر عليه السلام، تدخّلت لحفظ هذا الإمام الذي يمثّل الحلقة الأخيرة من سلسلة أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله والذي يتوقّف على وجوده وظهوره جهاد كلّ الأنبياء والأوصياء عبر التاريخ، فكانت الغيبة الكبرى تستهدف أساساً حفظ هذا القائد العظيم لصون هذا العطاء النبوي عبر الزمن وتحقيقاً للإرادة الإلهية التي يستحيل أن تتخلّف، وفي أجواء الغيبة حفّت المهدي عناية إلهية خاصّة لتضمن له التكامل (تكامل ما بعد العصمة) - أي ذلك الكمال الذي يؤهّله إلى مرتبة أعلى وأعمق وأسهل في نفس الوقت من أساليب القيادة العالمية -.(١٢٧)
ولهذا اعتبر الشهيد الصدر رحمه الله: - إنّ غيبة الإمام وطول عمره من عوامل نجاح المهدي في مهمّته؛ لأنّ التغيير العالمي الذي سيمارسه المهدي يتطلّب وضعاً نفسياً في القائد الممارس مشحوناً بالشعور بالتفوّق والإحساس بضآلة الكيانات الشامخة التي أُعدّ للقضاء عليها لتحويلها حضارياً إلى عالم جديد - (١٢٨)، فهو يقصد أساساً عامل (هيبة التاريخ) الذي يقف حائلاً أمام العديد من الثوّار والمصلحين، ويشلّ حركتهم في التغيير، هذه الهيبة لابدّ أن تزول من نفس القائد والإمام بمعاصرته لحضارات عديدة ودول كثيرة قامت ثمّ زالت، وهذا العامل يجعل القائد متماسكاً في نفسه ولن يرهب أية قوّة حضارية مهما كان مداها، من ناحية ثانية إنّ مواكبته لهذه الحضارات من شأنها أن تعمّق الخبرة القيادية للمهدي عجل الله تعالى فرجه ؛لأنّ الغيبة تضعه أمام تجارب كثيرة للآخرين بكلّ ما فيها من نقاط القوة والضعف.
وناقش بعضهم(١٢٩) هذا البعد القيادي من أبعاد الغيبة ولم يستسغ أن يكون للإمام مدارج كمال يرتقيها وراء العصمة فقال: - إنّ ما ذكره الشهيد الصدر رحمه الله خطير جدّاً على المستوى العقائدي؛ لاستلزامه نسف الأسس الفكرية العظمى الذي يتحلّى بها الإمام الخليفة المسدّد من قبل السماء والمحيط بتفاصيل الأمور العلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وإلاّ فجهله بها تعدّ بخساً في درجته ومنزلته وحطّاً من كرامته عليه السلام مضافاً لاستلزامه الجهل والاحتياج إلى غيره وهو قبيح عقلاً ونقلاً - (١٣٠)، ولكن هذه المناقشة مردودة لعدّة وجوه:
أوّلاً: إنّ هذا التصوير مبني أساساً لمن لا يريد جواباً غيبياً عندما يسأل عن فائدة هذه الغيبة الطويلة، بل يطالب بتفسير اجتماعي للظاهر، وهذا ما صرّح به الشهيد الصدر رحمه الله في بحثه.(١٣١)
ثانياً: إنّ الجدل العقائدي حول علم الإمام لم يصل إلى نتيجة حاسمة يتفق حولها الجميع تلزم الكل بأنّ الإمام يعلم كلّ شيء، وأنّه بلغ في علمه درجة الكمال المطلق، بل المتفق حوله أنّ الإمام أعلم الخلق بما يتوقّف عليه هداية الناس، وإقامة الدين وأنّ طرق علم الإمام الخاصّة به من إلهام وكشف لا تنافي مشاركة الآخرين في الطرق التحصيلية خاصّة إذا كان هذا التحصيل بتسديد من الله كما هو الحال في الغيبة حيث ترعاه العناية الإلهية لمعاصرة كلّ هذه التجارب وهذه الدورات الحضارية المتعاقبة.
ثالثاً: إنّ درجات التكامل المتصوّرة للعقل لا نهائية، وكلّما وصل الفرد إلى مرتبة منها استحقّ أن يرقى إلى درجة بعدها، وهذه الدرجات تبدأ بأوّل مرتبة من مراتب الإيمان وتنتهي بالوجود اللانهائي الجامع لكلّ صفات الكمال، وهو الله عزّ وجلّ، وحصول الإنسان على الكمال اللانهائي غير ممكن إلا أن تصاعده من الكمال إلى الأكمل في غاية الإمكان والوضوح، وكلّ درجة يصل إليها الفرد فهي محدودة بما في ذلك المعصوم، فعلى الرغم مما ما يبلغه من الكمال يمكن له أن يتقدّم خطوة أخرى نحو الأمام، وهذا معنى تكامل ما بعد العصمة، وهذا ما تساعد على فهمه بعض النصوص من أنّ علم الأئمة عليهم السلام في ازدياد.
والعوامل التي تساعد المهدي على هذا التكامل إضافة إلى ما ذكر سابقاً، الإلهام، فالروايات وردت أنّ الإمام عليه السلام - إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمنا تعالى ذلك -.(١٣٢)
والعامل الثاني: ما يمرُّ به القائد من مصائب ومحن توجب تصاعد كماله الروحي.
والعامل الثالث: ما يقوم به القائد من أعمال وتضحيات في سبيل الرسالة، ترسّخ عمقها في نفسه.
٢. البعد الحضاري للغيبة
في هذا البعد نحاول اكتشاف موقع الغيبة من حركة الدين عبر التاريخ ودورها في تحقيق الغرض النهائي للمسيرة البشرية وقيام حضارة الخلاص وظهور المجتمع الرشيد، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور).
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص).
ولهذا البعد مدلولان أحدهما إيجابي والآخر سلبي:
المدلول الإيجابي
ويتوقّف على التذكير بالأصول الفكرية التي حقّقناها سابقاً في النظرية الإسلامية للكون والتاريخ، وهنا نؤكّد على النقاط التالية في إطار المفهوم الإسلامي:
أوّلاً: العوامل المؤثّرة في التاريخ وكما عالجناها في الفصل الثاني هي:
أ. الإرادة الإلهية.
ب. الطبيعة سواء من حيث قوانينها أم من خلال العلّة الغائية لها.
ج. الإرادة الإنسانية والأفعال الاختيارية له.
د. النظم الاجتماعية والسياسية.
هـ. سنن التاريخ.
ثانياً: إنّ العلّة الغائية للكون هي بلوغ أقصى درجات النمو والتكامل والعلّة الغائية من التاريخ ومن المسيرة الإنسانية هي الوصول بالإنسان وبالمجتمع الإنساني إلى المستوى العالي من الهداية والمتمثّلة بالمجتمع الرشيد.
وهذه العلّة الغائية للتاريخ ضرورة التحقّق، فهي حاكمة على العوامل الأخرى بما هي ناشئة من إرادة الله، كلّ ما في الأمر أنّها متوقّفة على إرادة الإنسان واختياره؛ لأنّ الله أراد أن يبلّغ البشر هذا المستوى العالي من الكمال بمحض إرادتهم دون جبر أو إلجاء.
ثالثاً: للوصول بالمجتمع لهذا المستوى العالي وفي ضوء ما تبنّيناه من رؤية في الفصل الرابع كان التخطيط الإلهي للتاريخ الذي رسم لهذا المجتمع الإنساني مراحل متعاقبة - مع لحاظ تمرّد الناس وقدرتهم على الرفض وتحويل مجرى التاريخ - تبدأ من حضانة آدم في الجنّة، فمرحلة الفطرة والتي كان الناس فيها أُمّة واحدة يعيشون على الفطرة والتوحيد ثمّ مرحلة التشتّت التي شهد فيها المجتمع الانقسامات والنزوع نحو التسلّط نتيجة التفاوت في الإمكانات والقابليات، وانصبّت جهود الأنبياء في مرحلة التشتّت على تصحيح مسار الإنسانية والرقي بوعيها وحسّها الديني لبلوغ درجة تؤهّلها تقبّل الأطروحة الكاملة لقيام المجتمع العالمي المنشود، ألا وهي أطروحة الإسلام.
وكان الإسلام تتويجاً لجهود كلّ الأنبياء السابقين وإيذاناً بدخول مرحلة النبوة الخاتمة حيث بلغت معه المفاهيم العقائدية أعلى درجات العمق والدقّة خاصّة التوحيد الذي عرف في الإسلام أسمى معاني التنزيه والتجريد، وكذلك الأحكام التشريعية التي اكتملت لتشكل منظومة حياتية متكاملة، تخطّط للحياة في جميع الأصعدة. وحرص التخطيط الإلهي على تطبيق هذه الأطروحة المتمثّلة في رسالة الإسلام وتفعيلها عبر فترة وصاية بعد النبي صلى الله عليه وآله وبقيادة الأئمة عليهم السلام، ولكن الانحراف الذي حصل في التاريخ وأقصى القادة الربّانيين عن مناصبهم وحرم الأُمّة من فيوض الإمامة والولاية، كان له أثره في التاريخ والتخطيط الإلهي.
فاضطرّ الإمام الثاني عشر عليه السلام المنوط بعهدته التطبيق الكامل للأطروحة العالمية بعد قرنين ونصف من الوصاية الإلهية إلى الغيبة، فكانت حقبة الغيبة الكبرى التي تمهّد وتهيّء الساحة والظروف لذلك الدور وتلك المرحلة التي تأجّلت بسوء اختيار الناس والتي لا تزال الرقاب تشرئبّ إليها منتظرة، متلهّفة.
فغاب الإمام حتّى تستكمل الشروط لتوافر الأرضية الملائمة لقيام المجتمع العالمي الرشيد وهما:
أ. الطليعة المقاتلة والمعاهدة من الأنصار.
ب. الظروف السياسية والحضارية عموماً لقيام دولة عالمية.
فالغيبة الكبرى في ضوء هذا التحليل تغدو ضرورة حضارية لابدّ منها بما هي مقدّمة أساسية لتحقّق أعظم أهداف الحركة التاريخية.
المدلول السلبي
يتمثّل المدلول السلبي للبعد الحضاري للغيبة في قصور كلّ النظم الاجتماعية الأخرى وكلّ الأطروحات الحضارية المناوئة، والتي لا ترتكز على قاعدة التوحيد. فالغيبة الكبرى تثبت وبالدليل التاريخي الملموس أنّ النظم الوضعية لم تزد الإنسان إلا تعاسةً وبرماً، ولم تفعل سوى أن ملأت الأرض فساداً وانحرافاً، (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم).
وإنّ يأس الناس من كلّ الأنظمة الأخرى وانحصار أملهم في الإسلام كبديل وحلّ لتحقيق التوازن والسعادة مقدّمة ضرورية للظهور، ونحن اليوم نعيش إرهاصاته، حيث سقطت الشيوعية كمنظومة حكمت الشرق، وأفلست في تحقيق أحلام الإنسان في الحرّيّة والعدالة والرفاه، وفي نفس الوقت تشير الكثير من الدراسات الإستراتيجية إلى الأزمة المستفحلة في المنظومة الرأسمالية وحالة التفكّك التي تعيشها المجتمعات الغربية خاصّة المجتمع الأمريكي الذي ينبئ باخترام وحدته وسقوط المشروع الرأسمالي وتداعي هيمنته على العالم.
كلّ هذا يعزّز إيمان الناس بحتمية البديل الإسلامي خاصّة في ضوء تصاعد دور الجمهورية الإسلامية المباركة كقاعدة للدولة الأمل ونموذج للطرح الإسلامي المتكامل الصامد في وجه كلّ المؤامرات والتحدّيات، مما يشدّ إليها أنظار المفكّرين والسياسيين وعموم المستضعفين؛ لأنّها نموذج فريد يتميّز عن كلّ الأنظمة السياسية الأخرى السائدة في العالم، وهذا من أهمّ العوامل المساعدة لنشر فكرة - دولة المهدي -.
ورد في الحديث - ما يكون هذا الأمر حتّى لا يبقى صنف من الناس إلا وقد ولّوا حتّى لا يقول قائل إنّا لو ولّينا لعدلنا، ثمّ يقوم القائم بالحقّ والعدل -.(١٣٣)
٣. البعد التاريخي للغيبة
تارة نتحدّث عن هذا البعد بلحاظ تاريخ الأنبياء العام، ومرّة أخرى نتحدّث عنه بلحاظ تاريخ الإمام الخاص.
اللحاظ الأوّل: مارس خطّ الشهادة المتمثّل في الأنبياء والأوصياء في تاريخه الطويل مارس أساليب متنوّعة في حركته الرسالية، من هذه الطرق التي اعتمدها الشهداء الربّانيون: - الغيبة -، حين كانوا يلجؤون إلى الاستتار في ظروف خاصّة واستثنائية. فالغيبة سنّة من سنن الأنبياء والأوصياء لم يشذّ عنها المهدي عجل الله تعالى فرجه، عن أبي عبد الله عليه السلام: - إنّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها، فقيل له: لم ذاك يا ابن رسول الله؟ قال: إنّ الله أبى إلا أن يجري فيه سنن الأنبياء في غيباتهم وأن لابدّ له يا سدير من استيفاء مدّة غيباتهم، قال الله عزّ وجلّ: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) (الانشقاق)، أي سنناً على سنن من كان قبلكم -.(١٣٤)
وعن علي بن الحسين عليه السلام قال: - في القائم منَّا سنن من سنن الأنبياء عليهم السلام: سُنَّة من آدم، وسُنّة من نوح، وسُنّة من إبراهيم، وسُنّة من موسى، وسُنّة من عيسى، وسُنّة من أيّوب، وسُنّة من محمّد صلى الله عليه وآله، وأما من آدم عليه السلام فطول العمر، وأما من إبراهيم عليه السلام فخفاء الولادة واعتزال الناس، وأما من موسى عليه السلام فالخوف والغيبة، وأما من عيسى عليه السلام فاختلاف الناس فيه، وأمّا من أيّوب عليه السلام فالفرج بعد البلوى، وأمّا من محمّد صلى الله عليه وآله فالخروج بالسيف -.(١٣٥)
فالمهدي عجل الله تعالى فرجه يلتقي مع الأنبياء السابقين في العديد من السنن، ولكن السنّة الرئيسية التي أكّدت عليها الأحاديث هي الغيبة، ففي كتاب - كمال الدين وتمام النعمة - استقصى الشيخ الصدوق رحمه الله حياة كلّ الأنبياء، وتحدّث مفصّلاً عن غيبة إدريس عليه السلام، وغيبة صالح ويوسف وموسى وعيسى ويوشع بن نون عليهم السلام... فليراجع.(١٣٦)
ولكن أغلب الروايات تركّز على المقارنة بين المهدي عجل الله تعالى فرجه والنبي موسى عليه السلام في الغيبة،عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: - في القائم سُنّة من موسى بن عمران عليه السلام، فقلت: وما سُنّة موسى بن عمران؟ قال: خفاء مولده وغيبته عن قومه - (١٣٧)، ولعلّ هذا التأكيد على غيبة موسى عليه السلام بالذات، إشارة منهم عليهم السلام لما حدث وجرى على بني إسرائيل في غيبة نبيّهم من حيرة وضلال، كذلك الناس زمن المهدي عجل الله تعالى فرجه، عن الصادق عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً، تكون له غيبة وحيرة حتّى تضلّ الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يُقبل كالشهاب الثاقب فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً -.(١٣٨)
اللحاظ الثاني: بهذا اللحاظ تتراءى لنا الغيبة قراراً إلهياً واستدعاءً بشرياً! كيف ذلك؟ إنّ الأئمة عليهم السلام في روايات الفريقين من السنّة والشيعة عددهم اثنا عشر، وقد وردت مئات الأحاديث بهذا المعنى، ذكر بعضها في صحاح السنّة. ولا يمكن أن نفسّر هذا العدد المعيّن إلا من خلال معتقدنا الإمامي بولاية أهل البيت وقيادة الأئمة الاثني عشر، وكلّ المحاولات الأخرى التي سعت لانتزاع مصاديق تاريخية لهذا العدد من الخلافة الأولى والدولتين الأموية والعبّاسية سقطت في التلفيق والتهافت.
أراد الله للإسلام أن يمتدّ بعد الرسول صلى الله عليه وآله في أوصيائه الأطهار، ولكن إقصاء الأئمة عن أداء دورهم القيادي حال دون تصدّيهم لدورهم الطبيعي في المجتمع والتاريخ، ولكن ذلك لم يمنعهم من أداء مسؤولياتهم بالمقدار المتاح لهم؛ لأنّ - الإمام إمام قام أو قعد -. فكان من مسؤولياتهم التخطيط لغيبة الإمام الثاني عشر وتهيئة الناس والظروف، وذلك قصد ادخاره للوقت الملائم الذي سيتوّج فيه المهدي جهود النبوة والوصاية بتحقيق المجتمع المنشود.
ولكي نفهم بعمق أكثر كيف كانت - الغيبة - استدعاء بشرياً أيضاً علينا أن نفترض أن يكون التخطيط الإلهي في القيادة أخذ مجراه الطبيعي وأنّ الأُمّة الإسلامية مكّنت أئمة أهل البيت عليهم السلام من مركزهم، فإنّه من الراجح جدّاً حينئذ أن تكون المدّة الزمنية التي يمتدّ فيها خطّ الوصاية طيلة قرنين ونصف من الزمان تقريباً، وفي ظلّ هذه القيادة المعصومة كفيلة بأن يصل المجتمع الإسلامي مع الإمام الثاني عشر إلى المستوى الذي يخوّل له تأسيس المجتمع الرشيد المعصوم، ولربّما انتهت فترة الإمامة والوصاية ليقود المجتمع الرشيد نفسه بنفسه كما تحدّثنا الروايات عن مجتمع ما بعد الإمام المهدي، ولكن لما أريد للمسيرة التاريخية أن تكون خاضعة للإرادة والاختيار الإنساني لم يتحقّق هذا الأمر لسوء اختيار الناس، وتعطّل المشروع ولكنّه لمْ يُلْغَ؛ لأنّه من المستحيل أن تصادر الإرادة الإلهية فهي الحاكمة في النهاية، فالمجتمع البشري يملك أن يتمرّد وأن يرفض القيادة الإلهية ويعطّل بالتالي مسيرة التكامل، ولكن يستحيل عليه أن يمنع المسيرة في النهاية من الوصول إلى غاياتها البعيدة، قد يتأخّر الوصول ولكن القافلة لابدّ أن تبلغ مقصدها في النهاية.
في هذا السياق يتنزّل التدخّل الإلهي صوناً لأغراضه من الخلْق والتاريخ، وحفاظاً على الهدف الكبير وذلك بحفظ الإمام الثاني عشر طوال هذه القرون وفق قانون المعجزة الذي يسري في كلّ ظرف مشابه لا يمكن خلاله أن يحفظ الحجّة بالأسباب الطبيعية فيتدخّل الغيب ليضمن ذلك بأسلوبه الخاص - فالغرض الإلهي إذا تعلق بهدف من الأهداف فإنه لابدّ من وجود ذلك الهدف ولو استلزم بوجوده أو بوجود بعض مقدّماته خرق قوانين الطبيعة وإيجاد المعجزات -.(١٣٩)
٤. البعد التربوي للغيبة
أ. التمحيص والابتلاء
تستهدف مرحلة الغيبة عبر قانون الابتلاء والمحنة فرز الطليعة المجاهدة التي تشكّل قاعدة الأنصار للمهدي عجل الله تعالى فرجه فمهمّته عليه السلام تحتاج إلى موالين يمتازون بمستوى رفيع من الإيمان والجهاد والفناء في سبيل الله، وهذه الفئة لا يمكن أن تولد في أجواء الاسترخاء والدَّعَةِ؛ بل لابدّ أن تُمحّص بأقصى حالات الصراع والابتلاء، حتّى يشتدّ عودها ويصلب قوامها، ولا تتزعزع في الجبهات التي تقتضيها المواجهة في ظلّ قيادة المهدي عجل الله تعالى فرجه.
لذلك فإنّ التمسّك بالدين - زمن الغيبة -، والاعتصام بولاية المهدي، يمثّلان مغرماً لا يقدر عليه أحد، إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان، ومن توافر فيه الالتحام النفسي بالقائد بدرجة لا تهزّه الفتن، عن أبي عبد الله عليه السلام: - إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة المتمسّك فيها بدينه كالخارط للقتاد، ثمّ قال هكذا بيده إنّ لصاحب الأمر غيبة فليتقِ الله عبد وليمسكْ بدينه -.(١٤٠)
ويختلف الامتحان والابتلاء الذي يواجهه المؤمنون زمن الغيبة عن امتحان المؤمنين في أي زمن آخر؛ لأنّه يواجه التحدّيات على مستوى النفس وضغوطاتها وعلى مستوى الواقع الاجتماعي بكلّ ما يفرضه من انحراف خلقي وظلم سياسي وتشكيك عقائدي، عن أبي جعفر عليه السلام: - لا تزالون تنتظرون حتّى تكونوا كالمعز المهزولة التي لا يبالي الجازر أين يضع يده منها، ليس لكم شرف تشرفونه، ولا سند تسندون إليه أموركم -.(١٤١)
إنّ حركة هذا الامتحان تستهدف الغربلة والتصفية لتمييز المؤمنين حقّاً، عن جابر الجعفي قلت لأبي عبد الله عليه السلام: - متى يكون فرجكم؟ فقال: هيهات هيهات لا يكون فرجنا حتّى تغربلوا ثمّ تغربلوا ثمّ تغربلوا يقولها ثلاثاً حتّى يذهب الكدر ويبقى الصفو -.(١٤٢)
وعن أبي عبد الله عليه السلام: - والله ما يكون ما تمدّون أعينكم إليه حتّى تمحّصوا وتميّزوا حتّى لا يبقى منكم إلا الأندر فالأندر -.(١٤٣)
وعن الرضا عليه السلام: - لابدّ للناس أن يمحّصوا ويميّزوا ويغربلوا ويخرج من الغربال خلق كثر -.(١٤٤)
ب. ضمان أعلى درجات الكمال في الأنصار
يصنع التكامل الفردي الأرضية المناسبة للمجتمع الرشيد، وهذا التكامل قوامه عنصران: الوعي، والشعور الداخلي بالمسؤولية.
فالوعي يعني امتلاك رؤية تفصيلية عن أطروحة العدل التي ستطبّق في دولة المهدي وأسسها، وأبعادها، وقد تكفّلت رسالة النبي محمّد صلى الله عليه وآله ببيان تفاصيل هذه الأطروحة ولكن المجتمع الإنساني يحتاج إلى فترة زمنية طويلة (فترة الغيبة الكبرى) لتعميق هذه الأطروحة والاقتناع بشموليتها والحاجة الأكيدة إليها.
أمّا العنصر الثاني: وهو الإحساس الموضوعي بالمسؤولية؛ فإنّ هذا الشعور يتغذّى من عمق العلاقة بالله سبحانه وتعالى والإيمان بالجزاء الاُخروي، كما أنّه يتقوّى بتجذير الارتباط بالمهدي عجل الله تعالى فرجه، فالارتباط العاطفي والروحي بالقائد ينمّي في الإنسان شعوره بالمسؤولية تجاه الرسالة وتجاه تحدّيات المرحلة التاريخية التي يعيشها، ويضمن معها السلامة من الانحراف والسقوط في منتصف الطريق.
وغيبة الإمام تعمّق هذا الانشداد الروحي، وتؤجّج نار الشوق للإمام، والتألّم لهذا الواقع الذي اضطرّ معه للاحتجاب، - بنفسي أنت أمنية شائق يتمنّى، من مؤمن ومؤمنة ذَكَرَا فحيا، فأغثْ يا غيّاث المستغيثين عبدك المبتلى، وأرِه سيّده يا شديد القوى، وأزِلْ عنه به الأسى والجوى، وبرّد غليله، يا من على العرش استوى -.(١٤٥)
وفي دعاء زمن الغيبة: - اللهم ولا تسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته، وانقطاع خبره عنّا، ولا تنسينا ذِكره وانتظاره والإيمان به، وقوّة اليقين في ظهوره، والدعاء له، والصّلاة عليه -.(١٤٦)
هذا المحتوى النفسي القوي يمنح الأنصار القدرة على تجاوز كلّ الفتن بما فيها تلك الفتن التي تنخر كيان المؤمنين أنفسهم، عن أمير المؤمنين عليه السلام: - يا مالك بن ضمره كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا وشبّك أصابعه وأدخل بعضها في بعض؟ فقلت يا أمير المؤمنين: ما عند ذلك من خير. قال: الخير كلّه عند ذلك، يا مالك - (١٤٧)، وعن الحسن بن علي عليه السلام: - لا يكون الأمر الذي تنتظروه حتّى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، وحتّى يلعن بعضكم بعضاً، وحتّى يسمّى بعضكم بعضا كذّابين -.(١٤٨)
إنّ المستوى العالي من الكمال الذي يتحقّق للأنصار يعتبر خير ضمان خشية السقوط في خطرٍ لم تنج منه أكثر الثورات في العالم، وهو تحوّل القائمين على الثورة بعد الانتصار، والتمكين إلى فئة نفعية تخدم مصالحها وتتنكّر لدماء الشهداء وتضحيات الموالين. إنّ طول فترة التمحيص والتخطيط على المدى البعيد للتكامل الروحي يؤمّن للثورة المهدوية أنصاراً لن تتحرّك فيهم حسيكة النفاق فينقلبوا على أعقابهم بعد ما تشيد الثورة أركان نصرها وتبسط نفوذها على العالم، خاصّة وأنّ دولة المهدي عجل الله تعالى فرجه عظيمة الثراء، مليئة الرخاء، يحثو فيها الإمام المال حثواً، ولا يعدّه عدّاً، ولا تترك السماء قطراً إلا أنزلته، والأرض نبتاً إلا أنبتته، فالإغراءات قويّة جدّاً، ومن هنا تتعاظم الحاجة إلى أنصار بلغوا من العفّة والوعي والكمال ما لا يزعزعهم عن حبّهم وولائهم أي شيء.
٥. البعد المعنوي للغيبة
لم نرجئ الحديث عن هذا البعد لضرورة منهجية، وإنّما آثرت الحديث عنه في آخر المطاف؛ لأنّ المسألة تتّسم بنوع من الغموض اكتنفها نتيجة عدم تبحّرنا في قضية علاقة الغيب بعالم الشهادة، وهذا البعد المعنوي للغيبة يؤكّد على حقيقة قد لا يقبلها البعض ولا يستطيع البعض الآخر استيعابها، وهي: أنّ منصب الولاية يشكّل الصلة الموضوعية بين عالم الغيب وعالم الشهادة.
فغيبة الإمام وبقائه حياً يضمنان تحقّق هذه الصلة؛ لأنّ الإمام بوصفه حافظاً للشريعة لا يمكن أن تخلو الأرض منه، فذلك يعني انقضاء الدين ونفاذ مهمّته، وقد عبّر بوضوح عن هذا الأمر المستشرق الفرنسي هنري كوربان، والذي حاوره السيد الطباطبائي صاحب الميزان رحمه الله حيث اعترف كوربان أنّ مذهب التشيع هو المذهب الوحيد الذي استطاع أن يحفظ علاقة الهداية الإلهية بين الحقّ والخلق دائماً وأحيا مفهوم الولاية بصورة مستمرّة، وقال السيد الطباطبائي عن كوربان: - كان رجلاً سليم النفس، يتّسم بالموضوعية والإنصاف، وهو يعتقد بانتهاء مهمّة جميع أديان العالم ومذاهبها السماوية، وتوقّفها عن التكامل باستثناء التشيّع الذي بقي متجدّداً حيّاً يقظاً بفعل رابطة الولاية والمهدي -.
والسيد الطباطبائي رحمه الله في حواره مع كوربان أوضح هذه الفكرة تفصيلاً، ومفادها: أنّ الدين في مفاهيمه العقائدية وأحكامه العملية هو المقوّم الأساسي للنظم الاجتماعية الاعتبارية، التي يمكن أن تقود الإنسان إلى السعادة الحقّة.
وأنّ النظام الاعتباري الذي يخضع له الإنسان في حياته الاجتماعية من خلال رعايته للأحكام الدينية يستبطن وجود نظام حقيقي طبيعي يتمثّل بالحياة المعنوية التي تنبثق منها النعم الآخروية والحياة الأبدية، وهذه الحقيقة الواقعية هي التي يطلق عليها اسم الولاية، فهذه الحقيقة - هي الصراط أو الطريق، هي الواسطة ما بين الله والخلق، تقود الإنسانية وتقرّبها إلى الله عزّ اسمه، ولا تسقط هذه الحقيقة النورية المعنوية أبداً؛ بل لابدّ لها من شخص يحملها من بني الإنسان يضطلع على أساسها بقيادة الناس وهدايتهم، وهذا الشخص الذي يحمل هذه الحقيقة هو الذي يطلق عليه بعرف القرآن، والحديث اسم الإمام -.(١٤٩)
وقد روى عن أبي جعفر عليه السلام: - ولا تبقى الأرض بغير إمام حجّة الله على عباده - (١٥٠)، فالحياة المعنوية من أنوار الهداية وفيوضات القيّم تتمركز في حقيقة ثابتة ومقام مخصوص (الإمام): - فالإمام هو الشخص الذي تمّ اختياره من جانب الحقّ سبحانه ليتقدّم صراط الولاية ويمسك بزمام الهداية المعنوية، وما أنوار الولاية التي تنبض بها قلوب عباد الحقّ سبحانه سوى خطوط نورية تشعّ من مركز النور المكنون في وجوده، وليست المواهب المعنوية المبثوثة هنا وهناك سوى روافد متصلة ببحره الزخار الممتد -.(١٥١)
فالإمام في غيبته يحفظ للمجتمع المسلم باطنه المعنوي الذي وإن كان ظاهره لا يتطابق مع هذا الباطن، لكن سيأتي اليوم الذي تشعّ فيه أنوار الهداية على الأرض بكاملها.
هذه هي الغيبة في فلسفتها؛ وأبعادها وهي كما تتراءى لنا ليست مفردة عقائدية فحسب، إنّها تعكس عنوان حقبة تاريخية هامّة في مسيرة الإنسانية، ويتوقّف عليها مستقبلها، فمعرفة الغيبة ضرورة لمعرفة الزمن، ومعرفة الزمن لابدّ منها لأداء المهمّات الرسالية في الحياة، - فمن عرف زمانه لم تهجم عليه الهواجس -، وما أسخف ما يرمي به البعض الشيعة بأنّهم جمدوا التاريخ بفكرة - غيبة الإمام - وأنّهم أدخلوا الحضارة فترة سبات؟!
كلا إنّ الإيمان بالغيبة يُصعّد دور الفرد والأُمّة، ويحمّلاهما مسؤوليات جسام قصد بلوغ منزلة (الانتظار) بكلّ ما يختزنه من دلالات الجهاد والتضحية للتمهيد للإمام، هذا الانتظار كما يعيشه المؤمنون العاملون في مشارق الأرض ومغاربها، هذا الانتظار الذي يوحّد قلوب وعقول المجاهدين الأحرار في كلّ مكانٍ هو فيض من فيوضات - معرفة الغيبة - ونفحة من نفحات - الغيب -.
- اللّهم إنّا نسألك أن تأذن لوليك في إظهار عدلك في عبادك، وقتل أعدائك في بلادك، حتّى لا تدع للجور يا ربّ دعامة إلا قصمتها، ولا بقيّة إلا أفنيتها، ولا قوّة إلا أوهنتها، ولا ركناً إلا هدمته، ولا حدّاً إلا فللته، ولا سلاحاً إلا أكللته، ولا راية إلا نكّستها، ولا شجاعاً إلا قتلته، ولا جيشاً إلا خذلته،...، وعذّب أعداءك وأعداء وليّك وأعداء رسولك صلواتُك عليه وآله، بيد وليك وأيدي عبادك المؤمنين -.(١٥٢)

الفصل السادس فلسفة الانتظار

على امتداد الزمن كانت البشرية ترنو إلى قائد منقذ يخلّص الأرض والإنسان من مظاهر الظلم والجور والحيف، ويقتلع جذورها من النفوس، ويغيّر مجرى التاريخ وما ألمّ به من انحرافات ومآسٍ ضجّ لها المستضعفون، حتّى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، لذلك فالأعناق تشرئبّ دوماً إلى الآفاق، مُنشدّة اليوم الموعود، الذي يسود فيه العدل والحقّ، وتتبدّد فيه كلّ غيوم الظلم والاستبداد.
هذا الانشداد تترجمه اليوم حالة الترقّب الشاخصة هنا وهناك، في الشمال المتقدّم تقنياً وتكنولوجياً، وفي الجنوب المحكوم عليه أن يعيش التخلّف والتبعية، ففي الغرب تجوب بعض عواصمه جماعات الخلاص يردّدون ترانيمهم التي تدعو (المخلِّص) أن ينقذهم من الضياع والفراغ والعبثية، وفي أفريقيا بعض القبائل تتوجّه إلى قوى طبيعية كالبحر منادية: أيّها المنقذ خلِّصنا!
باختصار إنّ حالة الانتظار باتت ظاهرة تتعمّق يوماً بعد آخر، وتمتدّ أكثر فأكثر في النفوس والآفاق، تغذّيها وتجذّرها اتجاهات الواقع العالمي الراهن نحو مخاطر جسيمة تنبئ بنشوب حرب عالمية وتهديدات نووية تصادر الحياة والإنسان وإرادته الحرّة في حياة كريمة عادلة.
وبقدر ما تتعمّق الهيمنة الاستكبارية على مقدّرات الشعوب تحت شعارات شتّى: كالعولمة أو النظام العالمي الجديد.... بقدر ما يفرض الانتظار والأمل في الخلاص نفسه كقانون إنساني عام.
المفاهيم السلبية للانتظار
سلك التخطيط الإلهي للتاريخ مسلكية التدرّج في غياب الإمام الثاني عشر من خلال تهيئة النفسية الإسلامية لغيبة القائد حتّى لا تصدم الأُمّة بانسحاب إمامها انسحاباً مؤقتاً أملته ظروف موضوعية وضرورات مستقبلية؛ صوناً للغرض الإلهي من المسيرة البشرية كما حللنا في الفصل الخامس، وحتّى لا نسيء فهم غيبة الإمام فنعطّل دورها، على الرغم من ذلك نشأت تصوّرات خاطئة عن الانتظار جعلت أصحابها يتملّصون من كلّ مسؤولية في العمل الرسالي مبرّرين لأنفسهم حالة الخنوع والخضوع بتلك المفاهيم الخاطئة عن الانتظار.
ويمكن أن نطرح نماذج لهذه التصوّرات:
النموذج الأوّل: يعتبر أنّ سبيل الانتظار هو الاستغراق في الدعاء والرياضات الروحية الأخرى قصد الفوز بلقاء الحجّة والتشرّف برؤيته، وإن فاتنا ذاك الشرف العظيم نكون على الأقل قد أدّينا مهمّتنا كاملة بالتزامنا بأدعية الفرج والتعجيل بظهوره.
النموذج الثاني: الانتظار يعني اعتزال الساحة وممارسة - التقية - وعدم تعريض النفس للمخاطر، ويلزم منه التخلّي عن الأدوار الرسالية في المجتمع والتاريخ بهدف المحافظة على الذات عساها تكون جندياً في جيش المهدي حين ظهوره.
النموذج الثالث: ما يطلق عليه الشهيد مطهري رحمه الله عنوان: - الانتظار المخرّب - : يقوم هذا التصوّر على أنّ ظهور الإمام رهين بامتلاء الأرض ظلماً وجوراً كما جاء في الروايات. فامتلاء الأرض بالمفاسد والانحطاط هو الشرط الموضوعي للظهور، ومن هنا فعلينا ألاّ نقف في وجه هذه الانحرافات حتّى لا نعطل ظهور الحجّة عجل الله تعالى!
ونتيجة لذلك فإنّ - هذا التصوّر يدين كلّ إصلاح؛ لأنّ الإصلاح يشكّل نقطة مضيئة على ساحة المجتمع العالمي ويؤخّر الإمداد الغيبي -.(١٥٣)
ولا يخفى على القارئ تهافت هذه التصوّرات جميعاً، وابتعادها عن التصوّر الرسالي الأصيل للانتظار، وإن شخّصت في بعض نماذجها أحد أبعاده: ألا وهو الدعاء، لكنّه ليس البعد الوحيد للانتظار، وهذه النماذج - خاصّة الأوّل والثاني - تفرّغ الانتظار من دلالاته وتحوّله إلى مسألة شخصية ذوقية وتستغرق في علاقة فردية بالإمام، وكأنّ الإمام إمام فَرْد لا إمام أُمّة.
وتعطّل هذه التصوّرات التكاليف الإسلامية في عصر الغيبة، وتختزل رسالة المؤمن في بوتقة ضيّقة جدّاً (الدعاء، التقيّة، صون اللسان، حفظ النفس)، وتلغي من حساباته مفاهيم عقائدية وسلوكية هامّة كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، ومحاربة الفساد والدعوة إلى الله وإقامة الدولة الإسلامية....
ولكن ما هو منشأ هذه التصوّرات الخاطئة؟
منشأ التصوّرات السلبية للانتظار
يمكن أن نرجع المنشأ إلى عوامل ثلاثة:
العامل الأوّل: التفسير الحرفي لبعض النصوص: حيث نجد أحاديث كثيرة تحدّثنا عن التقية زمن الغيبة: - فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منّا - (١٥٤)، وعن حفظ اللسان والمحافظة على النفس: - عن جابر سألت أبا عبد الله عليه السلام: يا ابن رسول الله فما أفضل ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان؟ قال حفظ اللسان ولزوم البيت -.(١٥٥)
إنّ التفسير الحرفي لهذه النصوص وغيرها هو الذي جعل بعضهم يحتجّ بها لإهمال العمل الاجتماعي والتكاليف الرسالية، ولكن تلك الحجّة باطلة؛ لأنّ - الأخبار وإن كانت ذات مدلول واسع إلا أنّها مقيّدة لا محالة بقيد موارد وجوب العمل؛ إذ مع وجوبه تكون التقية والعزلة وكفّ اللسان عصياناً وانحرافاً -.(١٥٦)
العامل الثاني: النزعة الفردية في فهم النصوص: باستقرائنا للنماذج السابقة يتبيّن لنا أنّها تعالج الموقف من زاوية الفرد المؤمن، وتهمل كلياً موقع الأُمّة ومسؤوليتها وما تحتّمه علاقتها بإمامها.
وهذه النزعة لم يَخْلُ منها عامّة الفقه الإسلامي ككل، الذي طغى عليه هذا الطابع فصار فقها عملياً للفرد لا للمجتمع، وصار يقدّم الحلول للقضايا الشخصية الفردية حتّى في باب المعاملات، فضلاً عن العبادات والأحوال الشخصية، وغاب البعد الاجتماعي عن دائرة الفقه، على الأقل كما تحتّمه طبيعة الإسلام كدين جماعي إنساني، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء).
العامل الثالث: التاريخ الشيعي وما حفل به من اضطهاد للشيعة وتشريد وتقتيل، وما أفرزه هذا الواقع من أجواء نفسية ضاغطة على المؤمنين، ساعد على الاستغراق في الذات الذي عزّزه مصادرة السلطات الحاكمة كلّ المحاولات الشيعية في بعث كيانهم الخاص، وسعيها إلى قطع علاقة القواعد بأئمتهم وعلمائهم ممّا ساهم في إيجاد الأجواء المساعدة على التعامل مع قضية الغيبة والتكاليف زمانها بخلفية؛ فردية؛ لأنّ الاتجاه الفردي لا يمثّل خطراً كبيراً على المؤمن.
وهكذا وفي ضوء هذه التصوّرات تقلّصت دائرة مسؤولية المؤمنين، واتسعت بذلك مسؤولية القائد المنتظر التي جَعَلَتْه المسؤول الأوّل والأخير عن تخليص الإنسانية ونشر الحقّ والعدل دون أن يكون للأتباع أي دور في ذلك على الأقلّ في فترة غيبته.
المفهوم الرسالي للانتظار
تحاكي التصوّرات السلبية للانتظار إلى حدّ كبير موقف بني إسرائيل من القتال مع نبيّهم حينما قالوا له: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة)، إنّها تكرّس السلبية الكاملة تجاه الأهداف الإلهية وتفرغ الانتظار من كلّ معانيه الإيجابية وأبعاده الرسالية، وتصطدم مع النصوص التي جعلت من الانتظار عنواناً لتاريخ مرحلة بأسرها، وعبادة شاملة يتحرّك عبرها المؤمنون إلى مرضاة الله، وعملاً دؤوباً من أجل القرب الإلهي؛ بل أفضل الأعمال:
- أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله عزّ وجلّ -.(١٥٧)
- أفضل العبادة انتظار الفرج -.(١٥٨)
فالمفهوم الرسالي للانتظار: هو التوقّع الدائم والاستعداد الحثيث، وعلى كلّ المستويات النفسية والفكرية والسلوكية لتحقيق الهدف الإلهي من الخلق، وحصول اليوم الموعود بقيام المجتمع المعصوم الذي تعيش البشرية في ظلّه العدل الكامل بقيادة الإمام المهدي عجل الله تعالى.
بهذا المعنى يرقى الانتظار ليكون رسالةً وعبادةً بالمعنى الأعمّ، الذي يصدق على كلّ حركة وفعل ينطلق فيه المرء بهدف التقرّب إلى الله والوصول إلى مرضاته: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات)، فالانتظار عبادة العصر، عصر الغيبة الكبرى (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر).
والانتظار من جهة أخرى، مفهوم تاريخي أي يمتلك شرعية تاريخية، وليس مفهوماً طارئاً، فالأنبياء السابقون تحدّثوا عن الانتظار؛ لأنّ حركتهم لم تكن لتنفصل عن حركة الإمام المهدي عجل الله تعالى ؛ بل لا نجد لها معنى إلا في ظلال عقيدة المهدي عجل الله تعالى وظهوره، فثمرة جهودهم الجبّارة تتجسّد في قيام القائم وتأسيسه دولة العدل العالمية، من هنا بشّر الأنبياء بالحجّة ودلُّوا أقوامهم على الانتظار بمعنى الترقّب والتوقّع حتّى يستوعبوا الموقع الطبيعي لرسالاتهم من مسار التاريخ ويجذّروا في نفوس أتباعهم هدفية الرسالة وحتمية انتصارها النهائي على مستوى العالم كلّه، والانتظار في مرحلتنا يستهدف بلوغ المسيرة الإنسانية أوج كمالها بتوافر الشرائط الضرورية لذلك.
الأبعاد الرسالية للانتظار
للانتظار مستويات ثلاثة:
- انتظار الأُمّة.
- انتظار الإمام.
- انتظار الكون.
والحديث عن الأبعاد الرسالية يتوزّع في هذه المستويات الثلاثة.
الأبعاد الرسالية لانتظار الأُمّة
الانتظار هو انتظار الأُمّة كلّها، لا انتظار المؤمن الفرد حتّى لا نغفل عن الجوانب الاجتماعية الهامّة لهذه العبادة والرسالة، ولا نلغي من حسابنا أنّ الغرض الإلهي يتعلّق أساساً بكمال المجتمع الإنساني، والغيبة تستهدف استعداد الأُمّة كاملة أو على الأقلّ طليعة مجاهدة داخلها، وليس استعداد الفرد فحسب.
والمؤمن لا يكون على مستوى الانتظار المطلوب إلا بتوافر عناصر ثلاثة مقترنة، عقائدية ونفسية وسلوكية، دونها لا يبقى للانتظار أي معنى إيماني صحيح.(١٥٩) فالانتظار عبادة تمتزج فيها هذه العناصر الثلاثة: البعد العقائدي الفكري، والبعد النفسي الوجداني، والبعد السلوكي العملي.
البعد العقائدي الفكري للانتظار
الانتظار في بعده العقائدي يشكّل أساس وعي رسالي متميّز، ينبثق عن رؤية تاريخية متكاملة تحدّد بوضوح الأهداف والقائد والمسيرة، وتشخّص المهام المطروحة في هذه المرحلة التاريخية.
بشكل آخر يمكن القول: أنّ البعد العقائدي للانتظار يتمثّل أساساً في النقاط الثلاثة التالية:
النقطة الأولى: الانتظار عنوان مرحلتنا التاريخية، فقد اتضح من الفصول السابقة المسار التفصيلي للتاريخ البشري، وأنّ عصر الغيبة الكبرى هو حقبة من حقبات مرحلة النبوة الخاتمة تمهّد لمرحلة خامسة وأخيرة: مرحلة الظهور. واتضح لنا أنّ هذا الظهور والولوج في المرحلة الخامسة يتوقّف على شروط ينتظر استكمال بعضها أهمّها:
أ. وجود الطليعة.
ب. الظروف العالمية الملائمة.
فالانتظار هو عنوان المرحلة قصد إفراز هذه الطليعة التي تتمتّع بدرجة عالية من الإخلاص والفناء في الرسالة والقائد تجعلها مستعدّة للتضحية بكلّ وجودها في سبيل عقيدتها وإمامها. وقصد توافر الظروف الدولية الملائمة.
النقطة الثانية: باتضاح النقطة الأولى ينكشف لنا قانون هذه الفترة التاريخية - أي عصر الغيبة الكبرى - وهو التمحيص والابتلاء، فإفراز الطليعة المجاهدة التي تمثّل جنود المهدي عجل الله تعالى ولن يتحقّق إلا من خلال المحن التي تختبر عزائم المؤمنين وهِمَم العاملين فتميّز الصفوة المخلصة الصادقة وتبرزهم إلى الوجود، عن جابر الجعفي قال: - قلت لأبي عبد الله عليه السلام متى يكون فرجكم؟ فقال: هيهات هيهات، لا يكون فرجنا حتّى تغربلوا ثمّ تغربلوا ثمّ تغربلوا (يقولها ثلاثاً) حتّى يذهب الكدر ويبقى الصفو -.(١٦٠)
عن أبي عبد الله عليه السلام: - إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة المتمسّك فيها بدينه كالخارط شوك القتاد بيده -.(١٦١)
عن أبي جعفر محمّد بن علي عليه السلام: - واللهِ لتميّزنّ، واللهِ لتمحّصنّ، واللهِ لتغربلنّ كما يغربل الزوان من القمح -.(١٦٢)
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: - كذلك أنتم تميزون حتّى لا يبقى منكم إلا عصابة لا يضرّها الفتنة شيئاً -.(١٦٣)
إنّ الانتظار يقضي تعمّق هذا الاعتقاد - بحتمية البلاء - ليرقى إلى مستوى قانون عام يحكم العصر ووسيلة إلهية تمكّن من توفير الشرط الثالث الضروري لقيام مجتمع الظهور المتمثّل في تشكيل جيش الحجّة عجل الله تعالى وأنصاره.
من هنا أكّد الأئمة عليهم السلام أنّ المهدي لن يكون طريقه وطريق أنصاره سهلاً بل يكون الدرب مليئاً بالتحدّيات والعقبات:
قيل لأبي عبد الله عليه السلام: - إنّي لأرجو أن يكون أمره - يعني القائل المهدي - في سهولة، فقال الإمام عليه السلام: لا يكون حتّى تمسحوا العرق والعلق -.(١٦٤)
وقيل لأبي جعفر إنّهم يقولون: إنّ المهدي عليه السلام لو قام لاستقامت له الأمور عفواً - ولا يهدف محجمه دم، فقال: كلاّ، والذي نفسي بيده لو استقامت لأحد عفواً لاستقامت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى أدميت رباعيته وشجّ في وجهه، كلاّ، والذي نفسي بيده حتّى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق - ١٦٤.
النقطة الثالثة من الأبعاد العقائدية الفكرية للانتظار: هي الوعي التفصيلي بالمستقبل: إنّ المستقبل هو المحرّك الحضاري للأمم والمجتمعات، وبقدر ما يكون المستقبل شامخاً في وعي الجماهير بقدر ما يكون زخم الحركة نحوه قوياً فعّالاً، فالذي لا يؤمن بالمستقبل مهدّد بالجمود التاريخي، وبقدر ما تكون تفصيلات المستقبل واضحة وأبعاده بيّنة، بقدر ما يكون المسار التاريخي رشيداً ثابتاً متصاعداً بلا انحراف ولا تردّد.
وفلسفة الانتظار تمنحنا هذا التصوّر التفصيلي للمستقبل الذي يحفزنا نحوه القرآن الكريم بقوله: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص)، وقوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور).
وتصدّت الروايات لتفصيل هذا الغد الموعود في رفاهه الاقتصادي وعدله الاجتماعي ورقيه المعنوي، وقد تعرّضنا لذلك في الفصل الرابع فراجع.
إنّ الانتظار الواعي يعني امتلاك هذا الاطلاع والفهم التفصيلي لأبعاد المستقبل الرغيد الذي يمثّل مدى المسيرة ومنتهاها.
وهذه الإحاطة بالمشروع الإلهي في خطوطه المستقبلية المشرقة يحفّز أكثر فأكثر همّة المؤمنين في تجاوز هذا الواقع العالمي المتردّي، وعلى الثورة عليه ثورة شاملة تقتلع شجرة الشَرّ مِن جذورها.
البعد النفسي والعاطفي للانتظار
يتجلّى الجانب الوجداني للانتظار في النقاط التالية:
أوّلاً: الإحساس بالاستعداد الكامل لتطبيق الأطروحة الإسلامية التي ستكون أطروحة مجتمع الظهور، إنّ المنتظر الرسالي هو الذي يجد في نفسه هذا الإحساس والاندفاع لتعاليم الرسالة الإسلامية بما هي النموذج الأكمل للفكر والتشريع والصيغة الوحيدة القادرة على خلاص الإنسان.
ثانياً: الشعور بأنّ انطلاقة النهضة المهدية وشيكة، وأنّ احتمال ظهوره في أي وقت وارد بحيث لا يمكن أن نوقّته بوقت معيّن.
ولذلك وردت روايات تنهى عن التوقيت مرسخة هذا البعد النفسي مؤكّدة أنّ الأمر يأتي بغتة: - إنّ أمرنا بغتة فجأة -.(١٦٥)
ثالثاً: الارتباط الوجداني بالمهدي عجل الله تعالى: إنّ الانتظار فضاء للارتباط الروحي والتفاعل المعنوي العميق مع الإمام عجل الله فرجه، حتّى يكون الإمام حاضراً دوماً في أحاسيسنا ومشاعرنا في حياتنا اليومية وآفاقنا وأحلامنا حتّى نعمّق اللهفة في نفوسنا لملاقاته والسير على دربه، جاء في الحديث: - واعلم أنّ قلوب أهل الطاعة والإخلاص تنُزّع إليك مثل الطير إذا أمّت أوكارها -.(١٦٦)
وعن الرضا عليه السلام: - كم من حرّى مؤمنة، وكم من مؤمن متأسّف حرّان حزين عن فقدان الماء المعين -.(١٦٧)
ولقد وجّه الأئمة عليهم السلام شيعتهم إلى تجذير هذا الارتباط الوجداني بالمهدي من خلال أدعية كثيرة تحوي مفاصل تثير في النفس كلّ معاني الحبّ والشوق والولاء والوَلَه، تعكس حقّاً حالة المنتظر الرسالي المتحرّق إلى لقاء القائد ولقاء الانتصار.
جاء في دعاء الندبة: - إلى متى أُحارُ فيك يا مولاي؟ وإلى متى وأي خطاب أصف فيك؟ وأي نجوى؟ عزيز عليّ أن أجاب دونك وأناغي،... عزيز علي أن أبكيك ويخذلك الورى، عزيز عليّ أن يجري عليك دونهم ما جرى، هل من معين فأطيل معه العويل والبكاء؟ هل من جزوع فأساعد جزعه إذا خلا؟ هل قذيت عين فساعدتها عيني على القذى؟ هل إليك يا ابن أحمد سبيل فتلقى؟ هل يتصل يومنا منك بعدة فنحظى؟... متى نرد مناهلك الروية فنروى؟ متى ننتفع بعذب مائك؟ فقد طال الصدى؟ متى نغاديك ونراوحك فنقرّ عينا؟... متى ترانا ونراك؟.. وقد نشرت لواء النصر تُرى؟ أترانا نحفّ بك وأنت تَؤم الملأ؟ وقد ملأت الأرض عدلاً، وأذقت أعداءك هواناً وعقاباً - (١٦٨).
ومن خلال دعاء العهد الذي يستحبّ للمؤمنين أن يدعوا به كلّ يوم بعد صلاة الفجر يُجدَّدُ العهد للمهدي عجل الله فرجه: - اللّهم إنّي أجدّد له في هذا اليوم، وفي كلّ يوم عَهداً وعقداً وبيعة في رقبتي (إلى أن يقول) اللهمّ هذه بيعة له في عنقي إلى يوم القيامة -.(١٦٩)
وفي دعاء زمن الغيبة تضرّع لله أن يعجل الفرج والفتح والنصر: - اللّهم إنّا نشكو إليك فقد نبيّنا، وغيبة إمامنا، وشدّة الزمان عَلَينا، ووقوع الفتن بنا، وتظاهر الأعداء علينا، وكثرة عدونا، وقلّة عَددنا، اللهم فأفرج ذلك عنّا بفتح منك تعجّله، ونصر منك تعزّه، وإمام عدل تظهره، إله الحقّ آمين -.(١٧٠)
ولا يخفى ما لهذه التعبئة الروحية من ثمرات فهي تساعد المؤمن على الصمود في هذا الطريق ومواجهة كلّ الابتلاءات، ومن جهة ثانية تعمّق الإحساس بالأمل وتقوّي حالة التفاؤل والرجاء مما يمنح المؤمنين قوّة تجاه كلّ الضغوطات التي تحاول خنق عزائمهم وإذابة إرادتهم. كما أنّ هذا الارتباط والانشداد القلبي بالإمام يساعدنا على الرقابة والمحاسبة المستمرّة لذواتنا حيث يحسّسنا هذا التعلّق الوجداني أنّ حركتنا هي بعين الإمام وإشرافه، (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة).
البعد السلوكي والعملي للانتظار
إذا قدر المرء على الانفتاح الواعي على الأبعاد النفسية الشعورية والأبعاد الفكرية العقائدية للانتظار يستطيع أن يمتلك حينئذ مسلكاً عملياً في الحياة عبر نهج خاص؛ لأنّ الذي عرف قيادته، وعرف الهدف المرحلي للحقبة التاريخية التي يعيشها، والقوانين التي تحكمها، وأحاط بالمستقبل في صورته التفصيلية، قادر على التخطيط لحياته وحركته في الواقع بشكل إيجابي متناغم مع قيم رسالته وأهداف قيادته، والانتظار بهذا المعنى يصبح منهجاً سلوكياً حركياً في اتجاه تحقيق اليوم الموعود، هذا المنهج يقوم على ركائز عديدة أهمّها:
أوّلاً: الالتزام الفعلي الكامل بتطبيق الأحكام الإلهية
الفرد الذي يطمح لحاكمية الرسالة التي يؤمن بها على مستوى العالم لابدّ أن يعيش هذا الطموح في مستوى ذاته كخطوة أولى، وإلاّ فلا معنى للتبشير بمجتمع عادل، ونحن لم نحقّق درجة من العدالة بمعناها الأخلاقي في نفوسنا، والروايات التي جاءت في مقام الثناء والإطراء على أبناء زمن غيبته عجل الله فرجه ومقام التنويه بمكانتهم إنّما وردت لتنبّه إلى ما يعيشه هؤلاء من الالتزام الفعلي والسلوكي بتعاليم الإسلام رغم كلّ الظروف والملابسات والتعقيدات التي تحيط بزمانهم، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: - سيأتي قوم من بعدكم الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم، قالوا: يا رسول الله نحن كنّا معك ببدر وأحد وحنين ونزل فينا القرآن! فقال: إنّكم لَوْ تحملوا بما حملوا لم تصبروا صبرهم -.(١٧١)
وعن أبي عبد الله عليه السلام: - من سرَّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق، وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه؛ فجدوا وانتظروا هنيئاً لكم أيّها العصابة المرحومة -.(١٧٢)
ثانياً: الاقتداء بالمهدي
من مظاهر الارتباط السلوكي بالإمام ونحن ننتظرهُ الاقتداء به، فهو الأسوة والنموذج المحتذى في صبره وثباته وآماله ومشروعه ومقاطعته للطغاة والجبابرة، فالمؤمن يتعلّم منه الصبر؛ لأنّ الإمام هو الآخر يتحرّق شوقاً إلى قيام مجتمع العدل، وهو يتألّم لحال الناس تحت نير الظلم والاستبداد، ولكنّه مرابط ينتظر الإذن الإلهي بالظهور حينما تكتمل الشروط الموضوعية لذلك.
إنّ المؤمن وهو يرنو إلى المهدي من وراء حجب الغيبة يتحسّس طول غيابه وانحباسه عن شيعته وأنصاره يتعلّم أن يصبر ويصابر ويرابط، ويتعلم أنّه مهما طال الزمن واستطال ليل المظالم والجور؛ فإنّ الفجر وشيك، يقول تعالى: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا) (المعارج).
والمؤمنون يستلهمون من جهة ثانية ضرورة مقارعة الظالمين؛ لأنّهم يعتقدون أنّ الإمام غاب حتّى لا تكون في عنقه بيعة لظالم، وهذا يعطي للأنصار شرعية تامّة للمقاومة؛ بل يعلّمهم أنّ الطريق الصحيح نحو الحجّة هو مجاهدة ومحاربة قوى الظلم والشرّ؛ لأنّ درب الحجّة عجل الله تعالى درب القطيعة الكاملة والمقاومة الشاملة لأولئك الطغاة الجبابرة، فمن أراد أن يكون مع الحجّة عليه أن يوطن نفسه من الآن على هذا المنهج.
عن الإمام المهدي عجل الله تعالى: - إنّه لم يكن أحد من آبائي إلا وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي -.(١٧٣)
هذه بعض معاني الاقتداء بالمهدي والاستلهام منه رغم حجب الغياب؛ لأنّ الغيبة لا تمنع المؤمنين والناس ألبتة من الانتفاع والارتباط السلوكي به عجل الله فرجه.
عن جابر الجعفي عن جابر الأنصاري أنّه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم: - هل ينتفع الشيعة بالقائم في غيبته؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إي والذي بعثني بالنبوة إنّهم ينتفعون به، ويستضيئون بنور ولايته كانتفاع الناس بالشمس وإنْ جلّلها السحاب - (١٧٤)، فكما أنّ السحاب عارض لا يمنع الناس الاستفادة من دفء الشمس ونورها، ومهما تكثّفت السحب؛ فإنّ الشمس ظاهرة لا محالة كذلك الإمام فإنّ غيبته لا تمنع البتة الاقتداء به واستلهام معاني إيمانية جهادية توحي بالثبات والسير الحثيث على خطّ الله ورسوله وأوليائه حتّى تنكشف كلّ العوائق.
ثالثاً: الارتباط الفعلي بالقيادة الزمنية
نصَّب الإمام المهدي عجل الله فرجه في غيابه قيادة نائبة ترجع لها الأُمّة - فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه - (١٧٥)، فولاية الفقيه تمثّل حلقة من حلقات خطّ الشهادة - كما يسمّيه الشهيد الصدر رحمه الله - في التاريخ بعد الأنبياء والأئمة عليهم السلام. إنّها تمثّل القيادة الشرعية داخل المجتمع وتحمي مسيرته من الحيرة والضياع في غياب الإمام فـ - من أصبح من هذه الأُمّة لا إمام له من الله عزّ وجلّ أصبح تائهاً متحيّراً ضالاً - كما هو المروي عن الإمام الباقر عليه السلام.(١٧٦)
يقول الإمام الخميني قدس سره: - فالفقهاء اليوم هم الحجّة على الناس كما كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حجّة الله عليهم، وكلّ ما كان يناط بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد أناطه الأئمة عليهم السلام بالفقهاء من بعدهم، فهم المرجع في جميع المشكلات والمعضلات، وإليهم قد فوّضت الحكومة وولاية الناس وسياساتهم والجباية والإنفاق، وكلّ من يتخلّف عن طاعتهم؛ فإنّ الله يؤاخذه ويحاسبه على ذلك - (١٧٧).
فحركة الانتظار تنطلق وتمتدّ في ظلّ القيادة الشرعية، إذ لا معنى لانتظار المهدي عجل الله فرجه إذا كنّا نتحرّك في دوائر خارج القيادة النائبة التي نصّ الإمام عليها بنفسه كخطّ عام، وأوكل للأُمّة مهمّة التشخيص: إمّا بالرجوع إليه والالتفاف حوله والتحرّك في إطار قيادة هذا الفقيه، أو من خلال المؤسّسات الدستورية للدولة الإسلامية، كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية في إيران حيث يتصدّى مجلس الخبراء لانتخاب الولي الفقيه، وهذا المجلس بدوره يُنتخب أعضاؤه من طرف الجماهير.
والولي الفقيه يقود الجماهير نحو حاكمية الإسلام في مختلف المستويات، وإقامة دولته العادلة وتوطيد أركانها، - ينبغي للفقهاء أن يعملوا فرادى أو مجتمعين من أجل إقامة حكومة شرعية تعمل على إقامة الحدود، وحفظ الثغور، وإقرار النظام، وإن كانت الأهلية لذلك منحصرة في فرد كان ذلك عليه واجباً عينياً وإلا فالواجب كفائي -.(١٧٨)
فالنضال من أجل قيام الدولة الإسلامية وتوطيد أركانها بعد النجاح في قيامها وتقوية إشعاعها على جميع أنحاء العالم، أحد السبل العملية الأساسية في التوطيد لقيام القائم عجل الله تعالى فرجه، ولذلك اعتبر الإمام الخميني قدس سره في كثير من خطاباته وبياناته أنّ الجمهورية الإسلامية في إيران هي دولة المهدي عجل الله تعالى، وليس ذلك إلا لأنّها ركيزة هامّة وخطوة عظمى نحو الظهور.
رابعاً: تعبئة الجماهير وراء قيادة المهدي عجل الله تعالى وأطروحته
البعد العملي الأخير للانتظار يتمثّل في حشد الجماهير عاطفياً وفكرياً وراء راية المهدي عجل الله تعالى عبر كلّ الوسائل والممكنات المتاحة.
فالإيمان بالمهدي ودولته ومشروعه العالمي أحد الشروط الأساسية لقيامه، وبقدر ما تكتسح هذه المسألة قطاعات واسعة من الناس وبقدر ما تكسب من أنصار جدّد، وعقول متفاعلة ونفوس متّقدة بقدر ما نكون قطعنا خطوات على طريق الإمام المهدي عجل الله تعالى، لذلك كان هذا الأمر من المظاهر البارزة للتوطيد الفعلي للمهدي.
والنجاح في هذا الأمر رهين مدى رسوخ إيماننا بالقائد وعمق ارتباطنا النفسي والوجداني، لذلك كان اليقين سمة بارزة من سمات أنصار المهدي عجل الله فرجه، عن الإمام زين العابدين عليه السلام: - إنّ أهل زمان غيبته والقائلين بإمامته المنتظرين لظهوره أفضل أهل كلّ زمان، إنّ الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -.(١٧٩)
وعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: - يا علي أعجب الناس إيماناً وأعظمهم يقيناً قوم يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا النبي وحجب عنهم الحجّة عجل الله فرجه فآمنوا بسواد على بياض -.(١٨٠)
المستوى الثاني للانتظار: انتظار الإمام
عندما نتحدّث عن الانتظار ينصرف الذهن عادة إلى انتظار الناس، ويغيب عنّا أنّ الإمام المهدي عجل الله تعالى أيضاً ينْتظِرُ فهو المُنْتَظرُ من جهة تعلّقنا به وانشدادنا إليه وتوقعنا ظهوره، ولكنّه من جهة أخرى هو يَنْتظِرُ فهو المُنْتَظِرُ أيضاً، إنّه يَنْتَظرُ اكتمال الشرائط الموضوعية لقيامه، باكتمال عدد أنصاره ووجود الطليعة المخلصة المجاهدة الجاهزة كمّاً وكيفاً، وبتحوّل الأجواء السياسية إلى ظرف ملائم لقيام الدولة العالمية كأن يكون ذلك نتيجة - فراغ كبير يحدث نتيجة نكسة أو أزمة حضارية خانقة -.(١٨١)
ولقد كان غيابه وانتظاره الطويل ضرورة ماسة قصد الحفاظ على شرط أساسي من شروط تحقّق اليوم الموعود ألا وهو وجود القائد المعصوم نفسه، فالغيب تدخّل لحفظ هذه البقية الباقية من خطّ الأوصياء،(بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) (هود). عن زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام: - إنّ للقائم غيبة قبل ظهوره، قلتُ لِمَ؟ قال: يخاف القتل -.(١٨٢)
وهذا الغياب - وإن طال في مداه - لكنّه ليس بدعة مهدوية؛ بل هي سنّة الأنبياء الأوائل كما مرّ بنا، عن أبي عبد الله عليه السلام - إنّ الله عزّ وجلّ أبى إلا أن يُجري فيه سنن الأنبياء عليهم السلام في غيباتهم، وأنّه لابدّ يا سَدير من استيفاء غيباتهم، قال عزّ وجلّ: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ) (الانشقاق)، أي سننا على سنن من كان قبلكم -.(١٨٣)
إنّ هذا المستوى من الانتظار - انتظار الإمام - يمتلك دلالات رسالية قوية تؤثّر في طبيعة العلاقة التي تشدّ الأُمّة، أو على الأقلّ الطليعة الرسالية بإمامها، وتعزّز أدوارها التاريخية.
الدلالة الأولى: الإحساس بأنّ الإمام ينتظر تشكّل سرايا أنصاره من أجل قيادتهم نحو الأهداف الربّانية الكبرى، وتغيير الأوضاع العالمية يعمّق مسؤوليات المؤمنين في تفعيل عبادة الانتظار والعمل على تحقيق هذا الشرط، وتلك الظروف في أقرب وقت، وما يستلزمه ذلك من أن تصبح الأُمّة تعيش حركة دائبة وتفاعلاً مستمرّاً مع رسالتها، ومحاولات متكرّرة للنهوض والانعتاق، واستدعاء حضور الإمام. هذه الدلالة الأولى من دلالات انتظار الإمام.
الدلالة الثانية: مقولة (تكامل ما بعد العصمة)(١٨٤) فقد ذكرنا أنّ الإمام وإن كان يتمتّع بدرجة عالية من الكمال إلا أنّ ذلك لا يمنع من تكامله إلى درجة أرقى، يقول الشهيد السيد محمّد الصدر رحمه الله: - ويمكن لقائد عالمي ممن يوجد عنده المستوى الأوّل من قابلية القيادة العالمية كالمهدي أن يتكامل بأسباب معيّنة -.(١٨٥)
وهذا التكامل تستوجبه المهمّة الصعبة المعقّدة التي أنيطت بعهدة الإمام - فعملية التغيير الكبرى تتطلّب وضعاً نفسياً فريداً في القائد الممارس لها مشحوناً بالشعور بالتفوّق والإحساس بضآلة الكيانات الشامخة التي أعدّ للقضاء عليها وتحويلها حضارياً إلى عالم جديد -.(١٨٦)
إنّ امتداد عمر المهدي عجل الله تعالى وانتظاره الطويل مكّنه من مواكبة قيام حضارات ودول ثمّ انحدارها وزوالها، مما يجعله يواجه كلّ القوى التي قد تتحرّك ضده حين ظهوره، وهو يتخطى هيبة التاريخ وقوته، ولا يخاف كلّ هذه الكيانات والحضارات؛ لأنّه عاصرها منذ كانت بذرة تنمو وعرفها وهي تمتدّ ومنحته خبرته الطويلة عمق الإحساس أنّ زوالها لابدّ منه، على عكس من ينشأ داخل هذه الحضارات - وتفتّحت أفكاره ومشاعره في إطارها فإنّه لا يتخلّص غالباً من رواسب تلك الحضارة ومرتكزاتها وإن قاد حملة تغييرية ضدها -.(١٨٧)
إضافة إلى ذلك أنّ هذه المواكبة الطويلة تمنح الإمام عجل الله فرجه الخبرة القيادية الكاملة لليوم الموعود - لأنّها تضع الشخص المُدَّخر أمام ممارسات كثيرة للآخرين بكلّ ما فيها من نقاط الضعف والقوة ومن ألوان الخطأ والصواب وتعطي لهذا الشخص قدرة أكبر على تقييم الظواهر الاجتماعية بالوعي الكامل على أسبابها وكلّ ملابساتها التاريخية -.(١٨٨)
الدلالة الثالثة: الدلالة الثالثة لانتظار الإمام هي حتمية سقوط كلّ النظريات المخالفة، فانتظار الإمام هو إقامة للحجّة على كلّ المدارس الفكرية الأخرى والمشاريع الحضارية المخالفة التي استنفذت وستنفذ كلّ فرصها في الواقع الحياتي للناس زمن الغيبة.
إنّ الغيبة هي المساحة الزمنية التي ستكشف بجلاء إفلاس وزيف كلّ النظريات الوضعية التي لم تزد الإنسان سوى اغتراباً عن ذاته وهويته ولم تزد الأرض سوى المآسي والعذابات. جاء في الحديث - ما يكون هذا الأمر حتّى لا يبقى صنف من الناس إلا (قد) ولّوا على الناس حتّى لا يقول قائل: إنّا لو ولّينا لعدلنا، ثمّ يقوم القائم بالحقّ والعدل -.(١٨٩)
إنّ هذا الإحساس بحتمية سقوط كلّ النظريات يجعل المؤمنين وهم على طريق الانتظار يحافظون على روحية عالية تجاه كلّ الانتصارات الموضعية التي قد يحقّقها الظلم والطغيان أو المنظومات الأخرى في بعض المواقع ولا يزيدهم ذلك إلا ثقة بضرورة انتصار الإسلام وسيادته على العالم في نهاية المطاف.
المستوى الثالث للانتظار: انتظار الكون
قد يبدو الحديث عن الانتظار الكوني غريباً، ولكن عندما نعمّق النظر في التصوّر الإسلامي للكون وعلاقة التكامل الكوني مع التكامل الاجتماعي للإنسان ينجلي الغموض.
قد عرفنا أنّ التصوّر الإسلامي لحركة الوجود (بما فيها حركة المجتمع) يقوم على أربعة عوامل أساسية:
أوّلاً: الإرادة الإلهية.
ثانياً: القوانين الطبيعية العامة.
ثالثاً: العلّة الغائية للكون.
رابعاً: الأفعال الاختيارية والواعية للمجتمع الإنساني.
وحركة الطبيعة أو الكون بالمعنى الأخصّ لا تنفصل عن حركة التاريخ والمجتمع من حيث إنّها مفردة من مفردات التخطيط الإلهي للوجود الذي يستهدف الوصول بالمجتمع الإنساني إلى أعلى درجات كماله، وكذلك بالكون والطبيعة إلى ذروة كمالها وعطائها.
من هنا طرحت فلسفة التاريخ من منظور إسلامي جملة من السنن التاريخية تربط الرخاء الاقتصادي وعطاء الطبيعة بدرجة الكمال الاجتماعي والنظام الاجتماعي السائد (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (الجن).
فحركة الكون والطبيعة - وكما رأينا في الفصول السابقة - ليست حركة محايدة، وإنّما هي حركة منفعلة بطبيعة النظام الاجتماعي السائد. مما يجعل حركة التكامل الإنساني عبر التاريخ متصلة اتصالاً وثيقاً بالإطار الطبيعي لهذه الحركة، فالطبيعة هي الفضاء المكاني لحركة الإنسان وتاريخه، ولكنّه فضاء من نوع خاص، فهو فضاء متحرّك متطوّر مُنفعِل، يتفاعل مع طبيعة الأحداث التي تجري فوقه، ومن جهة أخرى إنّ الكون بما هو مفردة من مفردات الخلق محكوم بقانون الهداية العامة، أي التكامل، وسيبلغ منتهى كماله بحيث تتفتّق كلّ إمكاناته المدّخرة والمخزونة مع قيام المجتمع المعصوم.
وإنّ هذا التزامن بين وصول المجتمع الإنساني إلى أرقى درجات كماله بقيام دولة المهدي علي السلام وبلوغ تكامل الطبيعة أرقى درجات عطائها وخيراتها لهو صورة رائعة لعظمة التخطيط الإلهي كما ذكرنا في الفصل الرابع (الأصل الخامس).
والانتظار الكوني في ضوء هذا البيان هو حركته التي تستهدف بلوغ أوج تكامله، ولن يكون ذلك إلا مع المهدي عليه السلام، فالطبيعة معنا تنتظر المهدي عجل الله تعالى لتبلغ مستقرّها ومداها في التكامل.
ومع بلوغ الكون تلك الدرجة العالية من الكمال من جهة، والمجتمع الإنساني تلك المرحلة المتقدّمة من العدل تكون الظروف مهيّأة لمرحلة ما بعد الدنيا، أي للقيامة من خلال الانقلاب الكوني الشامل الذي يحوّلنا إلى دار الآخرة.
على طريق الانتظار
هذه هي فلسفة الانتظار في مستوياتها الثلاثة
فالانتظار بأبعاده النفسية والفكرية والسلوكية بهذا العمق الوجداني والعقلي والعملي يمثّل رؤية للحياة ومنهجاً في التاريخ، هذا هو الانتظار الذي نوّهت به الروايات واعتبرت صاحبه كمن كان مع الرسول ومنحته الأجر الجزيل.
- من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله أجر ألف شهيد من شهداء بدر وأُحُد -.(١٩٠)
وعن أبي عبد الله عليه السلام - من مات منكم على هذا الأمر منتظراً كان كمن كان هو في الفسطاط الذي للقائم -.(١٩١)
وعن أمير المؤمنين عليه السلام - أفضل عبادة المؤمن انتظار فرج الله -.(١٩٢)
الانتظار في ضوء هذه الرؤية حركة بيّنة على هدى ونور مبين، واعتصام بحبل الله المتين، ولذلك لا يضلّ المنتظر، تقدّم أمر الظهور أو تأخّر؛ لأنّه في كلّ الحالات قد أدّى مسؤولياته كاملة. عن أبي عبد الله عليه السلام: - اعرف إمامك فإذا عرفته لم يضرّك تقدّم الأمر أم تأخّر؛ فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ) (الإسراء)، فمن عرف إمامه كان كمن هو في فسطاط القائم -.(١٩٣)
فعجّل اللّهم فَرَجَه، وسهّل مخرجه، وأَوسع منهجه، واسلك بنا محجّته، واجعلنا من جنده وأنصاره وأعوانه والذابّين عنه، والمستشهدين بين يديه، برحمتك يا أرحم الراحمين.

الفصل السابع فلسفة الدور وتعجيل الظهور

ثبت لدينا أنّ التاريخ البشري ليس تراكماً عشوائياً للأحداث والوقائع؛ بل هو صيرورة خاضعة للسنن والقوانين.
(سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (الأحزاب).
(سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (الفتح).
فالتاريخ تحكمه غائية تشدّ المسيرة الإنسانية إلى نهاية محددة، وتنأى به عن العبثية والفوضى، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون)، (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء)، بل إنّ قانون الغائية يحكم كلّ المفردات الكونية لا الإنسان وتاريخه فحسب، فكلّ ذات في الطبيعة تسير وفق قانون الهداية العامّة إلى بلوغ المرتبة الكمالية اللائقة بساحتها، (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى)، غير أنّ المسيرة الإنسانية تمتاز بأنّها لا تحمل قانونها الصارم داخلها تكوينياً كما تحمله سائر عناصر الطبيعة؛ بل هي تدرك غايتها عبر حركة تكاملية إرادية واعية، والإنسان تحمّل أمانة الاختيار حين أبت السموات والأرض ولم تكن أهلاً لذلك، (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب).
لقد حدّد القرآن الكريم هذا الأفق النهائي: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات)، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور)، إنّه مجتمع العبودية الخالصة؛ مجتمع الصالحين الذين يرثون الأرض ويسوسون العالم بالعدل والحقّ، (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء).
وتنجلي مع قيامهم عهود الظلام والانحراف التي أغرقت الأرض طويلاً في ليل حالك بهيم.
وعرفنا أنّه لمّا كان الإنسان حرّاً مريداً، له أن يتمرّد ويرفض، كما له أن يطيع وينقاد؛ لم يكن بلوغ الأهداف النهائية للمسيرة بالأمر الهيّن دون عراقيل وتعقيدات بل احتاج تاريخاً طويلاً من الجهاد والنضال، رسم معالمه عدد كبير من الأنبياء والأوصياء والثوّار الربّانيين والصالحين؛ تحرّك هذا التاريخ في إطار تخطيط إلهي يستند إلى جملة من الأسس (الإرادة الإلهية؛ السنن التاريخية؛ القوانين الطبيعية؛ الإرادة الإنسانية؛ الأهداف العليا...) يستهدف الدولة العالمية العادلة دون جبر ولا إلجاء.
ومن الطبيعي أن يستوجب هذا المجتمع العادل العالمي قيادة عالمية، تمتلك أعلى درجات الاندكاك في الرسالة والذوبان في مبادئها ومقاصدها، وأعلى مراتب الإخلاص والتجرّد، فكان تدخّل التخطيط الإلهي لحفظ الوصي الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله، وغُيِّبَ عن الساحة لفترة، انتظاراً لاستكمال الشرائط العامة قصد تحقيق النصر العظيم، فبظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه يتحقّق الفرج، وتستوفي المسيرة الإنسانية أغراضها باستمرار مجتمع المهديين، واندحار جحافل الطاغوت إلى الأبد.
والبشرية اليوم وبسبب ما ترزح تحته من استبداد سياسي، وحيف اجتماعي، وقهر فكري وعقائدي، وما تنوء به من فقر وجوع وحروب ودمار، تعيش انشدادها الفطري إلى مخلّصها الموعود، وتلهج القلوب قبل العواطف: العجل أيّها الأمل العظيم، العجل العجل أيها الفجر السعيد، العجل العجل أيّها الزمن الرغيد.
ولكن هل يمكن تعجيل الظهور؟ هل يمكننا فعلاً تقريب ساعة الخلاص؟ وما هو المفهوم الصحيح للتعجيل؟ وما هي عوامل تعجيل الفرج على مستوى الفرد والأمة؟
سنحاول أن نجيب عن هذه الأسئلة في ضوء الأسس الفكرية للنظرية المهدوية التي بنيناها إلى حدّ الآن.
تعجيل الفرج هل هو ممكن؟
منطقياً لابدَّ من إثبات إمكان تعجيل الفرج أوّلاً قبل الشروع في البحث حول التفاصيل؛ لأنّه إذا تبيّن أن التعجيل متعذّر عقلاً أو أنّه محظور شرعاً فلا معنى للحديث عن العوامل المؤثّرة؛ بل تكون القضية حينئذ سالبة بانتفاء الموضوع كما يقول المناطقة.
والذي يدعونا للتساؤل حول الإمكان والاستحالة العقلية والمرغوبية أو الكراهة الشرعية من جهة ثانية، ما يواجهنا من مفاهيم أخرى في إطار الثقافة المهدوية التي تبدو للوهلة الأولى منافية لمبدأ التعجيل الذي نريد تأصيله، وفي هذا الاتجاه تعترضنا ثلاثة مفاهيم أساسية:
- التخطيط الإلهي.
- الانتظار.
- النهي عن الاستعجال.
أ. التخطيط الإلهي
اتضح أنّنا نسلم بفكرة التخطيط الإلهي بمعنى أنّ الله يصون الغايات الكبرى للوجود البشري من خلال تخطيط تتحرّك وفقه المسيرة الإنسانية نحو المستقبل السعيد مع الحفاظ على الاختيار الإنساني؛ لأنّ الله لم يفوّض للناس أمورهم جميعاً، كما لم يجبرهم على مسار تام في الحياة - فلا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين - كما ثبت في العقائد.
والتدخّل الإلهي يتّخذ عدّة أشكال تنسجم مع الحركة الإنسانية التكاملية الإرادية، وهذا ما عالجناه في الفصل الثالث.
والسؤال الذي نطرحه بعد هذا التعريف الموجز للتخطيط الإلهي: كيف نوفّق بين مقولة التخطيط المسبق ومبدأ التعجيل؟ وإذا كان ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه يمثّل مرحلة من هذا التخطيط تعقب مرحلتنا المعاصرة (الغيبة الكبرى) فلا موضوع للتعجيل؟
والجواب: أنّ المستشكل فاته المعنى الدقيق للتخطيط، إذ تصوّر أنّ المقصود تخطيط جاهز من جميع الوجوه، ناجز من جميع الجهات، وليس البشر سوى أدوات للتنفيذ، ولكن الأمر ليس كذلك - وكما سبق الإشارة إليه - فالتخطيط يفسح مجالاً واسعاً لحرّية الإنسان وقدرته على صنع الأحداث وتغيير مجرى التاريخ، فالوصول إلى مجتمع ما بعد ظهور المهدي، وإن نصّ عليه التخطيط، وهو مفردة مهمّة منه، متوقّف على الدور الإيجابي الذي يؤدّيه المؤمنون بامتلاكهم الوعي التاريخي الصحيح الكاشف عن الشرائط والموانع والمقتضيات، فيمكنهم عبر تصعيد وتيرة العمل والجهاد في هذا الاتجاه من تقديم ساعة الخلاص وتعجيل الفرج.
فالتعجيل خيار من الخيارات يستفيد منه العاملون على خطّ انتظار المهدي بتوظيف وتسخير كلّ إمكاناتهم وقدراتهم المعنوية والمادّية لتحقيق شرائط الظهور في أقرب فرصة، ويستدعون بذلك الإذن الإلهي بقيام المهدي وانتصاره.
ب. بين الانتظار والتعجيل
المفهوم الثاني الذي أكّدت عليه الروايات وصار ارتكازاً أساسياً في أذهان المؤمنين في علاقتهم بالمهدي: الانتظار.
عن أمير المؤمنين عليه السلام - انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله؛ فإنّ أحبّ الأعمال إلى الله انتظار الفرج -،(١٩٤) وعن رسول الله صلى الله عليه وآله - أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج - (١٩٥)، وعن أبي عبد الله عليه السلام - ألا أخبركم بما لا يقبل الله عزّ وجلّ عملاً إلا به؟ فقلت: بلى. فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، والإقرار بما أمر الله، والولاية لنا، والبراءة من أعدائنا، (إلى أن يقول) والانتظار للقائم - (١٩٦) وقد عالجنا أبعاد هذا المفهوم مفصّلاً في الفصل السابق.
فقد يقال: إنّ مفهوم الانتظار مناقض لمبدأ تعجيل الفرج لما في الأوّل من دلالات التسليم والترقّب ولما يقتضيه الثاني من فعل وتحرك، ولكن هذا القول ينطلق من فهم خاطئ للانتظار حيث يتصوّر الكثيرون أنّ الانتظار هو الانكفاء على الذات، والتوقّف عن أي دور والاكتفاء بمراقبة إفرازات الأحداث التي يصنعها الآخرون، والدخول بالتالي في سبات تاريخي طويل ترقّباً للحدث الكبير دون أية مساهمة.
هذا الفهم السلبي للانتظار ناقشناه سابقاً في الفصل السادس، وأكّدنا هناك أنّ الانتظار في معناه الواقعي - وكما لقّنه الأئمة لأصحابهم - منهج حياتي وحركي متكامل يستند إلى خلفية عقائدية وفكرية يعمل صاحبها على تهيئة الساحة للقائد، فالانتظار ليس استقالة الفرد والأُمّة عن مهامهما، وإنّما هو تكريس لهذه الأدوار نتيجة غياب القائد، وتفعيل للفرد والأُمّة والرسالة قصد استقدام الإمام الغائب في أقرب الآجال، وهذا مفاد تعجيل الفرج، والروايات لا تخلو من الإشارة إلى ذلك:
عن أبي عبد الله عليه السلام - إنّ لنا دولة يجيء بها الله إذا شاء. ثمّ قال من سَرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق، وهو منتظر، فإن مات والقائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدّوا وانتظروا أيتها العصابة المرحومة - (١٩٧)، وحديث رسول الله صلى الله عليه وآله - بالصبر يتوقّع الفرج، ومن يدمن قرع الباب يلج - (١٩٨)، فليس الانتظار إذن سوى حركة واعية على خطّ تعجيل الأمر وتحقيق شرائط الظهور.
ج. التعجيل والروايات الناهية عن الاستعجال
الإشكال الثالث الذي يرد على مفهوم التعجيل هو الزخم الروائي الناهي عن الاستعجال والداعي للصبر، ولقد عنون النعماني أحد أبواب كتابه الغيبة - باب ما أمر به الشيعة من الصبر والكفّ والانتظار للفرج وترك الاستعجال - وأورد روايات عديدة منها:
عن عبد الرحمن بن كثير قال: - كنت عند أبي عبد الله عليه السلام يوماً، وعنده مهزم الأسدي، فقال جعلني فداك متى هذا الأمر الذي تنتظروه؟ فقال: طال علينا، فقال: يا مهزم كذب المتمنّون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلّمون، وإلينا يصيرون -.(١٩٩)
عن أبي عبد الله عليه السلام - هلكت المحاضير، قال الراوي: وما المحاضير؟ قال المستعجلون، ونجا المقرّبون -،(٢٠٠) وعن أبي عبد الله عليه السلام في تفسير قوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) (النحل)، قال: - هو ما أمرنا الله عزّ وجلّ أن لا نستعجل به حتّى يؤيّده الله بثلاثة أجناد الملائكة والمؤمنين والرعب، وخروجه عليه السلام كخروج رسول الله صلى الله عليه وآله - ١٩٩.
ويقول الشيخ النعماني معلّقاً على هذه الروايات: - انظروا هذا التأديب من الأئمة عليهم السلام ورسمهم في الصبر والكفّ والانتظار للفرج، وذكرهم هلاك المحاضير والمستعجلين وكذب المتمنّين، ووصفهم نجاة المسلّمين، ومدحهم الصابرين الثابتين، وتشبيههم إيّاهم على الثبات بثبات الحصن على أوتادها، فتأدّبوا رحمكم الله بتأديبهم، وامتثلوا أمرهم، وسلّموا لقولهم، ولا تجاوزوا رسمهم، ولا تكونوا ممن أردته الهوى والعجلة، ومال به الحرص عن الهدى والمحجّة البيضاء -.(٢٠١)
وورد كذلك في الدعاء: - وليّن قلبي لولي أمرك، وعافني مما امتحنت به خلقك، وثبتني على طاعة ولي أمرك الذي سترته عن خلقك، فبإذنك غاب عن بريتك، وأمرك ينتظر، وأنت العالم غير المعلّم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك في الإذن له بإظهار أمره، وكشف ستره، فصبّرني على ذلك حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخّرت ولا تأخير ما عجّلت،... ولا أقول لمَ؟ وكيف؟ وما بال ولي الأمر لا يظهر؟ وقد امتلأت الأرض من الجور، وأفوّض أموري كلّها إليك -.(٢٠٢)
ولكن القراءة الموضوعية للأحاديث الذّامّة للاستعجال، وتجاوز النهج الحرفي في شرحها، يقوداننا إلى حقيقة الاستعجال الذي تدينه الروايات وتشجبه ألا وهو الحركة الانفعالية الساعية لتحقيق أهدافها دون الأخذ بأسباب النصر وتوفير الشروط اللازمة، وما يستتبع ذلك من إلقاء النفس في التهلكة، وجعل المؤمنين عرضة لفتك الأعداء، ومرمى لسهام الفتن العمياء،عن علي بن الحسين عليه السلام: - ستصبغ الأرض بدماء فراخ من فراخ آل محمّد، تنهض تلك الفراخ في غير وقت، وتطلب غير مدرك، ويرابط الذين آمنوا، ويصبرون، ويصابرون حتّى يحكم الله، وهو خير الحاكمين -.(٢٠٣)
وعن الباقر عليه السلام قال: - مثل خروج القائم منّا أهل البيت كخروج رسول الله صلى الله عليه وآله، ومثل من خرج منّا أهل البيت قبل قيام القائم مثل فرخ طار فوقع من وكره فتلاعبت به الصبيان -.(٢٠٤)
فالاستعجال المذموم هو الخروج قبل الأوان طمعاً في النصر السريع دون توافر أسبابه، أما مبدأ التعجيل فقوامه الدور الإيجابي الذي يؤدّيه الناس، مستهدفين تحقيق أسباب النهضة المهدوية المباركة في أقرب وقت، لا محاولة مرتجلة لتحقيق النصر دون شروطه، ومما يؤيّد ما ذهبنا إليه إلحاح بعض أصحاب الأئمة واعترافهم بأنّهم يتعجّلون الأمر دون زجر من الأئمة لا لشيء إلا لأنّ هذا الشعور لم يصل إلى حدّ التورّط في حركات انفعالية يكون ضررها أكبر من نفعها؛ لأنّهم يعرفون مبدأ - لا الزمان زماني، ولا الرجال رجالي - الذي أسّسه الأئمة لمثل هذه الظروف،عن إبراهيم بن هلال قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: - جعلت فداك مات أبي على هذا الأمر، وقد بلغت من السنين ما قد ترى، ولا تخبرني بشيء، فقال: أنت تعجل، فقلت: أي والله أعجل، وما لي لا أعجل وقد كبر سنّي وبلغت أنا من السنين ما قد ترى، فقال: أما والله يا أبا إسحاق ما يكون ذلك حتّى تميّزوا وتمحّصوا وحتّى لا يبقى منكم إلا الأقلّ ثمّ صعّر كفّه -.(٢٠٥)
مبدأ التعجيل بين الفهم الإيجابي والفهم السلبي
بعد أن برهنّا أنّ التعجيل ممكن ولا يتنافى مع المفاهيم العقائدية الأصيلة للنظرية المهدوية، تواجهنا مسألة أخرى متمثّلة في الفهم الخاطئ للتعجيل حيث شاعت نظرية تدّعي أنّ الأسلوب الأمثل في تسريع قيام المهدي هو ملأ الأرض فساداً وظلماً؛ لأنّ الروايات قد علّقت مسألة الظهور بامتلاء الأرض جوراً وفساداً.
من الروايات نذكر: - لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله لأمره منّا من يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً -.(٢٠٦)
 - لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم حتّى يخرج قائمنا فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً -.(٢٠٧)
وعن علي بن الحسين عليه السلام - لتملأنّ الأرض ظلماً وجوراً حتّى لا يقول أحد الله إلا مستخفياً ثمّ يأتي الله بقوم صالحين يملؤونها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً -.(٢٠٨)
فهؤلاء يعتقدون: أنّ المهدي لا يظهر حتّى تعجّ الأرض بالمظالم والمفاسد، ولذلك فهم يفهمون أنّه - يجب توفير الظلم والجور وترك العمل ضدّه استعجالاً لظهور المهدي - (٢٠٩)، ورأينا أنّ الشهيد مطهّري رحمه الله يطلق على هذا التصوّر الساذج تسمية - الانتظار المخرّب - ؛ لأنّ أصحابه يقِفون ضدّ كلّ إصلاح وتغيير إيجابي في المجتمع - لأنّ الإصلاح يشكّل نقطة مضيئة على ساحة المجتمع العالمي، ويؤخّر الإمداد الغيبي، كما يعتبر هذا التصوّر كلّ ذنب وتمييز وإجحاف مباحاً؛ لأنّ مثل هذه الظواهر تمهّد للإصلاح العام وتقرّب موعد الانفجار - (٢١٠)، فالتعجيل في هذا المنظور يصطبغ بنوع من الإباحية فتكون إشاعة الفساد أفضل عامل على تسريع الظهور وأرقى أشكال انتظار الفرج.
ويذهب الشهيد مطهّري رحمه الله أنّ الاتجاه المخرّب في فهم الظهور يشترك مع الاتجاه الديالكتيكي في معارضة الإصلاحات واعتبار الظلم والفساد مقدّمة ضرورية لانفجار مقدّس، ولكن الفرق بين الاتجاهين - أنّ الاتجاه الديالكتيكي يعارض الإصلاحات ويؤكّد على ضرورة تشديد الفوضى والاضطرابات انطلاقاً من هدف مشخّص يتمثّل في تعميق الفجوات والتناقضات لتصعيد النضال، لكن هذا التفكير المبتذل في مسألة المهدي يفتقد هذه النظرة ويرتئي زيادة الظلم والفساد من أجل الوصول إلى النتيجة المطلوبة تلقائياً -.(٢١١)
ولا يخفى تهافت هذا التصوّر وتناقضه مع القواعد الإسلامية والموازين الشرعية، وأهمّها إقامة الحدود والأحكام الإسلامية ومقارعة الظلم والظالمين حيث إنّ غيبة الإمام لا تُبَرّر تجميد هذه الأحكام فهي سارية المفعول والناس مسؤولون عنها - ومن الواضح أنّ الاعتقاد بوجود المهدي وغيبته لا يرفعها ولا يخصّصها لضرورة الدين وإجماع المسلمين، وليس على الفرد المسلم الذي يريد الإطاعة والامتثال إلا أن يراجع الأحكام الإسلامية ليعرف ما فيها من جوانب شخصية وجوانب عامّة لكي يطبّقها على حياته الخاصّة والعامّة، ويباشر العمل الاجتماعي العام طبقاً للتكليف الإسلامي بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومكافحة الظلم -.(٢١٢)
ومن جهة أخرى إنّ الظلم والجور لا يقع في عصر ما قبل الظهور بالجبر والإكراه من قبل الله، وإنّما يحدث نتيجة سوء اختيار الناس واستغراقهم في أهوائهم وشهواتهم وانغماسهم الكلي في رغباتهم وحاجاتهم المادّية غافلين كلّ الغفلة عن الحقّ والدور والرسالة. وتتمثّل مسؤولية الفرد الذي ينسجم في حركته مع التخطيط الإلهي والإرادة الإلهية في انتصار الدين وقيام مجتمع المتقين، في مقاومة الظلم ومحاربة رموزه لا في الوقوف مؤيّداً له؛ لأنّ شرط الظهور ليس هو امتلاء الأرض ظلماً وانحرافاً تماماً كما يفكّر هؤلاء، وإلا لما أمكن إصلاحها حينئذٍ، حتّى مع ظهور الإمام إلا بطريق المعجزة، وهذا ما لم يرتضه التخطيط منذ البداية.
ومقصود الروايات من الامتلاء سيطرة الكفر على الإيمان مع وجود أنصار للإيمان على قلّتهم وخوفهم، وبالتأمّل العميق في الحكمة من هذا البلاء العظيم بهيمنة الطاغوت لفترة يتضح لنا أنّ الدرجة العالية من الإخلاص التي يستهدفها التخطيط في أنصار المهدي تتطلّب هذا الجو المليء فتناً ومحناً، والمؤمنون بحركتهم وجهادهم في هذا الجو الضاغط، وما يكلّفهم ذلك من ضريبة قوية يصعّدون درجات إخلاصهم، ويوطنون أنفسهم على التضحيات الكبيرة في سبيل الرسالة، - كما أنّ الأُمّة إذا شاع بين ظهرانيها الظلم والتعسّف وكانت راضية مستجدية تجاهه لا يوجد العمل فيها ضدّه ولا التفكير لرفعه أو التخفيف منه إذن فستكون أُمّة خائنة يتثاقل إخلاصها وينمحي شعورها بالمسؤولية، وتحتاج في ولادة ذلك عندها من جديد إلى زمان مضاعف ودهر طويل، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) (الرعد).
وليت شعري كيف يكون هؤلاء على مستوى إصلاح البشرية كلّها في اليوم الموعود وهم قاصرون عن إصلاح مجتمعهم الصغير -.(٢١٣)
بعد تخطّي هذا الطرح السلبي لمبدأ - تعجيل الفرج - والكشف عن المغالطات التي تنخره من الداخل لنحاول الآن تأسيس أو على الأقلّ بلورة رؤية إيجابية لهذا المبدأ، رؤية واقعية تتماشى مع روح النصوص وخطّ الأئمة في التاريخ وتتحرّك منسجمة مع النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ كما كشفنا عنها إلى حدّ الآن.
فنقول: إنّ النظرية المهدوية تطرح الشرائط العامّة التالية للظهور:
أ. وجود القائد القادر على التصدّي لزمام هذه الدولة العالمية بما يمتلكه من قابليات وملكات عالية جدّاً، وكفاءة قصوى، وقد تصدّى التخطيط نفسه لحفظ هذا القائد وادخاره لحين توافر الشرائط الأخرى (الإمام محمّد بن الحسن العسكري عجل الله تعالى فرجه) أمّا لِمَ كان هذا الإمام من زمان غير زمان دولته حتّى يضطرّ إلى الغيبة ترقّباً لتوافر الظروف الملائمة ولمَ لا يولد في آخر الزمان؟ فقد عالجنا هذا الإشكال في بحثنا حول أبعاد الغيبة.
ب. وجود أطروحة وبرنامج تفصيلي لهذه الدولة، ويمثّل الإسلام روح هذه الأطروحة وجوهرها؛ لأنّ رسالة الإسلام هي رسالة المهدي عقيدة وشريعة، غير أنّ التطبيق العالمي الشامل يحتاج إلى تعميق الوعي بهذه الأطروحة وتوسيع رواجها بين الأمم وتجذ ير الإيمان بما تختزنه من حلول لمشاكل العالم حاضراً ومستقبلاً.
ج. وجود القاعدة الشعبية الملتفّة حول الإمام ومشروعه العالمي، ويمكن تقسيم هذه القاعدة إلى خاصّة وعامّة، الخاصّة هم الصفوة من أصحاب الإمام وأنصاره والتي عيّنت الروايات عددهم بعدّة أهل بدر، والعامّة وهم عموم الأتباع والموالين الذين يزداد عددهم باضطراد مع الانتصارات التي يحقّقها الإمام، وركّزت الروايات كثيراً على الخاصّة من أنصار المهدي وعلى ما يملكونه من إيمان بالهدى والرسالة، واعتقاد راسخ بهما، ودرجات عالية من الإخلاص والتضحية في سبيل الله والمستضعفين، وعلّقت الروايات ظهور الإمام على توافر العدد الكامل لهؤلاء الحواريين.
د. تحقّق الظروف السياسية والحضارية العالمية المناسبة لقيام هذه الدولة ونجاحها في تحقيق العدالة التامّة والسعادة القصوى لبني البشر.
ويتبيّن لنا أنّ الشروط التي يجب تحقيقها هي الثاني والثالث والرابع، مما يعطي لمبدأ التعجيل بمعناه الإيجابي مضموناً محدّداً ألا وهو: السعي الحثيث لتحقيق هذه الشروط.
ومن الطبيعي أن يستوجب ذلك تفعيل قدرات المؤمنين الفردية والجماعية في اتجاه تحقيق الأرضية اللازمة لظهور القائد وبناء المجتمع العالمي الجديد.
عوامل تعجيل الفرج
يمكن أن نتحدّث عن هذه العوامل على مستويين اثنين: المستوى الفردي والمستوى الجماعي حيث تفرض التحدّيات التاريخية جملة من المسؤوليات على مستوى الفرد وعلى مستوى الأُمّة.
١. المستوى الفردي
على هذا الصعيد ينجز المؤمن جزءاً كبيراً من مسؤولياته في تفعيل إرهاصات الظهور والتقدّم نحوه بثبات عندما يوطن نفسه على الانضمام إلى أنصار المهدي والتضحية في سبيله، ولا يتمّ ذلك إلا من خلال مقوّمات نفسية وفكرية وعبر جملة من السلوكيات والمواقف العملية، فيجسّد روحية المنتظر الربّاني، ويكون أقرب إلى الفرج.
أ. امتلاك الوعي العقائدي العميق
لابدّ للمؤمن أن يمتلك وعياً عقائدياً تفصيلياً بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه حيث يؤمن به وبغيبته وبظهوره ودولته وإنجازاته، ولا يزيده طول الغياب إلا يقيناً، فلا تصيبه الحيرة والشكّ، ولا ينفعل بالادعاءات المضادّة التي تحاول زعزعة إيمان الأُمّة بقائدها ومستقبلها فلا يسقط مع المتساقطين، عن أبي عبد الله عليه السلام - والله ليغيبنّ سبتاً من الدهر، وليخملنّ حتّى يقال: مات أو هلك بأي واد سلك، ولتفيضنّ عليه أعين المؤمنين، وليكفأنّ كتكافؤ السفينة في أمواج البحر حتّى لا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه وكتب الإيمان في قلبه وأيّده بروح منه -.(٢١٤)
وعن موسى بن جعفر عليه السلام - لابدّ لصاحب هذا الأمر من غيبة حتّى يرجع عن هذا الأمر من يقول به، إنّما هي محنة يمتحن الله بها خلقه -.(٢١٥)
وعن الرضا عليه السلام: - سيكون فتنة صمّاء صَيْلَم، يذهب فيها كلّ وليجة وبطانة (وفي رواية) يسقط كلّ وليجة وبطانة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يحزن لفقده أهل الأرض والسماء، كم من مؤمن ومؤمنة متلهّف حيران حزين - (٢١٦)، فالفرد مسؤول عن حراسة معتقده وتحذيره في وجه كلّ التشكيكات سواء التي تعلّقت بالمهدي في شخصه وظروف ولادته وظروف غيبته، أم تعلّقت بالرسالة في مفاهيمها العقائدية والفكرية العامّة أو الخاصّة، مما يجعل التمسّك بالدين في هذا الجو زمن الغيبة تحدّياً كبيراً وموقفاً شامخاً لا يقدر عليه إلا القليل.
عن أبي عبد الله عليه السلام: - إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة المتمسّك فيها بدينه كالخارط لشوك القتاد بيده، ثمّ أطرق ملياً ثمّ قال: إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتق الله عبد وليتمسّك بدينه - (٢١٧)، إضافة إلى هذا على الفرد أن يسعى إلى امتلاك تفسير واضح لحركة المهدي فيما هي علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل، وفهم عميق لطبيعة المرحلة التاريخية التي تعيشها الأُمّة وما تحتّمه من أدوار، بفضل هذا الوعي العقائدي المنبثق عنه رؤية واضحة حول تكليف المؤمن زمن الغيبة يحمي الفرد نفسه من الضياع والتيه والضلال، - اللّهم عرّفني نفسك؛ فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف رسولك، اللّهم عرّفني رسولك؛ فإنّك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك، اللّهم عرّفني حجّتك؛ فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني - (٢١٨)، ويجعل عمله مرتبطاً بإمام العصر، ويشعر أنّه يتحرّك فعلاً في الاتجاه الصحيح نحو المستقبل منسجماً مع أهداف التخطيط الإلهي مما يعطي نجاعة لهذه الأعمال وثقلاً تاريخياً في الميزان الواقعي طبعاً لا المادي الذي يقيّم الأعمال حسب آثارها الحسيّة.
وبفضل هذا الوعي يندفع المؤمن نحو خيارات التغيير والإصلاح فيواجه الانحرافات بهمّة عالية وإيمان بالنصر متسلّحاً برؤية مستقبلية متفائلة عن المستقبل السعيد المبارك كما شرحنا تفاصيله في الفصل الرابع.
ب. الدعاء والالتحام الروحي بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه
لا يكتفي المؤمنون بتأصيل العلاقة بالمهدي تعجيلاً لفرجه على المستوى الفكري فحسب؛ بل يعملون جاهدين على تقوية الانجذاب الروحي والتعلّق الوجداني بالإمام، فالمسألة ليست قضية تجريدية نتعاطى معها في أفق النظر الفكري بل هي عمق الارتباط بالقيادة الربّانية وروح التديّن الصحيح، وهذا يفسّر اللوعة في قلوب المؤمنين والألم الشديد لغيبته وحرمان الجميع من بركاته، جاء في الحديث - واعلم أنّ قلوب أهل الطاعة والإخلاص نزع إليك مثل الطير إذا أمّت أوكارها - (٢١٩)، ودور الفرد في هذا المجال أن يعزّز هذا الشعور ويغذّيه بكلّ ألوان الدعاء والمناجاة حتّى تتأجّج نار الشوق واللهفة صدقا وحقّا.
عن الرضا عليه السلام: - لابدّ من فتنة صمّاء صيلم يسقط فيها كلّ بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء والأرض، وكلّ حرّى وحرّان، وكلّ حزين لهفان، (إلى أن قال)كم من حرّى مؤمنة، وكم من مؤمن متأسّف حيران حزين عند فقدان الماء المعين -.(٢٢٠)
وقد حثّ الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه نفسه المؤمنين على الدعاء جاء في التوقيع المنسوب للحجّة: - وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، فأغلقوا أبواب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكفّلوا ما قد كفيتكم، وأكثروا من الدعاء بتعجيل الفرج؛ فإنّ ذلك فرجكم -.(٢٢١)
وقد وردت أدعية كثيرة تتعلّق بالموضوع وتستهدف تعميق جملة من المعاني والمبادئ نذكر نماذج منها:
أدعية لتحسّس غيبة الإمام والتعبير عن الحزن لذلك:
منها ما ورد عن الصادق عليه السلام: - سيدي غيبتك نفت رقادي، وضيّقت على مهادي، وأسرت منّي راحة فؤادي، سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد، وفقدان الواحد بعد الواحد، يفني الجمع والعدد، فما أحسّ بدمعة ترقى من عيني، وأنين في صدري عن دوارج الرزايا، وسوالف البلايا، إلا مثل لعيني عوايد أعظمها وأفظعها وتراقي أشدّها وأنكرها، ونوايب مخلوطة بغضبك، ونوازل معجونة بسخطك -.(٢٢٢)
وفي دعاء الندبة: - عزيز عليّ أن أرى الخلق ولا ترى، ولا أسمع لك حسيساً ولا نجوى، عزيز عليّ أن تحيط بك دوني البلوى، ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى، بنفسي أنت من مغيّب لم يخلو منّا، بنفسي أنت من نازح ما نزح عنّا، بنفسي أنت أمنية شائق يتمنّى من مؤمن ومؤمنة، ذكراً فحنا، بنفسي أنت من عقيد عزّ لا يسامى، هل من معين فأطيل معه العويل والبكاء؟ هل من جزوع فأساعد جزعه إذا خلا؟ هل قذيت عين فساعدتها عيني على القذى؟ هل إليك يا ابن أحمد سبيل فتلقى؟ هل يتّصل يومنا منك بعدة فنحظى؟ متى نرد مناهلك الروية فنروى؟ متى ننتفع من عذب مائك فقد طال الصدى؟ -.(٢٢٣)
أدعية لحفظ الإمام
منها ما ورد في دعاء زمن الغيبة: - اللّهم أعذه من شرّ جميع ما خلقت وذرأت وبرأت وأنشأت وصوّرت، واحفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته، بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به، واحفظ فيه رسولك صلى الله عليه وآله ووصي رسولك عليه السلام، اللّهم ومدّ في عمره، وزد في أجله، وأعنه على ما وليّته واسترعيته -.(٢٢٤)
ومنها: - اللّهم ادفع عن وليّك وخليفتك وحجّتك على خلقك، ولسانك المعبّر عنك، الناطق بحكمتك، وعينك الناظرة بإذنك، واجعله في وديعتك التي لا تضيع، وفي جوارك الذي لا يخفر، وفي منعك وعزّك الذي لا يقهر، وآمنه بأمانك الوثيق الذي لا يخذل من آمنته به، واجعله في كنفك الذي لا يرام من كان فيه، وانصره بنصرك العزيز -.(٢٢٥)
أدعية لتعجيل الفرج وظهور الإمام
منها ما جاء في دعاء العهد: - اللّهم أرني الطلعة الرشيدة، والغرّة الحميدة، واكحل ناظري بنظرة منّي إليه، وعجّل فرجه، وسهّل مخرجه، واسلك بي محجّته، وأنفذ أمره، واشدد أزره، وأعمر اللهم به بلادك، وأحيي به عبادك؛ فإنّك قلت وقولك الحقّ، (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) (الروم). اللّهم فأظهر لنا وليّك، وابن وليّك، وابن بنت نبيّك، المسمّى باسم رسولك صلى الله عليه وآله في الدنيا والآخرة حتّى لا يظفر بشيء من الباطل إلا مزّقه، ويحقّ الحقّ ويحقّقه -.(٢٢٦)
ومنها - اللهم عجّل فرجه، وأيّده بالنصر، وانصر ناصريه، واخذل خاذليه، ودمدم على من نصب له وكذّب له، - وأظهر به الحقّ، وأمت به الجور، واستنقذ به عبادك المؤمنين من الذلّ، وأنعش به البلاد، واقتل به جبابرة الكفر، واقصم به رؤوس الضلالة، وذلّل به الجبارين والكافرين -.(٢٢٧)
أدعية للثبات على معرفة الإمام في وجه الفتن
منها ما ورد في دعاء الافتتاح: - اللّهم إنّا نشكو إليك فقد نبينا صلى الله عليه وآله، وغيبة ولينا، وكثرة عدونا، وقلّة عددنا، وشدّة الفتن بنا، وتظاهر الزمان علينا، فصلّ على محمّد وآله، وأعنّا على ذلك بفتح منك تعجّله، وبضرّ تكشفه، ونصر تعزّه، وسلطان حقّ تظهره -.(٢٢٨)
ومنها ما جاء في دعاء زمن الغيبة: - اللّهم وثبتني على طاعة ولي أمرك الذي سترته عن خلقك، وبإذنك غاب عن بريتك، وأمرك ينتظر، وأنت العالم غير المعلّم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك في الأذن له بإظهار أمره وكشف ستره، فصبّرني على ذلك حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخّرت، ولا تأخير ما عجّلت، ولا كشف ما سترت، ولا البحث عما كتمت، ولا أنازعك في تدبيرك، ولا أقول لم؟ وكيف؟ وما بال ولي الأمر لا يظهر؟! وقد امتلأت الأرض من الجور اللهم، ولا تسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته، وانقطاع خبره عنّا، ولا تنسنا ذكره وانتظاره، والإيمان به، وقوّة اليقين في ظهوره، والدعاء له، والصّلاة عليه حتّى لا يقنطنا طول غيبته من قيامه، ويكون يقيننا في ذلك كيقيننا في قيام رسولك صلى الله عليه وآله، وما جاء به من وحيك وتنزيلك فقوّ قلوبنا على الإيمان به حتّى تسلك بنا على يديه منهاج الهدى والمحجّة العظمى والطريقة الوسطى، وقوّنا على طاعته، وثبّتنا على متابعته، واجعلنا في حزبه وأعوانه وأنصاره والراضين بفعله، ولا تسلبنا ذلك في حياتنا وعند وفاتنا حتّى تتوفّانا ونحن على ذلك لا شاكّين ولا ناكثين ولا مكذّبين -.(٢٢٩)
أدعية لتجديد البيعة والعهد للإمام
ندبت أدعية كثيرة لإعلان البيعة والولاء للإمام وتجديد ذلك باستمرار، منها دعاء العهد الذي نقتطف منه المقطع التالي: - اللهم إنّي أجدّد له في صبيحة يومي هذا وما عشت فيه من أيام حياتي عهداً وعقداً وبيعة له في عنقي، لا أحول عنها ولا أزول أبداً، اللهمّ اجعلني من أنصاره، وأعوانه، والذّابّين عنه، والمسارعين إليه في قضاء حوائجه، والممتثلين لأوامره، والمحامين عنه، والسابقين التابعين إلى إرادته، والمستشهدين بين يديه -.(٢٣٠)
وفي دعاء آخر: - اللّهمّ إنّي أجدّد له في هذا اليوم، وفي كلّ يوم عهدا وعقدا وبيعة في رقبتي، اللهمّ كما شرّفتني بهذا التشريف، وفضّلتني بهذه الفضيلة، وخصصتني بهذه النعمة، فصلّ على مولاي، وسيّدي صاحب الزمان، واجعلني من أنصاره، وأشياعه، والذّابّين عنه، واجعلني من المستشهدين بين يديه -.(٢٣١)
ولا تنحصر فوائد هذه الأدعية والتوسّلات في الجانب النفسي والشعوري للمؤمنين، والرقي بهم إلى مراتب أعلى من الإيمان واليقين والارتباط بالمهدي، والانصهار في مشروعه والاستعداد للتضحية والاستشهاد بين يديه؛ وإنّما لها آثار واقعية في حركة الأحداث وصيرورة التحوّلات؛ لأنّ للدعاء نوع ارتباط بعوالم التقدير الإلهي كما بيّن في محلّه في بحوث العقائد في مبحث: القضاء والقدر، ومسألة البداء، ودور الدعاء في تغيير المصير، - فالدعاء سلاح المؤمن - و- الدعاء يردّ القضاء ولو أبرم إبراماً - فالدعاء يدخل في الأسباب المؤثّرة في حركة الكون ومسار التاريخ، فالمؤمنون قادرون على تسريع الفرج وتعجيل قدوم المهدي بالدعاء الإيجابي المشفوع بالعمل وأداء التكاليف.
ج. الالتزام الفعلي بالإسلام (بناء الشخصية الملتزمة)
الشخصية السوية هي التي يتلاءم سلوكها ومواقفها العملية مع محتواها الداخلي المتمثّل في الأفكار والعواطف، فمن تكون سيرته الحياتية في خطّ أفكاره ومشاعره يعكس حالة توازن في الشخصية بمنأى عن الازدواجية، وأمّا من تكون أفكاره في واد وتصرّفاته في واد آخر بإيحاء من رغبات مكبوتة أو هوس مادي أو شهواني فهذا يجسّد حالة فصام ونموذجاً لشخصية مرضية.
والمؤمن المهدوي بامتلاكه ذلك العمق العقائدي بالإمام والرسالة وتوافره على ذلك المخزون العاطفي، لابدّ أن يؤثّر هذا المضمون على مواقفه اليومية وتفاصيل حياته فلابدّ له من مراقبة سلوكه ليجعله منسجماً مع فكره وإرادته ويحقّق أعلى درجات التقوى والورع، وهو أمر مطلوب على خطّ تعجيل الفرج، عن أبي عبد الله عليه السلام - من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع، ومحاسن الأخلاق، وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدوا وانتظروا هنيئاً لكم أيّتها العصابة المرحومة -.(٢٣٢)
ولا معنى لمؤمن يدّعي ارتباطه بالمهدي الذي يطبّق الإسلام تطبيقا عالمياً شاملاً وهو ينأى بنفسه عن هذا التطبيق كيف يكون مثل هذا الشخص تحت قيادة المهدي الذي يقيم شرعة الإسلام ونظامه عالمياً وهو لا يلتزم به على المستوى الشخصي؟ كيف يدّعي الانخراط في مشروع أسلمة العالم وهو لم يحقّق أسلمة ذاته أو محيطه؟
وقد حرص أئمة أهل البيت عليهم السلام أن يكرسوا هذا الفهم للتشيّع ورسالة أهل البيت إنّها رسالة الالتزام بالإسلام والتقيّد بأخلاقه وأحكامه، وأنّه لا معنى لولايتهم دون طاعة الله في أوامره ونواهيه، - لا تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع -.
وعن أبي عبد الله عليه السلام: - إذا أردت أن تعرف أصحابي فانظر إلى من اشتدّ ورعه، وخاف خالقه، ورجا ثوابه، وإذا رأيت هؤلاء فهؤلاء أصحابي -.
وعن أبي جعفر عليه السلام: - يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت؟! فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون إلا بالتواضع والتخشّع، وأداء الأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم والصلاة والبرّ بالوالدين، والتعهّد للجيران من الفقراء، وأهل المسكنة، والغارمين والأيتام، وصدق الحديث وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلا من خير. قال جابر: يا ابن رسول الله ما نعرف أحداً بهذه الصفة. فقال: يا جابر لا تذهبنّ بك المذاهب، أحسب الرجل أن يقول: أحبّ علياً صلوات الله عليه وأتولاّه، فلو قال: إنّي أحبّ رسول الله صلى الله عليه وآله، ورسول الله خير من علي، ثمّ لا يتبع سيرته، ولا يعمل بسنته، ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً، فاتقوا الله، واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله وأكرمهم عليه أتقاهم له وأعملهم، من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو، لا تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع -.(٢٣٣)
فالأحاديث السابقة تبيّن بوضوح أنّ الانتماء لمدرسة أهل البيت يعني التحلّي بأخلاقهم والالتزام بطاعة الله، وليس التشيّع انفعال عاطفي أو حبّ ندعيه دون أن يستتبعه عمل وعطاء، وما كان المهدي نفسه ليغيب لولا تفريط الناس في مسؤولياتهم وعدم التمكين له حيث تداعت جملة من التراكمات التاريخية لسوء اختياراتهم حالت دون تصدّيه لقيادة المجتمع وتنفيذ مشروعه.
فيجب أن نؤكّد للإمام أنّنا مع الإسلام قلباً وقالباً، وأنّ الإسلام ليس شعاراً نرفعه، وإنمّا هو مشروع حياة نرسمه ونجسّده في حدود استطاعتنا، توّاقين للتنفيذ الكامل لهذا الدين في ثورته العالمية الموعودة.
وهكذا نعبّر تعبيراً صحيحاً عن علاقتنا بالرسالة زمن الغيبة. وهذا نقيض ما فهمه البعض من التخلّي عن المسؤوليات والتحلّل من أعباء الرسالة والدين، سئل أبو عبد الله عليه السلام: - يكون فترة لا يعرف المسلمون فيها إمامهم؟ فقال: يقال ذلك. قلت كيف نصنع؟ قال إذا كان ذلك فتمسّكوا بالأمر الأوّل حتّى يتبيّن لكم الآخر -.(٢٣٤)
وعن أبي عبد الله عليه السلام - إذا أصبحت وأمسيت يوماً لا ترى فيه إماماً من آل محمّد فأحبب من كنت تحبّ، وأبغض من تبغض، ووالِ من كنت توالي، وانتظر الفرج صباحاً ومساء -.(٢٣٥)
د. الارتباط بالقيادة الشرعية الزمنية
عرفنا في الفقرة السابقة أنّ التمسّك بالإسلام والتقيّد بأحكامه من أهمّ الأدوار التاريخية التي يؤدّيها الفرد على طريق التمهيد والتوطئة للمهدي والتعجيل بالظهور ولكن يبقى سؤال محيّر: ما هو الإطار القيادي لهذه الحركة؟ من هو القائد الذي يرتبط به الفرد زمن الغيبة؟ ما هي المرجعية الفكرية والاجتماعية التي ينتمي لها؟
رَسَمَ الإمام الحجّة للمؤمنين الخطّ العام لهذه القيادة النائبة التي لابدّ للفرد أن يعتصم بها في غيبته: جاء في التوقيع المنسوب للحجّة عجل الله تعالى فرجه: - أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة الله - (٢٣٦)، وعنه أيضاً: - فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه -.(٢٣٧)
فالمهدي عجل الله تعالى فرجه ومن قبله سائر الأئمة عليهم السلام لمّا كانوا عارفين بالغيبة والفراغ التي ستحدثه عيّنوا لشيعتهم خطّاً قيادياً عامّاً، ومسؤولية المؤمنين الالتزام بهذه القيادة، والنصيحة لها، والانضواء تحت لوائها، وإلا كيف ندّعي انتظار الإمام ونزعم التمهيد له، ونحن نخالف أوامره، ونخرج عن الخطّ القيادي العام الذي نصّبه، لنخضع لطاغوت هنا أو هناك؟ عن عمر بن حنظلة: - سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحلّ ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإن كان حقّاً ثابتاً له؛ لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وقد امر الله أن يكفر به... قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران (إلى) من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حَكَماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه، فإنّما استخفّ بحكم الله، وعلينا ردَّ، والرَّادُّ علينا لرَّادُّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله -.(٢٣٨)
ولهذا الارتباط بالقيادة الشرعية في الأُمّة - مع كونه مسؤولية شرعية - منافع كثيرة على درب التعجيل، أهمّها: انحسار دور القيادات الدخيلة والمفروضة على الأُمّة، والتفاف الجماهير حول رموزها ورموز مجدها وحضارتها ورسالتها، وتعتاد الجماهير شيئاً فشيئاً على الارتباط بقيادة مركزية في المستقبل حينما يتكامل جهاز المرجعية لتستقرّ على صيغة تُوحّد الأُمّة لا تفرّقها، وتتحوّل معها هذه الجموع من غبار بشري لا قيمة له إلى كتل متراصّة تتحرّك تحت راية واحدة.
وتمنح العلاقة بالقيادة الشرعية المؤمنين الثقة أنّهم يسيرون فعلاً في اتجاه تطبيق أطروحات الإسلام في مجالات الحياة كافّة، يقول الإمام الخميني قدس سره في معرض استدلاله على وجوب تأسيس حكومة إسلامية: - واليوم في عهد الغيبة لا يوجد نصّ على شخص معيّن يدير شؤون الدولة فما هو الرأي؟ هل نترك أحكام الإسلام معطّلة؟ أم نرغب بأنفسنا عن الإسلام؟ أم نقول: إنّ الإسلام جاء ليحكم قرنين من الزمان فحسب ليهملهم بعد ذلك؟ أم نقول إنّ الإسلام أهمل أمور تنظيم الدولة؟ ونحن نعلم أنّ عدم وجود الحكومة يعني ضياع ثغور المسلمين وانتهاكها، ويعني تخاذلنا عن حقّنا وعن أرضنا، وهل يُسمح بذلك في ديننا؟ أليست الحكومة ضرورة من ضرورات الحياة، وبالرغم من عدم وجود نصّ على شخص من سينوب عن الإمام عليه السلام حال غيبته، إلا أنّ خصائص الحاكم الشرعي لا يزال يعتبر توافرها في أي شخص مؤهّلاً إيّاه للحكم في الناس، وهذه الخصائص التي هي عبارة عن العلم بالقانون والعدالة، موجودة في معظم فقهائنا في هذا العصر -.(٢٣٩)
وبقطع النظر عن الجدل الواقع بين العلماء حول حدود هذه الولاية للفقهاء العدول على الناس، هل هي مطلقة أم محدودة؟ وهل هي ثابتة بالعنوان الأولي أم بالعنوان الثانوي ومقيدة بحالات الضرورة؟ فهناك قدر متيقن لهذه الولاية: المرجعية الفتوائية القانونية، وإدارة بعض الشؤون الاجتماعية (الأمور الحسبية)، والأهمّ من ذلك أنّ هذا الخلاف النظري بين الفقهاء أنفسهم لا يلغي ما قادت إليه التجربة الحياتية للناس والأُمّة، فما نراه اليوم في مختلف الساحات الإسلامية هو التفاف الجماهير حول المرجعية والإيمان بدورها القيادي في كلّ المجالات حتّى تلك المرجعيات التي لا تؤمن فتوائياً ونظرياً بالولاية المطلقة للفقيه كما نعتقد ونرجّح، وهذا أمر عجيب حقّاً! ولكنّه يثبت واقعية نظرية الولاية المطلقة
هـ. الإخلاص للإمام والترقّب المستمرّ له
ظهور الإمام لم تحدّده الروايات بزمن معيّن وإن علّقته على علامات مبيّنة وقع أغلبها، ولكن الروايات نهت عن التوقيت: عن الإمام جعفر بن محمّد عليه السلام: - أبى الله إلا أن يخلف وقت الموقِّتين - (٢٤٠)، وعن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قلت له: - جعلت فداك متى خروج القائم؟ فقال: يا أبا محمّد إنّا أهل بيت لا نوقّت - (٢٤١). وأكّدت الروايات بالمقابل أنّ الأمر يأتي بغتة: - إنّ أمرنا بغتة فجأة -، ومما روي: - فعند ذلك توقّعوا هذا الأمر صباحاً ومساء -.(٢٤٢)
وعلى أساس ذلك ينبغي على المؤمن أن يكون على أهبّة الاستعداد، يعيش أعلى درجات الاستنفار للانضمام إلى جيش الإمام والجهاد تحت لوائه، بل هو يرى الأمر وشيكاً قريبا:ً (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا) (المعارج)، لعمق ارتباطه العاطفي بالإمام وانشداده للمخلّص، وهو يعلم أن عنوان الجدارة لهذا الانتماء هو الإخلاص الكامل لله ولوليّه، لذا فتكليفه أن ينقّي قلبه من كلّ الارتباطات الأرضية المادّية ويتوجّه بكلّ وجوده لربّه وإمامه ورسالته، وهذه الدرجة العالية من الإخلاص لا تنمو في أجواء الاسترخاء؛ بل تتعمّق في ساحات الصراع ومواقع الابتلاء: عن الصادق عليه السلام: - لابدّ للناس من أن يمحصّوا ويميّزوا ويغربلوا وسيخرج من الغربال خلق كثير - (٢٤٣)، ولن تكون الأجواء الضاغطة نتيجة عوامل خارجية فحسب - تشكيك عقائدي، استبداد سياسي، ظلم اجتماعي تمييز ديني ومذهبي وعرقي، اضطهاد، قمع، تجويع، تهجير، تمييع وتسطيح الوعي... - بل سيكون الامتحان أشدّ حينما تنشأ الفتن من الداخل لتعصف بوحدة المؤمنين أيضاً في هذه المرحلة، عن الحسين بن علي عليه السلام - :لا يكون الأمر الذي تنتظرونه حتّى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، ويشهد بعضكم على بعض بالكفر، ويلعن بعضكم بعضاً، فقيل له: ما في ذلك الزمان من خير، فقال الحسين عليه السلام: الخير كلّه في ذلك -.(٢٤٤)
إنّها فتن كقطع الليل المظلم تقبل من كلّ جانب، ولن يصمد إلا القليل القليل، عن الرضا عليه السلام: - والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى تمحّصوا وتميّزوا، وحتّى لا يبقى منكم إلا الأندر فالأندر -.(٢٤٥)
٢. عوامل التعجيل على مستوى الأمة
تقوم النظرية الاجتماعية الإسلامية على أصالة الفرد وأصالة المجتمع معاً فهي تفسّر الظواهر الاجتماعية والأحداث التاريخية التي تعيشها المجتمعات لا على أساس فردي صرف ولا على أساس اجتماعي خالص؛ بل هي تسند دوراً للفرد كما تسند جزءاً من المسؤولية إلى المجتمع والأُمّة، فكلّ طرف له يد في صنع الأحداث ونسج التحوّلات، وقد رأينا كيف كان للأُمّة في المنظور القرآني أجل وكتاب وحياة وموت...، بمعنى آخر لها نوع وجود يؤثّر في الأحداث ويحدّد المسارات، (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (يونس)، (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) (الحجر)، (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا * وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا) (الكهف)، وهذا ما طرحناه في الفصل الثالث.
وعلى أساس هذه الرؤية نوّعنا البحث في عوامل تعجيل الظهور إلى مستويين، فردي وجماعي، وبعد ما فصّلنا الحديث في المستوى الأوّل، نطرح الآن أهمّ عوامل تفعيل حركة الأُمّة في اتجاه ظهور المهدي وقيام مجتمع العدل العالمي في العناصر التالية:
أ. إحراز العدد الكافي من الأنصار
يعدّ من أهمّ العوامل التي نصّت عليها الروايات المتظافرة، حيث اشترطت عدّة من الأنصار تبلغ ثلاثمائة ونيف: عن أبان ابن تغلب - كنت مع جعفر بن محمّد في مسجد بمكّة وهو آخذ بيدي وقال: يا أبان سيأتي الله بثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً في مسجدكم هذا يعلم أهل مكّة أن لم يخلق آباؤهم ولا أجدادهم بعد -.(٢٤٦)
وعن أبي بصير عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: - إنّ القائم يهبط من ثنية ذي طوى في عدّة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً حتّى يسند ظهره إلى الحجر الأسود ويهزّ الراية الغالبة -.(٢٤٧)
فمسؤولية الأُمّة الأساسية اتجاه إمامها أن تفرز هذا الجيش أو هذه العدّة من الخلّص، وإذا علمنا الخصائص العامّة لأفراد هذه الطليعة والدرجة العالية من الكمالات المعنوية التي يمتازون بها اندفع ذلك الإشكال الذي تردّد كثيراً في التاريخ ولا يزال يتردّد: أيعقل ألا يوجد بين هذه الألوف المؤلفة؛ بل الملايين الحاشدة من الشيعة بضعة مئات من المخلصين - ثلاثمائة ونيف - ؟
عن أبي عبد الله عليه السلام: - إنّه دخل عليه أحد أصحابه فقال له: جعلت فداك إنّي والله أحبّك وأحبّ من يحبّك يا سيدي، ما أكثر شيعتكم، فقال له: أذكرهم، فقال: كثير، فقال تحصيهم؟ فقال: هم أكثر من ذلك، فقال أبو عبد الله: أما لو كملت العدّة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون، ولكن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولا شحناؤه بدنه. (إلى أن سأل) فكيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنّهم يتشيّعون؟ فقال: فيهم التمييز، وفيهم التمحيص، وفيهم التبديل، يأتي عليهم سنون تفنيهم، وسيف يقتلهم، واختلاف يبدّدهم، إنّما شيعتنا من لا يهرّ هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل الناس بكفّه وإن مات جوعاً.
قلت: جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء الموصفين بهذه الصفة؟ فقال اطلبهم في أطراف الأرض، أولئك الخفيض عيشهم، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا -.(٢٤٨)
فالروايات إذن لم تكتف بضبط عددهم؛ بل تحدّثت أيضاً عن صفاتهم وخصائصهم وأنّهم من جميع أنحاء العالم، عن علي عليه السلام: - أحصاهم لي رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً بعدد أصحاب بدر يجمعهم الله من مشرقها إلى مغربها -.(٢٤٩)
إنّهم يتميّزون بالدرجة العليا من الإخلاص، وهم أوّل من يبايع المهدي بعد جبرائيل واستماعهم لخطبته بين الركن والمقام، وسيكونون الفقهاء والحكّام والقضاة وقادة الجيش في دولة المهدي، وهم رهبان بالليل أُسْد بالنهار، جاء في الأثر: - يظهر المهدي بمكّة عند العشاء. فيظهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدد أهل بدر من غير ميعاد قزعاً كقزع الخريف، رهبان بالليل أُسْد بالنهار -.
وفي غيبة النعماني حديث عن راية المهدي: - فإذا هزّها لم يبق مؤمن إلا صار قلبه أشدّ من زبر الحديد، وأعطي قوّة أربعين رجلاً - (٢٥٠)، فهم يتحلّون بالشجاعة والطاعة المطلقة للإمام والانقياد الكامل له حتّى، جاء في رواية البحار أنّهم: - يتمسّحون بسرج الإمام عليه السلام، يطلبون بذلك البركة، ويحفّون به، يقونه بأنفسهم بالحروب، ويكفّونه ما يريد منهم - هم أطوع له من الأَمَةُ لسيّدها -.
كما جاء في الروايات في وصفهم: - رجال مؤمنون عرفوا الله حقّ معرفة -، - خير فوارس على وجه الأرض -، - قلوبهم كزبر الحديد -، - لا يبالون في الله لومة لائم -، - لو حملوا على الجبال لأزالوها -، - فيهم رجال لا ينامون الليل، لهم دوّي في صلاتهم كدوّي النحل -، - إذا ساروا سار الرعب أمامهم مسيرة شهر -....
هذه الطليعة المهدوية هي عصارة التاريخ وحصيلة قانون التمحيص زمن الغيبة الكبرى.
وأخيراً يجب أن نقف عند دلالتين رمزيتين مهمّتين لعدد أفراد هذه الطليعة - ثلاثمائة وثلاثة عشر - وتسميتها - جيش الغضب - أمّا الدلالة الأولى فهي توحي أنّ معركة الإمام مع الأعداء هي شبيهة بمعركة بدر، فإن كانت الأخيرة أسّست لانتصار الإسلام وإرساء الدولة النبوية، - اللّهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً - فإنّ معركة الإمام هي التي ستؤدّي إلي قيام الدولة العالمية وسيادة رسالة الإسلام فمعارك المهدي هي امتداد لحركة الرسول في التاريخ وتتويج لجهوده التأسيسية المباركة.
أمّا الدلالة الثانية المتعلّقة بتسمية جيش الغضب فإنّها إشارة لما يختزنه عواطف هؤلاء الأنصار من رفض للواقع ومعارضة للنظام العالمي الزائف المليء ظلماً وضلالاً، فهم غاضبون لربّهم ودينهم وإمامهم وللمستضعفين والمحرومين لا تأخذهم في ذلك لومة لائم، - جيء للإمام علي برجل قيل: إنّه يكذب على الله وعلى رسوله ويستشهدك، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: لقد اعرض وأطول يقول ماذا؟ فقال: يذكر جيش الغضب، فقال: خلِّ سبيل الرجل، أولئك قوم يأتون في آخر الزمان قزع كقزع الخريف، الرجل والرجلان والثلاثة من كلّ قبيلة حتّى يبلغ تسعة، أما والله، إنّي لأعرف أميرهم واسمه ومناخ ركابهم -.(٢٥١)
وفي غيبة النعماني: دخل جماعة من الخوارج على الإمام علي عليه السلام فقال لهما: - ما حملكما على أن خرجتما عليّ بحروراء؟ قالا: أحببنا أن نكون من جيش الغضب. قال: ويحكما وهل في ولايتي غضب أو يكون الغضب حتّى يكون من البلاء كذا وكذا؟! ثمّ يجتمعون كقزع الخريف من القبائل، ما بين الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة والخمسة والستة والسبعة والثمانية والتسعة والعشرة -.(٢٥٢)
ب. انتشار فكرة المهدي ورواجها في العالم
من أوكد المهام الموكولة على عاتق الأُمّة أن تنشر فكرة المخلِّص وتعرف بمشروع المهدي لإنقاذ العالم وقيادته نحو حياة جديدة توفّر السعادة والرفاه للجميع، فهذا الرواج شرط من شروط نجاح المهدي وجيشه، وتعاطف الناس معه ورسالته. ويمكن الاستفادة في هذا المجال من الميل الفطري للناس المغروس في وجدانهم نحو المخلًص ونحو اليوم الموعود حيث لم يخل دين من الأديان أو ثقافة من ثقافات الشعوب من فكرة المنقذ، ولكن ما يفتقده الفكر الإنساني كما رأينا في الفصل الثاني هو التشخيص الواقعي، ولذا اضطربت الأديان والمذاهب في تعيين هوية المهدي، وأدخلوا الناس في حيرة وأثاروا غباراً من التشكيك حول القضية، ومن الصعوبة بمكان أن ينجح مشروعاً حضارياً عالمياً بمستوى دولة المهدي دون أن يكون له قاعدة عقائدية فكرية.
إنّ الأساس الثقافي لهذا المشروع هو الترويج لهذه الفكرة، أهدافها، منافعها للناس والعالم، وضرورتها لكمال الإنسان وسلامة الكون، فالتلويح بهذه المقوّمات الأساسية لهذه الفكرة في أسلوب هادف عصري مؤثّر من شأنه أن يكسب للمشروع أنصاراً من أنحاء المعمورة كافّة، وبالتالي يُوجِد الأرضية المناسبة للالتفاف العالمي حول القائم حين ظهوره. ولابدّ أيضاً من دفع كلّ الشبهات التي تثار حول قضية المهدي سواءً على أساس عقلي أم نقلي، فهذه الشبهات المتعدّدة تجد لها في الإعلام المعادي كلّ سبل الدعم والترويج خاصّة في ظلّ ثقافة العولمة التي يريد النظام الرأسمالي تعميمها، والتي تستغرق في الحسّيات والحاجات المادّية وتتنكّر للغيبيات والقيم الروحية، فعلى أساس مثل هذه الثقافة جُرّ الناس إلى الإنكار والشكّ في ظهور الإمام.
عن أبي عبد الله عليه السلام: - والله ليغيبنّ سبتاً من الدهر، ولا يخملنّ حتّى يقال مات أو هلك بأي واد سلك - (٢٥٣)، عن أبي عبد الله عليه السلام: - إنّ القائم إذا قام يقول الناس أنّى ذلك وقد بليت عظامه؟! - (٢٥٤).
وللأسف الشديد وباستقراء واقعنا الإسلامي يتجلّى لنا غياب مؤسّسات إعلامية متخصّصة في هذا المجال (دوريات، إذاعات، فضائيات، مواقع على شبكة الإنترنيت...) تُعرّف بالإمام المهدي وتبيّن أهداف نهضته ووسائلها، وتوضّح ضرورتها الحضارية وفوائدها على الناس جميعاً، تُعلم الناس سبل الارتباط به والانتفاع بوجوده المبارك، وتكشف عمَّا يعانيه المظلومون والمحرومون من اضطهاد وحرمان، وما تمارسه مراكز القوى في العالم من بطش وقمع وتنكيل واسترقاق للمستضعفين، وامتصاص لخيراتهم، كما تبشّر بدولة الحقّ والعدل والحرّية التي يرفع رايتها المهدي عجل الله تعالى فرجه.
بعث مثل هذه المؤسّسات ودعم ما هو موجود منها - إن كان موجوداً حقّاً - من شأنه فعلاً تعجيل الخلاص.
ج. فشل النظريات والنظم الحضارية الأخرى
الأطروحة التي سيطبّقها المهدي هي رسالة الإسلام، وإن جاءت الروايات بعبارات (أمر جديد) (كتاب جديد)...، وعرفنا دلالات ذلك في الفصل الرابع وأنّ الأمر لا يخرج عن عنوان الإسلام والأحكام الإسلامية الملائمة للزمان وحاجات العصر، عن رسول الله صلى الله عليه وآله: - يا حذيفة لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يملك رجل من أهل بيتي، تجري الملاحم على يديه، ويظهر الإسلام، لا يخلف وعده، وهو سريع الحساب - (٢٥٥)، هذا الظهور للإسلام على الدين كلّه كما وعد الله وعجل لن يكون إلا بعد إفلاس كلّ النظم والأيديولوجيات الأخرى التي تحكّمت في رقاب الناس حتّى تقوم الحجّة عليهم، ولا يبقى مال لأرباب دين أو أتباع مذهب بأنّهم لو أتيح لهم لطبّقوا العدل المطلق
برهن فشل هذه التجارب في تاريخ الإنسانية الطويل على كذب ادعاءات هذه النظريات؛ لأنّ التجربة هي المحك الأقوى في هذا الشأن، ومن جهة ثانية يثبت هذا الفشل ولو بطريقة سلبية إنّ العدل المطلق منحصر في رسالة الإسلام، ورد في الحديث: - ما يكون هذا الأمر حتّى لا يبقى صنف من الناس إلا وقد ولّوا حتّى لا يقول قائل: أما لو ولّينا لعدلنا، ثمّ يقوم القائم بالحقّ والعدل -.(٢٥٦)
إنّ يأس الناس من كلّ البرامج الأخرى والأطروحات المادّية والوضعية يجعل أملهم ينحصر في رسالة الإسلام كبديل حضاري شامل يضمن سعادة الفرد والمجتمع والفوز في الدنيا والآخرة، وإنّنا في أوائل هذا القرن بعد أن عشنا سقوط الأنظمة الشيوعية في نهاية القرن السابق وتفكّك منظومتها نرقب أزمة الرأسمالية والاضطراب العالمي والدعوات المتلاحقة للعولمة والنظام العالمي الجديد، الذي تحاول من خلاله هذه الرأسمالية إبقاء هيمنتها على العالم والحيلولة دون الانخرام من الداخل، ولكن الكثير من المؤشّرات تدلّل على عمق الأزمة الخانقة التي تستبدّ بهذه النظم الرأسمالية سواء على صعيد اقتصادي أم اجتماعي أم أخلاقي عقائدي.
ولعلّ أحداث ١١/أيلول فضحت بشكل صارخ نقاط ضعف أساسية عديدة كانت إلى وقت قريب غير ظاهرة للعيان، ولئن حاول الغرب التغطية على حقيقة الحدث وأبعاده الواقعية ليوظّفه كالعادة في خططه ومعاركه الجاهزة مسبقاً قصد استمرارية هيمنته على العالم لكن الأخير قد أحسّ، ولو للحظات، أنّ أمريكا مهدّدة بالسقوط، وأنّ منظومة الغرب على حافّة الانهيار، وهذا خير دليل على الإمكان الوقوعي لزوال هذا النظام الجائر.
وأثبتت حرب تموز/٢٠٠٦ من جهة ثانية أنّ الكيان الصهيوني الذي يمثّل الموقع المتقدّم للمواجهة مع الغرب في المنطقة كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط وأنّ الحديث عن زوال إسرائيل الذي هو قطعاً مقدّمة لزوال المشروع الغربي وخطوة متقدّمة على طريق قيام المجتمع المعصوم أمر ممكن وعلى مرمى حجر من هذه الأُمّة لو انتفضت على واقعها الرديء.
إنّ الهيبة التي تعشّش في قلوب الكثيرين حتّى من أبناء الأُمّة الإسلامية تجاه الغرب وتقدّمه الكاسح وهيمنته السياسية لا تلغي وجود ثغرات مريعة هائلة ستنكشف أكثر فأكثر ويستفيد منها العاملون على طريق التوطئة للمهدي عجل الله تعالى فرجه.
في كلّ الأحوال إنّنا نعيش إرهاصات سقوط الرأسمالية العالمية، وما يمليه ذلك من تحدّيات كبيرة على المسلمين عموماً وأنصار المهدي خصوصاً؛ حيث إنّنا نعاني من قصور في معرفة الغرب وعيوبه وخفاياه وهو متفوّق علينا في هذا المجال، ويمكن القول: إنّ حوار الحضارات من جهة والاستغراب كعلم في دراسة ثقافة الغرب وفلسفته وتاريخه وحضارته، مجالان مهمّان على المثقّفين الإسلاميين العناية بهما والاستفادة منهما في هذا الاتجاه كما أنّ رصد الاهتزازات الداخلية لمنظومة الغرب وتداعياتها الخطيرة في المستقبل القريب بعد التحوّلات التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة مهمّة لابدّ من التصدّي لها.
د. طرح الإسلام بصيغة حضارية تلائم العصر
بات من الواضح أنّ فهم الإسلام وتطبيقه يرتبطان بالزمان والمكان والخصوصيات الثقافية والحضارية للمجتمع، فالقرآن يفسّره الزمان، والقرآن يجري مجرى الشمس والقمر، وأدركت بحوث - فلسفة الفقه - أكثر فأكثر جدلية - النصّ والواقع -، وما للواقع من تأثير في استنطاق النصّ وتفجير مكنوناته.
إنّ النصوص الإسلامية تختزن داخلها إجابات كلّية لسائر المشكلات التي يعيشها الإنسان فرداً وجماعات، ولكن القصور الذي يعاني منه الفكر الإسلامي في تقديم إجابات لقضايا العصر وأسئلته تنشأ من قصور آليات الاجتهاد وعدم القدرة على الملائمة بين النصّ والواقع.
إنّ النزعة الاستصحابية والمحافظة على النهج القديم أو فهم القدماء للنصوص هو من أكبر الحواجز التي تحول دون صياغة نظريات إسلامية تلائم الواقع المتجدّد المتحرّك؛ بل تلائم المستقبل.
ولأنّ عقيدة المهدي (الإسلام) هو رسالة المستقبل، إنّها رسالة تواجه تحدّياً بحجم هذا الطموح العالمي بامتداده من الشرق إلى الغرب، والمستقبل بامتداده إلى ما شاء الله لابدّ أن تعمّق آليات قراءة النصّ وسبل الاستنباط وأدوات الاجتهاد.
وما زال الفكر الإسلامي يسعى جاهداً لامتلاك هذا النضج النظري لتحطيم هذا الطوق المضروب حول العقل الإسلامي، فيحلق خارج الأسئلة القديمة وحاجات الأزمنة الغابرة، وما تعيشه الحوزة العلمية المباركة من محاولات لتجديد المنهج هو مظهر من مظاهر الإحساس بهذه المشكلة والسعي لجعل علماء الدين قادرين على مقارعة عقل اليوم وأسئلة العصر ومتطلّبات المرحلة.
ولا نتصوّر أن يتحقّق هذا الأمر دفعة واحدة؛ بل لابدّ من تهيئة ذهنية ونفسية للناس لفهم شمولي للإسلام، قد يجدون صعوبات في استيعابه لما عهدوه من فهم تقليدي، فالدور الذي تلعبه طلائع المفكّرين الرساليين في الأُمّة لتجديد وطرح الإسلام طرحاً ينفض عنه غبار التخلّف ويجعل حركة الأُمّة في مسارها الطبيعي نحو ظهور المهدي وقدومه بالأمر الجديد، إنّنا نفهم من ذلك الصيغة الواقعية للإسلام والتي تلائم حاجات ذلك العصر وتحوّلاته.
عن أبي جعفر عليه السلام قال: - إنّ قائمنا إذا قام دعا الناس إلى أمر جديد كما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنّ الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء -.(٢٥٧)
وعن أبي عبد الله عليه السلام: - فإذا تحرّك متحرّكنا فاسعوا إليه ولو حبواً، والله وكأنّي أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد، على العرب شديد، وقال: ويل لطغاة العرب من شرّ قد اقترب -.(٢٥٨)
وعن أبي جعفر عليه السلام: - يقوم بأمر جديد، وكتاب جديد، وسنّة جديدة، وقضاء جديد، على العرب شديد -.(٢٥٩)
عن أبي عبد الله عليه السلام: - كيف أنتم لو ضرب أصحاب القائم عجل الله تعالى فرجه الفساطيط في مسجد كوفان، ثمّ يخرج إليهم المثال المستأنف -.(٢٦٠)
وعنه أيضاً: - كأنّي بشيعة علي في أيديهم المثاني يعلّمون الناس المستأنف - ٢٥٧.
فمهمّة الفكر الإسلامي زمن غيبة الإمام أن يرتفع بمستوى وعي الأُمّة في مجال الرؤية الكونية، ويعمّق الفهم العام للتشريع الإسلامي والفقهي، ويمكن الاستفادة من الانفجار المعلوماتي ووسائل الاتصال الحديثة من أجل تلاقح الأفكار والاطّلاع على التيارات والفلسفات المعاصرة، وما وصلت إليه البحوث الجديدة في مجال العلوم الإنسانية، فينمو الحسّ النقدي وتُعزّز فرص النجاح في إخراج الفكر والاجتهاد الفقهي من الأطر المحدودة التي تأسره كمقدّمة مهمّة لظهور الأمر الجديد والمستأنف.
هـ. امتلاك الخبرة القيادية والجهادية
كما يحتاج الجيل المهدوي إلى ثقافة إسلامية معمّقة، - إنّ الله تعالى علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون فأنزل الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) والآيات من سورة الحديد إلى قوله (وهو عليم بذات الصدور) - (٢٦١)، هو بحاجة إلى تجارب حركية وقيادية وجهادية وسياسية تؤهّله لأداء دور إيجابي في توجيه العالم وهداية البشرية، فالكفاءات العالية لأنصار المهدي وجنوده والنجاعة الإدارية لهذه الدولة الفتية التي تتحدّث عنها الروايات ليست إلا نتيجة تراكمات تاريخية وتكامل طويل زمن الغيبة، وبلوغ الوعي السياسي والحسّ الجهادي والخبرات القيادية لأبناء الأُمّة مستوى عال مؤشّر قوي وخطوة نحو إنجاح مشروع الدولة العالمية.
وفي واقعنا المعاصر تتراءى لنا تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران والمقاومة الإسلامية في لبنان وسائر الحركات الجهادية والسياسية والمؤسّسات الثقافية والاجتماعية الفاعلة مفردات مهمّة على هذا السبيل، فالتجارب الميدانية الحيّة وخاصّة على مستوى الدولة هي الكفيلة بتكوين الكوادر العالية ذات الخبرة القيادية والفهم الصحيح للسياسة الدولية والقوى المتحكّمة فيه، وطرق التعامل مع هذه المؤثّرات والعوامل. ومن جهة أخرى واستناداً إلى جدلية النظرية والممارسة فإنّ هذه الممارسة تؤهّل الفكر الإسلامي إلى مراق نظرية أعلى وأكثر رشداً.
ومن جانب آخر للحركات الجهادية، والتي تمثّل المقاومة الإسلامية في لبنان نموذجاً رشيداً لها، أهمّية قصوى قي توطين العاملين على مقارعة الظلم والظالمين وبقاء راية الجهاد خفّاقة حيّة في القلوب والعقول، لا مجرّد شعار أو فريضة نظرية، وهذا مبدأ أساسي لدولة المهدي الذي ستكون سنّته الجهاد والقتال.
الانتظار الإيجابي فرج قبل الفرج
يستوجب بلوغ الأهداف الكبيرة في التاريخ نضالات بحجمها، ولا شكّ أنّ استهداف المؤمنين قيام الدولة العالمية يتطلّب جهوداً لا حدّ لها، تبيّن لنا مما سبق عمقها واتساعها سواء على المستوى الفردي أم على مستوى الأُمّة.
ولكن قد يغفل المرء عن حقيقة مهمّة على هذا الصعيد مفادها أنّ المؤمن وهو يسعى جاهداً ليوطئ الطريق ويعبّده للحجّة لا ينطلق من رغبة شخصية في ذلك الرفاه المادّي والأمن الاجتماعي والسعادة القصوى في تلك الدولة المهدوية المنتظرة، بل هو يستهدف بلوغ النوع البشري ذلك وإن لم يتنعّم شخصياً به، فالمؤمن يتحرّك من إيمان مبدئي وقناعة عقائدية بمشروع المهدي لا من نزعة مصلحية وطموح ذاتي، لذلك فهو في جهوده في تعجيل الفرج يبتغي مرضاة الله والقرب من الإمام وإن لم يلتحق به، عن أبي عبد الله عليه السلام: - اعرف إمامك؛ فإنّك إذا عرفت إمامك لم يضرك تقدّم هذا الأمر أو تأخّر، ومن عرف إمامه ثمّ مات قبل أن يقوم صاحب هذا الأمر كان بمنزلة من كان قاعداً في عسكره، وفي رواية أخرى بمنزلة من استشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله -.(٢٦٢)
عن أبي بصير قلت لأبي عبد الله عليه السلام: - جعلت فداك متى الفرج؟ فقال: يا أبا بصير وأنت ممن يريد الدنيا؟ من عرف هذا الأمر فقد فُرّج عنه بانتظاره -.(٢٦٣)
فرج وأي فرج أن تهتدي الطليعة المهدوية إلى الدرب القويم، فتسير بثبات على بيّنة من أمرها في حين يضلّ المتردّدون، ويضيع التائهون المفتونون وراء الرايات الضالّة المضلّة، عن أبي عبد الله عليه السلام: - لترفعنّ اثنا عشر راية متشابهة لا يعرف أي من أي، قال المفضل: فبكيت، فقال لي: ما يبكيك؟ فقلت: جعلت فداك كيف لا أبكي وأنت تقول اثنتا عشر راية مشتبهة لا يعرف أي من أي قال: فنظر إلى كوة في البيت التي تطلع فيها الشمس في مجلسه، فقال: أهذه الشمس مضيئة، قلت نعم، فقال والله لأمرنا أضوء منها -.(٢٦٤)
هنيئاً لهذه الطليعة المنتظرة المجاهدة الممهِّدة التي أعارت الله جماجمها وذابت في إمامها شوقاً وولاء، فأثابتها السماء على إخلاصها بـ - الفرج المبكر - ولسان حالها يقول: أيّتها العصابة المرحومة، أدركتم الإمام أم لم تدركوه خياركم فرج، قبس من الفرج!
عن محمّد بن الفضيل عن الرضا عليه السلام: - قال سألته عن شيء من الفرج فقال أليس انتظار الفرج من الفرج؛ إنّ الله عزّ وجلّ يقول: (فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ) (الأعراف) -.(٢٦٥)
وعن الحسن بن الجهم قال: - سألت أبا الحسن عليه السلام عن شيء من الفرج، فقال: أولَستَ تعلم أنّ انتظار الفرج من الفرج، قلت: لا أدري إلا أن تعلّمني، فقال: نعم، انتظار الفرج من الفرج -.(٢٦٦)
اللّهم كما فرّجت عنّا بمعرفة حجّتك وانتظاره والدعاء له، فرّج عنّا بظهوره قريباً عاجلاً.
خلاصة وأفق
هكذا تقود القراءة المتفحّصة والمتأمّلة للفصول السبعة إلى رؤية شاملة للتاريخ البشري وحركة المسيرة الإنسانية في مبدأها، وغايتها، ومراحلها الكبرى، في قوانينها وسننها، ومنتهاها، وما بعد نهايتها.
لقد حاولت هذه الدراسة أن تقرّب ما أمكن النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ.
ومهّدنا ببحثين مفهوميين أساسيين:
في الفصل الأوّل: حول فلسفة التاريخ حيث أدرجنا هذا الفرع المعرفي في موضعه الطبيعي، وحدّدنا تعريفه، وموضوعه، وغايته، وبينّا أهمّيّة فلسفة التاريخ كحاجة عقائدية وضرورة حضارية، ومقدّمة لبناء الإنسان والمجتمع.
في الفصل الثاني: أثبتنا أصالة فكرة المهدي والمخلّص عامّة في روافد التراث الإنساني: الدين، الفلسفة، التاريخ السياسي، في النظريات الوضعية.
رجّحنا في هذا الفصل أن يكون اطّراد الفكرة في جميع الحضارات والأديان منشأه الوحي الإلهي وإرث الأنبياء بين الناس.
هذا الإرث انعكس في تصوّرات مختلفة، وربّما مضطربة عند كثير من الأديان والمجتمعات والفلسفات.
ومع الإسلام خاتم الديانات تبلورت فكرة المخلّص بشكلها النهائي، وبلغت معه أرقى صور نضجها.
الفصل الثالث: خصّصناه لفلسفة التاريخ من منظور إسلامي عام، فاستعرضنا الخصائص العامّة لهذه النظرية، وعالجنا الأصول الخمسة للنظرية الإسلامية في تفسير التاريخ: ١) الغاية، ٢) محرّكات التاريخ، ٣) قوانين التاريخ وسننه، ٤) مراحل التاريخ، ٥) المستقبل البشري ونهاية التاريخ.
قدّمنا أطروحة مفصّلة حول هذه الأصول الخمسة.
في الفصل الرابع: توسّعنا في شرح هذه الأسس في ضوء معطيات العقيدة المهدوية الخاصّة، فاكتملت النظرية، واكتشفنا المسار التاريخي في صورته الكاملة، واتضحت بتفاصيل جديدة معالم المستقبل البشري وغاية التاريخ ومنتهاه.
كما عالجنا في هذا الفصل ما يمكن أن يثار حول محرّكات التاريخ والتشكيك في دور الأُمّة في ظل الإيمان بفكرة الإمام القائد المخلّص.
كذلك دفعنا ما قد يثار حول مقولة سنن التاريخ، وعلاقة السنن والقوانين بفكرة الإمام ودوره المركزي في بناء المجتمع العالمي العادل.
ولم نغفل عن مبدأ التزامن بين التكامل التكويني والتكامل التشريعي كأصل من أصول الوعي التاريخي من منظور مهدوي.
بعد استكمال بناء أصول النظرية كان لابدّ من بحث مقولات مركزية في النظرية المهدوية.
وهذه المقولات هي - غيبة الإمام - التي أضحت عنوان عصر بكامله عصر الغيبة الكبرى والممتدّ إلى يومنا الحاضر، فكان الفصل الخامس و- فلسفة الغيبة -.
والمقولة الثانية: الانتظار عنوان المسؤولية العامة في هذا العصر، فكان الفصل السادس وما فيه من شرح وتوضيح لحقيقة الانتظار وأبعاده المختلفة.
والمقولة الثالثة: تعجيل الظهور: كهاجس من هواجس المؤمنين، وكعنوان آخر للدور والرسالة في هذه المرحلة، فكان الفصل السابع و- فلسفة الدور وتعجيل الظهور - لتعميق البحث في تفاصيل دور الفرد ورسالته ودور الأُمّة ورسالتها.
ختاماً نذكر القارئ العزيز أنّ قيمة ما يكتشفه وما يتبنّاه في هذه الدراسة تتجلّى فيما تمنحه إيّاه من إضاءات وبصائر في فهم التاريخ في مساره ومصيره (في أين؟ وإلى أين؟) وتحديد المرحلة وتشخيص الدور والرسالة.
كما نؤكّد أنّ الرؤية الاستراتيجية التي تقدّمها الدراسة لا تعفينا البتة من فهم الواقع المرحلي وتشريح - الآن - واللحظة التاريخية التي نعيشها، وهنا لابدّ من الإشارة مرّة أخرى لحسّاسية وخطورة هذا - الآن - وهذه الفترة بالذات من تاريخ الأُمّة والعالم.
هذه الفترة التي تشكّل منعطفاً تاريخياً حاسماً، وهذا ليس كلاماً شاعرياً نردّده على أنقاض هزائم الفترات السابقة؛ بل هو ما تدلّل عليه المعطيات الواقعية.
لقد فقد العالم توازنه بسقوط المعسكر الشرقي ومنظومته الشيوعية، وسقط الحلم بها كطريق لسعادة الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية، واستفردت المنظومة الرأسمالية بالهيمنة والسيطرة، ولكن ها هي أزماتها العميقة تستفحل، وهاهي الولايات المتّحدة زعيمة المنظومة تغرق في ديون تعدّ بالتريليونات من الدولارات: (بعض الأرقام تتحدّث أخيراً عن /٩/ تريليون دولار كديون خارجية على الولايات المتحدة)، وعشرات الملايين من الفقراء بلا مأوى، ونسب الجريمة العالية، وهاهي التقارير تصدع بالفساد الإداري والسياسي والجنون السياسي لبعض قادة الولايات المتّحدة، وعزّز الفشل الذريع لتدخّلاتها العسكرية في عدّة أماكن في العالم والبلدان الإسلامية خصوصاً أفغانستان والعراق هذا الانهيار الحضاري الوشيك.
وكشاهد حقيقي على عمق الأزمة العالمية التي تعيشها هذه المنظومة ما تردّد في الفترة الأخيرة من دراسات تتحدّث عن مصير السقوط والانهيار للولايات المتّحدة، وأنّ الخبراء يرصدون علامات تحاكي ما عرفته الحضارات السالفة والآفلة قبيل سقوطها، سيكون مصير النموذج الحضاري الغربي المهيمن على العالم الأفول كما هو حال الامبراطورية الرومانية وغيرها من الامبراطوريات والحضارات في التاريخ.
بالمقابل نرى نهوضاً وحراكاً وانتصارات للشعوب المظلومة وللأُمّة الإسلامية خصوصاً، رغم كلّ الجراحات التي تثخنها والمشاكل الداخلية التي تعاني منها.
لكن هذه الأزمات لا تحجب عنّا قيام محاور للمقاومة والعزّة والممانعة تدافع عن شرف الإسلام وعزّة الإنسان ومصالح المستضعفين.
هذا القوس الصاعد هنا، وذاك القوس النازل هناك، يلخص المشهد، هذا المشهد قد ينبئ بأنّ العالم سيشهد قريباً سقوطاً مروعاً لأعتى قوة مهيمنة، وأنّ الفراغ الحضاري أو ما يولده الصدام الأخير مع هذا المعسكر في حروبه الأخيرة من أجل البقاء قد تجرّ العالم إلى مزيد من الفوضى والإرباك.
ولكن في كلّ الأحوال هناك أمل ينمو، هناك مشروع جديد يبشّر بالخير والعدل والحياة، هناك أمل حقيقي في دورة حضارية جديدة تأتي عقيب هذا السقوط لحضارة الغرب المؤذنة بالغروب.
غروب الغرب وشيك، وطلوع الفجر ليس ببعيد، نرصد بشائره في أكثر من موقع في الأُمّة الإسلامية.
هذه القراءة تحمّل المؤمنين بالمهدي ورسالة المهدي في التاريخ مسؤوليات جديدة على طريق التمهيد للظهور المبارك.
فهل أَذِنَ الأمل حقّاً بالظهور؟ هل أَذِنت الطلعة البهية بالشروق؟
هل ترى نراه؟ وقد ملأ الأرض عدلاً، وأذاق أعداءه وأعداء الإنسان وأعداء التاريخ عذاباً وهواناً... أَنَراه وقد اجتث أصول الظلم والقهر والاستكبار؟
أنراه وقد نشر لواء النصر والنور والخلاص؟... ونحن نقول الحمد لله ربِّ العالمين.

الأسعد بن علي قيدارة
دمشق
شعبان الأمل ١٤٢٨هـ/آب الانتصار٢٠٠٧

فهرس المصادر والمراجع

١. القرآن الكريم.
٢. الكتاب المقدس.
٣. إنجيل برنابا (ترجمة خليل سعادة).
٤. ابن خلدون عبد الرحمن بن محمّد
مقدمة ابن خلدون، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٨هـ/١٩٨٨م.
٥. أمين أحمد
المهدي والمهدوية، مصر، دار المعارف، سلسلة اقرأ رقم١٠٣.
٦. إيماني مهدي الفقيه
المهدي عند أهل السنة، ط٢، المجمع العالمي لأهل البيت، ١٩٩٨.
٧. بارندر جافري
المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون، سلسلة عالم المعرفة، عدد١٧٣، مايو١٩٩٣.
٨. بدوي عبد الرحمن
موسوعة الفلسفة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ١٩٨٤.
مذاهب الإسلاميين، ط٣، بيروت، دار العلم للملايين، ١٩٨٣.
١٠. تامر مير مصطفى
بشائر الأسفار بمحمّد وآله الأطهار، ط١، بيروت، دار الغدير، ١٩٨٨.
١١. الخميني روح الله الموسوي
الحكومة الإسلامية (د.ط)، دمشق، مؤسسة الثقلين، (د.ت).
١٢. ديورانت ول
قصة الحضارة، ترجمة زكي نجيب محمود، بيروت، دار الجيل، ١٩٨٨.
١٣. الزركلي خير الدين
الأعلام، ط١، بيروت، دار العلم للملايين، ١٤١٠هـ.
١٤. شريعتي علي
الأمة والإمامة، بيروت، دار الأمير، ١٤١٣هـ/١٩٩٢م.
١٥. شلبي أحمد
مقارنة الأديان اليهودية، ط١٢، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٩٧.
أديان الهند الكبرى، ط١١، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٩٧.
المسيحية، ط١٠، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ١٩٩٧.
١٨. شنواني أحمد
كتب غيرت الفكر الإنساني، ج١، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٤.
١٩. الصدر محمّد باقر
الإسلام يقود الحياة، بيروت، دار التعارف.
التفسير الموضوعي للقرآن، بيروت، دار التعارف (د ت).
بحث حول المهدي، ط١، بيروت دار التعارف، ١٩٩٧.
اقتصادنا، بيروت، دار التعارف، ١٩٩١.
٢٣. الصدر محمّد صادق
تاريخ الغيبة الصغرى، قم، مؤسسة ذو الفقار (د ت).
تاريخ الغيبة الكبرى، قم، مؤسسة ذو الفقار (د ت).
تاريخ ما بعد الظهور، قم، مؤسسة ذو الفقار (د ت).
اليوم الموعود، قم، مؤسسة ذو الفقار (د ت).
٢٧. الصدوق محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه
كمال الدين وتمام النعمة، ط١، بيروت، مؤسسة الأعلمي، ١٤١١هـ/ ١٩٩١م.
صفات الشيعة، عابدي، طهران (دت).
٢٩. الطباطبائي محمّد حسين
الشيعة، نص الحوار مع كوربان، ترجمة جواد علي كسار، ط١، بيروت، مؤسسة أم القرى، ١٤١٨هـ.
رسالة التشيع في العالم المعاصر، ترجمة جواد علي كسار، ط١، بيروت، مؤسسة أم القرى، ١٤١٨هـ.
الميزان في تفسير القرآن، ط١، بيروت، مؤسسة الأعلمي، ١٤١٧هـ/١٩٩٧.
٣٢. الطوسي محمّد بن حسن
الغيبة، تحقيق عماد الله الطهراني وعلي أحمد ناصح، ط١، قم، مؤسسة المعارف الإسلامية، ١٤١١هـ.
٣٣. العاملي محمّد حمود
الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية، ط١، بيروت، مركز العترة للدراسات والبحوث، ١٩٩٨.
٣٤. عبد اللاوي محمّد
فلسفة التاريخ من خلال كتابات الإمام الصدر، دراسة ضمن كتاب (محمّد باقر الصدر دراسات في حياته وفكره)، بيروت، مؤسسة العارف، ١٩٩٦.
٣٥. عمران أحمد
قراءة في كتاب التشيع، ط١، بيروت، دار كرم، ١٤١٦هـ/١٩٩٦م.
٣٦. فوزي إسماعيل
الديانة الزرادشتية، دمشق، دار علاء الدين.
٣٧. فوكاياما فرنسيس
نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ترجمة مطاع صفدي، ط١، بيروت، مركز الإنماء القومي، ١٩٩٣.
٣٨. القمي عباس
مفاتيح الجنان، ط٢، بيروت، مؤسسة الأعلمي، ١٩٩٨.
٣٩. الكليني محمّد بن يعقوب
أصول الكافي، ط٣، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٣٨٨هـ.
٤٠. كورتل آرثر
قاموس أساطير العالم، ترجمة سهى طريحي، ط١، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ١٩٩٣.
٤١. كولر جون
الفكر الشرقي القديم، ترجمة كامل يوسف حسين، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون، سلسلة عالم المعرفة عدد١٩٩، تموز١٩٩٥.
٤٢. ماريا لويزا
المدينة الفاضلة عبر التاريخ، ترجمة عطيات أبو السعود، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون، سلسلة عالم المعرفة عدد٢٢٥، آب١٩٩٧.
٤٣. المجلسي محمّد باقر
بحار الأنوار، ط٢، بيروت، مؤسسة الوفاء، ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م.
٤٤. المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان
المزار، ط١، قم، مدرسة الإمام المهدي (د ت).
٤٥. مطهري مرتضى
نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ، تعريب محمّد علي آذرشب، ط٢، طهران، مؤسسة البعثة، ١٤٠١هـ.
٤٦. النعماني محمّد بن إبراهيم بن جعفر
كتاب الغيبة، ط١، بيروت، منشورات الأعلمي، ١٤٠٣هـ/١٩٨٣م.
٤٧. اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب
تاريخ اليعقوبي، تحقيق عبد الأمير مهنا، ط١، بيروت، مؤسسة الأعلمي، ١٩٩٣م.


 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) ابن منظور، لسان العرب، ط١، مج١، ص ١١٣.
(٢) المصدر نفسه.
(٣) المعجم الوسيط، مادة: أرخ.
(٤) المصدر نفسه.
(٥) عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، ص٩.
(٦) أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، ص٥.
(٧) محمود إسماعيل، إشكالية تفسير التاريخ عند المؤرخين المسلمين الأوائل، مجلة عالم الفكر، ع٢٩، أبريل٢٠٠١، المجلس الوطني للثقافة في الكويت، ص٤٦.
(٨) عبد الرحمن بن خلدون، المقدّمة، ص٣.
(٩) محمود إسماعيل، إشكالية تفسير التاريخ عند المؤرخين المسلمين الأوائل، مجلة عالم الفكر،العدد٢٩،أبريل/٢٠٠١م، المجلس الوطني للثقافة في الكويت، ص٤٦.
(١٠) عباس القمي، مفاتيح الجنان، دعاء الندبة، ص٦١١.
(١١) جافري بارندر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص٥٨.
(١٢) ديورانت، قصة الحضارة، ج١، ص٥٢١.
(١٣) أحمد عمران، قراءة في كتاب التشيع، ص٤٣.
(١٤) كورتل آرثر، قاموس أساطير العالم، ترجمة: سهى الطريحي، ص١٢٧.
(١٥) المصدر نفسه، ص١٦٢.
(١٦) المصدر نفسه، ص٦٥.
(١٧) المصدر نفسه، ص٨٢.
(١٨) أحمد شلبي، أديان الهند الكبرى، ط١٠، ص٥٢.
(١٩) المصدر نفسه، ص٦٢.
(٢٠) المصدر نفسه، ص ٦٧.
(٢١) ول ديورانت، قصة الحضارة، ج٣، ص٥٠.
(٢٢) جون كولر، الفكر الشرقي القديم، ص١٥٣.
(٢٣) جفري بارندر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص١٧٧.
(٢٤) أحمد شلبي، ديانات الهند الكبرى، ص١١.
(٢٥) أحمد شلبي، ديانات الهند الكبرى، ص١٢٠.
(٢٦) المصدر نفسه، ص١٢٣.
(٢٧) كورتل أرثر، قاموس أساطير العالم، ص٧٧.
(٢٨) المصدر نفسه، ص٧٧.
(٢٩) جفري بارندر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص٢١٥.
(٣٠) المصدر نفسه، ص٢١٩.
(٣١) المصدر نفسه، ص٢٣٨.
(٣٢) المصدر نفسه، ص٢٤٢.
(٣٣) المصدر نفسه، ص٢١٦.
(٣٤) ول ديورانت، قصة الحضارة، ج٥، ص١٤.
(٣٥) إسماعيل فوزي، الديانة الزرادشتية، ص٥.
(٣٦) كورتل آرثر، قاموس أساطير العالم، ص٤٥.
(٣٧) إسماعيل فوزي، الديانة الزرادشتية، ص٦٠.
(٣٨) المصدر نفسه، ص٧٠.
(٣٩) المصدر نفسه، ص٨١.
(٤٠) انظر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب.
(٤١) ول ديورانت، قصة الحضارة، ج٢، ص٣٥٤.
(٤٢) مير مصطفى تامر، بشائر الأسفار بمحمّد وآله الأطهار، ص٧٢.
(٤٣) بشائر الأسفار بمحمّد وآله الأطهار، ص١٣٣ و١٤٠.
(٤٤) أحمد شلبي، المسيحية، ص١٧٢.
(٤٥) المصدر نفسه، ص٨٩.
(٤٦) إنجيل متى، الإصحاح: ٥/١ - ٦.
(٤٧) إنجيل برنابا، الفصل ٩٨/ ١٤ - ١٨، ترجمة: خليل سعادة.
(٤٨) لويزا ماريا، المدينة الفاضلة عبر التاريخ، ص٩.
(٤٩) المصدر نفسه، ص١٨.
(٥٠) انظر المصدر نفسه.
(٥١) أحمد شنواني، كتب غيرت الفكر الإنساني، ج١، ص٤٥.
(٥٢) عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة ج٢، ص ١١٣ - ١١٤.
(٥٣) أحمد أمين، المهدي والمهدوية، ص١٢.
(٥٤) مذاهب الإسلاميين، ص٧٩.
(٥٥) المصدر نفسه، ص١٥.
(٥٦) المصدر نفسه، ص٣٧.
(٥٧) خير الدين الزركلي، الأعلام، ج٧، ص٧٦.
(٥٨) أحمد أمين، المهدي والمهدوية، ص٧٩.
(٥٩) محمّد صادق الصدر، اليوم الموعود، ص٢٩.
(٦٠) المصدر نفسه، ص٢٣.
(٦١) فرنسيس فوكوياما، نهاية التاريخ والإنسان الأخير، ص٢٣.
(٦٢) م س، ص٧٧.
(٦٣) المصدر نفسه، ص٧١.
(٦٤) محمّد صادق الصدر، اليوم الموعود، ص٥٢٤.
(٦٥) نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ، ص٣٦.
(٦٦) محمّد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، مج١٥، ص١٥٦.
(٦٧) محمّد باقر الصدر، اقتصادنا، ص٤٨.
(٦٨) محمّد باقر الصدر، اقتصادنا، ص٤١.
(٦٩) محمّد باقر الصدر، الإسلام يقود الحياة، ص١٦١.
(٧٠) م س، ص١٦١.
(٧١) محمّد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج١، ص١١٦.
(٧٢) الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج٩، ص٤٢.
(٧٣) محمّد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج٢، ص١١٣.
(٧٤) مهدي الفقيه الأيماني، الإمام المهدي عند أهل السنّة، ص٢٠٧، نقلاً عن كنز العمّال.
(٧٥) المصدر نفسه، ص٢٠٧.
(٧٦) المصدر نفسه، ص٢٠٨.
(٧٧) محمّد باقر الصدر، التفسير الموضوعي للقرآن، ص٨٤.
(٧٨) اليوم الموعود، ص٤٤٩.
(٧٩) المصدر نفسه، ص٤٥٠.
(٨٠) المصدر نفسه، ص٤٤٩.
(٨١) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج١١، ص٣٢.
(٨٢) انظر: بحار الأنوار، ج٥٥، ص٢٧٤.
(٨٣) محمّد صادق الصدر، اليوم الموعود، ص٤٥٣.
(٨٤) المصدر نفسه، ص٤٦٢.
(٨٥) المجلسي، بحار الأنوار، ج٣٦، ص٢٦١.
(٨٦) المصدر نفسه، ج٩٢، ص٣٣٢.
(٨٧) تاريخ ما بعد الظهور، ص٦٤٧.
(٨٨) المصدر نفسه.
(٨٩) المجلسي، بحار الأنوار، ج٦٤، ص٢١٣.
(٩٠) المصدر نفسه، ج٥٢، ص٣١٢.
(٩١) محمّد صادق الصدر، تاريخ ما بعد الظهور، ص٦٦٥.
(٩٢) مهدي الفقيه الإيماني، الإمام المهدي عند أهل السنّة، ص٣٨، نقلاً عن سنن أبي داود كتاب المهدي.
(٩٣) المصدر نفسه.
(٩٤) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٣١٦.
(٩٥) المصدر نفسه، ص٣٢٢.
(٩٦) المصدر نفسه، ص٣٥٩.
(٩٧) مهدي الفقيه الإيماني، الإمام المهدي عند أهل السنة، ص١٤٤، نقلاً عن الترمذي.
(٩٨) م س، ص٧٢.
(٩٩) المصدر نفسه، ص٨٣.
(١٠٠) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٣٣٨.
(١٠١) المصدر نفسه، ص٣٣٦.
(١٠٢) المصدر نفسه، ص٣٣٢.
(١٠٣) النعماني، الغيبة، ص٢١٨.
(١٠٤) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٣٥٢.
(١٠٥) النعماني، الغيبة، ص٢١٧.
(١٠٦) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٣٧١.
(١٠٧) المصدر نفسه، ص٣٢٧.
(١٠٨) النعماني، الغيبة، ص٢١٨.
(١٠٩) م س، ص٢٢٠.
(١١٠) م س، ص٢٣٠.
(١١١) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥١، ص١٦٠.
(١١٢) عباس القمي، مفاتيح الجنان، دعاء زمن الغيبة، ص١٠٦.
(١١٣) النعماني، الغيبة، ص١١٣.
(١١٤) المصدر نفسه، ص١١٤.
(١١٥) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥١، ص٣٦١.
(١١٦) محمّد باقر الصدر، بحث حول المهدي، ص٦٨.
(١١٧) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٢، ص٨٨.
(١١٨) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٥٣.
(١١٩) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص٤٨٢.
(١٢٠) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٩٥.
(١٢١) المصدر نفسه، ص٩٧.
(١٢٢) النعماني، الغيبة، ص١١٦.
(١٢٣) الطوسي، الغيبة، ص٣٣٠.
(١٢٤) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٩٢.
(١٢٥) الكليني، أصول الكافي، ج١، ص٣٤٢.
(١٢٦) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٩٥.
(١٢٧) محمّد صادق الصدر، تاريخ الغيبة الصغرى، ص٢٧٧.
(١٢٨) محمّد باقر الصدر، بحث حول المهدي، ص٤٢.
(١٢٩) محمّد حمود العاملي، الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية، ج٢.
(١٣٠) المصدر نفسه، ج٢، ص٢٥٩.
(١٣١) محمّد باقر الصدر، بحث حول المهدي، ص٤١.
(١٣٢) الكليني، أصول الكافي، ج١، ص٢٥٧.
(١٣٣) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢،ص٢٤٤.
(١٣٤) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥١، ص٢١٨.
(١٣٥) المصدر نفسه، ص٢١٧.
(١٣٦) أنظر: كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ص١٢٧ - ١٤٧.
(١٣٧) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥١، ص٢١١.
(١٣٨) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص٢٨٧.
(١٣٩) محمّد صادق الصدر، تاريخ الغيبة الكبرى، ص٢٣٦.
(١٤٠) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١١١.
(١٤١) المصدر نفسه، ص١١٠.
(١٤٢) المصدر نفسه، ص١١٣.
(١٤٣) المصدر نفسه، ص١١٤.
(١٤٤) المصدر نفسه، ص١١٤.
(١٤٥) عباس القمي، مفاتيح الجنان، دعاء الندبة، ص٦٣٩.
(١٤٦) المصدر نفسه، ص١٠٧.
(١٤٧) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١١٥.
(١٤٨) المصدر نفسه، ص١١٥.
(١٤٩) محمّد حسين الطباطبائي، الشيعة، نص الحوار مع كوربان، ص١١٩.
(١٥٠) محمّد يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج١،ص١١٣.
(١٥١) محمّد حسين الطباطبائي، الشيعة، ص٢١٣.
(١٥٢) عباس القمي، مفاتيح الجنان، دعاء زمن الغيبة، ص١٠٥.
(١٥٣) مرتضى مطهري، نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ، ص٤٨.
(١٥٤) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٧٢، ص٤١١.
(١٥٥) م س، ج٥٢، ص١٤٥.
(١٥٦) محمّد صادق الصدر، تاريخ الغيبة الكبرى، ص٤١٣.
(١٥٧) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٢٠١.
(١٥٨) المصدر نفسه، ص٣١١.
(١٥٩) محمّد صادق الصدر، تاريخ الغيبة الكبرى، ص٣٤٢.
(١٦٠) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٣٠٤.
(١٦١) المصدر نفسه، ص٣١٧.
(١٦٢) النعماني، الغيبة، ص١٣٧.
(١٦٣) المصدر نفسه، ص١٤٦.
(١٦٤) النعماني، الغيبة، ص١٣٦.
(١٦٥) الشيخ المفيد، المزار، ص٩.
(١٦٦) المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٣٥.
(١٦٧) عباس القمي، مفاتيح الجنان، ص١٤٠.
(١٦٨) المصدر نفسه، ص٦١٢.
(١٦٩) عباس القمي، مفاتيح الجنان، ص٦١٤.
(١٧٠) المصدر نفسه، ص١٠٨ - ١٠٩.
(١٧١) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٣٠.
(١٧٢) النعماني، الغيبة، ص١٣٤.
(١٧٣) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٩٢.
(١٧٤) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٩٢.
(١٧٥) المصدر نفسه، ص٨٨.
(١٧٦) النعماني، الغيبة، ص٨١.
(١٧٧) الحكومة الإسلامية، ص١٠٩.
(١٧٨) المصدر نفسه، ص٥٢.
(١٧٩) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٣٦، ص٣٨٧.
(١٨٠) المصدر نفسه، ج٧٤، ص٥٦.
(١٨١) محمّد باقر الصدر، بحث حول المهدي، ص١٠٢.
(١٨٢) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٩٨.
(١٨٣) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٢٩١.
(١٨٤) راجع الفصل الخامس.
(١٨٥) تاريخ الغيبة الكبرى، ص٥٠٥.
(١٨٦) محمّد باقر الصدر، بحث حول المهدي، ص١٠٢.
(١٨٧) المصدر نفسه، ص٧٢.
(١٨٨) المصدر نفسه، ص٧٢.
(١٨٩) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٢٤٤.
(١٩٠) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٢٥.
(١٩١) النعماني، الغيبة، ص١٣٣.
(١٩٢) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٢١٦.
(١٩٣) النعماني، الغيبة، ص٢٣٠.
(١٩٤) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٢٣.
(١٩٥) المصدر نفسه، ج٥١، ص٣١٧.
(١٩٦) النعماني، الغيبة، ص٢٠٠.
(١٩٧) النعماني، الغيبة، ص٢٠٠.
(١٩٨) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٦٨، ص٩٦.
(١٩٩) النعماني، الغيبة، ص١٩٨.
(٢٠٠) م س، ص١٩٧.
(٢٠١) المصدر نفسه، ص٢٠١.
(٢٠٢) المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٣، ص١٨٧.
(٢٠٣) النعماني، الغيبة، ص١٩٩.
(٢٠٤) المصدر نفسه، ص٢٠٠.
(٢٠٥) النعماني، الغيبة، ص٣٠٨.
(٢٠٦) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٣٣، ص٢٥٧.
(٢٠٧) المصدر نفسه، ج٣٦، ص٢٤٠.
(٢٠٨) المصدر نفسه، ج٥١، ص١١٧.
(٢٠٩) محمّد صادق الصدر، تاريخ الغيبة الكبرى، ص٣٤٩.
(٢١٠) مرتضى مطهري، نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ، ص٤٨.
(٢١١) المصدر نفسه، ص٤٩.
(٢١٢) محمّد صادق الصدر، تاريخ الغيبة الكبرى، ص٣٤٩.
(٢١٣) المصدر نفسه، ص٣٥١.
(٢١٤) النعماني، الغيبة، ص١٥٣.
(٢١٥) المصدر نفسه، ص١٥٤.
(٢١٦) المصدر نفسه، ص١٨٠.
(٢١٧) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٣٥.
(٢١٨) عباس القمي، مفاتيح الجنان، دعاء زمن الغيبة، ص١٠٢.
(٢١٩) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٣٥.
(٢٢٠) المصدر نفسه، ج٥١، ص١٥٢.
(٢٢١) المصدر نفسه، ج٥٢، ص٩٢.
(٢٢٢) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٩٢.
(٢٢٣) عباس القمي، مفاتيح الجنان، ص٦١٢.
(٢٢٤) المصدر نفسه، ص١٠٢ - ١٠٣.
(٢٢٥) المجلسي، بحار الأنوار، ج٩٢، ص٢٣١.
(٢٢٦) عباس القمي، مفاتيح الجنان، ص٦١٥.
(٢٢٧) المصدر نفسه، ص١٠٣.
(٢٢٨) المصدر نفسه، ص٢٣٥.
(٢٢٩) المصدر نفسه، ص١٠٢.
(٢٣٠) المصدر نفسه، ص٦١٥.
(٢٣١) المصدر نفسه، ص٦١٤.
(٢٣٢) النعماني، الغيبة، ص١٣٤.
(٢٣٣) الصدّوق، صفات الشيعة، ص١٦.
(٢٣٤) النعمامي، الغيبة، ص١٥٨.
(٢٣٥) المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٣٣.
(٢٣٦) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٣، ص١٨١.
(٢٣٧) المصدر نفسه، ج٢، ص٨٨.
(٢٣٨) محمّد يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج١، ص٦٧.
(٢٣٩) الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، ص٧١.
(٢٤٠) النعماني، الغيبة، ص٢٨٩.
(٢٤١) المصدر نفسه.
(٢٤٢) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٤، ص٢٠٤.
(٢٤٣) النعماني، الغيبة، ص٢٠٤.
(٢٤٤) المصدر نفسه، ص٢٠٨.
(٢٤٥) المصدر نفسه، ص٣٠٤.
(٢٤٦) المصدر نفسه، ص٣٠٤.
(٢٤٧) المصدر نفسه، ص٣١٥.
(٢٤٨) المصدر نفسه، ص٢٠٣.
(٢٤٩) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار،
(٢٥٠) النعماني، الغيبة، ص١٦٧.
(٢٥١) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٢٤٧.
(٢٥٢) النعماني، الغيبة، ص ٢١٢.
(٢٥٣) النعماني، الغيبة، ص١٥٢.
(٢٥٤) المصدر نفسه، ص١٥٤.
(٢٥٥) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥١، ص٨٣.
(٢٥٦) المصدر نفسه، ج٥٢، ص٢٤٤.
(٢٥٧) النعماني، الغيبة، ص٣١٨.
(٢٥٨) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٢٨.
(٢٥٩) المصدر نفسه، ص٢٣٠.
(٢٦٠) المصدر نفسه، ص٣٦٥.
(٢٦١) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٣، ص٢٦٤.
(٢٦٢) النعماني، الغيبة، ص٣٢٩.
(٢٦٣) المصدر نفسه، ص٣٢٠.
(٢٦٤) المصدر نفسه، ص١٥٣.
(٢٦٥) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص١٢٨.
(٢٦٦) المصدر نفسه، ص١٣٠.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
الإسم: علي سعد
الدولة: e٩٠٩c٢d٧٠٦٧ea٣٧٤٣٧cf٩٧fe١١d٩١bd٠
النص: نشكر مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي وكل العاملين في هذا الجهد العظيم وببركة سماحة المرجع الروحي اية الله العظمى السيد علي السيستاني الحسيني رائد السلوك الاخلاقي في زمانه وترجمان الحكمة معنى مخافة الله والصبر الجميل والهدوء العجيب
تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/٠٦/٠٦ ١٠:٣٦ م
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved