فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب أخرى

الكتب مهديُّ الأُمم

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ عبد الله حسن آل درويش تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/٢٠ المشاهدات المشاهدات: ٣٩٥١٩ التعليقات التعليقات: ١

مهديُّ الأُمم

تأليف: الشيخ عبد الله حسن آل درويش

الفهرس

مقدمة الكتاب
الفصل الأول: الإمامة والإمام المهدي في عقيدة الشيعة الإمامية
الإمامة في الأدلة العقلية والشرعية
الأول: الدليل العقلي (ضرورة وجود إمام في كل زمان)
مزيد بيان وتوضيح
اللطف قسمان
الثاني: الدليل الشرعي (الإمامة في القرآن والسنة الشريفة)
حديث رزية الخميس في مصادر السنة
إمامة أهل البيت عليهم السلام في الأحاديث الشريفة
١ - حديث الثقلين
معنى الحديث
اقترانهم بالقرآن الكريم
دلالة حديث الثقلين على وجود الإمام المهدي عليه السلام
٢ - حديث (يكون بعدي اثنا عشر خليفة)
تحير السنة في معنى الحديث وأقوالهم فيه
لماذ خفي صوت رسول الله صلى الله عليه وآله على الراوي
قول بعض المحققين: (لأنهم لا يحسّنون خلافة بني هاشم)
هل بيّن النبي صلى الله عليه وآله أسماء الخلفاء الاثني عشر أم لا؟
الحديث في ميزان الدلالة
الأمر الأول: دلالة الحديث على تولي الخلفاء مباشرة بعد النبي صلى الله عليه وآله
الأمر الثاني: دلالة الحديث على إمامة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت
الإمام المهدي عليه السلام أحد الخلفاء الإثني عشر
الأمر الثالث: إن الأرض لا تخلو منهم أبداً
الأمر الرابع: انتهاء العالم بذهابهم جميعاً
ردود ونقود:
دعوى أن الخلفاء الإثني عشر قد انتهوا بنهاية خلافة هشام بن عبد الملك
دعوى أن هؤلاء الخلفاء ليسوا على التوالي
زعمهم أنا نقول: إن الدين لم يظهر بالخلفاء الاثني عشر
ظهور الدين بالأئمة عليهم السلام
زعمهم أن الخلفاء الاثني عشر لم يُستخلفوا فلا يشملهم الحديث
٣ - حديث (وأهل بيتي أمان لأمتي)
كلمات بعض أعلام السنة في معنى الحديث الشريف
المراد بأهل البيت عليهم السلام
دلالة الحديث على إمامة أهل البيت وأن الأرض لا تخلو منهم أبدا
الإمام المهدي إمام أهل هذا الزمان
زعم بعضهم أن المراد من (أهل البيت) هم أهل التقوى وأبدال الأنبياء وجوابه
٤ - حديث السفينة
معنى الحديث
خلاصة الكلام في حديث السفينة
الأول: وجوب اتباعهم
الثاني: اتباعهم يوجب النجاة
الثالث: دلالته على أفضليتهم
الرابع: دلالته على وجوب محبتهم
الخامس: دلالته على عصمتهم
السادس: من تخلف عنهم ضل
السابع: هم الميزان لمعرفة المؤمن والكافر
دلالة الحديث على وجود إمام في كل عصر
٥ حديث (من مات وليس له إمام..)
أولاً: قوله: (من مات وليس له إمام)
ثانياً: قوله: (مات ميتة جاهلية)
انطباق الحديث على الإمام المهدي عليه السلام
الأدلة الأخرى على إمامة أهل البيت عليهم السلام
خلاصة البحث
الإمام المهدي المنتظر في مؤلفات الشيعة الإمامية
الفصل الثاني: الإمام المهدي عليه السلام في عقيدة السنة
هل الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر عقيدة شيعية؟
الإيمان بظهور الإمام المهدي عليه السلام في آخر الزمان
ردود السنة على من أنكر الإمام المهدي عليه السلام
١ - الرد على من زعم (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)
٢ - الردود على كتاب (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر صلى الله عليه وآله)
الرد الأول: كتاب (الاحتجاج بالأثر في الرد على من أنكر المهدي المنتظر)
دعوى أن المهدي ليس له ذكر في القرآن
الرد الثاني: كتاب (الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي عليه السلام، ويليه عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر)
٣ - رد الشيخ الألباني على السيد رشيد رضا صاحب تفسير المنار
٤ - رد الشبهات حول المهدي
٥ - الردود على ابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ)
الرد الأول: رد الحافظ أبي العلاء المباركفوري (ت ١٣٥٣ ه)
الرد الثاني: إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون:
الرد الثالث: رد الشيخ ناصر الدين الألباني الشامي
الرد الرابع: رد الأستاذ أحمد محمد شاكر
الرد الخامس: رد الشيخ عبد المحسن بن محمد العباد
الرد السادس: رد الدكتور عبد العليم البستوي
الإمام المهدي عليه السلام في أحاديث الصحابة عند السنة
ممن خرّج أحاديث الصحابة حول المهدي من الحفاظ والعلماء
شهرة أحاديث الإمام المهدي عليه السلام عند الصحابة والتابعين
صحة أحاديث الإمام المهدي عند أعلام السنة
١ - الترمذي (ت ٢٩٧ ه)
٢ - الحافظ أبو جعفر العقيلي (ت ٣٢٣ ه)
٣ - أبو حاتم ابن حبان البستي (ت ٣٥٤ ه)
٤ - البيهقي (ت ٤٥٨ ه)
٥ - ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨ ه)
٦ - القرطبي (ت ٧٦١ ه)
٧ - سعد الدين التفتازاني (ت ٧٩٣ ه)
٨ - الشيخ علي المتقي الهندي (ت ٩٧٥ ه)
٩ - الشيخ ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠ ه)
تواتر أحاديث الإمام المهدي عند أعلام السنة
١ - الحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري السجزي (ت ٣٦٣ ه)
٢ - الحافظ أبو عبد الله الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨ ه)
٣ - ابن خلدون (ت ٨٠٨ ه)
٤ - محمد بن رسول الحسيني البرزنجي (ت ١١٠٣ ه)
٥ - الشيخ محمد السفاريني (ت ١١٨٨ ه)
٦ - القاضي محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ ه)
٧ - النواب صديق حسن خان القنوجي (ت ١٣٠٧ ه)
٨ - الشيخ محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني (ت ١٣٤٥ ه)
٩ - المباركفوري (ت ١٣٥٣ ه)
١٠ - الشريف أبو الفيض الغماري الحسيني المغربي (ت ١٣٨٠ ه)
١١ - الشيخ عبد العزيز بن باز
الحفاظ والمحدثون والمؤرخون الذين ذكروا أخبار المهدي عليه السلام
لماذا لم يصرح البخاري باسم المهدي في صحيحه
الإمام المهدي من أهل البيت عليهم السلام
حديث بنا فتح الله وبنا يختم
الإمام المهدي من ولد فاطمة عليها السلام
الإمام المهدي من ولد الحسين عليه السلام
علماء السنة الذين ذكروا ولادة الإمام المهدي عليه السلام
١ - أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ ه)
٢ - أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨ ه)
٣ - أبو محمد عبد الله بن الخشاب (ت ٥٦٧ ه)
٤ - ابن الأزرق المؤرخ (ت ٥٩٠ ه)
٥ - ابن الأثير عز الدين الجزري (ت ٦٣٠ ه)
٦ - محيي الدين بن العربي الأندلسي (ت ٦٣٨ ه)
٧ - كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي (ت ٦٥٢ ه)
٨ - شمس الدين أبو المظفر، يوسف بن فزاعلي سبط ابن الجوزي الحنبلي (ت ٦٥٤ ه)
٩ - محمد بن يوسف أبو عبد الله الكنجي الشافعي (المقتول سنة ٦٥٨ ه)
١٠ - ابن خلكان (ت ٦٨١ ه)
١١ - الجويني الحموئي الشافعي (ت ٧٣٢ ه)
١٢ - الذهبي(ت ٧٤٨ ه)
١٣ - عمر بن الوردي (ت ٧٤٩ ه)
١٤ - نور الدين علي بن محمد بن الصباغ المالكي (ت ٨٥٥ ه)
١٥ - الفضل بن روزبهان (ت بعد ٩٠٩ ه)
١٦ - جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ ه)
١٧ - شمس الدين محمد بن طولون الحنفي مؤرخ دمشق (ت ٩٥٣ ه)
١٨ - عبد الوهاب بن أحمد الشعراني الشافعي (ت ٩٧٣ ه)
١٩ - أحمد بن حجر المكي الهيتمي الشافعي (ت ٩٧٤ ه)
٢٠ - أحمد بن يوسف أبو العباس القرماني الحنفي (ت ١٠١٩ ه)
٢١ - الشيخ عبد الله الشبراوي الشافعي (ت ١١٧١ ه)
٢٢ - الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي الحنفي (ت ١١٧٦ ه)
٢٣ - سليمان بن إبراهيم المعروف بالقندوزي الحنفي (ت ١٢٩٤ ه)
٢٤ - مؤمن بن حسن الشبلنجي (ت ١٣٠٨ ه)
٢٥ - خير الدين الزركلي (ت ١٣٩٦ ه)
التعريف بجملة من مؤلفات السنة حول الإمام المهدي عليه السلام
تعتيم وتجاهل بعض السنة ظهور الإمام المهدي عليه السلام
الفصل الثالث: البشارة بالإمام المهدي عليه السلام وولادته ونشأته في حياة أبيه والنص عليه بالإمامة وخصاله وخصائصه الشريفة
البشارات بالإمام المهدي عليه السلام

بشارة النبي صلى الله عليه وآله بالإمام المهدي عليه السلام
بشارة الإمام الصادق عليه السلام بالإمام المهدي عليه السلام
بشارة الإمام الرضا بالإمام المهدي عليهما السلام وقصيدة دعبل
قيام الإمام الرضا عليه السلام عند ذكر الحجة عليه السلام
ولادة الإمام المهدي عليه السلام
كلام بعض الأعلام في ولادة الإمام عليه السلام
بركة الليلة التي ولد فيها الإمام عليه السلام
أمّ الإمام عليه السلام
ولادة الإمام المهدي عليه السلام برواية حكيمة عليها السلام
عقيقة الإمام عليه السلام
الأدلة على ولادة الإمام المهدي عليه السلام
أسماء الإمام وألقابه الشريفة
١ - المهدي
٢ - القائم
٣ - المنتظر
٤ - المنصور
كنيته عليه السلام
صفات الإمام عليه السلام وشمائله الشريفة
١ - أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله
٢ - وجهه كالكوكب الدري
٣ - شاب مربوع حسن الوجه، حسن الشعر، لا يهرم
٤ - واسع الصدر، مسترسل المنكبين
٥ - أبيض اللون، مشرّب بالحمرة وفيه علامتان
٦ - عريض مابين المنكبين
الإمام المهدي عليه السلام في حياة أبيه عليه السلام
مع أبيه عليه السلام في مرضه ووفاته ونصه عليه
النص عليه بالإمامة
من خصائص الإمام عليه السلام وماحباه الله تعالى به
الأول: خفاء ولادته على الناس
الثاني: طول عمر الإمام المهدي عليه السلام
الثالث: عنده مواريث الأنبياء عليهم السلام
١ درع رسول الله صلى الله عليه وآله
٢ عنده عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام
٣ - قميص يوسف عليه السلام
الرابع: فيه سنن الأنبياء عليهم السلام
الخامس: قوة الإمام عليه السلام
السادس: مثله مثل الخضر
السابع: يصلح الله أمره في ليلة واحدة
الثامن: معه راية رسول الله صلى الله عليه وآله
التاسع: راية المهدي عليه السلام تضيء بين المشرق والمغرب
العاشر: ما هو مكتوب في راية المهدي عليه السلام
الحادي عشر: يطهر الله به الأرض من الكفر ويذل له كلّ صعب
الثاني عشر: يصلي خلفه عيسى بن مريم عليه السلام
كلام الإربلي في صلاة عيسى عليه السلام خلف المهدي عليه السلام
كلام سبط ابن الجوزي في صلاة عيسى خلف المهدي
الثالث عشر: أجر الشهادة بين يديه عليه السلام
الرابع عشر: يُكبر عليه سبعاً في الصلاة عليه
الخامس عشر: الإمام المهدي عليه السلام في القرآن الكريم
الفصل الرابع: غيبة الإمام المهدي عليه السلام
الأمر الأول: إعلام أئمة أهل البيت شيعتهم بأمر الغيبة
الأمر الثاني: الغيبة غيبتان صغرى وكبرى
الغيبة الصغرى
سفراء الإمام عليه السلام في الغيبة الصغرى
الأول: أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عمرو العمري (ت ٢٦٥)
الثاني: ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري (ت ٣٠٥)
الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحير النوبختي (ت ٣٢٦)
الرابع: أبو الحسن علي بن محمد السمري (ت ٣٢٨)
الغيبة الكبرى
الأمر الثالث: الحكمة من الغيبة
الحكمة من الغيبة في الروايات الشريفة
١ - لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف
٢ - لعدم الأمن على نفسه
٣ - حتى تظهر ودائع الله عزَّ وجلَّ
٤ - حتى يجتمع للإمام عليه السلام عدة أهل بدر
٥ - لتجري فيه سنن الأنبياء وغيباتهم
الأمر الرابع: انتفاع الناس من وجود الإمام عليه السلام
الأمر الخامس: يشهد موسم الحج كل عام
الأمر السادس: التقية في زمن الغيبة
الأمر السابع: انتظار الفرج في زمن الغيبة وفضله
الأمر الثامن: من حقوق الإمام علينا في زمن الغيبة
زيارة الإمام المهدي عليه السلام والدعاء له
تعّهد زيارة الإمام المهدي عليه السلام
زيارة: السلام على الحق الجديد
الاستغاثة بالإمام المهدي عليه السلام
زيارة آل يس
كيفية التسليم عليه عليه السلام إذا خرج
الصلاة على الحجة وعلى آبائه وأجداده الطاهرين عليهم السلام
صلوات أخرى
٢ الدعاء للإمام المهدي عليه السلام
الدعاء للإمام عليه السلام في الخطبة
الدعاء للإمام عليه السلام في يوم عرفة
الدعاء للإمام عليه السلام في يوم العيد
الدعاء للإمام عليه السلام في يوم الجمعة
الدعاء للإمام عليه السلام بعد كلّ صلاة
الدعاء للإمام عليه السلام بعد صلاة الفجر وبعد صلاة الظهر
دعاء الإمام الكاظم عليه السلام بعد صلاة العصر
الدعاء له في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان وفي كلّ وقت
دعاء العهد الشريف يدعى به أربعين صباحاً
الدعاء في غيبة القائم عليه السلام
دعاء الإمام الرضا عليه السلام للإمام المهدي عليه السلام
من أدعية الإمام المهدي عليه السلام
دعاء علّمه لبعضهم ففرج الله عنه
دعاؤه (عليه السلام) في مطالب الدنيا والآخرة
دعاؤه (عليه السلام) في صلاة الحاجة والاستخارة
دعاؤه (عليه السلام) للخلاص من الشدائد
دعاؤه (عليه السلام) لتفريج الهموم والغموم
دعاؤه (عليه السلام) لتفريج الهموم
دعاؤه (عليه السلام) لقضاء الحوائج، المسمى بسهم الليل
دعاؤه (عليه السلام) لقضاء الحوائج في ليلة الجمعة
دعاؤه (عليه السلام) في الاحتراز
الفصل الخامس: علامات الظهور والرجعة
خروج السفياني
خروج الدجال وفتنته
كسوف الشمس
طلوع الشمس من المغرب
ظهور النار بالحجاز
ظهور صحيفة مكتوب عليها طاعة معروفة
نداء: ألا إن الحق في آل محمد
مطر الناس في جمادى الآخرة
الإياس والقنوط، والاختلاف الشديد بين الناس
علامات أخرى
الرجعة عند ظهور الإمام الحجة عليه السلام
كلام الشريف المرتضى رحمه الله تعالى في الرجعة
الفصل السادس: أصحاب الإمام المهدي عليه السلام خصائصهم وأحوالهم
أسماؤهم مكتوبة في صحيفة عند الإمام عليه السلام
يخرج معه جماعة من قوم موسى عليه السلام وأصحاب الكهف وغيرهم
عدتهم كعدة بدر وهم أصحاب الألوية
يجمعهم الله في يوم واحد
افتخار الأرض بأصحاب الإمام عليه السلام
أصحاب المهدي عليه السلام شباب لا كهول فيهم إلا قليلاً
من طالقان

مساكن أصحاب الإمام عليه السلام
الفصل السابع: ظهور الإمام المهدي عليه السلام وما جاء فيه من الأخبار الشريفة ومسيره من مكة إلى الكوفة
ظهور الإمام المهدي عليه السلام
١ - حتمية الظهور
٢ - ظهور الإمام عليه السلام عند بيت الله الحرام بين الركن والمقام يوم عاشوراء
٣ - النداء من السماء باسمه، يسمعه جميع أهل الأرض
٤ - نداء الملك على رأسه الشريف
٥ - إذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة وأول ما ينطق به الآية الشريفة
٦ - تضرع الإمام عليه السلام عند المقام
٧ - خطبة الإمام عليه السلام في مكة وبعثه الجنود في الآفاق
٨ - صعوده عليه السلام المنبر وبيعة جبرئيل له ومجيء أصحابه إليه
٩ - إن الله تعالى ينصره بالملائكة المسومين
١٠ - بيعة الأصحاب للإمام عليه السلام بين الركن والمقام
١١ - إذا كمل له عشرة آلاف رجل خرج
خروج الإمام عليه السلام من مكة إلى الكوفة ومسيره إلى الكوفة وما يقوم به
خروج الإمام عليه السلام من مكة إلى الكوفة
أهل الكوفة أسعد الناس بالإمام عليه السلام
سبعون ألف صدّيق يكونون في أصحابه عليه السلام
دخوله عليه السلام الكوفة ويقتل كلّ منافق مرتاب
ظهوره في الكوفة وينشر راية جده رسول الله صلى الله عليه وآله
خطبته على منبر الكوفة وخروجه إلى الغري
أصحاب القائم عليه السلام يضربون فساطيطهم في مسجد الكوفة
بناء مسجد له ألف باب
يستخرج من الكوفة إثني عشر ألف درع
تخفق على رأسه الأعلام البيض في نجف الكوفة
نزول الإمام عليه السلام في مسجد السهلة
يرسل أصحابه إلى الآفاق كلها
صلاة الإمام الصادق عليه السلام عند موضع منبر القائم عليه السلام
الفصل الثامن: ملامح دولة الإمام المهدي عليه السلام وكيفية حكمه الشريف
ملامح من سيرة الإمام عليه السلام وحكمه وقضائه
لباس الإمام وطعامه
خضوع الأشياء إليه
معرفته بكل إنسان صالح هو أم طالح؟
دولة الإمام آخر الدول
القصاص والانتقام من الظلمة والعمل بما في الجفر الأحمر
أ - بنو شيبة
ب - فئة من قريش
ج - ينتقم لجدته فاطمة عليها السلام
د - ذراري قتلة الحسين عليه السلام
ه - النواصب
قتاله اليهود والنصارى والزنادقة والكفار
لا يأخذ جزية من أحد ويأتي بملوك الروم مصفّدين
يحكم بحكم داود ولايسأل الناس بينة
يقوم بأمر جديد، وسنة جديدة، وقضاء جديد
وقفة قصيرة مع النص الشريف
قوله عليه السلام: (يقوم بأمر جديد)
قوله عليه السلام: (وسنة جديدة)
إنكار أنس بن مالك على تضييعهم الفرائض والسنن
إنكار ابن عباس على تركهم السنة
تصريح عمران بن الحصين
قوله عليه السلام: (على العرب شديد)
قوله عليه السلام: (وليس شأنه إلا القتل)
قوله عليه السلام: (ولا يستتيب أحداً)
ينقض البدع ويحيي سنة النبي صلى الله عليه وآله
الفتوحات في عصره الشريف
يستخرج من أنطاكية التوراة وعصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام
حال العالم والناس في دولته المباركة
١ - الوضع الديني للعالم في دولة الإمام عليه السلام
لا يبقى أحد إلا وحّد الله وأقرّ بالنبي صلى الله عليه وآله
يبلغ سلطانه المشرق والمغرب، وظهور الدين
٢ - صحة المؤمن ومناعته
٣ - قوة المؤمن الروحية والبدنية
استبشار الأموات وفرحتهم بظهوره عليه السلام
٤ - تطور وسائل الإتصال
٥ - التطور الإقتصادي والإكتفاء الذاتي
٦ - النهضة الصناعية واستخراج كنوز الأرض
٧ - الثروة الزراعية
٨ - الثروة الحيوانية
٩ - النهضة العمرانية
١٠ - الوضع الإجتماعي لعامة الناس
١١ - الوضع الأمني في دولة الإمام عليه السلام
١٢ - مدة حكم الإمام عليه السلام وحركة الفلك في زمانه
الدعائم التي يرسيها الإمام عليه السلام في دولته والإصلاحات
١ - تعليم الناس القرآن
٢ - بث العلم في الناس والتطور العلمي والمعرفي عند الناس
٣ - الناس سواء أمام القانون وردّ الحقوق إلى أهلها
٤ - تقسيم المال بالتساوي ووفرته
٥ - يعطي الناس عطايا مرتين في الشهر وفي السنة
٦ - إصلاح المساجد والطرقات
الفصل التاسع: ألطاف الإمام المهدي عليه السلام ورعايته لأوليائه
ألطاف الإمام عليه السلام ورعايته لأوليائه
١ - تأبين الشيخ المفيد رحمه الله تعالى
٢ - الشيخ الصدوق رحمه الله - ولد بدعاء الإمام - عليه السلام
٣ - نجاة أحد الصالحين ببركة الإمام عليه السلام
٤ - إستغاثة أبي الوفاء الشيرازي بالإمام عليه السلام وخروجه من السجن
٥ - لطفه مع العلامة الحلي
٦ - لطفه بزائريه في سرداب سامراء
٧ - رؤيا السيد باقر الهندي الإمام عليه السلام في المنام
٨ - نجاة قافلة تاهت في الصحراء بعدما كادت أن تموت من العطش
الفصل العاشر: شذرات من القصائد والأشعار في مدح وندبة الإمام المهدي عليه السلام
السيد الحميري
دعبل بن علي الخزاعي
أبو الحسن الشفهيني
رضي الدين رجب البرسي
رباعيات الشيخ البهائي العاملي
وسيلة الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان
الشيخ عبدالحسين الأعسم النجفي
الشيخ محمد جواد البلاغي
السيد حيدر الحلي
السيد جعفر الحلي
الشيخ محمد حسين الأصفهاني
الإمام العسكري
انهض على اسم اللّه
ألا ترى قد هتكوا أستاره
انشر لواك
يا لثارات النبي الهادي صلى الله عليه وآله وسلم
السيد رضا الهندي
الشيخ عبد اللَّه بن معتوق
السيد محمد جمال الهاشمي
يا صاحب الأمر
الشيخ فرج بن حسن آل عمران
ميلاد الإمام المنتظر (عجل الله فرجه الشريف)
الشاعر محمد سعيد الجشي
يا مطلع الفجر
الدكتور الشيخ محمد حسين علي الصغير
الشيخ محسن المعلم
الشيخ عبد الكريم الزرع
يا منقذ الإسلام
وله أيضاً: يا أملاً
الشيخ مهدي المصلي
يا باسط العدل
الشاعر معتوق المعتوق
نجوى مع الفجر
وله أيضاً: الأمَلُ المُرَجَّى
مصادر الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمّ كُن لوليّك الحجّة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كلّ ساعة ولياً وحافظاً، وقائداً وناصراً، ودليلاً وعيناً حتّى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتّعه فيها طويلاً.
اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا صلواتك عليه وآله وغيبة ولينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وشدة الفتن بنا، وتظاهر الزمان علينا، وصل على محمد واله، وأعنا على ذلك بفتح منك تعجله، وبضر تكشفه، ونصر تعزه، وسلطان حق تظهره، ورحمة منك تجللناها، وعافية منك تلبسناها، برحمتك يا أرحم الراحمين.

الإهداء

إليك أيها المرتجى لإزالة الجور والعدوان، والمدخر لتجديد الفرائض والسنن.
إليك يا صاحب يوم الفتح، وناشر راية الهدى.. ومؤلف شمل الصلاح والرضا.. والطالب بدم المقتول بكربلاء.
إليك أيها الإمام المنتظر المصلح الذي تملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
إليك سيدي هذا المجهود القليل..أهدي هذا الكتاب فعسى أن ينال رضاك.
(يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ) ٨٨ سورة يوسف

أهدي لمجلسه الكريم وإنما * * * أهدي له ما حزتُ من نعمائه
كالبحر يمطره السحابُ ومالهُ * * * منٌّ عليه لأنه من مائه

مقدمة الكتاب

الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين, واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

إلى الحشر حتى يبعث اللهُ قائماً * * * يفرج عنّا الهم والكرباتِ

إن الحديث حول الإمام المهدي المنتظر عليه السلام مما تتوق إليه النفس، فهو الذي سوف يتحقق على يديه العدل، وتبديد الجور والظلم، وبه يفرّج الله تعالى عن المؤمنين، فهو أمل المستضعفين والمحرومين، وهو الذي سوف ينعم في دولته الأنام، وبفضله يعمّ الأمن والسلام.
وكم نحن بأمس الحاجة في أن نتعرف على هذا التأريخ المشرق، ونتزود من هذا النور الذي ستضيء به الدنيا في نهاية المطاف بعد صراع دام طويلاً بين الحق والباطل، فلابد أن تأتي شمس العدل والحرية لتشرق على آفاق هذه الأرض التي عانت ما عانت من ظلم وجور.
وهذا الكتاب أخي الكريم يستهدف التعريف على نحو الإجمال للسيرة
العطرة لمولانا الإمام المهدي المنتظر عليه السلام، من خلال ما جاء فيه من الأخبار والأحاديث الشريفة، وما يرتبط بخصائصه وخصاله، وما حباه الله تعالى من كرامات ونفحات، وما يتعلق بغيبته وظهوره الشريف، وتأريخ سفرائه وأصحابه، وخصائص دولته المباركة.. وحقوقه على الأمة.
ونشير هنا إلى أن هذا الكتاب قد صدر في عام ١٤٢٦ باسم (المختصر في حياة الإمام المنتظر عليه السلام) وكان عدد صفحاته في حدود ٢٢٠ صفحة، وقد وزّع منه نسخ محدودة إلى أن اطلع عليه سماحة العلامة الأستاذ الشيخ محسن المعلم أيده الله تعالى، والذي لا يزال يرفدنا بتوجيهاته النافعة جزاه الله تعالى خير جزاء المحسنين، فاقترح علينا إضافة بعض البحوث المهمة إلى هذا الكتاب ليخرج بصورة أكمل مما كان عليه سابقاً، وأكثر نفعاً للقارئ، فحفزني دام فضله على الإسراع في إنجاز هذا الكتاب، فالفضل يعود إليه، فقمت بعون الله تعالى وتوفيقه ممتثلاً لهذا الواجب الولائي.
ويتلخص عملي الجديد في هذا الكتاب في ما يلي:
١ - قمت بتنسيق الكتاب من جديد، مع إضافة بعض البحوث المهمة، منها: الإمامة والإمام المهدي عليه السلام عند الشيعة الإمامية، وسرد بعض الأدلة على إمامة أهل البيت عليهم السلام بنحو الإجمال، والإشارة إلى بعض مصادر الإمامية التي تناولت موضوع الإمامة وأدلتها.
٢ - تناولت ملامح من عقيدة السنة حول الإمام المهدي عليه السلام، مع ذكر بعض الجهات المشتركة بيننا وبينهم في ذلك، والإشارة إلى جملة من مصادرهم التي روت أخبار ظهور الإمام المهدي عليه السلام، ليرى الباحث الكم الهائل المتنوع عند الفرق الإسلامية في هذا الأمر، كما أشرنا أيضاً إلى جملة من حفاظهم ومحدثيهم الذين دونوا أحاديث المهدي عليه السلام وأثبتوها في مصنفاتهم، وذكرنا أيضاً جملة ممن نصّ منهم على صحتها وتواترها، كما ذكرنا أيضاً ردود بعض أعلام السنة على من أنكر أو ضعّف أخبار المهدي عليه السلام.
٣ - ذكرت جملة من حقوق الإمام المهدي عليه السلام علينا، وما ينبغي علينا تجاهه، وفضل انتظار الفرج في زمن الغيبة، كما ذكرت بعض الأدعية المروية عن الإمام عليه السلام.
وأخيراً أرجو أن يكون هذا الكتاب قد ساهم في إثراء المكتبة الإسلامية في مايرتبط بتأريخ وحياة مولانا الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وأنَّى لنا أن نفي بحقه، أو نعرّفه بأكثر مما أفصحت به الأحاديث الشريفة التي جاءت من المنبع الصافي، والنمير الذي لاينضب، فنحن قاصرون في بيان ذلك.

فيمَ الكلام لسابقٍ في غايةٍ * * * والناس بين مقصّر ومبلدِ
إن الذي يجري ليدرك شأوه * * * يُنمى بغير مسودٍ ومسدّدِ
بل كيف يدرك نور بدر ساطع * * * خير الأنام وفرع آل محمدِ(١)

وأسأل الله العلي القدير أن ينفع بهذا الكتاب إخواني المؤمنين، وأخص بالذكر أيضاً طلاب الحقيقة الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يتقبل مني هذا المجهود القليل في حقِّ مولانا صاحب العصر والزمان أرواحنا له الفداء إنه سميع الدعاء، والحمد لله ربِّ العالمين.

عبد الله حسن آل درويش
حُرر في مدينة مشهد المقدسة
الجمعة ١١ شعبان المعظم سنة ١٤٣١

الفصل الأول: الإمامة والإمام المهدي في عقيدة الشيعة الإمامية

الإمامة في الأدلة العقلية والشرعية
الأول: الدليل العقلي (ضرورة وجود إمام في كل زمان)
تستدل الشيعة الإمامية على وجوب تنصيب الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله، وعدم خلو الزمان منه، بالأدلة العقلية والشرعية.
أما الأدلة العقلية، فمنها ما يسمى بقاعدة اللطف الإلهي(٢)، ولبيان هذه القاعدة، نقول:
تقتضي قاعدة اللطف إعلام العباد بما فيه صلاحهم وما فيه فسادهم لطفاً بهم، فكلُّ شيء يترتب عليه صلاحهم يرشدهم إليه، وكلُّ شيء فيه فسادهم ينهاهم عنه، ومن هنا اقتضت قاعدة اللطف بعث الرسل والأنبياء ليتم البلاغ على أيديهم، فيبشرون الناس وينذرونهم، ويبلغون لهم الأحكام، فوجود الأنبياء في الأرض يمثل اللطف الإلهي، فعلى هذا يكون كلُّ لطف واجباً فعله.
وبنفس هذا المناط أيضاً نقول: بعد الأنبياء لا يمكن أن تخلو الأرض من حجة لله تعالى في كلّ زمان، ومما لا نقاش فيه أن صلاح البشر يتوقف على وجود إمام يرعاهم في كلّ زمان، عالم بأمورهم، خبير بما يصلحهم وما يفسدهم، وما يقرّبهم إلى الله تعالى، فيتمّ بوجود الإمام نظم أمور الناس، وصلاح شأنهم في الدين والدنيا، فمن هنا قالوا: إن وجود الإمام بين الناس من اللطف الإلهي، فوجوده إذن أمر ضروري، وهذا ما تقتضيه قاعدة اللطف.
وأما كون الإمامة من اللطف الواجب فلا إشكال فيه، لأن الإمام يقرِّب الناس إلى طاعة الله، ويبعدهم عن معصيته بلا إلجاء، ويقيم عليهم الحجة، ويعرفهم التكاليف الشرعية، وهذا ما يفعله الله تعالى بعباده من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقد اعترف بهذه القاعدة أيضاً الرازي، فقد قال: إن كلّ ما في مقدور الله تعالى من الألطاف في حقّ الكل فقد فعله.. وفعل اللطف واجب...(٣)
مزيد بيان وتوضيح
ولتوضيح استدلال الشيعة الإمامية بقاعدة اللطف الإلهي على ضرورة نصب الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله لا بأس أن نورد هنا بعض كلمات الأعلام في بيان هذه القاعدة المهمة وحدودها ومواردها ليقف القارئ الكريم على حقيقة هذه القاعدة.
قال الشيخ المفيد رحمه الله تعالى: اللطف هو ما يقرّب المكلف معه من الطاعة ويبعده عن المعصية، ولاحظ له في التمكين ولم يبلغ الإلجاء، فإن قيل: ما الدليل على أن اللطف واجب في الحكمة؟ فالجواب: الدليل على وجوبه توقف غرض المكلف عليه، فيكون واجباً في الحكمة، وهو المطلوب.(٤)
وقال أيضاً في مبحث الإمامة: فإن قيل: حكمة الله تعالى تقتضي نصب الإمام وتوجبه أم لا؟ فالجواب: الحكمة تقتضي ذلك وتوجبه، فإن قيل: ما حد الإمام؟ فالجواب: الإمام هو الإنسان الذي له رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي عليه السلام.
فإن قيل: ما الدليل على أن الإمامة واجبة في الحكمة؟ فالجواب: الدليل على ذلك أنها لطف، واللطف واجب في الحكمة على الله تعالى فالإمامة واجبة في الحكمة.(٥)
اللطف قسمان:
على ضوء تعريف الشيخ المفيد رحمه الله تعالى السابق للطف نلاحظ أمراً مهماً في التعريف هو: أن شرط اللطف أن لا يبلغ حدّ الإلجاء، لأنه خلاف التكليف.
ويقول الشيخ الميرزا أبو الحسن الشعراني في بيان هذه المسألة: إن كلَّ مقرب إلى الطاعة ومبعد عن المعصية يجب على الله تعالى إن لم يوجب الجبر والقهر.(٦)
وقال الشيخ محمد صالح المازندراني: واعتقادنا أن التكليف من الشارع حسن، إذ خلق الشهوة والميل إلى القبيح، والتكليف زاجر عنه، وكلُّ شيء يقرّب العبد إلى ارتكاب المحاسن ويبعده عن المكاره كبعث الأنبياء، وتأييدهم بالمعجزات، والأمر والنهي، والتخويف من العقاب، والترغيب في الثواب لطف، كما قيل: التكاليف الشرعية ألطاف في الواجبات العقلية.
واعتقادنا أن اللطف واجب في حكمته ورحمته كما قال: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)(٧) وشرط اللطف أن لا يبلغ الإلجاء بأن يسبب الأسباب بحيث لا يتمكن العبد من المعصية، مثلاً لا يجب على الله أن لا يخلق الخمر حتى لا يشربها أحد، أو لا يخلق فيه الشهوة حتى لا يزني، فإن ذلك وإن كان يقرب العبد إلى الطاعة لكن يبلغ حدّ الإلجاء، وهو ينافي التكليف كما قال: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا)(٨) يعني بالإلجاء، لكن خيّرهم ولم يجبرهم، (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ).(٩)
ويجب أيضاً عليه إقدار العبد وتمكينه من الفعل المكلف به، وهذا شرط التكليف، ولا يسمى لطفاً، فإن قيل: نرى كثيراً مما يقرب العبد إلى الطاعة يقيناً لم يحصل، مثلاً لو رأى الفاسق في كلّ يوم معجزة من وليٍّ ربما يرتدع، ولو ابتلى كلُّ فاسق ببلاء بعد عمله ربما انزجر، وأمثال ذلك.
قلنا: جميع ما يتوهم من ذلك، إما أمور غير ممكنة في حكمة الله تعالى، وإما يصير إلى حدّ الإلجاء، وإن لم نعلم تفصيله...(١٠)
وقال ابن جبر أيضاً في بيان حدّ اللطف في جهة أخرى غير ما ذكر: إن اللطف واجب على الله تعالى من حيث الحكمة وعدله يقتضي ذلك، ولا يماري في ذلك من يقول بالعدل، ولأن اللطف أيضاً لطفان: لطف يؤدي تركه إلى فساد، وذلك يجب فعله على الله تعالى كنصب النبيِّ أو الإمام للخلق يهتدون به، ولطف لا يؤدي تركه إلى فساد، كترك زيد أن يدخله الله الجنة تفضلاً منه وتلطفاً بزيد.(١١)
ويقول الشيخ الأميني رحمه الله تعالى في بيان هذه القاعدة، وعقيدتنا في الإمامة: الذي نرتأيه في الخلافة أنها إمرة إلهية كالنبوة، وإن كان الرسول خص بالتشريع والوحي الإلهي، وشأن الخليفة التبليغ والبيان، وتفصيل المجمل، وتفسير المعضل، وتطبيق الكلمات بمصاديقها، والقتال دون التأويل كما يقاتل النبيُّ دون التنزيل، وإظهار ما لم يتسن للنبيِّ الإشادة به إما لتأخر ظرفه، أو لعدم تهيأ النفوس له، أو لغير ذلك من العلل، فكل منهما داخل في اللطف الإلهي الواجب عليه، بمعنى تقريب العباد إلى الطاعة وتبعيدهم عن المعصية، ولذلك خلقهم واستعبدهم وعلّمهم ما لم يعلموا، فلم يدع البشر كالبهائم ليأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل، ولكن خلقهم ليعرفوه، وليمكنهم من الحصول على مرضاته، وسهّل لهم الطريق إلى ذلك ببعث الرسل، وإنزال الكتب، وتواصل الوحي في الفينة بعد الفينة، وبما أن أيّ نبيّ لم ينط عمره بمنصرم الدنيا، ولا قدّر له البقاء مع الأبد، وللشرايع ظروف مديدة، كما أن للشريعة الخاتمة أمداً لا منتهى له، فإذا مات الرسول ولشريعته إحدى المدتين وفي كلّ منهما نفوس لم تكمل بعد، وأحكام لم تبلغ وإن كانت مشرعة، وأخرى لم تأت ظروفها، ومواليد قدر تأخير تكوينها، ليس من المعقول بعد أن تترك الأمة سدى والحالة هذه، والناس كلهم في شمول ذلك اللطف، والواجب عليه سبحانه شرع سواء، فيجب عليه جلّت عظمته أن يقيض لهم من يكمل الشريعة ببيانه، ويزيح شبه الملحدين ببرهانه، ويجلو ظلم الجهل بعرفانه، ويدرأ عن الدين عادية أعدائه بسيفه وسنانه، ويقيم الأمت والعوج بيده ولسانه.
ومهما كان للمولى جلّت مننه عناية بعبيده، وقد ألزم نفسه بإسداء البر إليهم، وأن لا يوليهم إلا الخير والسعادة، فعليه أن يختار لهم من ينوء بذلك العبء الثقيل، ويمثل مخلفه الرسول في الوظايف كلها، فينص عليه بلسان ذلك النبيّ المبعوث، ولا يجوز أن يخلي سربهم، ويتركهم سدى، ألا ترى أن عبد الله بن عمر قال لأبيه: إن الناس يتحدثون أنك غير مستخلف، ولو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثم جاء وترك رعيته رأيت أن قد فرّط - لرأيت أن قد ضيّع - ورعاية الناس أشد من رعاية الإبل والغنم، ماذا تقول لله عزَّ وجلَّ إذا لقيته ولم تستخلف على عباده؟!.(١٢)
وقالت عائشة لابن عمر: يا بني أبلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع أمة محمد بلا راعٍ، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملاً، فإني أخشى عليهم الفتنة.(١٣)
فترك الناس مهملين فيه خشية الفتنة عليهم، وقال عبد الله بن عمر لأبيه: لو استخلفت؟ قال: من؟ قال: تجتهد فإنك لست لهم برب، تجتهد، أرأيت لو أنك بعثت إلى قيّم أرضك ألم تكن تحب أن يستخلف مكانه حتى يرجع إلى الأرض؟ قال: بلى. قال: أرأيت لو بعثت إلى راعي غنمك ألم تكن تحب أن يستخلف رجلاً حتى يرجع؟.(١٤)
وهذا معاوية بن أبي سفيان يتمسك بهذا الحكم العقلي المسلم في استخلاف يزيد، ويقول: إني أرهب أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي لها!.(١٥)
ليت شعري هذا الدليل العقلي المتسالم عليه لِمَ أهملته الأمة في استخلاف النبيّ الأعظم واتهمته بالصفح عنه؟ أنا لا أدري، ولا يجوز أيضاً توكيل الأمر إلى أفراد الأمة، أو إلى أهل الحل والعقد منهم، لأن مما أوجبه العقل السليم أن يكون الإمام مكتنفاً بشرايط بعضها من النفسيات الخفية، والملكات التي لا يعلمها إلا العالم بالسرائر كالعصمة والقداسة الروحية، والنزاهة النفسية لتبعده عن الأهواء والشهوات، والعلم الذي لا يضل معه في شيء من الأحكام إلى كثير من الأوصاف التي تقوم بها النفس، ولا يظهر في الخارج منها إلا جزئيات من المستصعب الحكم باستقرائها على ثبوت كلياتها، (وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ)(١٦) والله يعلم حيث يجعل رسالته.(١٧)
إذن فمن هذا المنطلق تحكم الضرورة العقلية بعدم جواز إهمال أمر الإمامة عند الشارع المقدس، فإن الشريعة التي بينت الكثير من المستحبات والآداب، وهي أمور دون الواجبات، وكذلك بينت الكثير من المكروهات وهي دون المحرمات، إذن لا يمكن أن تغفل أهم بند من بنود الشريعة، والتي يتوقف عليه نظام البشر وصلاحهم، وهي الإمامة، كما تبانت على ذلك أيضاً سيرة العقلاء المستمرة إلى يومنا هذا في جميع أمورهم الضرورية، فقد دأبوا في سيرتهم على تنصيب من يتولى الأمور عنهم في حال غيابهم حفظاً لها من الضياع والإهمال.
الثاني: الدليل الشرعي (الإمامة في القرآن والسنة الشريفة)
تناول القرآن الكريم موضوع الإمامة في عدة من الآيات الشريفة، وقد أشبع علماء الطائفة البحث فيها وبينوا دلالتها على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بما لا مزيد عليه، فراجع على سبيل المثال: كتاب الشافي للشريف المرتضى، وكتاب نهج الحق وكشف الصدق للعلامة الحلي، وكتاب المراجعات للسيد شرف الدين العاملي، وكتاب دلائل الصدق للشيخ المظفر، وكتاب إحقاق الحق وملحقاته للسيد المرعشي، وغيرها الكثير جداً.
وأما السنة الشريفة فقد بينت بما لا مزيد عليه، وقد تضافرت في ذلك النصوص الشريفة في مواطن عديدة أن النبيّ صلى الله عليه وآله لم يمت حتى نصّ على الخليفة من بعده، وهو علي أمير المؤمنين عليه السلام إماماً للأمة من بعده(١٨) في عدة مواطن، ابتداءً من يوم الدار لما نزل قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)(١٩)...
ومروراً بيوم خروجه إلى تبوك(٢٠) ويوم الغدير بعد حجة الوداع حينما خطب فيهم في مكان يقال له: غدير خمّ(٢١) وقال لهم وقد أخذ بيد أمير المؤمنين عليه السلام: من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله(٢٢)، وانتهاءً بأيام مرضه في آخر أيام حياته، وهو لا يزال يذكّرهم بخليفته عليهم، قائلاً لهم: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً...(٢٣)
فأراد للأمة أن يعصمها من الضلال إلى الأبد بهذا الكتاب ليكون دستوراً شرعياً لجميع الأمة، وللأجيال القادمة وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن جرى ما لم يكن في الحسبان (رزية يوم الخميس) كما يسميها ابن عباس، نعم رزية خلّفت في قلب النبي صلى الله عليه وآله أسى وكمداً على هذه الأمة التي يريد لها خير الدنيا والآخرة، ولكن عارضه بعضهم فحال بينه وبين كتابة الكتاب، بطريقته الخاصة، واختصر ذلك كله بعبارة واحدة.. (إنه يهجر) وهي كفيلة لأن تغيِّر مجرى التأريخ كله، وبذلك يكونون قد قرَّروا مصير أمة كاملة، وبجميع أجيالها السابقة واللاحقة، فرسموا لها خطة تسير عليها أحقاب الزمان، شعارها (حسبنا كتاب الله) أفترى بعد هذا المجلس يوصيهم بوصية، وقد قالوا ما قالوا حتى رفضوا كتابة الكتاب!!
ومن هنا أصبح ابن عباس يتأسف ويتأوه لذلك حتى بلّت دموعه الحصى، قائلاً: الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.(٢٤)
فالعجب كلّ العجب حينما يهمُّ النبيُّ صلى الله عليه وآله بالوصية بالخلفاء من بعده، يحصل مايحصل من النزاع والاختلاف بمحضره الشريف حتى تتعالى الأصوات بين يديه، وقد نهاهم القرآن عن ذلك، وقد حكم بحبط عمل من يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وآله، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ).(٢٥)
فكيف إذن بمخالفته وأذيته، هذا وقد حذّرهم القرآن من ذلك، وتوعدهم، قال تعالى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)(٢٦) وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).(٢٧)
إلى غير ذلك من الآيات الشريفة التي جاءت تحذرهم من مخالفته، وترغّب إليهم في اتباعه، وتأمرهم بالتأدب بين يديه، وإظهار الإحترام والتعظيم له، وغير ذلك مما أوجبه الله له من الحقوق، ليكونوا من المؤمنين المفلحين قال تعالى: (فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(٢٨) فقد جاء في التفسير: (وَعَزَّرُوهُ) أي: عظّموه، ووقّروه، ومنعوا عنه أعداءه...(٢٩)
فما جرى بمحضر النبيّ صلى الله عليه وآله أمر لايليق بشأنه العظيم عند الله تعالى، ويخالف ما افترضه عليهم من الطاعة والمودة، والتسليم له والانقياد التام، وهذا أمر غير قابل للاجتهاد في قباله أو إنكاره! كما لا يسوغ على الإطلاق تبرئة من تسبب في حصول ذلك النزاع الذي لا مبرر له فحدث ما حدث بسببه، فهو الذي يتحمل المسؤولية الكاملة فيما جرى وترتب عليه من أمور لم تُحمد عقباها!!.
قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)(٣٠) وقال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)(٣١) وقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا).(٣٢)
ولكن جرى ما جرى وحصل ما حصل بمحضر النبي صلى الله عليه وآله في أيامه الأخيرة مع ما هو فيه من ألم المرض وثقله، فرفعوا الأصوات بمحضره، وتنازعوا فيما بينهم، حتى حيل بينه وبين كتابة الكتاب، فكانت الرزية العظمى، والمصيبة الكبرى.
ومتى كان لأحد الحق في أن يفرض على الأمة شيئاً بمحضر النبي صلى الله عليه وآله، وينهاههم عن الرجوع إليه ويقول: (حسبنا كتاب الله)؟!
ويذكرنا هذا اللغط وهذا الاختلاف أيضاً بما حصل في حجة الوداع في قصة حديث (يكون بعدي اثنا عشر خليفة) فقد حدث أيضاً لغط وضجة من بعضهم، حينما أخذ النبي صلى الله عليه وآله يتلو عليهم هذا الحديث فتعالت أصوات بعضهم وحدث ما حدث حتى خفي صوت النبي صلى الله عليه وآله على الراوي، فلم يسمع تتمة الحديث، وسوف تأتي الإشارة إلى هذا الأمر في محله إن شاء الله تعالى، فإذن هذا اللغط الذي حصل بين يديه ليس هو الأول من نوعه!
ولعل قوله تعالى: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)(٣٣) إشارة إلى هؤلاء الناس - كما في بعض الروايات - الذين أخذوا على أنفسهم معارضة النبي صلى الله عليه وآله كلما أراد أن ينص على الخليفة من بعده انبروا له بالمعارضة والمقاطعة!
فإن هذه الآية نزلت في غدير خم في علي أمير المؤمنين عليه السلام وقد روى ذلك أيضاً جملة من أعلام السنة.(٣٤)
فما هو هذا الأمر العظيم والخطير الذي يريد النبيّ صلى الله عليه وآله تبليغه للناس؟ فجاء الوحي يبلغه بأن الله تعالى سوف يحميه ويعصمه من هؤلاء الناس، فلا يخاف تدبيرهم! إنه إذن أمر استخلاف علي عليه السلام على الناس، ووجدنا من ناحية أخرى يحذره قائلاً: (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) وقد وقال السيوطي في الدر المنثور: ٢/ ٦٠: وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم في علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) إن عليًّا مولى المؤمنين (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).
وممن روى ذلك أيضاً أبو إسحاق الثعلبي النيسابوري (المتوفى سنة ٤٢٧) في تفسيره الكشف والبيان: ٤/ ٩٢، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني (المتوفى سنة ٤٣٠) في كتابه ما نزل من القرآن في علي عليه السلام، والحافظ أبو القاسم ابن عساكر الشافعي (المتوفى سنة ٥٧١) في تأريخ مدينة دمشق: ٤٢/ ٢٣٧، وغيرهم، راجع كتاب الغدير للعلامة الأميني: ١/ ٢١٤ - ٢٢٤.
مضى على التبليغ نحو ثلاث وعشرين سنة؟!
وفي الروايات ما يشير لهؤلاء الناس الذين تخوف النبي صلى الله عليه وآله من ردود فعلهم، فممن روى ذلك الحافظ الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل لقواعد التفضيل بإسناده عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس وجابر الأنصاري قالا: أمر الله محمداً أن ينصب علياً للناس ليخبرهم بولايته، فتخوَّف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقولوا: حابى ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك عليه، فأوحى الله إليه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) الآية، فقام رسول الله بولايته يوم غدير خم.(٣٥)
ومن ذلك أيضاً ماروي عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام في هذه الآية، وساق الحديث إلى أن قال: ثم هبط - أي جبرئيل عليه السلام - فقال: إن الله يأمرك أن تدل أمتك على وليّهم على مثل ما دللتهم عليه من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وحجهم ليلزمهم الحجة في جميع ذلك، فقال رسول الله: يا ربّ إن قومي قريبو عهد بالجاهلية وفيهم تنافس وفخر، وما منهم رجل إلا وقد وتره وليهم وإني أخاف! فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) يريد: فما بلغتها تامة (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) فلما ضمن الله له بالعصمة وخوفه أخذ بيد علي بن أبي طالب ثم قال: يا أيها الناس من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه...(٣٦)
قال العلامة الأميني رحمه الله تعالى: وعن قتادة: أنه سيكفيه الناس ويعصمه منهم وأمره بالبلاغ، وهو أيضاً غير مضاد لما نقوله إذ ليس فيه غير أن الله سبحانه ضمن له العصمة والكفاية في تبليغ أمر كان يحاذر فيه اختلاف أمته ومناكرتهم له، ولا يمتنع أن يكون ذلك الأمر هو نص الغدير، ويتعين ذلك بنص هذه الأحاديث..
وروى الطبري عن ابن جريج: أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم كان يهاب قريشاً، فلما نزلت: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) استلقى ثم قال: من شاء فليخذلني، مرتين أو ثلاثاً.(٣٧)
وأي وازع من أن يكون الأمر الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يهاب قريشاً لأجله هو نص الخلافة؟ كما فصَّلته الأحاديث الآنفة، فليس هو بمضاد لما نقوله!.(٣٨)
أقول: وقد روي في الأحاديث أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله لما نصّب علياً إماماً يوم غدير خمّ عارضه بعضهم لما بلغه ذلك! فقد روى الثعلبي في التفسير، قال: سئل سفيان بن عيينة عن قول الله سبحانه: (سَأَلَ سَائِلٌ)(٣٩) فيمن نزلت؟ فقال: لقد سألتني عن مسألة ما سألني أحد قبلك، حدثني أبي، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، فقال: لما كان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بغدير خم، نادى بالناس فاجتمعوا، فأخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه.
فشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري، فأتى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم على ناقة له حتى أتى الأبطح، فنزل عن ناقته وأناخها وعقلها، ثم أتى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وهو في ملأ من أصحابه فقال: يا محمد، أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلي خمساً فقبلناه منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا، وأمرتنا بالحج فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم شهراً فقبلنا، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله تعالى؟! فقال: والذي لا إله إلا هو هذا من الله، فولى الحرث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول: اللهم إن كان ما يقوله حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته، وخرج من دبره فقتله، وأنزل الله سبحانه: (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ، لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ).(٤٠)
حديث رزية الخميس في مصادر السنة
وإليك هنا حديث النبي صلى الله عليه وآله في مرضه، والذي أمرهم فيه بكتابة الكتاب العاصم للأمة من الضلال كما جاء في مصادر السنة لكي ترى صحة ما قدّمناه، واحكم بنفسك:
روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتى خضّب دمعُه الحصباء فقال: اشتدّ برسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وجعُه يوم الخميس، فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: هجر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه.(٤١)
وعن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم: هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: قوموا.(٤٢)
قال عبيد الله: وكان ابن عباس يقول: إن الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.(٤٣)
وجاء أيضاً في صحيح مسلم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: ائتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً، فقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يهجر.(٤٤)
وفي رواية ابن سعد في الطبقات: عن ابن عباس قال: اشتكى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم يوم الخميس فجعل يعني ابن عباس يبكي ويقول: يوم الخميس وما يوم الخميس! اشتدّ بالنبيّ صلى الله عليه (وآله) وسلم وجعه، فقال: ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً، قال: فقال بعض من كان عنده: إنَّ نبي الله ليهجر، قال: فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت؟ قال: أو بعد ماذا! قال: فلم يدع به.(٤٥)
وجاء في رواية أحمد: عن أبي الزبير، عن جابر أن النبيّ صلى الله عليه (وآله) وسلم دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لا يضلون بعده، قال: فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها.(٤٦)
فقوله: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً) فيه دلالة واضحة على أن المراد بالكتاب هو النص على خلافة أهل بيته وعترته عليهم السلام، وأولهم علي بن أبي طالب عليه السلام.(٤٧)
ويؤيد ذلك: أولاً: ما ظهر من معارضته الشديدة، فإنه يكشف عن فهمهم هذا الأمر جيداً، وإلا لماذا إذن عارضوا النبيَّ صلى الله عليه وآله وأصرّوا على مخالفة أمره حتى ترك الكتاب، فما هو هذا الشيء الذي دعاهم لمخالفته، وقد أمرهم الله تعالى باتباعه وطاعته؟
ثانياً: إن التعبير بهذا اللفظ (لا تضلوا بعده أبداً) ليس هو الأول من نوعه، بل جاء مثله مراراً على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله ومن سياق هذا الحديث نفهم أنه يريد بذلك أهل بيته عليهم السلام، إذ لم يعهد منه صلى الله عليه وآله قط أنه ذكر هذه الألفاظ بهذا النحو في غير أهل بيته عليهم السلام، فقد نص على أن التمسك بهم عاصم للأمة من الضلال، ولم يذكر غيرهم في ذلك أبداً.
فقد جاء في حديث الثقلين(٤٨)، كلمة (لن تضلوا) وذلك حينما أمر بالتمسك بأهل بيته عليهم السلام الذين هم أحد الثقلين، فقال: (يا أيها الناس إني تركت فيكم من [ما] إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي).(٤٩)
ولكي تقف على هذه الحقيقة عليك بمراجعة هذا الحديث بمختلف ألفاظه، وقارن بينه وبين الحديث الأول الذي ذكرناه سابقاً، وستقف على حقيقة الأمر، وأنهما من واد واحد، ومن هنا فهم هذا المعنى من عارض كتابة الكتاب، وأصر على منع النبيّ صلى الله عليه وآله من ذلك، فإن هذا الحديث وأمثاله سمعوه منه مراراً.
والجدير بالذكر أيضاً أنه جاء في بعض روايات حديث الثقلين، التصريح بذكر علي عليه السلام، كما في رواية الحاكم في المستدرك: إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، ثم قال: إن الله عزَّ وجلَّ مولاي، وأنا مولى كلّ مؤمن، ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه.
قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.(٥٠)
إمامة أهل البيت عليهم السلام في الأحاديث الشريفة
الأدلة على إمامة أهل البيت عليهم السلام من الأحاديث الشريفة كثيرة جداً، وسوف نذكر جملة منها من كتب ومصادر السنة، وإليك هنا ما يلي:
١ - حديث الثقلين:
حديث الثقلين من الأحاديث المتواترة، وقد جاء بأسانيد وطرق كثيرة جداً في كتب الحديث عند جمهور المسلمين، عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد اعترف بذلك ابن حجر الهيتمي، قال بعدما أورد حديث الثقلين: ثم اعلم أن لحديث التمسك طرقاً كثيرة، وردت عن نيف وعشرين صحابياً، ومرّ له طرق مبسوطة في حادي عشر الشبه، وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة، وفي أخرى أنه قاله بالمدينة في مرضه، وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنه قال ذلك لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف كما مر، ولا تنافي إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها، اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.(٥١)
وقال المناوي بعدما أورد الحديث عن مسند أحمد بن حنبل، والطبراني: عن زيد بن ثابت، قال الهيثمي: رجاله موثقون، ورواه أيضاً أبو يعلى بسند لا بأس به، والحافظ عبد العزيز بن الأخضر وزاد أنه قال في حجة الوداع، ووهم من زعم وضعه كابن الجوزي، قال السمهودي: وفي الباب ما يزيد على عشرين من الصحابة.(٥٢)
وإليك هنا بعض ألفاظ الحديث الشريف:
روى أحمد في مسنده: عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض.(٥٣)
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وإسناده جيد.(٥٤)
ورواه الطبراني أيضاً عن زيد بن ثابت مثله(٥٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات.(٥٦)
وجاء في رواية الطبراني: عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: إني تارك فيكم الثقلين من بعدي كتاب الله عزَّ وجلَّ، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض.(٥٧)
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: إني خلّفت فيكم اثنين لن تضلوا بعدهما أبداً، كتاب الله ونسبي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض. رواه البزار.(٥٨)
ورواه الترمذي بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي.
قال: وفي الباب عن أبي ذر، وأبي سعيد، وزيد بن أرقم، وحذيفة بن أسيد. هذا حديث غريب حسن من هذا الوجه.(٥٩)
وروى الترمذي أيضاً عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي; أحدهما أعظم من الآخر ; كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما.
قال: هذا حديث حسن غريب.(٦٠)
وروى الحاكم النيسابوري أيضاً بإسناده عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من حجة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقممن، فقال: كأني قد دعيت فأجبت إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، ثم قال: إن الله عزَّ وجلَّ مولاي، وأنا مولى كلّ مؤمن، ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.. وذكر الحديث بطوله.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله.
(شاهده) حديث سلمة بن كهيل، عن أبي الطفيل أيضاً صحيح على شرطهما.
ورواه أيضاً عن ابن واثلة أنه سمع زيد بن أرقم يقول: نزل رسول الله صلى الله عليه وآله بين مكة والمدينة عند شجرات خمس دوحات عظام، فكنس الناس ما تحت الشجرات، ثم راح رسول الله صلى الله عليه وآله عشية فصلى، ثم قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، وذكَّر ووعظ، فقال ما شاء الله أن يقول، ثم قال: أيها الناس، إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما، وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي، ثم قال: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ ثلاث مرات، قالوا: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه.
قال: وحديث بريدة الأسلمي صحيح على شرط الشيخين.(٦١)
وروى الطبراني بإسناده عن أبي الطفيل، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: إني لكم فرط، وإنكم واردون عليَّ الحوض، عرضه ما بين صنعاء إلى بصرى، فيه عدد الكواكب من قدحان الذهب والفضة، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين، فقام رجل فقال: يا رسول الله وما الثقلان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الأكبر كتاب الله سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به لن تزالوا ولا تضلوا، والأصغر عترتي، وإنهم لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، وسألت لهما ذاك ربي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تعلِّموهما فإنهما أعلم منكم.(٦٢)
وجاء في لفظ آخر عن الطبراني عن زيد بن أرقم: وإن اللطيف الخبير نبّأني أنهما لن يتفرّقا حتى يردا عليَّ الحوض، وسألت ذلك لهما ربي، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: من كنت أولى به من نفسي فعليٌ وليّهُ، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه.(٦٣)
وقال السيوطي: وأخرج ابن سعد وأحمد والطبراني عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي، أمرين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرَّقا حتى يردا عليَّ الحوض.(٦٤)
إلى غير ذلك من ألفاظ هذا الحديث المتواتر الذي لا يمكن لأحد أن ينكره أو يرده!.
معنى الحديث
أقول: هل تجد أصرح وأبلغ من هذا الحديث المتواتر، الذي هو نص صريح في إمامة عترة النبي صلى الله عليه وآله، وأولهم سيد العترة علي بن أبي طالب عليه السلام، فقد نصّ على أنّ التمسك بالكتاب والعترة عاصمان من الضلال، ومن لم يتمسك بهما وقع في الضلال.
قال السيد شرف الدين في كتابه المراجعات(٦٥): على أن المفهوم من قوله: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي، إنما هو ضلال من لم يستمسك بهما معاً كما لا يخفى، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين عند الطبراني: فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم.(٦٦)
وقال ابن حجر: وفي قوله صلى الله عليه (وآله) وسلم: (لا تقدموهم فتهلكوا، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم) دليل على أن من تأهل منهم للمراتب العلية، والوظائف الدينية، كان مقدماً على غيره.. إلى آخر كلامه.(٦٧)
وقال ابن حجر أيضاً في معنى حديث الثقلين: (تنبيه) سمى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم القرآن وعترته، وهي بالمثناة الفوقية، الأهل والنسل والرهط الأدنون ثقلين، لأن الثقل كلّ نفيس خطير مصون، وهذان كذلك إذ كلّ منهما معدن للعلوم اللدنية، والأسرار والحكم العلية، والأحكام الشرعية، ولذا حث صلى الله عليه (وآله) وسلم على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم، وقال: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت.
وقيل: سميا ثقلين، لثقل وجوب رعاية حقوقهما، ثم الذين وقع الحث عليهم منهم إنما هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض، ويؤيده الخبر السابق: (ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم) وتميزوا بذلك عن بقية العلماء، لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وشرفهم بالكرامات الباهرة، والمزايا المتكاثرة، وقد مر بعضها.(٦٨)
وقال المناوي من أعلام السنة في شرح الحديث في كتابه فيض القدير: (إني تارك فيكم) بعد وفاتي (خليفتين) زاد في رواية أحدهما أكبر من الآخر، وفي رواية بدل خليفتين (ثقلين)، سماهما به لعظم شأنهما (كتاب الله) القرآن (حبل) أي هو حبل (ممدود ما بين السماء والأرض) قيل: أراد به عهده، وقيل السبب الموصل إلى رضاه (وعترتي) بمثناة فوقية (أهل بيتي) تفصيل بعد إجمال بدلاً أو بياناً، وهم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
وقيل: من حرمت عليه الزكاة ورجحه القرطبي، يعني إن ائتمرتم بأوامر كتابه، وانتهيتم بنواهيه، واهتديتم بهدي عترتي، واقتديتم بسيرتهم اهتديتم فلم تضلوا.
قال القرطبي: وهذه الوصية، وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام أهله، وإبرارهم، وتوقيرهم، ومحبتهم، ووجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها، هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبأنهم جزء منه، فإنهم أصوله التي نشأ عنها، وفروعه التي نشأوا عنه، كما قال: فاطمة بضعة مني، ومع ذلك فقابل بنو أمية عظيم هذه الحقوق بالمخالفة والعقوق، فسفكوا من أهل البيت دماءهم، وسبوا نساءهم، وأسروا صغارهم، وخرّبوا ديارهم، وجحدوا شرفهم وفضلهم، واستباحوا سبهم ولعنهم، فخالفوا المصطفى صلى الله عليه (وآله) وسلم في وصيته، وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فواخجلهم إذا وقفوا بين يديه، ويا فضيحتهم يوم يعرضون عليه!!
(وإنهما) أي والحال أنهما، وفي رواية: أن اللطيف أخبرني أنهما (لن يفترقا) أي الكتاب والعترة أي يستمرا متلازمين (حتى يردا على الحوض) أي الكوثر يوم القيامة، زاد في رواية: كهاتين، وأشار بأصبعيه، وفي هذا مع قوله
أولا: إني تارك فيكم، تلويح بل تصريح بأنهما كتوأمين، خلفهما ووصى أمته بحسن معاملتهما، وإيثار حقهما على أنفسهما واستمساك بهما في الدين.
أما الكتاب: فلأنه معدن العلوم الدينية، والأسرار والحكم الشرعية، وكنوز الحقائق، وخفايا الدقائق.
وأما العترة: فلأن العنصر إذا طاب أعان على فهم الدين، فطيب العنصر يؤدي إلى حسن الأخلاق، ومحاسنها تؤدي إلى صفاء القلب ونزاهته وطهارته....(٦٩)
ونعم ما قيل:

إليكم وإلا لا تشد الركائبُ * * * ومنكم وإلا لا تنال الرغائبُ
وعنكم وإلا فالحديثُ مزخرفٌ * * * وفيكم وإلا فالمحدثُ كاذبُ

اقترانهم بالقرآن الكريم
ومن الحجج الدامغة التي ينص عليها حديث الثقلين، هو: اقترانهم بالقرآن الكريم الدستور السماوي الذي جعله الله تعالى مصدراً للتشريع الإسلامي، ولو لم يكن أهل البيت عليهم السلام حجة على البشر كالقرآن لما قرنهم النبي صلى الله عليه وآله به، وجعلهم عدله وفي عرض واحد، فعلى هذا لايسوغ الإستغناء عن العترة بحال، وكذلك لو كان الكتاب وحده يغني عن العترة في الدين لما قرنه النبي صلى الله عليه وآله بهم، ومن هنا نقول: أن الأمر بهما معاً فيه دلالة واضحة على حجيتهما، وعدم الإستغناء بأحدهما عن الآخر، ولذا أخبر أنهما عاصمان من الضلال حين التمسك بهما، وإلا لاستلزم لغوية اقترانهم بالقرآن الكريم، وقول النبي صلى الله عليه وآله في ذلك حقٌّ لا ريب فيه، قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)(٧٠) فبعد هذا البرهان الواضح، والدليل الناصع هل تسوغ مخالفة النبي صلى الله عليه وآله فيما أمر به وحكم، ويقال له: (حسبنا كتاب الله)؟!
يقول السيد محمد تقي الحكيم في أصول الفقه المقارن: لزوم التمسك بهما معاً لا بواحد منهما منعاً من الضلالة، لقوله صلى الله عليه وآله فيه: ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا، ولقوله: فانظروا كيف تخلفونني فيهما، وأوضح من ذلك دلالة ما ورد في رواية الطبراني في تتمتها: (فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم).
وبالطبع أن معنى التمسك بالقرآن، هو الأخذ بتعاليمه، والسير على وفقها، وهو نفسه معنى التمسك بأهل البيت عدل القرآن.
ومن هذا الحديث يتضح أن التمسك بأحدهما لا يغني عن الآخر (ما إن تمسكتم بهما)، (ولا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا) ولم يقل: ما إن تمسكتم بأحدهما، أو تقدمتم أحدهما! وسيأتي السّر في ذلك من أنهما معاً يشكلان وحدة يتمثل بها الإسلام على واقعه، وبكامل أحكامه ووظائفه.(٧١)
ويقول العلامة السيد علي الميلاني: ومن أقوى الأدلة من الأحاديث في هذا الباب، حديث الثقلين المشهور المتواتر القطعي الذي اتفقت الأمة على روايته.. فإنه يدل على وجوب اتباع الأئمة من أهل البيت عليهم السلام كوجوب اتباع القرآن، وهذا يستلزم العصمة، وعلى أنهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، ولا يغني أحدهما عن الآخر، وعلى أن الأئمة باقون ما بقي القرآن، وعلى أنه كما لا يسقط وجوب اتباع القرآن بالإعراض عنه وعدم العمل به، فكذلك الأئمة لا تسقط إمامتهم بإعراض الناس عنهم! وعلى أنه من لم يتبعهم ضل! ولذلك قال صلى الله عليه وآله في حديث آخر متفق عليه مشهور:
(من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة جاهلية)(٧٢) وهو يدل - هو الآخر - على وجود الإمام في كلّ زمان، وعلى وجوب اتباعه.(٧٣)
دلالة حديث الثقلين على وجود الإمام المهدي عليه السلام
مما لا شك فيه أن حديث الثقلين يدل دلالة واضحة لا نقاش فيها على بقاء العترة مع القرآن إلى يوم القيامة، ويفهم هذا من قوله: (لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض) فيستفاد منه: وجود إمام من أهل البيت عليهم السلام في كلّ عصر إلى جنب القرآن الكريم إلى يوم القيامة، فلا يفترقان أبداً، وهذا مايفرضه ظاهر نص الحديث، وهذا المعنى يفهمه كلُّ من له أدنى مسكة من الفهم.
يقول السيد محمد تقي الحكيم: بقاء العترة إلى جنب الكتاب إلى يوم القيامة، أي لا يخلو منهما زمان من الأزمنة ما داما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وهي كناية عن بقائهما إلى يوم القيامة.(٧٤)
هذا وقد اعترف بعض أعلام السنة بوجوب الرجوع إلى المتأهل من أهل البيت عليهم السلام بمقتضى هذا الحديث، وأن الزمان لا يخلو منهم إلى يوم القيامة، حكى الإمام الزرقاني المالكي في شرح المواهب عن العلامة السمهودي أنه قال: هذا الخبر يفهم منه وجود من يكون أهلاً للتمسك به من عترته في كل زمن إلى قيام الساعة حتى يتوجه الحث المذكور على التمسك به كما أن الكتاب كذلك، فلذا كانوا أماناً لأهل الأرض فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض.(٧٥)
وقد اعترف بهذا المعنى أيضاً ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة قال: وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة، كما أن الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض كما يأتي، ويشهد لذلك الخبر السابق: في كلّ خلف من أمتي عدول من أهل بيتي.(٧٦)
ويقول الأستاذ مروان خليفات الأردني أحد المستبصرين الذين اهتدوا بهدي أهل البيت عليهم السلام، وأخذوا بمنهجهم، حينما استوقفه نص حديث الثقلين قال: على أن حديث الثقلين ينص على وجود إمام من أئمة آل البيت في كلّ زمان، عدلاً للقرآن لا يفترق عنه، وإذا قلنا بعدم ولادة الإمام المهدي عليه السلام فمعنى ذلك أن هناك افتراقاً بين آل البيت والقرآن، وهذا خلاف الحديث فيلزمنا إثبات ولادة المهدي عليه السلام! وقد كان أئمة آل البيت يبشرون بالمهدي، ويقولون إنه ابن الحسن العسكري عليه السلام حتى ساد هذا الاعتقاد بين الشعراء...(٧٧)
٢ - حديث (يكون بعدي اثنا عشر خليفة)
يعد هذا الحديث من الأحاديث القطعية الصحيحة، وقد أورده كلٌّ من صحيح البخاري وصحيح مسلم والترمذي وأحمد بن حنبل والطبراني والحاكم في مستدركه وغيرهم، وقد ورد هذا الحديث بألفاظ عديدة، ومعناه واحد، عن جابر بن سمرة وعن أبي جحيفة، وعن أنس بن مالك وحديث النقباء عن عبد الله بن مسعود.
وإليك ما يلي:
روى أحمد بن حنبل: عن الشعبي، عن مسروق قال: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم كم تملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله بن مسعود: ما سألني عنها أحدٌ منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال: اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل.(٧٨)
قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، وفيه مجالد بن سعيد وثقه النسائي وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات.(٧٩)
وفي لفظ آخر عن مسروق، قال: سأل رجل عبد الله بن مسعود هل حدثكم نبيكم صلى الله عليه (وآله) وسلم بعدة الخلفاء من بعده؟ قال: نعم، وما سألني عنها أحدٌ قبلك! قال: إن عدة الخلفاء بعدي عدة نقباء موسى عليه السلام.(٨٠)
ومن ذلك أيضاً ما جاء في صحيح البخاري: عن عبد الملك قال: سمعت جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها! فقال أبي: أنه قال: كلهم من قريش.(٨١)
وفي مسند أحمد عن عامر يعني الشعبي، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: لا يزال هذا الأمر عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، فكبر الناس وضجوا!(٨٢) وقال كلمة خفية؟ قلت لأبي: يا أبت ما قال؟ قال: كلهم من قريش.(٨٣)
وروى أيضاً عن ابن عون، عن الشعبي قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً، ينصرون على من ناواهم عليه إلى اثني عشر خليفة، قال: فجعل الناس يقومون ويقعدون!.(٨٤)
وفي رواية عنه أيضاً عن الشعبي، عن جابر بن سمرة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بعرفات، فقال: لا يزال هذا الأمر عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناواه حتى يملك اثنا عشر كلهم...(٨٥)
وروى مسلم في صحيحه: عن حصين، عن جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فسمعته يقول: إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة، قال: ثم تكلم بكلام خفي عليّ! قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش.
وعن جابر بن سمرة أيضاً جاء بلفظ: لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً.. الخ.
وفي لفظ آخر، قال: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، ثم قال كلمة لم أفهمها! فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: كلهم من قريش.
وفي لفظ أيضاً: لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة صمنيها الناس! فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش.
وفي لفظ أيضاً: لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش.(٨٦)
وفي صحيح ابن حبان أيضاً: عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: يكون بعدي اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش، فلما رجع إلى منزله أتته قريش قالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج.(٨٧)
وعن سماك بن حرب، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، قال: فقال كلمة لم أفهمها! قلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش.(٨٨)
وروى الطبراني: عن عامر بن سعد، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: لا يزال الدين قائماً حتى يكون اثنا عشر خليفة من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة.(٨٩)
وروى أيضاً عن أبي خالد، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: لا يضر هذا الدين من ناوأه حتى يقوم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش.(٩٠)
وعن جابر بن سمرة قال: كنت مع أبي ورسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يخطب فقال: لا تبرحون بخير ما قام عليكم اثنا عشر أميراً، قلت لأبي: سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول آنفاً كذلك، قال أبي: قد قال: كلهم من قريش.(٩١)
وعن الشعبي عن جابر قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يوماً فسمعته يقول: لن يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناوأه حتى يملك اثنا عشر كلهم، ثم لغط الناس، وتكلموا! فلم أفهم قوله بعد كلهم، فقلت لأبي: يا أبتاه ما بعد قوله كلهم؟ قال: كلهم من قريش.
وعن الشعبي عن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في حجة الوداع يقول: لا يزال هذا الأمر ظاهراً على من ناوأه، لا يضره مخالف ولا مفارق حتى يمضي اثنا عشر خليفة من قريش.(٩٢)
وعن الشعبي أيضاً عن جابر بن سمرة، قال: كنت مع أبي عند النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال: يكون لهذه الأمة اثنا عشر قيماً لا يضرهم من خذلهم، ثم همس رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بكلمة لم أسمعها! فقلت لأبي: ما الكلمة التي همس بها النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم؟ قال: كلهم من قريش.(٩٣)
وعن عطاء بن أبي ميمونة، عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وهو يخطب على المنبر ويقول: اثنا عشر قيماً من قريش لا يضرهم عداوة من عاداهم، قال: فالتفت خلفي فإذا أنا بعمر بن الخطاب، وأبي في ناس فأثبتوا لي الحديث كما سمعت.(٩٤)
وفي ينابيع المودة: عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: كنت مع أبي عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسمعته يقول: بعدي إثنا عشر خليفة، ثم أخفى صوته! فقلت لأبي: ما الذي أخفى صوته؟ قال: قال: كلهم من بني هاشم.(٩٥)
وروى الطبراني: عن أبي جحيفة، قال: كنت مع عمي عند النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وهو يخطب، فقال: لا يزال أمر أمتي صالحاً حتى يمض اثنا عشر خليفة، وخفض بها صوته! فقلت لعمي وكان أمامي: ما قال يا عم؟ قال: كلهم من قريش.(٩٦)
قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والكبير والبزار، ورجال الطبراني رجال الصحيح.(٩٧)
وروى المتقي الهندي: عن ابن النجار، عن أنس، عن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله: لن يزال هذا الدين قائماً إلى اثني عشر من قريش، فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها.(٩٨)
وعن ابن نجران أن أبا الخالد حدثه وحلف له عليه: ألا تهلك هذه الأمة حتى يكون فيها اثنا عشر خليفة، كلهم يعمل بالهدى ودين الحق.(٩٩)
إلى غير ذلك من ألفاظ الحديث الذي ورد بألفاظ عديدة في معنى واحد، وهو استخلاف اثني عشر خليفة من بعد النبي صلى الله عليه وآله.
تحير السنة في معنى الحديث وأقوالهم فيه
قد تحير علماء السنة ومحدثوهم في تفسير معنى الحديث، وقد ذهب كلّ منهم إلى معنى لا يتفق فيه مع الآخر، وتطرقوا إلى محتملاته، ولكن يعسر عليهم الإعتراف بمعناه الصحيح، ويعترفوا بالأئمة الإثني عشر الذين تقول الشيعة بإمامتهم، فإن هذا صعب مستصعب عليهم لا تتحمله نفوسهم، حتى اعترفوا بالعجز عن الوصول إلى معناه، واستعصى عليهم تأويل الحديث وتفسيره، ولم تزدهم رواية الحديث إلا حيرة، حتى اتهم بعضهم الرواة في التخليط في هذا الحديث، واضطروا أن يوردوا جملة من محتملات الحديث حتى الغريب منها (١٠٠) لكنهم إلا احتمالاً واحداً لم يتطرقوا إليه، ولم يذكروه حتى من المحتملات الغريبة، وهو احتمال انطباق الحديث على أئمة أهل البيت الاثني عشر عليهم السلام! وأنى لهم أن يوردوا مثل هذا الاحتمال، وهو يخالف أصولهم التي بنوا عليها مذهبهم.
هذا وقد اعترف علماء السنة بالعجز في تفسير هذا الحديث، وتحيروا حيرة شديدة في تأويله والوقوف على معناه الصحيح، قال الدكتور البستوي: ولما رجعت إلى الأئمة والعلماء في تفسير هذا الحديث وجدتهم مختلفين اختلافاً كثيرا.(١٠١)
وإليك هنا بعض كلمات علماء السنة حول تفسير هذا الحديث، لتقف على حقيقة الأمر، وكلّ منهم تشبث برأي تفرّد به خلاف الآخر:
قال ابن الجوزي في كشف المشكل: قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث، وتطلبت مظانه وسألت عنه؟ فلم أقع على المقصود به! لأن ألفاظه مختلفة، ولا أشك أن التخليط فيها من الرواة!
وقال ابن بطال عن المهلب: لم ألق أحداً يقطع في هذا الحديث! يعني بشيء معين.
وقال ابن حجر: وقد مضى منهم الخلفاء الأربعة، ولابد من تمام العدد قبل قيام الساعة.(١٠٢)
وقال أبو بكر ابن العربي: ولم أعلم للحديث معنى.(١٠٣)
وقال المقريزي: وقد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك، ثم وقع الهرج والفتنة العظيمة، كما أخبر في هذه الرواية(١٠٤)، ثم ظهر ملك العباسيين كما أشار إليه في الباب قبله.(١٠٥)
إلى غير ذلك من سائر تأويلاتهم وتمحلاتهم التي أفصحوا فيها عن عجزهم، وتحيرهم في الوصول إلى معنى الحديث الصحيح!
أقول: ولو أنهم أخذوا بما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله في تفسير هذا الحديث، ورجعوا إلى العترة، لما ضلوا في فهم معناه، وتضاربت أقوالهم فيه!!.
يقول الأستاذ أبو رية المصري متعجباً من تفسير السيوطي للحديث: أما السيوطي فبعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الأحاديث المشكلة، خرج برأي غريب نورده هنا تفكهة للقراء! وهو: وعلى هذا فقد وجد من الاثني عشر، الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وهؤلاء ثمانية، ويحتمل أن يضم إليهم المهدي من العباسيين لأنه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية، وكذلك الظاهر لما أوتيه من العدل، وبقي الاثنان المنتظران!! أحدهما المهدي! لأنه من أهل بيت محمد.(١٠٦)
قال أبو رية: ولم يبين المنتظر الثاني! ورحم الله من قال في السيوطي: إنه حاطب ليل!.(١٠٧)
لماذ خفي صوت رسول الله صلى الله عليه وآله على الراوي
وهنا سؤال يطرح نفسه، حول الحديث يلفت النظر، ويبعث على التساؤل، وهو: ماهو سبب خفاء صوت رسول الله صلى الله عليه وآله على راوي الحديث جابر بن سمرة؟ بحيث خفي عليه تتمة الحديث حتى سأل أباه عنه؟ وكذلك الراوي الآخر أبو جحيفة حتى سأل عمّه عنه؟
الجواب:
يفهم من جملة الأحاديث التي أوردناها آنفاً هو حدوث ضجة تتألف من أصوات وقيام وقعود من البعض أوجب ذلك كله خفاء صوت النبي صلى الله عليه وآله، فمن هنا لم يسمع الراوي تتمة الحديث.
وهنا يبرز السؤال الآخر: إن في ملابسات الحديث أيضاً مايبعث على الإستغراب والحيرة! فلِما كل هذا الضجيج والقيام والقعود المتكرر بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وهو يخطب فيهم، وهو عليه السلام الرؤوف الرحيم بهم، وأحرص الناس على هدايتهم، وتبليغ الأحكام إليهم، أفليس من اللازم عليهم أن يخفضوا أصواتهم بين يدي النبي صلى الله عليه وآله كما أمرهم القرآن الكريم بذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ).(١٠٨)
فماهو المبرر لكل هذا الضجيج المفتعل؟! بينما النبي صلى الله عليه وآله يخطب فيهم ويحدثهم؟! أليس يفترض أنهم مصغون لحديثه صلى الله عليه وآله!! أفهل كان في حديث النبي صلى الله عليه وآله مايثير النفوس بحيث يبعث على حدوث كل هذه الضجة، وهذا اللغط في مجلس النبي صلى الله عليه وآله!! وهو يخطب فيهم!
وخصوصاً إذا لا حظنا قول الراوي: (فقال كلمة أصمنيها الناس) فهو يدل على أن الأصوات تعالت على صوت النبي صلى الله عليه وآله حتى أخفته فحال ذلك بين الراوي وسماع تتمة الحديث؟! ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تطور وتجاوزه إلى القيام والقعود، وهذه سابقة خطيرة تنذر بحدوث أمر غير مرضي عند البعض، فبماذا يفسر ذلك كله؟ وما هو سببه؟ وما هو أهمية هذا الحديث في الأمة؟
الجواب في أمور:
أولاً: أقول: إن هذا الحديث من أهم الأحاديث التي جاءت على لسان النبي صلى الله عليه وآله فقد جاء في خطبته الشريفة، كما جاء في رواية أبي جحيفة، ورواية عطاء بن أبي ميمونة أيضاً عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وهو يخطب على المنبر..الخ.
كما اكتنفه أيضاً أمران مقدسان من حيث الزمن ومن حيث المكان، إذ حددت لنا بعض الروايات أن ذلك كان في حجة الوداع في عرفات، وهذا يقتضي أنه كان في جمع غفير من الناس كما هي العادة في موسم الحج الذي يضم طائفة كبيرة من الناس الذين جاءوا من مختلف الأصقاع والبلدان.
ويستفاد من هذا كله أيضاً أن الأمر الذي يريد بيانه النبي صلى الله عليه وآله لهم هو في غاية من الأهمية للحاضرين ومن يأتي من بعدهم من الأمة، وهذا الأمر يرتبط بمصير الأمة، وهو النص على الخلفاء من بعده، وبيان عددهم وخصوصياتهم الأخرى.. كما ينبئ الحديث عن ذلك كله!
كما أن هذه الأحاديث تدل بمجموعها على أنها في مجلس واحد، أعني التي ورد فيها التعليل بخفاء صوته، كما في رواية جابر بن سمرة، ورواية أبي جحيفة، وإن كان لا يمنع أيضاً تكرر ذلك في موطنين مع تكرر الضجيج أيضاً في كل منهما لنفس السبب! مادام هناك إصرار من لدن البعض على إحداث ذلك وماشابهه!
ثانياً: بمجموع هذه القرائن من الحديث نفهم أن هناك فئة من الناس لايروق لها أن يسمع الناس أمثال هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وآله، والذي يراد منه تقرير مصير الأمة سلفاً بتسمية اثني عشر خليفة من بعده، وتعيينهم مسبقاً، فأحدثوا ما أحدثوا ليفوتوا على الناس ذلك، وخصوصاً أن الخلفاء الذين يريد تعيينهم النبي صلى الله عليه وآله هم علي وأولاده عليهم السلام.
فهذا النص يعد نصاً صريحاً، ومن أبلغ الأدلة على إمامة هؤلاء الخلفاء في الأمة، وعلى ما يبدو أن هذا الأمر لا ينسجم مع توجهات البعض منهم! وإلا فبماذا تفسر حصول كل هذه الضجة الغريبة، بينما النبي صلى الله عليه وآله يحدثهم أن بعده اثنا عشر خليفة وهو في المشاعر المقدسة..
وإليك القرائن التي تؤكد ذلك:
من خلال تفحص مفردات هذا الحديث واجهتنا عدة قرائن، تفسر بعضها بعضاً، وكلها ترجع إلى علة واحدة لا أكثر..!
فلا حظ هذه العبارات التي جاءت في الحديث، فإنك سوف تقطع بحدوث أمر غريب له علاقة بنفس حديث النبي صلى الله عليه وآله، ومن المؤكد لو كان النبي يبين لهم حكماً شرعياً ذات علاقة بالصلاة أو الحج أو الزكاة لما حدث ما حدث!!.
وهذه الكلمات أكثرها عن راوي واحد، وهو جابر بن سمرة وهي: (فقال كلمة لم أسمعها) (ثم تكلم بكلام خفي عليّ!) (ثم قال كلمة لم أفهمها!) (وخفض بها صوته!) (ثم لغط الناس، وتكلموا! فلم أفهم قوله بعد كلهم)(فقال كلمة صمنيها الناس!) (فكبر الناس وضجوا! وقال كلمة خفية؟) (لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً، ينصرون على من ناواهم عليه إلى اثني عشر خليفة، قال: فجعل الناس يقومون ويقعدون!).
فإن الملاحظ في هذه الكلمات أن الراوي أوعز سبب عدم سماعه تتمة الحديث إلى انخفاض صوت النبي صلى الله عليه وآله، وتارة أخرى إلى تعالي أصوات الناس بالتكبير والضجيج والقيام والقعود، وهذه الكلمات الأخيرة توضح لنا السبب كله في الأمر!
كما أن هذه الضجة لم تحدث صدفة أو بصورة عشوائية بل كانت مقصودة، فقد حدثت لما بلغ النبي صلى الله عليه وآله في حديثه وبالتحديد إلى كلمة (كلهم) فهنا اختفى صوته على الراوي، وأن الكلام جاء في سياق بيان من هم هؤلاء الاثنا عشر ومن أي قبيلة هم؟ مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله لما أخذ في بيان كونهم من بني هاشم كما هو المرجح تعالت حينئذ الأصوات فخفي صوته على الراوي.
وإليك الحديث نصاً كما رواه الطبراني: عن الشعبي، عن جابر قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يوماً فسمعته يقول: لن يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناوأه حتى يملك اثنا عشر كلهم، ثم لغط الناس، وتكلموا! فلم أفهم قوله بعد كلهم، فقلت لأبي: يا أبتاه ما بعد قوله: كلهم؟
قال: كلهم من قريش.
فهذه دلالات يتلو بعضها بعضاً تدل على أن البعض أحدث لغطاً وصخباً! بالقول تارة، وبالفعل أخرى! أما الضجة المفتعلة بالقول فالدليل عليها، قول الراوي: (فقال كلمة صمّنيها الناس!) وقوله: (فكبر الناس وضجوا، وقال كلمة خفية؟) وأما الفعل فقوله: (فجعل الناس يقومون ويقعدون!)وهذا كله يكفي في أن يصدّ الناس عن سماع الحديث، ويوجد حالة من الإرباك والفوضى! بحيث تقطع على المتحدث حديثه! أو لا يصل صوته إلى كافة الناس!
ثالثاً: قد وردت رواية تذكر بدل (كلهم من قريش) (كلهم من بني هاشم) كما في رواية ينابيع المودة: (عن جابر بن سمرة، فقلت لأبي: ما الذي أخفى صوته؟ قال: قال: كلهم من بني هاشم).(١٠٩)
وهذا يعد نصاً صريحاً في كون الخلافة في بني هاشم وليست في غيرهم، فبالتالي ليس لسائر قريش نصيب في الخلافة، وهذا الأمر يتعارض مع مايريده بعضهم من ادخال قريش في الأمر، لئلا تقتصر الخلافة فقط على بني هاشم.(١١٠)
قال بعض المحققين كما في ينابيع المودة للقندوزي: (وإخفاء صوته صلى الله عليه وآله في هذا القول يرجح هذه الرواية(٣)، لأنهم لا يحسّنون خلافة بني في هذا القول يرجح هذه الرواية(١١١)، لأنهم لا يحسّنون خلافة بني هاشم)(١١٢) استظهار في محله، ومعنى ذلك كما قلنا أن فيهم أناساً أحدثوا ضجيجاً لئلا يسمع الناس النص على الخلفاء من بني هاشم! وهذا مالا يتوافق مع نوايا بعض الحاضرين.
رابعاً: إن هذا الأمر ليس هو الأخير من نوعه! بل حدث مايشابهه في مرض النبي صلى الله عليه وآله عيناً، ولكن بصورة أخرى مما يؤكد ما قدمناه، وذلك حينما أمرهم بكتابة الكتاب، ولا نشك أن هذا الكتاب هو في النص على الخلافة من بعده للقرائن التي في الحديث، فقال لهم: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده.. فتنازعوا حتى ارتفعت أصواتهم عند النبي صلى الله عليه وآله، كما في صحيح البخاري: (فاختلفوا وكثر اللغط، قال: قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع! فخرج ابن عباس يقول: إن الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابته!).(١١٣)
وجاء في صحيح البخاري أيضاً عن ابن عباس قال: لما حضر رسول الله وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم: هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم: قد غلب عليه الوجع! وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا! منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف(١١٤) عند النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: قوموا، قال عبيد الله: وكان ابن عباس يقول: إن الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.(١١٥)
فهذه الرواية ورواية (أصمنيها الناس) في حديث (يكون بعدي اثنا عشر خليفة)، من باب واحد في حدوث الضوضاء والاختلاف، وكلاهما في وصية النبي صلى الله عليه وآله في النص على الخلفاء من بعده..!
قول بعض المحققين: (لأنهم لا يحسّنون خلافة بني هاشم)
أحب أن أقف هنا قليلاً مع هذا الكلام، وأريد أن أبينه بشيء من النصوص لئلا يدعي ممن لا خبرة له بالأحاديث والتأريخ أن هذا الكلام مجرد دعوى لا نصيب له من الواقع،أو أن فيه شيئاً من المبالغة التأريخية! فأقول: أما كون عامة الناس في ذلك العصر (لا يحسّنون خلافة بني هاشم) فإنه كلام واقعي لا يمكن رده بحال،(١١٦) فإن في تأريخ الإسلام والسيرة مايثبت ذلك، بل لم يقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه إلى اضطهادهم وإقصائهم حتى آل أمرهم إلى أن أصبحوا في هذه الأمة مستضعفين، وأي استضعاف أعظم مما جرى عليهم من القتل والتشريد والترويع!!.
ويكفي ما جرى عليهم من الحوادث والوقائع الدامية عبر العصور، وقد أنبأت بذلك أيضاً الأحاديث الشريفة قبل أن يجري عليهم ما جرى! فهناك نصوص كثيرة تثبت ذلك! ولو كان سائر الناس يحسّنون خلافة العترة لما جرى عليهم ماجرى من الإقصاء والتشريد والقتل!! ومما يدل على ذلك كله من النصوص ما يلي:
مارواه الحاكم: عن عبد الله بن مسعود قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج إلينا مستبشراً يعرف السرور في وجهه فما سألناه عن شيء الا أخبرنا به، ولا سكتنا إلا ابتدأنا حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين، فلما رآهم التزمهم وانهملت عيناه فقلنا: يا رسول الله ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه؟! فقال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وأنه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً أو تشريداً في البلاد.. الخ.(١١٧)
وفي رواية ابن ماجة: (سيلقون بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً).(١١٨)
وروى الترمذي: عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أن العباس بن عبد المطلب دخل على رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مغضباً وأنا عنده، فقال: ما أغضبك؟ قال: يا رسول الله ما لنا ولقريش؟ إذا تلاقوا بينهم تلاقوا بوجوه مبشرة، وإذا لقونا لقونا بغير ذلك! قال: فغضب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم حتى أحمر وجهه، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ولرسوله.. الخ
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.(١١٩)
وروى أبو جعفر الإسكافي أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله دخل على فاطمة عليها السلام، فوجد علياً نائماً، فذهبت تنبهه، فقال: دعيه فرب سهر له بعدي طويل، ورب جفوة لأهل بيتي من أجله شديدة! فبكت، فقال: لا تبكي فإنكما معي، وفي موقف الكرامة عندي.(١٢٠)
وروى الحاكم النيسابوري: عن حيان الأسدي سمعت علياً يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الأمة ستغدر بك بعدي، وأنت تعيش على ملتي، وتقتل على سنتي، من أحبك أحبني، ومن أبغضك أبغضني، وأن هذه ستخضب من هذا. يعني لحيته من رأسه.
قال الحاكم: صحيح.(١٢١)
وروى أبو يعلى الموصلي: عن أبي عثمان عن علي بن أبي طالب قال: بينما رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم آخذ بيدي ونحن نمشي في بعض سكك المدينة، إذ أتينا على حديقة، فقلت: يا رسول الله ما أحسنها من حديقة! قال: لك في الجنة أحسن منها، ثم مررنا بأخرى، فقلت: يا رسول الله ما أحسنها من حديقة! قال: لك في الجنة أحسن منها، حتى مررنا بسبع حدائق كل ذلك أقول ما أحسنها! ويقول: لك في الجنة أحسن منها، فلما خلا له الطريق اعتنقني ثم أجهش باكياً! قال: قلت: يا رسول الله ما يبكيك؟ قال: ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلا من بعدي، قال: قلت: يا رسول الله في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك.(١٢٢)
قال الهيثمي: رواه أبو يعلى والبزار، وفيه الفضل بن عميرة، وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات.(١٢٣)
وروى الطبراني: عن بن عباس رضي الله عنهما قال: خرجت أنا والنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وعلي رضي الله عنه في حشان المدينة، فمررنا بحديقة فقال علي رضي الله عنه: ما أحسن هذه الحديقة يا رسول الله! فقال: حديقتك في الجنة أحسن منها، ثم أومأ بيده إلى رأسه ولحيته، ثم بكى حتى علا بكاؤه قيل: ما يبكيك؟ قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتى يفقدوني.(١٢٤)
وفي رواية أنس بن مالك، قال: ثم وضع النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم) رأسه على إحدى منكبي علي فبكى، فقال له علي: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك حتى أفارق الدنيا! فقال علي رضي الله عنه: فما أصنع يا رسول الله؟ قال: تصبر، قال: فإن لم أستطع قال: تلقى جميلا.(١٢٥)
وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: كلّ حقد حقدته قريش على رسول الله صلى الله عليه وآله أظهرته فيَّ! وستظهره في ولدي من بعدي، ما لي ولقريش! إنما وترتهم بأمر الله وأمر رسوله، أفهذا جزاء من أطاع الله ورسوله إن كانوا مسلمين!.(١٢٦)
وقالت الزهراء عليها السلام في خطبتها في المهاجرين والأنصار: وما الذي نقموا من أبي الحسن! نقموا والله منه نكير سيفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله، ويا لله! لو تكافئوا على زمام نبذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسار بهم سيراً سجحاً لا يكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولأوردهم منهلاً روياً فضفاضاً تطفح ضفتاه، ولأ صدرهم بطاناً قد تحرى بهم الري...(١٢٧)
وعن ابن عساكر في تأريخ دمشق: عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قلت لعلي بن حسين بن علي: ما بال قريش لا تحب علياً؟! فقال: لأنه أورد أولهم النار، وألزم آخرهم العار!.(١٢٨)
وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: قال عمر لابن عباس في حوار له معه: يا بن عباس، أتدري ما منع الناس منكم؟ قال لا يا أمير المؤمنين، قال: لكني أدري، قال: ما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فيجخفوا جخفاً فنظرت قريش لنفسها فاختارت ووفقت فأصابت.. الخ!.(١٢٩)
وفي تأريخ الطبري: فقال عمر كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت...(١٣٠)
وروى أبو سعد الآبي في كتابه عن ابن عباس، قال: وقع بين عثمان وعلي عليه السلام كلام، فقال عثمان: ما أصنع إن كانت قريش لا تحبكم، وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين، كأن وجوههم شنوف الذهب، تصرع أنفهم قبل شفاههم!.(١٣١)
وقال عثمان لابن عباس: ولقد علمت أن الأمر لكم، ولكن قومكم دفعوكم عنه، واختزلوه دونكم.(١٣٢)
وعن ابن سعد في الطبقات: عن المنهال يعني بن عمرو قال: دخلت على علي بن حسين فقلت: كيف أصبحت أصلحك الله؟ فقال: ما كنت أرى شيخاً من أهل المصر مثلك لا يدري كيف أصبحنا! فأما إذ لم تدر أو تعلم! فسأخبرك، أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون إذ كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وأصبح شيخنا وسيدنا يتقرب إلى عدونا بشتمه أو سبه على المنابر! وأصبحت قريش تعد أن لها الفضل على العرب لأن محمداً صلى الله عليه (وآله) وسلم منها، لا يعد لها فضل إلا به، وأصبحت العرب مقرة لهم بذلك، وأصبحت العرب تعد أن لها الفضل على العجم لأن محمداً صلى الله عليه (وآله) وسلم منها لا يعد لها فضل إلا به، وأصبحت العجم مقرة لهم بذلك، فلئن كانت العرب صدّقت أن لها الفضل على العجم، وصدّقت قريش أن لها الفضل على العرب لأن محمداً صلى الله عليه (وآله) وسلم (منها) إن لنا أهل البيت الفضل على قريش لأن محمداً صلى الله عليه (وآله) وسلم منا، فأصبحوا يأخذون بحقنا، ولا يعرفون لنا حقاً! فهكذا أصبحنا إذ لم تعلم كيف أصبحنا!!...(١٣٣)
إلى غير ذلك من النصوص التي ملأت كتب جمهور المسلمين، والتي تنبى عن مواقف القوم تجاه العترة عليهم السلام، وما جرى عليهم من بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله شاهد صدق على ماقدمناه.
هل بيّن النبي صلى الله عليه وآله أسماء الخلفاء الاثني عشر أم لا؟
ولنا هنا أن نسائل هؤلاء الذين توقفوا في فهم هذا الحديث، هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتكلم مع الناس بالمجملات! ولايبين المراد منها، ويترك الحديث على عواهنه؟ ليقعوا بعد ذلك في حيرة التفسير والتأويل! فيكون وجوده وعدمه سواء.
وهل يُظن أن الصحابة أنفسهم حينما سمعوا هذا الحديث الشريف اكتفوا بهذا المجمل؟! ولم يكلفوا أنفسهم عناء السؤال عن تفسيره، ومن هم هؤلاء الاثنا عشر؟ فآثروا السكوت عن ذلك، ولا حاجة لهم في معرفة تفاصيل الحديث، وكأنه لا يعنيهم ولا يمت إليهم بصلة، وهم الذين يسألونه في الدين عن كل صغيرة وكبيرة! إلا هذا الحديث فهو خارج عن اهتمامهم!!.
ثم لو فرض أن النبي صلى الله عليه وآله لم يبين أسماء هؤلاء الاثني عشر بالمرة.. ولو في أحاديث أخرى..ألا يبعث هذا على الاستغراب والتساؤل، وسبب تركه لذلك؟!
والكل يعلم أن النبي صلى الله عليه وآله أحرص الناس على هداية الأمة وإرشادهم، فما كان يضن عليهم بالجواب عن ذلك لو سألوه؟!
ولو رضينا بكل هذه الإفتراضات، وحكمنا على الحديث بالإجمال يبرز لدينا سؤال مهم أيضاً وهو: ما هي الفائدة في أن يعرف المسلمون من هذا الحديث مجرد اثني عشر خليفة من قريش يكون الدين عزيزاً في أيام خلافتهم، وهم لايعرفونهم لا بأسمائهم ولا بأوصافهم؟! فماذا سوف يضيف هذا الحديث المبهم من معلومة إلى علمهم وعقيدتهم مع هذا الإجمال الذي لم يزدهم إلا حيرة!
ولكننا نقول: حاشا النبي صلى الله عليه وآله أن يظن أو يكتم عليهم مافيه صلاحٌ ونفعٌ لهم، وهو الذي قال عنه القرآن الكريم: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)(١٣٤) فلا مناص من القول أنه قد بين لهم أسماء هؤلاء الخلفاء، ليعرفوهم فيتبعوهم ويهتدوا بهديهم، وليتميز الحق من الباطل، لأن هؤلاء الخلفاء خلفاء الله في أرضه، بهم قوام الدين وعزته، ومَن من الناس لا يود أن يعيش تحت ظلهم ورعايتهم، ويحضى بشرف رؤيتهم وصحبتهم!
أقول: ويكفي مارواه جابر بن عبد الله الأنصاري وغيره في هذا الباب، عن النبي صلى الله عليه وآله(١٣٥) وكذلك ما رواه عن الزهراء عليها السلام في خبر اللوح الذي رأه، وقرأ فيه الأسماء كلها، وغيره.(١٣٦)
الحديث في ميزان الدلالة
ويدل الحديث على أمور:
الأمر الأول: دلالة الحديث على تولي الخلفاء مباشرة بعد النبي صلى الله عليه وآله
جاء في مسند أحمد: يكون بعدي اثنا عشر أميراً..(١٣٧) وفي سنن الترمذي: يكون من بعدي اثنا عشر أميراً..(١٣٨) وفي النقباء عن مسروق، قال: سأل رجل عبد الله بن مسعود هل حدثكم نبيكم صلى الله عليه (وآله) وسلم بعدة الخلفاء من بعده؟ قال: نعم، وما سألني عنها أحدٌ قبلك! قال: إن عدة الخلفاء بعدي عدة نقباء موسى عليه السلام.(١٣٩)
وهذا الحديث وأمثاله واضح الدلالة على تولي الأئمة عليهم السلام الأمر بعد النبي صلى الله عليه وآله مباشرة بلا فصل، وكونهم على التوالي، وخصوصاً حديث النقباء فيه دلالة ظاهرة على ذلك، فقوله: (عدة الخلفاء بعدي عدة نقباء موسى عليه السلام) نص على حصر الخلفاء الشرعيين فيهم فقط، ومعنى هذا أن غير هؤلاء ليسوا شرعيين في خلافتهم, وخصوصاً مع ملاحظة سؤال السائل عنهم! وهذا لاينطبق إلا على قول الإمامية التي تقول بإمامة اثني عشر إماماً بعد النبي صلى الله عليه وآله، ولا ينطبق على قول السنة إذ أن الذين تولوا الأمر بعد النبي صلى الله عليه وآله يزيدون عن هذا العدد بكثير، واختيار بعضهم دون بعض خلاف معنى الحديث، فليس عليه برهان ولادليل! ولهذا وقع أكثرهم في حيرة فلم يهتدوا إلى معناه إلى يومك هذا!
الأمر الثاني: دلالة الحديث على إمامة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت
ويدل الحديث أيضاً دلالة واضحة على إمامة الأئمة الإثني عشر من أهل البيت عليهم السلام.
أولاً: هذا الحديث بيان واضح، ونص ظاهر في إمامة الأئمة الإثني عشر عليهم السلام من أهل البيت عليهم السلام أولهم أمير المؤمنين علي عليه السلام وآخرهم الإمام المهدي بن الحسن عليهم السلام فليس هناك أئمة حق اثنا عشر غيرهم في تأريخ الأمة، فهذا الحديث لا ينطبق إلا عليهم، فليس له مصداق غير أئمة أهل البيت عليهم السلام فقد نص الحديث على استمرار هذا الدين إلى آخر الزمان ببقائهم، وهذا يعني أن خلافتهم خلافة إلهية، بيد الله تعالى وبأمره وبتأييد منه، بحيث يتوقف الدين على وجودهم، وهذا لا يتأتى إلا لمن اختاره الله واصطفاه، ضرورة أن الدين لا يضمحل ولا يزول بذهاب من يوليه الناس وينتخبونه، وهذا المعنى أمر ظاهر يُفهم من ألفاظ الحديث، وما أخبر النبي صلى الله عليه وآله الصحابة بهذا الحديث إلا ليبين لهم قادة الأمة وأئمتهم الذين تجب عليهم طاعتهم وولايتهم.
أضف إلى ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله نص على أسمائهم واحداً واحداً، كما في أحاديث أخرى(١٤٠) هذا ولم تتفق الأمة جميعاً على نزاهة وطهارة اثني عشر رجلاً على التوالي من الأمة غيرهم، ويؤيد ذلك ما ورد في بعض الأحاديث: (كلهم يعمل بالهدى ودين الحق).(١٤١)
وتشهد على ذلك أيضاً عشرات المصادر من كتب التأريخ والحديث والسيرة والأدب عند جمهور المسلمين، فقد تضافرت فيها كلمات كثير من أعلامهم بالثناء والمدح على أئمة أهل البيت عليهم السلام، وهذا لم يتأتى لأحد غيرهم.(١٤٢)
ولعل هذا هو المقصود مما جاء في الحديث المروي (كلهم تجتمع عليه الأمة) مع فرض صحة هذه العبارة يحتمل أن يكون المقصود منها اجتماع الأمة على القول بنزاهتهم واعترافهم بفضلهم، حتى خصومهم الذين جحدوهم لا يقدرون على ذمهم! فإن الله تعالى أظهر شأنهم وأعلى مكانهم مع ما جرى عليهم.
كما أن هذه العبارة وردت بهذا اللفظ فقط في رواية إسماعيل، عن أبيه بلفظ: (أظن ظناً أن أبي قال: كلهم تجتمع عليه الأمة)(١٤٣) فراوي الحديث هنا ليس قاطعاً بصدور هذه الجملة من النبي صلى الله عليه وآله، بل هو مجرد ظن! والظن لا يغني من الحق شيئاً.
وهناك وجه آخر ذكر في كتاب ينابيع المودة، قال: وأما قوله صلى الله عليه وآله في الحديث: (كلهم تجتمع عليه الأمة) في رواية عن جابر بن سمرة فمراده صلى الله عليه وآله أن الأمة تجتمع على الإقرار بإمامة كلهم وقت ظهور قائمهم المهدي (رضي الله عنهم)(١٤٤) والله العالم بحقائق الأمور.
فهذا الحديث لا يقبل التأويل، ولا يحتمل التشكيك في أن المراد منهم هم أئمة أهل البيت عليهم السلام، فقد جاء التعبير عنهم في الروايات الواردة في هذا الشأن تارة بلفظ (خليفة)، وتارة بلفظ (قيم) وتارة بلفظ (أمير) الخ.. وكلها تدل على إمامتهم وولايتهم العامة على الناس كافة، وخلافتهم هذه ليست مجرد حكم أو رئاسة دنيا تنتخب من الناس، إن شاءوا ولوهم، وإن شاءوا عزلوهم! وإنما خلافة إلهية بيد الله تعالى جعلها فيمن انتجبهم واصطفاهم على الناس كافة.
هذا ولم يوجد إمامة اثني عشر على التوالي، وبهذا العدد في الأمة غيرهم، ولم يعرف الناس سواهم بهذه الخصوصية، وعلى كل حال إن هذا الحديث ليس له تفسير إلا بالإئمة الاثني عشر عليهم السلام الذين خلفهم النبي صلى الله عليه وآله في الأمة.
جاء في كتاب ينابيع المودة للقندوزي الحنفي قال بعض المحققين: إن الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعده صلى الله عليه وآله إثنا عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان، علم أن مراد رسول الله صلى الله عليه وآله من حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه، لقلتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يحمله على الملوك الأموية لزيادتهم على اثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلا عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: كلهم من بني هاشم في رواية عبد الملك عن جابر، وإخفاء صوته صلى الله عليه وآله في هذا القول يرجح هذه الرواية، لأنهم لا يُحسِّنون خلافة بني هاشم، ولا يمكن أن يحمله على الملوك العباسية لزيادتهم على العدد المذكور، ولقلة رعايتهم الآية (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)(١٤٥) وحديث الكساء، فلا بد من أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته صلى الله عليه وآله لأنهم كانوا أعلم أهل زمانهم، وأجلهم وأورعهم وأتقاهم، وأعلاهم نسباً، وأفضلهم حسباً، وأكرمهم عند الله، وكان علومهم عن آبائهم متصلاً بجدهم صلى الله عليه وآله وبالوراثة واللدنية، كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق، وأهل الكشف والتوفيق.
ويؤيد هذا المعنى - أي أن مراد النبي صلى الله عليه وآله الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته - ويشهده ويرجحه حديث الثقلين، والأحاديث المتكثرة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها.(١٤٦)
ثانياً: مما يدل على أن خلافة هؤلاء خلافة إلهية، هو تشبيههم بنقباء بني إسرائيل الذين اصطفاهم الله تعالى على الناس في زمانهم كما في حديث عبد الله بن مسعود الذي مر عليك آنفاً، يقول آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني دام ظله الشريف: إن اختياره صلى الله عليه وآله وسلم للتنظير نقباء بني إسرائيل مع أن النظير للعدد متعدد، تنبيه على أن خلافتهم ليست بانتخاب من الناس، بل تعيين من الله، فقد قال الله تعالى عن النقباء: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا).(١٤٧)
إن هؤلاء الأئمة من قريش، فهل يوجد خلفاء فيهم هذه المزايا، إلا على المذهب الحق؟ وهل يمكن تفسير الأئمة الاثني عشر إلا بأئمتنا عليهم السلام؟ وهل تحققت عزّة الإسلام وأهدافه في خلافة يزيد بن معاوية وأمثاله؟! لقد اعترف بعض المحققين من علماء العامة بأن بشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تقبل الانطباق إلا على الأئمة الاثني عشر عليهم السلام...(١٤٨)
يقول السيد محمد رضا المدرسي اليزدي: وبغض النظر عن سائر الروايات التي بينت مسألة الخلافة والإمامة فإن هذه الطائفة من الأحاديث تدل بمفردها على بطلان كافة المذاهب غير مذهب الشيعة الاثني عشرية; بل أبعد من ذلك فهي دلالة صريحة على صحة وأحقية مذهب الشيعة الاثني عشرية; وذلك لأن أحداً من تلك المذاهب الإسلامية لا يعتقد بحصر الإمامة في اثني عشر فرداً سوى مذهب الشيعة، سيما بالالتفات للروايات التي صرحت بأن لكل زمان إماماً، لعدم اعتقاد أية جماعة وفرقة باثني عشر إماماً على طول الدهور والأزمان، بحيث لم يخل أي زمان من إمام من أولئك الأئمة الاثني عشر.
ولذلك تفتخر الشيعة الاثني عشرية من بين سائر الفرق الإسلامية بالاعتقاد بهؤلاء الأئمة الاثني عشر، وأن أولهم علي عليه السلام وآخرهم القائم بالحق المهدي صاحب الزمان عليه السلام وهو حي مغيب.
وعليه فالروايات القطعية والمتواترة (الأئمة اثنا عشر) سيما إذا ضمت إليها الروايات الدالة على استمرار الإمامة على مدى الزمان، لدلالة كافية وافية على بطلان جميع المذاهب غير مذهب الشيعة الاثني عشرية، إلى جانب دلالتها على أحقية المذهب...(١٤٩)
ويقول السيد محمد تقي الحكيم: والذي يستفاد من هذه الروايات:
١ - إن عدد الأمراء أو الخلفاء لا يتجاوز الاثني عشر، وكلهم من قريش.
٢ - وإن هؤلاء الأمراء معينون بالنص، كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني إسرائيل لقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا).
٣ - إن هذه الروايات افترضت لهم البقاء ما بقي الدين الإسلامي، أو حتى تقوم الساعة، كما هو مقتضى رواية مسلم السابقة، وأصرح من ذلك روايته الأخرى في نفس الباب: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان.(١٥٠)
وإذا صحت هذه الاستفادة فهي لا تلتئم إلا مع مبنى الإمامية في عدد الأئمة وبقائهم، وكونهم من المنصوص عليهم من قبله صلى الله عليه وآله، وهي منسجمة جداً مع حديث الثقلين وبقائهما حتى يردا عليه الحوض.
وصحة هذه الاستفادة موقوفة على أن يكون المراد من بقاء الأمر فيهم بقاء الإمامة والخلافة - بالاستحقاق - لا السلطة الظاهرية، لأن الخليفة الشرعي خليفة يستمد سلطته من الله، وهي في حدود السلطنة التشريعية لا التكوينية، لأن هذا النوع من السلطنة هو الذي تقتضيه وظيفته كمشرع، ولا ينافي ذلك ذهاب السلطنة منهم في واقعها الخارجي لتسلط الآخرين عليهم.
على أن الروايات تبقى بلا تفسير لو تخلينا عن حملها على هذا المعنى لبداهة أن السلطنة الظاهرية قد تولاها من قريش أضعاف أضعاف هذا العدد، فضلاً عن انقراض دولهم، وعدم النص على أحد منهم - أمويين وعباسيين - باتفاق المسلمين.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الروايات كانت مأثورة في بعض الصحاح والمسانيد قبل أن يكتمل عدد الأئمة، فلا يحتمل أن تكون من الموضوعات بعد اكتمال العدد المذكور، على أن جميع رواتها من أهل السنة، ومن الموثوقين لديهم.
ولعل حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الأحاديث وملاءمتها للواقع التأريخي، كان منشؤها عدم تمكنهم من تكذيبها، ومن هنا تضاربت الأقوال في توجيهها وبيان المراد منها..
والحقيقة إن هذه الأحاديث لا تقبل توجيهاً إلا على مذهب الإمامية في أئمتهم، واعتبارها من دلائل النبوة في صدقها عن الإخبار بالمغيبات، أولى من محاولة إثارة الشكوك حولها كما صنعه بعض الباحثين المحدثين متخطياً في ذلك جميع الاعتبارات العلمية، وبخاصة بعد أن ثبت صدقها بانطباقها على الأئمة الاثني عشر عليهم السلام على أنا في غنى عن هذه الروايات وغيرها بحديث الثقلين نفسه، فهو الذي ترك بأيدينا مقياساً لتشخيص العصمة في أصحابها، وقديماً قيل: (اعرف الحق تعرف أهله).(١٥١)
والمقياس في العصمة هو عدم الافتراق عن القرآن، فلنمسك بأيدينا هذا المقياس، ونسبر به الواقع السلوكي لجميع من تسموا بالأئمة لدى فرق الشيعة، ونختار أجدرهم بالانطباق عليه لنتمسك بإمامته.
وأظن أن الأنسب والأبعد عن الإدعاء أن نهمل كتب الشيعة على اختلافها، وننزع إلى كتب إخواننا من أهل السنة ونجعلها الحكم في تطبيق هذا المقياس عليهم، فإنها أقرب إلى الموضوعية عادة من كتب قد يقال في حق أصحابها أن كل طائفة تريد التزيد لأئمتها بالخصوص.
ولنا من ابن طولون مؤرخ دمشق في كتابه (الأئمة الاثنا عشر)، وابن حجر في صواعقه، والشيخ سليمان البلخي وغيرهم رادة لأمثال هذه البحوث.
ولنترك قراءة تراجمهم جميعاً للأخ أبي زهرة ليرى أيهم أكثر انسجاماً في واقعه مع المقياس الذي استفدناه من حديث الثقلين، يقول أحمد وهو يعلق على حديث الإمام الرضا عن آبائه عليهم السلام حين مرَّ بنيسابور: لو قرأت هذا الإسناد على مجنون لبرئ من جنته.(١٥٢)
والذي نرجوه ونأمل أن لا ننساه ونحن نستعرض تراجمهم، أن هؤلاء الأئمة الاثني عشر قد ادعوا لأنفسهم الإمامة في عرض السلطة الزمنية، واتخذوا من أنفسهم كما اتخذهم الملايين من أتباعهم قادة للمعارضة السلمية للحكم القائم في زمنهم، وكانوا عرضة للسجون والمراقبة، وكثير منهم قُتل بالسم، وفيهم من استُشهد في ميدان الجهاد على يد القائمين بالحكم.
وفي هؤلاء الأئمة من تولى الإمامة وهو ابن عشرين سنة كالحسن العسكري، بل فيهم من تولى منصبها وهو ابن ثمان كالإمامين الجواد والهادي.
ومن المعروف عن الشيعة ادعاؤهم العصمة لأئمتهم الملازمة لدعوى الإحاطة في شؤون الشريعة جميعها، بل ادعوا الأعلمية لهم في جميع الشؤون، وهم أنفسهم صرّحوا بذلك.
ومن كلمات أئمتهم في ذلك كله ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهجه الخالد: نحن شجرة النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحِكَم..(١٥٣) وقوله عليه السلام: أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا، أن رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى، إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم...(١٥٤)
وقول علي بن الحسين السجاد عليه السلام: وذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا! واحتجوا بمتشابه القرآن، فتأولوا بآرائهم، واتهموا مأثور الخبر فينا، إلى أن يقول: فإلى من يفزع خلف هذه الأمة، وقد درست أعلام هذه الأمة، ودانت الأمة بالفرقة والاختلاف يكفر بعضهم بعضاً، والله تعالى يقول: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ)(١٥٥) فمن الموثوق به على إبلاغ الحجة، وتأويل الحكم إلا أعدال الكتاب، وأبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده، ولم يدع الخلق سدى من غير حجة، هل تعرفونهم أو تجدونهم إلا من فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا...(١٥٦)
ومع هذه الأقوال ونظيرها صادر عن أكثر الأئمة، وهم مصحرون بمبادئهم، أما كان بوسع السلطة وهي تملك ما تملك من وسائل القمع أن تقضي على هذه الجبهة من المعارضة ذات الدعاوى العريضة من أيسر طرقها، وذلك بتعريض أئمتها لشيء من الامتحان العسير في بعض ما يملكه العصر من معارف، وبخاصة ما يتصل منها بغوامض الفقه والتشريع ليسقط دعواها في الأعلمية من الأساس، أو يعرضهم إلى شيء من الامتحان في الأخلاق والسلوك ليسقط ادعاءهم العصمة.
وإذا كان في الكبار منهم عصمة وعلم، نتيجة دربة ومعاناة فما هو الشأن في ابن عشرين عاماً أو ابن ثمان، فهل تملك الوسائل الطبيعية تعليلاً لتمثلهم لذلك كله.
ولو كان هؤلاء الأئمة في زوايا أو تكايا، وكانوا محجوبين عن الرأي العام، كما هو الشأن في أئمة الإسماعيلية أو بعض الفرق الباطنية لكان لإضفاء الغموض والمناقبية على سلوكهم من الاتباع مجال، ولكن ما نصنع وهم مصحرون بأفكارهم وسلوكهم وواقعهم، تجاه السلطة وغيرها من خصومهم في الفكر، والتأريخ حافل بمواقف السلطة منهم، ومحاربتها لأفكارهم، وتعريضهم لمختلف وسائل الإغراء والاختبار، ومع ذلك فقد حفل التأريخ بنتائج اختباراتهم المشرفة وسجلها بإكبار.(١٥٧)
ونخلص من ذلك كله إلى أن: (هذه الأحاديث لا تنطبق إلا على مذهب الإمامية، لأنه ليس في الأمة من قد ادعى هذا العدد غير الأئمة الاثني عشر عليهم السلام ولا تنطبق على غيرهم كائناً من كان، وقد صنف في هذه الأحاديث العلامة محمد معين السندي كتاباً مفرداً سماه (مواهب سيد البشر في حديث أئمة الاثني عشر) وأثبت أن المراد بهذه الأحاديث أئمتنا الاثني عشر المعروفين بأسمائهم عليهم السلام كما أنه أثبت أيضاً في كتابه (دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب) إن الذين أمر بالرجوع إليهم من العترة في حديث الثقلين هم الأئمة الاثني عشر عليهم السلام الذين لا شائبة في كونهم معصومين، ومختصين بالعلوم التي تلقوها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومنها: النصوص المصرحة بأسمائهم وأوصافهم عليهم السلام، وقد أخرجها من طرق العامة القندوزي في ينابيع المودة عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي أنت وصيي، حربك حربي، وسلمك سلمي، وأنت الإمام، وأبو الأئمة الإحدى عشر الذين هم المطهرون المعصومون، ومنهم المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.(١٥٨)
وأخرج (أيضاً) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الأئمة من بعدي اثنا عشر، أولهم أنت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح الله عزَّ وجلَّ على يديه مشارق الأرض ومغاربها.(١٥٩)
وأخرج الحموئي في فرايد السمطين، والسيد علي الهمداني في مودة القربى: عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا سيد النبيين، وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين، وأن أوصيائي اثنا عشر، أولهم علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم(١٦٠) إلى آخر تلك النصوص الواردة في حقهم عليهم السلام).(١٦١)
وكل هذه الأحاديث التي سقناها إليك آنفاً تدل بمجموعها على ما بيناه، ويفسر بعضها بعضاً، فهي جميعها من باب واحد، يفهمها كل من له أدنى اطلاع على فقه الحديث الشريف، ومن الأساتذة الذين توصلوا إلى ذلك، واعترفوا بانطباقها على أئمة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السلام هو الأستاذ سعيد أيوب المصري في كتابه ابتلاءات الأمم، إذ يقول: ولما كانت منزلة علي بن أبي طالب من النبي صلى لله عليه وآله وسلم كمنزلة هارون من موسى، ولما كان أهل موسى من ذرية هارون هم وحدهم أهل الاختصاص بتفسير الشريعة، وأهل محمد صلى الله عليه وآله هم وحدهم مع القرآن الكريم في حبل واحد، ولن يفترقا حتى يردوا على الحوض، فعلى هذا يمكن فهم حديث الاثني عشر أميراً السابق ذكره، والذي روي بألفاظ متعددة، ومنها قول النبي صلى الله عليه وآله: إن عدة الخلفاء بعدي عدة نقباء موسى، وفي رواية: اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل.
والأمة الخاتمة امتحنها الله تعالى بأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله كما امتحن سبحانه بني إسرائيل بأهل بيت موسى من بعده، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.(١٦٢)
وقال صلى الله عليه وآله: يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي.(١٦٣)
وانطلقت المسيرة تحت مظلة الامتحان، لينظر الله تعالى إلى عباده كيف يعملون! بعد أن استخلفهم كما استخلف الذين من قبلهم، ومن معجزات النبوة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لا تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى، قال: فمن؟!.(١٦٤)
المراد بالشبر والذراع وجحر الضب: التمثيل بشدة الموافقة لهم.. وكل مقدمة أول الزمان ستلحق بها نتيجتها آخر الزمان، والناس في بداية الطريق، يعرفون طريق الخير وطريق الشر، ولكن للأهواء زخرف وزينة، ومع الأهواء يسيرون في طريق لا يرون إلا بدايته أو وسطه ولا يرون في نهاية الطريق، لأن نهاية الطريق لا ترى إلا بعد أن تجيء.(١٦٥)
الإمام المهدي عليه السلام أحد الخلفاء الإثني عشر
قد اعترف بعض أكابر السنة بأن الإمام المهدي عليه السلام هو أحد الخلفاء الإثني عشر الذين بشر بهم النبي صلى الله عليه وآله، ولا سبيل لإنكار ذلك، مع وضوح الحديث الذي لايقبل الشك في كون الإمام المهدي عليه السلام هو أحد الذين سوف يكون الدين عزيزاً منيعاً في أيامهم، والقول خلاف ذلك، وإخراجه من هذه الدائرة يلزم منه تكذيب هذه الأحاديث الشريفة.
ومما لا شك فيه أن عصر الإمام المهدي عليه السلام من أظهر مصاديق العزة والكرامة، إذ سوف تظهر هذه العزة بشكلٍ بيّن لسائر الأمم، وأي منعة وعزة للدين أعظم من ظهوره على سائر الأديان في زمنه حتى لايبقى ظلمٌ على وجه الأرض، ولا دينٌ غير الإسلام، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ).(١٦٦)
قال البستوي: إلا أن هناك أقوالاً تفسر هذا الحديث (أي حديث الخلفاء اثنا عشر) بحيث أن المهدي يدخل فيه، ولعل الإمام أبا داود يفسر الحديث بهذه الأقوال أيضاً، ولذلك أورد هذا الحديث في باب المهدي(١٦٧).(١٦٨)
وقال البستوي في موضع آخر: إن الحديث لا شك في صحته، وإن بعض العلماء يعد المهدي المبشر من هؤلاء الاثني عشر، وعلى هذا ذكره الإمام أبو داود في باب المهدي من سننه.(١٦٩)
وأضيف القول هنا أيضاً: قد أصحرت نصوص أخرى على إمامة الإمام المهدي عليه السلام من كتب السنة، فعلى هذا لا يسوغ لأحد أن ينكر إمامته التي جاءت بالنص عليه كما في جملة من الروايات المتواترة عند السنة، فليست إمامته إذن بالإنتخاب أو البيعة أو الشورى، فليس لأحد من الناس يد في توليته، ويكفي في دلائل إمامته عليه السلام أن المسيح عيسى بن مريم يصلي خلفه.
فعلى هذا لابد للسنة إذن أن يلتزموا بالقول أن إمامته من الله تعالى، وكذلك ما يتفرع عليها من شؤون الإمامة وخصائصها،، ويتفرع على هذا أيضاً الإلتزام ببطلان جميع خلافة الخلفاء والحكام في وقت خروجه وظهوره، ووجوب تسليم أزمة الأمور كلها إليه، فليس لأحد غيره أمر أو نهي، ووجب على الجميع طاعته والإنقياد إليه، لأنه ليس هناك خليفة حقّ غيره.
ونخلص من هذا كله أن إمامة المهدي عليه السلام إمامة شرعية من الله تعالى، وبتأييد منه، وقد اعترف الدكتور عبد العليم البستوي بذلك في قوله: وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين.. ويصلي عيسى خلفه، ولقد كان الأمر سهلاً ميسوراً، فلم يكن وجود خلافة من هذا القبيل أمراً مستبعداً على العقول والأذهان، ولا بعيداً عن القلوب والوجدان...(١٧٠)
أقول: ومن الروايات الواردة في كتب السنة والتي نصت على إمامته، وكونه خليفة الله تعالى، هو ماجاء في مسند أحمد بن حنبل: عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان، فائتوها، فإن فيها خليفة الله المهدي.(١٧١)
وفي بعضها الأخرى أيضاً جاء بلفظ (ليبعثن الله) وهي صريحة في كونه إماماً من الله تعالى، كما في رواية أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: ليبعثن الله عزَّ وجلَّ في هذه الأمة خليفة يحثي المال حثياً، ولا يعده عداً.(١٧٢)
وقد جاء ذلك أيضاً على لسان بعض الصحابة كابن عباس، فقد كان يقول: يبعث الله تعالى المهدي بعد أياس، وحتى يقول الناس: لا مهدي.(١٧٣)
هذا وقد نصت أيضاً بعض الروايات على أن الله تعالى يصلح أمره في ليلة(١٧٤) وأيّ تأييد إلهي أعظم من هذا! إذ يجمع الله له أمره كله في ليلة واحدة، ويهيأ له أسباب النصر والظفر، ويورثه جميع الأمور، فهذا لا يتسنى إلا لذي حظ عظيم عند الله تعالى قد اصطفاه على سائر الناس كافة.
كما أن هذه الروايات وأمثالها تؤيد ماذهبت إليه الشيعة الإمامية من أن تعيين الإمام هو بيد الله تعالى، وليس خاضعاً للبشر، وليس لهم في ذلك يد، فالإمامة لا تنعقد بالشورى أو البيعة!
ونخلص من هذا أيضاً: أنه قد ثبتت إمامة الإمام المهدي عليه السلام من الله تعالى بالنص عليه، وأنه خليفة الله كما في روايات السنة، وهو أيضاً أحد الخلفاء الاثني عشر الذين بشّر بهم النبي صلى الله عليه وآله ونص على خلافتهم، وعزة الدين في أيامهم، وذهاب الحياة بذهابهم.
فعلى هذا لا بد من القول بإمامة جميع هؤلاء الخلفاء الاثني عشر على حدّ سواء، وأن خلافتهم من الله تعالى، اصطفاهم لعزة دينه، وجعلهم ولاة على الناس بأمره، وافترض طاعتهم على الناس كافة، فلا يمكن أبداً التفكيك في إمامة بعض دون آخرين من هؤلاء الإثني عشر، فكلهم في فلك واحد، ومن سنخ واحد، والقول بإمامة بعض دون بعض منهم، وانتقاء آخرين من غير هذه المنظومة ما هو إلا تخبط وافتراء يرفضه منطق البحث العلمي الموضوعي.(١٧٥)
وما زعمه السنة أنهم من الخلفاء الاثني عشر، ممن انتقوهم من هنا وهناك! ليسوا على الإطلاق من سنخ الإمام المهدي عليه السلام، وحاشا أن يُخلط هذا الإمام الذي يصلي خلفه نبي الله عيسى بن مريم، ويُحشر في عداد من ذكروهم من سائر الخلفاء الذين اختاروهم بلا دليل ولا برهان، ممن لا يوزنون بالإمام المهدي عليه السلام لا في علم ولا حلم، ولا في سائر الخصال الأخرى.. وهذا الأمر غير قابل للإنكار!
وأنى يقاس به أحد! وهو من أهل البيت الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.. وهو الذي قال في حقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما روي عنه: المهدي طاووس أهل الجنة(١٧٦) فهو الإمام النقي التقي الذي يبعثه الله تعالى فيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً، وقد جاء في بعض الروايات (كلهم يعمل بالهدى ودين الحق)(١٧٧) إن هذه شهادة عظيمة لا تنطبق إلا على من اصطفاه الله تعالى وعصمه، وهم الأئمة المعصومون الاثنا عشر من أهل البيت عليهم السلام فهم الذين كانوا على نسق واحد حلماً وعلماً وطهارة، وفي سائر الخصال الأخرى، فكيف يقاس به هؤلاء؟! وهو من قد علمت، لا يدرك شأوه..!
ولكننا نرى أن السنة لم يعولوا على مضامين هذه الأحاديث الشريفة مع ظهورها البيّن في إمامة أهل البيت عليهم السلام على الأمة، مع روايتهم لها في مصادرهم، فإن مفاد هذه النصوص كلها لا ينطبق إلا على الأئمة الإثني عشر من أهل البيت عليهم السلام الذين تقول الشيعة الإمامية بإمامتهم وعصمتهم عليهم السلام، فتركوهم إلى غيرهم، ومع ذلك تحيروا في تطبيق هذا الحديث على أي من الخلفاء، وكثير منهم ممن سمى بعض الخلفاء أورده على سبيل الإحتمال لا القطع إلى غير ذلك مما تلمسوه للحديث من التفاسير الواهية والعشوائية التي لا يتحملها منطق البحث العلمي!.

الأمر الثالث: إن الأرض لا تخلو منهم أبداً
وقد نصت هذه الروايات أيضاً على استمرار هذا الدين وعدم انقطاعه إلى آخر الزمان على وجود الخلفاء الاثني عشر، ولو كان الدين يبقى بدونهم لأصبحت كلّ هذه الأحاديث لغواً.
فقد جاء في صدر بعض هذه الروايات (لا يزال هذا الدين قائماً) وفي عبارة أخرى (لا يضر هذا الدين من ناوأه) وفي عبارة ثالثة (لا تبرحون بخير ما قام عليكم اثنا عشر أميراً) وفي عبارة رابعة (لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة) وفي خامسة كما في رواية أبي جحيفة (لا يزال أمر أمتي صالحاً حتى يمضى اثنا عشر خليفة) وكلّ هذه التعابير والألفاظ عبارة عن استمرار الدين ببقائهم ووجودهم، ومعنى هذا هم عماد الدين وسنامه، فإذا ذهبوا انتهى العالم.
وهذا الأمر ينطبق تمام الإنطباق على قول الشيعةالإمامية أن الأرض لاتخلو من حجة لله تعالى في الأرض، لا يستقيم الدين إلا به، وقد ورد عندنا نفس معاني هذه الأحاديث في مصادرنا في حق الأئمة من أهل البيت عليهم السلام، والتي منها:
ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: اللهم إنك لا تخلي الأرض من حجة لك على خلقك ظاهر أو خاف مغمور لئلا تبطل حججك وبيناتك.
وعن أبي عبد الله، عن آبائه، عن علي عليهم السلام أنه قال في خطبة له على منبر الكوفة: اللهم إنه لابد لأرضك من حجة لك على خلقك، يهديهم إلى دينك، ويعلمهم علمك، لئلا تبطل حجتك، ولا يضل أتباع أوليائك بعد إذ هديتهم به، إما ظاهر ليس بالمطاع، أو مكتتم مترقب، إن غاب عن الناس شخصه في حال هدايتهم، فإن علمه وآدابه في قلوب المؤمنين مثبتة، فهم بها عاملون.(١٧٨)
وعن يعقوب السراج قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: تبقى الأرض بلا عالم حي ظاهر يفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم؟ فقال لي: إذاً لا يعبد الله يا أبا يوسف.
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن الله لا يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان، فإذا زاد المؤمنون شيئاً ردهم، وإذا نقصوا أكمله لهم، فقال: خذوه كاملاً، ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين أمرهم، ولم يفرق بين الحق والباطل.(١٧٩)
الأمر الرابع: انتهاء العالم بذهابهم جميعاً
ويستفاد من مجموع هذه الأحاديث أيضاً أن نهاية العالم تكون بموت الخليفة الثاني عشر، ويفهم هذا من كلمة (ثم يكون الهرج)(١٨٠) وهو عبارة عن الفتنة والقتل(١٨١) ويؤيده أيضاً كلمة (ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة) وكذلك قوله: (لن يزال هذا الدين قائماً إلى اثني عشر من قريش، فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها).(١٨٢)
وفي فتح الباري عن ابن الجوزي: (ثم يكون الهرج) أي الفتن المؤذنة بقيام الساعة من خروج الدجال، ثم يأجوج ومأجوج إلى أن تنقضي الدنيا.(١٨٣)
ردود ونقود:
دعوى أن الخلفاء الإثني عشر قد انتهوا بنهاية خلافة هشام بن عبد الملك
قال البستوي: ولكن الراجح كما سبق أن الاثني عشر خليفة قد انتهوا بنهاية خلافة هشام بن عبد الملك الأموي، ولا شك أن الدين كان قائماً ظاهراً في أيامهم مع وجود بعض الخلافات الداخلية في فترات مختلفة والله أعلم.(١٨٤)
أقول: أولاً: هذه الدعوى لا دليل عليها، وما هي إلا تخرص! ولو كان ذلك صحيحاً لما خفي على أمة الإسلام كلها، وعلمه فقط البستوي وأمثاله! فإن الناس كلهم، وكذلك أهل السير والتاريخ لا يفرقون بين زمن هشام بن عبد الملك وزمن من أتى من بعده، وكلاهما على حدٍّ سواء!
ثانياً: هناك بعض النصوص التي تشير إلى نهاية الحياة بعد الإمام الخليفة الثاني عشر، وهذا لا يتناسب مع هذا القول! فمن الروايات ما رواه المتقي الهندي: عن ابن النجار، عن أنس، عن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله: لن يزال هذا الدين قائماً إلى اثني عشر من قريش، فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها.(١٨٥)
وفي المعجم الكبير: (لا يزال الدين قائماً حتى يكون اثنا عشر خليفة من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة).(١٨٦)
وفي صحيح ابن حبان: عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: يكون بعدي اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش، فلما رجع إلى منزله أتته قريش، قالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج.(١٨٧)
وهي صريحة في أن قيام الساعة تكون بعد موت الخليفة الثاني عشر، وكل هذه العبارات ترجع إلى أمر واحد، وهو قيام الساعة!
ومن هنا ذكر أبو داود في السنن حديث الخلفاء الاثني عشر في باب المهدي، مما يدل على أنه قد عده الثاني عشر من سلسلة الخلفاء، فعلى هذا يكون خاتمة الخلفاء.
دعوى أن هؤلاء الخلفاء ليسوا على التوالي
قال ابن كثير: ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحاً يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم بل قد وجد منهم أربعة على نسق، وهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره...(١٨٨)
وقال السيوطي: إن المراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى القيامة يعملون بالحق، وإن لم يتوالوا.(١٨٩)
وفي المرقاة: قال التوربشتي: السبيل في هذا الحديث، وما يتعقبه في هذا المعنى، أن يحمل على المقسطين منهم، فإنهم هم المستحقون لاسم الخليفة على الحقيقة، ولا يلزم أن يكونوا على الولاء...(١٩٠).
وقال البستوي: ومن جملة هذه الأقوال: إن الحديث يبشر بوجود اثني عشر خليفة من أمراء الإسلام يعملون بسنة النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم، ولا يلزم أن يكونوا متوالين بل في مدة الإسلام كله إلى يوم القيامة، وقد ذكر العظيم آبادي(١٩١) عن بعض العلماء أنهم قالوا: قد مضى منهم الخلفاء الأربعة، ولا بد من تمام هذا العدد قبل قيام الساعة.(١٩٢)
أقول في جوابه: إن هذه الدعوى غير صحيحة، وذلك لأمور، منها:
أولاً: ما جاء في مضامين الحديث يخالف ما ذكر من التوجيه! فقد جاء في بعض ألفاظ الأحاديث، وهي بلا شك تفسر بعضها بعضاً: (لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)(١٩٣) فهو صريح في أن الدين مستمر ببركة هؤلاء الاثني عشر، فلا يمكن أن تخلو فترة زمنية من أحدهم أبداً إلى أن تقوم الساعة.
وقد جاء في حديث آخر أيضاً: (لا يزال الدين عزيزاً) وهو ظاهر في كونهم على التوالي، إذ كونه عزيزاً ومنيعاً إلى يوم القيامة إنما هو بوجودهم، وهذا يقتضي عدم خلو الزمان من أحدهم، وإلا لكان وجودهم وعدمهم سواء، ولا معنى أيضاً لأن يكون الدين عزيزاً في فترة دون أخرى!
ثانياً: لو كان المقصود أنهم ليسوا على التوالي لعرفهم سائر الناس، ولما خفي عليهم، ولميزوا عصورهم من عصور غيرهم، لأن أيامهم أيام نور وعزة بخلاف ايام غيرهم، فلو كان الأمر كما يزعمون لاشتهر هذه الأيام بين عامة الناس، ولما خفيت عليهم وعلمها بعض الأفراد فقط ممن يدعي أنهم ليسوا على التوالي! فإن عزة الإسلام ومنعته وقوته في أي زمن لا تخفى على الناس، شدة أو ضعفاً!.
ثم أن هؤلاء أنفسهم مضطربون أيضاً ومختلفون في تحديد هذه العصور من غيرها، فكلٌّ منهم ذهب إلى مذهب خلاف الآخر في تعيين زمن هؤلاء الخلفاء! وتحديد أيامهم، فلماذا لم يهتدوا إلى تمييز هذه الفترات بعينها، إذا كان الدين عزيزاً منيعاً في فترات حكمهم كما يقولون، ولكنهم للأسف ذهبوا إلى الإنتقاء العشوائي في تعيين هؤلاء الخلفاء، بلا برهان ولا دليل، وما هو إلا تعسف، مالكم كيف تحكمون!
ثالثاً: لو كان مايدعونه صحيحاً من كونهم ليسوا على التوالي، فلماذا تجاهل أو جهل كلّ هؤلاء الخلفاء هذا الحديث، ولم يعلموا أنه يعنيهم، فلماذا لم يخبروا الناس بهذا الوسام الخاص بهم، ولماذا لم يحتجوا به يوماً من الأيام على مناوئيهم وخصومهم، ولم يفتخروا به، لأن الدين أصبح عزيزاً منيعاً ظاهراً في أيامهم؟!
وأيّ وسام أعظم شأنا من هذا الوسام الذي يفتخر به كلُّ إنسان، أفكلُّ هؤلاء الخلفاء الذين حكموا لم يعرفوا حقيقة هذا الحديث وأنه يعنيهم! وعلمه فقط بعض الناس ممن أتى من بعدهم بمئات السنوات! ولو كان كما يقولون لذكره هؤلاء الحكام الذين سموهم، ولأطراهم الشعراء، وضمنوا ذلك في أشعارهم، ولكنا لم نجد شيء يذكر من ذلك كله!
ويؤيد أيضاً كون هؤلاء الخلفاء على التوالي حديث الثقلين كما في قوله صلى الله عليه وآله: (لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض) وهو ظاهر في عدم خلو الزمان من عترة النبي صلى الله عليه وآله، فعدم افتراق القرآن عن العترة يعني بقاءهم جنباً إلى جنب إلى أن يأتيا الحوض.
وما أخرجه أيضاً الجويني بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب عليه السلام في حديث له: ومثل الأئمة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجى، ومن تخلف عنها غرق، ومثلكم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة.(١٩٤)
وجاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام: ألا إن مثل آل محمد صلى الله عليه وآله كمثل نجوم السماء إذا خوى نجم طلع نجم، فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم تأملون.(١٩٥)
فمفاد هذه الأحاديث هو عدم خلو الزمان منهم أبداً، وأنه كلما غاب نجم منهم طلع آخر.
زعمهم أنا نقول: إن الدين لم يظهر بالخلفاء الاثني عشر
قال ولي الله الدهلوي في كتابه (قرة العينين في تفضيل الشيخين): إن القائلين باثني عشر أئمة لم يقولوا بظهور الدين بهم، بل يزعمون أن الدين قد اختفى بعد وفاته صلى الله عليه (وآله) وسلم، والأئمة كانوا يعملون بالتقية، وما استطاعوا أن يظهروه حتى أن علياً رضي الله عنه لم يقدر على إظهار مذهبه ومشربه.(١٩٦)
أولاً: قوله: (إن القائلين باثني عشر أئمة لم يقولوا بظهور الدين بهم)؟ هذا كذب محض، بل نحن نقول أن الدين لم يظهر إلا بهم، فهم حماة الدين وعموده، وما كمل الدين إلا بولايتهم، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)(١٩٧) كما أصحر النبي صلى الله عليه وآله بذلك في يوم غدير خمٍّ(١٩٨)، وكيف لا يظهر الدين بهم! وهم كما قال عنهم النبي صلى الله عليه وآله كما روي: أئمة الهدى، ومصابيح الدجى(١٩٩) وقال عنهم: ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.(٢٠٠)
ثانياً: قوله: (بل يزعمون أن الدين قد اختفى بعد وفاته صلى الله عليه (وآله) وسلم
أقول: وهذا أيضاً كسابقه، فأين مصدر هذا الكلام، وعن أي كتاب أخذه، وما هو إلا افتراء؟! فإن الشيعة لم تقل أن الدين قد اختفى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، وإنما تقول: أن الحق أصبح بيد غير أهله، والكل يعلم ماذا يترتب على ذلك من أمور لا تحمد عقباها في الأمة.(٢٠١)
وأما دين الله تعالى فهو قائم إلى يوم القيامة، والحق ظاهر على كل حال، ولا يضر انصراف أكثر الناس عنه، ولا استيحاش من قلة سالكي طريق الحق، قال تعالى: (وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).(٢٠٢)
وأما بيان حقيقة ما جرى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، فنترك ذلك للقرآن الكريم لتقف على الحقيقة (وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)(٢٠٣) قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)(٢٠٤) فهذه حقيقة الأمر التي جرت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله، وقد أنبأ بها القرآن قبل وقوعها، ومما لا شك فيه أن هذا الإنقلاب البغيض ترك آثاره السيئة في الأمة، وصرف أكثر الناس عن اتباع أهل البيت عليهم السلام، حتى جرى عليهم ما جرى.
فما حدث من اضمحلال في الدين ومحق في سنة الرسول صلى الله عليه وآله، إنما هو بسبب المعاندين، وولاة الجور الذين تولوا رقاب الناس بغير حق فأهلكوهم، هذا وقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله بهذا الخطر المحدق بالأمة، ومن ذلك قوله: هلكة أمتي علي يدي غلمة من قريش..(٢٠٥) وفي رواية: هلاك هذه الأمة على يدي أغيلمة من قريش.(٢٠٦)
وقوله أيضاً كما في رواية أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلاً اتخذوا دين الله دغلا، ومال الله دولا، وعباد الله خولا.(٢٠٧)
وقوله الآخر أيضاً كما عن حذيفة بن اليمان، عن رسول الله صلى الله عليه وآله: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس..(٢٠٨).
وإنما هلك الناس وفتنهم عن دينهم هؤلاء وأمثالهم! من الفراعنة وغيرهم من الذين اتخذوا دين الله لعباً ولهواً، وغرتهم الحياة الدنيا، فأضلوا الناس عن دينهم وفتنوهم.
وأما أهل البيت عليهم السلام فهم حماة الدين، وسفينة النجاة، وأمان أهل الأرض إلى يوم القيامة، وكيف لا يكونون كذلك، وهم أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل، ومعدن العلم والتأويل، الذين قال في حقهم رسول الله صلى الله عليه وآله: (وأهل بيتي أمان لأهل الأرض) وقال فيهم: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق).
وقال أمير المؤمنين عليه السلام في حقهم أيضاً كما روي عنه: ألا إن أبرار عترتي، وأطايب أرومتي، أحلم الناس صغارا، وأعلم الناس كبارا، ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا، ومعنا راية الحق، من تبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق، ألا وبنا يدرك ترة كل مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل عن أعناقكم، وبنا فتح لا بكم، ومنا يختم لا بكم.(٢٠٩)
ثالثاً: إن ما جرى على أهل البيت عليهم السلام من اضطهاد وإقصاء وغير ذلك اضطرهم للعمل بالتقية، وعدم الظهور بشكل طبيعي، وما تعرض إليه أيضاً أتباعهم! وهذا كله أثر سلباً في عدم انتشار أمرهم بين كافة الناس، ولكن عمل أهل البيت عليهم السلام بالتقية، وإقصائهم، وعدم قدرتهم الكاملة على إظهار عقائدهم ونشرها بين الناس لا يضر إمامتهم وخلافتهم، فإن الدين باق ومستمر ببركة وجودهم في الأمة، وإن جرى عليهم ماجرى! ولكن عامة الناس هم الذين حرموا أنفسهم من علوم أهل البيت عليهم السلام وعطائهم، حينما استبدلوا بهم غيرهم! وتخلوا عنهم، فشابه حالهم حينئذ حال الأنبياء الذين لم يُطع لهم أمر، ولم تُرع لهم حرمة، ولم يعرف لهم قدر، وكل ذلك لم يضر بنبوتهم ورسالاتهم، قال تعالى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).(٢١٠)
ونعود هنا، ونقول: إن المقصود من قوله: (ظاهرين) كما في الحديث يعني ظهور حجتهم، وعلو شأنهم، لا ظهور سلطنة وحكم! فهم مؤيدون من قبل الله تعالى، وحجتهم ظاهرة على الناس، ولهم الولاية عليهم، وبقاء الدين بهم، وإن كانت الغلبة الظاهرية لغيرهم.
وكما تقدم في بعض الأحاديث (لا يضرهم من خذلهم)(٢١١) وفي أخرى (لا يضرهم عداوة من عاداهم)(٢١٢) وكذلك قوله: (لا يضر هذا الدين من ناوأه حتى يقوم اثنا عشر خليفة)(٢١٣) فكل هذه العبارات تدل على التأييد الإلهي لهم بالنصر والمؤازرة، كما أيد أنبياءه، ورفع شأنهم، مهما اجتهد الظلمة في محو آثارهم وطمس معالمهم، فالغلبة الحقيقية لهم، قال تعالى: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ)(٢١٤) أي عاليين غالبين(٢١٥) وقال تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).(٢١٦)
فلهم الغلبة بالحجة على الباطل على كلّ حال، وإن قتلوهم في الدنيا وشرّدوهم! قال تعالى: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)(٢١٧) وقال تعالى: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ)(٢١٨) وقال تعالى: (فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْغَالِبُونَ)(٢١٩) وفي النهاية هم المنتصرون لا محالة، ولهم الغلبة على جميع أعدائهم، وقد وعدهم الله تعالى بأن يورثهم الأرض بعدما استضعفوا فيها، كما في قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)(٢٢٠) وأي نصر أعظم من هذا النصر، وأي كرامة أعظم من هذه الكرامة حيث يورثهم جميع الأمور، ويؤتيهم ملكاً عظيماً.
ومن الأحاديث التي تؤيد هذا المعنى الذي قدمناه، وكلها شواهد يتلو بعضها بعضاً فيما قدمناه والتي تدل على النص في استخلاف أهل البيت عليهم السلام، والتأييد الإلهي لهم، منها ما يلي:
مارواه ابن ماجة: عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها.(٢٢١)
وروى ابن سلامة: عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله.(٢٢٢)
وروى ابن حبان: عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: لا تزال طائفة(٢٢٣) من أمتي منصورين لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة.(٢٢٤)
فانظر هذه الأحاديث وأمثالها فإنها لا تنطبق إلا على أهل البيت عليهم السلام، فهم المنصورون رغم ما جرى عليهم من اضطهاد وإقصاء، ولعل في هذه الأحاديث أيضاً إشارة إلى كثرة مخالفي أئمة أهل البيت عليهم السلام من الناس، كما هو حاصل في جميع الأزمنة حتى يظهر الإمام المهدي المنتظر عليه السلام.
ونذكر هنا بأمر يناسب المقام، وهو: أن النبي صلى الله عليه وآله قد دعى لسيد العترة علي بن أبي طالب عليه السلام بنصر من نصره وخذلان من خذله(٢٢٥) لعلمه بما سوف يتعرض له من ظلم وخذلان من هذه الأمة، هو وأهل بيته عليهم السلام وكم حاول أعداؤهم وجاحدوا حقّهم خمد ذكرهم، والحط من شأنهم، فلا يزدادون إلا تألقاً، ورفعة، وسمواً.
وفي هذا خير شاهد على انطباق هذه الأحاديث عليهم، فهي قد تضمنت التطمين بنصر الله تعالى، وتأييده لهم مهما بلغ من عداوة الناس لهم.
هذا وقد أخبرت بهذه الحقيقة وأصحرت بها مولاتنا زينب ابنة علي عليهما السلام قبل أكثر من ألف وثلاث مائة عام حينما قالت للإمام زين العابدين عليه السلام وهم في الأسر بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام: وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً، وأمره إلا علواً.(٢٢٦)
وقولها الآخر ليزيد بن معاوية: فما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، بئس للظالمين بدلاً، وما ربّك بظلام للعبيد، فإلى الله المشتكى، وعليه المتكل، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، والحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة، ولآخرنا بالشهادة.(٢٢٧)
والسرُّ في بقاء ذكرهم وأمرهم إلى يومك هذا مع ماجرى عليهم من أحداث دامية، أن الله تعالى هو الذي تولى نصرهم، وخذلان من خذلهم، وهذا كله مصداق لحديث النبي صلى الله عليه وآله الذي مر عليك آنفاً (لا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة).
ومن الشواهد على ذلك أيضاً هو ما نقله ابن أبي الحديد عن شيخه أبي جعفر الإسكافي، في أن ظهور فضائل أمير المؤمنين عليه السلام هو معجزة مع ماجرى عليه من أعدائه ومخالفيه ماجرى، قال: فالأحاديث الواردة في فضله عليه السلام لو لم تكن في الشهرة والاستفاضة، وكثرة النقل إلى غاية بعيدة، لا نقطع نقلها للخوف والتقية من بني مروان مع طول المدة، وشدة العداوة، ولولا أن لله تعالى في هذا الرجل سراً يعلمه من يعلمه لم يرو في فضله حديث، ولا عرفت له منقبة، ألا ترى أن رئيس قرية لو سخط على واحد من أهلها، ومنع الناس أن يذكروه بخير وصلاح لخمل ذكره، ونسي اسمه، وصار وهو موجود معدوماً، وهو حي ميتاً!.(٢٢٨)
ولنعم ما قاله الشيخ الوائلي في هذا المعنى يخاطب أمير المؤمنين عليه السلام:

ورجعت أعذر شانئيك بفعلهم * * * فمتى التقى المذبوحُ والسكينُ
بدرٌ وأحدٌ والهراسُ وخيبرٌ * * * والنهروانُ ومثلها صفينُ
رأسٌ يطيح بها وينذرُ كاهل * * * ويدٌ تجذ ويجدعُ العرنينُ
هذا رصيدكُ بالنفوس فما ترى * * * أيحبك المذبوحُ والمطعونُ
ومن البداهة والديون ثقيلةٌ * * * في أن يقاضى دائنٌ ومدينُ
حقدٌ إلى حسدٍ وخسةِ معدنٍ * * * مطرت عليك وكلهن هتونُ
راموا بها أن يدفنوك فهالهم * * * أن عاد سعيهمُ هو المدفونُ
وتوهموا أن يغرقوك بشتمهم * * * أتخاف من غرقٍ وأنت سفينُ
ستظل تحسبك الكواكب كوكباً * * * ويهزّ سمع الدهر منك رنينُ
وتعيش من بعد الخلود دلالةً * * * في أن ما تهوى السماء يكونُ

ظهور الدين بالأئمة عليهم السلام
ونلفت النظر هنا أنه جاء في بعض الأحاديث (لا تزال أمتي ظاهرين على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم..)(٢٢٩) فليس المراد منه ظهور جميع الأمة، بل يراد منه فئة خاصة من الأمة، حيث أن هذا الحديث يتفق مع مضامين ما مر من الأحاديث الشريفة، كقوله صلى الله عليه وآله كما روي عنه: (لا يزال هذا الأمر عزيزاً منيعاً ظاهراً على من ناواه حتى يملك اثنا عشر..)(٢٣٠) وكقوله: (لا يضر هذا الدين من ناوأه..) فظهور هذا الدين إنما هو بهؤلاء الأئمة الاثني عشر عليهم السلام.
فهذه كلها قرائن تدل على أن المراد من الأمة هنا فئة خاصة وهم أهل البيت عليهم السلام وليس جميع الأمة، ويؤيده أيضاً ما جاء في بعض الأحاديث أن ظهور الدين بطائفة من الأمة فقط حيث هم الذين خصهم الله تعالى بذلك، فمن الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله: (وأنه لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله عزَّ وجلَّ وهي كذلك)(٢٣١) ومنها، حديث: لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله لا يضرها من خالفها (٢٣٢) ومنها حديث: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله(٢٣٣) وكذلك حديث: لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم خذلان من خذلهم حتى تقوم الساعة.(٢٣٤)
فهؤلاء الظاهرون هم فئة مخصوصة من الأمة لا كل الأمة..
والجدير بالذكر هنا ما قاله البخاري في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(٢٣٥) فقد اعترف أنه ليس المقصود بها عامة الأمة، قال في كتابه (خلق أفعال العباد): هم الطائفة التي قال النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم(٢٣٦) ويدل كلامه هذا على أنه ليس المقصود من الأمة في الآية الشريفة عامة الأمة، بل هم الفئة الخاصة منهم، وهم الظاهرون على الحق فقط.
وهناك توجيه أيضاً للسيد الطباطبائي في الميزان في تفسير الآية الشريفة في نسبة هذا الحكم إلى الأمة، قال: المراد بكون الأمة شهيدة أن هذه الشهادة فيهم، كما أن المراد بكون بني إسرائيل فضلوا على العالمين، أن هذه الفضيلة فيهم من غير أن يتصف به كل واحد منهم، بل نسب وصف البعض إلى الكل لكون البعض فيه ومنه، فكون الأمة شهيدة هو أن فيهم من يشهد على الناس، ويشهد الرسول عليهم.(٢٣٧)
ونخلص من ذلك إلى أن المراد من كلمة (أمتي) في الحديث هم الأئمة الإثنا عشر عليهم السلام، فهم أمة النبي صلى الله عليه وآله الكاملة حقاً الذين ساروا على هديه في جميع الأمور.
وأما إطلاق لفظ الأمة على الجماعة أو الفرد أمر وارد في الإستعمالات العربية، هذا وقد أطلق القرآن الكريم على إبراهيم مثل ذلك، وقال في حقه تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لله حَنِيفًا).(٢٣٨)
قال القرطبي: وأصل الأمة الجماعة... والأمة اسم مشترك يقال على ثمانية أوجه: فالأمة: تكون الجماعة، كقوله تعالى: (وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ)(٢٣٩) والأمة أيضاً أتباع الأنبياء عليهم السلام، والأمة: الرجل الجامع للخير الذي يقتدى به، كقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لله حَنِيفًا)(٢٤٠) والأمة أيضاً: الرجل الجامع للخير.. وقال ابن مسعود: إن الأمة الذي يعلم الناس الخير.(٢٤١)
وقال الفخر الرازي في تفسير الآية (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً): الصفة الأول: أنه كان أمة، وفي تفسيره وجوه: الأول: أنه كان وحده أمة من الأمم لكماله في صفات الخير، كقوله:

ليس على الله بمستنكر * * * أن يجمع العالم في واحد

الثاني: قال مجاهد: كان مؤمناً وحده، والناس كلهم كانوا كفاراً فلهذا المعنى كان وحده أمة(٢٤٢) وكان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول في زيد بن عمرو بن نفيل: يبعثه الله أمة وحده.(٢٤٣)
الثالث: أن يكون أمة فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والبغية، فالأمة هو الذي يؤتم به، ودليله قوله: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا).(٢٤٤)
الرابع: أنه عليه السلام هو السبب الذي لأجله جعلت أمته ممتازين عمن سواهم بالتوحيد، والدين الحق، ولما جرى مجرى السبب لحصول تلك الأمة سماه الله تعالى بالأمة إطلاقاً لاسم المسبب على السبب، وعن شهر بن حوشب: لم تبق أرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض إلا زمن إبراهيم عليه السلام فإنه كان وحده.(٢٤٥)
أقول: وكلّ هذه المعاني تنطبق على أئمة أهل البيت عليهم السلام فهم أعظم الناس إيماناً، وهم الذين يؤتم بهم، وبهم يدفع الله العذاب عن أهل الأرض لأنهم أمان للناس كما في الحديث، وهم سبب هداية الناس وإيمانهم، وسبب نجاتهم كما في حديث السفينة، وهم خير الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ولذا فرض حبهم والصلاة عليهم، فهم مع الحق والحق معهم أينما كانوا.
ورحم الله الشاعر إذ يقول في حقهم عليهم السلام:

إليكم كلُّ مكرمة تؤولُ * * * إذا ما قيل جدكمُ الرسولُ
كفاكم من مديح الناس طراً * * * إذا ما قيل أمكمُ البتولُ
وإنكمُ لآل الله حقاً * * * ومنكم ذو الأمانة جبرئيلُ
فلا يبقي لمادحكم كلامٌ * * * إذا تمّ الكلامُ فما يقولُ(٢٤٦)

فنعود ونقول: إن قوله صلى الله عليه وآله كما روي عنه: (لا تزال أمتي ظاهرين على الحق) وعد إلهي ببقائهم وتأييدهم ونصرهم مهما حاول الأعداء اضطهادهم واستضعافهم فسوف تكون لهم الغلبة في النهاية.. وإلى أن يخرج القائم المهدي عليه السلام وحينئذ سوف يعود الدين من جديد مشرقاً على يديه، ويملأ الدنيا قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.
فمن أحق من أهل البيت عليهم السلام بقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)(٢٤٧) ولا ضير أن نبين هذا المعنى في حقهم عليهم السلام بعدما ثبت بالدليل أن المعني بهم هم الأئمة عليهم السلام، ومن ذلك ماروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال لقارئ هذه الآية: (خَيْرَ أُمَّةٍ) يقتلون أمير المؤمنين والحسن والحسين بن علي عليهم السلام؟!.(٢٤٨)
قال السيد الطباطبائي في تفسير الميزان: فإن قلت: لو كان المراد بالأمة في هذه الآيات ونظائرها كقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) عدة معدودة من الأمة دون الباقين كان لازمه المجاز في الكلام من غير موجب يصحح ذلك، ولا مجوز لنسبة ذلك إلى كلامه تعالى! على أن كون خطابات القرآن متوجهة إلى جميع الأمة ممن آمن بالنبي ضروري لا يحتاج إلى إقامة حجة؟.
قلت: إطلاق أمة محمد وإرادة جميع من آمن بدعوته من الاستعمالات المستحدثة بعد نزول القرآن وانتشار الدعوة الإسلامية، وإلا فالأمة بمعنى القوم كما قال تعالى: (عَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ)(٢٤٩) وربما أطلق على الواحدة، كقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لله) وعلى هذا فمعناها من حيث السعة والضيق يتبع موردها الذي استعمل فيه لفظها، أو أريد فيه معناها.
فقوله تعالى: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)(٢٥٠) الآية - والمقام مقام الدعاء بالبيان الذي تقدم - لا يراد به إلا عدة معدودة ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذا قوله: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) وهو في مقام الامتنان وتعظيم القدر وترفيع الشأن لا يشمل جميع الأمة، وكيف يشمل فراعنة هذه الأمة دجاجلتها الذين لم يجدوا للدين أثراً إلا عفوه ومحوه، ولا لأوليائه عظماً إلا كسروه، وسيجيء تمام البيان في الآية إن شاء الله، فهو من قبيل قوله تعالى لبني إسرائيل: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)(٢٥١) فإن منهم قارون ولا يشمله الآية قطعاً، كما أن قوله تعالى: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا)(٢٥٢) لا يعم جميع هذه الأمة، وفيهم أولياء القرآن، ورجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله تعالى.(٢٥٣)
زعمهم أن الخلفاء الاثني عشر لم يُستخلفوا فلا يشملهم الحديث
قال ولي الله الدهلوي في كتابه (قرة العينين في تفضيل الشيخين): إن المذكور هنا الخلافة لا الإمامة، ولم يكن أكثر هؤلاء الاثني عشر خليفة بالاتفاق بين الفريقين!.(٢٥٤)
ونقول في جوابه: أولاً: أن معنى (الخليفة) هو المستخلف من الله تعالى على العباد، سواء انقاد الناس له أم لا، فلا يضره عدم استخلاف الناس له، فهو خليفة الله في أمره ونهيه، حتى لو أودعه الناس في غياهب السجون كنبي الله يوسف عليه السلام، فهو خليفة على كلّ حال.
وهذا المعنى يفهم من الأحاديث الشريفة، فإن اختيارهم بيد الله تعالى فهو أعلم بعباده، وإن الله لا يجعل أمانته وعهده إلا في الأطهار الأبرار، قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)(٢٥٥) وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)(٢٥٦) وقال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ).(٢٥٧)
فما جاء في الأحاديث الشريفة من لفظ (الخليفة) فهو عيناً من سنخ مأريد به في الآيات الشريفة بلا فرق إلا النبوة فقط، فإن منصب الخلافة منصب عظيم، وأنى للناس أن يختاروا لأنفسهم من يخلف الله في أرضه، ويلي أمره ونهيه، وهو ذلك الإنسان الخطاء، فإن هذا المنصب لا يليق إلا بشأن الأولياء الذين اصطفاهم الله على العباد، وطهرهم من الدنس.
وقد جاء في هذه الأحاديث الشريفة أيضاً مايفهم منه ذلك في حقّ هؤلاء الخلفاء الإثني عشر، كقوله: (اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل) وكقوله كما في صحيح مسلم: (إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة) وكقوله: (لا يزال الدين قائماً) وكقوله: (اثنا عشر قيماً من قريش لا يضرهم عداوة من عاداهم) وغيرها من سائر الألفاظ، فإنما تدل على أن إمامتهم من الله تعالى وتسديده واصطفائه لهم، ومن هنا لايضرهم عداوة من عاداهم حتى تقوم الساعة، وهذا لايكون لكل من تولى رقاب الناس، وأن الدين عزيزاً منيعاً بإمامتهم كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله بذلك في الأحاديث الشريفة بحيث يتوقف استمرار الدين على وجودهم جميعاً.
فالنتيجة: إن المقصود بكونهم خلفاء يعني خلفاء لله تعالى في أرضه، وكذلك كونهم أُمراء على الناس يعني الإمارة الشرعية بمعنى أن الله تعالى هو الذي أمّرهم على الناس، سواءً دان الناس لهم بذلك أم لا، فعدم استخلاف الناس لهم وتمكينهم من الحكم لا يقدح في إمامتهم على الناس، ولا يضرهم مادام أن الإسلام عزيز ومنيع بوجودهم، وحالهم حال الأنبياء من قبلهم، فكما لم يقدح في نبوة الأنبياء عدم بسط أيديهم، وغلبة فراعنة زمانهم عليهم، وعدم تمكين الناس لهم من الحكم فكذلك أهل البيت عليهم السلام.
فكثير من الأنبياء استضعفوهم، وحاربوهم كنوح الذي لم يؤمن به إلا القليل من قومه، وبقي في قومه مستضعفاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، وموسى، وإبراهيم، عليهما السلام ويوسف الصّديق عليه السلام الذي بقي في السجن سنيين، وكذلك النبي محمد صلى الله عليه وآله لما كان في مكة، إذ استضعفه قومه حتى كادوا أن يقتلوه، وأرعبوه حتى اضطروه إلى الهجرة، فخرج منها خائفاً يترقب، وغيره من الأنبياء من الذين اضطهدوهم، وجاروا عليهم وآذوهم، فلم يضر ذلك بنبوتهم، فكذلك أهل البيت عليهم السلام لا يقدح في إمامتهم اضطهادهم وإقصاؤهم عن الخلافة الظاهرية.
هذا وقد جاء في بعض الأحاديث: (اثنا عشر قيماً من قريش لا يضرهم عداوة من عاداهم) يعني لا تضر إمامتهم عداوة الناس لهم، فإن إمامتهم باقية إلى يوم القيامة بتأييد من الله تعالى وإن استضعفهم الناس وجرى عليهم ما جرى! فسوف تظهر كلمتهم وحجتهم على الناس كافة.
ويؤيد هذا المعنى أيضاً حديث (لا يضر هذا الدين من ناوأه حتى يقوم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)(٢٥٨) فهذه الأحاديث لا تنطبق إلا على الأئمة المعصومين عليهم السلام فهم وحدهم فقط الذين لا تضرهم عداوة من عاداهم، فإن من عاداهم فقد عادى الله تعالى، ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وآله في حق علي أمير المؤمنين عليه السلام يوم غدير خمٍّ: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه(٢٥٩) ومن يكن الله عدوه فهو من الكافرين، قال تعالى: (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لله وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ).(٢٦٠)
وهذا بخلاف سائر الناس من حكام وغيرهم فإنه تضرهم عداوة من عاداهم! أما إمامة الأئمة فإن إمامتهم إمامة إلهية، وقد اصطفاهم الله تعالى على سائر الناس، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ولهذا أورثهم الكتاب وآتاهم الحكمة، قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)(٢٦١) ومن هنا أيضاً قرنهم النبي صلى الله عليه وآله بالكتاب كما في حديث الثقلين، وشبههم بالنجوم التي يهتدي بها الناس في الظلمات، فهؤلاء هم الذين لا تضرهم عداوة الناس لهم، لأن إمامتهم بجعل منه قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ).(٢٦٢)
ولاحظ أيضاً عبارة (خليفة) و(أميراً) و(قيماً) كما في الأحاديث السابقة، فكلها ألفاظ تدل على الأمارة الشرعية التي هي بيد الله تعالى يؤتيها من يشاء من عباده، قال تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)(٢٦٣) وقال تعالى: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)(٢٦٤) فكلها من وادي واحد.
ثانياً: وإن لم يسمهم في هذا الحديث بالأئمة إلا أنه ورد في بعض الأحاديث الشريفة تسميتهم صريحاً بالخلفاء وعنى بها أهل بيته عليهم السلام، كما في حديث الثقلين فقد روى مسلم في صحيحه: عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، أو ما بين السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض.(٢٦٥)
قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وإسناده جيد.(٢٦٦)
فإنه صريح في كون أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله خلفاء على الأمة، وهذا من الأدلة والبراهين التي لا يمكن لأحد أن يردها أو يتجاهلها، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).(٢٦٧)
وأما لفظ (الإمام) فقد جاء أيضاً تسميتهم بها في بعض الأحاديث كما في رواية أبي نعيم الأصفهاني عن رسول الله صلى الله عليه وآله: من سرّه أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن، غرسها ربي، فليوالِ علياً من بعدي، وليوالِ وليه، وليقتدِ بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، فويلٌ للمكذبين من أمتي، والقاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي.. الخ.(٢٦٨)
٣ - حديث (وأهل بيتي أمان لأمتي)
هذا الحديث روي بطرق عديدة، منها: عن أمير المؤمن عليه السلام وعن جملة من الصحابة منهم: ابن عباس، وجابر الأنصاري وسلمة بن الأكوع، وأنس بن مالك(٢٦٩) ومن الروايات في ذلك ما يلي: عن ذخائر العقبى عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض. أخرجه أحمد في المناقب.(٢٧٠)
وروى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.(٢٧١)
وجاء في حديثه الآخر أيضاً عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (وإنه لعلم للساعة)(٢٧٢) فقال: النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت أتاها ما يوعدون، وأنا أمان لأصحابي ما كنت، فإذا ذهبت أتاهم ما يوعدون، وأهل بيتي أمان لأمتي، فإذا ذهب أهل بيتي أتاهم ما يوعدون.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.(٢٧٣)
وروى ابن عساكر بإسناده: عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه (وآله) وسلم): النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي.(٢٧٤)
وجاء في رواية الكوفي: عن أياس مثله.. وفيه زيادة: وأهل بيتي أمان لأمتي، فإذا ذهب النجوم جاء أهل السماء ما يوعدون، وإذا ذهب أهل بيتي جاء أهل الأرض ما يوعدون.(٢٧٥)
وروى ابن عساكر بإسناده: عن أبي محمد بن قتيبة في قصة أصحاب الشورى وساق الحديث إلى أن قال: فتكلم علي فقال: الحمد لله الذي اتخذ محمداً منا نبياً، وابتعثه إلينا رسولاً، فنحن بيت النبوة، ومعدن الحكمة، أمان لأهل الأرض، ونجاة لمن طلب...(٢٧٦)
كلمات بعض أعلام السنة في معنى الحديث الشريف
عد جملة من أعلام السنة أن كون أهل البيت عليهم السلام أماناً للناس هو من خصائصهم، ولم يثبت هذا الأمر في أحد غيرهم، وإليك كلمات بعضهم في ذلك.
أخرج إمام الحنابلة أحمد بإسناده من طريق أنس بن مالك مرفوعاً: النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي جاء أهل الأرض من الآيات ما كانوا يوعدون.
فقال: إن الله خلق الأرض من أجل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم، فجعل دوامها بدوام أهل بيته وعترته صلى الله عليه (وآله) وسلم.(٢٧٧)
وقال الصبان في الإسعاف بعد ذكره: وقد يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى:
(وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)(٢٧٨) أقيم أهل بيته مقامه في الأمان لأنهم منه وهو منهم، كما ورد في بعض الطرق.(٢٧٩)
وأما الحافظ ابن حجر فقد عدّ في الصواعق من الآيات النازلة في أهل البيت قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) فقال: أشار صلى الله عليه (وآله) وسلم إلى وجود ذلك المعنى في أهل بيته، وأنهم أمان لأهل الأرض كما كان هو صلى الله عليه (وآله) وسلم أماناً لهم، وفي ذلك أحاديث كثيرة، يأتي بعضها.. إلى أن قال: وفي رواية صححها الحاكم على شرط الشيخين: النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الإختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس.(٢٨٠)
المراد بأهل البيت عليهم السلام
لا خلاف في أن المراد بأهل بيته هنا علي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريته، فهم الذين يهتدى بهم، ولم يثبت هذا في غيرهم، فهم الأمان للناس.
وقال بعضهم: يحتمل أن المراد بأهل البيت الذين هم أمان علماؤهم، لأنهم الذين يهتدى بهم كالنجوم، والذين إذا فقدوا جاء أهل الأرض من الآيات ما يوعدون، وذلك عند نزول المهدي لما يأتي في أحاديثه: أن عيسى يصلي خلفه، ويقتل الدجال في زمنه، وبعد ذلك تتابع الآيات.. إلى أن قال: ويحتمل وهو الأظهر عندي أن المراد بهم سائر أهل البيت، فإن الله لما خلق الدنيا بأسرها من أجل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم جعل دوامها بدوامه، ودوام أهل بيته، لأنهم يساوونه في أشياء، مر عن الرازي بعضها، ولأنه قال في حقهم: اللهم إنهم مني وأنا منهم، ولأنهم بضعة منه بواسطة أن فاطمة أمهم بضعته، فأقيموا مقامه في الأمان. انتهى ملخصاً.(٢٨١)
قال السيد شرف الدين: والمراد بأهل بيته هنا مجموعهم من حيث المجموع باعتبار أئمتهم، وليس المراد جميعهم على سبيل الاستغراق، لأن هذه المنزلة ليست إلا لحجج الله والقوامين بأمره خاصة، بحكم العقل والنقل.
وقد اعترف بهذا جماعة من أعلام الجمهور، ففي الصواعق المحرقة لابن حجر: وقال بعضهم: يحتمل أن المراد بأهل البيت الذين هم أمان، علماؤهم، لأنهم الذين يهتدى بهم كالنجوم، والذين إذا فقدوا جاء أهل الأرض من الآيات ما يوعدون، وذلك عند نزول المهدي، لما يأتي في أحاديثه أن عيسى يصلي خلفه، ويقتل الدجال في زمنه، وبعد ذلك تتتابع الآيات(٢٨٢) إلى آخر كلامه.
وذكر في مقام آخر أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: ما بقاء الناس بعدهم؟ قال: بقاء الحمار إذا كُسر صلبه.(٢٨٣)
وقال السمهودي: يحتمل أن المراد بأهل بيته هنا علماؤهم الذين يقتدى بهم كما يقتدى بالنجوم التي إذا خلت السماء منها جاء أهل الأرض من الآيات ما يوعدون، وذلك عند موت المهدي، لأن نزول عيسى لقتل الدجال في زمنه كما جاءت به الأخبار.
ويحتمل أن المراد مطلق أهل بيته، وهو الأظهر لأنه سبحانه وتعالى لما خلق الدنيا لأجل المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم جعل دوامها بدولته، ثم بدوام أهل بيته.(٢٨٤)
وقال العزيزي في (السراج: ٣ / ٤١٦) لدى شرحه: أراد بأهل بيته علماءهم، ويحتمل الإطلاق لأن الله تعالى لما خلق الدنيا لأجله صلى الله عليه (وآله) وسلم جعل دوامها بدوام أهل بيته.
وقال الحفني: (وأهل بيتي) أي ذريتي، فبسبب وجودهم يرفع البلاء عن الأمة.(٢٨٥)
دلالة الحديث على إمامة أهل البيت وأن الأرض لا تخلو منهم أبداً
يدل هذا الحديث دلالة قطعية على أن الإهتداء لايتم إلا بالتمسك بأهل البيت عليهم السلام، والسير على طريقتهم، وأن مايصدر عنهم حجة شرعية لا عذر لأحد في خلافهم، وإلا لاستلزم تشبيههم بالنجوم لغواً، ومقتضى كونهم أماناً يستلزم أن لايصدر عنهم إلا الحق، وهو كذلك، فكما أن عدم متابعة النجوم تستلزم الوقوع في الضلالة والحيرة والهلكة، فكذلك ترك متابعة أهل البيت عليهم السلام، يؤدي إلى الهلكة، ولهذا قال كما في رواية الحاكم: (وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف) وهذا يعني أن التمسك بهم يعصم من الوقوع في الضلالة، فمن لم يكن معهم وقع في الضلالة لا محالة، قال تعالى: (فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ)(٢٨٦) فليس هناك بين الحق والضلال واسطة، فهذا الحديث يعطي قاعدة كلية فيمن خالف أهل البيت عليهم السلام أن مصيره الهلاك، وإن فعل ما فعل! فقال: (فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس) فاستحقوا حينئذ غضب الله عزَّ وجلَّ وسخطه، قال تعالى: (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى).(٢٨٧)
وقد اعترف بهذا أيضاً المناوي في فيض القدير، قال: شبههم بنجوم السماء، وهي التي يقع بها الاهتداء، وهي الطوالع والغوارب والسيارات والثابتات، فكذلك بهم الاقتداء، وبهم الأمان من الهلاك.(٢٨٨)
إن هذا الحديث برهان واضح على انحصار طريق الإهتداء بهم، ونتيجته الأمان الأخروي من العقاب لمن اهتدى بهديهم، وسار على ضوء تعاليمهم، وأما من تخلف عنهم فمصيره الهلاك، والخزي في الدنيا والآخرة.(٢٨٩)
وهم أيضاً أمان من الهلاك في الدنيا كما بينه الحديث، وهو الأمان في البقاء، ويدل عليه قوله: وقوله الآخر: (فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض) فالنتيجة ذهاب الدنيا بذهابهم.
فتلخص من هذا كله.. إذن لا شك في نجاة من تبعهم، وهلاك من تخلف عنهم، ولم تثبت هذه الخصوصية لأحد من سائر الناس غيرهم، فهم الأئمة الهداة الذين أمر الله تعالى الناس باتباعهم والتمسك بهم.
كما أن هذا الأمان لا يخلو منه زمان أيضاً بمقتضى اللطف الإلهي الذي امتن به الباري تعالى على العباد، لئلا يختلف الناس ويقعوا في الضلالة فيهلكوا، فلا تخلو الأرض من إمام منهم إلى قيام الساعة، وقد شبههم بالنجوم التي لايخلو منها زمان وإلى أن تنقضي الدنيا وتفنى، فكذلك أهل البيت عليهم السلام لابد من بقائهم إلى أن تنتهي الحياة.
يقول آية الله الشيخ لطف الله الصافي: إن دلالة هذه الأحاديث على حجية مذهب أهل البيت عليهم السلام وكونهم أماناً من الاختلاف لعصمتهم، ووجود من يكون أهلاً للتمسك به منهم في كلّ زمان إلى قيام الساعة، وإن المراد من أهل البيت الذين هم أمان لأهل الأرض أئمتهم في غاية الوضوح، فإنهم لم يختصوا بهذا التشريف من دون الناس إلا لكونهم معدناً للعلوم النبوية، والأحكام الشرعية، والفضائل المحمودة، فلابد أن لا يخلو الزمان ممن يكون منهم موصوفاً بهذا الصفات، وأهلاً لأن يكون مشرفاً بهذا التشريف، وأماناً لهذه الأمة المرحومة، ولجميع أهل الأرض من الزوال والفناء والاختلاف.
وأصرح من الجميع في أن المراد من أهل البيت أئمتهم وعلماؤهم، ما أخرجه الحاكم عن ابن عباس وصححه، فإن اتصاف أهل البيت بكونهم أماناً للأمة من الاختلاف على سبيل الاطلاق في الأمور الدينية وغيرها، كما قال صلى الله عليه وآله: (وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف) ليس إلا بعلمائهم وأئمتهم عليهم السلام الذين نص عليهم النبي صلى الله عليه وآله في غير هذه الأحاديث.
وهم الذين وصفهم سيدهم وأفضلهم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام فيما قال في أوصافهم: (لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه)(٢٩٠) (إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي)(٢٩١) (إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي).(٢٩٢)

همُ الراقون في أوج الكمالِ * * * وهم أهلُ المعارفِ والمعالي
وهم سفنُ النجاة إذا ترامت * * * بأهل الأرض أمواجُ الضلالِ
أمانُ الأرض من غرقٍ وخسفٍ * * * وحصنُ الملة الصعب المثالِ
وهم في غرة الدين بدورٌ * * * تسامت بالجميل وبالجمالِ
كفى خبرُ الوصية أنهم * * * والكتابُ معاً إلى يوم الحجالِ
عليهم بعد جدّهم صلاةٌ * * * وتسليمٌ ورحمةُ ذي الجلالِ(٢٩٣)

الإمام المهدي إمام أهل هذا الزمان
فالخلاصة مما يدل عليه الحديث الشريف أنه لابد من وجود نجم من أهل البيت عليهم السلام في كلّ زمان ليكون أماناً للناس، ويؤيده أيضاً ما مرّ آنفاً ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي عليه السلام: مثلك ومثل الأئمة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجى، ومن تخلف عنها غرق، ومثلكم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة.(٢٩٤)
وما جاء في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام: ألا إنّ مثل آل محمد صلى الله عليه وآله كمثل نجوم السماء إذا خوى نجم طلع نجم، فكأنكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع، وأراكم ما كنتم تأملون.(٢٩٥)
وفي كتاب الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي: عن المعلى بن خنيس قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام في الحيرة، فقال: افرشوا لي في الصحراء، ففعل ذلك، ثم قال: يا معلى! قلت: لبيك، قال: ما ترى النجوم ما أحسنها؟! إنها أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت جاء أهل السماء ما يوعدون، ونحن أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبنا جاء أهل الأرض ما يوعدون.(٢٩٦)
فعلى هذا لا يمكن أن تخلو الأرض أبداً من إمام منهم، وأمان هذا الزمان هو الإمام المهدي عليه السلام فهو أمان للناس كافة بحكم هذا الحديث (وأهل بيتي أمان لأهل الأرض) فهو أحد أئمة أهل البيت عليهم السلام، ولا يمكن إخراجه من هذا الحديث، وقد تسالم الجميع على أنه آخر أئمة أهل البيت عليهم السلام بقاءً في الدنيا، وبذهابه تنتهي الحياة، كما في ذيل الحديث (فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض) وجاء في حديث آخر (فإذا ذهب أهل بيتي أتاهم ما يوعدون) فالأمان مستمر ببقائهم لأهل الأرض إلى حين ذهابهم، فعلى هذا لاتخلو الأرض أبداً من إمام منهم ليهتدى به، وإلا جاء أهل الأرض مايوعدون، فهذا الحديث يدل على وجود الإمام المهدي عليه السلام في هذا الزمان، وإلا أصبح الحديث لغواً لا أثر له.
زعم بعضهم أن المراد من (أهل البيت) هم أهل التقوى وأبدال الأنبياء وجوابه
قال الحكيم الترمذي: أهل بيته هنا من خلّفه على منهاجه من بعده، وهم الصدّيقون، وهم الأبدال، قال: وذهب قوم إلى أن المراد بأهل بيته هنا أهل بيته في النسب، وهذا مذهب لا نظام له ولا وفاق ولا مساغ! لأن أهل بيته بنو هاشم والمطلب، فمتى كان هؤلاء أمناً للأمة حتى إذا ذهبوا ذهبت الدنيا؟ إنما يكون هذا لمن هم أدلة الهدى في كلّ وقت، ومن قال: أهل بيته ذريته، فموجود في ذريته الميل والفساد كما يوجد في غيرها، فمنهم المحسن والمسيء، فبأيّ شيء صاروا أماناً لأهل الأرض؟.. قال العامري البغدادي في شرح الشهاب: ذهب قوم غلب عليهم الجهل بالآيات والسنن والآثار إلى أن أهل البيت هنا أهل بيته لا غير، وكيف يكونون أماناً مع ما وجد في كثير منهم من الفساد وتعدي الحدود،.. إلى أن قال: وإنما المراد بهم هنا أهل التقوى وأبدال الأنبياء الذين سلكوا طريقه، وأحيوا سنته، وفي حديث: آل محمد كلّ تقي.(٢٩٧)
أقول: وما عشت أراك الدهر عجباً فهل يشك أحد أن المقصود من أهل بيته هم عترته الذين خلفهم في الأمة، وأولهم سيد العترة علي بن أبي طالب عليه السلام ثم أولاده المعصومون، فانظر إلى هذا التخبط الأهوج والتعامي عن عترة رسول الله صلى الله عليه وآله، الذين خلّفهم في الأمة، وأمر الناس باتباعهم والتمسك بهم، قال تعالى: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)(٢٩٨) وأي بخس أعظم من هذا البخس الذي يراد منه استنقاص أهل البيت عليهم السلام وجحد حقّهم الذي افترضه الله لهم على الأمة، قال تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ).(٢٩٩)
وهل في الحديث غموض كي يحتاج إلى هذا التأويل الأهوج الذي لا يتفوه به إلا الجهلة الذين طبع الله على قلوبهم وأعمى أبصارهم، أمثال ما يسمى بالحكيم الترمذي والعامري البغدادي اللذين أصمهما التعصب عن اتباع الحق! فجحدا حقّ عترة الرسول صلى الله عليه وآله!
فقوله: (أهل بيته هنا من خلّفه على منهاجه من بعده، وهم الصدّيقون، وهم الأبدال) فأقول: وليت شعري وهل هناك في العالم كله أتقى وأورع من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله؟ وهم سادة أهل الجنة، الذين اجتمعت فيهم كلّ هذه الخصال بحق، والتي استكثرها عليهم الحكيم الترمذي وأمثاله، أليس أهل البيت هم الذين خلفوا النبي على منهاجه من بعده، وهم الصدّيقون الذين أول من صدّق به، وهم أهل التقوى، وهم أبدال الأنبياء، وإذا لم يكونوا هم المقصود بذلك فمن هم إذن؟!
ثمّ إن جملة من علمائك، ذكروا هذا الحديث في باب فضائل أهل البيت عليهم السلام، ولم يصرفوه إلى غيرهم! وهذا مافهمه سلفك إلى يومك هذا!، فازري عليهم إن كنت زاريا!، فمنهم محب الدين الطبري في ذخائر العقبى فقد ذكره في (باب فضائل أهل البيت عليهم السلام)(٣٠٠) وكذلك الحاكم في المستدرك، أورده تحت عنوان (مناقب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله)(٣٠١) وكذلك ابن حجر الهيثمي في مجمع الزوائد في (باب في فضل أهل البيت عليهم السلام)(٣٠٢) وغيرهم.
وأما تعميم أهل البيت عليهم السلام لبني هاشم والمطلب أو غيرهما! فهذه مجرد دعوى غبية! وليس عليها دليل أو برهان! وإنما أهل البيت عليهم السلام فالمعني بهم خصوص: علي وفاطمة والحسن والحسين، والأئمة المعصومين من ذرية الحسين عليهم السلام، الذين نزل فيهم قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(٣٠٣) فقال في حقهم:
اللهم هؤلاء أهل بيتي(٣٠٤)، والذين قال فيهم: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى).(٣٠٥)
وهم الذين خرج بهم النبي صلى الله عليه وآله في قصة المباهلة، وهم الذين أمر بالصلاة عليهم، وأوصى الأمة برعايتهم وحفظهم قائلاً: أذكركم في أهل بيتي..(٣٠٦) وكذلك قوله كما روي عنه: من أحب أن يبارك في أجله، وأن يمتعه بما خوله فليخلفني في أهلي خلافة حسنة، فمن لم يخلفني فيهم، بتر عمره، وورد عليَّ يوم القيامة مسوداً وجهه.(٣٠٧)
وهم الذين قال عنهم صلى الله عليه وآله كما جاء في الرواية: في كلّ خلوف من أمتي عدول أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله عزَّ وجلَّ فانظروا بمن توفدون(٣٠٨) فهم أحد الثقلين الذين أمر الناس باتباعهم، وهم الذين شبههم بسفينة نوح فقال في حقهم: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.(٣٠٩)
ثم ينبري الحكيم الترمذي متغاضياً عن أهل البيت رافعاً عقيرته! وكأنه لا يوجد في ذرية النبي صلى الله عليه وآله أئمة حق، فيقول: (فمتى كان هؤلاء أمناً للأمة حتى إذا ذهبوا ذهبت الدنيا) فيتناسى ويتجاهل عترة النبي الأبرار (الأئمة الإثني عشر) الذين فرض الله تعالى ولايتهم، وتعظيم شأنهم(٣١٠) فهؤلاء هم الذين حكم بهلاك من تخلف عنهم، وضلالة من لم يتمسك بهم، وهم الذين إذا ذهبوا جاء أهل الأرض ما يوعدون، فبعد هذا كله أيسوغ للحكيم الترمذي أن يحرف كلَّ هذه الأحاديث عن معناها؟! ويدعي أن المقصود بأهل البيت هم الأبدال، والذين هم على طريقة النبيّ صلى الله عليه وآله..؟!.
ولكن شنشنة أعرفها من أخزم، فإذا وصل الحديث إلى فضل أهل البيت عليهم السلام اعترى القوم الدهشة، وأخذتهم الحيرة، واسودت وجوههم! كلّ ذلك لأن هذه الأحاديث لا تتوافق مع مذهبهم وأهوائهم، ولأنها تلزمهم بما لا تشتهيه أنفسهم، ولو كانت هذه الأحاديث تعني بعض رجالهم لأصبحت أحاديث صحيحة مبينة غير متشابهة! فلا يلتمس لها تأويل أو تفسير!!.
وما أدري لما كل هذا الإمتعاظ من فضائل العترة وجحدها!! وأي ضير عند هؤلاء حينما شاءت حكمة الباري تعالى أن يجعل عترة النبي أماناً للأمة، ولعمري وهل هناك أناس يعدلون بهم، وأحقّ منهم بانطباق الحديث عليهم؟!
٤ - حديث السفينة
وهو من الأحاديث المتواترة، وقد ذكرته كتب الحديث عند السنة، عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، وأبي ذر الغفاري، وابن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير.
فمنها ما يلي:
ما رواه أحمد بن عبد الله الطبري: عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تعلق بها فاز، ومن تخلف عنها زُج في النار. قال: أخرجه ابن السري.(٣١١)
وجاء في النهاية لابن الأثير بهذا اللفظ: (مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من تخلف عنها زخ به في النار) قال: أي دفع ورمي.(٣١٢)
وروى الحاكم بإسناده عن حنش الكناني قال: سمعت أبا ذر يقول وهو آخذ بباب الكعبة، أيها الناس من عرفني فأنا من عرفتم، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.(٣١٣)
وجاء في رواية الطبراني عن حنش بن المعتمر.. مثله وفيه: مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك، ومثل باب حطة بني إسرائيل.(٣١٤)
وروى الطبراني بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها غرق.(٣١٥)
ورواه أحمد بن عبد الله الطبري في ذخائر العقبى عن ابن عباس بلفظ: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تعلق بها فاز، ومن تخلف عنها غرق. قال: أخرجه الملا في سيرته.(٣١٦)
وروى الطبراني عن عطية، عن أبي سعيد الخدري: سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له.(٣١٧)
وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: إنما مثلي ومثل أهل بيتي كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.(٣١٨)
وعن البزار: عن عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها سلم، ومن تركها غرق.(٣١٩)
قال ابن حجر: وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضاً: إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، وفي رواية مسلم: ومن تخلف عنها غرق، وفي رواية: هلك...(٣٢٠)
وفي معنى هذا الحديث يقول الشافعي محمد بن إدريس (ت ٢٠٤):

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم * * * مذاهبهم في أبحر الغي والجهل
ركبت على اسم الله في سفن النجا * * * وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل
وأمسكت حبل الله وهو ولاؤهم * * * كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل(٣٢١)

معنى الحديث
معنى الحديث واضح وظاهر في أن طريق النجاة منحصر في اتباع أهل البيت عليهم السلام والتمسك بهم، فالمقصود من الحديث هو لزوم السير على ضوء تعاليم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله والأخذ بما يصدر منهم، كما يسير راكب السفينة بسيرها أينما ذهبت، فمقتضى تشبيههم بسفينة نوح أن النجاة منحصر بهم كما انحصر النجاة بالسفينة، كما أن المتخلف عنهم نهايته الهلاك والغرق كما هو شأن كل من تخلف عن سفينة نوح كانت نتيجته الغرق والهلاك.
وقد جاء الحديث ببيان عربي مبين، فليس فيه غموض، فقوله صلى الله عليه وآله: (من تخلف عنهم غرق وهوى) وفي رواية أخرى: (ومن تخلف عنها هلك) فيهما دلالة واضحة على هلاك من تخلف عنهم واتبع طريق غيرهم، يعني من أعرض عنهم، واتبع طريقة غيرهم كان مصيره الهلاك، وهو دخول النار وبئس القرار، كما في لفظ آخر، قال: (من تخلف عنها زُخ به في النار).
وأقول بعد هذا: هل تجد في حديث السفينة قصوراً في الدلالة على لزوم طاعة أهل البيت عليهم السلام ووجوب السير على منهاجهم وطريقتهم؟ قال تعالى: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)(٣٢٢) فإنَّ هذا الحديث برهان واضح كلَّ الوضوح يأخذ بعنق كلِّ مسلم، ويلزمه باتباع عليٍّ وأهل بيته عليهم السلام، ولا حجة لأحد أن يتخلف عنهم.
قال السيد شرف الدين رحمه الله تعالى في كتابه المراجعات(٣٢٣): ومما يأخذ بالأعناق إلى أهل البيت، ويضطر المؤمن إلى الانقطاع في الدين إليهم، قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق.. وقوله صلى الله عليه وآله: النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف (في الدين) فإذا خالفتها قبيلة من العرب (يعني في أحكام الله عزَّ وجلَّ) اختلفوا فصاروا حزب إبليس، هذا غاية ما في الوسع من إلزام الأمة باتباعهم، وردعها عن مخالفتهم، وما أظن في لغات البشر كلها أدل من هذا الحديث على ذلك..
وأنت تعلم أنّ المراد بتشبيههم عليهم السلام بسفينة نوح، أن من لجأ إليهم في الدين، فأخذ فروعه وأصوله عن أئمتهم الميامين نجا من عذاب النار، ومن تخلف عنهم كان كمن آوى (يوم الطوفان) إلى جبل ليعصمه من أمر الله، غير أن ذاك غرق في الماء وهذا في الحميم، والعياذ بالله.. وقد حاوله ابن حجر إذ قال بعد أن أورد هذه الأحاديث وغيرها من أمثالها: ووجه تشبيههم بالسفينة أن من أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم صلى الله عليه (وآله) وسلم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان.(٣٢٤)
أقول: فيا للأسف حينما يغض السنة الطرف عن هذا الحديث ومدلوله، فيصبح حينئذٍ وجود هذا الحديث وعدمه عندهم سواء، حتى لو اعترف بعض علمائهم بمدلوله تجده في النهاية لا يرتب عليه أيَّ أثر يُذكر.
قال المناوي - وهو من علماء السنة - في شرح هذا الحديث في ذكر أوجه الشبه بين أهل البيت عليهم السلام وبين النجوم: (إن مثل أهل بيتي) فاطمة وعليّ وابنيهما وبنيهما أهل العدل والديانة (فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك) وجه التشبيه أن النجاة ثبتت لأهل السفينة من قوم نوح فأثبت المصطفى صلى الله عليه (وآله) وسلم لأمته بالتمسك بأهل بيته النجاة، وجعلهم وصلة إليها، ومحصوله الحث على التعلق بحبهم وحبلهم، وإعظامهم شكراً لنعمة مشرفهم، والأخذ بهدي علمائهم، فمن أخذ بذلك نجا من ظلمات المخالفة، وأدّى شكر النعمة المترادفة، ومن تخلّف عنه غرق في بحار الكفران، وتيار الطغيان، فاستحق النيران لما أن بغضهم يوجب النار، كما جاء في عدة أخبار، كيف وهم أبناء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى الذين احتج الله بهم على عباده، وهم فروع الشجرة المباركة، وبقايا الصفوة الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم، وبرأهم من الآفات، وافترض مودتهم في كثير من الآيات، وهم العروة الوثقى، ومعدن التقى.
واعلم أن المراد بأهل بيته في هذا المقام العلماء منهم، إذ لا يحث على التمسك بغيرهم، وهم الذين لا يفارقون الكتاب والسنة حتى يردوا معه على الحوض.(٣٢٥)
خلاصة الكلام في حديث السفينة
أقول: وبعد الذي أوردناه من ثبوت هذا الحديث عند السنة، ووضوح معناه ودلالته على إمامة أهل البيت عليهم السلام، فلا يبقى حينئذ أي عذر لأحد في التخلف عن أهل البيت عليهم السلام بعدما قامت الحجة عليهم بهذا الحديث وأمثاله ببيان عربي مبين لا يقبل الشك أو التأويل، أو صرفه عن العترة إلى غيرهم.. ممن ادعوا إمامتهم، واتبعوهم.
ولأهمية هذا البحث لا بأس أن نورد هنا ما جاء في كتاب خلاصة عبقات الأنوار للمحقق الحجة السيد حامد حسين في كلامه في (دلالة حديث السفينة على إمامة أهل البيت عليهم السلام) وذلك لأهميته ببيان بديع، قال: ويدل حديث السفينة على إمامة أهل البيت عليهم السلام من وجوه:
الأول: وجوب اتباعهم
إن هذا الحديث يدل على وجوب اتباع أهل البيت عليهم السلام على الإطلاق، ولا يجب اتباع أحد كذلك - بعد الله ورسوله صلى الله عليه وآله - إلا الإمام كما دريت فيما سبق في وجوه دلالة حديث الثقلين على المطلوب.
ويشهد لدلالته على وجوب اتباعهم مطلقاً كلمات عدة من علماء أهل السنة منهم العجيلي الشافعي، وقد تقدم ذكر بعض تلك الكلمات.
الثاني: اتباعهم يوجب النجاة
إن هذا الحديث يدل على أن اتباع أهل البيت عليهم السلام يوجب النجاة والخلاص، ومن المعلوم أن كونهم كذلك دليل العصمة، وهي تستلزم الإمامة والخلافة.
وقد نص على دلالة الحديث على ذلك جماعة في بيان وجه تشبيههم بالسفينة: قال الواحدي: أنظر كيف دعا الخلق إلى التسبب إلى ولائهم، والسير تحت لوائهم، بضرب مثلهم بسفينة نوح عليه السلام، جعل ما في الآخرة من مخاوف الأخطار وأهوال النار كالبحر الذي لج براكبه، فيورده مشارع المنية، ويفيض عليه سجال البلية، وجعل أهل بيته عليه وعليهم السلام مسبب الخلاص من مخاوفه والنجاة من متألفه، وكما لا يعبر البحر الهياج عند تلاطم الأمواج إلا بالسفينة، كذلك لا يأمن نفخ الجحيم ولا يفوز بدار النعيم إلا من تولى أهل بيت الرسول صلوات الله عليه وعليهم، وتخلى لهم ودّه ونصيحته، وأكد من موالاتهم عقيدته، فإن الذين تخلفوا عن تلك السفينة آلوا شر مآل، وخرجوا من الدنيا إلى أنكال، وجحيم ذات أغلال، وكما ضرب مثلهم بسفينة نوح قرنهم بكتاب الله تعالى فجعلهم ثاني الكتاب وشفع التنزيل...(٣٢٦).
الثالث: دلالته على أفضليتهم
إن هذا الحديث يدل على أفضلية أهل البيت عليهم السلام من سائر الناس مطلقاً، إذ لو كان أحد أفضل منهم - أو في مرتبتهم من الفضل - لأمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتداء به دونهم، وإلا لزم أن يكون قد غش أمته، وحاشا لله من ذلك... وقد صرح بدلالة الحديث على ذلك جماعة من أعيان علماء السنة كما تقدم.
الرابع: دلالته على وجوب محبتهم
إن هذا الحديث يدل على وجوب محبة أهل البيت عليهم السلام على الإطلاق، ووجوبها كذلك دليل على وجوب عصمتهم وأفضليتهم والانقياد لهم.. وكل ذلك يستلزم الإمامة.
الخامس: دلالته على عصمتهم
إن هذا الحديث يدل على أن محبة أهل البيت عليهم السلام توجب النجاة، وهذا المعنى يستلزم عصمتهم، إذ لو كان منهم ما يوجب سخط الباري تعالى لما جازت محبتهم ومتابعتهم فضلاً عن وجوبها وكونها سبباً للنجاة وهذا واضح، وإذا ثبت عصمتهم عليهم السلام لم يبق ريب في إمامتهم..
السادس: من تخلف عنهم ضل
إن هذا الحديث يدل على هلاك وضلال المتخلفين عن أهل البيت عليهم السلام، وتخلف الخلفاء عنهم من الوضوح بمكان كما أثبته علماؤنا الأعيان في كتب هذا الشأن، فبطل بهذا خلافتهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وثبتت خلافة سيدنا أمير المؤمنين عليه السلام.
السابع: هم الميزان لمعرفة المؤمن والكافر
إن هذا الحديث يدل على أن من اتبعهم كان من المفلحين الناجين، ومن خالفهم وتركهم كان من الكافرين الخاسرين، فبهم وباتباعهم يعرف المؤمن من الكافر، وهذا المعنى أيضاً يقتضي الإمامة والرئاسة العامة، لأنه من شؤون العصمة المستلزمة للإمامة.(٣٢٧)
دلالة الحديث على وجود إمام في كل عصر
وهذا المعنى نفهمه من الحديث بعدما ثبت الأمر بركوب هذه السفينة للأمن من الغرق، فلابد من وجود هذه السفينة في كل وقت مادام خطر الغرق موجود، فإذن لا يخلو كل زمان منها، فوجب ركوبها للأمن من الغرق، فهي أمان لهم ما تمسكوا بها، وركبوا فيها، ولا يتم كل ذلك إلا بوجود رجل يقود هذه السفينة من أهل البيت عليهم السلام في كل زمان، وليس هو إلا الإمام الذي افترض الله على الناس طاعته، وبهذا نعلم بالضرورة عدم خلو الزمان منه أبداً.
جاء في خلاصة العبقات: (دلالته على لزوم الإمام في كل عصر): إن هذا الحديث يدل على لزوم وجود إمام معصوم من أهل البيت عليهم السلام في كل زمان إلى يوم القيامة، ليتسنى للأمة في جميع الأدوار ركوب تلك السفينة والنجاة بها من الهلاك، فهو إذاً يدل على صحة مذهب أهل الحق وبطلان المذاهب الأخرى كما لا يخفى.(٣٢٨)
٥ - حديث (من مات وليس له إمام..)
هذا الحديث رواه الفريقان، ممايدل على تسالمهم على ضرورة وجود إمام في كل زمان، فنحن الإمامية تنعقد عندنا الإمامة بالنص الشرعي، وأما السنة تنعقد عندهم بغير ذلك مما ذكروه في كتبهم.. فمن الروايات في هذا الباب، ما يلي:
روى ابن حبان في صحيحه: عن أبي صالح، عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية.(٣٢٩)
ومثله أيضاً في مسند أحمد بن حنبل.(٣٣٠)
وفي صحيح مسلم: عن ابن عمر في حديث له عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.(٣٣١)
إلى غير ذلك مما ورد عندهم من ألفاظ هذا الحديث..
أقول: ذهبت السنة إلى وجوب بيعة الحاكم وطاعته بمفاد هذا الحديث، وأن كلّ من تخلف عن بيعته مات ميتة جاهلية.
قال ابن حزم: لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين ليس في عنقه لإمام بيعة لما رويناه من طريق مسلم..(٣٣٢).
وقال القرطبي في شرح مسلم: البيعة مأخوذة من البيع، وذلك أن المبايع للإمام يلزمه أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه بذل نفسه وماله لله تعالى، وقد وعد الله تعالى على ذلك بالجنة، فكأنه حصلت معاوضة.
ثم هي واجبة على كل مسلم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، غير أنه من كان من أهل الحل والعقد والشهرة فبيعته بالقول والمباشرة باليد إن كان حاضراً، وبالقول والاشهاد عليه إن كان غائباً، ويكفي من لا يؤبه له ولا يعرف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام ويسمع ويطيع له في السر والجهر، ولا يعتقد خلافاً لذلك، فإن أضمره فمات مات ميتة جاهلية، لأنه لم يجعل في عنقه بيعة، انتهى.(٣٣٣)
ونضيف القول هنا: إذا كان السنة يعطون الشرعية لكل من تسلم مقاليد الناس بأيّ وجه كان! فيوجبون له البيعة والطاعة كما كانتا للنبي صلى الله عليه وآله، بحكم هذا الحديث، لكنا لا نراهم في الوقت نفسه يلتزمون بمفاد هذا الحديث في جميع الموارد؟ فإن في تأريخ صدر الإسلام من لم يعمل بهذه القاعدة، فهل يطبقون عليه ما يوجبه هذا الحديث أم لا؟!
فعلى سبيل المثال، هناك جملة من الصحابة لم يبايعوا أمير المؤمنين عليه السلام كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وغيرهما ولم يحضروا معه في حروبه، وكذلك مثل طلحة والزبير اللذين نكثا بيعة أمير المؤمنين عليه السلام وخرجا يقاتلانه! ويؤلّبان الناس على حربه؟ فلم يكن لهما حينئذ إمامٌ، ولا بيعة لأحد! حتى قتلا بلا إمام، فلم نجدهم يلتزمون بتطبيق مفاد هذا الحديث عليهم!!
فكيف ساغ لهؤلاء وأمثالهم أن يتخلّفوا عن بيعة الخليفة الشرعي الذي تجب عليهم بيعته وطاعته، فلم ينقادوا إليه، ولم يحضروا معه في حروبه، بل نكثا بيعته وخرجا عليه؟ مع أن الحديث قد أصحر بأن من مات بغير إمام، أو خلع طاعة مات ميتة جاهلية!
هذا وقد ثبت أيضاً تأريخيًّا أن هناك جملة من علماء السنة لم تكن في أعناقهم بيعة لحكام عصرهم(٣٣٤)، وهذا ما يدل على أن البيعة ليست لكل من تسنم الخلافة أيًّا كان! فإن هؤلاء لم يرضوا لأنفسهم أن تكون عليهم بيعة لكل من حكم واستولى!
كما أن الحديث لا يسوغ لأحد أن يخرج من هذه القاعدة، فهو عام يشمل جميع الناس ولا يستثني أحداً، كما أنه لا يسوغ القول عمن تخلف عن الإمام الشرعي أو خرج عليه أنه اجتهد فأخطأ؟! فإن الحديث نص ظاهر فيما قدمناه، لا يقبل التأويل! ولا الاجتهاد في قباله!
ونشير هنا إلى أمر مهم لا ينكره السنة فنقول: إذا أصّر السنة على القول بوجوب بيعة وطاعة سائر من تولى من الناس! وإن كان فاسقاً كيزيد بن معاوية! فماذا يقولون إذن في سبط رسول الله صلى الله عليه وآله الذي لم يبايعه، ولم تكن له بيعة قط لأحد من الناس، والكل يعلم ذلك! فهل يرضى القوم بأن ينسبوا لسيد شباب أهل الجنة، وريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله ما ينسبونه لسائر الناس بما يفرضه هذا الحديث من الحكم المذكور؟! أو يعترفوا بأن الإمام الشرعي الذي تجب طاعته آنذاك هو سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين عليه السلام الذي أوجب الله تعالى على الناس محبته وولايته!. فلا يجوز أن يكون عليه إماماً أو غيره، وأن يزيد هو الذي يجب عليه أن ينقاد إليه، وكذلك سائر الأمة!
كما أن هناك أيضاً سؤال يفرض نفسه، وهو وجود عدة حكام في زمن واحد، كما هو الحاصل في هذا الزمان، ومن قبل أيضاً فقد شهد التأريخ، أكثر من خليفة في زمن واحد(٣٣٥) كما في زمن عبد الملك بن مروان الذي كان خليفة الشام، وكان عبد الله بن الزبير خليفة الحجاز، وكان أيضاً المأمون العباسي في فترة خليفة على خراسان، بينما كان أخوه الأمين خليفة على بغداد، فمن هو إمام المسلمين منهما الذي تجب بيعته وطاعته على الناس دون غيره، ونحن نعلم أن إمام المسلمين كافة لا يكون إلا واحداً، وترجيح بعضهم على بعض يحتاج إلى الدليل الشرعي، كما أنه لا يمكن القول أيضاً بلزوم طاعتهم جميعاً، وقد وقع ما وقع بينهم من خلاف وقتال؟!
يقول العلامة الأميني (قدس سره) بعد نقل هذه الأحاديث عن صحاح أهل السنة ومسانيدهم: هذه حقيقة راهنة أثبتتها الصحاح والمسانيد، فلا ندحة عن البخوع لمفادها، ولا يتم إسلام مسلم إلا بالنزول لمؤداها، ولم يختلف في ذلك اثنان، ولا أن أحداً خالجه في ذلك شك، وهذا التعبير ينم عن سوء عاقبة من يموت بلا إمام، وأنه في منأى عن أي نجاح وفلاح، فإن ميتة الجاهلية إنما هي شر ميتة، ميتة كفر وإلحاد!
لكن هنا دقيقة لا بد من البحث عنها! وهي أن الصدّيقة الطاهرة المطهرة بنص الكتاب الكريم التي يغضب الله ورسوله لغضبها، ويرضيان لرضاها، ويؤذيهما ما يؤذيها، قضت نحبها وليس في عنقها بيعة لمن زعموا أنه خليفة الوقت! ومثلها بعلها عليه السلام طيلة ستة أشهر..! كما جاء في الصحيحين وفيهما: كان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس.(٣٣٦)
قال القرطبي في المفهم: كان الناس يحترمون علياً في حياتها كرامة لها، لأنها بضعة من رسول الله وهو مباشر لها، فلما ماتت وهو لم يبايع أبا بكر انصرف الناس عن ذلك الاحترام ليدخل فيما دخل فيه الناس، ولا يفرق جماعتهم.
فالحقيقة هاهنا مرددة بين أن الصدّيقة سلام الله عليها عزبت عنها ضرورية من ضروريات دين أبيها، وهي أولاها وأعظمها، وقد حفظته الأمة جمعاء حضريها وبدويها، وماتت - والعياذ بالله - على غير سنة أبيها، وبين أن لا يكون للحديث مقيل من الصحة! وقد رواه الحفظة الأثبات من الفريقين، وتلقته الأمة بالقبول، وبين إنها سلام الله عليها لم تك تعترف للمتقمص بالخلافة، ولا توافقه على ما يدعيه، ولم تكن تراه أهلاً لذلك، وكذلك الحال في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، فهل يسع لمسلم أن يختار الشق الأول! ويرتئي لبضعة النبوة ولزوجها نفس النبي الأمين ووصيه على التعيين ما يأباه العقل والمنطق ويبرأ منه الله ورسوله؟! لا، ليس لأحد أن يقول ذلك!.
وأما الشق الثاني، فلا أظن جاهلاً يسف إلى مثله بعد استكمال شرايط الصحة والقبول، وإصفاق أئمة الحديث، ومهرة الكلام على الخضوع لمفاده، وإطباق الأمم الإسلامية على مؤداه، فلم يبق إلا الشق الثالث، فخلافة لم تعترف لها الصدّيقة الطاهرة! وماتت وهي واجدة عليها وعلى صاحبها،! ويجوِّز مولانا أمير المؤمنين التأخّر عنها ولو آناً ما، ولم يأمر حليلته بالمبادرة إلى البيعة، ولا بايع هو، وهو يعلم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه، وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، فخلافة هذا شأنها حقيقة بالإعراض عنها، والنكوص عن البخوع لصاحبها!!.(٣٣٧)
وهناك أمر آخر أيضاً نود قوله هنا بمناسبة هذا الحديث، وهو ماذا يقولون أيضاً؟ فيمن مات في فترة ما قبل تعيين الخليفة اللاحق بعد موت الخليفة السابق، كالفترة التي حصلت أيام الشورى بعد مقتل عثمان بن عفان وغيرها.. وهذا يلزم على رأيهم أن من مات في خلال هذه الفترة أنه مات بغير إمام فموتته جاهلية؟! فماذنبه يموت ميتتة جاهلية إذا لم يتعين له الإمام بعد؟.
أما على مذهب الإمامية، فكل هذه الإيرادات لا ترد، فإن الإمامة لاتنقطع أبداً بموت الإمام السابق، ولا للحظة من الزمن، فإن الإمام اللاحق يقوم من بعده مباشرة كما ثبت في إمامة الإئمة الاثني عشر عليهم السلام، وكما جاء في الحديث الذي أخرجه الجويني بإسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي بن أبي طالب عليه السلام في حديث له: ومثل الأئمة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجى، ومن تخلف عنها غرق، ومثلكم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة.(٣٣٨)
وخلاصة الكلام أن هذا الحديث لاينطبق إلا على مذهب الشيعة الإمامية، والتي تقول بعدم خلو الزمان من وجود إمام معصوم، فهو الذي يجب على الناس معرفته وطاعته، وهو الذي تستلزم جهالته الميتة الجاهلية، لا كل من جاء من سوقة الناس، ثم حكمهم فيكون حاله حال الأنبياء في وجوب الطاعة والبيعة والمعرفة، فلا يمكن أن يترك الله تعالى الناس هملاً بلا إمام يرعاهم، وينظم أمورهم..

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم * * * ولا سراة إذا جهالهم سادوا

وللمزيد من الإيضاح سوف نتكلم هنا في مضمون الحديث ومفاده:
أولاً: قوله: (من مات وليس له إمام):
ليس المراد من كلمة الإمام في الحديث هو الحاكم أو السلطان، وذلك لأن الإمام سمي إماماً لأنه يؤتم به، ويقتدى به في أفعاله وأقواله، وهذا لا يتسنى إلا للإمام المعصوم الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا، فهو الذي جعله إماماً للناس ليهتدوا به في الدين، قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)(٣٣٩) فهؤلاء هم الذين تجب طاعتهم وولايتهم، فهم أحق الناس بالإتباع من غيرهم، وقال تعالى: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).(٣٤٠)
فالإمام التي تجب طاعته في جميع الأحوال، هو الإمام المعصوم المنقاد لأمر الله تعالى في جميع الأمور، المهتدي الهادي لغيره، وإلا استلزم إغراء الناس به، والوقوع في الضلالة والجهالة، وحاشا لله تعالى أن يوجب طاعة مخلوق غير معصوم طاعة مطلقة مع ما يصدر منه من الذنب والعصيان والخطأ، فالإمام المعصوم هو وحده الذي لا يمكن يستزل أو يخدع، أو يحيف في حكمه!.(٣٤١)
ومن هنا نقول أيضاً إذا ثبت وجوب معرفة الإمام إذن لا تخلو الأرض من إمام مؤيد من الله تعالى مادام قد أوجب عليهم معرفته وطاعته، وليس هو إلا الذي اصطفاه عليهم جميعاً، واسترعاه أمرهم، فالإمام هو الذي يقود الناس ويسير بهم إلى طاعة الله تعالى ورضوانه، وهذا الأمر لا يتسنى لكل من تسنم منصب الخلافة، وحكم في رقاب الناس.
يقول السيد الطباطبائي في الميزان في هذه المسألة: وبالجملة فالإمام يجب أن يكون إنساناً ذا يقين، مكشوفاً له عالم الملكوت - متحققاً بكلمات من الله سبحانه.. قال تعالى: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)(٣٤٢) وسيجيء تفسيره بالإمام الحق دون كتاب الأعمال، على ما يظن من ظاهرها، فالإمام هو الذي يسوق الناس إلى الله سبحانه يوم تبلى السرائر، كما أنه يسوقهم إليه في ظاهر هذه الحياة الدنيا وباطنها، والآية مع ذلك تفيد أن الإمام لا يخلو عنه زمان من الأزمنة، وعصر من الأعصار، لمكان قوله تعالى: (كُلَّ أُنَاسٍ) على ما سيجيء في تفسير الآية من تقريبه.
ثم إن هذا المعنى أعني الإمامة، على شرافته وعظمته، لا يقوم إلا بمن كان سعيد الذات بنفسه، إذ الذي ربما تلبّس ذاته بالظلم والشقاء، فإنما سعادته بهداية من غيره، وقد قال الله تعالى: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى)(٣٤٣) وقد قوبل في الآية بين الهادي إلى الحق وبين غير المهتدي إلا بغيره، أعني المهتدي بغيره، وهذه المقابلة تقتضي أن يكون الهادي إلى الحق مهتدياً بنفسه، أن المهتدي بغيره لا يكون هادياً إلى الحق البتة.
ويستنتج من هنا أمران: أحدهما: أن الإمام يجب أن يكون معصوماً عن الضلال والمعصية، وإلا كان غير مهتد بنفسه، كما مر، كما يدل عليه أيضاً قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)(٣٤٤) فأفعال الإمام خيرات يهتدى إليها لا بهداية من غيره، بل باهتداء من نفسه بتأييد إلهي، وتسديد رباني، والدليل عليه قوله تعالى: (فِعْلَ الخَيْرَاتِ) بناء على أن المصدر المضاف يدل على الوقوع، ففرق بين مثل قولنا: (وأوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات) فلا يدل على التحقق والوقوع، بخلاف قوله: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ) فهو يدل على أن ما فعلوه من الخيرات إنما هو بوحي باطني، وتأييد سماوي.
الثاني: عكس الأمر الأول، وهو أن من ليس بمعصوم فلا يكون إماماً هادياً إلى الحق البتة..(٣٤٥).
فنخلص من هذا كله أن قوله:(من مات وليس له إمام) يعني بالإمام الإمام المعصوم، المؤيد من الله تعالى، المنصوص عليه في الشرع.
ثانياً: قوله: (مات ميتة جاهلية)
يعني يموت على غير دين الإسلام، وهي ميتة أهل الشرك والضلالة، فيكون حاله حال من أنكر نبوة الأنبياء والرسل، ونعلم بالضرورة أن هذا الحكم لا ينسحب على من لم يبايع الحاكم، ولم يدخل في طاعته، فحاشا لله تعالى أن يجعل هذا المنصب العظيم الذي جعله لأنبيائه وأوليائه الذين أمر الناس كافة بطاعتهم وولايتهم، وهم المعصومون المطهرون، فيمنحه لسائر الحكام والسلاطين الذين اختارهم الناس وولوهم، فيعطيهم نفس هذا الحكم من الطاعة والبيعة! فيموت من لم يبايعهم موتة جاهلية، كما أن الحكام والسلاطين أنفسهم أيضاً يحتاجون إلى إمام يقتدون به، ليسير بهم على ضوء كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله لا يحيد عن الحق أبداً، وهو الإمام المعصوم، فهو المهتدي المطلق الذي لا يحتاج إلى هداية أحد من الناس، فهو غني عنهم بما حباه الله تعالى من الهداية والمعرفة.
ففي عقيدة الشيعة الإمامية أن (الحديث) لا يصح إلا في حقّ من اختاره الله تعالى وسدّده، واسترعاه أمر الأمة، وهو الإمام الذي نصّبه النبي صلى الله عليه وآله إماماً على الأمة، وهو أمير المؤمنين والأئمة من بعده، فهم الذين تستلزم جهالتهم الميتة على الجاهلية(٣٤٦)، لا كلّ من حكم رقاب الناس، وتسلط عليهم حتى لو كان فاسقاً، شارباً للخمر، قاتلاً للنفس المحترمة، فحاشا أن يكون أمره أمر الله تعالى، ونهيه نهي الله تعالى!!.
وهذا ما يدل على أن الإمامة من الأصول وليست من الفروع، فإن ترك شيء من الفروع اجتهاداً وليس عن عمد لا يوجب الموت على الميتة الجاهلية، وكما قلنا: حاشا لله تعالى أن يجعل بيعة الحاكم أصلاً من أصول الدين، وأن من تخلف عنها مات ميتة جاهلية! لأن ذلك لا يكون إلا لمن ولاه على الأمة ونص عليه، وإذا زعموا أنها ليست من الأصول بل هي من الفروع، فنقول: إن التخلف عنها لا يستوجب الموت على غير الإسلام.
يقول الشهيد نور الله التستري: فلا ريب في أن الإمامة إنما هي من الأصول، ولهذا يذكر في الكتب المصنفة فيه، فكيف يمكن إثباتها بالقياس الفقهي الذي لا يكون إلا في الفروع؟.
وأما ما ذكره صاحب المواقف من أن مسألة الإمامة ليست من الأصول، ومجمج فيه العلامة الدواني بأنه بالفروع أشبه! فمعارض بما ذكره القاضي البيضاوي في مبحث الأخبار من كتاب المنهاج، وجمعٌ من شارحي كلامه، أن الإمامة من أعظم مسائل أصول الدين التي مخالفتها توجب الكفر والبدعة، وبما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين وغيره في غيره من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة جاهلية، فإنه صريح في أن الإمامة من الأصول ضرورة أن الجاهل بشيء من الفروع وإن كان واجباً لا يكون ميتته ميتة جاهلية، ولا يقدح ذلك في إسلامه..
وأيضاً قد صرحوا بأن الإمامة صنو مرتبة النبوة، وأن حقوق النبوة من حماية بيضة الإسلام، وحفظ الشرع، ونصب الألوية والأعلام في جهاد الكفار والبغاة، والانتصاف للمظلوم، وإنفاذ المعروف، وإزالة المنكر إلى غير ذلك من توابع منصب النبوة ثابتة للإمامة لأنها خلافة ونيابة عنها.
وبالجملة لو لم تكن مسألة الإمامة مثل مسألة النبوة في كونها من أصول الدين، وكان يكفي فيها كما في سائر الفروع ظن المجتهدين أو تقليدهم للزم أن لا يجوز تخطئة المجتهد الذي ظن أن أبا بكر ليس بإمام، وكذا تخطئة المقلد! والحال أنهم إذا سمعوا من يقول: إني أعتقد أن أمير المؤمنين عليه السلام خليفة للنبي صلى الله عليه وآله بغير فصل بسبب الظن الذي قادني إليه أو بواسطة تقليد المجتهد الفلاني يخطئونه بل يكفرونه..!!.(٣٤٧)
وأضيف القول هنا أيضاً: إنما أصبحت جهالة هذا الإمام تقتضي الميتة على الجاهلية إنما هي من أجل كونه خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله، الهادي للأمة في دينها، والمبين لهم أحكام الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله، فإذا جهله أحد من الناس، فكأنما جهل رسول الله صلى الله عليه وآله، فتحبط جميع أعماله، ولا ينفعه عمله، وحاله حال من مات في الجاهلية، فالنتيجة كما أن جهالة النبي تستلزم الموت على الجاهلية، فكذلك جهالة الإمام لأنهما من واد واحد، ومن هنا جاء في الدعاء عندنا: كما في الدعاء في غيبة القائم من آل محمد عليه وعليهم السلام: اللهم! عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني، اللهم! لا تمتني ميتة جاهلية..(٣٤٨).
يؤيد أيضاً ما قدمناه أمور، منها:
١ - حديث الثقلين: (ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي)
٢ - وكذلك حديث السفينة إذ جاء فيه (ومن تخلف عنهم غرق وهوى)
٣ - قوله: (وإذا خالفتهم قبيلة كانوا حزب إبليس).
فكلمة (لن تضلوا) وكلمة (غرق وهوى) وكلمة (مات ميتة جاهلية) (وحزب إبليس) واردة كلها في معنى واحد، وهو: أن جهالة أهل البيت عليهم السلام وعدم الإهتداء بهديهم مما يوجب الوقوع في الضلالة والجاهلية، والدخول في زمرة الضالين، وكل هذه المفردات تحذر من مخالفتهم وجهالتهم، وترشد إلى لزوم اتباعهم، فهم الذين من تبعهم نجا، ومن تخلف عنهم غرق وهوى، فعلى هذا لا يتم الإيمان إلا بولايتهم واتباعهم، فهؤلاء هم الذين تستوجب جهالتهم دخول النار، وهذا ما تفرضه مجموع هذه الأحاديث الشريفة.
انطباق الحديث على الإمام المهدي عليه السلام
ومن دلالات الحديث أيضاً هو وجود إمام معصوم يهتدى به في كلّ زمان، كما أشرنا إليه آنفاً بالبيان المتقدم، والخلاصة، أن قوله: (من مات بغير إمام) مقتضاه أن الله تعالى أوجد للناس إماماً في كل زمان، وأخذ عليهم معرفته وطاعته، ومن ثم محاسبتهم على جهالتهم له، وليس الإمام في ذلك إلا الذي اصطفاه الله تعالى على البشر كافة، فحاشا لله تعالى أن يوجب اتباع إمامٍ غير معصوم من رعاع الناس ثم يوجب عليهم معرفته وبيعته فإن لم يعرفوه ويبايعوه ماتوا ميتة جاهلية!
فلابد من القول إذن أنه بين الأسماء لهم، وميّز أولياءه وحججه على عباده الذين تجب طاعتهم ومعرفتهم من غيرهم، وإلا لما صح مؤاخذتهم على ذلك! وحاشا لله تعالى أن يوجب طاعة إمام على الأمة ثم لا يميزه لهم، ولا يرشدهم إليه، فلا يجوز أن يكون مغموراً مجهول الحال لا يتسنى لأحد معرفته واتباعه، ولا يميزه لهم ليعرفوه! ومادام الحديث يفرض مؤاخذة كل من جهل الإمام، فلازمه أنه تعالى بين لهم إمامهم من غيره.
ومن الواضح جداً انطباق هذا الحديث على الإمام المهدي المنتظر عليه السلام في هذا الزمان، وعدم انطباقه على غيره، فإنه الإمام الذي اصطفاه الله تعالى على سائر الناس لنشر العدل في أرجاء المعمورة، كما أن السنة لا يمكن لهم أن ينكروا إمامته في الجملة، فهو الإمام المعصوم الذي يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فلابد من القول بإمامته، ومَنْ جهله مات ميتة جاهلية.
روى الشيخ الصدوق: عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أنكر القائم من ولدي في زمان غيبته فمات فقد مات ميتة جاهلية.(٣٤٩)
وعن محمد بن عثمان العمري - قدس الله روحه - يقول: سمعت أبي يقول: سئل أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام وأنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه عليهم السلام: أن الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه إلى يوم القيامة، وأن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية؟ فقال عليه السلام: إن هذا حق كما أن النهار حق، فقيل له: يا ابن رسول الله فمن الحجة والإمام بعدك؟ فقال: ابني محمد، هو الإمام والحجة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية.
أما إن له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون، ثم يخرج فكأني أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة.(٣٥٠)
وعن فضيل بن يسار قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، ومن مات وهو عارف لإمامه لم يضره، تقدم هذا الأمر أو تأخر، ومن مات وهو عارف لإمامه، كان كمن هو مع القائم في فسطاطه.(٣٥١)
وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من مات وليس له إمام من ولدي، مات ميتة جاهلية، ويؤخذ بما عمل الجاهلية والإسلام.(٣٥٢)
وعن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، ولا يعذر الناس حتى يعرفوا إمامهم.(٣٥٣)
وروى الشيخ الكليني: عن الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية؟ قال: نعم، قلت: جاهلية جهلاء أو جاهلية لا يعرف إمامه؟ قال: جاهلية كفر ونفاق وضلال.(٣٥٤)
الأدلة الأخرى على إمامة أهل البيت عليهم السلام
قد وردت جملة من الأحاديث الشريفة الدالة على إمامة أهل البيت عليهم السلام، ووجوب ولايتهم، والسير على خطاهم في مصادر السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، وهي كثيرة جداً، ولم ترد مثل هذه النصوص في حقّ أحد غيرهم، وقد سماهم النبيّ صلى الله عليه وآله أئمة تارة، وتارة بين أن مكانهم في الأمة مكان الرأس من الجسد، وغير ذلك من الألفاظ الأخرى الدالة على ما قدمناه ببيان عربي مبين لا تقبل التأويل، فمنها ما يلي:
١ - أبو نعيم الأصفهاني عن رسول الله صلى الله عليه وآله: من سرّه أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن، غرسها ربي، فليوالِ علياً من بعدي، وليوالِ وليّه، وليقتدِ بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً، فويلٌ للمكذبين من أمتي، والقاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي.. الخ.(٣٥٥)
وجاء في رواية أخرى: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أحبّ أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويدخل الجنة التي وعدني ربّي، فليتولى عليَّ بن أبي طالب وذريته أئمة الهدى، ومصابيح الدجى من بعده، فإنهم لن يخرجوكم من باب الهدى إلى باب الضلالة.(٣٥٦)
٢ - أحمد بن عبد الله الطبري: عن عمر أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: في كلّ خلوف(٣٥٧) من أمتي عدول أهل بيتي، ينفون عن هذا الدين تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله عزَّ وجلَّ فانظروا بمن توفدون. أخرجه الملا.(٣٥٨)
وأخرج علي بن محمد بن عبد الله العباسي العلوي بسنده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: في أهل بيتي عدول ينفون عن الدين تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، ألا وأن أئمتكم وفدكم إلى الله تعالى، فانظروا من تقدمون في دينكم وصلاتكم.(٣٥٩)
٣ - روى ابن الصباغ المالكي: عن رافع مولى أبي ذر قال: صعد أبو ذر على عتبة باب الكعبة، وأخذ بحلقة الباب وأسند ظهره إليه، وقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها زج في النار، وسمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: اجعلوا أهل بيتكم منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، فإن الجسد لا يهتدي إلا بالرأس، ولا يهتدي الرأس إلا بالعينين.(٣٦٠)
٤ - روى ابن أعثم الكوفي: عن ابن عباس، قال: إني حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد ضمّ الحسين بن عليّ إلى صدره، وهو يقول: هذا من أطائب أرومتي، وأنوار عترتي، وخيار ذريتي، لا بارك الله فيمن لا يحفظه بعدي!.(٣٦١)
٥ - روى نعيم بن حماد: عن مكحول، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله المهدي منّا أئمة الهدى أم من غيرنا؟ قال: بل منّا، بنا يختم الدين كما بنا فتح، وبنا يستنقذون من ضلالة الفتنة كما استنقذوا من ضلالة الشرك، وبنا يؤلف الله بين قلوبهم في الدين بعد عداوة الفتنة كما ألف الله بين قلوبهم ودينهم بعد عداوة الشرك.(٣٦٢)
٦ - المتقي الهندي: عن أبي الزعراء قال: كان علي بن أبي طالب يقول: إني وأطايب أرومتي، وأبرار عترتي، أحلم الناس صغاراً، وأعلم الناس كباراً، بنا ينفي الله الكذب، وبنا يعقر الله أنياب الذئب الكلب، وبنا يفك الله عنوتكم، وينزع ربق أعناقكم، وبنا يفتح الله ويختم. (عبد الغني بن سعيد في إيضاح الاشكال).(٣٦٣)
قال القندوزي الحنفي: أخرج الحافظ عمرو بن بحر في كتابه: حدثني أبو عبيدة، عن جعفر الصادق، عن آبائه رضي الله عنهم: إن علياً (كرم الله وجهه) خطب بالمدينة بعد بيعة الناس له، وقال: ألا إن أبرار عترتي، وأطايب أرومتي، أحلم الناس صغارا، وأعلمهم كبارا، ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا، وبحكم الله حكمنا، ومن قول الصادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله، ومعنا راية الحق، من تبعها لحق، ومن تأخر عنها غرق، ألا وبنا يدرك كلّ مؤمن ثواب عمله، وبنا يخلع ربقة الذل من أعناقكم، وبنا فتح الله، وبنا يختم.(٣٦٤)
وعن ابن أبي الحديد: عن شيخه أبي عثمان، عن أبي عبيدة، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم السلام، وساق الحديث مثله، وفيه: ألا وبنا يدرك ترة كلّ مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل عن أعناقكم، وبنا فتح لا بكم، ومنا يختم لا بكم.(٣٦٥)
٧ - نهج البلاغة: ومن كلام أمير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد: اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وكم ذا وأين! أولئك والله الأقلون عدداً، والأعظمون عند الله قدراً، يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم.(٣٦٦)
٨ - نهج البلاغة: ومن خطبة له عليه السلام يذكر فيها آل محمد صلى الله عليه وآله: هم عيش العلم، وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، هم دعائم الإسلام، وولائج الاعتصام، بهم عاد الحق في نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه عن منبته، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية، فإن رواة العلم كثير، ورعاته قليل.(٣٦٧)
٩ - نهج البلاغة: لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذه الأمة أحد، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفئ الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصية والوراثة، الآن إذ رجع الحق إلى أهله، ونقل إلى منتقله.(٣٦٨)
١٠ - أخرج الشيخ محمد بن إبراهيم الشافعي الحمويني في فرائد السمطين: بسنده عن أبي بصير، عن خيثمة الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر محمد الباقر يقول: نحن جنب الله، ونحن صفوته، ونحن خيرته، ونحن مستودع مواريث الأنبياء، ونحن أمناء الله (عزَّ وجلَّ) ونحن حجج الله، ونحن أركان الإيمان، ونحن دعائم الإسلام، ونحن من رحمة الله على خلقه، وبنا يفتح الله، وبنا يختم، ونحن الأئمة الهداة، والدعاة إلى الله، ونحن مصابيح الدجى، ومنار الهدى، ونحن العلم المرفوع للحق، من تمسك بنا لحق، ومن تأخر عنا غرق، ونحن قادة الغرّ المحجلين، ونحن الطريق الواضح، والصراط المستقيم إلى الله، ونحن من نعمة الله.(٣٦٩)
١١ - تفسير الثعلبي: عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد: نحن حبل الله الذي قال الله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)(٣٧٠).(٣٧١)
ويقول الفرزدق في أئمة أهل البيت عليهم السلام:

إن عُدَّ أهلُ التقى كانوا أئمتهم * * * أو قيل من خيرُ أهل الأرض قيل همُ
من معشرٍ حبّهم دينٌ وبغضُهم * * * كفرٌ وقربُهم منجى ومعتصمُ

إلى غير ذلك من كلمات النبي صلى الله عليه وآله، والعترة الطاهرة في النص على إمامة أهل البيت عليهم السلام.(٣٧٢)
خلاصة البحث
هذا! وكل من تمعن بعين البصيرة، وتخلى عن التعصب، والتقليد الأعمى، يجد ضالته في مجموع هذه الأحاديث الشريفة التي سقناها من كتب جمهور المسلمين، فهي بحق تأخذ بالأعناق، وتلقي بالحجة على أهل ملة الإسلام جميعاً في أن طريق الحق منحصر بأهل البيت عليهم السلام، ولا عذر لأحد أن يتخلف عنهم أبداً، فكلها دلائل وحجج وبراهين لا يمكن لأحد ردها أو تأويلها، فهذه الأحاديث لم تأتي لمجرد التسلية، وما هي بالقول الهزل، وحاشا وكلا، ما هي إلا براهين ناصعة، وحجج دامغة ترشد إلى وجوب العمل على طريقة العترة الطاهرة عليهم السلام، والسير بهديهم، وأن الزمان لا يخلو من إمام معصوم منهم يجب الإقتداء به، ومتابعته.
وأقول، كما قال شيخنا لطف الله الصافي أيده الله تعالى: من تدبر حق التدبر في أحاديث السفينة، وما يأتي من أحاديث الأمان، وأحاديث من مات ولم يعرف إمام زمانه، وأحاديث الخلفاء والأئمة الاثني عشر، وأحاديث الثقلين، وحديث في كل خلف.. وحديث من سره. وغيرها من الأحاديث الكثيرة..
يحصل له العلم بعدم خلو الزمان من إمام معصوم من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يجب التمسك به في الأمور الدينية، ومعرفته ومتابعته، والتأسي به، وأخذ العلم عنه، فهو خليفة الرسول في بيان الأحكام وتبليغ مسائل الحلال والحرام، وتفسير القرآن.
كما أن الكتاب العزيز أيضاً خليفته، وهما لا يفترقان عن الآخر، وعلى هذا الأساس المتين المستفاد من هذه الأخبار المتواترة القطعية وغيرها، بنى مذهب الإمامية القائلين بوجود الإمام المعصوم في كل عصر وزمان من أهل البيت، وانحصار الإمامة في الاثني عشر إلى قيام الساعة.
ويرشد إلى ذلك أي عدم خلو الأرض من الإمام ما رواه الخاص والعام عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهراً مشهوراً، أو خائفا مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبنياته، وكم ذا، وأين أولئك؟ أولئك والله الأقلون عددا، والأعظمون عند الله قدرا، يحفظ الله بهم حججه وبيناته.
أخرجه الشريف الرضي والذهبي مع اختلاف يسير، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص، والموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب، وعلي المتقي في كنز العمال، وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء.(٣٧٣)
الإمام المهدي المنتظر في مؤلفات الشيعة الإمامية
إن حركة التدوين للأحاديث الخاصة بالإمام المهدي المنتظر عليه السلام سبقت زمن ولادة الإمام وغيبته بقرون من الزمن، واهتم بها المؤرخون والمحدثون، ثم أخذت شيئاً فشيئاً تتطور حتى أفردت بالجمع والتصنيف وقد سبقت عصر الإمام المهدي عليه السلام.(٣٧٤)
كما أنّ جلّ كتب الحديث عندنا عقدت باباً خاصاً في ماجاء من الأحاديث الشريفة حول الإمام المهدي المنتظر عليه السلام ككتاب الكافي للشيخ الكليني، وكتاب الإرشاد للشيخ المفيد، وكتاب الاحتجاج، وكتاب إعلام الورى للشيخ الطبرسي، وكتاب كفاية الأثر للخزاز القمي، وكتاب دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري، وكتاب مناقب آل أبي طالب لشهر بن آشوب، وغيرهم، وما جمعه أيضاً العلامة المجلسي رحمه الله تعالى من كتب أصول الحديث وغيرها في كتابه القيم بحار الأنوار في الجزء (٥١ و٥٢ و٥٣).
وأما الكتب الخاصة التي أفردت التأليف في حقه عليه السلام فهي كثيرة جداً، منها: كتاب الغيبة للشيخ الطوسي، وكتاب الغيبة للشيخ النعماني، وكتاب كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق رحمه الله تعالى، وغيرها من كتب أصول الحديث عندنا..
ومن خيرة ما كتب في هذا العصر من الكتب القيمة في هذا الموضوع، هو: كتاب مكيال المكارم للميرزا محمد تقي الأصفهاني، وما كتبه السيد محسن الأمين في كتابه المجالس السنية في الفصل الخاص بالإمام عليه السلام، وقد طبع مستقلاً، وكتاب منتخب الأثر لآية الله الشيخ لطف الله الصافي، يقع في ثلاثة أجزاء، وقد أخرج فيه نحو ١٢٨٧ من الأحاديث المروية في الإمام المهدي عليه السلام عن الأئمة الاثني عشر عليهم السلام وغيرهم من طرق الفريقين.
ونخص بالذكر أيضاً من الكتب القيمة في هذا الموضوع: كتاب الإمام الثاني عشر للسيد محمد سعيد الموسوي آل صاحب العبقات، قدم له وعلق عليه السيد علي الحسيني الميلاني، وكتاب المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي، نشر مؤسسة الرسالة، وكتاب حياة الإمام المهدي عليه السلام دراسة وتحليل للشيخ باقر شريف القرشي، وكتاب تطبيق المعايير العلمية على ما اختلف وتعارض من أحاديث المهدي بكتب الفريقين للسيد ثامر هاشم حبيب العميدي.
وقد خرجت في هذا العصر أيضاً بعض المعاجم والموسوعات الكبيرة التي تناولت جل ما يرتبط بالإمام المهدي عليه السلام.
منها: موسوعة الإمام المهدي عليه السلام للسيد الصدر فقد تناول فيها تأريخ الغيبة الصغرى والكبرى وسفراء الإمام، وشرائط ظهوره وعلاماته، والدولة العالمية، والعالم بعد الإمام المهدي عليه السلام.
وكتاب موجز دائرة معارف الغيبة، إعداد وتأليف مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام.
وموسوعة الإمام المهدي الميسرة، للأستاذ باسم الأنصاري، وموسوعة بقية الله الأعظم الإمام المهدي، في ثلاثة أجزاء: للشيخ جعفر حسن عتريسي، وكتاب المختار من كلمات الإمام المهدي عليه السلام، في ثلاثة أجزاء: للعلامة الحجة الشيخ محمد الشيخ محمد إسماعيل الغروي، وكتاب المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي عليه السلام، للشيخ علي الكوراني.
ومن الكتب الموسوعية القيمة التي استوعبت الكثير من تأريخ الإمام المهدي عليه السلام هو كتاب معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام، نشر مؤسسة المعارف الإسلامية، فإنه جمع الأحاديث الخاصة في الإمام المهدي عليه السلام من طرق الفريقين، فقد بلغ ما جمعه نحو (١٨٦١) حديثاً مستخرجة من أصول المصادر، والتي بلغت حوالي ٤٠٠ مصدر، وقد ذكر في الأجزاء الثلاثة الأولى (٥٦٣) حديث عن النبي صلى الله عليه وآله من طرق الفريقين، كما ذكر في الجزء الرابع والخامس والسادس(٨٧٦) حديثاً عن أئمة أهل البيت عليهم السلام.
وقد حوى أيضاً الجزء السابع: (الآيات المفسرة) (٤٢٢) حديثاً متفرقة فيكون مجموع الأحاديث هي (١٨٦١) حديثاً.
وهذا الرقم من الأحاديث الشريفة من الفريقين لم يتيسر إلا نادراً في الأمور الإعتقادية، مما يشكل ثروة هائلة في مايرتبط بظهور الإمام المهدي المنتظر عليه السلام.
وناهيك أيضاً عما ذكره الحجة آغا بزرك الطهراني قدس سره في كتابه القيم (الذريعة) من مؤلفات الشيعة الإمامية الكثيرة جداً حول الإمام عليه السلام قديماً وحديثاً في أجزائه المتفرقة، وخصوصاً الجزء (٢٣) فقد ذكر فيه جملة من مؤلفات أعلامنا في هذا الموضوع.
وننوه هنا أيضاً بما جمعه الأستاذ مهدي حسن علاء الدين في كتابه القيم (اقرأ حول الإمام المهدي عليه السلام) نشر مركز بقية الله الأعظم للدراسات والنشر، إذ ذكر فيه مئات الكتب التي تناولت الحديث عن حياة الإمام المهدي وغيبته، وظهوره ودوره في إصلاح العالم وقد أنهاها إلى ٧٤٤ مؤلفاً من مختلف الفرق الإسلامية.
إلى غير ذلك من الكتب القيمة التي عنيت بهذا الموضوع، وسوف نشير أيضاً إلى جملة منها فيما يناسبها في مواضيع هذا الكتاب، كي يطلع القارىء الكريم على مجمل المؤلفات في هذا الباب.
ومن الخير أيضاً أن نشير هنا إلى مايبذله مركز الدراسات التخصصية حول الإمام المهدي عليه السلام في النجف الأشرف من كتب قيمة في هذا الموضوع، إذ لايزال هذا المركز يبذل الجهود في إنجاز الكتب والمقالات والمحاضرات النافعة حول الإمام المنتظر عليه السلام وكل ما يتعلق به، فجزا الله
القائمين على هذا المركز خير الجزاء، ووفقهم إلى ما يحبه ويرضاه إنه سميع الدعاء.
الفصل الثاني: الإمام المهدي عليه السلام في عقيدة السنة

لا بأس أن نستعرض هنا في هذا الفصل ملامح من عقيدة السنة حول الإمام المهدي عليه السلام ليقف القارئ الكريم على حقيقة عقيدتهم في ذلك، وما هي أوجه الإلتقاء والإفتراق بيننا وبينهم حول هذه العقيدة، هذا وقد ألف بعض أعلامنا حول هذا الموضوع وأفرد له كتباً خاصة(٣٧٥) وسوف نتناول هذا الموضوع في هذا الفصل ضمن العناويين التالية:
هل الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر عقيدة شيعية؟
من العجيب جداً أن نجد بعض السُنة يزعم أن فكرة الإعتقاد بظهور الإمام المهدي عليه السلام في آخر الزمان هي فكرة شيعية بحتة، أو على حدِّ تعبير بعضهم: أنها صناعة شيعية، وأن السُنة أخذوا هذه العقيدة منهم، وتأثروا بها لمخالطتهم إياهم، وتناسى هؤلاء أن هذه العقيدة لا تختص بمذهب دون آخر، فهي عقيدة إسلامية، قد تسالم عليها جميع فرق المسلمين، وقد صرّحت بها جلُّ كتبهم، وذكرت الأحاديث الكثيرة الخاصة في ظهور الإمام المهدي عليه السلام في آخر الزمان، ومن هنا تصدى جملة من علماء السنة للرد على أمثال هؤلاء، وأثبتوا بالأدلة والبراهين أن الإعتقاد بالمهدي عليه السلام فكرة إسلامية متفق عليها عند جميع المذاهب، ولاتختص بفرقة دون أخرى.
يقول الدكتور عبد العليم البستوي: هل روايات المهدي كلها من وضع الشيعة؟يزعم بعض الناس أن الأحاديث الواردة في المهدي كلها من وضع الشيعة، أو أنها على الأقل يوجد في روايتها من رُمي بالتشيع، ولذلك فلا تقبل هذه الروايات، لأنها تؤيد بدعتهم، فوقعت التهمة فيها عليهم، ولكنّ هذه الشبهة ليست بصحيحة! لما سيأتي.(٣٧٦)
أقول: ومن هؤلاء الذين زعموا أن الإعتقاد بالإمام المهدي عقيدة شيعية، هو الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود في رسالته المسماة (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر) والتي طبعت في مطابع علي بن علي بالدوحة، قال: وإن أصل من تبنى هذه الفكرة والعقيدة هم الشيعة الذين من عقائدهم الإيمان بالإمام الغائب المنتظر، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وهو الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري، فسرت هذه، وهذا الإعتقاد بطريق المجالسة والمؤانسة والإختلاط إلى أهل السنة فدخلت في معتقدهم، وهي ليست من أصل عقيدتهم، ثم انتقلت بصورة عامة إلى المجتمع الإسلامي حين نادى بها في الناس عبد الله بن سبأ المعروف بصريح الإلحاد والعداء للإسلام والمسلمين، فأخذ هو وشيعته يعملون عملهم في صياغة الأحاديث، ووضعها على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله بأسانيد منظمة..(٣٧٧) إلى آخر ما سطّره من هراء وافتراء.(٣٧٨)
ومن هؤلاء أيضاً رشيد رضا الذي زعم أن الشيعة كانوا يسعون لجعل الخلافة في آل الرسول صلى الله عليه وآله من ذرية علي عليه السلام ويضعون الأحاديث تمهيداً لذلك.(٣٧٩)
ولا نحتاج أن نرد على أمثال هؤلاء بأكثر من قولنا لهم: إن منشأ هذه الدعوى هو الجهل بمعتقداتهم، وما تسالم عليه علماؤهم وأطبقوا عليه من لزوم الاعتقاد بظهور الإمام المهدي عليه السلام في آخر الزمان، هذا والكل يعلم أن أحاديث الإمام المهدي عليه السلام رواها جملة من الصحابة والتابعين، وقد ذكر ذلك جمهور المسلمين كافة، وقد نصوا على تواترها، وسوف نسرد عليك جملة من مؤلفاتهم الخاصة في أخبار ظهور الإمام المهدي عليه السلام في آخر الزمان، وكلمات كثير من علمائهم في ذلك، مما يدل على أن العقيدة في المهدي المنتظر لا تختص بطائفة دون أخرى، ولا يمكن بحال رد أو تكذيب كل هذه الروايات الكثيرة المتواترة بلا مسوغ شرعي أو عقلائي!
يقول السيد الشهيد الصدر قدس سره: (إن فكرة المهدي بوصفه القائد المنتظر لتغيير العالم إلى الأفضل قد جاءت في أحاديث الرسول الأعظم عموماً، وفي روايات أئمة أهل البيت خصوصاً، وأكدت في نصوص كثيرة بدرجة لا يمكن أن يرقى إليها الشك، وقد أحصي أربعمائة حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طرق إخواننا أهل السنة، كما أحصي مجموع الأخبار الواردة في الإمام المهدي من طرق الشيعة والسنة فكانت أكثر من (ستة آلاف رواية)، وهذا رقم إحصائي كبير لا يتوفر نظيره في كثير من قضايا الإسلام البديهية، التي لا يشك فيها مسلم عادة).(٣٨٠)
ويقول الأستاذ آية الله الأستاذ الشيخ الجعفري رحمه الله تعالى: أما فرق المسلمين التي جعلت من السنة أساساً لعقائدها فلا تشترك معنا في الإيمان بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام، ولكنها تشترك معنا في القول بالمهدي، وأنه يخرج في آخر الزمان.
وأنا أملك نصوصاً كثيرة تدل بوضوح على أن علماءهم في الحديث، والمعنيين بالدراسات الحديثية، قالوا: بأن أحاديث المهدي متواترة، فقد رواها أكثر من ثلاثين صحابي وصحابية، بل وبعض الحديث الذي جاء عن بعض الصحابة كعبد الله بن مسعود، (والأسانيد) إلى عبد الله عندهم متواترة لكثرة من يرويه من رواتهم عن عبد الله.
إلى أن يقول: قد ذكرت في كتابي الذي جمعت فيه أحاديث المهدي عليه السلام من طرق غير الإمامية كلّ ما يرجع إليه عليه السلام، وهذه الأحاديث لو قُدّر أن تُطبع لكانت أكثر من أربعمائة أو خمسمائة صفحة بترتيب خاص، والبحوث التي تأتي بعدها قد تفوقه بصفحات وصفحات.(٣٨١)
أقول: ويكفي الرجوع إلى مصادر الحديث عند السنة، وكذلك مؤلفاتهم الكثيرة في هذا الموضوع، فقد ذكروا الكثير من الأخبار حول الإمام المهدي عليه السلام لو جمعت لشكلت موسوعة كبيرة.(٣٨٢)
الإيمان بظهور الإمام المهدي عليه السلام في آخر الزمان
ذكر السنة في كتبهم أن الإيمان بخروج الإمام المهدي عليه السلام في آخر الزمان من الواجبات، وهذا ما تفرضه الأحاديث الصحيحة المتواترة عندهم، فإن الإعتقاد بظهوره هو تصديق لهذه الأحاديث التي لا يمكن ردّها بحال من الأحوال، وإلا للزم تكذيب كلّ هذه الأحاديث! وهو أمر غير سائغ عند جميع المذاهب الإسلامية.
ومن هنا اُفردت عندهم كتب كثيرة في أخبار ظهور الإمام عليه السلام في آخر الزمان، كما ألفوا أيضاً كتباً خاصة في الرد على من أنكر أخبار ظهوره عليه السلام وسوف يأتي الحديث في ذلك قريباً، وإليك هنا كلمات بعض علمائهم في ذلك:
قال ابن أبي الحديد في شرح قول أمير المؤمنين عليه السلام: (وبنا تختم لا بكم): إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الزمان، وأكثر المحدثين على أنه من ولد فاطمة عليها السلام، وأصحابنا المعتزلة لا ينكرونه، وقد صرحوا بذكره في كتبهم، واعترف به شيوخهم، إلا أنه عندنا لم يخلق بعد، وسيخلق.(٣٨٣)
وقال أيضاً في شرح قوله عليه السلام: (ثم يطلع الله لهم من يجمعهم ويضمهم): يعني من أهل البيت عليه السلام، وهذا إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الوقت، وعند أصحابنا أنه غير موجود الآن وسيوجد، وعند الإمامية أنه موجود الآن.(٣٨٤)
وقال الشيخ محمد جعفر الكتاني: وفي شرح عقيدة الشيخ محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي ما نصه: وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حدّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عُدّ من معتقداتهم إلى أن قال: فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدوّن في عقائد أهل السنة والجماعة.(٣٨٥)
وقال الشريف أبو الفيض الغماري في معرض كلامه حول ظهور الإمام المهدي عليه السلام: الإيمان بخروجه واجب، واعتقاد ظهوره - تصديقاً لخبر الرسول - محتّمٌ لازب.(٣٨٦)
وقال الشيخ ناصر الدين الألباني الشامي: إن عقيدة خروج المهدي عقيدة ثابتة متواترة عنه صلى الله عليه وآله وسلم، يجب الإيمان بها، لأنها من أمور الغيب، والإيمان بها من صفات المتقين، كما قال تعالى: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)(٣٨٧) وإن إنكاره لا يصدر إلا من جاهل أو مكابر.(٣٨٨)
ومنهم الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد المدني، عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة (المعاصر) في محاضرة بعنوان (عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر) ألقاها في الجامعة المذكورة(٣٨٩) قال في آخر الفصل السابع: وليعلم أن الأحاديث في المهدي قد تلقتها الأمة من أهل السنة والأشاعرة بالقبول، ورد على كلام ابن خلدون مفصلاً.
وقال في الكلمة الختامية: إن أحاديث المهدي الكثيرة - التي ألف فيها المؤلفون، وحكى تواترها جماعة، واعتقد موجبها أهل السنة والجماعة وغيرهم - تدل على حقيقة ثابتة بلا شك من حصول مقتضاها في آخر الزمان... وقال: فلا عبرة بقول من قفا ما ليس له به علم! فقال: إن الأحاديث في المهدي لا تصح نسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنها من وضع الشيعة! وإذن، فإن أحاديث المهدي على كثرتها، وتعدد طرقها، وإثباتها في دواوين أهل السنة، يصعب كثيراً القول بأنه لا حقيقة لمقتضاها، إلا على جاهل، أو مكابر، أو من لم يمعن النظر في طرقها وأسانيدها، ولم يقف على كلام أهل العلم المعتد بهم فيها.
والتصديق بها داخل في الإيمان بأنّ محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن من الإيمان به صلى الله عليه وآله وسلم تصديقه فيما أخبر به، وداخل في الإيمان بالغيب الذي امتدح الله المؤمنين به، بقوله: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ).(٣٩٠)
ويقول الشيخ صفاء الدين آل شيخ الحلقة - من علماء السنة في العراق - : وأما - المهدي المنتظر - فقد بلغت الأحاديث الواردة فيه حداً من الكثرة يورث الطمأنينة: بأن هذا كائن في آخر الزمان، فيعيد للإسلام سلامته، وللإيمان قوته، وللدّين نضارته، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول.
أما الآثار عن الصحابة المصرحة - بالمهدي - فهي كثيرة، لها حكم الرفع، فإن ما أورده: البرزنجي في الإشاعة لأشراط الساعة، والآلوسي في تفسيره، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة، والحاكم، وأبو يعلى، والطبراني، وعبد الرزاق، وابن حنبل، ومسلم، وأبو نعيم، وابن عساكر، والبيهقي، والخطيب في تأريخه، والدارقطني، والردياني، ونعيم بن حماد في الفتن، كذا ابن أبي شيبة، وأبو نعيم الكوفي، والبزاز، والديمي، وعبد الجبار الخولاني في تاريخه، والجويني، وابن حبان، وأبو عمرو الداني في سننه، ففي ذلك كفاية... فالإيمان بخروجه واجب، واعتقاد ظهوره تصديق لأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.(٣٩١)
وللمزيد من الإطلاع على عقيدة السنة في الإمام المهدي عليه السلام، راجع ما جاء في محاضرة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد المدني، عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة (المعاصر) تحت عنوان: (محاضرة عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر)(٣٩٢) فقد ذكر فيها عناصر عشرة مهمة حول الإمام المهدي عليه السلام، وهي كالتالي:
الأول: ذكر أسماء الصحابة الذين رووا أحاديث المهدي، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعددهم - عنده - ستة وعشرون.
الثاني: ذكر أسماء الأئمة الذين خرّجوا الأحاديث في كتبهم، وعددهم ثمانية وثلاثون.
منهم: أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والنسائي، وأحمد، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة، وأبو نعيم الأصفهاني، والطبراني، والدارقطني، وأبو يعلى الموصلي، والبزار، والخطيب، وابن عساكر، والديلمي، والبيهقي، وغيرهم من الأئمة المحدثين والعلماء.
الثالث: ذكر الذين أفردوا مسألة المهدي بالتأليف، وهم: أبو خيثمة، وأبو نعيم، والسيوطي، وابن كثير، وابن حجر المكي الهيتمي، والمتقي الهندي، والملا علي القاري، والشوكاني، والأمير الصنعاني، وغيرهم.
الرابع: ذكر الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي.
الخامس: ذكر بعض ما ورد في الصحيحين [البخاري ومسلم] من الأحاديث التي تبشر بالمهدي، ولها تعلق بشأنه.
السادس: ذكر بعض الأحاديث بشأن المهدي.
السابع: ذكر بعض العلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي.
الثامن: ذكر من وقف عليه ممن حُكي عنه إنكار أحاديث المهدي مع مناقشة كلامه.
التاسع: ذكر ما يظن تعارضه مع الأحاديث الواردة في المهدي.
العاشر: كلمة ختامية.(٣٩٣)
ردود السنة على من أنكر الإمام المهدي عليه السلام
ادعى بعض كتّاب السنة أن (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)، وبعضهم أنكر بالمرة ظهور الإمام المهدي عليه السلام في آخر الزمان، وكذّب جميع الأحاديث الواردة في شأنه، وبذلك يكون هؤلاء مخالفين تماماً لعقيدة جميع المسلمين في الإمام المهدي عليه السلام، هذا وقد تصدى بعض أعلام السنة ومفكريهم للردّ على هؤلاء، وألفوا ردوداً عليهم، وهنا نذكر بعض الكتب والمقالات والمناقشات التي تصّدت للردّ على هؤلاء وهي كالتالي:
١ - الرد على من زعم (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)
قال المقدسي في كتابه (عقد الدرر) رداً على من أنكر خروج المهدي عليه السلام وزعم أن (لا مهدي إلا عيسى بن مريم)(٣٩٤) قال: أما من ينكر هذا كله بالكلية فلا التفات إليه! إذ لا يُعلم له في ذلك مستند يرجع إليه، وأما من زعم أن (لا مهدي إلا عيسى بن مريم) وأصرّ على صحة هذا الحديث وصمّم فربّما أوقعه في ذلك الحمية والإلتباس، وكثرة تداول هذا الحديث على ألسنة الناس، وكيف يرتقي إلى درجة الصحيح وهو حديث منكر! أم كيف يحتج بمثله من أمعن النظر في إسناده وأفكر، فقد صرح بكونه منكراً أبو عبد الرحمن النسائي، وإنه لجدير بذلك، إذ مداره على محمد بن خالد الجندي..
إلى أن قال: وقد نقل علماء الحديث في حقّ الإمام المهدي من الأحاديث ما لا يحصى كثرة، وكلها معرضة بذكره، ومصرحة عنه من كان له بهذا الفن خبرة، وبعضها لبعض مصححة، وقد ذكر الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين من ذلك مافيه غنية، ونبّه على ترجيح رواته الجم الغفير من كان له في ذلك بغية.. إلى أن قال: فقد اتضح لمن أنصف من جملة هذا الكلام أن المهدي من ولد الزهراء فاطمة عليها السلام لا ابن مريم عليهما السلام.(٣٩٥)
وقال القرطبي في معرض رده على هذا الحديث الموضوع: وهو غير صحيح، لأن الأخبار الصحاح قد تواترت على أن المهدي من عترة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم، فلا يجوز حمله على عيسى، والحديث الذي ورد في أنه (لا مهدي إلا عيسى) غير صحيح.
قال البيهقي في كتاب البعث والنشور: لأن راويه محمد بن خالد الجندي وهو مجهول، يروي عن أبان بن أبي عياش - وهو متروك - عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم، وهو منقطع.
والأحاديث التي قبله في التنصيص على خروج المهدي، وفيها بيان كون المهدي من عترة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أصح إسناداً قلت: قد ذكرنا هذا وزدناه بياناً في كتابنا (كتاب التذكرة) وذكرنا أخبار المهدي مستوفاة، والحمد لله.(٣٩٦)
وقال أيضاً في كتابه الآخر (التذكرة): إسناده ضعيف، والأحاديث عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث، فالحكم بها دونه.(٣٩٧)
٢ - الردود على كتاب (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر صلى الله عليه وآله)
وهو من تأليف الشيخ عبد الله بن زيد بن محمود، رئيس المحاكم الشرعية في دولة قطر، وقد طُبع هذا الكتاب الطبعة الأولى سنة ١٤٠٠ في مطابع قطر الوطنية.
وقد زعم فيه مؤلفه عدم صحة أحاديث الإمام المهدي المنتظر عليه السلام، وادعى أنها موضوعة وخرافة لا أصل لها! وقد تصدى للرّد عليه جماعة من أعلام السنة، منهم ما يلي:
الرد الأول: كتاب (الاحتجاج بالأثر في الرد على من أنكر المهدي المنتظر)
تأليف الشيخ حمود بن عبد الله بن حمود التويجري.
طبع ونشر مكتبة دار العليان الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع بريدة
ط الأولى سنة ١٤٠٣ وط الثانية سنة ١٤٠٦، يقع في ٤٢٣ صفحة.
وفي هذا الكتاب يقول مؤلفه الشيخ حمود التويجري: أما بعد، فقد رأيت رسالة للشيخ عبد الله بن زيد بن محمود رئيس المحاكم القطرية أنكر فيها خروج المهدي في آخر الزمان، وزعم أن القول بخروجه نظرية خرافية، وأن الأحاديث الواردة فيها كلها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله صلى الله عليه وآله وليست من كلامه، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وأنه لا مهدي بعد الرسول صلى الله عليه وآله، وقد سمى رسالته (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر) وقد جانب في رسالته الصواب، وخالف ما عليه المحققون من أكابر العلماء.
كما أنه نهج على المحدثين والفقهاء المتقدمين ورماهم بالتقليد، ونقل الحديث والقول على علاته، ورمى الإمام أحمد بقلة الأمانة، وعدم الثقة حيث زعم أنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد وينقل منها، ورمى الشافعي بالقصور والتقليد.. إلى غير ذلك من الكلمات النابية التي لم يتثبت فيها.. وقد رأيت من الواجب بيان أخطائه لئلا يغتر بها من قلّ نصيبهم من العلم النافع.. الخ.(٣٩٨)
دعوى أن الإمام المهدي ليس له ذكر في القرآن
قال: وأما قول ابن محمود: كما أنه – أي المهدي – ليس له ذكر في القرآن مما يقلل عدم الإحتفال بها! فجوابه(٣٩٩):
أن يقال: لو كان عدم ذكر الشيء في القرآن يقلل الإحتفال بالأحاديث الواردة فيه – أي يقلل المبالات بها – لذهبت السنة أو أكثرها، وقد قال الله تعالى: (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)(٤٠٠) وقال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)(٤٠١) وقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وآله عن بعض الأنبياء وغيرهم من الماضين بقصص لم تذكر في القرآن، وأخبر أيضاً عما سيكون بعده إلى قيام الساعة، وعمّا يكون بعد ذلك إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وما يكون بعد ذلك، وكثير مما أخبر به لم يذكر في القرآن، وكذلك الصلاة والزكاة والحج فإنها لم تذكر في القرآن على وجه التفصيل، وإنما ذكرت فيه على وجه الإجمال، وجاء أحكامها في السنة.
وكذلك أكثر الأحكام فإنَّ بعضها لم يذكر في القرآن، وبعضها قد ذكر فيه على وجه الإجمال، وفصّلت أحكامه في السنة، وقد تلقى أهل العلم ما ثبت من ذلك بالقبول والتسليم، ولا أعلم أحداً قبل ابن محمود توقف عن قبول الأحاديث التي رواها الثقات عن الثقات، وقال إنه لا يحتفل بها من أجل أن ذلك لم يذكر في القرآن، فهذا قول باطل أحدثه ابن محمود، وهو مردود عليه!.. الخ.(٤٠٢)
الرد الثاني: كتاب (الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي عليه السلام، ويليه عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر)
تأليف عبد المحسن بن حمد العباد المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.(٤٠٣)
وقد نشر هذا الرد أيضاً في مجلة الجامعة الإسلامية، العددين ٤٥ و٤٦، الأول والثاني من السنة ١٢.
والكتاب يستهدف الرد أيضاً على كتاب (لا مهدي ينتظر بعد الرسول صلى الله عليه وآله خير البشر)
وفي كتابه هذا يقول الأستاذ عبد المحسن العباد: فقد وصل إليَّ في البريد في شهر ربيع الآخر من عام ألف وأربعمائة من الهجرة ظرف من رئاسة المحاكم الشرعية في قطر يحتوي على ثلاث نسخ، من رسالة للشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية في قطر عنوانها: (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر) ولما قرأتها وجدت كاتبها نحا فيها منحى بعض الكتّاب في القرن الرابع عشر، ممن ليست لهم خبرة في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله ومعرفة صحيحه وسقيمه، وتعويلهم على شبهات عقلية واهية، وكذّب بكلّ ما ورد في المهدي، وقال كما قالوا: أنها حديث خرافة، وأنها وأنها.. الخ ولم يقتصر على ذلك بل تعداه إلى الحط من شأن العلماء المتقدمين والمتأخرين.. إلى أن قال: وقد رأيت كتابة هذه السطور مبيناً جملة كبيرة من أخطائه وأوهامه في هذه الرسالة، وموضحاً أن القول بخروج المهدي في آخر الزمان هو الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة، وهو الذي عليه أهل السنة والأثر في القديم والحديث إلا من شذّ ممن لا يُعتد به..
وقد اقترح عليَّ عددٌ من المشايخ طباعة هذا البحث، وفي مقدمتهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، وسماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حمد رئيس المجلس الأعلى للقضاء اللذان حثاني على ذلك، وسألاني مراراً عما تمَّ حيال طباعته.. الخ.(٤٠٤)
٣ - رد الشيخ الألباني على السيد رشيد رضا صاحب تفسير المنار
نشر الشيخ ناصر الدين الألباني الشامي بعنوان (حول المهدي) بحثاً في (حقل من القراء وإليهم) من مجلة التمدن الإسلامي الدمشقية، في الجزءين ٢٧ و٢٨، الصفحة ٦٤٢، للسنة ٢٢.
قال فيه: فليعلم أن في خروج المهدي أحاديث كثيرة صحيحة، قسم كبير منها له أسانيد صحيحة.
ثم أورد قسماً منها، ونقل كلام صديق حسن خان في (الإذاعة) وقال بعنوان: (شبهات حول أحاديث المهدي): إن السيد رشيد رضا وغيره لم يتتبعوا ما ورد في المهدي من الأحاديث حديثاً حديثاً! ولا توسعوا في طلب ما لكل حديث منها من الأسانيد! ولو فعلوا، لوجدوا فيها ما تقوم به الحجة حتى في الأمور الغيبية التي يزعم البعض أنها لا تثبت إلا بحديث متواتر.
ومما يدلك على ذلك: أن السيد رشيد ادعى أن أسانيدها لا تخلو من شيعي! مع أن الأمر ليس كذلك على إطلاقه، فالأحاديث الأربعة التي أوردها ليس فيها رجل معروف بالتشيع.. إلى أن يقول الألباني: وخلاصة القول: إن عقيدة خروج المهدي عقيدة ثابتة متواترة عنه صلى الله عليه وآله وسلم، يجب الإيمان بها، لأنها من أمور الغيب، والإيمان بها من صفات المتقين، كما قال تعالى: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)(٤٠٥) وإن إنكاره لا يصدر إلا من جاهل أو مكابر.(٤٠٦)
٤ - رد الشبهات حول المهدي
وممن تناول رد جملة من الشبهات التي أثيرت حول ظهور الإمام المهدي عليه السلام هو كتاب (المهدي حقيقة لا خرافة) لمؤلفه: محمد بن أحمد إسماعيل، فقد ذكر جملة من الردود في ص ٨٥ إلى ص ١٤١.
٥ - الردود على ابن خلدون (ت ٨٠٨ هـ)
من أعلام السنة الذين بالغوا في إنكار أحاديث المهدي عليه السلام وجحدوها هو ابن خلدون المتعصب، وقد انبرى للرد عليه ثلة من أعلام السنة ومفكريهم، وعابوه وخطّأوه، ونسبوه لقلة العلم في هذا الباب، وأنه ليس من شأنه تضعيف الأحاديث، وليس هو من أهل الفن في هذا الموضوع، حيث إن هذه الأحاديث متواترة جداً، وقد نصّ على تواترها وصحتها جملة من الأعلام والحفاظ، فمن الردود عليه ما يلي(٤٠٧):
الرد الأول: رد الحافظ أبي العلاء المباركفوري (ت ١٣٥٣ هـ)
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي في باب (ما جاء في المهدي): وقد بالغ الإمام المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المغربي في تاريخه في تضعيف أحاديث المهدي كلها فلم يصب بل أخطأ.. وربما تمسك المنكرون لشأن المهدي بما روي مرفوعاً أنه قال: لا مهدي إلا عيسى بن مريم، والحديث ضعّفه البيهقي والحاكم، وفيه أبان بن صالح وهو متروك الحديث، والله أعلم كذا في عون المعبود.. قلت: الأحاديث الواردة في خروج الإمام المهدي كثيرة جداً.(٤٠٨)
الرد الثاني: إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون:
تأليف أبي الفيض أحمد بن محمد بن الصدّيق الغماري الحسني الأزهري الشافعي المغربي نزيل القاهرة (المتوفى سنة ١٣٨٠ هـ).(٤٠٩)
قال آغا بزرك الطهراني رحمه الله تعالى في كتابه الذريعة: ومن الكتب في المهدي عليه السلام: (إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون في الطعن على أحاديث المهدي عليه السلام)، طبع بالشام سنة ١٣٤٨(٤١٠) لأحمد بن محمد بن الصدّيق، نقل كلام ابن خلدون ثم نقضه، وأورد مائة حديث مروي عن النبيِّ صلى الله عليه وآله في أمر المهدي عليه السلام، متمماً للستة عشر التي ذكرها ابن خلدون، وليس هو بصدد إثبات المهدي الخاص ابن العسكري على ما يقول به الشيعة.(٤١١)
وقال المحقق العلامة السيد محمد رضا الجلالي: (إبراز الوهم المكنون في كلام ابن خلدون) الذي وضعه للرد على شبهات ابن خلدون وترّهاته التي لفّقها حول أحاديث المهدي المنتظر.. إلى أن قال: ثم تصدى لابن خلدون - الذي أصبح مرجعاً للمنكرين - فنقل كلامه المذكور في فصل من مقدمته بعنوان: أمر الفاطمي، وما يذهب إليه الناس من شأنه، وكشف الغطاء عن ذلك حيث قال: اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار: أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويحتجون في الباب بأحاديث خرّجها الأئمة...(٤١٢) إلى آخر كلامه.. حيث ذكر الأحاديث ونقدها حديثاً حديثاً، وضعف أكثرها، فبدأ الصدّيق الغماري بنقض كلامه حرفاً حرفاً، وكشف الغطاء عن أهدافه كشفاً، وأبرز أوهامه إبرازاً، وناقش تضعيفاته للأحاديث، وأثبت خطأه في نقده.
إلى أن نقل قول ابن خلدون: فهذه جملة الأحاديث التي خرّجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان.
فقال الصدّيق راداً عليه: إن جميع ما ذكره من الأحاديث ثمانية وعشرون حديثاً، لكن الوارد في الباب أضعاف أضعاف ذلك، وها أنا مورد من أخباره ما أكمل به المائة من المرفوعات والموقوفات، دون المقطوعات، إذ لو تتبعتها، خصوصاً الوارد عن أهل البيت، لأتيت منها بعدد كبير، وقدر غير يسير.
ثم أورد الحديث التاسع والعشرين إلى المائة، ثم قال في آخر الفصل: ولنقتصر على هذا القدر من الوارد في المهدي، فإنه لا محالة مبطل لدعوى الطاعن [ابن خلدون] وإلا فالأخبار في الباب كثيرة جداً، ولو جمع منها الوارد عن خصوص أئمة أهل البيت لكان مجلداً حافلاً.(٤١٣)
ويقول الدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي: أحمد بن محمد بن الصدّيق: له كتاب (إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون) أو (المرشد المبدي لفساد طعن ابن خلدون في أحاديث المهدي) وقد ردّ به المؤلف على ابن خلدون في تضعيفه لأحاديث المهدي، وهي ثمانية وعشرون حديثاً، ووافق ابن خلدون في تضعيف بعض الأحاديث، ولكن لما كان الطابع الغالب على الكتاب هو الدفاع والرد على الانتقادات فقد حاول الدفاع عن بعض الأحاديث التي ضعّفها ابن خلدون، وهو محق في ذلك، وبعد مناقشة طعون ابن خلدون في الأحاديث التي ذكرها أضاف إليها أحاديث وآثاراً أخرى بلغ مجموعها إلى المائة، إلا أنه لم يبين درجة هذه الأحاديث.(٤١٤)
الرد الثالث: رد الشيخ ناصر الدين الألباني الشامي
قال الألباني: وقد أخطأ ابن خلدون خطأ واضحاً حيث ضعّف أحاديث المهدي كلها، ولا غرابة في ذلك، فإنّ الحديث ليس من صناعته، والحق أن الأحاديث الواردة في المهدي فيها الصحيح والحسن، وفيها الضعيف والموضوع، وتمييز ذلك ليس سهلاً إلا على المتضلع في علم السنة، ومصطلح الحديث.(٤١٥)
الرد الرابع: رد الأستاذ أحمد محمد شاكر
قال الأستاذ أحمد محمد شاكر في شرح مسند أحمد بن حنبل: أما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحماً لم يكن من رجاله، وغلبه ما شغله من السياسة، وأمور الدولة، وخدمة من كان يخدم من الملوك والأمراء، فأوهم أنّ شأن المهدي عقيدة شيعية أو أوهمته نفسه ذلك فعقد في مقدمته المشهورة فصلاً طويلاً جعل عنوانه، فصل في أمر الفاطمي وما يذهب إليه الناس من أمره...(٤١٦)
ويأخذ الأستاذ أحمد محمد شاكر في تفنيد ابن خلدون، وأن إنكاره للإمام عليه السلام إنكار لضروري من ضروريات الدين، فقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وآله في شأن المهدي عليه السلام، وأنه لا مجال بأيّ حال للريب والطعن فيها.(٤١٧)
الرد الخامس: رد الشيخ عبد المحسن بن محمد العباد
قال الشيخ العباد: ابن خلدون مؤرخ وليس من رجال الحديث، فلا يعتد به في التصحيح والتضعيف! وإنما الاعتماد بذلك بمثل البيهقي، والعقيلي، والخطابي، والذهبي، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم من أهل الرواية والدراية الذين قالوا بصحة الكثير من أحاديث المهدي.(٤١٨)
الرد السادس: رد الدكتور عبد العليم البستوي
قال في كتابه (المهدي المنتظر عليه السلام): ولقد حاول ابن خلدون تضعيف أحاديث المهدي كلها! واستند في رأيه هذا إلى كلام العلماء (إن الجرح مقدم على التعديل) ثم ذكر بعض ما ورد في الطعن في بعض رواة أحاديث المهدي، والحقيقة أن المحدثين حينما يقولون: إن الجرح مقدم على التعديل لا يريدون منه الإطلاق، بل لابد أن يكون الجرح مفسراً حتى يتمكن الباحث من النظر فيه، وهل هو جرح حقيقة أم لا؟ فقد يضعفه الجارح بسبب يراه قادحاً بينما هو ليس بقادح عند غيره.(٤١٩)
قال ابن حجر في شرح النخبة: الجرح مقدم على التعديل، وأطلق ذلك جماعة، ولكن محله إن صدر مبيناً من عارف بأسبابه، لأنه إن كان غير مفسر لم يقدح فيمن ثبتت عدالته، وإن صدر من غير عارف بالأسباب لم يعتبر به أيضاً، فإن خلا المجروح عن التعديل قبل الجرح فيه مجملاً غير مبين السبب إذا صدر عن عارف على المختار.(٤٢٠)
وكذلك نص عليه النووي والسخاوي والسيوطي والسندي وغيرهم.(٤٢١) وحتى لو ثبت الجرح في الراوي فليس كلّ جرح يسقط الرواية بل من الجرح ما هو شديد ويستلزم ترك الرواية، ومنه ما ليس كذلك بل يعتضد الراوي المتصف به بغيره من المعتبرين فيحتج بروايته، فأما الجرح الشديد هو الناشئ في الراوي من قبل كونه متهماً في دينه وعدالته، أو كونه سيء الحفظ جداً فاحش الخطأ، فحينذاك تترك روايته بالمرة،ولا يحتج به ولا يعتبر به!
قال الترمذي: فكلّ من كان متهماً في الحديث بالكذب، أو كان مغفلاً يخطئ الكثير! فالذي اختار أكثر أهل الحديث من الأئمة أنه لا يشتغل بالرواية عنه.(٤٢٢)
وروى الخطيب بسنده عن ابن مهدي أنه قال: سمعت شعبة، وسئل: من الذي يترك حديثه؟ قال: الذي إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فأكثر طرح حديثه، وإذا روى حديثاً غلطاً مجمعاً عليه فلم يتهم نفسه فيتركه طرح حديثه، وإذا كثر الغلط يترك حديثه، وما كان غير ذلك فاروِ عنه.(٤٢٣)
إلى أن قال: فابن خلدون كما قال أحمد شاكر: لم يحسن قول المحدثين: الجرح مقدم على التعديل، ولو اطلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئاً مما قال!.(٤٢٤)
ولذلك رد على ابن خلدون كثير من العلماء:
ومن بينهم العلامة صدّيق حسن خان في (الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة) والشيخ المحدث شمس الحق العظيم آبادي في (عون المعبود)، والشيخ العلامة عبد الرحمن المباركفوري في (تحفة الأحوذي في باب المهدي) من كتابيهما، والشيخ المحدث أحمد شاكر في تعليقاته على (مسند الإمام أحمد)(٤٢٥)، والشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني في تخريجه لأحاديث فضائل الشام ودمشق(٤٢٦)، والشيخ عبد الله بن محمد الصدّيق في كتابه (إبراز الوهم المكنون).(٤٢٧)
وابن خلدون لم يحص الأحاديث الواردة في المهدي! وإنما ذكر جزءاً قليلاً منها، ومع محاولته لتضعيفها لم يجد بداً من الاعتراف بصحة بعضها، فقال: فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان، وهي - كما رأيت - لم يخلص منها من النقد إلا القليل والأقل منه(٤٢٨) أفلا يكفي هذا القليل الصحيح للاستدلال؟!.(٤٢٩)
الإمام المهدي عليه السلام في أحاديث الصحابة عند السنة
إن أحاديث الإمام المهدي المنتظر عليه السلام، كما وردت من طريق أهل البيت عليهم السلام في كتب الشيعة الإمامية(٤٣٠) فكذلك أيضاً رويت جملة وافرة منها في مصادر الحديث عند السنة عن جملة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وهي كثيرة جداً مما يدل على بلوغها حداً فوق التواتر، كما رووا أيضاً بعض أخبار المهدي من طريق أهل البيت عليهم السلام.
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي في باب (ما جاء في المهدي): وخرّج أحاديث المهدي جماعة من الأئمة منهم: أبو داود والترمذي وابن ماجة والبزار والحاكم والطبراني وأبو يعلى الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة: مثل عليّ، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد الخدري، وأم حبيبة، وأم سلمة، وثوبان، وقرة بن إياس، وعلي الهلالي، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وأسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح، وحسن وضعيف.(٤٣١)
ومنهم أيضاً: عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعمار بن ياسر، وعوف بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن الحصين، وأبو الطفيل، وجابر الصدفي(٤٣٢) وعائشة، وسلمان الفارسي، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو أمامة الباهلي، ومجمع بن جارية الأنصاري، وأبو سليمان راعي رسول الله صلى الله عليه وآله، وشهر بن حوشب، وجابر بن سمرة.(٤٣٣)
ممن خرّج أحاديث الصحابة حول المهدي من الحفاظ والعلماء
قال الشيخ محمد جعفر الكتاني في كتابه نظم المتناثر من الحديث المتواتر: خروج المهدي الموعود المنتظر الفاطمي عن:
ابن مسعود: أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.
وأم سلمة: أخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم في المستدرك.
وعلي بن أبي طالب: أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
وأبي سعيد الخدري: أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأبو يعلى والحاكم في المستدرك.
وثوبان: أخرجه أحمد وابن ماجة، والحاكم في المستدرك.
وقرة بن إياس المزني: أخرجه البزار، والطبراني في الكبير والأوسط.
وعبد الله بن الحارث بن جزء: أخرجه ابن ماجة والطبراني في الأوسط.
وأبي هريرة: أخرجه أحمد والترمذي وأبو يعلى والبزار في مسندهما، والطبراني في الأوسط وغيرهم.
وحذيفة بن اليمان: أخرجه الروياني.
وابن عباس: أخرجه أبو نعيم في أخبار المهدي.
وجابر بن عبد الله: أخرجه أحمد ومسلم، إلا أنه ليس فيه تصريح بذكر المهدي، بل أحاديث مسلم كلها لم يقع فيها تصريح به.
وعثمان: أخرجه الدارقطني في الإفراد.
وأبي أمامة: أخرجه الطبراني في الكبير.
وعمار بن ياسر: أخرجه الدارقطني في الإفراد، والخطيب، وابن عساكر.
وجابر ابن ماجد الصدفي: أخرجه الطبراني في الكبير.
وابن عمر، وطلحة بن عبيد الله: أخرجهما الطبراني في الأوسط.
وأنس بن مالك: أخرجه ابن ماجة.
وعبد الرحمن بن عوف: أخرجه أبو نعيم.
وعمران بن حصين: أخرجه الإمام أبو عمرو الذاني في سننه.
وغيرهم.(٤٣٤)
شهرة أحاديث الإمام المهدي عليه السلام عند الصحابة والتابعين
يظهر بشكل واضح أن أخبار ظهور الإمام المهدي عليه السلام كانت مشهورة ومتواترة عند عامة الصحابة، والتابعين أيضاً، مما يدل على أن الاعتقاد بظهور الإمام عليه السلام في آخر الزمان أمر ثابت عندهم، ومسلّم فيما بينهم، ولهذا أخذ هذا الأمر قسطاً ومحلاً من اهتماماتهم فيما يرتبط بالإمام المهدي عليه السلام، ولهذا كثر السؤال حوله، وحول علامات ظهوره وما يتعلق به، ومن يسبر الأحاديث في ذلك يجد هذا الأمر واضحاً فيها، وأن اسم المهدي كان يتردد كثيراً على ألسنتهم، تارة بالتصريح، وأخرى بالتلويح.
جاء في كتاب الفتن لأبي نعيم: عن صالح بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: أتيناه نعوده في تخمة أصابته، قال: فذكر معاوية فتغيظ عليه، وأغلظ عليه في القول! ثم قال أبو هريرة للحسن بن علي رضي الله عنهما: لا يكبرن عليك! فوالذي نفسي بيده لو كانت الدنيا يوماً واحداً لطول الله ذلك اليوم حتى تكون الخلافة لبني هاشم.(٤٣٥)
وأخرج الداني بإسناده: عن فرات القزاز، عن أبي معبد قال: قلت له: سمعت ابن عباس يذكر في المهدي شيئاً؟ قال: نعم، سمعته يقول: والله لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لختم الله بنا هذا الأمر كما فتحه، وقال: بنا فتح هذا الأمر وبنا يختم.(٤٣٦)
وقال إسحاق بن موسى الأنصاري: سمعت محمد بن جعفر يقول: شكوت إلى مالك بن أنس ما نحن فيه، وما نلقى! فقال: اصبر حتى يجيء تأويل هذه الآية (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)(٤٣٧).(٤٣٨)
إلى غير ذلك من الأحاديث التي أفصحت عن عقيدتهم وتسالمهم على ظهور الإمام المهدي عليه السلام، وخروجه لنشر العدل في آخر الزمان.
صحة أحاديث الإمام المهدي عند أعلام السنة
قد نص جملة من أعلام السنة على صحة أحاديث المهدي عليه السلام في كتب السنن والحديث، هذا وإن كانت هناك أحاديث في هذا الباب حكم عليها بالضعف، لكن هناك جملة وافرة من الأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة ما يغني عن الضعيف، كما أن بعض الأحاديث الضعيفة لها شواهد في الأحاديث الصحيحة.
ونذكر هنا على سبيل المثال بعض الأعلام الذين نصوا على صحة جملة من أحاديث المهدي عليه السلام، وهم كما يلي:
١ - الترمذي (ت ٢٩٧هـ)
قال في سننه: ج ٤ ص ٥٠٥ الأحاديث رقم: ٢٢٣٠ و٢٢٣١، وج ٤ ص ٥٠٦ الحديث رقم ٢٢٣٣ عن كلّ واحد من الأحاديث الثلاثة المذكورة: هذا حديث حسن صحيح. وقال في ج ٤ ص ٥٠٦ من سننه عن الحديث رقم ٢٢٣٢: (هذا حديث حسن).(٤٣٩)
٢ - الحافظ أبو جعفر العقيلي (ت ٣٢٣هـ)
قال بعدما أورد حديث أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: المهدي من ولد فاطمة، قال: وفي المهدي أحاديث جياد من غير هذا الوجه بخلاف هذا اللفظ.(٤٤٠)
وقال أيضاً بعدما أورد حديث ياسين بن سيار العجلي في الإمام المهدي عليه السلام: وفي المهدي أحاديث صالحة الأسانيد من غير هذا الطريق.(٤٤١)
٣ - أبو حاتم ابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)
فقد ذكر في كتابه الصحيح جملة من الأحاديث في الإمام المهدي عليه السلام.(٤٤٢)
٤ - البيهقي (ت ٤٥٨هـ)
قال: والأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح إسناداً، وفيها بيان كونه من عترة النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم.(٤٤٣)
٥ - ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨هـ)
قال في كتابه منهاج السنة: إن الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود والترمذي وأحمد، وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره.(٤٤٤)
٦ - القرطبي (ت ٧٦١ هـ)
قال: إن الأخبار الصحاح قد تواترت على أن المهدي من عترة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم.(٤٤٥)
وقال أيضاً في كتابه الآخر (التذكرة): والأحاديث عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصح من هذا الحديث، فالحكم بها دونه.(٤٤٦)
٧ - سعد الدين التفتازاني (ت ٧٩٣هـ)
قال في شرح المقاصد: خاتمة، مما يلحق بباب الإمامة (خروج المهدي ونزول عيسى عليه السلام) وهما من أشراط الساعة، وقد وردت في هذا الباب أخبار صحاح وإن كانت آحاداً.(٤٤٧)
٨ - الشيخ علي المتقي الهندي (ت ٩٧٥هـ)
قال: اعلم - رحمك الله - لا شك أن وجود المهدي الموعود ثبت بالأحاديث والآثار نحو من ثلاثمائة فصاعداً.(٤٤٨)
٩ - الشيخ ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠هـ)
قال الألباني في مقال له بمجلة التمدن الإسلامي: أما مسألة المهدي المنتظر فليعلم أن في خروجه أحاديث صحيحة، قسم كبير منها له أسانيد صحيحة(٤٤٩)، وقال أيضاً: الأحاديث في ذلك كثيرة جداً، وأشهرها حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً... وقد أخطأ ابن خلدون خطأ واضحاً حيث ضعّف أحاديث المهدي كلها، ولا غرابة في ذلك! فإن الحديث ليس من صناعته، والحق أن الأحاديث الواردة في المهدي فيها الصحيح والحسن، وفيها الضعيف والموضوع، وتمييز ذلك ليس سهلاً إلا على المتضلع في علم السنة، ومصطلح الحديث.(٤٥٠)
إلى غير ذلك من أعلام السنة ممن نصوا على صحة أحاديث الإمام المهدي عليه السلام.(٤٥١)
تواتر أحاديث الإمام المهدي عند أعلام السنة
وكما نص علماء السنة وأئمتهم على صحة أحاديث الإمام المهدي عليه السلام فكذلك أيضاً نصوا على بلوغها حدّ التواتر الذي يغني عن فحص الأسانيد فيها، يقول الدكتور عبد الحليم النجار في مقدمته لكتاب المهدوية في الإسلام: إن علماء الحديث يرون أن فكرة المهدي بلغت مبلغ التواتر المعنوي.(٤٥٢)
ويقول الشيخ منصور علي ناصف: اشتهر بين العلماء سلفاً وخلفاً: أنه في آخر الزمان لا بد من ظهور رجل من أهل البيت، يسمى: المهدي، يستولي على الممالك الإسلامية، ويتبعه المسلمون، ويعدل بينهم، ويؤيد الدين، وقد روى أحاديث المهدي جماعة من خيار الصحابة، وأخرجها أكابر المحدثين: كأبي داود، والترمذي، وابن ماجة، والطبراني، وأبي يعلى، والبزاز، والإمام أحمد، والحاكم، ولقد أخطأ من ضعف أحاديث المهدي كلها: كابن خلدون وغيره.(٤٥٣)
وإليك هنا جملة من أعلام السنة من الذين نصّوا على تواتر أحاديث الإمام المهدي عليه السلام، وهم كالتالي:
١ - الحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري السجزي (ت ٣٦٣هـ)
قال ابن حجر في فتح الباري: قال أبو الحسن الخسعي الآبري في مناقب الشافعي: تواترت الأخبار بأن المهدي من هذه الأمة وأن عيسى يصلي خلفه.(٤٥٤)
وقال أيضاً في كتابه (مناقب الشافعي): وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأن عيسى عليه السلام يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤمُّ هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه في طول من قصته وأمره.(٤٥٥)
٢ - الحافظ أبو عبد الله الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨هـ)
قال يوسف بن يحيى بن علي المقدسي الشافعي السلمي من علماء القرن السابع في كتابه (عقد الدرر في أخبار المنتظر): وقد نقل علماء الحديث في حق الإمام المهدي من الأحاديث ما لا يُحصى كثرةً، وكلها معرِّضة بذكره، ومصرحة عنه من كان له بهذا الفن خبرة، وبعضها لبعض مصححة، وقد ذكر الإمام الحافظ أبو عبد الله الحاكم في كتابه المستدرك على الصحيحين من ذلك ما فيه غنية، ونبه على ترجيح رواته الجم الغفير من كان له في ذلك بغية.(٤٥٦)
٣ - ابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)
اعترف ابن خلدون بتواتر أحاديث المهدي عليه السلام مع تضعيفه لها، قال ابن خلدون في تأريخه: اعلم أن في المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيِّد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته، ويحتجون في الشأن بأحاديث خرّجها الأئمة.(٤٥٧)
٤ - محمد بن رسول الحسيني البرزنجي (ت ١١٠٣هـ)
قال في كتابه (الإشاعة في أشراط الساعة): الباب الثالث في الأشراط العظام، والأمارات القريبة التي تعقبها الساعة، وهي أيضاً كثيرة، فمنها المهدي وهو أولها، واعلم أن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر.(٤٥٨)
وقال أيضاً: قد علمت أن أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان، وأنه من عترة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم من ولد فاطمة بلغت حدّ التواتر المعنوي، فلا معنى لإنكارها.(٤٥٩)
وقال أيضاً: وغاية ما ثبت بالأخبار الصحيحة الكثيرة الشهيرة التي بلغت حدّ التواتر المعنوي وجود الآيات العظام التي منها بل أولها خروج المهدي، وأنه يأتي في آخر الزمان من ولد فاطمة يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً.(٤٦٠)

٥ - الشيخ محمد السفاريني (ت ١١٨٨هـ)
قال في كتابه (لوائح الأنوار البهية): والصواب الذي عليه أهل الحق أن المهدي غير عيسى، وأنه يخرج قبل نزول عيسى عليه السلام وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حدّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عُدّ من معتقداتهم... وقد روي عن من ذكر من الصحابة وغير من ذكر عنهم بروايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم ما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب، كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة.(٤٦١)
٦ - القاضي محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠هـ)
قال في (الفتح الرباني): الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثاً وثمانية وعشرون أثراً، ثم سردها مع الكلام عليها ثم قال: وجميع ما سقناه بالغ حدّ التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع.(٤٦٢)
وقال في كتابه الآخر (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح): والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول.(٤٦٣)
وقال أيضاً: فتقرر أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والأحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم متواترة.(٤٦٤)
٧ - النواب صديق حسن خان القنوجي (ت ١٣٠٧هـ)
قال في كتابه (الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة): الأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرة جداً تبلغ حدّ التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد.(٤٦٥)
وقال أيضاً: لا شك في أن المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام، لما تواتر من الأخبار في الباب، واتفق عليه جمهور الأمة سلفاً عن خلف إلا من لا يعتد بخلافه.(٤٦٦)
وقال أيضاً في معرض ردّه على ابن خلدون: فلا معنى للريب في أمر ذلك الفاطمي الموعود المنتظر المدلول عليه بالأدلة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة حدّ التواتر.(٤٦٧)
٨ - الشيخ محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني (ت ١٣٤٥ هـ)
قال في كتابه (نظم المتناثر من الحديث المتواتر): والحاصل أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، وكذا الواردة في الدجال، وفي نزول سيدنا عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام.(٤٦٨)
هذا وقد بسط القول في هذه المسألة وأشبعها بحثاً، كما أنه ذكر أيضاً جملة من علماء السنة من الذين نصوا على تواتر أحاديث المهدي عليه السلام، وردّ على من ضعّفها، وإليك كلامه في ذلك، قال: قد نقل غير واحد عن الحافظ السخاوي أنها متواترة، والسخاوي ذكر ذلك في فتح المغيث، ونقله عن أبي الحسين الآبري، وقد تقدم نصّه أول هذه الرسالة.
وفي تأليف لأبي العلاء إدريس بن محمد بن إدريس الحسين العراقي: المهدي هذا أن أحاديثه متواترة أو كادت، قال: وجزم بالأول غير واحد من الحفاظ النقاد.
وفي (شرح الرسالة) للشيخ جسوس ما نصّه: ورد خبر المهدي في أحاديث ذكر السخاوي أنها وصلت إلى حدّ التواتر.
وفي (شرح المواهب) نقلاً عن أبي الحسين الآبري في مناقب الشافعي قال: تواترت الأخبار أن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي خلفه. ذكر ذلك رداً لحديث ابن ماجة، عن أنس: (ولا مهدي إلا عيسى).
وفي (مغاني الوفا بمعاني الاكتفا) قال الشيخ أبو الحسين الآبري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلى الله عليه (وآله) وسلم بمجيء المهدي، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً.
وفي (شرح عقيدة الشيخ محمد بن أحمد السفاريني الحنبلي) ما نصّه: وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حدّ التواتر المعنوي.. الخ.(٤٦٩)
وتتبع ابن خلدون في مقدمته طرق أحاديث خروجه مستوعباً لها على حسب وسعه، فلم تسلم له من علة، لكن ردوا عليه بأن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرة جداً تبلغ حدّ التواتر، وهي عند أحمد والترمذي وأبي داود وابن ماجة والحاكم والطبراني وأبي يعلى الموصلي والبزار وغيرهم من دواوين الإسلام من السنن والمعاجم والمسانيد، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة، فإنكارها مع ذلك مما لا ينبغي..
والأحاديث يشدّ بعضها بعضاً، ويتقوى أمرها بالشواهد والمتابعات، وأحاديث المهدي بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف، وأمره مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، وأنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في بعض صلواته. إلى غير ذلك..
وللقاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني اليمني رسالة سماها (التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح) قال فيها: والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها: خمسون حديثاً في الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول.
وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضاً لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك.
وانظره، فقد ذكر أحاديثه وتكلم عليها، وفي الصواعق لابن حجر الهيتمي ما نصّه: قال أبو الحسين الآبري: قد تواترت الأخبار، واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلى الله عليه (وآله) وسلم بخروج المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأنه يخرج مع عيسى صلى الله على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤمُّ هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه.(٤٧٠)
ومثله له في (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر) إلا أنه عبّر عن أبي الحسين المذكور ببعض الأئمة ونصه: قال بعض الأئمة: قد تواترت الأخبار.. الخ ما مرَّ عنه في الصواعق، وقال قبله بيسير ما نصّه: قال بعض الأئمة الحفاظ: إن كونه - أي المهدي - من ذريته صلى الله عليه (وآله) وسلم قد تواتر عنه صلى الله عليه (وآله) وسلم.
قلت: وأبو الحسين المذكور هو محمد بن الحسين بن إبراهيم الآبري السجستاني مصنف كتاب مناقب الشافعي، وهو كتاب حافل رتبه على أربعة أو خمسة وسبعين باباً، وآبر من قرى سجستان، توفي في رجب سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، راجع ترجمته في الطبقات الكبرى للسبكي، ولولا مخافة التطويل لأوردت هاهنا ما وقفت عليه من أحاديثه، لأني رأيت الكثير من الناس في هذا الوقت يتشككون في أمره، ويقولون: يا ترى هل أحاديثه قطعية أم لا؟ وكثير منهم يقف مع كلام ابن خلدون ويعتمده، مع أنه ليس من أهل هذا الميدان! والحق الرجوع في كلّ فن لأربابه، والعلم لله تبارك وتعالى.(٤٧١)
٩ - المباركفوري (ت ١٣٥٣هـ)
قال في تحفة الأحوذي في باب (ما جاء في المهدي): اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي...إلى أن قال: فالقول بخروج الإمام المهدي وظهوره هو القول الحق والصواب، والله تعالى أعلم.(٤٧٢)
١٠ - الشريف أبو الفيض الغماري الحسيني المغربي (ت ١٣٨٠هـ)
قال الشريف أبو الفيض أحمد بن محمد بن الصدّيق الغماري في مقدمة كتابه: (إبراز الوهم المكنون في كلام ابن خلدون) الذي وضعه للرد على شبهات ابن خلدون: ظهور الخليفة الأكبر... محمد بن عبد الله المنتظر، قد تواترت بكونه من أعلام الساعة وأشراطها الأخبار، وصحت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك الآثار، وشاع ذكره، وانتشر خبره بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الدهور والأعصار، فالإيمان بخروجه واجب، واعتقاد ظهوره - تصديقاً لخبر الرسول - محتم لازب.
ثم نقل الصدّيق الأقوال بتواتر حديث المهدي، عن علماء الأمة ومؤلفاتهم، منهم: الآبري صاحب مناقب الشافعي، والسخاوي صاحب فتح المغيث، والسيوطي في الفوائد المتكاثرة في الأحاديث المتواترة، وفي اختصاره: الأزهار المتناثرة وغيرهما من كتبه، وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة، وغيره من مصنفاته، والزرقاني في المواهب اللدنية.
وجم غفير من الحفاظ النقاد للحديث، والمحدثين المتقنين لفنون الأثر.
ثم نقل كلمات القنوجي في الإذاعة، والسفاريني في الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية، وشرحه المسمى: لوائح الأنوار، حيث قال: وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حدّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة حتى عدَّ ذلك من معتقداتهم.
وقد روى عمن ذكر من الصحابة، وغير من ذكر منهم روايات متعددة، وعن التابعين من بعدهم، مما يفيد مجموعه العلم القطعي.
ثم عقد الصدّيق فصلاً في البحث عن التواتر وتعريفه، واختلاف الناس فيه، وهو الفصل الأول.
ثم ذكر رواة أحاديث المهدي على كثرتهم، وقال في نهاية الفصل: المراد بالتواتر المعنوي: أن القدر المشترك هو المتواتر، فقال: فكلّ قضية منها باعتبار إسناده لم يتواتر، ولكن القدر المشترك فيها - وهو وجود الخليفة المهدي آخر الزمان - تواتر باعتبار المجموع.(٤٧٣)
١١ - الشيخ عبد العزيز بن باز
قال الشيخ عبد العزيز بن باز رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، في تعليق له على محاضرة الشيخ عبد المحسن العباد، نشرت في مجلة الجامعة نفسها، العدد ٣، السنة الأولى ١٣٨٨، في ذيل المحاضرة ذاتها. قال فيه: أمر المهدي معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة، بل متواترة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها، وهي متواترة تواتراً معنوياً، لكثرة طرقها، واختلاف مخارجها، وصحابتها، ورواتها، وألفاظها، فهي بحق تدل على أن هذا الشخص الموعود به أمره ثابت، وخروجه حق.
وقال: وقد رأينا أهل العلم أثبتوا أشياء كثيرة بأقل من ذلك، والحق أن جمهور أهل العلم، بل هو الاتفاق: على ثبوت أمر المهدي، وأنه حق، وأنه سيخرج في آخر الزمان، وأما من شذّ من أهل العلم - في هذا الباب - فلا يلتفت إلى كلامه في ذلك!.(٤٧٤)
الحفاظ والمحدثون والمؤرخون الذين ذكروا أخبار المهدي عليه السلام
ذكر جلّ الحفاظ والمحدِّثين والمؤرخين الأحاديث النبوية المبشرة بظهور الإمام المهدي عليه السلام في آخر الزمان، وما يرتبط به وبدولته الشريفة، فلا تكاد تجد محدّثاً أو مؤرخاً لم يذكر شيئاً من أخباره، وإليك هنا على سبيل المثال جملة من الحفاظ والمؤرخين الذين رووا في كتبهم أخبار الإمام المهدي عليه السلام أو ما يرتبط به، وسوف نشير إلى المجلد والصفحة من باب المثال فقط لبعض ما ذكروه عنه، وهم كالتالي:
١ - الحافظ عبد الرزاق الصنعاني (ت ٢١١هـ)
ذكره في كتابه المصنف: ج ١١ ص ٣٧١ ح٢٠٧٧٠ الخ
٢ - نعيم بن حماد المروزي (ت ٢٢٨هـ)
ذكره في كتابه الفتن.
٣ - ابن أبي شيبة الكوفي (ت ٢٣٥ هـ)
ذكره في كتابه المصنف: ج ٨ ص ٦٧٨ ح١٩٠ الخ
٤ - أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ)
ذكره في كتابه المسند: ج ١ ص ٨٤، وج ٣ ص ٣٦.
٥ - محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري (ت ٢٥٦ ه)
ذكره في كتابه: التاريخ الكبير: ج١ ص ٣٠٧، رقم: ٩٩٤، وج٨ ص٤٠٦، رقم: ٣٤٩٧.
٦ - ابن ماجة (ت ٢٧٣هـ)
ذكره في كتابه سنن ابن ماجة: ج٢ ص١٣٦٦ (باب خروج المهدي)
٧ - أبو داوود (ت ٢٧٥ ه)
ذكره في سنن أبي داود: ج ٢ ص ٣٠٩.
٨ - ابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
ذكره في كتابه غريب الحديث: ج١ ص ٣٥٩.
٩ - الترمذي (ت ٢٧٩هـ)
ذكره في السنن: ج ٣ ص ٣٤٣ (باب ما جاء في المهدي)
١٠ - أبو يعلى الموصلي (ت ٣٠٧ هـ)
ذكره في كتابه المسند: ج ٢ ص ٢٧٤ ح٩٨٧.
١١ - أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ)
ذكره في كتابه جامع البيان: ج١ ص ٦٩٩.
١٢ - الحافظ أبو جعفر العقيلي (ت ٣٢٣هـ)
ذكره في كتابه ضعفاء العقيلي: ج ٤ ص ٢٥٩ - ٢٦٠، وص ٣٨١، وج ٤ ص ٤٦٥ – ٤٦٦، رقم: ٢١٠.
١٣ - أبو حاتم ابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)
ذكره في كتابه الصحيح: ج ١٥ ص ٢٣٦ الخ
١٤ - الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ت ٣٦٠هـ)
ذكره في كتابه المعجم الصغير: ج١ ص٣٧، والمعجم الأوسط: ج ٢ ص ٥٥ – ٥٦، وج ٩ ص ١٧٦، والمعجم الكبير: ج١٠ ص ١٣٣ – ١٣٦ ح١٠٢١٣ الخ، وج١٨ ص٥١، وج١٩ ص ٣٢، وج٢٣ ص٢٦٧، وفي كتابه مسند الشاميين: ج٢ ص٧٢ ح٩٣٧.
١٥ - الحافظ أبو أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني (ت ٣٦٥هـ)
ذكره في كتابه الكامل في ضعفاء الرجال: ج ٣ ص ١٩٦، رقم: ٦٩٧، وص ٤٢٨، رقم: ٨٤٨، وج ٤ ص ١٩٧ – ١٩٨، رقم: ١٠٠٨وص ٢٢٨ – ٢٢٩، رقم: ١٠٤٦، وج ٥ ص ١٤٧، وج ٧ ص ١٨٤ – ١٨٦، رقم: ٢٠٩٥.
١٦ - الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ)
ذكره في علل الدارقطني: ج ١٠ ص ١٦٠ ح١٩٥٢، وكتاب الإفراد.
١٧ - الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥هـ)
ذكره في كتابه المستدرك على الصحيحين: ج ٤ ص ٥٥٧.
١٨ - أبو نعيم الإصبهاني (ت ٤٣٠ هـ)
ذكره في كتابه أربعين حديثاً في المهدي.
١٩ - أبو عمرو الداني المقرىء (ت ٤٤٤هـ)
ذكره في كتابه السنن الواردة في الفتن
٢٠ - الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨هـ)
ذكره في كتابه دلائل النبوة، وفي كتابه شعب الإيمان.
٢١ - الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ)
ذكره في تلخيص المتشابه وفي المتفق والمفترق، وكذلك في كتابه تاريخ بغداد: ج ١ ص ٣٨٧، وج ٩ ص ٤٧٧ – ٤٧٨، رقم: ٥١٠١، وج ٩ ص ٤٧٧ – ٤٧٨، رقم: ٥١٠١.
٢٢ - ابن عبد البر يوسف بن عبد الله المالكي (ت ٤٦٣هـ)
ذكره في كتابه الإستيعاب: ج١ ص٢٢١ ح٢٨٨.
٢٣ - ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ)
ذكره في تأريخه: ج٢ ص٢١٤، وص٢١٦ وص٢١٧، وج١٩ ص٤٧٥، وج٣٢ ص٢٨١، وج٥٣ ص٤١٤، وج٥٤ ص٢٧٦.
٢٤ - ابن الجوزي (ت ٥٩٧هـ)
ذكره في تاريخه، وكتاب زاد المسير: ج٣ ص٢٩٠، وكذلك في كتابه الموضوعات: ج ٢ ص ٥٧.
٢٥ - ابن الأثير، علي بن أبي الكرم الشيباني (ت ٦٣٠هـ)
ذكره في كتابه أسد الغابة في معرفة الصحابة: ج١ ص٢٥٩ و٢٦٠.
٢٦ - ابن عربي محيي الدين أبو عبد الله محمد بن علي (ت ٦٣٨هـ)
ذكره في كتابه الفتوحات المكية: ج٣ ص ٣٢٧ قال: (الباب السادس والستون وثلاثمائة) في معرفة منزل وزراء المهدي الآتي في آخر الزمان الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وهو من الحضرة المحمدية.
وذكره أيضاً في كتاب التفسير: ج١ ص٣١، وص٣٢، وص٧٠، وص١٢٥، وص٢٦٠، وص٢٧٠، وص٢٨٠، وص٤٠٨، وص٤٢٠، وج٢ ص١٢٠، وص١٣٢، وص١٣٩، وص١٤٢، وص١٥٧، وص١٩٦، وص٢٠٣، وص٢٢٧، وص٢٤٢، وص٢٧٩، وص٢٨٠، وص٢٩٣، وص٣٢٠، وص٣٢١، وص٤١٩.
٢٧ - كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي (ت ٦٥٢هـ)
ذكره في كتابه مطالب السؤول في مناقب آل الرسول عليهم السلام: ج٢ ص ١٥٢ - ١٦٢، الباب الثاني عشر.
٢٨ - سبط بن الجوزي (ت ٦٥٤هـ)
ذكره في كتابه تذكرة الخواص: ص٣٠٤ - ٣٠٧.
٢٩ - ابن أبي الحديد المعتزلي الحنفي (ت ٦٥٥هـ)
ذكره في كتابه شرح نهج البلاغة: ج١ ص٢٨١، وص٢٨٢، وج٧ ص٩٤، وج٩ ص١٢٨، وج١٩ ص١٠٤.
٣٠ - الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨هـ)
ذكره في كتابه: البيان في أخبار صاحب الزمان عليه السلام.
٣١ - محمد بن أحمد القرطبي المالكي (ت ٦٧١هـ)
ذكره في كتابه: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، وكتابه الجامع لأحكام القرآن في التفسير: ج ٢ ص ٧٩، وج٨ ص١٢١، و١٢٢، وج١١ ص٤٨، وج١٤ ص١٠٧.
٣٢ - ابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
ذكره في كتابه وفيات الأعيان: ج٤ ص١٧٦.
٣٣ - أحمد بن عبد الله محب الدين الطبري (ت ٦٩٤هـ)
ذكره في كتابه ذخائر العقبى: ص ١٧.
٣٤ - ابن منظور الإفريقي(ت ٧١١ هـ)
ذكره في كتابه لسان العرب. ج١١ ص٣١٧، وج١٣ ص٢١٢، وج١٤ ص٤، وص١٥١، وقال في مادة هدى ج١٥ ص٣٥٤: المهدي: الذي قد هداه الله إلى الحق، وقد استعمل في الأسماء حتى صار كالأسماء الغالبة، وبه سمي المهدي الذي بشّر به النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم، أنه يجيء في آخر الزمان.
٣٥ - الجويني (ت ٧٣٠هـ)
ذكره في كتابه فرائد السمطين: ج٢ ص٣٢٩ ح٥٧٩، وص٣١٠ ح٥٦١ وص٣٢٢ح٥٧٣، وص ٣٢٤ ح٥٧٤، وص٣٢٦ ح٥٧٦ الخ
٣٦ - الحافظ جمال الدين يوسف المزي (ت ٧٤٢هـ)
ذكره في كتابه تهذيب الكمال في أسماء الرجال: ج ٩ ص ٤٣٧، وج٢٥ ص٤٦٧ – ٤٦٨، وج ٣١ ص ١٨١، رقم: ٦٧٧٣
٣٧ - الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)
ذكره في سير أعلام النبلاء: ج ٦ ص ١٣١ – ١٣٢، وج ١١ ص ٤١٧، وج ١٥ ص ٢٥٣، وكذلك في كتابه ميزان الاعتدال: ج ٢ ص ٤٢٧، ج ٣ ص ٩٧، رقم: ٥٧١٩، وج ٤ ص ٤٢٣ - ٤٢٤، رقم: ٩٦٩٥، وفي كتابه تذكرة الحفاظ: ج ٢ ص ٧٦٥، وكتابه تاريخ الإسلام: ج ١٧ ص ١٩٣ – ١٩٣، وج ٢٦ ص ٣٩
٣٨ - محمد بن يوسف الزرندي الحنفي (ت ٧٥٠ هـ)
ذكره في كتابه معارج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول صلى الله عليه وآله: ص١٨٦ الخ
٣٩ - الحافظ ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ)
ذكره في كتابه رسالة في المهدي، وكتابه البداية والنهاية: ج٦ ص٢١٥ وص٢١٩، وص٢٢١، وص٢٧٦، وص٢٧٨، وج٩ ص ١٧٦، وج١٠ص٥٥ وص١٦٢، وفي كتابه التفسير: ج١ ص١٦٢، وج٢ ص٣٤، وج٣ ص٣١٢.
٤٠ - الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت ٨٠٧هـ)
ذكره في كتابه موارد الظمآن: ج ٦ ص ١٢٩ (باب ما جاء في المهدي) الخ
وكتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج٧ ص٣١٧.
٤١ - ابن خلدون المغربي (ت ٨٠٨ هـ)
ذكره في كتابه التأريخ: ج ١ ص ٣١٢ – ٣١٦.
٤٢ - الحافظ شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)
ذكره في فتح الباري: ج٦ ص ٣٥٨، وص٣٦٥، وص٣٩٧، وكتابه تهذيب التهذيب: ج٩ ص١٢٦، رقم: ٢٠٢، وج١١ ص١٥٢، رقم: ٢٩٤.
٤٣ - الحافظ جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
ألَّف كتاباً خاصاً بالمهدي وهو: العرف الوردي في أخبار المهدي، وكذلك في كتابه الآخر: الدر المنثور: ج ٦ ص ٥٨، وكذلك في كتابه: الجامع الصغير: ج ٢ ص ٤٠٢ ح٧٢٢٩ وص ٤٣٨ ح٧٤٨٩ الخ، وص ٦٧١ ح٩٢٤١ الخ.
٤٤ - المحدث أحمد بن حجر الهيتمي المكي(ت ٩٧٤هـ)
ذكره في كتابه الصواعق المحرقة: ص١٦٣ في الفصل الأول، وكذلك في كتابه: القول المختصر في علامات المهدي المنتظر.
٤٥ - الشيخ علي المتقي الهندي (ت ٩٧٥هـ)
ذكره في كتابه كنز العمال: ج ١٤ ص ٢٦١ – ٢٦٢ باب (خروج المهدي عليه السلام) وكذلك كتابه البرهان في علامات مهدي آخر الزمان.
٤٦ - الشيخ عبد الرؤوف المناوي (ت ١٠٣١هـ)
ذكره في كتابه فيض القدير شرح الجامع الصغير: ج ٥ ص ٣٣٤ – ٣٣٥ ح٧٢٢٩، وج ٦ ص ٣٦٠ – ٣٦١، رقم: ٩٢٤١ وح٩٢٤٣.
٤٧ - الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي (ت ١١٦٢هـ)
ذكره في كتابه كشف الخفاء: ج ٢ ص ٢٨٨ ح٢٦٦١.
٤٨ - الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت ١٢٩٤هـ)
ذكره في كتابه ينابيع المودة لذوي القربى: ج ٢ ص ٢١٠ ح٦٠٩.
٤٩ - العلامة شمس الحق العظيم آبادي (ت ١٣٢٩هـ)
ذكره في كتابه عون المعبود: ج ١١ ص ٢٥١.
٥٠ - العلامة الشيخ عبد الرحمن المباركفوري (ت ١٣٥٣هـ)
ذكره في كتابه تحفة الأحوذي: ج ٦ ص ٤٠٣.
ومنهم أيضاً: البارودي في معرفة الصحابة، وابن جرير في تهذيب الآثار، وأبو بكر بن المقري في معجمه، وأبو عمرو الداني في سننه، وغيرهم من الحفاظ والمؤرخين الذين ذكروا أخبار المهدي عليه السلام وظهوره، ونشير هنا أيضاً إلى بعض الكتب التي سردت جملة من الحفاظ والمؤرخين الذين رروا أخبار المهدي عليه السلام، فمنها كتاب (المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي) في ص ٢٦ - ٢٩ إصدار مركز الرسالة, وما ذكره أيضاً الشيخ عبد المحسن العباد - في (مجلة الجامعة الإسلامية): ١٦١ - العدد: الثالث.(٤٧٥)
ومنهم أيضاً البستوي، فقد ذكر جملة منهم في كتابه (المهدي المنتظر عليه السلام) قال: زيادة على أولئك الذين نصوا على تواتر أحاديث المهدي هناك علماء آخرون كثيرون صحَّحوا أحاديث المهدي، وذكروها في مؤلفاتهم، ونصوا على الاحتجاج بها، وفي السطور القادمة أذكر بعض التصريحات التي وجدتها في هذا الصدد.. الخ، أقول: وقد عدّ منهم ما يلي:
١ - سفيان بن سعيد الثوري (ت ١٦١هـ)
٢ - أبو الحسين ابن المنادي (ت ٣٣٦هـ)
٣ - أبو سليمان الخطابي (ت ٣٨٨هـ)
٤ - الحافظ أبو القاسم السهيلي (ت ٥٨١هـ).
٥ - ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨هـ)
٦ - ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١هـ)
٧ - الشيخ أبو الحسن السمهودي (ت ٩١١هـ)
٨ - الشيخ الملا علي القارئ الهروي (ت ١٠١٤هـ)
٩ - الشيخ محمد بشير السهسواني (ت ١٣٦٢هـ)
١٠ - ومن الذين احتجوا بأحاديث المهدي وردُّوا على من ضعَّفه محدث مصر العلامة الشيخ أحمد شاكر (ت ١٣٧٧هـ)
قال في تعليقاته على مسند الإمام أحمد في معرض رده على ابن خلدون في تضعيفه لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في المهدي لأجل عاصم بن أبي النجود فذكر أقوال الأئمة فيه ثم قال: أفمثل هذا يطرح حديثه ويجعل سبيلاً لإنكار شيء ثبت بالسنة الصحيحة من طرق متعددة من حديث كثير من الصحابة حتى لا يكاد يشك في صحته أحد؟!.(٤٧٦)
١١– قال: ومن العلماء الموجودين سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية وهيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء بالرياض..الخ.(٤٧٧)
١٢ - العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.(٤٧٨)
لماذا لم يصرح البخاري باسم المهدي في صحيحه
أنكر بعض السنة أخبار ظهور الإمام المهدي عليه السلام وتشبث بالبخاري ومسلم أنهما لم يذكرا شيئاً من أخباره، قال السيد محمد رشيد رضا: لم يعتدَّ الشيخان بشيء من رواياتها (٤٧٩) وقال أحمد أمين المصري: ولم يرو البخاري ومسلم شيئاً عن أحاديث المهدي مما يدل على عدم صحتها عندهما (٤٨٠) وكذلك سعد محمد حسن في كتابه المهدية في الإسلام.(٤٨١)
هذا وقد صدر كتاب في دولة قطر باسم (لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر) قد أنكر فيه ظهور المهدي، ومما استدل به على ذلك أن البخاري لم يذكر حديث المهدي في صحيحه، فمعنى هذا أنه لا يراه صحيحاً!
أقول: أولاً: وإن لم يذكر البخاري أحاديث ظهور الإمام المهدي عليه السلام صريحاً إلا أنه ذكر ما يتعلق بالبشارة به، كما نصّ على ذلك الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد المدني، عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (المعاصر) في محاضرته (عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر) فقد ذكر فيها عناصر عشرة مهمة حول الإمام المهدي عليه السلام، ومنها: (العنصر الخامس: ذكر بعض ما ورد في الصحيحين [البخاري ومسلم] من الأحاديث التي تبشر بالمهدي، ولها تعلق بشأنه).(٤٨٢)
فقد ذكر البخاري (المهدي بالوصف لا بالاسم، وأخرج الأحاديث المتعلقة بعلامات الظهور، وبنزول السيد المسيح، وظهور المسيح الدجال، وأخرج الحديث الذي يؤكد بأن إمام الأمة هو الذي سيؤم المسيح بن مريم عند نزوله، وشرّاح صحيح البخاري أعلنوا بصراحة بأن الإمام الذي عناه البخاري هو المهدي المنتظر)(٤٨٣).(٤٨٤)
ثانياً: قد اعترف البخاري أنه ترك أحاديث صحيحة لم يذكرها في كتابه، فليس كلّ صحيح هو مذكور فيه، فما أكثر الأحاديث الصحيحة التي أهملها ولم يذكرها، فهو لم يلتزم بذكر كلّ ما هو صحيح، فإذاً إهماله للأحاديث الصحيحة الأخرى لا يستوجب تضعيفها أو إهمالها.
قال الحافظ الكبير العراقي: لم يعمّ البخاري ومسلم كلَّ الصحيح..(٤٨٥)
وقال شعيب الأرنؤوط محقق كتاب صحيح ابن حبان في معرض كلامه على صحيح البخاري وصحيح مسلم: غير أنهما لم يستوعبا الصحيح من الآثار، ولا التزما ذلك أصلاً، فابن الصلاح يروي عن البخاري أنه قال: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول، وقال: أحفظ مئة ألف حديث صحيح(٤٨٦)، وجملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف واثنان وخمسة وسبعون حديثاً بالأحاديث المتكررة.(٤٨٧)
كما نقل ابن الصلاح أيضاً عن مسلم قوله: ليس كلّ شيء عندي صحيح وضعته هنا - يعني في كتابه الصحيح - إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه.(٤٨٨)
ونقل الحازمي عن البخاري قوله: كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لي بعض أصحابنا: لو جمعتم مختصراً لسنن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم، فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع هذا الكتاب، قال الحازمي: فقد ظهر بهذا أن قصد البخاري كان وضع مختصر في الحديث، وأنه لم يقصد الاستيعاب لا في الرجال ولا في الحديث.
وبقاء عدد كبير من الأحاديث الصحيحة خارج الصحيحين حرّك همّة الحفاظ إلى جمعها واستيعابها والتصنيف فيها، فكان أن ألّف ابن خزيمة صحيحه، وتبعه تلميذه ابن حبان، فألف صحيحه المسمى بالتقاسيم والأنواع، ثم ألف تلميذه الحاكم مستدركه على الصحيحين.(٤٨٩)
وقال الحاكم النيسابوري في المستدرك: لم يحكما [يعني البخاري ومسلم] ولا واحد منهما بأنه لم يصح من الحديث غير ما أخرجاه، وقد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة يشمتون برواة الآثار! بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث! وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على ألف جزء أو أقل أو أكثر منه كلها سقيمة غير صحيحة.
وقد سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها أن أجمع كتاباً يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل [البخاري] ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له فإنهما لم يدعيا ذلك لأنفسهما، وقد خرّج جماعة من علماء عصرهما ومن بعدهما عليهما أحاديث قد أخرجاها وهي معلولة، وقد جهدت في الذَّبِّ عنها في المدخل إلى الصحيح بما رضيه أهل الصنعة، وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما، وهذا شرط الصحيح عند كافة فقهاء أهل الإسلام، إن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة.(٤٩٠)
ويقول البستوي أيضاً وهو من المعاصرين: هناك أحاديث كثيرة جداً استدل بها العلماء وعملوا بها ولا توجد في الصحيحين، حتى في أمور العقائد.. إلى أن يقول: فمن الخطأ أن يظن أن عدم إخراج الشيخين أحاديث المهدي يدل على أنها لم تصح عندهما.(٤٩١)
وأضيف القول هنا أيضاً: إن البخاري لم يذكر المهدي عليه السلام بالإسم لما عرف عنه من مجانبة أهل البيت عليهم السلام، فإنه أشح الحفاظ رواية في فضائلهم ومناقبهم، ولا يخفى أن المهدي المنتظر هو من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، وكذلك من أولاد فاطمة عليها السلام، فلهذا وغيره لم يذكره بالاسم!
والبخاري لم يقف عند هذا الحد! بل وجدناه يسقط ذكرهم من الأحاديث الشريفة كما في قصة المباهلة وغيرها، وهذه إحدى المؤاخذات عليه! حيث تعمّد إهمال ذكر مناقب أهل البيت عليهم السلام في صحيحه إلا شيئاً يسيراً جداً، مما ينمُّ عن موقفه السلبي تجاههم، ولكي تقف على هذه الحقيقة قارن بين ما يرويه البخاري وغيره من الحفاظ في هذا الباب.
ويرى الأستاذ المحامي أحمد حسين يعقوب أمراً آخر دعا البخاري لعدم التصريح بذكر المهدي عليه السلام، قال في كتابه (حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر): ويبدو أن البخاري قد تحاشى ذكر المهدي بالاسم لأنه عندما وضع صحيحه، كانت فرائص الدولة ترتجف رعباً من هذا المهدي، وتبحث عنه بعد أن تأكدت مخابراتها بأنه قد ولد بالفعل.
كذلك ذكر مسلم في صحيحه المهدي بالوصف لا بالاسم، لأن مسلم قد وضع صحيحه بنفس الفترة الزمنية، ومع هذا فقد ذكر ابن حجر الهيتمي أن مسلم قد ذكر في صحيحه المهدي بالاسم وبالوصف معاً (٤٩٢) لكن الاسم قد حذف، وبقي الوصف، وليس أدل على ذلك من أن مسلم قد أخرج حديث الخليفة الذي يحثي المال حثياً، ولا يعده عداً (٤٩٣).(٤٩٤)
فالخلاصة: (إن من تذرع في إنكار ظهور الإمام المهدي عليه السلام بخلو الصحيحين من الأحاديث الواردة بهذا الشأن، لا علم له بواقع الصحيحين.. فنقول: لا يخفى على أحد، أن الأحاديث الواردة في الإمام المهدي قد تعرضت لبيان مختلف الأمور كبيان اسمه الشريف، وبعض أوصافه، وعلامات ظهوره، وطريقة حكمه بين الرعية وغير ذلك من الأمور الكثيرة الأخرى، ولا شك أنه ليس من الواجب التنصيص على لفظ (المهدي) في كلّ حديث من هذه الأحاديث، لبداهة معرفة المراد من دون حاجة إلى التشخيص.
فمثلاً لو ورد حديث يبين صفة من صفات المهدي الموعود به في آخر الزمان عليه السلام مع التصريح بلفظ (المهدي) ثم ذكر الموصوف بهذه الصفة في البخاري مثلاً لا بعنوان المهدي وإنما بعنوان (رجل) مثلاً فهل يشك عاقل في أن الرجل المقصود هو المهدي؟ وإلا فكيف يعرف الإجمال في بعض الأحاديث؟ وهل هناك طريقة عند علماء المسلمين شرقاً وغرباً غير رد المجمل إلى المفصل، سواء كان المجمل والمفصل في كتاب واحد أو كان كلّ منهما في كتاب.
وإذا ما عدنا إلى الصحيحين سنجد أن البخاري ومسلماً قد رويا عشرات الأحاديث المجملة في المهدي عليه السلام، وقد أرجع علماء أهل السنة تلك الأحاديث إلى الإمام المهدي لوجود ما يرفع ذلك الإجمال في الأحاديث الصحيحة المخرجة في بقية كتب الصحاح أو المسانيد أو المستدركات.
بل ونجد أيضاً ما يكاد يكون صريحاً جداً بالإمام المهدي في صحيحي البخاري ومسلم، وقبل أن نبين هذه الحقيقة نود أن نقول بأن حديث: المهدي حق، وهو من ولد فاطمة قد أخرجه أربعة من علماء أهل السنة الموثوق بنقلهم عن صحيح مسلم صراحة، وعند الرجوع إلى طبعات صحيح مسلم المتيسرة لا تجد لهذا الحديث أثراً!!
أما من صرّح بوجود الحديث في صحيح مسلم وأخرجه عنه فهم:
ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ) في الصواعق المحرقة، الباب الحادي عشر، الفصل الأول: ص ١٦٣، المتقي الهندي الحنفي (ت ٩٧٥ هـ) في كنز العمال: ج ١٤ ص ٢٦٤ حديث ٣٨٦٦٢، الشيخ محمد علي الصبان (ت ١٢٠٦هـ) في إسعاف الراغبين: ص ١٤٥، الشيخ حسن العدوي الحمزاوي المالكي (ت ١٣٠٣ هـ) في مشارق الأنوار: ص ١١٢..
وعلى أية حال فإن قسماً من أحاديث الصحيحين لا يمكن تفسيره إلا بالإمام المهدي عليه السلام).(٤٩٥)
الإمام المهدي من أهل البيت عليهم السلام
تضافرت الروايات عند جميع المذاهب الإسلامية أن الإمام المهدي عليه السلام من أهل البيت عليهم السلام، وقد بلغت الروايات في ذلك حدّ التواتر، حتى عدّ من المسلمات عندهم، وقد كان ابن عباس حبر الأمة يحدّث بذلك، فقد روى أبو معبد عن ابن عباس قال: المهدي شاب منّا أهل البيت، قال: قلت: عجز عنها شيوخكم ويرجوها شبابكم؟! قال: يفعل الله ما يشاء، وعن أبان بن الوليد قال: سمعت ابن عباس وهو عند معاوية يقول: يبعث الله المهدي منّا أهل البيت.(٤٩٦)
ورووا أيضاً عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: هو من آل محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم.(٤٩٧)
قال أبو الحسن الآبري (ت ٣٦٣): وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بذكر المهدي وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأن عيسى عليه السلام يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤمُّ هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه.(٤٩٨)
وبهذا يكون السنة موافقين لنا في هذا المورد أيضاً، إلا أنهم رووا في ضمن هذه الروايات أن اسم أبيه اسم أبي النبي صلى الله عليه وآله، وهذا ما لا يتوافق مع عقيدتنا في اسم أبي الإمام المهدي، فإن الثابت بالبراهين والأدلة عندنا أن اسم أبيه هو الحسن العسكري عليه السلام.
وأما الروايات عندهم في كون المهدي من عترة النبي صلى الله عليه وآله فهي كثيرة جداً، فقد جاء في بعضها بلفظ (من أهل بيتي) وتارة بلفظ (من عترتي) وتارة ثالثة بلفظ (مني) فمنها ما يلي:
١ - سنن أبي داوود: عن أبي الطفيل، عن علي رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً.(٤٩٩)
وقال السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجة عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: المهدي منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة.(٥٠٠)
٢ - سنن أبي داود: عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة عليها السلام.
٣ - سنن أبي داود: عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: المهدي منّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يملك سبع سنين.(٥٠١)
٤ - ابن حبان: عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً، ثم يخرج رجل من أهل بيتي أو عترتي فيملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً.(٥٠٢)
وعن عبد الرزاق بالإسناد عن أبي سعيد الخدري قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بلاء يصيب هذه الأمة، حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله رجلاً من عترتي من أهل بيتي، فيملأ به الأرض قسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطرها شيئاً إلا صبته مدراراً، ولا تدع الأرض من مائها شيئاً إلا أخرجته، حتى تتمنى الإحياء الأموات، يعيش في ذلك سبع سنين، أو ثمان، وتسع سنين.(٥٠٣)
٥ - مسند أحمد بن حنبل: عن ذر، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم: لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي.
وفي رواية بلفظ: لا تنقضي الأيام، ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، اسمه يواطئ اسمي.(٥٠٤)
قال السيوطي: وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والحاكم - وصححاه - عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجل مني أو من أهل بيتي.(٥٠٥)
٦ - أخرج الترمذي وصحَّحه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي.(٥٠٦)
٧ - أحمد بن عبد الله الطبري: عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: المهدي من ولدي، وجهه كالكوكب الدري.(٥٠٧)
٨ - الطبراني: عن الأعمش، عن عباية يعني ابن ربعي، عن أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم لفاطمة: نبينا خير الأنبياء، وهو أبوك، وشهيدنا خير الشهداء، وهو عمُّ أبيك حمزة، ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وهو بن عمِّ أبيك جعفر، ومنّا سبطا هذه الأمة الحسن والحسين، وهما ابناك، ومنّا المهدي.(٥٠٨)
قال الهيثمي: رواه الطبراني في الصغير، وفيه قيس بن الربيع، وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله ثقات.(٥٠٩)
٩ - القندوزي الحنفي: وفي كتاب (فضائل الصحابة لأبي المظفر السمعاني) عن أبي سعيد الخدري قال: دخلت فاطمة على أبيها صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه وبكت وقالت: يا أبي، أخشى الضيعة من بعدك! فقال: يا فاطمة، إن الله اطّلع إلى أهل الأرض اطلاعة فاختار منهم أباك فبعثه رسولاً، ثم اطلع ثانية فاختار منهم بعلك، فأمرني أن أزوِّجك منه، فزوَّجتك منه، وهو أعظم المسلمين حلماً، وأكثرهم علماً، وأقدمهم إسلاماً، إنا أهل بيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الأولين، ولا يدركها أحد من الآخرين: نبينا خير الأنبياء، وهو أبوك، ووصيّنا خير الأوصياء، وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء، وهو عمُّ أبيك حمزة، ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وهو جعفر، ومنّا سبطا هذه الأمة، وهما ابناك، ومنّا مهدي هذه الأمة.
قال أبو هارون العبدي: لقيت وهب بن منبه أيام الموسم فعرضت عليه هذا الحديث، فقال: إن موسى لما فتن قومه واتخذوا العجل إلهاً! فكبر على موسى! قال الله: يا موسى من كان قبلك من الأنبياء افتتن قومه، وإن أمة أحمد أيضاً ستصيبهم فتنة عظيمة من بعده حتى يلعن بعضهم بعضاً، ثم يصلح الله أمرهم برجل من ذرية أحمد، وهو المهدي.
أخرجه الحافظ أبو نعيم في أربعين حديثاً في المهدي سلام الله عليه.(٥١٠)
١٠ - نعيم بن حماد المروزي: عن عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: هو رجل من عترتي يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي.(٥١١)
وقد روى السيوطي أيضاً جملة من هذه الأحاديث في الدر المنثور(٥١٢) والمتقي الهندي في كنز العمال(٥١٣) وغيرهما.
حديث بنا فتح الله وبنا يختم
ومما يدل أيضاً على أن الإمام المهدي من أهل البيت عليهم السلام وأن الدين يختم على يديه الشريفتين، هو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله في بعض الروايات، والتي مفادها أنَّ هذا الدين الذي فُتح بهم في أول الأمر، فكذلك أيضاً سوف يختم على أيديهم، وذلك حينما يظهر الإمام المهدي عليه السلام فيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً، وقد اشتهرت هذه الكلمة أيضاً على لسان أهل البيت عليهم السلام كثيراً كما سوف يأتي، فمن ذلك ما يلي:
روى نعيم بن حماد: عن مكحول، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله المهدي منّا أئمة الهدى أم من غيرنا؟ قال: بل منّا، بنا يختم الدين كما بنا فتح، وبنا يستنقذون من ضلالة الفتنة كما استنقذوا من ضلالة الشرك.. الحديث.(٥١٤)
وروى المتقي الهندي: عن يحيى بن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث له:.. يا علي! بنا فتح الله الإسلام وبنا يختمه، بنا أهلك الأوثان ومن يعبدها، وبنا يقصم كلَّ جبار وكلَّ منافق.(٥١٥)
وفي شرح نهج البلاغة: عن علي عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث قال:.. بنا فتح وبنا يختم، وبنا ألّف الله بين القلوب بعد الشرك..(٥١٦).
وعن المتقي الهندي: عن أبي الزعراء، قال: كان علي بن أبي طالب يقول: إني وأطايب أرومتي، وأبرار عترتي، أحلم الناس صغاراً، وأعلم الناس كباراً.. إلى أن يقول: وبنا يفتح الله ويختم.(٥١٧)
وفي كتاب الفتوح لابن أعثم قال: وأقبل الحسين عليه السلام على الوليد بن عتبة وقال: أيها الأمير! إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحل الرحمة، وبنا فتح الله وبنا ختم.(٥١٨)
وأخرج أيضاً الشيخ محمد بن إبراهيم الشافعي الحمويني في فرائد السمطين: بسنده عن أبي بصير، عن خيثمة الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر محمد الباقر يقول: نحن جنب الله، ونحن صفوته.. إلى أن قال: وبنا يفتح الله، وبنا يختم.. الحديث.(٥١٩)
وأخرج الداني بإسناده عن أبي معبد، قال: قلت له: سمعت ابن عباس يذكر في المهدي شيئاً؟ قال: نعم، سمعته يقول: والله لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لختم الله بنا هذا الأمر كما فتحه، وقال: بنا فتح هذا الأمر وبنا يختم.(٥٢٠)
وأخرج أيضاً البيهقي بإسناده عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، قال: قال ابن عباس: كما فتح الله في أولنا فأرجو أن يختمه بنا.(٥٢١)
وقال ابن عياش: حدّثني سالم، كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن المهدي عليه السلام؟ فقال: إن الله تعالى هدى هذه الأمة بأول أهل هذا البيت، ويستنفذها بآخرهم، لا ينتطح فيه عنزان جماء(٥٢٢) وذات قرن!.(٥٢٣)
إلى غير ذلك من الكلمات التي أفصحوا فيها بأن خاتمة هذا الدين الحنيف ستكون على أيديهم، وأن هذا الأمر من المحتومات التي لا نقاش فيها.
قال ابن أبي الحديد، في شرح قوله: (وبنا تختم لا بكم): إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الزمان، وأكثر المحدثين على أنه من ولد فاطمة عليها السلام، وأصحابنا المعتزلة لا ينكرونه، وقد صرَّحوا بذكره في كتبهم، واعترف به شيوخهم...(٥٢٤)
الإمام المهدي من ولد فاطمة عليها السلام
قد أفصحت روايات السنة أيضاً بأن الإمام المهدي عليه السلام هو من ولد فاطمة سيدة نساء العالمين عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد اشتهر ذلك عند المحدثين من بداية صدر الإسلام، حتى أصبح الأمر متسالماً عليه عندهم ولا نقاش فيه، قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: المهدي حقٌّ هو؟ قال: حقٌّ، قال: قلت: ممن هو؟ قال: من قريش، قلت: من أيّ قريش؟ قال: من بني هاشم، قلت: من أيّ بني هاشم؟ قال: من بني عبد المطلب، قلت: من أيّ عبد المطلب؟ قال: من ولد فاطمة عليها السلام.(٥٢٥)
وذكر الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن النخعي السهيلي في كتاب (شرح سيرة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم) في تفضيل فاطمة عليها السلام على نساء العالمين، فذكر قوله صلى الله عليه (وآله) وسلم: إنما فاطمة بضعة مني، وقوله عليه السلام: هي خير بناتي، وشبه ذلك، ثم ذكر سؤددها وتفضيلها على غيرها، فذكر أسباباً كثيرة، منها: أنه قال: ومن سؤددها أن المهدي المبشّر به في آخر الزمان من ذريتها، فهي مخصوصة بهذه الفضيلة دون غيرها عليها السلام.(٥٢٦)
وقد اعترف بذلك أيضاً ابن حجر الهيتمي في كتابه الصواعق المحرقة في الحديث عن الآية الثانية عشرة من الآيات الواردة في أهل البيت عليهم السلام، قال: قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)(٥٢٧) قال مقاتل بن سليمان، ومن تبعه من المفسرين: إن هذه الآية نزلت في المهدي، وستأتي الأحاديث المصرحة بأنه من أهل البيت النبوي، وحينئذ ففي الآية دلالة على البركة في نسل فاطمة وعلي رضي الله عنهما، وأن الله ليخرج منهما كثيراً طيباً، وأن يجعل نسلهما مفاتيح الحكمة، ومعادن الرحمة، وسرُّ ذلك أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أعاذها وذريتها من الشيطان الرجيم، ودعا لعلي بمثل ذلك.. إلى أن قال: وقد ظهرت بركة دعائه صلى الله عليه (وآله) وسلم في نسلهما، فكان منه من مضى، ومن يأتي، ولو لم يكن في الآيتين إلا الإمام المهدي لكفى.(٥٢٨)
ومن الروايات في ذلك ما يلي:
ما رواه أحمد بن عبد الله الطبري: عن الحسين بن علي أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال لفاطمة: المهدي من ولدك.(٥٢٩)
ومنها: ما رواه الترمذي: عن أمّ سلمة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة.(٥٣٠)
وعن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة، قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وهو مسرور، فقال: ألا أبشركم! المهدي من ولد فاطمة.(٥٣١)
وقال العجلوني في كشف الخفاء: فمن تلك الأحاديث، ما أخرجه أبو داود وابن ماجة: عن أمّ سلمة مرفوعاً (المهدي من ولد فاطمة).(٥٣٢)
وروى القندوزي الحنفي: عن علي بن بلال، عن أبيه - رفعه - قال: يا فاطمة إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً (٥٣٣) وصارت الفتن، وانقطعت السبل، وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيراً، ولا صغير يوقر كبيراً، فيبعث الله عند ذلك المهدي من ولدك، يفتح حصون الضلالة وقلوباً غلفاً (٥٣٤) يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.(٥٣٥)
وعن أبي أيوب الأنصاري قال: إن النبي صلى الله عليه وآله مرض فأتته فاطمة عليها السلام وبكت! فقال: يا فاطمة إن لكرامة الله إياك زوجك من هو أقدمهم سلماً، وأكثرهم علماً، إن الله تعالى اطلع إلى أهل الأرض اطلاعة، فاختارني منهم فجعلني نبياً مرسلاً، ثم اطلع اطلاعة ثانية، فاختار منهم بعلك، فأوحى إليَّ أن أزوجه إياكِ، وأتخذه وصياً.
يا فاطمة منّا خير الأنبياء، وهو أبوك، ومنّا خير الأوصياء، وهو بعلك، ومنّا خير الشهداء، وهو حمزة عمّ أبيك، ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث شاء، وهو جعفر ابن عمّ أبيك، ومنّا سبطا هذه الأمة وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين، وهما ابناك، والذي نفسي بيده منّا مهدي هذه الأمة وهو من ولدك.(٥٣٦)
وجاء في كتاب الفتن: عن المنهال بن عمرو، عن زر بن حبيش، سمع علياً رضي الله عنه يقول: المهدي رجل منا، من ولد فاطمة رضي الله عنها.
وعن جابر، عن أبي جعفر، قال: هو من بني هاشم، من ولد فاطمة.(٥٣٧)
الإمام المهدي من ولد الحسين عليه السلام
قد ورد عند السنة أيضاً في مصادرهم بعض الروايات التي تنص على أن الإمام المهدي عليه السلام هو من ولد الإمام الحسين عليه السلام، هذا وقد أصرّ بعض أعلام السنة على أن المهدي عليه السلام من ولد الإمام الحسن عليه السلام، ويعود هذا الإصرار إلى ما تمسكت به الشيعة من كونه التاسع من ولد الحسين عليه السلام، وأن أباه هو الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وهذا ما لا يتوافق مع عقيدتهم في إمامة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، فمن هنا جاءت عدة محاولات للتعتيم على هاتين الصفتين، أعني أنه من ولد الحسين عليه السلام، وأن أباه هو الإمام الحسن العسكري عليه السلام، فعارضوا الشيعة ببعض المرويات في ذلك، وتمسكوا بما جاء في بعضها (واسم أبيه اسم أبي) فقالوا: إن اسم أبيه هو: عبد الله، هذا مع خلو نفس هذه المرويات من هذه العبارة في بعض المصادر الأخرى، مما يدل على كونها من زيادة بعض الرواة(٥٣٨) وعلى كل حال هناك بعض من علماء السنة من وافق الشيعة الإمامية في اسم أبي الإمام عليه السلام، وأنه من ولد الحسين عليه السلام.
أضف إلى ذلك ما ثبت عن أهل البيت عليهم السلام وأهل البيت أدرى بما فيه، فقد أجمعوا على هذه العقيدة، وكل أناس أعلم من غيرهم بأنسابهم وأبنائهم، ومن الواضح جداً أن الروايات عن أهل البيت عليهم السلام متضافرة جداً في هذا المورد، بل وجدنا بعض الدلائل على ذلك في كتب السنة أيضاً تشير إلى ذلك، فقد ورد عن داود بن عبد الله الجعفري، عن الدراوردي، عن ابن أخي الزهري قال: تجالسنا بالمدينة أنا وعبد الله بن حسن فتذاكرنا المهدي، فقال عبد الله بن حسن: المهدي من ولد الحسن بن علي. فقلت: يأبى ذاك علماء أهل بيتك. فقال عبد الله: المهدي والله من ولد الحسن بن علي، ثم من ولدي خاصة.(٥٣٩)
فهذه الرواية تشير إلى أن علماء أهل البيت عليهم السلام والذين عليهم المعول كانت هذه عقيدتهم في الإمام المهدي عليه السلام وأما ما ذهب إليه عبد الله بن الحسن فشاذ لايعول عليه، إن ثبت ذلك عنه، ويكفي هنا عدم إنكاره على القائل ما نسبه إلى أهل البيت عليهم السلام، وهذا إقرار منه.
وقد جاء ذلك أيضاً على لسان بعض المحدثين مما يدل على شهرته عندهم، كما عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو قال: يخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق، ولو استقبلته الجبال لهدّمها، واتخذ فيها طرقاً.(٥٤٠)
فإن المقصود به هو المهدي عليه السلام، فإنه هو الذي يمكنه الله تعالى من ذلك كله في آخر الزمان.
هذا وقد نص ابن العربي على ذلك أيضاً في الفتوحات المكية قال: اعلم أيدنا الله وإياك أن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً، فيملؤها قسطاً وعدلاً، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله، من ولد فاطمة، يواطئ اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله جده الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام.(٥٤١)
وإليك هنا بعض ما جاء في كتبهم من الروايات في ذلك، وهي كما يلي:
١ - القندوزي الحنفي عن كتاب مودة القربى: عن علي (كرم الله وجهه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تذهب الدنيا حتى يقوم بأمتي رجل من ولد الحسين يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً.(٥٤٢)
٢ - الكنجي الشافعي بإسناده عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله رجلاً اسمه اسمي، وخلقه خلقي، يكنى أبا عبد الله، يبايع له الناس بين الركن والمقام، يرد الله به الدين، ويفتح له فتوحاً، فلا يبقى على ظهر الأرض إلا من يقول: لا إله إلا الله، فقام سلمان فقال: يا رسول الله، من أيّ ولدك هو؟ قال: من ولد ابني هذا، وضرب بيده على الحسين.
قال: هذا حديث حسن، رزقناه عالياً بحمد الله.(٥٤٣)
قال أحمد بن عبد الله الطبري: وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: يولد منهما - يعني الحسن والحسين - مهدي هذه الأمة.
وعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم.. الخ.
قال الطبري: فيحمل ما ورد مطلقاً فيما تقدم على هذا المقيد.(٥٤٤)
٣ - ابن الصباغ المالكي: عن ابن هارون العبدي(٥٤٥) قال: لقيت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل شهدت بدراً؟ قال: نعم، فقلت: أفلا تحدّثني بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام وفضله؟ قال: بلى، أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وآله مرض مرضة نقه منها، فدخلت عليه فاطمة عليها السلام وأنا جالس عن يمين النبي صلى الله عليه وآله فلما رأت فاطمة ما برسول الله صلى الله عليه وآله من الضعف خنقتها العبرة حتى بدت دموعها على خدها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: ما يبكيك يا فاطمة؟ قالت: أخشى الضيعة يا رسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا فاطمة، إن الله تعالى اطَّلع إلى الأرض اطلاعة على خلقه فاختار منهم أباك فبعثه نبيًّا، ثم اطلع ثانية فاختار منهم بعلك فأوحى إليَّ أن أنكحه فاطمة، فأنكحته إياك واتخذته وصياً.
أما علمت أنك بكرامة الله تعالى إياك زوجك أغزرهم علما، وأكثرهم حلماً، وأقدمهم سلماً؟
فاستبشرت، فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يزيدها من مزيد الخير الذي قسمه الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله. قال: فقال لها: يا فاطمة، ولعلي ثمانية أضراس يعني مناقب: إيمان بالله ورسوله، وحكمته، وزوجته، وسبطاه الحسن والحسين، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، يا فاطمة، إنا أهل بيت أعطينا ست خصال لم يعطها أحد من الأولين ولا يدركها أحد من الآخرين غيرنا، فنبينا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عمّ أبيك حمزة، ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو جعفر، ومنّا سبطا هذه الأمة وهما ابناك، ومنّا مهدي هذه الأمة الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم. ثم ضرب على منكب الحسين عليه السلام وقال: من هذا مهدي هذه الأمة.
قال ابن الصباغ المالكي: هكذا أخرجه الدار قطني صاحب الجرح والتعديل.(٥٤٦)
٤ - الطبراني: بإسناده عن علي بن علي المكي الهلالي، عن أبيه، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في شكاته التي قبض فيها فإذا فاطمة رضي الله عنها عند رأسه، قال: فبكت حتى ارتفع صوتها! فرفع رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم طرفه إليها فقال: حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك؟ فقالت: أخشى الضيعة من بعدك! فقال: يا حبيبتي، أما علمت أن الله عزَّ وجلَّ اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختار منها أباك عروبة برسالته، ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك، وأوحى إليَّ أن أنكحك إياه يا فاطمة، ونحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال لم يعط أحد قبلنا ولا يعطى أحد بعدنا: أنا خاتم النبيين، وأكرم النبيين على الله، وأحبّ المخلوقين إلى الله عزَّ وجلَّ، وأنا أبوك، ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله، وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء، وأحبهم إلى الله، وهو عمّك حمزة بن عبد المطلب، وهو عمّ أبيك وعمّ بعلك، ومنّا من له جناحان أخضران يطير في الجنة مع الملائكة حيث يشاء، وهو ابن عمّ أبيك وأخو بعلك، ومنّا سبطا هذه الأمة، وهما ابناك الحسن والحسين، وهما سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما والذي بعثني بالحق خير منهما.
يا فاطمة، والذي بعثني بالحق، إن منهما مهدي هذه الأمة(٥٤٧) إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً، وتظاهرت الفتن، وتقطعت السبل، وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيراً، ولا صغير يوقر كبيراً، فيبعث الله عزَّ وجلَّ عند ذلك منهما من يفتتح حصون الضلالة، وقلوباً غلفاً يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان، ويملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً.. الحديث.(٥٤٨)
ورواه أيضاً أحمد بن عبد الله الطبري وقال: خرّجه الحافظ أبو العلاء الهمذاني في أربعين حديثاً في المهدي، وقد تقدم مختصراً في مناقب فاطمة من حديث الطبراني، عن أبي أيوب الأنصاري.(٥٤٩)
٥ - ابن عساكر بإسناده عن سعيد بن محمد الجهني، عن أبي الزبير، قال: كنا عند جابر بن عبد الله فدخل عليه علي بن الحسين ومعه ابنه، فقال جابر: من هذا يا بن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: ابني محمد، فضمّه جابر إليه وبكى! ثم قال: اقترب أجلي يا محمد! رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقرئك السلام، فسئل: وما ذاك؟! قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول للحسين بن علي: إنه يولد لابني هذا ابن، يقال له: علي بن الحسين، وهو سيد العابدين، إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ: ليقم سيد العابدين، فيقوم علي بن الحسين، ويولد لعلي بن الحسين ابن يقال له: محمد، إذا رأيته يا جابر فاقرأه مني السلام، يا جابر اعلم أن المهدي من ولده، واعلم يا جابر أن بقاءك بعده قليل.(٥٥٠)
٦ - ابن أبي الحديد: روى قاضي القضاة، عن كافي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عباد رحمه الله بإسناد متصل بعلي عليه السلام أنه ذكر المهدي، وقال: إنه من ولد الحسين عليه السلام، وذكر حليته...(٥٥١)
وقال ابن منظور في لسان العرب: وفي حديث علي كرم الله وجهه: أنه ذكر المهدي، وأنه يكون من ولد الحسين...(٥٥٢)
٧ - عقد الدرر للمقدسي: عن جابر بن يزيد، عن الإمام الباقر عليه السلام في حديث طويل جاء فيه: والمهدي يا جابر رجل من ولد الحسين.(٥٥٣)
إلى غير ذلك من الروايات الشريفة المروية في كتب السنة والتي تنص على أن الإمام المهدي عليه السلام هو من ولد مولانا الإمام الحسين بن علي عليه السلام.
علماء السنة الذين ذكروا ولادة الإمام المهدي عليه السلام
قد صرّح جملة من علماء السنة ومؤرخيهم بولادة الإمام المهدي عليه السلام، وبهذا يكون في السنة من يشارك الشيعة القول بولادة الإمام عليه السلام، مما يعني أن أمر ولادته من المتواترات حتى عند غير الشيعة الإمامية، كما أن هذه المسألة لا تحتاج إلى برهنة على ذلك، ومع ذلك أقام الشيعة الكثير من البراهين على ولادة الإمام عليه السلام، ومنها:
الأخبار الكثيرة الواردة من طريق أهل البيت عليهم السلام والتي تنص على كونه الإمام التاسع من ولد الإمام الحسين عليه السلام، وأهل البيت أدرى بما فيه، وإخبارهم حجة، إذ هم أحد الثقلين الذين اُمر الناس باتباعهم.
وكذلك إخبار الإمام العسكري وبعض أهل بيته، بأمر ولادته، وكذلك إخبار جملة من أصحابه.
أضف إلى ذلك ما أثبته علماء الأنساب أيضاً إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة(٥٥٤)، ويكفي ما جاء في التأريخ والسيرة عن اشتهار أمر ولادته وتواترها،(٥٥٥) ولو صح التشكيك في ذلك، ولم تكن الشهرة في مثل هذا المورد حجة معتبرة لوجب على أعلام السير والمؤرخين أن يثبتوا بالبينة الشرعية ويبرهنوا على وجود كلّ رجل من الصحابة، وغيرهم ممن ورد ذكرهم في كتب السيرة والتأريخ وأنى لهم أن يثبتوا ذلك بهذا النحو.
والجدير بالذكر أنه لا توجد ولا رواية واحدة عند السنة حسب تتبعي تقول أن الإمام المهدي عليه السلام سيولد في آخر الزمان، وإنما جاء التعبير بـ(يظهر) و(يُبعث) كما جاء في الأخبار الكثيرة عندهم في ذلك.
وقد ذكر الشيخ حسين النوري في كتابه (كشف الأستار) أربعين عالماً من علماء السنة الذين يؤمنون بوجود الإمام المنتظر عليه السلام.
وقال الشيخ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨) في كتابه (البيان في أخبار صاحب الزمان): في الدلالة على كون المهدي عليه السلام حياً باقياً منذ غيبته إلى الآن، ولا امتناع في بقائه، بدليل بقاء عيسى(٥٥٦) وإلياس والخضر من أولياء الله تعالى، وبقاء الدجال وإبليس الملعونين أعداء الله تعالى، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنة، وقد اتفقوا عليه، ثم أنكروا جواز بقاء المهدي! وها أنا أبيِّن بقاء كل واحد منهم، فلا يسمع بعد هذا لعاقل إنكار جواز بقاء المهدي عليه السلام...(٥٥٧)
وقال الشيخ سليمان القندوزي الحنفي(ت ١٢٩٤ هـ): فالخبر المعلوم المحقق عند الثقات أن ولادة القائم عليه السلام كانت ليلة الخامس عشر من شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين في بلدة سامراء.(٥٥٨)
ومن خيرة الكتب التي تناولت هذا الموضوع واستوعبت البحث بالاستقصاء والتتبع، وسردت جملة من علماء ومؤرخي السنة من الذين ذكروا ولادة الإمام المنتظر عليه السلام ونصوا عليها هو: كتاب دفاع عن الكافي للأستاذ المحقق السيد ثامر العميدي النجفي تحت عنوان (اعترافات أهل السنة) فقد استوفى الموضوع حقه في هذا الباب، وقد قام بجمع وترتيب أسماء العلماء الذين ذكروا ولادة الإمام المهدي عليه السلام بحسب القرون فكانوا (١٢٨) عالماً من السنة، وأولهم (أبو بكر محمد بن هارون الروياني (المتوفى سنة ٣٠٧هـ) في كتابه المسند (مخطوط) وآخرهم الأستاذ المعاصر يونس أحمد السامرائي في كتابه: (سامراء في أدب القرن الثالث الهجري).(٥٥٩)
وهناك كتب أخرى أيضاً ألمّت بالموضوع، وذكرت جملة من أعلام السنة الذين ذكروا أو اعترفوا بولادة الإمام المهدي عليه السلام.(٥٦٠)
ونحن نذكر هنا نموذجاً باختصار جملة من المؤرخين من أعلام السنة الذين ذكروا ولادة الإمام المهدي عليه السلام بن الإمام الحسن العسكري عليه السلام في كتبهم، وهم كما يلي:
١ - أبو نعيم الأصبهاني (ت٤٣٠هـ)
ذكره في كتابه: الأربعين حديثاً في المهدي عليه السلام.
٢ - أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨هـ)
ذكره في: شعب الإيمان، ط ١، دار المعارف – الهند، وقال: اختلف الناس في أمر المهدي فتوقف جماعة وأحالوا العلم إلى عالمه، واعتقدوا أنه واحد من أولاد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله... ولا امتناع في طول عمره، وامتداد أيامه كعيسى بن مريم والخضر.(٥٦١)
٣ - أبو محمد عبد الله بن الخشاب (ت ٥٦٧هـ)
ذكره في كتابه مواليد أهل البيت يرفعه بسنده إلى علي بن موسى الرضا عليه السلام أنه قال: الخلف الصالح من ولد أبي محمد الحسن بن علي العسكري، وهو صاحب الزمان القائم، وهو المهدي.(٥٦٢)
٤ - ابن الأزرق المؤرخ (ت ٥٩٠هـ)
نقل عنه ابن طولون في كتاب (الأئمة الاثنا عشر: ص ١١٧)
٥ - ابن الأثير عز الدين الجزري (ت ٦٣٠هـ)
ذكره في كتابه الكامل في التأريخ (في حوادث سنة ٢٦٠هـ) قال: وفيها توفي الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو محمد العلوي العسكري، وهو أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية، وهو والد محمد الذي يعتقدونه المنتظر بسرداب سامراء...(٥٦٣)
٦ - محيي الدين بن العربي الأندلسي (ت ٦٣٨هـ)
ذكره في الفتوحات المكية، باب ٣٦٦ في المبحث الخامس والستين كما (نص عليه) في اليواقيت والجواهر للشعراني (ت ٩٧٣).(٥٦٤)
وذكر العلامة المحقق الشيخ باقر القرشي عن نسخة من كتاب الفتوحات، قال: ونص محيي الدين، محمد بن علي المعروف (بابن العربي) الأندلسي على إمامة المهدي وأنه ولد، وسوف يظهر، قال: المهدي الظاهر في آخر الزمان الذي بشّر به رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو من أهل البيت المطّهر من الحضرة المحمدية.

إن الإمام إلى الوزير فقيرٌ * * * وعليهما فلكُ الوجود يدورُ
والملكُ إن لم تستقم أحوالُه * * * بوجود هذين فسوف يبورُ
إلا إله الحقِّ فهو منزَّهٌ * * * ما عنده فيما يريدُ وزيرُ

اعلم أيدنا الله وإياك، إن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً، فيملأها قسطاً وعدلاً، لو لم يبق في الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله ومن ولد فاطمة سلام الله عليها، جده الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده الحسن العسكري.(٥٦٥)
٧ - كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي (ت ٦٥٢هـ)
قال في كتابه (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول عليهم السلام): أبو القاسم محمد بن الحسن الخالص بن علي المتوكل بن محمد القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين بن أبي طالب، المهدي، الحجة، الخلف الصالح، المنتظر عليهم السلام ورحمة الله وبركاته، وقال: أما مولده في سرّ من رأى..الخ.(٥٦٦)
وقال أيضاً: وأما عمره: فإنه ولد في أيام المعتمد على الله، خاف فاختفى وإلى الآن، فلم يمكن ذكر ذلك، إذ من غاب وإن انقطع خبره لا توجب غيبته وانقطاع خبره الحكم بمقدار عمره ولا بانقضاء حياته، وقدرة الله واسعة وحكمه وألطافه بعباده عظيمة عامة، ولوازم عظماء العلماء أن يدركوا حقائق مقدوراته، وكنه قدرته لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً، ولا نقل طرف تطلعهم إليه حسيراً وحده كليلاً، وأملى عليهم لسان عجزهم عن الإحاطة به، وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً.
وليس ببدع ولا مستغرب تعمير بعض عباد الله المخلصين، ولا امتداد عمره إلى حين، فقد مدّ الله تعالى أعمار جمع كثير من خلقه من أصفيائه وأوليائه ومن مطروديه وأعدائه، فمن الأصفياء: عيسى عليه السلام، ومنهم الخضر، وخلق آخرون من الأنبياء طالت أعمارهم، حتى جاز كل واحد منهم ألف سنة أو قاربها كنوح عليه السلام وغيره.
وأما من الأعداء المطرودين: فإبليس، وكذلك الدجال، ومن غيرهم كعاد الأولى، كان فيهم من عمره ما يقارب الألف، وكذلك لقمان صاحب لبد، وكل هذه لبيان اتساع القدرة الربانية في تعمير بعض خلقه، فأي مانع يمنع من امتداد عمر الصالح الخلف الناصح إلى أن يظهر فيعمل ما حكم الله له به؟.(٥٦٧)
٨ - شمس الدين أبو المظفر، يوسف بن فزاعلي سبط ابن الجوزي الحنبلي (ت٦٥٤هـ)
قال في كتابه (تذكرة الخواص): هو محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وكنيته أبو عبد الله، وأبو القاسم، وهو الخلف الحجة، صاحب الزمان، القائم، والمنتظر، والتالي، وهو آخر الأئمة.(٥٦٨)
٩ - محمد بن يوسف أبو عبد الله الكنجي الشافعي (المقتول سنة ٦٥٨هـ)
ذكره في كتابه (كفاية الطالب) في ترجمة الإمام الحسن العسكري عليه السلام، قال: مولده بالمدينة في شهر ربيع الآخر، من سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وقبض يوم الجمعة لثمانٍ خلون من شهر ربيع الأول سنة ستين ومائتين، وله يومئذ ثمان وعشرون سنة، ودفن في داره بسرّ من رأى في البيت الذي دفن فيه أبوه، وخلّف ابنه وهو الإمام المنتظر صلوات الله عليه.(٥٦٩)
وذكره أيضاً في كتابه الآخر: (البيان في أخبار صاحب الزمان).(٥٧٠)
١٠ - ابن خلكان (ت ٦٨١هـ)
ذكره في كتابه وفيات الأعيان، وقال: أبو القاسم المنتظر، محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد، ثاني عشر الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، المعروف بالحجة، وهو الذي تزعم الشيعة أنه المنتظر والقائم والمهدي.. كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولما توفي أبوه - وقد سبق ذكره - كان عمره خمس سنين.(٥٧١)
١١ - الجويني الحمويني الشافعي (ت ٧٣٢هـ)
ذكره في كتابه فرائد السمطين: ٢/ ٣٣٧، طبع بيروت.
١٢ - الذهبي(ت ٧٤٨هـ)
ذكره في كتابه العبر (في حوادث سنة ٢٥٦هـ) وفي كتابه أيضاً (تأريخ دول الإسلام: ١٩/ ١١٣) في ترجمة الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
وقال في كتابه سير أعلام النبلاء: المنتظر الشريف، أبو القاسم، محمد بن الحسن العسكري، بن علي الهادي، بن محمد الجواد، بن علي الرضا، بن موسى الكاظم، بن جعفر الصادق، بن محمد الباقر، بن زين العابدين علي بن الحسين الشهيد، بن الإمام علي بن أبي طالب، العلوي الحسيني، خاتمة الاثني عشر سيداً.. ومحمد هذا هو الذي يزعمون أنه الخلف الحجة، وأنه صاحب الزمان...(٥٧٢)
١٣ - عمر بن الوردي (ت ٧٤٩هـ)
ذكره في تتمة المختصر في أخبار البشر المعروف بتاريخ ابن الوردي: (ج ١ ص ٣١٩) وقال: ومولد المنتظر سنة خمس وخمسين ومائتين.
١٤ - نور الدين علي بن محمد بن الصباغ المالكي (ت٨٥٥هـ)
ذكره في كتابه: (الفصول المهمة) قال: (الفصل الثاني عشر) في ذكر أبي القاسم محمد عليه السلام الحجة الخلف الصالح ابن أبي محمد الحسن الخالص عليه السلام وهو الإمام الثاني عشر، وتاريخ ولادته، ودلائل إمامته وذكر طرف من أخباره وغيبته، ومدة قيام دولته، وذكر كنيته ونسبه وغير ذلك مما يتصل به رضي الله عنه وأرضاه..
إلى أن قال: ولد أبو القاسم محمد ابن الحجة، ابن الحسن الخالص بسر من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين للهجرة.
وأما نسبه أباً وأماً: فهو أبو القاسم محمد الحجة، ابن الحسن الخالص، ابن علي الهادي، ابن محمد الجواد، ابن علي الرضا، ابن موسى الكاظم، ابن جعفر الصادق، ابن محمد الباقر، ابن علي زين العابدين، ابن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين.
وأما أمه: فأم ولد يقال لها نرجس، خير أمة، وقيل: اسمها غير ذلك، وأما كنيته: فأبو القاسم، وأما لقبه فالحجة، والمهدي، والخلف الصالح، والقائم المنتظر، وصاحب الزمان، وأشهرها المهدي.. إلى أن قال: وهذا طرف يسير مما جاء في النصوص الدالة على الإمام الثاني عشر من الأئمة الثقات، والروايات في ذلك كثيرة أضربنا عن ذكرها وقد دونها أصحاب الحديث في كتبهم واعتنوا بجمعها ولم يتركوا شيئاً.(٥٧٣)
١٥ - الفضل بن روزبهان (ت بعد ٩٠٩هـ)
نص الفضل بن روز بهان من غير تردد أن المهدي المنتظر هو الثاني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام، قال في كتابه: (إبطال الباطل) يمدح أهل البيت عليهم السلام: ونعم ما قلت فيهم منظوماً:

سلامٌ على المصطفى المجتبى * * * سلامٌ على السيد المرتضى
سلامٌ على ستنا فاطمه * * * من اختارها الله خير النسا
سلامٌ من المسك أنفاسه * * * على الحسن الألمعي الرضا
سلامٌ على الأورعي الحسين * * * شهيد يرى جسمه كربلا
سلامٌ على سيد العابدين * * * عليّ بن الحسين المجتبى
سلامٌ على الباقر المهتدى * * * سلامٌ على الصادق المقتدى
سلامٌ على الكاظم الممتحن * * * رضي السجايا إمام التقى
سلامٌ على الثامن المؤتمن * * * عليّ الرضا سيد الأصفيا
سلامٌ على المتقي التقي * * * محمد الطيب المرتجى
سلامٌ على الأريحي النقي * * * عليّ المكرم هادي الورى
سلامٌ على السيد العسكري * * * إمام يجهز جيش الصفا
سلامٌ على القائم المنتظر * * * أبي القاسم القرم نور الهدى
سيطلع كالشمس في غاسق * * * ينجيه من سيفه المنتقى
قوي يملأ الأرض من عدله * * * كما ملئت جور أهل الهوى
سلامٌ عليه وآبائه * * * وأنصاره، ماتدوم السما (٥٧٤)

١٦ - جلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
ذكره في رسالته: إحياء الميت بفضائل أهل البيت عليهم السلام
١٧ - شمس الدين محمد بن طولون الحنفي مؤرخ دمشق (ت ٩٥٣هـ)
قال في كتابه (الأئمة الاثنا عشر): كانت ولادته رضي الله عنه يوم الجمعة، منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولما توفي أبوه المتقدم ذكره (رضي الله عنهما) كان عمره خمس سنين.
ثم ذكر الأئمة الاثني عشر عليهم السلام وقال: وقد نظمتهم على ذلك، فقلت:

عليك بالأئمة الاثني عشر * * * من آل بيت المصطفى خير البشر
أبو تراب، حسن، حسين * * * وبغض زين العابدين شين
محمد الباقر كم علم درى * * * والصادق ادع جعفراً بين الورى
موسى هو الكاظم، وابنه علي * * * لقّبه بالرضا وقدره علي
محمد التقي قلبه معمورُ * * * علي النقي درّه منثورُ
عسكري الحسن المطهرُ * * * محمد المهدي سوف يظهرُ(٥٧٥)

١٨ - عبد الوهاب بن أحمد الشعراني الشافعي (ت ٩٧٣هـ)
ذكره في: اليواقيت والجواهر، وقال: ومولده ليلة النصف من شعبان سنة (٢٥٥هـ) وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم، وهو من أولاد الحسن العسكري عليه السلام.(٥٧٦)
١٩ - أحمد بن حجر المكي الهيتمي الشافعي (ت ٩٧٤هـ)
ذكره في كتابه (الصواعق المحرقة) في آخر الفصل الثالث من الباب الحادي عشر، قال: ولم يخلف (الحسن العسكري عليه السلام) غير ولده أبي القاسم محمد الحجة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة، ويسمى القائم المنتظر.(٥٧٧)
٢٠ - أحمد بن يوسف أبو العباس القرماني الحنفي (ت ١٠١٩هـ)
قال في كتابه (أخبار الدول وآثار الأول) في الفصل الحادي عشر: في ذكر أبي القاسم محمد الحجة الخلف الصالح: وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة، كما أوتيها يحيى عليه السلام صبياً، وكان مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، أقنى الأنف، أجلى الجبهة...
واتفق العلماء على أن المهدي هو القائم في آخر الوقت، وقد تعاضدت الأخبار على ظهوره، وتظاهرت الروايات على إشراق نوره، وستسفر ظلمة الأيام والليالي بسفوره، وينجلي برؤيته الظلم انجلاء الصبح عن ديجوره، ويسير عدله في الآفاق فيكون أضوء من البدر المنير في مسيره.(٥٧٨)
٢١ - الشيخ عبد الله الشبراوي الشافعي (ت ١١٧١هـ)
ذكره في كتابه (الإتحاف بحب الأشراف) وقال: ولد الإمام محمد الحجة ابن الإمام الحسن الخالص رضي الله عنه بسر من رأى، ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، قبل موت أبيه بخمس سنين، وكان أبوه قد أخفاه حين ولد، وستر أمره لصعوبة الوقت، وخوفه من الخلفاء، فإنهم كانوا في ذلك الوقت يتطلبون الهاشميين، ويقصدونهم بالحبس والقتل، ويريدون إعدامهم، وكان الإمام محمد الحجة يلقب أيضاً بالمهدي، والقائم، والمنتظر، والخلف الصالح، وصاحب الزمان، وأشهرها المهدي.(٥٧٩)
٢٢ - الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي الحنفي (ت ١١٧٦هـ)
ذكره في: المسلسلات المعروف بالفضل المبين.
٢٣ - سليمان بن إبراهيم المعروف بالقندوزي الحنفي (ت ١٢٩٤هـ)
ذكره في كتابه: (ينابيع المودة) وقال: فالخبر المعلوم المحقق عند الثقات أن ولادة القائم عليه السلام كانت ليلة الخامس عشر من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين في بلدة سامراء.(٥٨٠)
٢٤ - مؤمن بن حسن الشبلنجي (ت ١٣٠٨هـ)
ذكره في كتابه (نور الأبصار) قال: فصل في ذكر مناقب محمد بن الحسن الخالص بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أمه أم ولد، يقال لها: نرجس، وقيل صيقل، وقيل: سوسن، وكنيته، أبو القاسم، ولقبه الإمامية ب‍(الحجة) و(المهدي) و(الخلف الصالح) و(القائم) و(المنتظر) و(صاحب الزمان) وأشهرها (المهدي).(٥٨١)
٢٥ - خير الدين الزركلي (ت ١٣٩٦هـ)
ذكره في كتابه (الأعلام) وقال: (المهدي المنتظر) (٢٥٦ - ٢٧٥ه‍ = ٨٧٠ - ٨٨٨م) محمد بن الحسن العسكري (الخالص) بن علي الهادي، أبو القاسم: آخر الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، وهو المعروف عندهم بالمهدي، وصاحب الزمان، والمنتظر، والحجة.. ولد في سامراء. ومات أبوه وله من العمر نحو خمس سنين..
وقيل في تاريخ مولده: ليلة نصف شعبان سنة ٢٥٥ وفي تاريخ غيبته: سنة ٢٦٥.(٥٨٢)
وغيرهم الكثير من أعلام السنة ومؤرخيهم من الذين نصّوا على مولد الإمام المهدي عليه السلام الأمر الذي يدل على تواتره وشهرته عند جملة من علماء السنة، وكما يقول الأستاذ مصطفى الرافعي بعد ذكره لسبعة من علماء السنة الذين قالوا بولادة المهدي عليه السلام: وكثير غيرهم من علماء السنة الأجلاء الذين ذاع صيتهم، ويذكرون بكلّ إعجاب وتقدير، هؤلاء وكثير غيرهم ممن لا يتسع المقام لذكرهم يقولون بمقولة الإمامية من أن المهدي هو: محمد بن الحسن العسكري، وأنه حيّ.. ولا يجدون في مقولتهم هذه ما يناقض العقل، وبخاصة إذا اعتبرت حياة المهدي من الأمور الخارقة للعادة كالتي أجراها الله معجزة لبعض أنبيائه، أو كرامة لبعض أوليائه، وذلك كحياة المسيح والخضر من الأتقياء، وإبليس والدجال من الأشقياء.(٥٨٣)
التعريف بجملة من مؤلفات السنة حول الإمام المهدي عليه السلام
قد أفرد علماء السنة ومفكروهم بالتأليف الكثير من الكتب حول ظهور الإمام المهدي عليه السلام، فضلاً عمّا ضمته الموسوعات الحديثية عندهم في هذا الموضوع في أبوابها.
قال العجلوني في كشف الخفاء: ورد ذكره في أحاديث أفردها بعض الحفاظ بالتأليف، منهم: الحافظ السخاوي(٥٨٤) في كتاب سماه (ارتقاء الغرف)(٥٨٥) ومنهم ابن حجر الهيثمي في جزء سماه (القول المختصر في أحوال المهدي المنتظر)، وكذلك ذكر كثيراً منها في الفتاوى الحديثية، وكذلك شيخنا البرزنجي في الإشاعة.. فمن أراد المزيد فعليه بالتأليفين المذكورين وأمثالهما.(٥٨٦)
كما ذكر الدكتور عبد العليم البستوي في كتابه (المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة: ص١٢٦) ثلاثاً وثلاثين مؤلفاً من مؤلفات السنة، وقال: سردٌ موجز لما اُلف في المهدي.. بالإضافة إلى ما ذكرت من اعتناء الأئمة بجمع أحاديث المهدي في مصنفاتهم وكتبهم حفاظاً على التراث النبوي وأداء للواجب بالتبليغ إلى من بعدهم، أفرد كثير من العلماء قديماً وحديثاً هذا الموضوع بتأليفات مستقلة.
كما أحصى الشيخ مهدي فقيه إيماني في كتابه (أصالة المهدوية في الإسلام): ص ١٠٣: نحو ١٥٩ مؤلفاً بين كتاب ورسالة ومقالة لعلماء السنة ومفكريهم حول الإمام المهدي عليه السلام، وكذلك الشيخ لطف الله الصافي ذكر أيضاً جملة منها في كتابه القيم (لمحات في الكتاب والحديث والمذهب: ص ٧٤ – ٧٧)
كما أحصى أيضاً الدكتور عقيقي في كتابه الفارسي (بخشايشي چهارده نور پاك): ج ١٤ ص ١٩٠٢ – ١٩٠٦. سبعة وأربعين كتاباً من كتب السنة.
وإليك هنا جملة من مؤلفات السنة حول الإمام المهدي عليه السلام نموذجاً، وهي كالتالي:
حرف الألف
١ - إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون: تأليف: أحمد بن محمد بن الصدّيق، أبو الفيض الغماري الحسني الأزهري الشافعي المغربي (ت ١٣٨٠هـ)، ط في مطبعة الترقي بدمشق عام ١٣٤٧.
٢ - الأحاديث القاضية بخروج المهدي: تأليف: محمد بن إسماعيل الأمير اليماني الصنعاني (ت ٧٥١هـ) ذكره صديق حسن في كتاب الإذاعة.
٣ - أحاديث المهدي من مسند أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) ويليه كتاب (البيان في أخبار صاحب الزمان عليه السلام) ط الثانية ١٤١٧، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين.
٤ - أحاديث المهدي، وأخبار المهدي: تأليف: أبو بكر بن خيثمة.
٥ - الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان الجرح والتعديل: تأليف: عبدالعليم بن عبد العظيم البستوي، وهي رسالة ماجستير قدمت بجامعة أم القرى (مكة المكرمة)
٦ - الاحتجاج بالأثرعلى من أنكر المهدي المنتظر: تأليف: الشيخ حمود بن عبد الله بن حمود التويجري، ط الثانية سنة ١٤٠٦، طبع ونشر مكتبة دار العليان الحديثة للطباعة والنشر والتوزيع بريدة.
٧ - أربعين حديثاً في المهدي: تأليف: الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني (ت٤٣٠هـ)
٨ - الأربعين (من أحاديث المهدي) تأليف: أبو العلاء الهمداني، ذكره أحمد بن عبد الله الطبري في ذخائر العقبى.
٩ - ارتقاء الغرف بحب أقرباء الرسول وذوي الشرف: الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي الشافعي (ت٩٠٢هـ) نشر مؤسسة المعارف الإسلامية، الطبعة الأولى سنة ١٤٢١، قم المقدسة – إيران.
١٠ - إرشاد المستهدي في بعض الأحاديث والآثار الواردة في شأن الإمام المهدي: تأليف: محمد علي حسين البكري المدني.
١١ - الإشاعة لأشراط الساعة: تأليف: البرزنجي (ت ١١٠٣هـ)
١٢ - إقامة البرهان على نزول عيسى في آخر الزمان: تأليف: أبو الفضل عبد الله ابن محمد بن الصدّيق الغماري، الطبعة الثالثة سنة ١٤١٠.
حرف الباء
١٣ - البحور الزاخرة في علوم الآخرة: تأليف: محمد بن الحاج أحمد السفاريني الحنبلي (ت ١٨٨هـ).
١٤ - البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: تأليف: الشيخ علي بن حسام المتقي الهندي (ت ٩٧٥هـ) يقع في جزئين، وقد حققه وعلق عليه: جاسم ابن محمد بن مهلهل الياسين. طبع شركة ذات السلاسل في (الأردن)
١٥ - بشرى البشر في حقيقة المهدي المنتظر عليه السلام، تأليف: الشيخ محمود الغرباوي، نشر دار الكتاب العربي، دمشق – القاهرة ط الاولى سنة ٢٠٠٤م.
١٦ - البيان في أخبار صاحب الزمان عليه السلام: تأليف: الحافظ أبو عبد الله، محمد بن يوسف الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨هـ) تقديم: العلامة المحقق السيد محمد مهدي الخرسان، ملحق بكتاب (أحاديث المهدي من مسند أحمد بن حنبل)، وطبع أيضاً ملحقاً بكتاب كفاية الطالب، نشر دار إحياء تراث أهل البيت عليهم السلام سنة ١٤٠٤، الطبعة الثالثة، طهران – إيران.
١٧ - البيانات عن المهدي، تأليف: الماوردي.
حرف التاء
١٨ - تحديق النظر في أخبار المهدي المنتظر، تأليف: الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع من علماء نجد في القرن الرابع عشر، مخطوط توجد نسخة منه بدار الكتب المصرية.
١٩ - التصريح بما تواتر في نزول المسيح، تأليف: الكشميري(ت ١٣٥٢هـ)
٢٠ - تلخيص البيان في أخبار مهدي آخر الزمان، تأليف: علي المتقي.
٢١ - تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان، تأليف: ابن كمال باشا الحنفي (ت ٩٤٠هـ)
٢٢ - تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان، تأليف: الشيخ الأقسرائي، مخطوط بمكتبة عارف حكمت في (المدينة المنورة) برقم ٦٢ / ٢٤٠ / ٧ ق.
٢٣ - التوضيح فيما تواتر في المنتظر والدجال والمسيح، تأليف: الشوكاني الزيدي (ت ١٢٥٠هـ)ذكره الشوكاني في تفسيره (فتح القدير) ١ / ٤٣٩٧.
حرف الجيم
٢٤ - الجواب المقنع المحرر في الرد على من طغى وتجبر بدعوى أن عيسى هو المهدي المنتظر: تأليف: محمد حبيب الله الشنقيطي مطبوع.
حرف الحاء
٢٥ - حاشية على القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، تأليف: رضي الدين ابن عبد الرحمن الهيثمي.
حرف الخاء
٢٦ - الخطاب المليح في تحقيق: المهدي والمسيح، تأليف: الشيخ أشرف علي التهانوي وهو باللغة الأردية.
حرف الراء
٢٧ - الرد على من حكم وقضى بأن المهدي جاء ومضى، تأليف: الملا علي القاري (ت ١٠١٤هـ)
٢٨ - الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي عليه السلام، ويليه عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر، تأليف: عبد المحسن بن حمد العباد، المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط الأولى سنة ١٤٠٢ طبع في مطابع الرشيد بالمدينة المنورة
٢٩ - رسالة في رد من أنكر أن عيسى عليه السلام إذا نزل يصلي خلف المهدي عليه السلام صلاة الصبح، تأليف: جلال الدين السيوطي.
٣٠ - رسالة في المهدي عليه السلام، تأليف: ابن كثير الدمشقي.
حرف السين
٣١ - السنن الواردة في الفتن، تأليف:أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني المقرئ (ت ٤٤٤هـ).
حرف الطاء
٣٢ - الطريق إلى المهدي المنتظر عليه السلام، تأليف: سعيد أيوب، الطبعة الأولى سنة ١٤١٩، نشر: مركز الغدير للدراسات، بيروت – لبنان.
حرف العين
٣٣ - العرف الوردي في أخبار المهدي، تأليف: جلال الدين عبد الرحمن الشافعي السيوطي (ت ٩١١هـ) جمع فيه ما ذكره أبو نعيم من أحاديث المهدي وزاد عليه، مطبوع ضمن كتاب الحاوي في الفتاوى للسيوطي.
٣٤ - العطر الوردي بشرح القطر الشهدي، تأليف: البليسي.
٣٥ - علامات المهدي، تأليف: جلال الدين السيوطي.
٣٦ - عقد الجواهر والدرر في علامات ظهور المهدي المنتظر، تأليف: ابن حجر، كذا ذكره الدكتور عبد الله الجبوري في تعليقاته على كتاب غريب الحديث لابن قتيبة ١ / ١١٧.
٣٧ - عقد الدرر في أخبار المنتظر، تأليف: يوسف بن يحيى بن علي بن عبد العزيز المقدسي الشافعي السلمي (من علماء القرن السابع) ط الأولى سنة ١٤٠٣ دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، نشر مكتبة عباس أحمد الباز مكة المكرمة، وطبعة أخرى في مكتبة المنار (الأردن) تحقيق: الشيخ مهيب بن صالح بن عبد الرحمن البوريني.
٣٨ - عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر، تأليف: قاضي القضاة أبو الفضل جمال الدين يوسف بن يحيى الشافعي، الدمشقي، المشتهر بالزكي أو ابن الزكي (٦٤٠ - ٦٨٥هـ)
٣٩ - العواصم عن الفتن القواصم، تأليف: علي بن برهان الدين الحلبي الشافعي، كما ذكر في السيرة الحلبية: ج ١ ص ٢٢٧.
حرف الفاء
٤٠ - فرائد فوائد الفكر في الإمام المهدي المنتظر، تأليف: الشيخ مرعي بن يوسف المقدسي الكرمي الحنبلي (ت ١٠٣٣هـ) تحقيق: الشيخ سامي الغريري، ط الأولى سنة ١٤٢١، قم - إيران.
حرف القاف
٤١ - القطر الشهدي في أوصاف المهدي (منظومة)، تأليف: شهاب الدين أحمد ابن أحمد بن إسماعيل الحلواني الشافعي (ت ١٣٠٨ هـ)
٤٢ - القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، تأليف: ابن حجر الهيتمي، أبو العباس أحمد بن محمد الهيتمي الشافعي المصري المكي (المتوفى بها سنة ٩٧٤هـ) والحاشية عليه لحفيده رضي الدين بن عبد الرحمن السعدي المصري الشافعي (المتوفى بمكة سنة ١٠٤١هـ)
حرف الكاف
٤٣ - كتاب الفتن، تأليف: أبو عبد الله نعيم بن حماد المروزي (ت ٢٢٨ هـ) حققه وقدم له الأستاذ الدكتور سهيل زكار، نشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، طبع سنة ١٩٩٣ م - ١٤١٤ ه‍
٤٤ - كلمتان هامتان: ١ - نصف شعبان ٢ - المهدي المنتظر، تأليف: محمد زكي إبراهيم المعاصر.
حرف الميم
٤٥ - مختصر الأخبار المشاعة في الفتن وأشراط الساعة وأخبار المهدي، تأليف: عبد الله بن الشيخ، مطبوع في مطابع (الرياض).
٤٦ - مرآة الفكر في المهدي المنتظر، تأليف: الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي المقدسي الحنبلي (ت ١٠٣٣ هـ) وقد تقدم له في حرف الفاء: (فرائد فوائد الفكر في المهدي المنتظر) إيضاح المكنون ٢ / ٤٦٢.
٤٧ - المشرب الوردي في مذهب المهدي، تأليف: الملا علي القاري (ت ١٠١٤هـ) ذكره البرزنجي في أشراط الساعة.
٤٨ - الملاحم لأبي الحسن بن المنادي، تأليف: أحمد بن جعفر (ت ٣٣٦ هـ)
٤٩ - مناقب المهدي عليه السلام، تأليف: أبو نعيم الأصبهاني (ت٤٣٠ ه)
٥٠ - المنتظر، تأليف: الشيخ محمد حبيب الله بن مايابي الجكني الشنقيطي المدني.
٥١ - منظومة القطر الشهدي في أوصاف المهدي، تأليف: شهاب الدين أحمد الخليجي الحلواني الشافعي.
٥٢ - مهدي آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، تأليف: علي بن سلطان محمد الهروي الحنفي.
٥٣ - المهدي، تأليف: شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ)
٥٤ - المهدي، تأليف: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥ه).
٥٥ - المهدي أو أخبار المهدي، تأليف: أبو نعيم الأصفهاني (ت٤٣٠ هـ)
٥٦ - المهدي إلى ما ورد في المهدي، تأليف: شمس الدين محمد بن طولون (ت ٩٥٣هـ).
٥٧ - المهدي حقيقة لا خرافة، تأليف: محمد بن أحمد إسماعيل، ط الأولى سنة ١٤١١ نشر مكتبة التربية الإسلامية لإحياء التراث الإسلامي، مصر.
٥٨ - المهدي المنتظر عليه السلام، تأليف: إبراهيم المشوخي، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٦، نشر دار ومكتبة المنار، الأردن – الزرقاء.
٥٩ - المهدي المنتظر عليه السلام في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة، تأليف: الدكتور عبد العليم عبد العظيم البستوي، نشر المكتبة المكية، مكة المكرمة، ط الأولى ١٣٢٠.
٦٠ - المهدي المنتظر، تأليف: عبد الله بن محمد بن الصدّيق الحسيني الإدريسي المغربي.، نشر: عالم الكتب في بيروت، سنة ١٤٠٥ ه‍.
حرف النون
٦١ - النجم الثاقب في بيان أن المهدي من أولاد علي بن أبي طالب (في ٨٧ صفحة بمكتبة لاله لي سليمانية).
٦٢ - النظم الواضح المبين، تأليف: الشيخ عبد القادر بن محمد سالم.
حرف الهاء
٦٣ - الهدية المهدوية، تأليف: أبو الرجاء محمد هندي.
٦٤ - الهدية الندية فيما جاء في فضل ذات المهدية، تأليف: قطب الدين مصطفى بن كمال الدين علي بن عبد القادر البكري الدمشقي الحنفي (ت ١١٦٢هـ)
تعتيم وتجاهل بعض السنة ظهور الإمام المهدي عليه السلام
في الوقت الذي نجد جملة من المؤلفات عند السنة قديماً وحديثاً حول الإمام المهدي عليه السلام لكنا نجد في الوقت نفسه أن شريحة كبيرة منهم لم تول موضوع الإمام المهدي عليه السلام عناية بحيث يتناسب مع شأنه الكبير، وفضله على الأمة، فهو الذي بشر النبي صلى الله عليه وآله الأمة بظهوره في آخر الزمان فيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فإن الإمام المهدي عليه السلام هو صاحب أكبر نهضة إصلاحية في تأريخ البشر كله حيث تستهدف هذه النهضة استئصال جذور الشر، وإرساء حياة كريمة يعيش فيها جميع الشعوب بعزة وكرامة لا مثيل لها في دنيا الحياة..
فإنا نرى نهضة كبرى كهذه لم تعطى حقّها من البحث والكتابة لدى الكثير منهم! فلم يولوا هذا الموضوع عناية كسائر المواضيع الإسلامية الأخرى، ولم يعطوه أهمية كبرى تنسجم مع ما سُطر في كتبهم من أخبار وأحاديث هائلة جداً تناولت ملامح من سيرته وحكمه ودولته المباركة! كما أنهم وبشكل عام لا يتطرقون إلى التعريف أوالتنويه به لا في المناهج الدراسية، ولا في خطب الجمعه، ولا في وسائل الإعلام عندهم، مما يبعث على الاستغراب والتعجب!!.
وبعكس ما عند الشيعة الإمامية تماماً من الإهتمام البالغ بهذا الأمر، والذي ظهر بشكل واضح جلي في كتاباتهم وخطبهم، ووسائل الإعلام عندهم، فهم يلهجون بذكره، ويسمون أبناءهم باسمه كثيراً لشدة تعلقهم به وحبهم له عليه السلام، كما أن كتب الشيعة الإمامية حول الإمام المهدي عليه السلام لا تحصى كثرة، وتفوق كثيراً جداً ماكتبه سائر المذاهب الإسلامية في ذلك، وخصوصاً في هذا العصر، وهذا أمر واضح.
كما أن هناك أيضاً جوانب في حياة الإمام المهدي عليه السلام واجهت تعتيماً واضحاً من لدن بعض كتاب السنة وسوف نشير إلى بعضها قريباً، كما أن بعض الكتابات الأخرى عندهم أخذت تنحو منحىً سلبياً! وتبذل جهوداً فقط في معارضة الشيعة حول عقيدتهم في الإمام المهدي عليه السلام، ولم يتفهموها بحق.
يقول الأستاذ فيصل الدويسان الكويتي في سبب تشيعه: الشرارة الأولى انطلقت للتشيع عام ١٩٧٩(٥٨٧) عندما دخل الجهيمان(٥٨٨) الحرم المكي وأعلن من هناك أنه يقدم المهدي المنتظر محمد بن عبد الله القحطاني، أذكر أني سألت سؤالاً من هو المهدي المنتظر؟ أول مرة أسمع بلفظة المهدي المنتظر! فقيل لي: أنه رجل يخرج في آخر الزمان، ويصلي خلفه النبي عيسى عليه السلام، قلت: رجل بهذه العظمة ولم نسمع به؟! فأمره جداً خطير! من ذلك اليوم وأنا أبحث عن المهدي المنتظر في كتب أهل السنة والجماعة، فقرأت فإذا هو رجل جليل القدر، عظيم المكانة، له إنجازات كثيرة، وصلاح حال الأمة يكون على يديه، فقرأت.. قرأت.. قرأت.. حتى نضبت مصادر السنة في هذا الموضوع، فذهبت إلى مصادر الشيعة في هذا الموضوع فوجدت فيها بحثاً طويلاً عريضاً، ووجدت أن الشيعة والسنة يشتركان في وجود هذا الرجل، وفي علامات ظهور هذا الرجل، حتى بدأت القراءات تنتشر، وأول مرة أسمع أئمة غير الأئمة الذين عرفناهم غير أئمة بني أمية، وبني العباس، والأيوبيين، والمماليك، بعد ذلك وجدت أنهم نعم الأئمة..
إلى أن يقول:.. نحن أهل السنة والجماعة نخفي أمر المهدي بهذه الطريقة حتى أنا عندما سألت من هو المهدي؟ فقيل لي: رجل يخرج في آخر الزمان! بهذه الطريقة، فقلت: رجل بهذه المكانة! رجل يجب أن يكون له مكان في كتبنا، وبالتالي أنا عبت على مذهبنا منذ سنة ١٣٧٩هـ إخفاء حقيقة المهدي المنتظر، ووجدت من يشبع في هذا الشأن هو مذهب الشيعة الإمامية.
أقول: وما ذكره الدويسان حقيقة لا يمكن تجاهلها! فإن هناك تغييباً كاملاً لسيرة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام عندهم، سواء في المناهج الدراسية أوفي وسائل إعلامهم، فلم يتم التعريف بهم بالشكل اللائق مع مكانتهم السامية، ومنزلتهم العظيمة عند الله تعالى ورسوله المصطفى صلى الله عليه وآله، مما ينم عن تقصير مقصود!! وكذلك التعتيم على ظلاماتهم وما جرى عليهم من قتل واضطهاد وإقصاء في الأمة لا مثيل له في تأريخ البشر كله!.
ومثل هذه الشهادة أيضاً ما جاء على لسان مفتي سورية الشيخ أحمد حسون إذ يقول في خطبة له مسجلة: واسمحوا لي أقولها بكل صدق! عشرات من السنين وأنا على مقعد الدراسة، لا أسمعها من أستاذ لي أن يوم عاشوراء كانت فيه مأساة الأمة الإسلامية! لماذا كانوا يخفون عنّا ذلك ؟ سامحهم الله! قال: خوفاً من أن نتأثر فنتشيع.. خوفاً ؟!!.
هل تُخبأ الحقائق خوفاً من المذاهب؟ هل نكتم الحقيقة حتى لا نقوّي مذهباً على مذهب ؟!!.
دعونا من ذلك أيها السادة ! فقد مضى زمان يستعمل فيه الدين متكئاً لسياسة الأشخاص، وقد مضى الزمن الذي يستغله من سمي بأمير المؤمنين ظلماً ليعيث في الأرض فساداً.. الخ.
وكلام الشيخ أحمد هذا أيضاً هو الآخر شهادة حق على واقع الحال الذي يعيشه أكثر الناس في سبات التضليل والخداع، وحينما تتكشف الحقائق ويتضح الحال لأهل البصائر يتغير كلُّ شيء..!
وإليك هنا أيضاً شهادة ثالثة من بعض كتاب السنة على ما قدمناه كي لا نتهم في هذا الموضوع !! ولترى صحة ما قدمناه آنفاً.
جاء في كتاب الإنتصار للشيخ علي الكوراني العاملي الذي جمع فيه ما جاء من محاوارات ومناظرات بين الشيعة والسنة في شبكات الأنترنيت تحت عنوان: (وشهد شاهد من أهلها)! قال: فقد نشرت شبكة (القلعة) الناصبية موضوعاً كتبه المدعو (عبد رب الرسول) بتاريخ ٣ - ٢ - ٢٠٠١، الثانية صباحاً، موضوعاً بعنوان (السبب الرئيسي لتشيع بعض أهل السنة.. يجب تداركه) قال: لا شك أن لآل بيت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فضائل وردت في كثير من أحاديث النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم، وكذلك في كتاب الله، النقطة التي أريد أن أقولها هي: أنه يوجد تجاهل نوعاً ما لآل بيت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم، ولا أدري لماذا؟! فأنا طوال عمري في دراستي سواء في المدرسة، أو في الجامعة، أو في المحاضرات، أو الخطب، أو الدروس، أو غير ذلك (مع أني خريج كلية شرعية).. نادراً ما سمعت ذكراً لفضائل آل بيت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم!! لقد كان هذا التجاهل أعظم سلاح استخدمه الرافضة في الدعوة لمذهبهم، فهم يأتون بأحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في فضائل آل البيت، مثل حديث الثقلين، وحديث الغدير، وأحاديث أخرى كثيرة، كلها صحيحة.. إلى أن يقول: وخلاصة كل ما قلت هو: لماذا لا يسمع عوام الناس أحاديث فضائل آل البيت مع شروحها من أهل السنة، قبل أن يسمعوها من الرافضة مع استدلالاتهم، فيلقون بها الشبه في قلوبهم! وهو ما أدى فعلاً إلى سلوك بعض أهل السنة طريق الرفض؟!.(٥٨٩)
وعلى كل حال، هذا غيض من فيض من تلك الشواهد والاعترافات الكثيرة على تجاهلهم وجهلهم بأهل البيت عليهم السلام، والأخ الكاتب (عبد رب الرسول) هو واحد من هؤلاء الذين يجهلون حقيقة ومقام أهل البيت عليهم السلام، ولذا لما لم يستوعب نتائج هذه الأحاديث الشريفة والتي أشار إليها في معرض كلامه، وما تقتضيه من وجوب موالاتهم، والسير على منهاجهم عدّ قولنا بذلك من الشُّبه!!
وهذا التجاهل لتأريخ أهل البيت عليهم السلام ومقامهم الشريف ليس بالأمر الجديد عند أمثال هؤلاء، وإنما ورثوه قديماً كما تجاهل من قبلهم البخاري ومن حذى حذوه ممن لم يعطوا أهمية لذكر فضائل أهل البيت عليهم السلام وتأريخهم المشرق.
ومن ذلك إهماله تلك الأخبار الكثيرة التي وردت في ظهور الإمام المنتظر عليه السلام، ومن هنا ورث هؤلاء هذه التركة البغيضة! حتى وجدنا بعضهم قد بالغ في جحود هذه العقيدة حتى أنكرها بالمرة، وعدّها عقيدة شيعية بحتة! لا علاقة للسنة بها (٥٩٠) وهذه محاولة واهية يراد منها صرف هذا الشرف العظيم عن أهل البيت عليهم السلام ليس إلا !!
فهناك أمور حول الإمام المهدي عليه السلام حاول بعض السنة التعتيم عليها بشكل ملحوظ - وهذا التعتيم له أسبابه عندهم - : فمن أبرزها:
إن الإمام المهدي عليه السلام هو من أهل البيت عليهم السلام، ومن ولد فاطمة عليها السلام، وقد حدّدت الروايات الشريفة أنه من ولد الحسين عليه السلام، والكل يعلم أن هذا التأريخ المشرق واجه ألوان من الحروب العاتية، ومنها الحرب الإعلامية، التي استهدفت التعتيم عليهم، وقلب الحقائق خصوصاً من لدن بني أمية وأتباعهم الذين لايخلو منهم زمان حتى زماننا هذا!.
فأمثال هؤلاء لايولون أخبار المهدي عناية! وليس الأمر من اهتماماتهم، ولايعنيهم شأن هذا المصلح العظيم ! بل يرون أنه ليس من مصلحتهم إثارة مايرتبط بهذا الإمام من الأحاديث والأخبار.
ومن الأمور التي واجهت تعتيماً واضحاً أيضاً:
هو: زعمهم أن الإمام المهدي، هو: المهدي بن عبد الله، مع أن الثابت هو أنه المهدي بن الحسن العسكري عليه السلام كما اعترف بذلك بعض علمائهم، ويتشبثون في ذلك بروايات ضعيفة ملفقة كل ذلك فراراً من الإعتراف بأئمة أهل البيت عليهم السلام.
وكذلك أيضاً دعواهم أن الإمام المهدي عليه السلام من ولد الحسن عليه السلام، وليس من ولد الحسين عليه السلام، وقد تمسكوا في ذلك برواية شاذة تقول أنه من ولد الحسن عليه السلام.(٥٩١)
وهذا التعتيم أيضاً كسابقه يراد منه إخراج الإمام المهدي من دائرة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام الذين نصّ عليهم الرسول صلى الله عليه وآله وعده شخصاً آخر خارجاً عنهم لا يمت إليهم بصلة، مع أن الثابت بالأدلة كونه الإمام التاسع من ولد الحسين عليه السلام، والذي عليه إجماع أهل البيت عليهم السلام، كما ذكر ذلك أيضاً بعض علمائهم كما أشرنا إلى ذلك في محله من هذا الكتاب.
ونرى أيضاً أن من أسباب هذا التعتيم هو: الخوف الشديد من أن يتعرف الناس على نتائج فكرية تخالف أهواءهم حينما يتعرفون على حقيقة تأريخ الإمام المهدي عليه السلام وخصائصه الشريفة، فتنتج من ذلك حقائق عن أهل البيت عليهم السلام لا يريدون الإقرار بها أو التعرف عليها، إذ سوف تفتح عليهم أبواباً حينئذٍ يعسر بعد ذلك غلقها لما لها من مردود فكري شيعي، فمنها:
إن أخبار الإمام المهدي عليه السلام وملابساتها تفتح الآفاق على موضوع الإمامة التي هي باصطفاء من الله تعالى، والتي منها أيضاً إثارة الحديث في إمامة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السلام.
ومنها: إن هذا الإمام المصلح المهدي عليه السلام سيتخذ الكوفة في العراق عاصمة لدولته، ومحلاً لسكناه، ومنطلقاً لإدارة العالم كله، فسوف تكون هذه البلدة المركز الرئيسي للعالم الإسلامي، والمعروف قديماً وحديثاً أن سكانها هم من شيعة أهل البيت عليهم السلام، فهي بلدة شيعية خالصة، فقد جاء في الأخبار أن من هذه البلدة رفقاءه، فلماذا اختصت به هذه البلدة الشيعية دون غيرها من سائر البلادين الأخرى التي يقطنها السنة؟!.
فمن ذلك هو ما ورد عن فطر، عن أبي الطفيل، قال: سمعت علياً عليه السلام يقول: إذا قام قائم آل محمد جمع الله له أهل المشرق وأهل المغرب، فيجتمعون كما يجتمع قزع الخريف، فأما الرفقاء فمن أهل الكوفة، وأما الأبدال فمن أهل الشام.(٥٩٢)
كما أن الذين سوف ينصرونه أيضاً ويدعون له هم من أهل خراسان، وهي بلاد شيعية قديماً وحديثاً، فقد جاء في بعض الروايات: (يخرج أهل خراسان في طلب المهدي فيدعون له وينصرونه).(٥٩٣)
كما أن الدجال الذي يخرج لقتال الإمام المهدي عليه السلام أول ما يقصد من المدن هي الكوفة، فقد جاء عن سلمة بن كهيل، عن أبي صادق، عن عبد الله قال: أول أهل أبيات يفزعهم الدجال أهل الكوفة(٥٩٤) وهنا يطرح هذا السؤال: فلماذا بالذات الكوفة دون غيرها من سائر البلاد؟! وهذا ما يدل على أن الكوفة تشكل رعباً لأعداء أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم، وذلك بما تكنه هذه البلدة من ولاء وتشيع لعترة النبي صلى الله عليه وآله.
كما أن العدو اللدود السفياني الأموي الذي يخرج هو الآخر أيضاً لقتال الإمام المهدي عليه السلام أول ما يستهدفه أيضاً من المدن هي الكوفة، وما ذلك إلا لكونها المركز الرئيسي للتشيع في العالم كله، وفيها شيعة أهل البيت عليهم السلام، كما أنها سوف تكون عاصمة لدولة الإمام المهدي عليه السلام، ولذا تكون هذه المدينة هدفاً لمطامعه، ونواياه السيئة، فقد ورد أن السفياني يدخل الكوفة، ويقتل فيها أعوان آل محمد وشيعتهم، فمن ذلك ما رواه الحاكم في المستدرك عن أبي رومان، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: (يظهر السفياني على الشام.. إلى أن قال: وتقبل خيل السفياني ويقتلون شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله بالكوفة، ثم يخرج أهل خراسان في طلب المهدي).(٥٩٥)
وروي أيضاً عن ابن زرير، عن عمار بن ياسر قال: إذا بلغ السفياني الكوفة وقتل أعوان آل محمد خرج المهدي على لوائه...(٥٩٦)
وفي رواية أخرى: (وتقبل خيل السفياني كالليل والسيل، فلا تمر بشيء إلا أهلكته وهدمته حتى يدخلوا الكوفة فيقتلون شيعة آل محمد صلى الله عليه وآله، ثم يطلبون أهل خراسان في كل وجه، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي فيدعون له وينصرونه.(٥٩٧)
وقد جاء في الروايات: أن السفياني عثمان بن عنبسه هو من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان.. يخرج من ناحية مدينة دمشق في واد يقال له الوادي اليابس...(٥٩٨)
ونفهم من مجمل هذه الأخبار أن الحملة التي تقود الحرب والقتال نحو الإمام المهدي عليه السلام هي حملة أموية خالصة، وعلى ما يبدو أن السفياني وأتباعه سوف يكونون في بداية أمرهم القوة الضاربة دون غيرهم، ومن المعلوم أن السفياني لا يخرج للقتال بوحده، وإنما يخرج ومعه أتباع وأنصار كُثر يتبنون طريقته الأموية وفكره المنحرف، وهذا الخط بلا شك هو الخط المعادي لخط أهل البيت عليهم السلام والذين عرفوا بنصبهم وعدواتهم لهم، وإلا ماهو تفسير سبب قتال السفياني وأتباعه للإمام المهدي عليه السلام ومحاربتهم له، وهو الإمام المصلح من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، ولماذا يقصد بالذات الكوفة وخراسان - وهما بلدتان شيعيتان - دون غيرهما من سائر البلاد الإسلامية؟!
وهؤلاء أعني أتباع بني أمية والسفياني لايخلو منهم زمان، وعلامتهم الدفاع عن بني أمية، وتبني أفكارهم وعقائدهم!!
وهذه الأسرة أسرة أبي سفيان عرفت منذ القدم ببغضها وكراهيتها لعترة النبي صلى الله عليه وآله، ولا عجب في ذلك فقد ورثوا البغضاء أباً عن جد.
هذا وقد جاءت صفة السفياني في بعض الأخبار كما في كتاب الفتن لنعيم بن حماد، عن الحارث بن عبد الله قال: يخرج رجل من ولد أبي سفيان في الوادي اليابس في رايات حمر، دقيق الساعدين والساقين، طويل العنق، شديد الصفرة، به أثر العبادة.(٥٩٩)
وهذه إحدى الإشارات الواضحة، والدلائل الناصعة أن السفياني يري الناس أنه متدين وعابد، فيأخذ الإسلام ذريعة للتغطية على جرائمه، وكي يخدع الناس بمكره وحيله! كما هو شأن الدجالين والضالين عن طريق الحق.
إلى غير ذلك من الأمور التي تنتج وتتمخض من جملة هذه الأخبار الخاصة بالإمام المهدي عليه السلام والتي يخافون من إثارتها.
قال بعض الكتاب في بعض مواقع الأنترنيت تحت عنوان (الكثير من الوهابية يتجاهلون قضية الإمام المهدي عليه السلام) فقال بتلخيص منا: الكثير من الوهابية يتجاهلون قضية الإمام المهدي عليه السلام يريدون صنع تغطية إعلامية كبرى عليها، وذلك لأن ذكر المهدي عليه السلام يعني تحطيم يوم السقيفة! لأن نشر خبر المهدي والتمهيد له عليه السلام يعني إسقاط مذاهب بكاملها، وإعلان أحقية مذهب واحد فقط!!
روى الحاكم النيسابوري عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقاتلونكم قتالاً لم يقاتله قوم، ثم ذكر شيئاً فقال: إذا رأيتموه فبايعوه، ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.(٦٠٠)
فأين إذن هي الشورى، فهل خلافة الإمام المهدي عليه السلام شورى أم نصٌّ من الله تعالى؟!، فإنا نجد في هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد حدّد شخصاً واحداً فقط، وقد عيّنه، وأمر ببيعته فوراً وهو الإمام المهدي عليه السلام وأطلق عليه خليفة الله، فإذن هي ليست عن طريق الشورى، وذلك لأن المهدي اختاره الله تعالى وهذا يعني أن خلافته بنص منه تعالى، ولذا أطلق عليه النبي صلى الله عليه وآله (خليفة الله المهدي)، وبمجرد رؤيته وجب فوراً بيعته، فليس إذن اختيار الخليفة بيد الناس، فعلى هذا أن خليفة الله المهدي لا ينطبق إلا على المهدي الذي تعتقد الشيعة بإمامته، وأنه يخرج في آخر الزمان، وأنه المنصوص عليه من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله، ولا شأن للناس في إمامته وتعيينه!
فالخلاصة: أقول: من هنا لا يروق لهؤلاء وأمثالهم أن يتعرف الناس على تأريخ الإمام المهدي عليه السلام الذي هو في الواقع لا يمكن التفكيك بينه وبين تأريخ آبائه وأجداده الأئمة من أهل البيت عليهم السلام فنراهم يعتمون على ذلك كله، ولا يظهرونه بالشكل اللائق به.

الفصل الثالث: البشارة بالإمام المهدي عليه السلام وولادته ونشأته في حياة أبيه والنص عليه بالإمامة وخصاله وخصائصه الشريفة

البشارات بالإمام المهدي عليه السلام
بشارة النبي صلى الله عليه وآله بالإمام المهدي عليه السلام
لقد جاءت البشارات بظهور الإمام المهدي عليه السلام في آخر الزمان على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام(٦٠١) وأنه سوف يملاء الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وهي كثيرة جداً من طرق الخاصة والعامة, وهنا نستعرض بعض الأحاديث الشريفة التي بشرت بظهوره عليه السلام، وأنه الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام، فمن ذلك مارواه محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في كتاب دلائل الإمامة، والشيخ الصدوق في كتاب كمال الدين، بأسانيدهما عن النبي صلى الله عليه وآله، فمنها ما يلي:
١ - عن عبد الله بن مسعود، قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم، إذ أقبل فتية من بني عبد المطلب، فلما نظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله اغرورقت عيناه، فقلنا: يا رسول الله، لا نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه؟ قال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتطريداً وتشريداً، حتى يجيء قوم من هاهنا - وأشار بيده إلى المشرق - أصحاب رايات سود، يسألون الحق فلا يعطونه - حتى أعادها ثلاثاً - فيقاتلون فينصرون، ولا يزالون كذلك حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، فيملأها قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، فمن أدركه منكم فليأته ولو حبواً على الثلج.
٢ - عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كيف تهلك أمة أنا أولها، وعيسى بن مريم في آخرها، والمهدي من أهل بيتي في وسطها؟!
٣ - عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده، إن مهدي هذه الأمة الذي يصلي خلفه عيسى منا، ثم ضرب منكب الحسين عليه السلام، وقال: من هذا، من هذا.
٤ - عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه عليهما السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال لفاطمة صلوات الله عليها: المهدي من ولدك.
٥ - عن عبد الله بن مسعود، قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله إذ مرّ فتية من بني هاشم، كأن وجوههم المصابيح، فبكى النبي صلى الله عليه وآله فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال إنا أهل بيت قد اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنه سيصيب أهل بيتي قتل وتطريد وتشريد في البلاد، حتى يتيح الله لنا راية تجيء من المشرق، من نصرها نصر، ومن يشاقها يشاق، ثم يخرج عليهم رجل من أهل بيتي اسمه كاسمي، وخلقه كخلقي، تؤوب إليه أمتي كما تؤوب الطير إلى أوكارها، فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.
٦ - عن الإمام الصادق جعفر بن محمد عليه السلام، عن أبيه، عن جده الحسين، وعن عمه الحسن، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال لي: يا علي، إذا تمّ من ولدك أحد عشر إماماً، فالحادي عشر منهم المهدي من أهل بيتي.
٧ - عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: إذا توالت ثلاثة أسماء من الأئمة من ولدي: محمد وعلي والحسن، فرابعها هو القائم المأمول المنتظر.
٨ - عن سلمان رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله (تبارك وتعالى) لم يبعث نبياً ولا رسولاً إلا جعل له اثني عشر نقيباً. فقلت: يا رسول الله، لقد عرفت هذا من أهل الكتابين.
فقال: يا سلمان: هل علمت من نقبائي ومَنْ الاثنا عشر الذين اختارهم الله للأمة من بعدي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم.
فقال: يا سلمان، خلقني الله من صفوة نوره، ودعاني فأطعته، وخلق من نوري علياً، ودعاه فأطاعه، وخلق من نور علي فاطمة، ودعاها فأطاعته، وخلق مني ومن علي وفاطمة: الحسن، ودعاه فأطاعه، وخلق مني ومن علي وفاطمة: الحسين، فدعاه فأطاعه، ثم سمانا بخمسة أسماء من أسمائه، فالله المحمود وأنا محمد، والله العلي وهذا علي، والله الفاطر وهذه فاطمة، والله ذو الإحسان وهذا الحسن، والله المحسن وهذا الحسين، ثم خلق منا ومن نور الحسين، تسعة أئمة، فدعاهم فأطاعوه، قبل أن يخلق سماء مبنية، وأرضاً مدحية، ولا ملكاً ولا بشراً، وكنا نوراً نسبح الله، ونسمع له ونطيع.
قال سلمان: فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فما لمن عرف هؤلاء؟
فقال: يا سلمان، من عرفهم حقّ معرفتهم، واقتدى بهم، ووالى وليّهم، وتبرأ من عدوهم، فهو والله منا، يرد حيث نرد، ويسكن حيث نسكن. فقلت: يا رسول الله، وهل يكون إيمان بهم بغير معرفة بأسمائهم وأنسابهم؟ فقال: لا يا سلمان، فقلت: يا رسول الله، فأنى لي بهم وقد عرفت إلى الحسين؟
قال: ثم سيد العابدين علي بن الحسين، ثم ابنه محمد بن علي باقر علم الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين، ثم ابنه جعفر بن محمد لسان الله الصادق، ثم ابنه موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبراً في الله (عزَّ وجلَّ)، ثم ابنه علي بن موسى الرضي لأمر الله، ثم ابنه محمد بن علي المختار من خلق الله، ثم ابنه علي بن محمد الهادي إلى الله، ثم ابنه الحسن بن علي الصامت الأمين لسرّ الله، ثم ابنه محمد بن الحسن الهادي المهدي الناطق القائم بحق الله.
ثم قال: يا سلمان، إنك مدركه(٦٠٢) ومن كان مثلك، ومن تولاه بحقيقة المعرفة، قال سلمان: فشكرت الله كثيراً، ثم قلت: يا رسول الله وإني مؤجل إلى عهده؟ قال: يا سلمان إقرأ (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا).(٦٠٣)
قال سلمان: فاشتدّ بكائي وشوقي، ثم قلت: يا رسول الله، أبعهد منك؟ فقال: إي والله، الذي أرسل محمداً بالحق، مني ومن علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة، وكلّ من هو منا ومعنا، ومضام فينا، إي والله يا سلمان، وليحضرن إبليس وجنوده، وكلّ من محّض الإيمان محضاً، ومحّض الكفر محضاً، حتى يؤخذ بالقصاص والأوتار، ولا يظلم ربك أحدا، ويحقق تأويل هذه الآية: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).(٦٠٤)
قال سلمان: فقمت من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وما يبالي سلمان متى لقي الموت، أو الموت لقيه.(٦٠٥)
٩ - الشيخ الصدوق بالإسناد: عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن خلفائي وأوصيائي، وحجج الله على الخلق بعدي اثنا عشر: أولهم أخي وآخرهم ولدي، قيل: يا رسول الله ومن أخوك؟ قال: علي بن أبي طالب، قيل: فمن ولدك؟ قال: المهدي الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحق نبياً لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه، وتشرق الأرض بنوره، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب.
١٠ - الشيخ الصدوق بالإسناد: عن الأصبغ بن نباته، عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون.
١١ - الشيخ الصدوق بالإسناد: عن عباية بن ربعي، عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا سيد النبيين، وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين، وإن أوصيائي بعدي اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم عليهم السلام.(٦٠٦)
بشارة الإمام الصادق عليه السلام بالإمام المهدي عليه السلام
قد ورد الكثير من الروايات عن الإمام الصادق عليه السلام في البشارة بالإمام المهدي عليه السلام، وأمر غيبته وخروجه(٦٠٧) وجاء في روضة الواعظين أن الإمام الصادق عليه السلام كثيراً ما يقول:

لكلّ أناس دولةٌ يرقبونها * * * ودولتنا في آخر الدهر تظهرُ(٦٠٨)

وروى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى عن أبي إبراهيم الكوفي قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فكنت عنده إذ دخل عليه أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام وهو غلام فقمت إليه وقبلت رأسه، وجلست فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا إبراهيم أما إنه صاحبك من بعدي، يخرج الله تبارك وتعالى من صلبه تكملة اثني عشر مهدياً، واختصهم الله بكرامته، وأحلهم دار قدسه, المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يذب عنه.
فدخل رجل من موالي بني أمية فانقطع الكلام، وعدت إلى أبي عبد الله عليه السلام خمس عشرة مرة أريد استتمام الكلام فما قدرت على ذلك، فلما كان من قابل دخلت عليه وهو جالس فقال لي: يا أبا إبراهيم، هو المفرج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد، وبلاء طويل وجور، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان، حسبك الله يا أبا إبراهيم، قال أبو إبراهيم: فما رجعت بشيء أسر إليَّ من هذا، ولا أفرح لقلبي منه.(٦٠٩)
إلى غير ذلك من الروايات الشريفة في هذا الباب، وهي كثيرة جداً.
بشارة الإمام الرضا بالإمام المهدي عليهما السلام وقصيدة دعبل
روى ابن شهر آشوب رحمه الله تعالى: لما أنشد دعبل الخزاعي الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام قصيدته: أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً.. وساق القصيدة إلى أن انتهى إلى قوله: وقبر ببغداد لنفس زكية.. قال الرضا عليه السلام: أفلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟
قال: بلى يا ابن رسول الله، فقال عليه السلام:

وقبر بطوسٍ يا لها من مصيبةٍ * * * ألحّت بها الأحشاءُ بالزفراتِ
إلى الحشر حتى يبعث اللهُ قائماً * * * يفرجُ عنّا الهّمَ والكرباتِ

فقال دعبل: يا ابن رسول الله هذا الذي بطوس قبر من هو؟ قال: قبري، ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري.
فلما انتهى إلى قوله:

خروجُ إمام لا محالة واقعٌ * * * يقومُ على اسم الله والبركاتِ
يميز فينا كلّ حقٍ وباطلٍ * * * ويجزي على النعماءِ والنقماتِ

قال الرضا عليه السلام: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين.
وفي رواية: رزقك الله رؤيته وحشرك في زمرته.
قال: فحباه بمائة دينار، فردّ الصرة، وسأل ثوباً من ثياب الرضا عليه السلام ليتبرك به ويتشرف، فأنفذ إليه بجبة خز مع الصرة، وقال للخادم: قل له: خذ هذه الصرة، فإنك ستحتاج إليها، ولا تراجعني فيها. فانصرف دعبل...(٦١٠)
وأخرج شيخ الإسلام أبو إسحاق الحموي، عن أحمد بن زياد، عن دعبل الخزاعي، قال: أنشدت قصيدة لمولاي علي الرضا رضي الله عنه:

مدارسُ آياتٍ خلت من تلاوةٍ * * * ومنزلُ وحيٍّ مقفر العرصاتِ

إلى أن قال دعبل: ثم قرأت باقي القصيدة فلما انتهيت إلى قولي:

خروجُ إمامٍ لا محالة واقعٌ * * * يقومُ على اسم اللهِ والبركاتِ

بكى الرضا بكاء شديداً ثم قال: يا دعبل نطق روح القدس بلسانك أتعرف من هذا الإمام؟! قلت: لا، إلا أني سمعت خروج إمام منكم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
فقال عليه السلام: إن الإمام بعدي ابني محمد، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم، وهو المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وأما متى يقوم فإخبار عن الوقت! لقد حدثني أبي، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلا بغتة.(٦١١)

قيام الإمام الرضا عليه السلام عند ذكر الحجة عليه السلام
في مشكاة الأنوار ومؤجج الأحزان: روي أنه لما قرأ دعبل قصيدته على الرضا عليه السلام وذكر الحجة عجل الله فرجه بقوله:

فلولا الذي أرجوه في اليوم أو غدٍ * * * تقطّع نفسي إثرهم حسراتي
خروجُ إمام لا محالة خارجٌ * * * يقوم على اسم اللهِ والبركاتِ

وضع الرضا عليه السلام يده على رأسه، وتواضع قائماً، ودعى له بالفرج, وحكاه عن المشكاة صاحب الدمعة الساكبة وغيره.(٦١٢)
ولادة الإمام المهدي عليه السلام
كلام بعض الأعلام في ولادة الإمام عليه السلام
قال الشيخ المفيد رحمه الله تعالى: وكان الإمام بعد أبي محمد عليه السلام ابنه المسمى باسم رسول الله صلى الله عليه وآله، المكنى بكنيته، ولم يخلف أبوه ولداً غيره ظاهراً ولا باطناً، وخلّفه غائباً مستتراً على ما قدمنا ذكره، وكان مولده عليه السلام ليلة النصف من شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين.
وكان سنّه عند وفاة أبي محمد خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة وفصل الخطاب، وجعله آية للعالمين، وآتاه الحكمة كما آتاها يحيى صبياً، وجعله إماماً في حال الطفولية الظاهرة كما جعل عيسى بن مريم عليه السلام في المهد نبيا.(٦١٣)
قال الشهيد رحمه الله في الدروس: ولد عليه السلام بسرّ من رأى يوم الجمعة ليلاً خامس عشر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين.(٦١٤)
وقال العلامة المجلسي رحمه الله تعالى: عن الشيخ في المصباحين والسيد ابن طاووس في كتاب الإقبال، وسائر مؤلفي كتب الدعوات، ولادته عليه السلام في النصف من شعبان، وقال: في الفصول المهمة(٦١٥): ولد عليه السلام بسرّ من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين.(٦١٦)
بركة الليلة التي ولد فيها الإمام عليه السلام
روى الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى بالإسناد عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام يقول: إن في الليلة التي يولد فيها الإمام لا يولد مولود إلا كان مؤمناً، وإن ولد في أرض الشرك نقله الله إلى الإيمان ببركة الإمام عليه السلام.(٦١٧)
وقال الشيخ المجلسي رحمه الله تعالى: نُقل من خط الشهيد رحمه الله تعالى عن الإمام الصادق عليه السلام قال: إن الليلة التي يولد فيها القائم عليه السلام لا يولد فيها مولود إلا كان مؤمناً...(٦١٨)
أمّ الإمام عليه السلام
قال الشيخ المفيد رحمه الله تعالى: وأمه عليها السلام أم ولد، يقال لها: نرجس.(٦١٩)
وقال الشهيد رحمه الله في الدروس: ولد عليه السلام بسرّ من رأى يوم الجمعة ليلاً خامس عشر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين, وأمه عليها السلام صقيل، وقيل: نرجس.(٦٢٠)
وروى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى: عن محمد بن يحيى العطار، قال: حدثني أبو علي الخيزراني، عن جارية له كان أهداها لأبي محمد عليه السلام فلما أغار جعفر الكذاب على الدار جاءته فارَّةً من جعفر، فتزوج بها، قال أبو علي: فحدثتني أنها حضرت ولادة السيد عليه السلام، وأن اسم أم السيد صقيل، وأن أبا محمد عليه السلام حدثها بما يجري على عياله، فسألته أن يدعو الله عزَّ وجلَّ لها أن يجعل منيتها قبله، فماتت في حياة أبي محمد عليه السلام وعلى قبرها لوح مكتوب عليه: هذا قبر أمّ محمد.
قال أبو علي: وسمعت هذه الجارية تذكر أنه لما ولد السيد عليه السلام رأت لها نوراً ساطعاً قد ظهر منه وبلغ أفق السماء، ورأيت طيوراً بيضاء تهبط من السماء، وتمسح أجنحتها على رأسه ووجهه وسائر جسده، ثم تطير، فأخبرنا أبا محمد عليه السلام بذلك فضحك، ثم قال: تلك ملائكة نزلت للتبرك بهذا المولود وهي أنصاره إذا خرج.(٦٢١)
ولادة الإمام المهدي عليه السلام برواية حكيمة عليها السلام
روى الشيخ الصدوق: عن موسى بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: حدثتني حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، قالت: بعث إليَّ أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام فقال: يا عمة اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا فإنها ليلة النصف من شعبان، فإن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة، وهو حجته في أرضه.
قالت: فقلت له: ومن أمه؟ قال لي: نرجس، قلت له: جعلني الله فداك ما بها أثر؟! فقال: هو ما أقول لك، قالت: فجئت، فلما سلّمت وجلست جاءت تنزع خفي، وقالت لي: يا سيدتي وسيدة أهلي كيف أمسيت؟ فقلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي، قالت: فأنكرت قولي وقالت: ما هذا يا عمة؟ قالت: فقلت لها: يا بنية إن الله تعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاماً سيداً في الدنيا والآخرة، قالت: فخجلت واستحيت!
فلما أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرت وأخذت مضجعي فرقدت، فلما أن كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث ثم جلست معقبة، ثم اضطجعت، ثم انتبهت فزعة وهي راقدة، ثم قامت فصلّت ونامت.
قالت حكيمة: وخرجت أتفقد الفجر فإذا أنا بالفجر الأول كذنب السرحان وهي نائمة فدخلني الشكوك، فصاح بي أبو محمد عليه السلام من المجلس فقال: لا تعجلي يا عمة فهاك الأمر قد قرب، قالت: فجلست وقرأت ألم السجدة ويس، فبينما أنا كذلك إذ انتبهت فزعة! فوثبت إليها، فقلت: اسم الله عليك، ثم قلت لها: أتحسين شيئاً؟ قالت: نعم يا عمة، فقلت لها: اجمعي نفسك، واجمعي قلبك فهو ما قلت لك.
قالت: فأخذتني فترة وأخذتها فترة فانتبهت بحس سيدي فكشفت الثوب عنه، فإذا أنا به عليه السلام ساجداً يتلقى الأرض بمساجده، فضممته إليَّ فإذا أنا به نظيف متنظف فصاح بي أبو محمد عليه السلام هلمي إليَّ ابني يا عمة فجئت به إليه فوضع يديه تحت أليتيه وظهره، ووضع قدميه على صدره، ثم أدلى لسانه في فيه، وأمرّ يده على عينيه وسمعه ومفاصله، ثم قال: تكلم يا بني، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم صلّى على أمير المؤمنين، وعلى الأئمة عليهم السلام إلى أن وقف على أبيه، ثم أحجم.
ثم قال أبو محمد عليه السلام: يا عمة اذهبي به إلى أمه ليسلم عليها وائتني به، فذهبت به فسلّم عليها، ورددته فوضعته في المجلس، ثم قال: يا عمة إذا كان يوم السابع فأتينا قالت حكيمة: فلما أصبحت جئت لأسلم على أبي محمد عليه السلام وكشفت الستر لأتفقد سيدي عليه السلام فلم أره، فقلت: جعلت فداك ما فعل سيدي؟
فقال: يا عمة استودعناه الذي استودعته أم موسى موسى عليه السلام!
قالت حكيمة: فلما كان في اليوم السابع جئت فسلّمت وجلست فقال: هلمي إليَّ ابني، فجئت بسيدي عليه السلام وهو في الخرقة ففعل به كفعلته الأولى، ثم أدلى لسانه في فيه كأنه يغذيه لبناً أو عسلاً، ثم قال: تكلم يا بني، فقال: أشهد أن لا إلا إله الله، وثنى بالصلاة على محمد، وعلى أمير المؤمنين، وعلى الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين حتى وقف على أبيه عليه السلام، ثم تلا هذه الآية: بسم الله الرحمن الرحيم (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).(٦٢٢)
قال موسى: فسألت عقبة الخادم عن هذه؟ فقال: صدقت حكيمة.(٦٢٣)
وفي رواية أخرى عن السيدة حكيمة عليها السلام في حديث لها عن ولادة الإمام عليه السلام قالت: فمضى أبو الحسن عليه السلام وجلس أبو محمد عليه السلام مكان والده، وكنت أزوره كما كنت أزور والده فجاءتني نرجس يوماً تخلع خفي، فقالت: يا مولاتي ناوليني خفك، فقلت: بل أنت سيدتي ومولاتي، والله لا أدفع إليك خفي لتخلعيه، ولا لتخدميني بل أنا أخدمك على بصري! فسمع أبو محمد عليه السلام ذلك فقال: جزاك الله يا عمة خيراً، فجلست عنده إلى وقت غروب الشمس فصحت بالجارية وقلت: ناوليني ثيابي لأنصرف، فقال عليه السلام: لا يا عمتا، بيتي الليلة عندنا فإنه سيولد الليلة المولود الكريم على الله عزَّ وجلَّ الذي يحيى الله عزَّ وجلَّ به الأرض بعد موتها، فقلت: ممن يا سيدي؟ ولست أرى بنرجس شيئاً من أثر الحبل! فقال: من نرجس لا من غيرها.
قالت: فوثبت إليها فقلبتها ظهراً لبطن فلم أر بها أثر حبل، فعدت إليه عليه السلام فأخبرته بما فعلت، فتبسم! ثم قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحبل، لأن مثلها مثل أم موسى عليه السلام لم يظهر بها الحبل، ولم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها، لأن فرعون كان يشقّ بطون الحبالى في طلب موسى عليه السلام، وهذا نظير موسى عليه السلام.
قالت حكيمة: فعدت إليها فأخبرتها بما قال، وسألتها عن حالها، فقالت: يا مولاتي ما أرى بي شيئاً من هذا، قالت حكيمة: فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر وهي نائمة بين يدي لا تقلب جنباً إلى جنب، حتى إذا كان آخر الليل وقت طلوع الفجر وثبت فزعة! فضممتها إلى صدري، وسميت عليها، فصاح إليَّ أبو محمد عليه السلام وقال: اقرئي عليها (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) فأقبلت أقرأ عليها وقلت لها: ما حالك؟ قالت: ظهر بي الأمر الذي أخبرك به مولاي، فأقبلت أقرأ كما أمرني، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ مثل ما أقرأ، وسلَّم عليَّ.
قالت حكيمة: ففزعت لما سمعت! فصاح بي أبو محمد عليه السلام: لا تعجبي من أمر الله عزَّ وجلَّ، إن الله تبارك وتعالى ينطقنا بالحكمة صغاراً، ويجعلنا حجة في أرضه كباراً، فلم يستتم الكلام حتى غيبت عني نرجس، فلم أرها، كأنه ضرب بيني وبينها حجاب! فعدوت نحو أبي محمد عليه السلام وأنا صارخة! فقال لي: ارجعي يا عمة، فإنك ستجدينها في مكانها.
قالت: فرجعت، فلم ألبث أن كشف الغطاء الذي كان بيني وبينها، وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشى بصري! وإذا أنا بالصبي عليه السلام ساجداً لوجهه، جاثياً على ركبتيه، رافعاً سبابتيه، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأن جدي محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله, وأن أبي أمير المؤمنين، ثم عدّ إماماً إماماً إلى أن بلغ إلى نفسه، ثم قال: اللهم انجز لي ما وعدتني، وأتمم لي أمري، وثبّت وطأتي، واملأ الأرض بي عدلاً وقسطاً...(٦٢٤)
وفي رواية الحسين بن حمدان الخصيبي، قال: قالت حكيمة عليها السلام: فلما كان في اليوم السابع جئت فسلمت، ثم جلست فقال عليه السلام: هلمي ابني، فجئت بسيدي وهو في ثياب صفر، ففعل به كفعاله الأول، وجعل لسانه عليه السلام في فيه ثم قال له: تكلم يا بني، فقال عليه السلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وثنى بالصلاة على محمد وأمير المؤمنين والأئمة حتى وقف على أبيه عليه السلام، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).(٦٢٥)
ثم قال له: اقرأ يا بني مما أنزل الله على أنبيائه ورسله، فابتدأ بصحف آدم فقرأها بالسريانية، وكتاب إدريس، وكتاب نوح، وكتاب هود، وكتاب صالح، وصحف إبراهيم، وتوراة موسى، وزبور داود، وإنجيل عيسى، وفرقان جدي رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم قصّ قصص الأنبياء والمرسلين إلى عهده، فلما كان بعد أربعين يوماً دخلت دار أبي محمد عليه السلام فإذا مولانا صاحب الزمان يمشي في الدار، فلم أر وجهاً أحسن من وجهه عليه السلام، ولا لغة أفصح من لغته.
فقال لي أبو محمد عليه السلام: هذا المولود الكريم على الله عزَّ وجلَّ، قلت له: يا سيدي له أربعون يوماً وأنا أرى من أمره ما أرى؟ فقال عليه السلام: يا عمتي، أما علمت أنا معشر الأوصياء ننشؤ في اليوم ما ينشؤ غيرنا في الجمعة، وننشؤ في الجمعة ما ينشؤ غيرنا في السنة؟
فقمت فقبلت رأسه فانصرفت، فعدت وتفقدته فلم أره! فقلت لسيدي أبي محمد عليه السلام: ما فعل مولانا؟ فقال: يا عمة، استودعناه الذي استودعته أمُّ موسى عليه السلام.(٦٢٦)
عقيقة الإمام عليه السلام
عن إبراهيم صاحب أبي محمد عليه السلام أنه قال: وجه إليَّ مولاي أبو الحسن عليه السلام بأربعة أكبش، وكتب إليَّ: بسم الله الرحمن الرحيم (عق) هذه عن ابني محمد المهدي، وكُل - هنأك الله - وأطعم من وجدت من شيعتنا.(٦٢٧)
وفي خبر الصدوق في كمال الدين: أن أبا محمد عليه السلام، أمر بأن يعق عنه (عجل الله تعالى فرجه) بثلثمائة كبش.(٦٢٨)
وروى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى: عن أبي جعفر العمري قال: لما ولد السيد قال أبو محمد عليه السلام: إبعثوا إلى أبي عمرو - أي عثمان بن سعيد - فبعث إليه فصار إليه فقال: اشتر عشرة آلاف رطل خبزاً, وعشرة آلاف رطل لحماً, وفرّقه، أحسبه قال: على بني هاشم، وعقّ عنه بكذا وكذا شاة.(٦٢٩)
وروى أيضاً عن عبد الله بن جعفر الحميري قال: حدثني محمد بن إبراهيم الكوفي إن أبا محمد عليه السلام بعث إلى بعض من سماه لي بشاة مذبوحة، وقال: هذه من عقيقة ابني محمد.(٦٣٠)
الأدلة على ولادة الإمام المهدي عليه السلام
والجدير بالذكر أن نشير هنا: من الكتب القيمة التي تناولت موضوع ولادة الإمام المهدي عليه السلام، ومن شهد بولادته، هو كتاب (المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي إصدار مركز الرسالة) فقد ذكر بحوثاً قيمة في ما يرتبط بذلك تحت هذه العناوين التالية:
١ - إخبار الإمام العسكري بولادة ابنه المهدي عليهما السلام
٢ - شهادة السيدة الطاهرة حكيمة بنت الإمام الجواد وأخت الإمام الهادي وعمة الإمام العسكري عليهم السلام
٣ - من شهد برؤية المهدي من أصحاب الأئمة عليهم السلام وغيرهم.
٤ - رؤية السفراء الأربعة له عليه السلام وغيرهم.
٥ - شهادة الخدم والجواري والإماء برؤية المهدي عليه السلام
٦ - تصرف السلطة دليل على ولادة الإمام المهدي عليه السلام
٧ - اعترافات علماء الأنساب بولادة الإمام المهدي عليه السلام
وجاء فيه تحت هذا العنوان، قال: ولد الإمام الحسن العسكري عليه السلام في شهر ربيع الآخر سنة ٢٣٢ ه‍، وقد عاصر ثلاثة من سلاطين بني العباس وهم: المعتز (ت ٢٥٥هـ)، والمهتدي (ت ٢٥٦هـ)، والمعتمد (ت٢٧٩هـ) وقد كان المعتمد شديد التعصب والحقد على آل البيت عليهم السلام ومن تصفح كتب التاريخ المشهورة كالطبري وغيره، واستقرأ ما في حوادث سنة (٢٥٧هـ) و(٢٥٨هـ) و(٢٥٩هـ) و(٢٦٠هـ)، وهي السنوات الأولى من حكمه، علم مدى حقده على أئمة أهل البيت عليهم السلام.
ولقد عاقبه الله في حياته، إذ لم يكن في يده شيء من ملكه حتى إنه احتاج إلى ثلاثمائة دينار فلم ينلها، ومات ميتة سوء! إذ ضجر منه الأتراك فرموه في رصاص مذاب باتفاق المؤرخين.
ومن مواقفه الخسيسة أمره شرطته بعد وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام مباشرة بتفتيش داره تفتيشاً دقيقا،ً والبحث عن الإمام المهدي عليه السلام والأمر بحبس جواري أبي محمد عليه السلام، واعتقال حلائله يساعدهم بذلك جعفر الكذاب طمعاً في أن ينال منزلة أخيه العسكري عليه السلام في نفوس شيعته، حتى جرى بسبب ذلك - كما يقول الشيخ المفيد - على مخلفي أبي محمد عليه السلام كلّ عظيمة من اعتقال، وحبس، وتهديد، وتصغير، واستخفاف، وذل.(٦٣١)
كلّ هذا والإمام المهدي في الخامسة من عمره الشريف، ولا يهم المعتمد العباسي العمر بعد أن عرف أن هذا الصبي هو الإمام الذي سيهد عرش الطاغوت، نظراً لما تواتر من الخبر بأن الثاني عشر من أهل البيت عليهم السلام سيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً.
فكان موقفه من مهدي الأمة كموقف فرعون من نبي الله موسى عليه السلام الذي ألقته أمه - خوفاً عليه - في اليّم صبياً، وبعض الشرّ أهون من بعض.
ولم يكن المعتمد العباسي قد عرف هذه الحقيقة وحده، وإنما عرفها من كان قبله كالمعتز والمهدي، ولهذا كان الإمام الحسن العسكري عليه السلام حريصاً على أن لا ينتشر خبر ولادة المهدي إلا بين الخلص من شيعته ومواليه عليه السلام، مع أخذ التدابير اللازمة والاحتياطات الكافية لصيانة قادة التشيع من الاختلاف بعد وفاته عليه السلام، إذ أوقفهم بنفسه على المهدي الموعود مرات عديدة، وأمرهم بكتمان أمره لمعرفة الطواغيت بأنه (الثاني عشر) الذي ينطبق عليه حديث جابر بن سمرة الذي رواه القوم وأدركوا تواتره، وإلا فأيّ خطر يهدد كيان المعتمد في مولود يافع لم يتجاوز من العمر خمس سنين؟! لو لم يدرك أنه هو المهدي المنتظر التي رسمت الأحاديث المتواترة دوره العظيم بكلّ وضوح، وبينت موقفه من الجبابرة عند ظهوره.
ولو لم يكن الأمر على ما وصفناه! فلماذا لم تقتنع السلطة بشهادة جعفر الكذاب وزعمه بأن أخاه العسكري عليه السلام مات ولم يخلّف ولداً؟! أما كان بوسع السلطة أن تعطي جعفراً الكذاب ميراث أخيه عليه السلام من غير ذلك التصرف الأحمق! الذي يدل على ذعرها، وخوفها من ابن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف!!...(٦٣٢)
أسماء الإمام وألقابه الشريفة
للإمام المهدي عليه السلام أسماء وألقاب كثيرة، وهي مشتقة من صفاته وخصاله الشريفة، وكلها تشير إلى ماسوف يقوم به من تحقيق القسط والعدل على أرجاء هذه المعمورة، وهي كالتالي:
١ - المهدي
روى الشيخ المجلسي: عن جابر في حديث له عن أبي جعفر عليه السلام قال: إنما سمي المهدي لأنه يهدي إلى أمر خفي حتى أنه يبعث إلى رجل لا يعلم الناس له ذنباً فيقتله، حتى أن أحدهم يتكلم في بيته فيخاف أن يشهد عليه الجدار.(٦٣٣)
وجاء في رواية الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام: فإنما سمي المهدي لأنه يهدي لأمر خفي.(٦٣٤)
وروى الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى: عن أبي سعيد الخراساني، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: المهدي والقائم واحد؟ فقال: نعم، فقلت: لأيّ شيء سمي المهدي؟ قال: لأنه يهدي إلى كلّ أمر خفي...(٦٣٥)
٢ - القائم
روى الشيخ المفيد: عن محمد بن عجلان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قام القائم عليه السلام دعا الناس إلى الإسلام جديداً، وهداهم إلى أمر قد دثر، فضلّ عنه الجمهور، وإنما سمي القائم مهدياً لأنه يهدي إلى أمر قد ضلّوا عنه، وسمي القائم لقيامه بالحق.(٦٣٦)
وروى الشيخ الصدوق: عن أبي حمزة الثمالي قال: سألت الباقر صلوات الله عليه يا ابن رسول الله ألستم كلكم قائمين بالحق؟ قال: بلى، قلت: فلِمَ سمي القائم قائماً؟
قال: لما قُتل جدي الحسين صلى الله عليه ضجّت الملائكة إلى الله عزَّ وجلَّ بالبكاء والنحيب، وقالوا: إلهنا وسيدنا أتغفل عمن قتل صفوتك وابن صفوتك، وخيرتك من خلقك؟! فأوحى الله عزَّ وجلَّ إليهم قرّوا ملائكتي، فوعزّتي وجلالي لأنتقمن منهم ولو بعد حين, ثم كشف الله عزَّ وجلَّ عن الأئمة من ولد الحسين عليه السلام للملائكة، فسرَّت الملائكة بذلك، فإذا أحدهم قائم يصلي، فقال الله عزَّ وجلَّ: بذلك القائم أنتقم منهم.(٦٣٧)
وليس هناك تناف في تعدد وجه الحكمة في تسميته عليه السلام بالقائم، كما هو شأن الكثير من أسمائهم عليهم السلام، والتي تشير إلى أكثر من معنى.
٣ - المنتظر
روى الشيخ الصدوق: عن الصقر ابن دلف، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا عليه السلام يقول: إن الإمام بعدي ابني علي أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والإمامة بعده في ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه، ثم سكت، فقلت له: يابن رسول الله فمن الإمام بعد الحسن؟ فبكى عليه السلام بكاء شديداً، ثم قال: إن من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر.
فقلت له: يابن رسول الله ولم سمي القائم؟
قال: لأنه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد أكثر القائلين بإمامته.
فقلت له: ولِم سمي المنتظر؟
قال: لأن له غيبة تكثر أيامها، ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون, ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكثر فيها الوقاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المسلمون.(٦٣٨)
قال الحسن النجفي في منتديات السادة المباركة في تسمية الإمام المهدي عليه السلام بالمنتظر (بتصرف): إن هذه التسمية لم تأتِ عبثاً أو مصادفة، فقد أكد عليها النبي صلى الله عليه وآله حتى صارت مشهورة عند جميع المسلمين ولا يختلف اثنان في تسمية الإمام بالمهدي المنتظر عليه السلام، وقد اعترف بهذه التسمية بعض علماء السنة كابن حجر في كتابه الذي سماه (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر) وكذلك مرعي بن يوسف الحنبلي في كتابه الذي أسماه (فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر) وغيرهما من أعلام السنة.
وهذه التسمية لا تصح إلا على الرجل المولود الموجود لا الذي لم يولد بعد، فإن الإنتظار لا يكون إلا للغائب الحي المؤمل رجوعه، ولذا نسأل إخواننا السنة والزيدية عن حكمة هذه التسمية النبوية، ألا يدعو ذلك على أقل تقدير إلى التأمل والتدبر في تلك النبوءة المحمدية الصادقة.
وأضاف بعضهم القول فيما تقدم أنها: نقطة هامة وعليهم أن يدققوا فيها، وهي تلقيبه بالمنتظر فإن سبب هذا اللقب هو قول الرسول صلى الله عليه وآله في الروايات: (سيخرج وسيظهر وسيبعث) مما يعني أنه مولود وينتظر الناس خروجه.
٤ - المنصور
روى فرات الكوفي: عن جعفر بن محمد الفزاري، معنعناً عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: (ومن قُتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً)(٦٣٩) قال الحسين عليه السلام: فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا, قال: سمّى الله المهدي المنصور كما سمّى أحمد ومحمد ومحمود، وكما سمّى عيسى المسيح عليه السلام.(٦٤٠)
كنيته عليه السلام
قال الأربلي: قال ابن الخشاب: حدثني أبو القاسم طاهر بن هارون بن موسى العلوي، عن أبيه، عن جده قال: قال سيدي جعفر بن محمد: الخلف الصالح من ولدي وهو المهدي اسمه محمد، وكنيته أبو القاسم يخرج في آخر الزمان، يقال لأمه: صقيل.
قال لنا أبو بكر الذراع: وفي رواية أخرى بل أمه حكيمة، وفي رواية ثالثة:
يقال لها: نرجس، ويقال: بل سوسن، والله أعلم بذلك.
ويكنى بأبي القاسم, وهو ذو الإسمين خلف ومحمد، يظهر في آخر الزمان، وعلى رأسه غمامة تظله من الشمس، تدور معه حيثما دار تنادي بصوت فصيح: هذا المهدي.(٦٤١)
وقال الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى: ويكنى أبا القاسم، بهذه الكنية أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، لقبه المهدي، وهو الحجة، وهو المنتظر، وهو صاحب الزمان عليه السلام.(٦٤٢)
صفات الإمام عليه السلام وشمائله الشريفة
١ - أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله
روى الشيخ الصدوق: عن أحمد بن إسحاق بن سعد قال: سمعت أبا محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام يقول: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى أراني الخلف من بعدي، أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله خَلقاً وخُلقاً، ويحفظه الله تبارك وتعالى في غيبته، ثم يظهره فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً.(٦٤٣)
٢ - وجهه كالكوكب الدري
روى محمد بن جرير الطبري: عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المهدي من ولدي وجهه كالكوكب الدري، إلى أن قال: يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يرضى بخلافته أهل السماء، والطير في الجو، يملك عشرين سنة.(٦٤٤)
وروى أحمد بن عبد الله الطبري: عن حذيفة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: المهدي من ولدي وجهه كالكوكب الدري.(٦٤٥)
والكوكب الدري: هو المضيء من الكواكب، وجمعها دراري.
٣ - شاب مربوع حسن الوجه، حسن الشعر، لا يهرم
روى الشيخ الصدوق: عن أبي سعيد عقيصا، عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام في حديث له، قال: يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كلّ شيء قدير.(٦٤٦)
وروى قطب الدين الراوندي: عن أبي الصلت الهروي، قلت للرضا عليه السلام: ما علامة القائم منكم إذا خرج؟ فقال: علامته أن يكون شيخ السن، شاب المنظر حتى أن الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها، وأن من علاماته أن لا يهرم بمرور الأيام والليالي حتى يأتيه أجله.(٦٤٧)
وروى الشيخ الطوسي: عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ساير عمر بن الخطاب أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ فقال: أما اسمه، فإن حبيبي عهد إليّ أن لا أحدث باسمه حتى يبعثه الله، قال: فأخبرني عن صفته؟ قال: هو شاب مربوع، حسن الوجه، حسن الشعر، يسيل شعره على منكبيه، ونور وجهه يعلو سواد لحيته ورأسه، بأبي ابن خيرة الإماء.(٦٤٨)
٤ - واسع الصدر، مسترسل المنكبين
روى الصفار: عن أبي أيوب الحذاء، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك إني أريد أن أمس صدرك، فقال: افعل! فمسست صدره ومناكبه، فقال: ولم يا بامحمد؟ فقلت: جعلت فداك إني سمعت أباك وهو يقول: إن القائم واسع الصدر، مسترسل المنكبين، عريض ما بينهما.. فقال: يابا محمد ان أبي لبس درع رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت تسحب على الأرض، وأنا لبستها فكانت وكانت، وأنها تكون من القائم كما كانت من رسول الله صلى الله عليه وآله مشمرة كأنه ترفع نطاقها بحلقتين، وليس صاحب هذا الأمر من جاز أربعين.(٦٤٩)
٥ - أبيض اللون، مشرّب بالحمرة وفيه علامتان
روى الشيخ الصدوق: عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام - وهو على المنبر - : يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان أبيض اللون، مشرّب بالحمرة، مبدح البطن، عريض الفخذين، عظيم مشاش المنكبين، بظهره شامتان: شامة على لون جلده، وشامة على شبه شامة النبي صلى الله عليه وآله، له اسمان: اسم يخفى، واسم يُعلن، فأما الذي يخفى فأحمد، وأما الذي يُعلن فمحمد.. الحديث.(٦٥٠)
وروى النعماني: عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر عليه السلام أو أبو عبد الله عليه السلام الشك من ابن عصام: ياأبا محمد بالقائم علامتان: شامة في رأسه، وداء الحزاز برأسه، وشامة بين كتفيه، من جانبه الأيسر تحت كتفيه ورقة مثل ورقة الآس، ابن سبية وابن خيرة الإماء.(٦٥١)
٦ - عريض مابين المنكبين
النعماني: عن حمران قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك إني قد دخلت المدينة وفي حقوي هميان فيه ألف دينار، وقد أعطيت الله عهداً أنني أنفقها ببابك ديناراً ديناراً، أو تجيبني فيما أسئلك عنه؟ فقال: يا حمران سل تجب، ولا تبعض دنانيرك، فقلت: سألتك بقرابتك من رسول الله أنت صاحب هذا الأمر والقائم به؟ قال: لا، قلت: فمن هو بأبي أنت وأمي؟ فقال: ذاك المشرّب حمرة، الغائر العينين، المشرف الحاجبين، عريض مابين المنكبين، برأسه حزاز، وبوجهه أثر، رحم الله موسى.(٦٥٢)
قال العلامة المجلسي رحمه الله تعالى: بيان, المشرف الحاجبين أي في وسطهما ارتفاع من الشرفة، والحزاز ما يكون في الشعر مثل النخالة، وقوله عليه السلام: رحم الله موسى، لعله إشارة إلى أنه سيظن بعض الناس أنه القائم وليس كذلك أو أنه قال: (فلانا) كما سيأتي فعبر عنه الواقفية بموسى.(٦٥٣)
الإمام المهدي عليه السلام في حياة أبيه عليه السلام
مع أبيه عليه السلام في مرضه ووفاته ونصه عليه
١ - الشيخ الطوسي: قال إسماعيل بن علي: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام في المرضة التى مات فيها وأنا عنده، إذ قال لخادمه عقيد - وكان الخادم أسود نوبياً قد خدم من قبله علي بن محمد وهو ربى الحسن عليه السلام، فقال له: يا عقيد إغل لي ماء بمصطكي، فأغلى له ثم جاءت به صقيل الجارية أم الخلف عليه السلام.
فلما صار القدح في يديه، وهمّ بشربه فجعلت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسن عليه السلام، فتركه من يده، وقال لعقيد: أدخل البيت فإنك ترى صبياً ساجداً فأتني به.
قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلت أتحرى فإذا أنا بصبي ساجد رافع سبابته نحو السماء، فسلّمت عليه، فأوجز في صلاته فقلت: إن سيدي يأمرك بالخروج إليه، إذ جاءت أمه صقيل فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن عليه السلام.
قال أبو سهل: فلما مثل الصبي بين يديه سلّم وإذا هو دريُّ اللون، وفي شعر رأسه قطط، مفلج الأسنان، فلما رآه الحسن عليه السلام بكى وقال: يا سيد أهل بيته إسقني الماء فإني ذاهب إلى ربي، وأخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكي بيده، ثم حرّك شفتيه، ثم سقاه، فلما شربه قال: هيئوني للصلاة، فطرح في حجره منديل فوضأه الصبي واحدة واحدة ومسح على رأسه وقدميه.
فقال له أبو محمد عليه السلام: إبشر يا بني فأنت صاحب الزمان، وأنت المهدي، وأنت حجة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيي, وأنا ولدتك, وأنت محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، ولدك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنت خاتم الأوصياء الأئمة الطاهرين، وبشّر بك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسمّاك وكنّاك، بذلك عهد إليَّ أبي عن آبائك الطاهرين صلى الله على أهل البيت، ربنا إنه حميد مجيد، ومات الحسن بن علي من وقته صلوات الله عليهم أجمعين.(٦٥٤)
٢ - قال الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى: وحدّث أبو الأديان قال: كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وأحمل كتبه إلى الأمصار فدخلت عليه في علته التي توفي فيها صلوات الله عليه فكتب معي كتباً وقال: امض بها إلى المدائن فإنك ستغيب خمسة عشر يوماً، وتدخل إلى سرّ من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري، وتجدني على المغتسل.
قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي فإذا كان ذلك فمن؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم من بعدي، فقلت: زدني، فقال: من يصلي عليَّ فهو القائم بعدي، فقلت: زدني، فقال: من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي.
ثم منعتني هيبته أن أسأله عما في الهميان، وخرجت بالكتب إلى المدائن، وأخذت جواباتها ودخلت سرّ من رأى يوم الخامس عشر كما ذكر لي عليه السلام فإذا أنا بالواعية في داره وإذا به على المغتسل، وإذا أنا بجعفر ابن علي أخيه بباب الدار والشيعة من حوله يعزّونه ويهنونه، فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة، لأني كنت أعرفه يشرب النبيذ، ويقامر في الجوسق، ويلعب بالطنبور، فتقدمت فعزّيت وهنيت فلم يسألني عن شيء!
ثم خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كُفّن أخوك فقم وصلّ عليه فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمان، والحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة، فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي صلوات الله عليه على نعشه مكفناً فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه، فلما همّ بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجبذ برداء جعفر بن علي وقال: تأخر يا عم فأنا أحقّ بالصلاة على أبي، فتأخر جعفر، وقد أربد وجهه واصفر! فتقدم الصبي وصلّى عليه، ودفن إلى جانب قبر أبيه عليهما السلام.
ثم قال: يا بصري هات جوابات الكتب التي معك، فدفعتها إليه، فقلت في نفسي: هذه بينتان، بقي الهميان، ثم خرجت إلى جعفر بن علي وهو يزفر، فقال له حاجز الوشاء: يا سيدي من الصبي لنقيم الحجة عليه؟ فقال: والله ما رأيته قط ولا أعرفه.
فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي عليهما السلام فعرفوا موته، فقالوا: فمن نعزي؟ فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلّموا عليه، وعزّوه وهنوه، وقالوا: إن معنا كتباً ومالاً، فتقول: ممن الكتب؟ وكم المال؟ فقام ينفض أثوابه ويقول: تريدون منا أن نعلم الغيب!
قال: فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان وفلان (وفلان) وهميان فيه ألف دينار، وعشرة دنانير منها مطلية، فدفعوا إليه الكتب والمال، وقالوا: الذي وجّه بك لأخذ ذلك هو الإمام.
فدخل جعفر بن علي على المعتمد وكشف له ذلك، فوجه المعتمد بخدمه فقبضوا على صقيل الجارية، فطالبوها بالصبي فأنكرته! وادعت حبلاً بها لتغطي حال الصبي! فسلّمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي، وبغتهم موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان فجأة، وخروج صاحب الزنج بالبصرة فشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم، والحمد لله ربِّ العالمين.(٦٥٥)
النص عليه بالإمامة
قال الشيخ المفيد رحمه الله تعالى: وقد سبق النص عليه في ملة الإسلام من نبي الهدى عليه السلام ثم من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام، ونص عليه الأئمة عليهم السلام واحداً بعد واحد إلى أبيه الحسن عليه السلام، ونصّ أبوه عليه عند ثقاته، وخاصة شيعته.(٦٥٦)
وقال الشيخ الطبرسي رحمه الله تعالى في النص على الإمام المهدي عليه السلام: في ذكر الدلالة على إثبات غيبته عليه السلام وصحة إمامته من جهة الأخبار التي تقدم ذكرها، وذكر أحوال غيبته تدل على إمامته عليه السلام ما أثبتناها من أخبار النصوص، وهي على ثلاثة أوجه:
أحدها: النص على عدد الأئمة الاثني عشر، وقد جاءت تسميته عليه السلام في بعض تلك الأخبار، ودل البعض على إمامته بما فيه من ذكر العدد من قبل أنه لا قائل بهذا العدد في الأمة إلا من دان بإمامته، وكلّ ما طابق الحق فهو حق.
والوجه الثاني: النص عليه من جهة أبيه خاصة.
الوجه الثالث: النص عليه بذكر غيبته وصفتها التي يختصها، ووقوعها على الحد المذكور من غير اختلاف، حتى لم يخرم منه شيئاً، وليس يجوز في العادات أن تولد جماعة كذباً يكون خبراً عن كائن فيتفق لهم ذلك على حسب ما وصفوه، وإذا كانت أخبار الغيبة قد سبقت زمان الحجة عليه السلام، بل زمان أبيه وجده، حتى تعلقت الكيسانية(٦٥٧) بها في إمامة ابن الحنفية، والناووسية(٦٥٨) والممطورة(٦٥٩) في أبي عبد الله، وأبي الحسن موسى عليهما السلام، وخلدها المحدثون من الشيعة في أصولهم المؤلفة في أيام السيدين الباقر والصادق عليهما السلام، وآثروها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام واحداً بعد واحد، صح بذلك القول في إمامة صاحب الزمان عليه السلام بوجود هذه الصفة له، والغيبة المذكورة في دلائله وإعلام إمامته، وليس يمكن لأحد دفع ذلك.
ومن جملة ثقات المحدثين والمصنفين من الشيعة: الحسن بن محبوب الزراد، وقد صنف كتاب المشيخة الذي هو في أصول الشيعة أشهر من كتاب المزني وأمثاله قبل زمان الغيبة بأكثر من مائة سنة، فذكر فيه بعض ما أوردناه من أخبار الغيبة، فوافق الخبر الخبر، وحصل كلّ ما تضمنه الخبر بلا اختلاف.
ومن جملة ذلك: ما رواه عن إبراهيم الخارقي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: لقائم آل محمد عليه السلام غيبتان واحدة طويلة والأخرى قصيرة، قال: فقال لي: نعم يا أبا بصير، إحداهما أطول من الأخرى، ثم لا يكون ذلك - يعني ظهوره - حتى يختلف ولد فلان، وتضيق الحلقة، ويظهر السفياني، ويشتد البلاء، ويشمل الناس موت وقتل، ويلجأون منه إلى حرم الله تعالى وحرم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
فانظر كيف قد حصلت الغيبتان لصاحب الأمر عليه السلام على حسب ما تضمنته الأخبار السابقة لوجوده عن آبائه وجدوده عليهم السلام.(٦٦٠)
أقول: ومما روي من النصوص عليه بالإمامة هو ما يلي:
مارواه الشيخ الصدوق بالإسناد عن أبي غانم الخادم قال: ولد لأبي محمد عليه السلام ولد فسماه محمداً، فعرضه على أصحابه يوم الثالث، وقال: هذا صاحبكم من بعدي، وخليفتي عليكم، وهو القائم الذي تمتد إليه الأعناق بالانتظار، فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً خرج فملأها قسطاً وعدلاً.(٦٦١)
ومنها: ما رواه الخزاز القمي: عن محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه يقول: سمعت أبي يقول: سئل أبو محمد الحسن بن علي عليه السلام وأنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه عليهم السلام أن الأرض لا تخلو من حجة الله على خلقه إلى يوم القيامة، وأن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
فقال: إن هذا حقّ كما أن النهار حق، فقيل له: يا ابن رسول الله فمن الحجة والإمام بعدك؟ قال: ابني محمد هو الإمام والحجة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية.(٦٦٢)
ومنها: ما رواه الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى: قال جعفر بن محمد بن مالك الفزاري البزاز، عن جماعة من الشيعة منهم علي بن بلال، وأحمد بن هلال، ومحمد بن معاوية بن حكيم، والحسن بن أيوب بن نوح في خبر طويل مشهور قالوا جميعاً: اجتمعنا إلى أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام نسأله عن الحجة من بعده،؟وفي مجلسه عليه السلام أربعون رجلاً، فقام إليه عثمان بن سعيد بن عمرو العمري فقال له: يا بن رسول الله أريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به مني؟
فقال له: إجلس يا عثمان، فقام مغضباً ليخرج فقال: لا يخرجن أحد! فلم يخرج منا أحد إلى أن كان بعد ساعة، فصاح عليه السلام بعثمان، فقام على قدميه، فقال: أخبركم بما جئتم؟ قالوا: نعم يا بن رسول الله، قال: جئتم تسألوني عن الحجة من بعدي؟ قالوا: نعم، فإذا غلام كأنه قطع قمر أشبه الناس بأبي محمد عليه السلام فقال: هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم أطيعوه, ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عُمرٌ، فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، واقبلوا قوله، فهو خليفة إمامكم، والأمر إليه.. في حديث طويل.(٦٦٣)
ومنها: ما رواه الشيخ الصدوق: عن علي بن عبد الله الوراق، عن سعد، عن أحمد بن إسحاق قال: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام وأنا أريد أن أسأله عن الخلف بعده؟ فقال لي مبتدءاً: يا أحمد بن إسحاق، إن الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم، ولا تخلو إلى يوم القيامة من حجة الله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزل الغيث، وبه يخرج بركات الأرض.
قال: فقلت: يا ابن رسول الله فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض عليه السلام فدخل البيت ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء ثلاث سنين فقال: يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك على الله وعلى حججه، ما عرضت عليك ابني هذا! إنه سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وكنيّه، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يا أحمد بن إسحاق، مثله في هذه الأمة مثل الخضر عليه السلام، ومثله كمثل ذي القرنين، والله ليغيبن غيبة لا ينجو فيها من التهلكة إلا من يثبته الله على القول بإمامته، ووفقه للدعاء بتعجيل فرجه.
قال أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا مولاي هل من علامة يطمئن إليها قلبي؟ فنطق الغلام عليه السلام بلسان عربي فصيح، فقال: أنا بقية الله في أرضه، والمنتقم من أعدائه، فلا تطلب أثراً بعد عين يا أحمد بن إسحاق.
قال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسروراً فرحاً، فلما كان من الغد عدت إليه فقلت له: يا ابن رسول الله لقد عظم سروري بما أنعمت عليَّ فما السنة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟ فقال: طول الغيبة يا أحمد.. الحديث.(٦٦٤)
إلى غير ذلك من الأحاديث الشريفة التي نصّت على إمامته عليه السلام من طريق أهل بيت العصمة عليهم السلام والتي لا تحصى كثرةً.
من خصائص الإمام عليه السلام وما حباه الله تعالى به
الأول: خفاء ولادته على الناس
اقتضت حكمة الباري تعالى أن يخفي ولادة الإمام المهدي عليه السلام على الناس، حفظاً له من بطش طغاة عصره وأتباعهم الذين يتربصون بالإمام الدوائر، فقد شهد التأريخ عدة محاولات للنظام العباسي الظالم في البحث عنه وهو حمل في بطن أمه لاغتياله.
روى الشيخ الصدوق: عن أبي سعيد عقيصا عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام: أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم.. إلى أن قال: فإن الله عزَّ وجلَّ يخفي ولادته، ويغيب شخصه...(٦٦٥)
وروى أيضاً عن عبد الله بن عطاء قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن شيعتك بالعراق كثيرون، فوالله ما في أهل بيتك مثلك فكيف لا تخرج؟ فقال: يا عبد الله بن عطاء قد أمكنت الحشو(٦٦٦) من أذنيك، والله ما أنا بصاحبكم! قلت: فمن صاحبنا؟ قال: انظروا من تخفى على الناس ولادته فهو صاحبكم.(٦٦٧)
الثاني: طول عمر الإمام المهدي عليه السلام
روى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى عن سعيد بن جبير قال: سمعت سيد العابدين علي بن الحسين عليهما السلام يقول: في القائم سنة من نوح وهو طول العمر.(٦٦٨)
وروى عن أمير المؤمنين قال عليه السلام: إن القائم منا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة، فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه.(٦٦٩)
وروى عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن سنن الأنبياء عليهم السلام بما وقع بهم من الغيبات حادثة في القائم منا أهل البيت حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، قال أبو بصير: فقلت: يا ابن رسول الله ومن القائم منكم أهل البيت؟ فقال: يا أبا بصير هو الخامس من ولد ابني موسى، ذلك ابن سيدة الإماء، يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون، ثم يظهره الله عزَّ وجلَّ فيفتح الله على يده مشارق الأرض ومغاربها، وينزل روح الله عيسى بن مريم عليه السلام فيصلي خلفه وتشرق الأرض بنور ربها، ولا تبقى في الأرض بقعة عبد فيها غير الله عزَّ وجلَّ إلا عبد الله فيها، ويكون الدين كله لله ولو كره المشركون.(٦٧٠)
هذا وقد أشبع علماؤنا مسألة طول عمر الإمام وبقائه عليه السلام بالأدلة والبراهين العلمية، وعدم المانع من طول عمره(٦٧١)، كما أبقى الله تعالى المسيح عيسى بن مريم والخضر عليهما السلام من الصالحين، وإبليس والدجال من الشريرين.
قال الشيخ الصدوق عليه الرحمة: إن أهل العناد والجحود يصدقون بمثل هذا الخبر ويروونه في الدجال وغيبته وطول بقائه المدة الطويلة وخروجه في آخر الزمان، ولا يصدقون بأمر القائم عليه السلام وأنه يغيب مدة طويلة، ثم يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، مع نص النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام بعده عليه باسمه وغيبته ونسبه، وإخبارهم بطول غيبته إرادة لإطفاء نور الله عزَّ وجلَّ وإبطالاً لأمر ولي الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون، وأكثر ما يحتجون به في دفعهم لأمر الحجة عليه السلام أنهم يقولون: لم نرو هذه الأخبار التي تروونها في شأنه ولا نعرفها.
وهكذا يقول من يجحد نبوة نبينا صلى الله عليه وآله من الملحدين والبراهمة واليهود والنصارى والمجوس أنه ما صح عندنا شيء مما تروونه من معجزاته ودلائله ولا نعرفها، فنعتقد ببطلان أمره لهذه الجهة، ومتى لزمنا ما يقولون لزمهم ما تقوله هذه الطوائف وهم أكثر عدداً منهم، ويقولون أيضاً: ليس في موجب عقولنا أن يعمر أحد في زماننا هذا عمراً يتجاوز عمر أهل الزمان، فقد تجاوز عمر صاحبكم على زعمكم عمر أهل الزمان.
فنقول لهم: أتصدقون على أن الدجال في الغيبة يجوز أن يعمر عمراً يتجاوز عمر أهل الزمان، وكذلك إبليس اللعين ولا تصدقون بمثل ذلك لقائم آل محمد صلى عليهم السلام؟ مع النصوص الواردة فيه بالغيبة وطول العمر والظهور بعد ذلك للقيام بأمر الله عزَّ وجلَّ وما روي في ذلك من الأخبار التي قد ذكرتها في هذا الكتاب ومع ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله إذ قال: كل ما كان في الأمم السالفة يكون في هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة.
وقد كان فيمن مضى من أنبياء الله عزَّ وجلَّ وحججه عليهم السلام معمرون، أما نوح عليه السلام فإنه عاش ألفي سنة وخمسمائة سنة، ونطق القرآن بأنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً (٦٧٢) وقد روي في الخبر الذي قد أسندته في هذا الكتاب أن في القائم عليه السلام سنة من نوح عليه السلام وهي طول العمر فكيف يدفع أمره، ولا يدفع ما يشبهه من الأمور التي ليس شيء منها في موجب العقول، بل لزم الاقرار بها لأنها رويت عن النبي صلى الله عليه وآله.
وهكذا يلزم الاقرار بالقائم عليه السلام من طريق السمع وفي موجب أي عقل من العقول أنه يجوز أن يلبث أصحاب الكهف في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا (٦٧٣) هل وقع التصديق بذلك إلا من طريق السمع، فلم لا يقع التصديق بأمر القائم عليه السلام أيضاً من طريق السمع، وكيف يصدقون ما يرد من الأخبار عن وهب بن المنبه، وعن كعب الأحبار في المحالات التي لا يصح شيء منها في قول الرسول صلى الله عليه وآله ولا في موجب العقول، ولا يصدقون بما يرد عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام في القائم وغيبته وظهوره بعد شك أكثر الناس في أمره وارتدادهم عن القول به، كما تنطق به الآثار الصحيحة عنهم عليه السلام هل هذا إلا مكابرة في دفع الحق وجحوده.
كيف لا يقولون: إنه لما كان في الزمان غير محتمل للتعمير وجب أن تجري سنة الأولين بالتعمير في أشهر الأجناس تصديقاً لقول صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله ولا جنس أشهر من جنس القائم صلى الله عليه وآله لأنه مذكور في الشرق والغرب على ألسنة المقرين به وألسنة المنكرين له.
ومتى بطل وقوع الغيبة بالقائم الثاني عشر من الأئمة عليهم السلام مع الروايات الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أخبر بوقوعها به عليه السلام بطلت نبوته لأنه يكون قد أخبر بوقوع الغيبة بمن لم يقع به، ومتى صح كذبه في شيء لم يكن نبياً وكيف يصدق عليه السلام فيما أخبر به في أمر عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه تقتله الفئة الباغية، وفي أمير المؤمنين عليه السلام أنه تخضب لحيته من دم رأسه، وفي الحسن بن علي عليهما السلام أنه مقتول بالسم، وفي الحسين بن علي عليهما السلام أنه مقتول بالسيف؟ ولا يصدق فيما أخبر به من أمر القائم ووقوع الغيبة به والتعيين عليه باسمه ونسبه؟!
بلى هو عليه السلام صادق في جميع أقواله، مصيب في جميع أحواله، ولا يصح إيمان عبد حتى لا يجد في نفسه حرجاً مما قضى ويسلم له في جميع الأمور تسليما، ولا يخالطه شك ولا ارتياب، وهذا هو الإسلام، والإسلام هو الاستسلام والانقياد (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).(٦٧٤)
ومن أعجب العجائب أن مخالفينا يروون أن عيسى بن مريم عليه السلام مرّ بأرض كربلا فرأى عدة من الظباء هناك مجتمعة، فأقبلت إليه وهي تبكي وأنه جلس وجلس الحواريون فبكى وبكى الحواريون، وهم لا يدرون لم جلس ولم بكى، فقالوا: يا روح الله وكلمته ما يبكيك؟ قال: أتعلمون أي أرض هذه؟ قالوا: لا، قال: هذه أرض يقتل فيها فرخ الرسول أحمد وفرخ الحرة الطاهرة البتول شبيهة أمي، ويلحد فيها، هي أطيب من المسك لأنها طينة الفرخ المستشهد، وهكذا تكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء، وهذه الظباء تكلمني وتقول: إنها ترعى في هذه الأرض شوقاً إلى تربة الفرخ المستشهد المبارك، وزعمت أنها آمنة في هذه الأرض، ثم ضرب بيده إلى بعر تلك الظباء فشمها فقال: اللهم أبقها أبداً حتى يشمها أبوه فيكون له عزاء وسلوة، وإنها بقيت إلى أيام أمير المؤمنين عليه السلام حتى شمها وبكى وأخبر بقصتها لما مر بكربلاء.
فيصدقون بأن بعر تلك الظباء تبقى زيادة على خمسمائة سنة لم تغيرها الأمطار والرياح ومرور الأيام والليالي والسنين عليه، ولا يصدقون بأن القائم من آل محمد عليهم السلام يبقى حتى يخرج بالسيف فيبير أعداء الله عزَّ وجلَّ ويظهر دين الله مع الأخبار الواردة عن النبي والأئمة صلوات الله عليهم بالنص عليه باسمه ونسبه وغيبته المدة الطويلة، وجرى سنن الأولين فيه بالتعمير، هل هذا إلا عناد وجحود للحق؟ نعوذ بالله من الخذلان.(٦٧٥)
كما اعترف أيضاً بعض أعلام السنة بطول عمر الإمام وأنه لا ضير في ذلك منهم: أحمد بن الحسين البيهقي (ت ٤٥٨هـ) قال في: شعب الإيمان، ط ١، دار المعارف – الهند، وقال: اختلف الناس في أمر المهدي فتوقف جماعة وأحالوا العلم إلى عالمه، واعتقدوا أنه واحد من أولاد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله... ولا امتناع في طول عمره، وامتداد أيامه كعيسى بن مريم والخضر.(٦٧٦)
وقال الشيخ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨) في كتابه (البيان في أخبار صاحب الزمان): في الدلالة على كون المهدي عليه السلام حياً باقياً منذ غيبته إلى الآن، ولا امتناع في بقائه، بدليل بقاء عيسى وإلياس والخضر من أولياء الله تعالى.. الخ(٦٧٧) وقد تقدم كلامه في الحديث حول الأعلام الذين ذكروا ولادة الإمام المهدي عليه السلام.
وقال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي (ت ٦٥٢هـ) في كتابه (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول عليهم السلام)(٦٧٨): وأما عمره: فإنه ولد في أيام المعتمد على الله، خاف فاختفى وإلى الآن.. وليس ببدع ولا مستغرب تعمير بعض عباد الله المخلصين، ولا امتداد عمره إلى حين، فقد مدّ الله تعالى أعمار جمع كثير من خلقه من أصفيائه وأوليائه ومن مطروديه وأعدائه.. الخ(٦٧٩) وغيرهم أيضاً من أعلام السنة.
الثالث: عنده مواريث الأنبياء عليهم السلام
١ - درع رسول الله صلى الله عليه وآله
روى الصفار: عن أبي أيوب الحذاء، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث له قال: يا ابا محمد، إن أبي لبس درع رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت تسحب على الأرض، وإني لبستها فكانت وكانت، وإنها تكون من القائم كما كانت من رسول الله صلى الله عليه وآله مشمرة كأنه ترفع نطاقها بحلقتين، وليس صاحب هذا الأمر من جاز أربعين.(٦٨٠)
٢ - عنده عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام
روى الصفار: عن محمد بن الفيض، عن محمد بن علي عليهما السلام قال: كان عصى موسى عليه السلام لآدم، فصارت إلى شعيب، ثم صارت إلى موسى بن عمران عليه السلام وإنها لعندنا، وإن عهدي بها آنفاً وهي خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرها، وإنها لتنطق إذا استنطقت، أعدت لقائمنا ليصنع كما كان موسى يصنع بها، وإنها لتروع وتلقف ما يأفكون وتصنع كما تؤمر، وإنها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون تفتح لها شفتان إحداهما في الأرض والأخرى في السقف وبينهما أربعون ذراعاً، وتلقف ما يأفكون بلسانها.(٦٨١)
وعن الشيخ الصدوق: عن الريان بن الصلت، عن مولانا الرضا عليه السلام في حديث له: يكون معه عصا موسى، وخاتم سليمان...(٦٨٢)
٣ - قميص يوسف عليه السلام
روى الشيخ الصدوق: عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: سمعته يقول: أتدري ما كان قميص يوسف عليه السلام؟ قال: قلت: لا، قال: إن إبراهيم عليه السلام لما أوقدت له النار، نزل إليه جبرئيل عليه السلام بالقميص وألبسه إياه فلم يضره معه حرٌّ ولا برد، فلما حضرته الوفاة جعله في تميمة وعلّقه على إسحاق عليه السلام، وعلّقه إسحاق على يعقوب عليه السلام، فلما ولد يوسف علّقه عليه، وكان في عضده حتى كان من أمره ما كان، فلما أخرجه يوسف عليه السلام من التميمة، وجد يعقوب ريحه، وهو قوله عزَّ وجلَّ: (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ)(٦٨٣) فهو ذلك القميص الذي من الجنة.
قلت: جعلت فداك فإلى من صار هذا القميص؟ قال: إلى أهله، وهو مع قائمنا إذا خرج، ثم قال: كلُّ نبيٍّ ورَّث علماً أو غيره فقد انتهى إلى محمد صلى الله عليه وآله.(٦٨٤)
الرابع: فيه سنن الأنبياء عليهم السلام
الشيخ الصدوق: عن سعيد بن جبير قال: سمعت سيد العابدين علي ابن الحسين عليهما السلام يقول: في القائم منا سنن من الأنبياء(٦٨٥) (سنة من أبينا آدم عليه السلام، و) سنة من نوح، وسنة من إبراهيم، وسنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من أيوب، وسنة من محمد صلوات الله عليهم.
فأما من آدم ونوح فطول العمر، وأما من إبراهيم فخفاء الولادة واعتزال الناس، وأما من موسى فالخوف والغيبة، وأما من عيسى فاختلاف الناس فيه، وأما من أيوب فالفرج بعد البلوى، وأما من محمد صلى الله عليه وآله فالخروج بالسيف.(٦٨٦)
وروى الشيخ الصدوق: عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء عليهم السلام: سنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد صلى الله عليه وآله.
فأما من موسى: فخائف يترقب، وأما من يوسف فالحبس، وأما من عيسى فيقال: إنه مات ولم يمت، وأما من محمد صلى الله عليه وآله فالسيف.(٦٨٧)
الخامس: قوة الإمام عليه السلام
روى الشيخ الصدوق: عن الريان بن الصلت قال: قلت للرضا عليه السلام: أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: أنا صاحب هذا الأمر، ولكني لست بالذي أملأها عدلاً كما ملئت جوراً، وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني؟ وإن القائم هو الذي إذا خرج كان في سنّ الشيوخ، ومنظر الشباب قوياً في بدنه حتى لو مدّ يده إلى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها, يكون معه عصا موسى، وخاتم سليمان، ذاك الرابع من ولدي يغيبه الله في ستره ما شاء الله, ثم يظهره فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.(٦٨٨)
السادس: مثله مثل الخضر
الراوندي: قال الحسن بن علي العسكري عليهما السلام لأحمد بن إسحاق، وقد أتاه ليسأله عن الخلف بعده، فقال مبتدئاً: مثله مثل الخضر، ومثله مثل ذي القرنين, إن الخضر شرب من ماء الحياة، فهو حي لا يموت حتى ينفخ في الصور، وإنه ليحضر الموسم كلّ سنة، ويقف بعرفة، فيؤمن على دعاء المؤمنين، وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته، ويصل به وحدته.(٦٨٩)
السابع: يصلح الله أمره في ليلة واحدة
أحمد بن حنبل: عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية، عن أبيه، عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة.(٦٩٠)
وفي رواية نعيم بن حماد المروزي: المهدي يصلحه الله تعالى في ليلة واحدة.(٦٩١)
وفي الخرائج: قال محمد بن علي التقي عليهما السلام لعبد العظيم الحسني: المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته، ويطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، وأن الله ليصلح أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى عليه السلام حيث ذهب ليقتبس لأهله ناراً (فرجع وهو رسول نبي).(٦٩٢)
الثامن: معه راية رسول الله صلى الله عليه وآله
روى نعيم بن حماد المروزي: عن يحيى بن اليمان، عن قيس، عن عبد الله بن شريك، قال: مع المهدي راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المغلبة ليتني أدركته وأنا جذع(٦٩٣).(٦٩٤)
وروى الشيخ الصدوق: عن عبيد بن كرب قال: سمعت علياً عليه السلام يقول: إن لنا أهل البيت راية من تقدمها مرق، ومن تأخر عنها محق، ومن تبعها لحق.(٦٩٥)
التاسع: راية المهدي عليه السلام تضيء بين المشرق والمغرب
الشيخ الصدوق: عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في حديث في صفة الإمام الحجة عليه السلام وفيه قال: إذا هزّ رايته أضاء لها ما بين المشرق والمغرب.. الحديث.(٦٩٦)
العاشر: ما هو مكتوب في راية المهدي عليه السلام
قال الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى: وروي أنه يكون في راية المهدي عليه السلام: البيعة لله عزَّ وجلَّ.(٦٩٧)
وروى نعيم بن حماد المروزي بالإسناد عن نوف البكالي قال: في راية المهدي مكتوب: البيعة لله.(٦٩٨)
وعن كتاب الفضل بن شاذان قال: روي أنه يكون في راية المهدي عليه السلام: إسمعوا وأطيعوا.(٦٩٩)
الحادي عشر: يطهر الله به الأرض من الكفر ويذل له كلّ صعب
الشيخ الصدوق: عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني من حديث له عن الإمام محمد بن علي بن موسى عليهم السلام: يا أبا القاسم: ما منا إلا وهو قائم بأمر الله عزَّ وجلَّ، وهاد إلى دين الله، ولكن القائم الذي يطهر الله عزَّ وجلَّ به الأرض من أهل الكفر والجحود، ويملأها عدلاً وقسطاً هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وكنيه، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذل له كلّ صعب.. الحديث.(٧٠٠)
وجاء في رواية الحسين بن خالد، عن علي بن موسى الرضا عليه السلام في حديث له عن القائم عليه السلام قال: وهو الذي تطوى له الأرض، ولا يكون له ظل...(٧٠١)
الثاني عشر: يصلي خلفه عيسى بن مريم عليه السلام
قد تضافرت الروايات عند جميع المذاهب الإسلامية على نزول عيسى بن مريم عليه السلام، وأنه يصلي خلف القائم عليه السلام، وقد ذكروا ذلك في تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا).(٧٠٢)
ونزول المسيح عليه السلام وصلاته خلف الإمام المهدي عليه السلام هو من التأييد الإلهي للإمام عليه السلام، فسوف يشهد العالم كله حينئذ أن نبياً من أولي العزم يصلي مأموماً خلف الإمام المهدي عليه السلام، والإمام هنا أفضل من المأموم، وإلا لما تقدم عليه، ولعل في حضور عيسى بن مريم إلى جنب الإمام عليه السلام في ثورته على الظلم ليشهد أيضاً ما تحقق على يد الإمام المهدي عليه السلام من أهداف الأنبياء التي ناضلوا من أجل تحقيقها وإرسائها في الناس كافة في مسيرتهم الطويلة.
قال الشيخ الطبرسي رحمه الله تعالى في تفسير الآية الشريفة المتقدمة آنفاً: أخبر تعالى أنه لا يبقى أحد منهم إلا ويؤمن به، فقال: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) اختلف فيه على أقوال أحدها: إن كلا الضميرين يعودان إلى المسيح، أي: ليس يبقى أحد من أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، إلا ويؤمنن بالمسيح، قبل موت المسيح، إذا أنزله الله إلى الأرض، وقت خروج المهدي، في آخر الزمان، لقتل الدجال، فتصير الملل كلها ملة واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية دين إبراهيم، عن ابن عباس، وأبي مالك، والحسن، وقتادة، وابن زيد، وذلك حين لا ينفعهم الإيمان.
واختاره الطبري قال: والآية خاصة لمن يكون منهم في ذلك الزمان.(٧٠٣)
أقول: ومما ورد من الروايات في ذلك ما يلي:
روى مسلم في صحيحه: عن ابن شهاب قال: أخبرني نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم.(٧٠٤)
وروى عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة.(٧٠٥)
وقال القندوزي الحنفي: وفي كتاب الفتن للحافظ نعيم بن حماد بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: منا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه.(٧٠٦)
وفي فرائد السمطين: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن خلفائي وأوصيائي، وحجج الله على الخلق بعدي الإثنا عشر، أولهم علي، وآخرهم ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلف المهدي، وتشرق الأرض بنور ربها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب.(٧٠٧)
وروى القندوزي الحنفي: عن محمد بن مسلم، عن محمد الباقر عليه السلام في قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)(٧٠٨) قال: إن عيسى عليه السلام ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا فلا يبق أهل ملة، يهودي ولا غيره، إلا آمنوا به قبل موتهم، ويصلي عيسى خلف المهدي عليه السلام.(٧٠٩)
وروى علي بن إبراهيم القمي: عن شهر بن حوشب قال: قال لي الحجاج: بأن آية في كتاب الله قد أعيتني، فقلت: أيها الأمير أيةُ آيةٍ هي؟ فقال: قوله: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) والله إني لآمر باليهودي والنصراني فيضرب عنقه، ثم أرمقه بعيني فما أراه يحرك شفتيه حتى يخمد، فقلت: أصلح الله الأمير ليس على ما تأولت، قال: كيف هو؟ قلت: إن عيسى ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا فلا يبقى أهل ملة يهودي ولا نصراني إلا آمن به قبل موته, ويصلي خلف المهدي.
قال: ويحك أنى لك هذا! ومن أين جئت به؟ فقلت: حدثني به محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، فقال: جئت بها والله من عين صافية.(٧١٠)
ورواه عنه مجمع البيان وفيه: فقيل لشهر: ما أردت بذلك؟ قال: أردت أن أغيظه.(٧١١)
وروى يزيد بن زريع، عن رجل، عن الحسن في قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) قال: قبل موت عيسى، والله إنه لحي عند الله الآن، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون، ونحوه عن الضحاك وسعيد بن جبير.(٧١٢)
قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم لليهود: إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة.
وقال ابن كثير: والضمير في قوله: (قبل موته): عائد على عيسى عليه السلام أي وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة على ما سيأتي بيانه، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلهم لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام.(٧١٣)
كلام الإربلي في صلاة عيسى عليه السلام خلف المهدي عليه السلام
جاء في كتاب كشف الغمة مما أورده من كتب العامة: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم.
قال: هذا حديث صحيح حسن، متفق على صحته من حديث محمد ابن شهاب الزهري، رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.(٧١٤)
وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال: فينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل بنا، فيقول: ألا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة من الله لهذه الأمة.
قال: هذا حديث حسن صحيح، أخرجه مسلم في صحيحه.(٧١٥)
قال الأربلي رحمه الله تعالى: وإن كان الحديث المتقدم قد أول، فهذا لا يمكن تأويله لأنه صريح، فإن عيسى عليه السلام يقدم أمير المسلمين، وهو يومئذ المهدي عليه السلام فعلى هذا يبطل تأويل من قال: معنى قوله: وإمامكم منكم، أي يؤمكم بكتابكم.
قال: فإن سأل سائل وقال: مع صحة هذه الأحاديث وهي أن عيسى يصلي خلف المهدي عليهما السلام ويجاهد بين يديه، وأنه يقتل الدجال بين يدي المهدي عليه السلام ورتبة المتقدم في الصلاة معروفة، وكذلك رتبة المتقدم للجهاد، وهذه الأخبار مما تثبت طرقها وصحتها عند السنة، وكذلك ترويها الشيعة على السواء, وهذا هو الإجماع من كافة أهل الإسلام إذ من عدا الشيعة والسنة من الفرق فقوله ساقط مردود، وحشو مطروح فثبت أن هذا إجماع كافة أهل الإسلام، ومع ثبوت الإجماع على ذلك وصحته فأيما أفضل الإمام أو المأموم في الصلاة والجهاد معاً؟
قال رحمه الله: والجواب عن ذلك أن نقول: هما قدوتان، نبي وإمام، وإن كان أحدهما قدوة لصاحبه في حال اجتماعهما، وهو الإمام يكون قدوة للنبي في تلك الحال، وليس فيهما من تأخذه في الله لومة لائم، وهما أيضاً معصومان من ارتكاب القبائح كافة، والمداهنة والرياء والنفاق، ولا يدعو الداعي لأحدهما إلى فعل ما يكون خارجاً عن حكم الشريعة، ولا مخالفاً لمراد الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وإذا كان الأمر كذلك فالإمام أفضل من المأموم لموضع ورود الشريعة المحمدية بذلك، بدليل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يؤم بالقوم اقرأهم، فإن استووا فأعلمهم، فإن استووا فأفقههم، فإن استووا فأقدمهم هجرة، فإن استووا فأصبحهم وجهاً, فلو علم الإمام أن عيسى عليه السلام أفضل منه لما جاز له أن يتقدم عليه لإحكامه علم الشريعة، ولموضع تنزيه الله تعالى له من ارتكاب كلّ مكروه.
وكذلك لو علم عيسى أنه أفضل منه لما جاز له أن يقتدي به لموضع تنزيه الله له من الرياء والنفاق والمحاباة بل لما تحقق الإمام أنه أعلم منه جاز له أن يتقدم عليه، وكذلك قد تحقق عيسى أن الإمام أعلم منه، فلذلك قدمه وصلى خلفه، ولو لا ذلك لم يسعه الإقتداء بالإمام فهذه درجة الفضل في الصلاة.
ثم الجهاد وهو بذل النفس بين يدي من يرغب إلى الله تعالى بذلك, ولو لا ذلك لم يصح لأحد جهاد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا بين يدي غيره, والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(٧١٦) ولأن الإمام نائب الرسول صلى الله عليه وآله في أمته ولا يسوغ لعيسى عليه السلام أن يتقدم على الرسول فكذلك على نائبه.
ومما يؤيد هذا القول ما رواه الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في حديث طويل في نزول عيسى عليه السلام، فمن ذلك ما قالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذا نزل بهم عيسى بن مريم عليه السلام فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى عليه السلام يصلي بالناس فيضع عيسى عليه السلام يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدم.
قال: هذا حديث حسن صحيح ثابت أخرجه ابن ماجه في كتابه(٧١٧) عن أبي أمامة الباهلي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. وهذا مختصره.(٧١٨)
كلام سبط ابن الجوزي في صلاة عيسى عليه السلام خلف المهدي عليه السلام
قال سبط بن الجوزي: قال السدي: يجتمع المهدي وعيسى بن مريم، فيجئ وقت الصلاة، فيقول المهدي لعيسى: تقدم، فيقول عيسى: أنت أولى بالصلاة، فيصلي عيسى وراءه مأموماً. قلت: فلو صلى المهدي خلف عيسى لم يجز لوجهين: أحدهما: لأنه يخرج عن الإمامة بصلاته مأموماً فيصير تبعاً، والثاني: لأن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا نبي بعدي، وقد نسخ جميع الشرائع.(٧١٩)
الثالث عشر: أجر الشهادة بين يديه عليه السلام
الشيخ الطوسي: بالإسناد عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من أدرك قائمنا فقتل معه كان له أجر شهيدين، ومن قتل بين يديه عدواً لنا كان له أجر عشرين شهيداً.. الخبر.(٧٢٠)
الرابع عشر: يُكبر عليه سبعاً في الصلاة عليه
المجلسي رحمه الله تعالى: نقلاً عن كتاب وفاة أمير المؤمنين عليه السلام لأبي الحسن علي بن عبد الله بن محمد البكري، عن لوط بن يحيى، عن أشياخه وأسلافه وساق الخبر إلى أن قال: قال عليه السلام في وصيته: ثم تقدم يا أبا محمد وصلّ عليّ يا بني يا حسن، وكبر عليّ سبعاً، واعلم أنه لا يحل ذلك على أحد غيري إلا على رجل يخرج في آخر الزمان اسمه القائم المهدي، من ولد أخيك الحسين، يقيم اعوجاج الحق...(٧٢١)
الخامس عشر: الإمام المهدي عليه السلام في القرآن الكريم
ذكرت جملة من الآيات الشريفة ظهور الإمام المهدي عليه السلام وبعض خصائصه الشريفة، وقد نصت على ذلك أيضاً الروايات الواردة في التفسير من طريق أهل البيت عليهم السلام وغيرهم، وقد ألفت في ذلك بعض الكتب القيمة التي عنيت بهذا الموضوع(٧٢٢)، والآيات المفسرة بالإمام المهدي عليه السلام كثيرة جداً، ونحن نذكر جملة منها، وهي كما يلي:
١ - قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).(٧٢٣)
روى الشيخ الطوسي بالإسناد عن علي عليه السلام في قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) قال: هم آل محمد يبعث الله مهديهم بعد جهدهم، فيعزهم ويذل عدوهم.(٧٢٤)
فرات الكوفي: عن أبي المغيرة قال: قال علي عليه السلام: فينا نزلت هذه الآية: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).(٧٢٥)
قال الشيخ الطوسي: وروى قوم من أصحابنا أن الآية نزلت في شأن المهدي عليه السلام وأن الله تعالى يمّن عليه بعد أن استُضعف، ويجعله إماماً ممكناً، ويورثه ما كان في أيدي الظلمة.(٧٢٦)
وقال الشيخ الطبرسي أيضاً: وقد صحت الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها، عطف الضروس على ولدها (٧٢٧) وتلا عقيب ذلك: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) الآية...(٧٢٨)
وروى العياشي بالإسناد: عن أبي الصباح الكناني، قال: نظر أبو جعفر عليه السلام إلى أبي عبد الله عليه السلام، فقال: هذا والله من الذين قال الله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ) الآية.(٧٢٩)
وقال سيد العابدين علي بن الحسين عليه السلام: والذي بعث محمداً بالحق بشيراً ونذيراً، إنّ الأبرار منا أهل البيت، وشيعتهم، بمنزلة موسى وشيعته، وإن عدونا وأشياعهم، بمنزلة فرعون وأشياعه.(٧٣٠)
وفي معاني الأخبار بإسناده: عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى علي والحسن والحسين عليهم السلام فبكى وقال: أنتم المستضعفون بعدي، قال المفضل: فقلت له: ما معنى ذلك؟ قال: معناه أنكم الأئمة بعدي إن الله عزَّ وجلَّ يقول: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) فهذه الآية جارية فينا إلى يوم القيامة.(٧٣١)
وروى أبو الفرج الأصفهاني: عن إسحاق بن موسى الأنصاري، قال: سمعت محمد بن جعفر يقول: شكوت إلى مالك بن أنس ما نحن فيه، وما نلقى! فقال: اصبر حتى يجئ تأويل هذه الآية (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).(٧٣٢)
وقال ابن أبي الحديد عند ذكره عقيدة الإمامية في تفسير الآية الشريفة: أن ذلك وعدٌ منه بالإمام الغائب الذي يملك الأرض في آخر الزمان، وأصحابنا يقولون: إنه وعدٌ بإمام يملك الأرض، ويستولي على الممالك...(٧٣٣)
٢ - قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).(٧٣٤)
قال علي بن إبراهيم في قوله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ.. الخ) فإنها نزلت في القائم من آل محمد، وهو الذي ذكرناه مما تأويله بعد تنزيله.(٧٣٥)
وروى الشيخ الصدوق: عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام في قول الله عزَّ وجلَّ: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، فقال: والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتى يخرج القائم عليه السلام، فإذا خرج القائم عليه السلام لم يبق كافر بالله العظيم، ولا مشرك بالإمام إلا كره خروجه حتى أن لو كان كافراً أو مشركاً في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله.(٧٣٦)
وفي تفسير العياشي: عن أبي المقدام، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) يكون أن لا يبقى أحد إلا أقرّ بمحمد صلى الله عليه وآله.
وعن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) قال: إذا خرج القائم لم يبق مشرك بالله العظيم، ولا كافر إلا كره خروجه.(٧٣٧)
وفي كتاب الكافي عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ)(٧٣٨) قال: يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين عليه السلام بأفواههم، قلت: (وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ)؟ قال: والله متم الإمامة.. إلى أن قال: قلت: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ)؟ قال: هو الذي أمر رسوله بالولاية لوصيه والولاية هي دين الحق. قلت: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)؟ قال: يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم، قال يقول الله: (وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ): ولاية القائم (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) بولاية عليّ، قلت: هذا تنزيل؟ قال: نعم، أما هذا الحرف فتنزيل، وأما غيره فتأويل.(٧٣٩)
وقال القرطبي: وقيل: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ) أي ليظهر الدين دين الإسلام على كلّ دين. قال أبو هريرة والضحاك: هذا عند نزول عيسى عليه السلام، وقال السدي: ذاك عند خروج المهدي، لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام..(٧٤٠)
وقال القرطبي أيضاً في موضع آخر: روي أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود وإسكندر، والكافران نمرود وبختنصر، وسيملكها من هذه الأمة خامس لقوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) وهو المهدي.(٧٤١)
وجاء في تفسير البحر المحيط: قال السدي: ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام وأدى الخراج.(٧٤٢)
٣ - قوله تعالى: (وَعَدَ الله الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا).(٧٤٣)
قال القمي في تفسيره: قوله: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ..) نزلت في القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله.(٧٤٤)
وروى فرات الكوفي: عن السدي، عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) إلى آخر الآية، قال: نزلت في آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وروى أيضاً عن القاسم بن عوف، قال: سمعت عبد الله بن محمد يقول: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) إلى آخر الآية، قال: هي لنا أهل البيت.(٧٤٥)
قال الشيخ الطبرسي رحمه الله تعالى: والمروي عن أهل البيت عليهم السلام: أنها في المهدي من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وروى العياشي بإسناده عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قرأ الآية، وقال: هم والله شيعتنا أهل البيت، يفعل الله ذلك بهم على يدي رجل منا، وهو مهدي هذه الأمة، وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم، حتى يلي رجل من عترتي، اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
وروي مثل ذلك عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، فعلى هذا يكون المراد بـ(الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): النبي وأهل بيته، صلوات الرحمن عليهم، وتضمنت الآية البشارة لهم بالاستخلاف، والتمكن في البلاد، وارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدي عليه السلام منهم.
ويكون المراد بقوله: (كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) هو أن جعل الصالح للخلافة خليفة مثل آدم، وداود، وسليمان عليهم السلام، ويدل على ذلك قوله: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)(٧٤٦)، و(يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ)(٧٤٧)، وقوله: (فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا).(٧٤٨)
وعلى هذا إجماع العترة الطاهرة، وإجماعهم حجة، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، وأيضاً فإن التمكين في الأرض على الإطلاق، لم يتفق فيما مضى، فهو منتظر لأن الله عزَّ اسمه، لا يخلف وعده.(٧٤٩)
وفي كتاب الاحتجاج: عن أمير المؤمنين عليه السلام.. في حديث له قال: كلّ ذلك لتتم النظرة التي أوجبها الله لعدوه إبليس إلى أن يبلغ الكتاب أجله، ويحق القول على الكافرين، ويقرب الوعد الحق الذي بينه الله في كتابه بقوله: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وذلك إذا لم يبق من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه، وغاب صاحب الأمر بإيضاح العذر له في ذلك، لاشتمال الفتنة على القلوب حتى يكون أقرب الناس إليه أشدَّ عداوة له، وعند ذلك يؤيده الله بجنود لم تروها، ويظهر دين نبيه على يديه، ويظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون.(٧٥٠)
وفي مناقب آل أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وآله قال: زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها.(٧٥١)
وروى المقداد عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: لا يبقى على الأرض بيت مدر، ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعزّ عزيز وذلّ ذليل، إما أن يعزّهم الله فيجعلهم من أهلها، وإما أن يذّلهم فيدينون بها.(٧٥٢)
٤ - قوله تعالى: (الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).(٧٥٣)
روى الشيخ الصدوق: عن داود بن كثير الرقي، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزَّ وجلَّ: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال: من أقرّ بقيام القائم عليه السلام أنه حقّ.
وعن يحيى بن أبي القاسم قال: سألت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام عن قول الله عزَّّ وجلَّ: (الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)؟ فقال: المتقون شيعة علي عليه السلام والغيب فهو الحجة الغائب.
وشاهد ذلك قول الله عزَّ وجلَّ: (وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ)(٧٥٤) فأخبر عزَّ وجلَّ أن الآية هي الغيب، والغيب هو الحجة، وتصديق ذلك قول الله عزَّ وجلَّ: (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً)(٧٥٥) يعني حجة.(٧٥٦)
٥ - قوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ).(٧٥٧)
روى الشيخ الصدوق: عن علي بن رئاب، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: في قول الله عزَّ وجلَّ: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) فقال: الآيات هم الأئمة، والآية المنتظرة هو القائم عليه السلام، فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف، وإن آمنت بمن تقدمه من آبائه عليهم السلام.(٧٥٨)
٦ - قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا).(٧٥٩)
روى الشيخ الصدوق: عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزَّ وجلَّ: (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) قال: يحييها الله عزَّ وجلَّ بالقائم عليه السلام بعد موتها - بموتها كفر أهلها - والكافر ميت.(٧٦٠)
٧ - قوله تعالى: (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).(٧٦١)
النعماني: عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن رجل من أصحاب أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: سمعته يقول: نزلت هذه الآية التي في سورة الحديد (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) في أهل زمان الغيبة، ثم قال عزَّ وجلَّ: (أَنَّ اللهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).(٧٦٢)
وقال: إنما الأمد أمد الغيبة، فإنه أراد عزَّ وجلَّ: يا أمة محمد، أو يا معشر الشيعة، لا تكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد، فتأويل هذه الآية جاء في أهل زمان الغيبة وأيامها دون غيرهم من أهل الأزمنة، وإن الله تعالى نهى الشيعة عن الشك في حجة الله تعالى، أو أن يظنوا أن الله تعالى يخلي أرضه منها طرفة عين، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في كلامه لكميل بن زياد: بلى، اللهم لا تخلو الأرض من حجة لله إما ظاهر معلوم، أو خائف مغمور، لئلا تبطل حجج الله وبيناته، وحذّرهم من أن يشكّوا أو يرتابوا، فيطول عليهم الأمد فتقسوا قلوبهم.(٧٦٣)
٨ - قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ).(٧٦٤)
قال الشيخ الطبرسي رحمه الله تعالى في تفسير الآية: (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) قال أبو جعفر عليه السلام: هم أصحاب المهدي عليه السلام في آخر الزمان.
ويدل على ذلك ما رواه الخاص والعام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً صالحاً من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما قد ملئت ظلماً وجوراً.(٧٦٥)
وقال القمي أيضاً في التفسير: قوله: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) فبشر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن أهل بيتك يملكون الأرض، ويرجعون إلى الدنيا، ويقتلون أعداءهم.(٧٦٦)
٩ - قوله تعالى: (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ).(٧٦٧)
روى الشيخ الطوسي: بإسناده عن أبي صالح، عن عبد الله بن العباس في قول الله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) قال: قيام القائم عليه السلام، ومثله (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا)(٧٦٨) قال: أصحاب القائم عليه السلام يجمعهم الله في يوم واحد.
وعن إسحاق بن عبد الله بن علي بن الحسين عليه السلام في هذه الآية (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) قال: قيام القائم عليه السلام من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قال: وفيه نزلت (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)(٧٦٩) قال: نزلت في المهدي عليه السلام.(٧٧٠)
١٠ - قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا).(٧٧١)
تفسير علي بن إبراهيم: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ) يعني القائم عليه السلام وأصحابه.(٧٧٢)
قال الشيخ الطبرسي رحمه الله تعالى: وروى أصحابنا أنهم يخرجون مع قائم آل محمد عليهم السلام.(٧٧٣)
١١ - قوله تعالى: (لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ).(٧٧٤)
تفسير العياشي: عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى: (لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) قال: إلى خروج القائم عليه السلام فإن معه النصر والظفر.(٧٧٥)
١٢ - قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ الله أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).(٧٧٦)
الطبرسي: وثالثها، إن المراد بخزيهم في الدنيا أنه إذا قام المهدي، وفتح قسطنطينية، فحينئذ يقتلهم، عن السدي.(٧٧٧)
وفي تفسير الثعلبي عن السدي: هو إنه إذا قام المهدي في آخر الزمان فتحت قسطنطينية فقتل مقاتليهم، وسبى ذراريهم، فذلك خزيهم في الدنيا.(٧٧٨)
وفي تفسير البحر المحيط: وقيل: قتل المهدي إياهم إذا خرج، قاله المروزي.(٧٧٩)
١٣ - قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله)(٧٨٠)
الطبرسي: روى زرارة، وغيره، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لم يجئ تأويل هذه الآية، ولو قام قائمنا بعد، سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، وليبلغن دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما بلغ الليل، حتى لا يكون مشرك على ظهر الأرض، كما قال الله تعالى: (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا).(٧٨١)
العياشي: ولا يقبل صاحب هذا الأمر الجزية كما قبلها رسول الله صلى الله عليه وآله وهو قول الله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله).(٧٨٢)
الآلوسي: قيل: لم يجيء تأويل هذه الآية بعد وسيتحقق مضمونها إذا ظهر المهدي فإنه لا يبقى على ظهر الأرض مشرك أصلاً على ما روي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه.(٧٨٣)
١٤ - قوله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).(٧٨٤)
القرطبي: روي عن جعفر بن محمد عليه السلام أنه خروج المهدي بالسيف.(٧٨٥)

الفصل الرابع: غيبة الإمام المهدي عليه السلام

وفيها أمور:
الأمر الأول: إعلام أئمة أهل البيت شيعتهم بأمر الغيبة
إن ذكر غيبة الإمام المهدي عليه السلام جاء كثيراً في أحاديث أهل البيت عليهم السلام قبل غيبته بأكثر من قرنين من الزمن، وقد بلغ ذلك حدّ التواتر والشهرة بين المحدثين وكذلك المؤرخين والشعراء أيضاً، الأمر الذي يدل على صدق أمر الغيبة وحتميتها في ظرفها، وقد تناول أيضاً موضوع الغيبة جملة من الأعلام بالتأليف قديماً وحديثاً، وذكروا أسباب الغيبة وطول أمدها، والحكمة منها.(٧٨٦)
قال الشيخ الطبرسي رحمه الله تعالى: (إن) أخبار الغيبة قد سبقت زمان الحجة عليه السلام، بل زمان أبيه وجده.. وخلدها المحدثون من الشيعة في أصولهم المؤلفة في أيام السيدين الباقر والصادق عليهما السلام، وآثروها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام واحداً بعد واحد، صح بذلك القول في إمامة صاحب الزمان عليه السلام بوجود هذه الصفة له، والغيبة المذكورة في دلائله وإعلام إمامته، وليس يمكن لأحد دفع ذلك.
ومن جملة ثقات المحدثين والمصنفين من الشيعة: الحسن بن محبوب الزراد، وقد صنف كتاب المشيخة الذي هو في أصول الشيعة أشهر من كتاب المزني وأمثاله قبل زمان الغيبة بأكثر من مائة سنة، فذكر فيه بعض ما أوردناه من أخبار الغيبة، فوافق الخبر الخبر، وحصل كلّ ما تضمنه الخبر بلا اختلاف.
ومن جملة ذلك: ما رواه عن إبراهيم الخارقي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: لقائم آل محمد عليه السلام غيبتان واحدة طويلة والأخرى قصيرة، قال: فقال لي: نعم يا أبا بصير، إحداهما أطول من الأخرى، ثم لا يكون ذلك - يعني ظهوره - حتى يختلف ولد فلان، وتضيق الحلقة، ويظهر السفياني، ويشتد البلاء، ويشمل الناس موت وقتل، ويلجأون منه إلى حرم الله تعالى وحرم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.(٧٨٧)
الأمر الثاني: الغيبة غيبتان صغرى وكبرى
وهكذا اقتضت حكمة الباري تعالى أن يغيب عن الناس جميعاً إمامهم بعد ما جرى عليه ماجرى من الإضطهاد الجائر والملاحقة المستمرة من قبل تلك الزمر الفاسدة، والأنظمة الجائرة التي مافتئت تعمل على إبادة وتصفية عترة الرسول صلى الله عليه وآله ومن أجل ذلك غيبه الله عنهم إلى أن يأذن له بالظهور في وقته الذي أراده له، فيطهّر الأرض من براثن الفساد والطغيان، ويخلص الناس من الظلم والعدوان، فيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
هذا وقد أنبأت جملة من الروايات الشريفة بأن غيبة الإمام عليه السلام ليست الأولى من نوعها في تأريخ الأمم، بل وقع في الأمم السالفة أيضاً مثل غيبته، فقد غاب بعض الأنبياء عن أقوامهم فترة من الزمن لحكمة اقتضت ذلك, فحينئذ لايكون هذا الأمر مستغرباً عند عامة الناس، وقد وقع مثله في الأمم الغابرة.(٧٨٨)
وقد شنّع علينا بعض المخالفين القول بغيبته، ولم يتفهموا سرّ الغيبة التي سوف يتمخّض منها النصر والظفر حين يأذن له الباري تعالى بالظهور، هذا مع اعتقاد فرق المسلمين بوجود عيسى والخضر عليهما السلام، وقد غابا عن الناس إلى أن يظهرهما الله تعالى في آخر الزمان.
ورحم الله الشيخ البلاغي إذ يقول في ردّه على أمثال هؤلاء:

ولم يكُ من خوف الأذاة اختفاؤه * * * ولكنّ بأمر الله خيّر له السترُ
وحاشاه من جبن ولكن هو الذي * * * غدا يختشيه من حوى البرُ والبحرُ
أكلُّ اختفاء خلت من خيفة الأذى * * * فربّ اختفاء فيه يُستنزل النصرُ
وكلّ فرار خلت جبناً فربما * * * يفرُ أخو بأسٍ ليمكنه الكرُ
فكم قد تمادت للنبيين غيبة * * * على موعد فيها إلى ربهم فروا
وإن بيوم الغار والشعب قبله * * * غناء كما يغني عن الخبر الخبرُ
وإن كنت في ريبٍ لطول بقائه * * * فهل رابك الدجالُ والصالحُ الخضرُ؟!
أيرضى لبيبٌ أن يُعمّر كافرٌ * * * ويأباه في باقٍ ليمحى به الكفرُ

هذا وقد أفصحت الروايات الشريفة أن للإمام عليه السلام غيبتين، إحداهما صغرى، والأخرى كبرى.
ومن ذلك ما رواه النعماني عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: للقائم غيبتان إحداهما قصيرة، والأخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه في دينه.(٧٨٩)
قال الشيخ المفيد رحمه الله تعالى: وكان الخبر بغيبته ثابتاً قبل وجوده، وبدولته مستفيضاً قبل غيبته، وهو صاحب السيف من أئمة الهدى عليهم السلام، والقائم بالحق، المنتظر لدولة الإيمان.
وله قبل قيامه غيبتان، إحداهما أطول من الأخرى، كما جاءت بذلك الأخبار، فأما القصرى منهما فمنذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته، وعدم السفراء بالوفاة.
وأما الطولى فهي بعد الأولى وفي آخرها يقوم بالسيف، قال الله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).(٧٩٠)
وقال جلَّ ذكره: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ).(٧٩١)
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لن تنقضي الأيام والليالي حتى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
وقال عليه السلام: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلاً من ولدي، يواطئ اسمه اسمي، يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً.(٧٩٢)
الغيبة الصغرى
ابتدأت الغيبة الصغرى من حين وفاة أبيه الإمام الحسن العسكري عليه السلام سنة ٢٦٠ للهجرة(٧٩٣)، واستغرقت مدتها ٦٩ عاماً، وانتهت بوفاة السفير الرابع: أبي الحسن علي بن محمد السمري سنة ٣٢٨ للهجرة، فانقطعت السفارة بينه وبين شيعته.
وأما الغيبة الكبرى فهي بعد الأولى وفي آخرها يقوم بالسيف...(٧٩٤)
سفراء الإمام عليه السلام في الغيبة الصغرى
السفراء في زمن الغيبة الصغرى أربعة، وقد عينهم الإمام المهدي عليه السلام وكلاء وسفراء بينه وبين شيعته, وكان الناس خلال الغيبة الصغرى يتصلون بالإمام عن طريق هؤلاء السفراء، فهم الواسطة بينه وبين شيعته، فكان السفراء الأربعة يرونه، وربما رآه غيرهم، ويلتقون به...(٧٩٥)
فمن مهامهم استلام الأخماس، وإيصال مسائل الشيعة إلى الإمام عليه السلام، فيجيب على مسائلهم، ثم بعد ذلك يقومون بتسليمها إلى أربابها.
وأول السفراء هو: عثمان بن سعيد، ثم ابنه محمد بن عثمان، ثم أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحير النوبختي, ثم أبو الحسن علي بن محمد السمري رضي الله عنهم.
وإليك هنا بيان شيء من تأريخهم ومايرتبط بهم رضوان الله عليهم:
الأول: أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عمرو العمري (ت ٢٦٥)
وكان يقال له السمان لأنه كان يتجر بالسمن تغطية للأمر، وكان الشيعة إذا حملوا إلى الحسن العسكري عليه السلام مايجب عليهم من المال جعله أبو عمرو في زقاق السمن وحمله إليه تقية.
وكان الإمام علي الهادي عليه السلام نصّبه وكيلاً عنه, ثم ابنه الإمام الحسن العسكري عليه السلام, ثم كان سفيراً للإمام المهدي عليه السلام.
قال الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة في حقه: أنه الشيخ الموثوق به، وقال الإمام علي الهادي عليه السلام في حقه: هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ما قاله لكم فعني يقوله, وما أداه إليكم فعني يؤديه.(٧٩٦)
وأخبر أبو علي أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته وقلت: من أعامل أو عمن آخذ، وقول من أقبل؟ فقال له: العمري ثقتي فما أدى إليك عني فعني يؤدي، وما قال لك عني فعني يقول، فاسمع له وأطع، فإنه الثقة المأمون، وأخبرني أبو علي أنه سأل أبا محمد عليه السلام عن مثل ذلك، فقال له: العمري وابنه ثقتان، فما أديا إليك عني، فعني يؤديان، وما قالا لك، فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنهما الثقتان المأمونان، فهذا قول إمامين قد مضيا فيك.(٧٩٧)
وروى الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى عن محمد بن إسماعيل وعلي ابن عبد الله الحسينيان قالا: دخلنا على أبي محمد الحسن عليه السلام بسرّ من رأى وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته، حتى دخل عليه بدر خادمه فقال: يا مولاي بالباب قوم شعث غبر، فقال لهم: هؤلاء نفر من شيعتنا باليمن في حديث طويل يسوقانه إلى أن قالا: قال الحسن عليه السلام لبدر: فامض فائتنا بعثمان بن سعيد العمري، فما لبثنا إلا يسيراً حتى دخل عثمان، فقال له سيدنا أبو محمد عليه السلام: امض يا عثمان، فإنك الوكيل والثقة المأمون على مال الله، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال.
ثم ساقا الحديث إلى أن قالا: ثم قلنا بأجمعنا: يا سيدنا! والله إن عثمان لمن خيار شيعتك، ولقد زدتنا علماً بموضعه من خدمتك، وأنه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى، قال: نعم، واشهدوا على أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي، وأن ابنه محمداً وكيل ابني مهديّكم.(٧٩٨)
وقال الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى: قال أبو العباس: وأخبرني هبة الله بن محمد ابن بنت أم كلثوم بنت أبي جعفر العمري رضي الله عنه عن شيوخه قالوا: لم تزل الشيعة مقيمة على عدالة عثمان بن سعيد ومحمد بن عثمان رحمها الله تعالى إلى أن مات أبو عمرو عثمان بن سعيد رحمه الله تعالى، وغسله ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان، وتولى القيام به...(٧٩٩)
الثاني: ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري (ت ٣٠٥)
قال الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى: فلما مضى أبو عمرو عثمان بن سعيد قام ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان مقامه بنص أبي محمد عليه السلام عليه ونص أبيه عثمان عليه بأمر القائم عليه السلام.(٨٠٠)
وجاء في الرواية السابقة التي رواها الشيخ رحمه الله تعالى عن هبة الله ابن محمد عن شيوخه قالوا: إلى أن مات أبو عمرو عثمان بن سعيد رحمه الله تعالى وغسله ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان، وتولى القيام به وجعل الأمر كله مردوداً إليه، والشيعة مجتمعة على عدالته وثقته وأمانته لما تقدم له من النص عليه بالأمانة والعدالة، والأمر بالرجوع إليه في حياة الحسن عليه السلام وبعد موته في حياة أبيه عثمان بن سعيد، لا يختلف في عدالته، ولا يرتاب بأمانته، والتوقيعات تخرج على يده إلى الشيعة في المهمات طول حياته بالخط الذي كانت تخرج في حياة أبيه عثمان، لا يعرف الشيعة في هذا الأمر غيره، ولا يرجع إلى أحد سواه.
قال الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى: وقد نقلت عنه دلائل كثيرة، ومعجزات الإمام ظهرت على يده، وأمور أخبرهم بها عنه زادتهم في هذا الأمر بصيرة، وهي مشهورة عند الشيعة، وقد قدمّنا طرفاً منها...(٨٠١)
وقد تقدم أيضاً آنفاً كلام الإمام العسكري وثناؤه عليه وعلى أبيه رضي الله عنهما: (العمري وابنه ثقتان، فما أديا إليك عني فعني يؤديان وما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان).
وقوله عليه السلام أيضاً في حقه: (واشهدوا على أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي، وأن ابنه محمداً وكيل ابني مهديكم).
ومما جاء في محمد بن عثمان من الروايات وما روي عنه ما يلي:
قال أبو جعفر بن بابويه: روي عن محمد بن عثمان العمري قدس سره أنه قال: والله إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة يرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه.
وعن عبد الله بن جعفر الحميري أنه قال: سألت محمد بن عثمان رضي الله عنه فقلت له: رأيت صاحب هذا الأمر؟ قال: نعم، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو عليه السلام يقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني.
وقال محمد بن عثمان رضي الله عنه: ورأيته صلوات الله عليه متعلقاً بأستار الكعبة في المستجار وهو يقول: اللهم انتقم لي من أعدائك.
وعن علي بن صدقة القمي رحمه الله قال: خرج إلى محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه ابتداءً من غير مسألة ليخبر الذين يسألون عن الاسم: إما السكوت والجنة، وإما الكلام والنار، فإنهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه، وإن وقفوا على المكان دلوا عليه.
وقال أبو الحسن علي بن أحمد الدلال القمي: دخلت على أبي جعفر محمد بن عثمان رضي الله عنه يوماً لأسلم عليه، فوجدته وبين يديه ساجة ونقّاش ينقش عليها، ويكتب آياً من القرآن وأسماء الأئمة عليهم السلام على حواشيها، فقلت له: يا سيدي ما هذه الساجة؟ فقال لي: هذه لقبري تكون فيه أوضع عليها أو قال: أسند إليها وقد عرفت منه(٨٠٢)، وأنا في كل يوم أنزل فيه فأقرأ جزءا من القرآن فيه فاصعد، وأظنه قال: فأخذ بيدي وأرانيه، فإذا كان يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا صرت إلى الله عزَّ وجلَّ ودفنت فيه وهذه الساجة معي.
فلما خرجت من عنده أثبت ما ذكره ولم أزل مترقباً به ذلك فما تأخر الأمر حتى اعتل أبو جعفر، فمات في اليوم الذي ذكره من الشهر الذي قاله من السنة التي ذكرها، ودفن فيه.
وقال محمد بن علي بن الأسود القمي: إن أبا جعفر العمري قدس سره حفر لنفسه قبراً وسوّاه بالساج، فسألته عن ذلك فقال: للناس أسباب.
وسألته عن ذلك؟ فقال: قد أمرت أن أجمع أمري، فمات بعد ذلك بشهرين رضي الله عنه وأرضاه.
وقال أبو نصر هبة الله: وجدت بخط أبي غالب الزراري رحمه الله وغفر له أن أبا جعفر محمد بن عثمان العمري رحمه الله مات في آخر جمادى الأولى سنة خمس وثلاثمائة.
وذكر أبو نصر هبة الله أن أبا جعفر العمري رحمه الله مات في سنة أربع وثلاثمائة، وأنه كان يتولى هذا الأمر نحواً من خمسين سنة يحمل الناس إليه أموالهم، ويخرج إليهم التوقيعات بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن عليه السلام إليهم بالمهمات في أمر الدين والدنيا وفيما يسألونه من المسائل بالأجوبة العجيبة رضي الله عنه وأرضاه قال أبو نصر هبة الله: إن قبر أبي جعفر محمد بن عثمان عند والدته في شارع باب الكوفة في الموضع الذي كانت دوره ومنازله فيه.(٨٠٣)
الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحير النوبختي (ت ٣٢٦)
قد كان أبو القاسم ابن روح رحمه الله تعالى في زمن محمد بن عثمان العمري يعتمد عليه في استلام بعض الأموال، وكان ثقته.
روى الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى, قال: أخبرنا جماعة، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسود رحمه الله قال: كنت أحمل الأموال التي تحصل في باب الوقف إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري رحمه الله فيقبضها مني، فحملت إليه يوماً شيئاً من الأموال في آخر أيامه قبل موته بسنتين أو ثلاث سنين، فأمرني بتسليمه إلى أبي القاسم الروحي رضي الله عنه، فكنت أطالبه بالقبوض، فشكا ذلك إلى أبي جعفر رضي الله عنه فأمرني أن لا أطالبه بالقبوض وقال: كلّ ما وصل إلى أبي القاسم فقد وصل إليَّ، فكنت أحمل بعد ذلك الأموال إليه ولا أطالبه بالقبوض.
وفي رواية قال: أمرت أن أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه.(٨٠٤)
وقال أبو علي محمد بن همام رضي الله عنه وأرضاه: أن أبا جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه جمعنا قبل موته وكنا وجوه الشيعة وشيوخها، فقال لنا: إن حدث عليَّ حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي، فقد أمرت أن أجعله في موضعي بعدي فارجعوا إليه وعولوا في أموركم عليه.
وفي رواية أن أبا جعفر العمري لما اشتدت حاله اجتمع جماعة من وجوه الشيعة فدخلوا على أبي جعفر فقالوا له: إن حدث أمر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر عليه السلام، والوكيل له والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم، وعولوا عليه في مهماتكم، فبذلك اُمرت وقد بلغت.(٨٠٥)
قال أبو جعفر محمد بن علي بن أحمد بن بزرج بن عبد الله بن منصور بن يونس بن برزج صاحب الصادق عليه السلام قال: سمعت محمد بن الحسن الصيرفي الدورقي المقيم بأرض بلخ يقول: أردت الخروج إلى الحج وكان معي مال بعضه ذهب وبعضه فضة، فجعلت ما كان معي من الذهب سبائك، وما كان معي من الفضة نقراً،(٨٠٦) وكان قد دفع (ذلك المال إليه لتسليمه إلى الشيخ)(٨٠٧) أبي القاسم الحسين بن روح - قدس الله روحه - قال: فلما نزلت سرخس ضربت خيمتي على موضع فيه رمل، فجعلت أميّز تلك السبائك والنقر فسقطت سبيكة من تلك السبائك مني وغاضت في الرمل وأنا لا أعلم.
قال: فلما دخلت همدان ميزت تلك السبائك والنقر مرة أخرى اهتماماً مني بحفظها ففقدت منها سبيكة وزنها مائة مثقال وثلاثة مثاقيل - أو قال: ثلاثة وتسعون مثقالاً - قال: فسبكت مكانها من مالي بوزنها سبيكة وجعلتها بين السبائك، فلما وردت مدينة السلام قصدت الشيخ أبا القاسم الحسين بن روح - قدس الله روحه - وسلّمت إليه ما كان معي من السبائك والنقر، فمدّ يده من بين تلك السبائك إلى السبيكة التي كنت سبكتها من مالي بدلاً مما ضاع مني فرمى بها إليَّ وقال لي: ليست هذه السبيكة لنا وسبيكتنا ضيعتها بسرخس حيث ضربت خيمتك في الرمل فارجع إلى مكانك، وانزل حيث نزلت، واطلب السبيكة هناك تحت الرمل فإنك ستجدها، وستعود إلى ههنا فلا تراني.
قال: فرجعت إلى سرخس ونزلت حيث كنت نزلت، فوجدت السبيكة تحت الرمل وقد نبت عليها الحشيش، فأخذت السبيكة وانصرفت إلى بلدي، فلما كان بعد ذلك حججت ومعي السبيكة فدخلت مدينة السلام وقد كان الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه مضى، ولقيت أبا الحسن علي بن محمد السمري رضي الله عنه فسلّمت السبيكة إليه.(٨٠٨)
قال الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى: وكان أبو القاسم رحمه الله من أعقل الناس عند المخالف والموافق، ويستعمل التقية.
وقال أبو عبد الله بن غالب: ما رأيت من هو أعقل من الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح، ولعهدي به يوماً في دار ابن يسار، وكان له محل عند السيد والمقتدر عظيم، وكانت العامة أيضاً تعظمه، وكان أبو القاسم يحضر تقية وخوفاً.(٨٠٩)
وعن أبي نصر هبة الله بن محمد الكاتب ابن بنت أم كلثوم بنت أبي جعفر العمري رضي الله عنه أن قبر أبي القاسم الحسين بن روح في النوبختية في الدرب الذي كانت فيه دار علي بن أحمد النوبختي النافذ إلى التل وإلى الدرب الآخر وإلى قنطرة الشوك رضي الله عنه.
قال: وقال لي أبو نصر: مات أبو القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه في شعبان سنة ست وعشرين وثلاثمائة. قال: وقد رويت عنه أخباراً كثيرة.(٨١٠)
الرابع: أبو الحسن علي بن محمد السمري (ت٣٢٨)
قال أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري - قدّس الله روحه - فحضرته قبل وفاته بأيام فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميّت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية فلا ظهور إلا بعد إذن الله عزَّ وجلَّ، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة(٨١١) ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر(٨١٢) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه، ومضى رضي الله عنه، فهذا آخر كلام سُمع منه.(٨١٣)
قال أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم بن مخلد: حضرت بغداد عند المشايخ رضي الله عنهم فقال الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري قدس الله روحه ابتداءً منه: رحم الله علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي قال: فكتب المشايخ تاريخ ذلك اليوم فورد الخبر أنه توفي ذلك اليوم.
ومضى أبو الحسن السمري رضي الله عنه بعد ذلك في النصف من شعبان سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.(٨١٤)
الغيبة الكبرى
روى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى: عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث له قال: للقائم منا غيبة أمدها طويل...(٨١٥)
انتهت الغيبة الصغرى بوفاة السفير الرابع أبي الحسن علي بن محمد السمري رحمه الله تعالى سنة (٣٢٨) وهي نهاية الغيبة الصغرى، ومنها ابتدأت الغيبة الكبرى إلى أن يأذن الله تعالى له بالظهور.
وتتمثل في هذه المرحلة النيابة العامة للفقهاء المجتهدين الذين اجتمعت فيهم شروط التقليد، والرجوع إليهم في الأحكام الشرعية بعد النيابة الخاصة.
وقد جاء في التوقيع الشريف كما تقدم آنفاً: يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميّت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية فلا ظهور إلا بعد إذن الله عزَّ وجلَّ.. الحديث.(٨١٦)
الأمر الثالث: الحكمة من الغيبة
وقبل الخوض في بيان الحكمة من غيبة الإمام عليه السلام عن الناس لابد من تقديم مقدمة ترتبط بهذا الأمر، فنقول:
اثنا عشر إماماً من عترة الرسول صلى الله عليه وآله جعلهم الله تعالى هداة مهديين، وحججاً على خلقه بعد الرسول صلى الله عليه وآله، وأمر الأمة باتباعهم، ورعايتهم وأوصاهم بهم، وهم الوديعة فيهم، لكن هذه الأمة لم ترع حرمتهم، ولم تفِ لهم بحقهم، فلم يطع لهم أمر، ولم تحفظ لهم قرابة، فذهب منهم أحد عشر إماماً قتلاً على يد هذه الأمة بالسيف والسم، وهم مصابيح الهداية، والأنوار المضيئة التي جعلها الله تعالى لعباده ليستضيئوا بنورهم ويهتدوا بهديهم، وكلّ واحد منهم أُخبت نوره وأطفئ، وقد شتتوهم في البلدان، وحبسوهم في المطامير، وناهيك عما جرى في واقعة الطف الدامية التي لم يحدث مثلها في تأريخ البشر أبداً، فهي شاهد صدق على جناية هذه الأمة بحقّ رسول الله صلى الله عليه وآله في عترته، فلم تحفظ فيهم وصيته، ولم ترع لهم حرمة.
وقد يحسب بعض الناس أنّ الشيعة حينما تروي ذلك في حقّ أهل البيت عليهم السلام، هو أمرٌ مبالغٌ فيه، أو هو قول جزافٍ!
أقول: لا يتسنى لأحد أن يشكك في وقوع ذلك، وهذا التأريخ شاهد صدق فيما جرى عليهم، وحسبك كتب التأريخ والسيرة والأدب ففيها الكثير من الشواهد التاريخية التي تثبت ذلك.
فالحق يقال أن عترة النبي صلى الله عليه وآله لم تتبوأ مكانها الذي أراده الله لهم بين الأمة، فأزاحوهم عن مناصبهم، وأضاعوا حقّهم، وجاروا عليهم، فبدل أن تتلقى منهم الرعاية الكاملة، والمودة المفروضة، تلقت منهم التشريد والإضطهاد والقتل، فكم أولغت هذه الأمة سيوفها في دمائهم، وتعقبتهم قتلاً وسماً وأسراً، فلم يؤثر عن أمة من الأمم السالفة أنها فعلت بذرية نبيّها ما فعلته هذه الأمة بعترة نبيّها وذريته، هذا وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وآله وأنبأ هذه الأمة بما يجري على ذريته من بعده.
فهذا عبد الله بن مسعود يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أنه قال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنّ أهل بيتي هؤلاء سيلقون من بعدي تطريداً وتشريداً...(٨١٧)
وقد تحدث أيضاً صلى الله عليه وآله عن جناية الأمة وما تفعله بسبطه الحسين عليه السلام، فمن ذلك ما جاء في بعض الروايات الشريفة، قوله صلى الله عليه وآله في مقتل الحسين عليه السلام: إن جبريل أتاني فأخبرني أن هذا تقتله أمتي، فقلت: أرني فأراني تربة حمراء...(٨١٨)
وروى الطبراني وابن عساكر عن مصعب بن عبد الله قال: خرجت زينب الصغرى بنت عقيل بن أبي طالب على الناس بالبقيع تبكي قتلاها بالطف وهي تقول:

ماذا تقولون إن قال النبيُّ لكم * * * ماذا فعلتم وأنتم آخرُ الأممِ
بعترتي وبأهلي بعد مفتقدي * * * منهم أسارى ومنهم ضُرّجوا بدمِ
ما كان هذا جزائي إذ نصحتُ لكم * * * أن تخلفوني بشرٍّ في ذوي رحمي(٨١٩)

وكما قال مولانا الإمام زين العابدين عليه السلام لما جاء من الأسر من الشام ودخل المدينة: أيّها الناس أصبحنا مطرودين مشرَّدين مذودين شاسعين عن الأمصار، كأنّا أولاد ترك أو كابل، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، إن هذا إلاَّ اختلاق، والله لو أن النبي صلى الله عليه وآله تقدَّم إليهم في قتالنا كما تقدَّم إليهم في الوصاة بنا لما زادوا على ما فعلوه، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.(٨٢٠)
وروي عنه أيضاً أنه عليه السلام قيل له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحنا خائفين برسول الله! وأصبح جميع أهل الاسلام آمنين به!.(٨٢١)
ويروى عنه أيضاً عليه السلام يقول:

نحن بنو المصطفى ذوو غصص * * * يجرعها في الأنام كاظمُنا
عظيمةٌ في الأنام محنتُنا * * * أولنا مبتلى وآخرُنا
يفرحُ هذا الورى بعيدهمُ * * * ونحن أعيادُنا مآتمُنا
والناسُ في الأمن والسرور وما * * * يأمن طول الزمان خائفُنا
وما خصصنا به من الشرف * * * الطائل بين الأنام آفتُنا
يحكم فينا والحكم فيه لنا * * * جاحدنا حقنا وغاصبُنا (٨٢٢)

وجاء في بعض الزيارات: يا موالي فلو عاينكم المصطفى، وسهام الأمة معرقة في أكبادكم، ورماحهم مشرعة في نحوركم، وسيوفها مولغة في دمائكم، يشفي أبناء العواهر غليل الفسق من ورعكم، وغيظ الكفر من إيمانكم، وأنتم بين صريع في المحراب، قد فلق السيف هامته، وشهيد فوق الجنازة قد شكت أكفانه بالسهام، وقتيل بالعراء قد رفع فوق القناة رأسه، ومكبل في السجن قد رضت بالحديد أعضاؤه، ومسموم قد قُطّعت بجرع السم أمعاؤه...(٨٢٣)
وفي دعاء الندبة: ولما قضى نحبه وقتله أشقى الآخرين، يتبع أشقى الأولين لم يمتثل أمر الرسول صلى الله عليه وآله في الهادين بعد الهادين، والأمة مصرة على مقته، مجمعة على قطيعة رحمه وإقصاء ولده، إلا القليل ممن وفى لرعاية الحق فيهم، فقُتل من قُتل، وسُبي من سُبي، واُقصي من اُقصي، وجرى القضاء لهم بما يُرجى له حسن المثوبة، إذ كانت الأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، والعاقبة للمتقين...(٨٢٤)
ولنعم ما قال بعض الشعراء:

أبادوهُمُ قتلاً وسُماً ومُثلةً * * * كأنَّ رسولَ الله ليس لهم أبُ
كأنَّ رسولَ اللهِ من حُكْمِ شَرْعِهِ * * * على آلِهِ أن يُقتلوا أو يُصَلَّبُوا

وقال دعبل الخزاعي:

لا أضحك اللهُ سنّ الدهر أن ضحكت * * * وآلُ أحمد مظلومون قد قُهروا
مُشردون نفوا عن عقر دارهمُ * * * كأنهم قد جنوا ما ليس يغتفرُ(٨٢٥)

هذا ولم يكتفوا باضطهادهم وملاحقتهم وهم أحياء بل جاروا عليهم وتتبعوهم وهم في قبورهم كما جرى للحسين عليه السلام إذ عمد المتوكل العباسي إلى ضريحه فهدمه، وعمد إلى قبره فحرثه.
قال الذهبي: وفيها - يعني سنة ست وثلاثين ومائتين - أمر المتوكل بهدم قبر السيد الحسين بن علي رضي الله عنهما، وهدم ما حوله من الدور، وأن تعمل مزارع، ومنع الناس من زيارته، وحرث وبقي صحراء، وكان معروفاً بالنصب، فتألم المسلمون لذلك، وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد، وهجاه الشعراء، دعبل، وغيره.
وفي ذلك يقول يعقوب بن السكيت، وقيل هي للبسامي علي بن أحمد، وقد بقي إلى بعد الثلاثمائة:

بالله إن كانت أميةُ قد أتت * * * قتلَ ابن بنتِ نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * * * هذا لعمرك قبرهُ مهدوما
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا * * * في قتله، فتتبعوه رميما (٨٢٦)

وقال الذهبي أيضاً بعدما أورد هذه الأبيات: وكان المتوكل فيه نصب وانحراف، فهدم هذا المكان وما حوله من الدور، وأمر أن يزرع، ومنع الناس من انتيابه.(٨٢٧)
وقال ابن خلكان: وكان المتوكل كثير التحامل على عليٍّ وولديه الحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين فهدم هذا المكان بأصوله ودوره وجميع ما يتعلق به، وأمر أن يبذر ويسقى موضع قبره، ومنع الناس من إتيانه. هكذا قال أرباب التواريخ والله أعلم.(٨٢٨)
قال الكاتب الأستاذ عبد الحليم الجندي المصري: فليس في تاريخ البشرية كلِّها أسرة شُرِّدت وجرِّدت، وذاقت العذاب والاسترهاب، مثل أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، بدأ بهم تاريخ الإسلام مجده، واستمرَّ فيهم بعبرته، وعظمته، قدَّم أبوهم للبشرية أسباب خلاصها بكتاب الله وسنَّة الرسول صلى الله عليه وآله، وقدَّم أهل بيته أرواحهم في سبيل القيم التي نزل بها القرآن، وجاءت بها السنة، كانت مصابيحهم تتحطَّم لكن شعلتهم لا تنطفئ، لتُخلِّد الجهاد والاستشهاد والإرشاد، بالمثل العالي الذي كانوه، والضوء الذي لم تمنع الموانع من انتشاره، وعلَّم فيه أبناء النبي صلى الله عليه وآله أمته بعض علومه: أن الاستشهاد حياة للمستشهدين وللأحياء جميعاً.(٨٢٩)
ويقول الأستاذ عبد الكريم الخطيب في كتابه الخلافة والإمامة في ما جرى على آل البيت عليهم السلام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله تحت عنوان: (عاطفة تلدها المحنة): في خلال هذه الأحداث تجسدت تلك العاطفة القوية التي تملأ صدور كثير من المسلمين رحمة وعطفاً، ومودة لأهل البيت، وتنظر إليهم نظر المظلومين الذين لم يجدوا من المسلمين التقدير والولاء الذي ينبغي لهم، بل إن الظروف التي مرت بهم بعد موت النبي أوقعت في كثير من العقول أن ما وقع لآل البيت كان نتيجة لمكر سيء، وتدبير بليل.
فهذا علي زوج فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله ووالد سبطيه: الحسن والحسين رضي الله عنهما يُصرَف عن الخلافة في قوة، ويبايع بالخلافة للخليفة الأول، دون أن يكون له مشهد أو رأي فيها... ثم إذا ولي الخلافة انثالت عليه الفتن من كل جهة، لا ينتهي من حرب إلا ليلتقي بحرب.. حتى لقي مصرعه برمية ظالمة من يد ظالمة آثمة...
ثم هذا ابنه الحسن سبط الرسول تملي عليه الظروف أن ينفض يده من الخلافة، وينزل عنها لمعاوية.. ثم لا يترك بعد هذا حتى يدس له السم، فيموت بيد الغدر والخيانة.. ثم تبلغ المأساة غايتها بمقتل الحسين رضي الله عنه في موقعة كربلاء ومقتل آل بيته معه.. كباراً وصغاراً، لم ينج فيهم إلا بعض الأطفال والأجنة.. لقد كانت موقعة كربلاء وما لقي فيها آل البيت من قتل، وتمثيل بالقتلى، واستحياء للحرائر – كان هذا آخر درجات الغليان للغيظ المكتوم في الصدور، لما نزل بآل البيت من محن، وما سلط من بلاء.. فتفجرت براكين الثورة، وجعلت ترمي بحممها الخلافة الأموية، بكل ما اجتمع لها من كيد، وما قدرت عليه من تدبير.
والحق أن آل البيت قد امتحنوا امتحاناً قاسياً في الحياة، وكان من حقهم على المسلمين لأن يكونوا بالمكان الذي يلقون فيه المودة الخالصة، والحب الصادق، والولاء المكين.. فهم آل بيت النبوة، ومن بينهم طلع الهدى الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، والذي بلغ بالعرب ما هم فيه من دولة، وملك وسلطان!! أفيكون ذلك جزاء أهله، وبعض ولده؟!.(٨٣٠)
إلى غير ذلك من اعترافات كبار أساتذة التأريخ والأدب في هذا الموضوع الذي حاول البعض التعتيم عليه، لتخفى مثل هذه الحقائق عن الناس..
وأقول هنا بعد هذا كله: هكذا اقتضت حكمة الباري تعالى أن يحفظ النور الثاني عشر في الأرض لئلا تخلو من حجة، وهو الإمام المهدي عليه السلام، فغيبه عنهم، ولو لم يغيبه لم يختلف حاله ومصيره عن حال من مضى من آبائه وأجداده عليهم السلام الذين لقوا حتفهم قتلاً وسماً.
فحينئذ لا يكون أمر غيبته مستغرباً بعدما فعلوا مع آبائه ما فعلوا، أضف إلى ذلك ما عاناه هو عليه السلام من طغاة زمانه الذين لم يدخروا وسعاً في البحث عنه، ومداهمة دار أبيه مراراً في طلبه وإلقاء القبض عليه لاغتياله، بعدما أدركوا أنه الإمام الثاني عشر الذي يقوم بالسيف، وأن نهاية الظالمين على يديه.
فهذه واحدة من الحكم التي أوجبت غيبته مع حاجة الناس الشديدة له، فغيبته إذن ليست اعتباطية، كما أن غيبته لها مقدار وأمد لا يعلمه إلا الله تعالى, وحتى لو جهلنا الحكمة من غيبته ما كان لنا إلا التسليم لأمر الباري تعالى وقضائه في أوليائه، ولابد للإمام عليه السلام من يوم يظهر فيه ولو لم يبق إلا يوم واحد لابد أن يخرج فيه ليملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
جاء في كتاب (نور الأفهام) في الحكمة من غيبة الإمام عليه السلام قال: (وليس في غيبته من بأس) ولا موقع لاعتراض بعض النصّاب على ذلك إن كان في الغيبة حفظ النفس المقدسة التي له، أو النفوس المحترمة التي تخرج في مستقبل الدهور من أصلاب الكفرة والفسقة، وأن خروجها منهم متوقف على صبره، وكفه عن قتل الآباء الكفرة، كما كفّ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الأنبياء والأولياء عن هلاك أعدائهم مع قدرتهم الكاملة على ذلك بإذن الله تعالى، وصبروا على ما نالهم منهم من المكاره، واحتملوا أذاياهم رجاء اهتدائهم ورجوعهم إلى الحق، أو لعلمهم بوجود ذرية مؤمنة في أصلابهم، وأنه لابد في حصول الثمرة من إبقاء الشجرة، وعدم التعرض لها بالقطع أو الإعدام إلى أن يحصل اليأس من ذلك.
كما أن نبي الله نوحاً عليه السلام لم يدع على قومه الكفار إلا بعد يأسه من عقب مؤمنة منهم، وعلم عدم وجود ذرية صالحة في أصلابهم، وعندئذ دعا عليهم بقوله عليه السلام: (رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا).(٨٣١)
وعليه، فلو لم يكن لقعود النبي أو الإمام عن قتال أعدائهم، ولا لصبرهم على مكاره الدهر وأذايا الكفار، أو لغيبتهم واختفائهم عن الأبصار حكمة ولا مصلحة سوى ذلك لكفى به موجباً وسبباً للصبر عن الأعادي، وإمهالهم في الحياة الدنيوية، فضلاً عما لو انضم إلى ذلك مصالح أخرى، وموجبات خفية غيرها مكنونة في علمه تعالى.
ولذلك كله ترى كثيراً من الأنبياء قد اختفوا دهراً طويلاً عن كفار قومهم، وهربوا وغابوا مدة متمادية عن أشرار أممهم، ألم يغب يونس النبي عن أمته عشرين سنة حتى تضايقوا بغيبته في المأكل والمشرب، وأشرفوا على الهلاك؟ وهل أتاه القدح أو أصابه النقص في نبوته من غيبته؟ أو هل يتوجه عليه بذلك اعتراض بعد العلم والتسالم على كونهم معصومين من كل خطأ ومعصية؟ وأنهم لا يأتون بحركة ولا سكون إلا بأمر ربهم تعالى، وأنهم (عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ).(٨٣٢)
ومن هنا يعلم أن اعتراضات بعض النصاب الملحدين على الفرقة الإمامية في اعتقادهم، واتفاقهم على وجود هذا الإمام الثاني عشر وغيبته عن الأنظار، وانتقادات أولئك المنافقين على تلك الفرقة المحقة من وجوه شتى لم تنشأ إلا من الجهل والعناد، أو من التعامي والإلحاد، وأن عمدة ما نهقوا به في مقام الاعتراض أمور ثلاثة، استندوا فيها إلى مجرد الاستبعاد، من غير دليل ولا برهان...(٨٣٣)
الحكمة من الغيبة في الروايات الشريفة
نعتقد نحن الإمامية أن هناك حِكَماً متعددة في مسألة غيبة الإمام المهدي عليه السلام كما أفصحت بذلك جملة من الروايات الشريفة، وسوف تتضح جميع أسباب غيبته عند ظهوره الشريف، هذا، حتى ولو لم ندرك الحكمة من الغيبة ليس لنا في ذلك إلا التسليم بها.
قال عبد الله بن الفضل الهاشمي: سمعت الصادق جعفر بن محمد عليه السلام يقول: إن لصاحب هذا الأمر غيبة لابد منها يرتاب فيها كلُّ مبطل، فقلت له: ولم جعلت فداك؟
قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم, قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: وجه الحكمة في غيبته، وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره, إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره، كما لا ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى عليه السلام إلا وقت افتراقهما، يابن الفضل: إن هذا الأمر أمرٌ من أمر الله، وسرٌّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنه عزَّ وجلَّ حكيم صدّقنا بأن أفعاله كلها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف لنا.(٨٣٤)
ولعل هذه الرواية الشريفة ناظرة إلى عدم ظهور تمام العلة من غيبة الإمام عليه السلام للناس كافة، وأنهم لا يفهمون سرّ غيبته تماماً إلا بعد خروجه عليه السلام، فحينئذ يتبين لهم حقيقة الأمر، وهذا لا يمنع إن يتبين لبعض الناس بعض وجوه الحكمة من غيبته كما أشارت إليها بعض الروايات الشريفة التي أفصحت عن بعض أسباب الغيبة والحكمة منها، وإليك هنا ما ورد في ذلك:
١ - لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف
روى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى: عن أمير المؤمنين قال عليه السلام: إن القائم منا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة، فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه.(٨٣٥)
وعن أبي سعيد عقيصا عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام: أما علمتم أنه ما منا أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم عليه السلام خلفه، فإن الله عزَّ وجلَّ يخفي ولادته، ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الإماء...(٨٣٦)
وروي عن علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن بن موسى الرضا عليه السلام أنه قال: كأني بالشيعة عند فقدهم الثالث (الرابع ن ل) من ولدي كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه، قلت له: ولم ذاك يا بن رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: لأن إمامهم يغيب عنهم، فقلت: ولم؟ قال: لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف.(٨٣٧)
وروى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى أنه مما خرج من التوقيع الشريف قوله عليه السلام في بعض أجوبته المباركة الشريفة: وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عزَّ وجلَّ يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)(٨٣٨) إنه لم يكن لأحد من آبائي عليهم السلام إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإني أخرج حين أخرج، ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي...(٨٣٩)
وهذه الروايات واضحة الدلالة على أن الإمام المهدي عليه السلام يغيب عن الناس لئلا تكون في عنقه قط بيعة لأحد من الحكام والسلاطين، وهذا من خصوصياته عليه السلام.
٢ - لعدم الأمن على نفسه
روى الشيخ الصدوق: عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: للقائم غيبة قبل قيامه، قلت: ولم؟ قال: يخاف على نفسه الذبح.(٨٤٠)
وعن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء عليهم السلام: سنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد صلى الله عليه وآله.
فأما من موسى: فخائف يترقب، وأما من يوسف فالحبس، وأما من عيسى فيقال: إنه مات، ولم يمت، وأما من محمد صلى الله عليه وآله فالسيف.(٨٤١)
ومعنى هذا لو ظهر قبل أوان خروجه المحدد له لقتلوه، فهو إذن غير آمن على نفسه من الخطر حتى يأذن الله له بالظهور.
٣ - حتى تظهر ودائع الله عزَّ وجلَّ
روى الشيخ الصدوق: عن إبراهيم الكرخي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أصلحك الله ألم يكن علي عليه السلام قوياً في دين الله عزَّ وجلَّ؟ قال: بلى. قال: فكيف ظهر عليه القوم، وكيف لم يدفعهم وما يمنعه من ذلك؟
قال: آية في كتاب الله عزَّ وجلَّ منعته، قال: قلت: وأية آية هي؟ قال: قوله عزَّ وجلَّ: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)(٨٤٢) إنه كان لله عزَّ وجلَّ ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين، فلم يكن علي عليه السلام ليقتل الآباء حتى يخرج الودائع، فلما خرجت الودائع ظهر على من ظهر فقاتله، وكذلك قائمنا أهل البيت عليهم السلام لن يظهر أبداً حتى تظهر ودائع الله عزَّ وجلَّ فإذا ظهرت ظهر على من يظهر فقتله.(٨٤٣)
وهذه واحده من العلل التي تؤخر ظهوره حتى يخرج جميع هؤلاء إلى الحياة الدنيا.
٤ - حتى يجتمع للإمام عليه السلام عدة أهل بدر
القاضي النعمان المغربي: عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام أنه قال: إذا اجتمع للإمام عدة أهل بدر ثلاث مائة وثلاثة عشر وجب عليه القيام والتغيير.(٨٤٤)
ومعنى هذا أن جملة أصحاب الإمام المهدي عليه السلام أشخاص معدودون ومعينون، وليس حالهم حال غيرهم بل هم النخبة والصفوة من الناس، فجملة منهم أصحاب أهل الكهف كما قيل، والباقي من سائر الناس، كما أن جملة منهم أيضاً لم يولدوا بعد، وعلى كلّ حال إذا تكامل هذا العدد خرج، كما أن هذه العدة هم أصحاب الألوية، وقد جاء أيضاً في الروايات أنه إذا خرج يخرج معه عشرة آلاف نفر، ولكن العمدة هو تكامل عدد عدة بدر.
٥ - لتجري فيه سنن الأنبياء وغيباتهم
الشيخ الصدوق: عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن للقائم منا غيبة يطول أمدها، فقلت له: يا بن رسول الله ولم ذلك؟ قال: لأن الله عزَّ وجلَّ أبى إلا أن تجري فيه سنن الأنبياء عليهم السلام في غيباتهم، وإنه لا بد له يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم، قال الله تعالى: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ)(٨٤٥) أي سنن من كان قبلكم.(٨٤٦)
الأمر الرابع: إنتفاع الناس من وجود الإمام عليه السلام
الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى: عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله في حديث له قال جابر: فقلت له: يا رسول الله فهل يقع لشيعته الإنتفاع به في غيبته؟ فقال عليه السلام: إي والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجللها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سرّ الله، ومخزون علمه، فاكتمه إلا عن أهله.(٨٤٧)
وروى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى عن سليمان بن مهران الأعمش، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين عليهم السلام، قال:.. ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها، ظاهر مشهور، أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله، قال سليمان: فقلت للصادق عليه السلام: فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب.(٨٤٨)
وروى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى أيضاً أنه مما خرج من التوقيع الشريف قوله عليه السلام في بعض أجوبته المباركة الشريفة: وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالإنتفاع بالشمس إذا غيبتها عن الأبصار السحاب، وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء.. الحديث.(٨٤٩)
الأمر الخامس: يشهد موسم الحج كل عام
تشير بعض الروايات الشريفة أن الإمام عليه السلام يشهد موسم الحج في كل عام، وأنه يرى الناس ولكن الناس لا يعرفونه بشخصه، مما يعني أن الإمام عليه السلام وإن غاب عن الناس لكنه يشهد معهم أكبر فريضة، ويراهم ولا يرونه ويعلم بآلامهم.
روى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى: عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: يفقد الناس إمامهم، يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه.(٨٥٠)
وفي الخرائج روى الراوندي رحمه الله تعالى: قال الحسن بن علي العسكري عليهما السلام لأحمد بن إسحاق، وقد أتاه ليسأله عن الخلف بعده، فقال مبتدئاً: مثله مثل الخضر، ومثله مثل ذي القرنين, إن الخضر شرب من ماء الحياة، فهو حي لا يموت حتى ينفخ في الصور، وإنه ليحضر الموسم كلَّ سنة، ويقف بعرفة، فيؤمن على دعاء المؤمنين، وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته، ويصل به وحدته.(٨٥١)
الأمر السادس: التقية في زمن الغيبة
الشيخ الصدوق: عن الحسين بن خالد قال: قال علي بن موسى الرضا عليه السلام: لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، إن أكرمكم عند الله عزَّ وجلَّ أعملكم بالتقية قبل خروج قائمنا، فمن تركها قبل خروج قائمنا فليس منا...(٨٥٢)
الأمر السابع: انتظار الفرج في زمن الغيبة وفضله
أفصحت بعض الروايات الشريفة أن أفضل الأعمال في زمن الغيبة هو انتظار الفرج(٨٥٣) ووعدت بالثواب الجزيل على ذلك، وأن الصابر في زمن الغيبة كالمجاهد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا يتم ذلك إلا بالإستقامة على ولايتهم، والطاعة لأوامرهم، قال زيد بن أرقم: قال الحسين ابن علي عليه السلام: ما من شيعتنا إلا صديق شهيد، قلت: أنى يكون ذلك وهم يموتون على فراشهم؟ فقال: أما تتلو كتاب الله (الَّذِينَ آَمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ)(٨٥٤).(٨٥٥)
فعلى هذا بات من الضروري أن نسير على خطى أهل البيت عليهم السلام وتعاليمهم، متحلين بالفضائل النفسية، مترقبين ومتطلعين ليوم ظهور الإمام عليه السلام حتى إذا خرج كنّا معه، فإن الله تعالى إذا علم من العبد صدق النية في ذلك فهو عنده كمن كان مع القائم عليه السلام في فسطاطه كما جاءت به الرواية، يقول السيد ميرزا محمد تقي الأصفهاني فيما يجب علينا في زمن الغيبة هو: تهذيب النفس من الصفات الخبيثة، وتحليتها بالأخلاق الحميدة، وهذا الأمر واجب في كل زمان، لكنّ تخصيصه بالذّكر في وظائف زمن غيبة ولّي العصر عجل الله تعالى فرجه لأجل أن درك فضيلة صحبته، والكون في جملة أصحابه منوط بذلك.(٨٥٦)
وإليك هنا بعض الروايات الشريفة في ذلك، وهي كما يلي:
ما رواه الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى: عن عبد العظيم الحسني، عن محمد بن علي التقي عليه السلام: أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج.(٨٥٧)
وعن أبي بصير قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: يا أبا بصير طوبى لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته، والمطيعين له في ظهوره، أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.(٨٥٨)
وعن أبي إبراهيم الكوفي، عن أبي عبد الله عليه السلام: المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله يذّب عنه.(٨٥٩)
وفي بعض الروايات الشريفة: أما إن الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله.(٨٦٠)
وروى ابن بابويه القمي: عن المفضل بن عمر، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: من مات منتظراً لهذا الأمر كان كمن كان مع القائم في فسطاطه، لا، بل كان كالضارب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف.(٨٦١)
وعن علي بن هاشم، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما ضرّ من مات منتظراً لأمرنا ألا يموت في وسط فسطاط المهدي وعسكره.(٨٦٢)
وعن عمرو بن ثابت قال: قال علي بن الحسين سيد العابدين عليهما السلام: من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله عزَّ وجلَّ أجر ألف شهيد من شهداء بدر وأُحد.(٨٦٣)
وروى النعماني: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ليعد أحدكم لخروج القائم عليه السلام ولو سهماً، فإن الله إذا علم ذلك من نيته رجوت لأن ينسئ في عمره حتى يدركه، ويكون من أعوانه وأنصاره.(٨٦٤)
قال المفضل بن عمر: ذكرنا القائم عليه السلام ومن مات من أصحابنا ينتظره، فقال لنا أبو عبد الله عليه السلام: إذا قام أتى المؤمن في قبره فيقال له: يا هذا! إنه قد ظهر صاحبك، فإن تشأ أن تلحق به فالحق، وإن تشأ أن تقيم في كرامة ربّك فأقم.(٨٦٥)
الأمر الثامن: من حقوق الإمام علينا في زمن الغيبة
للإمام المهدي عليه السلام حقوق علينا كثيرة جداً، فليس هناك أحد أعظم حقاً منه على سائر هذه الأمة، وأنى لنا بإيفاء حقِّ وليّ النعمة(٨٦٦)، وهو الذي بيمنه رزق الورى، وبقاء الأرض ببقائه، فلولاه لساخت بأهلها،، وهو المولى الذي عمّ المؤمنين بنواله ولطفه ورعايته، ومن يشك في ذلك، وهو أحد الذين أمر القرآن بولايتهم ومودتهم، قال تعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى).(٨٦٧)
قال السيد ميرزا محمد تقي الأصفهاني في عظيم حقّ الإمام علينا (باختصار): فمنها: حقّ الوجود، وحقّ البقاء في الدنيا، وحقّ القرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله فقد روي عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) قال: هم الأئمة(٨٦٨) وفي حديث نداء القائم عليه السلام حين ظهوره في مكة، قال: وأسألكم بحقّ الله، وحقّ رسوله، وبحقّي، فإنّ لي عليكم حقُّ القربى برسول الله صلى الله عليه وآله.(٨٦٩)
ومنها: حقّ المنعم على المتنعّم، وحقّ واسطة النعمة، ففي الحديث النبوي قال صلى الله عليه وآله: من أتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا من أنفسكم أنكم كافأتموه(٨٧٠) وقد اجتمع الحقان لمولانا صاحب الزمان عليه السلام، فإنّ ما ينتفع به أهلُ كلّ زمان إنّما هو ببركة إمام زمانهم، ويدل على ما ذكرنا ما في زيارة الجامعة: وأولياء النعم...(٨٧١)
ومنها: حقّ الوالد على الولد، فإن الشيعة مخلوقون من فاضل طينتهم، كما أنّ الولد مخلوق من والده، وفي الكافي عن الإمام الرضا عليه السلام: الإمام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق(٨٧٢) وعن رسول الله صلى الله عليه وآله: أنا وعليٌّ أبوا هذه الأمة.(٨٧٣)
ومنها: حقّ السيد على العبد، ففي الزيارة الجامعة: والسادة الولاة...(٨٧٤)
ومنها: حقّ العالم على المتعلم، فهو وآباؤه الطاهرون هم الراسخون في العلم كما في عدّة روايات...(٨٧٥)
ومنها: حقّ الإمام على الرعيّة، ففي الكافي بإسناده عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام: ما حقّ الإمام على الناس؟ قال: حقّه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا...(٨٧٦)
وقد ذكر خاتمة المحدثين الشيخ حسين النوري قدّس سرّه الشريف في كتابه القيم: (النجم الثاقب) جملة من الحقوق والتكاليف في الباب العاشر.(٨٧٧)
ونكتفي هنا - باختصار - بما ذكره عنه المحدّث الشيخ عباس القمي رحمه الله تعالى في كتابه (منتهى الآمال) مما ينبغي علينا تجاه مولانا الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف من الأمور في زمن الغيبة، ليكون لنا تذكرة، وهي كما يلي:
الأول: أن يكون مهموماً مغموماً لأجل الإمام عليه السلام في زمن الغيبة، وذلك لأمور، منها:
أ - غيابه عنّا بحيث لا نتمكن من الوصول إليه، وإنارة أبصارنا بالنظر إلى جماله، فقد روي في عيون الأخبار عن الإمام الرضا عليه السلام في ضمن حديث يتعلق بالحجة عليه السلام أنه قال:.. ثم قال: بأبي وأمّي سميَّ جدّي وشبيهي وشبيه موسى بن عمران عليه السلام، عليه جيوب النور تتوقّد بشعاع ضياء القدس، كم من حرّى مؤمنة، وكم من مؤمن متأسف حيران حزين عند فقدان الماء المعين.(٨٧٨)
ونقرأ في دعاء الندبة: عزيزٌ عليَّ أن أرى الخلق ولا تُرى، ولا أسمع لك حسيساً ولا نجوى، عزيزٌ عليَّ أن تُحيط بك دوني البلوى، ولا ينالك منّي ضجيجٌ ولا شكوى، بنفسي أنت من مغيّبٍ لم يخلُ منّا... عزيزٌ عليَّ أن أبكيك ويخذلك الورى.. إلى آخر الدعاء الذي هو نموذج لمناجات من ارتشف من كأس محبّته.
ب - ومنها: عدم تمكنه عليه السلام من إجراء الأحكام والحقوق والحدود، ورؤيته أنّ حقّه في يد غيره، فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال لعبد الله بن دينار: يا عبد الله ما من عيد للمسلمين أضحى ولا فطر إلا وهو يتجدد فيه لآل محمد حزن، قلت: فلم؟ قال: لأنّهم يرون حقّهم في يد غيرهم.(٨٧٩)
الثاني: (انتظار الفرج)
ومن تكاليف العباد في أيام الغيبة انتظار فرج آل محمد صلى الله عليه وآله في كلِّ آنٍ ولحظة، وترقّب ظهور الدولة القاهرة، والسلطنة الظاهرة لمهدي آل محمد عليه السلام، وامتلاء الأرض بالعدل والقسط، وغلبة الدين القويم على سائر الأديان، كما أخبر الله تعالى بذلك النبي صلى الله عليه وآله ووعده، بل أخبر جميع الأنبياء والملل بذلك، وبشّرهم بمجيء يوم لا يُعبد فيه إلا الله، ولا يبقى شيء من الدين مختفياً خوفاً من الأعداء، ويذهب فيه البلاء عن المؤمنين، كما نقرأ في زيارة مهدي آل محمد عليهم السلام: السلام على المهدي الذي وعد الله به الأمم أن يجمع به الكلم، ويلّم به الشّعث، ويملأ به الأرض عدلاً وقسطاً، وينجز به وعدّ المؤمنين.(٨٨٠)

وروى الشيخ النعماني في كتاب الغيبة عن علاء بن ساية، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من مات منكم على هذا الأمر منتظراً كان كمن هو في الفسطاط الذي للقائم عليه السلام.(٨٨١)
وروي عن علي بن موسى الرضا عليه السلام أنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج من الله عزّ وجلّ.(٨٨٢)
وروى الشيخ الطبرسي في الاحتجاج أنه ورد توقيع من صاحب الأمر عليه السلام على يد محمد بن عثمان وفي آخره:... وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنَّ ذلك فرجكم...(٨٨٣)
الثالث: ومن التكاليف، الدعاء لحفظ الإمام عليه السلام من شرّ شياطين الجنّ والإنس، ولتعجيل نصرته، وغلبته على الكفار والملحدين والمنافقين، فإنّ هذا قسم من أقسام إظهار المحبّة، وكثرة الشوق، والأدعية في هذا الباب كثيرة، منها ما روي عن يونس بن عبد الرحمن أن الإمام الرضا عليه السلام كان يأمر بالدعاء للقائم بهذا الدعاء: اللهم ادفع عن وليّك وخليفتك وحجتك.. الخ.(٨٨٤)
ومنها: هذا الدعاء الشريف: اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة، وفي كلّ ساعة ولياً وحافظاً، وقائداً وناصراً، ودليلاً وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.
وتكرر هذا الدعاء في الليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان على كلّ الأحوال، قياماً وقعوداً، وكذلك تكرره في جميع الشهر، وبأيّ وجه وفي أيّ وقت كان، فتقرأه بعد تمجيد الله وتحميده، والصلوات على النبيّ وآله.
الرابع: إعطاء الصدقة عنه لحفظه في أيّ وقت وبأيّ مقدار كانت، ولابد من استجلاب كلّ الوسائل والأسباب التي لها دخل في صحته عليه السلام وعافيته ودفع البلاء عنه، كالدعاء والتضرع والتصدق والتوسل لعدم وجود نفس أعزّ ولا أكرم من نفس إمام العصر أرواحنا فداه، بل لا بد أن تكون نفسه أعزّ وأحبّ إلينا من أنفسنا، وبخلافه يكون ضعفاً ومنقصة في الدين، وخللاً في العقيدة، كما روي بأسانيد معتبرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: لا يؤمن عبد حتى أكون أحبّ إليه من أهله، وعترتي أحبّ إليه من عترته...(٨٨٥)
وكيف لا يكون كذلك والحال أنّ وجود وحياة ودين وعقل وعافية وسائر النعم الظاهرية والباطنية لجميع الموجودات من بركات وجوده المقدّس ووجود أوصيائه عليهم السلام.
أقول: جاء في كتاب الدروع الواقية للسيد ابن طاووس رحمه الله تعالى في ذكره صلاة ركعتي أول الشهر، وإعطاء الصدقة لشراء السلامة من أخطار الشهر، قال قدس سره الشريف: ومما ينبغي أن تعرفه من سبيل أهل التوفيق وتعلمه فهو أبلغ في الظفر بالسلامة على التحقيق، وذلك أن تبدأ في قلبك عند صلاة الركعتين، وعند الصدقة والدعاء بتقديم ذكر سلامة من يجب الاهتمام بسلامته قبل سلامتك، وهو الذي تعتقد أنه إمامك وسبب سعادتك في دنياك وآخرتك.
واعلم أنه صلوات الله عليه غير محتاج إلى توصلك بصلاتك وصدقتك ودعائك في سلامته من شهره، لكن إذا نصرته جازاك الله جلَّ جلاله بنصره، وجعلك في حصن حريز، قال الله جل جلاله: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).(٨٨٦)
ولأن من كمال الوفاء لنائب خاتم الأنبياء، أن تقدمه قبل نفسك في كل خير تقدر عليه، ودفع كل محذور أن يصل إليه، وكذا عادة كلّ إنسان مع من هو أعز من نفسه عليه، ولأنك إذا استفتحت أبواب القبول، بطاعة الله جلّ جلاله والرسول، يرجى أن تفتح الأبواب لأجلهم، فتدخل أنت نفسك في ضيافة الدخول تحت ظلهم، وعلى موائد فضلهم.(٨٨٧)
الخامس: الحج عنه عليه السلام أو الإستنابة له كما كان ذلك مرسوماً عند الشيعة منذ القدم، وأقرّهم عليه السلام بذلك، كما روى القطب الراوندي رحمه الله تعالى في الخرائج في قصة أبي محمد الدعلجي.. الخ.(٨٨٨)
السادس: القيام عند سماع اسمه الكريم سيّما اسم (القائم) كما كان ذلك سيرة جميع طبقات الإمامية كثّرهم الله تعالى، وهذا يدل على وجود مصدر وأصل لهذا العمل... قال سيدنا الأجل السيد حسن الموسوي الكاظمي في تكملة أمل الآمل ما حاصله:
كتب أحد علماء الإمامية وهو عبد الرضا بن محمد من أولاد المتوكل كتاباً في وفاة الإمام الرضا عليه السلام اسمه (تأجيج نيران الأحزان في وفات سلطان خراسان) ومن منفردات هذا الكتاب أنه قال: لما أنشد دعبل الخزاعي قصيدته التائية على الإمام الرضا عليه السلام ولما وصل إلى قوله:

خروج إمام لا محالة خارجٌ * * * يقومُ على اسم الله بالبركاتِ

قام الإمام الرضا عليه السلام على قدميه، وأطرق رأسه إلى الأرض، ثم وضع يده اليمنى على رأسه وقال: اللهم عجّل فرجه ومخرجه، وانصرنا به نصراً عزيزاً.
السابع: من تكاليف العباد في ظلمات الغيبة، التضرع إلى الله تعالى ومسألته أن يحفظ إيمانهم من تطرّق شبهات الشياطين، وزنادقة المسلمين، وقراءة الأدعية الواردة في هذا الباب، منها: الدعاء الذي رواه الشيخ النعماني والكليني بأسانيد متعددة عن زرارة، عن الإمام الصادق عليه السلام: اللهم عرّفني نفسك فإنك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرّفني رسولك فإنك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجتك، الله عرّفني حجتك فإنك إن لم تعرّفني حجتك ضللت عن ديني.(٨٨٩)
ومنها: دعاء طويل، أوله هذا الدعاء المذكور، ثم بعده: اللهم لا تمتني ميتة جاهلية، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني.. إلى آخر الدعاء.(٨٩٠)
ومنها: دعاء الغريق
وهو: عن عبد الله بن سنان قال: دخلت أنا وأبي على أبي عبد الله عليه السلام فقال: فكيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى، ولا علماً يرى، ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق(٨٩١)، فقال له أبي: إذا وقع هذا (البلاء)(٨٩٢) فكيف نصنع؟ فقال: أما أنت فلا تدركه، فإذا كان ذلك فتمسكوا بما في أيديكم حتى يتضح لكم الأمر.(٨٩٣)
وعن محمد بن مسعود قال: وجدت بخط جبرئيل بن أحمد: حدثني العبيدي محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى، ولا إمام هدى ولا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق، قلت: كيف دعاء الغريق؟ قال: يقول: يا الله يا رحمن يا رحيم، يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك. فقلت: يا الله يا رحمن يا رحيم: يا مقلب القلوب والأبصار ثبّت قلبي على دينك.
قال: إن الله عزَّ وجلَّ مقلب القلوب والأبصار، ولكن قل كما أقول لك: يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك.(٨٩٤)
الثامن: الإستغاثة والإستعانة به عليه السلام في الشدائد والأهوال والبلايا والأمراض وحلول الشبهات والفتن من مختلف الجوانب، وطلب حلّ المشاكل والشبهات، ورفع الكربات، ودفع البلايا، لأنه عليه السلام وبحسب القدرة الإلهية، والعلوم الربّانية عالم بأحوال العباد، وقادر على إجابة مرادهم، عام الفيض، لا ولن يغفل عن النظر في أمور رعاياه، وهو بنفسه قال في التوقيع الذي خرج إلى الشيخ المفيد:.. فإنا يحيط علمنا بأنبائكم، ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالزلل الذي أصابكم..(٨٩٥)
إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى من حقوق الإمام عليه السلام على الأمة.(٨٩٦)
زيارة الإمام المهدي عليه السلام والدعاء له
أقول: ولا بأس أن نتعرض هنا بشيء من التوسع في هذين الأمرين العظيمين، وهما: تعّهد زيارة الإمام والدعاء له، فنقول:
١ - تعّهد زيارة الإمام المهدي عليه السلام
من حقوق الإمام المهدي عليه السلام علينا هو تعهد زيارته، كما نتعهد زيارة قبور أبائه وأجداده الطاهرين عليهم السلام، وهذا الحق من لوازم المحبة التي افترضها الله تعالى علينا لهم، فحقوقهم أعظم من حقّ كلّ قرابة، كما جاء في الحديث السابق عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (وعترتي أحبّ إليه من عترته..).
كما أن تعهّد زيارته عليه السلام أيضاً من تمام الوفاء للعترة الطاهرة عليهم السلام، روى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى عن الحسن بن علي الوشاء قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول: إن لكلّ إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وأن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم، وتصديقاً بما رغبوا فيه كانت أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة.(٨٩٧)
قال الشهيد الأول رحمه الله تعالى: ويستحب زيارة المهدي عليه السلام في كلّ مكان وكلّ زمان، والدعاء بتعجيل الفرج عند زيارته، وتتأكد زيارته في السرداب بسرّ من رأى.(٨٩٨)
ونذكر هنا من الزيارات التي يزار بها الإمام عليه السلام، ما يلي:
زيارة: السلام على الحق الجديد
وهي كما عن المزار للشهيد الأول:
السلام على الحق الجديد والعالم الذي علمه لا يبيد، السلام على محيي المؤمنين ومبير الكافرين، السلام على مهدي الأمم وجامع الكلم، السلام على خلف السلف وصاحب الشرف، السلام على حجة المعبود وكلمة المحمود، السلام على معزّ الأولياء ومذل الأعداء، السلام على وارث الأنبياء وخاتم الأوصياء، السلام على الإمام المنتظر والغآئب المشتهر, السلام على السيف الشاهر، والقمر الزاهر، والنور الباهر، السلام على شمس الظلام، وبدر التمام، السلام على ربيع الأيتام، وفطرة الأنام.
السلام على صاحب الصمصام وفلاق الهام، السلام على صاحب الدين المأثور، والكتاب المسطور، والسلام على بقية الله في بلاده وحجته على عباده, والمنتهى إليه مواريث الأنبياء, ولديه موجود آثار الأصفياء، السلام على المؤتمن على السّر، والولي للأمر، والسلام على المهدي الذي وعد الله تعالى به الأمم أن يجمع به الكلم ويلمّ به الشعث، ويملأ به الأرض قسطاً وعدلاً، ويمكن له، وينجز به وعد المؤمنين، أشهد أنك والأئمة من آبآئك أئمتي وموالي في حيوة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، أسالك يا مولاي أن تسأل الله تبارك وتعالى في صلاح شأني، وقضاء حوائجي، وغفران ذنوبي, والأخذ بيدي في ديني ودنياي وآخرتي لي ولكافة إخواني المؤمنين والمؤمنات إنه غفور رحيم، وصلى الله على سيدنا محمد رسول الله وآله الطاهرين.(٨٩٩)
الاستغاثة بالإمام المهدي عليه السلام
الإمام المهدي هو غوث الأمة، وبه النجاة صلى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين في الدنيا والآخرة، يلجأ إليه المؤمن في قضاء حوائجه، ويفزع إليه في كشف كروبه, فهو بأبي وأمي غوث المضطر المستكين، وملجأ الهاربين، وعصمة اللاجين، وأمان الخائفين، حدّث الراوندي رحمه الله تعالى عن أبي الوفاء الشيرازي أنه لما كان مأسوراً بكرمان رأى رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام وشكى له الحال، قال له: وأما الحجة فإذا بلغ منك السيف المذبح - وأومأ بيده إلى الحلق - فاستغث به فإنه يغيثك، وهو غياث وكهف لمن استغاث به.(٩٠٠)
قال محمد بن المشهدي رحمه الله تعالى في المزار: استغاثة إلى صاحب الزمان عليه السلام من حيث تكون تصلي ركعتين بالحمد وسورة، وقم مستقبل القبلة تحت السماء وقل:
سلام الله الكامل التام الشامل العام، وصلواته وبركاته القائمة التامة، على حجة الله ووليه في أرضه وبلاده، وخليفته على خلقه وعباده، وسلالة النبوة، وبقية العترة، والصفوة، صاحب الزمان، ومظهر الإيمان، ومعلن أحكام القرآن، مطهر الأرض، وناشر العدل في الطول والعرض، والحجة القائم المهدي، الإمام المنتظر المرتضى، الطاهر ابن الأئمة الطاهرين، الوصي ابن الأوصياء المرضيين، الهادي المهدي ابن الأئمة المعصومين، السلام عليك يا وارث علم النبيين، والمستودع حكم الوصيين، السلام عليك يا معزّ المؤمنين المستضعفين، السلام عليك يا مذّل الكافرين المتكبرين الظالمين، السلام عليك يا مولاي صاحب الزمان يابن رسول الله، السلام عليك يابن امير المؤمنين وابن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، السلام عليك يابن الحجج على الخلق أجمعين، السلام عليك يا مولاي سلام مخلص لك في الولاء.
أشهد أنك الإمام المهدي قولا وفعلا، وأنك الذي تملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فعجل الله فرجك وسهل مخرجك، وقرب زمانك، وكثر أنصارك وأعوانك، وأنجز لك ما وعدك، فهو أصدق القائلين: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).(٩٠١)
يا مولاي يا صاحب الزمان يابن رسول الله، حاجتي (كذا وكذا) فاشفع لي في نجاحها، فقد توجهت إليك بحاجتي لعلمي أن لك عند الله شفاعة مقبولة ومقاماً محموداً، فبحقّ من اختصكم لأمره وارتضاكم لسّرّه، وبالشأن الذي بينكم وبينه، سل الله تعالى في نجح طلبتي، وإجابة دعوتي، وكشف كربتي. وادع بما أحببت، فإنه يقضى أن شاء الله تعالى.(٩٠٢)
زيارة آل يس
روى الشيخ الطبرسي رحمه الله تعالى: عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنه قال: خرج التوقيع من الناحية المقدسة حرسها الله - بعد المسائل - : بسم الله الرحمن الرحيم لا لأمر الله تعقلون، ولا من أوليائه تقبلون، حكمة بالغة فما تغني النذر عن قوم لا يؤمنون، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. إذا أردتم التوجه بنا إلى الله تعالى وإلينا، فقولوا كما قال الله تعالى:
(سلام على آل يس) السلام عليك يا داعي الله ورباني آياته، السلام عليك يا باب الله وديان دينه، السلام عليك يا خليفة الله وناصر خلقه، السلام عليك يا حجة الله ودليل إرادته، السلام عليك يا تالي كتاب الله وترجمانه، السلام عليك يا بقية الله في أرضه، السلام عليك يا ميثاق الله الذي أخذه ووكده، السلام عليك يا وعد الله الذي ضمنه، السلام عليك أيها العلم المنصوب، والعلم المصبوب، والغوث والرحمة الواسعة وعداً غير مكذوب، السلام عليك حين تقعد, السلام عليك حين تقوم، السلام عليك حين تقرأ وتبين، السلام عليك حين تصلي وتقنت، السلام عليك حين تركع وتسجد، السلام عليك حين تُكبر وتُهلل، السلام عليك حين تحمد وتستغفر، السلام عليك حين تمسي وتصبح، السلام عليك في الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى.
السلام عليك أيها الإمام المأمون، السلام عليك أيها المقدّم المأمول، السلام عليك بجوامع السلام، أشهدك يا مولاي أني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، لا حبيب إلا هو وأهله، وأشهد أن أمير المؤمنين حجته، والحسن حجته، والحسين حجته، وعلي بن الحسين حجته، ومحمد بن علي حجته، وجعفر بن محمد حجته، وموسى بن جعفر حجته، وعلي بن موسى حجته، ومحمد بن علي حجته، وعلي بن محمد حجته، والحسن بن علي حجته، وأشهد أنك حجة الله.
أنتم الأول والآخر، وأن رجعتكم حقّ لا شك فيها يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، وأن الموت حق، وأن ناكراً ونكيراً حقّ، وأشهد أن النشر والبعث حقّ، وأن الصراط والمرصاد حقّ، والميزان والحساب حقّ، والجنة والنار حقّ، والوعد والوعيد بهما حقّ.
يا مولاي شقي من خالفكم، وسعد من أطاعكم، فاشهد على ما أشهدتك عليه، وأنا وليّ لك برئ من عدوك، فالحق ما رضيتموه، والباطل ما سخطتموه، والمعروف ما أمرتم به، والمنكر ما نهيم عنه، فنفسي مؤمنة بالله وحده لا شريك له، وبرسوله، وبأمير المؤمنين، وبأئمة المؤمنين وبكم يا مولاي، أولكم وآخركم، ونصرتي معدة لكم، فمودتي خالصة لكم، آمين آمين.
الدعاء عقيب هذا القول:
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إني أسألك أن تصلي على محمد نبي رحمتك، وكلمة نورك، وأن تملأ قلبي نور اليقين، وصدري نور الإيمان، وفكري نور الثبات، وعزمي نور العلم، وقوتي نور العمل، ولساني نور الصدق، وديني نور البصائر من عندك، وبصري نور الضياء, وسمعي نور وعي الحكمة، ومودتي نور الموالاة لمحمد وآله عليهم السلام، حتى ألقاك وقد وفيت بعهدك وميثاقك، فلتسعني رحمتك يا ولي يا حميد.
اللهم صل على حجتك في أرضك، وخليفتك في بلادك، والداعي إلى سبيلك والقائم بقسطك، والثائر بأمرك، ولي المؤمنين، وبوار الكافرين، ومجلي الظلمة ومنير الحق، والساطع بالحكمة والصدق، وكلمتك التامة في أرضك، المرتقب الخائف، والولي الناصح، سفينة النجاة، وعلم الهدى، ونور أبصار الورى، وخير من تقمّص وارتدى، ومجلي العمى، الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً إنك على كلّ شيء قدير.
اللهم صل على وليك وابن اوليائك الذين فرضت طاعتهم، وأوجبت حقّهم، وأذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا، اللهم انصره وانصر به أولياءك وأولياءه، وشيعته وأنصاره، واجعلنا منهم، اللهم أعذه من كل باغ وطاغ، ومن شر جميع خلقك، واحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، واحرسه، وامنعه، من أن يوصل إليه بسوء، واحفظ فيه رسولك وآل رسولك، وأظهر به العدل وأيده بالنصر، وانصر ناصريه واخذل خاذليه، واقصم به جبابرة الكفرة، واقتل به الكفار والمنافقين، وجميع الملحدين، حيث كانوا في مشارق الأرض ومغاربها، برها وبحرها، واملأ به الأرض عدلا، وأظهر به دين نبيك، واجعلني اللهم من أنصاره وأعوانه، وأتباعه وشيعته، وأرني في آل محمد ما يأملون، وفي عدوهم ما يحذرون إله الحق آمين، يا ذا الجلال والإكرام، يا أرحم الراحمين.(٩٠٣)
كيفية التسليم عليه عليه السلام إذا خرج
روى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن العلم بكتاب الله عزَّ وجلَّ وسنّة نبيه صلى الله عليه وآله لينبت في قلب مهدينا كما ينبت الزرع على أحسن نباته، فمن بقي منكم حتى يراه فليقل حين يراه: السلام عليكم يا أهل بيت الرحمة والنبوة, ومعدن العلم, وموضع الرسالة.
وروي أن التسليم على القائم عليه السلام أن يقال له: السلام عليك يا بقية الله في أرضه.(٩٠٤)
وفي كتاب الغيبة للشيخ الطوسي رحمه الله تعالى: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: من أدرك منكم قائمنا فليقل حين يراه: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة.(٩٠٥)
وروى الشيخ الكليني رحمه الله تعالى عن عمر بن زاهر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سأله رجل عن القائم يسلم عليه بإمرة المؤمنين؟ قال: لا ذاك اسم سمى الله به أمير المؤمنين عليه السلام، لم يسم به أحد قبله ولا يتسمى به بعده إلا كافر، قلت: جعلت فداك كيف يسلم عليه؟ قال: يقولون: السلام عليك يا بقية الله، ثم قرأ (بَقِيَّةُ الله خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(٩٠٦).(٩٠٧)
الصلاة على الحجة وعلى آبائه وأجداده الطاهرين عليهم السلام
اللهم صلّ على حجتك في أرضك، وخليفتك في بلادك، الداعي إلى سبيلك، والقائم بقسطك، والفائز بأمرك، ولي المؤمنين، ومبير الكافرين, ومجلي الظلمة، ومنير الحق، والصادع بالحكمة، والموعظة الحسنة والصدق، وكلمتك وعيبتك وعينك في أرضك، المترقب الخائف، الولي الناصح، سفينة النجاة وعلم الهدى، ونور أبصار الورى، وخير من تقمص وارتدى، والوتر الموتور، ومفرج الكرب، ومزيل الهم، وكاشف البلوى، صلوات الله عليه وعلى آبائه الأئمة الهادين، والقادة الميامين، ما طلعت كواكب الأسحار، وأورقت الأشجار، وأينعت الأثمار، واختلف الليل والنهار، وغردت الأطيار، اللهم انفعنا بحبه، واحشرنا في زمرته، وتحت لوائه، إله الحق آمين ربّ العالمين.(٩٠٨)
صلوات أخرى
اللهم صل على محمد وأهل بيته، وصل على ولي الحسن ووصيه ووارثه، القائم بأمرك، والغائب في خلقك، والمنتظر لإذنك, اللهم صل عليه, وقرّب بعده، وأنجز وعده، وأوف عهده، واكشف عن بأسه حجاب الغيبة، وأظهر بظهوره صحائف المحنة، وقدّم أمامه الرعب، وثبّت به القلب، وأقم به الحرب، وأيده بجند من الملائكة مسومين، وسلطه على أعداء دينك أجمعين، وألهمه أن لا يدع منهم ركناً إلا هده، ولا هاماً إلا قده ولا كيداً إلا رده، ولا فاسقاً إلا حده، ولا فرعون إلا أهلكه، ولا ستراً إلا هتكه، ولا علماً إلا نكسه، ولا سلطاناً إلا كبسه، ولا رمحاً إلا قصفه، ولا مطرداً إلا خرّقه، ولا جنداً إلا فرّقه، ولا منبراً إلا أحرقه، ولا سيفاً إلا كسره، ولا صنماً إلا رضه، ولا دماً إلا أراقه، ولا جوراً إلا أباده، ولا حصناً إلا هدمه, ولا باباً إلا ردمه، ولا قصراً إلا أخربه، ولا مسكناً إلا فتشه، ولا سهلاً إلا أوطئه، ولا جبلاً إلا صعده، ولا كنزاً إلا أخرجه، برحمتك يا أرحم الراحمين.(٩٠٩)
٢ - الدعاء للإمام المهدي عليه السلام
من حقوق الإمام عليه السلام علينا أيضاً: الدعاء له، وخصوصاً الإكثار من الدعاء له بتعجل الفرج، وقد تقدم قول الشهيد الأول رحمه الله تعالى: ويستحب زيارة المهدي عليه السلام في كل مكان وكل زمان، والدعاء بتعجيل الفرج عند زيارته(٩١٠) فهو حجة الله تعالى على خلقه, ولولاه لساخت الأرض بأهلها، وبه يخرج الله بركات الأرض، وبه يدفع الله البلاء عن أهل الأرض، جعله الله تعالى عصمة وملاذاً وأماناً للناس، فينبغي الاجتهاد في الدعاء له في جميع الأحوال.
هذا وقد تضمنت الأدعية الخاصة بالإمام عليه السلام الدعاء له بالفرج والنصر، فمما خرج من التوقيع الشريف قوله عليه السلام في بعض أجوبته المباركة ومواعظه الشريفة: فأغلقوا باب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم.. الحديث(٩١١) ولا يخفى (أن الدعاء كما دلّت عليه الآيات والروايات من أعظم أقسام العبادات، ولا شك أنّ أجل أنواع الدعاء، وأعظمها الدعاء لمن أوجب الله تعالى حقّه، والدعاء له على كافّة البريات، وببركة وجوده يفيض نعمه على قاطبة المخلوقات).(٩١٢)
وقد حدثني الخطيب الشهير العلامة الشيخ عبد الحسين الواعظ الخراساني رحمه الله تعالى في حديثه عن مولانا الإمام المهدي أرواحنا له الفداء قال: ماصليت مع السيد الخوئي قدّس سرّه صلاة إلا قنت بدعاء: اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه.. الخ، فقد كان من المداومين على هذا الدعاء في الصلوات اليومية.
والجدير بالذكر أن نشير هنا إلى أنه قد أشبع هذا الموضوع بحثاً من جميع جوانبه التقي السيد ميرزا محمد تقي الموسوي الأصفهاني في كتابه القيم: (مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم عليه السلام) في جزئين، ومن ذلك ماذكره في (الفصل الخامس) فقد ذكر فيه تسعين مكرمة من فوائد الدعاء للإمام عليه السلام، وقال: إن كمال تلك المكارم إنما يكون بتحصيل ملكة التقوى، وتهذيب النفس عمّا يغويها، وردعها عمّا يرديها، وذكر منها ما يلي:
زيادة النعم، وإظهار المحبة، وأنه علامة الإنتظار، ويُعدُّ إحياءً لأمر أهل البيت عليهم السلام، والنجاة من فتن آخر الزمان، وأنه أداء لبعض حقوقه العظيمة، وأنه تعظيم لله تعالى ولرسوله الكريم صلى الله عليه وآله، والفوز بشفاعته في يوم القيامة، وأنه وسيلة إلى الله تعالى، واستجابة الدعاء، وأنه أداء أجر نبوة النبي صلى الله عليه وآله، وأنه يصير سبباً لقرب وقوعه، والرجوع إلى الدنيا في زمان ظهوره، وأنه أسوة بالنبيّ والأئمة عليهم السلام، وأنه الوفاء بعهد الله تعالى، وزيادة إشراق نور الإمام في قلب الداعي، وطول العمر وما يترتب على صلة الأرحام والإحسان إلى السادات، وأنه سبب لتباعد الشيطان وفزعه، وأنه تعاون على البّر، ونصر الله إلى الداعي، والأمن من العقوبات الأخروية، والرفق عند الموت، وإعانة المظلوم.
ومنها: دعاء مولانا صاحب الزمان في حقّ الداعي له بالفرج والنصر، قال: ويدل على ذلك، مضافاً إلى أنّه مقتضى شكر الإحسان، الذي هو أولى به من كلّ إنسان قوله صلوات الله عليه في حجابه المروي في مهج الدعوات بعد الدعاء لتعجيل فرجه ما لفظه: واجعل من يتبعني لنصرة دينك مؤيدين، وفي سبيلك مجاهدين، وعلى من أرادني وأرادهم بسوء منصورين.. الخ(٩١٣) إذ لا ريب في أن الدعاء له، وبتعجيل فرجه اتّباع ونصرة له، فإن من أقسام النصرة للإيمان ولمولانا صاحب الزمان النصرة باللسان، والدعاء له من أقسام النصرة اللسانيّة، كما لا يخفى.. ويدل على المطلوب أيضاً ما ذكره علي بن إبراهيم القمي في تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا)(٩١٤) قال: السلام وغيره من البر، إذ لا يخفى أنّ الدعاء من أفضل أنواع البّر، فإذا دعا المؤمن لمولاه عليه السلام بخالص الدعاء كافاه مولاه أيضاً بخالص الدعاء، ودعاؤه مفتاح كلّ خير، ومقلاع كلّ ضير.(٩١٥)
وقال أيضاً في موضع آخر: أن الدعاء بتعجيل ظهور مولانا صاحب الزمان علامة ثبوت الإيمان، وناشئ عن ثبات الداعي على دينه، وإذا كان شاكاً في صدق هذا الأمر (العياذ بالله) لم يكن داعياً متضرعاً لتحققه فيدخل في زمرة الثابتين الموعودين بذلك الثواب، بقوله (عليه السلام): فمن ثبت منهم.. (الخ).(٩١٦)
وثانيهما: إن هذا الدعاء يصير سبباً لكمال الإيمان، وثبوته للإنسان، بنجاته من فتن آخر الزمان، كما قال مولانا أبو محمد العسكري لأحمد بن إسحاق القمي: والله ليغيبن غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلا من ثبّته الله عزَّ وجلَّ على القول بإمامته، ووفقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه.. الخبر(٩١٧).(٩١٨)
ونذكر هنا من جملة الموارد التي ورد فيها الدعاء للحجة عليه السلام ما يلي:
الدعاء للإمام عليه السلام في الخطبة
روى الشيخ الكليني رحمه الله تعالى في الكافي عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في خطبة يوم الجمعة، الخطبة الأولى: الحمد لله نحمده ونستعينه إلى أن قال عليه السلام: ثم تجلس قدر ما تمكن هنيهة، ثم تقوم فتقول: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره.. وساق الحديث وفي الخطبة يقول: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول ربّ العالمين - ثم تقول - : اللهم صلّ على أمير المؤمنين ووصي رسول ربّ العالمين - ثم تسمي الأئمة حتى تنتهي إلى صاحبك، ثم تقول:
افتح له فتحاً يسيراً، وانصره نصراً عزيزاً، اللهم أظهر به دينك وسنة نبيك حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافة أحد من الخلق، اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة، تُعزُّ بها الإسلام وأهله، وتُذلُ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة في سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة، اللهم ما حملتنا من الحقّ فعرّفناه، وما قصرنا عنه فعلّمناه.(٩١٩)
الدعاء للإمام عليه السلام في يوم عرفة
ويشهد لذلك دعاء سيد الساجدين عليه السلام المذكور في الصحيفة، ودعاء مولانا الصادق عليه السلام المروي في الإقبال وزاد المعاد.(٩٢٠)
وجاء في مناسك الحج للسيد الگلپايگاني قدس سره في مستحبات الوقوف بالمشعر الحرام (في المورد السابع) مما يدعى به، قال: التشهد بالشهادتين والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وذكر الأئمة عليهم السلام واحداً بعد واحد، والدعاء لهم، وللحجة المنتظر عليه السلام بتعجيل الفرج، والبراءة من أعدائهم، بل الأحوط أن لا يترك الذكر والصلاة على النبي وآله.(٩٢١)
الدعاء للإمام عليه السلام في يوم العيد
جاء في كتاب مكيال المكارم: ويشهد لتأكد هذا الدعاء فيه وروده في الدعاء المذكور في كتاب الإقبال عند إرادة الخروج إلى صلاة الفطر أو الأضحى، والدعاء الذي يدعى به في الطريق عند الخروج إلى صلاة الفطر... واستحباب دعاء الندبة فيه أيضاً.. الخ.(٩٢٢)
الدعاء للإمام عليه السلام في يوم الجمعة
قال السيد ميرزا محمد تقي الأصفهاني: ويدل على تأكد الدعاء له عليه السلام في يوم الجمعة ورود دعاء الندبة فيه، وفي العيدين،.. واعلم أن ليوم الجمعة اختصاصاً وانتساباً إلى مولانا الحجة عليه السلام من وجوه عديدة، تقتضي الإهتمام فيه بالدعاء له عليه السلام قد ذكرناها في كتاب أبواب الجنات في آداب الجمعات، ونشير إليها في هذا الكتاب، تذكرة لأولي الألباب: الأول: وقوع ولادته فيه، الثاني: انتقال الإمامة إليه، الثالث: وقوع ظهوره فيه، الرابع: استيلاؤه فيه على أعدائه، الخامس: إنه يوم أخذ العهد والميثاق له ولآبائه الأطهار، السادس: إنه يوم خصّه الله تعالى بلقب القائم عليه السلام، السابع: إنه من جملة ألقابه الشريفة، وقد ذكرنا هناك وجوها أخرى من أرادها فليرجع إلى ذلك الكتاب.(٩٢٣)
وقال السيد ابن طاووس الحسني رحمه الله تعالى: يوم الجمعة، وهو يوم صاحب الزمان صلوات الله عليه وباسمه، وهو اليوم الذي يظهر فيه عجل الله فرجه، أقول متمثلاً وأشير إليهم صلوات الله عليهم:

محبكم وإن قبضت حياتي * * * وزائركم وإن عقرت ركابي

السلام عليك يا حجة الله في أرضه، السلام عليك يا عين الله في خلقه، السلام عليك يا نور الله الذي يهتدي به المهتدون، ويفرج به عن المؤمنين، السلام عليك أيها المهذب الخائف، السلام عليك أيها الوليّ الناصح، السلام عليك يا سفينة النجاة، السلام عليك يا عين الحياة، السلام عليك صلى الله عليك وعلى آل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك عجل الله لك ما وعدك من النصر وظهور الأمر، السلام عليك يا مولاي أنا مولاك، عارف بأولك وآخرك، أتقرّب إلى الله بك وبآل بيتك، وأنتظر ظهورك وظهور الحقّ على يديك، وأسأل الله أن يصلى على محمد وآل محمد، وأن يجعلني من المنتظرين لك والتابعين والناصرين لك على أعدائك، والمستشهدين بين يديك في جملة أوليائك.
يا مولاي يا صاحب الزمان صلوات الله عليك وعلى آل بيتك، هذا يوم الجمعة وهو يومك المتوقع فيه ظهورك، والفرج فيه للمؤمنين على يدك، وقتل الكافرين بسيفك، وأنا يا مولاي فيه ضيفك وجارك، وأنت يا مولاي كريم من أولاد الكرام، ومأمور بالضيافة والإجارة، فأضفني وأجرني، صلوات الله عليك وعلى أهل بيتك الطاهرين.
يقول سيدنا رضي الدين ابن طاووس: أنا أتمثل بعد هذه الزيارة وأقول بالإشارة:

نزيلُك حيث ما اتجهت ركابي * * * وضيفُك حيثُ كنت من البلادِ(٩٢٤)

الدعاء للإمام عليه السلام بعد كلّ صلاة
من كتاب جمال الصالحين عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام قال: من حقّنا على شيعتنا أن يمسكوا بلحيتهم ويقولوا بعد كلّ فريضة ثلاث مرات:
يا ربَّ محمد, عجل فرج آل محمد، يا ربَّ محمد، احفظ غيبة محمد، يا ربَّ محمد, انتقم لابنة محمد صلى الله عليه وآله.(٩٢٥)
الدعاء للإمام عليه السلام بعد صلاة الفجر وبعد صلاة الظهر
عن الكفعمي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: من قال بعد صلاة الفجر وبعد صلاة الظهر: اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم، لم يمت حتى يدرك القائم.(٩٢٦)
دعاء الإمام الكاظم عليه السلام بعد صلاة العصر
السيد ابن طاووس رحمه الله تعالى عن يحيى بن الفضل النوفلي قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام ببغداد حين فرغ من صلوة العصر فرفع يديه إلى السماء وسمعته يقول:
أنت الله لا إله الا أنت الأول والآخر.. إلى أن قال عليه السلام: أسألك باسمك المكنون المخزون الحي القيوم الذي لا يخيب من سألك به، أن تصلى على محمد وآله، وأن تعجل فرج المنتقم لك من أعدائك، وأنجز له ما وعدته، يا ذا الجلال والإكرام.(٩٢٧)
الدعاء له في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان وفي كلّ وقت
روى الشيخ الكليني رحمه الله تعالى عن محمد بن عيسى بإسناده عن الصالحين عليهم السلام قال: تكرر في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان هذا الدعاء ساجداً وقائماً وقاعداً وعلى كلّ حال، وفي الشهر كلّه، وكيف أمكنك ومتى حضرك من دهرك تقول بعد تحميد الله تبارك وتعالى والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله:
اللهم كن لوليك فلان بن فلان في هذه الساعة، وفي كلِّ ساعة ولياً وحافظاً وناصراً ودليلاً وقائداً وعوناً (وعيناً) حتى تسكنه أرضك طوعا، وتمتعه فيها طويلاً.(٩٢٨)
٣ - دعاء العهد الشريف يدعى به أربعين صباحاً
روي عن سيدنا الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال: من دعا إلى الله أربعين صباحاً بهذا العهد كان من أنصار قائمنا، فإن مات قبله أخرجه الله تعالى من قبره وأعطاه بكلّ كلمة ألف حسنة، ومحا عنه ألف سيئة، وهو هذا:
اللهم ربّ النور العظيم، وربّ الكرسي الرفيع، وربّ البحر المسجور، ومنزل التوراة والإنجيل والزبور، وربّ الظل والحرور، ومنزل القرآن العظيم، وربّ الملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين، اللهم إني أسألك بوجهك الكريم، وبنور وجهك المنير، وملكك القديم يا حي يا قيوم أسألك باسمك الذي أشرقت به السماوات والأرضون يا حي قبل كلّ حي، لا إله إلا أنت, اللهم بلغ مولانا الإمام الهادي المهدي القائم بأمرك صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين عن المؤمنين والمؤمنات، في مشارق الأرض ومغاربها، سهلها وجبلها برها وبحرها، عني وعن والدي من الصلوات زنة عرش الله ومداد كلماته، وما أحصاه علمه، وأحاط به كتابه.
اللهم إني أجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من أيامي عهداً وعقداً وبيعة له في عنقي، لا أحول عنها، ولا أزول أبدا، اللهم اجعلني من أنصاره وأعوانه والذابين عنه، والمسارعين إليه في قضاء حوائجه، والمحامين عنه والسابقين إلى إرادته، والمستشهدين بين يديه، اللهم إن حال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتما، فأخرجني من قبري، مؤتزرا كفني، شاهرا سيفي، مجردا قناتي، ملبياً دعوة الداعي، في الحاضر والبادي.
اللهم أرني الطلعة الرشيدة، والغرة الحميدة، واكحل ناظري بنظرة مني إليه، وعجل فرجه، وسهل مخرجه، وأوسع منهجه، واسلك بي محجته، فانفذ أمره، واشدد أزره، واعمر اللهم به بلادك، وأحي به عبادك، فإنك قلت وقولك الحق: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ)(٩٢٩) فأظهر اللهم لنا وليك، وابن بنت نبيك المسمى باسم رسولك حتى لا يظفر بشيء من الباطل إلا مزقه، ويحق الحق ويحققه، واجعله اللهم مفزعاً لمظلوم عبادك، وناصراً لمن لا يجد له ناصراً غيرك، ومجدداً لما عطل من أحكام كتابك، ومشيداً لما ورد من أعلام دينك وسنن نبيك صلى الله عليه وآله، واجعله ممن حصنته من بأس المعتدين.
اللهم وسرّ نبيك محمداً صلى الله عليه وآله برؤيته، ومن تبعه على دعوته، وارحم استكانتنا بعده، اللهم اكشف هذه الغمة عن الأمة بحضوره، وعجل لنا ظهوره، إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً، العجل العجل يا مولاي يا صاحب الزمان، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ثم تضرب على فخذك الأيمن بيدك ثلاث مرات وتقول: العجل يا مولاي يا صاحب الزمان - ثلاثاً.(٩٣٠)
الدعاء في غيبة القائم عليه السلام
قال الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى: حدثنا أبو محمد الحسين بن أحمد المكتب قال: حدثنا أبو علي بن همام بهذا الدعاء، وذكر أن الشيخ العمري قدس الله روحه أملاه عليه وأمره أن يدعو به وهو الدعاء في غيبة القائم عليه السلام:
اللهم عرّفني نفسك، فإنك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرّفني نبيك فإنك إن لم تعرّفني نبيك لم أعرف حجتك، اللهم عرّفني حجتك فإنك إن لم تعرّفني حجتك ضللت عن ديني، اللهم لا تمتني ميتة جاهلية، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، اللهم فكما هديتني بولاية من فرضت طاعته علي من ولاة أمرك بعد رسولك صلوات الله عليه وآله حتى واليت ولاة أمرك أمير المؤمنين والحسن والحسين وعلياً ومحمداً وجعفراً وموسى وعلياً ومحمداً وعلياً والحسن والحجة القائم المهدي صلوات الله عليهم أجمعين.
اللهم فثبتني على دينك واستعملني بطاعتك، وليّن قلبي لولي أمرك، وعافني مما امتحنت به خلقك، وثبتني على طاعة وليّ أمرك الذي سترته عن خلقك، فبإذنك غاب عن بريتك، وأمرك ينتظر وأنت العالم غير معلم بالوقت الذي فيه صلاح أمر وليك في الإذن له بإظهار أمره وكشف ستره، فصبرني على ذلك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، ولا أكشف عما سترته، ولا أبحث عما كتمته، ولا أنازعك في تدبيرك، ولا أقول: لم وكيف؟ وما بال وليّ الأمر لا يظهر؟ وقد امتلات الأرض من الجور؟ وأفوض أموري كلها إليك.
اللهم إني أسألك أن تريني ولي أمرك ظاهراً نافذاً لإمرك مع علمي بأن لك السلطان والقدرة والبرهان والحجة والمشيئة والإرادة والحول والقوة، فافعل ذلك بي وبجميع المؤمنين حتى ننظر إلى وليك صلواتك عليه وآله ظاهر المقالة، واضح الدلالة، هادياً من الضلالة، شافياً من الجهالة، أبرز يا ربّ مشاهده، وثبّت قواعده، واجعلنا ممن تقرّ عينه برؤيته، وأقمنا بخدمته، وتوفنا على ملته، واحشرنا في زمرته.
اللهم أعذه من شرّ جميع ما خلقت وبرأت وذرأت وأنشأت وصورت, واحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به، واحفظ فيه رسولك ووصيّ رسولك.
اللهم ومدّ في عمره، وزد في أجله، وأعنه على ما أوليته واسترعيته، وزد في كرامتك له فإنه الهادي والمهتدي والقائم المهدي، الطاهر التقي النقي الزكي والرضي المرضي، الصابر المجتهد الشكور.
اللهم ولا تسلبنا اليقين لطول الأمد في غيبته وانقطاع خبره عنا، ولا تنسنا ذكره وانتظاره والإيمان، وقوة اليقين في ظهوره، والدعاء له والصلاة عليه حتى لا يقنطنا طول غيبته من ظهوره وقيامه، ويكون يقيننا في ذلك كيقيننا في قيام رسولك صلواتك عليه وآله، وما جاء به من وحيك وتنزيلك، وقو قلوبنا على الإيمان به حتى تسلك بنا على يده منهاج الهدى والحجة العظمى، والطريقة الوسطى، وقونا على طاعته، وثبتنا على متابعته واجعلنا في حزبه وأعوانه وأنصاره، والراضين بفعله, ولا تسلبنا ذلك في حياتنا ولا عند وفاتنا حتى تتوفانا ونحن على ذلك غير شاكين ولا ناكثين ولا مرتابين ولا مكذبين.
اللهم عجّل فرجه وأيده بالنصر، وانصر ناصريه، واخذل خاذليه، ودمر على من نصب له وكذب به، وأظهر به الحق، وأمت به الباطل، واستنقذ به عبادك المؤمنين من الذل، وانعش به البلاد، واقتل به جبابرة الكفر، واقصم به رؤوس الضلالة، وذلل به الجبارين والكافرين، وأبر به المنافقين والناكثين وجميع المخالفين والملحدين في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها، وسهلها وجبلها حتى لا تدع منهم ديارا، ولا تبقي لهم آثارا، وتطهر منهم بلادك، واشف منهم صدور عبادك، وجدد به ما امتحى من دينك، وأصلح به ما بُدل من حكمك، وغُير من سنتك حتى يعود دينك به وعلى يديه غضاً جديداً صحيحاً لا عوج فيه ولا بدعة معه حتى تطفئ بعدله نيران الكافرين، فإنه عبدك الذي استخلصته لنفسك وارتضيته لنصرة نبيك، واصطفيته بعلمك، وعصمته من الذنوب وبرأته من العيوب، وأطلعته على الغيوب، وأنعمت عليه وطهّرته من الرجس، ونقّيته من الدنس.
اللهم فصلّ عليه وعلى آبائه الأئمة الطاهرين، وعلى شيعتهم المنتجبين، وبلغهم من آمالهم أفضل ما يأملون، واجعل ذلك منا خالصاً من كلّ شك وشبهة ورياء وسمعة حتى لا نريد به غيرك، ولا نطلب به إلا وجهك.
اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة ولينا، وشدة الزمان علينا، ووقوع الفتن بنا، وتظاهر الأعداء علينا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا, اللهم فافرج ذلك بفتح منك تعجله، ونصر منك تعزه، وإمام عدل تظهره إله الحق ربّ العالمين.
اللهم إنا نسألك أن تأذن لوليك في إظهار عدلك في عبادك، وقتل أعدائك في بلادك حتى لا تدع للجور يا ربّ دعامة إلا قصمتها، ولا بنية إلا أفنيتها، ولا قوة إلا أوهنتها، ولا ركناً إلا هددته، ولا حداً إلا فللته، ولا سلاحاً إلا أكللته، ولا راية إلا نكستها، ولا شجاعاً إلا قتلته، ولا جيشاً إلا خذلته، وارمهم يا ربّ بحجرك الدامغ، واضربهم بسيفك القاطع، وببأسك الذي لا ترده عن القوم المجرمين، وعذّب أعداءك وأعداء دينك، وأعداء رسولك بيد وليّك، وأيدي عبادك المؤمنين.
اللهم اكف وليّك وحجتك في أرضك هول عدوه، وكد من كاده، وامكر من مكر به، واجعل دائرة السوء على من أراد به سوءا، واقطع عنه مادتهم، وارعب له قلوبهم، وزلزل له أقدامهم، وخذهم جهرة وبغتة، وشدد عليهم عقابك، واخزهم في عبادك، والعنهم في بلادك، وأسكنهم أسفل نارك، وأحط بهم أشد عذابك، وأصلهم ناراً، واحش قبور موتاهم ناراً، وأصلهم حرّ نارك، فإنهم أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وأذلوا عبادك.
اللهم وأحيى بوليك القرآن، وأرنا نوره سرمداً لا ظلمة فيه، وأحي به القلوب الميتة، واشف به الصدور الوغرة، واجمع به الأهواء المختلفة على الحق، وأقم به الحدود المعطلة والأحكام المهملة حتى لا يبقى حق إلا ظهر، ولا عدل إلا زهر، واجعلنا يا ربّ من أعوانه، ومقوي سلطانه والمؤتمرين لأمره، والراضين بفعله، والمسلمين لأحكامه، وممن لا حاجة له به إلى التقية من خلقك، أنت يا ربّ الذي تكشف السوء وتجيب المضطر إذا دعاك، وتنجي من الكرب العظيم، فاكشف يا ربّ الضّر عن وليّك، واجعله خليفة في أرضك كما ضمنت له.
اللهم ولا تجعلني من خصماء آل محمد، ولا تجعلني من أعداء آل محمد، ولا تجعلني من أهل الحنق والغيظ على آل محمد، فإني أعوذ بك من ذلك فأعذني، وأستجير بك فأجرني, اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واجعلني بهم فائزاً عندك في الدنيا والآخرة ومن المقربين.(٩٣١)
دعاء الإمام الرضا عليه السلام للإمام المهدي عليه السلام
روى يونس بن عبد الرحمن: أن الرضا عليه السلام كان يأمر بالدعاء لصاحب الأمر بهذا:
اللهم ادفع عن وليّك وخليفتك وحجتك على خلقك، ولسانك المعبّر عنك الناطق بحكمك، وعينك الناظرة بإذنك، وشاهدك على عبادك الجحجاح المجاهد العائذ بك العابد عندك، وأعذه من شرّ جميع ما خلقت وبرأت وأنشأت وصورت، واحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به، واحفظ فيه رسولك وآباءه أئمتك، ودعائم دينك، واجعله في وديعتك التي لا تضيع، وفي جوارك الذي لا يخفر، وفي منعك وعزّك الذي لا يقهر، وآمنه بأمانك الوثيق الذي لا يخذل من آمنته به، واجعله في كنفك الذي لا يرام من كان فيه، وانصره بنصرك العزيز، وأيده بجندك الغالب، وقوه بقوتك، وأردفه بملائكتك، ووال من والاه، وعاد من عاداه، وألبسه درعك الحصينة، وحفّه بالملائكة حفا.
اللهم اشعب به الصدع، وارتق به الفتق، وأمت به الجور، وأظهر به العدل، وزيّن بطول بقائه الأرض، وأيده بالنصر وانصره بالرعب، وقوِّ ناصريه، واخذل خاذليه، ودمدّم من نصب له، ودمّر من غشّه، واقتل به جبابرة الكفر وعمده ودعائمه، واقصم به رؤوس الضلالة، وشارعة البدع، ومميتة السنة، ومقوية الباطل، وذلل به الجبارين، وأبر به الكافرين، وجميع الملحدين في مشارق الأرض ومغاربها وبرها وبحرها وسهلها وجبلها حتى لا تدع منهم ديارا، ولا تبقي لهم آثارا.
اللهم! طهّر منهم بلادك، واشف منهم عبادك، وأعزّ به المؤمنين، وأحي به سنن المرسلين، ودارس حكم النبيين، وجدّد به ما امتحى من دينك، وبُدل من حكمك حتى تعيد دينك به وعلى يديه جديداً غضاً محضاً صحيحاً لا عوج فيه، ولا بدعة معه، وحتى تنير بعدله ظلم الجور، وتطفئ به نيران الكفر، وتوضح به معاقد الحق، ومجهول العدل، فإنه عبدك الذي استخلصته لنفسك، واصطفيته على غيبك، وعصمته من الذنوب، وبرأته من العيوب، وطهّرته من الرجس، وسلّمته من الدنس.
اللهم! فإنا نشهد له يوم القيامة، ويوم حلول الطامة أنه لم يذنب ذنباً، ولا أتى حوباً، ولم يرتكب معصية، ولم يضع لك طاعة، ولم يهتك لك حرمة، ولم يبدّل لك فريضة، ولم يغيّر لك شريعة، وأنه الهادي المهتدي الطاهر التقي النقي الرضي الزكي.
اللهم! أعطه في نفسه وأهله وولده وذريته وأمته وجميع رعيته ما تقر به عينه وتسرّ به نفسه، وتجمع له ملك المملكات كلها قريبها وبعيدها وعزيزها وذليلها حتى يجري حكمه على كلّ حكم، وتغلب بحقه كلَّ باطل.
اللهم اسلك بنا على يديه منهاج الهدى، والمحجة العظمى، والطريقة الوسطى التي يرجع إليها الغالي، ويلحق بها التالي، وقوّنا على طاعته، وثبّتنا على مشايعته، وامنن علينا بمتابعته، واجعلنا في حزبه القوامين بأمره، الصابرين معه، الطالبين رضاك بمناصحته حتى تحشرنا يوم القيامة في أنصاره وأعوانه ومقوية سلطانه.
اللهم! واجعل ذلك لنا خالصاً من كلّ شك وشبهة ورياء وسمعة حتى لا نعتمد به غيرك، ولا نطلب به إلا وجهك، وحتى تحلّنا محله، وتجعلنا في الجنة معه، وأعذنا من السآمة والكسل والفترة، واجعلنا ممن تنتصر به لدينك، وتعزّ به نصر وليّك، ولا تستبدل بنا غيرنا، فإن استبدالك بنا غيرنا عليك يسير، وهو علينا كثير.
اللهم! صلّ على ولاة عهده، والأئمة من بعده، وبلّغهم آمالهم، وزد في آجالهم، وأعزّ نصرهم، وتمّم لهم ما أسندت إليهم من أمرك لهم، وثبّت دعائمهم، واجعلنا لهم أعواناً، وعلى دينك أنصارا، فإنهم معادن كلماتك، وخزان علمك، وأركان توحيدك، ودعائم دينك، وولاة أمرك، وخالصتك من عبادك، وصفوتك من خلقك وأولياؤك، وسلائل أوليائك، وصفوة أولاد نبيك، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته.(٩٣٢)
من أدعية الإمام المهدي عليه السلام
دعاء علّمه لبعضهم ففرج الله عنه
روى الشيخ الجليل أمين الإسلام فضل بن الحسن الطبرسي صاحب التفسير رحمه الله تعالى في كتاب كنوز النجاح قال: دعاء علمه صاحب الزمان عليه سلام الله الملك المنان، أبا الحسن محمد بن أحمد بن أبي الليث رحمه الله تعالى في بلدة بغداد، في مقابر قريش، وكان أبو الحسن قد هرب إلى مقابر قريش والتجأ إليها من خوف القتل فنجي منه ببركة هذا الدعاء. قال أبو الحسن المذكور: إنه علمني أن أقول:
اللهم عظم البلاء، وبرح الخفاء، وانقطع الرجاء، وانكشف الغطاء، وضاقت الأرض، ومنعت السماء، وإليك يا ربّ المشتكى، وعليك المعول في الشدة والرخاء، اللهم فصل على محمد وآل محمد أولي الأمر الذين فرضت علينا طاعتهم، فعرفتنا بذلك منزلتهم، ففرج عنا بحقهم فرجاً عاجلاً كلمح البصر، أو هو أقرب، يا محمد يا علي اكفياني فإنكما كافياي, وانصراني فإنكما ناصراي، يا مولاي يا صاحب الزمان، الغوث الغوث الغوث، أدركني أدركني أدركني.(٩٣٣)
دعاؤه (عليه السلام) في مطالب الدنيا والآخرة
اللهم ارزقنا توفيق الطاعة، وبعد المعصية، وصدق النية، وعرفان الحرمة، وأكرمنا بالهدى والاستقامة، وسدد ألسنتنا بالصواب والحكمة، واملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة، وطهر بطوننا من الحرام والشبهة، واكفف أيدينا عن الظلم والسرقة، واغضض أبصارنا عن الفجور والخيانة، واسدد أسماعنا عن اللغو والغيبة, وتفضل على علمائنا بالزهد والنصيحة، وعلى المتعلمين بالجهد والرغبة، وعلى المستمعين بالاتباع والموعظة، وعلى مرضى المسلمين بالشفاء والراحة، وعلى موتاهم بالرأفة والرحمة، وعلى مشايخنا بالوقار والسكينة، وعلى الشباب بالإنابة والتوبة، وعلى النساء بالحياء والعفة، وعلى الأغنياء بالتواضع والسعة، وعلى الفقراء بالصبر والقناعة، وعلى الغزاة بالنصر والغلبة، وعلى الأسراء بالخلاص والراحة، وعلى الأمراء بالعدل والشفقة، وعلى الرعية بالإنصاف وحسن السيرة، وبارك للحجاج والزوار في الزاد والنفقة، واقض ما أوجبت عليهم من الحج والعمرة، بفضلك ورحمتك، يا أرحم الراحمين.(٩٣٤)
دعاؤه (عليه السلام) في صلاة الحاجة والاستخارة
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إني أسألك باسمك الذي عزمت به على السماوات والأرض فقلت لهما: ائتيا طوعاً أو كرها، قالتا: أتينا طائعين، وباسمك الذي عزمت به على عصا موسى، فإذا هي تلقف ما يأفكون، وأسألك باسمك الذي صرفت به قلوب السحرة إليك حتى قالوا: آمنا برب العالمين، ربّ موسى وهارون، أنت الله ربّ العالمين، وأسألك بالقدرة التي تبلى بها كلّ جديد، وتجدد بها كلّ بال، وأسألك بكلّ حق هو لك، وبكلّ حقّ جعلته عليك، إن كان هذا الأمر خيراً لي في ديني ودنياي وآخرتي، أن تصلى على محمد وآل محمد، وتسلّم عليهم تسليماً، وتهيئَه لي، وتسهّله عليّ، وتلطف لي فيه، برحمتك يا أرحم الراحمين، وإن كان شراً لي في ديني ودنياي وآخرتي أن تصلى على محمد وآل محمد وتسلّم عليهم تسليما، وأن تصرفه عني بما شئت، وكيف شئت، وترضيني بقضائك، وتبارك لي في قدرك، حتى لا أحب تعجيل شيء أخرته، ولا تأخير شيء عجلته، فإنه لا حول ولا قوة إلا بك، يا عليُّ يا عظيم، يا ذا الجلال والإكرام.
دعاؤه (عليه السلام) للخلاص من الشدائد
أنت الله الذي مبدء الخلق ومعيدهم، أنت الله الذي لا إله الا أنت مدبر الأمور، وباعث من في القبور، وأنت الله الذي لا إله الا أنت القابض الباسط، وأنت الله الذي لا إله الا أنت وارث الأرض ومن عليها، أسألك باسمك الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سُئلت به أعطيت، وأسالك بحقّ محمد وأهل بيته، وبحقهم الذي أوجبته على نفسك، أن تصلى على محمد وآل محمد وأن تقضى لي حاجتي، الساعة الساعة، يا سيداه يا مولاه يا غياثاه، أسألك بكلّ اسم سميته به نفسك، واستأثرت به في علم الغيب عندك، أن تصلى على محمد وآل محمد وأن تعجل خلاصنا من هذه الشدة، يا مقلب القلوب والأبصار، يا سميع الدعاء، إنك على كلّ شيء قدير، برحمتك يا أرحم الراحمين.
دعاؤه (عليه السلام) لتفريج الهموم والغموم
يا نور النور، يا مدبر الأمور، يا باعث من في القبور، صل على محمد وال محمد واجعل لي ولشيعتي من الضيق فرجا، ومن الهّم مخرجا، وأوسع لنا المنهج، وأطلق لنا من عندك ما يفرج، وافعل بنا ما أنت أهله يا كريم.
دعاؤه (عليه السلام) لتفريج الهموم
اللهم ربّ النور العظيم، وربّ الكرسي الرفيع، وربّ البحر المسجور، ومنزل التوراة والإنجيل والزبور، وربّ الظل والحرور، ومنزل الفرقان العظيم، وربّ الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين، أنت إله من في السماء، وإله من في الأرض، لا إله فيهما غيرك، وأنت جبّار من في السماء، وجبار من في الأرض، لا جبار فيهما غيرك، وأنت خالق من في السماء، وخالق من في الأرض، لا خالق فيهما غيرك، وأنت حكم من في السماء، وحكم من في الأرض، لا حكم فيهما غيرك.
اللهم إني أسألك بوجهك الكريم، وبنور وجهك المشرق المنير، وملكك القديم، يا حيُّ يا قيوم، أسألك باسمك الذي أشرقت به السماوات والأرضون، وباسمك الذي يصلح عليه الأولون والآخرون، يا حياً قبل كلّ حي، ويا حياً بعد كلّ حي، ويا حياً حين لا حي، يا محيي الموتى، يا حيُّ يا لا إله إلا أنت، يا حيُّ يا قيوم، أسألك أن تصلى على محمد وآل محمد، وارزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب، رزقاً واسعاً حلالاً طيباً، وأن تفرّج عني كلّ غم وكلّ هم، وأن تعطيني ما أرجوه وآمله، إنك على كلّ شيء قدير.
دعاؤه (عليه السلام) لقضاء الحوائج، المسمى بسهم الليل
اللهم إني أسألك بعزيز تعزيز اعتزاز عزتك، بطول حول شديد قوتك، بقدر مقدار اقتدار قدرتك، بتأكيد تحميد تمجيد عظمتك، بسمو نمو علو رفعتك، بديموم قيوم دوام مدتك، برضوان غفران أمان رحمتك، برفيع بديع منيع سلطنتك، بسعاة صلاة بساط رحمتك، بحقائق الحق من حق حقك، بمكنون السر من سر سرك، بمعاقد العز من عز عزك، بحنين أنين تسكين المريدين، بحرقات خضعات زفرات الخائفين، بآمال أعمال أقوال المجتهدين، بتخشع تخضع تقطع مرارات الصابرين، بتعبد تهجد تجلد العابدين.
اللهم ذهلت العقول، وانحسرت الأبصار، وضاعت الأفهام، وحارت الأوهام، وقصرت الخواطر، وبعدت الظنون، عن إدراك كنه كيفية ما ظهر من بوادي عجائب أصناف بدائع قدرتك، دون البلوغ إلى معرفة تلألئ لمعات بروق سمائك، اللهم محرك الحركات، ومبدئ نهاية الغايات، ومخرج ينابيع تفريع قضبان النبات، يا من شق صمّ جلاميد الصخور الراسيات، وأنبع منها ماءً مغيثاً حياةً للمخلوقات، فأحيا منها الحيوان والنبات، وعلم ما اختلج في سر أفكارهم من نطق إشارات خفيات لغات النمل السارحات، يا من سبحت وهللت، وقدست وكبرت، وسجدت لجلال جمال أقوال عظيم عزة جبروت ملكوت سلطنته ملائكة السبع السماوات، يا من دارت فأضاءت، وأنارت لدوام ديموميته النجوم الزاهرات، وأحصى عدد الأحياء والأموات، صل على محمد وآل محمد خير البريات، وافعل بي كذا وكذا.
دعاؤه (عليه السلام) لقضاء الحوائج في ليلة الجمعة
عن البزوفري: خرج عن الناحية المقدسة: من كانت له إلى الله تعالى حاجة، فليغتسل ليلة الجمعة بعد نصف الليل، ويأتي مصلاه، ويصلى ركعتين، يقرأ في الركعة الأولى الحمد، فإذا بلغ (إياك نعبد وإياك نستعين) يكررها مائة مرة، ويتمم في المأة إلى آخر السورة، ويقرأ سورة التوحيد مرة واحدة، ويسبح فيهما سبعة سبعة، ويصلى الركعة الثانية على هيئة الأولى، ويدعو بهذا الدعاء:
اللهم إن أطعتك فالمحمدة لك، وإن عصيتك فالحجة لك، منك الروح ومنك الفرج، سبحان من أنعم وشكر، سبحان من قدر وغفر، اللهم إن كنت قد عصيتك فإني قد أطعتك في أحبّ الأشياء إليك، وهو الإيمان بك، لم اتخذ لك ولداً، ولم أدع لك شريكاً، منّاً منك به عليَّ لا منّاً مني به عليك، وقد عصيتك يا إلهي على غير وجه المكابرة، ولا الخروج عن عبوديتك، ولا الجحود بربوبيتك، ولكن أطعت هواي وأزلني الشيطان، فلك الحجة علي والبيان، فإن تعذبني فبذنوبي غير ظالم، وإن تغفر لي وترحمني، فإنك جواد كريم، يا كريم يا كريم - حتى ينقطع النفس.
ثم يقول: يا آمناً من كلّ شيء، وكلُّ شيء منك خائف حذر، أسألك بأمنك من كلّ شيء، وخوف كلّ شيء منك أن تصلى على محمد وآل محمد، وأن تعطيني أماناً لنفسي وأهلي وولدي، وسائر ما أنعمت به عليَّ، حتى لا أخاف أحداً ولا أحذر من شيء أبداً، إنك على كلّ شيء قدير، وحسبنا الله ونعم الوكيل، يا كافي إبراهيم نمرود، ويا كافي موسى فرعون، ويا كافي محمد صلى الله عليه وآله الأحزاب، أسألك أن تصلى على محمد وآل محمد، وأن تكفيني شر فلان بن فلان. ثم يسجد ويسأل حاجته.
دعاؤه (عليه السلام) في الاحتراز
بسم الله الرحمن الرحيم، يا مالك الرقاب، ويا هازم الأحزاب، يا مفتح الأبواب، يا مسبب الأسباب، سبب لنا سبباً لا نستطيع له طلبا، بحق لا إله إلا الله، محمد رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله أجمعين.(٩٣٥)
إلى غير ذلك من أدعية مولانا صاحب الزمان عليه السلام، راجع صحيفة الإمام المهدي عليه السلام جمع الشيخ جواد القيومي، فقد جمع فيه جملة من الأدعية الشريفة المروية عن مولانا الإمام المهدي عليه السلام.
وكتاب: ربيع الأنام في أدعية خير الأنام (مجموعة الأدعية والزيارة لمولانا الإمام الثاني عشر) تأليف عبد الحسين الطالعي، نشر شركة ميقات للنشر، طهران.

الفصل الخامس: علامات الظهور والرجعة

جاء في النصوص والروايات جملة من علامات الظهور، وهي كثيرة بعضها حتمي وبعضها غير حتمي، وقد ذكر جملة منها العلامة المجلسي في بحار الأنوار الجزء الثالث والخمسين، وكذلك الشيخ عباس القمي في كتاب منتهى الآمال في الجزء الثاني (الفصل السابع) وكتاب معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام، وغيرها الكثير، وقد أفرد لها بعض أعلامنا بالتأليف.(٩٣٦)
ونذكر منها هنا ما يلي موجزاً:
خروج السفياني
وهو من العلامات الحتمية لظهور الإمام المنتظر عليه السلام، وقد نصت بعض المصادر أن السفياني من نسل خالد بن يزيد حفيد أبي سفيان العدو الأول للرسول وللإسلام، وهذه الأسرة لم تنجب إلا أعداء الإسلام، وخصوم القرآن، وأراذل البشرية، أما ملامحه فهي: ضخم الهامة، وبوجهه أثر الجدري، وبعينه نكتة بيضاء، يخرج من ناحية مدينة دمشق في وادٍ يقال له: الوادي اليابس.(٩٣٧)
وروى نعيم بن حماد عن الحارث بن عبد الله: يخرج رجل من ولد أبي سفيان في الوادي اليابس في رايات حمر، دقيق الساعدين والساقين، طويل العنق، شديد الصفرة، به أثر العبادة.(٩٣٨)
روى محمد بن جرير الطبري عن عمر بن حنظلة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قبل القائم عليه السلام خمس علامات: السفياني، واليماني(٩٣٩)، والمرواني، وشعيب بن صالح، وكف تقول: هذا، هذا.(٩٤٠)
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: يخرج عليهم السفياني من الوادي اليابس.(٩٤١)
وعن يونس بن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا خرج السفياني بعث جيشاً إلينا، وجيشاً إليكم، فإذا كان ذلك فأتونا على كلّ صعب وذلول. (٩٤٢)
وعن أبان بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط سمع ابن عباس يقول: ثم يخرج السفياني فيقاتل حتى يبقر بطون النساء، ويغلي الأطفال في المراجل.(٩٤٣)
وجاء في الأخبار أيضاً أن السفياني يبايع المهدي القائم صلوات الله عليه أولاً، فيقول له أصحابه: قبّح الله رأيك، بين ما أنت خليفة متبوع صرت تابعاً؟! ثم يمسون تلك الليلة، ثم يصبحون للقائم عليه السلام بالحرب، فيقتلون يومهم ذلك، ثم إن الله تعالى يمنح القائم وأصحابه أكتافهم فيقتلونهم حتى يفنوهم.
وقيل: إن خروج السفياني قبل قيام القائم عليه السلام من المحتومات.. ويخسف جنده بالبيداء، ويخرج في رجب.(٩٤٤)
خروج الدجال وفتنته
تواترت الأخبار من طرق الخاصة والعامة بحتمية ظهور الدجال في آخر الزمان يفتن الناس عن دينهم، ويكون قتله على يد الإمام المهدي عليه السلام، وفي بعض الأخبار أن عيسى بن مريم عليه السلام يعينه على قتله.
قال محمد بن الحسين الآبري الشافعي (ت ٣٦٣هـ) قال في كتابه (مناقب الشافعي): قد تواترت الأخبار، واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى صلى الله عليه (وآله) وسلم بمجيء المهدي، وأنه من أهل بيته صلى الله عليه (وآله) وسلم وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأنه يخرج مع عيسى فيساعده على قتل الدجال.(٩٤٥)
وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في كتابه (اليواقيت والجواهر) ما لفظه: المبحث الخامس والستون في بيان أن جميع أشراط الساعة التي أخبرنا بها الشارع حقّ لا بد أن تقع كلها قبل قيام الساعة، وذلك كخروج المهدي ثم الدجال ثم نزول عيسى، وخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها، ورفع القرآن، وفتح سد يأجوج ومأجوج حتى لو لم يبق من الدنيا إلا مقدار يوم واحد لوقع ذلك كله.(٩٤٦)
وقال الشيخ محمد جعفر الكتاني: خروج المسيح الدجال، ذكر غير واحد أنها واردة من طرق كثيرة صحيحة عن جماعة كثيرة من الصحابة، وفي التوضيح للشوكاني منها مائة حديث، وهي في الصحاح والمعاجم والمسانيد والتواتر يحصل بدونها فكيف بمجموعها، وقال بعضهم: أخبار الدجال تحتمل مجلدات، وقد أفردها غير واحد من الأئمة بالتأليف، وذكر جملة وافرة منها في الدر المنثور(٩٤٧) لدى قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ) الآية(٩٤٨) فراجعه.(٩٤٩)
وسمي الدجال بالمسيح لأن عينه ممسوحة خلقة.(٩٥٠)
وقد جاء في بعض الأدعية الشريفة الإستعاذه من شرّه وفتنته، مما يدل على خطره على الأمة، فمنها: اللهم إني أعوذ بك من نفس لا تقنع.. إلى أن قال: وغلبة الدجال(٩٥١) وفي بعضها أيضاً: وأعوذ بك من شرّ المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة الدجال(٩٥٢) وروي أنه صلى الله عليه وآله دعا في الصلاة واستعاذ من فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال.(٩٥٣)
وروى الشيخ الصدوق عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: من قرأ وأكثر من قراءة القارعة آمنه الله من فتنة الدجال أن يؤمن به، ومن قيح جهنم يوم القيامة.(٩٥٤)
قال المحقق الشيخ باقر القرشي: ومن بين الأمارات الحتمية خروج الدجال وظهوره على مسرح الحياة، وقيامه بتضليل الرأي العام، وانقياد اليهود لحكمه، وتماديهم في الولاء له، وإغرائه للسذج والبسطاء بالأموال حتى يكون قوة ضاربة يسيطر على بعض مناطق العالم الإسلامي.. لقد حذر الأنبياء أجمعهم من فتنة الدجال وإغرائه ودعواه الكاذبة التي تصد عن الحق، وتلقي الناس في شر عظيم.
أما جنود الدجال وأتباعه فمعظمهم من اليهود الذين هم السبب لكلّ فتنة وفساد في الأرض، وقد أثر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الدجال أول من يتبعه سبعون ألفاً من اليهود عليهم السيجان(٩٥٥) ومعه سحرة اليهود يعملون العجائب، ويرونها للناس فيضلونهم بها (٩٥٦) ومن أتباعه ذوو الأطماع، وتؤمن اليهود بالدجال وينصبونه قائداً أعلى لهم، ويرون أنه المسيح الموعودون به، ويقولون هذا هو حقاً المسيح الذي طالما انتظرناه، هذا هو الذي يتكلم كتابنا المقدس عنه(٩٥٧).. إن اليهود يؤمنون بالدجال لأنه يحمل أفكارهم وأحقادهم على الإسلام، وهو سيدخل المعارك ضد المسلمين لتحقيق أطماع الصهيونية التي تمده بالمال والسلاح.
ومن بلاء الدجال وفتنته أنه يخرج المعادن من الأرض، ففي الحديث: يمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها، وفي حديث آخر: إنه يأمر الأرض أن تنبت فتنبت(٩٥٨) ومعنى ذلك أنه يستخدم السحر في سبيل أغراضه وغوايته للخلق، فالسحر سلاحه الوحيد الذي يسيطر به على البسطاء الذين لم يكن لهم أيّ رصيد من العلم والتقوى.
فإذا بلغ في طغيانه وملأ الأرض من جوره وجور أعوانه يقتله من يصلي خلفه عيسى بن مريم وهو الإمام المهدي عليه السلام.. إن الدجال الذي يقود حملة إرهابية من أجل الصهيونية العالمية فيشيع الخراب، وينشر الفساد، ويحارب الله تعالى تكون نهايته على يد أعظم مصلح اجتماعي.(٩٥٩)
والروايات في خروج الدجال كثيرة جداً نذكر منها ما يلي:
مما ورد في الإنجيل في خطاب الباري تعالى لعيسى بن مريم عليه السلام: أرفعك إليَّ ثم أهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب، ولتعينهم على اللعين الدجال، أهبطك في وقت الصلاة لتصلي معهم إنهم أمة مرحومة.(٩٦٠)
وروي عن النبي صلى الله عليه وآله: يكون قبل الدجال سنون خداعة، قال الشريف الرضي رحمه الله تعالى: وهذه استعارة لأنه جاء في التفسير أن المراد بذلك اتصال المحول(٩٦١) وقلة الأمطار في تلك السنين. يقال: خدع المطر إذا قلّ.(٩٦٢)
وعن حذيفة بن أسيد قال: اطلع علينا رسول الله صلى الله عليه وآله من غرفة له ونحن نتذاكر الساعة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات: الدجال، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وثلاث خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، تنزل معهم إذا نزلوا، وتقيل معهم إذا قالوا.(٩٦٣)
وروى ابن شهر آشوب عن ابن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب أن النبي صلى الله عليه وآله قال له: يا عم يملك من ولدي اثنا عشر خليفة، ثم يكون أمور كريهة وشدة عظيمة، ثم يخرج المهدي من ولدي يصلح الله أمره في ليلة فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ويمكث في الأرض ما شاء الله، ثم يخرج الدجال.(٩٦٤)
ومما روي عن زين العابدين عليه السلام أنه قال: ومنا رسول الله ووصيه، وسيد الشهداء، وجعفر الطيار في الجنة، وسبطا هذه الأمة، والمهدي الذي يقتل الدجال.(٩٦٥)
وعن المفضل بن عمر قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام فهي أرواحنا، فقيل له: يا ابن رسول الله ومن الأربعة عشر؟ فقال: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال ويطهر الأرض من كلّ جور وظلم.(٩٦٦)
وروي أن الصادق عليه السلام ذكر الدجال فقال: لا يبقى منها سهل إلا وطئه إلا مكة والمدينة فإن على كلّ نقب من أنقابهما ملك يحفظهما من الطاعون والدجال.(٩٦٧)
وعن محمد بن مروان، عن أبي عبد الله الصادق، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهودياً، قيل: فكيف، يا رسول الله؟ قال: إن أدرك الدجال آمن به.(٩٦٨)
وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام: ألا إن الدجال صائد بن الصيد، فالشقي من صدّقه، والسعيد من كذّبه، يخرج من بلدة يقال لها إصبهان من قرية تعرف باليهودية، عينه اليمنى ممسوحة، والأخرى في جبهته تضيء كأنها كوكب الصبح، فيها علقة كأنها ممزوجة بالدم، بين عينيه مكتوب: كافر، يقرؤه كلُّ كاتب وأمي يخوض البحار، ويسير معه الشمس بين يديه جبل من دخان، وخلفه جبل أبيض، يري الناس أنه طعام.
يخرج حين يخرج في قحط شديد، تحته حمار أحمر، خطوة حماره ميل، تطوى له الأرض منهلاً منهلاً، ولا يمر بماء إلا غار إلى يوم القيامة، ينادي بأعلى صوته يسمع ما بين الخافقين من الجن والإنس والشياطين، يقول: إليَّ أوليائي، أنا الذي خلق فسوى، وقدّر فهدى، أنا ربّكم الأعلى، وكذب عدو الله، إنه أعور يطعم الطعام، ويمشي في الأسواق، وإن ربّكم ليس بأعور، ولا يمشي ولا يزول، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، ألا وإن أكثر أتباعه يومئذ أولاد الزنا، وأصحاب الطيالسة الخضر، يقتله الله عزَّ وجلَّ بالشام على عقبة أفيق، لثلاث ساعات مضت من يوم الجمعة على يد من يصلي خلفه المسيح عيسى بن مريم عليه السلام.. الحديث.(٩٦٩)
وفي مكيال المكارم (أن الدجال عليه اللعنة إنما يكون ساحراً، وما يخيل إلى الناس من سير الشمس معه، إنما هو بسحره، ويدل على ما ذكرنا قوله عليه السلام: يري الناس أنه طعام، وأما قوله عليه السلام: تطوى له الأرض، فإنما هو بسبب عظمة حماره، وهذا الكلام كناية عن سرعة سيره كما لا يخفى).(٩٧٠)
كسوف الشمس
روى الشيخ الصدوق: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: تنكسف الشمس لخمس مضين(٩٧١) من شهر رمضان قبل قيام القائم عليه السلام.(٩٧٢)
طلوع الشمس من المغرب
روى الشيخ الطوسي بالإسناد عن أبي حمزة الثمالي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن أبا جعفر عليه السلام كان يقول: خروج السفياني من المحتوم، والنداء من المحتوم، وطلوع الشمس من المغرب من المحتوم، وأشياء كان يقولها من المحتوم.
فقال أبو عبد الله عليه السلام: واختلاف بني فلان من المحتوم، وقتل النفس الزكية من المحتوم، وخروج القائم من المحتوم.
قلت: وكيف يكون النداء؟.
قال: ينادي مناد من السماء أول النهار يسمعه كلّ قوم بألسنتهم: ألا إنّ الحقَّ في علي وشيعته، ثم ينادي إبليس في آخر النهار من الأرض: ألا إنّ الحقَّ في عثمان وشيعته، فعند ذلك يرتاب المبطلون.(٩٧٣)
وفي تفسير العياشي: عن زرارة وحمران ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام في قوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا)(٩٧٤) قال: طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدابة، والدجال، والرجل يكون مصراً ولم يعمل على الإيمان ثم تجئ الآيات فلا ينفعه إيمانه.(٩٧٥)
وفي مسند أحمد عن معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: إن الهجرة خصلتان إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من المغرب، فإذا طلعت طبع على كلّ قلب بما فيه، وكفي الناس العمل.(٩٧٦)
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين (لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا) ثم قرأ الآية.(٩٧٧)
قال الشيخ محمد جعفر الكتاني في كتابه نظم المتناثر: (طلوع الشمس من مغربها) عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وابن عمرو، وحذيفة، وأبي ذر، وابن عباس، وعبد الله بن أبي أوفى، وصفوان بن عسال، ومعاوية ابن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن عوف، وأنس وأبي أمامة، وحذيفة بن أسيد، وأبي موسى الأشعري، وأبي ذر، وغيرهم.
راجع الدر المنثور لدى قوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ).(٩٧٨)
ظهور النار بالحجاز
السيد ابن طاووس: بعض الثقات من أصحابنا روى أن مولانا زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام وقف على نجف الكوفة يوم وروده جامع الكوفة بعد ما صلى فيه، وقال: (هي هي يا نجف) ثم بكى، وقال: (يا لها من طامة) فسئل عن ذلك، فقال: (إذا ملأ نجفكم السيل والمطر، وظهرت النار بالحجاز في الأحجار والمدر، وملكت بغداد التتر، فتوقعوا ظهور القائم المنتظر).(٩٧٩)
ظهور صحيفة مكتوب عليها طاعة معروفة
الشيخ الصدوق: عن عبد الله بن عجلان قال: ذكرنا خروج القائم عليه السلام عند أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: كيف لنا أن نعلم ذلك؟ فقال: يصبح أحدكم وتحت رأسه صحيفة عليها مكتوب: طاعة معروفة.(٩٨٠)
نداء: ألا إن الحق في آل محمد
روى الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى: عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خروج القائم من المحتوم. قلت: وكيف يكون النداء؟. قال: ينادي مناد من السماء أول النهار: ألا إن الحق في عليٍّ وشيعته...(٩٨١)
وروى المتقي الهندي: عن علي عليه السلام قال: إذا نادى مناد من السماء: إن الحق في آل محمد، فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويشربون حبّه، فلا يكون لهم ذكرٌ غيره. (نعيم وابن المنادي في الملاحم).(٩٨٢)
وعن نعيم بن حماد المروزي قال: حدثنا سعيد أبو عثمان، عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: ينادي مناد من السماء: ألا إن الحق في آل محمد، وينادي مناد من الأرض ألا إن الحق في آل عيسى أو قال: (العباس) أنا أشك فيه، وإنما الصوت الأسفل من الشيطان ليلبس على الناس. شك أبو عبد الله نعيم.(٩٨٣)
مطر الناس في جمادى الآخرة
الشيخ المفيد: روى عبد الكريم الخثعمي، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث له عن القائم عليه السلام, وفيه: وإذا آن قيامه، مطر الناس جمادى الآخرة، وعشرة أيام من رجب، مطراً لم تر الخلائق مثله، فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم، وكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون شعورهم من التراب.(٩٨٤)
الأياس والقنوط، والاختلاف الشديد بين الناس
النعماني: عن الثمالي، عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام من حديث له في خروج القائم عليه السلام, وساق الحديث إلى أن قال: يا با حمزة لا يقوم القائم عليه السلام إلا على خوف شديد، وزلازل وفتنة وبلاء يصيب الناس، وطاعون قبل ذلك، وسيف قاطع بين العرب، واختلاف شديد بين الناس، وتشتت في دينهم، وتغير من حالهم حتى يتمنى المتمني الموت صباحاً ومساء من عظم ما يرى من كلب الناس، وأكل بعضهم بعضاً، وخروجه إذا خرج عند الأياس والقنوط، فيا طوبى لمن أدركه وكان من أنصاره، والويل كلّ الويل لمن خالفه وخالف أمره، وكان من أعدائه.. الحديث.(٩٨٥)
وعن ابن عساكر: عن أبان بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط سمع ابن عباس رضي الله عنه يقول: يبعث الله تعالى المهدي بعد أياس، وحتى يقول الناس: لا مهدي.(٩٨٦)
علامات أخرى
روى الشيخ الصدوق: عن أبي بصير، ومحمد بن مسلم قالا: سمعنا أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا يكون هذا الأمر حتى يذهب ثلثا الناس، فقيل له: إذا ذهب ثلثا الناس فما يبقى؟ فقال عليه السلام: أما ترضون أن تكونوا الثلث الباقي.
وعن سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قدام القائم موتتان: موت أحمر، وموت أبيض، حتى يذهب من كلّ سبعة خمسة، الموت الأحمر السيف، والموت الأبيض الطاعون.(٩٨٧)
وعن محمد بن مسلم الثقفي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام من حديث له قال: قلت: يا بن رسول الله متى يخرج قائمكم؟
قال: إذا تشبّه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وركب ذوات الفروج السروج، وقبلت شهادات الزور، وردت شهادات العدول، واستخف الناس بالدماء, وارتكاب الزنا, وأكل الربا، واتقي الأشرار مخافة ألسنتهم، وخروج السفياني من الشام، واليماني من اليمن، وخسف بالبيداء، وقتل غلام من آل محمد صلى الله عليه وآله بين الركن والمقام، اسمه محمد بن الحسن النفس الزكية، وجاءت صيحة من السماء بأن الحق فيه وفي شيعته، فعند ذلك خروج قائمنا.. الحديث.(٩٨٨)
وعن عمر بن قيس الماصر قال: حدثني مجاهد قال: حدثني فلان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن المهدي لا يخرج حتى تقتل النفس الزكية، فإذا قتلت النفس الزكية، غضب عليهم من في السماء ومن في الأرض، فأتى الناس المهدي.. الحديث.(٩٨٩)
الرجعة عند ظهور الإمام الحجة عليه السلام
قد وردت أخبار كثيرة جداً في موضوع الرجعة، وهذا الموضوع قد أشبعه علماؤنا بحثاً، وألفت فيه كتب كثيرة قديماً وحديثاً.(٩٩٠)
ومفاد هذه الأخبار أن الله تعالى يبعث أقواماً من قبورهم عند ظهور الإمام الحجة عليه السلام, وهي ليست عامة، وإنما هي لأناس مخصوصين فقط, وهم من محض الإيمان محضاً, ومن محض الكفر محضاً, فأما أهل الإيمان يحييهم الله تعالى ليشهدوا دولة الإمام فتقر أعينهم بها, وأما الكفار ليروا وعد الله تعالى لأوليائه وكرامتهم عنده، ونصر الله لهم، فيرون دولة الحق التي طالما بغوا على أهلها واستضعفوهم، وأخافوهم، وأذاقوهم صنوف العذاب والبغي، فيرون حينئذ بأعينهم كيف أن الله تعالى أنجز لأوليائه ما وعدهم به من النصر والغلبة والعزة بعد استضعافهم، ويرون أيضاً وعيد الله تعالى لهم بالخزي والهوان، فينتقم الله منهم فينالون بعض جزاء أعمالهم السيئة في الدنيا قبل الآخرة.
قال علي بن إبراهيم القمي رحمه الله تعالى: وأما الرد على من أنكر الرجعة فقوله: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا)(٩٩١) قال: حدثني أبي عن ابن أبي عمير, عن حماد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما يقول الناس في هذه الآية (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا) قلت: يقولون: إنها في القيامة, قال: ليس كما يقولون: إن ذلك في الرجعة، أيحشر الله في القيامة من كلّ أمة فوجاً ويدع الباقين؟! إنما آية القيامة قوله: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا)(٩٩٢) وقوله: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ).(٩٩٣)
فقال الصادق عليه السلام: كلّ قرية أهلك الله أهلها بالعذاب، ومحّضوا الكفر محضاً لا يرجعون في الرجعة, وأما في القيامة فيرجعون, أما غيرهم ممن لم يهلكوا بالعذاب، ومحّضوا الكفر محضاً يرجعون.(٩٩٤)
وفي رواية عن مختصر بصائر الدرجات, قال: قال الرجل لأبي عبد الله عليه السلام: إن العامة تزعم أن قوله: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا) عنى في القيامة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يحشر الله يوم القيامة من كلّ أمة فوجاً ويدع الباقين, لا ولكنه في الرجعة, وأما آية القيامة (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا).(٩٩٥)
ومن هنا أيضاً جاء الترغيب للمؤمن في بعض الأدعية الشريفة أن يسأل الله تعالى أن يحييه عند خروج الإمام المهدي عليه السلام إن لم يدرك زمانه ليفوز بنصرته مع أنصاره، فالمؤمن لا يقطع الأمل والرجاء من الباري تعالى أن يخرجه من قبره لنصرة إمامه, جاء في الدعاء المعروف بدعاء العهد: اللهم وإن كان الموت الذي جعلته على عبادك حتماً، يحول بيني وبينه فاخرجني من قبري، مؤتزراً كفني، شاهراً سيفي، مجرداً قناتي، ملبياً دعوة الداعي في الحاضر والبادي...(٩٩٦)
ويظهر من بعض الأخبار الشريفة أن بعض المؤمنين يُخيرون في قبورهم، وتُعرض عليهم نصرتُه إن شاءوا ذلك، قال المفضل بن عمر: ذكرنا القائم عليه السلام ومن مات من أصحابنا ينتظره، فقال لنا أبو عبد الله عليه السلام: إذا قام أتي المؤمن في قبره فيقال له: يا هذا! إنه قد ظهر صاحبك، فإن تشأ أن تلحق به فالحق، وإن تشأ أن تقيم في كرامة ربك فأقم.(٩٩٧)
ومن الآيات أيضاً في الرجعة قوله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ)(٩٩٨) فقد قيل إن المراد بالنصر في الحياة الدنيا هو في الرجعة، ومن الروايات في ذلك هو ما رواه جميل بن دراج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: قول الله عزَّ وجلَّ (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) قال: ذلك والله في الرجعة، أما علمت أن في أنبياء الله كثيراً لم ينصروا في الدنيا، وقتلوا، وأئمة قد قتلوا ولم ينصروا، فذلك في الرجعة قلت: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ، يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ)(٩٩٩) قال: هي الرجعة.(١٠٠٠)
كلام الشريف المرتضى رحمه الله تعالى في الرجعة
سُئل الشريف المرتضى رحمه الله تعالى عن حقيقة الرجعة، لأن شذاذ الإمامية يذهبون إلى أن الرجعة رجوع دولتهم في أيام القائم عليه السلام من دون رجوع أجسامهم.
الجواب: إعلم أن الذي تذهب الشيعة الإمامية إليه أن الله تعالى يعيد عند ظهور إمام الزمان المهدي عليه السلام قوماً ممن كان قد تقدم موته من شيعته، ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ومشاهدة دولته, ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم، فيلتذوا بما يشاهدون من ظهور الحق وعلو كلمة أهله, والدلالة على صحة هذا المذهب أن الذي ذهبوا إليه مما لا شبهة على عاقل في أنه مقدور لله تعالى، غير مستحيل في نفسه، فإنا نرى كثيراً من مخالفينا ينكرون الرجعة إنكار من يراها مستحيلة غير مقدورة, وإذا ثبت جواز الرجعة ودخولها تحت المقدور، فالطريق إلى إثباتها إجماع الإمامية على وقوعها، فإنهم لا يختلفون في ذلك.
وإجماعهم قد بينا في مواضع من كتبنا أنه حجة، لدخول قول الإمام عليه السلام فيه، وما يشتمل على قول المعصوم من الأقوال لا بد فيه من كونه صواباً, وقد بينا أن الرجعة لا تنافي التكليف، وأن الدواعي مترددة معها حين لا يظن ظان أن تكليف من يعاد باطل.
وذكرنا أن التكليف كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة، فكذلك مع الرجعة، لأنه ليس في جميع ذلك ملجئ إلى فعل الواجب والامتناع من فعل القبيح.
فأما من تأول الرجعة في أصحابنا على أن معناها رجوع الدولة والأمر والنهي، من دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات، فإن قوماً من الشيعة لما عجزوا عن نصرة الرجعة وبيان جوازها وأنها تنافي التكليف، عولوا على هذا التأويل للأخبار الواردة بالرجعة.
وهذا منهم غير صحيح، لأن الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة، فيطرق التأويلات عليها، فكيف يثبت ما هو مقطوع على صحته بأخبار الآحاد التي لا توجب العلم؟ وإنما المعول في إثبات الرجعة على إجماع الإمامية على معناها، بأن الله تعالى يحيي أمواتاً عند قيام القائم عليه السلام من أوليائه وأعدائه على ما بيناه، فكيف يطرق التأويل على ما هو معلوم، فالمعنى غير محتمل.(١٠٠١)
وقال الشريف المرتضى في موضع آخر: (مسألة ستون) مسألة الرجعة, الاعتقاد في الرجعة عند ظهور القائم عليه السلام وما في الرجعة؟
الجواب: معنى الرجعة أن الله تعالى يحيي قوماً ممن مات قبل ظهور القائم عليه السلام من مواليه وشيعته، ليفوزوا بمباشرة نصرته وطاعته وقتال أعدائه، ولا يفوتهم ثواب هذه المنزلة الجليلة التي لم يدركها، حتى لا يستبدل عليهم بهذه المنزلة غيرهم، والله تعالى قادر على إحياء الموتى، فلا معنى لتعجب المخالفين واستبعادهم.(١٠٠٢)

الفصل السادس: أصحاب الإمام المهدي عليه السلام خصائصهم وأحوالهم

أسماؤهم مكتوبة في صحيفة عند الإمام عليه السلام
الراوندي في الخرائج: من حديث لمولانا الحسين عليه السلام عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وساق الحديث الشريف إلى أن انتهى إلى ذكر المهدي عليه السلام من ولده – قال صلى الله عليه وآله: يرضى به كلّ مؤمن، يحكم بالعدل، ويأمر به، ويخرج من تهامة حتى تظهر الدلائل والعلامات، يجمع الله له من أقصى البلاد عدد أهل بدر، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، معه صحيفة فيها عدد أسماء أصحابه وآبائهم وبلدانهم وحلاهم وكناهم.(١٠٠٣)
يخرج معه جماعة من قوم موسى عليه السلام وأصحاب الكهف وغيرهم
روى الشيخ المفيد في الإرشاد: عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يخرج القائم عليه السلام من ظهر الكوفة(١٠٠٤) سبعة وعشرين رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى عليه السلام الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون(١٠٠٥)، (ومؤمن آل فرعون)(١٠٠٦) وسلمان، وأبا دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالكاً الأشتر، فيكونون بين يديه أنصاراً وحكاماً.(١٠٠٧)
وأخرج ابن مردويه: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: أصحاب الكهف أعوان المهدي.(١٠٠٨)
عدتهم كعدة بدر وهم أصحاب الألوية
روى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى: عن المفضل بن عمر قال: قال الصادق عليه السلام: كأني أنظر إلى القائم على منبر الكوفة وحوله أصحابه ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً عدة أهل بدر، وهم أصحاب الألوية، وهم حكام الله في أرضه على خلقه...(١٠٠٩)
وعن أبي أيوب، عن أبي بصير قال: سأل رجل من أهل الكوفة أبا عبد الله عليه السلام: كم يخرج مع القائم عليه السلام؟ فإنهم يقولون: إنه يخرج معه مثل عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، قال: وما يخرج إلا في أولي قوة، وما تكون أولوا القوة أقل من عشرة آلاف.(١٠١٠)
قال العلامة المجلسي رحمه الله تعالى: بيان: المعنى أنه عليه السلام لا تنحصر أصحابه في الثلاثمائة وثلاثة عشر، بل هذا العدد هم المجتمعون عنده في بدو خروجه.(١٠١١)
وفي كتاب الفتن: عن ابن عباس أن عدتهم ثلاثمائة وخمسة عشر رجلاً عدة أصحاب بدر.(١٠١٢)
يجمعهم الله في يوم واحد
روى الشيخ الطوسي: عن عبد الله بن العباس في قول الله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)(١٠١٣) قال: قيام القائم عليه السلام ومثله (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا)(١٠١٤) قال: أصحاب القائم عليه السلام يجمعهم الله في يوم واحد.(١٠١٥)
افتخار الأرض بأصحاب الإمام عليه السلام
الشيخ الصدوق: عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كأني بأصحاب القائم وقد أحاطوا بما بين الخافقين، ليس من شيء إلا وهو مطيع لهم، حتى سباع الأرض، وسباع الطير تطلب رضاهم في كلّ شيء، حتى تفخر الأرض على الأرض، وتقول: مر بي اليوم رجل من أصحاب القائم.(١٠١٦)
أصحاب المهدي عليه السلام شباب لا كهول فيهم إلا قليلاً
الشيخ الطوسي: عن حكيم بن سعد، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: أصحاب المهدي شباب لا كهول فيهم، إلا مثل كحل العين والملح في الزاد، وأقل الزاد الملح.(١٠١٧)
من طالقان
أحمد بن أعثم الكوفي في كتاب الفتوح: عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ويحاً لك ياطالقان، فإن لله عزَّ وجلَّ بها كنوزاً ليست من ذهب ولا فضة، ولكن بها رجال مؤمنون، عرفوا الله حقّ معرفته، وهم أنصار المهدي في آخر الزمان.(١٠١٨)
مساكن أصحاب الإمام عليه السلام
العياشي: عن سعد بن عمر، عن غير واحد ممن حضر أبا عبد الله عليه السلام ورجل يقول: قد ثبت دار صالح ودار عيسى بن علي، وذكر دور العباسيين، فقال رجل: أراناها الله خراباً أو خربها بأيدينا،فقال له أبو عبد الله عليه السلام: لا تقل هكذا، بل يكون مساكن القائم وأصحابه، أما سمعت الله يقول: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)(١٠١٩).(١٠٢٠)

الفصل السابع: ظهور الإمام المهدي عليه السلام وما جاء فيه من الأخبار الشريفة ومسيره من مكة إلى الكوفة

ظهور الإمام المهدي عليه السلام
١ - حتمية الظهور
قد أوضحت الكثير من الروايات الشريفة وأكدت أن خروج الإمام عليه السلام أمر حتمي، ليملأ هذه الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
روى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر قال: سمعت الحسين بن علي عليهما السلام يقول: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله عزَّ وجلَّ ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي، فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً.(١٠٢١)
وروي عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خروج القائم من المحتوم. قلت: وكيف يكون النداء؟. قال: ينادي مناد من السماء أول النهار: ألا إن الحق في عليّ وشيعته...(١٠٢٢)
وقد ضمّن دعبل الخزاعي حتمية الظهور في شعره كما في قصيدته العصماء، وذلك قبل ولادة الإمام المهدي عليه السلام بفترة من الزمن، قال رحمه الله تعالى:

خروجُ إمام لا محالة خارجٌ * * * يقومُ على اسم الله والبركاتِ

٢ - ظهور الإمام عليه السلام عند بيت الله الحرام بين الركن والمقام يوم عاشوراء
روى الشيخ الصدوق رحمه الله تعالى: عن أبي بصير قال: قال: أبو جعفر عليه السلام: يخرج القائم عليه السلام يوم السبت يوم عاشوراء، يوم الذي قتل فيه الحسين عليه السلام.(١٠٢٣)
وفي رواية الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إن القائم صلوات الله عليه ينادى باسمه ليلة ثلاث وعشرين، ويقوم يوم عاشوراء، يوم قتل فيه الحسين بن علي عليهما السلام.
وعن علي بن مهزيار قال: قال أبو جعفر عليه السلام: كأني بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت قائماً بين الركن والمقام، بين يديه جبرئيل عليه السلام ينادي: البيعة لله، فيملؤها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.(١٠٢٤)
٣ - النداء من السماء باسمه، يسمعه جميع أهل الأرض
الشيخ الصدوق: عن الحسين بن خالد قال: قال علي بن موسى الرضا عليه السلام: لا دين لمن لا ورع له.. وساق الحديث إلى أن قال: فقيل له: يابن رسول الله ومن القائم منكم أهل البيت؟ قال: الرابع من ولدي، ابن سيدة الإماء يطهر الله به الأرض من كلّ جور، ويقدسها من كلّ ظلم, وهو الذي يشك الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه، فإذا خرج أشرقت الأرض بنور ربها، ووضع ميزان العدل بين الناس، فلا يظلم أحدٌ أحداً, وهو الذي تطوى له الأرض، ولا يكون له ظل، وهو الذي ينادي مناد من السماء باسمه، يسمعه جميع أهل الأرض بالدعاء إليه، يقول: ألا إن حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه، فإن الحقّ معه وفيه، وهو قول الله عزَّ وجلَّ: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)(١٠٢٥).(١٠٢٦)
وروى الشيخ الطوسي: عن محمد بن مسلم قال: ينادي مناد من السماء باسم القائم عليه السلام، فيسمع ما بين المشرق إلى المغرب، فلا يبقى راقد إلا قام، ولا قائم إلا قعد، ولا قاعد إلا قام على رجليه من ذلك الصوت، وهو صوت جبرئيل الروح الأمين.(١٠٢٧)
٤ - نداء الملك على رأسه الشريف
روى الكنجي الشافعي بإسناده عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يخرج المهدي وعلى رأسه ملك ينادي: إن هذا المهدي فاتبعوه.
قال: هذا حديث حسن.(١٠٢٨)
قال الأربلي: روته الحفاظ والأئمة من أهل الحديث كأبي نعيم والطبراني وغيرهما.(١٠٢٩)
٥ - إذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة وأول ما ينطق به الآية الشريفة
روى الشيخ الصدوق: عن محمد بن مسلم الثقفي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام في خروج القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف, قال عليه السلام: فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة، واجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وأول ما ينطق به هذه الآية: (بَقِيَّةُ الله خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(١٠٣٠) ثم يقول: أنا بقية الله في أرضه، وخليفته وحجته عليكم فلا يسلم عليه مسلم إلا قال: السلام عليك يا بقية الله في أرضه، فإذا اجتمع إليه العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج، فلا يبقى في الأرض معبود دون الله عزَّ وجلَّ من صنم ووثن وغيره إلا وقعت فيه نار فاحترق، وذلك بعد غيبة طويلة ليعلم الله من يطيعه بالغيب ويؤمن به.(١٠٣١)
٦ - تضرع الإمام عليه السلام عند المقام
شرف الدين الحسيني: عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن القائم إذا خرج دخل المسجد الحرام فيستقبل الكعبة، ويجعل ظهره إلى المقام، ثم يصلي ركعتين، ثم يقوم فيقول: يا أيها الناس أنا أولى الناس بآدم، يا أيها الناس أنا أولى الناس بإبراهيم، يا أيها الناس أنا أولى الناس بإسماعيل، يا أيها الناس أنا أولى الناس بمحمد صلى الله عليه وآله، ثم يرفع يديه إلى السماء، فيدعو ويتضرع حتى يقع على وجهه، وهو قوله عزَّ وجلَّ: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإلَهٌ مَعَ الله قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)(١٠٣٢).(١٠٣٣)
وعن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام، في قول الله عزَّ وجلَّ: (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) قال: هذه نزلت في القائم عليه السلام إذا خرج تعمم وصلى عند المقام وتضّرع إلى ربّه فلا ترد له راية أبداً.(١٠٣٤)
٧ - خطبة الإمام عليه السلام في مكة وبعثه الجنود في الآفاق
نعيم بن حماد المروزي: حدثنا سعيد أبو عثمان، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ثم يظهر المهدي بمكة عند العشاء ومعه راية رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وقميصه وسيفه وعلامات ونور وبيان، فإذا صلى العشاء نادى بأعلى صوته يقول: أذكركم الله أيها الناس ومقامكم بين يدي ربكم، فقد اتخذ الحجة، وبعث الأنبياء، وأنزل الكتاب، وأمركم أن لا تشركوا به شيئاً، وأن تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله، وأن تحيوا ما أحيا القرآن، وتميتوا ما أمات، وتكونوا أعواناً على الهدى، ووزراً على التقوى، فإن الدنيا قد دنا فناؤها وزوالها، وأذنت بالوداع، فإني أدعوكم إلى الله وإلى رسوله، والعمل بكتابه، وإماتة الباطل، وإحياء سنته.
فيظهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدة أهل بدر على غير ميعاد قزعاً كقزع الخريف(١٠٣٥)، رهبان بالليل، أسد بالنهار، فيفتح الله للمهدي أرض الحجاز، ويستخرج من كان في السجن من بني هاشم، وتنزل الرايات السود الكوفة، فيبعث بالبيعة إلى المهدي، ويبعث المهدي جنوده في الآفاق ويميت الجور وأهله، وتستقيم له البلدان، ويفتح الله على يديه القسطنطينية.(١٠٣٦)
٨ - صعوده عليه السلام المنبر وبيعة جبرئيل له ومجيء أصحابه إليه
الشيخ المفيد: المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا أذن الله عزَّ وجلَّ للقائم في الخروج، صعد المنبر، ودعا الناس إلى نفسه وناشدهم بالله ودعاهم إلى حقه، وأن يسير فيهم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله ويعمل فيهم بعمله، فيبعث الله جلّ جلاله جبرئيل عليه السلام حتى يأتيه فينزل على الحطيم ثم يقول له: إلى أيّ شيء تدعو؟ فيخبره القائم عليه السلام فيقول جبرئيل عليه السلام: أنا أول من يبايعك ابسط يدك، فيمسح على يده، وقد وافاه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فيبايعونه, ويقيم بمكة حتى يتم أصحابه عشرة آلاف أنفس، ثم يسير منها إلى المدينة.(١٠٣٧)
٩ - إن الله تعالى ينصره بالملائكة المسومين
النعماني: عن الثمالي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام يقول: لو قد خرج قائم آل محمد عليهم السلام لنصره الله بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبيين يكون جبرائيل أمامه, وميكائيل عن يمينه, وإسرافيل عن يساره, والرعب مسيرة شهر أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله، والملائكة المقربون حذاه.. الحديث.(١٠٣٨)
١٠ - بيعة الأصحاب للإمام عليه السلام بين الركن والمقام
الشيخ الطوسي: عن جابر الجعفي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: يبايع القائم بين الركن والمقام ثلاثمائة ونيف عدة أهل بدر، فيهم النجباء من أهل مصر، والأبدال من أهل الشام، والأخيار من أهل العراق، فيقيم ما شاء الله أن يقيم.(١٠٣٩)
وروى الشيخ الصدوق: عن أبي خالد الكابلي، عن سيد العابدين علي ابن الحسين عليهما السلام قال: المفقودون عن فرشهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدة أهل بدر فيصبحون بمكة، وهو قول الله عزَّ وجلَّ: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا)(١٠٤٠) وهم أصحاب القائم عليه السلام.(١٠٤١)
وقال الشيخ الطبرسي رحمه الله تعالى في تفسير الآية الشريفة (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا): وروي في أخبار أهل البيت عليهم السلام أن المراد به أصحاب المهدي في آخر الزمان، قال الرضا عليه السلام: وذلك والله لو قام قائمنا يجمع الله إليه جميع شيعتنا من جميع البلدان (أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: هو قادر على جمعكم وحشركم، وعلى كلّ شيء.(١٠٤٢)
وعن الشيخ الطوسي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن أصحاب موسى ابتلوا بنهر وهو قول الله عزَّ وجلَّ: (إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ)(١٠٤٣) وإن أصحاب القائم يبتلون بمثل ذلك.(١٠٤٤)
١١ - إذا كمل له عشرة آلاف رجل خرج
روى الشيخ الصدوق: عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني عن الإمام محمد بن علي بن موسى عليه السلام في حديث له عن القائم عليه السلام، قال: ويجتمع إليه من أصحابه عدة أهل بدر: ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، من أقاصي الأرض، وذلك قول الله عزَّ وجلَّ: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(١٠٤٥) فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره، فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن الله عزَّ وجلَّ، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عزَّ وجلَّ.
قال عبد العظيم: فقلت له: يا سيدي وكيف يعلم أن الله عزَّ وجلَّ قد رضي؟ قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما.(١٠٤٦)
خروج الإمام عليه السلام من مكة إلى الكوفة ومسيره إلى الكوفة وما يقوم به
خروج الإمام عليه السلام من مكة إلى الكوفة
الراوندي: عن أبي سعيد الخراساني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهما السلام قال: إذا قام القائم بمكة وأراد أن يتوجه إلى الكوفة نادى مناديه: ألا لا يحمل أحدٌ منكم طعاماً ولا شراباً، ويحمل حجر موسى الذي انبجست منه اثنتا عشرة عيناً فلا ينزل منزلا إلا نصبه، فانبجست منه العيون، فمن كان جائعاً شبع، ومن كان ظمآن روي، فيكون زادهم حتى ينزلوا النجف من ظاهر الكوفة، فإذا نزلوا ظاهرها انبعث منه الماء واللبن دائماً، فمن كان جائعاً شبع، ومن كان عطشاناً روي.(١٠٤٧)
وروى الشيخ المفيد: عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: كأني بالقائم عليه السلام على نجف الكوفة، وقد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة: جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرق الجنود في البلاد.(١٠٤٨)
أهل الكوفة أسعد الناس بالإمام عليه السلام
الشيخ المجلسي: عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: أول ما يبدأ القائم عليه السلام بأنطاكية إلى أن قال عليه السلام: وأسعد الناس به أهل الكوفة...(١٠٤٩)
سبعون ألف صدّيق يكونون في أصحابه عليه السلام
الشيخ المجلسي: عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام: إذا ظهر القائم ودخل الكوفة بعث الله تعالى من ظهر الكوفة سبعين ألف صدّيق فيكونون في أصحابه وأنصاره، ويرد السواد إلى أهله، هم أهله.. الحديث.(١٠٥٠)
دخوله عليه السلام الكوفة ويقتل كلّ منافق مرتاب
روى الشيخ المفيد: عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل أنه قال: إذا قام القائم عليه السلام سار إلى الكوفة، فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس يدعون البترية(١٠٥١) عليهم السلاح فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم، ثم يدخل الكوفة، فيقتل بها كلّ منافق مرتاب، ويهدم قصورها، ويقتل مقاتليها حتى يرضى الله عزّ وعلا.(١٠٥٢)
ظهوره في الكوفة وينشر راية جده رسول الله صلى الله عليه وآله
الشيخ الصدوق: عن ابن تغلب، عن الثمالي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: كأني أنظر إلى القائم قد ظهر على نجف الكوفة، فإذا ظهر على النجف نشر راية رسول الله صلى الله عليه وآله، عمودها من عمد عرش الله تبارك وتعالى، وسائرها من نصر الله جلّ جلاله، لا يهوي بها إلى أحد إلا أهلكه الله عزَّ وجلَّ قال: قلت: تكون معه أو يؤتى بها؟ قال: بل يؤتى بها، يأتيه بها جبرئيل عليه السلام.(١٠٥٣)
ابن قولويه: عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كأني بالقائم عليه السلام على نجف الكوفة، وقد لبس درع رسول الله صلى الله عليه وآله، فينتفض هو بها فتستدير عليه، فيغشيها بخداجة من استبرق، ويركب فرساً أدهم بين عينيه شمراخ، فينتفض به انتفاضة لا يبقى أهل بلاد إلا وهم يرون أنه معهم في بلادهم، فينشر راية رسول الله صلى الله عليه وآله عمودها من عمود العرش، وسائرها من نصر الله، لا يهوي بها إلى شيء أبداً إلا أهلكه الله، فإذا هزّها لم يبق مؤمن إلا صار قلبه كزبر الحديد، ويعطى المؤمن قوة أربعين رجلاً، ولا يبقى مؤمن ميت إلا دخلت عليه تلك الفرحة في قبره، وذلك حيث يتزاورون في قبورهم، ويتباشرون بقيام القائم، فينحط عليه ثلاثة عشر آلاف ملك وثلاثمائة وثلاثة عشر ملكاً.
قلت: كلّ هؤلاء الملائكة؟ قال: نعم الذين كانوا مع نوح في السفينة، والذين كانوا مع إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، والذين كانوا مع موسى حين فلق البحر لبني إسرائيل، والذين كانوا مع عيسى حين رفعه الله إليه، وأربعة آلاف ملك مع النبي صلى الله عليه وآله مسومين، وألف مردفين، وثلاثمائة وثلاثة عشر ملائكة بدريين، وأربعة آلاف ملك هبطوا (١٠٥٤) يريدون القتال مع الحسين بن علي عليهما السلام فلم يؤذن لهم في القتال فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة، ورئيسهم ملك يقال له: منصور فلا يزوره زائر إلا استقبلوه ولا يودعه مودع إلا شيعوه، ولا يمرض مريض إلا عادوه، ولا يموت ميت إلا صلّوا على جنازته، واستغفروا له بعد موته، وكلّ هؤلاء في الأرض ينتظرون قيام القائم إلى وقت خروجه عليه السلام.(١٠٥٥)
وروى الشيخ الطوسي: عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا دخل القائم الكوفة، لم يبق مؤمن إلا وهو بها أو يجيء إليها، وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام، ويقول لأصحابه: سيروا بنا إلى هذه الطاغية(١٠٥٦) فيسير إليه.(١٠٥٧)
وعن مفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربّها، واستغنى العباد من ضوء الشمس، ويعمر الرجل في ملكه حتى يولد له ألف ذكر، لا يولد فيهم أنثى، ويبني في ظهر الكوفة مسجداً له ألف باب, ويتصل بيوت الكوفة بنهر كربلا وبالحيرة، حتى يخرج الرجل يوم الجمعة، على بغلة سفواء يريد الجمعة فلا يدركها.(١٠٥٨)
خطبته على منبر الكوفة وخروجه إلى الغري
الشيخ الطوسي: عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام في حديث طويل قال: يدخل المهدي الكوفة، وبها ثلاث رايات قد اضطربت بينها، فتصفو له فيدخل حتى يأتي المنبر ويخطب، ولا يدري الناس ما يقول من البكاء، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وآله: كأني بالحسني والحسيني، وقد قاداها فيسلمها إلى الحسيني فيبايعونه فإذا كانت الجمعة الثانية، قال الناس: يا ابن رسول الله الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله والمسجد لا يسعنا؟ فيقول: أنا مرتاد لكم فيخرج إلى الغري فيخط مسجداً له ألف باب يسع الناس، عليه أصيص(١٠٥٩) ويبعث فيحفر من خلف قبر الحسين عليه السلام لهم نهراً يجري إلى الغريين، حتى ينبذ في النجف، ويعمل على فوهته قناطر، وأرحاء في السبيل، وكأني بالعجوز وعلى رأسها مكتل فيه بر حتى تطحنه بكربلاء.(١٠٦٠)
ورواه الشيخ المفيد رحمه الله تعالى مثله وفيه: حتى تطحنه بلا كراء.(١٠٦١)
أصحاب القائم عليه السلام يضربون فساطيطهم في مسجد الكوفة
الصفار: عن رفيد مولى أبي هبيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يا رفيد كيف أنت إذا رأيت أصحاب القائم قد ضربوا فساطيطهم في مسجد الكوفة، ثم أخرج المثال الجديد، على العرب شديد، قال: قلت: جعلت فداك ما هو؟ قال: الذبح...(١٠٦٢)
الصدوق: عن المفضل بن عمر قال: قال الصادق عليه السلام: كأني أنظر إلى القائم على منبر الكوفة وحوله أصحابه ثلاث مائة وثلاثة عشر رجلاً عدة أهل بدر، وهم أصحاب الألوية، وهم حكام الله في أرضه على خلقه، حتى يستخرج من قبائه كتاباً مختوماً بخاتم من ذهب عهد معهود من رسول الله صلى الله عليه وآله فيجفلون عنه إجفال الغنم(١٠٦٣) فلا يبقى منهم إلا الوزير وأحد عشر نقيباً كما بقوا مع موسى بن عمران عليه السلام، فيجولون في الأرض فلا يجدون عنه مذهباً فيرجعون إليه، والله إني لأعرف الكلام الذي يقوله لهم فيكفرون به.(١٠٦٤)
بناء مسجد له ألف باب
الطبرسي: عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا قام قائم آل محمد بنى في ظهر الكوفة مسجداً له ألف باب، واتصلت بيوت أهل الكوفة بنهر كربلاء.(١٠٦٥)
وقد تقدم قريباً عن الشيخ الطوسي رحمه الله تعالى عن أبي عبد الله عليه السلام: فيخرج عليه السلام إلى الغري فيخط مسجداً له ألف باب يسع الناس عليه أصيص.. الحديث
يستخرج من الكوفة إثني عشر ألف درع
روى الحسين بن حمدان الخصيبي بالإسناد عن الأصبغ بن نباتة قال: خرجنا مع أمير المؤمنين وهو يطوف بالسوق يأمر بوفاء الكيل والميزان وهو يطوف إلى أن انتصف النهار، مرّ برجل جالس، فقام إليه فقال له يا أمير المؤمنين: مرّ معي إلى أن تدخل بيتي تتغدى عندي، وتدعو لي، وما أحسبك اليوم تغديت.
قال أمير المؤمنين عليه السلام: على أن لا تدخر ما في بيتك ولا تتكلف من وراء بابك، قال: لك شرطك، ودخل ودخلنا وأكلنا خبزاً وزيتاً، وتمراً، ثم خرج يمشى حتى انتهى إلى قصر الأمارة بالكوفة فركض برجله الأرض فزلزلت ثم قال: وأيم الله لو علمتم ما هاهنا، وأيم الله لو قام قائمنا لأخرج من هذا الموضع اثني عشر ألف درع، واثني عشر ألف بيضة لها وجهات، ثم البسها اثني عشر الفاً من ولد العجم، ثم يأمر بقتل كلّ من كان على خلاف ما هم عليه، وأني أعلم ذلك وأراه كما أعلم اليوم وأراه، فكان هذا من دلائله عليه السلام.(١٠٦٦)
تخفق على رأسه الأعلام البيض في نجف الكوفة
الشيخ الصدوق: عن محمد بن عثمان العمري، عن أبيه، عن أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام في حديث له: أما إن له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون، ثم يخرج فكأني أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة.(١٠٦٧)
نزول الإمام عليه السلام في مسجد السهلة
الشيخ المفيد: عن صالح بن أبي الأسود، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ذكر مسجد السهلة، فقال: أما إنه منزل صاحبنا إذا قدم بأهله.(١٠٦٨)
المشهدي: روى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال لي: يا أبا محمد كأني أرى نزول القائم عليه السلام في مسجد السهلة بأهله وعياله.
قلت: يكون منزله جعلت فداك؟
قال: نعم، كان فيه منزل إدريس، وكان منزل إبراهيم خليل الرحمان، وما بعث الله نبياً إلا وقد صلّى فيه، وفيه مسكن الخضر، والمقيم فيه كالمقيم في فسطاط رسول الله صلى الله عليه وآله، وما من مؤمن ولا مؤمنة إلا وقلبه يحن إليه، وفيه صخرة فيها صورة كلّ نبي، وما صلّى فيه أحدٌ فدعا الله بنية صادقة إلا صرفه الله بقضاء حاجته، وما من أحد استجاره إلا أجاره الله مما يخاف.
قلت: هذا لهو الفضل، قال: أزيدك، قلت: نعم، قال: هو من البقاع التي أحب الله أن يدعى فيها، وما من يوم ولا ليلة إلا والملائكة تزور هذا المسجد، يعبدون الله فيه، أما أني لو كنت بالقرب منكم ما صليت صلاة إلا فيه، يا أبا محمد ولو لم يكن له من الفضل إلا نزول الملائكة والأنبياء فيه لكان كثيراً، فكيف وهذا الفضل وما لم أصف لك أكثر.
قلت: جعلت فداك لا يزال القائم عليه السلام فيه أبداً، قال: نعم، قلت: فمن بعده، قال: هكذا من بعده إلى انقضاء الخلق.. إلى أن قال: قلت: فمن نصب لكم العداوة؟
فقال: لا يا أبا محمد ما لمن خالفنا فيه في دولتنا من نصيب، إن الله قد أحل لنا دماءهم عند قيام قائمنا، فاليوم محرم علينا وعليكم ذلك، فلا يغرّنك أحد، إذا قام قائمنا انتقم لله ولرسوله صلى الله عليه وآله ولنا أجمعين.(١٠٦٩)
يرسل أصحابه إلى الآفاق كلها
تفسير العياشي: ثم يرجع إلى الكوفة فيبعث الثلثمائة والبضعة عشر رجلاً إلى الآفاق كلّها، فيمسح بين أكتافهم وعلى صدورهم، فلا يتعايون(١٠٧٠) في قضاء، ولا تبقى أرض إلا نودي فيها شهادة أن لا إله إلا الله وحدّه لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، وهو قوله: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)(١٠٧١) ولا يقبل صاحب هذا الأمر الجزية كما قبلها رسول الله صلى الله عليه وآله وهو قول الله: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله)(١٠٧٢).(١٠٧٣)
صلاة الإمام الصادق عليه السلام عند موضع منبر القائم عليه السلام
محمد بن جرير الطبري: عن فرات بن الأحنف، قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام ونحن نريد زيارة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، فلما صرنا إلى الثوية نزل فصلى ركعتين، فقلت: يا سيدي، ما هذه الصلاة؟ قال: هذا موضع منبر القائم، أحببت أن أشكر الله في هذا الموضع.(١٠٧٤)
وروى ابن قولويه: عن أبان بن تغلب، قال: كنت مع أبي عبد الله عليه السلام فمر بظهر الكوفة، فنزل وصلى ركعتين، ثم تقدم قليلاً، فصلى ركعتين ثم سار قليلاً، فنزل فصلى ركعتين، ثم قال: هذا موضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام، قلت: جعلت فداك فما الموضعين الذين صليت فيهما، قال: موضع رأس الحسين علي