فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » الإمام المهدي في مصادر علماء الشيعة الجزء الثالث
 كتب المركز

الكتب الإمام المهدي في مصادر علماء الشيعة الجزء الثالث

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/٢٠ المشاهدات المشاهدات: ٩٨٢٤٥ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام المهدي عليه السلام في مصادر علماء الشيعة الجزء الثالث
من القرن الثاني إلى القرن الحادي عشر

إعداد وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام

فهرست الموضوعات

٣٩ _ عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار
فصل: في ذكر ما جاء في المهدي عليه السلام من متون الصحاح الستّة
ما جاء في بقاء الدجّال من متون الصحاح ومن المتَّفق عليه في الصحيحين من أخبار الدجّال
٤٠ _ الاحتجاج
احتجاج الحجّة القائم المنتظر المهدي صاحب الزمان
وأمَّا الأبواب المرضيون، والسفراء الممدوحون في زمان الغيبة
ذكر طرف ممَّا خرج أيضاً عن صاحب الزمان عليه السلام من المسائل الفقهية وغيرها، في التوقيعات على أيدي الأبواب الأربعة وغيرهم
[زيارة آل ياسين]
[توقيعاته صلوات الله عليه إلى الشيخ المفيد قدس سره]
٤١ _ تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بـ (مجموعة الورام)
٤٢ _ المنقذ من التقليد
الكلام في الغيبة
[أسباب كتمان الولادة]
[عدم استحالة طول العمر]
٤٣ _ إقبال الأعمال
فصل (٤٩): فيما نذكره من ولادة مولانا المهدي عليه السلام في ليلة النصف من شعبان وما يفتح الله جل جلاله علينا من تعظيمها بالقلب والقلم واللسان
فصل (٥٠): فيما نذكره [في بشارة النبيّ جدّه صلى الله عليه وآله وسلم بولادته وعظيم انتفاع الإسلام برئاسته]
فصل (٥١): فيما نذكره من الدعاء والقسم على الله جل جلاله بهذا المولود العظيم المكان ليلة النصف من الشعبان
٤٤ _ الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف
بشارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالمهدي عليه السلام
٤٥ _ فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم
فصل: [دلائة النجوم على ولادة الإمام]
فصل: [كرامات الإمام المهدي عليه السلام]
فصل: [دعاء الإمام عليه السلام لجنين]
فصل: [سؤال السمري كفناً]
فصل: [قصَّة رشيق المادراني]
[خبر القاسم بن العلاء، وعلمه عليه السلام بالآجال وبالغائب]
[علمه عليه السلام بما يكون]
[وضعه عليه السلام للحجر الأسود وعلمه بالآجال]
فصل: [علمه عليه السلام بالغائب وبما يكون]
٤٦ _ كشف المحجّة لثمرة المهجة
[غيبة الإمام المهدي عليه السلام]
الفصل السابع والسبعون: [الغيبة دليل الإمامة]
الفصل الثامن والسبعون: [كشف الأستار لمعرفة الأسرار]
الفصل التاسع والسبعون: [القول في الصحابة والمتعة والرجعة والمهدي]
الفصل الخمسون والمائة: [كيفية تعاطي الناس مع قضيّة الإمام المهدي عليه السلام]
الفصل الحادي والخمسون والمائة: [البداء وآية المحو والإثبات]
الفصل الثاني والخمسون والمائة: [تضرّع ابن طاووس أمام الحضرة المهدوية]
الفصل الثالث والخمسون والمائة: [وصايا عامّة]
٤٧ _ المسلك في أصول الدين
المقصد الثالث: في مباحث متعلّقة بالغيبة
[ولادته والإخبار على تعيينه]
[من شاهده بعد ولادته]
[علّة الغيبة]
[شبهة طول العمر]
٤٨ _ كشف الغمّة في معرفة الأئمّة
ذكر الإمام الثاني عشر
[النصّ عليه عليه السلام]
[شبهة عدم الانطباق]
[شبهة عدم الاختصاص]
[شبهة اتّحاد اسم الأب بين الإمام والنبيّ]
ذكر الخلف الصالح عليه السلام
[الأولى: قصَّة إسماعيل الهرقلي]
[الثانية: قصَّة السيّد باقي بن عطوة العلوي]
٤٩ _ النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة
البحث الثالث: في فساد ما قالته الطوائف من الشيعة المنكرين لواحد من الأئمّة الاثنى عشر عليهم السلام
البحث الرابع: في غيبة الإمام عليه السلام
٥٠ _ مختصر البصائر
[الدعاء في عصر الغيبة]
٥١ _ المحتضر
٥٢ _ مشارق أنوار اليقين في أسرار مولانا أمير المؤمنين عليه السلام
الفصل الرابع عشر: في أسرار أبي صالح المهدي عليه السلام
٥٣ _ إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين
[بحث في غيبة الإمام المنتظر عجَّل الله فرجه]
٥٤ _ اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية
البحث الخامس: في الغيبة
٥٥ _ شرح أصول الكافي
باب في تسمية من رأى القائم عليه السلام
باب في النهى عن الاسم
باب نادر في حال الغيبة
باب في الغيبة
٥٦ _ الفوائد الطوسية
فائدة (٣٨): حديث الاثنى عشر بعد الاثني عشر عليهم السلام
٥٧ _ تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة
(٣٣): باب تحريم تسمية المهدى عليه السلام، وسائر الأئمّة عليهم السلام وذكرهم وقت التقيّة، وجواز ذلك مع عدم الخوف
٥٨ _ الأربعون حديثاً في إثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام
[المهدي عليه السلام]
إرشاد ورفع استبعاد
من مات ولم يعرف إمام زمانه
إكمال وقطع إشكال
[سبب الغيبة]
جوهرة فاخرة
[الغيبة الصغرى]
فائدة
[سفراء الغيبة الصغرى]
ختام

عُمدة عيون صِحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار

تأليف: الحافظ يحيى بن الحسن الأسدي الحلي المعروف بابن البطريق (٥٣٣ – ٦٠٠هـ)
تحقيق: الشيخ مالك المحمودي – الشيخ إبراهيم البهادُري

فصل: في ذكر ما جاء في المهدي عليه السلام من متون الصحاح الستّة (١)
* من الجزء الثالث من أجزاء ثلاثة من صحيح مسلم على حدّ كرّاسين من آخره، قال: حدَّثنا زهير بن حرب وعلي بن حجر _ واللفظ لزهير _، قال: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الجريري، عن أبي نضرة، قال: كنّا عند جابر بن عبد الله، فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجبى(٢) إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذلك؟ قال: من قِبَل العجم يمنعون ذلك، ثمّ قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى لهم دينار ولا مدّ، قلنا له: من أين ذلك؟ قال: من قِبَل الروم، ثمّ سكت هنيئة، ثمّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يكون في آخر أمّتي خليفة، يحثي المال حثياً(٣)، لا يعدّه عدّاً(٤))، قال: قلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريان أنَّه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا(٥).
وبالإسناد المقدَّم، قال: حدَّثنا ابن مثنّى، حدَّثنا عبد الوهاب، حدَّثنا سعيد _ يعني: الجريري _ بهذا الإسناد، نحوه(٦).
* وحدَّثنا نصر بن علي الجهضمي، حدَّثنا بشر _ يعني: ابن المفضَّل _، وحدَّثنا علي بن حجر، حدَّثنا إسماعيل _ يعني: ابن علية _ كلاهما، عن سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من خلفائكم خليفة يحثو المال حثياً، لا يعدّه عدّاً).
وفي رواية ابن حجر: يحثي المال(٧).
* قال: وحدَّثني زهير بن حرب، حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدَّثنا أبي، حدَّثنا داود، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعدّه)(٨).
* وبه قال: وحدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمثله(٩).
* ومن الجزء المذكور أيضاً إلاَّ أنَّه قبل هذه الأخبار بكرّاس واحد وبالإسناد المقدَّم، قال: وحدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن حجر كلاهما، عن أبن علية _ واللفظ لابن حجر _، حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيّوب، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة العدوي، عن يسير بن جابر، قال: هاجت ريح حمراء بالكوفة، فجاء رجل ليس له هجير(١٠) فقال: ألا يا عبد الله بن مسعود، جاءت الساعة، قال: فقعد وكان متّكئاً فقال: إنَّ الساعة لا تقوم حتَّى لا يقسم الميراث ولا يفرح بغنيمة، ثمّ قال بيده هكذا ونحّاها نحو الشام، فقال: (عدوّ يجمعون لأهل الإسلام ويجمع لهم أهل الإسلام).
قلت: الروم تعني؟
قال: نعم، وتكون عند ذاكم(١١) القتال ردّة شديدة(١٢) فيشترط المسلمون شرطة(١٣) للموت لا ترجع إلاَّ غالبة، فيقتتلون حتَّى يحجر بينهم الليل، فيفيء(١٤) هؤلاء وهؤلاء كلّ غير غالب، وتفنى الشرطة، ثمّ يشترط المسلمون شرطة للموت فلا ترجع إلاَّ غالبة، فيقتتلون حتَّى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كلّ غير غالب، وتفنى الشرطة، ثمّ يشترط المسلمون شرطة للموت، لا ترجع إلاَّ غالبة فيقتتلون حتَّى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء كلّ غير غالب، وتفنى الشرطة فإذا كان يوم الرابع نهد إليهم(١٥) بقيّة أهل الإسلام، فيجعل الله الدبرة(١٦) عليهم فيقتتلون مقتلة _ إمَّا قال: لا يرى مثلها، وإمَّا قال: لم يرَ مثلها _، حتَّى أنَّ الطائر ليمرّ بجنباتهم فما يخلّفه(١٧) حتَّى يخر ميّتاً فيتعاد بنو الأب كانوا مائة فلا يجدونه بقى منهم إلاَّ رجل واحد(١٨) فبأيّ غنيمة يفرح أو بأيّ ميراث يقاسم، فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس هو أكبر(١٩) من ذلك فجاءهم الصريخ: إنَّ الدجّال قد خلفهم في ذراريهم فيرفضون ما في أيديهم ويقبلون فيبعثون عشرة فوارس طليعة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّي لأعرف أسمائهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم، هم خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ).
قال ابن أبي شيبة في روايته عن يسير بن جابر(٢٠).
* ومن صحيح مسلم في الجزء الخامس من أجزاء خمسة(٢١) على حدّ ثلاثة أرباعه وبالإسناد الأوّل، قال: حدَّثني محمّد بن حاتم بن ميمون، حدَّثنا الوليد بن صالح، حدَّثنا عبيد الله بن عمرو، حدَّثنا زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الملك العامري، عن يوسف بن ماهك، أخبرني عبد الله بن صفوان، عن اُمّ المؤمنين اُمّ سَلَمة رضي الله عنها إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (سيعوذ بهذا البيت _ يعني: الكعبة _ قوم ليست لهم منعة ولا عدد ولا عدّة، يبعث إليهم جيش حتَّى إذا كانوا ببيداء(٢٢) من الأرض خسف بهم).
قال يوسف: وأهل الشام يومئذٍ يسيرون إلى مكّة، فقال عبد الله بن صفوان: أمَا والله ما هو بهذا الجيش.
قال زيد: وحدَّثني عبد الملك العامري، عن عبد الرحمن بن سابط، عن الحارث بن أبي ربيعة، عن اُمّ المؤمنين بمثل حديث يوسف بن ماهك، غير أنَّه لم يذكر فيه الجيش الذي ذكره عبد الله بن صفوان(٢٣).
* وبالإسناد أيضاً، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا يونس بن محمّد، حدَّثنا القاسم بن الفضل الحداني، عن محمّد بن زياد، عن عبد الله بن الزبير أنَّ عائشة قالت: عبث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منامه(٢٤) فقلنا: يا رسول الله صنعت شيئاً في منامك لم تكن تفعله؟
فقال: (العجب، إنَّ ناساً من أمّتي يؤمّون البيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت حتَّى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم).
فقلنا: يا رسول الله إنَّ الطريق قد يجمع الناس؟
قال: (نعم، فيهم المستبصر والمجبور(٢٥) وابن السبيل، يهلكون مهلكاً واحداً ويصدرون مصادر شتّى، يبعثهم الله على نيّاتهم)(٢٦).
* وبالإسناد المقدَّم أيضاً، قال: حدَّثنا أحمد بن يونس، حدَّثنا زهير حدَّثنا عبد العزيز بن رفيع بهذا الإسناد، وفي حديثه قال: فلقيت أبا جعفر فقلت: إنَّها إنَّما قالت بيداء من الأرض.
فقال أبو جعفر: (كلاَّ، والله إنَّها لبيداء المدينة)(٢٧).
* ومن تفسير الثعلبي، ذكر الثعلبي في تفسير قوله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَْشْهادُ)(٢٨) وذكر فتنة الدجّال، ثمّ قال: وبالإسناد المقدَّم، قال مقاتل: قالوا: يا رسول الله فكيف نصلّي في تلك الأيّام القصار؟
قال: (تقدّرون فيها كما تقدّرون في هذه الأيّام الطوال، ثم تصلّون وأنَّه لا يبقى شيء في الأرض إلاَّ وطأه وغلب عليه إلاَّ روضة مكّة والمدينة؛ فإنَّه لا يأتيهما من نقب(٢٩) من أنقابهما إلاَّ لقيه ملك مصلت بالسيف حتَّى ينزل الظريب الأحمر(٣٠) عند مجتمع السيول عند منقطع السبخة(٣١) ثمّ ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى منافق فيها ولا منافقة إلاَّ خرج إليه، فتنفي المدينة يومئذٍ الخبيث، كما ينفي الكير(٣٢) خبث الحديد، يدعى ذلك اليوم: يوم الخلاص).
قالت اُمّ شريك: يا رسول الله، أين الناس يومئذٍ؟
قال: (ببيت المقدس، يخرج حتَّى يحاصرهم، وإمام الناس يومئذٍ رجل صالح، فبينما صلّى الصبح فإذا كبَّر ودخل في الصلاة(٣٣) نزل عيسى ابن مريم عليهما السلام فإذا رآه ذلك الرجل عرفه، فرجع يمشي القهقرى، فيتقدَّم عيسى عليه السلام فيضع يده بين كتفيه ويقول: صلّ فإنَّما اُقيمت لك الصلاة فيصلّي عيسى وراءه، ثمّ يقول: افتحوا الباب، فيفتحون الباب)(٣٤).
* ذكر الثعلبي في تفسير قوله تعالى: (حم * عسق)(٣٥): بالإسناد المقدَّم قال: ((س): سناء المهدي، (ق): قوّة عيسى حين ينزل فيقتل النصارى ويخرب البِيَع)(٣٦).
* ذكر الثعلبي في تفسير السورة [الشورى] في تفسير قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(٣٧)، والخبر طويل ذكرناه في تاسع فصل من الكتاب(٣٨)، ونذكر منه موضع الحاجة هاهنا.
* وبالإسناد المقدَّم، قال: أخبرنا أبو الحسن العلوي الرضوي، حدَّثنا أحمد بن علي بن مهدي، حدَّثني أبي، حدَّثني علي بن موسى الرضا، حدَّثني أبي موسى بن جعفر، حدَّثني أبي جعفر الصادق، قال: (كان نقش خاتم أبي محمّد بن علي عليه السلام: ظنّي بالله حسن، وبالنبيّ المؤتمن، وبالوصيّ ذي المنن، وبالحسين والحسن)(٣٩).
* قال الثعلبي بإسناده: وأنشدني أحمد بن إبراهيم الجرجاني، قال: أنشدني منصور الفقيه لنفسه:

إن كان حبّي خمسة * * * زكت بهم فرائضي
وبغض من عاداهم * * * رفضاً فإنّي رافضي

قال: وقيل: هم ولد عبد المطَّلب.
قال: ويدلُّ عليه ما أخبرنا أبو العبّاس: سهل بن محمّد بن سعيد المروزي، حدَّثنا جدّي أبو الحسن المحمودي، حدَّثنا أبو جعفر: محمّد بن عمران الأرسابندي، حدَّثنا هدبة بن عبد الوهاب، حدَّثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، حدَّثنا عبد الله بن زياد اليمامي، حدَّثنا عكرمة بن عمّار اليمامي، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (نحن ولد عبد المطَّلب سادة أهل الجنّة أنا وحمزة وجعفر وعلي والحسن والحسين والمهدي)(٤٠).
* ذكر الثعلبي في تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)(٤١) قال: ذلك عيسى بن مريم عليه السلام.
وروى ذلك عن مجاهد(٤٢) بإسناده، وقرأ ابن عبّاس وأبو هريرة وقتادة ومالك بن دينار وضحّاك: (وإنَّه لعَلَم للساعة) بفتح العين واللام، أي: أمارة وعلامة، وقال في الحديث: (إنَّ عيسى عليه السلام ينزل في ثوبين مهرودين)، أي مصبوغين بالهرد وهو الزعفران.
قال: وفي الحديث: (ينزل عيسى بن مريم عليه السلام على ثنية من الأرض(٤٣) المقدَّسة يقال لها: اثبنى(٤٤)، وعليه ممصرتان(٤٥)، وشعر رأسه دهين وبيده حربة وهي التي يقتل بها الدجّال، فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة العصر والإمام يؤوم، فيتأخَّر الإمام فيقدَّمه عيسى ويصلّي خلفه على شريعة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ يقتل الخنازير ويكسر الصليب ويخرب البِيَع والكنائس ويقتل النصارى إلاَّ من آمن به)(٤٦).
* ذكر الثعلبي في تفسير قوله تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ)(٤٧) وذكر حديث البساط ومسيرهم إلى الكهف ويقظتهم، ثمّ قال بالإسناد المقدَّم، قال: وأخذوا مضاجعهم فصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدي، يقال: إنَّ المهدي عليه السلام يسلّم عليهم فيحييهم الله عز وجل له، ثمّ يرجعون إلى رقدتهم ولا يقومون إلى يوم القيامة(٤٨).
* ومن الجمع بين الصحيحين للحميدي الحديث التاسع من المتَّفق عليه من البخاري ومسلم في الصحيحين من مسند أبي هريرة الدوسي وبالإسناد المقدَّم، قالا _ وأخرجاه من حديث ابن شهاب عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري _: إنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم عليه السلام فيكم وإمامكم منكم؟)(٤٩).
وليس لنافع _ مولى أبي قتادة _ عن أبي هريرة في الصحيحن غير هذا الحديث.
* ومن الجمع بين الصحيحين للحميدي الحديث العاشر من المتَّفق عليه بين الصحيحين من البخاري ومسلم من مسند ثوبان _ مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم _ وليس له في الصحيحين غير عشرة أحاديث ممَّا خرَّجه أبو بكر البرقاني من حديث أبي الربيع الزهراني وقتيبة من حديث أبي موسى وبندار، عن هشام، كما أخرجه مسلم من حديثهم بالإسناد.
وزاد بعد مضي ما تقدَّم، قال بالإسناد المقدَّم: (وإنَّما أخاف على أمّتي الأئمّة المضلّين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة(٥٠)، ولا تقوم الساعة حتَّى يلحق حيّ من أمّتي بالمشركين، وحتَّى يعبد فئة(٥١) من أمّتي الأوثان، وأنَّه سيكون في أمّتي الكذّابون ثلاثون، كلّهم يزعم أنَّه نبيّ، وأنا خاتم النبيّين، لا نبيّ بعدي(٥٢)، ولا يزال طائفة من أمّتي على الحقّ منصورة، لا يضرّهم من خذلهم حتَّى يأتي أمر الله)(٥٣).
* ومن الجمع بين الصحاح الستّة لرزين العبدري في الجزء الثاني من أجزاء ثلاثة في أوّل ثاني كرّاسة منه، وبالإسناد المقدَّم، قال: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم)(٥٤).
* ومن الجمع بين الصحاح الستّة أيضاً لرزين العبدري في الجزء الثالث من أجزاء ثلاثة على حدّ ربعه الأخير في باب (جامع ما جاء في العرب والعجم) وهو آخر الباب من صحيح النسائي وبالإسناد المقدَّم، قال: عن مصعدة، عن جعفر، عن أبيه، عن جدّه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أبشروا أبشروا، إنَّما أمّتي كالغيث، لا يدرى آخره خير أم أوّله، أو كحديقة اُطعم منّا فوج عاماً، ثمّ اُطعم منها فوج عاماً لعلَّ آخرها فوجاً يكون أعرضها عرضاً، وأعمقها عمقاً، وأحسنها حسناً، كيف تهلك أمّة أنا أوّلها والمهدي أوسطها، والمسيح آخرها، ولكن بين ذلك ثبج(٥٥) أعوج، ليسوا منّي ولا أنا منهم)(٥٦).
* ومن الجمع بين الصحاح الستّة أيضاً لرزين العبدري في آخر الجزء الثاني من أجزاء اثنين على حدّ أربعة كراريس من آخره، وكان الجزء [قد قرأه الغزنوي _ نزيل واسط _ الواعظ على مصنّفه]، وقد قرأه الوزير: يحيى بن هبيرة على الغزنوي وهو آخر النصف في باب تغيير الزمان وذكر الأشراط، من صحيح أبي داود السجستاني _ وهو كتاب السنن _ ومن صحيح الترمذي أيضاً.
* وبالإسناد المقدَّم، قال: عن زر، عن عبد الله بن مسعود أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لو لم يبقَ من الدنيا إلاَّ يوم واحد، لطوَّل الله تعالى ذلك اليوم حتَّى يبعث رجل)(٥٧).
قال: وفي حديث أبي هريرة: (حتَّى يلي رجل).
قال: وفي رواية: (حتَّى يملك العرب رجل منّي ومن أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(٥٨).
* وبالإسناد أيضاً، قال: عن علي عليه السلام أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لو لم يبقَ من الدنيا(٥٩) إلاَّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً)(٦٠).
* وبالإسناد أيضاً، قال: عن اُمّ سَلَمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (المهدي من عترتي، من ولد فاطمة عليها السلام)(٦١).
* وبالإسناد أيضاً، قال: وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي منّي، وهو أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين)(٦٢).
* وبالإسناد أيضاً، قال: وعن اُمّ سَلَمة زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالت: قال: (يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هارباً إلى مكّة، فيأتيه ناس من أهل مكّة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام ويبعث إليه بعث من الشام، فيخسف بهم بالبيداء بين مكّة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال الشام وعصائب(٦٣) أهل العراق فيبايعونه، ثمّ ينشأ رجل من قريش، أخواله كلب(٦٤) فيبعث إليه بعثاً فيظهرون عليهم وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل بسُنّتي _ أو قال: بسُنّة نبيّهم _ ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض(٦٥) فيلبث سبع سنين).
قال: وقال بعض الرواة عن هشام: (تسع سنين)(٦٦).
* وبالإسناد أيضاً، قال: وعن أبي إسحاق قال: قال علي عليه السلام ونظر إلى ابنه الحسين وقال: (إنَّ ابني هذا سيّد، كما سمّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيخرج من صلبه(٦٧) رجل يسمّى باسم نبيّكم، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق، يملأ الأرض عدلاً)(٦٨).
* وبالإسناد أيضاً، قال: وعن أبي الحسن بن هلال بن عمير، قال: سمعت علياً عليه السلام يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يخرج رجل من وراء النهر يقال له: الحارث بن حراث، على(٦٩) مقدّمته رجل يقال له: منصور، يوطئُ أو يمكّن لآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم كما مكَّنت قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واجب على كلّ مؤمن نصرته _ أو قال: إجابته _)(٧٠).
* وبالإسناد أيضاً يليه من الكرّاس المذكور أيضاً من صحيح النسائي، قال: عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لن تهلك أمّة أنا أوّلها، ومهديها وسطها، والمسيح بن مريم آخرها)(٧١).
* ومن كتاب غريب الحديث من الجزء الأوّل _ في حديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم _ تأليف أبي محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري في (التناقض) قال بإسناده: حديث حدَّثنيه محمّد بن عبد، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى أو غزوة(٧٢) بن رويم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (خيار أمّتي أوّلها وآخرها، وبين ذلك ثبج أعوج ليس منّي ولست منه).
قال ابن قتيبة: الثبج: الوسط.
قال أبو زيد: ضربٌ بالسيف، ثبج الرجل: أي وسطه، والجمع أثباج، ومثله: جوز وأجواز.
وقد جاءت في هذا آثار، منها: أنَّه ذكر آخر الزمان فقال: (المتمسّك منهم يومئذٍ بدينه كالقابض على الجمر).
والحديث الآخر: (والشهيد منهم يومئذٍ بشهيد بدر)، هذا وما أشبهه من الكلام.
وفي حديث آخر: إنَّه سئل عن الغرباء؟
فقال: (الذين يحيون ما أمات الناس من سُنّتي)، من ذلك قوله: (لا نبيّ بعدي ولا كتاب بعد كتابي ولا أمّة بعد اُمّتي، فالحلال ما أحلَّه الله على لساني إلى يوم القيامة، والحرام ما حرَّمه الله على لساني إلى يوم القيامة).
قال: ليس يراد للحديث الذي ذكر فيه: (إنَّ المسيح ينزل فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويزيد في الحلال؛ لأنَّ المسيح نبيّ متقدَّم رفعه الله إليه، ثمّ ينزله في آخر الزمان علماً للساعة، قال الله تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها)(٧٣)) وقرأ بعض القرّاء: لَعَلَم للساعة، فإذا نزل لم ينسخ شيئاً ممَّا أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يتقدَّم الإمام(٧٤) من أمّته بل يقدَّمه ويصلّي خلفه(٧٥).
* ومن كتاب المصابيح تصنيف أبي محمّد: الحسين بن مسعود الفرّاء في باب أخبار (المهدي) وهو على حدّ أربعة كراريس من آخر الكتاب، ذكر صاحب الكتاب بإسناده، قال: وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي منّا أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين)(٧٦).
* وبإسناده، قال: وعن أبي سعيد أيضاً، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في قصَّة المهدي قال: (فيجيئُ إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني، أعطني، قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله)(٧٧).
* وبإسناده، قال: وعن أبي سعيد الخدري أيضاً، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (بلاء يصيب هذه الأمّة حتَّى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله رجلاً من عترتي، فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يرضى عنه ساكن السماوات والأرض، لا تدع السماء من قطرها شيئاً إلاَّ صبَّته مدراراً ولا تدع الأرض من نباته شيئاً إلاَّ أخرجته، حتَّى يتمنّى الأحياء الأموات، يعيش في ذلك سبع سنين أو تسع سنين)(٧٨).
* وقال أيضاً بإسناده عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تذهب الدنيا حتَّى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئُ اسمه اسم، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(٧٩).
* وقال أيضاً بإسناده عن اُمّ سَلَمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (المهدي من عترتي، من ولد فاطمة عليها السلام)(٨٠).
قال يحيى بن الحسن: اعلم أنَّ الذي قد تقدَّم في الصحاح ممَّا يماثل هذا الخبر، من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (يواطئُ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي)، هو أنَّ الكلام في ذلك لا يخلو من أحد قسمين:
إمَّا أن يكون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أراد بقوله: (واسم أبيه اسم أبي)، أنَّه جعله علامة تدلُّ على أنَّه من ولد الحسين دون الحسن؛ لأن لا يعتقد معتقد ذلك.
فإن كان مراده ذلك، فهو المقصود، وهو المراد بالخبر؛ لأنَّ المهدي عليه السلام بلا خلاف من ولد الحسين عليه السلام، فيكون اسم أبيه مشابهاً لكنية الحسين فيكون قد انتظم اللفظ المعنى وصار حقيقة فيه.
والقسم الثاني: أن يكون الراوي وهم من قوله: (ابني) إلى قوله: (أبي) فيكون قد وهم بحرف تقديره أنَّه قال: ابني، فقال: هو (أبي).
والمراد بابنه الحسن؛ لأنَّ المهدي عليه السلام محمّد بن الحسن بإجماع كافّة الأمّة، وكذلك قوله في الخبر الذي قبله من الصحاح أيضاً وهو أنَّه قال: إنَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال وقد نظر إلى ابنه الحسن: (إنَّ ابني هذا سيّد، كما سمّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيخرج من صلبه رجل يسمّى باسم نبيّكم، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق، يملأ الأرض عدلاً)؛ فإنَّ الراوي أيضاً وهم في حرف واحد وهو (الياء) فأراد أن يقول: (الحسين) فقال: (الحسن) وإلاَّ فالمهدي عليه السلام من ولد الحسين عليه السلام بلا خلاف.
وقد سمّى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ولده الحسين(٨١) سيّداً بأخبار كثيرة من غير هذه الطرق، تركنا ذكرها للشرط الذي قدَّمناه، بل نذكر ذلك من الصحاح، وقد تقدَّم ذكره وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة)، فهذه السيادة بلفظ هذا الخبر الصحيح؛ لأنَّ سادة أهل الدنيا هم [سادة] أهل الجنّة، وهو سيّدهم، فقد اتَّضح بما قلناه وجه التحقيق، ولله المنّة والحمد.
وقوله عليه السلام: (يشبهه في الخَلق ولا يشبهه في الخُلق) من أحسن الكنايات عن انتقام المهدي عليه السلام ممَّن كفر وظلم؛ لأنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعث رحمة للعالمين كما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز(٨٢) والمهدي عليه السلام يظهر نقمة من أعداء الله تعالى، فتفاوت الخلقان مع استواء الخلقين؛ لأنَّه شبيه له في الجسمية، مخالف له في الفعلية.
وأمَّا ما ورد فيما ذكرناه من الصحاح من قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف تهلك أمّة أنا أوّلها والمهدي أوسطها والمسيح آخرها)، فلم يرد به أنَّ المسيح يبقى بعد المهدي، لأنَّ ذلك لا يجوز، لأنَّ المهدي إذا كان إمام آخر الزمان ومات، فلا إمام بعده مذكور في رواية أحد من الأمّة، فقد بقيت الأمّة بغير إمام، وهذا ما لا يمكن أنَّ الخلق يبقى بغير إمام.
فإن قيل: إنَّ عيسى يبقى بعده وتقتدي الأمّة به، فغير ممكن أيضاً؛ لأنَّ عيسى عليه السلام لا يجوز أن يكون إماماً لأمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولو كان ذلك جائزاً لانتقلت الملّة المحمّدية إلى ملّة عيسى، فلا يمكن أن يكون ذلك، وذلك لا يقوله عاقل ولا محصّل، بل للخبر معنى صحيح يحمل عليه، وهو أنَّه قد تقدَّم معنى من الأخبار في هذا الباب: أنَّ عيسى ينزل وقد صلّى الإمام وهو المهدي بالناس العصر، وقيل: الصبح، فيتأخَّر فيقدَّمه عيسى، ويصلّي عيسى خلفه.
وما نزل عيسى على مقتضى هذه الأخبار إلاَّ بعد نفوذ دعوة الإمام واجتماع الناس عليه فيكون مصدّقاً لدعوة الإمام في دعواه، وقوّة له وعوناًَ؛ لأنَّه لا يغيَّر شيئاً ممَّا جاء به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فتكون فائدة الخبر: أنَّ النبيّ أوّلها؛ لأنَّه هو الداعي إلى الإسلام والمهدي أوسطها وإن كان آخر الأئمّة، فجعله وسطاً إذ ظهوره قبل نزول عيسى فيكون في نزوله آخر المصدّقين بهذه الملّة، والمهدي قبله صدّق بهذه الملّة قبل نزوله، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فهو صاحب الملّة لا بدَّ أن يكون أوّلاً، فعلى هذا يكون المسيح عليه السلام آخر المصدّقين والمعينين والمتّبعين لأنَّه آخر الاُمّة.
يشهد بصحَّة هذا التأويل لفظ الخبر، لأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كيف تهلك أمّة أنا أوّلها والمهدي أوسطها والمسيح آخرها)، والمسيح ليس من أمّتنا هذه، وإنَّما نبيّها منها بلا خلاف؛ والمهدي منها بلا خلاف، لأنَّه إمام آخر الزمان ومن ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن ولد علي عليه السلام وفاطمة، والمسيح ليس من النبيّ، ولا من علي عليه السلام وفاطمة، ولا من أمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بل هو آخر من ينزل لنصرة ملّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وآخر من يدعو إليها لأنَّ المهدي يكون قبل نزوله وقد تبعته الأمّة وقد دخلت تحت أمره ونهيه بدليل ما ورد في هذه الأخبار الصحاح: (إنَّ المسيح يصلّي خلفه إمَّا صلاة الصبح أو صلاة العصر)، كما تقدَّمت الرواية به، فصار آخر هذه الأمّة داعياً ومصدّقاً، إلاَّ أنَّه منفرد ببقاء ودولة.
والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أوّل داع إلى ملّة الإسلام، والمهدي عليه السلام أوسط داع والمسيح عليه السلام آخر داع، فهذا معنى هذا الخبر ولله المنّة والحمد.
* ومن كتاب الفردوس لابن شيرويه الديلمي وهو كتاب معتمد عليه، معروف عند الجمهور، ذكر في باب (الألف واللام) بإسناده عن ابن عبّاس، قال عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (المهدي طاووس أهل الجنّة)(٨٣).
وبه قال عن حذيفة بن اليمان، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (المهدي عليه السلام من ولدي، وجهه كالقمر الدرّي، اللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يرضى بخلافته أهل السماوات والأرض والطير في الجوّ، يملك عشرين سنة)(٨٤).
وبه أيضاً قال عن اُمّ سَلَمة رضي الله عنها أنَّها قالت: قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي من ولد فاطمة عليها السلام)(٨٥).
وبه قال عن علي عليه السلام، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (المهدي منّا أهل البيت يصلحه الله عز وجل في ليلة)(٨٦).
ما جاء في بقاء الدجّال من متون الصحاح ومن المتَّفق عليه في الصحيحين من أخبار الدجّال (٨٧)
من آخر الجزء الثالث من أجزاء ثلاثة، ومن الجزء الثالث من صحيح مسلم من أجزاء ثلاثة، ومن الجزء الثامن من صحيح البخاري من أجزاء ثمانية قريباً من آخره، وبالإسناد المقدَّم، قال: حدَّثني حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي، أخبرني ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أخبره أنَّ عبد الله بن عمر أخبره أنَّ عمر بن الخطاب انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رهط قِبَل ابن صيّاد حتَّى وجده يلعب مع الصبيان عند اُطم(٨٨) بني مغالة، وقد قارب ابن صيّاد يومئذٍ الحلم، فلم يشعر حتَّى ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ظهره بيده، ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابن صيّاد: (أتشهد أنّي رسول الله؟).
فنظر إليه ابن صيّاد فقال: أشهد أنَّك رسول الأمّيين، فقال ابن صيّاد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتشهد أنّي رسول الله؟
فرفضه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (آمنت بالله وبرسوله)، ثمّ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ماذا ترى؟).
قال ابن صيّاد: يأتيني صادق وكاذب؟
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (خلط عليك الأمر)، ثمّ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّي قد خبأت لك خبئاً(٨٩)).
فقال ابن صيّاد: هو الدخ(٩٠).
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اخسأ، فلن تعدو قدرك).
فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله أضرب عنقه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن يكن هو، فلن تسلّط عليه، وإن لم يكن هو، فلا خير لك في قتله).
وقال سالم بن عبد الله: سمعت عبد الله بن عمر يقول: انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك واُبي بن كعب إلى النخل التي فيها ابن صيّاد، حتَّى إذا دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النخل طفق يتّقي بجذوع النخل وهو يختل أن يسمع من ابن صيّاد شيئاً قبل أن يراه ابن صيّاد، فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مضطجع على فراش في قطيفة له فيها زمزمة(٩١) فرأت اُمّ ابن صيّاد رسول الله وهو يتّقي بجذوع النخل، فقالت لابن صيّاد: يا صاف _ وهو اسم ابن صيّاد _ هذا محمّد، فثار ابن صيّاد.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو تركته بيَّن)(٩٢).
قال سالم: قال عبد الله بن عمر: فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الناس فأثنى على الله تعالى بما هو أهله، ثم ذكر الدجّال فقال: (إنّي لأنذركموه وما من نبيّ إلاَّ وقد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه ولكن أقول لكم فيه قولاً لم يقله نبيّ لقومه: تعلمون أنَّه أعور وأنَّ الله ليس بأعور).
قال ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت أنَّه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان حذَّر الناس الدجّال(٩٣) أنَّه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرأه من كره عمله، أو يقرأه كلّ مؤمن. وقال: (تعلموا أنَّه لن يرى أحد منكم ربَّه حتَّى يموت(٩٤) وابن صيّاد هو الدجّال).
* ومن الجمع بين الصحيحين للحميدي الحديث الحادي والثلاثون من المتَّفق عليه في الصحيحين من مسلم والبخاري من مسند جابر بن عبد الله الأنصاري وبالإسناد المقدَّم، قال: عن محمّد بن المنكدر، قال: رأيت جابر بن عبد الله الأنصاري يحلف بالله أنَّ ابن الصيّاد الدجّال، فقلت: أتحلف بالله؟ قال: إنّي سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فلم ينكره النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم(٩٥).
قال يحيى بن الحسن: اعلم أنَّه قد ثبت بما قدَّمناه في الصحاح الستة ومسند ابن حنبل، التي هي عمدة كتب الإسلام، وقد عضدها غيرها من الكتب وتفسير القرآن للثعلبي بما فيه كفاية ومقنع، وفي غير هذه الكتب، ومن غير هذه الطرق، ممَّا ترويه الشيعة ممَّا هو أكثر في الرواية وأبلغ في الدراية إلاَّ أنَّه لا تقوم به الحجّة عند غير رواته ولا تتَّضح به المحجّة عند غير هداته؛ لكونه من خاصّ طرقهم واتّحاد فرقهم، وما ذكرناه(٩٦) في هذا الفصل ملزم راويه بصحَّة ما رواه، وشاهد لخصمه بصحَّة ما ادّعاه، فثبتت المزية ما بين الروايتين، وحصلت الفائدة به باتّفاق الفريقين، فصار حجّة الملتمس ومنار المقتبس، إذ قد انتفى عنه ضعف الانفراد، وأطرق(٩٧) به طريق الاتّحاد، فصار تلقّيه بالقبول فرض عين لا فرض كفاية، وإجماعاً باليقين لا بانتحال رواية(٩٨)، وإذا ثبت أنَّه لابدَّ من وجود الإمام المهدي، وأنَّه إمام آخر الزمان، ووجود عيسى عليه السلام معه ويصلّي خلفه ويصدّقه على دعواه، وثبت وجود الدجّال أيضاً، وقد اتّفقت الصحاح على أنَّه لا بدَّ من وجود الثلاثة في آخر الزمان، وأنَّه ليس فيهم متبوع غير المهدي عليه السلام بدليل أنَّه إمام الأمّة، ودليل أنَّ عيسى يصلّي خلفه ويصدّقه على دعواه ويدعو إلى ملّته التي هو عليها، ودليل أنَّ الثالث لهما وهو الدجّال عدوّ لله تعالى، فالكلام في بقائهم لا يخلو من أحد قسمين:
إمَّا أن يكون بقاؤهم في مقدور الله تعالى أو لا يكون؛ ومستحيل أن يخرج عن مقدور الله تعالى؛ لأنَّ من بدأ الخلق من غير شيء وأفناه ثمّ يعيده بعد الفناء، لا بدَّ أن يكون البقاء في مقدوره، وإذا ثبت أنَّ البقاء في مقدوره تعالى، فلا يخلو أيضاً من قسمين:
إمَّا أن يكون راجعاً إلى اختياره تعالى أو إلى اختيار الأمّة؛ ولا يجوز أن يكون راجعاً إلى اختيار الأمّة، لأنَّه لو صحَّ ذلك لصحَّ من أحدنا أن يختار البقاء لنفسه ولولده، وذلك غير حاصل فينا وغير داخل تحت مقدورنا، فلا بدَّ من أن يكون ذلك راجعاً إلى اختيار الله تعالى.
ثمّ لا يخلو بقاء هؤلاء الثلاثة من قسمين أيضاً: إمَّا أن يكون لسبب أو يكون لغير سبب، فإن كان لغير سبب، كان خارجاً عن وجه الحكمة، وما خرج عن وجه الحكمة لا يدخل في أفعال الله تعالى، فلا بدَّ من أن يكون لسبب، وسنذكر سبب بقاء كلّ واحد منهم على حدته.
فنقول: سرّ(٩٩) بقاء عيسى عليه السلام: وهو قوله تعالى (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)(١٠٠) ولم يؤمن به منذ نزول الآية إلى يومنا هذا أحد، فلا بدَّ من أن يكون ذلك في آخر الزمان، وكذلك الدجّال لم يحدث حدثاً منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما روي في الصحاح أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم رآه إلى يومنا هذا، فلا بدَّ من أن يكون ذلك في آخر الزمان، وكذلك المهدي عليه السلام مذ غيبته إلى يومنا هذا لم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما تقدَّم ذكره في الخبر، إلى يومنا هذا، فلا بدَّ من أن يكون ذلك مشروطاً بآخر الزمان ٍٍ[فقد صارت هذه أسباباً مشروطة بآخر الزمان](١٠١) وبقاء أرباب هذه الأسباب لاستيفاء هذه الشروط وصحَّة وجودها، فيكون بقاء هذه الثلاثة موقّتاً لصحَّة أشراط الساعة، فعلى هذا فقد اتّفقت أسباب بقاء الثلاثة لصحَّة أمر معلوم في وقت معلوم وهم صالحان: نبيّ وإمام، وطالح(١٠٢) عدّو الله، وهو الدّجال.
وقد تقدَّمت الأخبار من الصحاح بما ذكرنا بصحَّة بقاء الدجّال مع صحَّة بقاء عيسى، فما المانع في بقاء المهدي عليه السلام مع كون بقائه باختيار الله تعالى وداخلاً تحت مقدوره سبحانه وهو أولى بالبقاء من الاثنين الآخرين؛ لأنَّه إذا بقى المهدي عليه السلام كان إمام آخر الزمان يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، على ما تقدَّمت به الرواية من الصحاح فيكون بقاؤه مصلحة للمكلَّفين ولطفاً لهم.
والدجّال إذا بقى فبقاؤه مفسدة للمكلَّفين لما ذكر من ادّعائه الربوبية وفتكه بالأمّة(١٠٣)، وفي بقائه وجه من وجوه الحسن وهو اختبار الله تعالى سبحانه خلقه بفتنة الدجّال، ليعلم منهم المطيع من العاصي، والمحسن من المسيء، والمفسد من المصلح، وإذا بقي عيسى عليه السلام فلسبب، ليؤمن به قوم من أهل الكتاب، وهو أن يؤمنوا به أنَّه عيسى وأنَّه مصدّق بما جاء به محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وبإمامة هذا الإمام من أمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون تبياناً لدعوى الإمام عند أهل الإيمان ومصداقاً لما دعا إليه عند أهل الطغيان، بدليل صلاته خلفه ونصرته إيّاه، ودعائه إلى ملّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم التي هو إمام فيها، فصار بقاء المهدي أصلاً لبقاء صالح من مصاحبته في آخر الزمان وهو عيسى عليه السلام ولبقاء الطالح من معارضيه(١٠٤) في آخر الزمان وهو الدجّال، وبقاء الاثنين فرع على بقائه، وكيف يصحُّ بقاء الفرعين مع عدم بقاء الأصل لهما.
ولو صحَّ ذلك لصحَّ وجود المسبّب من دون وجود السبب، وذلك مستحيل في العقول.

* * *
الاحتجاج

تأليف: العلامة الخبير أبي منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي المتوفى سنة ٦٢٠ هـ
تعليقات وملاحظات: السيد محمد باقر الخرسان

احتجاج الحجّة القائم المنتظر المهدي صاحب الزمان صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين (١٠٥)
* سعد بن عبد الله القمي الأشعري(١٠٦)، قال: بليت بأشدّ النواصب منازعة فقال لي يوماً _ بعد ما ناظرته _: تباً لك ولأصحابك! أنتم معاشر الروافض تقصدون المهاجرين والأنصار بالطعن عليهم، وبالجحود لمحبّة النبيّ لهم، فالصدّيق هو فوق الصحابة بسبب سبق الإسلام، ألا تعلمون أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنَّما ذهب به ليلة الغار لأنَّه خاف عليه كما خاف على نفسه، ولما علم أنَّه يكون الخليفة في أمّته وأراد أن يصون نفسه كما يصون عليه السلام خاصّة نفسه، كي لا يختلّ حال الدين من بعده. ويكون الإسلام منتظماً؟ وقد أقام علياً على فراشه لما كان في علمه أنَّه لو قتل لا يختلّ الإسلام بقتله. لأنَّه يكون من الصحابة من يقوم مقامه لا جرم لم يبال من قتله؟!
قال سعد: إنّي قلت على ذلك أجوبة لكنَّها غير مسكتة.
ثمّ قال: معاشر الروافض تقولون: إنَّ (الأوّل والثاني) كانا ينافقان، وتستدلّون على ذلك بليلة العقبة. ثمّ قال لي: أخبرني عن إسلامهما كان من طوع ورغبة أو كان عن إكراه وإجبار؟
فاحترزت عن جواب ذلك وقلت مع نفسي: إن كنت أجبته بأنَّه كان عن إكراه وإجبار لم يكن في ذلك الوقت للإسلام قوّة حتَّى يكون إسلامهما بإكراه وقهر، فرجعت عن هذا الخصم على حال ينقطع كبدي، فأخذت طوماراً وكتبت بضعاً وأربعين مسألة من المسائل الغامضة التي لم يكن عندي جوابها، فقلت: أدفعها إلى صاحب مولاي أبي محمّد الحسن بن علي عليهما السلام الذي كان في قم أحمد بن إسحاق فلمَّا طلبته كان هو قد ذهب، فمشيت على أثره فأدركته، وقلت الحال معه.
فقال لي: جئ معي إلى سُرَّ من رأى حتَّى نسأل عن هذه المسائل مولانا الحسن بن علي عليهما السلام. فذهبت معه إلى سُرَّ من رأى ثمّ جئنا إلى باب دار مولانا عليه السلام فاستأذنا عليه فأذن لنا، فدخلنا الدار وكان مع أحمد بن إسحاق(١٠٧) جراب قد ستره بكساء طبري، وكان فيه مائة وستّون صرّة من الذهب والورق، على كلّ واحدة منها خاتم صاحبها الذي دفعها إليه، ولمَّا دخلنا ووقع أعيننا على أبي محمّد الحسن العسكري عليهما السلام كان وجهه كالقمر ليلة البدر وقد رأينا على فخذه غلاماً يشبه المشتري في الحسن والجمال، وكان على رأسه ذوابتان، وكان بين يديه رمّان من الذهب قد حلي بالفصوص والجواهر الثمينة قد أهداه واحد من رؤساء البصرة، وكان في يده قلم يكتب به شيئاً على قرطاس، فكلَّما أراد أن يكتب شيئاً أخذ الغلام يده فألقى الرمّان حتَّى يذهب الغلام إليه ويجيء به فلمَّا ترك يده يكتب ما شاء. ثمّ فتح أحمد بن إسحاق الكساء ووضع الجراب بين يدي العسكري عليه السلام، فنظر العسكري إلى الغلام فقال: (فض الخاتم عن هدايا شيعتك ومواليك!).
فقال: (يا مولاي أيجوز أن أمدّ يداً طاهرة إلى هدايا نجسة وأموال رجسة؟!).
ثمّ قال: (يا ابن إسحاق أخرج ما في الجراب ليميّز بين الحلال والحرام!)، ثمّ أخرج (صرّة) فقال الغلام: (هذا (لفلان بن فلان) من محلّة (كذا) بقم، مشتمل على اثنين وسبعين ديناراً، فيها من ثمن حجرة باعها وكانت إرثاً عن أبيه خمسة وأربعون ديناراً، ومن أثمان سبعة أثواب أربعة عشر ديناراً، وفيه من أجرة الحوانيت ثلاثة دنانير).
فقال مولانا عليه السلام: (صدقت يا ابني! دلّ الرجل على الحرام منها).
فقال الغلام: (في هذه العين دينار بسكّة الري تاريخه في سنة (كذا) قد ذهب نصف نقشه عنه، وثلاثة أقطاع قراضة بالوزن (دانق ونصف) في هذه الصرّة الحرام هذا القدر.
فإنَّ صاحب هذه الصرّة في سنة كذا في شهر كذا كان له عند نسّاج _ وهو من جملة جيرانه _ من وربع، فأتى على ذلك زمان كثير فسرقه سارق من عنده فأخبره النسّاج بذلك فما صدَّقه وأخذ الغرامة بغزل أدقّ منه مبلغ من ونصف، ثمّ أمر حتَّى نسج منه ثوب وهذا الدينار والقراضة من ثمنه).
ثمّ حلَّ عقدها فوجد الدينار والقراضة كما أخبر، ثمّ أخرجت (صرّة) أخرى. فقال الغلام: (هذا (لفلان بن فلان) من المحلّة (الفلانية) بقم والعين فيها (خمسون ديناراً) ولا ينبغي لنا أن ندني أيدينا إليها).
قال: (لِمَ؟).
فقال: (من أجل أنَّ هذه الدنانير ثمن الحنطة، وكانت هذه الحنطة بينه وبين حرّاث له، فأخذ نصيبه بكيل كامل وأعطى نصيبه بكيل ناقص).
فقال مولانا الحسن بن علي عليهما السلام: (صدقت يا ابني!).
قال: (يا ابن إسحاق احمل هذه الصرور وبلّغ أصحابها وأوص بتبليغها إلى أصحابها، فإنَّه لا حاجة بنا إليه).
ثمّ قال: (جئ إليَّ بثوب تلك العجوز).
فقال أحمد بن إسحاق: كان ذلك في حقيبة فنسيته، ثمّ مشى أحمد بن إسحاق ليجيء بذلك فنظر إليَّ مولانا أبو محمّد العسكري عليه السلام وقال: (ما جاء بك يا سعد؟).
فقلت: شوَّقني أحمد بن إسحاق إلى لقاء مولانا.
قال: (المسائل التي أردت أن تسأل عنها؟).
قلت: على حالها يا مولاي.
قال: (فاسأل قرَّة عيني _ وأومى إلى الغلام _ عمَّا بدا لك!).
فقلت: يا مولانا وابن مولانا روي لنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جعل طلاق نسائه إلى أمير المؤمنين، حتَّى أنَّه بعث يوم الجمل رسولاً إلى عائشة وقال: (إنَّك أدخلت الهلاك على الإسلام وأهله بالغشّ الذي حصل منك، وأوردت أولادك في موضع الهلاك بالجهالة، فإن امتنعت وإلاَّ طلَّقتك). فأخبرنا يا مولاي عن معنى الطلاق الذي فوَّض حكمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أمير المؤمنين عليه السلام.
فقال: (إنَّ الله تقدَّس اسمه عظَّم شأن نساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فخصهنَّ لشرف الاُمّهات فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أبا الحسن إنَّ هذا شرف باقٍ ما دمن لله على طاعة، فأيَّتهنَّ عصت الله بعدي بالخروج عليك فطلّقها من الأزواج، وأسقطها من شرف اُمّيّة المؤمنين).
ثمّ قلت: أخبرني عن الفاحشة المبيّنة التي إذا فعلت المرأة ذلك يجوز لبعلها أن يخرجها من بيته في أيّام عدّتها.
فقال عليه السلام: (تلك الفاحشة السحق(١٠٨) وليست بالزنا لأنَّها إذا زنت يقام عليها الحدّ، وليس لمن أراد تزويجها أن يمتنع من العقد عليها لأجل الحدّ الذي اُقيم عليها، وأمَّا إذا ساحقت فيجب عليها الرجم، والرجم هو الخزي، ومن أمر الله تعالى برجمها فقد أخزاها ليس لأحد أن يقربها).
ثمّ قلت: أخبرني يا ابن رسول الله عن قول الله تعالى لنبيّه موسى: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً)(١٠٩) فإنَّ فقهاء الفريقين يزعمون أنَّها كانت من إهاب الميتة.
فقال عليه السلام: (من قال ذلك فقد افترى على موسى واستجهله في نبوَّته، لأنَّه ما خلا الأمر فيها من خطبين: إمَّا أن كانت صلاة موسى فيها جائزة أو غير جائزة، فإن كانت صلاة موسى جائزة فيها، فجاز لموسى أن يكون لابسها في تلك البقعة وإن كانت مقدَّسة مطهَّرة، وإن كانت صلاته غير جائزة فيها فقد أوجب أنَّ موسى لم يعرف الحلال والحرام، ولم يعلم ما جازت الصلاة فيه ممَّا لم يجز وهذا (كفر)).
قلت: فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيها.
قال: (إنَّ موسى عليه السلام كان بالوادي المقدَّس فقال: يا ربّ إنّي أخلصت لك المحبّة منّي وغسلت قلبي عمَّن سواك، وكان شديد الحبّ لأهله، فقال الله تبارك وتعالى: فاخلع نعليك أي: انزع حبّ أهلك من قلبك إن كانت محبَّتك لي خالصة وقلبك من الميل إلى من سواي مغسولاً).
فقلت: أخبرني عن تأويل: (كهيعص).
قال: (هذه الحروف من أنباء الغيب، أطلع الله عليها عبده زكريا ثمّ قصَّها على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك: أنَّ زكريا عليه السلام سأل ربّه: أن يعلّمه الأسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرئيل فعلَّمه إيّاها، فكان زكريا إذا ذكر محمّداً وعلياً وفاطمة والحسن سرى عنه همّه، وانجلى كربه، وإذا ذكر اسم الحسين عليه السلام خنقته العبرة، ووقعت عليه البهرة. فقال _ ذات يوم _: إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعاً منهم تسلَّيت بأسمائهم من همومي، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي. فأنبأه الله تبارك وتعالى عن قصته فقال: (كهيعص) فالكاف اسم (كربلاء) والهاء (هلاك العترة) والياء (يزيد) وهو ظالم الحسين والعين (عطشه) والصاد (صبره) فلمَّا سمع بذلك زكريا عليه السلام لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام ومنع فيهنَّ الناس من الدخول عليه، وأقبل على البكاء والنحيب، وكان يرثيه: إلهي أتفجع خير جميع خلقك بولده؟ إلهى أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه؟ إلهي أتلبس علياً وفاطمة ثوب هذه المصيبة؟ إلهي أتحلّ كربة هذه المصيبة بساحتهما؟ ثمّ كان يقول: إلهي ارزقني ولداً تقرُّ به عيني على الكبر، فإذا رزقتنيه فافتني بحبّه، ثمّ أفجعني به كما تفجع محمّداً حبيبك بولده. فرزقه الله يحيى وفجعه به، وكان حمل يحيى ستّة أشهر وحمل الحسين كذلك).
فقلت: أخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار الإمام لأنفسهم.
قال: (مصلح أو مفسد؟).
فقلت: مصلح.
قال: (هل يجوز أن يقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟).
قلت: بلى.
قال: (فهي (العلّة) أيدتها لك ببرهان يقبل ذلك عقلك).
قلت: نعم.
قال: (أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله، وأنزل عليهم الكتب، وأيَّدهم بالوحي والعصمة، إذ هم أعلام الأمم، فأهدى إلى ثبت الاختيار ومنهم موسى وعيسى هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذ همّا على المنافق بالاختيار أن يقع خيرتهما(١١٠)، وهما يظنّان أنَّه مؤمن؟).
قلت: لا.
قال: (فهذا موسى كليم الله مع وفور عقله، وكمال علمه، ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلاً ممَّن لم يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم، فوقع خيرته على المنافقين.
قال الله عز وجل: (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا...)(١١١) الآية، فلمَّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوّة واقعاً على الأفسد دون الأصلح وهو يظنّ أنَّه الأصلح دون الأفسد، علمنا أن لا اختيار لمن لا يعلم ما تخفي الصدور وما تكنّ الضمائر، وينصرف عنه السرائر. وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح).
ثمّ قال مولانا عليه السلام: (يا سعد من ادّعى أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهو خصمك _ ذهب بمختار هذه الأمّة مع نفسه إلى الغار فإنَّه خاف عليه كما خاف على نفسه لما علم أنَّه الخليفة من بعده على أمّته، لأنَّه لم يكن من حكم الاختفاء أن يذهب بغيره معه وإنَّما أقام علياً على مبيته لأنَّه علم أنَّه إن قتل لا يكون من الخلل بقتله ما يكون بقتل أبي بكر، لأنَّه يكون لعلي من يقوم مقامه في الأمور، لِمَ لا تنقض عليه بقولك: أوَلستم تقولون: إنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنَّ الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) وصيرها موقوفة على أعمار هؤلاء الأربعة: (أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي) فإنَّهم كانوا على مذهبكم خلفاء رسول الله؟ فإنَّ خصمك لم يجد بدّاً من قوله: بلى. قلت له: فإذا كان الأمر كذلك فكما أبو بكر الخليفة من بعده كان هذه الثلاثة خلفاء أمّته من بعده، فلِمَ ذهب بخليفة واحد وهو (أبو بكر) إلى الغار ولم يذهب بهذه الثلاثة؟
فعلى هذا الأساس يكون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مستخفّاً بهم دون أبي بكر فإنَّه يجب عليه أن يفعل بهم ما فعل بأبي بكر، فلمَّا لم يفعل ذلك بهم يكون متهاوناً بحقوقهم وتاركاً للشفقة عليهم بعد أن كان يجب أن يفعل بهم جميعاً على ترتيب خلافتهم ما فعل بأبى بكر.
وأمَّا ما قال لك الخصم: بأنَّهما أسلما طوعاً أو كرهاً، لِمَ لم تقل: بل أنَّهما أسلما طمعاً، وذلك أنَّهما يخالطان مع اليهود ويخبران بخروج محمّد صلى الله عليه وآله وسلم واستيلائه على العرب من التوراة والكتب المقدَّسة وملاحم قصَّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ويقولون لهما: يكون استيلاؤه على العرب كاستيلاء (بخت نصر) على بني إسرائيل إلاَّ أنَّه يدّعي النبوّة ولا يكون من النبوّة في شيء، فلمَّا ظهر أمر رسول الله فساعدا معه على شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمّداً رسول الله طمعاً أن يجدا من جهة ولاية رسول الله ولاية بلد إذا انتظم أمره، وحسن باله، واستقامت ولايته، فلمَّا أيسا من ذلك وافقا مع أمثالهما ليلة العقبة وتلثَّما مثل من تلثَّم منهم، فنفروا بدابة رسول الله لتسقطه ويصير هالكاً بسقوطه بعد أن صعد العقبة فيمن صعد، فحفظ الله تعالى نبيّه من كيدهم ولم يقدروا أن يفعلوا شيئاً، وكان حالهما كحال طلحة والزبير إذ جاءا علياً عليه السلام وبايعاه طمعاً أن تكون لكلّ واحد منهما ولاية، فلمَّا لم يكن ذلك وأيسا من الولاية نكثا بيعته وخرجا عليه حتَّى آل أمر كلّ واحد منهما إلى ما يؤل أمر من ينكث العهود والمواثيق).
ثمّ قام مولانا الحسن بن علي عليهما السلام لصلاته وقام القائم معه، فرجعت من عندهما وطلبت أحمد بن إسحاق فاستقبلني باكياً فقلت: ما أبطأك وما أبكاك؟
قال: قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي احضاره.
قلت: لا بأس عليك فأخبره!
فدخل عليه وانصرف من عنده متبسّماً وهو يصلّي على محمّد وأهل بيته.
فقلت: ما الخبر؟
فقال: وجدت الثوب مبسوطاً تحت قدميّ مولانا عليه السلام يصلّي عليه.
قال سعد: فحمدنا الله جلَّ ذكره على ذلك وجعلنا نختلف بعد ذلك اليوم إلى منزل مولانا عليه السلام أيّاماً فلا نرى الغلام بين يديه، فلمَّا كان يوم الوداع دخلت أنا وأحمد بن إسحاق وكهلان من أهل بلدنا، فانتصب أحمد بن إسحاق بين يديه قائماً وقال: يا ابن رسول الله قد دنت الرحلة، واشتدَّت المحنة، فنحن نسأل الله أن يصلّي على المصطفى جدّك، وعلى المرتضى أبيك، وعلى سيّدة النساء اُمّك فاطمة الزهراء وعلى سيّدي شباب أهل الجنّة عمّك وأبيك، وعلى الأئمّة من بعدهما آبائك. وأن يصلّي عليك وعلى ولدك، ونرغب إليه أن يعلي كعبك، ويكبت عدوّك، ولا جعل الله هذا آخر عهدنا من لقائك.
(قال): فلمَّا قال هذه الكلمة استعبر مولانا عليه السلام حتَّى استهملت دموعه وتقاطرت عبراته ثمّ قال: (يا ابن إسحاق لا تكلّف في دعائك شططاً، فإنَّك ملاق الله في صدرك هذا)، فخرَّ أحمد مغشياً عليه، فلمَّا أفاق قال: سألتك بالله وبحرمة جدّك إلاَّ ما شرَّفتني بخرقة أجعلها كفناً، فأدخل مولانا يده تحت البساط فأخرج ثلاثة عشر درهماً فقال: (خذها ولا تنفق على نفسك غيرها فإنَّك لن تعدم ما سألت والله لا يضيع أجر المحسنين).
قال سعد: فلمَّا صرنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا عليه السلام من حلوان على ثلاثة فراسخ، حمَّ أحمد بن إسحاق وثارت عليه علّة صعبة أيس من حياته بها، فلمَّا وردنا حلوان ونزلنا في بعض الخانات، دعا أحمد بن إسحاق رجلاً من أهل بلده كان قاطناً بها ثمّ قال: تفرَّقوا عنّي هذه الليلة واتركوني وحدي! فانصرفنا عنه ورجع كلّ واحد إلى مرقده.
(قال) سعد: فلمَّا حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرة ففتحت عيني، فإذا أنا بكافور الخادم خادم مولانا أبي محمّد وهو يقول: أحسن الله بالخير عزاكم، وختم بالمحبوب رزيَّتكم، قد فرغنا من غسل صاحبكم ومن تكفينه، فقوموا لدفنه فإنَّه من أكرمكم محلاً عند سيّدكم، ثمّ غاب عن أعيننا، فاجتمعنا على رأسه بالبكاء والنحيب والعويل حتَّى قضينا حقَّه وفرغنا من أمره رحمه الله.
* وعن الشيخ الموثوق أبي عمرو العمري رحمه الله(١١٢) قال: تشاجر ابن أبي غانم القزويني وجماعة من الشيعة في (الخلف) فذكر ابن أبي غانم: إنَّ أبا محمّد عليه السلام مضى ولا خلف له، ثمّ إنَّهم كتبوا في ذلك كتاباً وأنفذوه إلى الناحية، وأعلموه بما تشاجروا فيه.
فورد جواب كتابهم بخطّه صلّى الله عليه وعلى آبائه: (بسم الله الرحمن الرحيم عافانا الله وإيّاكم من الفتن، ووهب لنا ولكم روح اليقين، وأجارنا وإيّاكم من سوء المنقلب، إنَّه أنهي إلي ارتياب جماعة منكم في الدين، وما دخلهم من الشكّ والحيرة في ولاة أمرهم، فغمَّنا ذلك لكم لا لنا، وساءنا فيكم لا فينا، لأنَّ الله معنا فلا فاقة بنا إلى غيره، والحقّ معنا فلن يوحشنا من قعد عنّا، ونحن صنايع ربّنا والخلق بعد صنايعنا. يا هؤلاء ما لكم في الريب تتردَّدون، وفي الحيرة تنعسكون، أوَما سمعتم الله يقول: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ)(١١٣)؟ أوَما علمتم ما جاءت به الآثار ممَّا يكون ويحدث في أئمّتكم، على الماضين والباقين منهم السلام؟ أوَما رأيتم كيف جعل الله لكم معاقل تأوون إليها، وأعلاماً تهتدون بها، من لدن آدم عليه السلام إلى أن ظهر الماضي عليه السلام، كلَّما غاب علم بدا علم، وإذا أفل نجم طلع نجم، فلمَّا قبضه الله إليه ظننتم أنَّ الله أبطل دينه، وقطع السبب بينه وبين خلقه، كلاَّ ما كان ذلك ولا يكون، حتَّى تقوم الساعة ويظهر أمر الله وهم كارهون، وإنَّ الماضي عليه السلام مضى سعيداً فقيداً على منهاج آبائه عليهم السلام، (حذو النعل بالنعل) وفينا وصيَّته وعلمه، ومنه خلفه ومن يسدّ مسدَّه، ولا ينازعنا موضعه إلاَّ ظالم آثم، ولا يدَّعيه دوننا إلاَّ كافر جاحد، ولولا أنَّ أمر الله لا يغلب، وسرّه لا يظهر ولا يعلن، لظهر لكم من حقّنا ما تبتزّ منه عقولكم، ويزيل شكوكم ولكنَّه ما شاء الله كان، ولكلّ أجل كتاب، فاتَّقوا الله وسلّموا لنا وردّوا الأمر إلينا فعلينا الإصدار كما كان منّا الإيراد، ولا تحاولوا كشف ما غطّي عنكم، ولا تميلوا عن اليمين وتعدلوا إلى اليسار، واجعلوا قصدكم إلينا بالمودّة على السُنّة الواضحة فقد نصحت لكم، والله شاهد عليَّ وعليكم، ولولا ما عندنا من محبّة صاحبكم ورحمتكم، والاشفاق عليكم، لكنّا عن مخاطبتكم في شغل ممَّا قد امتحنّا به من منازعة الظالم العتل، الضالّ المتتابع في غيّه، المضاد لربّه، المدّعي ما ليس له، الجاحد حقّ من افترض الله طاعته، الظالم الغاصب، وفي ابنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وعليها إليَّ أسوة حسنة، وسيتردّى(١١٤) الجاهل رداء عمله، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار. عصمنا الله وإيّاكم من المهالك والأسواء، والآفات والعاهات كلّها برحمته إنَّه وليّ ذلك والقادر على ما يشاء، وكان لنا ولكم وليّاً وحافظاً، والسلام على جميع الأوصياء والأولياء والمؤمنين ورحمة الله وبركاته، وصلّى الله على النبيّ محمّد وآله وسلَّم تسليماً).
* وعن سعد بن عبد الله الأشعري، عن الشيخ الصدوق أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري رحمه الله أنَّه جاء بعض أصحابنا يعلمه أنَّ جعفر بن علي كتب إليه كتاباً يعرّفه نفسه، ويعلمه أنَّه القيّم بعد أخيه، وأنَّ عنده من علم الحلال والحرام ما يحتاج إليه، وغير ذلك من العلوم كلّها.
قال أحمد بن إسحاق: فلمَّا قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزمان عليه السلام وصيَّرت كتاب جعفر في درجه، فخرج إليَّ الجواب في ذلك:
(بسم الله الرحمن الرحيم، أتاني كتابك أبقاك الله والكتاب الذي أنفذت درجه، وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمَّنه على اختلاف ألفاظه، وتكرّر الخطأ فيه، ولو تدبَّرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه، والحمد لله ربّ العالمين حمداً لا شريك له على إحسانه إلينا وفضله علينا، أبى الله عز وجل للحقّ إلاَّ إتماماً، وللباطل إلاَّ زهوقاً، وهو شاهد عليَّ بما أذكره، ولي عليكم بما أقوله، إذا اجتمعنا لليوم الذي لا ريب فيه، ويسألنا عمَّا نحن فيه مختلفون. وإنَّه لم يجعل لصاحب الكتاب على المكتوب إليه ولا عليك ولا على أحد من الخلق جميعاً إمامة مفترضة، ولا طاعة ولا ذمّة، وسأبيّن لكم جملة تكتفون بها إن شاء الله.
يا هذا يرحمك الله! إنَّ الله تعالى لم يخلق الخلق عبثاً، ولا أهملهم سدى، بل خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً وقلوباً وألباً، ثمّ بعث النبيّين عليهم السلام مبشّرين ومنذرين، يأمرونهم بطاعته وينهونهم عن معصيته، ويعرّفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم، وأنزل عليهم كتاباً وبعث إليهم ملائكة، وباين بينهم وبين من بعثهم إليهم بالفضل الذي جعله لهم عليهم، وما آتاهم الله من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة، والآيات الغالبة. فمنهم: من جعل النار عليه برداً وسلاماً واتَّخذه خليلاً، ومنهم: من كلَّمه تكليماً وجعل عصاه ثعباناً مبيناً، ومنهم: من أحيى الموتى بإذن الله وأبرأ الأكمه والأبرص باذن الله، ومنهم: من علَّمه منطق الطير وأوتي من كلّ شيء. ثمّ بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين وتمَّم به نعمته، وختم به أنبياءه، وأرسله إلى الناس كافّة، وأظهر من صدقه ما أظهر، وبيَّن آياته وعلاماته ما بيَّن، ثمّ قبضه صلى الله عليه وآله وسلم حميداً فقيداً سعيداً، وجعل الأمر من بعده إلى أخيه وابن عمّه ووصيّه ووارثه علي بن أبي طالب عليه السلام، ثمّ إلى الأوصياء من ولده واحداً بعد واحد، أحيى بهم دينه، وأتمَّ بهم نوره، وجعل بينهم وبين إخوتهم وبني عمّهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقاً بيّناً، تعرف به الحجّة من المحجوج، والإمام من المأموم بأن: عصمهم من الذنوب، وبرأهم من العيوب، وطهَّرهم من الدنس، ونزَّههم من اللبس، وجعلهم خزّان علمه، ومستودع حكمته، وموضع سرّه، وأيَّدهم بالدلائل ولولا ذلك لكان الناس على سواء، ولادّعى أمر الله عز وجل كلّ أحد، ولما عرف الحقّ من الباطل، ولا العلم من الجهل. وقد ادّعى هذا المبطل المدّعي على الله الكذب بما ادّعاه، فلا أدري بأيّة حالة هي له، رجا(١١٥) أن يتمّ دعواه بفقه في دين الله؟! فوَالله ما يعرف حلالاً من حرام ولا يفرّق بين خطأ وصواب، أم بعلم؟! فما يعلم حقّاً من باطل، ولا محكماً من متشابه، ولا يعرف حدّ الصلاة ووقتها، أم بورع؟! فالله شهيد على تركه الصلاة الفرض (أربعين يوماً) يزعم ذلك لطلب الشعوذة، ولعلَّ خبره تأدّى إليكم، وهاتيك ظروف مسكره منصوبة، وآثار عصيانه لله عز وجل مشهورة قائمة، أم بآية؟! فليأت بها، أم بحجّة؟! فليقمها، أم بدلالة؟! فليذكرها.
قال الله عز وجل في كتابه: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَْرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الأَْرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ * وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ)(١١٦).
فالتمس تولّى الله توفيقك من هذا الظالم ما ذكرت لك، وامتحنه واسأله عن آية من كتاب الله يفسّرها، أو صلاة يبيّن حدودها وما يجب فيها، لتعلم حاله ومقداره، ويظهر لك عواره ونقصانه، والله حسيبه. حفظ الله الحقّ على أهله، وأقرَّه في مستقرّه، وأبى الله عز وجل أن تكون الإمامة في الأخوين إلاَّ في الحسن والحسين، وإذا أذن الله لنا في القول ظهر الحقّ واضمحلَّ الباطل، وانحسر عنكم. وإلى الله أرغب في الكفاية، وجميل الصنع والولاية وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلّى الله على محمّد وآل محمّد).
* محمّد بن يعقوب الكليني، عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمّد بن عثمان العمري رحمه الله أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان عليه السلام:
(أمَّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبَّتك، ووقاك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمّنا. فاعلم: أنَّه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس منّي وسبيله سبيل ابن نوح.
وأمَّا سبيل عمّي جعفر وولده، فسبيل إخوة يوسف عليه السلام.
وأمَّا الفقاع فشربه حرام ولا بأس بالشلماب.
وأمَّا أموالكم فلا نقبلها إلاَّ لتطهروا، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع، وما آتانا الله خير ممَّا آتاكم.
وأمَّا ظهور الفرج فإنَّه إلى الله وكذب الوقّاتون.
وأمَّا قول من زعم أنَّ الحسين لم يقتل، فكفر وتكذيب وضلال.
وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنَّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله.
وأمَّا محمّد بن عثمان العمري، فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنَّه ثقتي وكتابه كتابي.
وأمَّا محمّد بن علي بن مهزيار الأهوازي، فسيصلح الله قلبه، ويزيل عنه شكّه.
وأمَّا ما وصلتنا به، فلا قبول عندنا إلاَّ لما طاب وطهر، وثمن المغنّية حرام.
وأمَّا محمّد بن شاذان بن نعيم، فإنَّه رجل من شيعتنا أهل البيت.
وأمَّا أبو الخطاب محمّد بن أبي زينب الأجدع، ملعون وأصحابه ملعونون فلا تجالس أهل مقالتهم، فإنّي منهم بريء، وآبائي عليهم السلام منهم براء.
وأمَّا المتلبّسون بأموالنا، فمن استحلَّ منها شيئاً فأكله فإنَّما يأكل النيران وأمَّا الخمس، فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حلّ إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث.
وأمَّا ندامة قوم شكّوا في دين الله على ما وصلونا به، فقد أقلنا من استقال فلا حاجة إلى صلة الشاكّين.
وأمَّا علّة ما وقع من الغيبة، فإنَّ الله عز وجل يقول: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)(١١٧) إنَّه لم يكن أحد من آبائي إلاَّ وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي.
وأمَّا وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيَّبها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، فاغلقوا أبواب السؤال عمَّا لا يعنيكم، ولا تتكلَّفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنَّ ذلك فرجكم، والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتَّبع الهدى).
* أبو الحسن علي بن أحمد الدلاّل القمي، قال: اختلف جماعة من الشيعة في أنَّ الله عز وجل فوَّض إلى الأئمّة صلوات الله عليهم أن يخلقوا ويرزقوا، فقال قوم: هذا محال لا يجوز على الله تعالى، لأنَّ الأجسام لا يقدر على خلقها غير الله عز وجل، وقال آخرون: بل الله أقدر الأئمّة على ذلك وفوَّض إليهم فخلقوا ورزقوا، وتنازعوا في ذلك نزاعاً شديداً، فقال قائل: ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمّد بن عثمان فتسألوه عن ذلك ليوضّح لكم الحقّ فيه، فإنَّه الطريق إلى صاحب الأمر، فرضيت الجماعة بأبي جعفر وسلَّمت وأجابت إلى قوله، فكتبوا المسألة وأنفذوها إليه، فخرج إليهم من جهته توقيع، نسخته: (إنَّ الله تعالى هو الذي خلق الأجسام، وقسَّم الأرزاق لأنَّه ليس بجسم ولا حالّ في جسم، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. وأمَّا الأئمّة عليهم السلام، فإنَّهم يسألون الله تعالى فيخلق، ويسألونه فيرزق إيجاباً لمسألتهم، وإعظاماً لحقّهم).
* عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي رحمه الله، قال: حدَّثني محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، قال: كنت عند الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه مع جماعة منهم علي بن عيسى القصري، فقام إليه رجل فقال له: أريد أن أسألك عن شيء.
فقال له: سل عمَّا بدا لك.
فقال الرجل: أخبرني عن الحسين بن علي عليهما السلام أهو وليّ الله؟
قال: نعم.
قال: أخبرني عن قاتله لعنه الله أهو عدوّ لله؟
قال: نعم.
قال الرجل: فهل يجوز أن يسلّط الله عز وجل عدوّه على وليّه؟
فقال أبو القاسم قدَّس الله روحه: افهم عنّي ما أقول لك! اعلم أنَّ الله تعالى لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان، ولا يشافههم بالكلام، ولكنَّه جلَّت عظمته يبعث إليهم من أجناسهم وأصنافهم بشراً مثلهم، ولو بعث إليهم رسلاً من غير صنفهم وصوَّرهم لنفروا عنهم، ولم يقبلوا منهم، فلمَّا جاؤهم وكانوا من جنسهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، قالوا لهم: أنتم بشر مثلنا لا نقبل منكم حتَّى تأتونا بشيء نعجز من أن نأتي بمثله، فنعلم أنَّكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه، فجعل الله عز وجل لهم المعجزات التي يعجز الخلق عنها. فمنهم: من جاء بالطوفان بعد الإعذار والإنذار فغرق جميع من طغى وتمرَّد. ومنهم: من اُلقي في النار فكانت عليه برداً وسلاماً. ومنهم: من أخرج من الحجر الصلب الناقة، وأجرى من ضرعها لبناً. ومنهم: من فلق له البحر وفجّر له من العيون، وجعل له العصا اليابسة ثعباناً تلقف ما يأفكون. ومنهم: من أبرأ الأكمه والأبرص وأحيى الموتى بإذن الله، وأنبأهم بما يأكلون وما يدَّخرون في بيوتهم. ومنهم: من انشقَّ له القمر وكلَّمته البهائم، مثل البعير والذئب وغير ذلك.
فلمَّا أتوا بمثل ذلك وعجز الخلق من أممهم عن أن يأتوا بمثله، كان من تقدير الله جل جلاله ولطفه بعباده وحكمته أن جعل أنبياءه مع هذه المعجزات في حال غالبين وأخرى مغلوبين، وفي حال قاهرين وأخرى مقهورين، ولو جعلهم الله في جميع أحوالهم غالبين وقاهرين، ولم يبتلهم ولم يمتحنهم لاتَّخذهم الناس آلهة من دون الله عز وجل، ولمَّا عرف فضل صبرهم على البلاء والمحن والاختيار، ولكنَّه جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم، ليكونوا في حال المحنة والبلوى صابرين وفي حال العافية والظهور على الأعداء شاكرين، ويكونوا في جميع أحوالهم متواضعين غير شامخين ولا متجبّرين، وليعلم العباد أنَّ لهم عليهم السلام إلهاً هو خالقهم ومدبّرهم فيعبدوه ويطيعوا رسله، وتكون حجّة الله ثابتة على من تجاوز الحدّ فيهم، وادّعى لهم الربوبية، أو عاند وخالف، وعصى وجحد، بما أتت به الأنبياء والرسل، وليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيى من حيّ عن بيّنة.
قال محمّد بن إبراهيم بن إسحاق رحمه الله: فعدت إلى الشيخ أبي القاسم الحسين ابن روح رحمه الله في الغد وأنا أقول في نفسي: أتراه ذكر لنا ما ذكر يوم أمس من عند نفسه فابتدأني وقال:
يا محمّد بن إبراهيم لئن أخر من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحبُّ إليَّ من أن أقول في دين الله برأيي، ومن عند نفسي، بل ذلك عن الأصل، ومسموع من الحجّة صلوات الله عليه وسلامه.
* وممَّا خرج عن صاحب الزمان صلوات الله عليه، ردّاً على الغلاة من التوقيع جواباً لكتاب كتب إليه على يدي محمّد بن علي بن هلال الكرخي: (يا محمّد بن علي تعالى الله وجلَّ عمَّا يصفون، سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاؤه في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه تباركت أسماؤه: (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَْرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ)(١١٨). وأنا وجميع آبائي من الأوّلين: آدم ونوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من النبيّين، ومن الآخرين محمّد رسول الله، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم ممَّن مضى من الأئمّة صلوات الله عليهم أجمعين، إلى مبلغ أيّامي ومنتهى عصري، عبيد الله عز وجل، يقول الله عز وجل: (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى * قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى)(١١٩).
يا محمّد بن علي قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم، ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه. فاُشهد الله الذي لا إله إلاَّ هو وكفى به شهيداً، ورسوله محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وملائكته وأنبياءه، وأولياءه عليهم السلام. واُشهدك، واُشهد كلّ من سمع كتابي هذا، إنّي بريء إلى الله وإلى رسوله ممَّن يقول: إنّا نعلم الغيب، ونشاركه في ملكه، أو يحلّنا محلاً سوى المحلّ الذي رضيه الله لنا وخلقنا له، أو يتعدّى بنا عمَّا قد فسَّرته لك وبيَّنته في صدر كتابي. واُشهدكم: أنَّ كلّ من نبرأ منه فإنَّ الله يبرأ منه وملائكته ورسله وأولياءه وجعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب أمانة في عنقك وعنق من سمعه أن لا يكتمه لأحد من موالي وشيعتي حتَّى يظهر على هذا التوقيع الكلّ من الموالي لعلَّ الله عز وجل يتلافاهم فيرجعون إلى دين الله الحقّ، وينتهون عمَّا لا يعلمون منتهى أمره، ولا يبلغ منتهاه، فكلّ من فهم كتابي ولا يرجع إلى ما قد أمرته ونهيته، فقد حلَّت عليه اللعنة من الله وممَّن ذكرت من عباده الصالحين).
* روى أصحابنا: أنَّ أبا محمّد الحسن السريعي كان من أصحاب أبي الحسن علي بن محمّد عليهما السلام، وهو أوّل من ادّعى مقاماً لم يجعله الله فيه من قبل صاحب الزمان عليه السلام وكذب على الله وحججه عليهم السلام، ونسب إليهم ما لا يليق بهم وما هم منه براء، ثمّ ظهر منه القول بالكفر والإلحاد، وكذلك كان محمّد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمّد الحسن عليه السلام، فلمَّا توفّي ادّعى البابية لصاحب الزمان، ففضحه الله تعالى بما ظهر منه من الإلحاد والغلو والتناسخ، وكان يدّعي أنَّه رسول نبيّ أرسله علي بن محمّد عليه السلام، ويقول بالإباحة للمحارم، وكان أيضاً من جملة الغلاة أحمد بن هلال الكرخي، وقد كان من قبل في عدد أصحاب أبي محمّد عليه السلام، ثمّ تغيَّر عمَّا كان عليه وأنكر بابية أبي جعفر محمّد بن عثمان، فخرج التوقيع بلعنه من قبل صاحب الأمر والزمان وبالبراءة منه، في جملة من لعن وتبرَّء منه، وكذا كان أبو طاهر محمّد بن علي بن بلال، والحسين بن منصور الحلاّج، ومحمّد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقر، لعنهم الله، فخرج التوقيع بلعنهم والبراءة منهم جميعاً، على يد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رحمه الله ونسخت:
(عرّف أطال الله بقاك! وعرَّفك الله الخير كلّه وختم به عملك، من تثق بدينه وتسكن إلى نيّته من إخواننا أدام الله سعادتهم: بأنَّ (محمّد بن علي المعروف بالشلمغاني) عجَّل الله له النقمة ولا أمهله، قد ارتدَّ عن الإسلام وفارقه، وألحد في دين الله وادّعى ما كفر معه بالخالق جلَّ وتعالى، وافترى كذباً وزوراً، وقال بهتاناً وإثماً عظيماً، كذب العادلون بالله وضلّوا ضلالاً بعيداً، وخسرواً خسراناً مبيناً. وإنّا برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته منه، ولعنّاه، عليه لعاين الله تترى، في الظاهر منّا والباطن، في السرّ والجهر، وفي كلّ وقت وعلى كلّ حال، وعلى كلّ من شايعه وبلغه هذا القول منّا فأقام على تولاّه بعده.
أعلمهم تولاّك الله! إنَّنا في التوقّي والمحاذرة منه على مثل ما كنّا عليه ممَّن تقدَّمه من نظرائه، من: (السريعي، والنميري، والهلالي، والبلالي) وغيرهم. وعادة الله جلَّ ثناؤه مع ذلك قبله وبعده عندنا جميلة، وبه نثق وإيّاه نستعين وهو حسبنا في كلّ أمورنا ونعم الوكيل).
وأمَّا الأبواب المرضيون، والسفراء الممدوحون في زمان الغيبة:
فأوّلهم: الشيخ الموثوق به أبو عمرو (عثمان) بن سعيد العمري. نصبه أوّلاً أبو الحسن علي بن محمّد العسكري، ثمّ ابنه أبو محمّد الحسن، فتولّى القيام بأمورهما حال حياتهما عليهما السلام، ثمّ بعد ذلك قام بأمر صاحب الزمان عليه السلام، وكان توقيعاته وجواب المسائل تخرج على يديه. فلمَّا مضى لسبيله، قام ابنه أبو جعفر (محمّد) بن عثمان مقامه، وناب منابه في جميع ذلك. فلمَّا مضى هو، قام بذلك أبو القاسم (حسين بن روح) من بني نوبخت. فلمَّا مضى هو، قام مقامه أبو الحسن (علي) بن محمّد السمري ولم يقم أحد منهم بذلك إلاَّ بنصّ عليه من قبل صاحب الأمر عليه السلام، ونصب صاحبه الذي تقدَّم عليه، ولم تقبل الشيعة قولهم إلاَّ بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد كلّ واحد منهم من قبل صاحب الأمر عليه السلام، تدلُّ على صدق مقالتهم، وصحَّة بابيَّتهم.
فلمَّا حان سفر أبي الحسن السمري من الدنيا وقرب أجله قيل له: إلى من توصي؟
فأخرج إليهم توقيعاً نسخته: (بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمّد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيّام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلاَّ بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً. وسيأتي إلى شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر، ولا حول ولا قوّة إلاَّ بالله العلي العظيم).
فنسخوا هذا التوقيع وخرجوا، فلمَّا كان اليوم السادس عادوا إليه وهو يجود بنفسه. فقال له بعض الناس: من وصيّك من بعدك؟
فقال: لله أمر هو بالغه، وقضى فهذا آخر كلام سمع منه رحمه الله.
ذكر طرف ممَّا خرج أيضاً عن صاحب الزمان عليه السلام من المسائل الفقهية وغيرها، في التوقيعات على أيدي الأبواب الأربعة وغيرهم:
* عن محمّد بن يعقوب الكليني، رفعه عن الزهري، قال: طلبت هذا الأمر طلباً شافياً حتَّى ذهب لي فيه مال صالح، فوقعت إلى العمري وخدمته ولزمته، فسألته بعد ذلك عن صاحب الزمان عليه السلام. قال: ليس إلى ذلك وصول. فخضعت له.
فقال لي: بكّر بالغداة. فوافيت، فاستقبلني ومعه شاب من أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم ريحاً، وفي كمّه شيء، كهيأة التجّار، فلمَّا نظرت إليه دنوت من العمري، فأومى إليه فعدلت إليه وسألته فأجابني عن كلّ ما أردت. ثمّ مرَّ ليدخل الدار وكانت من الدور التي لا يكترث بها. فقال العمري: إن أردت أن تسأل فاسأل فإنَّك لا تراه بعد ذا. فذهبت لأسأل فلم يستمع ودخل الدار وما كلَّمني بأكثر من أن قال: (ملعون ملعون من أخَّر العشاء إلى أن تشتبك النجوم، ملعون ملعون من أخَّر الغداة إلى أن تنقضي النجوم)، ودخل الدار.
* وعن أبي الحسن محمّد بن جعفر الأسدي، قال: كان فيما ورد عليَّ من الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري قدَّس الله روحه في جواب مسائل إلى صاحب الزمان: (أمَّا ما سألت عنه من الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فلئن كان كما يقول الناس: (إنَّ الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان) فما أرغم أنف الشيطان شيء أفضل من الصلاة، فصلّها وارغم الشيطان أنفه.
وأمَّا ما سألت عنه من أمر الوقف على ناحيتنا، وما يجعل لنا ثمّ يحتاج إليه صاحبه، فكلّ ما لم يسلّم فصاحبه فيه بالخيار، وكلّ ما سلّم فلا خيار لصاحبه فيه احتاج أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغنى عنه.
وأمَّا ما سألت عنه من أمر من يستحلّ ما في يده من أموالنا ويتصرَّف فيه تصرّفه في ماله من غير أمرنا، فمن فعل ذلك فهو ملعون، ونحن خصماؤه يوم القيامة، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (المستحلّ من عترتي ما حرَّم الله ملعون على لساني ولسان كلّ نبيّ مجاب) فمن ظلمنا كان في جملة الظالمين لنا، وكانت لعنة الله عليه لقوله عز وجل: (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)(١٢٠).
وأمَّا ما سألت عنه عن أمر المولود الذي نبتت غلفته بعد ما يختن مرّة أخرى فإنَّه يجب أن يقطع غلفته فإن الأرض تضجُّ إلى الله تعالى من بول الأغلف أربعين صباحاً.
وأمَّا ما سألت عنه من أمر المصلّي والنار والصورة والسراج بين يديه، هل يجوز صلاته؟ فإنَّ الناس قد اختلفوا في ذلك قبلك، فإنَّه جائز لمن لم يكن من أولاد عبدة الأصنام والنيران أن يصلّي والنار والسراج بين يديه، ولا يجوز ذلك لمن كان من أولاد عبدة الأوثان والنيران.
وأمَّا ما سألت عنه عن أمر الضياع التي لناحيتنا، هل يجوز القيام بعمارتها وأداء الخراج منها، وصرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية، احتسابا للأجر، وتقرّباً إليكم؟ فلا يحلّ لأحد أن يتصرَّف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحلّ ذلك في مالنا من فعل ذلك بغير أمرنا فقد استحلَّ منّا ما حرم عليه، ومن أكل من أموالنا شيئاً فإنَّما يأكل في بطنه ناراً وسيصلى سعيراً.
وأمَّا ما سألت عنه من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة، ويسلّمها من قيّم يقوم بها ويعمّرها، ويؤدّي من دخلها خراجها ومؤنتها، ويجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا فإنَّ ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيّماً عليها، إنَّما لا يجوز ذلك لغيره.
وأمَّا ما سألت عنه من الثمار من أموالنا يمرُّ به المار فيتناول منه ويأكل، هل يحلّ له ذلك؟ فإنَّه يحلّ له أكله ويحرم عليه حمله.
وعن أبي الحسين الأسدي أيضاً، قال: ورد عليَّ توقيع من الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري _ قدَّس الله روحه _ ابتداء لم يتقدَّمه سؤال عنه، نسخته: (بسم الله الرحمن الرحيم، لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، على من استحلَّ من أموالنا درهماً).
قال أبو الحسين الأسدي رحمه الله: فوقع في قلبي أنَّ ذلك فيمن استحلَّ من مال الناحية درهماً دون من أكل منه غير مستحلّ، وقلت في نفسي: إنَّ ذلك في جميع من استحلَّ محرَّماً، فأيّ فضل في ذلك للحجّة عليه السلام على غيره؟!
قال: فوَالذي بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم بالحقّ بشيراً، لقد نظرت بعد ذلك في التوقيع فوجدته قد انقلب إلى ما كان في نفسي: (بسم الله الرحمن الرحيم، لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من أكل من مالنا درهماً حراماً).
* وقال أبو جعفر بن بابويه في الخبر الذي روي فيمن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمّداً أنَّ عليه ثلاث كفارات فإنّي أفتي به فيمن أفطر بجماع محرَّم عليه أو بطعام محرَّم عليه لوجود ذلك في روايات أبي الحسن الأسدي رحمه الله فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان رحمه الله.
* وعن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: خرج التوقيع إلى الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان قدَّس الله روحه في التعزية بأبيه رحمه الله في فصل من الكتاب: (إنّا لله وإنّا إليه راجعون، تسليماً لأمره، ورضاً بقضائه، عاش أبوك سعيداً ومات حميداً، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه عليهم السلام. فلم يزل مجتهداً في أمرهم ساعياً فيما يقرّبه إلى الله عز وجل، نضَّر الله وجهه، وأقاله عثرته).
وفي فصل آخر: (أجزل الله لك الثواب، وأحسن لك العزاء، رزيت ورزينا وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسرَّه الله في منقلبه، كما كان من كمال سعادته أن رزقه الله ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحَّم عليه، وأقول: الحمد لله، فإنَّ النفس طيّبة بمكانك، وما جعله الله عز وجل فيك وعندك، أعانك الله وقوّاك، وعضدك ووفَّقك، وكان لك وليّاً وحافظاً، وراعياً وكافياً).
* وممَّا خرج عن صاحب الزمان صلوات الله عليه من جوابات المسائل الفقهية أيضاً: ما سأله عنها محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري فيما كتب إليه وهو: بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاك، وأدام الله عزّك، وتأييدك، وسعادتك، وسلامتك، وأتمَّ نعمته عليك، وزاد في إحسانه إليك، وجميل مواهبه لديك، وفضله عندك، وجعلني من السوء فداك، وقد مني قبلك الناس يتنافسون في الدرجات، فمن قبلتموه كان مقبولاً، ومن دفعتموه كان وضيعاً، والخامل من وضعتموه، ونعوذ بالله من ذلك وببلدنا أيَّدك الله جماعة من الوجوه يتساوون ويتنافسون في المنزلة، وورد أيَّدك الله كتابك إلى جماعة منهم في أمر أمرتهم به من معاونة (ص)(١٢١).
وأخرج علي بن محمّد بن الحسين بن الملك المعروف بملك بادوكة وهو ختن (ص) رحمه الله من بينهم فاغتمَّ بذلك، وسألني أيَّدك الله أن اعلمك ما ناله من ذلك، فإن كان من ذنب فاستغفر الله منه، وإن يكن غير ذلك عرَّفته ما تسكن نفسه إليه إن شاء الله.
التوقيع: (لم نكاتب إلاَّ من كاتبنا).
وقد عوَّدتني أدام الله عزّك من تفضّلك ما أنت أهل أن تخبرني على العادة، وقبلك أعزَّك الله فقهاؤنا قالوا: محتاج إلى أشياء تسأل لي عنها. روي لنا عن العالم عليه السلام: أنَّه سئل عن إمام قوم صلّى بهم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه؟ فقال: (يؤخّر ويتقدَّم بعضهم، ويتمّ صلاتهم، ويغتسل من مسَّه).
التوقيع: (ليس على من نحاه إلاَّ غسل اليد، وإذا لم يحدث حادثة يقطع الصلاة تمَّم صلاته مع القوم).
وروي عن العالم عليه السلام: إنَّ من مسَّ ميّتاً بحرارته غسل يده، ومن مسَّه وقد برد فعليه الغسل، وهذا الإمام في هذه الحالة لا يكون إلاَّ بحرارة، فالعمل في ذلك على ما هو، ولعلَّه ينحيه بثيابه ولا يمسّه، فكيف يجب عليه الغسل؟
التوقيع: (إذا مسَّه على هذه الحال لم يكن عليه إلاَّ غسل يده).
وعن صلاة جعفر: إذا سها في التسبيح في قيام أو قعود، أو ركوع أو سجود وذكره في حالة أخرى قد صار فيها من هذه الصلاة، هل يعيد ما فاته من ذلك التسبيح في الحالة التي ذكرها أم يتجاوز في صلاته؟
التوقيع: (إذا سها في حالة من ذلك ثمّ ذكر في حالة أخرى، قضى ما فاته في الحالة التي ذكره).
وعن المرأة: يموت زوجها، يجوز أن تخرج في جنازته أم لا؟
التوقيع: (تخرج في جنازته).
وهل يجوز لها في عدَّتها أن تزور قبر زوجها أم لا؟
التوقيع: (تزور قبر زوجها ولا تبيت عن بيتها).
وهل يجوز لها أن تخرج في قضاء حقّ يلزمها، أم لا تبرح من بيتها وهي في عدَّتها؟
التوقيع: (إذا كان حقّ خرجت فيه وقضته، وإن كانت لها حاجة ولم يكن لها من ينظر فيها خرجت بها حتَّى تقضيها، ولا تبيت إلاَّ في بيتها).
وروي في ثواب القرآن في الفرائض وغيرها: إنَّ العالم عليه السلام قال: (عجباً لمن لم يقرأ في صلاته: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) كيف تقبل صلاته؟).
وروي: (ما زكت صلاة من لم يقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)).
وروي: أنَّ من قرأ في فرائضه (الهمزة) اُعطي من الثواب قدر الدنيا، فهل يجوز أن يقرأ (الهمزة) ويدع هذه السور التي ذكرناها، مع ما قد روي: أنَّه لا تقبل صلاة ولا تزكو إلاَّ بهما؟
التوقيع: (الثواب في السور على ما قد روي، وإذا ترك سورة ممَّا فيها الثواب وقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، و(إِنَّا أَنْزَلْناهُ) لفضلهما اُعطي ثواب ما قرأ، وثواب السورة التي ترك، ويجوز أن يقرأ غير هاتين السورتين وتكون صلاته تامّة، ولكن يكون قد ترك الفضل).
وعن وداع شهر رمضان: متى يكون؟ فقد اختلف فيه أصحابنا، فبعضهم يقول: يقرأ في آخر ليلة منه، وبعضهم يقول: هو في آخر يوم منه إذا رأى هلال شوال؟
التوقيع: (العمل في شهر رمضان في لياليه والوداع يقع في آخر ليلة منه، فإذا خاف أن ينقص الشهر جعله في ليلتين).
وعن قول الله عز وجل: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) أرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المعني به، (ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) ما هذه القوّة؟! (مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ)(١٢٢) ما هذه الطاعة وأين هي؟ ما خرج لهذه المسألة جواب.
فرأيك أدام الله عزَّك بالتفضّل عليَّ بمسألة من تثق به من الفقهاء عن هذه المسائل فأجبني عنها منعماً مع ما تشرحه لي من أمر علي بن محمّد بن الحسين بن الملك المقدَّم ذكره بما يسكن إليه، ويعتدّ بنعمة الله عنده، وتفضَّل عليَّ بدعاء جامع لي ولإخواني في الدنيا والآخرة فعلت مثاباً إن شاء الله.
التوقيع: (جمع الله لك ولإخوانك خير الدنيا والآخرة).
* كتاب آخر لمحمّد بن عبد الله الحميري أيضاً إليه عليه السلام في مثل ذلك:
فرأيك أدام الله عزّك في تأمّل رقعتي والتفضّل بما أسأل من ذلك لأضيفه إلى ساير أياديك عندي ومنّك عليَّ واحتجت أدام الله عزّك أن يسألني بعض الفقهاء عن المصلّي إذا قام من التشهد الأوّل إلى الركعة الثالثة هل يجب عليه أن يكبّر؟ فإنَّ بعض أصحابنا قال: لا يجب عليه التكبير، ويجزيه أن يقول: بحول الله وقوّته أقوم وأقعد؟
الجواب: (إنَّ فيه حديثين: أمَّا أحدهما: فإنَّه إذا انتقل من حالة إلى حالة أخرى فعليه التكبير. وأمَّا الآخر: فإنَّه روي: أنَّه إذا رفع رأسه من السجدة الثانية فكبَّر ثمّ جلس ثمّ قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير، وكذلك في التشهد الأوّل يجري هذا المجرى، وبأيّها أخذت من جهة التسليم كان صواباً).
وعن الفصّ الخماهن: هل يجوز فيه الصلاة إذا كان في إصبعه؟
الجواب: (فيه كراهية أن يصلّى فيه، وفيه أيضاً إطلاق والعمل على الكراهة).
وعن رجل اشترى هدياً لرجل غاب عنه، وسأله أن ينحر عنه هدياً بمنى، فلمَّا أراد نحر الهدي نسي اسم الرجل ونحر الهدي، ثمّ ذكره بعد ذلك، أيجزي عن الرجل أم لا؟
الجواب: (لا بأس بذلك، وقد اجزأ عن صاحبه).
وعندنا حاكة مجوس، يأكلون الميتة. ولا يغتسلون من الجنابة، وينسجون لنا ثياباً، فهل يجوز الصلاة فيها من قبل أن تغسل؟
الجواب: (لا بأس بالصلاة فيها).
وعن المصلّي: يكون في صلاة الليل في ظلمة، فإذا سجد يغلط بالسجّادة ويضع جبهته على (مسح أو نطع) فإذا رفع رأسه وجد السجّادة، هل يعتد بهذه السجدة أم لا يعتد بها؟
الجواب: (ما لم يستو جالساً فلا شيء عليه في رفع رأسه لطلب الخمرة).
وعن المحرم: يرفع الظلال هل يرفع خشب العمارية أو الكنيسية ويرفع الجناحين أم لا؟
الجواب: (لا شيء عليه في ترك رفع الخشب).
وعن المحرم: يستظل من المطر بنطع أو غيره، حذراً على ثيابه وما في محمله أن يبتل، فهل يجوز ذلك؟
الجواب: (إذا فعل ذلك في المحمل في طريقه، فعليه دم).
والرجل: يحجّ عن أحد، هل يحتاج أن يذكر الذي حجَّ عنه عند عقد إحرامه أم لا، وهل يجب أن يذبح عمَّن حجَّ عنه وعن نفسه أم يجزيه هدي واحد؟
الجواب: (قد يجزيه هدي واحد، وإن لم يفصّل فلا بأس).
وهل يجوز للرجل أن يحرم في كساء خز أم لا؟
الجواب: (لا بأس بذلك، وقد فعله قوم صالحون).
وهل يجوز للرجل أن يصلّي في بطيط لا يغطّي الكعبين أم لا يجوز؟
الجواب: (جائز).
ويصلّي الرجل وفي كمّه أو سراويله سكّين أو مفتاح حديد، هل يجوز ذلك؟
الجواب: (جائز).
وعن الرجل: يكون معه بعض هؤلاء ويكون متَّصلاً بهم، يحجّ ويأخذ على الجادة ولا يحرم هؤلاء من المسلخ، فهل يجوز لهذا الرجل أن يؤخّر إحرامه إلى ذات عرق فيحرم معهم لما يخاف الشهرة أم لا يجوز إلاَّ أن يحرم من المسلخ؟
الجواب: (يحرم من ميقاته ثمّ يلبس الثياب، ويلبّي في نفسه، فإذا بلغ إلى ميقاتهم أظهر).
وعن لبس المعطون، فإنَّ بعض أصحابنا يذكر أنَّ لبسه كريه؟
الجواب: (جايز، ولا بأس به).
وعن الرجل: من وكلاء الوقف مستحلاً لما في يده، ولا يرع عن أخذ ماله ربَّما نزلت في قريته وهو فيها، أو أدخل منزله _ وقد حضر طعامه _ فيدعوني إليه، فإن لم آكل من طعامه، عاداني وقال: فلان لا يستحلّ أن يأكل من طعامنا فهل يجوز لي أن آكل من طعامه وأتصدَّق بصدقة؟ وكم مقدار الصدقة؟ وإن أهدى هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر فأحضر فيدعوني إلى أن أنال منها، وأنا أعلم أنَّ الوكيل لا يرع عن أخذ ما في يده، فهل عليَّ فيه شيء إن أنا نلت منها؟
الجواب: (إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامه، واقبل برّه، وإلاَّ فلا).
وعن الرجل ممَّن يقول بالحقّ ويرى المتعة، ويقول بالرجعة، إلاَّ أنَّ له أهلاً موافقة له في جميع أموره، وقد عاهدها: ألاَّ يتزوَّج عليها، ولا يتمتَّع، ولا يتسرّى وقد فعل هذا منذ تسعة عشر سنة. ووفى بقوله، فربَّما غاب عن منزله الأشهر فلا يتمتَّع ولا تتحرَّك نفسه أيضاً لذلك، ويرى أنَّ وقوف من معه من أخ وولد وغلام ووكيل وحاشية ممَّا يقلّله في أعينهم، ويحبّ المقام على ما هو عليه محبّة لأهله وميلاً إليها، وصيانة لها ولنفسه، لا لتحريم المتعة بل يدين الله بها، فهل عليه في ترك ذلك مأثم أم لا؟
الجواب: (يستحبّ له أن يطيع الله تعالى بالمتعة ليزول عنه الحلف في المعصية ولو مرّة).
* وفي كتاب آخر لمحمّد بن عبد الله الحميري إلى صاحب الزمان عليه السلام من جواب مسائله التي سأله عنها، في سنة سبع وثلاثمائة. سأل عن المحرم: يجوز أن يشدّ الميزر من خلفه على عقبه بالطول، ويرفع طرفيه إلى حقويه ويجمعهما في خاصرته ويعقدهما، ويخرج الطرفين الآخرين من بين رجليه ويرفعهما إلى خاصرته، ويشدّ طرفيه إلى وركيه، فيكون مثل السراويل يستر ما هناك، فإنَّ الميزر الأوَّل كنّا نتَّزر به إذا ركب الرجل جمله يكشف ما هناك، وهذا ستر؟
فأجاب عليه السلام: (جاز أن يتَّزر الإنسان كيف شاء إذا لم يحدث في الميزر حدثاً بمقراظ ولا أبرة يخرجه به عن حدّ الميزر، وغزره غزراً ولم يعقده، ولم يشدّ بعضه ببعض، وإذا غطّى سرَّته وركبتيه كلاهما فإنَّ السُنّة المجمع عليها بغير خلاف تغطية السرّة والركبتين، والأحبّ إلينا والأفضل لكلّ أحد شدّه على السبيل المألوفة المعروفة للناس جميعاً إن شاء الله).
وسأل: هل يجوز أن يشدّ عليه مكان العقد تكّة؟
فأجاب: (لا يجوز شدّ الميزر بشيء سواه من تكّة ولا غيرها).
وسأل عن التوجّه للصلاة أن يقول: على ملّة إبراهيم ودين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فإنَّ بعض أصحابنا ذكر: أنَّه إذا قال: على دين محمّد فقد أبدع، لأنّا لم نجده في شيء من كتب الصلاة خلا حديثاً في كتاب القاسم بن محمّد، عن جدّه، عن الحسن بن راشد أنَّ الصادق عليه السلام قال للحسن: (كيف تتوجَّه؟).
فقال: أقول: لبّيك وسعديك.
فقال له الصادق عليه السلام: (ليس عن هذا أسألك. كيف تقول: وجَّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً؟).
قال الحسن: أقول... فقال الصادق عليه السلام: (إذا قلت ذلك فقل: على ملّة إبراهيم، ودين محمّد، ومنهاج علي بن أبي طالب، والايتمام بآل محمّد، حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين).
فأجاب عليه السلام: (التوجّه كلّه ليس بفريضة، والسُنّة المؤكّدة فيه التي هي كالإجماع الذي لا خلاف فيه: وجَّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، حنيفاً مسلماً على ملّة إبراهيم ودين محمّد وهدي أمير المؤمنين، وما أنا من المشركين. إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين، لا شريك له وبذلك اُمرت وأنا من المسلمين. اللهم اجعلني من المسلمين، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ثمّ اقرأ الحمد.
قال الفقيه الذي لا يشكّ في علمه: إنَّ الدين لمحمّد والهداية لعلي أمير المؤمنين لأنَّها له صلى الله عليه وآله وسلم وفي عقبه باقية إلى يوم القيامة، فمن كان كذلك فهو من المهتدين، ومن شكَّ فلا دين له، ونعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى).
وسأله عن القنوت في الفريضة إذا فرغ من دعائه، يجوز أن يرد يديه على وجهه وصدره للحديث الذي روي: (إنَّ الله عز وجل أجلّ من أن يرد يدي عبده صفراً بل يملأها من رحمته) أم لا يجوز؟ فإنَّ بعض أصحابنا ذكر أنَّه عمل في الصلاة.
فأجاب عليه السلام: (ردّ اليدين من القنوت على الرأس والوجه غير جايز في الفرائض والذي عليه العمل فيه، إذا رجع يده في قنوت الفريضة وفرغ من الدعاء، أن يرد بطن راحتيه مع صدره تلقاء ركبتيه على تمهّل، ويكبّر ويركع، والخبر صحيح وهو في نوافل النهار والليل دون الفرائض، والعمل به فيها أفضل).
وسأل عن سجدة الشكر بعد الفريضة، فإنَّ بعض أصحابنا ذكر أنَّها (بدعة) فهل يجوز أن يسجدها الرجل بعد الفريضة؟ وإن جاز ففي صلاة المغرب هي بعد الفريضة أو بعد الأربع ركعات النافلة؟
فأجاب عليه السلام: (سجدة الشكر من ألزم السنن وأوجبها، ولم يقل: إنَّ هذه السجدة بدعة إلاَّ من أراد أن يحدث بدعة في دين الله. فأمَّا الخبر المروي فيها بعد صلاة المغرب والاختلاف في أنَّها بعد الثلاث أو بعد الأربع فإنَّ فضل الدعاء والتسبيح بعد الفرائض على الدعاء بعقيب النوافل كفضل الفرائض على النوافل، والسجدة دعاء وتسبيح فالأفضل أن تكون بعد الفرض فإن جُعلت بعد النوافل أيضاً جاز).
وسأل: أنَّ لبعض إخواننا من نعرفه ضيعة جديدة بجنب ضيعة خراب للسلطان فيها حصّة وأكرته ربَّما زرعوا حدودها وتؤذيهم عمّال السلطان ويتعرَّضون في الكل(١٢٣) من غلات ضيعته، وليس لها قيمة لخرابها وإنَّما هي بائرة منذ عشرين سنة، وهو يتحرَّج من شرائها، لأنَّه يقال: إنَّ هذه الحصّة من هذه الضيعة كانت قبضت عن الوقف قديماً للسلطان، فإن جاز شراؤها من السلطان، وكان ذلك صلاحاً له وعمارة لضيعته، وأنَّه يزرع هذه الحصّة من القرية البائرة لفضل ماء ضيعته العامرة، وينحسم عنه طمع أولياء السلطان، وإن لم يجز ذلك عمل بما تأمره به إن شاء الله تعالى.
فأجاب: (الضيعة لا يجوز ابتياعها إلاَّ من مالكها أو بأمره أو رضاء منه).
وسأل عن رجل استحلَّ امرأة خارجة من حجابها، وكان يحترز(١٢٤) من أن يقع ولد فجاءت بابن، فتحرَّج الرجل ألاَّ يقبله فقبله وهو شاك فيه، وجعل يجري النفقة على اُمّه وعليه حتَّى ماتت الاُمّ، وهو ذا يجري عليه غير أنَّه شاك فيه ليس يخلطه بنفسه، فإن كان ممَّن يجب أن يخلط بنفسه ويجعله كساير ولده فعل ذلك وإن جاز أن يجعل له شيئاً من ماله دون حقّه فعل.
فأجاب عليه السلام: (الاستحلال بالمرأة يقع على وجوه، والجواب يختلف فيها فليذكر الوجه الذي وقع الاستحلال به مشروحاً ليعرف الجواب فيما يسأل عنه من أمر الولد إن شاء الله).
وسأله الدعاء له.
فخرج الجواب: (جاد الله عليه بما هو جلَّ وتعالى أهله، إيجابنا لحقّه، ورعايتنا لأبيه رحمه الله وقرَّبه منّا، وقد رضينا بما علمناه من جميل نيَّته، ووقفنا عليه من مخاطبته، المقرّ له من الله التي يرضى الله عز وجل ورسوله وأولياؤه عليهم السلام والرحمة بما بدأنا، نسأل الله بمسألته ما أمَّله من كلّ خير عاجل وآجل، وأن يصلح له من أمر دينه ودنياه ما يحبّ صلاحه، إنَّه وليّ قدير).
وكتب إليه صلوات الله عليه أيضاً في سنة ثمان وثلاثمائة كتاباً سأله فيه عن مسائل أخرى كتب:
بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاك وأدام عزّك وكرامتك وسعادتك وسلامتك، وأتمَّ نعمته عليك وزاد في إحسانه إليك، وجميل مواهبه لديك، وفضله عليك، وجزيل قسمه لك، وجعلني من السوء كلّه فداك، وقدَّمني قبلك.
إنَّ قبلنا مشايخ وعجايز يصومون رجباً منذ ثلاثين سنة وأكثر، ويصلّون بشعبان وشهر رمضان. وروى لهم بعض أصحابنا: أنَّ صومه معصية.
فأجاب عليه السلام: (قال الفقيه: يصوم منه أياماً إلى خمسة عشر يوماً، إلاَّ أن يصومه عن الثلاثة الأيّام الفائتة، للحديث: (إنَّ نِعْمَ شهر القضاء رجب)).
وسأل عن رجل يكون في محمله والثلج كثير بقامة رجل، فيتخوَّف إن نزل الغوص فيه، وربَّما يسقط الثلج وهو على تلك الحال ولا يستوي له أن يلبد شيئاً منه لكثرته وتهافته، هل يجوز أن يصلّي في المحمل الفريضة؟ فقد فعلنا ذلك أيّاماً فهل علينا في ذلك إعادة أم لا؟
فأجاب: (لا بأس به عند الضرورة والشدّة).
وسأل عن الرجل يلحق الإمام وهو راكع فيركع معه ويحتسب تلك الركعة. فإنَّ بعض أصحابنا قال: إن لم يسمع تكبيرة الركوع فليس له أن يعتدّ بتلك الركعة؟
فأجاب: (إذا لحق مع الإمام من تسبيح الركوع تسبيحة واحدة اعتدَّ بتلك الركعة وإن لم يسمع تكبيرة الركوع).
وسأل عن رجل صلّى الظهر ودخل في صلاة العصر، فلمَّا أن صلّى من صلاة العصر ركعتين استيقن أنَّه صلى الظهر ركعتين، كيف يصنع؟
فأجاب: (إن كان أحدث بين الصلاتين حادثة يقطع بها الصلاة أعاد الصلاتين وإن لم يكن أحدث حادثة جعل الركعتين الأخرتين(١٢٥) تتمّة لصلاة الظهر، وصلّى العصر بعد ذلك).
وسأل عن أهل الجنّة هل يتوالدون إذا دخلوها أم لا؟
فأجاب: (إنَّ الجنّة لا حمل فيها للنساء ولا ولادة، ولا طمث ولا نفاس، ولا شقاء بالطفولية. وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، كما قال سبحانه، فإذا اشتهى المؤمن ولداً خلقه الله بغير حمل ولا ولادة على الصورة التي يريد كما خلق آدم عبرة).
وسأل عن رجل تزوَّج امرأة بشيء معلوم إلى وقت معلوم، وبقي له عليها وقت، فجعلها في حلّ ممَّا بقي له عليها وقد كانت طمثت قبل أن يجعلها في حلّ من أيامها بثلاثة أيّام، أيجوز أن يتزوَّجها رجل معلوم إلى وقت معلوم عند طهرها من هذه الحيضة أو يستقبل بها حيضة أخرى؟
فأجاب: (يستقبل حيضة غير تلك الحيضة، لأنَّ أقلّ تلك العدّة حيضة وطهرة تامّة).
وسأل عن الأبرص والمجذوم وصاحب الفالج هل يجوز شهادتهم، فقد روي لنا: أنَّهم لا يأمّون الأصحاء.
فأجاب: (إن كان ما بهم حادثاً جازت شهادتم، وإن كان ولادة لم يجز).
وسأل: هل يجوز للرجل أن يتزوَّج ابنة امرأته؟
فأجاب: (إن كانت ربيت في حجره فلا يجوز، وإن لم تكن ربيت في حجره وكانت اُمّها في غير عياله فقد روي: أنَّه جائز).
وسأل: هل يجوز أن يتزوَّج بنت ابنة امرأة ثمّ يتزوَّج جدَّتها بعد ذلك؟
فأجاب: (قد نهي عن ذلك).
وسأل عن رجل ادّعى على رجل ألف درهم وأقام به البيّنة العادلة، وادّعى عليه أيضاً خمسمائة درهم في صكّ آخر، وله بذلك بيّنة عادلة، وادّعى عليه أيضاً ثلاثمائة درهم في صكّ آخر، ومائتي درهم في صكّ آخر، وله بذلك كلّه بيّنة عادلة، ويزعم المدّعى عليه أنَّ هذه الصكاك كلّها قد دخلت في الصكّ الذي بألف درهم، والمدّعي منكر أن يكون كما زعم، فهل يجب الألف الدرهم مرّة واحدة أو يجب عليه كلَّما يقيم البيّنة به؟ وليس في الصكاك استثناء إنَّما هي صكاك على وجهها.
فأجاب: (يؤخذ من المدّعى عليه ألف درهم مرّة وهي التي لا شبهة فيها، ويرد اليمين في الألف الباقي على المدّعي فإن نكل فلا حقّ له).
وسأل عن طين القبر يوضع مع الميّت في قبره هل يجوز ذلك أم لا؟
فأجاب: (يوضع مع الميّت في قبره، ويخلط بخيوطه إن شاء الله).
وسأل فقال: روي لنا عن الصادق عليه السلام أنَّه كتب على أزار ابنه: (إسماعيل يشهد: أن لا إله إلاَّ الله)، فهل يجوز أن نكتب مثل ذلك بطين القبر أم غيره؟
فأجاب: (يجوز ذلك).
وسأل: هل يجوز أن يسبّح الرجل بطين القبر، وهل فيه فضل؟
فأجاب: (يسبح الرجل به فما من شيء من السبح أفضل منه، ومن فضله أنَّ الرجل ينسى التسبيح ويدير السبحة فيكتب له التسبيح).
وسأل عن السجدة على لوح من طين القبر، وهل فيه فضل؟
فأجاب: (يجوز ذلك وفيه الفضل).
وسأل عن الرجل يزور قبور الأئمّة عليهم السلام، هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ وهل يجوز لمن صلّى عند بعض قبورهم عليهم السلام أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة، ويقوم عند رأسه ورجليه؟ وهل يجوز أن يتقدَّم القبر ويصلّي ويجعل القبر خلفه أم لا؟
فأجاب: (أمَّا السجود على القبر، فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة والذي عليه العمل: أن يضع خدّه الأيمن على القبر. وأمَّا الصلاة فإنَّها خلفه، ويجعل القبر أمامه، ولا يجوز أن يصلّي بين يديه ولا عن يمينه ولا عن يساره، لأنَّ الإمام صلى الله عليه وآله وسلم لا يتقدَّم ولا يساوى).
وسأل فقال: يجوز للرجل إذا صلّى الفريضة أو النافلة وبيده السبحة أن يديرها وهو في الصلاة؟
فأجاب: (يجوز ذلك إذا خاف السهو والغلط).
وسأل: هل يجوز أن يدير السبحة بيده اليسار إذا سبَّح، أو لا يجوز؟
فأجاب: (يجوز ذلك والحمد لله ربّ العالمين).
وسأل فقال: روي عن الفقيه في بيع الوقف خبر مأثور: إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم وأعقباهم، فاجتمع أهل الوقف على بيعه وكان ذلك أصلح لهم أن يبيعوه، فهل يجوز أن يشترى من بعضهم إن لم يجتمعوا كلّهم على البيع، أم لا يجوز إلاَّ أن يجتمعوا كلّهم على ذلك؟ وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه؟
فأجاب: (إذا كان الوقف على إمام المسلمين فلا يجوز بيعه، وإن كان على قوم من المسلمين فليبع كلّ قوم ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرّقين إن شاء الله).
وسأل: هل يجوز للمحرم أن يصيّر على إبطه المرتك والتوتيا لريح العرق أم لا يجوز؟
فأجاب: (يجوز ذلك وبالله التوفيق).
وسأل عن الضرير إذا شهد في حال صحَّته على شهادة، ثمّ كفّ بصره ولا يرى خطّه فيعرفه، هل يجوز شهادته أم لا؟ وإن ذكر هذا الضرير الشهادة، هل يجوز أن يشهد على شهادته أم لا يجوز؟
فأجاب: (إذا حفظ الشهادة وحفظ الوقت، جازت شهادته).
وسأل عن الرجل يوقف ضيعة أو دابة ويشهد على نفسه باسم بعض وكلاء الوقف، ثمّ يموت هذا الوكيل أو يتغيَّر أمره ويتولّى غيره، هل يجوز أن يشهد الشاهد لهذا الذي اُقيم مقامه إذا كان أصل الوقف لرجل واحد أم لا يجوز ذلك؟
فأجاب: (لا يجوز ذلك، لأنَّ الشهادة لم تقم للوكيل وإنَّما قامت للمالك، وقد قال الله: (وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ)(١٢٦)).
وسأل عن الركعتين الأخراوين قد كثرت فيهما الروايات فبعض يروي: أنَّ قراءة الحمد وحدها أفضل، وبعض يروي: أنَّ التسبيح فيهما أفضل، فالفضل لأيّهما لنستعمله؟
فأجاب: (قد نسخت قراءة اُمّ الكتاب في هاتين الركعتين التسبيح والذي نسخ التسبيح قول العالم عليه السلام: كلّ صلاة لا قراءة فيها فهو خداج إلاَّ للعليل، أو يكثر عليه السهو فيتخوَّف بطلان الصلاة عليه).
وسأل فقال: يتَّخذ عندنا رب الجوز لوجع الحلق والبحبحة، يؤخذ الجوز الرطب من قبل أن ينعقد ويدقّ دقّاً ناعماً، ويعصر ماؤه ويصفى ويطبخ على النصف ويترك يوماً وليلة ثمّ يُنصب على النار، ويلقى على كلّ ستّة أرطال منه رطل عسل ويغلى رغوته، ويسحق من النوشادر والشب اليماني من كلّ واحد نصف مثقال ويداف بذلك الماء، ويلقي فيه درهم زعفران مسحوق، ويغلى ويؤخذ رغوته حتَّى يصير مثل العسل ثخيناً، ثمّ ينزل عن النار ويبرد ويشرب منه، فهل يجوز شربه أم لا؟
فأجاب: (إذا كان كثيره يسكر أو يغيّر، فقليله وكثيره حرام، وإن كان لا يسكر فهو حلال).
وسأل عن الرجل تعرض له الحاجة ممَّا لا يدري أن يفعلها أم لا، فيأخذ خاتمين فيكتب في أحدهما: (نعم افعل) وفي الأخر: (لا تفعل) فيستخير الله مراراً، ثمّ يرى فيهما، فيخرج أحدهما فيعمل بما يخرج، فهل يجوز ذلك أم لا؟ والعامل به والتارك له أهو مثل الاستخارة أم هو سوى ذلك؟
فأجاب: (الذي سَنَّه العالم عليه السلام في هذه الاستخارة بالرقاع والصلاة).
وسأل عن صلاة جعفر بن أبي طالب رحمه الله في أيّ أوقاتها أفضل أن تصلّى فيه، وهل فيها قنوت؟ وإن كان ففي أيّ ركعة منها؟
فأجاب: (أفضل أوقاتها صدر النهار من يوم الجمعة، ثمّ في أيّ الأيّام شئت وأيّ وقت صلَّيتها من ليل أو نهار فهو جائز، والقنوت فيها مرَّتان: في الثانية قبل الركوع، وفي الرابعة بعد الركوع).
وسأل عن الرجل ينوي إخراج شيء من ماله وأن يدفعه إلى رجل من إخوانه ثمّ يجد في أقربائه محتاجاً، أيصرف ذلك عمَّن نواه له أو إلى قرابته؟
فأجاب: (يصرفه إلى أدناهما وأقربهما من مذهبه، فإن ذهب إلى قول العالم عليه السلام: (لا يقبل الله الصدقة وذو رحم محتاج) فليقسّم بين القرابة وبين الذي نوى حتَّى يكون قد أخذ بالفضل كلّه).
وسأل فقال: اختلفت أصحابنا في مهر المرأة. فقال بعضهم: إذا دخل بها سقط المهر ولا شيء لها. وقال بعضهم: هو لازم في الدنيا والآخرة، فكيف ذلك؟ وما الذي يجب فيه؟
فأجاب: (إن كان عليه بالمهر كتاب فيه ذكر دين فهو لازم له في الدنيا والآخرة، وإن كان عليه كتاب فيه ذكر الصداق سقط إذا دخل بها، وإن لم يكن عليه كتاب، فإذا دخل بها سقط باقي الصداق).
وسأل فقال: روي لنا عن صاحب العسكر عليه السلام أنَّه سئل عن الصلاة في الخز الذي يغشّ بوبر الأرانب فوقَّع: يجوز، وروي عنه أيضاً: أنَّه لا يجوز. فأيّ الخبرين يعمل به؟
فأجاب: (إنَّما حرم في هذه الأوبار والجلود، فأمَّا الأوبار وحدها فكلّ حلال).
وقد سأل بعض العلماء عن معنى قول الصادق عليه السلام: (لا يصلّي في الثعلب ولا في الأرنب، ولا في الثوب الذي يليه).
فقال: (إنَّما عنى الجلود دون غيرها).
وسأل فقال: يتَّخذ بأصفهان ثياب عتابية على عمل الوشا من قزّ أو أبريسم هل يجوز الصلاة فيها أم لا؟
فأجاب: (لا يجوز الصلاة إلاَّ في ثوب سداه أو لحمته قطن أو كتان).
وسأل عن المسح على الرجلين وبأيّهما يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعاً معاً؟
فأجاب عليه السلام: (يمسح عليهما معاً فإن بدأ بإحداهما قبل الأخرى فلا يبتدئ إلاَّ باليمين).
وسأل عن صلاة جعفر في السفر هل يجوز أن يصلّى أم لا؟
فأجاب عليه السلام: (يجوز ذلك).
وسأل عن تسبيح فاطمة عليها السلام: من سهى فجاز التكبير أكثر من أربع وثلاثين هل يرجع إلى أربع وثلاثين أو يستأنف؟ وإذا سبَّح تمام سبعة وستّين هل يرجع إلى ستّة وستّين أو يستأنف؟ وما الذي يجب في ذلك؟
فأجاب: (إذا سها في التكبير حتَّى يجوز أربعة وثلاثين عاد إلى ثلاثة وثلاثين وبنى عليها، وإذا سها في التسبيح فتجاوز سبعاً وستّين تسبيحة عاد إلى ستّة وستّين وبنى عليها، فإذا جاوز التحميد مائة فلا شيء عليه).
[زيارة آل ياسين]:
* وعن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري أنَّه قال: خرج التوقيع من الناحية المقدَّسة حرسها الله _ بعد المسائل _:
(بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم، لا لأمْرهِ تَعْقِلُونَ، حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِي النُّذُرُ عَنْ قَوْم لا يُؤْمِنُونَ‏. السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. إذا أردتم التوجّه بنا إلى الله وإلينا، فقولوا كما قال الله تعالى:
(سَلامٌ عَلى إِلْ‏ياسِينَ)(١٢٧). السَّلامُ عَلَيْكَ يَا دَاعِيَ اللَّهِ وَرَبَّانِيَّ آيَاتِهِ. السَّلامُ عَلَيْكَ يَا بَابَ اللَّهِ وَدَيَّانَ دِينهِ. السَّلامُ عَلَيْكَ يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ وَنَاصِرَ حَقّهِ. السَّلامُ عَلَيْكَ يَا حُجَّةَ اللَّهِ وَدَلِيلَ إِرَادَتِهِ. السَّلامُ عَلَيْكَ يَا تَالِيَ كِتَابِ اللَّهِ وَتَرْجُمَانَهُ. السَّلامُ عَلَيْكَ فِي آنَاءِ لَيْلِكَ وَأطْرَافِ نَهَارِكَ. السَّلامُ عَلَيْكَ يَا بَقِيَّةَ اللَّهِ فِي أرْضِهِ. السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مِيثَاقَ اللَّهِ الَّذِي أخَذَهُ وَوَكَّدَهُ. السَّلامُ عَلَيْكَ يَا وَعْدَ اللَّهِ الَّذِي ضَمِنَهُ.
السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا الْعَلَمُ الْمَنْصُوبُ، وَالْعِلْمُ الْمَصْبُوبُ، وَالْغَوْثُ وَالرَّحْمَةُ الْوَاسِعَةُ وَعْداً غَيْرَ مَكْذُوبٍ. السَّلامُ عَلَيْكَ حِينَ تَقْعُدُ، السَّلامُ عَلَيْكَ حِينَ تَقُومُ. السَّلامُ عَلَيْكَ حِينَ تَقْرَأ وَتُبَيَّنُ. السَّلامُ عَلَيْكَ حِينَ تُصَلّي وَتَقْنُتُ. السَّلامُ عَلَيْكَ حِينَ تَرْكَعُ وَتَسْجُدُ.
السَّلامُ عَلَيْكَ حِينَ تُكَبَّرُ وَتُهَلّلُ. السَّلامُ عَلَيْكَ حِينَ تَحْمَدُ وَتَسْتَغْفِرُ. السَّلامُ عَلَيْكَ حِينَ تُمْسِي وَتُصْبِحُ. السَّلامُ عَلَيْكَ فِي اللَّيْل إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى. السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا الإمَامُ الْمَأمُونُ. السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا الْمُقَدَّمُ الْمَأمُولُ. السَّلامُ عَلَيْكَ بِجَوَامِع السَّلام.
أشْهِدُكَ يَا مَوْلايَ أنّي أشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ لا حَبِيبَ إِلاَّ هُوَ وَأهْلُهُ، وَأشْهِدُ أنَّ أمِيرَ الْمُؤْمِنينَ حُجَّتُهُ، وَالْحَسَنَ حُجَّتُهُ، وَالْحُسَيْنَ حُجَّتُهُ، وَعَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْن حُجَّتُهُ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيّ حُجَّتُهُ، وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ حُجَّتُهُ، وَمُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ حُجَّتُهُ، وَعَلِيَّ بْنَ مُوسَى حُجَّتُهُ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيّ حُجَّتُهُ، وَعَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ حُجَّتُهُ، وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيّ حُجَّتُهُ، وَأشْهَدُ أنَّكَ حُجَّةُ اللَّهِ.
أنْتُمْ الأوَّلُ وَالآخِرُ، وَأنَّ رَجْعَتَكُمْ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهَا يَوْمَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أو كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً، وَأنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ، وَأنَّ نَاكِراً وَنَكِيراً حَقٌّ، وَأشْهَدُ أنَّ النَّشْرَ وَالْبَعْثَ حَقٌّ، وَأنَّ الصّرَاطَ وَالْمِرْصَادَ حَقٌّ، وَالْمِيزَانَ وَالْحِسَابَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ حَقٌّ، وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ بِهِمَا حَقٌّ.
يَا مَوْلايَ شَقِيَ مَنْ خَالَفَكُمْ وَسَعِدَ مَنْ أطَاعَكُمْ. فَاشْهَدْ عَلَى مَا أشْهَدْتُكَ عَلَيْهِ، وَأنَا وَلِيٌّ لَكَ بَريءٌ مِنْ عَدُوَّكَ، فَالْحَقُّ مَا رَضِيتُمُوهُ، وَالْبَاطِلُ مَا أسْخَطْتُمُوهُ، وَالْمَعْرُوفُ مَا أمَرْتُمْ بِهِ. وَالْمُنْكَرُ مَا نَهَيْتُمْ عَنْهُ، فَنَفْسِي مُؤْمِنَةٌ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَبرَسُولِهِ، وَبأمِير الْمُؤْمِنينَ، وبأئِمَةِ الْمُؤْمِنينَ وَبكُمْ يَا مَوْلايَ. أوَّلِكُمْ وَآخِركُمْ، وَنُصْرَتِي مُعَدَّةٌ لَكُمْ، فَمَوَدَّتِي خَالِصَةٌ لَكُمْ آمِينَ آمِينَ.
الدعاء عقيب هذا القول:
بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم، اللَّهُمَّ إِنّي أسْألُكَ أنْ تُصَلّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيّ رَحْمَتِكَ، وَكَلِمَةِ نُورِكَ، وَأنْ تَمْلَأ قَلْبِي نُورَ الْيَقِين، وَصَدْرِي نُورَ الإيمَانِ، وَفِكْري نُورَ الثَباتِ، وَعَزْمِي نُورَ الْعِلْم، وَقُوَّتِي نُورَ الْعَمَل، وَلِسَانِي نُورَ الصّدْقِ، وَدِينِي نُورَ الْبَصَائِر مِنْ عِنْدِكَ، وَبَصَري نُورَ الضّيَاءِ، وَسَمْعِي نُورَ الْحِكْمَةِ، وَمَوَدَّتِي نُورَ الْمُوَالاةِ لِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، حَتَّى ألْقَاكَ وَقَدْ وَفَيْتُ بِعَهْدِكَ وَمِيثَاقِكَ، فلتسعني رَحْمَتَكَ يَا وَلِيُّ يَا حَمِيدُ.
اللَّهُمَّ صَلّ عَلَى حُجَّتِكَ فِي أرْضِكَ، وَخَلِيفَتِكَ فِي بِلادِكَ، وَالدَّاعِي إِلَى سَبِيلِكَ، وَالْقَائِم بِقِسْطِكَ، وَالثَّائِر بِأمْركَ، وَلِيّ الْمُؤْمِنينَ، وَبَوَارِ الْكَافِرينَ، وَمُجَلّي الظُّلْمَةِ، وَمُنِير الْحَقّ، والساطع بِالْحِكْمَةِ وَالصّدْقِ، وَكَلِمَتِكَ التَّامَّةِ فِي أرْضِكَ، الْمُرْتَقِبِ الْخَائِفِ وَالْوَلِيّ النَّاصِح، سَفِينَةِ النَّجَاةِ، وَعَلَم الْهُدَى، وَنُورِ أبْصَارِ الْوَرَى، وَخَيْر مَنْ تَقَمَّصَ وَارْتَدَى، وَمُجَلّي الْعَمَى، الَّذِي يَمْلأ الأرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَجَوْراً، إِنَّكَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
اللَّهُمَّ صَلّ عَلَى وَلِيّكَ وَابْن أوْلِيَائِكَ الَّذِينَ فَرَضْتَ طَاعَتَهُمْ وَأوْجَبْتَ حَقَّهُمْ وَأذْهَبْتَ عَنْهُمُ الرّجْسَ وَطَهَّرْتَهُمْ تَطْهِيراً. اللَّهُمَّ انْصُرْهُ وَانْتَصِرْ بِهِ أوْلِيَاءَكَ وَأوْلِيَاءَهُ، وَشِيعَتَهُ وَأنْصَارَهُ وَاجْعَلْنَا مِنْهُمُ.
اللَّهُمَّ أعِذْهُ مِنْ كُلّ بَاغ وَطَاغ، وَمِنْ شَرّ جَمِيع خَلْقِكَ. وَاحْفَظْهُ مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَاحْرُسْهُ، وَامْنَعْهُ، مِنْ أنْ يُوصَلَ إِلَيْهِ بِسُوءٍ وَاحْفَظْ فِيهِ رَسُولَكَ وَآلَ رَسُولِكَ، وَأظْهِرْ بِهِ الْعَدْلَ وَأيّدْهُ بِالنَّصْر، وَانْصُرْ نَاصِريهِ وَاخْذُلْ خَاذِلِيهِ، وَاقْصِمْ بِهِ جَبَابِرَةَ الْكَفَرة، وَاقْتُلْ بِهِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَجَمِيعَ الْمُلْحِدِينَ، حَيْثُ كَانُوا فِي مَشَارِقِ الأرْض وَمَغَارِبِهَا، بَرّهَا وَبَحْرهَا، وَامْلأ بِهِ الأرْضَ عَدْلاً، وَأظْهِرْ بِهِ دِينَ نَبِيّكَ، وَاجْعَلْنِي اللَّهُمَّ مِنْ أنْصَارِهِ وَأعْوَانِهِ، وَأتْبَاعِهِ وَشِيعَتِهِ، وَأرِنِي فِي آلِ مُحَمَّدٍ مَا يَأمُلُونَ، وَفِي عَدُوّهِمْ مَا يَحْذَرُونَ إِلَهَ الْحَقّ آمِينَ، يَا ذَا الْجَلالِ وَالإكْرَام، يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ).
[توقيعاته صلوات الله عليه إلى الشيخ المفيد قدس سره]:
* ذكر كتاب ورد من الناحية المقدَّسة _ حرسها الله ورعاها _ في أيّام بقيت من صفر، سنة عشر وأربعمائة على الشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه، ذكر موصله أنَّه يحمله من ناحية متَّصلة بالحجاز، نسخته:
(للأخ السديد، والوليّ الرشيد، الشيخ المفيد، أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان أدام الله اعزازه، من مستودع العهد المأخوذ على العباد.
بسم الله الرحمن الرحيم
أمَّا بعد: سلام عليك أيّها الوليّ المخلص في الدين، المخصوص فينا باليقين فإنّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلاَّ هو، ونسأله الصلاة على سيّدنا ومولانا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين، ونعلمك _ أدام الله توفيقك لنصرة الحقّ، وأجزل مثوبتك على نطقك عنّا بالصدق _: أنَّه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة، وتكليفك ما تؤدّيه عنّا إلى موالينا قبلك، أعزَّهم الله بطاعته، وكفاهم المهمّ برعايته لهم وحراسته، فقف أيَّدك الله بعونه على أعدائه المارقين من دينه على ما أذكره، واعمل في تأديته إلى من تسكن إليه بما نرسمه إن شاء الله. نحن وإن كنّا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أراناه الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنّا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذلّ الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنَّهم لا يعلمون. إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللاواء(١٢٨) أو اصطلمكم الأعداء(١٢٩) فاتَّقوا الله جل جلاله وظاهرونا على انتياشكم(١٣٠) من فتنة قد أنافت عليكم(١٣١) يهلك فيها من حم أجله(١٣٢) ويحمى عنها من أدرك أمله، وهي أمارة لأزوف حركتنا(١٣٣) ومباثتكم بأمرنا ونهينا، والله متمّ نوره ولو كره المشركون. اعتصموا بالتقيّة! من شبّ نار الجاهلية، يحششها(١٣٤) عصب أمويّة، يهول بها فرقة مهدية، أنا زعيم بنجاة من لم يرم فيها المواطن، وسلك في الطعن منها السبل المرضيّة، إذا حلَّ جمادى الأولى من سنتكم هذه فاعتبروا بما يحدث فيه، واستيقظوا من رقدتكم لما يكون في الذي يليه. ستظهر لكم من السماء آية جليّة، ومن الأرض مثلها بالسوية، ويحدث في أرض المشرق ما يحزن ويقلق، ويغلب من بعد على العراق طوائف عن الإسلام مراق، تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق، ثمّ تنفرج الغمّة من بعد ببوار طاغوت من الأشرار، ثمّ يستر بهلاكه المتَّقون الأخيار، ويتَّفق لمريدي الحجّ من الآفاق ما يؤملونه منه على توفير عليه منهم واتّفاق، ولنا في تيسير حجّهم على الاختيار منهم والوفاق شأن يظهر على نظام واتساق. فليعمل كلّ امرء منكم بما يقرب به من محبّتنا، ويتجنَّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإنَّ أمرنا بغتة فجاءة حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة. والله يلهمكم الرشد، ويلطف لكم في التوفيق برحمته.
نسخة التوقيع باليد العليا على صاحبها السلام:
هذا كتابنا إليك أيّها الأخ الوليّ، والمخلص في ودّنا الصفي، والناصر لنا الوفي، حرسك الله بعينه التي لا تنام، فاحتفظ به! ولا تظهر على خطّنا الذي سطرناه بما له ضمناه أحداً! وأدّ ما فيه إلى من تسكن إليه، وأوص جماعتهم بالعمل عليه إن شاء الله، وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين).
* ورد عليه كتاب آخر من قبله صلوات الله عليه، يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة، سنة اثنى عشر وأربعمائة. نسخته:
(بسم الله الرحمن الرحيم، سلام الله عليك أيّها الناصر للحقّ، الداعي إليه بكلمة الصدق، فإنّا نحمد الله إليك الذي لا إله إلاَّ هو، إلهنا وإله آبائنا الأوّلين، ونسأله الصلاة على سيّدنا ومولانا محمّد خاتم النبيّين، وعلى أهل بيته الطاهرين. وبعد: فقد كنّا نظرنا مناجاتك عصمك الله بالسبب الذي وهبه الله لك من أوليائه، وحرسك به من كيد أعدائه، وشفعنا ذلك الآن من مستقر لنا ينصب في شمراخ، من بهماء صرنا إليه آنفاً من غماليل ألجأنا إليه السباريت من الإيمان، ويوشك أن يكون هبوطنا إلى صحصح من غير بعد من الدهر ولا تطاول من الزمان ويأتيك نبأ منّا بما يتجدَّد لنا من حال، فتعرف بذلك ما نعتمده من الزلفة إلينا بالأعمال، والله موفقك لذلك برحمته، فلتكن حرسك الله بعينه التي لا تنام أن تقابل لذلك فتنة(١٣٥) تسبل(١٣٦) نفوس قوم حرثت باطلاً لاسترهاب المبطلين، يبتهج لذمارها المؤمنون، ويحزن لذلك المجرمون، وآية حركتنا من هذه اللوثة حادثة بالجرم المعظم من رجس منافق مذمم، مستحلّ للدم المحرَّم، يعمد بكيده أهل الإيمان ولا يبلغ بذلك غرضه من الظلم والعدوان، لأنَّنا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء، فلتطمئن بذلك من أوليائنا القلوب، وليثقوا بالكفاية منه، وإن راعتهم بهم الخطوب، والعاقبة بجميل صنع الله سبحانه تكون حميدة لهم ما اجتنبوا المنهي عنه من الذنوب.
ونحن نعهد إليك أيّها الوليّ المخلص المجاهد فينا الظالمين أيَّدك الله بنصره الذي أيَّد به السلف من أوليائنا الصالحين، إنَّه من اتّقى ربَّه من إخوانك في الدين وأخرج ممَّا عليه إلى مستحقّيه، كان آمناً من الفتنة المبطلة، ومحنها المظلمة المظلّة ومن بخل منهم بما أعاده الله من نعمته على من أمره بصلته، فإنَّه يكون خاسراً بذلك لأولاه وآخرته، ولو أنَّ أشياعاً وفَّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخَّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجَّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقّ المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلاَّ ما يتَّصل بنا ممَّا نكرهه ولا نؤثره منهم، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيّدنا البشير النذير محمّد وآله الطاهرين وسلَّم. وكتب في غرة شوال من سنة اثني عشر وأربعمائة. نسخة التوقيع باليد العليا صلوات الله على صاحبها: هذا كتابنا إليك أيَّها الولي الملهم للحقّ العلي، بإملائنا وخطّ ثقتنا، فاخفه عن كلّ أحد، واطوه واجعل له نسخة يطَّلع عليها من تسكن إلى أمانته من أوليائنا شملهم الله ببركتنا إن شاء الله.
الحمد لله والصلاة على سيّدنا محمّد النبيّ وآله الطاهرين).

* * *
تنبيه الخواطر ونزهة النّواظر المعروف بمجموعة ورّام

تأليف: الأمير الزاهد أبي الحسين ورّام بن أبي فراس المالكي الأشتري المتوفى سنة ٦٠٥ هـ

* حدَّثني السيّد الأجل الشريف أبو الحسن علي بن إبراهيم العريضي العلوي الحسيني، قال: حدَّثني علي بن نما، قال: حدَّثني أبو الحسن بن علي بن حمزة الأقساني في دار الشريف علي بن جعفر بن علي المدايني العلوي، قال: كان بالكوفة شيخ قصّار، وكان موسوماً بالزهد منخرطاً في سلك السياحة، متبتّلاً للعبادة، مقتفياً للآثار الصالحة، فاتَّفق يوماً أنَّني كنت بمجلس والدي، وكان هذا الشيخ يحدّثه وهو مقبل عليه، قال: كنت ذات ليلة بمسجد جعفي، وهو مسجد قديم، وقد انتصف الليل، وأنا بمفردي فيه للخلوة والعبادة، فإذا أقبل عليَّ ثلاثة أشخاص، فدخلوا المسجد فلمَّا توسَّطوا صرحته(١٣٧) جلس أحدهم ثمّ مسح الأرض بيده يمنة ويسرة فحصحص(١٣٨) الماء ونبع، فأسبغ الوضوء منه، ثمّ أشار إلى الشخصين الآخرين بإسباغ الوضوء فتوضّئا، ثمّ تقدَّم فصلّى بهما إماماً، فصلَّيت معهم مؤتمّاً به، فلمَّا سلَّم وقضى صلاته بهرني حاله(١٣٩) واستعظمت فعله من إنباع الماء، فسألت الشخص الذي كان منهما إلى يميني: من الرجل؟
فقال لي: هذا صاحب الأمر ولد الحسن عليه السلام.
فدنوت منه وقبَّلت يديه وقلت له: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما تقول في الشريف عمر بن حمزة هل هو على الحقّ؟
فقال: (لا، وربَّما اهتدى، إلاَّ أنَّه ما يموت حتَّى يراني).
فاستطرفنا هذا الحديث فمضت برهة طويلة فتوفّى الشريف عمر ولم يشع أنَّه لقيه، فلمَّا اجتمعت بالشيخ الزاهد ابن نادية(١٤٠) أذكرته بالحكاية التي كان ذكرها، وقلت له مثل الرادّ عليه: أليس كنت ذكرت أنَّ هذا الشريف عمر لا يموت حتَّى يرى صاحب الأمر الذي أشرت إليه؟!
فقال لي: ومن أين لك أنَّه لم يرَه؟
ثمّ إنَّني اجتمعت فيما بعد بالشريف أبي المناقب ولد الشريف عمر بن حمزة وتفاوضنا في أحاديث والده فقال: إنّا كنّا ذات ليلة في آخر الليل عند والدي، وهو في مرضه الذي مات فيه، وقد سقطت قوَّته بواحدة وخفت موته والأبواب مغلقة علينا، إذ دخل علينا شخص هبناه واستطرفنا دخوله وذهلنا عن سؤاله، فجلس إلى جنب والدي وجعل يحدّثه مليّاً ووالدي يبكي، ثمّ نهض فلمَّا غاب عن أعيننا تحامل والدي وقال: أجلسوني.
فأجلسناه وفتح عينيه، وقال: أين الشخص الذي كان عندي؟
فقلنا: خرج من حيث أتى.
فقال: اطلبوه.
فذهبنا في أثره فوجدنا الأبواب مغلقة ولم نجد له أثراً، فعدنا إليه فأخبرناه بحاله وإنّا لم نجده، ثمّ إنّا سألناه عنه فقال: هذا صاحب الأمر.
ثمّ عاد إلى ثقله في المرض وأغمي عليه(١٤١).

* * *
المنقذ من التقليد

تأليف: سديد الدين محمود الحمصي الرازي المتوفى أوائل القرن السابع
تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

الكلام في الغيبة:
إن قال قائل: إن كان الأمر على ما ذكرتموه، فأين إمام زمانكم هذا؟ ولِمَ لا يظهر ولا يتصرَّف تصرّف الأئمّة؟ وما الوجه في حسن غيبته واستتاره؟
قلنا: الكلام في غيبة إمام عصرنا هذا وسببها ووجه حسنها ظاهر إذا صحَّت الاُصول التي قدَّمناها، فأمَّا من دون صحّتها فهو غير واضح، بل هو مستحيل، وذلك لأنّا إذا علمنا إمامته، لعلمنا بأنَّ الزمان لا يخلو من إمام، وأنَّ الإمام لا بدَّ من أن يكون مقطوعاً على عصمته من كبائر الذنوب وصغائرها، وأنَّ الحقّ لا يخرج من الاُمّة، ووجدنا أنَّ الاُمّة بين قائل يقول بجواز خلوّ الزمان من إمام مبطل في مقاله للدلالة الدالّة على...(١٤٢)، وقائل يقول بإمامة من ليس بمقطوع على عصمته من الصغائر والكبائر...(١٤٣) الدالّ على عصمة الإمام من جميع المعاصي قطعاً، وقائل يقول بإمامة من ثبت...(١٤٤) هذه الفرقة قد انقرضت، لكنَّها وإن لم تنقرض وكانت موجودة، فإنَّ قولها يبطل بما علمنا...(١٤٥)، من ادَّعت حياته كموت آبائهم وأولادهم.
وقائل يقول بإمامة صاحبنا عليه السلام، فيتعيَّن صحَّة وجوده وإمامته، وإلاَّ أدّى إلى أنَّ الحقّ خارج عن الاُمّة، إذ لا قول للاُمّة في هذه المسألة غير ما ذكرناه، وذلك باطل بالاتّفاق، ثمّ وجدناه غائباً عن الناس، علمنا أنَّه لم يغب مع عصمته وتعيّن فرض القيام بالإمامة فيه إلاَّ لسبب أباح له ذلك وإن لم نعلم ذلك السبب مفصَّلاً، كما نقول في خلق الموذيات من الهوام والسباع، وإيلام الأطفال والبالغين والبهائم بالأمراض والأوجاع النازلة بهم من جهته تعالى، لأنّا نقول لمن اشتبه عليه وجه الحكمة في جميع ذلك: إذا ثبت أنَّ هذه الأمور من جهته تعالى، وأنَّه عز وجل عدل حكيم لا يفعل القبيح، علمنا وتحقَّقنا أنَّ لكلّ شيء من هذه الأشياء وجه حكمة وحسن في الجملة، وإن لم يتعيَّن ذلك الوجه لنا، وكفانا هذا العلم الجملي في حلّ هذه المشكل والمشتبه، وكما نقول في الآيات المتشابهات التي تقتضي ظواهرها الجبر والتشبيه، فأنّا بمثل هذا الجواب ندفع المتمسّك بها بأن نقول له: إذا ثبت أنَّ هذه الآيات كلامه ووحيه، وأنَّه تعالى لا يكذب ولا يقول إلاَّ الحقّ بوجه من الوجوه علمنا أنَّ لهذه الآيات تأويلات صحيحة مطابقة للحقّ، ودليله، وإن لم نعلم ذلك المراد والتأويل بعينه مفصَّلاً، ويكفينا علم الجملة في ذلك، كذلك القول في الغيبة سواء، فإن تشاغلنا بإيراد العلّة المعيَّنة في غيبته واستتاره في الوجه المخرج له إلى الاستتار، والغيبة مفصَّلاً كان ذلك تبرّعاً منّا، كما كنّا متبرّعين بإيراد الوجوه المفصّلة في نظائره ممَّا ذكرناه، ومهما قال المنازع: لا نسلّم لكم إمامته، كان الكلام معه في إمامته لا في غيبته، إذ الكلام في غيبته وسببها فرع على ثبوت إمامته، ولا يمكن التوصّل إلى إفساد الأصل باشتباه الأمر في الفرع، كما لا يمكن ذلك في نظائره التي أشرنا إليه...(١٤٦) في الآيات المتشابهة.
إن قال قائل: لِمَ لا يكون الخصم مخيّراً بين أن يتكلَّم...(١٤٧) وجوده وإمامته(١٤٨) في زماننا هذا، ليعرف أنَّها صحيحة أو فاسدة؟ وبين أن يتكلَّم...(١٤٩) اتَّضح أن لا سبب(١٥٠) لها انكشف له بطلان إمامته.
قلنا: ليس للشاكّ في إمامته أن يتكلَّم في سبب غيبته، كما أنَّه ليس للشاكّ في حكمة الله تعالى وأنَّه لا يفعل القبيح أن يتكلَّم في سبب إيلام الأطفال وخلق الموذيات، من حيث إنَّ الكلام في الفرع لا يصحّ إلاَّ بعد إحكام أصله.
ثمّ بعد هذا فإنّا نذكر ما ذكره أصحابنا من الوجوه المختلفة في سبب غيبته عليه السلام على التفصيل، استظهاراً في الحجّة.
فمن تلك الوجوه إضافة الظالمين له، ومنعهم إيّاه من التصرّف فيما جُعل إليه التصرّف فيه، وخوفه على نفسه من التصرّف في ذلك، كما أشرنا إليه فيما سبق، فإذا حالوا بينه وبين مراده لم يلزمه القيام بالإمامة، ومتى خاف على نفسه لزمه الاستتار والغيبة كاستتار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تارة في الشعب وتارة في الغار، إذ من المعلوم أنَّه لا وجه لذلك إلاَّ الخوف على النفس.
إن قال قائل: لعلَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إنَّما استتر بعد أداء ما يجب عليه أدائه إلى الخلق وما بقي إليه حاجة، والإمام عندكم بخلافه، لأنَّ الحاجة إليه وإلى سياسته قائمة في كلّ زمان، وبعد فإنَّ استتار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يمتدّ ولم يطل فيه الزمان، وغيبه الإمام عليه السلام مضى عليها الأعصار والدهور.
قلنا: استتار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب والغار كان بمكّة قبل الهجرة ولم يكن صلى الله عليه وآله وسلم قد أدّى جميع الشرع إلى الخلق في ذلك الزمان، ثمّ ولو ثبت ما قالوه من تكامل الأداء لكانت الحاجة إلى تدبيره وسياسته قائمة، فنقول: إذا جازت غيبة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع الحاجة إليه، واللوم يكون متوجّهاً إلى من سبَّبها، فكذلك القول في غيبة الإمام عليه السلام، أمَّا التفرقة بالطول والقصر بين الغيبتين فغير صحيحة، من حيث إنَّ الغيبة موقوفة على سببها، فإذا استمرَّ سببها استمرَّت الغيبة فطالت، وإن لم يستمرّ سببها وقصر لم يستمرّ وقصرت.
فإن قيل: لو كان الخوف هو المحوج له إلى الغيبة والاستتار لاستتر آباؤه عليهم السلام مثل ذلك، فإنَّهم كانوا أيضاً خائفين كخوفه، على مذهبكم.
قلنا: أباؤه عليهم السلام ما كانوا خائفين مع تمسّكهم بالتقيّة وترك التظاهر بالإمامة ونفيها عن نفوسهم، وحال صاحب الزمان بخلاف ذلك، لأنَّه يظهر بالسيف ويدعو إلى نفسه، ويجاهد ويحارب بأمر الله تعالى من خوَّفه وخوَّف آبائه عليهم السلام.
فإن قيل: هلاَّ ظهر كظهور آبائه لا بالسيف...(١٥١) ويدّعي الإمامة؟ بل بأن يلزم بيته والتقيّة، فينتفع الخلق به بعض الانتفاع بأن يفيدهم...(١٥٢) كصنيع الصادق عليه السلام والباقر عليه السلام وغيرهما من أسلافه عليهم السلام؟
قلنا: لو ظهر كذلك وعُرف أنَّه ابن العسكري، مع ما قد اشتهر فيما بين شيعته وعرفه المخالفون من مذهب شيعته أنَّه الذي يزيل الظلم ويقهر الملوك ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً على ما تواترت به الأخبار، لقصده أعداؤه وقتلوه وعاملوه بما عاملوا به جدّه الحسين عليه السلام وبني عمّه من أولاد الحسين والحسن عليهما السلام أليس فرعون لما قيل له وبلغه أنَّه سيظهر في بني إسرائيل رجل يغلبك ويقهرك ويكون هلاكك وزوال ملكك على يده اجتهد في البحث عن حاله ونصب عيوناً ووكَّل جماعة لتعرف أحوال الحبالى، فكان يذبح أبنائهم(١٥٣) ويستحيي نسائهم على ما نطق به القرآن في قوله تعالى: (يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ)(١٥٤) فكيف يحمل خوفه على خوف آبائه عليهم السلام لولا الغفلة أو قلّة الإنصاف.
فإن قيل: كيف حال حدود الزناة والمحاربين والسرّاق وغيرهم من الجناة في حال الغيبة، أهي ساقطة عن هؤلاء الجناة أم ليست ساقطة عنهم، بل استحقاقها ثابت؟ إن قلتم بالأوّل فذلك نسخ الشرع، وإن قلتم بالثاني فمن يقيمها؟
قلنا: هي باقية في جنبة مستحقّيها غير ساقطة، فمهما ظهر الإمام وهم باقون أقامها عليهم عند قيام البيّنة أو حصول الإقرار من جهتهم على ما هو مشروع، وإن لم يكونوا باقين وفاتت إقامة الحدود عليهم بموتهم، فاللائمة في فواتها على من أخاف الإمام وأحوجه إلى الاستتار(١٥٥)، وليس في هذا نسخ إقامة الحدود، لأنَّ إقامتها إنَّما تجب مع التمكّن وزوال المنع، ثمّ نقول للمخالف: ما حكم الحدود التي تستحقّ في الأحوال التي لا يتمكَّن فيها أهل الحلّ والعقد من نصب إمام واختياره؟ ونلزمه مثل ما ألزمناه، فأيّ شيء قاله في التفصّي والجواب فهو جوابنا.
فإن قيل: ما الطريق إلى معرفة أحكام الشرع في حال غيبة الإمام؟ إن قلتم: لا طريق إليها، كان ذلك حكماً منكم بأنَّ الناس في حيرة وضلالة، وأنَّ أحكام الشرع مهملة معطَّلة في أحوال الغيبة، إذ لا طريق إلى...(١٥٦) الكتاب السُنّة والإجماع كان في ذلك التصريح بالاستغناء عن الإمام...(١٥٧) ذلك مبطل(١٥٨) قولكم: إنَّ أحكام الشرع تؤخذ وتتلقّى منه، وأنَّه حافظ للشرع.
قلنا:...(١٥٩) الشرع منصوص الكتاب المبيّنة والمجملة، مع بيان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة من ولده، والنصوص المروية عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعن الأئمّة من بعده قولاً أو فعلاً، وقد بيَّنوا ذلك وأوضحوه، ولم يتركوا شيئاً لا دليل عليه، كلّ ذلك مستند إلى تنصيص الله تعالى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ووصوله منه إلى الأئمّة القائمين مقامه بعده، والإجماع الذي هو مشتمل على قول المعصوم في الجملة من غير احتياج إلى العلم بتعيينه أي بالعلم بكون الإجماع حجّة غير محتاج إلى العلم بعين المعصوم، بل إذا علم أنَّ فيما بين المجمعين معصوماً على الجملة كفى ذلك في العلم بكون الإجماع حجّة، فعلى هذا لا يلزم كون الناس في الحيرة والضلالة في حال الغيبة، ولا يلزم أيضاً الاستغناء عن الإمام في معرفة أحكام الشرع؛ لأنَّ أحد الطرق إليها الإجماع، وقد بيَّنا أنَّ وجه كونه حجّة دخول قول الإمام فيما بين أقوال المجمعين وما نعرف منها من غير هذا الطريق، فإنّا إنَّما نثق بوصول جميع ذلك إلينا بكون الإمام المعصوم من وراء الناقلين، فما دام النقل واصلاً والعلّة مزاحة بنقل المتواترين، فإنَّه يجوز له الاستتار، ومتى وقع فيه خلل أو انقطع النقل بالكلّية وجب عليه الظهور وإظهار ما عنده فيه.
وذكر الشيخ السعيد أبو جعفر في التمهيد أنَّ سيّدنا المرتضى (قدَّس الله روحيهما) كان يذكر كثيراً أنَّه لا يمتنع أن يكون هاهنا أمور كثيرة غير واصلة إلينا علمها مودع عند الإمام وإن كتمها الناقلون، ولا يلزم مع هذا سقوط التكليف عن الخلق، لأنَّه إذا كان سبب الغيبة خوفه ممَّن أخافه فمن أحوجه إلى الاستتار أتى من قبل نفسه في فوت ما يفوته من الشرع، كما أنَّ ما يفوته من اللطف بتصرّف الإمام أتى فيه من قبل نفسه(١٦٠).
قال الشيخ: واعترضنا على هذا في كتاب العدّة في أصول الفقه، وقلنا: هذا الجواب صحيح، لولا ما نستدلُّ في أكثر الأحكام على صحَّته بإجماع الفرقة، فمتى جوَّزنا أن يكون قول الإمام خلافاً لقولهم ولا يجب ظهوره، جاز لقائل أن يقول: ما أنكرتم أنَّ قوله الإمام خارج عن قول من يتظاهر بالقول بالإمامة ومع هذا لا يجب عليه الظهور لأنَّهم أتوا من قبل نفوسهم، فلا يمكن الاحتجاج بإجماعهم أصلاً(١٦١).
قلت: وعلى ما يتراءى لي لا يقدح ما ذكره الشيخ فيما جوَّزه علم الهدى رضي الله عنهما؛ وذلك لأنّا إنَّما نستدلُّ على صحَّة الحكم بإجماع الفرقة في الموضع الذي نعلم إجماع جميع علماء الفرقة المحقّة من غير استثناء واحد منهم قطعاً...(١٦٢) خروج واحد منهم أو أكثر فإنّا نعرفه بعينه، وأنَّه ليس هو الإمام حتَّى لو علمنا...(١٦٣) غير معيَّن لم يكن عالمين بإجماعهم الذي هو حجّة ولا يُتعرض للاستدلال بإجماعهم في المسألة...(١٦٤) استدلالنا بإجماع الطائفة على صحَّة الحكم في الصورة التي ذكرناه وعلى الوجه الذي بيَّناه بإجماع جميع علماء الطائفة كيف يجوز أن يكون قول الإمام الذي هو أجلّ علمائهم مخالفاً لأقوالهم؟ أليس هذا التجويز يبطل ذلك العلم؟ ويقتضي أنَّ العلم الذي وصفناه لم يكن علماً بل كان جهلاً؟
اللّهم إلاَّ أن يقول: مرادي بقولي: لا يمكننا الاحتجاج بإجماعهم، أنَّه لا يمكننا أن نعلم إجماعهم حتَّى يحتجّ به، ولئن قال ذلك، فالجواب عنه أنَّ تجويزنا لكون قوله عليه السلام مخالفاً لقولهم في حكم بعض المسائل، لا يمنع من علمنا بموافقة قوله لأقوالهم فيما يوافقهم فيه، ألا ترى أنَّ علمنا زائداً على التجويز بأنَّ الشافعي يخالف أبا حنيفة في التسمية في الصلاة وفي إفراد الإقامة وفي نكاح المرأة البالغة الرشيدة بغير وليّ، لا يمنعنا من علمنا بموافقتهما فيما اتَّفقا فيه من المسائل كوقوع التطليقات الثلاث دفعة واحدة ووقوع الطلاق المعلَّق بشرط عند حصول شرطه وتحليل الفقاع وغيرها ممَّا اتّفقا عليه كذلك في مسألتنا تجويزنا لكون قول الإمام عليه السلام مخالفاً لقول باقي الطائفة في حكم بعض المسائل لا يمنعنا من العلم بموافقة قوله لأقوالهم فيما يوافقهم فيه، فيمكننا أن نعلم إجماع الطائفة التي يشتمل أقوالهم على قول الإمام، إذ التجويز المشار إليه لا يمنع من هذا العلم على ما بيَّناه، وإذا انكشف أنَّ حصول هذا العلم غير ممتنع وأنَّ التجويز الذي ذكره رحمه الله لا يمنع منه، ففي الموضع الذي لا يحصل لم يُحتجّ بإجماعهم، فظهر أنَّ الذي ذكره السيّد غير مقدوح فيه، بما أورده الشيخ قدَّس الله روحه.
ولكنَّه يمكن أن يقال للسيّد رضي الله عنه: تجويز كون بعض أحكام الشرع مودعاً عند الإمام بحيث لا يطَّلع عليه غيره على ما ذكرت يتَّجه عليه كون من فاته اللطف بمعرفة ذلك الحكم الشرعي والعمل به معذوراً في فوات لطفه ذلك وأن يسقط التكليف في ذلك الحكم عنه، لأنَّه وإن جنى بما أحوج الإمام إلى الاستتار وأتى من قبل نفسه في فوات انتفاعه به...(١٦٥) ذلك الحكم، ولا جناية له في فوات ذلك الطريق، وهو نقل الناقلين...(١٦٦) ذلك الحكم أو غفلتهم وتوانيهم عن نقله، فهب أنَّه أفسد وسدَّ على...(١٦٧) معرفة ذلك الحكم، فإنَّ الواجب في حكمة المكلّف الحكيم واللائق برأفة الرؤوف الرحيم...(١٦٨) من الطريق الآخر(١٦٩)، بأن يقوّي دواعي الناقلين إلى نقل ذلك الحكم، ليكون قد ألزمه الحجّة أو يسقط عنه التكليف فيه، فعلى هذا إنَّما لا يجب تقوية دواعي الناقلين وحلّهم بالطريق الموافق للحكمة على النقل في حال يتمكَّن الإمام من إظهار ما عنده من الحقّ، فأمَّا في الحال التي لا يتمكَّن الإمام فيها من ذلك، فإنَّه يجب تقوية دواعي الناقلين وحملهم على النقل بالطريق الذي ذكرناه، وعلى هذا التقرير لا يمكن تجويز ما جوَّزه رضي الله عنه.
فإن قيل: هب أنَّ سبب استتار الإمام وغيبته عن الأعداء خوفهم منهم، فما سبب غيبته واستتاره عن أوليائه المعتقدين لوجوده وإمامته وفرض طاعته؟
قلنا: قد قيل في ذلك وجوه:
منها: أنَّ السبب هو خوفه من إشاعة خبره سروراً بمكانه، فيؤدّي ذك إلى انتشار خبره والخوف من أعدائه.
ولكن هذا الوجه ضعيف؛ لأنَّ هذا وإن كان جائزاً على بعضهم، فلا يجوز على جميعهم، إذ فيهم من المحصّلين وأصحاب الآراء الصائبة من لا يخفى عليهم ضرر الإشاعة، فكيف يخبرون بمكانه؟
وذكر الشيخ رفع الله درجته في تضعيف هذا الجواب وجهاً آخر، وهو قوله: على أنَّه يلزم عليه أن يكون شيعته عدموا الانتفاع به على وجه لا يمكنهم تلافيه لأنَّه إذا كانت العلّة في ذلك ما علم من حالهم، فليس في مقدورهم إزالة ذلك، وهذا غير مستقيم، لأنَّ الصحيح الذي يذهب إليه أنَّ خلاف المعلوم مقدور فكيف يصحّ أن يقول: إذا كانت العلّة في ذلك ما علم من حاله فليس في مقدورهم إزالة ذلك(١٧٠)؟
ومنها: أنَّ سبب استتاره عن الأولياء راجع إلى الأعداء، وهم الذين خوَّفوا شيعته الإنتفاع به.
وهذا الوجه أيضاً ليس بصحيح؛ لأنَّه لو كان ذلك للزم سقوط التكليف الذي الإمام لطف فيه عنهم؛ لأنَّه إذا استتر عن الشيعة لعلّة لا ترجع إليهم، ولا يتمكَّنون من إزالتها ورفعها، لم يكونوا مزاحي العلّة فيجب سقوط التكليف الذي وصفناه عنهم، وبعد فإنَّ الخوف من الأعداء إنَّما يمنع من الظهور الكلّي ولا يمنع من ظهوره على وجه الاختصاص لشيعته المعتقدين لإمامته وفرض طاعته، وليس لأحد أن يقول: الظهور على هذا الوجه لا فائدة فيه...(١٧١) لأنَّه يلزم عليه عدم انتفاع الشيعة بالأئمّة الذين كانوا بعد أمير المؤمنين عليه السلام إلى...(١٧٢) كانوا يتصرّفون تصرّف الأئمّة.
ومنها: إن قيل: أوّلاً نحن لا نقطع على أنَّه عليه السلام لا يظهر...(١٧٣) وإنَّما يعلم كلّ واحد منهم حال نفسه دون غيره، ولكن من لا يظهر له منهم فإنَّ سبب عدم ظهوره عليه السلام راجع إليه، ولا يلزمنا معرفة ذلك السبب بعينه في حقّ الغير، بل يكفينا أن نعلم أنَّ مع بقاء التكليف واستمرار غيبته عنه لا بدَّ من أن يكون ذلك بسبب راجع إليه دون غيره، وإن لم نعلم مفصَّلاً على ما يقوله بعض المخالفين الذين نظروا في الأدلّة الصحيحة فلم يحصل لهم العلم أنَّه لا بدَّ من أن يكونوا أخلّوا بشرط من شروط النظر وإن لم يعلم ذلك مفصَّلاً، وإذا كان كذلك ففي وسعهم إزالة السبب الراجع إليهم، فيجب أن يزيلوه ليظهر لهم.
فإن قيل: إذا لم يتعيَّن ذلك السبب فكيف يزيله؟ وكيف يكون مكلّفاً بإزالة شيء معيَّن وهو لا يعرفه بعينه؟ وهل هذا إلاَّ كتكليف ما لا يُطاق؟ إذ التكليف مع فقد العلم بما كلّف يكون جارياً مجرى التكليف مع فقد القدرة في القبح.
قلنا: إنَّما لا يتعيَّن لغيره، فأمَّا ذلك الإنسان الذي لم يظهر له فإنَّما يجب أن يعلمه بعينه فيزيله، أو يعلم انحصار ما يتصوّر أن يكون سبباً في أشياء معيَّنة، فيجتهد في إزالة جميع ذلك ورفعها ومثل هذا السؤال يتوجَّه علينا كلّنا إذا قلنا في المخالفين الذين نظروا في الأدلّة الصحيحة فلم يحصل لهم العلم أنَّهم أخلّوا بشرط من شروط النظر، بأن يقال: فما ذلك الشرط؟ عيّنوه حتَّى يتدراكه المخالف ويتلافاه ويزيل الخلاف الذي وقع منه في الأوّل، وإلاَّ كان يكلّفه إزالة الخلل الواقع منه تكليفاً لما لا يعلمه وجارياً مجرى تكليفه مع فقد القدرة، ولا جواب عنه إلاَّ مثل ما ذكرناه بأن يقول: ذلك الخلل إنَّما لا يتعيَّن لنا، فأمَّا هم فإنَّه يجب أن يعلموه إمَّا معيّناً، أو أن يعلموا انحصار شروط النظر في اُمور معيَّنة مفصَّلة، فيلزمهم معاودة النظر مع مراعاة تلك الشروط والتحرّز من الخلل في شيء منها ليحصل لهم العلم، وهذا الوجه الثاني الذي هو العلم بانحصار الشروط هاهنا والأسباب هناك في اُمور معيَّنة قد يستوي فيها المخلّ وغيره وأقوى ما قيل في ذلك أنَّ الإمام إذا ظهر لا يعلم شخصه، وأنَّه لا إمام ضرورة، وإنَّما يُعلم بضرب من الاستدلال...(١٧٤) فالمعلوم من حال من لم يظهر له أنَّه لا ينعم النظر في المعجز، ولا يحصل له العلم(١٧٥) كلّ ذلك ممَّا يشيع خبره فيؤدّي إلى ما مضى.
فإن قيل: فهذا الوليّ لا يعلم ما قصّر...(١٧٦) من النظر فيستدركه.
قلنا: قد ذكرنا الجواب عن هذا السؤال قبيل هذا، ونزيد هاهنا:...(١٧٧) والوليّ إذا علم أنَّ الإمام لا يظهر، وعلم أنَّه لا بدَّ أن يكون سبب استتاره عنه أمراً راجعاً إليه لا إلى غيره، فلا بدَّ من أن يعلم أنَّ ذلك لتقصير وقع منه، فيلزمه معاودة النظر فيما يوجب الإلتباس، ويجتهد غاية الاجتهاد في تحصيل المعرفة بالفرق بين الممكن والمعجز حتَّى لا يشتبه عليه شيء من ذلك كما قلناه فيمن أخلَّ بشرط النظر الموجب للعمل، وأنَّ عليه معاودة النظر ومراعاة سائر شروط النظر له.
فإن قيل: لو كان الأمر على ما قلتم لما علم شيئاً من المعجزات، وفي ذلك الحكم بأنَّه لا يعرف النبوّة وصدق الرسول، وفي ذلك خروجه عن الإسلام.
قلنا: لا يلزم ذلك من حيث إنَّه غير ممتنع دخول الشبهة في نوع من المعجزات دون نوع، فلا يجب إذا دخلت الشبهة في بعضها أن تدخل في جميعها، فعلى هذا لم يمتنع أنَّه لم يدخل عليه شبهة في المعجز الدالّ على النبوّة، فحصل لهم العلم بالنبوّة، وما يظهر على يد الإمام يكون أمراً يجوز دخول شبهة عليه في كونه معجزاً، وفي إمامة من ظهر على يده وإن كان عالماً بالنبوّة.
فإن قيل: فيجب في حكمته تعالى أن يظهر على يد الإمام المعجز من النوع الذي أظهره على النبيّ حتَّى لا يدخل عليه فيه شبهة.
قلنا: إظهار المعجزات ونصب الأدلّة بحسب اقتراح المقترحين غير واجب، وإنَّما الواجب إظهار ما يكون معجزاً، ونصب ما يكون دليلاً في الجملة، وهذا متَّفق عليه بيننا وبين خصومنا، وعلى هذا لم يجب الله تعالى المقترحين على الرسول بقولهم: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأَْرْضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَْنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً)(١٧٨) إلى ما التمسوه واقترحوه.
يبيّن ما ذكرناه أنَّ في تحصيل العلم المطلوب بالنظر في الدليل الذي يدخله شبهة، معجزاً كان أو غيره، زيادة مشقّة، فتكون في مقابلتها زيادة ثواب، ثمّ ولعلَّ في إظهار ذلك النوع من المعجز مفسدة لغير ذلك الوليّ، فلا يجب بل لا يجوز إظهاره.
وجميع ما ذكرناه في الجواب عن هذا السؤال ممَّا يذهب إليه محقّقوا مخالفينا من المعتزلة ويقرّون به.
فإن قيل: يلزم على هذا أن يكون كلّ وليّ لم يظهر له الإمام مقيماً على كبيرة لمكان هذا التقصير، فيؤدّي إلى إلحاقه بالعدوّ...(١٧٩) كون ذلك التقصير كبيرة وإلحاق الوليّ المقصّر بالعدوّ، وذلك لأنَّه في الحال ما...(١٨٠) على نفسه، وإنَّما هو مقصّر في تحصيل بعض العلوم تقصيراً صار سبباً في أن من علم من...(١٨١) إلى الشكّ في عين الإمام مستقبلاً، وذلك غير حاصل في الحال، فلا يلزم أن يكون بمنزلة ما يؤدّي...(١٨٢) غير أنَّه خطأ على كلّ حال، وإن لم يكن كفراً ولا كبيرةً ولا العدوّ بخلاف ذلك، لأنَّه يعتقد في الحال نفيه وإمامته، وذلك من أكبر الكبائر، وكان بذلك مفاوقاً للوليّ، يوضح ما ذكرناه أنَّ أحداً لو اعتقد في القادر بقدرة أنَّه يصحّ منه الاختراع كان هذا الاعتقاد جهلاً خطأ قبيحاً، ولكنَّه لا يكون كفراً، وإن علم تبارك وتعالى أنَّه لو ظهر نبيّ يدعوه إلى التصديق به، وجعل معجزة اختراعاً يظهر على يديه، فإنَّ ذلك المعتقد لا بدَّ من أن لا يصدّقه ولا يؤمن به مع اعتقاده المتقدّم، ويمكن أن يقدم على قتله وذلك يكون كفراً، ومع هذا لا يلزم أن يكون في الحال كافراً، لأنَّ ما هو كفر لم يقع منه في الحال، وإن كان ما هو كالسبب له من الاعتقاد الفاسد حاصلاً.
فإن قيل: ما تقولونه من أنَّ سبب استتاره عن الوليّ تقصير الوليّ فيما ذكرتموه، حتَّى علم تعالى من حاله أنَّه إذا ظهر الإمام وأظهر معجزاً يشكّ في ذلك المعجز وفي كونه إماماً، والشكّ في ذلك كفر لا يستقيم ولا يستمرّ على أصلكم، وما تذهبون إليه من المنع من الارتداد وأنَّ من عرف الله بصفاته وعرف توحيده بالتمام وعدله والنبوّة والإمامة لا يجوز أن يكفر، وأنَّه لا بدَّ أن يوافي بالإيمان.
قلنا: الشكّ في المعجز الذي يظهر على يد الإمام لا يقدح في علمه بأنَّ الإمام إنَّما هو ابن الحسن العسكري عليه السلام على الجملة، وإنَّما تأثيره في أنَّ من علمه على الجملة هل هو هذا الشخص أم لا والشكّ في ذلك ليس كفراً، ألا ترى أنَّه يشكّ في أنَّه هل هو الإمام أو ليس هو الإمام فيطلب ظهور المعجز عليه؟ ولا يكون شكّه بذلك كفراً، وإنَّما الذي يقدح في إيمانه الشكّ فيما علمه على الجملة أنَّ الإمام إنَّما هو ابن الحسن العسكري عليه السلام، وذلك ممَّا لا يجوز وقوعه منه.
واعلم أنَّا إنَّما نحتاج إلى إيراد هذه الوجوه في سبب استتاره عن الوليّ إذا سلَّمنا أنَّ انتفاع الوليّ بلطف الإمامة يفوته بغيبة الإمام واستتاره عنه، فأمَّا إذا لم نسلّم ذلك وقلنا: إنَّ الوليّ منتفع بلطف الإمامة في حال غيبة الإمام كانتفاعه به في حال ظهوره فلا يلزمنا إيراد شيء من هذه الوجوه...(١٨٣) بلطف الإمامة(١٨٤) في حال غيبته، حاصل كحصوله في حال ظهوره قول صحيح قويّ...(١٨٥) إنَّما هم الذين(١٨٦) علموا بالدليل وجوده وإمامته وفرض طاعته، وأنَّه لا بدَّ له من خروج...(١٨٧) ولا يتعيَّن(١٨٨) لهم ذلك الوقت؛ لأنَّ كلّ ما نقل وروي في أشراط ظهوره وعلامات ظهوره منقول عن [التواتر](١٨٩) والآحاد، ولا يكون معهم شكّ وريب في ذلك، ومن كذلك لا بدَّ من أن يكون خائفاً عند اقترافه معصية عرفه عليها من أن يطَّلع عليها الإمام، إمَّا بمشاهدة أو بإقامة بيّنة عنده، فيقيم عليه ما يستحقّه من التأديب والحدّ، ويكون خوفه من ذلك بأحد وجهين: إمَّا بالظهور العام لجميع الخلق على ما هو موعود في حقّه عليه السلام، وإمَّا بظهوره خاصّة لإقامة حدّ الله عليه، إذ لو ظهر له خاصّة، لما أمكنه مقاومته والامتناع ممَّا يريده من إقامة الحدّ عليه، ولا يستجيز أيضاً مخالفته وأن لا ينقاد له، وإن فرضنا قدرته على ذلك، إذ لو استجاز ذلك لخرج عن الولاية إلى العداوة، ولما كان وليّاً بل عدوّاً، فتحقَّق بما بيَّناه أنَّ الوليّ لا يفوته الانتفاع بلطف الإمامة في حال غيبة الإمام، بل لو قيل: إنَّ خوفه من تصرّف الإمام في حال غيبته يكون آكد منه في حال ظهوره لكان قويّاً ظاهراً لكلّ أحد، وإذا كان كذلك فمن يكون منزله ومقامه بعيداً من ذلك الموضع لا يكون خوفه منه ومن تصرّفه كخوف من يكون في جواره وبالقرب منه، وليس كذلك إذا كان غائباً مستتراً، لأنَّ كلّ أحد من أوليائه يجوز أن يكون هو عليه السلام في أقرب الأماكن إلى مقامه ومنزله، فيكون خوفه آكد وأقوى من هذا الوجه، ولا يعترض على ما قلناه من أنَّ خوف أوليائه من تصرّفه حاصل في حال غيبته، كحصوله في حال ظهوره ما نراه في بعض المدّعين لولايته، من إقدامهم على المعاصي، واقترافهم السيّئات، مع ظهور أمارات عدم الخوف منه فيهم، لأنَّه إن تحقَّق أنَّهم لا يخافون من تصرّفه جملة، كشف ذلك من أنَّهم لا يعتقدون ما ذكرناه من وجوده وغمامته وفرض طاعته، بل ولا يجوّزون ذلك، إذ لو كان معهم شكّ في ذلك وتجويز له لكانوا خائفين بعض الخوف، فعدم خوفهم جملة يدلُّ على أنَّهم يعتقدون نفي إمامته وفرض طاعته، فهم أعداؤه لا أولياؤه، وإنَّما ينافقون بإظهار ولايته ما هذا إلاَّ كما إذا علمنا من حال أحد أنَّه لا يخاف من العقاب جملة، في أنَّ ذلك يكشف عن أنَّه لا يقرّ بالعقاب ولا يعتقده.
فإن قيل: كيف يتصوّر إطّلاع الإمام على ما يفعله هذا الوليّ في حال غيبته حتَّى يخاف الوليّ من ذلك الإطّلاع؟
قلنا: كما يتصوّر في حال ظهوره...(١٩٠) عليه، إمَّا بأن يشهده فاعلاً للمعصية، أو بإقراره على نفسه بها، أو بإقامة البيّنة عليه...(١٩١) وكلّ ذلك ممكن في حال الغيبة.
واعلم: أنَّ الخصوم يرومون القدح في وجود صاحب الزمان بإظهار التعجّب في ذلك من وجوه:
منها: خفاء ولادته على الخلق، حتَّى أهل أبي محمّد الحسن بن علي...(١٩٢) وبني عمّه وأوليائهم وأعدائهم في وقته إلى هذه الغاية، حتَّى(١٩٣) يوافق الإماميّة غيرهم في هذه الدعوى، هذا على إنكار جعفر بن علي، أخي أبي محمّد الحسن، على دعوى الإماميّة، أنَّ لأخيه أبي محمّد ولداً وحوزه(١٩٤) ميراثه ورفعه خبر المدّعين لذلك السلطان، حتَّى حثَّه وبعثه على حبس جواريه واستبراء حالهنَّ في الحمل، فلم يظهر لواحدة منهنَّ حمل(١٩٥)، ويؤكّدون ذلك بأنَّ أبا محمّد الحسن بن علي عليهما السلام أوصى في وقوفه وصدقاته وإمضائها على شروطها إلى والدته المكنّاة باُمّ الحسن، ولم يذكر في وصيّته تلك ولداً له موجوداً ولا منتظراً.
ومنها: استتاره من جميع الناس حتَّى لا يعرف أحد مكانه ومستقرّه، ولا يأتي عنه مخبر ولا يعرف أثر، ولا يدّعي عدل من الناس لقائه، ويزعمون أنَّ هذا خارج عن المعهود، وإذا لم تجر العادة لأحد من الناس بذلك فإنَّ كلّ من اتّفق له الاستتار عن ظالم أو عدوّ، لخوف منه على نفسه أو لغير ذلك من الأغراض، لا يخفى على جميع الخلق مكانه في مدّة استتاره، بل لا بدَّ من أن يعلم ذلك بعض أقربائه وأصدقائه، إمَّا برؤيتهم له أو بما يأتي إليهم من الخبر عنه.
ومنها: طول عمره وبقائه، فإنَّ ما يقوله الإماميّة في ذلك خارج عن المعهود والمعتاد، ثمّ طول استتاره فإنَّه أيضاً غير معهود، إذ كلّ من لم يستتر عن ظالم أو عدوّ له يقصر مدّة استتاره ولا تطول ولا تبلغ عشرين سنة فضلاً عمَّا زاد عليها.
والجواب: أنَّ التوصّل إلى إبطال المذاهب بالتعجّب عنها رأس مال من لا حجّة معه، لأنَّ ما دلَّ عليه الدلالة القاطعة لا يبطل بأن يتعجَّب منه، ألا ترى أنَّ ما علمناه من ثبوت صانع حكيم عليم حليم، غير جسم ولا عرض، ولا شبيه شيء، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا ممازج به ولا مباين عنه، بالأدلّة القاطعة لا يبطل بتعجّب المجسّم والمشبّه منه، وقوله: كيف يتصوَّر وجود شيء لا يكون داخل العالم ولا خارجه ولا ممتزجاً ولا مبايناً عنه؟ وعلى هذا قيل: الدليل يعمل العجائب هذا لو كان...(١٩٦) العجيبة التي لم يكن لها نظير ولم يوجد مثلها، كيف والأمر بخلاف ذلك؟...(١٩٧) فعجيب، إذ ليس هو مخالفاً لحكم العادات، بل قد اتّفق مثل ذلك في الأنبياء وفي الملوك...(١٩٨) لأسباب تقتضيه:
وأمَّا في الأنبياء فولادة إبراهيم الخليل عليه السلام، فإنَّها إن كانت مخفيّة عن أهل زمانه إلى حين ترعرعه وبلوغه، يدلُّ عليه قوله تعالى: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي...)(١٩٩) الآيات، لأنَّ هذا الكلام، كلام من لم يكن رأى قبل ذلك ما رآه في تلك الحالة، وولادة موسى بن عمران عليه السلام، على ما نطق به القرآن من إخفاء اُمّه ولادته، حتَّى ألقته في اليمّ.
وأمَّا في الملوك فولادة كيخسرو بن سياوخش بن كيقاوس ملك الفرس، وما كان من ستر اُمّه حبلاً وإخفاء ولادتها لكيخسرو، واُمّه هذه كانت بنت أفراسياب ملك الترك، فخفي أمره مع الحدّ الذي كان من جدّه كيقاوس الملك الأعظم في البحث عن أمره والطلب له، فلم يظفر به مدّة طويلة، وإخفاء ولادته وسبب إخفائه معروف عند علماء الفرس ومؤرّخيهم، وأورده محمّد بن جرير الطبري في تأريخه(٢٠٠).
وأمَّا في السوقة فنظيره يكثر.
[أسباب كتمان الولادة]:
والأسباب التي تقتضي كتمان الحبل والولادة كثير:
فمنها: أن يستسرّ الرجل من زوجته بشري جارية فتحمل منه، فيكتم ذلك كلّ من يخاف منه أن يذكره، ويخفيه عمَّن لا يأمن عليه من إذاعة الخبرية، لئلاَّ يؤدّي ذلك إلى وقوع وحشة بينه وبين زوجته وإثارة ضرر يعسر دفعه، فتلد الجارية وينشأ الولد ولا علم لأحد من أهل الرجل وأقربائه وأصدقائه بذلك، ويمضي على ذلك زمان طويل إلى أن يزول خوفه من الإخبار عنه، فيذكر ولده ويعرف حاله أقربائه وأصدقائه، وربَّما يستمرّ ذلك الإخفاء إلى حضور وفاته فيقرّ به حينئذٍ، تحرّزاً من تضييع نسبه ورغبةً في وصوله إلى مستحقّه من ميراثه.
ومنها: خوف الرجل على ولده من بني عمّه وأقربائه بأن يهلكوه طمعاً منهم في ميراثه، إذا لم يكن له ولد، فيخفي ولادته ووجوده إلى أن يزول خوفه، ويتمكَّن من إظهاره على أمان منه عليه.
ومنها: رغبة الإنسان في مناكحة من لا يختار مناكحة من له ولد، فيخفي ولادته ووجوده إلى أن يزول خوفه، ويظهر أنَّه لم يتعرَّض لنكاح قبله وأنَّه لا ولد له، وقد شوهد من فعل ذلك، وهذا في النساء أظهر منه في الرجال، ومن الملوك من يولد له ولد، فلا يعلمه أحد حتَّى ينشأ ويقرب من البلوغ، فيراه ويعلمه عند ذلك على الصورة التي تعجبه، وقد ذكر أهل السير والآثار ذلك عن جماعة من ملوك الفرس والهند والروم والخلفاء وسطروا أخبارهم في ذلك...(٢٠١) لضرب من التدبير وخليفته وامتحان جنوده بذلك في طاعته، أن كانوا...(٢٠٢) الأجنبيّ مع وجود ولده، ثمّ بعد ذلك يظهر أمر الولد إمَّا بأن يُرضي الجند بصرف...(٢٠٣)، وإمَّا بعزل المستخلف عن المقام على وجه ينتظم به أمر الملك ويتمّ معه تدبيره...(٢٠٤) وتعداده، فليس خفاء الولادة بالعجب الذي لا يعثر له على نظير.
ثمّ وليس الأمر في خفاء ولادته ما تزعمه الخصوم ولا ينتهي إلى الغاية التي تدّعيها من أنَّه لا يمكن تثبيتها وتصحيح انتسابه إلى الحسن بن علي عليهما السلام بولده المهدي عليه السلام، وأنَّه أعلمهم وجوده ونصَّ لهم على إمامته من بعده، وبمشاهدة بعضهم له طفلاً(٢٠٥)، وبعضهم له يافعاً وشابّاً كاملاً، وقد نقلوا جميع ذلك إلى شيعته من بعد أبيه، وكذا نقلوا ما كان يخرج من ناحيته من الأوامر والنواهي، والأجوبة عن المسائل، وتسليم الشيعة الحقوق إليه وإلى خواصّه، وقد أثبت أسامي جماعة من ثقات الحسن بن علي بن محمّد عليهم السلام، المعروفين بخدمته، وذكر ما رووه منه في وجود ولده، وسماعهم منه النصّ بالإمامة عليه، ومشاهدتهم له عليه السلام، وذلك يوجد في كتب سلف أصحابنا الإماميّة، خاصّة ما ذكره الشيخ السعيد المفيد قدَّس الله روحه في كتابه الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد(٢٠٦)، وكتابه المعروف بالإفصاح في الإمامة(٢٠٧) والغيبة(٢٠٨)، فمن أراد ذلك، فليطلبه من كتابيه المشار إليهما(٢٠٩).
فأمَّا إنكار جعفر بن علي أخي الحسن على الإماميّة في دعواها أنَّ لأخيه الحسن ولداً، وحوزه ميراثه، ورفعه لخبر المدّعين لذلك إلى السلطان، وحمله على حبس جواريه واستبراء حالهنَّ في الحمل...(٢١٠) شبهة، فضلاً عن الحجّة، لاتّفاق الاُمّة على أنَّ جعفراً لم يكن له...(٢١١) حقّ ودعوى باطل كان من جملة الرعيّة التي يجوز عليها الخطأ...(٢١٢) الغلط ويتوقَّع تعمد الباطل والضلال منها، وقد قصَّ الله في القرآن(٢١٣) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام من ظلم أخيهم يوسف عليه السلام، وإلقائهم إيّاه في الجب، وسعيهم في دمه بذلك، ثمّ بيعهم له بثمن بخس ونقضهم عهد أبيهم يعقوب بحفظه، ونبذهم عهده في حراسته، وتعمّدهم عقوقه وإدخال الهمّ على قلبه بما صنعوه بأحبّ ولده إليه، وتمويههم في دعواهم على الذئب أنَّه أكله بما جاؤوا به على قميصه من الدم الكذب، هذا، وهم أسباط النبيّين، وأقرب الناس نسباً بعد أبيهم إلى خليل الله إبراهيم عليه السلام، فكيف يتعجَّب من وقوع مثل ذلك ممَّن هو دونهم في الدين والدنيا؟
ولا يتصوَّر أن يقول قائل: أيّ غرض كان له في ذلك؟ وأيّ داع دعاه إلى إنكار ولد لأخيه؟ وذلك لأنَّ أغراضه فيما فعله من ذلك أظهر من الشمس، من حوزه ميراثه مع كثرته، ودعوى مقامه الذي جلَّ قدره عند كافّة الناس وخاصّة عند شيعته، وصرف وجوه الشيعة إلى نفسه ونيله ما كان يصل إلى أخيه من خمس الغنائم وكالة الأموال لإيصالها إلى مستحقّيها.
وما تعلَّق من تعلَّق بما روي من إنكار جعفر من وجود ولد لأخيه الحسن أو معاملته التي عملها في جحد وجود صاحب الزمان عليه السلام، مع قيام الدليل بالاعتبار العقلي، وظهور الحجّة السمعيّة على وجوده وإمامته إلاَّ كتعلّق بعض البُله من الكفّار في جحد نبوّة نبيّنا عليه السلام وإبطالها بإنكار عمّه أبي لهب وإنكار أكثر ذوي نسبه من بني هاشم وبني اُميّة صدقه في دعواه النبوّة واجتماعهم على عداوته وتجريدهم السيوف في حربه واجتهادهم في استئصاله وأتباعه، هذا مع الاضطرار بالمشاهدة إلى وجوده وظهور الأعلام الباهرة على نبوّته عليه السلام، وضيق الطريق في معرفة ولادة الحجّة المهدي عليه السلام في البعد عن التحقيق، ومن تمسَّك في إنكار شيء ونفيه أو إثباته أو صحَّته أو فساده بمثل المتعلّق بما جرى لجعفر بن علي في إنكار وجود خلف وولد لأخيه، وما كان من أبي لهب وشركائه في جحد نبوّة النبيّ عليه السلام فإنَّه لقليل البضاعة.
وأمَّا ما ذُكر من استبراء جواري الحسن بن علي عليهما السلام...(٢١٤) ولد في حياة أبيه، على ما تواترت به رواة الشيعة، وإذا كان كذلك...(٢١٥) استبراء الجواري بعد وفاة سيّدهنَّ لولا العناد والعصبية فأمَّا ما يولد...(٢١٦) من وصيّة أبي محمّد الحسن بن علي إلى اُمّه المكنّاة باُمّ الحسن رضي الله عنها في وقوفه وصدقاته...(٢١٧) الأمر في جميع ذلك إليها دون غيرها فضعيف وباطل أيضاً، وذلك لأنَّ غرضه عليه السلام...(٢١٨) ممَّا لا ينبغي أن يخفى على ذي لبّ متأمّل منصف، من حيث إنَّه كان فيما فعله إتمام مقصوده من ولادة ولده الحجّة عليه السلام، وستر حاله عن سلطان الوقت ومتملّك الأمر في زمانه، ومن يجري مجراه ويسلك سبيله في إراقة دم من يخالف تلك الدولة ويدّعي فيه أنَّه المستحقّ للأمر دونهم، ولو ذكر في وصيّته ولداً له وأسندها إليه لنقض بذلك غرضه، ولأبطل شفقته على ولده، ونظره في حقّه وتدبيره أمره، خاصّة مع اضطراره عليه السلام إلى إشهاد خواصّ دولة السلطان على نفسه في تلك الوصيّة وإثبات حظوظهم فيها، وثبوت وصيّته عند قاضي الوقت حراسةً لوقوفه وحفظاً لصدقاته، وكان عليه السلام جامعاً بين غرضين فيما فعله: حفظ الوقوف والصدقات، وإخفاء أمر الولد، ولعلَّه كان معظم غرضه هذا الأخير، إذ كفّ بهذا التدبير اللطيف أعدائه وصدّهم عن الاجتهاد والجدّ في طلب ولده عليه السلام، وقد صنع الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام ما يقرب من هذه على ما نظاهر به الخبر مراعاة لجانب خَلَفه وولده القائم مقامه بعده موسى بن جعفر عليهما السلام وحراسته لمهجته، فعدل عن إفراده بالوصيّة عند وفاته، وجعلها إلى خمسة نفر، أوّلهم المنصور قدَّمه على جماعتهم، إذ كان سلطان الوقت، ثمّ صاحبه الربيع، ثمّ متولّي القضاء في وقته، ثمّ اُمّ ولده حميدة البربرية، وختمهم بذكر ابنه موسى بن جعفر ليحرس بذلك نفسه، ولم يذكر غيره من أولاده لعلمه بأنَّ فيهم من يدّعي مقامه من بعده فيلتمس بإدخاله في وصيّته، ولو لم يكن موسى عليه السلام معلوم الوجود مشهور المكان، بل كان اتّفق له من خفاء الولادة مثل ما اتّفق لصاحب الزمان عليه السلام، لما ذُكر في وصيّته أصلاً، ولاقتصر على ذكر غيره.
فإن قيل: في دعواكم غيبة إمامكم وبين غيركم من الفرق المنتسبين...(٢١٩) حياة من سلف من أئمّتكم وذويهم وبقائهم وغيبتهم كالسبأيّة القائلين بأنَّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يُقتل وأنَّه حيّ، والكيسانية القائلين بحياة محمّد بن الحنفيّة في جبال رضوى، والناووسية المدّعين لحياة الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، فإنَّه...(٢٢٠) هو حيّ إلى أن خرج بالسيف، والممطورة من الواقفيّة الذين يدّعون حياة موسى بن جعفر عليهما السلام وغيبته وأنَّه هو الإمام المنتظر، والإسماعيلية الذين يذهبون إلى حياة إسماعيل، وإذا كانت هذه المذاهب والأقاويل باطلة عندكم، وقولكم ومذهبكم في الغيبة نظير هذه المذاهب والأقوال وجب أن يكون باطلاً، بل قول هؤلاء أقرب إلى النفوس من قولكم، لأنَّ هؤلاء إنَّما يدّعون حياة أشخاص ولدوا ووجدوا وعُلم وجودهم ضرورة ولم يشكّ أحد في وجودهم، فيدّعون بقائهم وغيبتهم، وأنتم تدّعون غيبة شخص لم يرَ ولم يطّلع أحد على ولادته وجوده، فقولكم أبعد.
قلنا: الفرق بيننا وبين من ذُكر في السؤال من المنتمين إلى الشيعة أظهر من الشمس إذا تأمَّل الإنسان بعين الإنصاف، وذلك لأنَّ كلّ فرقة من أولئك الفِرَق يدّعون ما عوين وعلم خلافه ضرورة في وقته، ونحن من كان بعد ذلك الوقت، فإنَّه أيضاً يعلم خلاف ما يدّعونه بالتواتر، إمَّا ضرورة إن كان العلم بمخبر الأخبار عن الوقائع والبلدان ضرورياً، وإمَّا علماً لا يتخالجه شكّ وريب، إن لم يكن العلم بمخبر الإخبار المشار إليها ضرورياً، ألا ترى أنَّ السبأيّة يزعمون أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يقتل، وكلّ من كان في ذلك الوقت في المسجد بالقرب منه عاين وشاهد ضربة اللعين ابن ملجم إيّاه وعلم قتله له ضرورة، ومن بعد عنهم، وكذا من جاء بعد ذلك العصر، فإنَّه علمه بنقل المتواترين إليهم، كما علموا موت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وغير السبأيّة من الفِرَق المذكورة يدّعون حياة قوم علم كلّ من حضرهم عند وفاتهم موتهم بالضرورة، إذ الموت ممَّا يمكن ويتصوَّر أن يعلم ضرورة عند ظهور علاماته، من لم يحضرهم عند وفاتهم فإنَّه علم موتهم بنقل المتواترين إليهم، كما علموا موت آبائهم وأسلافهم، وموت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كذلك، ثمّ وقول الكيسانية يبطل من وجه آخر، وهو إدعائهم إمامة من لم يكن مقطوعاً على عصمته بالاتّفاق، وليس كذلك ما نقوله، لأنَّ خلاف...(٢٢١) بالتواتر لأنَّا نقول بوجود صاحب الزمان وولادته، وخلاف ذلك هو...(٢٢٢) ممَّا لا يُشاهد ولا يُعاين ولا يُعلم ضرورة، بلى ثبوت الولادة ممَّا يشاهد، فأمَّا نفيها فليس بمشاهد، فأين قولنا من أقوال هؤلاء...(٢٢٣).
فأمَّا ما اُورد في آخر السؤال من أنَّكم تدّعون ولادة شخص لم يطّلع على ولادته...(٢٢٤) ما سبق من السبب في خفاء ولادته، وبيَّنا أنَّ ذلك غير منكر، بل هو ممَّا يمكن أن يكون...(٢٢٥) الإمكان قد ثبت وتحقَّق في الأنبياء والملوك والعامّة أيضاً، وأشرنا إلى ما يبطل قول من قال: إنَّه لم يرَه أحد بأن ذكرنا أنَّ جماعة من ثقاة أبيه شاهدوه طفلاً وشابّاً كاملاً، وأنَّه كان يخرج من ناحيته التوقيعات وجوابات المسائل إلى مدّة من الزمان، وأنَّه كان له سفراء معروفون بينه وبين شيعته، وفي الجملة نحن ما أنكرنا غيبة من ادّعى هؤلاء الفِرَق المبطلة حياته وغيبته بتطاول الزمان فيها، فيحتجّ به علينا في استمرار غيبة صاحبنا وطول زمانها، وإنَّما أنكرناها لأنَّا علمنا قطعاً ويقيناً قتل من قُتل منهم، وموت من مات من جملتهم بالطريق الذي أشرنا إليه وبشهادة الأئمّة المعصومين القائمين مقام من ادّعى بقائه وحياته، الذين ثبتت إمامتهم بمثل الحجج التي بها تثبت إمامة من تقدَّمهم بموت الماضين منهم، ولأنَّه لم يثبت إمامة من يدّعي الكيسانية إمامته ولا إمامة صاحبي الإسماعيلية.
وأمَّا تعجّبهم من استتاره عن جميع الناس حتَّى لا يعرف أحد مكانه ومستقرّه ولا يأتى عنه خبر، ولا يعرف له أثر، فالكلام عليه أنَّ الأمر في ذلك ليس على ما يظنّه المخالفون، فإنَّ أصحابنا الإماميّة بأجمعهم يدفعون هذا القول ويقولون: إنَّ جماعة من أصحاب أبيه أبي محمّد الحسن بن علي عليهما السلام قد شاهدوه في حياة أبيه، وكانوا أصحابه وخاصّته بعد وفاته والسفراء بينه وبين شيعته مدّة طويلة، وكانوا ينقلون عنه إليهم معالم الدين وأجوبته عن مسائلهم ويقبضون عنهم حقوقهم، وهم جماعة معروفون بأسمائهم وأنسابهم وأعيانهم، كأبي عمرو عثمان بن سعيد السمّان، وأخيه أبي جعفر محمّد بن سعيد وبني مهزيار بالأهواز(٢٢٦)، وبني الزكوزكي بالكوفة، وبني نوبخت ببغداد، وجماعة من أهل قزوين وقم وغيرهما من الجبال المشهورون بذلك عند أصحابنا...(٢٢٧) صيروا بأنَّه ظاهرة(٢٢٨) وأصحاب فهم ورواية، وكان السلطان يعظّم...(٢٢٩) واستشهاد عدالتهم، وهذا يبطل دعوى الخصوم وفاق الإماميّة...(٢٣٠) عنه ولد، ولا عرف له مكان، ولا أخبر بلقائه أحد، وأمَّا بعد انقراض...(٢٣١) أخبار متناصرة بأنَّه لا بدَّ للقائم المنتظر من غيبتين، إحداهما أطول من الاُخرى، يعرف(٢٣٢) [خبره في غيبته ال] قُصرى الخاصّ دون العامّ، وفي الطولى لا يعرف خبره العامّ والخاصّ. ولا يعلمون له منزلاً إلاَّ من يتولّى خدمته من ثقات أوليائه ولم ينقطع عنه الأخبار بذلك موجودة في كتب الشيعة قبل مولد أبي محمّد وجدّه وأبيه عليهم السلام، فظهر صدق رواة تلك الأخبار عند مضيّ السفراء الذين سمّيناهم بالغيبة الطولى، وصار ذلك من الدلالات الواضحة في صحَّة ما ذهبت الإمامية إليه.
[عدم استحالة طول العمر]:
وأمَّا تعجّبهم من طول بقائه وعمره، ثمّ من طول استتاره، فالكلام عليه أن نقول: التعجّب من طول العمر إمَّا أن يكون من حيث اعتقاد المتعجّب أنَّ ذلك مستحيل، وهو غير مقدور، وإمَّا أن يكون من حيث كونه خارقاً للعادة.
أمَّا الأوّل: فهو قول الدهرية والطبائعيّين الذين لا يقرّون بالصانع المختار العالم، ويكذّبون بما جاء في القرآن من قوله تعالى في نوح: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً)(٢٣٣)، وفي أصحاب الكهف: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً)(٢٣٤) وبما هو مشهور بين الاُمّة من قصَّة المعمّرين من الأنبياء والحكماء والملوك وغيرهم، على ما جاء في التفاسير والآثار والقصص، وليس هذا من مذهب فرقة من فِرَق المسلمين.
وأمَّا الثاني: وهو أنَّه خارق للعادة فلا شكّ فيه، ولكنّا قد بيَّنا في الكلام في النبوّة أنَّ خرق العادة في حقّ غير الأنبياء جائز حسن، وأنَّه ليس فيه وجه قبح، ويوافقنا على ما ذكرناه الصوفيّة وأصحاب الظاهر والأشعرية، فلا وجه للاستعجاب من هذا الوجه أيضاً، والتعجّب من طول استتاره وغيبته وعدم العثور على مستقرّه، فممَّا لا يصحّ التمسّك به في إبطال وجوده، فكم من وليّ لله تعالى يسيح في الأرض يعبده تعالى، وينفرد عن الخلق، لا يعرف أحد لهم مكاناً، ولا يدّعي إنسان لقائهم ولا الاجتماع معهم، أليس الخضر عليه السلام موجوداً قبل زمن موسى عليه السلام وإلى وقتنا هذا بإجماع أهل النقل واتّفاق أهل السير والأخبار؟ سائح في الأرض لا يعرف أحد له مستقرّاً، ولا يدّعي أحد أنَّه صحبه، إلاَّ ما جاء في القرآن في قصَّته عليه السلام مع موسى عليه السلام، وما يقوله...(٢٣٥) بحيث لا يعرف، ويظنّ من رآه أنَّه بعض الزهّاد، فإذا فارق مكانه، ربَّما كان عليه السلام...(٢٣٦)، فإنَّ الاُمّة مجمعة على بقائه، ولا يراه أحد ولا يعرف مكانه، وقد كان من(٢٣٧) [قصَّة موسى عليه السلام وهجرته عن] وطنه وفراره من فرعون ورهطه ما صرَّح به القرآن، ولم يطَّلع عليه أحد بحيث لو...(٢٣٨) فيعرف له مكاناً، حتَّى ناجاه الله تعالى وابتعثه نبيّاً.
وكان من قصَّة يوسف بن يعقوب...(٢٣٩) [ عليهما السلام وغيبته عن أبيه وإخوته] وذويه ما جاءت بذكره سورة مفردة وتضمَّنت ذكر استتار خبره عن أبيه، وهو نبيّ الله تعالى يأتيه الوحي من الله تعالى، أمره مطويّ عنه وعن إخوته، وهم يعاملونه ويلقونه فيعرفهم، وهم لا يعرفونه، حتَّى مضى على ذلك الأزمان، وتقضّت فيه السنون، ويلزم حزن أبيه لفقده ويأسه من لقائه ما صرَّح بذكره القرآن، وليس لذلك نظير في زماننا هذا، ولا سمعنا مثله في غيره.
وغيبة يونس عليه السلام نبيّ الله عن قومه وفراره منهم لطول زمان خلافهم له وإصرارهم على ذلك، بحيث لم يطَّلع أحد على مستقرّه إلاَّ الله الذي حبسه في جوف حوت في قعر بحر، ومقامه وبقائه هناك حيّاً، ثمّ إخراجه تعالى إيّاه من بطن الحوت إلى تحت شجرة من يقطين، بحيث لم يكن له معرفة بذلك المكان ولا خطر على قلبه سكناه، كلّ ذلك ظاهر فيما بين الأمّة مجمع عليه، وقد جاء بذكره القرآن، وهو أيضاً خارج عن عادتنا.
وأمر أصحاب الكهف على ما شرحه القرآن أيضاً ظاهر، وهو خارج عن عادتنا وعمَّا نعرفه ونعهده.
وقصَّة صاحب الحمار الذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها واستبعاده عمارتها وعودها إلى ما كانت عليه، وإحياء أمواتها بقوله: (أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ)(٢٤٠)، وإحيائه بعد ذلك مع بقاء طعامه وشرابه بحالهم لم يتغيَّر، ومع بقاء حماره حيّاً قائماً على علفه، لم يتَّفق ولم يتغيَّر عن حاله ولم يضرّه طول عمره ولا أضعفه، ثمّ أنشأ الله العظام، وإحياء أولئك الموتى، كلّ ذلك مذكور في القرآن في قوله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ)(٢٤١)...(٢٤٢) لنبيّ يقولون: إنَّه كان نبيّاً من أنبياء الله تعالى، ولا شكّ في أنَّ جميع ذلك خارج...(٢٤٣) في الغيبة اتَّفق لكثير من الخلق، وإن لم يكن في القرآن، قد ذكره أصحاب...(٢٤٤) لينظروه، وأورده نقلة السير والآثار في كتبهم من غيبات ملوك الفرس عن...(٢٤٥) [بلادهم] طويلاً لوجوه من التدبير، بحيث لم يعرف أحوالهم فيها ولا مستقرّاً ولا اطَّلع لهم على موضع ومكان، ثمّ...(٢٤٦) [رجعوا إلى وطنهم] بعد ذلك وعادوا إلى ملكهم بأحسن حال، وكذلك جماعة من حكماء الروم والهند وملوكهم قد كانت لهم غيبات وأخبار بأحوال تخرج عن العادات، لم يذكر شيئاً من ذلك أكثر أصحابنا، لعلمهم بأنَّ الخصوم ينكرونه، لكنَّ ما في القرآن لا يمكن دفعه إلاَّ بالخروج من الدين. وإذا كان كذلك بطل تعجّب الخصوم، وقولهم: إنَّ ما تقولونه وتذهبون إليه من غيبة صاحبكم، ممَّا لم يتَّفق ولم يكن لأحد قطّ.
ثمّ وكم من الاُمور العجيبة التي يعتقدها من دان بالإسلام وأقرَّ به ممَّا لم يرَ نظيره ولم يعتد مثله، كرفع عيسى عليه السلام إلى السماء، وإسراء نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثمّ عروجه إلى السماء وانتهائه إلى الصفيح الأعلى، بحيث لا مكان بعده عى ما جاء جملةً في القرآن، وتفاصيله وتتمَّته في الأخبار، فليس ما نقوله ونذهب إليه في الغيبة بأعجب منها.
ثمّ وإنّي أقول: إنَّ استبطاء خروج صاحب الزمان وظهوره والتمسّك به واتّخاذه وحده طريقاً إلى نفي وجوده يشعر باعتقاد نفي القيامة والبعث والنشور، وذلك لأنَّ الاستبطاء في ذلك أعظم وآكد وأكثر، من حيث إنَّ جميع الأنبياء عليهم السلام من لدن آدم إلى نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم كانوا ينذرون اُممهم بالقيامة والبعث والنشور، وقد قال نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم: (بُعثتُ أنا والساعة كهاتين)(٢٤٧) وبعد فلم تقم القيامة إلى الآن، والمؤمنون الموقنون لم يشكّوا فيها بسبب تأخّرها، واستبطاء قيامها، فإن كان مجرَّد تأخّر خروج صاحبنا عليه السلام واستبطاء القوم ظهوره طريقاً إلى نفيه، فتأخّر قيام القيامة واستبطاء الخلق ظهورها وقيامها أولى بأن يُتّخذ طريقاً إلى نفيها.
فإن قالوا: لسنا ننكر وجوده لما ذكرتموه، وإنَّما ننكره لعدم الدليل عليه.
قلنا: فاتركوا التعجّب والاستبطاء جانباً، واطلبوا منّا الدلالة والحجّة في ذلك، فإذا طالبونا بذلك فالدلالة ما قدَّمناه من وجوب وجود إمام معصوم مقطوع على عصمته في كلّ عصر يكون...(٢٤٨) وبطلان إمامة كلّ من يُدّعى له الإمامة في عصرنا هذا، سوى صاحبنا...(٢٤٩) المدّعون لبقاء واحد من سلفه المعصومين قد انقرضوا، فلا يوجد منهم...(٢٥٠) ولحصول العلم بموت أولئك السادة المعصومين، على ما بيَّناه، وثبوت أنَّ الحقّ...(٢٥١) هو الدليل من حيث الاعتبار العقلي، ومن طريق السمع، فالتنصيص عليه من جهة...(٢٥٢) عليه السلام ومن آبائه عليهم السلام، على ما تواترت به الشيعة التي بيَّنا صحَّة نقلها عند الكلام في النصّ.
ويؤيّد هذه الأدلّة ويؤكّدها ما يرويه مخالفوا الشيعة في نعوت المهدي وصفاته، والرواية الظاهرة المستفيضة عن الرسول من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو لم يبقَ من الدنيا إلاَّ يوم واحد، لطوَّل الله ذلك اليوم، حتَّى يخرج رجل من ولدي، يواطئ اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً)(٢٥٣).

* * *
إقبال الأعمال

تأليف: رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد الطاووس العلوي الفاطمي المتوفى سنة ٦٦٤ هـ
تحقيق: جواد القيومي الاصفهاني

فصل (٤٩): فيما نذكره من ولادة مولانا المهدي عليه السلام في ليلة النصف من شعبان وما يفتح الله جل جلاله علينا من تعظيمها بالقلب والقلم واللسان: (٢٥٤)
اعلم أنَّنا ذكرنا في كتاب التعريف للمولد الشريف تفصيل هذه الولادة الشريفة، وروينا ما يتعلَّق بها في فصول لطيفة، فذكرنا فصلاً في كشف شراء والدته عليها أفضل التحيّات، وفصلاً في حديث الولادة والقابلة ومن ساعدها من نساء الجيران، ومن ها هنا نساء من الدار، بولدها العظيم الشأن عليه أفضل الصلوات.
وفصلاً في حديث عرض مولانا الإمام الحسن العسكري لولده المهدي صلوات الله عليهما بعد الولادة بثلاثة أيّام على من يثق به من خاصّته الصالحين لحفظ أسرار الإسلام.
وفصلاً فيمن بشَّر ها هنا صلوات الله عليه بولادة المهدي عليه السلام.
وفصلاً بذكر العقيقة الجسيمة عن تلك الولادة العظيمة خبزاً ولحماً.
وفصلاً فيمن أهدى إليه مولانا الحسن العسكري رأساً من جملة الغنم المتقرّب بذبحها، لأجل عقيقة الولادة التي شهد المعقول والمنقول بمدحها.
وفصلاً في حديث إقامة الحسن العسكري عليه السلام وكيلاً في حياته يكون في خدمة مولانا المهدي عليه السلام بعد انتقال والده إلى الله جل جلاله ووفاته.
وأوضحنا تحقيق هذه الأحوال _ لم أعرف أنَّ أحداً سبقنا إلى كشفها _ كما رتَّبناه من صدق المقال.
فصل (٥٠): فيما نذكره [في بشارة النبيّ جدّه صلى الله عليه وآله وسلم بولادته وعظيم انتفاع الإسلام برئاسته]:
إنَّ مولانا المهدي عليه السلام ممَّن أطبق أهل الصدق ممَّن يعتمد على قوله، بأنَّ النبيّ جدّه صلى الله عليه وآله وسلم بشَّر الأمّة بولادته وعظيم انتفاع الإسلام برئاسته ودولته، وذكر شرح كمالها وما يبلغ إليه حال جلالها إلى ما لم يظفر نبيّ سابق ولا وصيّ لاحق، ولا بلغ إليه ملك سليمان عليه السلام الذي حكم في ملكه على الإنس والجن، لأنَّ سليمان عليه السلام لمَّا قال: (هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)(٢٥٥)، ما قيل له: قد أجبنا سؤالك في أنَّنا لا نعطي أحداً من بعدك أكثر منه في سبب من الأسباب، إنَّما قال الله جل جلاله: (فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ * وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَْصْفادِ)(٢٥٦).
والمسلمون مجمعون على أنَّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم سيّد المرسلين وخاتم النبيّين اُعطي من الفضل العظيم والمكان الجسيم ما لم يعط أحد من الأنبياء في الأزمان، ولا سليمان.
ومن البيان على تفصيل منطق اللسان والبيان أنَّ المهدي عليه السلام يأتي في أواخر الزمان وقد تهدَّمت أركان أديان الأنبياء ودرست معالم مراسم الأوصياء وطمست آثار أنوار الأولياء، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً وحكماً كما ملئت جوراً وجهلاً وظلماً. فبعث الله جل جلاله رسوله محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم ليجدّد سائر مراسم الأنبياء والمرسلين، ويحيي به معالم الصادقين من الأوّلين والآخرين، ولم يبلغ أحداً منهم صلوات الله عليهم وعليه إلى أنَّه قام أحد منهم بجميع أمرهم بعدد رؤوسه ويبلغ به ما يبلغ هو عليه السلام إليه.
وقد ذكره أبو نعيم الحافظ وغيره من رجال الحافظ وغيره من رجال المخالفين، وذكر ابن المنادي في كتاب الملاحم _ وهو عندهم ثقة أمين _، وذكره أبو العلى الهمداني وله المقام المكين، وذكرت شيعته من آيات ظهوره وانتظام أموره عن سيّد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يبلغ إليه أحد من العالمين.
وذلك من جملة آيات خاتم النبيّين وتصديق ما خصَّه الله جل جلاله(٢٥٧)، أنَّه من فضله في قوله جل جلاله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)(٢٥٨).
أقول: فينبغي أن يكون تعظيم هذه الليلة لأجل ولادته عند المسلمين والمعترفين بحقوق إمامته على قدر ما ذكره جدّه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وبشَّر به المسعودين من أمّته، كما لو كان المسلمون قد أظلمت عليهم أيّام حياتهم، وأشرفت عليهم جيوش أهل عداوتهم، وأحاطت بهم نحوس خطيئاتهم.
فأنشأ الله تعالى مولوداً يعتق رقابهم من رقّها، ويمكّن كلّ يد مغلولة من حقّها، ويعطي كلّ نفس ما تستحقّه من سبقها، ويبسط للخلائق في المشارق والمغارب بساطاً متساوي الأطراف مكمل الألطاف، مجمل الأوصاف، ويجلس الجميع عليه إجلاس الوالد الشفيق لأولاده العزيزين عليه، أو إجلاس الملك الرحيم الكريم لمن تحت يديه، ويريهم من مقدّمات آيات المسرّات وبشارات المبرات في دار السعادات الباقية ما يشهد حاضرها لغائبها، وتقود القلوب والأعناق إلى طاعة واهبها.
أقول: وليقم كلّ إنسان لله جل جلاله في هذه الليلة بقدر شكر ما منَّ الله عز وجل عليه بهذا السلطان وأنَّه جعله من رعاياه والمذكورين في ديوان جنده والمسمين بالأعوان على تمهيد الإسلام والإيمان واستيصال الكفر والطغيان والعدوان، ومدّ سرادقات السعادات على سائر الجهات من حيث تطلع شموس السماوات، وإلى حيث تغرب إلى أقصى الغايات والنهايات.
ويجعل من خدمته لله جل جلاله الذي لا يقوم الأجساد بمعانيها خدمة لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، الذي كان سبب هذه الولادة والسعادة وشرف رئاستها، وخدمة لآبائه الطاهرين الذين كانوا أصلاً لها وأعوانا على إقامة حرمتها وخدمة له صلوات الله عليه وآله، كما يجب على الرعيّة لمالك أزمّتها والقيّم لها باستقامتها وإدراك سعادتها. ولست أجد القوّة البشريّة قادرة على القيام بهذه الحقوق المعظمة المرضيّة إلاَّ بقوّة من القدرة الربّانية، فليقم كلّ عبد مسعود من العباد بما يبلغ إليه ما أنعم به عليه الله جل جلاله من القوّة والاجتهاد.
فصل (٥١): فيما نذكره من الدعاء والقسم على الله جل جلاله بهذا المولود العظيم المكان ليلة النصف من الشعبان:
وهو: اللهم بحقّ ليلتنا هذه ومولودها، وحجَّتك وموعدها، التي قرنت إلى فضلها فضلاً، فتمَّت كلمتك صدقاً وعدلاً، لا مبدّل لكلماتك، ولا معقّب لآياتك، نورك المتألّق، وضياؤك المشرق، والعلم النور في طخياء(٢٥٩) الديجور، الغائب المستور، جلَّ مولده، وكرم محتده(٢٦٠)، والملائكة شهده(٢٦١)، والله ناصره ومؤيّده إذا آن ميعاده، والملائكة أمداده، سيف الله الذي لا ينبو(٢٦٢)، ونوره الذي لا يخبو(٢٦٣)، وذو الحلم الذي لا يصبو(٢٦٤)، مدار الدهر، ونواميس العصر، وولاة الأمر، والمنزل عليهم ما ينزل(٢٦٥) في ليلة القدر، وأصحاب الحشر والنشر، وتراجمة وحيه، وولاة أمره ونهيه. اللهم فصلّ على خاتمهم وقائمهم، المستور عن عوالمهم(٢٦٦)، وأدرك بنا أيّامه وظهوره وقيامه، واجعلنا من أنصاره، وأقرن ثارنا بثاره، واكتبنا في أعوانه وخلصائه، وأحينا في دولته ناعمين، وبصحبته غانمين، وبحقّه قائمين، ومن السوء سالمين، يا أرحم الراحمين.
والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد خاتم النبيّين والمرسلين وعلى أهل بيته الصادقين وعترته الناطقين، والعن جميع الظالمين، واحكم بيننا وبينهم يا أحكم الحاكمين(٢٦٧).

* * *
الطَّرائف في معرفة مذاهب الطوائف

تأليف: رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد الطاووس العلوي الفاطمي المتوفى سنة ٦٦٤ هـ

بشارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالمهدي عليه السلام: (٢٦٨)
(قال عبد المحمود)(٢٦٩): قال لي الشيعي: واعلم أنَّنا روينا نحن وأكثر أهل الإسلام أيضاً أنَّ نبيّنا محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا بدَّ من مهدي من ولد فاطمة _ ابنته عليها السلام _ يظهر فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً).
وقد روى أيضاً جماعة من رجال الأربعة المذاهب في كتبهم وأجمع عليه أهل الإسلام.
فمن رواياتهم في ذلك ما رواه في الجمع بين الصحاح الستّة بإسنادهم إلى اُمّ سَلَمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة عليها السلام)(٢٧٠).
وروى هذا الحديث بألفاظه ابن شيرويه الديلمي في (كتاب الفردوس) في باب الألف واللام، ورواه أبو محمّد حسين بن مسعود الفرّاء في كتاب (المصابيح) في باب أخبار المهدي(٢٧١).
ومن ذلك من صحيح أبي داود بإسناده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو لم يبقَ من الدهر إلاَّ يوم واحد لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(٢٧٢).
ومن ذلك ما ذكره الثعلبي في تفسير قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(٢٧٣) بإسناده إلى أنس، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (نحن ولد عبد المطَّلب سادة أهل الجنّة)،... وذكر نفسه الشريفة وخمسة سمّاهم من أهل بيته، ثمّ قال: (والمهدي عليه السلام)(٢٧٤).
ومن ذلك ما ذكره الثعلبي أيضاً في تفسيره (حم * عسق)(٢٧٥) بإسناده، قال: (السين سناء المهدي عليه السلام، والقاف قوّة عيسى عليه السلام حين ينزل فيقتل النصارى ويخرب البِيَعْ)(٢٧٦).
ومن ذلك ما تقدَّم من رواية الثعلبي في تفسيره في قصَّة أصحاب الكهف، ورواه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ المهدي عليه السلام يسلّم عليهم، فيحييهم الله عز وجل، ثمّ يرجعون إلى رقدتهم، فلا يقومون إلى يوم القيامة(٢٧٧).
ومن ذلك ما رواه أيضاً في الجمع بين الصحاح الستّة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي منّي، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويملك سبع سنين).
وفي رواية عن هشام: (تسع سنين).
وفي رواية الفرّاء في كتاب المصابيح مثل الحديث بهذه الألفاظ، إلاَّ أنَّه قال: (يملك تسع)(٢٧٨).
ومن ذلك ما رواه في الجمع بين الصحاح الستّة، عن أبي إسحاق: قال علي عليه السلام ونظر إلى ابنه الحسين، وقال: (إنَّ ابني هذا سيّد كما سمّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسيخرج من صلبه رجل باسم نبيّكم يشبهه في الخُلق، ولا يشبهه في الخَلق، يملأ الأرض عدلاً)(٢٧٩).
ومن ذلك ما رواه الفقيه ابن المغازلي في كتاب المناقب من عدّة طرق بأسانيدها إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتضمَّن البشارة بالمهدي عليه السلام وذكر فضائله ودولته(٢٨٠).
ومن ذلك ما ذكره أبو محمّد ابن مسعود الفرّاء في كتاب المصابيح في حديث يرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه ذكر بلاء يصيب هذه الأمّة حتَّى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله رجلاً من عترتي أهل بيتي، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، يرضى عنه ملائكة السماء والأرض، لا تدع السماء من قطرها شيئاً إلاَّ صبَّته مدراراً، ولا تدع(٢٨١) الأرض من نباتها شيئاً إلاَّ أخرجته، حتَّى يتمنّى الأحياء الأموات، يعيش في ذلك سبع سنين أو تسع سنين)(٢٨٢).
ومن ذلك في كتاب المصابيح المقدَّم ذكره في قصَّة المهدي عليه السلام يرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (فيجيء الرجل فيقول: يا مهدي أعطني أعطني، فيحثى له في ثوبه ما استطاع أن يحمله)(٢٨٣).
ومن ذلك في كتاب الفردوس لابن شيرويه الديلمي بإسناده إلى ابن عبّاس رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (المهدي طاووس أهل الجنّة)(٢٨٤).
ومن ذلك في الكتاب المذكور بإسناده إلى حذيفة بن اليمان، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (المهدي من ولدي وجهه كالقمر الدرّي، واللون منه لون العربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يرضى بخلافته أهل السماوات والأرض والطير في الجوّ، ويملك عشرين سنة)(٢٨٥).
ومن ذلك في الكتاب المشار إليه بإسناده أيضاً إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (المهدي منّا أهل البيت يصلحه الله عز وجل في ليلة)(٢٨٦).
(قال عبد المحمود بن داود): إنَّ هذه الأحاديث بعض ما أورده رجال الأربعة المذاهب وعلماء الإسلام.
وقد جمع الحافظ أبو نعيم كتاباً في ذلك نحو ستّ وعشرين ورقة من أربعين حديثاً، وسمّاه: (كتاب ذكر المهدي ونعوته وحقيقة مخرجه)، وهذا من أعيان علماء الأربعة المذاهب، وقد كان بعض العلماء من الشيعة قد صنَّف كتاباً ووجدته ووقفت عليه وفيه أحاديث أحسن ممَّا أوردناه وسمّاه: (كتاب كشف المخفي في مناقب المهدي)(٢٨٧)، وروى فيه مائة وعشرة أحاديث من طرق رجال الأربعة المذاهب، فتركت نقلها بأسانيدها وألفاظها كراهية التطويل، ولئلاَّ يملّ ناظرها، ولأنَّ بعض ما أوردنا يغني عن زيادة التفصيل لأهل الإنصاف والعقل الجميل، وسأذكر أسماء من روى المائة وعشرة أحاديث التي في (كتاب المخفي عن أخبار المهدي عليه السلام)، لتعلم مواضعها على التحقيق وتزداد هداية أهل التوفيق:
فمنها من صحيح البخاري ثلاثة أحاديث، ومنها من صحيح مسلم أحد عشر حديثاً، ومنها من الجمع بين الصحيحين للحميدي حديثان، ومنها من الجمع بين الصحاح الستّة لرزين بن معاوية العبدري أحد عشر حديثاً، ومنها من كتاب فضائل الصحابة ممَّا أخرجه الشيخ الحافظ عبد العزيز العكبري من مسند أحمد بن حنبل سبعة أحاديث، ومنها من تفسير الثعلبي خمسة أحاديث، ومنها من غريب الحديث لابن قتيبة الدينوري ستّة أحاديث، ومنها من كتاب الفردوس لابن شيرويه الديلمي أربعة أحاديث، ومن كتاب مسند سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام تأليف الحافظ أبي الحسن علي الدارقطني ستّة أحاديث، ومنها من كتاب الحافظ أيضاً من مسند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ثلاثة أحاديث، ومن كتاب المبتدأ للكسائي حديثان يشتملان أيضاً على ذكر المهدي عليه السلام وذكر خروج السفياني والدجّال، ومنها من كتاب المصابيح لأبي الحسين بن مسعود الفرّاء خمسة أحاديث، ومنها من كتاب الملاحم لأبي الحسن أحمد بن جعفر بن محمّد بن عبيد الله المناري أربعة وثلاثون حديثاً، ومنها من كتاب الحافظ محمّد بن عبد الله الحضرمي المعروف بابن مطيق ثلاثة أحاديث، ومنها من كتاب الرعاية لأمل الرواية لأبي الفتح محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم الفرغاني ثلاثة أحاديث، ومنها خبر سطيح رواية الحميدي أيضاً، ومنها من كتاب الاستيعاب لأبي عمر يوسف بن عبد البرّ النمري حديثان(٢٨٨).
(قال عبد المحمود): ووقفت على الجزء الثاني من كتاب السنن رواية محمّد بن يزيد ماجة قد كتب في زمان مؤلفه تاريخ كتابته وبعض الإجازات عليه ما هذا لفظها:
(بسم الله الرحمن الرحيم، أمَّا بعد، فقد أجزت ما في هذا الكتاب من أوّله إلى آخره، وهو آخر كتاب السنن لأبي عمرو محمّد بن سلمة وجعفر والحسن ابني محمّد بن سلمة حفظهم الله، وهو سماعي من محمّد بن يزيد ماجة نفعنا الله وإيّاكم به، وكتب إبراهيم بن دينار بخطّه وذلك في شهر شعبان سنة ثلاثمائة، وقد عارضت به، وصلّى على محمّد وسلَّم كثيراً).
وقد تضمَّن هذا الجزء المذكور الموصوف كثيراً من الملاحم، فمنها باب خروج المهدي، وروى في هذا الباب من هذه النسخة سبعة أحاديث بأسانيدها في خروج المهدي، وأنَّه من ولد فاطمة عليها السلام، وأنَّه يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وذكر كشف الحالة وفضلها يرفعها إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
و(قال عبد المحمود): ووقفت أيضاً على (كتاب المقتصّ على محدّثي الأعوام لنبأ ملاحم غابر الأيّام) تلخيص أبي الحسين أحمد بن جعفر بن محمّد المناري، قد كتب في زمان مؤلّفه في آخر النسخة التي وقفت عليها ما هذا لفظه: (فكان الفراغ من تأليفه سنة ثلاثمائة وثلاثين)، وعلى الكتاب إجازات وتجويزات تاريخ بعض إجازاته في ذي قعدة سنة ثمانين وأربعمائة، من جملة هذا الكتاب ما هذا لفظه:
(سيأتي بعض المأثور في المهدي عليه السلام وسيرته)، ثمّ روى ثمانية عشر حديثاً بأسانيدها إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بتحقيق خروج المهدي عليه السلام وظهوره، وأنَّه من ولد فاطمة عليها السلام، وأنَّه يملأ الأرض عدلاً، وذكر كماله وسيرته وجلاله وولايته.
(قال عبد المحمود): وقد وقفت على كتاب قد ألَّفه ورواه وحرَّره أبو نعيم الحافظ، واسمه أحمد بن أبي عبد الله بن أحمد، وهذا المؤلّف من أعيان رجال الأربعة المذاهب وله تصانيف وروايات كثيرة، وقد سمّى أبو نعيم الكتاب المشار إليه: (كتاب ذكر المهدي، ونعوته، وحقيقة مخرجه، وثبوته)، ثمّ ذكر في صدر الكتاب تسعة وأربعين حديثاً، أسندها إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، يتضمَّن البشارة بالمهدي عليه السلام، وأنَّه من ولد فاطمة عليها السلام، وأنَّه يملأ الأرض عدلاً، وأنَّه لا بدَّ من ظهوره، ثمّ ذكر بعد ذلك حديثاً معنى بعد معنى، وروى في كلّ معنى أحاديث بأسانيدها إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال أبو نعيم بعد رواية التسعة والأربعين حديثاً مشاراً إليها في حقيقة ذكر المهدي ونعوته وخروجه وثبوته ما هذا لفظه: (وبخروجه يرفع عن الناس تظاهر الفتن وتلاطم المحن ويمحق الهرج).
وروى في صحَّة هذا المعنى عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اثنين وأربعين حديثاً بأسانيدها، ثمّ قال أبو نعيم أيضاً ما هذا لفظه: (إعلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ المهدي سيّد من سادات أهل الجنّة)، وروى عن النبيّ في صحَّة هذا المعنى ثلاثة أحاديث، ثمّ ذكر أبو نعيم أيضاً ما هذا لفظه: (ذكر جيشه وصورته وطول مدَّته وأيّامه)، وروى في صحَّة هذا المعنى عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أحد عشر حديثاً، ثمّ ذكر ما هذا لفظه: (بالعدل وفي، وبالمال سخي، يحثوه حثواً ولا يعدّه عدّاً) وروى في صحَّة هذا المعنى عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بإسناده تسعة أحاديث.
ثمّ ذكر أبو نعيم أيضاً ما هذا لفظه: (ذكر البيان عن الروايات الدالّة على خروج المهدي وظهوره)، ثمّ روى عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في صحَّة هذا المعنى أربعة أحاديث.
ثمّ ذكر ما هذا لفظه: (ذكر البيان في أنَّ توطئة أمر المهدي وخلافته وجيشه من قبل المشرق)، فروى في هذا المعنى وصحَّته عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حديثين.
ثمّ ذكر أبو نعيم الحافظ أيضاً ما هذا لفظه: (ذكر بيان القرية التي يكون منها خروج المهدي)، وروى في صحَّة ذلك حديثين يرفعهما إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
ثمّ ذكر أبو نعيم أيضاً ما هذا لفظه: (ذكر بيان أنَّ من تكرمة الله لهذه الأمّة أنَّ عيسى بن مريم يصلّي خلف المهدي)، ثمّ روى في صحَّة هذا المعنى ثمانية أحاديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
ثمّ ذكر أبو نعيم أيضاً ما هذا لفظه: (ذكر ما ينزل الله عز وجل من الخسف والنكال على الجيش الذين يرومون الحرم تكرمة للمهدي)، ثمّ روى في صحَّة هذا المعنى خمسة أحاديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأسانيدها.
ثمّ ذكر أبو نعيم الحافظ ما هذا لفظه: (ذكر المهدي أنَّه من ولد الحسين، وذكر كنيته وموته حين يبعث)، وروى أبو نعيم في صحَّة هذا المعنى تسعة أحاديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأسانيدها.
ثمّ ذكر أبو نعيم أيضاً ما هذا لفظه: (ذكر فتح المهدي المدينة الرومية وردّ ما سبا ملكها من بني إسرائيل إلى بيت المقدس)، وروى في صحَّة هذا المعنى عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خمسة أحاديث بأسانيدها.
ثمّ ذكر أبو نعيم الحافظ ما هذا لفظه: (ما يكون في زمان المهدي من الخصب والأمن والعدل)، وفي صحَّة هذا المعنى عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بإسناده سبعة أحاديث.
فجملة الأحاديث المذكورة في كتاب ذكر المهدي عليه السلام ونعوته وحقيقة مخرجه وثبوته المختصّة بهذا المعنى المقدَّم ذكرها مائة وستّة وخمسون حديثاً، وأمَّا طرق هذه الأحاديث فهي كثيرة تركت ذكرها في هذا الكتاب كراهية الإكثار والإطناب.
(قال عبد المحمود): قال الشيعي: وأمَّا الذي ورد من طريق الشيعة وأهل البيت عليهم السلام في ذلك مجملاً ومفصّلاً لا يسعه إلاَّ مجلّدات، وقد تضمَّن كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) تأليف أبي جعفر محمّد بن بابويه القمي رحمه الله طرفاً جيّداً من الروايات، فمن أراد سلامة نفسه من الهلاك فلينظر أيضاً ما هناك.
قال: ونقل إلينا سلفنا نقلاً متواتراً أنَّ المهدي عليه السلام المشار إليه ولد ولادة مستورة، لأنَّ حديث تملّكه ودولته وظهوره على كافّة الممالك والعباد والبلاد كان قد ظهر للناس، فخيف عليه كما جرت الحال في ولادة إبراهيم وموسى عليهما السلام وغيرهما ممَّن اقتضت المصلحة ستر ولادته، وأنَّ الشيعة عرفت ذلك لاختصاصها بآبائه عليهم السلام وتلزّمها بمحمّد نبيّهم وعترته، فإنَّ كلّ من تلزَّم بقوم كان أعرف بأحوالهم وأسرارهم من الأجانب، كما أنَّ أصحاب الشافعي أعرف [به من](٢٨٩) أصحاب غيره من رؤساء الأربعة المذاهب.
قال الشيعي: وقد كان المهدي عليه السلام ظهر لجماعة كثيرة من أصحاب والده العسكري ونقلوا عنه أخباراً وأحكاماً شرعيّة وأسباباً مرضيّة، وكان له وكلاء ظاهرون في غيبته معروفون بأسمائهم وأنسابهم وأوطانهم، يخبرون عنه بالمعجزات والكرامات وجواب أمور المشكلات بكثير ممَّا ينقله عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله تعالى من الغائبات، منهم: عثمان بن سعيد العمري المدفون بقطقطان من الجانب الغربي ببغداد، ومنهم: ولده أبو جعفر بن عثمان بن سعيد العمري، ومنهم: أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي، ومنهم: علي بن محمّد السمري رضوان الله عليهم.
وقد ذكر نصر بن علي الجهضمي في (تاريخ أهل البيت)(٢٩٠) وقد تقدَّم ذكره قبل هذا الموضع(٢٩١) برواية رجال الأربعة المذاهب حال هؤلاء الوكلاء وأسمائهم، وأنَّهم كانوا وكلاء المهدي عليه السلام، وأمرهم أشهر من أن يحتاج إلى الإطالة في هذا الكتاب، وكان هؤلاء الوكلاء من أعيان الصالحين وخيار المسلمين، وكان كلَّما قرب وفاة أحد منهم عيَّن المهدي عليه السلام على من يقوم مقامه آيات وكرامات شاهدة بتصديق ذلك، ورواياتهم منقولة، وأنسابهم وسيرتهم وقبورهم معلومة، ولو خالط هؤلاء الأربعة المذاهب علماء الشيعة واطَّلعوا على كتبهم ورواياتهم في المعنى علموا صحَّة ما قلنا ضرورةً وتواتراً.
ولمَّا بلغ الأمر إلى علي بن محمّد السمري ذكر أنَّ المهدي عليه السلام قد عرَّفه أن ينتقل إلى الله وكشف له عن يوم وفاته، وأنَّه قد تقدَّم إليه أن لا يوكل أحداً غيره، وأن قد جاءت الغيبة التامّة التي يمتحن فيها المؤمنون، وهذه سُنّة من الله تعالى قد كان أمثالها في عباده وبلاده يشهد بها التواريخ وأخبار الأنبياء، وقال سبحانه في كتابه: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ)(٢٩٢). فتوفّى علي [بن] محمّد السمري رضي الله عنه في الوقت الذي أشار إليه.
ولقد لقى المهدي عليه السلام خلق كثير بعد ذلك من شيعته وغيرهم، وظهر لهم على يده من الدلائل ما ثبت عندهم وعند من أخبروه أنَّه هو عليه وعلى آبائه السلام، ونقلوا عنه أخباراً متظاهرة وإذ كان عليه السلام غير ظاهر الآن لجميع شيعته، فلا يمتنع أن يكون جماعة منهم يلقونه وينتفعون بمقاله وفعاله ويكتمونه كما جرى الأمر في جماعة من الأنبياء والأوصياء والملوك، حيث غابوا عن كثير من الأمّة لمصالح دينية أو دنيوية أوجبت ذلك.
وأمَّا من يشكّ في هذا من مخالفينا ويقولون: إنَّه ما ولد، فلو خالطونا وسمعوا أخبارنا الصحيحة عن الثقات تحقَّقوا ما نقلناه.
وأمَّا استبعاد من استبعد منهم ذلك لطول عمره الشريف، فما يمنع من ذلك إلاَّ جاهل بالله وبقدرته وبإخبار نبيّنا وعترته، أو عارف ويعاند بالجحود كما حكى الله تعالى عن قوم فقال: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا)(٢٩٣). فكيف يستبعد بطول الأعمار وقد تواتر كثير من الأخبار بطول عمر جماعة من الأنبياء وغيرهم من المعمّرين، وهذا الخضر عليه السلام باقٍ على طول السنين وهو عبد صالح من بني آدم ليس بنبيّ ولا حافظ شريعة ولا بلطف في بقاء التكليف، فكيف يستبعد طول حياة المهدي عليه السلام وهو حافظ شريعة جدّه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ولطف في بقاء التكليف وحجّة في أحد الثقلين اللذين قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيهما: (أنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض)، والمنفعة ببقائه في حال ظهوره وخفائه أعظم من المنفعة بالخضر.
وكيف يستبعد طول عمره الشريف من يصدّق بالقرآن وقد تضمَّن قصَّة أصحاب الكهف أعجب من هذا؛ لأنَّه مضى لهم على ما تضمَّنه القرآن ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، وهم أحياء كالنيام، يقلّبهم الله ذات اليمين وذات الشمال لئلاَّ تبلى جنوبهم بالأرض، فهؤلاء محتاجون الطعام والشراب قد بقوا هذه المدّة بنصّ القرآن بغير طعام ولا شراب ممَّا يأكل الناس، وبمقتضى ما تقدَّم من الخبر السالف عن ذكر قصَّة أصحاب الكهف إلى زمن محمّد نبيّهم صلى الله عليه وآله وسلم، حيث بعث الصحابة على البساط ليسلّموا عليهم، ويبقون _ كما رواه الثعلبي فيما سلف عنه_(٢٩٤) إلى زمن المهدي عليه السلام على الصفة التي تضمَّنها القرآن والحياة بغير طعام ولا شراب، فأيّما أعجب: هؤلاء، أو بقاء المهدي عليه السلام وهو يأكل ويشرب وله مواد يصحّ معها استمرار البقاء؟ فكيف استبعدت حياته نفوس السفهاء وعقول الجهلاء؟
(قال عبد المحمود): رأيت تصنيفاً لأبي حاتم سهل بن محمّد السجستاني من أعيان الأربعة المذاهب سمّاه (كتاب المعمّرين) وذكرهم بأسمائهم.
وبعد هذا فليس على أحد من الملوك والخلفاء وغيرهم من الأتباع والأقوياء والضعفاء ضرراً في اعتقادنا، هذا لأنَّ المسلمين كافّة متّفقون على البشارة بالمهدي عليه السلام، وإنَّما خالفونا في وقت ولادته وتعيين أبيه، ولأنَّنا نعتقد أنَّ المهدي عليه السلام إذا أراد الله ظهوره نادى منادٍ من السماء باسمه ووجوب طاعته، وحدث من الآيات ما يدلُّ على فرض متابعته.
فممَّن روى أنَّ الملك المنادي من السماء ينادي باسم المهدي عليه السلام: أحمد بن المناوي في كتاب الملاحم، وأبو نعيم الحافظ في كتاب أخبار المهدي، وابن شيرويه الديلمي في كتاب الفردوس، وأبو العلاء الحافظ في كتاب الفتن، وابن التميمي في كتاب الفتن أيضاً، وهؤلاء كلّهم من أعيان رجال الأربعة المذاهب.
وأمَّا رواية الشيعة بالملك الذي ينادي فهي كثيرة يضيق الكتاب عن ذكر مواضعها وعن تسمية رواتها، وهذه معجزات إذا وقعت كما قلنا فما يمكن دفعها، وربَّما لا يخالف أحد في العمل بها ممَّن يكون عارفاً بها وموافقاً لها.
ولقد قيل عنّا كلام لبعض الخلفاء من بني هاشم يحملونه على أذيّتنا، فقال: والله ما علينا من هؤلاء الشيعة ضرر، لأنَّ مذهبهم يقتضي تعظيم بني هاشم كافّة لما يرونه ويعملون به من وصايا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لهم، ولأنَّ الإمام الذي يشيرون إليه الآن هو المهدي لا يخالف أحد من المسلمين في البشارة به وفي إمامته وظهوره ودولته، وإنَّما الخلاف في وقت ولادته، ولا يجيزون القدح في دولته وولايته، فاتَّفق كافّة أهل الإسلام على البشارة بإمامته، ولا سلّ سيف قبل ظهوره، لأنَّ هؤلاء الشيعة يذكرون أنَّه ينادي منادٍ باسمه من السماء، وأنَّه من ولد علي وفاطمة عليهما السلام كما روى كافّة المسلمين، وإذا كان فما يمكن جحوده وهو ابن عمّنا والدولة أيضاً يكون لنا ونحن أحقّ بنصره، وما يرى الشيعة في هذا الاعتقاد إلاَّ على حكم الوفاء لنا، وإنَّما أعداؤنا الذين يذكرون ويعتقدون أنَّه يجوز اختيار الأئمّة والخلفاء في كلّ وقت ومن أيّ القبائل كان، كما فعلوا أوّلاً في إبعادنا [عن](٢٩٥) خلافتنا وميراث نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم، فهؤلاء الذين يعتقدون ذلك هم أعداؤنا وأعداء ربّنا ونبيّنا وأعداء وليّنا، ولا نأمن ضررهم، ولا يجوز رفع شأنهم.

* * *
فرج المهموم في تأريخ علماء النجوم

تأليف: رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد الطاووس العلوي الفاطمي المتوفى سنة ٦٦٤ هـ

فصل: [دلائة النجوم على ولادة الإمام]: (٢٩٦)
فيما نذكره من دلالة النجوم على مولانا المهدي بن الحسن العسكري صلوات الله عليهما ذكرها بعض أصحابنا في كتاب الأوصياء، وهو كتاب معتمد عند الأولياء وجدته في أصل عتيق لعلَّه كتب في زمان مصنّفه وقد (د؟؟)(٢٩٧) تاريخه، فيه دلالات الأئمّة وولادة المهدي صلوات الله عليهم رواه الحسن بن جعفر الصيمري، ومؤلّفه علي بن محمّد بن زياد الصيمري وكانت له مكاتبات إلى الهادي والعسكري وجوابهما إليه وهو ثقة معتمد عليه، فقال ما هذا لفظه: حدَّثني أبو جعفر القمي ابن أخي أحمد بن إسحاق بن مصقلة، أنَّه كان بقم منجّم يهودي موصوفاً بالحذق في الحساب، فأحضره أحمد بن إسحاق وقال له: قد ولد مولود في وقت كذا وكذا فخذ الطالع واعمل له ميلاداً.
فأخذ الطالع ونظر فيه وعمل عملاً له، فقال لأحمد: لست أرى النجوم تدلّني على شيء لك من هذا المولود بوجه الحساب، إنَّ هذا المولود ليس لك، ولا يكون مثل هذا المولود إلاَّ لنبيّ أو وصيّ نبيّ، وإنَّ النظر فيه يدلّني على أنَّه يملك الدنيا شرقاً وغرباً وبرّاً وبحراً وسهلاً وجبلاً حتَّى لا يبقى على وجه الأرض أحد إلاَّ دان له وقال بولايته.
يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن محمّد الطاووس: وهذا من آيات الله الباهرة وحججه على من عرفه بالعين الباصرة، فإنَّ أحمد بن إسحاق ستر المولود على المنجّم المذكور، فدلَّه الله جل جلاله بدلالة النجوم على ما جعل فيه من السرّ المستور، وقد كنت أشرت إلى قدامة بن الأحنف البصري المنجّم ليحقّق طالع ولادة المهدي صلوات الله عليه، ولم أكن وقفت على هذا الحديث المشار إليه، فذكر أنَّه حقَّق طالعه وأحضر زايجته(٢٩٨) وكما سبقنا راوي هذا الحديث إليه، فصار ذلك إجماعاً منهما عليه.
فصل: [كرامات الإمام المهدي عليه السلام]:
ومن ذلك في دلائل المهدي عليه السلام ما رويناه بإسنادنا إلى الشيخ سعيد بن هبة الله الراوندي في كتاب (الخرائج والجرائح)(٢٩٩)، عن الكليني، قال: حدَّثنا الأعلم المصري وكان أحد الصالحين، قال: خرجت في الطلب بعد مضي أبي محمّد عليه السلام وقلت في نفسي: لو كان شيء لظهر بعد ثلاث سنين، فسمعت صوتاً ولم أرَ شخصاً يقول: (يا نصر بن عبد ربّه، قل لأهل مصر: هل رأيتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فآمنتم به؟).
قال أبو الرجاء: لم أعلم أنَّ اسم أبي عبد ربّه، وذلك أنّي ولدت بالمدائن، فحملني أبو عبد الله النوفلي إلى مصر فنشأت بها، فلمَّا سمعت الصوت لم أعول على شيء وخرجت.
ومن ذلك ما رويناه بإسنادنا إلى الشيخ أبي جعفر محمّد بن جرير الطبري(٣٠٠) بإسناد يرفعه إلى أحمد الدينوري الملقَّب بأستار، قال: انصرفت من أردبيل إلى الدينور أريد الحجّ، وذلك بعد مضي أبي محمّد الحسن بن علي عليهما السلام بسنة أو سنتين، وكان الناس في حيرة، فاستبشر أهل الدينور بموافاتي، واجتمع الشيعة عندي وقالوا: اجتمع عندنا ستّة عشر ألف دينار من مال الموالي، ونحن نحتاج أن تحملها معك وتسلّمها لمن يجب تسليمها إليه.
فقلت: يا قوم هذه أيّام حيرة، ولا يُدرى الباب في هذا الوقت.
فقالوا: إنّا اخترناك لحمل هذا المال لما نعرف من ثقتك وكرمك، فاعمل على أن لا تخرجه من يدك إلاَّ بحجّة.
فحملوا إليَّ ذلك المال وخرجت، فلمَّا وافيت قرمسين كان أحمد ابن الحسن بن الحسن مقيماً بها، فانصرفت إليه مسلّماً، فلمَّا رأني استبشر ثمّ أعطاني ألف دينار في كيس وتخوت ثياب ألوان معكمة لم أعرف ما فيها، ثمّ قال: احمل هذا معك ولا تخرجه من يدك إلاَّ بحجّة.
فقبضت المال والتخوت بما فيها من الثياب، فلمَّا وردت بغداد لم تكن لي همّة غير البحث عمَّن أشير إليه بالنيابة، فقيل: إنَّ ههنا رجلاً يعرف بالباقطاني يدّعي بالنيابة، وآخر يعرف بإسحاق الأحمر يدّعي أيضاً بالنيابة، وآخر يُدعى بأبي جعفر العمري يدّعي أيضاً بالنيابة.
فبدأت بالباقطاني، وصرت إليه فوجدته شيخاً مهيباً له مروّة ظاهرة وفرس عربي وغلمان كثير، وتجتمع إليه الناس فيتناظرون، فدخلت إليه وسلَّمت عليه، فرحَّب وقرَّب وسرَّ وبرَّ، فأطلت القعود إلى أن خرج أكثر الناس، فسألني عن إربتي، فعرَّفته أنّي رجل من الدينور وافيت ومعي شيء من المال أحتاج إلى أن أسلّمه.
فقال: احمله.
فقلت: اُريد حجّة.
قال: تعود إليَّ في غد.
فعدت إليه من الغد فلم يأتِ بحجّة، وعدت في اليوم الثالث فلم يأتِ، فصرت إلى إسحاق الأحمر فوجدته شابّاً نظيفاً منزله أكبر من منزل الباقطاني وفرسه ولباسه ومروَّته أسرى(٣٠١) وغلمانه أكثر، ويجتمع عنده أكثر ممَّا يجتمع عند الباقطاني، فدخلت وسلَّمت فرحَّب وقرَّب، فصبرت إلى أن خفَّ الناس، فسألني عن حاجتي، فقلت له كما قلت للباقطاني، ووعدني بالحجّة، فعدت إليه ثمانية أيّام فلم يأتِ بحجّة.
فصرت إلى أبي جعفر العمري فوجدته شيخاً متواضعاً عليه منطقة بيضاء قاعد على لبد في بيت صغير ليس له غلمان ولا له من المروّة والفرش ما وجدته لغيره، فسلَّمت فردَّ السلام وأدناني وبسط منّي، ثمّ سألني عن حاجتي، فعرَّفته أنّي وافيت من الجبل وحملت مالاً.
فقال: إن أحببت أن يصل هذا الشيء إلى من يجب أن يصل إليه تخرج إلى سُرَّ من رأى وتسأل عن فلان بن فلان الوكيل، وكانت دار ابن الرضا عليه السلام عامرة، فإنَّك تجد هناك ما تريد.
فخرجت إلى سُرَّ من رأى وصرت إلى دار ابن الرضا عليه السلام، وسألت عن الوكيل فذكر البوّاب أنَّه مشتغل بالدار، وأنَّه يخرج آنفاً، فقعدت على الباب أنتظر خروجه، فخرج بعد ساعة، فقمت وسلَّمت عليه، فأخذ بيدي إلى بيت كان له، وسألني عن حالي وما وردت له فعرَّفته أنّي حملت شيئاً من المال من ناحية الجبل وأحتاج أن أسلّم بحجّة.
فقال: نعم.
ثمّ قدَّم إليَّ طعاماً، وقال: تغدَّ بهذا واسترح فإنَّك تعب، وبيننا وبين الصلاة الأولى ساعة فإنّي أحمل إليك ما تريد.
فأكلت ونمت، فلمَّا كان وقت الصلاة قمت وصلَّيت، وذهبت إلى المشرعة فاغتسلت وزرت وانصرفت إلى بيت الرجل، ومكثت إلى أن مضى من الليل ربعه، فجائني ومعه درج فيه:
(بسم الله الرحمن الرحيم، وافى محمّد بن أحمد الدينوري وقد حمل ستّة عشر ألف دينار في كذا وكذا صرّة، فيها صرّة فلان بن فلان، وفيها كذا وكذا دينار، وصرّة فلان بن فلان، وفيها كذا وكذا دينار...)، إلى أن عدَّد الصرر كلّها، (وفيها صرّة فلان ابن فلان الزراع ستّة عشر ديناراً).
قال: فوسوس لي الشيطان وقلت في نفسي: إنَّ سيّدي أعلم بهذا منّي.
فما زلت أقرأ ذكر صرّة صرّة وذكر صاحبها عليها حتَّى أتى على آخر صرّة، وذكر بعد ذلك: (وقد حمل من قرمسين من أحمد بن الحسن المادرائي أخي الصرّاف كيساً فيه ألف دينار وكذا وكذا تختاً من الثياب ثوب لونه كذا وثوب لونه كذا...)، حتَّى وصف ألوان الثياب ونسبها إلى أصحابها عن آخرها.
قال: فحمدت الله وشكرته على ما منَّ به عليَّ ممَّا أزال الشكّ عن قلبي، ثمّ أمرني بتسليم جميع ما حملت إلى حيث يأمرك أبو جعفر العمري.
قال: فانصرفت إلى بغداد وصرت إلى أبي جعفر العمري، وكان خروجي وانصرافي في ثلاثة أيّام، فلمَّا بصر بي أبو جعفر قال لي: ألم تخرج؟
قلت: يا سيّدي بلى، وانصرفت من سُرَّ من رأى، فأنا أحدّث أبا جعفر إذ وردت رقعة إليه من صاحب الأمر عليه السلام ومعها درج مثل الدرج الذي كان معي فيه ذكر المال والثياب، وأمره أن يسلّم جميع ذلك إلى أبي جعفر محمّد بن أحمد بن جعفر القطّان القمي.
فلبس أبو جعفر ثيابه وقال لي: احمل ما معك إلى منزل محمّد بن أحمد بن جعفر القطّان.
فحملت المال والثياب إلى منزل القطّان وسلَّمتها إليه وخرجت إلى الحجّ، فلمَّا رجعت إلى الدينور اجتمع عندي الناس، فأخرجت الدرج الذي أعطانيه وكيل مولانا صلوات الله عليه وقرأته على القوم، فلمَّا سمع ذكر الصرّة باسم الزراع صاحبها سقط مغشياً عليه، وما زلنا نعلّله حتَّى أفاق، ولمَّا أفاق سجد شكراً لله عز وجل، وقال: الحمد لله الذي منَّ علينا بالهداية، الآن علمت أنَّ الأرض لا تخلو من حجّة، هذه الصرّة دفعها إليَّ هذا الزراع ولم يقف على ذلك إلاَّ الله عز وجل، قال: وخرجت بعد ذلك فلقيت أبا الحسن المادرائي وعرَّفته الخبر وقرأت عليه الدرج، فقال: يا سبحان الله، مهما شككت في شيء فلا تشكّ أنَّ الله لا يخلي أرضه من حجّة، اعلم أنَّه لما غزا إذكوتكين يزيد بن عبد الله بشهرزور(٣٠٢)، وظفر ببلاده واحتوى على خزائنه صار إليَّ رجل، وذكر أنَّ يزيد بن عبد الله جعل الفرس الفلاني والسيف الفلاني في باب مولانا، فجعلت أنقل خزائن يزيد إلى إذكوتكين أوّلاً فأوّلاً وكنت أدافع عن الفرس والسيف إلى أن لم يبقَ شيء غيرهما، وكنت أرجو أن أخلص ذلك لمولانا عليه السلام، فلمَّا اشتدَّت مطالبة إذكوتكين إيّاي ولم يمكنني مدافعته جعلت في السيف والفرس على نفسي ألف دينار ورتَّبتها ودفعتها إلى الخازن وقلت له: ادفع هذه الدنانير في أوثق مكان، ولا تخرجنَّ إليَّ في حال من الأحوال شيئاً منها، ولو اشتدَّت الحاجة إليها، وسلَّمت الفرس والسيف، فأنا قاعد في مجلسي الذي أبرم فيه الأمور، وأوفي القصص وآمر وأنهى إذ دخل أبو الحسن الأسدي، وكان يتعاهدني في الوقت بعد الوقت، وكنت أقضي حوائجه، فلمَّا طال جلوسه وعليَّ بؤس كثير قلت له: ما حاجتك؟ قال: أحتاج منك إلى خلوة، فأمرت الخازن أن يهيّئ لنا مكاناً، فدخلنا الخزانة، فأخرج لي رقعة صغيرة من مولانا صلوات الله عليه فيها: (يا أحمد بن الحسن الألف دينار التي عندك ثمن الفرس والسيف سلّمها إلى أبي الحسن الأسدي)، فخررت لله ساجداً لما منَّ به عليَّ من معرفة حجّة الله حقّاً، لأنَّه لم يكن وقف على هذا أحد غيري، فأضفت إلى ذلك المال ثلاثة الآف دينار أخرى سروراً بما منَّ الله به عليَّ من معرفة هذا الأمر.
ومن ذلك ما رويناه بإسنادنا إلى الشيخ أبي جعفر الطبري أيضاً من كتابه(٣٠٣)، قال: كتب علي بن محمّد السمرى يسأل الصاحب عليه السلام كفناً يتبيَّن ما يكون من عنده، فورد الجواب: (إنَّك تحتاجه سنة إحدى وثمانين)، فمات في الوقت الذي حدّه عليه السلام، وبعث إليه الكفن قبل موته بشهر.
ومن الكتاب(٣٠٤) أيضاً ما لفظه: قال القاسم بن العلا: كتبت إلى صاحب الأمر عليه السلام كتاباً في حوائج وأعلمته أنّي رجل كبر سنّي ولا ولد لي، فأجابني عن الحوائج ولم يجيبني عن الولد بشيء، فكتبت إليه في الرابعة أسأله أن يدعو الله لي أن يرزقني الله ولداً، فأجابني بحوائجي وكتب: (اللهم ارزقه ولداً ذكراً تقرّ به عينه، واجعله هذا الحمل الذي أردت). فورد الكتاب وأنا لا أعلم أنَّ لي حملاً، فدخلت على جاريتي وسألتها عن ذلك، فأخبرتني أنَّ علّتها قد ارتفعت، وأنَّها حامل، فولدت غلاماً.
وهذان الحديثان رويتهما عن الطبري والحميري.
ومن ذلك ما رويناه عن الشيخ أبي جعفر الطبري(٣٠٥) والشيخ أبي العبّاس الحميري بإسنادنا إليهما، قالا: حدَّثنا أبو جعفر، قال: ولد لي مولود فكتبت أستاذن في تطهيره يوم السابع، فورد الجواب: (لا)، فمات المولود، في اليوم السابع، ثمّ كتبت إليه أخبره بموته، فكتب في الجواب: (يخلف الله عليك غيره وغيره، فسمّ أحمد ومن بعد أحمد جعفراً)، فجاءا كما قال صلوات الله عليه.
ومن الكتاب المذكور(٣٠٦) ما رويناه بإسنادنا إلى الشيخ أبي جعفر الطبري، قال: حدَّثنا محمّد بن يعقوب الكليني، قال: حدَّثني أبو حامد المراغي، عن محمّد بن شاذان بن نعيم، قال: قال لي رجل من أهل بلخ: تزوَّجت امرأة سرّاً، فلمَّا وطأتها علقت وجاءت بابنة فاستأت(٣٠٧) وضاق صدري، فكتبت أشكو ذلك، فورد الجواب: (ستكفاها)، فعاشت أربع سنين فماتت، فوردني منه عليه السلام: (الله ذو أناة وأنتم تستعجلون).
ومن الكتاب المذكور(٣٠٨) ما رويناه بإسنادنا إلى الشيخ أبي جعفر الطبري، قال: حدَّثنا أبو جعفر محمّد بن هارون بن موسى التلعكبري، قال: حدَّثني أبو الحسين ابن أبي البغل الكاتب، قال: تقلَّدت عملاً من أبي منصور الصالحان، وجرى بيني وبينه ما أوجب استتاري عنه، فطلبني وأخافني، فمكثت مستتراً خائفاً، ثمّ قصدت مقابر قريش ليلة الجمعة واعتمدت المبيت هناك للدعاء والمسألة، وكانت ليلة ريح ومطر، فسألت أبا جعفر القيّم يقفل الأبواب وأن يجتهد في خلوة الموضع لأخلو بما أريده من الدعاء والمسألة، خوفاً من دخول إنسان لم آمنه وأخاف من لقائه، ففعل وقفل الأبواب، وانتصف الليل فورد من الريح والمطر ما قطع الناس عن الموضع، فمكثت أدعو وأزور وأصلّي، فبينا أنا كذلك إذ سمعت وطئاةً عند مولانا موسى عليه السلام، وإذا هو رجل يزور، فسلَّم على آدم وعلى أولي العزم ثمّ على الأئمّة واحداً واحداً، إلى أن انتهى إلى صاحب الزمان فلم يذكره، فعجبت من ذلك، وقلت في نفسي: لعلَّه نسي، أو لم يعرف، أو هذا مذهب لهذا الرجل، فلمَّا فرغ من زيارته صلّى ركعتين وأقبل إلى مولانا أبي جعفر عليه السلام فزار مثل تلك الزيارة وسلَّم ذلك السلام وصلّى ركعتين وأنا خائف منه، إذ لم أعرفه، [ورأيته](٣٠٩) شابّاً من الرجال عليه ثياب بيض وعمامة محنَّك بها، وله ذوابة ورداء على كتفه، فالتفت إليَّ وقال: (يا أبا الحسين ابن أبي البغل، أين أنت عن دعاء الفرج؟)، قلت: فما هو يا سيّدي؟ قال: (تصلّي ركعتين وتقول:
يا من أظهر الجميل وستر القبيح، يا من لم يؤاخذ بالجريرة، ولم يهتك الستر، يا عظيم المنّ، يا كريم الصفح، يا حسن التجاوز، يا واسع المغفرة، يا باسط اليدين بالرحمة، يا منتهى كلّ نجوى وغاية كلّ شكوى، يا عون كلّ مستعين، يا مبتدأ بالنعم قبل استحقاقها، يا ربّاه (عشر مرّات)، يا منتهى غاية رغبتاه (عشر مرّات)، أسألك بحقّ هذه الأسماء، وبحقّ محمّد وآله الطاهرين إلاَّ ما كشفت كربي، ونفَّست همّي، وفرَّجت غمّي، وأصلحت حالي.
وتدعو بعد ذلك ما شئت وتسأل حاجتك، ثمّ تضع خدّك الأيمن على الأرض وتقول مائة مرّة في سجودك:
يا محمّد يا علي، اكفياني فإنَّكما كافياي، وانصراني فإنَّكما ناصراي.
ثمّ تضع خدّك الأيسر على الأرض وتقول: أدركني يا صاحب الزمان، وتكرّر ذلك كثيراً، وتقول: الغوث الغوث الغوث، حتَّى ينقطع النفس، وترفع رأسك، فإنَّ الله بكرمه يقضي حاجتك إن شاء الله).
فلمَّا شُغلت بالصلاة والدعاء خرج، فلمَّا فرغت خرجت إلى أبي جعفر لأساله عن الرجل وكيف دخل، فرأيت الأبواب على حالها مقفلة، فعجبت من ذلك، وقلت: لعلَّ باباً هنا آخر لم أعلمه. وانتهيت إلى أبي جعفر القيّم، فخرج إليَّ من باب الزيت، فسألته عن الرجل ودخوله، فقال: الأبواب مقفلة كما ترى ما فتحتها.
فحدَّثته الحديث، فقال: هذا مولانا صاحب الزمان، وقد شاهدته دفعات في مثل هذه الليلة عند خلوتها من الناس.
فتأسفت على ما فاتني منه، وخرجت عند قرب الفجر وقصدت الكرخ إلى الموضع الذي كنت مستتراً فيه، فما أضحى النهار إلاَّ وأصحاب ابن أبي الصالحان يلتمسون لقائي ويسألوا عنّي أصحابي وأصدقائي، ومعهم أمان من الوزير ورقعة بخطّه فيها كلّ جميل، فحضرت مع ثقة من أصدقائي، فقام والتزمني وعاملني بما لم أعهده، وقال: انتهت بك الحال إلى أن تشكوني إلى صاحب الزمان صلوات الله عليه، فإنّي رأيته في النوم البارحة _ يعني ليلة الجمعة _ وهو يأمرني بكلّ جميل، ويجفو عليَّ في ذلك جفوة خفتها، فقلت: لا إله إلاَّ الله، أشهد أنَّهم الحقّ ومنتهى الحقّ، رأيت البارحة مولانا في اليقظة، وقال لي كذا وكذا، وشرحت ما رأيته في المشهد، فعجب من ذلك، وجرت منه أمور عظام حسان في هذا المعنى، وبلغت منه غاية لم أظنّها، وذلك ببركة مولانا صلوات الله عليه.
فصل: [دعاء الإمام عليه السلام لجنين]: (٣١٠)
وممَّا روينا بإسنادنا إلى الشيخ أبي العبّاس عبد الله بن جعفر الحميري في الجزء الثاني من كتاب (الدلائل) قال: وكتب رجل من (ربض حميد)(٣١١) يسأله الدعاء في حمل له، فورد عليه الدعاء في الحمل قبل الأربعة أشهر وأنَّها ستلد ابناً، فكان الأمر كما قال صلوات الله عليه.
فصل: [سؤال السمري كفناً]: (٣١٢)
ومن الكتاب المذكور قال الحسن بن علي بن إبراهيم السياري: كتب علي بن محمّد السمري يسأل الصاحب عليه السلام كفناً، فورد عليه: (إنَّك تموت في إحدى وثمانين)، فمات في تلك السنة، وبعث إليه بالكفن قبل موته بشهرين.
فصل: [قصَّة رشيق المادراني]: (٣١٣)
وممَّا روينا بإسنادنا إلى الشيخ سعيد بن هبة الله الراوندي في الجزء الأوّل من كتاب (الخرائج والجرائح)(٣١٤) فقال: عن رشيق الحاجب المادراني، قال: بعث إلينا المعتضد وأمرنا أن نركب ونحن ثلاثة نفر، ونخرج مخفّين على السروج وبحيث لا نرى(٣١٥)، وقال: الحقوا بسامرا واكبسوا دار الحسن بن علي فإنَّه توفّي، فمن رأيتم بها فأتوني به.
فأتينا سامرا وكبسنا الدار كما اُمرنا، فوجدنا دار أسترته(٣١٦) كأنَّ الأيدي رفعت عنها في ذلك الوقت، فرفعنا السترة فإذا سرداب في الدار الأخرى، فدخلنا فرأينا كأنَّ بحراً فيه، وفي أقصاه حصير قد علمنا أنَّه على الماء، وفوقه رجل من أحسن الناس هيبة قائم يصلّي، فلم يلتفت إلينا ولا إلى شيء من أسبابنا، فسبق أحمد بن عبد الله ليتخطّى فغرق في الماء، وما زال يضطرب حتَّى مددت يدي إليه فخلَّصته وأخرجته، وغشي عليه وبقي ساعة، وعاد صاحبي الثاني إلى فعل الأوّل فناله مثل ذلك، فبقيت مبهوتاً، فقلت لصاحب البيت: المعذرة إلى الله وإلى رسوله وإليك، فوَالله ما علمت كيف الخبر وإلى من نجيء، وأنا تائب إلى الله، فما التفت إليَّ بشيء ممَّا قلت، ثمّ عدنا إلى المعتضد فأخبرناه، فقال: اكتموه وإلاَّ ضربت أعناقكم.
[خبر القاسم بن العلاء، وعلمه عليه السلام بالآجال وبالغائب]:
ومن الكتاب المذكور(٣١٧) ما رويناه عن الشيخ المفيد ونقلناه عن نسخة عتيقة جدَّاً من أصول أصحابنا قد كتبت في زمان الوكلاء، فقال فيها ما هذا لفظه: قال الصفواني رحمه الله: رأيت القاسم بن العلاء وقد عمَّر مائة سنة وسبعة عشرة، منها ثمانون سنة صحيح العينين، فيها لقي مولانا أبا الحسن ومولانا أبا محمّد العسكري عليهما السلام، وحجب بعد الثمانين وردَّت عيناه قبل موته بسبعة أيّام، وذلك أنّي كنت مقيماً عنده بمدينة آران من أرض آذربيجان، وكان لا تنقطع عنه توقيعات مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه على يد أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري، وبعده علي يد أبي القاسم بن روح (قدَّس الله روحيهما) فانقطعت عنه المكاتبة نحواً من شهرين، فقلق رحمه الله لذلك، فبينا نحن عنده إذ دخل البوّاب مستبشراً وقال: فيج العراق قد ورد ولا يسمّى بغيره، فاستبشر أبو القاسم، وحوَّل وجهه إلى القبلة فسجد، ودخل رجل قصير بالصرر الفيوج عليه، وعليه جبّة مصرية وفي رجليه نعل آملي وعلى كتفه مخلاة.
فقام إليه وعانقه ووضع المخلاة من عنقه، ودعا بطست من ماء فغسل وجهه وأجلسه إلى جانبه، فأكلنا وغسلنا أيدينا، فقام الرجل وأخرج كتاباً أفضل من نصف الدرج، فناوله القاسم فقبَّله، ودفعه إلى كاتب له يقال له: عبد الله بن أبي سلمة، فأخذه وفضَّه وقرأه وبكى حتَّى أحسَّ القاسم ببكائه، فقال القاسم له: يا عبد الله خيراً؟!
قال: ما يكره فلا.
قال: فما هو؟
قال: ينعى الشيخ نفسه بعد ورود هذا الكتاب بأربعين يوماً وأنَّه يمرض في اليوم السابع من ورود هذا الكتاب، وأنَّ الله يرد عليه بعد ذلك عينيه، وقد حمل سبعة أثواب.
فقال القاسم: في سلامة من ديني؟
قال: في سلامة من دينك، فضحك رحمه الله وقال: ما أؤمّل بعد هذا العمر؟
ثمّ قام الرجل الوارد فأخرج من مخلاته ثلاثة اُزر يمانية حمراء وعمامة وثوبين ومنديلاً، فأخذها الشيخ وكان عنده قميص خلعه عليه مولانا أبو الحسن ابن الرضا عليه السلام.
وكان له صديق يقال له: عبد الرحمن بن محمّد السري، وكان شديد النصب، وكان بينه وبين القاسم (نضَّر الله وجهه) مودّة في أمور الدنيا شديدة، وكان يوادّه وكان عبد الرحمن وافى إلى آران للإصلاح بين أبي جعفر ابن حمدون الهمداني وبين حيان العين، فربَّما حضر عنده، فقال لشيخين كانا مقيمين عنده أحدهما يقال له: أبو حامد عمران بن المفلس والآخر يقال له: أبو علي محمّد: أريد أن أقرأ هذا الكتاب لعبد الرحمن فإنّي أحبّ هدايته، وأرجو أن يهديه الله عز وجل بقراءة هذا الكتاب، فقال: لا إله إلاَّ الله، هذا الكتاب لا يحتمل ما فيه خلق من الشيعة، فكيف عبد الرحمن؟
فقال: إنّي أعلم أنّي مفش سرّاً لا يكون لي إعلانه، ولكن لمحبّتي عبد الرحمن أشتهي أن يهديه الله لهذا الأمر، فأقرأه له، فلمَّا مرَّ ذلك اليوم وكان الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب سنة أربع وثلاثماثة دخل عبد الرحمن وسلَّم عليه، فقال له: اقرأ هذا الكتاب وانظر لنفسك، فقرأه، فلمَّا بلغ إلى موضع النعي به رمى الكتاب من يده وقال للقاسم: يا أبا محمّد اتّق الله، فإنَّك رجل فاضل في دينك متمكّن من عقلك، إنَّ الله يقول: (وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ)(٣١٨)، ويقول: (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً)(٣١٩).
فضحك القاسم وقال: أتم الآية: (إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ)(٣٢٠) ومولاي هذا المرتضى من رسول، قد علمت أنَّك تقول هذا، ولكن أرّخ هذا اليوم، فإن أنا عشت بعد هذا اليوم المؤرّخ في الكتاب فاعلم أنّي لست على شيء، وإن أنا متُّ فانظر لنفسك.
فأرَّخ عبد الرحمن اليوم وافترقوا، فلمَّا كان اليوم السابع من ورود الكتاب حمَّ القاسم واشتدَّت به العلّة، واستند في فراشه إلى الحائط، وكان ابنه الحسن بن القاسم مدمناً على شرب الخمر، وكان متزوّجاً إلى أبي عبد الله بن حمدون الهمداني، وكان ابن حمدون الهمداني جالساً في ناحية من الدار ورداؤه على وجهه، وأبو حامد في ناحية، وأبو علي بن محمّد وجماعة من أهل البلد يبكون إذ اتكأ القاسم على يديه إلى خلف وجعل يقول: يا محمّد يا علي يا حسن يا حسين إلى آخر الأئمّة، يا موالي كونوا شفعائي إلى الله عز وجل، ثمّ قالها ثانية، ثمّ قالها ثالثة، فلمَّا وصل إلى: يا موسى، يا علي، تفرقعت أجفان عينيه كما تفرقع الصبيان شقائق النعمان، وانفتحت حدقتاه، وجعل يمسح بكمّه عينيه، وخرج من عينيه شيء يشبه ماء اللحم، ثمّ مدَّ طرفه إلى ابنه، فقال: يا حسن إليَّ، يا أبا حامد إليَّ، يا أبا علي إليَّ.
فاجتمعوا حوله ونظروا إلى حدقتيه صحيحين، فقال أبو حامد: تراني؟
فجعل يده على كلّ واحد منّا، وشاع في الناس هذا فأتاه الناس ينظرون إليه، وركب إليه القاضي وهو عينية(٣٢١) بن عبيد الله أبو ثابت المسعودي قاضي القضاة ببغداد، فدخل عليه وقال: يا أبا محمّد ما هذا الذي بيدي؟ وأراه خاتماً فصّه فيروزج، وقرَّبه منه، فقال: خاتم فصّه فيروزج عليه ثلاثة أسطر.
فتناوله القاسم فلم يمكنه قراءته، وخرج الناس متعجّبين يتحدَّثون بخبره، فالتفت القاسم إلى ابنه الحسن، فقال: يا بني إنَّ الله عزَّ اسمه جعل منزلتك منزلتي ومرتبتك مرتبتي، فاقبلها بشكر.
فقال الحسن: قد قبلتها.
قال القاسم: على ماذا؟
قال: على ما تأمرني به.
قال: أن تنزع عمَّا أنت عليه من شرب الخمر.
فقال: يا أبه، وحقّ من أنت في ذكره لأنزعنَّ عن شرب الخمر ومع الخمر أشياء لا تعرفها.
فرفع القاسم يده إلى السماء وقال: اللهم ألهم الحسن طاعتك وجنّبه معصيتك _ ثلاث مرَّات _.
ثمّ دعا بدرج وكتب وصيّته رحمه الله بيده، وكانت الضياع التي بيده لمولانا عليه السلام، وقفها له أبوه، فكان فيما أوصى الحسن أن قال له: إنَّك إن أهّلت الأمر _ يعني الوكالة لمولانا عليه السلام _ تكون مؤنتك من نصف ضيعتي المعروفة بفرجند، وسائرها ملك لمولاي، وإن لم تؤهّل فاطلب خيرك من حيث يبعث الله لك.
فقبل الحسن وصيّته على ذلك، فلمَّا كان يوم الأربعين وقد طلع الفجر مات القاسم، فوافاه عبد الرحمن بن محمّد يعدو في الأسواق حافياً حاسراً وهو يصيح: وا سيّداه. فاستعظم الناس منه ذلك، وجعلوا يقولون له: ما الذي تفعل بنفسك؟
فقال: اسكتوا فإنّي رأيت ما لم تروا.
وشيَّعه ورجع عمَّا كان عليه، ووقف أكثر ضياعه.
فتجرَّد أبو علي بن محمّد وغسل القاسم وأبو حامد يصبّ عليه الماء، ولفَّ في ثمانية أثواب، على بدنه قميص مولانا، وما يليه السبعة أثواب التي جاءت من العراق، فلمَّا كان بعد مدّة يسيرة ورد كتاب تعزية على الحسن من مولانا صلوات الله عليه، ودعا له في آخره: (ألهمه الله طاعته وجنَّبه معصيته)، وهو الدعاء الذي كان دعا به أبوه وكان في آخره: (قد جعلنا أباك لك إماماً وفعاله مثلاً).
وروينا هذا الحديث الذي ذكرناه أيضاً عن أبي جعفر الطوسي رضوان الله عليه(٣٢٢).
[علمه عليه السلام بما يكون]:
ومن ذلك ما رويناه بإسنادنا إلى الشيخ سعيد بن هبة الله الراوندي في الجزء الأوّل من كتاب (الخرائج والجرائح)(٣٢٣)، قال: روي عن أبي الحسن المسترق الضرير، قال: كنّا يوماً في مجلس الحسن بن عبيد الله بن حمدان ناصر الدولة، فتذاكرنا أمر الناحية، فقال: كنت أزري عليها حتَّى حضرت مجلس عمّي الحسين، فأخذت أتكلَّم بذلك، فقال: يا بني كنت أقول بمقالتك هذه إلى أن ندبت إلى ولاية قم حين استصعبت على السلطان، وكان كلّ من ورد إليها يحاربه أهلها، فسلَّم إليَّ الجيش وخرجت نحوها، فلمَّا بلغت إلى ناحية نهر خرجت إلى الصيد، ففاتتني طريدة فأتبعتها وأوغلت في طلبها وأثرها حتَّى بلغت إلى نهر، فسرت فيه وكلَّما سرت اتَّسع ذلك النهر، فبينا أنا كذلك إذ طلع عليَّ فارس تحته شهباء وهو متعمّم بعمامة خزّ أخضر لا أرى منه سوى عينيه وفى رجليه خفّان أحمران، فقال لي: (يا حسين). لا هو لقَّبني ولا كنّاني، قلت: ماذا تريد؟
قال: (لِمَ تزري على الناحية؟ ولِمَ تمنع أصحابي خمس مالك؟).
قال: وكنت الرجل الوقور الذي لا يخاف شيئاً، فأرعدت وتهيَّبته، وقلت: أفعل يا سيّدى ما تأمر به.
قال: (فإذا مضيت إلى الموضع الذي أنت متوجّه إليه ودخلته وكسبت ما كسبت فيه فاحمل إلى من يستحقّ خمسه).
فقلت: السمع والطاعة.
قال: (فامض راشداً).
ولوى عنان دابته وانصرف، فلم أدرِ أيّ طريق سلك، فطلبته يميناً وشمالاً فخفي عليَّ أثره، فازددت رعباً وانفلت راجعاً إلى عسكري، وتناسيت الحديث حتَّى بلغت قم، وعندي أنّي محارب القوم، فخرج إليَّ أهلها وقالوا: كنّا نحارب من يجيئنا لخلافهم لنا، فإذا وافيت أنت فلا خلاف بيننا وبينك، أدخل البلد ودبّرها كما ترى، فدخلت البلد وأقمت فيها زماناً واكتسبت أموالاً زائدة على ما كنت أقدّر.
ثمّ وشى القوّاد بي إلى السلطان وحدَّثوه بطول مقامي وكثرة ما اكتسبت، فعزلت ورجعت إلى بغداد، فابتدأت بدار السلطان فسلَّمت، وأقبلت إلى منزلي، فجائني فيمن جائني محمّد بن عثمان العمري، فتخطّى الناس حتَّى اتكأ على متكئي، فاغتظت من ذلك، ولم يزل قاعداً ما يبرح والناس داخلون وخارجون وأنا أزداد غيظاً، فلمَّا تصرَّم المجلس دنا إليَّ وقال: بيني وبينك سرّ فاسمعه.
قلت: ماذا؟
قال: صاحب الشهباء والنهر يقول: (هلاَّ وفيت بما وعدتنا؟)، فذكرت الحديث وارتعت وقلت: السمع والطاعة، وقمت ففتحت الخزائن له، ولم يزل يخمّس إلى أن خمَّس شيئاً كثيراً كنت أنسيته ممَّا جمعته فذكَّرنيه، وأخذ الخمس وانصرف، فلم أشكّ بعد ذلك وتحقَّقت الأمر.
قال: فأنا منذ سمعت هذا الحديث من عمّي أبي عبد الله زال ما كان عرض لي من شكّ بحمد الله.
[وضعه عليه السلام للحجر الأسود وعلمه بالآجال]:
ومن ذلك ما رويناه بإسنادنا عن الشيخ سعيد الراوندي في كتابه المذكور(٣٢٤) قال: ومنها ما روي عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه رحمه الله، قال: لمَّا وصلت بغداد سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة أردت الحجّ، وهى السنة التي ردّ القرامطة فيها الحجر إلى مكانه من البيت، لأنَّه يمضي في الكتب قصَّة أخذه وأنَّه ينصبه في مكانه الحجّة في ذلك الزمان كما وضعه في مكانه زين العابدين عليه السلام في زمن الحجّاج فاستقرَّ في مكانه، فاعتللت علّة صعبة خفت منها على نفسي، ولم يتهيَّأ لي ما قصدت، فأتيت ابن هشام وأعطيته رقعة مختومة أسأل فيها عن مدّة عمري، وهل تكون الميتة في هذه العلّة أو لا؟ وقلت له: همّي إيصال هذه الرقعة إلى من يضع الحجر في مكانه ويستقرّ وأخذ جوابه، فإنَّما أندبك لهذا.
فقال الرجل المعروف بابن هشام: لمَّا وصلت مكّة وعزم أهلها على إعادة الحجر مكانه بذلت لسدنة البيت جملة تمكَّنت معها من الوقوف بحيث أرى واضع الحجر في مكانه، وأقمت معي منهم من يمنع عنّي ازدحام الناس، فكلَّما عمد إنسان لوضعه اضطرب ولم يستقم، فأقبل غلام أسمر اللون حسن الوجه، فتناوله ووضعه في مكانه فاستقام، ولم يزل عن مكانه، فَعَلَت لذلك الأصوات، فانصرف خارجاً من الباب، فنهضت من مكاني أتبعه وأدفع الناس عنّي يميناً وشمالاً حتَّى ظنَّ الاختلاط بي في العقل، والناس يفرجون له وعيني لا تفارقه حتَّى انقطع عن الناس، وكنت أسرع المسير خلفه، وهو يمشي على توأدة، فلمَّا حصل بحيث لا يراه أحد غيري وقف والتفت إليَّ وقال: (هات ما معك)، فناولته الرقعة، فقال من غير أن ينظر إليها: (قل له: لا خوف عليك في هذه العلّة، وسيكون ما لا بدَّ منه بعد ثلاثين سنة)، قال: فوقع عليَّ الزمع(٣٢٥) حتَّى لم أطق حراكاً، وتركني وانصرف.
قال أبو القاسم: فحضر وأعلمني هذه الجملة، فلمَّا كانت سنة الثلاثين اعتلَّ أبو القاسم، فأخذ ينظر في أمره بتحصيل جهازه في قبره، وكتب وصيَّته واستعمل الجدّ في ذلك، فقيل له: ما ذا الخوف؟ ونرجو أن يتفضَّل الله عليك بالسلامة، فما علّتك ممَّا يخاف، فقال: هذه السنة التي خوّفت فيها، ومات في علَّته رحمه الله.
فصل: [علمه عليه السلام بالغائب وبما يكون]: (٣٢٦)
فيما رويته عن أبي محمّد عبد الله بن محمّد بن أبي محمّد عبد الله الحذّاء الدعلجي (منسوب إلى موضع خلف باب الكوفة ببغداد يقال لأهله: الدعالجة)، وكان فقيهاً عارفاً ذكره النجاشي في كتابه بما ذكرناه، قال: وعليه تعلَّمت المواريث، وله كتاب الحجّ.
قال الشيخ سعيد بن عبد الله الراوندي في الجزء الأوّل من كتابه (الخرائج والجرائح)(٣٢٧) ما هذا لفظه: إنَّ أبا محمّد الدعلجي كان له ولدان، وكان من خيار أصحابنا، وكان قد سمع الأحاديث، وكان أحد ولديه على الطريقة المستقيمة وهو أبو الحسن _ وكان يغسّل الأموات_، والولد الآخر يسلك مع الفسّاق(٣٢٨)، فدفع(٣٢٩) إلى أبي محمّد حجّة يحجّ بها عن صاحب الزمان صلوات الله عليه، وكان ذلك عادة الشيعة في ذلك الوقت وتُركت بعد ذلك، فدفع منها شيئاً إلى ولده المذكور بالفساد، وخرج إلى الحجّ، ولمَّا عاد حكى أنَّه كان واقفاً بالموقف رأى شخصاً إلى جانبه حسن الوجه أسمر اللون ذا ذوابتين مقبلاً على شأنه في الابتهال والدعاء، حسن العمل والتضرّع، قال: فلمَّا نفر الناس التفت إليَّ وقال: (يا شيخ أمَا تستحي؟).
قلت: من أيّ شيء يا سيّدي؟
قال: (تدفع إليك حجّة عمَّن تعلم فتدفع منها إلى فاسق يشرب الخمر؟!، يوشك أن تذهب عينك هذه)، وأومأ إلى عيني، فأنا من ذلك على وجل ومخافة، وسمع منه أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان ذلك، فما مضى عليه إلاَّ أربعون يوماً من بعد ملاقاته مولانا عليه السلام حتَّى خرجت في عينه التي أومأ إليها قرحة فذهبت بها.
ومن ذلك ما رويناه بإسنادنا إلى الشيخ سعيد بن هبة الله الراوندي في كتابه (الخرائج والجرائح)(٣٣٠) في الجزء الثاني منه، قال: ومنها ما روي عن أحمد بن أبي روح، قال: وجَّهت إليَّ امرأة من أهل الدينور، فأتيتها، فقالت: يا بن أبي روح أنت أوثق من في ساحتنا ديناً وورعاً، وإنّي أريد أن أودعك أمانة أجعلها في رقبتك تؤدّيها وتقوم بها.
قلت: أفعل إن شاء الله.
قالت: هذه دراهم في هذا الكيس المختوم لا تحله ولا تنظر إليه حتَّى تؤدّيه إلى من يخبرك بما فيه، وهذا قرطي يساوي عشرة دنانير، وفيه ثلاث حبّات لؤلؤ تساوي عشرة دنانير، ولي إلى صاحب الزمان حاجة أريد أن يخبرني بها قبل أن أسأله عنها.
قلت: وما الحاجة؟
قالت: عشرة دنانير، اقترضتها ولا أدري إلى من أدفعها، فإن أخبرك فادفعها إلى من يأمرك.
فأتيت سامراء، فقيل لي: إنَّ جعفر بن علي يدّعي الإمامة.
فقلت: أبدأ بجعفر، ثمّ تفكَّرت فقلت: أبدأ بهم، فإن كانت الحجّة عندهم وإلاَّ أتيت جعفراً.
فدنوت من باب دار أبي محمّد عليه السلام فخرج إليَّ خادم وقال: أنت أحمد بن أبي روح؟
قلت: نعم.
قال: فهذه الرقعة اقرءها، فإذا فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم، أودعتك بنت الدينوري كيساً فيه ألف درهم بزعمك وهو خلاف ما تظنّ، وقد أدَّيت الأمانة ولم تفتح الكيس ولم تدرِ ما فيه، وفيه ألف درهم وخمسون ديناراً صحاحاً، ومعك قرطان زعمت المرأة أنَّهما تساوي عشرة دنانير، وهي تساوي ثلاثين ديناراً فادفعها إلى جاريتنا فلانة، فإنّا قد وهبناها لها، وصر إلى بغداد وادفع المال إلى حاجز، وخذ منه ما يعطيك لنفقتك). فأتيت بغداد ودفعت المال إليه، فأعطاني شيئاً منه، فأخذته وانصرفت إلى الموضع الذي نزلت فيه، فإذا بفيج فاجأني من المنزل يخبرني بأنَّ حموي قد مات وأهلي يأمروني بالانصراف إليهم، فرجعت فإذا هو مات وورثت منه ثلاثة آلاف دينار ومائة ألف درهم.
ومن ذلك ما ذكره الراوندي رحمه الله أيضاً في الجزء الأوّل(٣٣١) من كتاب (الخرائج والجرائح)(٣٣٢)، قال: إنَّ علي بن الحسين بن موسى بن بابويه كانت تحته ابنة عمّه ولم يرزق منها ولداً، فكتب إلى الشيخ أبي القاسم بن روح أن يسأل الحضرة ليدعو الله أن يرزقه أولاداً، فجاء الجواب: (إنَّك لا ترزق من هذه، وستملك جارية ديلمية ترزق منها ولدين فقيهين ماهرين)، فرزق منها محمّداً والحسين، وكان لهما أخ أوسط مشتغل بالزهد لا فقه له.
ومن الكتاب المذكور(٣٣٣) ما روي عن علي بن إبراهيم الفدكي، قال: قال الأودي(٣٣٤): بينا أنا في الطواف طفت ستّة أشواط وأريد أن أطوف السابع، فإذا أنا بحلقة عن يمين الكعبة وشاب حسن الوجه طيّب الرائحة هيوب، مع هيبته متقرّب إلى الناس، وقالوا: هذا ابن رسول الله يظهر للناس في كلّ سنة لخواصّه يوماً فيحدّثهم، فجئته وقلت: مسترشد فارشدني هداك الله عز وجل، فناولني حصاة، فحوَّلت وجهي فقال لي بعض خدّامه: ما الذي دفع إليك؟ قلت: حصاة، فقال هو لي: (قد تبيَّنت لك الحجّة وظهر الحقّ وذهب عنك العمى أتعرفني؟)، قلت: اللهم لا، قال: (أنا المهدي، أنا قائم الزمان املؤها عدلاً كما ملئت جوراً، إنَّ الأرض لا تخلو من حجّة، ولا تبقى الناس في فترة أكثر من تيه بني إسرائيل، فقد ظهر أيّام خروجي، فهذه أمانة في رقبتك تحدّث بها إخوانك من أهل الحقّ).

* * *
كشف المحجة لثمرة المهجة

تأليف: رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن محمد الطاووس العلوي الفاطمي المتوفى سنة ٦٦٤ هـ

[غيبة الإمام المهدي عليه السلام]
الفصل السابع والسبعون: [الغيبة دليل الإمامة]: (٣٣٥)
واعلم يا ولدي محمّد _ ألهمك الله ما يريده منك ويرضى به عنك _ أنَّ غيبة مولانا (المهدي) صلوات الله عليه التي حيَّرت المخالف والمؤالف هي من جملة الحجج على ثبوت إمامته وإمامة آبائه الطاهرين صلوات الله على جدّه محمّد وعليهم أجمعين، لأنَّك إذا وقفت على كتب الشيعة أو غيرهم مثل كتاب الغيبة لابن بابويه، وكتاب الغيبة للنعماني، ومثل كتاب الشفاء والجلاء، ومثل كتاب أبي نعيم الحافظ في أخبار المهدي ونعوته وحقيقة مخرجه وثبوته، والكتب التي أشرت إليها في كتاب (الطرائف) وجدتها أو أكثرها تضمَّنت قبل ولادته أنَّه يغيب عليه السلام غيبة طويلة حتَّى يرجع عن إمامته بعض من كان يقول بها، فلو لم يغب هذه الغيبة كان طعناً في إمامة آبائه وفيه، فصارت الغيبة حجّة لهم عليهم السلام وحجّة على مخالفيه في ثبوت إمامته وصحَّة غيبته، مع أنَّه عليه السلام حاضر مع الله جل جلاله على اليقين، وإنَّما غاب من لم يلقه عنهم لغيبتهم عمَّن حضره للمتابعة له ولربّ العالمين.
الفصل الثامن والسبعون: [كشف الأستار لمعرفة الأسرار]:
فإن أدركت يا ولدي موافقة توفيقك لكشف الأسرار عنك عرَّفتك من حديث المهدي صلوات عليه ما لا يشتبه عليك وتستغني بذلك عن الحجج المعقولات ومن الروايات، فإنَّه صلّى الله عليه حيّ موجود على التحقيق، ومعذور عن كشف أمره إلى أن يؤذن له تدبير الله الرحيم الشفيق، كما جرت عليه عادة كثير من الأنبياء والأوصياء، فاعلم ذلك يقيناً واجعله عقيدة وديناً فإنَّ أباك معرفته أبلغ من معرفة ضياء شمس النهار.
الفصل التاسع والسبعون: [القول في الصحابة والمتعة والرجعة والمهدي]:
ولقد جمعني وبعض أهل الخلاف مجلس منفرد، فقلت لهم: ما الذي تأخذون على الإماميّة؟ عرّفوني به بغير تقيّة لأذكر ما عندي، وفيه غلقنا باب الموضع الذي كنّا ساكنيه، فقالوا: نأخذ عليهم تعرّضهم بالصحابة، ونأخذ عليهم القول بالرجعة، والقول بالمتعة، ونأخذ عليهم حديث المهدي وأنَّه حيّ مع تطاول زمان غيبته.
فقلت لهم: أمَّا ما ذكرتم من تعرّض من أشرتم إليه بذمّ بعض الصحابة فأنتم تعلمون أنَّ كثيراً من الصحابة استحلَّ بعضهم دماء بعض في حرب طلحة والزبير وعائشة لمولانا علي عليه السلام، وفي حرب معاوية له أيضاً، واستباحوا أعراض بعضهم لبعض حتَّى لعن بعضهم بعضاً على منابر الإسلام، فأولئك هم الذين طرقوا سبيل الناس للطعن عليهم، وبهم اقتدى من ذمَّهم ونسب القبيح إليهم، فإن كان لهم عذر في الذي عملوه من استحلال الدماء وإباحة الأعراض فالذين اقتدوا بهم أعذر وأبعد من أن تنسبوهم إلى سوء التعصّب والإعراض، فوافقوا على ذلك.
وقلت لهم: وأمَّا حديث ما أخذتم عليه من القول بالرجعة، فأنتم ترون أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنَّه يجري في أمّته ما جرى في الأمم السابقة، وهذا القرآن يتضمَّن: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ)(٣٣٦) فشهد جل جلاله أنَّه قد أحيا الموتى في الدنيا وهي رجعة، فينبغي أن يكون في هذه الأمّة مثل ذلك، فوافقوا على ذلك.
فقلت لهم: وأمَّا أخذكم عليهم القول بالمتعة، فأنتم أحوجتم الشيعة إلى صحَّة الحكم بها، لأنَّكم رويتم في صحاحكم عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن مسعود، وسلمة بن الأكوع، وعمران بن الحصين، وأنس بن مالك، وهم من أعيان الصحابة أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مات ولم يحرّمها، فلمَّا رأت الشيعة أنَّ رجالكم وصحاح كتبكم قد صدَّقت رجالكم ورواتهم أخذوا بالمجمع عليه وتركوا ما انفردتم به، فوافقوا على ذلك.
وقلت لهم: وأمَّا ما أخذتم عليه من طول غيبة المهدي عليه السلام، فأنتم تعلمون أنَّه لو حضر رجل وقال: أمشي على الماء، ببغداد، فإنَّه يجتمع لمشاهدته لعلَّ كلّ من يقدر على ذلك منهم، فإذا مشى على الماء وتعجَّب الناس منه، فجاء آخر قبل أن يتفرَّقوا وقال أيضاً: أنا أمشي على الماء، فإنَّ التعجّب منه يكون أقلّ من ذلك، فمشى على الماء، فإنَّ بعض الحاضرين ربَّما يتفرَّقون ويقلّ تعجّبهم، فإذا جاء ثالث وقال: أنا أيضاً أمشي على الماء، فربَّما لا يقف للنظر إليه إلاَّ قليل، فإذا مشى على الماء سقط التعجّب من ذلك، فإن جاء رابع وذكر أنَّه يمشي أيضاً على الماء: فربَّما لا يبقى أحد ينظر إليه ولا يتعجَّب منه، وهذه حالة المهدي عليه السلام، لأنَّكم رويتم أنَّ إدريس حيّ موجود في السماء منذ زمانه إلى الآن، ورويتم أنَّ الخضر حيّ موجود مذ زمان موسى عليه السلام أو قبله إلى الآن، ورويتم أنَّ عيسى حيّ موجود في السماء وأنَّه يرجع إلى الأرض مع المهدي عليه السلام، فهذه ثلاثة نفر من البشر قد طالت أعمارهم وسقط التعجّب بهم من طول أعمارهم، فهلاَّ كان لمحمّد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وآله أسوة بواحد منهم أن يكون من عترته آية الله جل جلاله في أمّته بطول عمر واحد من ذرّيته؟ فقد ذكرتم ورويتم في صفته أنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت جوراً وظلماً، ولو فكَّرتم لعرفتم أنَّ تصديقكم وشهادتكم أنَّه يملأ الأرض بالعدل شرقاً وغرباً وبعداً وقرباً أعجب من طول بقائه وأقرب إلى أن يكون ملحوظاً بكرامات الله جل جلاله لأوليائه.
وقد شهدتم أيضاً له أنَّ عيسى بن مريم النبيّ المعظَّم عليهما السلام يصلّي خلفه مقتدياً به في صلاته وتبعاً له ومنصوراً به في حروبه وغزواته، وهذا أيضاً أعظم مقاماً ممَّا استبعدتموه من طول حياته، فوافقوا على ذلك.
وفي حكاية الكلام زيادة، فاطلب من الطرائف وغيرها.
الفصل الخمسون والمائة: [كيفية تعاطي الناس مع قضيّة الإمام المهدي عليه السلام]: (٣٣٧)
وأوصيك يا ولدي محمّد وأخاك ومن يقف على كتابي هذا بالصدق في معاملة الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وحفظ وصيّتهما بما بشّرا به من ظهور مولانا المهدي عليه السلام، فإنَّني وجدت القول والفعل من كثير من الناس في حديثه عليه السلام مخالفاً للعقيدة من وجوه كثيرة.
منها: أنَّني وجدت أنَّه لو ذهب من الذي يعتقد إمامته عبد أو فرس أو درهم أو دينار تعلَّق خاطره وظاهره بطلب ذلك الشيء المفقود، وبذل في تحصيله غاية المجهود، وما رأيت لتأخّر هذا المحتشم عظيم الشأن عن إصلاح الإسلام والإيمان وقطع دابر الكفّار وأهل العدوان مثل تعلّق الخاطر بتلك الأشياء المحقرات، فكيف يعتقد من يكون بهذه الصفات أنَّه عارف بحقّ الله جل جلاله وحقّ رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ومعتقداً إمامته على الوجه الذي يدعى المغالات والموالات لشريف معاليه.
ومنها: أنَّني وجدت من يذكر أنَّه يعتقد وجوب رئاسته والضرورة إلى ظهوره وإنفاذ أحكام إمامته لو واصله بعض من يدّعي أنَّه عدوّ لإمامته من سلطان وشمله بإنعامه، كان قد تعلَّق خاطره ببقاء هذا السلطان المشار إليه وشغله ذلك عن طلب (المهدي) عليه السلام وعمَّا يجب عليه من التمنّي لعزل الوالي المنعم عليه.
ومنها: أنَّني وجدت من يدّعي وجوب السرور بسروره والتكدّر بتكدّره صلوات الله عليه يقول: إنَّه معتقد أنَّ كلّ ما في الدنيا قد أخذ من يد (المهدي) عليه السلام وغصبه الناس والملوك من يديه، ومع هذا لا أراه يتأثَّر بذلك النهب والسلب كتأثّره لو أخذ ذلك السلطان منه درهماً أو ديناراً أو ملكاً أو عقاراً، فأين هذا من الوفاء ومعرفة الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ومعرفة الأوصياء؟
ومنها: أنَّني قلت لبعض من يدّعي الحرص على ظهوره والوفاء له والتأسّف عليه: ما تقول لو نفذ إليك (المهدي) عليه السلام وقال لك: إنّي قد عرفت من جهة آبائي عليهم السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطريق محقّق اعتمدت عليه أنّي متى ظهرت الآن فإنَّ ساعة ما تقع عينك عليَّ تموت في الحال، ومتى تأخَّرت عن الظهور عشت عشرين سنة ممتعاً مسروراً بالأهل والولد والمال، أفليس كنت تختار تأخّر ظهوره لأجل حياتك الفانية؟
ومنها: أنَّني قلت لبعض من يدّعي مغالي في موالاته عليه السلام: لو أنفذ إليك وقال لك: إنَّ سلطان بلادك يعطيك بعد هذا اليوم كلّ يوم ألف دينار ثمّ أعطاك السلطان مستمرّاً على التكرار كلّ يوم جملة هذا المقدار وقال عليه السلام: هو لك حلال زمن الغيبة، ثمّ نفذ إليك عليه السلام وقال: أنا قد أذن لي في الظهور وهذا العطاء ما كان بإذني ولا تستحقّه إلاَّ مع غيبتي، فأيّما أحبُّ إليك: أظهر وأقطع بهذا العطاء وأحاسبك على كلّ ما فضل عن مؤنتك، وأجعل هذا الإدرار لبعض من بينك وبينه عداوة دنيوية ممَّن منزلته في الظاهر دون منزلتك، فأيّما كان أحبُّ إليك أن تطول غيبته وتأخذ العطاء كلّ يوم ألف دينار، أو يتعجَّل ظهوره ويحاسبك عليها ويقطعها ويردّها إلى عدوّك؟ عرّفنا ما يكون في قلبك من الاختيار، واعرف من الوجوه غير ما ذكرته الآن.
وقلت لبعض الإخوان: إنَّ رجال (المهدي) عليه السلام من يريده للوجه الذي أراده الله جل جلاله له، سواء كان نفعاً بهذا المريد أو غير نافع في العاجلة له وأن يكون الاختيار فيهم جل جلاله وله.
وقد كان سألني بعض من يذكر أنَّه معتقد لإمامته، فقال: قد عرضت لي شبهة في غيبته، فقلت: ما هي؟ فقال: أمَا كان يمكن أن يلقى أحداً من شيعته ويزيل الخلاف عنهم في عقايد ويتعلَّق(٣٣٨) بدين جدّه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وشريعته؟ واشترط عليَّ أن لا أجيبه بالأجوبة المسطورة في الكتب، وذكر أنَّه ما زال الشبهة منه ما وقف عليه ولا ما سمعه من الأعذار المذكورة.
فقلت: أيّهما أقدر على إزالة الخلاف بين العباد؟ وأيّما أعظم وأبلغ في الرحمة والعدل والإرفاد؟ أليس الله جل جلاله؟ فقال: بلى، فقلت له: فامنع الله جل جلاله أن يزيل الخلاف بين الأمم أجمعين، وهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وهو أقدر على تدبير ذلك بطرق لا يحيط بها علم الآدميين، أفليس أنَّ ذلك لعذر يقتضيه عدله وفضله على اليقين؟
فقال: بلى.
فقلت له: فعذر نائبه عليه السلام هو عذره على التفصيل، لأنَّه ما فعل فعلاً إلاَّ ما يوافق رضاه على التمام، فوافق، وزالت الشبهة، وعرف صدق ما أورده الله جل جلاله على لساني من الكلام.
واعلم: يا ولدي محمّد _ زيَّن الله جل جلاله سرائرك وظواهرك بموالاة أوليائه ومعاداة أعداءه _، أنَّني كنت لمَّا بلغني ولادتك بمشهد الحسين عليه السلام في زيارة عاشورا، إلاَّ أنَّك ولدت بطالع السعد والإقبال يوم تاسع محرَّم سنة ثلاث وأربعين وستمائة يوم الثلاثاء بعد مضي ساعتين وخمس دقايق من ذلك النهار كما قدَّمناه في خطبة هذه الرسالة(٣٣٩)، فقمت بين يدي الله جل جلاله مقام الذلّ والانكسار والشكر لما شرَّفني به من ولادتك من المسار والمبار، وجعلتك بأمر الله جل جلاله عبد مولانا (المهدي) عليه السلام ومتعلّقاً عليه وقد احتجنا كم مرّة عند حوادث حدثت لك إليه، ورأيناه في عدّة مقامات في منامات، وقد تولّى قضاء حوائجك بإنعام عظيم في حقّنا وحقّك لا يبلغ وصفي إليه، فكن في موالاته والوفاء له وتعلّق الخاطر به على قدر مراد الله جل جلاله ومراد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ومراد آبائه عليهم السلام ومراده عليه السلام منك، وقدّم حوائجه على حوائجك عند صلات الحاجات كما ذكرناه في كتاب (المهمّات والتتمّات)، والصدقة عنه قبل الصدقة عنك وعمَّن يعزّ عليك، والدعاء له قبل الدعاء لك، وقدّمه في كلّ خير يكون وفاءً له ومقتضياً لإقباله عليك وإحسانه إليك، فاعرض حاجتك عليه كلّ يوم الاثنين ويوم الخميس من كلّ أسبوع لما يجب له من أدب الخضوع، وقل عند خطابه بعد السلام عليه بما ذكرناه في أواخر الأجزاء من كتاب (المهمّات) من الزيارة التي أوّلها: (سلام الله الكامل، يا أيّها العزيز مسّنا وأهلنا الضرّ وجئنا ببضاعة مزجاة، فأوف لنا الكيل وتصدَّق علينا إنَّ الله يجزي المتصدّقين، تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنّا لخاطئين، يا مولانا استغفر لنا ذنوبنا إنّا كنّا خاطئين).
وقل: يا مولانا، هذه مقامات إخوة يوسف مع أخيهم وأبيهم وقد رحماهم بعد تلك الجنايات، فإن كنّا غير مرضيين عند الله جل جلاله وعند رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وعند آبائك وعندك عليكم أفضل الصلاة فأنت أحقّ أن تسعنا من رحمتك وحلمك وكرمك وشريف شيمك بما وسع إخوة يوسف من تعطّفه عليهم ورحمته لهم وإحسانه إليهم.
وقل: يا مولانا إنَّني وجدت في النقل أنَّ جدَّك محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم كان له عدوّ شديد يقال له: النضر بن الحارث فقتله، فقالت أخته تخاطب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في أبيات اعتبر بعض خطابها:

أمحمّد ولأنت نسل نجيبة من قومها * * * والفحل فحل معرقُ
إن كان يمكن أن تمنَّ وربَّما * * * منَّ الفتى وهو المغيض المخنقُ
والعبد أقرب من وصلت قرابة * * * وأحقّهم إن كان عتق يعتقُ

فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما معناه: لو وصلتني هذه الأبيات قبل قتله لعفوت عن سوء فعله(٣٤٠).
وأنت يا مولانا أهل الاقتداء بجميع خصاله.
وقل له: إنَّني رويت في الحديث: أنَّ قارون لمَّا دعى عليه موسى عليه السلام وخسفت به الأرض، نادى: وا رحماه، وكان بينه وبين موسى عليه السلام قرابة ورحم ماسّة، فروي أنَّ الله جل جلاله أمر الأرض أن لا تنخسف به، ورعى له حقّ حرمة هذه الاستغاثة، وأنا أقول: وا رحماه، وقل له غير ذلك ممَّا يجريه الله جل جلاله على خاطرك، واذكر له أنَّ أباك قد ذكر لك أنَّه أوصى بك إليه وجعلك بإذن الله جل جلاله عبده وإنَّني علَّقتك عليه، فإنَّه يأتيك جوابه صلوات الله وسلامه عليه.
وممَّا أقول لك يا ولدي محمّد _ ملأ الله جل جلاله عقلك وقلبك من التصديق لأهل الصدق والتوفيق في معرفة الحقّ _: أنَّ طريق تعريف الله جل جلاله لك بجواب مولانا (المهدي) صلوات الله وسلامه على قدرته جل جلاله ورحمته، فمن ذلك ما رواه محمّد بن يعقوب الكليني في كتاب (الوسائل)(٣٤١) عمَّن سمّاه، قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: أنَّ الرجل يحبّ أن يفضى إلى إمامه ما يحبّ أن يفضى به إلى ربّه، قال: فكتب: (إن كانت لك حاجة فحرّك شفتيك، فإنَّ الجواب يأتيك).
ومن ذلك ما رواه هبة الله بن سعيد الراوندي في كتاب (الخرائج)(٣٤٢) عن محمّد بن الفرج، قال: قال لي علي بن محمّد عليهما السلام: (إذا أردت أن تسأل مسألة فاكتبها وضع الكتاب تحت مصلاّك، ودعه ساعة ثمّ أخرجه وانظر فيه)، قال: ففعلت فوجدت جواب ما سألت عنه موقّعاً فيه.
وقد اقتصرت لك على هذا التنبيه، والطريق مفتوحة إلى إمامك عليه السلام لمن يريد الله جل جلاله شأنه وعنايته به وتمام إحسانه إليه.
الفصل الحادي والخمسون والمائة: [البداء وآية المحو والإثبات]: (٣٤٣)
واعلم يا ولدي محمّد _ كمَّل الله جل جلاله بلقائه سعادتك، وشرَّف ببقائه وحسن إرادته منزلتك وخاتمتك _ أنَّني لولا آية في كتاب الله المقدَّس: (يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)(٣٤٤) لكنت قد عرَّفتك ووثَّقتك أنَّني أدرك أيّام ظهوره الكامل وأدخل تحت ظلّه الشامل، فهذا أوان ظهور تلك الشموس وزوال الضرّ والبؤس إن شاء الله، فإن تمَّم الله جل جلاله لي ما أؤمله من هذه الآمال فقد كمل لي تحف الشرف والإقبال، وإن أراد انتقالي فالأمر إليه جل جلاله وله جل جلاله في تدبير آمالي.
الفصل الثاني والخمسون والمائة: [تضرّع ابن طاووس أمام الحضرة المهدوية]: (٣٤٥)
فإن دُعيت أنا إلى لقاء الله جل جلاله وتقدَّمت قبل الظهور ولم تشملني عناية أهل الرجعة والحضور فأوصيك ثمّ أوصيك ثمّ أوصي من يلقاه من ذرّيتي وولدي وولد ولدي، وأشهد الله جل جلاله عليكم وملائكته بهذه الوصيّة إنَّكم إذا رأيتموه وتشرَّفتم بتلك السعادة الربّانية وأذن لكم في الكلام بين يدي منزلته النبويّة أن تقولوا: إنَّ والدي علياً عبد الطاعة ومملوك الضراعة، ويقبل ما يرضيك أن تقبله بين يديك، ويسأل تشريفه بالإذن في إبلاغ التسليم والصلاة عليك، ويضرع بين يديك في كلّ ما هو يحتاج أن يضرع في سؤاله وفي كلّ ما أنت صلوات الله وسلامه عليك أهل أن تبلغه من آماله وإقباله، ويسأل من مراحمك ومكارمك قبول وصيَّته في هذا العبد المبلغ عنه القائم بين يديك، وأن يكون ممَّن يعزّ عليك، ويبلغ ما هو محتاج من الله جل جلاله ومنك إليه وإليك، صلوات الله وبركاته وتحياته وإقباله على آبائك الطاهرين وعليك.
الفصل الثالث والخمسون والمائة: [وصايا عامّة]: (٣٤٦)
وأوصيك يا ولدي محمّد _ أدام الله جل جلاله إقباله عليك وكمال إحسانه إليك _ بما أوصاك الله به جل جلاله في نفسك والوالدين وذوي الأرحام وساير وصايا الإسلام، وبالتحنّن على إخوتك وأخواتك وخدمك وحشمك وأهل مودَّتك، وما أوصاك به جدّك محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ولسان حال آبائك وعترته الطاهرين، وبما أوصاك به من مواهبه عليك ولديك من المروّة والصفاء والوفاء وجميع صفات أهل الدين، وأن تشركني في خلواتك ودعواتك وصدقاتك، وتذكرني بين يدي الله جل جلاله بما يجري به جل جلاله على خاطرك عند مناجاتك، وتبعث إليَّ بالسلام أوّل كلّ ليلة وأوّل كلّ نهار، فإنَّه روي في الآثار أنَّه يبلغني ويكون من جملة المسار، وجمل ذكري لحفظك جانب الله جل جلاله وسلوك سبيل سلفك الطاهرين، فإنَّه من صفات المسعودين إذا وجدوا آباءهم وقد بنوا لهم مجداً لا يسعوا في نقضه، بل يكون همّتهم الاجتهاد في مراعاته وحفظه، وأن يزيدوا على ذلك المجد بغاية الجهد كما قيل:

لسنا وإن كبرت أوائلنا * * * يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا * * * تبني ونفعل مثل ما فعلوا

وأنت يا ولدي وديعة الله جل جلاله ووديعة خاصَّته، وفي حمى حمايته ورعايته، وفي أمان حفظه وحياطته، والسلام على من يجب تقدّم السلام عليه، وعليك في الحياة وبعد الممات، وأن أسأل الله أن تجتمع في دوام العزّ والإقبال والجاه وكمال النجاة.
أقول: وربَّما سمعت يا ولدي من غير خبير بالأسرار ولا مطَّلع على وصول الأخبار أنَّ بني جدّك الحسن والحسين عليهما السلام كان الطالبون بهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاحدين لأئمَّتك (وللمهدي) عليهم السلام، وذلك غلط ممَّن يعتمد عليه، وقد رويت بعدّة أسانيد تعزية الصادق عليه السلام للجماعة الذين اتَّهموا بطلب الخلافات وحملوا إلى العراق وحبسوا إلى الممات، وفي تعزية الصادق عليه السلام على حملهم والتعظيم لهم والدعاء لهم دلالة على أنَّهم عارفون بأئمّة الإسلام وسأذكر ذلك في الجزء الثاني(٣٤٧) من كتاب الإقبال بالأعمال الحسنة في عمل شهر المحرَّم إن شاء الله تعالى.
ولقد رويت بعدّة أسانيد في كتاب أصل أبي الفرج أبان بن محمّد: أنَّ عبد الله بن الحسن والحسن بن الحسن وجعفر بن الحسن شهدوا جميعاً أنَّ مولانا (المهدي) عليه السلام من ذرية الصادق، وسأذكر أيضاً الحديث بأسانيده في الكتاب الذي أشرت إليه(٣٤٨).
ورأيت في كتاب تبيين سيرة الخلفاء المصريين وقد طالت خلافتهم كثيراً من السنين ما يدلُّ على معرفتهم (بالمهدي) عليه السلام، وإنَّما كانوا يطلبون الانتصار بشرايع الإسلام، فقال عن المعزّ _ الخليفة بمصر _ ما هذا لفظه: إنَّ القائم متى أسند ظهره إلى الكعبة البيت الحرام وأقام خطيباً للناس فحينئذٍ يقوم بكلّ ما عنده.
أقول: ومع هذا القول من المعزّ فإنَّ آبائه تسمّوا بالمهدي والقائم وغيرهم من ذرية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وإن كانوا عارفين بالمهدي عليه السلام.

* * *
المسلك في أصول الدين

تأليف: نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد المحقق الحلي رحمه الله (٦٠٢ – ٦٧٦ هـ)
تحقيق: رضا الاستادي

المقصد الثالث: في مباحث متعلّقة بالغيبة: (٣٤٩)
وقد عرفت قيام الدلالة على أنَّ الزمان لا يخلو من إمام، وأنَّه يجب أن يكون معصوماً، وكلّ من قال بذلك قال بأنَّ الإمام الآن هو الذي نشير إليه.
وثبت أيضاً من الأخبار المتواترة عن النبيّ والأئمّة عليهم السلام ما تتضمَّن النصّ على اسمه ونسبه ووجوده، فأغنى بذلك عن التعرّض للزيادة في الدلالة.
ويكفي في الجواب عن سبب الغيبة أن يقال: مع ثبوت عصمته يجب أن نحمل أفعاله على الصواب، وإن خفي الوجه، فلولا مصلحة مبيحة للاستتار لما استتر، غير أنَّ للمخالف هاهنا أسئلة خمسة مهمّة لا بدَّ من إيرادها والجواب عنها، ليتَّضح المقصود في هذا الفصل.
الأوّل: المطالبة بالأخبار الدالّة على تعيينه.
الثاني: المطالبة بتصحيح ولادته، ومن شاهده، فإنَّهم ينكرون ذلك أيضاً.
الثالث: المطالبة بالوجه الذي لأجله حصلت الغيبة مفصَّلاً، ووجه استتاره عن أوليائه.
الرابع: أنَّه يلزم من الغيبة فوات كثير من الأحكام، فهل تسقط، أو تكون باقية؟
الخامس: الاستبعاد الذي يلهج به الخصم من تطاول عمره عليه السلام هذه المدّة.
[ولادته والإخبار على تعيينه]:
أمَّا تصحيح ولادته، فقد بيَّنا أنَّه يكفي فيه قيام الدلالة العقلية أنَّ الزمان لا يخلو من إمام معصوم، ونحن نعلم أنَّ كلّ من قال بذلك قال بإمامة المشار إليه، وهذا دليل على وجوده وذلك يتضمَّن تصحيح ولادته، ويغني عن الإشارة إلى من شاهده، لكنّا نضيف إلى ذلك شيئاً من المنقول ليكون أقوى في الحجّة، فنقول:
أمَّا النصّ على تعيينه فممَّا لا تحصى كثرة، وذلك ما رواه جابر عن النبيّ عليه السلام، قال: قال: (المهدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، تكون له غيبة يضلّ فيها الأمم. يقبل كالشهاب الثاقب، يملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(٣٥٠).
وعن الأصبغ، عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: (الحادي عشر من ولدي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(٣٥١).
وعن جابر، قال: دخلت على مولاتي فاطمة بنت رسول الله لأهنّيها بمولد الحسن، فإذا بيدها صحيفة من درّة بيضاء، فقلت: يا سيّدة النساء، ما هذه الصحيفة؟
فقالت: (فيها أسماء الأئمّة من ولدي)، ثمّ قالت: (أنت مأذون أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها)، فقرأت فيها عدد الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام بأسمائهم، حتَّى انتهى إلى أبي القاسم محمّد بن الحسن الحجّة القائم(٣٥٢).
وفي حديث آخر عنه أنَّه قال: دخلت على فاطمة عليها السلام وبين يديها لوح مكتوب فيه أسماء الأوصياء، فعددت اثني عشر، آخرهم القائم(٣٥٣).
وفي حديث آخر عنه: ثلاثة منهم محمّد، وأربعة منهم علي(٣٥٤).
وفي حديث عن الحسن بن علي عليهما السلام في ذكر القائم: (يخفى ولادته ويغيب شخصه، ذاك من ولد أخي الحسين عليه السلام)(٣٥٥).
وعن الحسين عليه السلام، قال: (في التاسع من ولدي شبه من يوسف، وشبه من موسى بن عمران، وهو قائمنا أهل البيت)(٣٥٦).
وعنه عليه السلام، قال: (قائم هذه الأمّة هو التاسع من ولدي، وهو صاحب الغيبة)(٣٥٧).
وعنه عليه السلام، قال: (منّا اثنا عشر مهدياً، أوّلهم علي بن أبي طالب عليه السلام، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو القائم بالحقّ)(٣٥٨).
وعن علي بن الحسين عليهما السلام، قال: (إنَّ الله خلق محمّداً وعلياً والأئمّة الأحد عشر من نور عظمته أرواحاً يعبدونه قبل خلق الخلق، وهم الأئمّة الهداية من آل محمّد عليهم السلام)(٣٥٩).
ولنقتصر على هذا القدر، فإنَّه باب واسع.
[من شاهده بعد ولادته]:
وأمَّا تصحيح ولادته ومن شاهده بطريق النقل فغير خفي أنَّه لا يطَّلع على الولادة إلاَّ نساء الإنسان وخدمه، ثمّ يشيع ذلك مع اعتراف الوالد، فيثبت النسب الشرعي بذلك، وقد كان الحال فيه عليه السلام أظهر من ذلك، فإنَّ حكيمة بنت محمّد بن علي عمّة العسكري صلوات الله عليه وآله، مع صلاحها أخبرت بحضور ولادته صلّى الله عليه، قالت: رأيته ساجداً لوجهه، جاثياً على ركبتيه، رافعاً سبّابته نحو السماء، وهو يقول: (أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأنَّ جدّي رسول الله، وأنَّ أبي أمير المؤمنين)، ثمّ عدَّ إماماً إماماً حتَّى بلغ إلى نفسه، ثمّ قال: (اللهم أنجز عدّتي وأتمم أمري)(٣٦٠).
وكذا أخبرت نسيم ومارية، قالتا: وقع جاثياً على ركبتيه، وهو يقول: (زعمت الظلمة أنَّ حجّة الله داحضة، ولو أذن لنا(٣٦١) في الكلام لزال الريب)(٣٦٢).
وجارية الخيزراني(٣٦٣).
وأخبرنا (أبو) غانم الخادم فقال: ولد لأبي محمّد ولد فسمّاه محمّداً، وعرضه على أصحابه وقال: (هذا صاحبكم من بعدي)(٣٦٤).
وعن أبي هارون، قال: رأيت صاحب الزمان، وكان مولده يوم الجمعة سنة ستّ وخمسين ومائتين(٣٦٥).
وعن محمّد بن إبراهيم الكوفي: أنَّ أبا محمّد عليه السلام بعث إليَّ بشاة، وقال: (هذه عقيقة ابني محمّد)(٣٦٦).
وكذا أخبر حمزة بن الفتح(٣٦٧).
وأمَّا الذين شاهدوه فكثير: منهم أبو هارون وحده(٣٦٨).
ومعاوية بن حكيم، ومحمّد بن أيّوب بن نوح، ومحمّد بن عثمان العمري، قالوا: عرض علينا أبو محمّد عليه السلام ابنه وكنّا في منزله أربعين رجلاً، فقال: (هذا إمامكم بعدي وخليفتي عليكم)(٣٦٩).
ويعقوب بن منفوس(٣٧٠).
وأبو نصر طريف(٣٧١).
ورآه البلالي، والعطّار والعاصمي ومحمّد بن إبراهيم بن مهزيار وأحمد بن إسحاق القمي ومحمّد بن صالح الهمداني والسامي (والبسامي) والأسدي والقاسم بن العلاء(٣٧٢) وغير هؤلاء ممَّن لو استقصينا عددهم لأطلنا(٣٧٣).
[علّة الغيبة]:
وأمَّا الوجه الذي لأجله وقعت الغيبة، فقد ذكر جماعة من فضلاء الأصحاب أنَّ ذلك هو الخوف على نفسه. قالوا: الحال في ذلك كحال النبيّ عليه السلام حين استتر تارة في الشعبْ(٣٧٤) وأخرى في الغار(٣٧٥).
لا يقال: النبيّ عليه السلام استتر يسيراً، وليس كذلك حال غيبة إمامكم.
لأنّا نقول: التفاوت غير مؤثّر في واحد من الحالين، إذ تفوت مصالح دينية فإذا جاز تفويت تلك المصالح مع الخوف وقصر المدّة جاز مع تطاولها.
وحاله عليه السلام في ذلك يخالف حال آبائه، إمَّا لأنَّهم أمنوا على أنفسهم وخاف هو، أو لأنَّه عليه السلام يلزمه من العروض(٣٧٦) مع ظهوره ما لا يلزمهم، فيكون الحذر في جانبه أتمّ من غيره، وهذا من الممكن.
وقد قيل: إنَّما لم يظهر إلى أوليائه خوفاً من إشاعة خبره. وقيل: بل خوفاً من أعدائه لا غير. وقيل: خوفاً على الولي من الشكّ في المعجز الدالّ على صدقه.
وكلّ ذلك لا يخلو من قدح، بل الأولى اعتقاد أنَّه لا بدَّ في ذلك من وجه مقتض لحسنه، وإن كنّا لا نستفصله(٣٧٧).
على أنّا نقول: (لا نسلّم) أنَّه لم يظهر إلى أوليائه، بل من الجائز أن يظهر إلى من يرتفع من ظهوره إليه وجه المفسدة، فإنّا لا نعلم أحوال (كلّ إنسان)، بل كلّ إنسان يعلم حال نفسه حسب.
فأمَّا ما شرط القيام(٣٧٨) من الشرعيات وجوده كالحدود وغيرها من الأحكام، فإنَّها لا تسقط لغيبته، بل تكون باقية في جنب من استحقَّت عليه، فإن ظهر والحقّ عليه باقٍ، استوفاه، وإلاَّ كان اللوم على من كان سبب خوفه.
[شبهة طول العمر]:
وأمَّا استبعاد الخصم بقاءه عليه السلام هذه المدّة، فإنَّما نشأ من ضعف البصيرة، وإلاَّ فكيف يقال ذلك مع العلم بقدرة الله وقيام الدلالة على إمكان فعل الكرامات للأولياء، غاية ما في الباب أن يقال: هو خرق العادة، ونحن نمنع ذلك أوّلاً ثمّ نسلّم ونجعل ذلك معجزاً له عليه السلام.
واعلم أنَّ تطاول الأعمار أضعاف عمر القائم عليه السلام وقع وقوعاً مستمرّاً حتَّى حصل ذلك لجماعة من الملوك والجبابرة، فلا يكون ذلك خرقاً للعادة، بل ممَّا جرت به العوائد(٣٧٩)، فإنَّ القرآن المجيد أخبر في طرف الصلحاء أنَّ نوحاً عاش زيادة عن (أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً)(٣٨٠).
وفي نقل أهل التاريخ في طرف غير الصلحاء مثل شداد بن عاد بن إرم أنَّه عاش سبع(٣٨١) مائة سنة، ومن المعلوم بين أهل المذاهب وجود الخضر، وعمره أضعاف عمر القائم عليه السلام، ولو حملت العصبية على إنكاره، لكان النقل من طرقهم مساعداً لنا، ولو فرّق بين المقامين بأنَّ الإمام يناط به أمور لا يتعطَّل مثلها لغيبة الخضر، كان فرقاً في غير موضعه، لأنّا نتكلَّم على استبعادهم طول العمر، لا على فوات المصالح. وقد أجبنا على العذر فيما يفوت من المصالح بغيبة الإمام بأنَّ الحال(٣٨٢) في ذلك من جهة المخيف لا من جهته عليه السلام.
وبيَّنا أنَّ الحال فيه كالحال في النبيّ عليه السلام حين استتر، فما وجه استبعاد ذلك في حقّ القائم عليه السلام؟

* * *
كشف الغمة في معرفة الأئمة

تأليف: العلامة المحقق أبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي المتوفى سنة ٦٩٢

ذكر الإمام الثاني عشر: (٣٨٣)
وهو مولانا الإمام المنتظر الخلف الحجّة صاحب الزمان محمّد بن الحسن الخالص بن علي المتوكّل بن محمّد القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي سيّد العابدين ابن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين.

إذا ما وصل الجمع إلى أخبار مولانا * * * فما أجدرنا بالشكر لله وأولانا
إمام نتولاّه فطوبى لو تولانا * * * رآنا الله في عطل وبالمهدي خلانا
وأولانا به لطفاً وتأييداً وإحساناً * * * ونرجو أنَّنا نلقاه في الدنيا ويلقانا
عسى يروى به قلب به ما زال ظمآنا

قال الشيخ كمال الدين بن طلحة رحمه الله(٣٨٤):
الباب الثاني عشر:
في أبي القاسم محمّد الحجّة بن الحسن الخالص بن علي المتوكّل بن محمّد القانع بن علي الرضا عليهم السلام والتحيّة.

فهذا الخلف الحجّة قد أيَّده الله * * * هداه منهج الحقّ وآتاه سجاياه
وأعلى في ذرى العلياء بالتأييد مرقاه * * * وآتاه حلى فضل عظيم فتحلاّه
وقد قال رسول الله قولاً قد رويناه * * * وذوا العلم بما قال إذا أدرك معناه
ترى الأخبار في المهدي جاءت بمسمّاه * * * وقد أبداه بالنسبة والوصف وسمّاه
ويكفي قوله منى لإشراق محياه * * * ومن بضعته الزهراء (مجراه ومرساه)(٣٨٥)
ولن يبلغ ما أوتيه أمثال وأشباه * * * فإن قالوا هو المهدي ما ماتوا بما فاهوا

قد وقع من النبوّة في أكناف عناصرها، ووضع من الرسالة أخلاف أواصرها، ونزع من القرابة بسجال معاصرها، وبرع في صفات الشرف فعقدت عليه بخناصرها، واقتنى من الأنساب شرف نصابها، واعتلى عند الانتساب على شرف أحسابها، واجتنا جنى الهداية من معادنها وأسبابها، فهو من ولد الطّهر البتول، المجزوم بكونها بضعة من الرسول، فالرسالة أصله، وإنَّها لأشرف العناصر والأصول.
فأمَّا مولده: [ف](٣٨٦) بسُرَّ من رأى في ثالث [و](٣٨٧) عشرين من رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين للهجرة.
وأمَّا نسبه أباً واُمّاً: فأبوه أبو محمّد الحسن الخالص بن علي المتوكّل بن محمّد القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين، وقد تقدَّم ذكر ذلك مفصَّلاً.
واُمّه اُمّ ولد تسمّى: صيقل(٣٨٨)، وقيل: حكيمة(٣٨٩)، وقيل غير ذلك.
وأمَّا اسمه فمحمّد، وكنيته: أبو القاسم، ولقبه: الحجّة والخلف الصالح، وقيل: المنتظر.
[النصّ عليه عليه السلام]:
وأمَّا ما ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في المهدي من الأحاديث الصحيحة:
فمنها: ما نقله الإمامان أبو داود والترمذي رضي الله عنهما كلّ واحد منهما بسنده في صحيحه يرفعه إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (المهدي منّي أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، ويملك سبع سنين).
ومنها: ما أخرجه أبو داود بسنده في صحيحه، يرفعه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو لم يبقَ من الدهر إلاَّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً).
ومنها: ما رواه أيضاً أبو داود رحمه الله يرفعه بسنده في صحيحه إلى اُمّ سَلَمة زوج النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلَّم ورضي عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة).
ومنها: ما رواه القاضي أبو محمّد الحسين بن مسعود البغوي رضي الله عنه في كتابه المسمّى بـ (شرح السُنّة) وأخرجه الإمامان البخاري ومسلم رضي الله عنهما كلّ واحد منهما بسنده في صحيحه يرفعه إلى أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟).
ومنها: ما أخرجه أبو داود والترمذي رضي الله عنهما بسندهما في صحيحهما يرفعه كلّ واحد منهما بسنده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو لم يبقَ من الدنيا إلاَّ يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يبعث الله رجلاً منّي أو من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً).
وفي رواية أخرى أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي)، هذه الروايات عن أبي داود والترمذي رضي الله عنهما.
ومنها: ما نقله الإمام أحمد بن إسحاق بن محمّد الثعلبي رضي الله عنه في تفسيره يرفعه بسنده إلى أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (نحن ولد عبد المطَّلب سادة الجنّة أنا وحمزة وجعفر وعلي والحسن والحسين والمهدي).
[شبهة عدم الانطباق]:
فإن قال معترض: هذه الأحاديث النبويّة الكثيرة بتعدادها المصرّحة بجملتها وأفرادها متَّفق على صحَّة إسنادها ومجمع على نقلها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإيرادها، وهي صحيحة صريحة في كون المهدي عليه السلام من ولد فاطمة عليها السلام، وأنَّه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن عترته وأهل بيته، وأنَّ اسمه يواطئ اسمه وأنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وأنَّه من ولد عبد المطَّلب، وأنَّه من سادات الجنّة، وذلك ممَّا لا نزاع فيه غير رديف(٣٩٠): إنَّ ذلك لا يدلُّ على أنَّ المهدي الموصوف بما ذكره صلى الله عليه وآله وسلم من الصفات والعلامات هو هذا أبو القاسم محمّد بن الحسن الحجّة الخلف الصالح عليه السلام، فإنَّ ولد فاطمة عليها السلام كثيرون، وكلّ من يولد من ذريتها إلى يوم القيامة يصدق عليه أنَّه من ولد فاطمة وأنَّه من العترة الطاهرة وأنَّه من أهل البيت عليهم السلام، فتحتاجون مع هذه الأحاديث المذكورة إلى زيادة دليل يدلُّ على أنَّ المهدي المراد هو الحجّة المذكور ليتمّ مرامكم.
فجوابه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمَّا وصف المهدي عليه السلام بصفات متعدّدة من ذكر نسبه واسمه ومرجعه إلى فاطمة عليها السلام وإلى عبد المطَّلب، وأنَّه أجلى الجبهة، أقنى الأنف، وعدَّد الأوصاف الكثيرة التي جمعتها الأحاديث الصحيحة المذكورة آنفاً، وجعلها علامة ودلالة على أنَّ الشخص الذي يسمّى بالمهدي وتثبت له الأحكام المذكورة هو الشخص الذي اجتمعت تلك الصفات فيه، ثمّ وجدنا تلك الصفات المجعولة علامة ودلالة مجتمعة في أبي القاسم محمّد الخلف الصالح دون غيره، فيلزم القول بثبوت تلك الأحكام له وأنَّه صاحبها وإلاَّ فلو جاز وجود ما هو علامة ودليل ولا يثبت ما هو مدلوله قدح ذلك في نصبها علامة ودلالة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك ممتنع.
[شبهة عدم الاختصاص]:
فإن قال المعترض: لا يتمّ العمل بالدلالة والعلامة إلاَّ بعد العلم باختصاص من وجدت فيه بها دون غيره وتعيينه لها، فأمَّا إذا لم يعلم تخصّصه وانفراده بها فلا يحكم له بالدلالة، ونحن نسلّم أنَّه من زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ولادة الخلف الصالح الحجّة عليه السلام ما وجد من ولد فاطمة عليها السلام شخص جمع تلك الصفات التي هي الدلالة والعلامة، لكن وقت بعثة المهدي وظهوره وولادته هو في آخر أوقات الدنيا عند ظهور الدجّال ونزول عيسى بن مريم صلوات الله عليه، وذلك سيأتي بعد مدّة مديدة، ومن الآن إلى ذلك الوقت المتراخي الممتدّ أزمان متجدّدة وفي العترة الطاهرة من سلالة فاطمة عليها السلام كثيره يتعاقبون ويتوالدون إلى ذلك الأبان، فيجوز أن يولد من السلالة الطاهرة والعترة النبويّة من يجمع تلك الصفات فيكون هو المهدي المشار إليه في الأحاديث المذكورة، ومع هذا الاحتمال والإمكان كيف يبقى دليلكم مختصّاً بالحجّة المذكور عليه السلام؟
فالجواب: إنَّكم إذا اعترفتم أنَّه إلى وقت ولادة الخلف الصالح وإلى زماننا هذا لم يوجد من جمع تلك الصفات والعلامات بأسرها سواه، فيكفي ذلك في ثبوت تلك الأحكام له عملاً بالدلالة الموجودة في حقّه، وما ذكرتموه من احتمال أن يتجدَّد مستقبلاً في العترة الطاهرة من يكون بتلك الصفات لا يكون قادحاً في إعمال الدلالة ولا مانعاً من ترتّب حكمها عليها، فإنَّ دلالة الدليل راجحة لظهورها، واحتمال تجدّد ما يعارضها مرجوح ولا يجوز ترك الراجح بالمرجوح، فإنَّه لو جوَّزنا ذلك لامتنع العمل بأكثر الأدلّة المثبتة للأحكام، إذ ما من دليل إلاَّ واحتمال تجدّد ما يعارضه متطرّق إليه ولم يمنع ذلك من العمل به وفاقاً.
والذي يوضّح ذلك ويؤكّده أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أورده الإمام مسلم بن الحجّاج رضي الله عنه في صحيحه يرفعه بسنده، قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: (يأتي عليك من أمداد أهل اليمن أويس بن عامر بن مراد ثمّ من قرن، كان به برص فبرأ منه إلاَّ موضع درهم، له والدة هو بها برّ، لو أقسم على الله لأبرَّ قسمه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل).
فالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذكر اسمه ونسبه وصفته، وجعل ذلك علامة ودلالة على أنَّ المسمّى بذلك الاسم المتّصف بتلك الصفات لو أقسم على الله لأبرَّ قسمه، وأنَّه أهل لطلب الاستغفار منه، وهذه منزلة عالية ومقام عند الله تعالى عظيم، ولم يزل عمر رضي الله عنه بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبعد وفاة أبي بكر رضي الله عنه يسأل أمداد أهل اليمن عن الموصوف بذلك، حتَّى قدم وفد من اليمن، فسألهم فأخبر بشخص متّصف بذلك، فلم يتوقَّف عمر رضي الله عنه في العمل بتلك العلامة والدلالة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل بادر إلى العمل بها واجتمع به وسأله الاستغفار، وجزم بأنَّه المشار إليه بالحديث النبوي لما علم تلك الصفات فيه، مع وجود احتمال أن يتجدَّد في وفود اليمن مستقبلاً من يكون بتلك الصفات، فإنَّ قبيلة مراد كثيرة والتولّد فيها كثير، وعين ما ذكرتموه من الاحتمال موجود.
وكذلك قضيّة الخوارج الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصفات ورتَّب عليها حكمهم، ثمّ بعد ذلك لمَّا وجد علي عليه السلام تلك الصفات موجودة في أولئك في واقعة حرورى والنهروان جزم بأنَّهم هم المرادون بالحديث النبوي، وقاتلهم وقتلهم، فعمل بالدلالة عند وجود الصفة مع احتمال أن يكون المرادون غيرهم، وأمثال هذه الدلالة والعمل بها مع قيام الاحتمال كثيرة، فعلم أنَّ الدلالة الراجحة لا تترك لاحتمال المرجوح.
نزيده بياناً وتقريراً، فنقول بثبوت الحكم عند وجود العلامة والدلالة لمن وجدت فيه أمر يتعيَّن العمل به والمصير إليه، فمن تركه وقال بأنَّ صاحب الصفات المراد بإثبات الحكم ليس هو هذا بل شخص غيره سيأتي، وقد عدل عن النهج القويم، ووقف نفسه موقف اللئيم، ويدلُّ على ذلك أنَّ الله عزَّ وعلا لمَّا أنزل في التوراة على موسى عليه السلام أنَّه يبعث النبيّ العربي في آخر الزمان خاتم الأنبياء، ونعته بأوصافه وجعلها علامة ودلالة على إثبات حكم النبوّة، وصار قوم موسى صلوات الله عليه يذكرونه بصفاته، ويعلمون أنَّه يبعث، فلمَّا قرب زمان ظهوره وبعثه صاروا يهدّدون المشركين به، ويقولون سيظهر الآن نبيّ نعته كذا وصفته كذا نستعين به على قتالكم.
فلمَّا بعث صلى الله عليه وآله وسلم [و](٣٩١) وجدوا العلامات والصفات بأسرها التي جعلت دلالة على نبوّته أنكروه، وقالوا: ليس هو هذا، بل هو غيره وسيأتي، فلمَّا جنحوا إلى الاحتمال وأعرضوا عن العمل بالدلالة الموجودة في الحال أنكر الله تعالى عليهم كونهم تركوا العمل بالدلالة التي ذكرها لهم في التوراة وجنحوا إلى الاحتمال.
وهذه القصَّة من أكبر الأدلّة وأقوى الحجج على أنَّه يتعيَّن العمل بالدلالة عند وجودها، وإثبات الحكم لمن وجدت تلك الدلالة فيه، فإذا كانت الصفات التي هي علامة ودلالة لثبوت تلك الأحكام المذكورة موجودة في الحجّة الخلف الصالح محمّد عليه السلام تعيَّن إثبات كونه المهدي المشار إليه، من غير جنوح إلى الاحتمال بتجدّد غيره في الاستقبال.
[شبهة اتّحاد اسم الأب بين الإمام والنبيّ]:
فإذا قال المعترض: نسلّم لكم أنَّ الصفات المجعولة علامة ودلالة إذا وجدت تعيَّن العمل بها ولزم إثبات مدلولها لمن وجدت فيه، لكن نمنع وجود تلك العلامة والدلالة في الخلف الصالح محمّد عليه السلام، فإنَّ من جملة الصفات المجعولة علامة ودلالة: أن يكون اسم أبيه مواطئاً لاسم أبي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، هكذا صرَّح به الحديث النبوي على ما أوردتموه، وهذه الصفة لم توجد فيه، فإنَّ اسم أبيه الحسن واسم أب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله، وأين الحسن من عبد الله، فلم توجد هذه الصفة التي هي جزء من العلامة والدلالة، فإذا لم يثبت جزء العلّة فلا يثبت حكمها، إذ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يجعل تلك الأحكام ثابتة إلاَّ لمن اجتمعت تلك الصفات كلّها له التي جزؤها مواطاة اسمي الأبوين في حقّه، وهذه لم تجتمع في الحجّة الخلف الصالح، فلا يثبت تلك الأحكام له، وهذا إشكال قوي.
فالجواب: لا بدَّ قبل الشروع في تفصيل الجواب من بيان أمرين يبنى عليهما الغرض:
فالأوّل: أنَّه سايغ شايع في لسان العرب إطلاق لفظة الأب على الجدّ الأعلى، وقد نطق القرآن الكريم بذلك فقال الله: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ)(٣٩٢)، وقال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ)(٣٩٣)، ونطق صلى الله عليه وآله وسلم بذلك النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وحكاه عن جبرئيل عليه السلام في حديث الإسراء أنَّه قال: (قلت: من هذا؟، قال: أبوك إبراهيم).
فعلم أنَّ لفظة أب تطلق على الجدّ وإن علا، فهذا أحد الأمرين.
الأمر الثاني: إنَّ لفظة الاسم تطلق على الكنية وعلى الصفة، وقد استعملها الفصحاء ودارت بها ألسنتهم، ووردت في الأحاديث حتَّى ذكرها الإمامان البخاري ومسلم رضي الله عنهما، كواحد منهما يرفع ذلك بسنده إلى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أنَّه قال عن علي عليه السلام: (والله أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمّاه بأبي تراب، ولم يكن له اسم أحبُّ إليه منه)، فأطلق لفظة الاسم على الكنية.
ومثل ذلك قول الشاعر:

أجلّ قدركِ أن تُسَمّي مؤننة(٣٩٤) * * * ومن كنّاك فقد سمّاك للعرب

ويروى: (ومن يصفك)، فأطلق التسمية على الكناية أو الصفة، وهذا شايع ذايع في كلام العرب.
فإذا وضح ما ذكرنا من الأمرين، فاعلم أيَّدك الله بتوفيقه أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان له سبطان: أبو محمّد الحسن، وأبو عبد الله الحسين عليهما السلام، ولمَّا كان الحجّة الخلف الصالح عليه السلام من ولد أبي عبد الله، وكانت كنية الحسين: أبا عبد الله، فأطلق النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على الكنية لفظة الاسم لأجل المقابلة بالاسم في حقّ أبيه، وأطلق على الجدّ لفظة الأب، فكأنَّه عليه السلام قال: يواطئ اسمه اسمي، فأنا محمّد وهو محمّد، وكنية جدّه اسم أبي إذ هو أبو عبد الله وأبي عبد الله، لتكون تلك الألفاظ المختصّة به جامعة لتعريف صفاته وإعلام أنَّه من ولد أبي عبد الله الحسين بطريق جامع موجز، فحينئذٍ تنتظم الصفات وتوجد بأسرها مجتمعة للحجّة الخلف الصالح محمّد عليه السلام.
وهذا بيان شافٍ كافٍ في إزالة ذلك الإشكال فافهمه.
قلت: رحم الله الشيخ كمال الدين(٣٩٥) وأثابه الجنّة، بحثه أوّلاً مع قوم يشاهدون الإمام عليه السلام فينكرونه ويدفعون العلائم والدلالات التي وصف بها، ولا يحتاج إلى البحث مع هؤلاء، فإنَّهم إذا رأوه وشاهدوه كان هو عليه السلام قيّماً بإثبات حجّته، دالاً لهم على اقتفاء محجَّته، وإنَّما البحث معهم في بقائه ووجوده عليه السلام، فإنَّهم مجمعون أو أكثرهم على ظهوره، ومختلفون في أنَّه ولد أو سيولد.
وجوابنا لمخالفينا: أنَّ القائلين بوجوده قائلون به، فلا يحتاجون إلى دليل، لما ثبت عندهم من نقل رجالهم عن أئمّتهم عليهم السلام، وأمَّا المنكرون لوجوده فقائلون بإمكانه، فقد ترجَّح جانب الوجود، وعبارة كمال الدين فيها طول.
وقال: وأمَّا ولده فلم يكن له ولد ليُذكر، وأمَّا عمره ففي أيّام المعتمد على الله، خاف فاختفى إلى الآن فلم يمكن ذكر ذلك، إذ من غاب وإن انقطع خبره لا توجب غيبته وانقطاع خبره الحكم بمقدار عمره ولا بانقضاء حياته، وقدرة الله تعالى واسعة وحكمه وألطافه بعباده عظيمة عامّة، ولو رام عظماء العلماء أن يدركوا حقائق مقدوراته وكنه قدره لم يجدوا إلى ذلك سبيلاً، ولانقلب طرف تطلّعهم إليه حسيراً وحده كليلاً، وأملا عليهم لسان عجزهم عن الإحاطة به (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)(٣٩٦).
وليس ببدع ولا مستغرب تعمير بعض عباد الله الصالحين (المخلصين)، ولا امتداد عمره إلى حين، فقد مدَّ الله أعمار جمع كثير من خلقه من أصفيائه وأولياءه ومن مطروديه وأعدائه، فمن الأصفياء عيسى عليه السلام، ومنهم الخضر عليه السلام، وخلق آخر من الأنبياء عليهم السلام طالت أعمارهم حتَّى جاز كلّ واحد منهم ألف سنة أو قاربها كنوح عليه السلام وغيره.
وأمَّا من الأعداء والمطرودين فإبليس والدجّال، ومن غيرهم كعاد الأولى، وكان منهم من يقارب عمره الألف.
وكذلك لقمان صاحب لبد، وكلّ هذا البيان اتّساع القدرة الربّانية في تعمير بعض خلقه، فأيّ مانع يمنع من امتداد عمر[ه ثمّ](٣٩٧) يظهر فيعمل ما حكم الله تعالى له به؟
وحيث وصل الكلام إلى هذا المقام وانتهى جريان القلم بما خطّه من هذه الأقسام الوسام فلنختمه بالحمد لله ربّ العالمين، فإنَّها كلمة مباركة جعلها الله سبحانه وتعالى آخر دعوى أهل جنانه، وخصَّها بمن اختاره من خليفته فكساه ملابس رضوانه، فهذا آخر ما حرَّره القلم من مناقبهم السنيّة، وسطّره من صفاتهم الزكيّة، ونثره من مزاياهم العليّة، وإنَّ ذلك وإن كثر لقليل في جنب شرفهم الشامخ، ويسير فيما آتاهم الله من فضلهم الراسخ، وأنا أرجو من كرم الله عزَّ وعلا أن يشملني ببركتهم ويدخلني في زمرتهم، ويجعل هذا المؤلَّف مسطوراً في صحيفة حسناتي المعدودة من حسنتهم، فقد بذلت جهدي في جميع مزاياهم بذل المجد الطالب، ولم آل جهداً في تأليفها وجمعها قضاء لحقّهم اللازم اللازب، ولسان الحال يقرع باب الاسماع لاسماع كلّ شاهد وغائب.

رويدك إن أحببت نيل المطالب * * * فلا تعد عن ترتيل آي المناقب
مناقب آل المصطفى قدوة الورى * * * بهم يبتغي مطلوبه كلّ طالب
مناقب آل المصطفى المهتدى بهم * * * إلى نقم التقوى ورغبى الرغايب
مناقب تجلى سافرات وجوهها * * * ويجلو سناها مدلهمّ الغياهب
عليك بها سرّاً وجهراً فإنَّها * * * تحلل عند الله أعلى المراتب
وجد عندما يتلوا لسانك إنَّها * * * بدعوة قلب حاضر غير غايب
لمن قام في تأليفها واعتنى به * * * ليقضى من مفروضهم كلّ واجب
عسى دعوة تزكو بها حسناته * * * فيحظى من الحسنى بأسنى المواهب
فمن سأل الله الكريم أجابه * * * وجاوره الإقبال من كلّ جانب

آخر كلام كمال الدين رحمه الله وكتابه، والحمد لله ربّ العالمين(٣٩٨)...
وقال ابن الخشاب رحمه الله(٣٩٩):
ذكر الخلف الصالح عليه السلام:
حدَّثنا صدقة بن موسى، حدَّثنا أبي، عن الرضا عليه السلام، قال: (الخلف الصالح من ولد أبي محمّد الحسن بن علي وهو صاحب الزمان وهو المهدي).
وحدَّثني أبو القاسم طاهر بن هارون بن موسى العلوي، عن أبيه هارون، عن أبيه موسى، قال: قال سيّدي جعفر بن محمّد: (الخلف الصالح من ولدي وهو المهدي اسمه محمّد وكنيته أبو القاسم يخرج في آخر الزمان يقال لاُمّه: صقيل(٤٠٠)).
وقال لنا أبو بكر الذراع(٤٠١): وفي رواية أخرى: بل اُمّه حكيمة، وفي رواية ثالثة: يقال لها: نرجس، ويقال: بل سوسن، والله أعلم بذلك، ويكنّى بأبي القاسم وهو ذو الاسمين خلف ومحمّد، يظهر في آخر الزمان على رأسه غمامة تظلّه من الشمس تدور معه حيثما دار ينادي بصوت فصيح: هذا المهدي.
حدَّثني محمّد بن موسى الطوسي، قال: حدَّثنا أبو مسكين، عن بعض أصحاب التأريخ أنَّ اُمّ المنتظر يقال لها: حكيمة.
حدَّثني محمّد بن موسى الطوسي، حدَّثني عبيد الله بن محمّد، عن القاسم بن عدي، قال: يقال: كنية الخلف الصالح أبو القاسم وهو ذو الاسمين. آخر كتاب التاريخ(٤٠٢).
قال الفقير إلى الله تعالى على بن عيسى أثابه الله تعالى برحمته(٤٠٣):
هذه الأبحاث لا تثبت لنا حجّة ولا تقطع الخصم ولا تضرّه، لما يرد عليها من الإيرادات، وتطويله في إثبات بقاء المسيح عليه السلام وإبليس والدجّال، فهى مثل الضروريات عند المسلمين، فلا حاجة إلى التكلّف لتقريرها، والجواب المختصر ما ذكرته آنفاً، وهو أنَّ النقل قد ورد به من طرق المؤالف والمخالف، والعقل لا يحيله، فوجب القطع به.
فأمَّا قوله: إنَّ المهدي عليه السلام في سرداب، وكيف يمكن بقاءه من غير أحد يقوم بطعامه وشرابه؟ فهذا قول عجيب وتصوّر غريب، فإنَّ الذين أنكروا وجوده عليه السلام لا يوردون هذا، والذين يقولون بوجوده لا يقولون: إنَّه في سرداب، بل يقولون: إنَّه حيّ موجود يحل ويرتحل ويطوف في الأرض ببيوت وخيم وخدم وحشم وإبل وخيل وغير ذلك، وينقلون قصصاً في ذلك وأحاديث يطول شرحها.
وأنا أذكر من ذلك قصَّتين قرب عهدهما من زماني وحدَّثني بهما جماعة من ثقات إخواني:
[الأولى: قصَّة إسماعيل الهرقلي]:
كان في بلاد الحلّة شخص يقال له: إسماعيل بن الحسن الهرقلي من قرية يقال لها: هرقل، مات في زماني وما رأيته، حكى لي ولده شمس الدين، قال: حكى لي والدي أنَّه خرج فيه وهو شباب على فخذه الأيسر توثة مقدار قبضة الإنسان، وكانت في كلّ ربيع تشقّق ويخرج منها دم وقيح ويقطعه ألمها عن كثير من أشغاله، وكان مقيماً بهرقل، فحضر الحلّة يوماً ودخل إلى مجلس السعيد رضي الدين على بن طاوس رحمه الله وشكا إليه ما يجده منها، وقال: أريد أن أداويها.
فأحضر له أطباء الحلّة وأراهم الموضع، فقالوا: هذه التوثة فوق العرق الأكحل وعلاجها خطر ومتى قطعت خيف أن ينقطع العرق فيموت.
فقال له السعيد رضي الدين قدَّس روحه: أنا متوجّه إلى بغداد، وربَّما كان أطباؤها أعرف وأحذق من هؤلاء فاصحبني.
فأصعد معه وأحضر الأطباء، فقالوا كما قال أولئك، فضاق صدره، فقال له السعيد: إنَّ الشرع قد فسح لك في الصلاة في هذه الثياب، وعليك الاجتهاد في الاحتراس، ولا تغرر بنفسك، فالله تعالى قد نهى عن ذلك ورسوله.
فقال له والدي: إذا كان الأمر على ذلك وقد وصلت إلى بغداد فأتوجَّه إلى زيارة المشهد الشريف بسُرَّ من رأى على مشرفه السلام، ثمّ أنحدر إلى أهلي.
فحسن له ذلك، فترك ثيابه ونفقته عند السعيد رضي الدين وتوجَّه، قال: فلمَّا دخلت المشهد وزرت الأئمّة عليهم السلام ونزلت السرداب واستغثت بالله تعالى وبالإمام عليه السلام وقضيت بعض الليل في السرداب وبتُّ في المشهد إلى الخميس، ثمّ مضيت إلى دجلة واغتسلت ولبست ثوباً نظيفاً وملأت إبريقاً كان معي وصعدت أريد المشهد، فرأيت أربعة فرسان خارجين من باب السور، وكان حول المشهد قوم من الشرفاء يرعون أغنامهم فحسبتهم منهم، فالتقينا فرأيت شابين أحدهما عبد مخطوط وكلّ واحد منهم متقلّد بسيف، وشيخاً منقّباً بيده رمح والآخر متقلّد بسيف وعليه فرجية ملوَّنة فوق السيف وهو متحنّك بعذبته.
فوقف الشيخ صاحب الرمح يمين الطريق ووضع كعب الرمح في الأرض، ووقف الشابان عن يسار الطريق، وبقي صاحب الفرجية على الطريق مقابل والدي، ثمّ سلَّموا عليه فردَّ عليهم السلام، فقال له صاحب الفرجية: (أنت غداً تروح إلى أهلك؟).
فقال: نعم.
فقال له: (تقدَّم حتَّى أبصر ما يوجعك).
قال: فكرهت ملامستهم، وقلت في نفسي: أهل البادية ما يكادون يحترزون من النجاسة وأنا قد خرجت من الماء وقميصي مبلول، ثمّ إنّي بعد ذلك تقدَّمت إليه، فلزمني بيده ومدَّني إليه وجعل يلمس جانبي من كتفي إلى أن أصابت يده التوثة فعصرها بيده فأوجعني، ثمّ استوى في سرجه كما كان، فقال لي الشيخ: أفلحت يا إسماعيل.
فعجبت من معرفته باسمي، فقلت: أفلحنا وأفلحتم إن شاء الله.
قال: فقال لي الشيخ: هذا هو الإمام.
قال: فتقدَّمت إليه فاحتضنته وقبَّلت فخذه.
ثمَّ إنَّه ساق وأنا أمشي معه محتضنه، فقال: (ارجع).
فقلت: لا أفارقك أبداً.
فقال: (المصلحة رجوعك).
فأعدت عليه مثل القول الأوّل، فقال الشيخ: يا إسماعيل ما تستحيي يقول لك الإمام مرَّتين: ارجع وتخالفه.
فجبهني بهذا القول فوقفت، فتقدَّم خطوات والتفت إليَّ وقال: (إذا وصلت بغداد فلا بدَّ أن يطلبك أبو جعفر _ يعني الخليفة المستنصر رحمه الله _، فإذا حضرت عنده وأعطاك شيئاً فلا تأخذه، وقل لولدنا الرضي ليكتب لك إلى علي بن عوض، فإنَّني أوصيه يعطيك الذي تريد).
ثمّ سار وأصحابه معه، فلم أزل قائماً أبصرهم إلى أن غابوا عنّي، وحصل عندي أسف لمفارقته، فقعدت إلى الأرض ساعة، ثمّ مشيت إلى المشهد، فاجتمع القوام حولي وقالوا: نرى وجهك متغيّراً أوجعك شيء؟
قلت: لا.
قالوا: أخاصمك أحد؟
قلت: لا، ليس عندي ممَّا تقولون خبر، لكن أسألكم هل عرفتم الفرسان الذين كانوا عندكم؟
فقالوا: هم من الشرفاء أرباب الغنم.
فقلت: لا، بل هو الإمام عليه السلام.
فقالوا: الإمام هو الشيخ أو صاحب الفرجية؟
فقلت: هو صاحب الفرجية.
فقالوا: أريته المرض الذي فيك؟
فقلت: هو قبضه بيده وأوجعني، ثمّ كشفت رجلي فلم أرَ لذلك المرض أثراً، فتداخلني الشكّ من الدهش، فأخرجت رجلي الأخرى فلم أرَ شيئاً.
فانطبق الناس عليَّ ومزَّقوا قميصي، فأدخلني القوام خزانة ومنعوا الناس عنّي، وكان ناظر بين النهرين بالمشهد فسمع الضجّة وسأل عن الخبر فعرَّفوه، فجاء إلى الخزانة وسألني عن اسمي، وسألني منذ كم خرجت من بغداد؟ فعرَّفته أنّي خرجت في أوّل الأسبوع، فمشى عنّي، وبتُّ في المشهد وصلَّيت الصبح وخرجت وخرج الناس معي إلى أن بعدت عن المشهد ورجعوا عنّي، ووصلت إلى أوانا فبتُّ بها، وبكَّرت منها أريد بغداد، فرأيت الناس مزدحمين على القنطرة العتيقة يسألون من ورد عليهم عن اسمه ونسبه وأين كان، فسألوني عن اسمي ومن أين جئت، فعرَّفتهم، فاجتمعوا عليَّ ومزَّقوا ثيابي ولم يبقَ لي في روحي حكم، وكان ناظر بين النهرين كتب إلى بغداد وعرَّفهم الحال، ثمّ حملوني إلى بغداد وازدحم الناس علىَّ وكادوا يقتلوني من كثرة الزحام، وكان الوزير القمي رحمه الله تعالى قد طلب السعيد رضي الدين رحمه الله وتقدَّم أن يعرّفه صحَّة هذا الخبر.
قال: فخرج رضي الدين ومعه جماعة، فوافينا باب النوبي فردَّ أصحابه الناس عنّي، فلمَّا رآني قال: أعنك يقولون؟
قلت: نعم.
فنزل عن دابته وكشف عن فخذي فلم يرَ شيئاً، فغشي عليه ساعة، وأخذ بيدي وأدخلني على الوزير وهو يبكي ويقول: يا مولانا هذا أخي وأقرب الناس إلى قلبي.
فسألني الوزير عن القصَّة، فحكيت له، فأحضر الأطباء الذين أشرفوا عليها وأمرهم بمداواتها، فقالوا: ما دوائها إلاَّ القطع بالحديد، ومتى قطعها مات.
فقال لهم الوزير: فبتقدير أن تقطع ولا يموت في كم تبرء؟
فقالوا: في شهرين، وتبقى في مكانها حفيرة بيضاء لا ينبت فيها شعر.
فسألهم الوزير: متى رأيتموه؟
قالوا: منذ عشرة أيّام.
فكشف الوزير عن الفخذ الذي كان فيه الألم وهي مثل أختها ليس فيها أثر أصلاً، فصاح أحد الحكماء: هذا عمل المسيح.
فقال الوزير: حيث لم يكن عملكم، فنحن نعرف من عملها.
ثمَّ إنَّه اُحضر عند الخليفة المستنصر رحمه الله تعالى، فسأله عن القصَّة فعرَّفه بها كما جرى، فتقدَّم له بألف دينار، فلمَّا حضرت قال: خذ هذه فانفقها.
فقال: ما أجسر آخذ منه حبّة واحدة.
فقال الخليفة: ممَّن تخاف؟
فقال: من الذي فعل معي هذا، قال: لا تأخذ من أبي جعفر شيئاً، فبكى الخليفة وتكدَّر، وخرج من عنده ولم يأخذ شيئاً.
قال أفقر عباد الله تعالى إلى رحمته علي بن عيسى عفا الله عنه: كنت في بعض الأيّام أحكي هذه القصَّة لجماعة عندي، وكان شمس الدين محمّد ولده عندي أنا لا أعرفه، فلمَّا انقضت الحكاية قال: أنا ولده لصلبه، فعجبت من هذا الاتّفاق وقلت: هل رأيت فخذه وهي مريضة؟
فقال: لا لأنّي أصبو عن ذلك، ولكنّي رأيتها بعد ما صلحت ولا أثر فيها وقد نبت في موضعها شعر.
وسألت السيّد صفي الدين محمّد بن محمّد بن بشر العلوي الموسوي، ونجم الدين حيدر بن الأيسر رحمهما الله تعالى، وكانا من أعيان الناس وسراتهم وذوي الهيآت منهم، وكانا صديقين لي وعزيزين عندي، فأخبراني بصحَّة هذه القصَّة وأنَّهما رأياها في حال مرضها وحال صحَّتها.
وحكى لي ولده هذا أنَّه كان بعد ذلك شديد الحزن لفراقه عليه السلام، حتَّى أنَّه جاء إلى بغداد وأقام بها في فصل الشتاء، وكان كلّ يوم يزور سامراء ويعود إلى بغداد، فزارها في تلك السنة أربعين مرّة طمعاً أن يعود له الوقت الذي مضى أو يقضى له الحظّ بما قضى، ومن الذي أعطاه دهره الرضا أو ساعده بمطالبة صرف القضا، فمات رحمه الله بحسرته وانتقل إلى الآخرة بغصَّته، والله يتولاّه وإيّانا برحمته بمنّه وكرامته.
[الثانية: قصَّة السيّد باقي بن عطوة العلوي]:
وحكى لي السيّد باقي بن عطوة العلوي الحسيني أنَّ أباه عطوة كان به أدرة، وكان زيدي المذهب، وكان ينكر على بنيه الميل إلى مذهب الإمامية، ويقول: لا أصدّقكم ولا أقول بمذهبكم حتَّى يجيء صاحبكم _ يعني المهدي _ فيبرئني من هذا المرض.
وتكرَّر هذا القول منه، فبينا نحن مجتمعون عند وقت عشاء الآخرة إذا أبونا يصيح ويستغيث بنا، فأتيناه سراعاً، فقال: الحقوا صاحبكم فالساعة خرج من عندي، فخرجنا فلم نرَ أحداً، فعدنا إليه وسألناه، فقال: إنَّه دخل إليَّ شخص وقال: (يا عطوة).
فقلت: من أنت؟
فقال: (أنا صاحب بنيك، قد جئت لأبرئك ممَّا بك).
ثمّ مدَّ يده فعصر قروتي ومشى، ومددت يدي فلم أرَ لها أثراً.
قال لي ولده: وبقي مثل الغزال ليس به قلبة(٤٠٤)، واشتهرت هذه القصَّة، وسألت عنها غير ابنه فأخبر عنها فأقرَّ بها.
والأخبار عنه عليه السلام في هذا الباب كثيرة، وإنَّه رآه جماعة قد انقطعوا في طرق الحجاز وغيرها فخلَّصهم وأوصلهم إلى حيث أرادوا، ولولا التطويل لذكرت منها جملة، ولكن هذا القدر الذي قَرُب عهده من زماني كافٍ...
قال الفقير إلى الله علي بن عيسى (أثابه الله تعالى)(٤٠٥): مناقب المهدي عليه السلام ظاهرة النور، منيرة الظهور، سافرة الإشراف، مشرفة السفور، مسورة بالعلاء، عالية السور، آمرة بالعدل، عادلة في الأمور، يكاد المداد أن يبيضّ من إشراق ضيائها، وتذعن الثوابت لارتفاعها وعلائها، وتتضاءل الشموس لآلائها، نور الأنوار، وسلالة الأخيار، وبقيّة الأطهار، وذخيرة الأبرار، والثمرة المتخلّفة من الثمار، صاحب الزمان، حاوي خصل الرهان، الغائب عن العيان، الموجود في كلّ الأزمان، الذخيرة النافعة، والبقيّة الصالحة، والموئل، والعصر، والملجأ، والوزر المساعد بمعاضدة القضاء والقدر، وصاحب الأوضاح والغرر، القوي في ذات الله، الشديد على أعداء الله، المؤيّد بنصر الله، المخصوص بعناية الله، القائم بأمر الله، المنصور بعون الله، قد تعاضدت الأخبار على ظهوره، وتظاهرت الروايات على إشراق نوره، وستسفر ظلم الأيّام والليالي بسفوره، وتنجلي به الظلم انجلاء الصباح عن ديجوره، ويخرج من سرار الغيبة فيملأ القلوب بسروره، ويسير عدله في الآفاق فيكون أضوء من البدر في مسيره، ويعيد الله به دينه، ويوضّح منهاج الشرع وقانونه، ويصدع بالدلالة، ويقوم بتأييد الإمامة والرسالة، ويرد الأيّام حالية بعد عطلتها، وقويّة بعد ضعف قوَّتها، ويجدّد الشريعة المحمّدية بعد اندحاضها، ويبرم عقدها بعد انتقاضها، ويعيدها بعد ذهابها وانقراضها، ويبسطها بعد تجعّدها وانقباضها، ويجاهد في الله حقّ جهاده، ويطهّر من الأدناس أقطار بلاده، ويصلح من الدين ما سعت الأعداء في إفساده، ويحيي بجدّه واجتهاده سُنّة آبائه وأجداده، ويملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً، ويخلق للظلم دوراً، ويجدد للعدل دوراً، يردي الطغاة المارقين، ويبيد العتاة والمنافقين، ويكفّ عادية الأشرار والفاسقين، ويسوق الناس سياقة لم يرَ من قبله من أحد من السايقين السابقين ولا ترى بعده من اللاحقين، فزمانه حقّاً زمان المتّقين، وأصحابه هم المأمور بالكون معهم في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(٤٠٦) خلصوا بتسليكه من الريب، وسلموا بتزيينه من العيب، وأخذوا بهداه وطريقه، واهتدوا من الحقّ إلى تحقيقه، ووفَّقهم الله إلى الخيرات بتسديده وتوفيقه، به ختمت الخلافة والإمامة، وإليه انتهت الرياسة والزعامة.
وهو الإمام من لدن مات أبوه إلى يوم القيامة، فأوصافه زاد الرفاق، ومناقبه شائعة في الآفاق، تُهزم الجيوش باسمه، وينزل الدهر على حكمه، فالويل في حربه، والسلامة في سلمه، يجدّد من الدين الرسوم الدارسة، ويشيّد معالم السنن الطامسة، ويخفض منار الجور والعدوان، ويرفع شعار أهل الإيمان، ويعطّل السبت والأحد، ويدعو إلى الواحد الأحد المنزَّه عن الصاحبة والولد، ويتقدَّم في الصلاة على السيّد المسيح كما ورد في الخبر الصحيح والحقّ الصريح، صلوات الله والسلام والتحيّة والإكرام على المأموم والإمام.
وأنا أعتذر إلى كرمه من تقصيري، وأسأل مسامحته قبول معاذيري، فمن أين أجد لساناً ينطق بواجب حمده، وما على المجتهد جناح بعد بذل جهده، وقد كنت عملت أبياتاً من سنين أمدحه وأتشوَّقه عليه السلام، وهي:

عداني عن التشبيب بالرشأ الأحوى * * * وعن بانتي سلع وعن علمي حزوى
عزامي بناء عن عزامي وفكرتي * * * تمثّله للقلب في السرّ والنجوى
من النفر الغرّ الذين تملَّكوا * * * من الشرف العادي غايته القصوى
هم القوم من أصفاهم الودّ مخلصاً * * * تمسَّك في أخراه بالسبب الأقوى
هم القوم فاقوا العالمين مآثراً * * * محاسنها تجلى وآياتها تروى
بهم عرف الناس الهدى فهداهم * * * يضلّ الذي يقلي ويهدي الذي يهوى
موالاتهم فرض وحبّهم هدى * * * وطاعتهم قربى وودّهم تقوى
أمولاي أشواقي إليك شديدة * * * إذا انصرفت بلوى أسى أردفت بلوى
أكلّف نفسي الصبر عنك جهالة * * * وهيهاتَ ربع الصبر مذ غبت قد أقوى
وبعدك قد أغرى بنا كلّ شامت * * * إلى الله يا مولاي من بعدك الشكوى

ولمَّا شرعت في سطر مناقبه وذكر عجايبه عملت هذه الأبيات أنا ذاكرها على حرف الميم، ثمّ إنّي ذكرت أنّي مدحت الإمام الكاظم عليه السلام بقصيدة على هذا الوزن والروى، فتركتها وشرعت في أخرى، وها أنا ذا أذكر الميمية التي لم أتمّها وأكتب الأخرى عقيبها، وما توفيقي إلاَّ بالله عليه توكَّلت وإليه اُنيب وهي:

تحيّة الله ورضوانه * * * على الإمام الحجّة القائم
على إمام حكمه نافذ * * * إذا أراد الحكم في العالم
خليفة الله على خلقه * * * والآخذ للحقّ من الظالم
العادل العالم أكرم به * * * من عادل في حكمه عالم
مطهّر الأرض ومحيي الورى * * * العلوي الطاهر الفاطمي
ناصر دين الله كهف الورى * * * محيي الندى خير بني آدم
الصاحب الأعظم والماجد * * * الأكرم المولى أبو القاسم
وصاحب الدولة يحيى بها * * * ممتحن في الزمن الغاشم
والنافذ الحكم فرعيا له * * * وجاده الوابل من حاكم
من حاتم حتَّى يوازى به * * * عبيده أكرم من حاتم
لو أنَّني شاهدته مقبل * * * في جحفل ذي عيثر قاتم
لقلت من فرط سروري به * * * أهلاً وسهلاً بك من قادم

والأخرى التي شرعت فيها هي هذه:

إن شئت تتلو سور سور الحمد * * * الأقوال في المهدي
وامدح إماماً حاز خصل العلى * * * وفاز بالسؤدد والمجد
إمام حقّ نوره ظاهر * * * كالشمس في غور وفي نجد
القائم الموجود والمنتمي * * * إلى العلى بالأب والجدّ
وصاحب الأمر وغوث الورى * * * وحصنهم في القرب والبعد
وناشر العدل وقد جارت * * * الأيّام والناس عن القصد
والمنصف المظلوم من ظالم * * * والملجأ المرجو والمحتدي
وباذل الرفد إلى أن يرى * * * لا أحد يرغب في الرفد
جلَّت أياديه وآلاؤه * * * والحمد للواهب عن عد
وأصبحت أيّامه لا نقضت * * * ولا تولَّت جنّة الخلد
سيرته تهدي إلى فضله * * * وهديه يهدي إلى الرشد
يمنع بالله ويعطي به * * * موفّق في البذل والردّ
ليس له في الفضل من مشبه * * * ولا له في النبل من ندّ
العلم والحلم وبذل الندى * * * جاوز فيها رتب الجد
قد عمَّه الله بألطافه * * * وخصَّه بالطالع السعد
أدعوه مولاي ومن لي بأن * * * يقول لي إن قال يا عبدي
أدعو به الله وما من دعا * * * بمثله يجبه بالردّ
أعدّه ذخراً وأرجوه في * * * بعثي وفي عرضي وفي لحدي
فليت مولاي ومولى الورى * * * يذكرني في سرّه بعدي
وليته يبعث لي دعوة * * * يسعد في الأخرى بها جدي
مولاي أشواقي تذكي الجوى * * * لأنَّها دائمة الوقد
أودّ أن ألقاك في مشهد * * * أشرح فيه معلناً ودّي
برح بي وجد إلى عالم * * * بما أعاينه من الوجد
وهمت في حبّ فتى غائب * * * وهو قريب الدار في البعد
فاعطف علينا عطفة واشف * * * ما نلقاه من هجر ومن صدّ
واظهر ظهور الشمس واكشف لنا * * * عن طالع مذ غبت مسودّ
قد تمَّ ما ألفت من وصفكم * * * فجاء كالروضة والعقد
ولست فيه بالغاً حقّكم * * * لكن على ما يقتضي جهدي
فإن يكن حسني فمن عندكم * * * أو كان تقصير فمن عندي
ورفدكم أرجوه في محشري * * * يا باذلي الإحسان والرفد
والحمد لله وشكراً له * * * أهل الندى والشكر والحمد

وقلت هذه الأبيات لتكون خاتمة لهذا الكتاب، وهي:

أيّها السادة الأئمّة أنتم * * * خيرة الله أوّلاً وأخيرا
قد سموتم إلى العلى فافترعتم * * * بمزاياكم المحلّ الخطيرا
أنزل الله فيكم هل أتى نصّاً * * * جليّاً في فضلكم مسطورا
من يجاريكم وقد طهَّر الله * * * تعالى أخلاقكم تطهيرا
لكم سؤدد يقرّره القرآن * * * للسامعينه تقريرا
إن جرى البرق في مداكم كبا * * * من دون غاياتكم كليلاً حسيرا
وإذا أزمة عرت واستمرَّت * * * فترى للعصاة فيها صريرا
بسطوا الندى أكفاً سباطاً * * * ووجوهاً تحكي الصباح المنيرا
وأفاضوا على البرايا عطايا * * * خلَّفت فيهم السحاب المطيرا
فتراهم عند الأعادي ليوثاً * * * وتراهم عند العفاة بحورا
يمنحون الوليّ جنّة عدن * * * والعدوّ الشقي يصلى سعيرا
يطعمون الطعام في العسر واليسر * * * يتيماً وبائساً وأسيرا
لا يريدون بالعطاء جزاء * * * محبطاً أجر برّهم أو شكورا
فكفاهم يوماً عبوساً وأعطاهم * * * على البرّ نضرة وسرورا
وجزاهم بصبرهم وهو أولى * * * من جزى الخير جنّة وحريرا
وإذا ما ابتدوا لفصل خطاب * * * شرفوا منبراً وزانوا سريرا
بخلوا الغيث نائلاً وعطاء * * * واستخفوا يلملماً وثبيرا
يخلفون الشموس نوراً وإشراقاً * * * وفي الليل يخجلون البدورا
أنا عبد لكم أدين بحبّي * * * لكم الله ذا الجلال الكبيرا
عالم أنَّني أصبت وأنَّ * * * الله يؤلي لطفاً وطرفاً قريرا
مال قلبي إليكم في الصبى * * * الغض وأحببتكم وكنت صغيرا
وتوليّتكم وما كان في أهلي * * * ولي مثلي فجئت شهيرا
أظهر الله نوركم فأضاء الأفق * * * لما بدا وكنت بصيرا
فهداني إليكم الله لطفاً بي * * * وما زال لي وليّاً نصيرا
كم أياد أولي وكم نعمة أسدي * * * فلي أن أكون عبداً شكورا
أمطرتني منه سحائب جود * * * عاد حالي بهنَّ غضّاً نضيرا
وحماني من حادثات عظام * * * عدت فيها مؤيّداً منصورا
لو قطعت الزمان في شكر أدنى * * * ما حباني به لكنت جديرا
فله الحمد دائماً مستمراً * * * وله الشكر أوّلاً وأخيرا

هذا آخر ما جرى القلم بسطره وأدَّت الحال إلى ذكره، ومناقبهم عليهم السلام تحتمل بسط المقال، والطالب لاستقصاء جميعها طالب للمحال، فإنَّها تعجز طالبها، وتفوت حاصرها، وقد أتيت منها بما هو على قدر اجتهادي وبمقتضى قوَّتي، وأنا أعتذر إليهم عليهم السلام من تقصير وإخلال وذهول عمَّا يجب وإقلال، وكرمهم يقتضي إجابة هذا السؤال، والله تعالى أسئل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وهادياً إلى الصراط المستقيم، فإليه سبحانه وتعالى نتقرَّب بموالاتهم، ونلتزم بطاعتهم، ونبالغ في حبّهم، ونرى الإخلاص في مودَّتهم، وهم عليهم السلام وسائطنا وشفعاؤنا إلى رحمته التي وسعت كلّ شيء إنَّه جواد كريم، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وآخر دعواهم أنَّ الحمد لله ربّ العالمين.

* * *
النّجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة

تأليف: العالم الرباني والحكيم المتأله ميثم بن علي بن ميثم البحراني قدس سره المتوفى سنة ٦٩٩ هـ ق

البحث الثالث: في فساد ما قالته الطوائف من الشيعة المنكرين لواحد من الأئمّة الاثنى عشر عليهم السلام...:
...
الطائفة العاشرة(٤٠٧): الذين زعموا أنَّ الحسن بن علي لم يمت: شبهتهم:
أنَّه لو مات وليس له ولد، لخلا الزمان عن الإمام المعصوم، وأنَّه غير جائز.
الجواب: أمَّا موته فمعلوم بالضرورة. وأمَّا أنَّه لا ولد له فلا نسلّم، فإنَّ الجمهور من الإمامية يثبتون ولادة ابنه القائم المنتظر، وصحَّحوا النصّ عليه، وقالوا: هو سميّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومهدي الأنام، وتواتر بينهم أنَّ الحسن عليه السلام أظهره لهم وأراهم شخصه، وإن كان بينهم خلاف في سنّه عند وفاة أبيه، فقال كثير منهم: كان سنّه إذ ذاك خمس سنين، لأنَّ أباه توفّي سنة ستّين ومائتين، وكان مولد القائم سنة خمس وخمسين ومائتين. وقال بعضهم: بل كان مولوده سنة اثنين وخمسين، وكان(٤٠٨) سنّه عند وفاة أبيه ثمان سنين.
واتَّفقوا على أنَّ أباه لم يمت حتَّى أكمل الله تعالى عقله وعلمه الحكمة وفصل الخطاب، وأبانه من سائر الخلق بهذه الصفة، إذ كان خاتم الحجج ووصيّ الأوصياء وقائم الزمان.
واحتجّوا على جواز ذلك عقلاً: بقصَّة عيسى عليه السلام في قوله تعالي: (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)(٤٠٩)، وبقصَّة يحيى عليه السلام بقوله تعالى: (وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)(٤١٠) وقالوا: (إنَّ صاحب الأمر حيّ لا يموت حتَّى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً).
وأمَّا أنَّه لِمَ وجب بقاؤه؟ فلما تقدَّم من وجوب نصب الإمام من الله تعالى في كلّ وقت.
فهذا هو الكلام على الطوائف المشهورة منهم، وأمَّا الباقون فكلامهم ظاهر الفساد، وبالله التوفيق.
البحث الرابع: في غيبة الإمام عليه السلام: (٤١١)
اعلم أنَّ البحث في هذه المسألة يقع في مقامات أربعة:
المقام الأوّل: في سبب الغيبة.
[المقام] الثاني: في إمكان بقاء المزاج الإنساني مثل المدّة التي ندَّعيها لهذا الإمام الغائب.
[المقام] الثالث: وقوع ذلك البقاء في الأمزجة كثيرة مشهورة.
[المقام] الرابع: في كون المدعى إمامته هذا هو الإمام المعيَّن.
وعند بيان هذه الأمور نبيّن لك أنَّ إنكار ما يقول الاثنا عشرية في أمر الغيبة جهل محض من منكريه، وعصبية باطلة في مقابلة الحقّ.
أمَّا المقام الأوّل: وهو بيان سبب الغيبة، فاعلم: إنّا بيَّنا في البحث الأوّل في وجوب عصمة الإمام، أنَّ سبب انبساط يده عليه السلام مركَّب من ثلاثة أجزاء:
أحدها: يجب من الله، وهو إيجاده وإكماله في ذاته.
والثاني: يجب عليه نفسه، وهو القيام بأعباء الإمامة.
والثالث: على الخلق، وهو الانقياد له ومساعدته في تنفيذ أوامر الله تعالى والقيام بها.
والماهية المركَّبة لا تتحقَّق إلاَّ بمجموع أجزائها، لكن وإن حصل وجوده وقيامه بأعباء الإمامة _ وهذان الأمران اللذان يتعلقان بالله تعالى وبه نفسه _ فإنَّ الجزء الثالث من الخلق لم يحصل، إذ لم يزل خائفاً مستتراً من الأعداء، فقد(٤١٢) ظهر من ذلك: أنَّ سبب غيبة الإمام هو قوّة الظالمين والخوف منهم.
على أنَّ لنا أن نقول: إن سلَّمنا أنَّ هذا ليس بسبب، لكن إذا ثبت أنَّه عليه السلام معصوم لم يفعل قبيحاً ولم يخل بواجب، لم يزل من عدم تعقَّلنا(٤١٣) لعلّة غيبته أن لا يكون موجوداً، لجواز أن يكون ذلك لمصلحة لا يطَّلع عليها.
وأمَّا المقام الثاني: وهو إمكان بقاء المزاج الإنساني مثل المدّة التي ندَّعيها لهذا الإمام القائم، فالعلم به ضروري، ويدلُّ على ثبوت الإمكان تواتر الوقوع.
وأمَّا المقام الثالث: وهو ثبوت البقاء في أمزجة مشهورة، فهو أيضاً بيّن، ولنذكر عدّة من أعمار المعمّرين الذين تواترت بتعيين أعمارهم الأخبار:
فمن أولئك: الربيع بين ضبيع الفزاري، كان من المعمّرين وعاش ثلاثمائة وثمانين سنة(٤١٤)، روي أنَّه دخل على بعض خلفاء بني أميّة فقال: يا ربيع، لقد طلبك جد(٤١٥) غير عاثر. فقال: فصّل لي عمرك.
فقال: عشت مائتي سنة في الفترة فترة عيسى بن مريم عليه السلام، ومائة وعشرين سنة في الجاهلية، وستّين سنة في الإسلام.
مع سؤالات أخر لا تتعلَّق بغرضنا(٤١٦).
ومنهم: المستوغر، وهو عمر بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة، عاش ثلاثمائة وعشرين سنة، وأدرك أوّل الإسلام، وله في ذلك شعر:

ولقد سئمت من الحياة وطولها * * * وعمرت من بعد السنين مئينا
مئة أتت من بعدها مئتان لي * * * وازددت من بعد المئين سنينا(٤١٧)
هل ما بقي إلاَّ كما قد فاتنا * * * يوم يكرّ وليلة تفنينا(٤١٨)

ومنهم: أمانة بن قيس بن الحارث بن شيبان بن العارك بن معاوية بن الكندي(٤١٩)، عاش ثلاثمائة وعشرين سنة، وفي ذلك المسلم النخعي يقول:

أيا ليتني عمَّرت يا اُمّ خالد * * * كعمر أمانات بن قيس بن شيبان
لقد عاش حتَّى قيل ليس بميّت * * * وأفنى فئاماً(٤٢٠) من كهول وشبّان
فحلَّت به من بعد حرس وحقبة * * * دويهية حلَّت بنصر بن دهمان

ومنهم: عبد المسيح بن بقيلة الغساني، وهو عبد المسيح بن عمر بن قيس بن حنان بن بقيلة، وبقيلة: كنية لثعلبة وقيل: الحرث، وإنَّما سمّي بقيلة لأنَّه خرج على قومه في بردين أخضرين، فقالوا له: ما أنت إلاَّ بقيلة، فعرف بذلك، وعاش ثلاثمائة سنة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام ولم يسلم، وكان نصرانياً(٤٢١).
ومنهم: دويد بن زيد بن نهد بن زيد بن أسلم بن الحاف(٤٢٢) بن قضاعة، عاش أربعمائة سنة وستّة وخمسين سنة.
وأمَّا من عاش في الإسلام وقبيل الإسلام المأتين وفوقها فكثيرون، كزهير بن حباب الكلبي(٤٢٣): فإنَّه عاش مائتين وعشرين سنة، وواقع مائتي وقعة(٤٢٤)، وكان سيّداً مطاعاً في قومه.
وكالرجل الجرهمي(٤٢٥) قيل: إنَّه دخل على معاوية بن أبي سفيان رجل فقال: ممَّن الرجل؟
فقال: من جرهم.
فقال: ومنهم باقٍ؟
فقال: بقيت، ولو لم أبقَ لم آتك.
فقال له معاوية: صف لنا الدنيا وأوجز.
فقال: نعم، سنيات بلاء وسنيات رخاء، يولد مولود ويهلك هالك، ولولا المولود لباد الخلق، ولولا الهالك لضاقت الأرض برحبها.
وقال:

وما الدهر إلاَّ صدر يوم وليلة * * * ويولد مولود ويفقد فاقد
وساع لرزق ليس يدرك قوته * * * ومهدى إليه رزقه وهو قاعد

وكان سنّه مائتين وأربعين سنة.
فهؤلاء بعض من عاش إلى هذه المدّة في هذا القرن.
وأمَّا الأخبار عن أعمار من كان في القرون الأولى(٤٢٦) فمشهورة، وقد نبَّه القرآن العظيم على بعضها، كعمر نوح عليه السلام، إذ لبث في قومه يدعوهم سوى ما سبق (أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً)(٤٢٧) وما اشتهر عن عمر لقمان(٤٢٨) وأنَّه عاش ثلاثة آلاف سنة، وقيل: سبعة آلاف سنة.
وبالجملة: فالعلم التواتري حاصل بامتداد الحياة الإنسانية هذه المدّة وأمثالها.
وأمَّا المقام الرابع: وهو أنَّ المدّعى إمامته وغيبته هو هذا المعيَّن، فقد بيَّنا أنَّ ذلك معلوم من نصّ أبيه(٤٢٩) وأنَّ الاثنى عشرية ينقلون خلفاً عن سلف أنَّ الحسن عليه السلام أظهره لهم ونصَّ عليه، ولم يخرج من الدنيا حتَّى أكمل الله عقله وعلمه الحكمة وفصل الخطاب، وإذا عرفت هذه المقامات ظهر لك أنَّ استنكار غيبة هذا الإمام وطول حياته ممَّن ينكرها ليس إلاَّ بمجرَّد العصبية الفاسدة، ولو سلَّمنا أنَّه لم يوجد بقاء المزاج الإنساني إلى الحدّ المذكور إلاَّ أنَّ ذلك من الأمور الممكنة، والله تعالى قادر على جميع الممكنات، ومن مذهب الكلّ أنَّ خرق العادة في حقّ الأولياء والصالحين أمر جائز، وحينئذٍ يكون الاستنكار والاستبعاد قبيحاً، والله وليّ التوفيق والعصمة، وهو وليّ السداد، وله الحمد والمنّة، والحول والقوّة.

* * *
مختصر البصائر

تأليف: الشيخ عز الدين الحسن بن سليمان الحلي المتوفى سنة ٨٠٢ هـ

[الدعاء في عصر الغيبة]:
روى الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي في مصباح المتهجّد(٤٣٠) عن يونس بن عبد الرحمن: أنَّ الرضا عليه السلام كان يأمر بالدعاء لصاحب الأمر عليه السلام [بهذا](٤٣١): (اللهم ادفع عن وليّك وخليفتك وحجَّتك...) ثمّ ساق الدعاء فقال: (اللهم وصلّ على ولاة عهده والأئمّة من بعده، وبلّغهم آمالهم، وزد في آجالهم، وأعز نصرهم، وتمّم لهم ما أسندت إليهم من أمرك ونهيك، وثبّت دعائمهم، واجعلنا لهم أعواناً، وعلى دينك أنصاراً، فإنَّهم معادن كلمتك، وخزّان علمك، وأركان توحيدك، ودعائم دينك، وولاة أمرك، وخالصتك من عبادك، وصفوتك من خلقك، وأوليائك وسلائل أوليائك، وصفوة أولاد نبيّك صلى الله عليه وآله وسلم، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته).
اعلم أنَّ هذا الدعاء يدعى به لكلّ إمام في زمانه، ومولانا صاحب الأمر والزمان عليه السلام ابن الحسن عليه السلام أحدهم، فحينئذٍ يصدق عليه هذا الدعاء: (اللهم وصلّ على ولاة عهده والأئمّة من بعده...) إلى آخره، وإلاَّ لم يكن هذا الدعاء عامّاً لهم أجمع، ويكون هذا النصّ مضافاً إلى ما رويناه أوّلاً عنهم عليهم السلام من الأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا المعنى، وأصلاً له وشاهداً بمعناه.
ومن الكتاب المذكور(٤٣٢) أيضاً ممَّا يدعى به في شهر رمضان وغيره: (اللهم كن لوليك فلان بن فلان في هذه الساعة وكلّ ساعة وليّاً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً، حتَّى تسكنه أرضك طوعاً وتمتّعه فيها طويلاً).
قوله: (حتَّى تسكنه أرضك طوعاً) يدلُّ على زمان ظهوره وانبساط يده عليه السلام، لأنَّه اليوم مقهور مغصوب مستأثر على حقّه، غير مستطيع لإظهار الحقّ في الخلق.
وقوله: (وتمتّعه فيها طويلاً) هذا يكون على ما رويناه في رجعته عليه السلام بعد وفاته، لأنّا روينا أنَّه يعيش في عالمه بعد مقدم ظهوره تسع عشرة سنة وأشهراً، ويموت عليه السلام.
فمن ذلك ما رويناه عن النعماني من كتاب الغيبة(٤٣٣) له رفع الحديث عن حمزة بن حمران، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام أنَّه قال: (يملك القائم عليه السلام تسع عشرة سنة وأشهراً).
وروي أيضاً أنَّ الذي يغسّله جدّه الحسين عليه السلام(٤٣٤).
فأين موقع هذه التسع عشرة سنة وأشهر من الدعاء له بطول العمر والتمتّع في الأرض طويلاً؟
الذي يظهر من هذا ويتبادر إليه الذهن أنَّه يكون أطول من الزمان الذي انقضى في غيبته عليه السلام وعمره الشريف اليوم ينيف على الخمسمائة والثلاثين سنة، ويدلُّ على ما قلناه ما تقدَّم ورويناه عن الصادق عليه السلام(٤٣٥) أنَّه سُئل: أيّ العمرين له أطول؟ قال: (الثاني(٤٣٦) بالضّعف).
وهذا صريح في رجعته عليه السلام.
ورويت عن جعفر بن محمّد، عن الحسين بن محمّد بن عامر، عن المعلّى بن محمّد البصري، قال: حدَّثني أبو الفضل، عن ابن صدقة، عن المفضَّل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (كأنّي والله بالملائكة قد زاحموا المؤمنين على قبر الحسين عليه السلام).
قال: قلت: فيتراؤن لهم؟
قال: (هيهاتَ هيهاتَ، قد لزموا والله المؤمنين، حتَّى أنَّهم ليمسحون وجوههم بأيديهم).
قال: (وينزل الله على زوّار الحسين عليه السلام غدوة وعشية من طعام الجنّة، وخدّامهم الملائكة، لا يسأل الله عبد حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلاَّ أعطاه إيّاها).
قال: قلت: هذه والله الكرامة.
قال المفضَّل: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (أزيدك؟).
قلت: نعم يا سيّدي.
قال: (كأنّي بسرير من نور قد وُضِع وقد ضُربت عليه قبّة من ياقوتة حمراء مكللة بالجوهر، وكأنّي بالحسين عليه السلام جالساً على ذلك السرير وحوله تسعون ألف قبّة خضراء، وكأنّي بالمؤمنين يزورونه ويسلّمون عليه، فيقول الله عز وجل لهم: أوليائي سلوني، فطال ما اُوذيتم وذللتم واضطهدتم، فهذا يوم لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلاَّ قضيتها لكم، فيكون أكلهم وشربهم من الجنّة، فهذه والله الكرامة التي لا يشبهها شيء)(٤٣٧).
اعلم أنَّ الحديث فيه دلالة واضحة بيّنة على أنَّ ذلك يكون في الدنيا في رجعة سيّدنا الحسين عليه السلام إلى الدنيا كما رويناه في الأحاديث الصحيحة الصريحة عنهم عليهم السلام في رجعته ورجعتهم.
أوّلاً: قوله عليه السلام: (وينزل الله على زوّار الحسين عليه السلام غدوة وعشية من طعام الجنّة) والإنزال يدلُّ على أنَّه في الدنيا لا في الآخرة.
وثانياً: قوله عليه السلام: (لا يسأل عبد حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلاَّ أعطاه إيّاه) وحوائج الدنيا لا تسأل في الآخرة.
وثالثاً: قوله سبحانه: (فهذا يوم لا تسألوني حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلاَّ قضيتها لكم).
ورابعاً: قوله عليه السلام: (فيكون أكلهم وشربهم من الجنّة) فظهر ما قلناه، والحمد الله معطي من يشاء ما يشاء كيف يشاء.
ومن كتاب المشيخة(٤٣٨) للحسن بن محبوب رحمه الله بإسنادي المتّصل إليه أوّلاً، عن محمّد بن سلام، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: (رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ)(٤٣٩)، قال: (هو خاصّ لأقوام في الرجعة بعد الموت، ويجري في القيامة، فبعداً للقوم الظالمين).
* الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن إسحاق الخارقي، عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: (لقائم آل محمّد عليه وعليهم السلام غيبتان: واحدة طويلة، والأخرى قصيرة).
قال: فقال لي: (نعم يا أبا بصير، أحدهما أطول من الأخرى، ثمّ لا يكون ذلك حتَّى يختلف ولد فلان، وتضيق الحلقة ويظهر السفياني، ويشتدّ البلاء، ويشمل الناس موت وقتل، ويلجأون منه إلى حرم الله وحرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).
ووقفت على كتاب خطب لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وعليه خطّ السيّد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن طاووس ما صورته:
هذا الكتاب ذكر كاتبه رجلين بعد الصادق عليه السلام، فيمكن أن يكون تاريخ كتابته بعد المائتين من الهجرة، لأنَّه عليه السلام انتقل بعد سنة مائة وأربعين من الهجرة، وقد روى بعض ما فيه عن أبي روح فرج بن فروة، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد عليه السلام، وبعض ما فيه عن غيرهما، ذكر في الكتاب المشار إليه خطبة لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام تسمّى (المخزون) وهي:
(الحمد لله الأحد المحمود الذي توحَّد بملكه، وعلا بقدرته، أحمده على ما عرف من سبيله، وألهم من طاعته، وعلم من مكنون حكمته، فإنَّه محمود بكلّ ما يولي، مشكور بكلّ ما يبلي، وأشهد أنَّ قوله عدل، وحكمه فصل، ولم ينطق فيه ناطق بكان إلاَّ كان قبل كان، وأشهد أنَّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله وسيّد عباده، خير من أهلَّ أوّلاً، وخير من أهلَّ آخراً، فكلَّما نسج الله الخلق فريقين جعله في خير الفريقين، لم يسهم فيه عاير(٤٤٠)، ولا نكاح جاهلية، ثمّ إنَّ الله تعالى قد بعث إليكم (قد بعث إليكم رسولاً من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)(٤٤١)، (فاتبعوا ما أنزل إليكم من ربّكم ولا تتَّبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون)(٤٤٢)، فإنَّ الله تعالى جعل للخير أهلاً، وللحقّ دعائم، وللطاعة عصماً يعصم بهم، ويقيم من حقّه فيهم على ارتضاء من ذلك، وجعل لها رعاة وحفظة يحفظونها بقوّة ويعينوا عليها، أولياء ذلك بما ولّوا من حقّ الله فيها.
أمَّا بعد، فإنَّ روح البصر روح الحياة الذي لا ينفع إيمان إلاَّ به، مع كلمة الله والتصديق بها، فالكلمة من الروح، والروح من النور، والنور نور السماوات، فبأيديكم سبب وصل إليكم منه إيثار واختيار نعمة الله لا تبلغوا شكرها، خصَّصكم بها، واختصَّكم لها، (وَتِلْكَ الأَْمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ)(٤٤٣).
فابشروا بنصر من الله عاجل، وفتح يسير يقرّ الله به أعينكم ويذهب بحزنكم، كفّوا ما تناهى الناس عنكم، فإنَّ ذلك لا يخفى عليكم، إنَّ لكم عند كلّ طلعة عوناً من الله، يقول على الألسن، ويثبت على الأفئدة، وذلك عون الله لأوليائه يظهر في خفي نعمته لطيفاً، وقد أثمرت لأهل التقوى أغصان لشجرة الحياة، وإنَّ فرقاناً من الله بين أوليائه وأعدائه، فيه شفاء للصدور، وظهور للنور، يعزُّ الله به أهل طاعته، ويذلُّ به أهل معصيته، فليعد لذلك امرء عدَّته، ولا عدّة له إلاَّ بسبب بصيرة وصدق نيّة وتسليم سلامة أهل الخفّة في الطاعة، ثقل الميزان، والميزان بالحكمة، والحكمة ضياء للبصر، والشكّ والمعصيّة في النار، وليسا منّا ولا لنا ولا إلينا، قلوب المؤمنين مطويّة على الإيمان، إذا أراد الله إظهار ما فيها فتحها بالوحي، وزرع فيها الحكمة، وإنَّ لكلّ شيء إنَّاً يبلغه، لا يعجل الله بشيء حتَّى يبلغ إناه ومنتهاه، فاستبشروا ببشرى ما بشّرتم به، واعترفوا بقربان ما قرّب لكم، وتنجزوا من الله ما وعدكم.
إنَّ منّا دعوة خالصة يظهر الله بها حجّته البالغة، ويتمّ بها النعمة السابغة، ويعطى بها الكرامة الفاضلة، من استمسك بها أخذ بحكمة منها، آتاكم الله رحمته، ومن رحمته نور القلوب، ووضع عنكم أوزار الذنوب، وعجَّل شفاء صدوركم وصلاح أموركم، وسلام منّا لكم دائماً عليكم، تسلّمون به في دول الأيّام، وقرار الأرحام أين كنتم، وسلامه لسلامه عليكم في ظاهره وباطنه، فإنَّ الله عز وجل اختار لدينه أقواماً انتجبهم للقيام عليه والنصرة له، بهم ظهرت كلمة الإسلام، وأرجاء مفترض القرآن، والعمل بالطاعة في مشارق الأرض ومغاربها.
ثمّ إنَّ الله تعالى خصَّكم بالإسلام واستخلصكم له، لأنَّه اسم سلامة، وجماع كرامة، اصطفاه الله فنهجه، وبيَّن حججه، وأرف أرفه(٤٤٤) وحده، ووصفه وجعله رضاً، كما وصفه ووصف أخلاقه، وبيَّن أطباقه، ووكَّد ميثاقه، من ظهر وبطن ذي حلاوة وأمن، فمن ظفر بظاهره رأى عجائب مناظره في موارده ومصادره، ومن فطن لما بطن رأى مكنون الفطن وعجائب الأمثال والسنن.
فظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تنقضي عجايبه، ولا تفنى غرائبه، فيه ينابيع النعم، ومصابيح الظلم، لا تفتح الخيرات إلاَّ بمفاتيحه، ولا تنكشف الظلم إلاَّ بمصابيحه، فيه تفصيل وتوصيل، وبيان الاسمين الأعلين اللذين جمعا فاجتمعا لا يصلحان إلاَّ معاً، يسيمان فيعرفان، ويوصفان فيجتمعان، قيامها في تمام أحدهما في منازلهما، جرى بهما، ولهما نجوم، وعلى نجومهما نجوم سواهما، تحمى حماه، وترعى مراعيه، وفي القرآن بيانه وحدوده وأركانه ومواضيع تقادير ما خزن بخزائنه، ووزَّن بميزانه، ميزان العدل، وحكم الفصل.
إنَّ رعاة الدين فرَّقوا بين الشكّ واليقين، وجاءوا بالحقّ المبين، قد بيَّنوا الإسلام تبياناً، وأسَّسوا له أساساً وأركاناً، وجاءوا على ذلك شهوداً وبرهاناً: من علامات وأمارات، فيها كفاء المكتف، وشفاء لمشتف، يحمون حماه، ويرعون مرعاه، ويصونون مصونه، ويهجرون مهجوره، ويحبّون محبوبه، بحكم الله وبرّه، وبعظيم أمره، وذكره بما يجب أن يذكر به، يتواصلون بالولاية، ويتلاقون بحسن اللهجة، ويتساقون بكأس الرؤبة، ويتراعون بحسن الرعاية، بصدور برية، وأخلاق سنيّة، لم يولم عليها، وبقلوب رضية، لا تتسرَّب فيها الدنية، ولا تشرع فيها الغيبة.
فمن استبطن من ذلك شيئاً استبطن خلقاً سنياً، وقطع أصله، واستبدل منزله، بنقضه مبرماً، واستحلاله محرّماً من عهد معهود إليه، وعقد معقود عليه بالبرّ والتقوى، وإيثار سبيل الهدى، على ذلك عقد خلقهم، وآخا ألفتهم، فعليه يتحابّون، وبه يتواصلون، فكانوا كالزرع وتفاضله، يبقى فيؤخذ منه، ويفنى ببقية التخصّص، ويبلغ منه التخليص، فانتظر أمره في قِصر أيّامه، وقلَّة مقامه في منزله حتَّى يستبدل منزلاً فليصنع لمتحوّله ومعارف منتقله.
فطوبى لذي قلب سليم أطاع من يهديه، وتجنَّب ما يرديه، فيدخل مدخل الكرامة، فأصاب سبيل السلامة، يبصر ببصره، وأطاع هادي أمره، دلَّ أفضل الدلالة، وكشف غطاء الجهالة المضلّة الملهية، فمن أراد تفكّراً وتذكّراً فليذكر رأيه، وليبرز بالهدى ما لم تغلق أبوابه وتفتح أسبابه، وقبل نصيحة من نصح بخضوع وحسن خشوع، بسلامة الإسلام ودعاء التمام، وسلام بسلام، تحيّة دائمة لخاضع متواضع يتنافس بالإيمان، ويتعارف عدل الميزان، فليقبل أمره وإكرامه بقبول، وليحذر قارعة قبل حلولها، إنَّ أمرنا صعب مستصعب، لا يحتمله إلاَّ ملك مقرَّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، لا يعي حديثنا إلاَّ حصون حصينة، أو صدور أمينة، أو أحلام رزينة، يا عجبا كلّ العجب بين جمادى ورجب).
فقال رجل من شرطة الخميس: ما هذا العجب يا أمير المؤمنين؟
قال: (ومالي لا أعجب وقد سبق القضاء فيكم، وما تفقهون الحديث إلاَّ صوتات بينهنَّ موتات، حصد نبات ونشر أموات، يا عجبا كلّ العجب بين جمادى ورجب).
قال أيضاً رجل: يا أمير المؤمنين، ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه؟
قال: (ثكلت الآخرة اُمّه، وأيّ عجب يكون أعجب من أموات يضربون هامات الأحياء؟!).
قال: أنّى يكون ذلك يا أمير المؤمنين؟
قال: (والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، كأنّي أنظر إليهم قد تخلّلوا سكك الكوفة، وقد شهروا سيوفهم على مناكبهم يضربون كلّ عدوّ لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين، وذلك قول الله عز وجل: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآْخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ)(٤٤٥).
أيّها الناس، سلوني قبل أن تفقدوني لأنا بطرق السماء أعلم من العالم بطرق الأرض، أنا يعسوب المؤمنين، وغاية السابقين، ولسان المتّقين، وخاتم الوصيّين، ووارث النبيّين، وخليفة ربّ العالمين، أنا قسيم النار، وخازن الجنان، وصاحب الحوض، وصاحب الأعراف، فليس منّا أهل البيت إمام إلاَّ وهو عارف بجميع أهل ولايته، وذلك قول الله تبارك وتعالى: (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ)(٤٤٦) ألا أيّها الناس، سلوني قبل أن تشرع(٤٤٧) برجلها فتنة شرقية، وتطأ في خطانها(٤٤٨)، بعد موت وحياة، أو تشب نار بالحطب الجزل غربي الأرض، ورافعة ذيلها تدعو يا ويلها بذحلة أو مثلها، فإذا استدار الفلك قلت: مات أو هلك، بأيّ وادٍ سلك؟ فيومئذٍ تأويل هذه الآية: (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً)(٤٤٩) ولذلك آيات وعلامات، أوّلهنَّ: احصار الكوفة بالرصد والخندق، وتحريق الزوايا في سكك الكوفة، وتعطيل المساجد أربعين ليلة، وتخفق رايات ثلاث حول المسجد الأكبر يشبهن بالهدي، القاتل والمقتول في النار، وقتل كثير، وموت ذريع، وقتل النفس الزكيّة بظهر الكوفة في سبعين، والمذبوح بين الركن والمقام، وقتل الأسبع(٤٥٠) المظفر صبراً في بيعة الأصنام مع كثير من شياطين الإنس وخروج السفياني براية خضراء، وصليب من ذهب، أميرها رجل من كلب، واثنى عشر ألف عنان من خيل يحمل السفياني متوجّهاً إلى مكّة والمدينة، أميرها أحد من بني أميّة يقال له: خزيمة، أطمس العين الشمال، على عينه طرفة تميل بالدنيا، فلا ترد له راية حتَّى ينزل المدينة، فيجمع رجالاً ونساءً من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فيحبسهم في دار بالمدينة يقال لها: دار أبي الحسن الأموي، ويبعث خيلاً في طلب رجل من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم قد اجتمع إليه رجال من المستضعفين بمكّة، أميرهم رجل من غطفان، حتَّى إذا توسّطوا الصفايح البيض بالبيداء يخسف بهم، فلا ينجو منهم أحد إلاَّ رجل واحد يحوّل الله وجهه في قفاه، لينذرهم، وليكون آية لمن خلفه، فيومئذٍ تأويل هذه الآية: (وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ)(٤٥١) ويبعث السفياني مائة وثلاثين ألفاً إلى الكوفة، فينزلون بالروحاء والفاروق، وموضع مريم وعيسى عليهما السلام بالقادسية، ويسير منهم ثمانون ألفاً حتَّى ينزلوا الكوفة، موضع قبر هود عليه السلام بالنخيلة، فيهجموا عليه يوم زينة، وأمير الناس جبّار عنيد، يقال له: الكاهن الساحر، فيخرج من مدينة يقال لها: الزوراء في خمسة آلاف من الكهنة، ويقتل على جسرها سبعين ألفاً، حتَّى يحتمي الناس الفرات ثلاثة أيّام من الدماء ونتن الأجسام، ويسبي من الكوفة أبكاراً لا يكشف عنها كفّ ولا قناع، حتَّى يوضعن في المحامل، يزلف بهنَّ الثوية (وهي الغريين).

ثمّ يخرج عن(٤٥٢) الكوفة مائة ألف بين مشرك ومنافق حتَّى يضربوا دمشق، لا يصدّهم عنها صادٌّ، وهي إرم ذات العماد، وتقبل رايات شرقي الأرض ليست بقطن ولا كتّان ولا حرير، مختمة في رؤوس القنا بخاتم السيّد الأكبر، يسوقها رجل من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، يوم تطير بالمشرق يوجد ريحها بالمغرب كالمسك الأذفر، يسير الرعب أمامها شهراً، ويخلف أبناء سعد السقاء بالكوفة طالبين بدماء آبائهم، وهم أبناء الفسقة، حتَّى تهجم عليهم خيل الحسين عليه السلام، يستبقان كأنَّهما فرسا رهان، شعث غبر، أصحاب بواكي وفوارح، إذ يضرب أحدهم برجله باكية يقول: لا خير في مجلس بعد يومنا هذا، اللهم فإنّا التائبون الخاشعون الراكعون الساجدون، فهم الأبدال الذين وصفهم الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)(٤٥٣) والمطهرون نظرائهم من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويخرج رجل من أهل نجران راهب مستجيب للإمام، فيكون أوّل النصارى إجابة، ويهدم صومعته، ويدقّ صليبها، ويخرج بالموالي وضعفاء الناس والخيل، فيسيرون إلى النخيلة بأعلام هدى، فيكون مجتمع الناس جميعاً من الأرض كلّها بالفاروق، وهي محجّة أمير المؤمنين عليه السلام، وهي ما بين البرس والفرات، فيقتل يومئذٍ فيما بين المشرق والمغرب ثلاثة الآف من اليهود والنصارى، يقتل بعضهم بعضاً، فيومئذٍ تأويل هذه الآية: (فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ)(٤٥٤) بالسيف وتحت ظلّ السيف.
ويخلف من بني الأشهب الزاجر اللحظ في أناس من غير أبيه هراباً حتَّى يأتوا سبطرى عوذاً بالشجر، فيومئذٍ تأويل هذه الآية: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ)(٤٥٥) ومساكنهم الكنوز التي غلبوا عليها من أموال المسلمين، ويأتيهم يومئذٍ الخسف والقذف والمسخ، فيومئذٍ تأويل هذه الآية: (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ)(٤٥٦).
وينادي منادٍ في شهر رمضان من ناحية المشرق عندما تطلع الشمس: يا أهل الهدى اجتمعوا، وينادي من ناحية المغرب بعدما يغيب الشمس: يا أهل الضلالة اجتمعوا، ومن الغد عند الظهر تكور الشمس فتكون سوداء مظلمة، واليوم الثالث يفرّق بين الحقّ والباطل بخروج دابة الأرض، وتقبل الروم إلى قرية بساحل البحر عند كهف الفتية، ويبعث الله الفتية من كهفهم إليهم رجل يقال له: تمليخا، والآخر: كمسلمينا، وهما الشهداء المسلمون للقائم، فيبعث أحد الفتية إلى الروم، فيرجع بغير حاجة، ويبعث بالآخر فيرجع بالفتح، فيومئذٍ تأويل هذه الآية: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَْرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً)(٤٥٧) ثمّ يبعث الله من كلّ أمّة فوجاً ليريهم ما كانوا يوعدون، فيومئذٍ تأويل هذه الآية: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ)(٤٥٨) والوزع خفقان أفئدتهم، ويسير الصدّيق الأكبر براية الهدى، والسيف ذو الفقار، والمخصرة، حتَّى ينزل أرض الهجرة مرَّتين وهي الكوفة، فيهدم مسجدها ويبنيه على بنائه الأوّل، ويهدم ما دونه من دور الجبابرة، ويسير إلى البصرة حتَّى يشرف على بحرها، ومعه التابوت وعصا موسى، فيعزم عليه فيزفر زفرة بالبصرة فتصير بحراً لجياً، فيغرقها لا يبقى فيها غير مسجدها كجؤجؤ السفينة على ظهر الماء، ثمّ يسير إلى حرور، ثمّ يحرقها، ويسير من باب بني أسد حتَّى يزفر زفرة في ثقيف وهم زرع فرعون، ثمّ يسير إلى مصر فيعلو منبره، ويخطب الناس، فتستبشر الأرض بالعدل، وتعطى السماء قطرها، والشجر ثمرها، والأرض نباتها، وتتزَّين لأهلها، وتأمن الوحوش حتَّى ترتعي في طرق الأرض كأنعامهم، ويقذف في قلوب المؤمنين العلم، فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من العلم، فيومئذٍ تأويل هذه الآية: (يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ)(٤٥٩) وتخرج لهم الأرض كنوزها، ويقول القائم عليه السلام: (فَكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الأَْيَّامِ الْخالِيَةِ)(٤٦٠) فالمسلمون يومئذٍ أهل صواب للدين، أذن لهم في الكلام، فيومئذٍ تأويل هذه الآية: (وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)(٤٦١) فلا يقبل الله يومئذٍ إلاَّ دينه الحقّ، (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ)(٤٦٢)، فيومئذٍ تأويل هذه الآية: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الأَْرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ)(٤٦٣) فيمكث فيما بين خروجه إلى يوم موته ثلاثمائة سنة ونيفاً، وعدّة أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر، منهم تسعة من بني إسرائيل، وسبعون من الجنّ، ومائتان وأربعة وثلاثون، فيهم سبعون الذين غضبوا للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذ هجته مشركوا قريش، فطلبوا إلى نبيّ الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأذن لهم في إجابتهم، فأذن لهم، حيث نزلت هذه الآية: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(٤٦٤) وعشرون من أهل اليمن منهم المقداد بن الأسود، ومائتان وأربعة عشر الذين كانوا بساحل البحر ممَّا يلى عدن، فبعث إليهم نبيّ الله برسالة فأتوا مسلمين، وتسعة من بني إسرائيل، ومن أفناء الناس ألفان وثمانمائة وسبعة عشر، ومن الملائكة أربعون ألفاً، من ذلك من المسوّمين ثلاثة آلاف، ومن المردفين خمسة آلاف، فجميع أصحابه عليه السلام سبعة وأربعون ألفاً ومائة وثلاثون، من ذلك تسعة رؤوس، مع كلّ رأس من الملائكة أربعة آلاف من الجنّ والإنس عدّة يوم بدر، فبهم يقاتل، وإيّاهم ينصر الله، وبهم ينتصر، وبهم يقدم النصر، ومنهم نضرة الأرض).
كتبتها كما وجدتها، وفيها نقص حروف(٤٦٥).
* محمّد بن علي الصدوق رحمه الله، عن محمّد بن أحمد بن إبراهيم، قال: حدَّثنا أبو عبد الله الورّاق محمّد بن عبد الله بن الفرج، قال: حدَّثنا أبو الحسن علي بن بيان المقرئ، قال: حدَّثنا محمّد بن سائق، قال: حدَّثنا زائدة، عن الأعمش، قال: حدَّثنا فرات القزّاز، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: كنّا جلوساً في المدينة في ظلّ حائط، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غرفة، فأطلع إلينا، فقال: (فيما أنتم؟)، قلنا: نتحدَّث، قال: (عم ذا؟)، قلنا: عن الساعة، فقال: (إنَّكم لا ترون الساعة حتَّى تروا قبلها عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدجّال، ودابة الأرض، وثلاثة خسوف يكون في الأرض: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونزول عيسى بن مريم عليهما السلام، وخروج يأجوج ومأجوج، وتكون آخر الزمان نار تخرج من اليمن من قعر الأرض لا تدع خلفها أحداً تسوق الناس إلى المحشر، كلَّما قاموا قامت لهم تسوقهم إلى المحشر)(٤٦٦).
* محمّد بن علي الصدوق رحمه الله، عن حمزة بن محمّد بن أحمد بن جعفر بن محمّد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم، قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد الكوفي مولى بني هاشم، قال: أخبرني القاسم بن محمّد بن حماد، قال: حدَّثنا غياث بن إبراهيم، قال: حدَّثنا الحسين بن زيد بن علي، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أبشروا ثمّ أبشروا _ ثلاث مرّات _ إنَّما مثل أمّتي كمثل غيث لا يدرى أوّله خير أم آخره، إنَّما مثل أمّتي كمثل حديقة أطعم منها فوج عام، ثمّ أطعم منها فوج عاماً، لعلَّ آخرها فوجاً يكون أعرضها بحراً، وأعمقها طولاً وفرعاً، وأحسنها جِنَاً، وكيف تهلك أمّة أنا أوّلها، واثنى عشر من بعدي من السعداء وأولي الألباب والمسيح عيسى بن مريم عليهما السلام آخرها؟، ولكن يهلك بين ذلك نتج الهرج، ليسوا منّي ولست منهم)(٤٦٧).
* ومن الكتاب المذكور(٤٦٨) أيضاً الذي فيه خطب مولانا أمير المؤمنين عليه السلام خطبة، قال فيها بعد كلام طويل: يا رسول الله، فبأيّ المنازل أنزلهم إذا فعلوا ذلك؟ قال: (بمنزلة فتنة، ينقذ الله بنا أهل البيت عند ظهورنا السعداء من أولي الألباب، إلاَّ أن يدعوا الضلالة ويستحلّوا الحرام في حرم الله، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر، يا علي بنا ختم الله فتح الإسلام، وبنا يختمه، بنا أهلك الله الأوثان ومن يعبدها، وبنا يقصم كلّ جبّار وكلّ منافق، حتَّى ليقتل في الحقّ من يقتل في الباطل، يا علي إنَّما مثل هذه الأمّة مثل حديقة أطعم منها فوج عاماً ثمّ فوج عاماً ثمّ فوج عاماً، فلعلَّ آخرها فوجاً أن يكون أثبتها أصلاً، وأحسنها فرعاً، وأمدّها ظلاً، وأحلاها جِنَاً، وأكثرها خيراً، وأوسعها عدلاً، وأطولها ملكاً، إنَّما مثل هذه الأمّة كمثل الغيث لا يدرى أوّله خير أم آخره، وبعد ذلك نتج الهرج، لست منه وليس منّي...) إلى آخر الخطبة.
* ومن كتاب (التنزيل والتحريف): أحمد بن محمّد السيّاري، عن محمّد بن خالد، عن عمر بن عبد العزيز، عن عبد الله بن نجيح اليماني، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)(٤٦٩)، قال: (النعيم الذي أنعم الله عليكم بمحمّد وآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم)، وفى قوله تعالى: (لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ)(٤٧٠)، قال: (المعاينة)، وفي قوله تعالى: (كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ)(٤٧١)، قال: (مرّة بالكرّة، وأخرى يوم القيامة)(٤٧٢).
* محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيي وأحمد بن محمّد جميعاً، عن محمّد بن الحسن، عن علي بن حسان، قال: حدَّثني أبو عبد الله الرياحي، عن أبي الصامت الحلواني، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (أنا قسيم الله بين الجنّة والنار لا يدخلها داخل إلاَّ على أحد قسمي، وأنا الفاروق الأكبر، وأنا الإمام لمن بعدي، والمؤدّي عمَّن كان قبلي، لا يتقدّمني أحد إلاَّ أحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإنّي وإيّاه لعلى سبيل واحد، إلاَّ أنَّه هو المدعو باسمه، ولقد اُعطيت الستّ: علم البلايا والمنايا، والوصايا، وفصل الخطاب، وإنّي لصاحب الكرّات ودولة الدول، وإنّي لصاحب العصا والميسم، والدابة التي تكلّم الناس)(٤٧٣).
* ومن كتاب (الاحتجاج) لأبي منصور أحمد بن أبي طالب الطبرسي رحمه الله، قال: روي أنَّ يوماً قال أبو حنيفة لمؤمن الطاق: إنَّكم تقولون بالرجعة، قال: نعم، قال أبو حنيفة: فاعطني ألف درهم حتَّى أعطيك ألف دينار إذا رجعنا، قال الطاقي لأبي حنيفة: اعطني كفيلاً بأنَّك ترجع إنساناً ولا ترجع خنزيراً(٤٧٤).
* ومنه أيضاً، عن عباية، قال: سمعت علياً عليه السلام يقول: (أنا سيّد الشيب، وفيَّ سُنّة من أيّوب، لأنَّ أيّوب عليه السلام ابتلى ثمّ عافاه الله من بلواه، واُتي أهله ومثلهم معهم كما حكى الله سبحانه)(٤٧٥).
فروي أنَّه أحيا له أهله الذين قد ماتوا لمَّا أذهب بلواه وكشف ضرّه.
وقد صحَّ عنهم صلوات الله عليهم أنَّه كلّما كان في بني إسرائيل يكون في هذه الأمّة مثله حذوا النعل بالنعل والقذّة بالقذّة.
وقد قال: إنَّ فيه شبهه عليه السلام، وقوله: (والله ليجمعنَّ لي أهلي كما جمعوا ليعقوب عليه السلام)(٤٧٦)، فإنَّ يعقوب فرّق بينه وبين أهله برهة من الزمان ثمّ جمعوا له، فقد حلف عليه السلام أنَّ الله سبحانه وتعالى سيجمع له ولده كما جمعهم ليعقوب عليه السلام وقد كان اجتماع يعقوب بولده في دار الدنيا، فيكون أمير المؤمنين عليه السلام كذلك في الدنيا، يجمعون له في رجعته عليه السلام وولده الأئمّة الإحدى عشر، وهم المنصوص على رجعتهم في أحاديثهم الصحيحة الصريحة، والعاقبة للمتّقين، وهم المتّقون.
ومن كتاب (تأويل ما نزل من القرآن في النبيّ وآله صلوات الله عليه وعليهم)(٤٧٧) تأليف أبي عبد الله محمّد بن العبّاس بن مروان، وعلى هذا الكتاب خطّ السيّد رضي الدين علي بن موسى بن طاووس ما صورته:
قال النجاشي في كتاب (الفهرست)(٤٧٨) ما هذا لفظه: محمّد بن العبّاس، ثقة ثقة في أصحابنا عين سديد، له كتاب (المقنع في الفقه) وكتاب (الدواجن)، وقال جماعة من أصحابنا: إنَّه لم يصنّف في معناه مثله، رواية علي بن موسى بن طاوس، عن فخار بن معد العلوي وغيره، عن شاذان بن جبرئيل، عن رجاله، ومنه قوله عز وجل: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ)(٤٧٩).
* حدَّثنا علي بن عبد الله بن أسد، قال: حدَّثني إبراهيم بن محمّد، قال: حدَّثنا أحمد بن معمّر الأسدي، قال: حدَّثنا محمّد بن فضل، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس في قوله عز وجل: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) قال: هذه نزلت فينا وفي بني أميّة، يكون لنا عليهم دولة، فتذلّ أعناقهم لنا بعد صعوبة وهوان بعد عزّ.
* حدَّثنا أحمد بن سعيد، قال: حدَّثنا أحمد بن الحسن، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا حصين بن مخارق، عن أبي الورد، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً)، قال: (النداء من السماء باسم رجل واسم أبيه).
* حدَّثنا الحسين بن أحمد، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن بعض أصحابنا، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن قول الله عز وجل: (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ)، قال: (تخضع لها رقاب بني أميّة)، قال: (ذلك بارز عند زوال الشمس)، قال: (وذاك علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يبرز عند زوال الشمس على رؤوس الناس ساعة حتَّى يبرز وجهه، يعرف الناس حسبه ونسبه)، ثمّ قال: (أما إنَّ بني أميّة ليختبينَّ الرجل منهم إلى جنب شجرة، فتقول: هذا رجل من بني أميّة فاقتلوه).
* حدَّثنا محمّد بن جعفر بن محمّد بن الحسن، قال: حدَّثنا عبد الله بن محمّد الزيّات، قال: حدَّثنا محمّد _ يعني ابن الجنيد _، قال: حدَّثنا مفضَّل بن صالح، عن جابر، عن أبي عبد الله الجدلي، قال: دخلت على علي عليه السلام يوماً، فقال: (أنا دابة الأرض).
* حدَّثنا علي بن أحمد بن حاتم، حدَّثنا إسماعيل بن إسحاق الراشدي، حدَّثنا خالد بن مخلَّد، حدَّثنا عبد الكريم بن يعقوب الجعفي، عن جابر بن يزيد، عن أبي عبد الله الجدلي، قال: دخلت على علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: (ألا اُحدثك ثلاثاً قبل أن يدخل عليَّ وعليك داخل؟ أنا عبد الله، أنا دابة الأرض صدقها وعدلها وأخو نبيّها، أنا عبد الله، ألا اُخبرك بأنف المهدي وعينه؟)، قال: قلت: نعم، فضرب بيده إلى صدره فقال: (أنا).
* حدَّثنا محمّد بن الحسن بن الصباح، حدَّثنا الحسين بن الحسن القاشي، حدَّثنا علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن عبد الرحمن بن سيابة، عن أبي داود، عن أبي عبد الله الجدلي، قال: دخلت على علي عليه السلام فقال: (اُحدثك بسبعة أحاديث إلاَّ أن يدخل علينا داخل)، قال: قلت: افعل جُعلت فداك، قال: (أتعرف أنف المهدي وعينه؟)، قال: قلت: أنت يا أمير المؤمنين؟ قال: (وحاجب الضلالة تبدو مخازيهما في آخر الزمان)، قال: قلت: أظنُّ والله يا أمير المؤمنين أنهما فلان وفلان، فقال: (الدابة وما الدابة، عدلها وصدقها وموقع بعثها، والله مهلك من ظلمها...) وذكر الحديث(٤٨٠).
* محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عمَّن ذكره، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن جعفر بن محمّد، عن كرام، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام عليه السلام).
وقال: (إنَّ آخر من يموت الإمام عليه السلام، لئلاَّ يحتجّ أحد على الله أنَّه تركه بغير حجّة عليه)(٤٨١).
المراد بالإمام هنا الذي هو آخر من يموت الجنس، لأنَّ الحجّة تقوم على الخلق بمنذر أو هادٍ في الجملة دون المشار إليه صلّى الله عليه، على ما ورد عنهم صلوات الله عليهم فيما تقدَّم من أنَّ الحسين بن علي عليه السلام هو الذي يغسّل المهدي عليه السلام ويحكم بعده في الدنيا ما شاء الله.
ويجب على من يقرّ لآل محمّد صلّى الله عليه وعليهم بالإمامة وفرض الطاعة أن يسلّم إليهم فيما يقولون، ولا يرد شيئاً من حديثهم المروي عنهم إذا لم يخالف الكتاب والسُنّة المتَّفق عليهما، ورجعتهم صلوات الله عليهم جاءت في الكتاب والسُنّة لا ريب فيها، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله أجمعين.
* محمّد بن علي بن الحسين بن موسى ابن بابويه، عن علي بن أحمد بن موسى الدقّاق، عن محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، قال: قلت للصادق عليه السلام: يا بن رسول الله، سمعت من أبيك أنَّه قال: (يكون بعد القائم عليه السلام اثنى عشر إماماً)، فقال: (قد قال: اثنى عشر مهدياً، ولم يقل: اثنى عشر إماماً، ولكنَّهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقّنا)(٤٨٢).
اعلم هداك الله بهداه أنَّ علم آل محمّد ليس فيه اختلاف، بل بعضه يصدّق بعضاً. وقد روينا أحاديث عنهم صلوات الله عليهم جمّة في رجعة الأئمّة الاثنى عشر، فكأنَّه عليه السلام عرف من السائل الضعف عن احتمال هذا العلم الخاصّ الذي خصَّ الله سبحانه من شاء من خاصَّته، وتكرَّم به على من أراد من بريته، كما قال سبحانه وتعالى: (ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(٤٨٣) فأوَّله بتأويل حسن، بحيث لا يصعب عليه فينكر قلبه فيكفر.
فقد روى في الحديث عنهم عليهم السلام: (ما كلّ ما يعلم يقال، ولا كلّ ما يقال حان وقته، ولا كلّ ما حان وقته حضر أهله)(٤٨٤).
وروي أيضاً: (لا تقولوا الجبت والطاغوت وتقولوا الرجعة، فإن قالوا: قد كنتم تقولون؟ قولوا: الآن لا نقول)(٤٨٥)، وهذا من باب التقيّة التي تعبَّد الله بها عباده في زمن الأوصياء في وجوب التقيّة في زمن حكّام الجور.
ومن كتاب (البشارة) للسيّد رضي الدين علي بن طاووس(٤٨٦): وجدت في كتاب تأليف جعفر بن محمّد بن مالك الكوفي، بإسناده إلى حمران بن أعين، قال: عمر الدنيا مائة ألف سنة لسائر الناس، عشرون ألف سنة، وثمانون ألف سنة لآل محمّد عليه وعليهم السلام).
قال السيّد رضي الدين رحمه الله:
وأعتقد أنَّني وجدت في كتاب طاهر بن عبد الله أبسط من هذه الرواية.
ومن كتاب (الغيبة) لمحمّد بن إبراهيم النعماني(٤٨٧): أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: حدَّثنا يحيى بن زكريا بن شيبان، قال: حدَّثنا يوسف بن كليب، قال: حدَّثنا الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن عاصم بن حميد الحناط، عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي عليهما السلام يقول: (لو قد خرج قائم آل محمّد عليهم السلام لينصره الله بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبين، يكون جبرئيل عليه السلام أمامه، وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره، والرعب مسيرة شهر أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله، والملائكة المقربون حذاه، أوّل ما يبايعه محمّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي صلوات الله عليه الثاني، معه سيف مخترطه، يفتح الله له الروم، والصين والترك، والديلم، والسند، والهند، وكابل شاه، والخزر، يا أبا حمزة لا يقوم القائم عليه السلام إلاَّ على خوف شديد، وزلازل، وفتنة، وبلاء يصيب الناس، وطاعون قبل ذلك، وسيف قاطع بين العرب، واختلاف شديد بين الناس، وتشتّت في دينهم، وتغيّر من حالهم، حتَّى يتمنّى المتمنّي الموت صباحاً ومساءً من عظم ما يرى من كلب الناس وأكل بعضهم بعضاً، وخروجه إذا خرج عند الإياس والقنوط، فيا طوبى لمن أدركه وكان من أنصاره، والويل كلّ الويل لمن ناواه وخالف أمره وكان من أعدائه)، ثمّ قال: (يقوم بأمر جديد، وكتاب جديد، وسُنّة جديدة، وقضاء جديد، على العرب شديد، ليس شأنه إلاَّ القتل، لا يستتيب أحداً، ولا تأخذه في الله لومة لائم).
ومن كتاب (الغيبة) للنعماني(٤٨٨): أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد بن عقدة، قال: حدَّثنا محمّد بن المفضَّل بن إبراهيم بن قيس بن رمانة الأشعري وسعدان بن إسحاق بن سعيد وأحمد بن الحسين بن عبد الملك الزيّات ومحمّد بن أحمد بن الحسين القطواني، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن ثابت، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي عليهما السلام يقول: (ليملكنَّ رجل منّا أهل البيت ثلاثمائة سنة، وتزداد تسعاً).
قال: قلت له: متى يكون ذلك؟
فقال: (بعد موت القائم صلوات الله عليه).
فقلت: وكم يقوم القائم في عالمه حتَّى يموت؟
قال: (تسع عشرة سنة من يوم قيامه إلى يوم موته).
ومنه(٤٨٩) أيضاً: أخبرنا محمّد بن همام، قال: حدَّثنا أحمد بن هابنداذ وعبد الله بن جعفر الحميري، قالا: حدَّثنا أحمد بن هلال، قال: حدَّثني الحسن بن محبوب الزرّاد، قال: قال لي الرضا عليه السلام: (يا حسن، إنَّه ستكون فتنة صمّاء صيلم، يذهب فيها كلّ وليجة وبطانة).
وفي رواية أخرى: (يسقط فيها كلّ وليجة وبطانة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يحزن لفقده أهل الأرض والسماء، كم من مؤمن ومؤمنة متأسّف متلهّف حيران حزين لفقده)، ثمّ أطرق، ثمّ رفع رأسه وقال: (بأبي واُمّي سميّ جدّي، وشبيهي، وشبيه موسى بن عمران عليه السلام، عليه جلابيت النور، وتتوقَّد من شعاع ضياء القدس، كأنّي بهم آيس ما كانوا، قد نودوا نداء يسمعه من بالبعد كما يسمعه من بالقرب، يكون رحمة على المؤمنين، وعذاباً على الكافرين).
قلت: بأبي واُمّي أنت ما ذلك النداء؟
قال: (ثلاثة أصوات في رجب: أوّلها: ألا لعنة الله على الظالمين. والثاني: أزفت الأزفة يا معشر المؤمنين، والثالث: يرون بدناً بارزاً مع قرن الشمس).
قد مضى فيما تقدَّم من الروايات أنَّه مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه الذي يراه الخلق بارزاً مع الشمس في غير حديث، والحمد لله على ما هداه، (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)(٤٩٠).
ومنه(٤٩١): أبي رحمه الله، قال: حدَّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن أحمد، قال: حدَّثنا موسى بن عمر، عن ابن سنان، عن أبي سعيد القمّاط، عن بكر بن أعين، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: لأيّ علّة وضع الله الحجر في الركن الذي هو فيه ولم يوضع في غيره؟ ولأيّ علّة يقبل ولأيّ علّة اُخرج من الجنّة؟ ولأيّ علّة وُضع فيه مواثيق العباد والعهد ولم توضع في غيره؟ وكيف السبب في ذلك؟ فخبرني جُعلت فداك، فإنَّ تفكّري فيه لعجب.
قال: فقال: (سألت وأعضلت في المسألة، واستقصيت، فافهم، وفرّغ قلبك، واصغ سمعك، اُخبرك إن شاء الله تعالى، إنَّ الله تبارك وتعالى وضع الحجر الأسود وهو جوهرة اُخرجت من الجنّة إلى آدم عليه السلام، فوضعت في ذلك الركن لعلّة الميثاق، وذلك أنَّه لمَّا أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم حين أخذ الله عليهم الميثاق في ذلك المكان، وفي ذلك المكان ترائى لهم ربّهم، ومن ذلك الركن يهبط الطير على القائم عليه السلام، فأوّل من يبايعه ذلك الطير، وهو والله جبرئيل عليه السلام، وإلى ذلك المقام يسند ظهره، وهو الحجّة والدليل على القائم عليه السلام، وهو الشاهد لمن وافى ذلك المكان، والشاهد لمن أدّى إليه الميثاق والعهد الذي أخذه الله على العباد، وأمَّا القبلة والالتماس فلعلّة العهد تجديداً لذلك العهد والميثاق، وتجديداً للبيعة، وليؤدّوا إليه ذلك العهد الذي أخذ عليهم في الميثاق، فيأتونه في كلّ سنة ليؤدّوا إليه ذلك العهد، ألا ترى أنَّك تقول: أمانتي أدّيتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة، والله ما يؤدّي ذلك أحد غير شيعتنا، ولا حفظ ذلك العهد والميثاق أحد غير شيعتنا، وإنَّهم ليأتونه فيعرّفهم ويصدّقهم، ويأتيه غيرهم فينكرهم ويكذّبهم، وذلك أنَّه لم يحفظ ذلك غيركم، فلكم والله يشهد، وعليهم والله يشهد بالخفر والجحود والكفر، وهو الحجّة البالغة من الله عليهم يوم القيامة، يجيء وله لسان ناطق، وعينان في صورته الأولى، يعرفه الخلق ولا ينكرونه، يشهد لمن وافاه وجدَّد العهد والميثاق عنده بحفظ العهد والميثاق وأداء الأمانة، ويشهد على كلّ من أنكره وجحد ونسي الميثاق بالكفر والإنكار).

* * *
المحتضر

تأليف: الشيخ عز الدين الحسن بن سليمان الحلي المتوفى سنة ٨٠٢ هـ

وذكر الفضل بن شاذان في كتاب القائم أيضاً، قال: حدَّثنا محمّد بن إسماعيل، عن محمّد بن سنان، عن عمّار بن مروان، عن زيد الشحّام، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إنَّ أرواح المؤمنين ترى آل محمّد عليهم السلام في جبال رضوى، فتأكل من طعامهم، وتشرب من شرابهم، ونتحدَّث(٤٩٢) معهم في مجالسهم، حتَّى يقوم قائمنا أهل البيت، فإذا قام قائمنا بعثهم الله تعالى وأقبلوا معه يلبّون زمراً زمراً، فعند ذلك يرتاب المبطلون، ويضمحل المنتحلون، وينجو المقرَّبون)(٤٩٣).
وممَّا يدلُّ على تفضيل محمّد وآله صلوات الله عليهم على جميع أوليائه ورسله قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)(٤٩٤)، فروي عن مولانا الصادق عليه السلام أنَّ المراد بالغيب هنا ثلاثة أشياء: يوم قيام القائم، ويوم الكرّة، ويوم القيامة، من آمن بها فقد آمن بالغيب، وهذا بعينه هو معنى قوله تعالى: (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ)(٤٩٥)،(٤٩٦).
وروي عن الصادق عليه السلام أنَّ أيّام الله ثلاثة: يوم القائم، ويوم الكرّة، ويوم القيامة(٤٩٧).
وروي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إنَّ لله تعالى بالمشرق مدينة يقال لها: (جابلقا) لها اثنا عشر ألف باب من ذهب، ما بين كلّ باب إلى صاحبه فرسخ، على كلّ باب برج فيه اثنا عشر ألف مقاتل، يهيّؤون الخيل، ويشهرون السيوف والسلاح، ينتظرون قيام قائمنا، وإنّي الحجة عليهم)(٤٩٨).
وروي عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن ميراث العلم ما مبلغه؟ أجوامع هو من العلم؟ أم تفسير كلّ شيء من هذه الأمور التي نتكلَّم فيها؟
فقال عليه السلام: (إنَّ لله عز وجل مدينتين مدينة بالمشرق، ومدينة بالمغرب، فيهما قوم لا يعرفون إبليس ولا يعلمون بخلق إبليس، نلقاهم في كلّ حين فيسألونا عمَّا يحتاجون إليه فنعلّمهم، ويسألونا عن قائمنا متى يظهر، وفيهم عبادة واجتهاد شديد، ولمدينتهم أبواب ما بين المصراع إلى المصراع مائة فرسخ، لهم تقديس وتمجيد ودعاء واجتهاد شديد، لو رأيتهم لحقرت عملكم، يصلّي الرجل منهم شهراً لا يرفع رأسه من سجدته، طعامهم التسبيح، ولباسهم الورع، ووجوههم مشرقة بالنور، وإذا رأوا منّا واحداً احتوشوه واجتمعوا إليه وأخذوا من أثره من الأرض يتبرَّكون به، لهم دوي إذا صلّوا كأشد من دوي الريح العاصف، فيهم جماعة لم يضعوا السلاح منذ كانوا ينتظرون قائمنا، يدعون الله أن يريهم إيّاه، يعمّر أحدهم ألف سنة، إذا رأيتهم رأيت الخشوع والاستكانة وطلب ما يقرّبهم من الله، إذا احتبسنا عنهم ظنّوا أنَّ ذلك من سخط، يتعاهدون أوقاتنا التي نأتيهم فيها، لا يسأمون ولا يفترون، يتلون كتاب الله عز وجل كما علَّمناهم، وإنَّ فيما نعلّمهم ما لو تلى على الناس لكفروا به، ولأنكروه، ويسألونا عن الشيء إذا ورد عليهم من القرآن لا يفهمونه، فإذا أخبرناهم به انشرحت صدورهم لما يسمعونه منّا، وسألوا لنا طول البقاء، وأن لا يفقدونا، ويعلمون أنَّ المنّة من الله تعالى عليهم فيما نعلمهم به عظيمة، ولهم خرجة مع الإمام إذا قام، يسبقون فيها أصحاب السلاح منكم، ويدعون الله تعالى أن يجعلهم ممَّن ينتصر به لدينه، فيهم كهول وشباب، إذا رأى شاب منهم الكهل جلس بين يديه جلسة العبد، لا يقوم حتَّى يأمره، فإذا أمرهم الإمام بأمر قاموا إليه أبداً حتَّى يكون هو الذي يأمرهم بغيره، لو أنَّهم وردوا على ما بين المشرق والمغرب لأفنوهم في ساعة واحدة، لهم سيوف من حديد غير هذا الحديد، لو ضرب أحدهم بسيفه جبلاً لقدَّه حتَّى يفصله، ويغزو بهم الإمام الهند والديلم والكرد والروم وبربر وفارس وبين جابرسا إلى جابلقا، وهما مدينتان، واحدة بالمشرق، وواحدة بالمغرب، لا يأتون على أهل دين إلاَّ دعوهم إلى الله تعالى وإلى الإسلام والتوحيد والإقرار بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم وولايتنا أهل البيت، فمن أجاب منهم ودخل في الإسلام تركوه وأمَّروا عليه أميراً منهم، ومن لم يجب ولم يقرّ بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم وبالإسلام قتلوه حتَّى لا يبقى بين المشرق والمغرب أحد إلاَّ آمن)(٤٩٩).
* وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (ليلة اُسري بي إلى السماء جاوزت الحجب حتَّى دنوت من ربّي جل جلاله، فلم يبقَ بيني وبين ربّي إلاَّ حجاب النور وهو يتلألأ، فأوحى إليَّ: يا أحمد، قلت: لبيك، فقال: من خلَّفت على أمّتك؟ قلت: خيرها، فقال: خلَّفت عليها علي بن أبي طالب، وأنا أعلم؟ قلت: نعم يا ربّ، فأوحى إليَّ: يا محمّد، إنّي أطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها نبيّاً، فلا أذكر إلاَّ وأنت معي، وشققت لك اسماً من اسمي، فأنا المحمود وأنت محمّد، ثمّ أطلعت إلى الأرض اطلاعة أخرى فاخترت منها علياً فجعلته وصيّك، وشققت له اسماً من أسمائي، فأنا الأعلى وهو علي، فأنت سيّد الأنبياء وهو سيّد الأوصياء، خلقتك من نوري، وخلقته من نورك، وخلقت فاطمة والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين من نوركما، ثمّ عرضت ولايتكم على خلقي، فمن قبلها كان من المقرَّبين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومن جحدها كان من الكافرين، يا محمّد، لو أنَّ عبداً عبدني حتَّى يتقطَّع إرباً إرباً ثمّ لقيني جاحداً لولايتكم لأدخلته النار وعذَّبته العذاب الأليم.
يا محمّد، أتحبّ أن ترى صورة شبحك وأشباح خلفائك من بعدك، علي وأحد عشر إماماً من ذريته؟ قلت: نعم يا ربّ، فأوحى تعالى إليَّ أن تقدَّم أمامك، فتقدَّمت، فإذا أنا بأشباح من نور يتلألأ، مكتوب عليها بالنور أسمائنا، وهي: محمّد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمّد بن علي، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمّد بن علي، وعلي بن محمّد، والحسن بن علي، ومحمّد بن الحسن، وهو في وسطهم شبيه الكوكب الدرّي، فقلت: يا ربّ، من هؤلاء؟ فأوحى إليَّ: أن يا محمّد، هذه ابنتك والخلفاء من ولدها من ذرية وصيّك علي، وهذا الذي بينهم كالكوكب الدرّي هو القائم المهدي، يهدي أمّتك إلى الإيمان ويخرجها من الضلالة والطغيان، أملأ به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
قلت: يا ربّ، ما اسمه؟ فأوحى إليَّ هو سميّك، والموفي بعهدك، وهؤلاء الأئمّة من ائتمَّ بهم نجا وسلم، وعذابي مقيم على من جحدهم حقّهم، وهم أوليائي وخلفائي وسكّان جنّتي، وهم خيرتي من خلقي، فطوبى لمن أحبَّهم وصدَّقهم، وويل لمن جحد حقّهم وكذَّب بهم)(٥٠٠).
* وروي عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)(٥٠١)، قال: (عهد إليه في محمّد والأئمّة من بعده، فترك، فلم يكن له عزم، إنَّهم هكذا، وإنَّما سمّوا أولي العزم لأنَّه عهد إليهم في محمّد والأوصياء من بعده، والمهدي وسيرته، فأجمع عزمهم أنَّهم كذلك، وأنَّهم يقرّون به)(٥٠٢).
* وروي عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إنَّ الله تبارك وتعالى حين خلق الخلق خلق ماءً عذباً وماءً مالحاً أجاجاً، فامتزج الماءان، فأخذ طيناً من أديم الأرض فعركه عركاً شديداً، فقال لأصحاب اليمين _ وهم كالذرّ يدبّون _: الجنّة بسلام، وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا أبالي، ثمّ قال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ)(٥٠٣)، ثمّ أخذ الميثاق على النبيّين، فقال: ألستُ بربّكم؟ قالوا: بلى، فقال: وأنَّ محمّداً رسولي، وعلياً أمير المؤمنين وأوصيائه من بعده ولاة أمري وخزّان علمي، وأنَّ المهدي أنتصر به لديني، وأظهر به دولتي، وأنتقم به من أعدائي، وأعبد به طوعاً وكرهاً؟ فقالوا: قد أقررنا يا ربّ وشهدنا، ولم يجحد آدم ولم يقرّ فثبتت العزيمة الخمسة من الأنبياء في المهدي ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به، وذلك قوله تعالى في آدم: (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)(٥٠٤) ثمّ أمر تعالى ناراً فأججت فقال لأصحاب الشمال: اُدخلوها فهابوها، وقال لأصحاب اليمين: اُدخلوها فدخلوها فكانت عليهم برداً وسلاماً، فقال أصحاب الشمال: يا ربّ أقلنا، فقال: قد أقلتكم اذهبوا فادخلوها فهابوها، فثَمَّ ثبتت الطاعة والمعصية والولاية)(٥٠٥).
* وروي عن أبي جعفر عليه السلام أنَّه قال: (إنَّ الله عز وجل خلق أربعة عشر نوراً من نور عظمته قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام فهي أرواحنا)، فقيل له: يا بن رسول الله فمن هؤلاء الأربعة عشر نوراً؟ فقال: (هو(٥٠٦) محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين تاسعهم قائمهم)، ثمّ عدَّهم بأسمائهم، وقال: (نحن والله الأوصياء الخلفاء من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن المثاني التي أعطاها الله تعالى نبيّنا محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم ونحن شجرة النبوّة ومنبت الرحمة ومعدن الحكمة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة وموضع سرّ الله ووديعة الله في عباده وحرم الله الأكبر وعهده المسؤل عنه فمن وفى بعهدنا فقد وفى بعهد الله ومن خفره فقد خفر ذمّة الله وعهده، عرفنا من عرفنا وجهلنا من جهلنا، نحن الأسماء الحسنى الذين لا يقبل الله من العباد عملاً إلاَّ بمعرفتنا، ونحن والله الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه، إنَّ الله خلقنا فأحسن خلقنا وصوَّرنا فأحسن صورنا وجعلنا عينه على عباده ولسانه الناطق في خلقه ويده المبسوطة عليهم بالرأفة والرحمة ووجهه الذي يؤتى منه وبابه الذي يدلُّ عليه وخزّان علمه وتراجمة وحيه وأعلام دينه والعروة الوثقى والدليل الواضح لمن اهتدى، وبنا أثمرت الأشجار وأينعت الثمار وجرت الأنهار ونزل الغيث من السماء ونبت عشب الأرض، وبعبادتنا عبد الله تعالى ولولانا لما عرف الله تعالى، وأيم الله لولا كلمة سبقت وعهد اُخذ علينا لقلت قولاً يعجب أو يذهل منه الأوّلون والآخرون)(٥٠٧).
وروي في حديث الجالوت النصراني بعد كلام طويل، فقلت: يا رسول الله أخبرني بهذه الأسماء التي لم نشهدها وأشهدنا قس(٥٠٨) بها(٥٠٩)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا جالوت ليلة اُسري بي إلى السماء أوحى الله تعالى إليَّ أن أسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثوا، فقلت لهم: على ماذا بعثتم؟ قالوا: على نبوَّتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمّة من ذريتكما، ثمّ أوحى إليَّ أن التفت إلى يمين العرش، فالتفت فإذا علي والحسن والحسين وعلي ومحمّد وجعفر وموسى وعلي ومحمّد وعلي والحسن والمهدي في ضحضاح من نور يصلّون، فقال الربّ تعالى: هؤلاء الحجج أوليائي وهذا منهم المنتقم من أعدائي)، قال الجالوت: فقلت: هؤلاء المذكورون في التوراة والإنجيل والزبور(٥١٠).
* وروي عن سلمان، قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلمَّا نظر إليَّ قال: (يا سلمان إنَّ الله لم يبعث نبيّاً ولا رسولاً إلاَّ جعل له اثني عشر نقيباً).
فقلت: يا رسول الله قد عرفت هذا من الكتابين.
قال صلى الله عليه وآله وسلم: (فهل عرفت نقبائي الاثني عشر الذين اختارهم الله للإمامة من بعدي؟).
فقلت: الله ورسوله أعلم.
قال: (يا سلمان، خلقني الله من صفاء نوره ودعاني فأطعته وخلق من نوري علياً ودعاه فأطاعة وخلق من نوري ونور علي فاطمة ودعاها فأطاعته وخلق من نوري ونور على وفاطمة الحسن والحسين ودعاهما فأطاعاه، فسمّانا الله بخمسة أسماء من أسمائه فالله المحمود وأنا محمّد، والله الأعلى وهذا علي، والله فاطر وهذه فاطمة، والله الحسن وهذا الحسن، والله ذو الإحسان وهذا الحسين، ثمّ خلق من نور الحسين تسعة أئمّة ودعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق الله سماء مبنيّة وأرضاً مدحيّة وهواءً وماءً وملكاً وبشراً فكنّا بعلمه أنواراً نسبّحه ونسمع له ونطيع).
فقلت: يا رسول الله بأبي أنت واُمّي ما لمن عرف هؤلاء؟
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يا سلمان من عرفهم حقّ معرفتهم واقتدى بهم فوالى وليّهم وتبرَّأ من عدوّهم فهو والله منّا يرد حيث نرد).
فقلت: يا رسول الله أيكون إيمان بهم بغير معرفتهم بأسمائهم وأنسابهم؟
قال: (لا).
فقلت: يا رسول الله فأنّى لي بهم.
قال: (الحسين عرفته، ثمّ سيّد العابدين علي بن الحسين، ثمّ ابنه محمّد باقر علم الأوّلين والآخرين، ثمّ ابنه جعفر لسان الصادقين، ثمّ ابنه موسى الكاظم غيظه صبراً في الله، ثمّ ابنه علي الرضا لأمر الله، ثمّ ابنه محمّد الجواد المختار لله، ثمّ ابنه علي الهادي إلى الله، ثمّ ابنه الحسن الأمين الصامت العسكري، ثمّ ابنه محمّد المهدي الناطق القائم بحقّ الله) فسكت.
ثمّ قلت: يا رسول الله اُدع لي بإدراكهم.
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّك مدركهم وأمثالك ومن تولاّهم بحقيقة المعرفة).
فشكرت الله ثمّ قلت: يا رسول الله مؤجّل إلى عهدهم؟
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يا سلمان (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً)(٥١١)).
فكثر بكائي واشتدَّ شوقي فقلت: يا رسول الله بعهد منك؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إي والذي أرسل محمّداً إنَّه لبعهد منّي وعلي وفاطمة والحسن والحسين وتسعة أئمّة منه، وكلّ من هو منّا مظلوم فينا، أي والله يا سلمان، ثمّ ليحضرنَّ إبليس وجنوده وكلّ من محض الإيمان ومحض الكفر محضاً حتَّى يؤخذ بالقصاص والترات ولا يظلم ربّك أحداً، نحن تأويل هذه الآية: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَْرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ)(٥١٢)).
فقمت من بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقلت: ما يبالي سلمان لقي الموت أو لقيه الموت(٥١٣).
* وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (اختار الله تعالى من الأيّام يوم الجمعة ومن الشهور شهر رمضان ومن الليالي ليلة القدر واختار من الناس الأنبياء والرسل واختارني من الرسل واختار منّي علياً واختار من علي الحسن والحسين واختار من الحسين الأوصياء يمنعون عن التنزيل تحريف الضالّين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين تاسعهم باطنهم ظاهرهم قائمهم وهو أفضلهم)(٥١٤).

* * *
مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين عليه السلام

تأليف: الحافظ رجب البرسي المتوفى سنة ٨١١ هـ

الفصل الرابع عشر: في أسرار أبي صالح المهدي عليه السلام: (٥١٥)
فمن ذلك ما رواه الحسن بن حمدان، عن حكيمة(٥١٦) بنت محمّد بن علي الجواد، قالت: كان مولد القائم ليلة النصف من شعبان سنة (٢٥٠هـ).
واُمّه نرجس بنت ملك الروم، فقالت حكيمة: فلمَّا وضعته سجد، وإذا على عضده مكتوب بالنور: (جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ)(٥١٧)، قالت(٥١٨): فجئت به إلى الحسن عليه السلام فمسح يده الشريفة على وجهه وقال: (تكلَّم يا حجّة الله وبقيّة الأنبياء، وخاتم الأوصياء، وصاحب الكرّة البيضاء، والمصباح من البحر العميق الشديد الضياء، تكلَّم يا خليفة الأتقياء، ونور الأوصياء).
فقال: (أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أنَّ محمّداً عبده ورسوله، وأشهد أنَّ علياً وليّ الله)، ثمّ عدَّ الأوصياء، فقال له الحسن عليه السلام: (اقرأ ما نزل على الأنبياء)، فابتدأ بصحف إبراهيم فقرأها بالسريانية، ثمّ قرأ كتاب نوح وإدريس، وكتاب صالح، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وفرقان محمّد صلّى الله عليه وعليهم أجمعين، ثمّ قصَّ قصص الأنبياء إلى عهده عليه السلام.
[فقال:](٥١٩) هذا بقيّة الله في خلقه، ووجه الله في عباده، ووديعته المستحفظة، وكلمته الباقية، وهذا بقيّة أغصان شجرة طوبى، هذا القاف، وسدرة المنتهى، هذا ريحان جنّة المأوى، هذا خليفة الأبرار، هذا بقيّة الأطهار، هذا خازن الأسرار، هذا منتهى الأدوار، هذا ابن التسمية البيضاء، والوحدانية الكبرى، وحجاب الله الأعظم الأعلى، هذا السبب المتَّصل من الأرض إلى السماء، هذا الوجه الذي يتوجَّه الأولياء، هذا الولي الذي بيمنه رزق الورى، وببقائه بقيت الدنيا، وبوجوده ثبتت الأرض والسماء، هذا الحجّة من الحجج، هذا نسخة الوجود والموجود، هذا غوث المؤمنين، وخاتم الوصيّين وبقيّة النبيّين، ومستودع علم الأوّلين والآخرين، هذا خاتم الألقاب الذاتية، والأشخاص المحمّدية، والعترة الهاشمية، هذا البقيّة من النور القويم، والنبأ العظيم، والصراط المستقيم، خلفاء النبيّ الكريم، وأبناء الرؤوف الرحيم، وأمناء العلي العظيم، ذرية بعضها من بعض، والله سميع عليم.
هم خلفاء أحمد والنقباء الحكماء أئمّة اثنا عشر أشرف من تحت السماء تعمى العيون عنهم وهم جلاء للعماء هذا الخليفة الوارث لأسرة النبوّة والإمامة، والخلافة والولاية، والسلطنة، والعصمة والحكمة، هذا الخلف من الآيات الباهرات، والنجوم الزاهرات، الذين لهم الحكم على الموجودات، والتصرف في الكائنات، والاطلاع على الغيوب، والعلم بما في الضمائر والقلوب، والإحاطة بالمخلوقات والشهادة لسائر البريّات، شهد لهم بذلك الذكر المبين، بأنَّهم سادة الأوّلين والآخرين، والولاة على السماوات والأرضين، وإنَّ الذي وصل إلى الأنبياء قطرة من بحرهم، ولمعة من نورهم، وذرَّة من سرّهم، وذلك لأنَّ الذي كان عند الأنبياء من الاسم الأعظم حرفان لا غير، وكانوا يفعلون بهما العجائب، وعند آل محمّد سبعون حرفاً، وعندهم ما عند الأنبياء أيضاً مضاف إليه، فالكلّ منهم وعنهم، وإليه الإشارة بقوله حكاية عن موسى عليه السلام: (وَكَتَبْنا لَهُ فِي الأَْلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)(٥٢٠) ومن هنا للتبعيض، وقال حكاية عن عيسى عليه السلام: (لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ)(٥٢١)، وقال حكاية عن خاتم النبيّين: (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ)(٥٢٢)، وقوله: (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ)(٥٢٣)، فهم اللوح الحاوي لكلّ شيء، والكتاب المبين الجامع لكلّ شيء، لأنَّ كلّ ما سطر في اللوح صار إليهم، دليله قوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ)(٥٢٤). والإمام المبين هو اللوح المحفوظ المتقدّم في الوجود على سائر الموجودات، وسمّاه الإمام لأنَّه فوق الكلّ وإمام الكلّ، دليله قوله: (أوّل ما خلق الله اللوح المحفوظ) ونور محمّد متقدّم في علم الغيب على الكلّ وعدل على الكلّ، وعنه بدأ الكلّ ولأجله خلق الكلّ، فاللوح المحفوظ هو الإمام، وإليه الإشارة بقوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ) فالكتاب المبين هو الإمام، وإمام الحقّ علي، فعلي هو الكتاب المبين، وإليه الإشارة بما روي عن محمّد الباقر عليه السلام أنَّه لما نزلت هذه الآية قام رجلان فقالا: يا رسول الله من الكتاب المبين أهو التوراة؟
قال: (لا).
قالا: فهو الإنجيل؟
قال: (لا).
قالا: فهو القرآن؟
قال: (لا).
فأقبل أمير المؤمنين عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (هذا هو الإمام المبين الذي أحصى الله فيه علم كلّ شيء) وإن كبر عليك أنَّه هو الكتاب المبين، فعنده علم الكتاب وإليه الإشارة بقوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ)(٥٢٥) فعلى الوجهين عنده علم الغيب من غير ريب.
أقول: يؤيّد هذا ما رواه ابن عبّاس من كتاب المقامات قال: أنزل الله على نبيّه كتاباً من قبل أن يأتيه الموت عليه خواتيم من ذهب، فقال له: ادفعه إلى النجيب من أهلك علي بن أبي طالب عليه السلام ومُره أن يفكّ خاتماً منه ويعمل بما فيه، ثمّ دفعه إلى الحسين عليه السلام ففكَّ خاتماً منه فوجد فيه: اُخرج بقومك إلى الشهادة، واشتر نفسك لله، ثمّ دفعه إلى علي ابنه عليه السلام فوجد فيه: اصمت والزم بيتك واعبد ربَّك حتَّى يأتيك اليقين، ففعل، ثمَّ دفعه إلى محمّد ابنه عليه السلام ففكَّ خاتماً فوجد فيه: حدّث الناس وافتهم، ولا تخافنَّ إلاَّ الله فلا سبيل لأحد عليك، ففعل، ثمّ دفعه إلى ابنه جعفر ففكَّ خاتماً فوجد فيه: حدّث الناس وافتهم وانشر علوم آبائك وصدّق أهل بيتك، ولا تخافنَّ أحداً إلاَّ الله، هكذا(٥٢٦) حتَّى مضى، ثمّ صار إلى القائم عليه السلام.
يشهد بصحَّة هذا الإيراد حديث اللوح الذي رواه جابر عن الزهراء عليها السلام، وهو لوح أهداه الله إلى رسوله فيه اسمه واسم الخلفاء من بعده، نسخته: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز الحكيم إلى محمّد نبيّه وسفيره نزل به الروح الأمين من ربّ العالمين، عظّم يا محمّد أمري، واشكر نعمائي، إنَّني أنا الله لا إله إلاَّ أنا فمن رجا غير فضلي، وخاف غير عدلي، عذَّبته عذاباً أليماً فإيّاي فاعبد، [و](٥٢٧) عليَّ فتوكَّل، إنَّني لم أبعث نبيّاً قطّ فأكملت أيّامه إلاَّ جعلت له وصيّاً، وإنّي فضَّلتك على الأنبياء وجعلت لك علياً وصيّاً، وكرَّمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين، وجعلت حسناً معدن وحيي بعد أبيه، وجعلت حسيناً خازن وحيي وأكرمته بالشهادة، وأعطيته مواريث الأنبياء فهو سيّد الشهداء، وجعلت كلمتي الباقية في عقبه أخرج منه تسعة أبرار هداة أطهار منهم سيّد العابدين وزين أوليائي، ثمّ ابنه محمّد شبيه جدّه المحمود الباقر لعلمي، هلك المرتابون في جعفر، الرادّ عليه كالرادّ عليَّ، حقّ القول منّي أن أهيج بعده فتنة عمياء، من جحد وليّاً من أوليائي فقد جحد نعمتي، ومن غيَّر آية من كتابي فقد افترى عليَّ، ويل للجاحدين فضل موسى عبدي وحبيبي، وعلي ابنه وليّي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوّة، يقتله عفريت مريد، حقّ القول منّي لأقرنَّ عينه بمحمّد ابنه موضع سرّي، ومعدن علمي، وأختم بالسعادة لابنه علي الشاهد على خلقي، أخرج منه خازن علمي الحسن الداعي إلى سبيلي، وأكمل ديني بابنه زكي العالمين(٥٢٨) عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيّوب، يذلّ أولياؤه في غيبته ويتهادون برؤوسهم إلى الترك والديلم، ويصبغ الأرض بدمائهم ويكونون خائفين أولئك أوليائي حقّاً، بكم أكشف الزلازل والبلاء، (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)(٥٢٩)).

* * *
إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين

تأليف: الفقيه الكبير والمتكلم النحرير جمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري الحلي المتوفى سنة ٨٢٦ هجرية

[بحث في غيبة الإمام المنتظر عجَّل الله فرجه]:
قال: وأمَّا غيبة الإمام عليه السلام: فإمَّا [أن تكون](٥٣٠) لخوفه على نفسه من أعدائه، أو على أوليائه، فلا يظهر عامّاً ولا خاصّاً، وإمَّا لمصلحة خفيّة استأثر الله تعالى بعلمها.
ولا استبعاد في طول عمره عليه السلام، فقد وجد في الأزمنة الماضية والقرون الخالية من عمَّر عمراً مديداً أطول من عمره، وإذا ثبت أنَّ الله تعالى قادر على كلّ مقدور، فلا شكَّ في إمكان بقائه عليه السلام مدّة طويلة، فلا استبعاد.
ووجوب القطع بوجوده عليه السلام هذا العمر الطويل، للنصّ الدالّ عليه من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومن الأئمّة، المنقول المتواتر بين الأماميّة.
ولوجوب نصب الرئيس في كلّ زمان ووجوب عصمته.
أقول: هنا مسائل:
الأولى: في سبب غيبة الإمام الثاني عشر:
فنقول: لمَّا دلَّ الدليل على إمامته وليس ظاهراً فوجب أن يكون غائباً.
وأمَّا سبب الغيبة فقد ذكر المصنّف سببين:
أحدهما: أن يكون سببها الخوف على نفسه، لكثرة عدوّه وقلّة ناصره، أو الخوف على أوليائه لو ظهر لهم، فلذلك لا يظهر عامّاً لخوفه على نفسه ولا خاصّاً لخوفه على أوليائه.
وثانيهما: أن يكون سبب الغيبة مصلحة خفيّة استأثر الله تعالى بعلمها و[لا] يجب أن تعلم تلك [المصلحة بالتفصيل، لأنّا إذا أثبتنا الغيبة وعلمنا أنَّ فعل الحكيم لا بدَّ له من علّة علمنا بذلك] إجمالاً وإن لم نعلمه تفصيلاً.
الثانية: في [بيان] إمكان بقائه هذه المدّة الطويلة:
فنقول: لا شكَّ أنَّ هذا أمر ممكن، والله تعالى قادر على كلّ الممكنات، فيكون قادراً على إبقاء هذا الشخص هذه المدّة الطويلة، هذا مع أنَّ مثل هذا التعمير وأضعافه قد وقع: إمَّا في حقّ الأنبياء فكما في نوح وشعيب عليهما السلام، وإمَّا في حقّ الأشقياء فكما في السامري والدجّال، وإذا جاز ذلك في حقّ الطرفين فليجز في حقّ الوسط وهم الأولياء، وحيث الحال كذلك فلا وجه لاستبعاد الخصم طول عمره عليه السلام.
الثالثة: في بيان وجوب وجوده في هذه المدّة الطويلة:
وذلك لوجهين:
الأوّل: النصوص الدالّة على وجوده، وولادته، وطول عمره، وغيبته، نقلتها الشيعة خلفاً عن سلف نقلاً متواتراً عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعن الأئمّة عليهم السلام.
الثاني: الدليل الدالّ على أنَّ كلّ زمان لا بدَّ فيه من إمام معصوم، وغيره ليس بمعصوم بالإجماع، فيجب أن يكون هو موجوداً في هذه المدّة الطويلة من حين وفاة أبيه الحسن العسكري عليه السلام إلى انقطاع التكليف، وإلاَّ لزم خلوّ الزمان من إمام معصوم، وهو باطل بالإجماع، لما تقدَّم من الدليل.

* * *
اللّوامع الإلهية في المباحث الكلامية

تأليف: الفقيه الكبير والمتكلم النحرير جمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري الحلي المتوفى سنة ٨٢٦ هجرية

البحث الخامس: في الغيبة:
وفيه ثلاث مسائل:
الأولى: أنَّه لمَّا دلَّ الدليل على إمامة سيّدنا المنتظر عليه الصلاة والسلام، وأنَّ كلّ زمان لا بدَّ فيه من إمام معصوم وجب وجوده وبقاؤه من حين موت أبيه الحسن عليه السلام إلى آخر زمان التكليف، وإلاَّ لزم إمَّا القول بوجوب إمامة معصوم غيره وهو باطل بالإجماع، أو خلوّ زمان عن إمام وهو باطل بما تقدَّم، وبدلالة الأخبار المتواترة على وجوده(٥٣١) وبقائه وغيبته وظهوره بعد ذلك، فيكون القول بوجوده حقّاً، وهو المطلوب، وقد تقدَّم وجه لطفيته حال غيبته فلا وجه لإعادته.
الثانية: سبب غيبته، لا يجوز أن يكون قبيحاً؛ لما ثبت من عصمته عليه السلام فتكون حسناً، ولا يجب علينا معرفة وجه حسن كلّ فعل تفصيلاً وإلاَّ لوجب معرفة وجه حسن خلق الحيَّات والعقارب تفصيلاً، وهو باطل بالإجماع، وحينئذٍ جاز أن تكون غيبته لمصلحة خفيّة استأثر الله تعالى بعلمها، غير أنّا نذكر ما يمكن أن يكون سبباً، وهو الخوف كما استتر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تارة في الغار وتارة في الشعب؛ خوفاً من المشركين.
وقد دلَّ(٥٣٢) بعض الأخبار على أنَّ غيبته عليه السلام لذلك(٥٣٣) وتكون الغيبة حاصلة ما دام السبب باقياً، ويكون الإثم في تعطيل الحدود والأحكام على من منه الخوف.
لا يقال: الخوف ليس مختصّاً بزمانه عليه السلام بل كان في زمن آبائه عليهم السلام أيضاً، ثمّ إنَّهم ظهروا وبيَّنوا الشرائع(٥٣٤) لشيعتهم ولزموا التقيّة مع الظلمة ولم يستتروا، فهلاَّ كان حاله كذلك؟ سلَّمنا، لكن الخوف ليس من شيعته فهلاَّ ظهر لهم خاصّة وأفتاهم وبيَّن لهم ما اختلفوا فيه من الأحكام؟
لأنّا نقول: أمَّا الأوّل: فقد أجاب السيّد المرتضى رحمه الله عنه بما مضمونه: أنَّه عليه السلام غير متعبّد بالتقيّة، بل فرضه الجهاد ومنابذة الأعداء وإقامة الدين، كما دلَّت عليه الأخبار المتواترة من الإمامية وغيرهم، بخلاف آبائه عليهم السلام فإنَّ أكثرهم لم يكن مأموراً بالخروج والقيام والحرب بل كان متعبّداً بالتقيّة، كما ورد عنهم عليهم السلام: (ما منّا إلاَّ من وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلاَّ قائمنا فإنَّه يخرج ولا بيعة لأحد في عنقه)، فظهر الفرق بينه وبين آبائه كما أنَّ عيسى عليه السلام لم يحارب ولم يكن(٥٣٥) فرضه الجهاد، ومحمّد صلى الله عليه وآله وسلم حارب وكان فرضه الجهاد(٥٣٦)، والأحكام تتغيَّر بحسب تغيّر المصالح.
وأمَّا الثاني: فقد أجاب شيخنا المفيد رحمه الله: بأنَّ شيعته غير معصومين، فجاز أن تدعوهم دواعي الشيطان إلى إغرائه؛ طمعاً في الدنيا كما دعت أمم الأنبياء إلى الارتداد عن شرائعهم، وكما عاند قوم موسى عليه السلام أخاه هارون وارتدّوا، وفي هذا نظر.
وأجاب غيره بأنّا نجوّز ذلك ولا نحيله، لكن ليس(٥٣٧) كلّ جائز يجب وقوعه، بل إذا وجد سبب وجوده، وهو غير حاصل هنا، لأنَّهم ينتفعون بلطفيته حال غيبته فلا مرجّح لظهوره(٥٣٨)، وهذا أقوى عندي.
الثالثة: في طول بقائه عليه السلام: ولا شكَّ في إمكانه؛ لكون الفاعل قادراً مختاراً كما تقدَّم، وقد وقع تعمير أقوام مثل عمره عليه السلام وأزيد وأنقص، فإنَّ الخضر عليه السلام موجود اتّفاقاً وكان قبل موسى عليه السلام على عهد (أفريدون)، وكذلك السامري والدجّال من الأشقياء، وقد نصَّ القرآن على أنَّ نوحاً عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلاَّ خمسين عاماً وجاء في الأخبار أنَّه عاش ألفي سنة وزائداً، وكذلك لقمان عاش سبعة آلاف سنة وهو صاحب النسور(٥٣٩) وأخبار المعمّرين شائعة بذلك، من وقف عليها عرف صحَّة ما قلنا(٥٤٠).
لا يقال: قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (أعمار أمّتي ما بين الستّين إلى السبعين)(٥٤١)، وقال أصحاب الأحكام النجومية: إنَّ العمر لا يزيد على مائة وعشرين.
لأنّا نقول: أمَّا الأوّل: فإنَّه بناءً على الأغلب؛ لأنَّ خلافه معلوم ضرورة، وأيضاً خرق العادة جائز للإعجاز فلِمَ لا يجوز أن يكون طول عمره معجزة له عليه السلام؟
وأمَّا الثاني: فباطل، لما بيَّنا من بطلان استناد الحوادث إلى الكواكب بل إلى الفاعل المختار، وقولهم بناؤه على نفيه، ثمّ على تقدير القول بالإيجاب يجوز أن يحدث شكل غريب فلكي يوجب طول عمره عليه السلام والحكماء لا ينكرون ذلك، هذا مع أنَّ أصحاب النجوم لا يمنعون ذلك أيضاً وإنَّما قالوا: أكثر ما يعطي كوكب واحد من العمر من حيث هو مائة وعشرون سنة، وجاز أيضاً أن يضمّ إليه عندهم أسباب أخر فتتضاعف العطية، قالوا: مثل أن يتَّفق طالع كثرة الهيلاجات فيه والكتخدايات كلّها في أوتاد الطالع، ناظرة إلى بيوتها، ونظر السعود إليها من الأوتاد بالتثليث أو التسديس وتكون النحوس ساقطة، وحينئذٍ يحكمون لصاحب الطالع بطول العمر كما لسيّدنا صلوات الله عليه وعجَّل الله فرجه وأرانا أيّامه بحقّ الحقّ وأهله.

* * *
شرح أصول الكافي

تأليف: الشيخ محمد صالح المازندراني (المتوفى سنة ١٠٨١ هـ)
ضبط وتصحيح: السيد علي عاشور

باب في تسمية من رأى القائم عليه السلام: (٥٤٢)
الأصل:
محمّد بن عبد الله ومحمّد بن يحيى جميعاً، عن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو رحمه الله عند أحمد بن إسحاق، فغمزني أحمد بن إسحاق أن أسأله عن الخلف فقلت له: يا أبا عمرو إنّي أريد أن أسألك عن شيء وما أنا بشاكّ فيما أريد أن أسألك عنه، فإنَّ اعتقادي وديني أنَّ الأرض لا تخلو من حجّة إلاَّ إذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يوماً، فإذا كان ذلك رفعت الحجّة وأغلق باب التوبة (لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً)(٥٤٣) فأولئك شرار من خلق الله عز وجل وهم الذين تقوم عليهم القيامة، ولكنّي أحببت أن أزادد يقيناً وإنَّ إبراهيم عليه السلام سأل ربّه عز وجل أن يريه كيف يحيي الموتى (قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)(٥٤٤).
وقد أخبرني أبو علي أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته وقلت: من أعامل أو عمَّن آخذ وقول من أقبل؟
فقال له: (العمري ثقتي فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنَّه الثقة المأمون).
وأخبرني أبو علي أنَّه سأل أبا محمّد عليه السلام عن مثل ذلك، فقال له: (العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعمها فإنَّهما الثقتان المأمونان)، فهذا قول إمامين قد مضيا فيك.
قال: فخرَّ أبو عمرو ساجداً وبكى، ثمّ قال: سل حاجتك.
فقلت: أنت رأيت الخلف من بعد أبي محمّد عليه السلام؟
فقال: إي والله ورقبته مثل ذا _ وأومأ بيده _.
فقلت له: فبقيت واحدة.
فقال لي: هات.
قلت: فالاسم؟
قال: محرَّم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي، فليس لي أن اُحلّل ولا اُحرّم، ولكن عنه عليه السلام، فإنَّ الأمر عند السلطان أنَّ أبا محمّد مضى ولم يخلف ولداً، وقسّم ميراثه وأخذه من لا حقّ له فيه، وهو ذا عياله يجولون، ليس أحد يجسر أن يتعرَّف إليهم أو ينيلهم شيئاً، وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتّقوا الله وأمسكوا عن ذلك.
قال الكليني رحمه الله: وحدَّثني شيخ من أصحابنا _ ذهب عنّي اسمه _ أنَّ أبا عمرو سأل أحمد بن إسحاق عن مثل هذا فأجاب بمثل هذا.
الشرح:
قوله: (والشيخ أبو عمرو): هو عثمان بن سعيد العمري، وهو أوّل وكيل من الوكلاء الأربعة وأوّل سفير منهم.
قوله: (أحمد بن إسحاق): هو أحد المذكورين سابقاً.
قوله: (فغمزني أحمد بن إسحاق): الغمز: العصر والكبس باليد، والإشارة كالرمز بالعين أو الحاجب أو اليد، يقال: غمزت الشيء بيدي وغمزته بعيني.
قوله: (رفعت الحجّة وأغلق باب التوبة): المراد بالحجّة القرآن وصاحب الزمان عليه السلام، وظاهر قوله: (أغلق باب التوبة) وظاهر الآية يشعران بسقوط التكليف في ذلك الزمان، وظاهر قوله: (فأولئك شرار من خلق الله) يشعر ببقائه(٥٤٥)، ولم يحضرني من الأخبار ما يدلُّ على أحدهما، ويمكن أن يرجّح الأوّل بما دلَّ من الأخبار على أنَّه (لو بقي في الأرض اثنان لكان أحدهما الحجّة)(٥٤٦) وعلى أنَّه (لو بقيت الأرض بغير حجّة لساخت)(٥٤٧) بتخصيص هذه الأخبار بزمان التكليف، وبذلك يندفع التنافي بينها وبين هذا القول، ويمكن رفع التنافي أيضاً بتخصيصها بغير الأربعين، وإن وقع التكليف في الأربعين أيضاً لعدم الاعتداد به، ولكنَّه بعيد جدّاً، فليتأمّل.
قوله: (لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً)(٥٤٨)، (إِيمانُها) فاعل (يَنْفَعُ) و(لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ) صفة لـ: (نَفْساً)، و(أَوْ كَسَبَتْ) عطف على (آمَنَتْ) يعني إذا تحقَّقت هذه الآية التي هي من آيات قيام القيامة _ أعني رفع الحجّة وسدّ باب التوبة _ لا ينفع الإيمان حينئذٍ نفساً لم تؤمن قبل هذه الآية، أو آمنت ولم تكسب في إيمانها خيراً من قبل، لأنَّ هذا الزمان لمَّا كان من مقدّمات يوم القيامة كان حكمه حكم يوم القيامة في أنَّه لا ينفع الإيمان والعمل فيه، وهذا حجّة لمن ذهب إلى أنَّ الإيمان المجرَّد عن العمل لا ينفع.
وأمَّا من ذهب إلى أنَّه ينفع فهو إمَّا أن يخصّص عدم النفع بذلك الزمان، أو يجعل العطف على: (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ) ليصير المعنى: لا ينفع الإيمان حينئذٍ نفساً كسبت في إيمانها خيراً، فكيف إذ لم يكسبه.
قوله: (فأولئك شرار من خلق الله)، أي: أولئك الذين بقوا في الأرض بعد رفع الحجّة منه وسد باب التوبة عليهم شرار من خلق الله لفقد الخير فيهم، ولا بدَّ من تخصيصهم بمن لم يؤمن ولم يعمل خيراً قبل الرفع والسدّ، والشرار بالكسر خلاف الخيار.
قوله: (تقوم عليهم القيامة): بعد إماتتهم جميعاً.
قوله: (ولكنّي أحببت أن أزداد يقيناً) اليقين هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، وله درجات متفاوتة ومراتب متباعدة يحصل بسبب التفاوت في رفع المزاحمات الخيالية والتوهّمات الوهمية التي لا تقدح في أصل اليقين حتَّى يبلغ إلى مرتبة عين اليقين، وإليه يشير قول أمير المؤمنين عليه السلام: (لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً)(٥٤٩) ولو لم يكن اليقين متفاوتاً لما كان بينه عليه السلام وبين غيره في ذلك تفاوت، وأيضاً الفرق الضروري بين يقين الأنبياء والأوصياء ويقين غيرهم قاض بذلك، وتفاوت درجات الإيمان أيضاً مؤيّد له.
قوله: (وإنَّ إبراهيم عليه السلام): استشهاد، لأنَّ سؤاله ليس بسبب الشكّ فيما يسأله، بل لأجل أن يحصل له زيادة بصيرة وكمال يقين وسكون قلب كسؤال إبراهيم عليه السلام، نقل أنَّ إبراهيم عليه السلام أراد أن يصير علمه البرهاني بإحياء الموتى عيانياً ونوره القلبي شهودياً ليزداد بصيرة وسكون قلب بمشاهدة المعلوم عياناً (قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) حتَّى أراه بعيني كما علمته بقلبي، قال جلَّ شأنه: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) بأنّي قادر على إحياء الموتى؟ قال: (بَلى آمنت به ولكن سألت (لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي))(٥٥٠) ويحصل له سكون وزيادة بصيرة بإضافة البصيرة العينية إلى البصيرة القلبية، والغرض من قوله تعالى: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) مع علمه أنَّه مؤمن خالص ليجيب عليه السلام بما أجاب، فيعلم السامعون غرضه من هذا السؤال وهو حصول زيادة بصيرة والفرق بينه وبين القول المذكور لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام واضح لا يخفى على أحد.
قوله: (فخرَّ أبو عمرو ساجداً وبكى): سجد لشكر النعمة، وبكى لموت الإمامين.
قوله: (رقبته مثل ذا) قد مرَّ تفسيرها(٥٥١).
قوله: (فإنَّ الأمر عند السلطان): أراد بالسلطان المعتمد العبّاسي لعنه الله، وهذا التعليل دلَّ صريحاً على أنَّ حرمة التصريح باسمه في زمان الغيبة، إلاَّ أنَّ صاحب كشف الغمّة قال: (قد جاء في الأخبار أنَّه لا يحلُّ لأحد أن يسمّيه باسمه ولا أن يكنّيه بكنيته إلى أن يزيّن الله الأرض بظهور دولته)(٥٥٢)، ومال إليه جماعة من الأصحاب والله أعلم(٥٥٣).
قوله: (يجولون): جال واجتال: جاء وذهب، وفي بعض النسخ: (يحولون) من التحويل، والظاهر أنَّه تصحيف.
قوله: (ليس أحد يجسر أن يتعرَّف إليهم)، أي: ليس أحد يجسر أن يجعل نفسه معروفاً لهم يعرفونه بالمحبّة والولاية أن ينيلهم ويعطيهم شيئاً يسدّ حاجتهم خوفاً من السلطان وتبعته.
الأصل:
علي بن محمّد، عن محمّد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر _ وكان أسنّ شيخ من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعراق _، فقال: رأيته بين المسجدين وهو غلام عليه السلام.
الشرح:
قوله: (بين المسجدين): مسجد مكّة والمدينة.
الأصل:
محمّد بن يحيى، عن الحسين بن رزق الله أبو عبد الله، قال: حدَّثني موسى بن محمّد القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر، قال: حدَّثتني حكيمة ابنة محمّد بن علي عليه السلام وهي عمّة أبيه(٥٥٤) أنَّها رأته ليلة مولده وبعد ذلك.
علي بن محمّد، عن حمدان القلانسي، قال: قلت للعمري: قد مضى أبو محمّد عليه السلام؟ فقال: قد مضى، ولكن قد خلَّف فيكم من رقبته مثل هذا _ وأشار بيده _.
الشرح:
قوله: (علي بن محمّد عن حمدان القلانسي) مرَّ هذا الحديث متناً وسنداً وتفسيراً في الباب السابق(٥٥٥).
الأصل:
علي بن محمّد، عن فتح مولى الزراري، قال: سمعت أبا علي بن مطهَّر يذكر أنَّه قد رآه ووصف له قدّه.
علي بن محمّد، عن محمّد بن شاذان بن نعيم، عن خادم لإبراهيم بن عبدة النيسابوري أنَّها قالت: كنت واقفة مع إبراهيم على الصفا، فجاء عليه السلام حتَّى وقف على إبراهيم وقبض على كتاب مناسكه وحدَّثه بأشياء.
علي بن محمّد، عن محمّد بن علي بن إبراهيم، عن أبي عبد الله بن صالح أنَّه رآه عند الحجر الأسود والناس يتجاذبون عليه وهو يقول: (ما بهذا اُمروا).
الشرح:
قوله: (يتجاذبون عليه) أي: يتنازعون للوصول إلى الحجر الأسود ويتدافعون، يدفع بعضهم بعضاً أشدّ دفع.
الأصل:
علي، عن أبي علي أحمد بن إبراهيم بن إدريس، عن أبيه أنَّه قال: رأيته عليه السلام بعد مضي أبي محمّد حين أيفع، وقبَّلت يديه ورأسه.
الشرح:
قوله: (حين أيفع): أيفع الغلام فهو يافع إذا شارف البلوغ ولما يبلغ، وهو من نوادر الأبنية، وفي التكملة: غلام يفاع بمعنى يافع، واليفاع واليافع: المرتفع من كلّ شيء.
الأصل:
علي، عن أبي عبد الله بن صالح وأحمد بن النضر، عن القنبري _ رجل من ولد قنبر الكبير _ مولى أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: جرى حديث جعفر بن علي فذمَّه، فقلت له: فليس غيره فهل رأيته؟
فقال: لم أرَه ولكن رآه غيري.
قلت: ومن رآه؟
قال: قد رآه جعفر مرَّتين وله حديث.
الشرح:
قوله: (من ولد قنبر الكبير): لعلَّ المراد بقنبر الكبير قنبر مولى أمير المؤمنين عليه السلام، والوصف بالكبير للمدح والإيضاح لا للاحتراز، وقوله: (مولى أبي الحسن الرضا عليه السلام) بيان أو بدل لرجل.
قوله: (قال: جرى) فاعل قال وقلت أحمد، وفاعل ذمَّه وضمير له وغيره راجع إلى القنبري، ومفعول ذمَّه راجع إلى جعفر بن علي وهو المشهور بالكذّاب، وضمير المفعول في رأيته راجع إلى صاحب الزمان عليه السلام.
الأصل:
علي بن محمّد، عن أبي محمّد الوجناني أنَّه أخبرني عمَّن رآه، أنَّه خرج من الدار قبل الحادث بعشرة أيّام وهو يقول: (اللهم إنَّك تعلم أنَّها من أحبّ البقاع لولا الطرد _ أو كلام هذا نحوه _).
الشرح:
قوله: (قبل الحادث)، أي: قبل وفاة أبيه أبي محمّد الحسن العسكري عليه السلام، وضمير (أنَّها) راجع إلى البقعة المباركة المعروفة.
قوله: (أو كلام نحو هذا) صريح في أنَّ الراوي ليس متذكّر اللفظ بعينه، وأنَّ المروي هو المعنى، فهو حجّة لمن جوَّز نقل الحديث بالمعنى.
الأصل:
علي بن محمّد، عن علي بن قيس، عن بعض جلاوزة السواد، قال: شاهدت سيماء آنفاً بسُرَّ من رأى وقد كسر باب الدار، فخرج عليه وبيده طبرزين فقال له: (ما تصنع في داري؟).
فقال سيماء: إنَّ جعفراً زعم أنَّ أباك مضى ولا ولد له، فإن كانت دارك فقد انصرفت عنك، فخرج عن الدار.
قال علي بن قيس: فخرج علينا خادم من خدم الدار، فسألته عن هذا الخبر، فقال لي: من حدَّثك بهذا؟
فقلت له: حدَّثني بعض جلاوزة السواد، فقال لي: لا يكاد يخفى على الناس شيء.
الشرح:
قوله: (عن بعض جلاوزة السواد) السواد بالفتح: قرى المدينة وعامّة الناس وأوباشهم وكلّ عدد كثير، والجلاوزة: جمع الجلواز بالكسر، وهو الشرطي والأرذل والمتابع للشرطي والعون للسلطان يكون معه بلا رزق.
قوله: (شاهدت سيماء) هو واحد من عبيد جعفر الكذّاب.
قوله: (فخرج عليه) فاعل خرج صاحب الدار وهو الصاحب عليه السلام.
الأصل:
علي بن محمّد، عن جعفر بن محمّد الكوفي، عن جعفر بن محمّد المكفوف، عن عمرو الأهوازي، قال: أراني أبو محمّد عليه السلام وقال: هذا صاحبكم.
محمّد بن يحيى، عن الحسن بن علي النيسابوري، عن إبراهيم بن محمّد بن عبد الله بن موسى بن جعفر، عن أبي نصر ظريف الخادم أنَّه رآه.
علي بن محمّد، عن محمّد والحسن [الحسين] ابني علي بن إبراهيم أنَّهما حدَّثاه في سنة تسع وسبعين ومائتين، عن محمّد بن عبد الرحمن العبدي، عن ضوء بن علي العجلي، عن رجل من أهل فارس سمّاه، أنَّ أبا محمّد أراه إيّاه.
الشرح:
قوله: (عن رجل من أهل فارس) لعلَّ هذا الحديث وهذا الرجل مرَّ ذكرهما في الباب السابق تفصيلاً.
الأصل:
علي بن محمّد، عن أبي أحمد بن راشد، عن بعض أهل المدائن قال: كنت حاجّاً مع رفيق لي، فوافينا إلى الموقف فإذا شاب قاعد عليه إزار ورداء وفي رجليه نعل صفراء، قوَّمت الإزار والرداء بمائة وخمسين ديناراً، وليس عليه أثر السفر، فدنا منّا سائل فرددناه، فدنا من الشاب فسأله، فحمل شيئاً من الأرض وناوله، فدعا له السائل واجتهد في الدعاء وأطال، فقام الشاب وغاب عنّا، فدنونا من السائل فقلنا له: ويحك ما أعطاك؟
فأرانا حصاة ذهب مضرسة، قدَّرناها عشرين مثقالاً، فقلت لصاحبي: مولانا عندنا ونحن لا ندري.
ثمّ ذهبنا في طلبه فدرنا الموقف كلّه فلم نقدر عليه، فسألنا كلّ من كان حوله من أهل مكّة والمدينة فقالوا: شاب علوي، يحجّ في كلّ سنة ماشياً.
باب في النهى عن الاسم: (٥٥٦)
الأصل:
علي بن محمّد، عمَّن ذكره، عن محمّد بن أحمد العلوي، عن داود بن القاسم الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن العسكري عليه السلام يقول: (الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟).
فقلت: ولِمَ جعلني الله فداك؟
قال: (إنَّكم لا ترون شخصه ولا يحلُّ لكم ذكره باسمه).
فقلت: فكيف نذكره؟
فقال: (قولوا: الحجّة من آل محمّد صلوات الله عليه وسلامه).
الشرح:
قوله: (علي بن محمّد، عمَّن ذكره، عن محمّد بن أحمد العلوي) هذا الحديث قد مرَّ سنداً ومتناً في آخر باب الإشارة والنصّ على أبي محمّد عليه السلام(٥٥٧).
الأصل:
علي بن محمّد، عن أبي عبد الله الصالحي، قال: سألني أصحابنا بعد مضي أبي محمّد عليه السلام أن أسأل عن الاسم والمكان.
فخرج الجواب: (إن دللتهم على الاسم أذاعوه، وإن عرفوا المكان دلّوا عليه).
الشرح:
قوله: (عن أبي عبد الله الصالحي) كان وكيلاً للناحية المقدَّسة، يعني الصاحب عليه السلام.
قوله: (إن دللتهم على الاسم أذاعوه)، أي: أفشوه ولم يكتموه، وصار ذلك سبباً لتسلّط الأعداء عليهم وإيذائهم، وفيه دلالة على أنَّ حرمة التصريح بالاسم في زمان التقيّة والخوف.
الأصل:
عدّة من أصحابنا، عن جعفر بن محمّد، عن ابن فضال، عن الريان بن الصلت، قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام يقول _ وسئل عن القائم_، فقال: (لا يُرى جسمه ولا يُسمّى اسمه).
الشرح:
قوله: (لا يرى جسمه ولا يسمّى اسمه)، الأوّل إخبار عن غيبته، والثاني نهي في المعنى عن التصريح باسمه، ولعلَّه في بعض الأزمنة لأجل الخوف.
الأصل:
محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن الحسن بن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (صاحب هذا الأمر لا يسمّيه باسمه إلاَّ كافر).
الشرح:
قوله: (لا يسمّيه باسمه إلاَّ كافر)، لعلَّ المراد بالكافر ههنا تارك الأوامر وفاعل النواهي دون منكر الربّ والمشرك به، وفيه مبالغة في تحريم التصريح باسمه، ولعلَّه مختصّ بزمان التقيّة، بدليل ما ذكرناه في مواضع متفرّقة، ودلالة بعض الأخبار عليه ظاهرة، ويؤيّده عدم بقاء التحريم فيه في جميع الأوقات والأزمان، فإذا تطرَّق إليه التخصيص جاز حمله على ما ذكرناه، فلا يكون دليلاً على شمول التحريم لزمان الغيبة، وبالجملة المانع مستظهر.
باب نادر في حال الغيبة: (٥٥٨)
الأصل:
علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن خالد، عمَّن حدَّثه عن المفضَّل بن عمر، ومحمّد بن يحيى، عن عبد الله بن محمّد بن عيسى، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (أقرب ما يكون العباد من الله جلَّ ذكره وأرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجّة الله جلَّ وعزَّ، ولم يظهر لهم ولم يعلموا مكانه، وهم في ذلك يعلمون أنَّه لم تبطل حجّة الله جلَّ ذكره ولا ميثاقه، فعندها فتوقَّعوا الفرج صباحاً ومساءً، فإنَّ أشد ما يكون غضب الله على أعدائه إذا افتقدوا حجّته ولم يظهر لهم، وقد علم أنَّ أولياءه لا يرتابون، ولو علم أنَّهم يرتابون ما غيَّب حجّته عنهم طرفة عين، ولا يكون ذلك إلاَّ على رأس شرار الناس).
الشرح:
قوله: (أقرب ما يكون العباد) دلَّ على أنَّ قرب العباد منه تعالى في زمان غيبة الإمام إذا كانوا عارفين بحقّه أزيد وأكمل، ورضاه تعالى عنهم وإضافة الرحمة عليهم إذا كانوا تابعين له أعظم وأشمل، وذلك ليُتمهم وانتظارهم وتحسّرهم وأسرهم، وخوفهم على الأنفس والأموال من تغلّب الكفّار وتسلّط الأشرار عليهم، ولأنَّ الإيمان بالغيب دلَّ على ضياء عقولهم ولطف قرائحهم ولينة طبائعهم وصفاء عقيدتهم وكمال هدايتهم، وكلّ ذلك موجب لزيادة القرب من الحقّ وكمال رضاه.
وفي طرق العامّة عن ابن مسعود، قال: إنَّ أمر محمّد كان بيّناً لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب، ثمّ تلا قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)(٥٥٩)،(٥٦٠).
قال الطيبي: معنى هذا الحديث مخرج في سنن الدارمي عن أبي عبيدة بن الجرّاح، قال: يا رسول الله أحد خير منّا، أسلمنا وجاهدنا معك!
قال: (نعم، هم قوم يكونون بعدكم يؤمنون بي ولم(٥٦١) يروني)(٥٦٢).
وأنت خبير بأنَّ هذا الحكم غير مختصّ بالنبيّ، بل يجري في الإمام بعده.
قوله: (يعلمون أنَّه لم تبطل حجّة الله)، أي: يعلمون بالبراهين العقلية والأحاديث النبويّة أنَّه لم تبطل حجّة الله عزَّ ذكره في الأرض ولا ميثاقه وعهده في الحجّة، بل هما باقيان في الخلق ودائمان فيهم ما دامت الدنيا، فلذلك يؤمنون بالإمام وإن لم يروه، ويعتقدون بوجوده وإن لم يشاهدوه.
قوله: (فتوقَّعوا الفرج صباحاً ومساءً) لوجوب ظهوره في وقت ما لدفع الظلم والجور ونصرة دين الحقّ وأهله، ولكن لمَّا لم نعلم ذلك الوقت بخصوصه، واحتمل كلّ جزء من أجزاء الزمان أن يكون ذلك الوقت لا بدَّ لنا من توقّع الفرج في جميع الأوقات، وإنَّما ذكر الصباح والمساء لشيوعهما في التعارف وإحاطتهما بسائر الأوقات.
قوله: (فإنَّ أشدّ ما يكون) دليل لتوقّع الفرج، ولعلَّ وجه ذلك مع أنَّ الظاهر أن يكون الغضب عليهم عند ظهور الحجّة وعدم إيمانهم به أشدّ وأجدر ولحقوق النكال بهم أحرى وأظهر لكون الحجّة عليهم حينئذٍ أقوى وأكمل من عدم ظهوره، بسبب سوء صنيعهم واعوجاج طبيعتهم حتَّى حرم المستعدون للهداية والقابلون للفهم والدراية عن مشاهدة جماله وملاحظة كماله، فلذلك كان الغضب عليهم حال الغيبة أشدّ.
قوله: (وقد علم أنَّ أولياءه)، أي: أولياء الحجّة، وهذا دفع لما عسى أن يقال من أنَّ إخفاء الحجّة موجب لإضلال الخلق ورفع اللطف عنهم، ولا يجوز شيء من ذلك، ووجه الدفع ظاهر، وحاصله: أنَّ ذلك إنَّما يلزم لو كان أحد من أوليائه يرتاب فيه بعد الغيبة، وليس كذلك، فلا مفسدة في الغيبة، وإنَّما هي محض المصلحة وهي حفظ النفس المعصومة أو غيرها.
قوله: (ولا يكون ذلك إلاَّ على رأس شرار الناس) دلَّ على أنَّ ظهوره لا يكون إلاَّ عند فشو الشرّ في الناس وبُعد الخير عنهم، وقد دلَّ على ذلك أيضاً بل على تعيين الشرور والمفاسد بعض الروايات كما يأتي ذكره في كتاب الروضة.
الأصل:
الحسين بن محمّد الأشعري، عن معلّى بن محمّد، عن علي بن مرداس، عن صفوان بن يحيى والحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمّار الساباطي، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أيّما أفضل: العبادة في السرّ مع الإمام منكم المستتر في دولة الباطل، أو العبادة في ظهور الحقّ ودولته مع الإمام منكم الظاهر؟
فقال: (يا عمّار، الصدقة في السرّ والله أفضل من الصدقة في العلانية، وكذلك والله عبادتكم في السرّ مع إمامكم المستتر في دولة الباطل وتخوّفكم من عدوّكم في دولة الباطل وحال الهدنة أفضل ممَّن يعبد الله عزَّ وجلَّ ذكره في ظهور الحقّ مع إمام الحقّ الظاهر في دولة الحقّ، وليست العبادة مع الخوف في دولة الباطل مثل العبادة والأمن في دولة الحقّ.
واعلموا أنَّ من صلّى منكم اليوم صلاة فريضة في جماعة مستتراً بها من عدوّه في وقتها فأتمَّها، كتب الله له خمسين صلاة فريضة في جماعة، ومن صلّى منكم صلاة فريضة وحده مستتراً بها من عدوّه في وقتها فأتمَّها، كتب الله عز وجل بها له خمساً وعشرين صلاة فريضة وحدانية، ومن صلّى منكم صلاة نافلة لوقتها فأتمَّها، كتب الله له بها عشر صلوات نوافل، ومن عمل منكم حسنة كتب الله عز وجل له بها عشرين حسنة، ويضاعف الله عز وجل حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله ودان بالتقيّة على دينه وإمامه ونفسه، وأمسك من لسانه أضعافاً مضاعفة، إنَّ الله عز وجل كريم).
قلت: جُعلت فداك، قد والله رغَّبتني في العمل وحثثتني عليه، ولكن اُحبّ أن أعلم كيف صرنا نحن اليوم أفضل أعمالاً من أصحاب الإمام الظاهر منكم في دولة الحقّ ونحن على دين واحد؟
فقال: (إنَّكم سبقتموهم إلى الدخول في دين الله عز وجل، وإلى الصلاة والصوم والحجّ، وإلى كلّ خير وفقه، وإلى عبادة الله عزَّ ذكره سرّاً من عدوّكم مع إمامكم المستتر، مطيعين له، صابرين معه، منتظرين لدولة الحقّ، خائفين على إمامكم وأنفسكم من الملوك الظلمة، تنظرون إلى حقّ إمامكم وحقوقكم في أيدي الظلمة، قد منعوكم ذلك واضطروكم إلى حرث الدنيا وطلب المعاش، مع الصبر على دينكم وعبادتكم وطاعة إمامكم والخوف من عدوّكم، فبذلك ضاعف الله عز وجل لكم الأعمال، فهنيئاً لكم).
قلت: جُعلت فداك، فما ترى إذاً أن نكون من أصحاب القائم ويظهر الحقّ ونحن اليوم في إمامتك وطاعتك أفضل أعمالاً من أصحاب دولة الحقّ والعدل؟
فقال: (سبحان الله، أما تحبّون أن يُظهر الله تبارك وتعالى الحقّ والعدل في البلاد، ويجمع الله الكلمة، ويؤلّف الله بين قلوب مختلفة، ولا يعصون الله عز وجل في أرضه، وتقام حدوده في خلقه، ويرد الله الحقّ إلى أهله فيظهر، حتَّى لا يستخفي بشيء من الحقّ مخافة أحد من الخلق؟، أمَا والله يا عمّار! لا يموت منكم ميّت على الحال التي أنتم عليها إلاَّ كان أفضل عند الله من كثير من شهداء بدر واُحُد، فأبشروا).
الشرح:
قوله: (أيّما أفضل العبادة في السرّ مع الإمام منكم المستتر) المراد بالإمام المستتر من لا يقدر على إظهار الدين كما ينبغي خوفاً من الأعداء والظلمة، سواء كان ظاهراً بين الخلق أو كان غائباً عنهم، فكلّ إمام إلى زمان ظهور صاحب الزمان فهو مستتر بهذا المعنى، والمراد بالإمام الظاهر من قدر على ذلك وكان حكمه جارياً على الخلق، وهو صاحب الزمان بعد ظهوره.
قوله: (الصدقة في السرّ) دلَّ على أنَّ الصدقة مطلقاً في السرّ أفضل، وبه قال بعض الأصحاب(٥٦٣)، ووجه ذلك أنَّها أقرب إلى القربة وأبعد عن الرياء والسمعة واحتقار الفقير.
وقيل: هذا لمن لم يتَّهم بترك الصدقات، وإلاَّ فالأفضل أن يعطيها جهراً لدفع التهمة عن نفسه(٥٦٤)، وكذا إن علم أنَّ للناس به اُسوة في أداء الصدقات(٥٦٥)، وقيل: هذا في المندوبة، وأمَّا الفريضة فالجهر أفضل(٥٦٦).
قوله: (وكذلك والله) وليس من قبيل إثبات الحكم بالقياس، لأنَّ القياس عند أهل البيت عليهم السلام باطل، بل هي من قبيل ذكر الشيء مع نظيره للإيضاح، وكأنَّ حكم الكلّ ثابت بالنصّ.
قوله: (وحال الهدنة) هادنه مهادنة: صالحه، وتهادنوا: تصالحوا، والهدنة بالضمّ فالسكون الاسم وأصلها من هدن إذا سكن، والمراد بها الهدنة الحاصلة للإمام الحقّ مع أئمّة الجور وعدم منازعته إيّاهم لحكمة مقتضية لذلك.
قوله: (أفضل ممَّن يعبد الله) أي من عبادة من يعبد الله، وإنَّما حذف العبادة لدلالة المقام والكلام عليها، فالمفضّل والمفضَّل عليه من جنس واحد.
قوله: (وليست العبادة مع الخوف)، أي: ليست العبادة مع خوف النفس والمال والعرض في دولة الباطل مثل العبادة والأمن من تلف النفس والمال والعرض في دولة الحقّ، بل الأولى أجزل ثواباً، وأكمل رتبة من الثانية، ويتفاوت ذلك بحسب تفاوت درجات الخوف والأمن، وإنَّما لم يقل مثل العبادة مع الأمن كما قال مثل العبادة مع الخوف للإشعار بأنَّ الفضل باعتبار العبادة في نفسها والخوف في نفسه، على أن يكون كلّ واحد منهما مستقلاً في الاتصاف به لا باعتبار المجموع من حيث المجموع، فليتأمّل.
قوله: (من صلّى منكم اليوم) أراد باليوم زمانه عليه السلام الذي كان دولة الحقّ فيه مخفوضة ودولة الباطل فيه مرفوعة.
قوله: (في وقتها فأتمَّها) الجار متعلّق بصلّى، وأتمَّها عطف عليه، والمراد بإتمامها: الإتيان بأركانها وأفعالها وكيفياتها وآدابها وشرائطها، وبالجملة جميع الأمور المعتبرة في تحقّقها وصحَّتها كما هي.
قوله: (كتب الله) إسناد كتب إلى الله مجاز باعتبار أنَّه آمر له.
قوله: (ومن صلّى منكم صلاة فريضة وحده...) إلى قوله: (خمساً وعشرين) كون صلاة المنفرد خمساً وعشرين وصلاة الجماعة خمسين يحتمل أن يكون باعتبار أقلّ الأفراد في الجماعة وهو الاثنان، ويحتمل أن لا يكون بهذا الاعتبار، بل بأعمّ منه ومن الأكثر، والله أعلم.
قوله: (وحدانية) الوحدانية بالفتح والسكون: المفردة بنفسها، المفارقة عن الجماعة منسوبة إلى الوحدة بمعنى الإنفراد بزيادة الألف والنون للمبالغة.
قوله: (لوقتها) الإتيان باللام لمجرَّد التفنّن، فيكون (اللام) بمعنى (في)، أو الإتيان بها للإشعار بأنَّ ظرفية الوقت للصلاة لأجل تعلّق خاصّ لها به باعتبار الشارع، فكما يصحُّ استعمال (في) للإشعار بالظرفية يصحُّ أيضاً استعمال (اللام) للإشعار بالاختصاص، وإن كان استعمال (في) أكثر.
قوله: (ومن عمل منكم حسنة) أراد بالحسنة ما عدا الصلاة بقرينة المقابلة.
قوله: (ويضاعف الله عز وجل) أشار به إلى أنَّ المراتب المذكورة من التضاعف ليست بمتعيّنة، بل قد يزيد الله تعالى لمن يشاء وهو عزيز كريم.
قوله: (إذا أحسن أعماله) المراد بإحسانها الإتيان بها على الوجه المطلوب، تقرّباً إلى الله تعالى، خالصاً لوجهه، فلو ترك شيئاً من الوجوه المطلوبة أو قصد بها الرياء والسمعة فقد أبطل عمله، فلا يكون له قدر، فضلاً أن يترتَّب عليه الزيادة.
قوله: (وأمسك من لسانه) بأن لا يقول شيئاً يوجب وثوب الأعداء على الأولياء، وزيادة (من) لبيان أنَّ المطلوب حينئذٍ هو الإمساك عن بعض الكلام دون الجميع، وهو الكلام الموجب للضرر في الدين والدنيا.
قوله: (أضعافاً مضاعفة) في المغرب: إذا قال لفلان: عليَّ دراهم مضاعفة فعليه ستّة دراهم، فإن قال: أضعافاً مضاعفة فله عليه ثمانية عشر، لأنَّ أضعاف الثلاثة ثلاثة ثلاث مرَّات، ثمّ أضعفناها مرّة أخرى لقوله مضاعفة، أقول: ثمّ اتَّسع لزيادة غير محصورة في عدد.
قوله: (إنَّ الله عز وجل كريم) أشار بذلك إلى سبب تلك الزيادة وهو الكرم، لأنَّ الكريم هو الذي يعطي المستحقّ من غير نظر إلى قدر ما يستحقّه.
قوله: (قد والله رغَّبتني)، أي: قد اُقسم والله رغَّبتني، أو قد رغَّبتني والله رغَّبتني، فحذف لوجود المفسّر، أو في الكلام تقديم وتأخير، أي: قد رغَّبتني والله في العمل.
قوله: (ولكن أحبّ أن أعلم) يريد: إنّي علمت ممَّا ذكرت أنَّ أعمالنا أفضل من أعمال أصحاب المهدي صلوات الله عليه بعد ظهوره وظهور دولة الحقّ، ولكن أحبّ أن أعلم سبب تلك الأفضلية، والحال إنّا وإيّاهم على دين واحد، وهذا يقتضي التساوي بيننا وبينهم!
فذكر عليه السلام من أسباب الأفضلية ثمانية أمور:
الأوّل: سبقكم إلى الإيمان بالله وبرسوله والدخول في دين الله تعالى والإقرار به.
الثاني: سبقكم إلى العمل بالأحكام، مثل: الصلاة والصوم والحجّ وغيرها من الخيرات.
الثالث: عبادتكم سرّاً مع الإمام المستتر، وطاعته كذلك خوفاً من الأعداء.
الرابع: صبركم مع الإمام المستتر في الشدائد.
الخامس: انتظاركم لظهور دولة الحقّ، وهو عبادة.
السادس: خوفكم على إمامكم وأنفسكم من الملوك الظلمة وتغلّبهم.
السابع: نظركم نظر تأسّف وتحسّر إلى حقّ إمامكم، وهو الإمامة والفيء، وحقوقكم التي هي الأموال في أيدي الظلمة الغاصبين، الذين منعوكم عن التصرّف فيها، واضطرّوكم إلى حرث الدنيا وكسبها وطلب المعاش من وجوه شاقّة.
الثامن: صبركم مع تلك البلايا والمصائب على دينكم وعبادتكم وطاعة إمامكم والخوف من عدوّكم قتلاً وأسراً ونهباً وعرضاً، وليس لأصحاب المهدي عليه السلام بعد ظهوره شيء من هذه الأمور، فلذلك ضاعف الله تعالى لكم الأعمال.
قوله: (فهنيئاً لكم)، أي: فيكون ما أعطاكم الربّ من مضاعفة الأعمال هنيئاً لكم، وكلّ أمر يأتيك من غير تعب فهو هنيء، والهنيء من الطعام ما لا يعقبه الضرر والفساد.
قوله: (فما ترى إذاً أن نكون من أصحاب القائم ويظهر الحقّ ونحن اليوم)، (ما) نافية، و(أن نكون) مفعول ترى، و(يظهر الحقّ) عطف على (نكون)، و(نحن اليوم) إلى آخره جملة حالية، وهي في الحقيقة تعليل للنفي المتقدّم، يعني: (نمى بينيم ما در خود در اين هنگام كه أعمال ما مضاعف باشد اينكه بوده باشيم ما از أصحاب قائم عليه السلام وآنكه ظاهر شود در دست او چرا كه أعمال ما أفضل از أعمال أصحاب اوست).
والحاصل: إنّا لا نتمنّى أن نكون من أصحابه وأن يظهر الحقّ، وهذا القول ليس من باب الاستخفاف وإنكار ظهور الحقّ، بل لأجل طلب الفضل والزيادة، وهو مع ذلك لا يخلو من سوء أدب.
قوله: (فقال: (سبحان الله)) يحتمل التعجّب والتنزيه، وهو مصدر منصوب بفعل مضمر ومضاف إلى المفعول، أي: اُسبّحه سبحاناً، يعني أنزّهه تنزيهاً عمَّا لا يليق بجناب قدسه، وربَّما جوَّز كونه مضافاً إلى الفاعل بمعنى التنزّه.
قوله: (أمَا تحبّون)، (ما) نافية، و(الهمزة) لإنكار النفي أو للتوبيخ على عدم المحبّة، والحقّ خلاف الباطل، وهو القوانين النبويّة والنواميس الإلهية، والعدل خلاف الظلم والجور، والله سبحانه يظهرهما(٥٦٧) في البلاد بظهور صاحب الأمر عليه السلام بالسيف، بعدما كانت البلاد مملوّة بالباطل والجور.
قوله: (ويجمع الله الكلمة)، أي: يجمع الله كلمة الخلق، حتَّى لا يكون بينهم اختلاف في الأقوال، أو يجمع الله كلمة الحقّ بعد تفرّقها وتكسّرها بصدمات الباطل.
قوله: (ويؤلّف الله بين قلوب مختلفة) في الأديان والعقائد والأغراض، فيرفع المذاهب عن وجه الأرض، ويظهر الدين الخالص في الخلق، فيرجعون إلى أمر واحد بلا اختلاف ولا تباغض ولا تحاسد ولا حميّة، فيقع التآلف والتوافق بينهم.
قوله: (ولا يعصون الله عز وجل في أرضه) باعتبار المذاهب والعقائد، وإلاَّ فقد يقع المعصية عنهم، ويعامل بهم ما يقتضيه الشرع، بدليل قوله: (وتقام حدوده في خلقه).
قوله: (ويرد الله الحقّ إلى أهله) بعدما غصبوه منه، والمراد بالحقّ هنا الرئاسة والخلافة أو أعمّ منها، وفاعل يظهر راجع إلى الحقّ من الظهور، أو إلى أهله منه أو من الإظهار، ومفعوله على الأخير محذوف.
قوله: (فأبشروا) الإبشار الفرح والسرور، يقال: أبشر، أي: فرح، ومنه: أبشر بخير.
الأصل:
علي بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن أبي أسامة، عن هشام، ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق، قال: حدَّثني الثقة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام أنَّهم سمعوا أمير المؤمنين يقول في خطبة له: (اللهم وإنّي لأعلم أنَّ العلم لا يأرز كلّه، ولا ينقطع مواده، وإنّك لا تخلي أرضك من حجّة لك على خلقك، ظاهر ليس بالمطاع أو خائف مغمور، كيلا تبطل حجّتك، ولا يضلّ أولياؤك بعد إذ هديتهم، بل أين هم وكم؟ أولئك الأقلّون عدداً، والأعظمون عند الله جلَّ ذكره قدراً، المتّبعون لقادة الدين، الأئمّة الهادين، الذين يتأدَّبون بآدابهم، وينهجون نهجهم، فعند ذلك يهجم بهم العلم على حقيقة الإيمان، فتستجيب أرواحهم لقادة العلم، ويستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم، ويأنسون بما استوحش منه المكذّبون، وأباه المسرفون، أولئك أتباع العلماء، صحبوا أهل الدنيا بطاعة الله تبارك وتعالى وأوليائه، ودانوا بالتقيّة عن دينهم والخوف من عدوّهم، فأرواحهم معلّقة بالمحلّ الأعلى، فعلماؤهم وأتباعهم خرس صمت في دولة الباطل، منتظرون لدولة الحقّ، وسيحق الله الحقّ بكلماته ويمحق الباطل، ها، ها، طوبى لهم على صبرهم على دينهم في حال هدنتهم، ويا شوقاه إلى رؤيتهم في حال ظهور دولتهم، وسيجمعنا الله وإيّاهم في جنّات عدن ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم).
الشرح:
قوله: (اللهم وإنّي لأعلم)، قال الفرّاء: أصل (اللهم): يا الله آمنّا بالخير، فخفّف بالحذف لكثرة الاستعمال، فالواو حينئذٍ للعطف على المفهوم ضمناً، وهو آمنّا بالخير، وقيل: أصله: يا ألله، فحذف حرف النداء وعوّض عنها الميم المشدَّدة، فالواو حينئذٍ للعطف على جملة (اللهم).
قوله: (أنَّ العلم لا يأرز كلّه ولا ينقطع مواده) أرز فلان يأرز بالراء ثمّ الزاي المعجمة إذا تضأم وتقبَّض، يعني أنَّ العلوم الدينية والمعارف الإلهية والإسرار الربّانية لا تذهب كلّها عن الخلق وإلاَّ لارتفع التكليف عنهم. ولا تنقطع مواد العلم عنهم بالكلّية وهم العلماء الراسخون والحكماء الإلهيون، الذين يظهرون تلك العلوم على المستعدّين للقبول والقائلين لفيضانها، وهم علماء الفرقة الناجية (رضوان الله عليهم) فيبقى فيهم قدراً منها.
قوله: (وإنَّك لا تخلي أرضك من حجّة لك على خلقك) لا تخلي إمَّا من التخلية أو من الإخلاء، والحجّة هو الإمام، و(ظاهر) صفة له، والمغمور المستور من خوف يعلوه، من غمره الماء أي علاه.
قوله: (كيلا تبطل حجّتك) إشارة إلى قوله تعالى: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ)(٥٦٨) وإلى سبب عدم تخلية الأرض منه، قال بعض المحقّقين: إنَّ الإماميّة رحمهم الله آووا إلى هذا الكلام ليدفعوا ما أورد مخالفوهم عليهم، حيث قالوا: يجب نصب الإمام على الله تعالى، لأنَّه إذا كان لهم رئيس قاهر يمنعهم من المحظورات ويحثّهم على الواجبات كانوا معه أقرب إلى الطاعة وأبعد عن المعاصي منهم بدونه، واللطف واجب على الله.
فاعترض عليهم مخالفوهم وقالوا: إنَّما يكون منفعة ولطفاً واجباً إذا كان ظاهراً قاهراً زاجراً عن القبائح، قادراً على تنفيذ الأحكام، وإعلاء لواء كلمة الإسلام، وهذا ليس بلازم عندكم، فالإمام الذي ادّعيتم وجوبه ليس بلطف، والذي هو لطف ليس بواجب.
فأجابوا: بأنَّ وجود الإمام لطف سواء تصرَّف أو لم يتصرَّف، على ما نقل عن أمير المؤمنين عليه السلام من الكلام المذكور، وتصرّفه الظاهر لطف آخر.
وتوضيحه على ما ذكره الشيخ بهاء الملّة والدين نقلاً عن القوم: أنَّ الثمرة ليست منحصرة في مشاهدته وأخذ المسائل عنه، بل نفس التصديق بوجوده عليه السلام، وأنَّه خليفة الله في الأرض أمر مطلوب لذاته، وركن من أركان الإيمان، كتصديق من كان في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بوجوده عليه السلام ونبوّته.
وقد روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذكر المهدي فقال: (ذلك الذي يفتح الله عز وجل على يديه مشارق الأرض ومغاربها، يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت فيها إلاَّ من امتحن الله قلبه للإيمان).
قال جابر: فقلت: يا رسول الله، هل لشيعته انتفاع به في غيبته؟
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إي والذي بعثني بالحقّ، إنَّهم ليستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته في غيبته، كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها السحاب)(٥٦٩).
ثمّ قال الإماميّة: إنَّ تشنيعكم علينا مقلوب عليكم، لأنَّكم تذهبون أنَّ المراد بإمام الزمان في الحديث الذي رويتموه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات ولم يعرف إمام زمانه فقد مات ميتة جاهلية)(٥٧٠) _ وهو منقول من طرق الخاصّة أيضاً _ صاحب الشوكة من ملوك الدنيا كائناً من كان، عالماً أو جاهلاً، عادلاً أو فاسقاً، فأيّ ثمرة تترتَّب على معرفة الجاهل الفاسق ليكون من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية، ولما استثمر هذا بعض المخالفين ذهب إلى أنَّ المراد بالإمام في الحديث الكتاب.
وقال الإماميّة: إنَّ إضافة الإمام إلى زمان ذلك الشخص يشعر بتبدّل الأئمّة في الأزمنة، والقرآن العزيز لا تبدّل له بحمد الله على مرّ الأزمان. وأيضاً فالمراد بمعرفة الكتاب التي إذا لم تكن حاصلة للإنسان مات ميتة جاهلية، إن اُريد بها معرفة ألفاظه والإطلاع على معانيه أشكل الأمر على كثير من الناس، وإن اُريد مجرَّد التصديق بوجوده فلا وجه للتشنيع علينا إذا قلنا بمثله.
قوله: (بل أين هم وكم)، أي: كم هم أين هم، إشارة إلى أنَّهم مظلومون مستورون مشرَّدون حتَّى لا يعلم لغاية طردهم مكانهم، كما هو المعلوم من مشاهدة أحوال المعصومين سيَّما في زمن الغيبة، و(كم هم) إشارة إلى قلّة عددهم، مثل قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الأَْوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآْخِرِينَ)(٥٧١) إشارة إلى أنَّ في آخر الزمان _ يعني بعد نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم _ لا يكون في كلّ وقت وزمان إلاَّ واحد من الأوصياء، بخلاف الزمان السابق، فإنَّه كان في عهد واحد جماعة من الأنبياء والأوصياء، هذا والظاهر أنَّ الضمير راجع إلى الأولياء بدليل ما بعده، وفيه حينئذٍ شكاية من قلّة أنصار الإمام حتَّى صار مقهوراً للأعادي مستوراً عن الخلق.
قوله: (أولئك الأقلّون عدداً، والأعظمون عند الله جلَّ ذكره قدراً) أولئك إشارة إلى الأولياء وقلَّتهم ظاهرة، فإنَّهم بمنزلة شعرة بيضاء في فرس أسود، وكذا عظمة قدرهم ومنزلتهم، إذ هم عباد الله جلَّ ذكره ومنقادون له في الأوامر والنواهي، وحافظون لدينه، ولهم درجة الهداية والشفاعة، وقد نقل عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (إذا اجتمع الخلق على الصراط قيل للعالم: قم ههنا فاشفع لمن أحببت، فإنَّك لا تشفع لأحد إلاَّ شفعت مقام الأنبياء)(٥٧٢) والأخبار الواردة في رفعة شأنهم كثيرة.
قوله: (المتبعون لقادة الدين الأئمّة الهادين) الأئمّة بدل أو بيان للقادة، ولعلَّ المراد بالمتابعة لهم المتابعة في معرفة أصل الدين، وهو جميع ما جاء به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، إذ هم القادة والهداة إليه، وبالمتأدّب بآدابهم المتخلّق بأخلاقهم الفاضلة حتَّى يحصل بذلك المناسبة الروحانية، وبسلوك طريقهم العمل بكلّ ما عملوه وترك كلّ ما تركوه، ويحتمل أن يراد بالتأدّب التخلق بمثل أخلاقهم والعمل بمثل أعمالهم، وبنهج منهجهم إبانة طريقتهم وإيضاحها بالتعليم والإرشاد.
قوله: (وينهجون نهجهم)، النهج والمنهج: الطريق الواضح، يقال: نهجت الطريق أي: سلكته، ويقال أيضاً: نهجت الطريق أي: أبنته وأوضحته، ويجوز إرادة كلا المعنيين هنا كما أشرنا إليه.
قوله: (فعند ذلك يهجم بهم العلم على حقيقة الإيمان)، وذلك إشارة إلى الاتّباع لقادة الدين وما بعده، والهجوم على القوم الدخول عليهم بغتة، والباء في (بهم) للتعدية، (والعلم) فاعل (يهجم)، والمراد به العلم اللدني الفائض، وعلى متعلّق بـ (يهجم)، والحقيقة الشيء الذي له ثبات ووجود في نفس الأمر، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّ لكل حقّ حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟)(٥٧٣).
أي ما الذي ينبئ عن كون ما تدَّعيه حقّاً؟ ولها معان اُخر، وإضافتها إلى الإيمان لأدنى ملابسة باعتبار أنَّ الإيمان الكامل مقتض لحصولها للمؤمن، والمعنى أنَّ ذلك الاتّباع إلى آخره يدخلهم العلم اللدنّي، ويطلعهم على حقائق الإيمان الكامل الذي يقتضي حصولها وهي حقائق الأشياء، ويكشف لهم حجبها حتَّى يعرفوها بعين اليقين على ما هي عليه في نفس الأمر، وهذه هي الحكمة التي أشار إليها جلَّ شأنه بقوله: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)(٥٧٤) ويحتمل أن يجعل (الباء) بمعنى (على)، والجار بعد العلم متعلّقاً به، يعني يدخل عليهم العلم على حقائق الإيمان، ويحتمل أيضاً أن يراد بحقيقة الإيمان أركانه وهي العقائد الصالحة والأعمال الفاضلة، والله أعلم.
قوله: (فتستجيب أرواحهم لقادة العلم) واستجابتها لهم لأجل مناسبة وارتباط بينها وبين أرواحهم المقدَّسة في أصل الصفاء والنورية والبهاء والاتصاف بالعلوم، إلاَّ أنَّها لمَّا رأت العلوم والصفاء في أرواحهم أشدّ وأقوى، وشاهدت النورية والبهاء في ذواتهم أكمل وأبهى، أقبلت إليهم بالرضا والتسليم، واعترفت لهم بالفضل والتعليم.
قوله: (ويستلينون من حديثهم ما استوعر على غيرهم) استوعر بمعنى وعر، كاستقر بمعنى قرَّ، والوعر الصعب، أي يستسهلون ويجدون سهلاً ليّناً من حديثهم ما صعب على غيرهم من المخالفين والموافقين، الذين لم تتنعَّم عقولهم بنعمة العلم والكمال، وذلك لفقدهم المناسبة والارتباط المذكورين، وما لم يتحقّق المناسبة والارتباط بين المعلّم والمتعلّم امتنع التفهّم والتفهيم وصعب التعلّم والتعليم.
قوله: (ويأنسون بما استوحش منه المكذّبون وأباه المسرفون) الوحشة: الهمّ والحزن والفرار، ومنه الوحشي لفراره عن الناس، والمكذّبون هم المخالفون الذين يكذّبون إمام الحقّ وأهله، والجاهلون مطلقاً لأنَّ شأنهم التكذيب، والمسرفون: المترفون المتنعّمون، لأنَّ شأنهم الإسراف غالباً أو دائماً، لأنَّهم يصرفون أعمارهم في طلب الدنيا وشهواتها دائماً، ولا إسراف أعظم من ذلك، والموصول عبارة عن أمور الدين وفضائل الإمام، وملازمة الصمت، والصبر على قيام الليل وصيام النهار، ورياضة السهر والجوع، ومراقبة أحوال النفس وأمور الآخرة، ورفض الشهوات النفسانية، وقطع التعلّقات الدنيوية، ورفع المخاطرات الشيطانية، يعني أنَّ الأولياء المذكورين الموصوفين بما مرَّ يأنسون بهذه الأمور التي يحزن ويفرُّ منها المكذّبون ويأباها المسرفون، لأنَّهم بأضدادها، وحبّهم زهرات الدنيا وشهواتها، وكلّ من أحبَّ شيئاً أبغض ضدّه.
قوله: (أولئك أتباع العلماء)، أي: أولئك الموصوفون بالصفات المذكورة هم أتباع العلماء الذين هم أئمّة الدين وأولاد سيّد المرسلين، وتعريف المسند إليه باسم الإشارة للدلالة على أنَّ اتّصافهم بالخير لأجل الصفات المذكورة، كما قالوا مثل ذلك في قوله تعالى: (أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(٥٧٥).
قوله: (صحبوا أهل الدنيا بطاعة الله تعالى)، صحبوا خبر بعد خبر دون العطف، وقوله: (بطاعة الله) حال عن فاعله، والمراد بأهل الدنيا إمَّا المخالفون أو أهلها جميعاً، يعني أولئك الموصوفون صحبوا أهل الدنيا ورفضوا آدابهم المبتدعة وأطوارهم الشنيعة، متلبّسين بطاعة الله تبارك وتعالى وطاعة أوليائه، ولا ينقض ذلك شيئاً من وظائف طاعاتهم، لجلوسهم على بساط الأنس في حضرة القدس، فلا يرون إلاَّ جلاله وكماله، ولا يطلبون إلاَّ قربه ووصاله.
قوله: (ودانوا بالتقيّة عن دينهم والخوف من عدوّهم)، أي: أطاعوا ربّهم وإمامهم بالتقيّة عن دينهم، وبالخوف من عدوّهم، أو اتَّبعوهما بالتقيّة والخوف، أو اتّخذوا التقيّة والخوف ديناً لهم، أو أذلّوا أنفسهم بالتقيّة والخوف، لأنَّ (دان) يصلح لهذه المعاني كلّها كما لا يخفى على المتصفّح في اللغة.
قوله: (فأرواحهم معلّقة بالمحلّ الأعلى) أي: بالجنّة العالية ودرجاتها والروضة الباقية ومقاماتها، بل بمقعد صدق عند مليك مقتدر، وفي بعض النسخ: بالملأ الأعلى، أي نفضوا عن نفوسهم التعلّقات الحسّية والوهمية، ودفعوا عن قلوبهم حبّ زهرات الدنيا الدنيّة، حتَّى توجَّهت أرواحهم إلى مشاهدة القدسيات الروحانية، وملاحظة الفيوضات الربّانية، فهم بأجسادهم مصاحبون لأهل هذه الدار، وبأرواحهم للملائكة المقرَّبين الأبرار وحسن أولئك رفيقاً.
قوله: (فعلماؤهم وأتباعهم خرس وصمت) لا يقدرون على التكلّم بالحقّ واعلاء كلمته لشدّة التقيّة وكمال الخوف.
قوله: (وسيحق الله الحقّ بكلماته) أي سيُظهر الله تعالى دين الحقّ بالأئمّة الطاهرين، لأنَّ واحد منهم كلمة الله كعيسى بن مريم عليه السلام، وقد ثبت أنَّهم يرجعون في دولة المهدي عليه السلام وينصرونه، هذا وقال المفسّرون في تفسير قوله تعالى: (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ)(٥٧٦) أنَّ معناه يظهره ويبينّه بأوامره وقضاياه(٥٧٧).
قوله: (ها، ها)، (ها) بالقصر للتنبيه، ينبّه بها المخاطب على ما يساق إليه من الكلام، وتكريرها للتأكيد والمبالغة فيه، وإنَّما ينبَّه بها ويؤكّد فيها إذا كان مضمون الكلام أمراً عظيماً.
قوله: (طوبى لهم) طوبى اسم الجنّة، وقيل: اسم شجرة فيها، وأصلها فعلى من الطيّب فلمَّا ضمّت الطاء انقلبت الياء واواً، وعلى التقديرين فهو مبتدأ.
قوله: (ويا شوقاه) النداء للتعجّب من كثرته أو لطلب حضوره، والشوق والاشتياق نزاع النفس إلى الشيء وميلها إليه، وهو إنَّما يحصل بعد تصوّره وتصوّر نفعه، ثمّ التصديق بترتّبه عليه، فإذا انتقشت في النفس هذه الأمور حصلت لها كيفية أخرى، أي ميلها ورغبتها إلى ذلك المتصوّر وهي الشوق، وفي هذا الكلام دلالة بحسب الظاهر على ثبوت الرجعة.
قوله: (في جنّات عدن) العدن: الإقامة، عدن بها أي أقام، ومنه سمّيت الجنّة جنّة عدن، أي جنّة إقامة، يقال: عدن بالمكان يعدن عدنا إذا لزمه ولم يبرح منه.
قوله: (ومن صلح) عطف على آبائهم، أو الواو بمعنى مع، ومتبوعية ما بعد الواو ليست أمراً كلّياً، قال القاضي وغيره: والمعنى أنَّه يلحق بهم من صلح من أهلهم، وإن لم يبلغ فضلهم، تبعاً لهم وتعظيماً لشأنهم، وهو دليل على أنَّ الدرجة تعلو بالشفاعة، وفي التقييد بالصلاح دلالة على أنَّ مجرَّد الأنساب لا ينفع.
باب في الغيبة: (٥٧٨)
الأصل:
محمّد بن يحيى والحسن بن محمّد جميعاً، عن جعفر بن محمّد الكوفي، عن الحسن بن محمّد الصيرفي، عن صالح بن خالد، عن يمان التمّار، قال: كنّا عند أبي عبد الله عليه السلام جلوساً فقال لنا: (إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسّك فيها بدينه كالخارط للقتاد _ ثمّ قال هكذا بيده _ فأيّكم يمسك شوك القتاد بيده) ثمّ أطرق مليّاً، ثمّ قال: (إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتَّق الله عبد وليتمسَّك بدينه).
الشرح:
قوله: (كالخارط للقتاد)، القتاد: شجر له شوك وهو القتاد الأعظم، وأمَّا القتاد الأصغر فهي التي ثمرتها نفاخة كنفاخة العشر(٥٧٩)، وخرطه أن يمسك أعلاه بيده ويمرّها إلى أسفله، وهذا مثل يضرب لكلّ أمر مشكل.
قوله: (ثمّ قال هكذا بيده)، أي: ضرب بها على الخشب وأظهر صورة العمل، ثمّ قال على سبيل الإنكار: (فأيّكم يمسك شوك القتاد بيده ويمرّها إلى أسفله؟)، وفيه مبالغة على أنَّه لا يصبر على دينه حينئذٍ إلاَّ الصابرون على جميع أنحاء المشاق.
قوله: (ثمّ أطرق مليّاً)، أي: أرخى عينه ورأسه إلى الأرض زماناً طويلاً كأنَّه متفكّر في أمر.
قوله: (فليتّق الله)، أمر أوّلاً باتّقاء الله تعالى، لأنَّ التمسّك بدين الحقّ حينئذٍ لا يمكن بدون التقوى الحاملة للنفس على الصبر وتحمّل المشاق وتجرّع المكاره.
الأصل:
علي بن محمّد، عن الحسن بن عيسى بن محمّد بن علي بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهم السلام، قال: (إذا فُقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم لا يزيلكم عنها أحد، يا بَنيّ إنَّه لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة، حتَّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنَّما هي محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه، لو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحُّ من هذا لاتّبعوه).
قال: فقلت: يا سيّدي، من الخامس من ولد السابع؟
فقال: (يا بَنيّ! عقولكم تصغر عن هذا وأحلامكم تضيق عن حمله، ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه).
الشرح:
قوله: (إذا فقد الخامس من ولد السابع)، السابع موسى بن جعفر عليهما السلام، والخامس هو الصاحب المنتظر.
قوله: (فالله الله في أديانكم)، الله منصوب بفعل مضمر، والتكرير للتأكيد، أي احفظوا الله، أو أطيعوا في طاعتكم أو في أموركم أو في سبلكم وطرائقكم، لأنَّ كلّ ما جاء به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فهو سبيل وطريق إلى الله تعالى، والدين يُطلق على كلّ واحد كما يطلق على المجموع، والمقصود هو الأمر برعاية جانب الله عزَّ شأنه فيها وطلب رضاه، ثمّ أكَّده بقوله: (لا يزيلكم عنها أحد) من شياطين الجنّ والإنس بالخدعة والمكر والوعيد وإلقاء الشبهات وأنواع التدليسات والتلبيسات.
قوله: (يا بَني) بفتح الباء وكسر النون على صيغة الجمع بقرينة قوله: ولو علم آباؤكم، وهو خطاب مع أولاده، وليس على صيغة الإفراد خطاباً مع أخيه علي بن جعفر، لإباء السياق وعدم صحَّته بدون التجوّز.
قوله: (إنَّما هي محنة)، المحنة بكسر الميم واحدة المحن التي يمتحن بها الإنسان من بلية وشدّة محنة، وامتحنته أي اختبرته والاسم المحنة، وقد جرت كلمة الله تعالى على اختبار الناس بأنواع المحن والبلايا، ليميّز الجيّد من الردي ويظهر الصابر وغيره كما قال جلَّ شأنه: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ)(٥٨٠) وقال: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(٥٨١) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
فإن قلت: حقيقة الاختبار طلب الخبر بالشيء ومعرفته لمن لا يكون عارفاً به، والله سبحانه عالم بمضمرات القلوب وخفيّات الغيوب، فالمطيع في علمه متميّز من العاصي، فما معنى الاختبار في حقّه؟
قلنا: اختباره تعالى ليس إلاَّ ليعلم غيره من خلقه طاعة من يطيع وعصيان من يعصي، ويتميَّز ذلك عنده، فهو من باب الكناية، لأنَّ التميّز من لوازم الاختبار وعوارضه، فاُطلق الملزوم واُريد به اللازم، كما هو شأن الكناية، أو قلنا: اختباره تعالى استعارة بتشبيه فعله هذا، ليثيب المطيع ثواباً جزيلاً، ويعذّب العاصي عذاباً وبيلاً، باختبار الإنسان لعبيده ليتميّز عنده المطيع والعاصي، ليثيب المطيع ويكرمه، ويعذّب العاصي ويهينه، فأطلق على فعله تعالى الإختبار مجازاً.
قوله: (ولو عَلِم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحُّ من هذا لاتّبعوه) دلَّ على أنَّ هذا الدين أصحُّ الأديان، وليس دين أصحُّ منه، وإلاَّ لاتبعه الصالحون المطهَّرون، الذين شأنهم طلب الأصحّ والأفضل، واتّباع الأشرف والأكمل، ولعلَّ التفضّل هنا مجرَّد عن معناه فلا يلزم ثبوت الصحَّة لغير هذا الدين، وفيه حثّ على التمسّك به وعدم مفارقته، وتأكيد لما مرَّ من قوله: (لا يزيلكم عنها أحد).
قوله: (قال: فقلت) فاعل الفعلين علي بن جعفر.
قوله: (من ولد السابع)، كأنَّه سأل عن حقيقته وحقيقة صفاته المختصَّة به، لا عن اسمه واسم أبيه، ولذلك أجاب عليه السلام بأنَّ عقولكم قاصرة عن إدراكه على هذا الوجه، لأنَّ حقيقة الإمام وصفاته لا يعلمها إلاَّ الله سبحانه كما مرَّ سابقاً(٥٨٢).
قوله: (يا بني)، الظاهر أنَّه على صيغة الجمع، وأنَّ علي بن جعفر يدخل في الخطاب على سبيل التغليب.
قوله: (ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه)، لا يقال: كيف يدركونه مع فقده؟ لأنّا نقول: معناه: فسوف تدركون زمانه، أو فسوف تدركونه قبل فقده وغيبته، أو نقول: معناه إن تعيشوا وتبقوا على هذا الدين فسوف تدركونه بعد الظهور بالرجعة، وفيه بُعد، والله أعلم.
الأصل:
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن أبي نجران، عن محمّد بن المساور، عن المفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إيّاكم والتنويه، أمَا والله ليغيبنَّ إمامكم سنين من دهركم، ولتمحصنَّ حتَّى يقال: مات، قتل، هلك، بأيّ وادٍ سلك؟ ولتدمعنَّ عليه عيون المؤمنين، ولتكفأنَّ كما تكفأ السفن في أمواج البحر، فلا ينجو إلاَّ من أخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الإيمان وأيَّده بروح منه، ولترفعنَّ اثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يُدرى أيّ من أيّ).
قال: فبكيت، ثمّ قلت: فكيف نصنع؟
قال: فنظر إلى شمس داخلة في الصفة، فقال: (يا أبا عبد الله ترى هذه الشمس؟).
قلت: نعم.
فقال: (والله لأمرنا أبين من هذه الشمس).
الشرح:
قوله: (إيّاكم والتنويه)، لعلَّ المراد تنويه أمره وغيبته وتشهيرها عند المخالفين.
قوله: (ولتمحصنَّ)، محصت الذهب بالنار إذا أخلصته ممَّا يشوبه من الغش، والتمحيص بالصاد المهملة: الابتلاء والاختبار، والمقصود: أنَّكم تختبرون بغيبته ليتميّز الخبيث من الطيّب).
قوله: (حتَّى يقال: مات)، الظاهر أنَّ هذا قول الشيعة المفتونين بطول الغيبة، أو أنَّ ما نزل عليهم من البؤس والقنوط ومشقّة انتظار الفرج وإصابة البلاء والشدّة وبُعد رجاء الخلاص منه بظهور المنتظر، وفيه إشارة إلى ما يقع في آخر الزمان عند قرب ظهور الحجّة من الهرج والمرج وانتشار الظلم والجور والسبي والنهب والقتل والغارة وارتفاع الشبهة عن الخلق.
قوله: (ولتكفأنَّ)، يقال: كفأت الإناء أي: كببته وقلبته، فهو مكفوء، وقيل: جاء: أكفأت، والتشبيه من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس لزيادة الإيضاح.
قوله: (فلا ينجو إلاَّ من أخذ الله ميثاقه)، فإنَّ من قَبِل ولايته وإمامته عند أخذ العهد والميثاق ينجو من أمواج بحار الفتن ويبقى على دينه ويصبر على الشدائد بعون الله.
قوله: (وكتب في قلبه الإيمان)، أي: أثبته فيه حتَّى صار مستقرَّاً لا يزول بالشبهات ونزول النوائب والبليات، بخلاف الإيمان المستودع، فإنَّه كثيراً ما يزول بتوارد الشكوك والتدليسات.
قوله: (وأيَّده بروح منه)، الضمير راجع إلى الله تعالى، والمراد بالروح الملك الموكَّل بالقلب، أو نوره، وهو نور إلهي يرى به صور المعقولات الحسنة والقبيحة، فيتبع الأولى ويجتنب عن الثانية، فلا تزل قدمه بعد ثبوتها، أو القرآن، فإنَّه روح القلب وحياته، يتميّز به بين الحقّ والباطل، أو البصيرة على ما ينفع وما يضرّ، ويحتمل أن يعود الضمير إلى الإيمان، فإنَّه سبب لحياة القلب، ولذلك سمّاه روحه.
قوله: (ولترفعنَّ اثنتا عشرة راية) هذا من علامات ظهور القائم عليه السلام، وعند هذه يقع الفساد في الخلق وانقطاع نظامهم بالكلّية، وتضيق الأمور عليهم، ولعلَّ المراد باشتباه تلك الرايات ادّعاء صاحب كلّ واحد أنَّه حقّ وغيره باطل، فيقع الاشتباه فيها ويتحيَّر الخلائق في أمر دينهم ودنياهم، حتَّى لا يُدرى أيّ رجل من أيّ راية لتبدّد النظام فيهم وانقطاع عنان الاجتماع وسلسلة الانضمام عنهم، ويحتمل أن يراد باشتباهها تداخل بعضها على بعض حتَّى لا يُدرى أيّ راية من أيّ رجل، والله أعلم.
قوله: (فكيف نصنع) عند ارتفاع تلك الرايات؟ وبمَ نميّز بين المحقّ والمبطل؟
فأجاب عليه السلام بأنَّ أمرنا عند ظهور الدولة القاهرة أظهر من الشمس، أو في قلوب المؤمنين، فلا يقع الالتباس بين الحقّ والباطل، كما لا يقع الالتباس بين النور والظلمة، فالعارفون عارفون بحقّنا إيماناً وتصديقاً، والمنكرون منكرون لحقّنا حسداً وعناداً.
الأصل:
علي بن إبراهيم، عن محمّد بن الحسين، عن ابن أبي نجران، عن فضالة بن أيّوب، عن سدير الصيرفي، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إنَّ في صاحب هذا الأمر شبهاً من يوسف عليه السلام).
قال: قلت له: كأنَّك تذكر حياته أو غيبته؟
قال: فقال لي: (وما تنكر من ذلك هذه الأمّة أشباه الخنازير، إنَّ إخوة يوسف عليه السلام كانوا أسباطاً أولاد الأنبياء تاجروا يوسف وبايعوه وخاطبوه وهم إخوته وهو أخوهم، فلم يعرفوه حتَّى قال: (أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي)، فما تنكر هذه الأمّة الملعونة أن يفعل الله عز وجل بحجّته في وقت من الأوقات كما فعل بيوسف، إنَّ يوسف عليه السلام كان إليه ملك مصر، وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوماً، فلو أراد أن يعلمه لقدر على ذلك، لقد سار يعقوب عليه السلام وولده عند البشارة تسعة أيّام من بدوهم إلى مصر، فما تنكر هذه الأمّة أن يفعل الله جلَّ وعزَّ بحجّته كما فعل بيوسف، أن يمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم حتَّى يأذن الله في ذلك له، كما أذن ليوسف (قالُوا أَإِنَّكَ لأََنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ)(٥٨٣)).
الشرح:
قوله: (شبهاً من يوسف عليه السلام) الشبه بالتحريك التماثل والتشابه، وكذا الشبه بالكسر والسكون.
قوله: (وما ينكر من ذلك)، أي: ما ينبغي إنكار شيء من ذلك المذكور، أو إنكار بعض ذلك، إذ لا استبعاد فيه، ثمّ بيَّن عدم الاستبعاد بقوله: (هذه الأمّة أشباه الخنازير) باطناً، وإن كانوا في صورة الإنسان ظاهراً، وإخوة يوسف عليه السلام مع كونهم أسباط الأنبياء وأولادهم وأقرب إلى الحقيقة الإنسانية منهم ظاهراً وباطناً إذا فعلوا بأخيهم يوسف من صلب أبيهم ما فعلوا حتَّى غاب عن أبيه وسائر عشيرته سنين كثيرة مع تمكّنه من إظهار وجوده ومكانه ولم يفعله لمصلحة، جاز أن تفعل هذه الأمّة مع واحد من الأئمّة مثل فعلهم، بل تحقّق مثل ذلك الفعل من هذه الأمّة أقرب، وصدوره منهم أظهر وأنسب، لعدم الروابط المسفورة والقرابة المذكورة والزواجر المسطورة بينه وبينهم، حتَّى يغيب هو عن أقربائه وعشيرته، ويعتزل عن أوليائه وشيعته ظاهراً، وهو معهم باطناً، حتَّى أنَّه يصاحبهم ويصاحبونه، ويراهم ويرونه، ولكن لا يعرفونه بشخصه ونسبه وهو يعرفهم، وقد روي أنَّه بعد ظهوره يقول كثير من الناس: رأيناه كثيراً.
قوله: (إنَّ يوسف كان إليه ملك مصر)، أي: كان مصر مفوّضاً إليه، وكان حكمه جارياً وأمره ماضياً، مع قرب المسافة بينه وبين أبيه وعشيرته، ولم يخبرهم بوجوده ومكانه، مع ما عليهم من الشدائد والمصائب، كما حكى عنه جلَّ شأنه في القرآن العزيز، وما كان ذلك إلاَّ لمصلحة إلهية وحكمة ربّانية تعلَّقت بعدم علمهم بحاله، فإذا كان هذا غير منكر في حقّه فغيبة المنتظر أولى بعدم الإنكار.
الأصل:
علي بن إبراهيم، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن عبد الله بن موسى، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إنَّ للغلام غيبة قبل أن يقوم).
قال: قلت: ولِمَ؟
قال: (يخاف _ وأومأ بيده إلى بطنه _).
ثمّ قال: (يا زرارة وهو، المنتظر، وهو الذي يشكّ في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنَّه ولد قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظر، غير أنَّ الله عز وجل يحبّ أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة).
قال: قلت: جُعلت فداك، إن أدركت ذلك الزمان أيّ شيء أعمل؟
قال: (يا زرارة إذا أدركت هذا الزمان فادع بهذا الدعاء: (اللهم عرّفني نفسك، فإنَّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك، اللهم عرّفني رسولك، فإنَّك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك، اللهم عرّفني حجّتك، فإنَّك إن لم تعرّفني حجّتك ظللت عن ديني))، ثمّ قال: (يا زرارة، لا بدَّ من قتل غلام بالمدينة).
قلت: جُعلت فداك، أليس يقتله جيش السفياني؟
قال: (لا ولكن يقتله جيش آل بني فلان، يجيء حتَّى يدخل المدينة، فيأخذ الغلام فيقتله، فإذا قتله بغياً وعدواناً وظلماً لا يمهلون، فعند ذلك توقَّع الفرج إن شاء الله).
الشرح:
قوله: (حمل)، أي: هو حمل عند موت أبيه، كما روي أنَّ السلطان وكَّل القوابل على نساء الحسن العسكري عليه السلام وإمائه بعد موته ليعرفن الحوامل.
قوله: (ومنهم من يقول أنَّه ولد قبل موت أبيه بسنتين)، الذي يظهر من تاريخ تولّده وتاريخ موت أبيه عليهما السلام أنَّه ولد قبل موت أبيه بثلاث سنين وسبعة أشهر إلاَّ ثمانية أيّام.
قوله: (فعند ذلك يرتاب المبطلون، يا زرارة إذا أدركت ذلك الزمان)، المراد بالمبطلين المائلون إلى البطلان والفساد، وهم الذين قلوبهم مريضة، وعقولهم عليلة، وإيمانهم مستودع، وميثاقهم متزلزل، وعقائدهم كبيت نسجته العنكبوت، يخرقها ريح البليّات، ويطيّرها صرصر الشبهات، وفي بعض النسخ المصحَّحة (فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة)، قال: قلت: جُعلت فداك إن أدركت ذلك الزمان أيّ شيء أعمل؟ قال: (يا زرارة، إذا أدركت ذلك الزمان...) إلى آخره.
قوله: (اللهم عرّفني نفسك، فإنَّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيَّك) سيأتي الدعاء في حال الغيبة عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام: (اللهم عرّفني نفسك، فإنَّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرفك، اللهم عرّفني نبيّك، فإنَّك إن لم تعرّفني نبيَّك لم أعرفه قطّ، اللهم عرّفني حجَّتك، فإنَّك إن لم تعرّفني حجَّتك ضللت عن ديني)(٥٨٤) وهذا أظهر من المذكور، ولا بدَّ في الجمع من القول باختلاف القضيّة، بأن يكون أحدهما مروياً في وقت غير وقت الآخر، أو القول بأنَّ الاختلاف وقع من جهة الراوي، ولعلَّ الوجه في الأوّل أنَّ معرفة الربّ إنَّما يتحقَّق بمعرفته على وجه يليق به، وهي معرفته بصفات ذاته وأفعاله، ومن جملتها إرسال النبيّ، فلو لم يُعَرّف الربّ نفسه للعبد لم يَعرف العبد نبيّه، كما لم يعرف الله، وقس عليه ما يتلوه، وفيه دلالة على أنَّ المعرفة موهبية، كما دلَّ عليه أيضاً صريح بعض الروايات، وقد أوضحناه سابقاً(٥٨٥).
قوله: (فعند ذلك توقَّع الفرج بخروج القائم عليه السلام)، وقد قيل: إنَّ خروجه بعد قتل النفس الزكيّة، ولا يكون إلاَّ بعد عشر ليال(٥٨٦).
وروي عن الصادق عليه السلام أنَّه قال: (خمس علامات قبل قيام القائم عليه السلام: الصيحة، والسفياني، والخسف، وقتل النفس الزكيّة، واليماني)(٥٨٧).
وعنه عليه السلام، قال: (اختلاف بني العبّاس من المحتوم، والنداء من المحتوم، وخروج القائم من المحتوم).
وقيل: كيف النداء؟
قال: (ينادي منادٍ من السماء أوّل النهار: ألا أنَّ علياً وشيعته هم الفائزون، فينادي منادٍ آخر النهار: ألا أنَّ عثمان وشيعته هم الفائزون)(٥٨٨).
وروى يعقوب السراج، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: متى فرج شيعتكم؟
قال: فقال: (إذا اختلف ولد العبّاس، ووهى سلطانهم، وطمع فيهم من لم يكن يطمع فيهم، وخلعت العرب أعنَّتها، ورفع كلّ ذي صيصية صيصيته، وظهر الشامي، وأقبل اليماني، وتحرَّك الحسني، خرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكّة بتراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).
فقلت: ما تراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
قال: (سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودرعه وعمامته وبرده وقضيبه ورايته ولامته وسرجه، حتَّى ينزل مكّة، فيخرج السيف من غمده، ويلبس الدرع، وينشر الراية والبردة والعمامة، ويتناول القضيب بيده، ويستأذن الله في ظهوره، فيطَّلع على ذلك بعض مواليه، فيأتي الحسني فيخبره الخبر، فيبتدر الحسني إلى الخروج، فيثب عليه أهل مكّة ويقتلونه ويبعثون برأسه إلى الشامي، فيظهر عند ذلك صاحب هذا الأمر، فيبايعه الناس ويتبعونه، ويبعث الشامي عند ذلك جيشاً إلى المدينة، فيهلكهم الله عز وجل دونها، ويهرب يومئذٍ من كان بالمدينة من ولد علي عليه السلام إلى مكّة، فيلحقون بصاحب هذا الأمر، ويقبل صاحب هذا الأمر نحو العراق، ويبعث جيشاً إلى المدينة، فيأمن أهلها ويرجعون إليها)(٥٨٩).
الأصل:
محمّد بن يحيى، عن جعفر بن محمّد، عن إسحاق بن محمّد، عن يحيى بن المثنّى، عن عبد الله بن بكير، عن عبيد بن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (يفقد الناس إمامهم، يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه).
علي بن محمّد، عن عبد الله بن محمّد بن خالد، قال: حدَّثني منذر بن محمّد بن قابوس، عن منصور بن السندي، عن أبي داود المسترق، عن ثعلبة بن ميمون، عن مالك الجهني، عن الحارث بن المغيرة، عن الأصبغ بن نباتة، قال: أتيت أمير المؤمنين عليه السلام فوجدته متفكّراً ينكت في الأرض، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي أراك متفكّراً تنكت في الأرض، أرغبة منك فيها؟
فقال: (لا والله، ما رغبت فيها، ولا في الدنيا يوماً قطّ، ولكنّي فكَّرت في مولود يكون من ظهر[ي]، الحادي عشر من ولدي، هو المهدي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً، تكون له غيبة وحيرة، يضلّ فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون).
فقلت: يا أمير المؤمنين، وكم تكون الحيرة والغيبة؟
قال: (ستّة أيّام، أو ستّة أشهر، أو ستّ سنين).
فقلت: وإنَّ هذا لكائن؟
فقال: (نعم، كما أنَّه مخلوق، وأنّى لك بهذا الأمر يا أصبغ! أولئك خيار هذه الأمّة، مع خيار أبرار هذه العترة).
فقلت: ثمّ ما يكون بعد ذلك؟
فقال عليه السلام: (ثمّ يفعل الله ما يشاء، فإنَّ له بداءات وإرادات وغايات ونهايات).
الشرح:
قوله: (ينكت في الأرض)، النكت: الضرب والأثر اليسير، وهو فعل المهموم المتفكّر، يقال: نكت في الأرض بالقضيب من باب نصر، إذا أثر فيها بطرفه كفعل المتفكّر المهموم.
قوله: (أرغبة منك فيها)، كأنَّه توهَّم أنَّ همّه وتفكّره للرغبة في الدنيا، ويبعد حمله على المزاح.
قوله: (هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)، القسط والعدل متقاربان، وكذا الجور والظلم، فالعطف للتفسير، والأخبار الدالّة على خروج المهدي في آخر الزمان من نسل الحسين عليه السلام في طرق العامّة والخاصّة متواترة، لا ينكره أحد من الأمّة، إلاَّ أنَّ العامّة يقولون: إنَّه سيولد، ونحن نقول: إنَّه حيّ موجود، وبوجوده قامت السماوات والأرضون.
ومن جملة روايات العامّة ما رواه مسلم(٥٩٠) عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يكون في آخر أمّتي خليفة يحثي المال حثياً ولا يعدّه عدداً).
وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من خلفائكم خليفة يحثي المال حثياً ولا يعدّه عدداً)(٥٩١).
قال عياض: الحثي الحفن باليد، يعطيه الناس كذلك لكثرته لديه، كما يحثي التراب، لاتّساع المجبي والفتوحات(٥٩٢).
وقال القرطبي: قيل: هذا الخليفة هو عمر بن عبد العزيز، ولا يصحُّ، إذ ليست فيه تلك الصفات.
وذكر الترمذي وأبو داود هذا الخليفة وسمّياه بالمهدي(٥٩٣).
ومنها: ما رواه الترمذي وأبو داود عنه صلى الله عليه وآله وسلم، قالا: (لا تقوم الساعة حتَّى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي)، وقالا: هذا حديث حسن صحيح، وزاد أبو داود: (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً)(٥٩٤).
ومنها: ما روياه من حديث أبي سعيد، قال: خشينا أن يكون بعد نبيّنا حدث، فسألناه، فقال: (يخرج(٥٩٥) من أمّتي المهدي يملك خمساً أو سبعاً أو تسعاً).
قال: قلنا: ما ذاك يا رسول الله؟
قال: (سنين)، قال: (يجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني(٥٩٦))، قال: (فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله)، قال: هذا حديث حسن(٥٩٧).
وفي أبي داود: (من أمّتي أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً، يملك سبع سنين)(٥٩٨).
فهذه أخبار صحيحة مشهورة، تدلُّ على خروج هذا الخليفة الصالح في آخر الزمان، وهو منتظر، ولم يوجد من كملت فيه الصفات التي تضمَّنتها تلك الأحاديث.
كذا نقل عنهم أبو عبد الله الآبي في كتاب (إكمال الإكمال) وهو من أعاظم علمائهم.
ومنها: ما رواه في الجمع بين الصحاح الستّة عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي فتى أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً...) الحديث(٥٩٩).
ومنها: ما رواه الفقيه الشافعي المغازلي في كتاب المناقب من عدّة طرق بأسانيدها إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يتضمَّن البشارة بالمهدي عليه السلام وذكر فضائله ودولته(٦٠٠).
ومنها: ما ذكره أبو محمّد الحسين بن مسعود الفرّاء في كتاب المصابيح في حديث يرفعه إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم (أنَّه يصيب هذه الأمّة حتَّى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله تعالى إليهم رجلاً من عترتي فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً...) الحديث(٦٠١).
ومنها: ما رواه ابن شيرويه الديلمي في كتاب الفردوس بإسناده إلى حذيفة بن اليمان، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (المهدي من ولدي وجهه كالقمر الدرّي، اللون لون عربي، والجسم إسرائيلي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ويرضى بخلافته أهل السماوات والأرض والطير في الجو، يملك عشرين سنة)(٦٠٢).
وفي كتاب الطرائف: كان بعض علماء الشيعة قد صنَّف كتاباً وجدته، ووقفت عليه وقد سمّاه (كتاب كشف المخفي في مناقب المهدي عليه السلام)(٦٠٣)، وروى فيه مائة وعشرة أحاديث من طرق رجال المذاهب الأربعة، فتركت نقلها بأسنادها، وألفاظها كراهة للتطويل، وأذكر أسماء من روى المائة والعشرة أحاديث التي في كتاب كشف المخفي، لتعلم مواضعها على التحقيق: فمنها من صحيح البخاري ثلاثة أحاديث، ومنها من صحيح مسلم أحد عشر حديثاً، ومنها عن الجمع بين الصحيحين للحميدي حديثان، ومنها من الجمع بين الصحاح الستّة أحد عشر حديثاً، ومنها من كتاب فضائل الصحابة ممَّا خرَّجه الحافظ عبد العزيز المحدّث من مسند أحمد بن حنبل سبعة أحاديث، ومنها من تفسير الثعلبي خمسة أحاديث، ومنها من غريب الحديث لابن قتيبة الدينوري ستّة أحاديث، ومنها من كتاب الفردوس لابن شيرويه الديلمي أربعة أحاديث، ومنها من كتاب مسند سيّدة النساء فاطمة الزهراء عليها السلام من تأليف الحافظ أبي الحسن علي الدارقطني ستّة أحاديث، ومنها من كتاب الحافظ أيضاً من مسند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ثلاثة أحاديث، ومنها من كتاب المبتدأ للكسائي حديثان يشملان أيضاً على ذكر خروج السفياني والدجّال، ومنها من كتاب المصابيح لأبي محمّد الحسين بن مسعود الفرّاء خمسة أحاديث، ومنها من كتاب الملاحم لأبي الحسين أحمد بن جعفر بن محمّد بن عبيد الله المناوي أربعة وثلاثون حديثاً، ومنها من كتاب الحافظ محمّد بن عبد الله الحضرمي ثلاثة أحاديث، ومنها من كتاب الرعاية لأهل الدراية لأبي الفتح محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم الفرغاني ثلاثة أحاديث، ومنها خبر سطيح رواية الحميدي أيضاً ثلاثة أحاديث، ومنها من كتاب الإستيعاب لأبي عمر يوسف بن عبد البر النميري حديثان(٦٠٤).
وقال الشيخ محي الدين في الفتوحات: إنَّ لله خليفة يخرج من عترة رسول الله من ولد فاطمة عليها السلام يواطئ اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، جدّه الحسين بن علي عليهما السلام، يبايع بين الركن والمقام يشبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في الخلق _ بفتح الخاء _ وينزل عنه في الخلق _ بضمّها _، أسعد الناس به أهل الكوفة، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً، يضع الجزية، ويدعو إلى الله بالسيف، ويرفع بالمذاهب عن الأرض، ولا يبقى إلاَّ الدين الخالص...، إلى آخر ما ذكره، وفيه دلالة على تشيّعه والله أعلم(٦٠٥).
قوله: (يضلّ فيها أقوام ويهتدي آخرون)، المهتدون في غيبته هم المقرّون به وبوجوده، والضالّون هم المنكرون لوجوده، والقائلون بأنَّ العصر خالٍ عنه، وإن قالوا بأنَّه سيوجد.
قوله: (ستّة أيّام أو ستّة أشهر أو ستّ سنين)، لعلَّ السائل سأل عن مقدار زمان الغيبة والحيرة معاً، فأجاب عليه السلام بأنَّ زمان مجموعهما أحد الأزمنة المذكورة، وبعد ذلك ترتفع الحيرة وتبقى الغيبة، والترديد بالنسبة إلى تفاوت مراتب الأشخاص، فقد ترتفع حيرة شخص بعد ستّة أيّام وترتفع حيرة الآخر بعد ستّة أشهر أو ستّ سنين، ويحتمل أن يكون المراد أنَّ الغيبة والحيرة في ذلك القدر من الزمان أمر محتوم ويجري لله فيهما البداء بعد ذلك، ويؤيّده ظاهر ما سيأتي من قوله: (فإنَّ له بداءات)، والترديد للإبهام وقصد عدم تعيينه.
وقال الفاضل الأمين الاسترآبادي على ما نقل عنه: المراد أنَّ آحاد مدّة الغيبة هذا القدر، فيكون ظهوره في السابع، ليوافق الأحاديث الدالّة على أنَّ ظهوره في فرد من السنين، ولمَّا تجاوز مدّة الآحاد ومدّة الآحاد مع العشرات بقيت مدّة الآحاد مع المئات ومدّة الآحاد مع الألوف، فيمكن أن يكون زمان الغيبة ثمانمائة وستّة أيّام، أو ثمان مائة وستّة أشهر، أو ثمانمائة وستّ سنين، أو ألفاً وستّة أيّام، أو ألفاً وستّة أشهر، أو ألفاً وستّ سنين.
أقول: وعلى هذا لمَّا مضت في عصرنا ثمانمائة مع الآحاد المذكورة، بقي احتمال تسعمائة منها، والترديد لِما مرَّ أخيراً.
قوله: (كما أنَّه مخلوق)، لعلَّ المراد أنَّ غيبته أمر محتوم كما أنَّ خلقه كذلك.
قوله: (وأنّى لك هذا)، لعلَّ المراد هو الإشارة إلى أنَّه لا يدرك عصره، وأنَّ الذين يدركونه ويقرّون به وبغيبته أفضل الأمّة.
قوله: (ثمّ ما يكون بعد ذلك)، ذلك: الإشارة إلى المذكور من الأزمنة، يعني: هل ترفع الغيبة بعده أو لا؟
فأجاب عليه السلام بأن الله تعالى يفعل بعد ذلك ما يشاء، فإنَّ له بداءات، أي: تقديرات متجدّدة في أوقات الزمان، وإرادات حادثة فيها، إن شاء أظهره، وإن شاء أخفاه بحسب المصالح المعلومة له تعالى، ولتقديراته وإراداته غايات ونهايات، فإنَّ كلّ وقت تعلَّق التقدير والإرادة بإخفائه أو إظهاره غاية ونهاية لما قبله، وهذا ظاهر الانطباق على ما ذكرناه ثانياً كما أشرنا إليه، بل على ما ذكرناه أوّلاً أيضاً، وأمَّا على ما ذكره الفاضل المذكور ففيه نوع خفاء، إذ ظهوره بعد الأزمنة المذكورة محتوم به لا يجري فيه البداء، اللهم إلاَّ أن يكون (ذلك) في قول السائل: (ثمّ ما يكون بعد ذلك) إشارة إلى الغيبة، ويكون السؤال متعلّقاً بما في زمانها، فليتأمّل.
الأصل:
علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حنان بن سدير، عن معروف بن خربوذ، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (إنَّما نحن كنجوم السماء، كلَّما غاب نجم طلع نجم، حتَّى إذ أشرتم بأصابعكم وملتم بأعناقكم غيَّب الله عنكم نجمكم، فاستوت بنو عبد المطَّلب، فلم يعرف أيّ من أيّ، فإذا طلع نجمكم فاحمدوا ربَّكم).
الشرح:
قوله: (إنَّما نحن كنجوم السماء)، شبَّه الإمام بالنجم، وأشار إلى وجه التشبيه بقوله: (كلَّما غاب نجم طلع نجم) والغرض منه أنَّه لا بدَّ من إمام بعد إمام، وأنَّ الأرض لا تخلو منه، فإذا لم يكن الإمام ظاهراً وجب أن يكون محتجباً بحجاب الغيبة، كالنجم المحتجب بالسحاب، ويلزم من هذا التشبيه تشبيه سماء الدين بسماء الدنيا في لزوم ظهورها بعد ذهاب آخر.
قوله: (حتَّى إذا أشرتم بأصابعكم وملتم بأعناقكم)، في بعض النسخ: بحواجبكم، الإشارة بالأصابع والميل بالأعناق كنايتان عن الشهرة والزيارة، وهما من أسباب غيبة الإمام عن شيعته ليحفظ نفسه المعصومة ونفوسهم المحترمة عن شرّ الأعداء.
قوله: (فاستوت بنو عبد المطَّلب، فلم يعرف أيّ من أيّ)، لعلَّ المراد أنَّهم قاموا بالرايات ووقع التحارب والاختلاط بينهم حتَّى لا يعرف أيّ رجل من أيّ راية، أو لا يعرف أيّ راية من أيّ رجل.
ونقل عن الفاضل الاسترآبادي أنَّ قوله: فاستوت بنو عبد المطَّلب، إشارة إلى أنَّ كلّهم بعد الغيبة رعيّة بلا رئيس، وأنَّ قوله: فلم يعرف أيّ من أيّ، ناظر إلى الاختلاف المشاهد في هذا الزمان، فإنَّ أهل السُنّة والزيديّة يقولون: هو محمّد بن عبد الله، ثمّ اختلفوا في أنَّه حسني أو حسيني.
قوله: (فإذا طلع نجمكم فاحمدوا ربَّكم)، المراد بطلوع النجم ظهور صاحب الأمر عليه السلام، وهو من أجلّ نعماء الله تعالى على عباده، لكونه سبب الخصب والرخاء ورفاهة العيش واستقامة النفوس ورواج الدين ورفع الظلم والجور، فيجب الحمد والثناء له تعالى شأنه.
الأصل:
محمّد بن يحيى، عن جعفر بن محمّد، عن الحسن بن معاوية، عن عبد الله بن جبلة، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إنَّ للقائم عليه السلام غيبة قبل أن يقوم).
قلت: ولِمَ؟
قال: (إنَّه يخاف _ وأومأ بيده إلى بطنه _) يعني القتل.
علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إن بلغكم عن صاحب هذا الأمر غيبة فلا تنكروها).
الشرح:
قوله: (إن بلغكم عن صاحب هذا الأمر غيبة فلا تنكروها)، لأنَّ غيبته حقّ ثابت وأمر محتوم، والمنكر لها القائل بعدم وجوده كالمنكر لإمامة علي عليه السلام، كما دلَّ عليه بعض الروايات من أنَّه كيف يؤمن بالأوّل من لا يؤمن بالآخر، ولا وجه للإنكار أصلاً، لأنَّ سببه إمَّا استبعاد أن يكون الهادي للخلائق غائباً عنهم، وهو باطل لتحقّق الغيبة لجميع الأنبياء والأوصياء كما دلَّ عليه تصفّح الأخبار وتتبّع الآثار، وإمَّا طول الزمان واستبعاد أن يكون لأحد هذا العمر الطويل، وهو أيضاً باطل لتحقّقه في كثير من الخلائق.
وممَّا يناسب ذكره في هذا المقام ما حكاه السيّد الجليل رضي الدين علي بن طاووس قدس سره في بعض كتبه قال: اجتمعت يوماً في بغداد مع بعض فضلائها، فانجرَّ الكلام بيني وبينه إلى ذكر الإمام محمّد بن الحسن المهدي عليهما السلام وما يدّعيه الإماميّة من حياته في هذه المدّة الطويلة، فشنع ذلك الفاضل على من يصدّق بوجوده ويعتقد طول عمره إلى هذا الزمان تشنيعاً بليغاً، فقلت له: إنَّك تعلم أنَّه لو حضر اليوم رجل وادعى أنَّه يمشي على الماء لاجتمع بمشاهدته أهل البلد كلّهم، فإذا مشى على الماء وعاينوه وقضوا تعجّبهم منه ثمّ جاء في اليوم الثاني آخر وقال: أنا أمشي على الماء أيضاً فشاهدوا مشيه عليه، لكان تعجّبهم أقلّ من الأوّل، فإذا جاء في اليوم الثالث آخر وادعى أنَّه يمشي على الماء أيضاً فربَّما لا يجتمع للنظر إليه إلاَّ قليل ممَّن شاهد الأوّلين، فإذا مشى سقط التعجّب بالكلّية، فإذا جاء رابع وقال: أنا أيضاً أمشي على الماء كما مشوا فاجتمع عليه جماعة ممَّن شاهدوا الثلاثة الاُول ثمّ أخذوا يتعجّبون منه تعجّباً زائداً على تعجّبهم من الأوّل والثاني والثالث، لَتَعَجَّبَ العقلاء من نقص عقولهم وخاطبوهم بما يكرهون، وهذا بعينه حال المهدي عليه السلام، فإنَّكم رويتم أنَّ إدريس عليه السلام حيّ موجود في السماء من زمانه إلى الآن، ورويتم أنَّ الخضر عليه السلام كذلك في الأرض حيّ موجود من زمانه إلى الآن، ورويتم أنَّ عيسى عليه السلام حيّ موجود في السماء وأنَّه سيعود إلى الأرض إذا ظهر المهدي ويقتدي به، فهذه ثلاثة نفر من البشر قد طالت أعمارهم زيادة على المهدي عليه السلام، فكيف لا تتعجَّبون منهم وتتعجَّبون من أن يكون لرجل من ذرية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أسوة بواحد منهم، وتنكرون أن يكون من جملة آياته صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ يعمّر واحد من ذريته زيادة على ما هو المتعارف من الأعمار في هذا الزمان(٦٠٦)؟! والله الهادي.
الأصل:
الحسين بن محمّد ومحمّد بن يحيى، عن جعفر بن محمّد، عن الحسن بن معاوية، عن عبد الله ابن جبلة، عن إبراهيم بن خلف بن عباد الأنماطي، عن مفضَّل بن عمر، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام وعنده في البيت اُناس، فظننت أنَّه إنَّما أراد بذلك غيري، فقال: (أمَا والله ليغيبنَّ عنكم صاحب هذا الأمر وليخملنَّ هذا حتَّى يقال: مات، هلك، في أيّ وادٍ سلك؟ ولتكفأنَّ كما تكفأ السفينة في أمواج البحر، لا ينجو إلاَّ من أخذ الله ميثاقه، وكتب الإيمان في قلبه وأيَّده بروح منه، ولترفعنَّ اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدرى أيّ من أيّ).
قال: فبكيت.
فقال: (ما يبكيك يا أبا عبد الله؟).
فقلت: جُعلت فداك، كيف لا أبكي وأنت تقول: (اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدرى أيّ من أيّ)؟!
قال: وفي مجلسه كوة تدخل فيها الشمس، فقال: (أبيّنة هذه؟).
فقلت: نعم.
قال: (أمرنا أبين من هذه الشمس).
الشرح:
قوله: (إنَّما أراد بذلك غيري)، أي: بذلك الخطاب الذي يأتي ذكره.
قوله: (أمَا والله ليغيبنَّ عنكم صاحب هذا الأمر وليخملنَّ) الخطاب لنوع البشر، أو لنصف منه وهم الشيعة، ويختصّ بقرينة المقام بمن أدرك عصره عليه السلام، والخامل: الساقط المنخفض الذي لا ذكر ولا تباعة له.
قوله: (حتَّى يقال: مات، هلك) إستفهام للتعجّب في عدم ظهوره لكمال الاحتياج إليه في دفع البلايا والفتن ورفع المصائب والمحن، وقد مرَّ شرح هذا الحديث في الثالث من هذا الباب.
الأصل:
الحسين بن محمّد، عن جعفر بن محمّد، عن القاسم بن إسماعيل الأنباري، عن يحيى بن المثنّى، عن عبد الله بن بكير، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (للقائم غيبتان، يشهد في إحداهما المواسم، يرى الناس ولا يرونه).
الشرح:
قوله: (قال: (للقائم غيبتان))، إحداهما صغرى، وهي سبعون سنة إلاَّ اثنى عشر شهراً وأربعة أيّام، وكان له عليه السلام فيها سفراء بينه وبين الشيعة، أوّلهم أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري، وهو أوّل من نصب أبو محمّد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام، ثمّ نصَّ أبو عمرو رحمه الله بأمر الصاحب على ابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان، ونصَّ عليه أيضاً العسكري عليه السلام، ثمّ نصَّ أبو جعفر بأمر الصاحب عليه السلام على أبي القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، وقال وعنده وجوه من الشيعة: (هو(٦٠٧) القائم مقامي، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر عليه السلام والوكيل(٦٠٨) والثقة والأمين، فارجعوا في أموركم إليه، وعوّلوا في مهامكم عليه فبذلك اُمرت وقد بلَّغت(٦٠٩)، ثمّ نصَّ أبو القاسم بن روح بأمر الصاحب عليه السلام على أبي الحسن علي بن محمّد السمري، فلمَّا حضره الموت سُئل أن يوصي، فقال: لله أمر هو بالغه(٦١٠)، ومات رحمه الله سنة تسع وعشرين وثلاثمائة فوقعت الغيبة الكبرى وهي الغيبة الثانية التي نحن فيها، وقد كتب عليه السلام في هذه الغيبة إلى الشيخ المفيد رحمه الله مكاتيب مذكورة في آخر كتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي رحمه الله(٦١١).
قوله: (يشهد في إحداهما الموسم)، لعلَّ المراد بإحداهما الكبرى، وبعدم رؤيتهم إيّاه عدم رؤيتهم على وجه يعرفونه، وإلاَّ فقد يقع الرؤية لا على هذا الوجه، وقد دلَّ عليه الروايات والنقل عن الأكابر.
الأصل:
علي بن محمّد، عن سهل بن زياد، ومحمّد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمّد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعاً، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ممَّن يوثق به، أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام تكلَّم بهذا الكلام وحفظ عنه وخطب به على منبر الكوفة: (اللهم إنَّه لا بدَّ لك من حجج في أرضك، حجّة بعد حجّة على خلقك، يهدونهم إلى دينك، ويعلّمونهم علمك، كيلا يتفرَّق أتباع أوليائك، ظاهر غير مطاع، أو مكتتم يترقَّب، إن غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم فلم يغب عنهم قديم مثبوت(٦١٢) علمهم، وآدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة، فهم بها عاملون).
ويقول عليه السلام في هذه الخطبة في موضع آخر: (فيمن هذا؟ ولهذا يأرز العلم إذا لم يوجد له حَمَلَة يحفظونه ويروونه كما سمعوه من العلماء ويصدقون عليهم فيه، اللهم فإنّي لأعلم أنَّ العلم لا يأرز كلّه، ولا ينقطع مواده، وإنَّك لا تخلي أرضك من حجّة لك على خلقك، ظاهر ليس بالمطاع، أو خائف مغمور، كيلا تبطل حجّتك، ولا يضلّ أولياؤك بعد إذ هديتهم، بل أين هم؟ وكم هم؟ أولئك الأقلّون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً).
الشرح:
قوله: (تكلَّم بهذا الكلام وحفظ عنه)، المراد بهذا الكلام الكلام الآتي، وبالحفظ الحفظ بالكتابة أو بظهر القلب على الاحتمال.
قوله: (حجّة بعد حجّة) بيان لقوله: (حجج)، وتفسير له ودفع احتمال الاجتماع، وقد مرَّ أنَّه لا يجتمع في الأرض حجّتان إلاَّ وأحدهما صامت(٦١٣).
قوله: (يهدونهم إلى دينك)، الجملة حال عن (الحجج)، وكونه استينافاً لبيان سبب الاحتياج إليهم بعيد، بالنظر إلى المقام، والمراد بالهداية هنا الدلالة إلى ما يوصل إلى المطلوب، وبالدين جميع ما جاء به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
قوله: (ظاهر غير مطاع، أو مكتتم يترقَّب)، أي: يترقَّب ظهوره، وهو صاحب الزمان عليه السلام، وأمَّا غيره من الأئمّة فهو مندرج في الأوّل، لظهورهم بين الخلق وعدم إطاعة الخلق لهم، ولا ينتقض بأمير المؤمنين عليه السلام في أيّام خلافته، لأنَّه أيضاً لم يكن مطاعاً على وجه الكمال، كما دلَّت عليه الأخبار والآثار، و(ظاهر) إمَّا مجرور على أنَّه صفة لحجّة، أو مرفوع على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف.
قوله: (إن غاب عن الناس شخصهم في حال هدنتهم، فلم يغب عنهم قديم مثبوت(٦١٤) علمهم)، الهدنة الاسم من المهادنة وهي المصاحبة، والمثبوت من ثبته بمعنى أثبته وثبت جاء لازماً ومتعدّياً، وإضافة القديم إلى المثبوت والمثبوت إلى العلم من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، يعني إن غاب من الخلق شخصهم بالانزواء والاعتزال في حال مصالحتهم مع الأعداء المتغلّبة وعدم اقتدارهم على الظهور وإجراء الأحكام خوفاً منهم وممَّن تابعهم، لم يغب عمَّن تابعهم علمهم المثبوت القديمي الذي نقله الرواة الثقات، وكأنَّه عليه السلام أخبر عن أمثال زماننا هذا، فإنَّ علمهم مع غيبتهم شائع بين أصحاب الإيمان أرباب العرفان بنقل السابقين إلى التابعين، وهكذا ينقل إلى ما شاء الله.
وإليه يشير ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري: أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذكر المهدي عليه السلام فقال: (ذلك الذي يفتح الله عز وجل على يديه مشارق الأرض ومغاربها، يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت فيها إلاَّ من امتحن الله قلبه للإيمان).
قال جابر: فقلت: يا رسول الله هل لشيعته انتفاع به في غيبته؟
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إي والذي بعثني بالحقّ، إنَّهم ليستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها السحاب)(٦١٥).
أقول: هذا تشبيه المعقول بالمحسوس لزيادة الايضاح، ولا يخفى ما فيه من الحسن واللطف، إذ كما أنَّ الشمس المستترة بالسحاب تنوّر هذا العالم الجسماني وتربّيه وتنميه وتغذيه، كذلك الإمام المستتر بحجاب الغيبة ينوّر العالم الروحاني ويربيه وينميه ويغذيه، وهو(٦١٦) قلوب العارفين وعقول المؤمنين، فقلوبهم عارفة بأنوار علومهم، وعقولهم مشرقة باشراق نورهم، والله الهادي.
قوله: (وآدابهم في قلوب المؤمنين مثبتة)، الظاهر أنَّ آدابهم مبتدأ، ومثبتة خبره، والجملة حال عن ضمير عنهم، والمراد بالآداب الأخلاق المرضية والأطوار السَنية، بقرينة مقابلته مع العلم المراد به علم الأحكام النبويّة والمعارف الإلهيّة، وإنَّما قلت: (الظاهر) ذلك لاحتمال أن يكون آدابهم عطفاً على علمهم، ومثبتة حالاً عنهما و(في) متعلّقاً بمثبتة، وتخصيص قلوب المؤمنين بالذكر لأنَّها القابلة لقبول علمهم وآدابهم دون غيرها.
قوله: (فهم بها عاملون)، تقديم الظرف يفيد الحصر، يعني أنَّهم عاملون بعلوم الأئمّة عليهم السلام لا بغيرها من الأقيسة والاستحسانات المخترعة والآراء المبتدعة، كما هو شأن أهل الخلاف وأرباب الضلال، وفيه أيضاً دلالة على أنَّ العمل بدون العلم ليس بعمل، وهو كذلك، لأنَّ العلم أصل والعمل فرع، ولا يعقل وجود الفرع بدون الأصل.
قوله: (فيمن هذا)، في بعض النسخ: فمن هذا، وفيه إشارة إلى قلّة وجوده، وهو الحقّ الذي لا ريب فيه، لأنَّ المؤمن العالم العامل الخالص عزيز الوجود.
قوله: (وإنّي لأعلم أنَّ العلم لا يأرز كلّه) قد مرَّ شرحه في آخر الباب المتقدّم(٦١٧).
الأصل:
علي بن محمّد، عن سهل بن زياد، عن موسى بن القاسم بن معاوية البجلي، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام في قول الله عز وجل: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ)(٦١٨)، قال: (إذا غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم بإمام جديد؟).
الشرح:
قوله: (إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ) ماء غور، أي: غائر في الأرض، وصف بالمصدر مبالغة، وماء معين: ماء جار في الأرض، والمعين: فعيل بمعنى فاعل.
قوله: (إذا غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم بإمام جديد؟) شبَّه الإمام الغائب بالماء الغائر في الخفاء عن الخلق مع كثرة النفع وشدّة احتياجهم إليه، وشبَّه الإمام الحاضر الذي يأتي بعد غيبته بالماء المعين الجاري في الأرض في جريانه وسيره فيها ونفعه لأهلها، وفيه على هذا التأويل دلالة على الغيبة، وعلى أنَّ تعيين الإمام ونصبه من عند الله تعالى، وهو الحقّ كما مرَّ سابقاً(٦١٩).
الأصل:
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن علي بن الحكم، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إن بلغكم عن صاحبكم غيبة فلا تنكروها).
عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولا بدَّ له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة، وما بثلاثين من وحشة).
الشرح:
قوله: (ولا بدَّ له في غيبته من عزلة)، إشارة إلى الغيبة الكبرى، لأنَّه يعتزل فيها الناس جميعاً، وفي بعض النسخ: (ولا له في غيبته من عزلة)، وله وجه أيضاً، لأنَّه بين الناس ويراهم ولا يرونه مع ظهور آثاره عليهم ووصول فوائده إليهم كما مرَّ(٦٢٠).
قوله: (ونعم المنزل طيبة)، طيبة بفتح الطاء، وقد يقال: طابة، سمّى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بذلك المدينة من الطيب وهو الطهارة، وقيل: الطيب العيش بها، وقيل: الطيب أرضها، قال الفاضل الأمين الاسترآبادي: يعني أنَّ طيبة وهي المدينة المعروفة منزله عليه السلام، وكان يستأنس بثلاثين من أوليائه، ويحتمل أن يكون هذا حاله في الصغرى.
أقول: وممَّا يؤيّد هذا ما مرَّ في باب الإشارة إلى صاحب الزمان(٦٢١) عن أبي هاشم الجعفري، قال: قلت لأبي محمّد عليه السلام: جلالتك تمنعني من مسألتك فتأذن لي أن أسألك؟
فقال: (سل).
قلت: يا سيّدي هل لك ولد؟
فقال: (نعم).
قلت: فإن حدث بك حدث فأين أسأل عنه؟
قال: (بالمدينة)(٦٢٢).
وقيل: كان طيبة اسم محلّ هو منزله عليه السلام مع ثلاثين من أصحابه، وهو ليس بمستوحش معهم، وقيل: يحتمل أن يكون المراد أنَّه عليه السلام على هيأة من سنّه ثلاثون سنة أبداً، وما في هذا السنّ من وحشة، والله أعلم.
الأصل:
وبهذا الإسناد، عن الوشاء، عن علي بن الحسن، عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (كيف أنت إذا وقعت البطشة بين المسجدين، فيأرز العلم كما تأرز الحيّة في جحرها، واختلفت الشيعة، وسمّى بعضهم بعضاً كذّابين، وتفل بعضهم في وجوه بعض؟).
قلت: جُعلت فداك، ما عند ذلك من خير.
فقال لي: (الخير كلّه عند ذلك _ ثلاثاً _).
الشرح:
قوله: (كيف أنت إذا وقعت البطشة بين المسجدين؟)، كيف: سؤال عن الحال، والبطشة: الأخذ القوي الشديد، والمسجدين مسجد مكّة ومسجد المدينة، والأرز بالراء ثمّ الزاء المعجمة: الاجتماع والانضمام، والعلم بالتحريك: الراية، والجحر بضمّ الجيم ثمّ سكون الحاء المهملة بيت الضبّ والحيّة واليربوع، والتفل شبيه بالبزاق، وهو أقلّ منه، أوّله البزق، ثمّ التفل، ثمّ النفث، ثمّ النفخ.
ولعلَّ هذا إشارة إلى وقعة الحسني واليماني والسفياني بين المسجدين، وإلى ظهور الفتن والمحن من تراكم العساكر المختلفة وارتفاع الرايات المشتبهة في عراق العرب، بل في أقطار الأرض كلّها، ومن الشيعة ابن بغي صاحب برقع(٦٢٣) ودلالة السفياني وعساكره الملعونة على الشيعة ومنازلهم حتَّى يهربون من صدمتهم إلى قلل الجبال والمغارات، وعند ذلك يقولون استبطاءً لخروج المهدي عليه السلام واستبعاداً له: مات، هلك، أيّ وادٍ سلك؟، فإذا بلغت الفتنة إلى هذه المراتب وعمَّت البلية والنوائب أظهره الله تعالى بين الركن والمقام، فيقمع الكفرة بسيف الانتقام، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وإليه أشار عليه السلام في آخر الحديث بقوله: (الخير كلّه عند ذلك)، وأراد به ظهور المهدي عليه السلام وما يترتَّب عليه من منافع العباد.
الأصل:
وبهذا الإسناد، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عيسى، عن ابن بكير، عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إنَّ للقائم غيبة قبل أن يقوم، إنَّه يخاف _ وأومأ بيده إلى بطنه _) يعني القتل.
محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن ابن محبوب، عن إسحاق بن عمّار، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة والأخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلاَّ خاصّة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلاَّ خاصّة مواليه).
الشرح:
قوله: (إلاَّ خاصّة مواليه)، وهم حواريه، لأنَّ لكل واحد من الأئمّة عليهم السلام حواريين كما كانوا لعيسى عليه السلام.
الأصل:
محمّد بن يحيى وأحمد بن إدريس، عن الحسن بن علي الكوفي، عن علي بن حسان، عن عمّه عبد الرحمن بن كثير، عن مفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (لصاحب هذا الأمر غيبتان: إحداهما يرجع منها إلى أهله، والأخرى يقال: هلك، في أيّ وادٍ سلك؟).
قلت: كيف نصنع إذا كان كذلك؟
قال: (إذا ادّعاها مدّع فاسألوه عن أشياء يجيب فيها مثله).
الشرح:
قوله: (كيف نصنع إذا كان كذلك)، يعني: إذا خرج رجل وادّعى أنَّه المهدي الموعود كيف نعرف أنَّه صادق وأنَّه هو.
قوله: (قال: (إذا ادّعاها مدّع فاسألوه عن أشياء يجيب فيها مثله))، يعني: إذا ادّعى الإمامة أحد، فاسألوه عن أشياء من العلوم الدينية والمعارف اليقينية التي أنتم منها على بصيرة ويقين، فإن أجاب فيها مثل صاحب الأمر أو مثل ما علمتم فهو الإمام، لأنَّه لا يجيب فيها كذلك إلاَّ هو، وهذا طريق من طرق معرفته يختصّ به العلماء الراسخون الذين يميّزون بين الحقّ والباطل، وإليه يشير قول محي الدين في كتاب الفتوحات في وصف المهدي عليه السلام وأصحابه عند خروجه، حيث قال: (إذا ظهر يبايعه العارفون من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهي، له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه)(٦٢٤).
الأصل:
أحمد بن إدريس، عن محمّد بن أحمد، عن جعفر بن القاسم، عن محمّد بن الوليد الخزّاز، عن الوليد بن عقبة، عن الحارث بن زياد، عن شعيب، عن أبي حمزة، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت له: أنت صاحب هذا الأمر؟
فقال: (لا).
فقلت: فولدك؟
فقال: (لا).
فقلت: فولد ولدك هو؟
قال: (لا).
فقلت: فولد ولد ولدك؟
فقال: (لا).
قلت: من هو؟
قال: (الذي يملأها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، على فترة من الأئمّة، كما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث على فترة من الرسل).
الشرح:
قوله: (الذي يملأها عدلاً)، ذكر عليه السلام آيتين من آيات صاحب الأمر، ولم يوجد فيمن ذكر شيء منهما، إحداهما استيلاؤه على أهل الأرض وإظهار العدل شرقاً وغرباً ورفع الجور أصلاً وفرعاً، وأخراهما ظهوره بعد فترة من الأئمّة بمعنى عدم وجود إمام ظاهر بينه وبين السابق، والفترة بين الرسولين هي الزمان الذي انقطعت فيه الرسالة، وأصلها الضعف والانكسار.
الأصل:
علي بن محمّد، عن جعفر بن محمّد، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن وهب بن شاذان، عن الحسن بن أبي الربيع، عن محمّد بن إسحاق، عن اُمّ هانئ، قالت: سألت أبا جعفر محمّد بن علي عليهما السلام، عن قول الله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ)(٦٢٥)، قالت: فقال: (إمام يخنس سنة ستّين ومائتين، ثمّ يظهر كالشهاب يتوقَّد في الليلة الظلماء، فإن أدركت زمانه قرَّت عينك).
الشرح:
قوله: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ)، قالوا: الخنس جمع خانس، وهي الكواكب، لأنَّها تغيب بالنهار وتظهر بالليل، وقيل: هي الكواكب الخمسة السيارة: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد، يريد به مسيرها ورجوعها، لقوله: (الْجَوارِ الْكُنَّسِ) ولا يرجع من الكواكب غيرها، والكنس جمع كانس وهي الكواكب التي تغيب وترجع من كنس الظبي إذا تغيَّب واستتر في كناسه وهو الموضع الذي يأوي إليه، وفسَّره عليه السلام بإمام يخنس، أي يغيب سنة ستّين ومائتين وهي سنة مات أبوه عليه السلام، ثمّ يظهر ويرجع من أفق الحقّ كالشهاب المتوقّد في الليلة الظلماء، يعرف كلّ أحد أنَّه الإمام العادل، وإرادة الواحد من الجمع إمَّا للتعظيم، أو لأجل أنَّه داخل فيه ومن آحاده، لأنَّ الأئمّة عليهم السلام كلّهم موصوفون بهذه الصفة، سيّما على القول بالرجعة.
الأصل:
عدّة من أصحابنا، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن الحسن، عن عمر بن يزيد، عن الحسن بن الربيع الهمداني، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، عن أسيد بن ثعلبة، عن اُمّ هانئ، قالت: لقيت أبا جعفر محمّد بن علي عليهما السلام فسألته عن هذه الآية: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ)، قال: (الخنس إمام يخنس في زمانه عند انقطاع من علمه عند الناس سنة ستّين ومائتين، ثمّ يبدو كالشهاب الواقد في ظلمة الليل، فإن أدركت ذلك قرَّت عينك).
الشرح:
قوله: (عند انقطاع من علمه عند الناس)، الظاهر أن (من) للتبعيض وفاعل الانقطاع، وإنَّ العلم بمعنى المصدر وهو الإدراك، وإضافته إلى الضمير إضافة المصدر إلى المفعول، وفيه إشارة إلى أن غيبته وخفاءه عند علم بعض الناس بوجوده دون بعض، ويحتمل أن يكون العلم عبارة عن الحاصل بالمصدر وهو الصور الإدراكية والإضافة لاميّة، وفيه إشارة إلى أنَّ علومه كلّها لم تنقطع عند الناس، بل المنقطع هو بعضها، ولو لم يذكر لفظة (من) لفهم على الأوّل أنَّ أحداً لم يعلم بوجوده، وعلى الثاني أنَّ علمه كلّه منقطع عن الخلق، وليس كذلك.
الأصل:
علي بن محمّد، عن بعض أصحابنا، عن أيّوب بن نوح، عن أبي الحسن الثالث عليه السلام، قال: (إذا رفع علمكم من بين أظهركم فتوقَّعوا الفرج من تحت أقدامكم).
الشرح:
قوله: (إذا رفع علمكم من بين أظهركم)، هذا أيضاً من علامات ظهوره عليه السلام، لأنَّ الناس في ذلك العصر معزولين عن العلم والعمل، وموصوفين بالجهل والزلل، ولا همَّ لهم إلاَّ السير في ميدان الضلالة والشقاوة، ولا عزم إلاَّ السباق في مضمار الغواية والغباوة.
قوله: (فتوقَّعوا الفرج من تحت أقدامكم)، مبالغة في قرب زمان ظهوره حينئذٍ، أو كناية عن ظهوره قبل رجوعهم إلى منازلهم.
الأصل:
عدّة من أصحابنا، عن سعد بن عبد الله، عن أيّوب بن نوح، قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: إنّي أرجو أن تكون صاحب هذا الأمر، وأن يسوقه الله إليك بغير سيف، فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك.
فقال: (ما منّا أحد اختلفت إليه الكتب، وأشير إليه بالأصابع، وسئل عن المسائل، وحملت إليه الأموال، إلاَّ اغتيل أو مات على فراشه، حتَّى يبعث الله لهذا الأمر غلاماً منّا، خفيُّ الولادة والمنشأ، غير خفي في نسبه).
الشرح:
قوله: (إلاَّ اغتيل أو مات على فراشه)، الاغتيال: الخدعة، يقال: قتله غيلة إذا خدعه فذهب به إلى موضع فقتله، وكلمة (أو) للتنويع، وهو التقسيم لا للشكّ، لتنزّه ساحة قدسه عنه، وصدق الشرطية لا يتوقَّف على صدق طرفيها مطلقاً، فلا ينافي هذا ما تقرَّر من أنَّ الأئمّة عليهم السلام كلّهم مقتولين، بعضهم بالسيف وبعضهم بالسمّ.
قوله: (خفي الولادة والمنشأ، غير خفي في نسبه)، المراد بخفاء ولادته خفاؤها عند الأكثر، بدليل علم بعض الخواص بها، وبخفاء منشئه خفاء مكانه الذي ينشأ فيه ويأوي إليه، وبعدم خفاء نسبه، كون نسبه معلوماً للخاصّة والعامّة، فإنَّهم أيضاً قائلون بأنَّ المهدي عليه السلام من أولاد الحسين بن علي عليه السلام(٦٢٦).
الأصل:
الحسين بن محمّد وغيره، عن جعفر بن محمّد، عن علي بن العبّاس بن عامر، عن موسى بن هلال الكندي، عن عبد الله بن عطاء، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلت له: إنَّ شيعتك بالعراق كثيرة، والله ما في أهل بيتك مثلك، فكيف لا تخرج؟
قال: فقال: (يا عبد الله بن عطاء، قد أخذت تفرش أذنيك للنوكى، إي والله ما أنا بصاحبكم).
قال: قلت له: فمن صاحبنا؟
قال: (اُنظروا من عمي على الناس ولادته، فذاك صاحبكم، إنَّه ليس منّا أحد يشار إليه بالأصبع ويمضغ بالألسن إلاَّ مات غيظاً أو رغم أنفه).
الشرح:
قوله: (ما في أهل بيتك مثلك)، أي: في العلم والعمل والصلاح والشهرة، والمراد بأهل البيت أولاد فاطمة عليهم السلام، وإرادة من انتسب إلى قريش بعيدة.
قوله: (قد أخذت تفرش أذنيك للنوكى)، أخذت من أفعال المقاربة بمعنى شرعت، وتفرش خبره، والنَوكَى بفتح النون والكاف جمع أنوك وهو الأحمق، ويجمع أيضاً بالنوك وبالضمّ على القياس، يقال: رجل أنوك وقوم نوكى ونوك، وهذا مثل يضرب لمن يسمع كلام كلّ أحد وإن كان أحمقاً لا يعقل شيئاً.
قوله: (من عمي على الناس ولادته)، عمي عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى: (فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَْنْباءُ يَوْمَئِذٍ)(٦٢٧).
قوله: (ويمضغ بالألسن)، المضغ باللسان كناية عن تناوله وذكره بالخير والشرّ.
قوله: (أو رغم أنفه)، رغم الأنف كناية عن الذلّ، ولعلَّ المراد به هنا القتل، ووجه الترديد ما مرَّ، ويحتمل أن يكون من الراوي.
الأصل:
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (يقوم القائم وليس لأحد في عنقه عهد ولا عقد ولا بيعة).
الشرح:
قوله: (وليس لأحد في عنقه عهد ولا عقد ولا بيعة) هذه الأمور الثلاثة متقاربة، ويمكن أن يراد بالعهد الميثاق والملاقاة والصحبة، يقول: عهدته إذا لقيته وعرفته، أو الوصيّة تقول: عهد إليه إذا أوصاه، وبالعقد عقد الصلح والمهادنة، وبالبيعة الإقرار للغير بالخلافة مع التماسح بالأيدي على الوجه المعروف، كأنَّ كلّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره، وكأنَّ فيه إشارة إلى سبب من أسباب غيبته ومصلحة من مصالحها، لأنَّه عليه السلام لو كان ظاهراً إلى أوان ظهور دولته لكان في عنقه لا محالة عهد أو عقد أو بيعة لسلاطين الجور، فكان عند خروجه بالسيف ناقضاً لذلك العهد، ونقض العهد قبيح لا يليق بجنابه.
الأصل:
محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضال، عن الحسن بن علي العطّار، عن جعفر بن محمّد، عن منصور، عمَّن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت: إذا أصبحت وأمسيت لا أرى إماماً أئتمُّ به ما أصنع؟
قال: (فأحبّ من كنت تحبّ، وأبغض من كنت تبغض، حتَّى يظهره الله عز وجل).
الشرح:
قوله: (فأحبّ من كنت تحبّ)، يعني: أنَّك تعلم أنَّ الأرض لا تخلو من إمام من أهل بيت نبيّك، فأحبّه وإن لم تعرفه بخصوصه وشخصه، فإنَّ ذلك يكفيك حتَّى يظهره الله عز وجل، فإذا أظهره أطعه واتَّبعه واعرفه بشخصه.
الأصل:
الحسين بن أحمد، عن أحمد بن هلال، قال: حدَّثنا عثمان بن عيسى، عن خالد بن نجيح، عن زرارة بن أعين، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (لا بدَّ للغلام من غيبة).
قلت: ولِمَ؟
قال: (يخاف _ وأومأ بيده إلى بطنه _ وهو المنتظر، وهو الذي يشكّ الناس في ولادته، فمنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: مات أبوه ولم يخلف، ومنهم من يقول: ولد قبل موت أبيه بسنتين).
قال زرارة: فقلت: وما تأمرني لو أدركت ذلك الزمان؟
قال: (ادع الله بهذا الدعاء: (اللهم عرّفني نفسك، فإنَّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرفك، اللهم عرّفني نبيَّك، فإنَّك إن لم تعرّفني نبيَّك لم أعرفه قطّ، اللهم عرّفني حجَّتك، فإنَّك إن لم تعرّفني حجَّتك ضللت عن ديني)).
قال أحمد بن الهلال: سمعت هذا الحديث منذ ستّ وخمسين سنة.
أبو علي الأشعري، عن محمّد حسان، عن محمّد بن علي، عن عبد الله بن القاسم، عن المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: (فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ)(٦٢٨)، قال: (إنَّ منّا إماماً مظفراً مستتراً، فإذا أراد الله عزَّ ذكره إظهار أمره نكت في قبله نكتة فظهر فقام بأمر الله تبارك وتعالى).
الشرح:
قوله: (فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ)، أي: فإذا نفخ في الصور وصوت فيه، والناقور فاعول من النقر بمعنى التصويت، والنفخ وهو ما ينفخ ويصوت فيه مثل القرن وغيره، وقد شبَّه عليه السلام به قلب المنتظر، ففي الكلام مكنية وتخييلية.
الأصل:
محمّد بن يحيى، عن جعفر بن محمّد، عن أحمد بن الحسين، عن محمّد بن عبد الله، عن محمّد بن الفرج، قال: كتب إليَّ أبو جعفر عليه السلام: (إذا غضب الله تبارك وتعالى على خلقه نحّانا عن جوارهم).
الشرح:
قوله: (إذا غضب الله)، أي: إذا غضب الله تبارك وتعالى على خلقه وسلب رحمته وفيضه عنهم، لسوء استعدادهم وقبح صنيعهم وكمال عتوهم، نحّانا عن جوارهم بالغيبة عنهم وكذلك جرى قضاء الله جلَّ شأنه في قوم أراد أن يصيبهم بعذاب أو يؤاخذهم بعقوبة أو يوردهم في بلية، فإنَّه يخرج من بينهم العلماء والصلحاء إمَّا بالموت أو بالغيبة، ثمّ يفعل بهم ما يشاء كما يشهد به التتبع بأحوال الماضين، ويرشد إليه قوله تعالى خطاباً لسيد المرسلين: (وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)(٦٢٩)،(٦٣٠).

* * *
الفوائد الطوسية

تأليف: الفقيه المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي المتوفى سنة ١١٠٤ هـ

فائدة (٣٨): حديث الاثنى عشر بعد الاثني عشر عليهم السلام: (٦٣١)
اعلم أنَّه قد ورد هذا المضمون في بعض الأخبار، وهو لا يخلو من غرابة وإشكال، ولم يتعرَّض له أصحابنا إلاَّ النادر منهم على ما يحضرني الآن، ولا يمكن اعتقاده جزماً قطعاً، لأنَّ ما ورد بذلك لم يصل إلى حدّ اليقين، بل تجويزه احتمالاً على وجه الإمكان مشكل لما يأتي إن شاء الله تعالى من كثرة معارضه، وبالجملة فهو محلّ التوقّف إلى أن يتحقَّق وتظهر قوَّته على معارضه، والذي يحضرني الآن من ذلك أنَّه ورد من طرق:
أحدها: ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة في جملة الأحاديث التي رواها من طريق المخالفين في النصّ على الأئمّة عليهم السلام، قال: أخبرنا جماعة عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري، عن علي بن سنان الموصلي العدل، عن علي بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن الخليل، عن جعفر بن أحمد البصري(٦٣٢)، عن عمّه الحسن بن علي، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن أبيه الباقر، عن أبيه ذي الثفنات سيّد العابدين، عن أبيه الحسين الزكي الشهيد، عن أبيه أمير المؤمنين عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلي عليه السلام: (يا أبا الحسن، أحضر دواة وصحيفة).
فأملى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصيَّته حتَّى انتهى إلى هذا الموضع، فقال: (يا علي، إنَّه يكون بعدي اثنا عشر إماماً، ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً، فأنت يا علي أوّل الاثني عشر إماماً...) وذكر النصّ عليهم بأسمائهم وألقابهم إلى أن انتهى إلى الحسن العسكري عليه السلام، فقال: (فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمّد المستحفظ من آل محمّد عليهم السلام، فذلك اثنا عشر إماماً، ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهدياً، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه أوّل المقرّبين، له ثلاثة أسامي اسم كاسمي واسم كاسم أبي(٦٣٣) وهو عبد الله وأحمد، والاسم الثالث المهدي، وهو أوّل المؤمنين)(٦٣٤).
قال الشيخ بعد ما ذكر عدّة أخبار اُخر في النصّ في الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام: فهذا طرف من الأخبار قد أوردناه ولو شرعنا في إيراد الأخبار من جهة الخاصّة لطال به الكتاب وإنَّما أوردنا ما أوردناه ليصحّ ما قلناه من نقل الطائفتين المختلفتين. انتهى(٦٣٥).
الثاني: ما رواه أيضاً في آخر كتاب الغيبة، فقال: محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن محمّد بن عبد الحميد بن عيسى، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل أنَّه قال: (يا أبا حمزة، إنَّ ما بعد القائم أحد عشر مهدياً من ولد الحسين عليه السلام)(٦٣٦). رواه بعض أصحابنا عن أحمد بن عقبة، عن أبيه، عن الصادق عليه السلام.
الثالث: ما رواه الشيخ أيضاً في المصباح الكبير، حيث أورد دعاء ذكر أنَّه مروي عن صاحب الزمان، خرج إلى أبي الحسن الضرّاب الأصفهاني بمكّة، بإسناده لم نذكره اختصاراً، هذا عبارة الشيخ، ثمّ أورد الدعاء بطوله، إلى أن قال: (اللهم صلّ على محمّد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن الرضا والحسين المصفى وجميع الأوصياء مصابيح الدجى...)، إلى أن قال: (وصلّ على وليّك وولاة عهدك والأئمّة من ولده، ومدَّ في أعمارهم، وزد في آجالهم، وبلّغهم أقصى آمالهم ديناً ودنيا وآخرة، إنَّك على كلّ شيء قدير)(٦٣٧).
الرابع: ما أورده بعده بغير فصل فقال: الدعاء لصاحب الأمر المروي عن الرضا عليه السلام: روى يونس بن عبد الرحمن، عن الرضا عليه السلام أنَّه كان يأمر بالدعاء لصاحب الأمر عليه السلام بهذا الدعاء: (اللهم ادفع عن وليّك وخليفتك...)، إلى أن قال: (اللهم صلّ على ولاة عهده والأئمّة من بعده، وزد في آجالهم، وبلّغهم آمالهم...) الدعاء(٦٣٨)، والذي حذفناه [منه] في صدره يشتمل على أوصاف وألقاب وعبارات لا تكاد تستعمل في غير المهدي عليه السلام.
أقول: هذه الروايات غير موجبة للعلم واليقين، لكثرة معارضاتها، فإنَّ الأحاديث المعتبرة والروايات الصحيحة المتواترة صريحة في حصر الأئمّة في اثني عشر عليهم السلام، وإنَّ الثاني عشر منهم خاتم الأوصياء والأئمّة والخلفاء، وإنَّه لا يبقى بعده أحد من الخلق، ولو شرعنا في إيراد بعض ما أشرنا إليه لطال الكلام وحصلت السآمة والملل، ومثل هذا المطلب الجليل يجب تواتر الأخبار به كأمثاله على تقدير وجوب اعتقاده علينا، فكيف [وقد](٦٣٩) ورد من طريق شاذ، وورد معارضه بهذه القوّة المشار إليها.
وقد نقل عن سيّدنا المرتضى رضوان الله عليه أنَّه جوَّز ذلك على وجه الإمكان والاحتمال، وأنَّه قال: لا نقطع بزوال التكليف عند موت المهدي عليه السلام، بل يجوز أن يبقى بعده أئمّة يقومون بحفظ الدين ومصالح أهله، ولا يخرجنا هذا من التسمية بالاثني عشرية، لأنّا كُلّفنا أن نعلم إمامتهم، وقد بيَّنا ذلك بياناً شافياً، ودللنا عليهم فانفردنا بهذا عن غيرنا. انتهى(٦٤٠).
وربَّما كان في الحديثين السابقين على هذا البحث إشارة ما إلى هذا المضمون، وفي هذا التجويز نظر لما أشرنا إليه سابقاً، ولأنَّ الأوّل من طريق العامّة فلا يعتدّ به فيما لا يوافق التصريحات الثابتة من طريق الخاصّة، والباقي ليس بصريح مع أنَّ بين الأوّل والثاني تعارضاً ظاهراً في العدد، وليس في الثالث والرابع حصر لعددهم، وأقلّ الجمع ثلاثة والزيادة غير معلومة وليس في الرابع تصريح لأنَّ صاحب الأمر أعمّ من المهدي عليه السلام بحسب أصل وضعه على أنَّه يستعمل في كلّ واحد منهم عليهم السلام.
فلا يبعد أن يكون الرضا عليه السلام أمر بالدعاء لإمام العصر مطلقاً وللأئمّة من أولاده، وتلك الألقاب والأوصاف لا يمتنع إطلاقها على الرضا عليه السلام وكلّ واحد من أولاده عليهم السلام، وإن كان فيه بُعد، فإنَّه لا يصل إلى حدّ الامتناع، بل هو تأويل صالح للجمع بين الأخبار المختلفة وهنا احتمالات أخر.
أحدها: أن يقال: البعدية لا يتعيّن كونها زمانية، بل يمكن كونها بمعنى المغايرة بمنزلة البعدية في قوله تعالى: (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ)(٦٤١) وعلى هذا يجوز كونهم في زمانه ويكونون نوّابه عليه السلام، وهذا لا ينافيه سوى قوله في الأوّل: (فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه) وقد عرفت أنَّه من طريق العامّة فلا حجّة فيه، ويجوز حمله على أنَّ المهدي عليه السلام يوصي إلى ولده ليخرج عن حدّ قوله عليه السلام: (من مات بغير وصيّة مات ميتة جاهلية)(٦٤٢) فيوصي ليفوز بفضيلة الوصيّة ويقوم بتكليفها ويخرج من عهدة تركها ثمّ يموت ولده قبله، وباقي الاثني عشر كما قلناه، وكما في موسى وهارون.
وثانيها: أنَّ قوله: (من بعده) لا بدَّ له من تقدير مضاف إليه، فيمكن أن يقدّر من بعد ولادته، أو من بعد غيبته ويكون إشارة إلى السفراء والوكلاء من ثقاته وأصحابه والعلماء من شيعته الموجودين في غيبته الداعين إلى دينه ودين آبائه عليهم السلام، كما قال: (اللهم ارحم خلفائي).
قيل: ومن خلفاؤك؟
قال: (الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسُنّتي)(٦٤٣).
ولا ينافي الحصر في الاثني عشر، لأنَّ مفهوم العدد ليس بحجّة، ولأنَّ حمله على السفراء والوكلاء ممكن، وهم لا يزيدون عن ذلك.
والثالث والرابع: لا حصر فيهما فيمكن حملهما على العلماء، بل على جميع ما ذكرناه من الأقسام.
وثالثها: أن يقدّر المضاف المشار إليه في قوله: (من بعده) أي من بعد خروجه، فإنَّه لا يلزم أن يقدر من بعد موته، ويكون المشار إليهم في زمانه وهم نوّابه أو خواصّه كما أشرنا إليه في الوجه الأوّل، وبينه وبين هذا الوجه فرق في التوجيه ظاهر ومآل الأمرين واحد كما لا يخفى.
وروى الصدوق في كتاب كمال الدين وتمام النعمة: عن علي بن أحمد بن موسى الدقّاق، عن محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: قلت للصادق عليه السلام: سمعت من أبيك أنَّه قال: (يكون بعد القائم اثنا عشر مهدياً).
فقال: (اثنا عشر مهدياً، ولم يقل اثنا عشر إماماً، ولكنَّهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى ولايتنا ومعرفة حقّنا)(٦٤٤).
أقول: وهذا الحديث يقارب هذا الوجه والأوّل فتدبَّر.
ورابعها: أن يكون ذلك محمولاً على الرجعة، فقد رويت أحاديث كثيرة في رجعتهم عليهم السلام على وجه الخصوص، ورويت أحاديث كثيرة جدَّاً متجاوزة حدّ التواتر في صحَّة الرجعة على وجه العموم، باعتبار التجويز والإمكان، بل ورد ما ظاهره عمومها لجميع المكلَّفين، غير أنَّ لها معارضات متواترة دلَّت على أنَّها مختصَّة بمن محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، إلاَّ أنَّ أصل الرجعة وثبوتها ممَّا لا خلاف فيه بين الشيعة، ولا اختلاف فيه في أحاديث الأئمّة عليهم السلام، بل هي من ضروريات مذهبهم، واحتجّوا على إثباتها بوجوه عقلية ونقلية مذكورة في محلّها، وعلى هذا فالأئمّة من بعده هم الأئمّة من قبله، وإنَّما رجعوا بعد حصول غيبته أو بعد خروجه على اختلاف الروايتين، وهذا الوجه يرجّح رواية الأحد عشر _ أعني الحديث الثاني _ ولا ينافيه الثالث والرابع.
وأمَّا الأوّل فقد عرفت أنَّه من روايات العامّة، ومع ذلك يمكن حمله على دخول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع الأحد عشر كما في أحاديث الرجعة، والأقوى في الأحاديث أنَّ رجعة الأئمّة عليهم السلام بعد وفاة المهدي عليه السلام وأنَّ المهدي عليه السلام أيضاً يرجع بعد وفاته وبعد رجعة آبائه عليهم السلام ووفاتهم، وأنَّه لا دولة لهم (لأحد _ خ ل) بعد ذلك، بل تقوم القيامة، ويظهر من بعض أحاديث الرجعة أنَّ أهلها غير مكلَّفين، وقد أوضحنا الأمر بعض الإيضاح في آخر رسالة الرجعة.
وقد روى الصدوق في آخر الخصال حديثين بسندين معتبرين عن أبي جعفر عليه السلام: (إنَّه إذا كان يوم القيامة، ودخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار، خلق الله خلقاً يعبدونه، وخلق لهم أرضاً وسماء، أليس الله يقول: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَْرْضُ غَيْرَ الأَْرْضِ وَالسَّماواتُ)(٦٤٥)، وقال الله عز وجل: (أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الأَْوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ)(٦٤٦))(٦٤٧).
وروى أحمد بن محمّد بن عيسى في نوادره حديثين بسند معتبر عن أبي عبد الله عليه السلام في هذا المعنى(٦٤٨).
قال بعض مشايخنا المعاصرين(٦٤٩): لم أرَ أحداً من المتكلّمين تعرَّض لهذا بنفي ولا إثبات، وأدلّة العقل لا تنفيه، بل تؤيّده، لكن الأخبار الواردة في ذلك لم تصل إلى حدّ يوجب القطع به، والله أعلم، انتهى.

* * *
تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة

تأليف: الفقيه المحدث الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي المتوفى سنة ١١٠٤ هـ
تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث

(٣٣)
باب تحريم تسمية المهدى عليه السلام، وسائر الأئمّة عليهم السلام وذكرهم وقت التقيّة، وجواز ذلك مع عدم الخوف: (٦٥٠)
* وعن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، عن أبي جعفر عليه السلام _ في حديث الخضر عليه السلام _ أنَّه قال: (وأشهد على رجل من ولد الحسن، لا يسمّى ولا يكنّى حتَّى يظهر أمره فيملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، إنَّه القائم بأمر الحسن بن علي عليه السلام)(٦٥١).
ورواه الصدوق في كتاب (كمال الدين)(٦٥٢) وفي (عيون الأخبار)(٦٥٣) عن أبيه، ومحمّد بن الحسن، عن سعد والحميري ومحمّد بن يحيى وأحمد بن إدريس كلّهم عن أحمد بن محمّد البرقي مثله.
* وعن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن الحسن بن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (صاحب هذا الأمر لا يسمّيه باسمه إلاَّ كافر)(٦٥٤).
ورواه الصدوق في (كمال الدين)(٦٥٥) عن أبيه، عن سعد، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن محبوب، عن علي بن الريان _ وفي نسخة: علي بن زياد(٦٥٦)، عن أبي عبد الله عليه السلام نحوه.
* وعن عدّة من أصحابنا، عن جعفر بن محمّد، عن ابن فضال، عن الريان بن الصلت، قال: سمعت أبا الحسن الرضا عليه السلام وسئل عن القائم عليه السلام؟ فقال: (لا يرى جسمه، ولا يسمّى اسمه)(٦٥٧).
ورواه الصدوق في (كمال الدين)(٦٥٨) عن أبيه ومحمّد بن الحسن، عن سعد، عن جعفر بن محمّد بن مالك مثله.
* وعن علي بن محمّد، عمَّن ذكره، عن محمّد بن أحمد العلوي، عن داود بن القاسم الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن العسكري عليه السلام يقول: (الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟).
قلت: ولِمَ جعلني الله فداك؟
قال: (لأنَّكم لا ترون شخصه ولا يحلُّ لكم ذكره باسمه).
قلت: كيف نذكره؟
قال: (قولوا: الحجّة من آل محمّد)(٦٥٩).
ورواه الصدوق في (كمال الدين)(٦٦٠) عن أبيه عن سعد، عن محمّد بن أحمد العلوي مثله.
* وعن علي بن محمّد، عن أبي عبد الله الصالحي، قال: سألني أصحابنا بعد مضي أبي محمّد عليه السلام أن أسال عن الاسم والمكان، فخرج الجواب: (إن دللتم على الاسم أذاعوه، وإن عرفوا المكان دلّوا عليه)(٦٦١).
أقول: هذا دالٌّ على اختصاص النهي بالخوف وترتّب المفسدة.
* وعن محمّد بن عبد الله ومحمّد بن يحيى جميعاً، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمّد بن عثمان العمري، _ في حديث _ أنَّه قال له: أنت رأيت الخلف؟
قال: إي والله...، إلى أن قال: قلت: فالاسم.
قال: محرَّم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي فليس لي أن أحلّل ولا أحرّم، ولكن عنه عليه السلام فإنَّ الأمر عند السلطان، أنَّ أبا محمّد مضى ولم يخلّف ولداً...، إلى أن قال: وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتّقوا الله وأمسكوا عن ذلك(٦٦٢).
أقول: هذا أوضح دلالة في أنَّ وجه النهي التقيّة والخوف.
* محمّد بن علي بن الحسين في كتاب (كمال الدين) وفي كتاب (التوحيد) عن علي بن أحمد الدقّاق وعلي بن عبد الله الورّاق، عن محمّد بن هارون(٦٦٣)، عن عبد العظيم الحسني، عن سيّدنا علي بن محمّد عليه السلام أنَّه عرض عليه اعتقاده وإقراره بالأئمّة عليهم السلام...، إلى أن قال: ثمّ أنت يا مولاي، فقال له عليه السلام: (ومن بعدي ابني الحسن فكيف للناس بالخلف من بعده؟).
قلت: وكيف ذلك؟
قال: (لأنَّه لا يرى شخصه، ولا يحلّ ذكره باسمه، حتَّى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً)...، إلى أن قال: فقال عليه السلام: (هذا ديني ودين آبائي)(٦٦٤).
أقول: هذا لا ينافي الحمل على التقيّة والتخصيص بوقت الخوف كما يظنّ، لما تقدَّم من التصريح بوجوب التقيّة إلى أن يخرج صاحب الزمان عليه السلام(٦٦٥)، ولكن التقيّة في هذه المدّة لا تشتمل جميع الأشخاص والأماكن، لما مرَّ أيضاً(٦٦٦)، فهذا من جملة القرائن على ما قلنا، لأنَّ هذه المدّة هي مدّة التقيّة.
* وفي كتاب (كمال الدين) عن أحمد بن زياد بن جعفر، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي أحمد محمّد بن زياد الأزدي، عن موسى بن جعفر عليه السلام في حديث أوصاف الإمام الثاني عشر وغيبته قال: (تخفى على الناس ولادته، ولا تحلُّ لهم تسميته حتَّى يظهره الله فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً)(٦٦٧).
* وعن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن أيّوب بن نوح، عن محمّد بن سنان، عن صفوان بن مهران، عن الصادق عليه السلام أنَّه قيل له: من المهدي من ولدك؟
قال: (الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحلّ لكم تسميته)(٦٦٨).
وعن علي بن محمّد الدقّاق، عن محمّد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن عبد العزيز العبدي، عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله(٦٦٩).
* وعن المظفّر بن جعفر العلوي، عن جعفر بن محمّد بن مسعود، وحيدر بن محمّد، عن محمّد بن مسعود، عن آدم بن محمّد البلخي، عن علي بن الحسين الدقّاق(٦٧٠) وإبراهيم بن محمّد، قالا: سمعنا علي بن عاصم الكوفي يقول: خرج في توقيعات صاحب الزمان عليه السلام: (ملعون ملعون من سمّاني في محفل من الناس)(٦٧١).
أقول: فيه وفي أمثاله دلالة على ما قلنا في العنوان لاختصاصه بالمحفل وهو مظنّة التقيّة والمفسدة، وبالناس وكثيراً ما يطلق هذا اللفظ على العامّة(٦٧٢) فهو قرينة أيضاً.
* وعن محمّد بن إبراهيم بن إسحاق، عن محمّد بن همام، عن محمّد بن عثمان العمري، قال: خرج توقيع بخطّ أعرفه: (من سمّاني في مجمع من الناس فعليه لعنة الله)(٦٧٣).
ورواه المفيد في (الإرشاد)(٦٧٤)، والطبرسي في (إعلام الورى)(٦٧٥) نحوه.
* وعن محمّد بن أحمد السناني(٦٧٦)، عن محمّد بن أبي عبد الله، عن سهل بن زياد، عن عبد العظيم الحسني، عن محمّد بن علي بن موسى عليه السلام في ذكر القائم عليه السلام، قال: (يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، وتحرم عليهم تسميته، وهو سميّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنيّه...) الحديث(٦٧٧).
* وعن محمّد بن موسى بن المتوكّل، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمّد بن إبراهيم الكوفي: أنَّ أبا محمّد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام بعث إلى بعض من سمّاه شاة مذبوحة، وقال: (هذه من عقيقة ابني محمّد)(٦٧٨).
* وعنه، عن الحميري، عن محمّد بن أحمد العلوي، عن أبي غانم الخادم، قال: ولد لأبي محمّد عليه السلام مولود فسمّاه محمّداً، وعرضه على أصحابه يوم الثالث، وقال: (هذا صاحبكم من بعدي، وخليفتي عليكم وهو القائم...) الحديث(٦٧٩).
* وعن محمّد بن محمّد بن عصام، عن محمّد بن يعقوب الكليني، عن علاّن الرازي، عن بعض أصحابنا أنَّه لمَّا حملت جارية أبي محمّد عليه السلام قال: (ستحملين ولداً واسمه محمّد وهو القائم من بعدي)(٦٨٠).
* وعن محمّد بن إبراهيم الطالقاني، عن الحسين بن إسماعيل القطّان(٦٨١)، عن عبد الله بن محمّد، عن محمّد بن عبد الرحمن، عن محمّد بن سعيد، عن العبّاس بن أبي عمرو، عن صدقة بن أبي موسى، عن أبي نصرة، عن أبي جعفر عليه السلام، عن جابر بن عبد الله، عن فاطمة عليها السلام، أنَّه وجد معها صحيفة من درّة فيها أسماء الأئمّة من ولدها فقرأها...، إلى أن قال: أبو القاسم محمّد بن الحسن حجّة الله على خلقه القائم، اُمّه جارية اسمها: نرجس(٦٨٢).
* وعن علي بن أحمد بن موسى، عن محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، عن محمّد بن إسماعيل البرمكي، عن إسماعيل بن مالك، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام على المنبر: (يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان...)، وذكر صفة القائم وأحواله إلى أن قال: (له اسمان: اسم يخفى، واسم يعلن، فأمَّا الذي يخفى فأحمد، وأمَّا الذي يعلن فمحمّد...) الحديث(٦٨٣).
* وبأسانيده الكثيرة عن الحسن بن محبوب، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام، عن جابر، قال: دخلت على فاطمة عليها السلام وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددت اثني عشر آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمّد، وأربعة منهم علي(٦٨٤).
ورواه في (الفقيه) بإسناده عن الحسن بن محبوب(٦٨٥).
ورواه الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن الحسن بن محبوب مثله(٦٨٦).
* وعن علي بن الحسن بن شاذويه(٦٨٧) وأحمد بن هارون الفامي(٦٨٨) جميعاً، عن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد بن مالك(٦٨٩)، عن درست، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن جبلة، عن أبي السفاتج، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام، عن جابر بن عبد الله أنَّه رأى قدام فاطمة عليها السلام لوحاً يكاد ضوؤه يغشي الأبصار، فيه اثنى عشر اسماً، قال: فقلت: أسماء من هؤلاء؟
قالت: (أسماء الأوصياء أوّلهم ابن عمّي وأحد عشر من ولدي، آخرهم القائم).
قال جابر: فرأيت فيه محمّداً محمّداً محمّداً في ثلاثة مواضع، وعلياً علياً علياً علياً في أربعة مواضع(٦٩٠).
ورواه في (عيون الأخبار) أيضاً(٦٩١).
* وعن علي بن محمّد بن أحمد الدقّاق(٦٩٢)، عن محمّد بن أبي عبد الله، عن موسى بن عمران، عن عمّه الحسين بن زيد(٦٩٣)، عن المفضَّل بن عمر، قال: دخلت على الصادق عليه السلام فقلت: لو عهدت إلينا في الخلف من بعدك.
فقال: (الإمام بعدي ابني موسى، والخلف المأمول المنتظر محمّد بن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى)(٦٩٤).
الفضل بن الحسن الطبرسي في (إعلام الورى)، عن المفضَّل بن عمر مثله(٦٩٥).
وبإسناده عن ابن بابويه، عن محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، عن أبي علي محمّد بن همام، عن محمّد بن عثمان العمري، عن أبيه، عن أبي محمّد الحسن بن علي عليهما السلام في الخبر الذي روي عن آبائه عليهم السلام: (إنَّ الأرض لا تخلو من حجّة لله على خلقه، وإنَّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية).
فقال: (إنَّ هذا حقّ كما أنَّ النهار حقّ).
فقيل: يا بن رسول الله فمن الحجّة والإمام بعدك؟
فقال: (ابني محمّد(٦٩٦)، هو الإمام والحجّة بعدي، فمن مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية)(٦٩٧).
ورواه علي بن عيسى في (كشف الغمّة)(٦٩٨) نقلاً عن الطبرسي في (إعلام الورى).
أقول: والأحاديث في التصريح باسم المهدي محمّد بن الحسن عليهما السلام وفي الأمر بتسميته عموماً وخصوصاً تصريحاً وتلويحاً فعلاً وتقريراً في النصوص والزيارات والدعوات والتعقيبات والتلقين وغير ذلك كثيرة جدّاً، قد تقدَّم جملة من ذلك(٦٩٩)، ويأتي جملة أخرى(٧٠٠) وهو دالّ على ما قلناه في العنوان.

* * *
الأربعون حديثاً في إثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام

تأليف: سليمان بن عبد الله الماحوزي البحراني المتوفى سنة ١١٢١ هـ
تحقيق: مهدي رجائي

[المهدي عليه السلام]:
المقام الثالث(٧٠١):
ما تضمَّنه الخبران من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ومنّا والذي نفسي بيده مهدي هذه الأمّة)، وفي الخبر الثاني: ثمّ ضرب على منكب الحسين عليه السلام وقال: (من هذا مهدي هذه الأمّة) قد استفاضت به الأخبار من طرق المخالفين وبلغت حدّ التواتر.
وقد جمع الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني من أعيان المخالفين(٧٠٢) أربعين حديثاً في أمر المهدي خاصّة(٧٠٣).
وصنَّف الشيخ أبو عبد الله محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي في ذلك كتاباً، سمّاه: (البيان في أخبار صاحب الزمان).
روى الشيخ أبو عبد الله في كتابه هذا بإسناده عن رزين بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تذهب الدنيا حتَّى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي)(٧٠٤) هكذا أخرجه أبو داود في سننه(٧٠٥).
وعن علي بن أبي طالب عليه السلام، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: (لو لم يبقَ من الدهر إلاَّ يوم واحد لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً) أخرجه في سننه أيضاً(٧٠٦).
وروى أبو داود والترمذي في سننهما، كلّ واحد منهما يرفعه إلى أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (المهدي منّي، أجلى(٧٠٧) الجبهة، أقنى الأنف(٧٠٨)، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً). وزاد أبو داود: (ويملك سبع سنين). وقال: حديث ثابت حسن صحيح(٧٠٩).
ورواه أبو القاسم الطبراني في معجمه(٧١٠)، وكذلك غيره من أئمّة الحديث.
(المهدي، رجل من ولدي، وجهه كالقمر الدري، اللون منه لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يرضى بخلافته أهل السماوات والأرض والطير في الجوّ، يملك عشر سنين)(٧١١).
وبإسناده عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي طاووس أهل الجنّة)(٧١٢).
وممَّا رواه أبو داود أيضاً يرفعه إلى اُمّ سَلَمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة)(٧١٣).
ومن ذلك ما رواه القاضي أبو محمّد الحسين بن مسعود البغوي في كتابه المسمّى بـ (شرح السُنّة)، وأخرجه مسلم والبخاري في صحيحيهما، يرفعه كلّ واحد منهما بسنده إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟)(٧١٤).
ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما يرفعانه بسندهما إلى عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لو لم يبقَ من الدنيا إلاَّ يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يبعث فيه رجلاً من أمّتي ومن أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(٧١٥).
ومن ذلك ما رواه أبو إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم الثعلبي يرفعه بسنده إلى أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (نحن ولد(٧١٦) عبد المطَّلب سادة الجنّة: أنا وحمزة وجعفر وعلي والحسن والحسين والمهدي)(٧١٧).
وعن علقمة بن عبد الله، قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أقبل فتية من بني هاشم، فلمَّا رآهم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اغرورقت عيناه وتغيَّر لونه، قال: قلت: ما لك يا رسول الله نرى في وجهك شيئاً نكرهه؟
قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (إنّا أهل بيت اختار الله تعالى لنا الآخرة على الدنيا، وإنَّ أهل بيتي سيلقون من بعدي تشريداً وتطريداً، حتَّى يأتي قوم من قبل المشرق ومعهم رايات سود، فيسألون الحقّ فلا يعطونه، فيقاتلون، فينصرون، فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه حتَّى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملأها قسطاً كما ملئت جوراً، فمن أدرك ذلك منهم فليأتينهم ولو حبواً على الثلج) أخرجه الحافظ أبو نعيم(٧١٨).
وروى الحافظ أبو نعيم أيضاً بسنده عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان، فأتوها ولو حبواً على الثلج، فإنَّ فيها خليفة الله المهدي)(٧١٩).
والأخبار الواردة بهذا المعنى لا تحصى كثرة، ومن أراد الوقوف عليها فليطالع: كتاب البيان للكنجي الشافعي، والأربعين لأبي نعيم الحافظ، والفصول المهمّة لنور الدين علي بن محمّد المكي، ومطالب السؤول للشيخ كمال الدين بن طلحة الشامي الشافعي وغيرها(٧٢٠)، وقد تضمَّن كثير منها كونه عليه السلام من ولد فاطمة عليها السلام، وأنَّه من ولد الحسين عليه السلام.
ومخالفونا قد اضطربوا هنا اضطراباً كثيراً، فمنهم من أقرَّ به عليه السلام وإنَّه موجود، ووافقنا على أنَّ الإمام الثاني عشر (م ح م د) ابن العسكري عليه السلام، لتواتر ذلك عن آبائه عليهم السلام، وإطباق الشيعة على ذلك، وهم أعرف بهذا الشأن، ومنهم الشيخ كمال الدين بن طلحة في مطالب السؤول، وابن الخشاب الحنبلي في تاريخ مواليد ووفيات أهل البيت عليهم السلام، والشيخ نور الدين المكّي في الفصول المهمّة.
ومنهم من قال: إنَّه لم يوجد بعد.
ومنهم من زعم أنَّه المسيح عليه السلام.
والقول الثالث أوضح فساداً من أن ينبّه عليه، لمدافعته الأخبار المتواترة من الطرفين المستفيضة بين القبيلين.
وقد ذكر بعض علماء المخالفين في كتاب(٧٢١) ألَّفه في أخبار المهدي عليه السلام نحواً من مائة وعشرة أحاديث، أكثرها بل كلّها إلاَّ ما ندر ينادي بأنَّه عليه السلام من العترة الطاهرة، ومن أهل البيت عليهم السلام، ومن ولد فاطمة عليها السلام، ومن ولد الحسين عليه السلام(٧٢٢).
ومنها: ما نقله عن الجمع بين الصحاح الستّة، بإسناده عن أبي إسحاق، قال: قال علي عليه السلام ونظر إلى ابنه الحسين عليه السلام وقال: (إنَّ ابني هذا سيّد، كما سمّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسيخرج من صلبه رجل باسم نبيّكم، يشبهه في الخلق، ولا يشبهه في الخلق، يملأ الأرض عدلاً)(٧٢٣).
وأخبار أخر تؤدّي هذا المؤدّى، تركنا نقلها لأدائها إلى التطويل، وقد أفردنا لاستيفائها كتاباً ضخماً سمّيناه بـ (الفوائد الحسان في أخبار صاحب الزمان).
وأمَّا القول الثاني، فمما ينادي بفساده إجماع الشيعة رضوان الله عليهم، وتواتر أخبارهم بولادته صلوات الله عليه وعلى آبائه، على نحو ولادة إبراهيم وموسى عليهما السلام، وغيرهما ممَّن اقتضت المصلحة تستر ولادته.
وقد استفاضت الأخبار عنهم باسمه ونسبه، وإنَّما عرفه الشيعة رضوان الله عليهم دون غيرهم، لاختصاصهم بآبائه عليهم السلام، وتلزّمهم بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم وعترته عليهم السلام، فإنَّ كلّ من تلزَّم بقوم كان أعرف بأحوالهم وأسرارهم من الأجانب(٧٢٤)، كما أنَّ أصحاب الشافعي أعرف بحاله من أصحاب غيره.
هذا مع أنَّ مخالفينا قد رووا ما يشهد بما عليه أصحابنا، من نسبه، واسمه، ووجوده، وبقائه، وأنَّه ولد أبي محمّد الحسن العسكري عليه السلام الثاني عشر من الأئمّة عليهم السلام.
كما رواه المسمّى عندهم صدر الأئمّة أخطب خوارزم موفق بن أحمد المكّي في كتابه، قال: حدَّثنا فخر القضاة نجم الدين أبو منصور محمّد بن الحسين بن محمّد البغدادي فيما كتب إليَّ من همدان، قال: أبلغنا الإمام الشريف نور الهدى أبو طالب الحسن بن محمّد الزينبي، قال: أخبرنا إمام الأئمّة محمّد بن أحمد بن شاذان، قال: حدَّثنا أحمد بن محمّد بن عبد الله الحافظ، قال: حدَّثنا علي بن سنان الموصلي، عن أحمد بن محمّد بن صالح، عن سلمان بن محمّد، عن زياد بن مسلم، عن عبد الرحمن، عن زيد بن جابر(٧٢٥)، عن سلامة، عن أبي سليمان(٧٢٦) راعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ليلة اُسري بي إلى السماء قال لي الجليل جل جلاله: (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ)(٧٢٧).
فقلت: (وَالْمُؤْمِنُونَ).
قال: صدقت يا محمّد، من خلَّفت في أمّتك؟
قلت: خيرها.
قال: علي بن أبي طالب؟
قلت: نعم يا ربّ.
قال: يا محمّد، إنّي أطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها، فشققت لك اسماً من أسمائي، فلا أذكر في موضع إلاَّ ذكرت معي، فأنا المحمود وأنت محمّد، ثمّ أطلعت الثانية، فاخترت منها علياً وشققت له اسماً من أسمائي، فأنا الأعلى وهو علي.
يا محمّد إنّي خلقتك وخلقت علياً وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من ولده من سنخ نوري، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات والأرض، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن لم يقبلها(٧٢٨) كان من الكافرين.
يا محمّد لو أنَّ عبداً من عبيدي عبدني حتَّى ينقطع أو يصير كالشن البالي، ثمّ أتاني جاحداً لولايتكم ما غفرت له حتَّى يقرّ بولايتكم.
يا محمّد، تحبّ أن تراهم؟
فقلت: نعم يا ربّ.
فقال لي: التفت عن يمين العرش.
فالتفت، فإذا بعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمّد بن علي، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمّد بن علي، وعليّ بن محمّد، والحسن بن علي، ومحمّد بن الحسن المهدي في ضحضاح(٧٢٩) من نور قياماً يصلّون وهو في وسطهم _ يعني: المهدي عليه السلام _ كأنَّه كوكب درّي.
وقال: يا محمّد، هؤلاء الحجج، وهو الثائر من عترتك، وعزَّتي وجلالي إنَّه الحجّة الواجبة لأوليائي والمنتقم من أعدائي)(٧٣٠).
وبالإسناد عن الإمام محمّد بن أحمد بن علي بن شاذان، قال: حدَّثنا محمّد بن علي بن الفضل، عن محمّد بن القاسم، عن عباد بن يعقوب، عن موسى بن عثمان، عن الأعمش، قال: حدَّثني أبو إسحاق، عن الحارث وسعيد بن بشر، عن علي بن أبي طالب عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا واردكم، وأنت يا علي الساقي، والحسن الذائد، والحسين الآمر، وعلي بن الحسين الفارط، ومحمّد بن علي الناشر، وجعفر بن محمّد السائق، وموسى بن جعفر محصي المحبّين والمبغضين وقامع المنافقين، وعلي بن موسى مزيّن المؤمنين، ومحمّد بن علي منزل أهل الجنّة درجاتهم، وعلي بن محمّد خطيب شيعته ومزوّجهم الحور العين، والحسن بن علي سراج أهل الجنّة يستضيؤون به، والمهدي شفيعهم يوم القيامة حيث لا يأذن الله إلاَّ لمن يشاء ويرضى)(٧٣١).
وبالإسناد السابق عن ابن شاذان، قال: حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن علي العلوي الطبري(٧٣٢)، عن أحمد بن عبد الله، حدَّثني جدّي أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن عمر بن أذينة، قال: حدَّثنا أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي، عن سلمان المحمّدي، قال: دخلت على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وإذا الحسين عليه السلام على فخذه، وهو يقبّل عينيه ويلثم فاه، ويقول: (أنت(٧٣٣) سيّد ابن سيّد أبو السادة، أنت إمام ابن إمام أبو الأئمّة، أنت حجّة ابن حجّة أبو حجج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم)(٧٣٤).
وهذه الأخبار كما ترى صريحة في معتقد الفرقة الناجية الإماميّة رضوان الله عليهم، وناطقة بأنَّ الأئمّة اثنا عشر، وأنَّ القائم عليه السلام هو الثاني عشر، وأنَّه ابن العسكري عليه السلام.
ولعمري إنَّ المخالفين لو تركوا رواية هذه الأخبار الناطقة بفساد مذهبهم وصحَّة عقيدة خصومهم لكانوا أعذر، فالحمد لله الذي أنطقهم وأجرى أقلامهم بما هو حجّة عليهم، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيى من حي عن بيّنة، فما يتفوَّه بعض المخذولين منهم من إنكار وجوده عليه السلام وبقائه، مكابرة محضة واستبعاد بحت.
ومحقّقوهم ككمال الدين بن طلحة الشامي، ونور الدين المكّي، ونصر بن علي الجهضمي، وابن الخشّاب الحنبلي، وعبد الرحمن الجامي في دلائل النبوّة، وملا حسين الكاشفي(٧٣٥) في روضة الشهداء وغيرهم، قد وافقونا على وجوده وبقائه، وأنَّه ابن العسكري عليه السلام، وهو الذي عليه أكابر الصوفية، كصدر الدين القونوي والحموي وغيرهما.
إرشاد ورفع استبعاد:
ولد مولانا المهدي عليه السلام بسُرَّ من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين من الهجرة، هذا هو الصحيح، وعليه اعتمد ثقة الإسلام محمّد بن يعقوب الكليني في الكافي(٧٣٦)، وغيره من عظماء أصحابنا. ومن المخالفين نور الدين علي بن محمّد المكّي المالكي في كتاب الفصول المهمّة(٧٣٧).
وروى ثقة الإسلام في الكافي أيضاً عن الحسين بن محمّد الأشعري، عن معلّى بن محمّد، عن أحمد بن محمّد، قال: خرج عن أبي محمّد عليه السلام حين قتل الزبيري: (هذا جزاء من افترى على الله في أوليائه، زعم أنَّه يقتلني وليس لي عقب، فكيف رأى قدرة الله)، وولد له ولد فسمّاه (م ح م د) سنة ستّ وخمسين ومائتين(٧٣٨).
والمعلّى بن محمّد ضعيف مضطرب المذهب، لا اعتماد على ما ينفرد به، وجزم شيخنا المعاصر(٧٣٩) _ خلَّد الله ظلال إفاداته _ بعدم قدحه في صحَّة الخبر، لأنَّه من مشايخ الإجازة. وفيه نظر حرَّرناه في تعليقات الخلاصة، والاعتماد على الأوّل.
وسنّه إلى عامنا هذا، وهو العام الخامس بعد المائة والألف من الهجرة النبويّة، ثمانمائة وإحدى وخمسون سنة.
وقال الشيخ أبو عبد الله المفيد في الإرشاد: الإمام القائم بعد أبيه الحسن عليه السلام ابنه المسمّى باسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، المكنّى بكنيته، ولم يخلّف أبوه ولداً ظاهراً ولا غائباً غيره(٧٤٠)، وخلّفه غائباً مستتراً.
وكان سنّه عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة وفصل الخطاب، وآتاه الحكمة كما آتاها يحيى صبياً، وجعله إماماً في حال الطفولية، كما جعل عيسى بن مريم عليه السلام في المهد نبيّاً، وللنصّ عليه من الأئمّة عليهم السلام واحداً واحداً إلى أبيه عليه السلام، ونصَّ أبوه عليه عند ثقاته وخواص شيعته.
وكان الخبر بغيبته ثابتاً قبل وجوده، وبدولته مستفيضاً قبل غيبته، وهو صاحب السيف من أئمّة الهدى عليهم السلام يقوم بالسيف، قال الله سبحانه: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ...) إلى قوله: (ما كانُوا يَحْذَرُونَ)(٧٤١)، وقال سبحانه: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ)(٧٤٢).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لن تنقضي الأيّام والليالي حتَّى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(٧٤٣).
وعن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الأئمّة اثنا عشر كلّهم من آل محمّد عليهم السلام علي بن أبي طالب وأحد عشر من ولده)(٧٤٤).
والنصوص الواردة عليه من آبائه صلوات الله عليهم متواترة، ومن أرادها فليقف عليها في كتاب الكافي(٧٤٥)، وإرشاد المفيد(٧٤٦)، وكتاب كمال الدين وتمام النعمة في إثبات الغيبة ورفع الحيرة لرئيس المحدّثين محمّد بن علي بن بابويه القمي(٧٤٧)، وكتاب ملاء الغيبة في طول الغيبة للشيخ جمال الدين أبي عبد الله محمّد بن إبراهيم الشهير بالنعماني(٧٤٨)، وكتاب الغيبة للشيخ أبي جعفر الطوسي(٧٤٩) وغيرها.
واستبعد أكثر مخالفينا تعميره عليه السلام إلى هذا القدر، وهو استبعاد محض لا يعارض الأدلّة القاهرة العقلية الدالّة على عدم جواز خلوّ عصر من الأعصار عن معصوم يكون ناطقاً عن الله سبحانه، كيلا تبطل حجج الله وبيّناته.
قال أمير المؤمنين عليه السلام في حديث كميل بن زياد النخعي: (اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة إمَّا ظاهر مشهور، أو مستور مغمور(٧٥٠)، لئلاَّ تبطل حجج الله وبيّناته)(٧٥١).
ولا يجوز التعويل على الاستبعاد المحض، والاستغراب البحت، وإطراح الأدلّة القطعية العقلية والسمعية المتواترة المرويّة من طرق المخالف والمؤالف، مع شمول قدرة الله سبحانه لجميع الممكنات، وعمومها للمقدورات وخوارق العادات، وقد اتَّفق أطول من عمره عليه السلام في الأمم الماضية بكثير، كنوح، وشعيب، والخضر، وإلياس، والسامري، وفرعون وغيرهم.
قال الحافظ أبو عبد الله محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتاب (البيان في أخبار صاحب الزمان)، بعد أن أكثر الأدلّة على كونه عليه السلام حيّاً باقياً منذ غيبته إلى الآن ما نصّه: ولا امتناع في بقائه كبقاء عيسى بن مريم والخضر وإلياس من أولياء الله تعالى، وبقاء الأعور الدجّال وإبليس اللعين من أعداء الله، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسُنّة.
أمَّا عيسى عليه السلام، فالدليل على بقائه قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)(٧٥٢) ولم يؤمن به منذ نزول الآية إلى يومنا هذا أحد، فلا بدَّ أن يكون هذا في آخر الزمان.
وأمَّا السُنّة، فما رواه مسلم في صحيحه، عن ابن سمعان في حديث طويل في قضيّة الدجّال، قال: فينزل عيسى بن مريم عند المنارة البيضاء بين مهرودتين(٧٥٣)، واضعاً كفّيه على أجنحة ملكين(٧٥٤).
وأيضاً ما تقدَّم من قوله عليه السلام: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم؟).
وأمَّا الخضر وإلياس، فقد قال ابن جرير الطبري: الخضر وإلياس باقيان يسيران في الأرض.
وأيضاً ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري، قال: حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثاً طويلاً عن الدجّال، وكان فيما حدَّثنا أن قال: (يأتي وهو محرَّم عليه أن يدخل نقاب(٧٥٥) المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذٍ رجل هو خير الناس، أو من خير الناس، فيقول الدجّال: إن قتلت هذا ثمّ أحييته أتشكّون في الأمر؟
فيقولون: لا.
فيقتله ثمّ يحييه، ثمّ يقول حين يحييه: والله ما كنت فيك قطّ أشد بصيرة منّي الآن.
قال: فيريد الدجّال أن يقتله فلن يسلّط عليه).
وقال إبراهيم بن سعد: يقال: إنَّ هذا الرجل هو الخضر(٧٥٦) وهذا لفظ مسلم في صحيحه كما سقناه سواء.
وأمَّا الدليل على بقاء إبليس اللعين، فآي الكتاب العزيز، وهو قوله تعالى: (قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ)(٧٥٧).
وأمَّا بقاء المهدي عليه السلام، فقد جاء بالكتاب والسُنّة.
أمَّا الكتاب، فقد قال سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(٧٥٨)، قال: هو المهدي من ولد فاطمة عليها السلام.
وأمَّا من قال: إنَّه عيسى عليه السلام، فلا تنافي بين القولين، إذ هو مساعد للمهدي عليه السلام على ما تقدَّم.
وقد قال مقاتل بن سليمان ومن تابعه من المفسّرين في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)(٧٥٩)، قال: هو المهدي يكون في آخر الزمان، وبعد خروجه يكون أمارات ودلالات الساعة وقيامها. انتهى(٧٦٠).
وقد نقله عنه أيضاً نور الدين المكّي المالكي في فصوله(٧٦١).
وحكى السيّد الجليل ذو الكرامات الباهرة والمآثر الظاهرة أبو القاسم رضي الدين علي بن طاووس(٧٦٢) عطَّر الله مرقده في بعض كتبه(٧٦٣) ما حاصله: إنَّه اجتمع يوماً في بغداد مع بعض فضلائها، فانجرَّ الكلام إلى ذكر الإمام المهدي عليه السلام وما تدَّعيه الإماميّة من حياته في هذه المدّة الطويلة، فشنع ذلك الفاضل وأنكره إنكاراً بليغاً.
قال السيّد رحمه الله: فقلت له: إنَّك تعلم أنَّه لو حضر اليوم رجل وادّعى أنَّه يمشي على الماء، لاجتمع لمشاهدته كلّ أهل البلد، فإذا مشى على الماء وعاينوه قضوا تعجّبهم منه، ثمّ لو جاء في اليوم الثاني آخر وقال: أنا أمشي على الماء أيضاً، فشاهدوا مشيه عليه لكان تعجّبهم أقلّ من الأوّل، فإذا جاء في اليوم الثالث آخر وادّعى أنَّه يمشي على الماء أيضاً، فربَّما لا يجتمع للنظر إليه إلاَّ قليل ممَّن شاهد الأوّلين، فإذا مشى سقط التعجّب بالكلّية.
فإذا جاء رابع وقال: أنا أمشي على الماء كما مشوا، فاجتمع عليه جماعة ممَّن شاهدوا الثلاثة الأوّل، ثمّ أخذوا يتعجَّبون منه تعجّباً زائداً على تعجّبهم الأوّل والثاني والثالث، لتعجَّب العقلاء من نقص عقولهم وخاطبوهم بما يكرهون.
وهذا بعينه حال المهدي عليه السلام، فإنَّكم رويتم أنَّ إدريس عليه السلام حيّ موجود في السماء من زمانه إلى الآن، ورويتم أنَّ الخضر كذلك في الأرض حيّ موجود من زمانه إلى الآن، ورويتم أنَّ عيسى عليه السلام حيّ موجود في السماء، وأنَّه سيعود إلى الأرض إذا ظهر المهدي عليه السلام ويقتدي به، فهذه ثلاثة نفر من البشر قد طالت أعمارهم زيادة على المهدي عليه السلام، فكيف لا تتعجَّبون منهم؟ وتتعجَّبون أن يكون لرجل من ذرية النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أسوة بواحد منهم، وتنكرون أن يكون من جملة آياته صلى الله عليه وآله وسلم أن يعمّر واحد من عترته وذريته زيادة على ما هو المتعارف من الأعمار في هذا الزمان(٧٦٤). انتهى.
وقال عطَّر الله مرقده في الطرائف: وأمَّا استبعاد من يستبعد منهم ذلك لطول عمره الشريف، فما يمنع من ذلك إلاَّ جاهل بالله وقدرته، وبأخبار نبيّنا وعترته، أو عارف يعاند بالجحود، كما حكى الله تعالى عن قوم فقال: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا)(٧٦٥).
فكيف يستبعد بطول الأعمار؟ وقد تواترت كثير من الأخبار بطول عمر جماعة من الأنبياء وغيرهم من المعمّرين، وهذا الخضر باقٍ على طول السنين، وهو عبد صالح من بني آدم عليه السلام، ليس بنبيّ ولا حافظ شريعة، ولا بلطف في بقاء التكليف، فكيف يستبعد طول حياة المهدي عليه السلام؟ وهو حافظ شريعة جدّه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ولطف في بقاء التكليف، وحجّة في أحد الثقلين اللذين قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيهما: (إنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض). والمنفعة ببقائه في حالتي ظهوره واختفائه أعظم من المنفعة بالخضر.
وكيف يستبعد طول عمر المهدي عليه السلام من يصدّق بالقرآن؟ وقد تضمَّن من قصَّة أصحاب الكهف أعجب من هذا، لأنَّهم مضى لهم فيما تضمَّنه القرآن ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، وهم أحياء كالنيام، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ)(٧٦٦) لئلاَّ تبلي جنوبهم بالأرض.
فهؤلاء مجوّفون محتاجون إلى طعام وشراب، وقد بقوا هذه المدّة بنصّ القرآن بغير طعام ولا شراب ممَّا يأكل الناس، وبقوا بمقتضى ما تقدَّم من الخبر السالف عند ذكر قصّة أصحاب الكهف إلى زمان محمّد نبيّهم صلى الله عليه وآله وسلم، حين بعث الصحابة على البساط للسلام عليهم، ويبقون _ كما رواه الثعلبي _ إلى زمن المهدي عليه السلام على الصفة التي تضمَّنها القرآن من الحياة بغير طعام مألوف ولا شراب معروف، فأيّما أعجب بقاء هؤلاء، أو بقاء المهدي عليه السلام(٧٦٧)؟
انتهى كلامه أعلى الله مقامه، وهو جيّد مفيد جدَّاً.
وبعض الحذّاق من الأطبّاء جوَّز بقاء الإنسان باعتبار مزاجه الطبيعي ما يقرب من هذه المدّة ويزيد عليها(٧٦٨).
وأمَّا المنجّمون، فقالوا: أكثر ما يعطي كوكب واحد من العمر من حيث هو مائة وعشرون سنة، وجاز أن ينضمّ إليه عندهم أسباب أخر فتتضاعف العطية، قالوا: في مثل أن يتَّفق في طالع كثرة الهيلاجات فيه، والكدخدايات كلّها في أوتاد الطالع ناظرة إلى بيوتها ونظر السعود لها بالتثليث أو التسديس، وتكون النحوس ساقطة، وحينئذٍ يحكمون لصاحب الطالع بطول العمر، وقد نقلنا جملة من كلامهم في رسالة أفردناها في الردّ على من استبعد بقاءه عليه السلام.
وذكر السيّد الجليل رضي الدين المذكور في كتابه (فرج المهموم في معرفة الحلال والحرام من علم النجوم): أنَّ بعض أكابر المنجّمين وقف على زائجة مولد مولانا المهدي عليه السلام، فقال: إنَّه يعمّر عمراً طويلاً جدَّاً(٧٦٩).
وبالجملة فليس للمخالفين إلاَّ الإخلاد إلى الاستبعاد المحض والتخمين الكاذب، (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ)(٧٧٠).
من مات ولم يعرف إمام زمانه:
إكمال وقطع إشكال:
تحقيق حول حديث: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية).
من الأخبار المستفيضة المتَّفق عليها بين علماء الإسلام قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(٧٧١).
واستقامته ظاهرة على مذهب أصحابنا قدَّس الله أرواحهم، من عدم خلوّ الأرض من حجّة ناطق عن الله تعالى، معصوم في الأقوال والأفعال والتقريرات من أوّل عمره إلى آخره، لأنَّ إمام زماننا _ كما سلف _ هو مولانا الحجّة المهدي عليه السلام.
وما أورده المخالفون من أنَّه إذا لم يمكن التوصّل إليه وأخذ المسائل الدينية عنه، فأيّ ثمرة تترتَّب على مجرَّد معرفته حتَّى يكون من مات ولم يكن عارفاً به، فقد مات ميتة جاهلية.
فهو واضح السقوط، إذ ليست الثمرة منحصرة في مشاهدته، وأخذ المسائل عنه، بل نفس التصديق بوجوده عليه السلام، وأنَّه خليفة الله في الأرض، أمر مطلوب لذاته، ولكن من أركان الإيمان، كتصديق من كان في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بوجوده ونبوّته.
وقد روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ذكر المهدي عليه السلام، فقال: (ذلك الذي يفتح الله عز وجل على يديه مشارق الأرض ومغاربها، يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت فيها إلاَّ من امتحن الله قلبه للإيمان).
قال جابر: فقلت: يا رسول الله هل لشيعته انتفاع به في غيبته؟
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إي والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، إنَّهم ليستضيؤون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته، كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها السحاب)(٧٧٢).
والعجب أنَّ المخالفين حملوا إمام الزمان(٧٧٣) في الخبر المذكور على صاحب الشوكة(٧٧٤) من ملوك الدنيا كائناً من كان، عالماً كان أو جاهلاً، عادلاً أو فاسقاً.
ومن المعلوم أنَّه لا ثمرة لمعرفة الجاهل الفاسق، ليكون من مات ولم يعرفه فقد مات ميتة جاهلية، وكيف يتوهَّم من له أدنى مسكة أن يكون معرفة شياطين بني أميّة وبني العبّاس المستهترين بالنرد والكأس والشطرنج السفّاكين الهتّاكين فريضة(٧٧٥)؟ وإنَّ جاهلها لو مات مات ميتة جاهلية، نعوذ بالله من الحور بعد الكور(٧٧٦)، والضلالة بعد الهداية.
ولمَّا استشبع بعض المحقّقين من مخالفينا هذا الالتزام(٧٧٧)، ذهب إلى أنَّ المراد بالإمام في الحديث هو الكتاب العزيز، وهو أوضح فساداً من أن ينبَّه عليه، فإنَّ إضافة الإمام إلى زمان ذلك الشخص يشعر بتبديل الأئمّة في كلّ الأزمنة، والقرآن العزيز لا تبدُّل له بحمد الله على كرور الأعصار.
وأيضاً فما المراد بمعرفة الكتاب التي إذا لم تكن حاصلة في الإنسان مات ميتة جاهلية؟ إن أريد بها معرفة ألفاظه أو الاطلاع على معانيه لم يقل به أحد، ولو قيل به لأشكل الأمر على أكثر الناس، بل أدّى إلى اختلال النظام، فإنَّ تكليف جميع آحاد الأمّة بذلك مقتض للحرج العظيم، والمشقّة الكثيرة مؤدًّ إلى تعطيل المعاش، واختلال نظام النوع.
وإن أريد مجرَّد التصديق بوجوده، ورد عليهم ما أوردوه على أصحابنا.
وأيضاً فقد اعتذر(٧٧٨) محقّقوهم عن سبق أبي بكر وعمر إلى سقيفة بني ساعدة، والاشتغال بالخلافة عن تجهيز الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بأنَّ مبادرتهما لذلك إنَّما هي لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) وهذا يدلُّ على أنَّ ليس المراد القرآن، وإنَّ المراد من لم يعرف إمام زمانه بالمصطلح.
[سبب الغيبة]:
جوهرة فاخرة:
اختلف علماؤنا في سبب غيبته عليه السلام، فقال جمع منهم: لا يجوز نسبته إلى الله تعالى لحكمته، والإمام لطف، فلا يليق بحكمته منعه، ولا إلى الإمام لعصمته، فلا يكون الإخلال من جهته، لعدم جواز الإخلال بالواجب عليه، فيكون السبب من الرعية، فبكثرة عدوّه منهم، وقلّة ناصره، وتسلّط شياطين الإنس وسلاطين الجور على أطراف الربع المعمور وجوانبه، خاف على نفسه، ودفع الضرر عن النفس واجب، فاختفى عنهم، وذلك بعد لزوم الحجّة للخلق، وكشف الحقيقة، وإزاحة العلّة، وسدّ طرق الأعذار عليهم، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيى من حي عن بيّنة، إذ ليس الواجب على الله سبحانه سوى إيجاد الإمام وتعيينه، وقد فعل ذلك، والواجب على الإمام قبول الإمامة وتحمّله لأعبائها، وقد فعله أيضاً، والواجب على الأمّة متابعة الإمام وقبول أحكامه وإمتثال أوامره ونواهيه وطاعته ونصرته على أعدائه، وهم لم يفعلوا ذلك، فكانت الحجّة لهم لازمة، لأنَّهم منعوا نفسهم اللطف الحافظ للشريعة.
وقال بعض الأعلام: إنّا لمَّا أثبتنا أنَّه تعالى عدل حكيم لا يفعل قبيحاً، ولا يخل بواجب، وإنَّ أفعال الله تعالى معلّلة بالأغراض والمصالح، كان ذلك موجباً لاعتقاد أنَّ جميع أفعاله تعالى مشتملة على الغرض الصحيح، وإن لم نعلم كنه ذلك الغرض وحقيقة تلك الحكمة، إذ لا سبيل لنا إلى معرفة حقائق جميع الأشياء، لعجز القوّة البشرية عن إدراك جميع ذلك.
ثمّ قال: وحينئذٍ نقول: جاز أن يكون الغيبة لأمر خفي ومصلحة استأثر الله تعالى بعلمها، ولا يجب علينا البحث عن حقيقة تلك المصلحة والإطلاع على كنهها، كما في خلق الحيّات والمؤذيات.
وقال بعض المتأخّرين: إنَّ السبب في غيبته عليه السلام استخلاص المؤمنين من أصلاب المنافقين، محتجّاً بأنَّه عليه السلام إنَّما يظهر بالقيام بالسيف وإظهار الدعوة، فحينئذٍ لا يقبل إيمان نفس لم تكن آمنت من قبل، لأنَّ قيامه من أشراط الساعة وعلاماتها، مستشهداً بقوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً)(٧٧٩)، وقال: إنَّ تلك الآية هو الإمام عليه السلام.
[الغيبة الصغرى]:
فائدة:
ابتدأت الغيبة الصغرى بعد وفاة مولانا أبي محمّد الحسن بن علي العسكري عليه السلام، وكانت وفاة العسكري عليه السلام يوم الجمعة لثمان خلون من شهر ربيع الأوّل سنة ستّين ومائتين، وحينئذٍ فيكون غيبة مولانا المهدي عليه السلام وهو ابن خمس سنين، وهذا هو الصحيح(٧٨٠).
وقال نور الدين علي بن محمّد المكّي المالكي في الفصول المهمة: إنَّه غاب في السرداب والحرس عليه، وكان ذلك سنة ستّ وسبعين ومائتين من الهجرة، وتزعم الشيعة أنَّه دخل السرداب في دار أبيه واُمّه تنظر إليه، فلم يخرج إليها بعد ذلك، وعمره يومئذٍ تسع سنين.
وذكر ابن الأزرق في تاريخ ميافارقين: إنَّه دخل السرداب سنة خمس وسبعين ومائتين وعمره سبع عشرة سنة(٧٨١). انتهى.
وما ذكره من أنَّ ابتداء الغيبة سنة ستّ وسبعين ومائتين وهم.
نعم، ذكر جمع من عظماء أصحابنا أنَّ ابتداءها سنة ستّ وستون ومائتين، وهذا يوافق ما نقله عن الشيعة رضي الله عنهم، من أنَّ عمره إذ ذاك تسع سنين، وما ذكرناه نحن أوضح، لأنَّه بعد موت أبيه لم يصل إليه إلاَّ آحاد قليلون، فلا يدافع الغيبة.
[سفراء الغيبة الصغرى]:
وكان له عليه السلام في الغيبة الصغرى أبواب مرضيّون وسفراء ممدوحون.
قال الشيخ الجليل أحمد بن أبي طالب(٧٨٢) الطبرسي(٧٨٣) في كتاب الاحتجاج: وأمَّا الأبواب المرضيون والسفراء الممدوحون في زمن الغيبة: فأوّلهم الشيخ الموثوق به أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري، نصبه أوّلاً أبو الحسن علي بن محمّد العسكري عليه السلام، ثمّ ابنه أبو محمّد الحسن بن علي العسكري عليه السلام، فتولّى القيام بأمورهما حال حياتهما عليهما السلام، ثمّ قام بعد ذلك بأمر صاحب الزمان عليه السلام، وكانت توقيعاته وجوابات المسائل تخرج على يده.
فلمَّا مضى لسبيله قام ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان مقامه، وناب منابه في جميع ذلك.
فلمَّا مضى لسبيله قام بذلك أبو القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت.
فلمَّا مضى هو قام مقامه أبو الحسن علي بن محمّد السمري.
ولم يقم منهم أحد بذلك إلاَّ بنصّ عليه من قبل صاحب الزمان صلوات الله عليه، ونصب صاحبه الذي تقدَّم عليه، ولم تقبل الشيعة قولهم إلاَّ بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد كلّ واحد منهم من قبل صاحب الأمر صلوات الله عليه تدلّ على صدق مقالتهم وصحَّة نيابتهم.
فلمَّا حان رحيل أبي الحسن السمري عن الدنيا وقرب أجله، قيل له: إلى من توصي؟
فأخرج توقيعاً إليهم نسخته:
(بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمّد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيّام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلاَّ بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض ظلماً وجوراً، وسيأتي إلى شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر، ولا حول ولا قوّة إلاَّ بالله العلي العظيم).
فنسخوا هذا التوقيع وخرجوا من عنده، فلمَّا كان اليوم السادس عادوا إليه وهو يجود بنفسه، فقال له بعض الأصحاب: من وصيّك بعدك؟
فقال: (لله أمر هو بالغه) وقضى، فهذا آخر كلام سمع منه رضي الله عنه وأرضاه(٧٨٤). انتهى كلامه زيد إكرامه.
أقول: وكان وفاة أبي الحسن السمري (قدَّس الله روحه) بالنصف من شعبان سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، وبه انتهت مدّة الغيبة الصغرى.
ختام:
قال الشيخ محي الدين بن عربي، وهو من أكابر صوفية المخالفين، كما يظهر لمن تتبَّع كلامه في الفتوحات المكّية، في الكتاب المذكور في الباب الثلاثمائة والستّة والستّين ما نصّه: إنَّ لله خليفة(٧٨٥) يخرج من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ولد فاطمة عليها السلام يواطئ اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، جدّه الحسين بن علي عليهما السلام، يبايع بين الركن والمقام، يشبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخَلق _ بفتح الخاء _ وينزل عنه في الخُلق _ بضم الخاء _ أسعد الناس به أهل الكوفة، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً، يضع الجزية، ويدعو إلى الله بالسيف، ويرفع المذاهب، فلا يبقى إلاَّ الدين الخالص، أعداؤه مقلّدة العلماء أهل الاجتهاد، لما يرونه يحكم بخلاف ما ذهب إليه أئمّتهم، فيدخلون كرهاً تحت حكمه خوفاً من سيفه، وتفرح به عامّة المسلمين أكثر من خواصّهم. يبايعه العارفون من أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف إلهي، له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه، ولولا أنَّ السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله، ولكن الله يظهره بالسيف والكرم، فيطمعون ويخافون، ويقبلون حكمه من غير إيمان، ويضمرون خلافه، ويعتقدون فيه إذا حكم فيهم بغير مذهب أئمّتهم أنَّه على ضلال في ذلك، لأنَّهم يعتقدون أنَّ أهل الاجتهاد وزمانه قد انقطع، وما بقي مجتهد في العالم، وأنَّ الله لا يوجد بعد أئمّتهم أحداً له درجة الاجتهاد.
وأمَّا من يدّعي التعريف الإلهي بالأحكام الشرعية، فهو عندهم مجنون فاسد الخيال(٧٨٦).
هذا كلامه، وهو صريح الدلالة على ما عليه أصحابنا رضوان الله عليهم، من جهات عديدة(٧٨٧) لا تخفى على من تأمَّلها بعين البصيرة، وتناولها بيد غير قصيرة.

* * *



 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) العمدة: ٤٢٣ - ٤٣٨/ ح ٤٢٣ - ٩٢٤.
(٢) جبى: جمع.
(٣) الحثي: الرمي، والمراد منه أنَّ هذا الخليفة يفعل هذا الحثو بكثرة الأموال والغنائم والفتوحات عنده مع سخاء نفسه.
(٤) أي: معدوداً.
(٥) صحيح مسلم ٨: ١٨٤ و١٨٥/ باب لا تقوم الساعة حتَّى يمرّ الرجل...
(٦) المصدر السابق.
(٧) المصدر السابق.
(٨) صحيح مسلم ٨: ١٨٥/ باب لا تقوم السعة حتَّى يمرّ الرجل...
(٩) المصدر السابق.
(١٠) الهجير: الدأب والعادة، هجيرى الرجل كلامه ودأبه وشأنه. وفي (أ): (الهجين)، والهجنة في الكلام: العيب والقبح.
(١١) في (أ): (ذلك).
(١٢) ردّة شديدة: صولة شديدة. وفي (أ): (بردة شديدة).
(١٣) الشرطة: من الجيش تتقدَّم للقتال.
(١٤) في (أ): (فسعى)، وكذا فيما بعد.
(١٥) نهد إلى العدوّ: نهض.
(١٦) الدبرة: الهزيمة. وفي بعض النسخ: (الدائر)، والمعنى متقارب.
(١٧) في النسخ الموجودة بأيدينا: (فما يلحقهم)، وفي (أ): (يجناحه) بدل (بجنباتهم).
(١٨) والمراد منه أنَّهم يشرعون في عدّ أنفسهم فيشرع كلّ جماعة في عدّ أقاربهم فلا يجدون من مائة إلاَّ واحداً.
(١٩) في (أ): (باُناس هو أكثر).
(٢٠) صحيح مسلم ٨: ١٧٧/ باب إقبال الروم في كثرة القتل.
(٢١) في (أ): (ستّة).
(٢٢) البيداء: المفازة التي لا شيء بها، وهي هاهنا اسم موضع مخصوص بين مكّة والمدينة.
(٢٣) صحيح مسلم ٨: ١٦٧/ باب الخسف بالجيش.
(٢٤) عبث في منامه: حرَّك يديه كالدافع أو الآخذ.
(٢٥) المستبصر: المستبين للأمر القاصد لذلك عمداً، والمجبور: المكره.
(٢٦) صحيح مسلم ٨: ١٦٧ و١٦٨/ باب الخسف بالجيش، وبيداء المدينة: الشرف الذي قدّام ذي الحليفة.
(٢٧) المصدر السابق.
(٢٨) غافر: ٥١.
(٢٩) النقب: الطريق في الجبل.
(٣٠) الظريب: الجبال الصغار.
(٣١) السبخة: أرض مالحة يعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلاَّ بعض الأشجار.
(٣٢) الكير: زقّ ينفخ فيه الحدّاد.
(٣٣) في المصدر: (فبينما إمامهم قد تقدَّم يصلّي بهم الصبح إذ...).
(٣٤) سنن ابن ماجة ٢: ٥١٢ مع شيء من التقديم والتأخير؛ كنز العمّال ١٤: ٢٩٣ و٢٩٤.
(٣٥) الشورى: ١ و٢.
(٣٦) تفسير منهج الصادقين ٨: ٢٠٢ نقلاً عن الثعلبي.
(٣٧) الشورى: ٢٣.
(٣٨) لاحظ (ص ٩٦) من الكتاب.
(٣٩) نقش الخواتيم لدى الأئمّة: ١٤٣ نقلاً عن نور الأبصار؛ كشف الغمّة ٢: ٣٣١.
(٤٠) أنظر: سنن ابن ماجة ٢: ٥١٩؛ وذكر أخبار أصفهان لأبي نعيم ٢: ١٣٠؛ ومستدرك الصحيحين ٣: ٢١١؛ ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه ٩: ٤٣٤.
(٤١) الزخرف: ٦١.
(٤٢) في (ب)، (ج): (جماعة).
(٤٣) الثنية: كلّ عقبة في الجبل مسلوكة.
(٤٤) وفي معجم البلدان: (اثبيت).
(٤٥) الممصرة من الثياب: التي فيها صفرة خفيفة.
(٤٦) غاية المرام: ٦٩٧ نقلاً عن الثعلبي.
(٤٧) الكهف: ١٠.
(٤٨) غاية المرام: ٦٩٧ نقلاً عن الثعلبي.
(٤٩) صحيح مسلم ١: ٩٤؛ صحيح البخاري ٤: ١٦٨. لقد عدَّ المصنّف هذا الحديث حديثين؛ لوجوده في صحيحي مسلم والبخاري، كما أشار إليه في مقدّمة الكتاب.
(٥٠) كنز العمّال ١١: ٢٣٩.
(٥١) في (أ): (فئام).
(٥٢) صحيح مسلم ٨: ١٨٩ و٦: ٥٢ و٥٣؛ وصحيح الترمذي ٤: ٤٩٨ و٤٩٩.
(٥٣) كنز العمّال ١١: ٣٦٦.
(٥٤) صحيح البخاري ٤: ١٦٨.
(٥٥) ثبج الشيء: وسطه.
(٥٦) صحيح الترمذي ٥: ١٥٢/ كتاب الأمثال؛ فردوس الأخبار للديلمي ٣: ٣٣٩؛ كنز العمّال ١٤: ٢٦٩.
(٥٧) صحيح الترمذي ٤: ٥٠٥؛ صحيح أبي داود ٤: ١٠٦.
(٥٨) المصدر السابق.
(٥٩) في (أ): (من الدهر).
(٦٠) صحيح أبي داود ٤: ١٠٧؛ وكنز العمّال ١٤: ٢٦٤.
(٦١) صحيح أبي داود ٤: ١٠٧؛ وكنز العمّال ١٤: ٢٦٤ - ٢٦٧.
(٦٢) المصدر السابق.
(٦٣) العصائب: جمع عصابة وهم الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين.
(٦٤) كلب اسم قبيلة كبيرة من قبائل قضاعة.
(٦٥) الجران: باطن العنق، إذا برك البعير ومدَّ عنقه على الأرض قيل: ألقى جرانه بالأرض، وهو كناية أنَّ الإسلام استقام وقرَّ في قراره.
(٦٦) سنن أبي داود ٤: ١٠٧ و١٠٨؛ وكنز العمّال ١٤: ٢٦٥.
(٦٧) في (أ): (واستخرج من ظهره).
(٦٨) سنن أبي داود ٤: ١٠٨، ولكن فيه: (الحسن)، والأصحّ أنَّه الحسين لأنَّ الروايات تدلُّ على أنَّ المهدي من ولد الحسين عليه السلام.
(٦٩) في (أ): (وأنَّ على...).
(٧٠) سنن أبي داود ٤: ١٠٩؛ وكنز العمّال ١١: ٣٧٠. وفي (أ): (نصره له).
(٧١) غاية المرام: ٦٩٨؛ وكنز العمّال ١٤: ٢٦٦ و٢٦٩.
(٧٢) كذا في المصدر، وفي غيره: (عروة).
(٧٣) الزخرف: ٦١.
(٧٤) في (ب)، (ج): (الإمامة).
(٧٥) غاية المرام: ٦٩٨ نقلاً عن غريب الحديث لأبي قتيبة الدينوري.
(٧٦) نظيره في فردوس الأخبار للديلمي ٤: ٤٩٦ عن حذيفة اليماني؛ كنز العمّال ٤: ٢٦٤؛ وغاية المرام: ٦٩٨ نقلاً عن كتاب المصابيح.
(٧٧) صحيح الترمذي ٤: ٥٠٦؛ وكنز العمّال ١٤: ٢٦٢ و٢٧٣؛ وغاية المرام: ٦٩٨ نقلاً عن كتاب المصابيح.
(٧٨) غاية المرام: ٦٩٨؛ وكنز العمّال ١٤: ٢٧٥.
(٧٩) كنز العمّال ١٤: ٢٦٣ و٢٧٠ و٢٧٣ و٢٧٥؛ وصحيح الترمذي ٤: ٥٠٥.
(٨٠) فردوس الأخبار ٤: ٤٩٧؛ كنز العمّال ١٤: ٢٦٤.
(٨١) في (أ): (ابنه الحسين).
(٨٢) الأنبياء: ١٠٧.
(٨٣) غاية المرام: ٧٠٢ نقلاً عن كتاب الفردوس.
(٨٤) غاية المرام: ٧٠٣ نقلاً عن ابن ماجة؛ والصواعق المحرقة: ٩٨.
(٨٥) كنز العمّال ١٤: ٢٦٤؛ وسنن ابن ماجة ٢: ٥١٩.
(٨٦) المصدر السابق.
(٨٧) العمدة: ٤٣٩ - ٤٤٤/ ح ٩٢٥ - ٩٢٧.
(٨٨) الاُطم - بضم الأوّل والثاني -: حصن مبني بحجارة.
(٨٩) الخبأ: كلّ شيء غائب مستور.
(٩٠) الدخ: الدخان، وفسّر في الحديث أنَّه أراد بذلك: (يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ)، وقيل: إنَّ الدجّال يقتله عيسى عليه السلام بجبل الدخان، فيحتمل أن يكون أراده تعريضاً بقتله لأنَّ ابن الصيّاد كان يظنّ أنَّه الدجّال.
(٩١) الزمزمة: صوت خفي لا يكاد يفهم.
(٩٢) أي لو لم تخبره ولم تعلمه اُمّه بمجيئنا لبيَّن لنا من حاله ما نعرف به حقيقة أمره. أخذناه من هامش المصدر.
(٩٣) في المصدر: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم حذَّر الناس الدجّال...).
(٩٤) صحيح مسلم ٨: ١٩٢/ باب ذكر ابن صياد، وفيه: (إنَّ ابن صائد الدجّال).
(٩٥) المصدر السابق.
(٩٦) في (أ): (قد ذكرناه).
(٩٧) أطرق جناح الطائر: التفَّ.
(٩٨) الانتحال: ادّعاء قول أو شعر يكون قائله غيره. وفي (ب)، (ج): (رواية).
(٩٩) كذا في (أ)، وفي (ب)، (ج): (فنقول في).
(١٠٠) النساء: ١٥٩.
(١٠١) ما بين المعقوفين من (أ).
(١٠٢) الطالح: خلاف الصالح، رجل طالح أي فاسد لا خير فيه.
(١٠٣) وفي نسخة: (وقتله للأمّة).
(١٠٤) في (أ): (من معاصريه).
(١٠٥) الاحتجاج ٢: ٢٦٨ - ٣٢٥.
(١٠٦) سعد بن عبد الله بن أبى خلف الأشعري القمي، قال الشيخ في باب أصحاب العسكري عليه السلام (ص ٤٣٨): (عاصره عليه السلام ولم أعلم أنَّه روى عنه)؛ وقال العلاّمة في القسم الأوّل من الخلاصة (ص ٧٨): (يكنّى أبا القاسم، جليل القدر واسع الأخبار، كثير التصانيف، ثقة، شيخ هذه الطائفة وفقيهها ووجيهها ولقي مولانا أبا محمّد العسكري عليه السلام؛ قال النجاشي: ورأيت بعض أصحابنا يضعّفون لقاءه لأبي محمّد ويقولون: هذه حكاية موضوعة عليه، والله أعلم. توفّي سعد رحمه الله سنة إحدى وثلاثمائة. وقيل: سنة تسع وتسعين ومائتين. وقيل: مات رحمه الله يوم الأربعاء لسبع وعشرين من شوال سنة ثلاثمائة، في ولاية رستم).
(١٠٧) قال العلاّمة في القسم الأوّل من خلاصته (ص ١٤): (أحمد بن إسحاق الرازي من أصحاب أبي الحسن الثالث علي بن محمّد الهادي عليهما السلام، أورد الكشي ما يدلُّ على اختصاصه بالجهة المقدَّسة، وقد ذكرته في الكتاب الكبير).
(١٠٨) المساحقة عند النساء كاللواط عند الرجال.
(١٠٩) طه: ١٢.
(١١٠) كذا في المصدر، وفي كمال الدين ودلائل الإمامة: (إذ هما بالاختيار أن يقع [تقع] خيرتهما على المنافق...).
(١١١) الأعراف: ١٥٤.
(١١٢) هو عثمان بن سعيد العمري - بفتح العين وسكون الميم - أوّل النوّاب الأربعة يكنّى أبا عمرو السمّان ويقال له: الزيّات والعسكري ذكره الشيخ الطوسى في عداد أصحاب الهادي عليه السلام (ص ٤٢٠) وقال: (... خدمه عليه السلام وله إحدى عشر سنة، وله إليه عهد معروف)، وفي أصحاب العسكري (ص ٤٣٤) وقال: (... جليل القدر ثقة وكيله عليه السلام)، وفي كتاب الغيبة (ص ٢١٤) قال: (فأمَّا السفراء الممدوحون في زمان الغيبة، فأوّلهم: من نصَّبه أبو الحسن علي بن محمّد العسكري وأبو محمّد الحسن بن علي بن محمّد ابنه عليهم السلام وهو الشيخ الموثوق به: أبو عمرو عثمان بن سعيد العمرى، وكان أسدياً وإنَّما سُمّي العمري لما رواه أبو نصر هبة الله ابن محمّد بن أحمد الكاتب أنَّه ابن بنت أبي جعفر العمرى رحمه الله قال أبو نصر: كان أسدياً فنسب إلى جدّه فقيل: العمرى. وقد قال قوم من الشيعة: إنَّ أبا محمّد الحسن بن علي عليه السلام قال: (لا يجتمع على أمره بين عثمان وأبو عمرو) فأمر بكسر كنيته فقيل: العمرى... إلى أن قال: ويقال له: (السمّان) لأنَّه كان يتَّجر في السمن تغطية على الأمر، وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمّد عليه السلام ما يجب عليهم حمله من الأموال أنفذوا إلى أبي عمرو فيجعله في جراب السمن وزقاقه ويحمله إلى أبي محمّد عليه السلام تقيّة وخوفاً).
(١١٣) النساء: ٥٨.
(١١٤) كذا في المصدر، وفي منتخب الأنوار وإلزام الناصب: (وسيردى).
(١١٥) كذا في المصدر، وفي إلزام الناصب وبحار الأنوار: (رجاء).
(١١٦) الأحقاف: ١ - ٦.
(١١٧) المائدة: ١٠٤.
(١١٨) النمل: ٦٥.
(١١٩) طه: ١٢٤ - ١٢٦.
(١٢٠) الأعراف: ٤٣.
(١٢١) كذا، قال المجلسي رحمه الله في بحار الأنوار ٥٣: ١٥٤ في معرض شرحه للرواية: (عبَّر عن المعان برمز (ص) للمصلحة...).
(١٢٢) التكوير: ١٩ - ٢١.
(١٢٣) كذا في المصدر وغيره، وفي بحار الأنوار: (الأكل).
(١٢٤) كذا في المصدر، وفي بحار الأنوار: (يتحرَّز).
(١٢٥) كذا في المصدر، وفي وسائل الشيعة وبحار الأنوار: (الأخيرتين).
(١٢٦) الطلاق: ٢.
(١٢٧) الصافات: ٣٠.
(١٢٨) اللاواء: الشدّة وضيق المعيشة.
(١٢٩) اصطلمه: استأصله.
(١٣٠) انتاشه من الهلكة: أنقذه.
(١٣١) أناف على الشيء: طال وارتفع عليه.
(١٣٢) حم أجله: قرب.
(١٣٣) الأزوف: الاقتراب.
(١٣٤) حشّ النار: أوقدها وهيَّجها.
(١٣٥) كذا، وفي بحار الأنوار: (بذلك).
(١٣٦) كذا في المصدر، وفي المزار: (تسل)، وفي بحار الأنوار: (ففيه تبسل).
(١٣٧) صرحة الدار عرصتها وزناً ومعنى.
(١٣٨) الظاهر أنَّه من قولهم: حصحص الحقّ - بالحاء والصاد المهملتين - إذا بان وظهر بعد كتمانه، وأمَّا خضخض بالمعجمات كما في بعض النسخ فغير مناسب فإنَّ الخضخضة بمعنى التحريك، قال: خضخض الرجل الماء فتخضخض حرَّكه فتحرَّك.
(١٣٩) بهرة الشيء: غلبه التعجّب منه.
(١٤٠) بعض النسخ: (من بادية).
(١٤١) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ٢: ٣٠٣.
(١٤٢) بياض في نسخة (ج) بمقدار كلمتين.
(١٤٣) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٤٤) بياض في نسخة (ج) بمقدار كلمتين.
(١٤٥) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(١٤٦) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٤٧) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(١٤٨) في (م): (بإمامته) بدل (وجوده وإمامته).
(١٤٩) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(١٥٠) في (م): (لا يصحّ إلاَّ بسبب...).
(١٥١) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات.
(١٥٢) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٥٣) في (م): (أبناء بني إسرائيل).
(١٥٤) القصص: ٤.
(١٥٥) كذا في النسختين.
(١٥٦) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٥٧) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٥٨) (ذلك مبطل) ليس في (م).
(١٥٩) بياض في نسخة (ج) بمقدار نصف سطر تقريباً، و(قلنا... الشرع) ليس في (م).
(١٦٠) النسخة المطبوعة لكتاب تمهيد الأصول للشيخ الطوسي ناقصة، وليس فيها المطلب المذكور أعلاه، قال المصحح لكتاب التمهيد في (ص ٤٠٣): (فبقي الفصلان الأخيران ولم أظفر على نسخة أخرى لتكميل ما سقط منه).
(١٦١) تمهيد الأصول في علم الكلام، النسخة المطبوعة ناقصة.
(١٦٢) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(١٦٣) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(١٦٤) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات، وكلمة (المسألة) ليست في (ج).
(١٦٥) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات.
(١٦٦) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات.
(١٦٧) بياض في نسخة (ج) بمقدار كلمتين.
(١٦٨) بياض في نسخة (ج) بمقدار كلمة.
(١٦٩) (من الطريق الآخر) ليس في (م).
(١٧٠) تمهيد الاُصول في علم الكلام، النسخة المطبوعة ناقصة.
(١٧١) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٧٢) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات، وكلمة (إلى) ليست في (ج).
(١٧٣) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(١٧٤) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات.
(١٧٥) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٧٦) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(١٧٧) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٧٨) الإسراء: ٩٠ - ٩٢.
(١٧٩) نقص في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٨٠) نقص في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٨١) نقص في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٨٢) نقص في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(١٨٣) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٨٤) (بلطف الإمامة) ليس في (م).
(١٨٥) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٨٦) (إنَّما هم الذين) ليس في (م).
(١٨٧) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٨٨) (ولا يتعيَّن) ليس في (م).
(١٨٩) بياض في نسخة (ج) بمقدار كلمة، و(عن... والآحاد) ليس في (م).
(١٩٠) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٩١) بياض في نسخة (ج) بمقدار كلمتين.
(١٩٢) بياض في نسخة (ج) بمقدار كلمتين.
(١٩٣) في (ج): (حتَّى لم).
(١٩٤) في (م): (وجوَّزه).
(١٩٥) نقص بمقدار صفحتين في نسخة (م)، والنقص في التصوير لا في الأصل.
(١٩٦) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٩٧) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٩٨) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(١٩٩) الأنعام: ٧٦.
(٢٠٠) تاريخ الطبري ١: ٥٠٦.
(٢٠١) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(٢٠٢) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(٢٠٣) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(٢٠٤) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(٢٠٥) من هنا موجود في نسخة (م) أيضاً.
(٢٠٦) الإرشاد: ٣٥٠.
(٢٠٧) الإفصاح في إمامة أمير المؤمنين: ١٠٢.
(٢٠٨) الغيبة للمفيد: ٩.
(٢٠٩) الظاهر أنَّ مراده من كتابيه المشار إليهما هما الإرشاد والغيبة.
(٢١٠) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(٢١١) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(٢١٢) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(٢١٣) بياض في نسخة (ج) بمقدار كلمتين.
(٢١٤) بياض في نسخة (ج) بمقدار نصف سطر.
(٢١٥) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات.
(٢١٦) بياض في نسخة (ج) بمقدار كلمتين.
(٢١٧) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات، وكلمة (وصدقاته) ليست في (ج).
(٢١٨) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(٢١٩) بياض في نسخة (ج) بمقدار كلمتين.
(٢٢٠) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(٢٢١) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات.
(٢٢٢) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات.
(٢٢٣) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(٢٢٤) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات.
(٢٢٥) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات.
(٢٢٦) (بالأهواز) في نسخة (ج).
(٢٢٧) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات.
(٢٢٨) في (م): (وظاهرة) بدل (صيروا بأنَّه ظاهرة).
(٢٢٩) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات.
(٢٣٠) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات.
(٢٣١) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات.
(٢٣٢) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات، وكلمة (قصرى) ليست في (م).
(٢٣٣) العنكبوت: ١٤.
(٢٣٤) الكهف: ٢٥.
(٢٣٥) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(٢٣٦) بياض في نسخة (ج) بمقدار خمس كلمات.
(٢٣٧) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(٢٣٨) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(٢٣٩) بياض في نسخة (ج) بمقدار ستّ كلمات.
(٢٤٠) البقرة: ٢٥٩.
(٢٤١) الآية السابقة.
(٢٤٢) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(٢٤٣) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(٢٤٤) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات.
(٢٤٥) بياض في نسخة (ج) بمقدار كلمة.
(٢٤٦) بياض في نسخة (ج) بمقدار ثلاث كلمات.
(٢٤٧) صحيح البخاري ٧: ٦٨/ كتاب الطلاق باب اللّعان.
(٢٤٨) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات تقريباً.
(٢٤٩) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات تقريباً.
(٢٥٠) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات تقريباً.
(٢٥١) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات تقريباً.
(٢٥٢) بياض في نسخة (ج) بمقدار أربع كلمات تقريباً.
(٢٥٣) الإرشاد: ٣٤٦/ باب ذكر القائم بعد أبي محمّد عليه السلام.
(٢٥٤) إقبال الأعمال ٣: الباب التاسع/ ٣٢٧ - ٣٣٠.
(٢٥٥) ص: ٣٥.
(٢٥٦) ص: ٣٦ - ٣٨.
(٢٥٧) في (خ ل): (إليه).
(٢٥٨) التوبة: ٣٣؛ الفتح: ٢٨؛ الصف: ٩.
(٢٥٩) طخياء: ليلة مظلمة.
(٢٦٠) المحتد: الأصل.
(٢٦١) في (خ ل): (شهدائه).
(٢٦٢) بنو السيف عن الضريبة: كلّ وارد عنها ولم يقطع.
(٢٦٣) خبا النار: خمدت وسكنت وطفئت.
(٢٦٤) الصبوة: جهلة الفتوة.
(٢٦٥) في (خ ل): (المنزل عليهم الذكر وما ينزل).
(٢٦٦) في (خ ل): (عوامهلم).
(٢٦٧) رواه الطوسي في المصباح المتهجّد ٢: ٨٤٢.
(٢٦٨) الطرائف: ١٧٥ - ١٨٧.
(٢٦٩) أسمى المؤلّف رحمه الله نفسه في هذا الكتاب عبد المحمود بن داود، وافترض أنَّه رجل من أهل الذمّة يريد البحث في المذاهب الإسلاميّة بحرّية وتجرّد، وقيل: إنَّ السيّد سمّى نفسه بعبد المحمود بن داود تعمية وتقيّة عن الخلفاء الذين كان في بلادهم. ونقل عن خطّ الشهيد الثاني رحمه الله أنَّه قال: إنَّ التسمية بعبد المحمود لأنَّ كلّ العالم عباد الله المحمود، والنسبة إلى داود إشارة إلى داود بن الحسن المثنى أخ الإمام الصادق عليه السلام في الرضاعة، وهو المقصود بالدعاء المشهور بدعاء اُمّ داود، وهو من جملة أجداد السيّد ابن طاووس. أنظر: ترجمة المؤلّف في المقدّمة التحقيقية لكتاب التعجّب للكراجكي: ١٩؛ وكذلك أعيان الشيعة ٣: ١٩٠، و٨: ٣٦٢.
(٢٧٠) رواه أبو داود في سننه ٤: ١٥١؛ وبحار الأنوار ٥١: ١٠٢.
(٢٧١) راجع: بحار الأنوار ٣٦: ٣٧٠، و٥١: ١٠٥؛ ورواه البخاري في تاريخه ٤: ٤٠٦؛ وأبو داود في سننه ٤: ١٥١؛ والعمدة: ٢٢٤؛ وراجع: الفصول المهمّة: ٢٩٤ فإنَّه روى الحديثين عنهم.
(٢٧٢) المصدر السابق.
(٢٧٣) الشورى: ٢٣.
(٢٧٤) بحار الأنوار ٥١: ١٠٣ عن الثعلبي؛ وابن بطريق في المستدرك ٣٦: ٣٦٩ على ما في بحار الأنوار؛ وابن المغازلي في المناقب: ٤٨.
(٢٧٥) الشورى: ١ و٢.
(٢٧٦) بحار الأنوار ٥١: ١٠٥ عنه.
(٢٧٧) قد ذكره المصنّف في: (ص ٨٣/ ح ١١٦).
(٢٧٨) إحقاق الحقّ ١٣: ١٣٣ و١٤٠ عنه؛ وأبو داود في سننه ٤: ١٥٢؛ والعمدة: ٢٢٥.
(٢٧٩) العمدة: ٢٢٥ عنه؛ وبحار الأنوار ٥١: ١١٦.
(٢٨٠) غير موجود هذا الباب في المناقب المطبوع، ولعلَّ نسخة السيّد كانت أتمّ من هذا المطبوع.
(٢٨١) في المصدر: (لا يدع)، وأثبتنا ما في المصادر الأخرى ومنها الملاحم لابن طاووس، وهو الأصحّ.
(٢٨٢) بحار الأنوار ٥١: ١٠٤؛ وينابيع المودّة: ٤٣١؛ والصواعق المحرقة: ٩٧.
(٢٨٣) بحار الأنوار ٥١: ١٠٤؛ وروى نحوه ابن صبّاغ في الفصول المهمّة: ٢٩٧؛ والصواعق المحرقة: ٩٩.
(٢٨٤) فصول المهمّة: ٢٩٣ عنه؛ وبحار الأنوار ٥١: ١٠٥؛ وينابيع المودّة: ١٨١.
(٢٨٥) فصول المهمّة: ٢٩٤ عنه؛ وذخائر العقبى: ١٣٦؛ وينابيع المودّة: ١٨٨.
(٢٨٦) أحمد بن حنبل في مسنده ١: ٨٤؛ وينابيع المودّة: ١٨٨.
(٢٨٧) وهو للشيخ يحيى بن الحسن بن بطريق صاحب (العمدة) و(المستدرك) وقد ذُكر ترجمته في أوائل الكتاب.
(٢٨٨) ومن أراد الوقوف على أحاديث هؤلاء القوم، فعليه بكتاب إحقاق الحقّ (ج ١٣).
(٢٨٩) ما بين المعقوفتين أثبتناه لاقتضاء السياق.
(٢٩٠) تاريخ أهل البيت عليهم السلام: ١٥٠.
(٢٩١) أنظر: إقبال الأعمال: ١٧٥.
(٢٩٢) العنكبوت: ١ - ٣.
(٢٩٣) النمل: ١٤.
(٢٩٤) أنظر نصّ ما رواه ابن طاووس في الطرائف: ٨٣، عن الثعلبي؛ ورواه أيضاً ابن المغازلي في المناقب: ٢٣٢/ ح ٢٨٠.
(٢٩٥) إضافة لاقتضاء السياق.
(٢٩٦) فرج المهموم: ٣٦.
(٢٩٧) كذا في المطبوع، ولعلَّه: (وقد دوّن).
(٢٩٨) الزيج: كتاب يحسب فيه سير الكواكب سنة سنة وتستخرج التقويمات، وهو بالفارسية: زه، أي الوتر، ثمّ عرّب فقيل: زيج، وجمعوه على زيجة كقردة. (تاج العروس ٣: ٣٩٦).
(٢٩٩) أنظر: الخرائج والجرائح ٢: ٦٩٨/ ح ١٦.
(٣٠٠) أنظر: دلائل الإمامة: ٥١٩/ ح (٤٩٣/٩٧).
(٣٠١) الأسر في كلام العرب: شدّة الخلق، يقال: فلان شديد أسر الخلق، إذا كان شديد الخلق غير مسترخ، وفي التنزيل: (نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ) (الإنسان: ٢٨)، أي خلقهم،... ومن المجاز: شدَّ الله أسره، أي قوّى إحكام خلقه. (تاج العروس ٦: ٢٢).
(٣٠٢) في بعض المصادر: (بسهرورد).
(٣٠٣) دلائل الإمامة: ٥٢٤/ ح (٤٩٤/٩٨).
(٣٠٤) دلائل الإمامة: ٥٢٤/ ح (٤٩٦/١٠٠).
(٣٠٥) دلائل الإمامة: ٥٢٧/ ح (٥٠٣/١٠٦).
(٣٠٦) دلائل الإمامة: ٥٢٨.
(٣٠٧) في المصدر: (فاغتممت).
(٣٠٨) دلائل الإمامة: ٥٥١/ ح (٥٢٥/١٢٩).
(٣٠٩) ما بين المعقوفتين أثبتناه من المصدر.
(٣١٠) فرج المهموم: ٢٤٧.
(٣١١) اسم موضع ببغداد، وكان حميد أحد النقباء في دولة بني العبّاس. (معجم البلدان ٣: ٢٥).
(٣١٢) فرج المهموم: ٢٤٧.
(٣١٣) فرج المهموم: ٢٤٨ - ٢٥٥.
(٣١٤) أنظر: الخرائج والجرائح ١: ٤٦٠/ ح ٥.
(٣١٥) في المصدر: (ونجنب أخر).
(٣١٦) في المصدر: (سرّية).
(٣١٧) الخرائج والجرائح ١: ٤٦٧/ باب ١٣/ ح ١٤.
(٣١٨) لقمان: ٣٤.
(٣١٩) الجن: ٢٦.
(٣٢٠) الجن: ٢٧.
(٣٢١) في المصدر: (عتبة).
(٣٢٢) الغيبة للطوسي: ٣١٠/ ح ٢٦٣.
(٣٢٣) الخرائج والجرائح ١: ٤٧٢/ باب ١٣/ ح ١٧.
(٣٢٤) الخرائج والجرائح ١: ٤٧٥/ باب ١٣/ ح ١٨.
(٣٢٥) الزمع: الرعدة من الخوف والدهشة.
(٣٢٦) فرج المهموم: ٢٥٦ - ٢٥٨.
(٣٢٧) الخرائج والجرائح ١: ٤٨٠/ باب ١٣/ ح ٢١.
(٣٢٨) في المصدر: (وولد آخر يسلك مسلك الأحداث في فعل الحرام).
(٣٢٩) في المصدر: (ودفع).
(٣٣٠) الخرائج والجرائح ٢: ٦٩٩/ باب ١٧/ فصل في اعلام الإمام وارث الأنبياء والأوصياء.
(٣٣١) في المطبوع: (الثاني).
(٣٣٢) الخرائج والجرائح ٢: ٧٩/ ح ١١٣.