فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » المهدي المنتظر عليه السلام القسم الأول
 كتب أخرى

الكتب المهدي المنتظر عليه السلام القسم الأول

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: حسين الشاكري تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/٢٠ المشاهدات المشاهدات: ٣٠٢٣٣ التعليقات التعليقات: ١

المهدي المنتظر عليه السلام القسم الأول

موسوعة المصطفى والعترة (١٦)

تأليف: حسين الشاكري

فهرس المحتويات

الإهداء

المقدمة
الفصل الأول: ملامح شخصيته
نسبته
في تسميته
الأخبار الدالة على المنع
رأي السيد محسن الأمين
أمه
ولادته
الأدلة على ولادته
أولاً - اخبار آبائه المعصومين بولادته
ثانياً - اخبار الامام العسكري بولادة ابنه المهدي
ثالثاً - شهادة القابلة وخدم وجواري الدار بولادته
رابعاً - شهادة أصحاب الأئمة بولادته
خامساً - تصرف السلطة وتفتيشها الدار
سادساً - اعتراف علماء الأنساب بولادته
سابعاً - اعتراف علماء العامة بولادته وبكونه ابن الإمام الحسن العسكري
ثامناً - شهادة الوكلاء وغيرهم برؤيته
ألقابه
في علة تسميته بالمهدي والقائم والمنتظر
كنيته
نقش خاتمه
نوابه
تواريخه
غيبته
صفته وحليته
الفصل الثاني: عالمية الاعتقاد بالمهدي والبشارات السماويّة
فكرة المهدي عند الشعوب والأديان
إجماع المسلمين
البشارات السماوية بالإمام المهدي
اشعيا يبشر بالقائم
الإمام المهدي والنداء السماوي
الفصل الثالث: الآيات المفسرة بالإمام المهدي
سورة البقرة
سورة آل عمران
سورة النساء
سورة المائدة
سورة الأنعام
سورة الأعراف
سورة الأنفال
سورة التوبة
سورة يونس
سورة هود
سورة يوسف
سورة الرعد
سورة إبراهيم
سورة الحجر
سورة النحل
سورة الإسراء
سورة مريم
سورة طه
سورة الأنبياء
سورة الحج
سورة النور
سورة الشعراء
سورة النمل
سورة القصص
سورة السجدة
سورة الأحزاب
سورة سبأ
سورة يس
سورة فصّلت
سورة الشورى
سورة الزخرف
سورة الفتح
سورة الذاريات
سورة الحديد
سورة الصف
سورة الملك
سورة التكوير
سورة الانشقاق
الفصل الرابع: النص على إمامته
نص الرسول الأعظم على الإمام المهدي
نص أمير المؤمنين على الإمام المهدي
نص الزهراء على الإمام المهدي
نص الإمام الحسن على الإمام المهدي
نص الإمام الحسين على الإمام المهدي
نص الإمام زين العابدين على الإمام المهدي
نص الإمام الباقر على الإمام المهدي
نص الإمام الصادق على الإمام المهدي
نص الإمام الكاظم على الإمام المهدي
نص الإمام الرضا على الإمام المهدي
نص الإمام الجواد على الإمام المهدي
نص الإمام الهادي على الإمام المهدي
نص الإمام العسكري على الإمام المهدي
نص الإمام القائم على نفسه وعلى الأئمة
الفصل الخامس: الأدلّة على إمامته
أولاً: حديث الثقلين
دلالة الحديث على إمامة الحجّة
ثانياً: حديث (من مات ولم يعرف إمام زمانه)
دلالة الحديث على إمامة الحجّة
استدلال الشيخ المفيد بالحديث علي إمامة الحجّة
ثالثاً: حديث (أن الأرض لا تخلو من حجة)
دلالة الحديث على إمامة الحجة
رابعاً: حديث (الخلفاء اثنا عشر)
رواية الامامية
رواية النعماني
رواية الشيخ الطوسي
دلالة الحديث على إمامة الحجة
استدلال القندوزي
استدلال الشيخ الطوسي
استدلال الشهيد الصدر
النص على الأئمة الاثني عشر
في حجية هذه الأخبار
خامساً: الدلالات
سادساً: الدليل العقلي
سابعاً: إثبات النص علي إمامته من طريق الاعتبار
الفصل السادس: المهدي في حديث العامة
المنكرون لأحاديث المهدي
تصحيحات ابن خلدون
المهدي في الصحيحين
المهدي على لسان المحدثين والمصنفين والفقهاء
أسماء الصحابة الذين رووا عن رسول الله أحاديث المهدي
الذين قالوا بصحة أحاديث المهدي من العامة
الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي من العامة
أسماء المصنفين الذين خرجوا الأحاديث الواردة في المهدي
المصنفون في شأن المهدي من العامة
المصنفات في المهدي
الذين احتجوا بأحاديث المهدي من العامة
فتاوى علماء المذاهب الأربعة في مكة (سنة ٩٥٢ هـ)
١ - الفقيه الشافعي
٢ - الفقيه الحنفي
٣ - الفقيه المالكي
٤ - الفقيه الحنبلي
دلالات أحاديث العامة
المهدي من هذه الأمة
المهدي كناني قرشي هاشمي
المهدي من بني عبد المطلب
المهدي من ولد أبي طالب
المهدي من أهل البيت
المهدي من عترة النبي
المهدي من ولد الرسول
المهدي من ولد علي
المهدي من ولد فاطمة
المهدي من أولاد الحسن والحسين
المهدي من أولاد الحسين
المهدي التاسع من ولد الحسين
صفته واسمه
النص على الإمام المهدي
البشارة بالمهدي
إنكاره كفر
أخبار معارضة
حديث المهدي من ولد العباس
حديث اسم أبيه اسم أبي
حديث المهدي من ولد الحسن
حديث لا مهدي إلا عيسى
الفصل السابع: الموافقون للشيعة من العامة
الطائفة الأولى - الموافقون للشيعة من العامة
١ – كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي
٢ - محمد بن يوسف الكنجي الشافعي
٣ - نورالدين بن الصباغ المالكي
٤ - سبط ابن الجوزي
٥ - محيي الدين بن عربي
٦ - عبدالرحمن جامي
٧ - عبدالوهاب الشعراني
٨ - السيد جمال الدين النيسابوري
٩ - الحافظ محمد بن محمد البخاري
١٠ - العارف عبدالرحمن الصوفي
١١ - الشيخ حسن العراقي
١٢ - احمد بن ابراهيم البلاذري
١٣ - عبدالله بن احمد بن الخشاب
١٤ - الفضل بن روزبهان
١٥ - شمس الدين محمد بن طولون الحنفي
١٦ - احمد بن يوسف القرماني
١٧ - سليمان بن ابراهيم القندوزي الحنفي
١٨ - احمد بن حجر الهيتمي المكي الشافعي
١٩ - سعدالدين الحموي
٢٠ - ابوالمجد الدهلوي البخاري
٢١ - صلاح الدين الصفدي
٢٢ - علي اكبر بن اسدالله المؤدي
٢٣ - القاضي شهاب الدين ملك العلماء
٢٤ - القاضي جواد الساباطي
٢٥ - عبدالله بن محمد المطيري
٢٦ - محمد سراج الدين الرفاعي
٢٧ - بهلول بهجت افندي
٢٨ - ابوالفوز محمد امين السويدي
٢٩ - الناصر لدين الله العباسي
٣٠ - جلال الدين السيوطي
٣١ - المولوي محمد مبين الهندي الحنفي
٣٢ - نجم الدين الشافعي
٣٣ - سراج الدين الرفاعي المخزومي
٣٤ - عبدالملك العصامي المكي
٣٥ - محمود بن وهيب البغدادي الحنفي
٣٦ - محمد بن الشحنة
٣٧ - شهاب الدين ياقوت الحموي
الطائفة الثانية - المعترفون بولادته من العامّة
١ - ابن الاثير الجزري
٢ - احمد بن خلكان
٣ - شمس الدين الذهبي
٤ - ابن الوردي
٥ - الشبراوي الشافعي
٦ - مؤمن بن حسن الشبلنجي
٧ - خيرالدين زركلي
٨ - شمس الدين الزرندي
٩ – أبو بكر البيهقي الشافعي
الفصل الثامن: الغيبة الصغرى والكبرى
تاريخ الغيبة الصغرى والكبرى
المبحث الأول: الغيبة الصغرى
السفراء الأربعة
الأول: أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عمرو العمري
الثاني: محمد بن عثمان بن سعيد العمري
الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي
الرابع: أبو الحسن علي بن محمد السمري
وكلاء الإمام المهدي في الغيبة الصغرى
السفارات الكاذبة
المدعون للسفارة حسب التسلسل التأريخي
١ - أبو محمد الشريعي
٢ - محمد بن نصير النميري الفهري
٣ - احمد بن هلال الكرخي العبرتائي
٤ - محمد بن علي بن بلال، أبو طاهر البلالي
٥ - محمد بن أحمد بن عثمان، أبوبكر البغدادي
٦ - إسحاق الأحمر والباقطاني
٧ - محمد بن علي الشلمغاني
٨ - الحسين بن منصور الحلاج
٩ - محمد بن المظفر
الاتجاهات العامة في الغيبة الصغرى
القسم الأول - الاتجاه العام للإمام المهدي
القسم الثاني - الاتجاه العام للشعب الموالي
القسم الثالث - الاتجاه العام للسفراء
موقف جعفر الكذاب من الإمام
ما الحكمة من غيابه؟
غيبات الأنبياء
غيبة إدريس
غيبة صالح
غيبة إبراهيم
غيبة يوسف
غيبة موسى
غيبة الأوصياء والحجج من بعد موسى إلى زمان المسيح
أوجه الشبه بين غيبة الإمام وغيبات الأنبياء
المبحث الثاني - الغيبة الكبرى
المحور الأول - سمات هذه الفترة
١ - طول الغيبة والفتنة
٢ - الاختلاف والحيرة
٣ - المحنة والتمحيص
المحور الثاني - التكليف في عصر الغيبة
١ - التمسك بخط أهل البيت
٢ - الدعاء بمعرفة الحجة والثبات على الدين
٣ - الإيمان بالمهدي ومعرفته
٤ - انتظار الفرج
الانتظار والعمل
فلسفة الانتظار
ثواب الانتظار
المحور الثالث - ما الفائدة من الإمام غائباً؟
نشاطات الإمام في غيبته
أولاً - الأغراض والمقاصد العامّة
ثانياً - الأهداف والمقاصد الخاصة
نماذج من الدعاء له والزيارة
خاتمة المطاف

قال الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم):
(المهدي من ولد فاطمة من عترتي).

١ – سنن أبي داود ٤: ١٠٧/ ٤٢٨٤.
٢ – مصابيح السنة ٣: ٤٦٢/ ٤٢١١.
٣ – البيان في أخبار صاحب الزمان: ٤٨٦.
٤ – البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: ٨٩.
٥ – كنز العمّال ١٤: ٥٩١.
٦ – الفتن/ نعيم بن حمّاد ١: ٣٧٥.

الإهداء
سيدي أبا الزهراء

أتقدم بهذه الإضمامة العبقة والشذرات العطرة من سيرة حفيدك العظيم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً – المهدي المنتظر والذي بشرت بظهوره قبل أن يولد – معرباً بذلك عن خالص ولائي وحبي فتقبّل منّي هذا الجهد اليسير ليكون لي ذخراً وشفيعاً يوم الفزع الأكبر. فهو حسبي

المنتظر لدولتكم

حسين الشاكري

المقدمة
من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية

الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) غنيّ عن التعريف في شخصيّته العالمية، ودوره التأريخي، لا خلاف فيه بين الاديان السماوية كافة وغيرها، وإنّما وقعت الشبهات واُثيرت الشكوك حول مسألة من هو المهدي؟
لذا نقدّم هذا السفر الميمون المبارك ليلقي الاضواء حول هذه المسألة، اعتماداً علي المصادر المعتبرة عند الفريقين، لينير الدرب للسالكين.
عزيزي القارئ... أكتب إليك... لاُفاتحك، واُصارحك، ولاُطلِعَك، لا لاُقنِعَك. وقبل أن تتطلّع علي ما في هذا الكتاب من المواضيع الحسّاسة، في عصرنا الحاضر المضطرب، يهمّني أن اُلفت نظرك، واُجيب علي حيرتك وتساؤلك، بأنّ إنكار الناس لوجود الخالق تبارك وتعالي، لا يدلّ علي عدم وجوده، كما أنّ إنكارهم للبعث والحساب لا يعني أنّه لا يكون هناك بعث ولا حساب، ومثل ذلك إنكار المهدي... صاحب العصر والزمان (عليه السلام).
فاقرأ، وتحقّق، وتفهّم، فقد يسّرت لي الظروف وتيقّنت أنّي وأنت من أهل آخر الزمان، بعد استعراض وصفهم إجمالاً وتفصيلاً، فقد وجدت لزاماً عليّ أن أقول بصراحة.
ولا يخفي أنّ الناس صنفان: إمّا جاهل في هذا الموضوع، ولم يستوعب قضيّة المهدي في حجمها وأبعادها، ويخشي إن هو تعرّض لها أن يضيع، فلا غروَ أن أضعه في الطريق، وإمّا عالم عارف في غير هذا الموضوع، لا يريد أن يخوض فيه عن عمد أو عن غير عمد، فيرغب عن الكلام فيه، فلا مانع من تشجيعه على الإفصاح بالرأي، وتدريبه علي الصراحة في قول الحقّ.
وبهذه النيّة أنقل إلى الاثنين كلّ ما توصّلت إليه بعد بحث طويل وجهد مضن، وسبر أغوار الموسوعات والسير والتأريخ، تاركاً لهما حرية الاختيار عندما يتنازع فكرهما عاملا التصديق والانكار.
وهدفي أن يعرف الجاهل، وتتجلي في ذهنه الحقيقة، ويتشجّع العالم علي قول الحقّ، قبل أن يضيع الناس عن كلمة الحقّ التي ينبغي أن لا تضيع.
هذا.. وإنّي لن أتكلّم عن المكابرين... ولن أقف مع المماحكين، ولن اُحاجج الشاكين بكلّ ما يصدر عن السماء، ولن تكون لي مناظرة مع المعاندين الذين يتجاهلون بديهيات العقل، ولن اُحاول مناقشة منكري الخالق وإن كانوا يقفون أمام عظمة الكون حائرين بذاتهم، كما لا اُحبّ أن يقع كتابي هذا في أيدي جَهَلَة المثقّفين الذين تقوم حياتهم علي الكفر بالقيم، ويركضون وراء سراب زائف من الافكار التافهة، من ذوي العلم الناقص، الذين تسلّحوا بشهادات معيّنة من بعض التخصّصات، فقد عَلِموا شيئاً وغابت عنهم أشياء. ولا في أيدي الذين نبذوا كلّ عقيدة وتركوا القيم وتحلّلوا من كلّ عرف، وانهزموا أمام الرجولة.
وليس كتابي هذا للنساء الحائدات عن طريق العفّة والكرامة، من اللواتي لبسن القميص المكشوف والسروال الضيّق وتشبّهن بالرجال، وخالفن طبيعة الاُنوثة فارتدين الثوب القصير وكدن أن يكشفن عن أقبح ما فيهن لذئاب البشر.
ولا للجيل الذي إن ردعته لا يرتدع، وإن زجرته لا ينزجر، وإن كنتُ اُحِبُّ أن اُفصِحَ عن الحقيقة التي يجهلونها، كي لا يقعوا فرائس الطيش، فيندم كلّ واحد منهم، يوم يعضّ الظالم علي يديه، ويقول يا ليتني اتّخذت مع الرسول سبيلاً؟
قال إمامنا الباقر (عليه السلام): كلّ من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه، ولا إمام له من الله، فسعيه غير مقبول، وهو ضالّ متحيّر - والله شانئ لاعماله - وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق(١)، وقال سبحانه وتعالي: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً).
أنا أكتب.. عن أمر واقع ليس له دافع؟ رضي به الكلّ أو أباه البعض، لانّه كالشمس في رائعة النهار التي تدخل كلّ بيت فتحت نافذته عليها ولو رفض دخولها، ولا يحول دون إشراقها حائل، من ذي الفكر الصدي، ولا ممانع من النظر الاخفش.
فليعتبر الناس إلى محتوم من أمرهم، صدّقوا به أو أنكروه، فكتابي هذا لمن يظهر له فيه الحقّ، فيتّبعه عن دليل، ولمن يفكر ويتدبّر عواقب الاُمور، وهو لسائر روّاد الحقيقة، في أيّ وطن كانوا، ومن أيّ اُمّة.
ولا إكراه في فرض عقيدة... ولا إجبار في اعتناق مبدأ، ولكنّي ناقل حقيقة، لا يضرّها كفر من كفر بها، لانّ شعارنا شعار المؤمن بالعقيدة، يعرضها ولا يفرضها، كما قال سبحانه وتعالي: (لا إكرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ)، وقال: (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكمْ أنفُسَكمْ لا يَضُرُّكمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ).
أمّا من كان يعيب عقيدة المتشيّعين للمهدي شكلاً وأساساً فإنّنا لا نأخذ عليه إلاّ ما أخذه الناس علي أحبار اليهود يوم عرفوا محمّداً (صلى الله عليه وآله) بذاته وصفاته وعلاماته المذكورة في كتبهم، ثمّ كفروا به لانّه بُعِثَ من العرب لا من بني إسرائيل!!! فهل يرضي العائب علينا أن نتحدّث عن مهديٍّ لا قرشيّ ولا هاشميّ ولا فاطمي ولا حسيني، حتّى نلتقي معه علي طمس حقيقة عرفناها كما هي في جوهرها، وآمنّا بها كما وردت من طرقنا وطرق غيرنا؟ مع أنّ النبيّ الكريم الذي لا ينطق عن الهوى قال: (لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يومٌ واحد، لطوّل الله ذلك اليوم وبعث رجلاً من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، يملا الارض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً)(٢).
علي أنّ انتظار دولة الحقّ والعدل وتقويض اُسس الظلم والجور والعدوان، أمرٌ عالميّ قبل أن يكون إسلامياً، وأمرٌ إسلاميّ قبل أن يكون شيعياً.
فاليهودي - من أيّ سبط كان - ينتظر مجيء المسيح الذي يحقّق العدل المطلق علي وجه الارض - في آخر الزمان -. والمسيحي - من أيّ طائفة كان - ينتظر عودة المسيح المطهّر، ليرسي قواعد العدل الاسمي علي وجه هذه البسيطة - في آخر الزمان -. والمسلم - إلى أيّ فرقة انتمي - ينتظر المهدي والمسيح، يلتقيان في دولة حقٍّ، وحكومة عدل مثالي - في آخر الزمان -.
وعليه فإنّ جميع أهل الاديان يعطون حكومة آخر الزمان المنتظرة أهميّتها القصوي، ويعرفون لوقتها علامات ودلائل هي من صميم ما عندهم من تراث ديني، وحتّى الزرادشة وعبدة النار يعتقدون ذلك بطرقهم الخاصّة، هذا ما نقلته إلى القارئ من المصادر الموثوقة من جميع الفرق الاسلامية، فضلاً عن ما نقلته من الاحاديث والروايات المستفيضة عن الرسول الكريم وعترته الطاهرة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
إلى هنا أختتم هذه المقدّمة التي اقتطفت شذرات منها من مقدّمة يوم الخلاص للاُستاذ كامل سليمان، لانّي وجدته يحكي عن ما في نفسي وما أدين الله سبحانه تعالى به في عقيدتي، مع بعض التصرّف في العبارة دون المساس بالمعني.
والله أسأل أن يهدي الجميع إلى سواء السبيل.

حسين الشاكري

الفصل الأوّل: ملامح شخصيته عليه السلام

الكوكب الثاني عشر من شمس النبوّة، حجّة الله علي عباده، والبقيّة الباقية في بلاده، الغائب عن الابصار، والحاضر في قلوب الاخيار، كاشف الاحزان، وخليفة الرحمن، الحجّة بن الحسن العسكري صاحب الزمان، صلوات الله عليه وعلي آبائه ما توالت الازمان.
في ما يلي نقدّم موجزاً عن تسميته وألقابه وولادته وتواريخه وما يتعلّق بحليته وصفته وغيرها، وسنأتي علي تفاصيلها في ثنايا فصول الكتاب.
نسبته
هو مولانا الامام المنتظر الخلف الحجّة صاحب الزمان محمّد بن الحسن العسكري بن عليّ النقي بن محمّد التقي بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي سيّد العابدين بن الحسين الشهيد بن علي المرتضى ابن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين.

إذا ما وصل الجمعُ إلى أخبار مولانا * * * فما أجدرنا بالشكر لِلّه وأولانا
إمامٌ نتولاّه فطوبي لو تولاّنا * * * رآنا الله في عطل وبالمهديّ حلاّنا
وأولانا به لطفاً وتأييداً وإحسانا * * * ونرجو أنّنا نلقاهُ في الدنيا ويلقانا
عسى يُروي به قلبٌ له ما زال ظمآنا(٣).

في تسميته
لقد تواترت الروايات عن نبيّ الهدي (صلى الله عليه وآله) وعترته المعصومين والائمة الطاهرين أنّ اسم الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وخلفاء الله في العالمين هو عين اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو أنّه يواطئ اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنّ كنيته كنية رسول الله (صلى الله عليه وآله) (أبو القاسم).
وأوّل ما يواجه الباحث عن ملامح شخصيّة الامام الحجّة (عليه السلام) هو كثرة الاخبار التي تنهي عن تسميته (عليه السلام) وتكنيته إلى أن يزيّن الله تعالى الارض بطلعته وظهور دولته، لذا تعارف عند الشيعة الامامية ذكره بألقابه (عليه السلام) كالحجّة والقائم والمهدي والخلف الصالح وصاحب الزمان والصاحب وغيرها من الالقاب التي جاءت بها الاخبار والروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) وأصحابهم.
وفي زمان غيبته الاُولي عبّروا عنه بصاحب الدار والحضرة والناحية المقدّسة والرجل والغلام والغريم وغير ذلك ممّا جاء علي لسان الاخبار وكلام الرواة من التسميات التي تدلّ علي الرمز والتقيّة.
قال الشيخ المفيد (رحمه الله): والغريم رمز كانت الشيعة تعرفه قديماً بينها، ويكون خطابها عليه للتقيّة(٤).
الاخبار الدالة على المنع
في ما يلي نذكر أهمّ الاخبار الواردة في النهي عن ذكر الامام الحجّة (عليه السلام) باسمه، ونستدلّ فيما بعد ببعض الروايات لرفع التعارض بين ما يدلّ علي التحريم وما يدلّ على الاباحة.
١ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: سأل عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين (عليه السلام) عن المهدي، فقال: يا ابن أبي طالب، أخبرني عن المهدي ما اسمه؟
قال (عليه السلام): أمّا اسمه فلا، إنّ حبيبي وخليلي عهد إلى أن لا اُحدّث باسمه حتّى يبعثه الله عزّ وجلّ، وهو ممّا استودع الله عزّ وجلّ رسوله في علمه(٥).
٢ - وروي بالاسناد عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: صاحب هذا الامر رجل لا يسمّيه باسمه إلاّ كافر(٦).
٣ - وعن صفوان بن مهران، عن الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) أنّه قال: المهدي من ولدي، الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه، ولا يحلّ لكم تسميته(٧).
٤ - وعن محمّد بن زياد الازدي، عن موسى بن جعفر (عليه السلام) أنّه قال عند ذكر القائم (عليه السلام): يخفي علي الناس ولادته، ولا يحلّ لهم تسميته حتّى يظهره الله عزّ وجلّ، فيملا به الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(٨).
٥ - وعن الريّان بن الصلت، قال: سئل الرضا (عليه السلام) عن القائم (عليه السلام) فقال: لا يري جسمه، ولا يسمّي باسمه(٩).
٦ - وروي الخصيبي بالاسناد عن الريّان بن الصلت، قال: سمعت الرضا(عليه السلام) يقول: القائم المهدي بن الحسن، لا يري جسمه، ولا يسمّيه باسمه أحد بعد غيبته حتّى يراه ويعلن باسمه ويسمعه كلّ الخلق.
فقلنا له: يا سيّدنا، وإن قلنا صاحب الغيبة وصاحب الزمان والمهدي؟
قال: هو كلّه جائز مطلق، وإنّما نهيتكم عن التصريح باسمه، ليخفي اسمه علي أعدائنا فلا يعرفوه(١٠).
٧ - وبالاسناد عن السيّد عبد العظيم الحسني، عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) أنّه قال في القائم (عليه السلام): لا يحلّ ذكره باسمه حتّى يخرج فيملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً(١١).
٨ - وروي السيّد عبد العظيم الحسني، عن الامام محمّد بن عليّ الرضا (عليه السلام)، قال: القائم هو الذي يخفي علي الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سميّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكنِيّه(١٢).
٩ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن أبي هاشم الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن العسكري (عليه السلام) يقول: الخلف من بعدي الحسن ابني، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟
قلت: ولم جعلني الله فداك؟ قال: لانّكم لا ترون شخصه ولا يحلّ لكم ذكره باسمه.
قلت: فكيف نذكره؟ فقال: قولوا: الحجّة من آل محمّد صلوات الله عليه وسلامه(١٣).
١٠ - وعن أبي عبد الله الصالحي، قال: سألني أصحابنا بعد مضيّ أبي محمّد (عليه السلام) أن أسأل عن الاسم والمكان، فخرج الجواب: إنّ دللتم علي الاسم أذاعوه، وإن عرفوا المكان دلّوا عليه(١٤).
هذه هي بعض الاحاديث الواردة في النهي عن التسمية للامام الحجّة (عليه السلام)، وقد حمل الشيخ الصدوق وجملة من الاصحاب النهي الوارد في هذه الاحاديث علي ظاهره، فأفتوا بالتحريم(١٥).
لكنّ الظاهر من الاحاديث الاُخري المتواترة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) التصريح باسمه (عليه السلام) نصاً أو تلويحاً، حتّى أنّنا لو أمعنّا النظر في الاحاديث المتقدّمة سيّما الحديث الثامن الذي جاء فيه لفظ تحريم التسمية، نلاحظ في آخره التصريح باسمه وبكنيته، حيث قال الامام الجواد (عليه السلام): (يحرم عليهم تسميته، وهو سميّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكنيّه)(١٦). واسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليس خافياً علي أحد وكذلك كنيته، والاحاديث التي وردت فيها التسمية كثيرة جدّاً سنذكر بعضها في الفصل الرابع.
وعليه فالظاهر من النهي الوارد في الاحاديث المتقدّمة أنّه محمول علي زمان الغيبة الصغرى، وذلك بسبب الخوف علي الامام (عليه السلام) من السلطة، والتي كانت في صدد البحث عنه (عليه السلام)، فلو ذُكر الاسم فلا بدّ من البحث عن المسمّي، ومن ثمّ لا بدّ من البحث عن المكان، ذلك لانّ رؤوس السلطة كانوا يعتقدون أنّ الثاني عشر من أئمة أهل البيت هو الذي يستأصل ملكهم ويقوّض أركانه، ويدلّ علي ذلك جملة أحاديث منها:
١ - ما رواه الشيخ الكليني بالاسناد عن أبي عبد الله الصالحي، قال: سألني أصحابنا بعد مضيّ أبي محمّد (عليه السلام) أن أسأل عن الاسم والمكان، فخرج الجواب: إن دللتم علي الاسم أذاعوه، وإن عرفوا المكان دلّوا عليه(١٧).
٢ - وما رواه الشيخ الصدوق بالاسناد عن الحميري، قال: كنت مع أحمد ابن إسحاق عند العمري (رضي الله عنه) فقلت للعمري: إنّي أسألك عن مسألة كما قال الله عزّ وجلّ في قصّة إبراهيم: (أوَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلي وَلكنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبي)(١٨) هل رأيت صاحبي؟ قال: نعم، وله عنق مثل ذي - وأشار بيده جميعاً إلى عنقه -. قال: قلت: فالاسم؟ قال: إيّاك أن تبحث عن هذا، فإنّ عند القوم أنّ هذا النسل قد انقطع(١٩).
٣ - وما رواه النعماني بالاسناد عن أبي خالد الكابلي، قال: لمّا مضي عليّ بن الحسين (عليه السلام) دخلت علي محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك، قد عرفت انقطاعي إلى أبيك واُنسي به ووحشتي من الناس. قال: صدقت يا أبا خالد، تريد ماذا؟ قلت: جعلت فداك، قد وصف لي أبوك صاحب هذا الامر بصفة لو رأيته في بعض الطرق لاخذت بيده. قال: فتريد ماذا يا أبا خالد؟ قال: اُريد أن تسمّيه لي حتّى أعرفه باسمه. فقال: سألتني والله يا أبا خالد عن سؤال مجهد، ولقد سألتني عن أمر ما لو كنت محدّثاً به أحداً لحدّثتك، ولقد سألتني عن أمر لو أنّ بني فاطمة عرفوه حرصوا علي أن يقطّعوه بضعة بضعة(٢٠).
٤ - وحديث الريّان بن الصلت عن الامام الرضا (عليه السلام) المتقدّم، قال (عليه السلام): وإنّما نهيتكم عن التصريح باسمه ليخفي اسمه علي أعدائنا فلا يعرفوه(٢١).
٥ - وحديث عبد الله بن جعفر الحميري عن العمري، قال: أنت رأيت الخلف من أبي محمّد (عليه السلام)؟ فقال: إي والله، ورقبته مثل هذا، وأومأ بيده. فقلت: بقيت واحدة؟ فقال: هات. قلت: الاسم؟ قال: محرّم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي، فليس لي أن اُحلّل ولا اُحرّم، ولكن عنه (صلوات الله عليه) فإنّ الامر عند السلطان أنّ أبا محمّد (عليه السلام) مضي ولم يخلّف ولداً، وقسم ميراثه، وأخذ من لا حقّ له، فصبر علي ذلك، وهو ذا عمّاله يجولون، فليس أحد يجسر أن يتقرّب إليهم ويسألهم شيئاً، وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فالله الله، اتّقوا الله وأمسكوا عن ذلك(٢٢).
وكان من بين أبناء فاطمة (عليها السلام) الذين لو عرفوه لحرصوا علي تقطيعه بضعة بضعة كما هو منطوق الحديث الثالث المتقدّم، جعفر الكذّاب بن الامام عليّ النقي (عليه السلام)، وهو عمّ الإمام المهدي (عليه السلام)، الذي طمع في ميراث أخيه الحسن (عليه السلام) وادّعي الامامة كذباً وزوراً، وساعد السلطة العباسية علي تفتيش دار أخيه الحسن العسكري (عليه السلام) بعد وفاته، ولقد ساعد علي ذلك أنّ الامام العسكري (عليه السلام) قد توفّي في زمان المعتمد العباسي الذي تولّي السلطة العباسية سنة ٢٥٦ هـ وتوفّي سنة ٢٧٩ هـ، والذي كان شديد التعصّب والحقد علي آل البيت (عليهم السلام)، ومن تصفّح كتب التأريخ المشهورة كالطبري وغيره واستقرأ ما في حوادث سنة ٢٥٧ - ٢٦٠ هـ، وهي السنوات الاُولي من حكمه، علم مدي حقده علي أهل البيت (عليهم السلام). ومن مواقفه الدنيئة أنّه أمر شرطته بعد وفاة الامام الحسن العسكري (عليه السلام) مباشرةً بتفتيش داره تفتيشاً دقيقاً، والبحث عن الإمام المهدي (عليه السلام)، والامر بحبس جواري أبي محمّد (عليه السلام) واعتقال حلائله، يساعدهم في ذلك جعفر الكذّاب طمعاً في أن ينال منزلة أخيه الحسن العسكري (عليه السلام) بين أوساط الشيعة.
يقول الشيخ المفيد (رحمه الله): وتولّي جعفر بن عليّ أخو أبي محمّد (عليه السلام) أخذ تركته، وسعي في حبس جواري أبي محمّد (عليه السلام) واعتقال حلائله، وشنّع علي أصحابه بانتظارهم ولده وقطعهم بوجوده والقول بإمامته، وأغري بالقوم حتّى أخافهم وشرّدهم، وجري علي مخلّفي أبي محمّد (عليه السلام) بسبب ذلك كلّ عظيمة من اعتقال وحبس وتهديد وتصغير واستخفاف وذلّ، ولم يظفر السلطان منهم بطائل(٢٣).
وروي محمّد بن يعقوب الكليني (رحمه الله) بالاسناد عن رشيق صاحب المادراي، قال: بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر، فأمرنا أن يركب كلّ واحد منّا فرساً، ونجنب آخر، ونخرج مخفّين، ولا يكون معنا قليل ولا كثير إلاّ علي السرج مصلّي، وقال لنا: الحقوا بسامراء، ووصف لنا محلّةً وداراً، وقال: إذا أتيتموها تجدون على الباب خادماً أسود، فاكبسوا الدار، ومن رأيتم فيها فأتوني برأسه.
فوافينا سامراء، فوجدنا الامر كما وصفه، وفي الدهليز خادم أسود، وفي يده تكة ينسجها، فسألناه عن الدار ومن فيها، فقال: صاحبها. فوالله ما التفت إلينا وقلّ اكتراثه بنا، فكبسنا الدار كما اُمرنا، فوجدنا داراً سَرِيّة، ومقابل الدار ستر ما نظرت قطّ إلى أنبل منه، كأنّ الايدي رفعت عنه في ذلك الوقت، ولم يكن في الدار أحد، فرفعنا الستر، فإذا بيت كبير كأنّ بحراً فيه ماء، وفي أقصي البيت حصير، قد علمنا أنّه علي الماء، وفوقه رجل من أحسن الناس هيئةً قائم يصلّي، فلم يلتفت إلينا، ولا إلى شيء من أسبابنا، فسبق أحمد بن عبد الله ليتخطّي البيت، فغرق في الماء، وما زال يضطرب حتّى مددت يدي إليه فخلّصته وأخرجته وغشي عليه، وبقي ساعة، وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك الفعل فناله مثل ذلك، وبقيت مبهوتاً فقلت لصاحب البيت: المعذرة إلى الله وإليك، فوالله ما علمت كيف الخبر، ولا إلى من أجيء، وأنا تائب إلى الله، فما التفت إلى شيء ممّا قلنا، وما انتقل عمّا كان فيه.
قال: فهالنا ذلك وانصرفنا عنه، وقد كان المعتضد ينتظرنا، وقد تقدّم إلى الحجّاب أذا وافيناه أن ندخل عليه في أيّ وقت كان، فوافيناه في بعض الليل، فاُدخلنا عليه، فسألنا عن الخبر فحكينا له ما رأينا، فقال: ويحكم لقيكم أحدٌ قبلي؟ وجري منكم إلى أحد سبب أو قول؟ قلنا: لا. فقال: أنا نفيٌ من جدّي، وحلف بأشدّ أيمان له، أنّه إن بلغه هذا الخبر ليضربنّ أعناقنا، فما جسرنا أن نحدّث به إلاّ بعد موته(٢٤).
ولقد توسّم الائمة (عليهم السلام) هذه الاحداث وصعوبة الظروف التي يولد فيها الامام الحجّة (عليه السلام) بالخبر عن جدّهم المصطفى (صلى الله عليه وآله)، كما هو مدلول كثير من الاخبار والتي سيأتي بعضها في الفصل الثامن، فنهوا عن التصريح بالتسمية خوفاً وتقيّةً علي الإمام المهدي (عليه السلام). ولقد اتّخذ الامام الحسن العسكري (عليه السلام) قبل وفاته التدابير اللازمة والاحتياطات الكافية لصيانة ولده المأمول لاقامة القسط والعدل علي وجه الارض وتقويض دعائم الظلم والجور والتعسّف، فحرص على أن لا ينتشر خبر ولادته (عليه السلام) إلاّ بين الخُلّص الذين يأمن الاذاعة منهم، ونهاهم عن التصريح باسمه أو بخبر ولادته، وامرهم بكتمان أمره خوفاً عليه من الطواغيت.
ومن مجمل ما تقدّم يمكن القول: إنّ النهي عن التسمية مقصور علي زمان الغيبة الصغرى في شدّة الطلب للامام (عليه السلام) والتحرّي عنه، وقد ذكر ذلك الاربلي في (كشف الغمّة) حيث قال: من العجب أنّ الشيخ الطبرسي والشيخ المفيد رحمهما الله تعالى قالا: إنّه لا يجوز ذكر اسمه ولا كنيته، ثمّ يقولون: اسمه اسم النبيّ (صلى الله عليه وآله) وكنيته كنيته عليهما الصلاة والسلام، وهما يظنّان أنّهما لم يذكرا اسمه ولا كنيته، وهذا عجيب، والذي أراه أنّ المنع من ذلك إنّما كان للتقيّة في وقت الخوف عليه، والطلب له، والسؤال عنه، فأمّا الان فلا، والله أعلم(٢٥).
رأي السيد محسن الامين
وللسيّد محسن الامين العاملي رأي مقارب لما ذكرناه يجمع بين الاخبار التي تحرّم التسمية والاُخري التي تبيح ذلك، وذلك بأن جعل التصريح بالاسم مكروه مطلقاً، والتسمية صريحاً وكنايةً محرّمة في زمن الخوف.
قال (رحمه الله): ويمكن الجمع بأنّ التصريح بالاسم مكروه مطلقاً، والتسمية صريحاً وكناية محرّمة في زمن الخوف، وبذلك يرتفع جميع التنافي بين الاخبار والله أعلم(٢٦)، وله تفصيل في المسألة من أراد التوسّع فليراجع (المجالس السنيّة) وكتاب (في رحاب أئمة أهل البيت (عليهم السلام))(٢٧).
أمه
اُمّه (عليه السلام) اُمّ ولد رومية يقال لها نرجس، وصقيل، ومُليكة، وريحانة، وسوسن(٢٨).
وكان الغالب عليها بين أفراد عائلة الامام (عليه السلام) نرجس، وهو وارد في أغلب الروايات.
ويبدو أنّ اسمها الاوّل مُليكة، لما روي عن محمّد بن عليّ بن حمزة بن الحسين ابن عبيد الله بن العباس بن عليّ بن أبي طالب، أنّه قال: اُمّه مليكة التي يقال لها بعض الايام سوسن، وفي بعضها ريحانة، وكان صقيل ونرجس أيضاً من أسمائها(٢٩).
وقال الشيخ عباس القمّي: اُمّه (عليه السلام) مُليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، واُمّها من ولد الحواريّين، تنسب إلى شمعون وصيّ المسيح (عليه السلام)، ولمّا اُسرت سمّت نفسها نرجس، لئلاّ يعرفها الشيخ الذي وقعت إليه، ولمّا اعتراها النور والجلاء بسبب الحمل المنوّر سمّيت صقيلاً(٣٠)، واستناده في ذلك علي رواية الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن أبي الحسن محمّد بن بحر الشيباني(٣١)، وستأتي لاحقاً.
ويؤيّد كون جدّها قيصر ما رواه الفضل بن شاذان بالاسناد عن محمّد بن عبد الجبّار، قال: قلت لسيّدي الحسن بن عليّ (عليه السلام): يا بن رسول الله، جعلني الله فداك، اُحبّ أن أعلم من الامام وحجّة الله علي عباده من بعدك؟ فقال (عليه السلام): إنّ الامام وحجّة الله من بعدي ابني، سميّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكنيّه، الذي هو خاتم حجج الله، وآخر خلفائه.
قال: ممّن هو يا بن رسول الله؟ قال: من ابنة ابن قيصر ملك الروم، ألا إنّه سيولد ويغيب عن الناس غيبةً طويلةً ثمّ يظهر(٣٢).
ويدلّ علي أنّ صقيل سمّيت به بعد الحمل ما رواه الشيخ الصدوق بالاسناد عن غياث بن أسد، قال: ولد الخلف المهدي صلوات الله عليه يوم الجمعة، واُمّه ريحانة، ويقال لها: نرجس، ويقال: صقيل، ويقال: سوسن، إلاّ أنّه قيل لسبب الحمل صقيل(٣٣)، الحديث.
وقد كانت رضي الله عنها قبيل حملها بولدها المهدي (عليه السلام) أمة مملوكة جلبت بواسطة الفتوحات من الروم إلى بغداد، واشتراها الامام عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام) وهو الذي قام بتزويجها لابنه الحسن العسكري (عليه السلام).
روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن أبي الحسين محمّد بن بحر الشيباني، قال: وردت كربلاء سنة ستّ وثمانين ومائتين، قال: وزرت قبر غريب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثمّ انكفأت إلى مدينة السلام متوجّهاً إلى مقابر قريش في وقت قد تضرّمت الهواجر وتوقّدت السمائم، فلمّا وصلت منها إلى مشهد الكاظم (عليه السلام) واستنشقت نسيم تربته المغمورة من الرحمة، المحفوفة بحدائق الغفران، أكببت عليها بعبرات متقاطرة وزفرات متتابعة، وقد حجب الدمع طرفي من النظر، فلمّا رقأت العبرة وانقطع النحيب، فتحت بصري فإذا أنا بشيخ قد انحني صلبه، وتقوّس منكباه، وثفنت جبهته وراحتاه، وهو يقول لاخر معه عند القبر: يا بن أخي، لقد نال عمّك شرفاً بما حمّله السيّدان من غوامض العيوب وشرائف العلوم التي لم يحمل مثلها إلاّ سلمان، وقد أشرف عمّك علي استكمال المدّة وانقضاء العمر، وليس يجد في أهل الولاية رجلاً يفضي إليه بسرّه.
قلت: يا نفس لا يزال العناء والمشقّة ينالان منك بإتعابي الخفّ والحافر في طلب العلم، وقد قرع سمعي من هذا الشيخ لفظ يدلّ علي علم جسيم وأثر عظيم.
فقلت: أيّها الشيخ هو من السيّدان؟
قال: النجمان المغيّبان في الثري بسرّ من رأي.
فقلت: إنّي اُقسم بالموالاة وشرف محلّ هذين السيّدين من الامامة والوراثة إنّي خاطب علمهما، وطالب آثارهما، وباذل من نفسي الايمان المؤكدة علي حفظ أسرارهما.
قال: إن كنت صادقاً فيما تقول، فأحضر ما صحبك من الاثار عن نقلة أخبارهم. فلمّا فتّش الكتب وتصفّح الروايات منها قال: صدقت، أنا بشر ابن سليمان النخّاس، من ولد أبي أيوب الانصاري، أحد موالي أبي الحسن وأبي محمّد (عليهما السلام) وجارهما بسرّ من رأي.
قلت: فأكرم أخاك ببعض ما شاهدت من آثارهما.
قال: كان مولانا أبو الحسن علي بن محمّد العسكري (عليه السلام) فقّهني في أمر الرقيق، فكنت لا أبتاع ولا أبيع إلاّ بإذنه، فاجتنبت بذلك موارد الشبهات حتّى كملت معرفتي فيه، فأحسنت الفرق بين الحلال والحرام.
فبينما ذات ليلة في منزلي بسرّ من رأي، وقد مضي هويٌ(٣٤) من الليل، إذ قرع الباب قارع، فعدوت مسرعاً، فإذا أنا بكافور الخادم رسول مولانا أبي الحسن علي ابن محمّد (عليه السلام) يدعوني إليه، فلبست ثيابي ودخلت عليه، فرأيته يحدّث ابنه أبا محمّد، واُخته حكيمة من وراء الستر، فلمّا جلست قال: يا بشر، إنّك من ولد الانصار، وهذه الولاية لم تزل فيكم يرثها خلفٌ عن سلف، فأنتم ثقاتنا أهل البيت، وإنّي مزكيك ومشرّفك بفضيلة تسبق بها شأو(٣٥) الشيعة في الموالاة بها، بسرّ اُطلعك عليه واُنفذك في ابتياع أمة.
فكتب كتاباً ملصقاً بخطّ رومي ولغة روميّة، وطبع عليه بخاتمه، وأخرج شستقة صفراء فيها مائتان وعشرون ديناراً، فقال: خذها وتوجّه بها إلى بغداد، واحضر معبر الفرات ضحوة كذا، فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا وبرزت الجواري منها، فستحدق بهم طوائف المبتاعين من وكلاء قوّاد بني العباس وشراذم من فتيان العراق، فإذا رأيت ذلك فأشرف من البعد علي المسمّي عمر بن يزيد النخّاس عامّة نهارك إلى أن يبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا، لابسة حريرتين صفيقتين، تمتنع من السفور ولمس المعترض، والانقياد لمن يحاول لمسها ويشغل نظره بتأمّل مكاشفها من وراء الستر الرقيق، فيضربها النخّاس فتصرخ صرخة روميّة، فاعلم أنّها تقول: وا هتك ستراه، فيقول بعض المبتاعين، عليّ بثلاثمائة دينار، فقد زادني العفاف فيها رغبة، فتقول بالعربية: لو برزت في زيّ سليمان وعلي مثل سرير ملكه، ما بدت لي فيك رغبة، فأشفق علي مالك.
فيقول النخّاس: فما الحيلة، ولا بدّ من بيعك؟ فتقول الجارية: وما العجلة، ولا بدّ من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه وإلى أمانته وديانته؟
فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخّاس، وقل له: إنّ معي كتاباً ملصقاً لبعض الاشراف، كتبه بلغة روميّة وخطّ رومي، ووصف فيه كرمه ووفاءه ونبله وسخاءه، فناولها لتتأمّل منه أخلاق صاحبه، فإن مالت إليه ورضيته، فأنا وكيله في ابتياعها منك.
قال بشر بن سليمان: فامتثلت جميع ما حَدّ لي مولاي أبو الحسن (عليه السلام) في أمر الجارية، فلمّا نظرت في الكتاب بكت بكاءً شديداً، وقالت لعمر بن يزيد النخّاس: بعني من صاحب هذا الكتاب، وحلفت بالمحرّجة المغلّظة(٣٦) إنّه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها، فما زلت اُشاحّه(٣٧) في ثمنها حتّى استقرّ الامر فيه على مقدار ما كان أصبحنيه مولاي (عليه السلام) من الدنانير في الشستقة الصفراء، فاستوفاه منّي وتسلّمت منه الجارية ضاحكة مستبشرة، وانصرفت بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها ببغداد، فما أخذها القرار حتّى أخرجت كتاب مولاها (عليه السلام) من جيبها وهي تلثمه وتضعه علي خدّها وتطبقه علي جفنها وتمسحه علي بدنها.
فقلت تعجّباً منها: أتلثمين كتاباً ولا تعرفين صاحبه؟
قالت: أيّها العاجز الضعيف المعرفة بمحلّ أولاد الانبياء، أعرني سمعك وفرّغ لي قلبك، أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، واُمّي من ولد الحواريين تنسب إلى وصيّ المسيح شمعون. ثمّ ذكرت قصّتها ورؤيتها الامام أبا محمّد الحسن العسكري (عليه السلام) في المنام.
إلى أن قال بشر: فقلت لها: وكيف وقعت في الاسر؟
فقالت: أخبرني أبو محمّد ليلة من الليالي أنّ جدّك سيسرّب جيوشاً إلى قتال المسلمين يوم كذا، ثمّ يتبعهم، فعليك باللحاق بهم متنكرة في زيّ الخدم مع عدّة من الوصائف من طريق كذا، ففعلت فوقعت علينا طلائع المسلمين حتّى كان من أمري ما رأيت وما شاهدت، وما شعر أحدٌ بي بأنّي ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية سواك، وذلك بإطلاعي إيّاك عليه، ولقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته، وقلت: نرجس، فقال: اسم الجواري.
فقلت: العجب إنّك رومية ولسانك عربي؟
قالت: بلغ من ولوع جدّي وحمله إيّاي علي تعلّم الاداب أن أوعز إلى امرأة ترجمان له في الاختلاف إليّ، فكانت تقصدني صباحاً ومساءً، وتفيدني العربية حتّى استمرّ عليها لساني واستقام.
قال بشر: فلمّا انكفأت بها إلى سرّ من رأي، دخلت علي مولانا أبي الحسن العسكري (عليه السلام) فقال لها: كيف أراك الله عزّ الاسلام وذلّ النصرانيّة وشرف أهل بيت محمّد (صلى الله عليه وآله)؟
قالت: كيف أصف لك يا بن رسول الله ما أنت أعلم به منّي؟
قال: فإنّي اُريد أن اُكرمك، فأ يّما أحبّ إليك عشرة آلاف درهم، أم بشري لك فيها شرف الابد؟ قالت: بل البشري.
قال (عليه السلام): فأبشري بولد يملك الدنيا شرقاً وغرباً، ويملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
قالت: ممّن؟ قال (عليه السلام): ممّن خطبك رسول الله (صلى الله عليه وآله) له في ليلة كذا من شهر كذا من سنة كذا، بالرومية.
قالت: من المسيح ووصيّه؟
قال: فممّن زوّجك المسيح ووصيّه؟ قالت: من ابنك أبي محمّد.
قال: فهل تعرفينه؟ قالت: وهل خلوت ليلة من زيارته إيّاي منذ الليلة التي أسلمت فيها علي يد سيّدة نساء الاُمّة.
فقال أبو الحسن (عليه السلام): يا كافور، ادعُ لي اُختي حكيمة، فلمّا دخلت عليه قال (عليه السلام) لها: ها هي، فاعتنقتها طويلاً، وسرّت بها كثيراً، فقال لها مولانا: يا بنت رسول الله، أخرجيها إلى منزلك وعلّميها الفرائض والسنن، فإنّها زوجة أبي محمّد واُمّ القائم (عليهما السلام)(٣٨).
وفي رواية اُخري أنّ مالكها هو حكيمة عمّة الامام الحسن العسكري (عليه السلام) وتتّفق مع سابقتها في عدّة مسائل، منها: أنّ اُمّ المهدي (عليه السلام) كانت جارية مملوكة، وأنّ اسمها نرجس، وأنّ زواج الامام العسكري (عليه السلام) كان في حياة أبيه وإذنه.
وليس ثمّة منافاة بين الحديث المتقدّم والحديث الذي سنذكره، حيث انتهي الحديث المتقدّم بقول الامام الهادي (عليه السلام): أخرجيها إلى منزلك وعلّميها الفرائض والسنن، فإنّها زوجة أبي محمّد واُمّ القائم (عليهما السلام)، فكانت هي عند حكيمة في تلك الحالة حتّى اشتهرت بجارية حكيمة، وإليك الخبر الذي يبدو وكأنّ أحداثه هي تتمّة لاحداث الخبر السابق.
روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن محمّد بن عبد الله الطهوي، قال: قصدت حكيمة بنت محمّد (عليه السلام) بعد مضيّ أبي محمّد (عليه السلام) أسألها عن الحجّة، وما قد اختلف فيه الناس من الحيرة التي هم فيها، فقالت لي: اجلس فجلست، ثمّ قالت: يا محمّد، إنّ الله تبارك وتعالى لا يخلي الارض من حجّة ناطقة أو صامتة، ولم يجعلها في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام) تفضيلاً للحسن والحسين وتنزيهاً لهما أن يكون في الارض عديلهما، إلاّ أنّ الله تبارك وتعالى خصّ ولد الحسين (عليه السلام) بالفضل علي ولد الحسن (عليه السلام)، كما خصّ ولد هارون علي ولد موسى (عليه السلام)، وإن كان موسى حجّة علي هارون، والفضل لولده إلى يوم القيامة، ولا بدّ للاُمّة من حيرة يرتاب فيها المبطلون ويخلص فيها المحقّون، كيلا يكون للخلق علي الله حجّة، وإنّ الحيرة لا بدّ واقعة بعد مضيّ أبي محمّد الحسن (عليه السلام).
فقلت: يا مولاتي، هل كان للحسن (عليه السلام) ولد؟ فتبسّمت ثمّ قالت: إذا لم يكن للحسن (عليه السلام) عقب، فمن الحجّة من بعده؟ وقد أخبرتك أنّه لا إمامة لاخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام).
فقلت: يا سيّدتي، حدثّيني بولادة مولاي وغيبته (عليه السلام).
قالت: نعم، كانت لي جارية يقال لها نرجس، فزارني ابن أخي [الحسن بن علي]، فأقبل يحدّق النظر إليها، فقلت له: يا سيّدي، لعلّك هويتها فاُرسلها إليك؟ فقال لها: لا يا عمّة، ولكنّي أتعجّب منها. فقلت: وما أعجبك منها؟
فقال (عليه السلام): سيخرج منها ولد كريم علي الله عزّ وجلّ، وهو الذي يملا الله به الارض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً.
فقلت: فاُرسلها إليك يا سيّدي؟ فقال: استأذني في ذلك أبي (عليه السلام).
قالت: فلبست ثيابي وأتيت منزل أبي الحسن (عليه السلام) فسلّمت وجلست، فبدأني (عليه السلام) وقال: يا حكيمة ابعثي نرجس إلى ابني أبي محمّد.
قالت: فقلت: يا سيّدي، علي هذا قصدتك علي أن أستأذنك في ذلك.
فقال لي: يا مباركة، إنّ الله تبارك وتعالى أحبّ أن يشركك الاجر ويجعل لك في الخير نصيباً.
قالت حكيمة: فلم ألبث أن رجعت إلى منزلي وزيّنتها ووهبتها لابي محمّد (عليه السلام)، وجمعت بينه وبينها في منزلي، فأقام عندي أياماً، ثمّ مضى إلى والده (عليه السلام) ووجّهت بها معه(٣٩)، الحديث.
ولادته
ولد الامام أبو القاسم الحجّة بن الحسن العسكري (عليه السلام)، مهديّ هذه الاُمّة، وأملها المرتجي، الذي يحيي الله به الحقّ والعدل، ويعيد إلى الاُمّة كرامتها ودينها الذي ارتضاه، ويملا الارض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، ولد (عليه السلام) في سامراء ليلة الجمعة في النصف من شعبان سنة ٢٥٥ ه(٤٠)، في زمان محمّد بن الواثق المهتدي، الذي تولّي الخلافة العباسية في رجب سنة ٢٥٥ هـ، أي قبل ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) بشهر تقريباً، وقتله الاتراك في رجب سنة ٢٥٦ هـ، وتولّي بعده أحمد ابن جعفر المتوكل العباسي المعروف بالمعتمد في اليوم الذي قتل فيه المهتدي.
وتوفّي والده الامام الحسن بن محمّد العسكري (عليه السلام) وكان له من العمر خمس سنوات كما جاء في أكثر الروايات، فآتاه الله الحكمة وجعله آية للعالمين وإماماً للمسلمين كما جعل عيسى بن مريم (عليه السلام) وهو في المهد نبيّاً.
وقيل: ولد (عليه السلام) في غرّة شهر رمضان سنة ٢٥٤ ه(٤١).
وقيل: ولد (عليه السلام) سنة ٢٥٦ هـ في الثامن من شعبان(٤٢).
وقيل: ولد (عليه السلام) سنة ٢٥٨ هـ في الثالث والعشرين من شهر رمضان(٤٣)، أي في ملك المعتمد بن المتوكل (المتوفّي سنة ٢٧٩ هـ).
والقول المعتبر والمشهور هو الاوّل أي في النصف من شعبان سنة ٢٥٥ هـ.
وعقّ الامام العسكري (عليه السلام) عن ابنه إجراءً للسنّة الشريفة وأمر بتوزيع الخبز واللحم، فقد روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن أبي جعفر العمري، قال: لمّا ولد السيّد (عليه السلام) قال أبو محمّد (عليه السلام): ابعثوا إلى أبي عمرو - يعني عثمان بن سعيد - فبُعِث إليه، فصار إليه فقال له: اشترِ عشرة آلاف رطل خبز، وعشرة آلاف رطل لحم وفرّقه - أحسبه قال: علي بني هاشم - وعقّ عنه بكذا وكذا شاة(٤٤).
وعن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: حدّثني محمّد بن إبراهيم الكوفي أنّ أبا محمّد (عليه السلام) بعث إلى بعض من سمّاه لي بشاة مذبوحة، وقال: هذه من عقيقة ابني محمّد(٤٥).
وروي الشيخ الطوسي بالاسناد عن إبراهيم بن إدريس، قال: وجّه إلى مولاي أبو محمّد (عليه السلام) بكبشين، وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، عقّ هذين الكبشين عن مولاك، وكل هنّأك الله، وأطعم إخوانك(٤٦).
ودخل بعض خواصّ الامام العسكري (عليه السلام) وثقاته ممّن كانوا يعلمون خبر ولادة الامام الحجّة (عليه السلام) فهنّأوا الامام العسكري (عليه السلام) بوليده الذي سيطهّر الارض من براثن الظلم والجور.
روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن أبي الفضل الحسن بن الحسين العلوي، قال: دخلت علي أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام) بسرّ من رأي، فهنّأته بولادة ابنه القائم (عليه السلام)(٤٧).
الأدلة على ولادته
لعلّه من العبث أن يقوم الباحث والدارس بإثبات ولادة شخص قد اُخبر عن ولادته قبل حدوثها من قبل عترة النبيّ المعصومين سلام الله عليهم، وقامت جميع الشواهد علي ولادته وإمامته علي نحو اليقين، مضافاً إلى الاخبار الكثيرة الواردة عن أبيه (عليه السلام)، وشهادة القابلة التي تولّت أمر اُمّه حين ولادته (عليه السلام)، وفي ذلك كفاية لمن أراد الانصاف والاذعان للحقّ.
وعلي الرغم من أنّ ولادة الامام الحجّة (عليه السلام) لم تكن خافية علي الخواصّ والثقات من أصحاب الائمة (عليهم السلام) ووكلائهم، فقد شهد المئات برؤيته، واعترف المؤرّخون بولادته، وصدرت عنه توقيعات وتعليمات ورسائل وتوجيهات، وأقوال مشهورة وكلمات مأثورة، وكان له وكلاء معروفون وسفراء معلومون، علي الرغم من ذلك فإنّنا سنقيم بعض الادلّة علي هذه الولادة المباركة لتكون ذكري لمن كان له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد.
أولاً - أخبار آبائه المعصومين بولادته
لقد تواترت الاخبار عن أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) متّفقة علي أنّه سيولد الامام القائم، وهو التاسع من ولد الامام الحسين (عليه السلام)، والثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وأنّ له غيبتين، وأنّه سيظهر في آخر الزمان ليملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
وسنذكر جملة وافية من الروايات والاخبار في البشارة بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) علي لسان الائمة الهداة من آبائه المعصومين (عليهم السلام) وذلك في الفصل الرابع والثامن.
ثانياً - أخبار الامام العسكري بولادة ابنه المهدي
١ - روي الشيخ الكليني بالاسناد عن محمّد بن علي بن بلال، قال: خرج إلى من أبي محمّد (عليه السلام) قبل مضيّه بثلاثة أيام يخبرني بالخلف من بعده(٤٨).
٢ - وعن أبي هاشم الجعفري، قال: قلت لابي محمّد (عليه السلام): جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أن أسألك؟ فقال: سل. قلت: يا سيّدي، هل لك ولد؟ فقال: نعم. فقلت: فإن حدث بك حدث، فأين أسأل عنه؟ قال: بالمدينة(٤٩).
٣ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن أحمد بن الحسن بن إسحاق القمّي، قال: لمّا ولد الخلف الصالح (عليه السلام) ورد عن مولانا أبي محمّد الحسن بن علي (عليه السلام) إلى جدّي أحمد بن إسحاق كتاب، فإذا فيه مكتوب بخطّ يده (عليه السلام) الذي كان ترد به التوقيعات عليه، وفيه: (ولد لنا مولود، فليكن عندك مستوراً، وعن جميع الناس مكتوماً، فإنّا لم نظهر عليه إلاّ الاقرب لقرابته والوليّ لولايته، وأحببنا إعلامك ليسرّك الله به مثل ما سرّنا به، والسلام)(٥٠).
٤ - وروي الحسين بن حمدان الخصيبي بالاسناد عن عيسى بن مهدي الجوهري، قال: خرجت أنا والحسين بن غياث، والحسين بن مسعود، والحسين بن إبراهيم، وأحمد بن حسّان، وطالب بن إبراهيم بن حاتم، والحسين بن محمّد بن سعيد، ومحجّل بن محمّد بن أحمد بن الخصيب إلى سرّ من رأي، في سنة ٢٥٧، فعدنا من المدائن إلى كربلاء، فزرنا أبا عبد الله (عليه السلام) في ليلة النصف من شعبان، فتلقّانا إخواننا المجاورون لسيّدنا أبي الحسن وأبي محمّد (عليهما السلام) بسرّ من رأي، وكنّا خرجنا للتهنئة بمولد المهدي (عليه السلام) فبشّرنا إخواننا بأنّ المولود كان قبل طلوع الفجر يوم الجمعة لثمان خلون من شعبان، وهو ذلك الشهر.
فقضينا زيارتنا، ودخلنا بغداد، فزرنا أبا الحسن موسى وأبا جعفر الجواد محمّد بن عليّ (عليهما السلام) وصعدنا إلى سرّ من رأي، فلمّا دخلنا علي سيّدنا أبي محمّد (عليه السلام) بدأنا بالتهنئة قبل أن نبدأه بالسلام، فجهرنا بالبكاء بين يديه ونحن نيّف وسبعون رجلاً من أهل السواد، فقال: إنّ البكاء من السرور من نعم الله مثل الشكر لها، فطيبوا أنفساً وقرّوا أعيناً، فوالله إنّكم لعلي دين الله الذي جاءت به الملائكة والكتب.
إلى أن قال: فقال عيسى بن مهدي الجوهري: فأردنا الكلام والمسألة، فقال لنا قبل السؤال: فيكم من أضمر مسألتي عن ولدي المهدي وأين هو، فقد استودعته الله كما استودعت اُمّ موسى موسى (عليه السلام) حيث قذفته في التابوت فألقته في اليم إلى أن ردّه الله إليها. فقالت طائفة منّا: إي والله يا سيّدنا، لقد كانت هذه المسألة في أنفسنا(٥١).
٥ - وروي الشيخ الكليني بالاسناد عن عمر الاهوازي، قال: أراني أبو محمّد (عليه السلام) ابنه وقال: هذا صاحبكم من بعدي(٥٢).
٦ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن علاّن الرازي، قال: أخبرني بعض أصحابنا أنّه لمّا حملت جارية أبي محمّد (عليه السلام) قال: ستحملين ذكراً، واسمه محمّد، وهو القائم من بعدي(٥٣).
٧ - وروي الفضل بن شاذان بالاسناد عن محمّد بن حمزة بن الحسن بن عبد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، قال: سمعت أبا محمّد (عليه السلام) يقول: ولد وليّ الله وحجّته علي عباده وخليفتي من بعدي مختوناً، ليلة النصف من شعبان سنة ٢٥٥ عند طلوع الفجر، وكان أوّل من غسّله رضوان خازن الجنان مع جمع من الملائكة المقرّبين بماء الكوثر والسلسبيل، ثمّ غسّلته عمّتي حكيمة بنت محمّد بن عليّ الرضا (عليه السلام)(٥٤).
ثالثاً - شهادة القابلة وخدم وجواري الدار بولادته
وكانت قابلته (عليه السلام) هي عمّة أبيه السيّدة العلويّة الطاهرة حكيمة بنت الامام محمّد الجواد (عليه السلام) واُخت الامام الهادي (عليه السلام) وعمّة الامام العسكري (عليه السلام)، وهي التي تولّت أمر اُمّه (عليه السلام) في حين الولادة، وصرّحت بمشاهدته (عليه السلام) بعد ولادته.
كما شاهد الإمام المهدي (عليه السلام) بعد ولادته مجموعة من خدم الامام العسكري (عليه السلام) في داره مع بعض الجواري والاماء، وسنأتي علي ذكر الروايات والاخبار الواردة في ذلك.
١ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن حكيمة بنت محمّد بن عليّ بن موسى ابن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قالت: بعث إلى أبو محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام) فقال: يا عمّة، اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا، فإنّها ليلة النصف من شعبان، وإنّ الله تعالى سيظهر في هذه الليلة الحجّة، وهو حجّته في أرضه. قالت: فقلت: ومن اُمّه؟ قال لي: نرجس.
قلت له: جعلني الله فداك، ما بها أثر. فقال: هو ما أقول لك.
قالت: فجئت، فلمّا سلّمت وجلست جاءت تنزع خفّي، وقالت لي: يا سيّدتي وسيّدة أهلي كيف أمسيتِ؟ فقلت: بل أنت سيّدتي وسيّدة أهلي. قالت: فأنكرت قولي وقالت: ما هذا يا عمّة؟ قالت: فقلت لها: يا بنيّة، إنّ الله تعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاماً سيّداً في الدنيا والاخرة. قالت: فخجلت واستحيت.
فلمّا أن فرغت من صلاة العشاء الاخرة أفطرت وأخذت مضجعي فرقدت، فلمّا أن كان في جوف الليل، قمت إلى الصلاة، ففرغت من صلاتي، وهي نائمة، ليس بها حادث، ثمّ جلست معقّبة، ثمّ اضطجعت ثمّ انتبهت فزعة وهي راقدة، ثمّ قامت فصلّت ونامت.
قالت حكيمة: وخرجت أتفقّد الفجر، فإذا أنا بالفجر الاوّل كذنب السرحان وهي نائمة، فدخلني الشكوك، فصاح بي أبو محمّد (عليه السلام) من المجلس، فقال: لا تعجلي يا عمّة، فهاك الامر قد قرب.
قالت: فجلست وقرأت ألم السجدة ويس، فبينما أنا كذلك إذ انتبهت فزعة فوثبت إليها، فقلت: اسم الله عليك. ثمّ قلت لها: أتحسّين شيئاً؟ قالت: نعم يا عمّة. فقلت لها: اجمعي نفسك، واجمعي قلبك، فهو ما قلت لك.
قالت: فأخذتني فترة، وأخذتها فترة، فانتبهت بحسّ سيّدي، فكشفت الثوب عنه، فإذا أنا به (عليه السلام) ساجداً، يتلقّي الارض بمساجده، فضممته إليّ، فإذا أنا به نظيف متنظّف، فصاح بي أبو محمّد (عليه السلام): هلمّي إلى ابني يا عمّة. فجئت به إليه، فوضع يديه تحت إليتيه وظهره، ووضع قدميه علي صدره، ثمّ أدلي لسانه في فيه، وأمرّ يده علي عينيه وسمعه ومفاصله، ثمّ قال: تكلّم يا بنيّ. فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثمّ صلّي علي أمير المؤمنين وعلي الائمة (عليهم السلام) إلى أن وقف علي أبيه ثمّ أحجم.
ثمّ قال أبو محمّد (عليه السلام): يا عمّة اذهبي به إلى اُمّه ليسلّم عليها وائتيني به، فذهبت به فسلّم عليها، ورددته فوضعته في المجلس، ثمّ قال: يا عمّة، إذا كان يوم السابع فأتيناه.
قالت حكيمة: فلمّا أصبحت جئت لاُسلّم علي أبي محمّد (عليه السلام) وكشفت الستر لاتفقّد سيّدي (عليه السلام) فلم أره، فقلت: جعلت فداك، ما فعل سيّدي؟ فقال: يا عمّة، استودعناه الذي استودعته اُمّ موسى موسى (عليه السلام).
قالت حكيمة: فلمّا كان في اليوم السابع جئت فسلّمت وجلست، فقال: هلمّي إلى ابني. فجئت بسيّدي (عليه السلام) وهو في الخرقة، ففعل به كفعلته الاُولي، ثمّ أدلي لسانه في فيه كأنّه يغذّيه لبناً أو عسلاً، ثمّ قال: تكلّم يا بني. فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وثنّي بالصلاة علي محمّد (صلى الله عليه وآله) وعلي أمير المؤمنين وعلي الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين حتّى وقف علي أبيه (عليه السلام)، ثمّ تلا هذه الاية: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلي الَّذينَ اسْتُضْعِفوا في الارْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثينَ، وَنُمَكنَ لَهُمْ في الارْضِ وَنُريَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنودَهُما مِنْهُمْ ما كانوا يَحْذَرون)(٥٥).
قال موسى بن محمّد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) - وهو راوي الحديث عن حكيمة -: فسألت عقبة الخادم عن هذه، فقالت: صدقت حكيمة(٥٦).
٢ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن محمّد بن عبد الله الطهوي، قال: قصدت حكيمة بنت محمّد (عليه السلام) أسألها عن الحجّة، وما قد اختلف فيه الناس من الحيرة التي هُم فيها...
إلى أن قال: فقالت حكيمة: فمضي أبو الحسن (عليه السلام) وجلس أبو محمّد (عليه السلام) مكان والده. وكنت أزوره كما كنت أزور والده، فجاءتني نرجس يوماً تخلع خفّي، فقالت: يا مولاتي، ناوليني خفّك. فقلت: بل أنت سيّدتي ومولاتي، والله لا أدفع إليك خفّي لتخلعيه ولا لتخدميني، بل أنا أخدمك علي بصري.
فسمع أبو محمّد (عليه السلام) ذلك، فقال: جزاك الله يا عمّة خيراً، فجلست عنده إلى وقت غروب الشمس، فصحت بالجارية وقلت: ناوليني ثيابي لانصرف، فقال (عليه السلام): لا يا عمّتا، بيتي الليلة عندنا، فإنّه سيولد الليلة المولود الكريم علي الله عزّ وجلّ، الذي يحيي الله عزّ وجلّ به الارض بعد موتها. فقلت: ممّن يا سيّدي؟
ولست أري بنرجس شيئاً من أثر الحبل. فقال: من نرجس لا من غيرها.
قالت: فوثبت إليها، فقلّبتها ظهراً لبطن، فلم أرَ بها أثر حبل، فعدت إليه(عليه السلام) فأخبرته بما فعلت، فتبسّم ثمّ قال لي: إذا كان وقت الفجر، يظهر لك بها الحبل، لانّ مَثلها مَثل اُمّ موسى (عليه السلام) لم يظهر بها الحبل، ولم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها، لانّ فرعون كان يشقّ بطون الحبالي في طلب موسى (عليه السلام)، وهذا نظير موسى (عليه السلام).
قالت حكيمة: فعدت إليها فأخبرتها بما قال، وسألتها عن حالها، فقالت: يا مولاتي ما أري بي شيئاً من هذا. قالت حكيمة: فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر وهي نائمة بين يدي لا تقلب جنباً إلى جنب حتّى إذا كان آخر الليل وقت طلوع الفجر، وثبت فَزِعة، فضممتها إلى صدري، وسمّيت عليها، فصاح إلى أبو محمّد (عليه السلام) وقال: اقرئي عليها (إنَّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ) فأقبلت أقرأ عليها، وقلت لها: ما حالك؟ قالت: ظهر بي الامر الذي أخبرك به مولاي، فأقبلت أقرأ عليها كما أمرني، فأجابني الجنين من بطنها مثل ما أقرأ، وسلّم عليّ.
قالت حكيمة: ففزعت لما سمعت، فصاح بي أبو محمّد (عليه السلام): لا تعجبي من أمر الله عزّ وجلّ، إنّ الله تبارك وتعالى ينطقنا بالحكمة صغاراً، ويجعلنا حجّة في أرضه كباراً؛ فلم يستتمّ الكلام حتّى غيّبت عنّي نرجس، فلم أرها كأنّه ضرب بيني وبينها حجاب، فعدوت نحو أبي محمّد (عليه السلام) وأنا صارخة، فقال لي: ارجعي يا عمّة، فإنّك ستجدينها في مكانها.
قالت: فرجعت فلم ألبث أن كشف الغطاء الذي كان بيني وبينها، وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشي بصري، وإذا أنا بالصبيّ (عليه السلام) ساجداً لوجهه، جاثياً علي ركبتيه، رافعاً سبّابتيه، وهو يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأنّ جدّي محمّداً رسول الله، وأنّ أبي أمير المؤمنين، ثمّ عدّ إماماً إماماً إلى أن بلغ إلى نفسه. ثمّ قال: اللهمّ أنجز لي ما وعدتني، وأتمم لي أمري، وثبّت وطأتي، واملا الارض بي عدلاً وقسطاً.
فصاح بي أبو محمّد (عليه السلام) فقال: يا عمّة تناوليه وهاتيه، فناولته وأتيت به نحوه، فلمّا مثلت بين يدي أبيه وهو علي يدي، سلّم علي أبيه، فتناوله الحسن (عليه السلام) منّي، والطير ترفرف علي رأسه، وناوله لسانه فشرب منه، ثمّ قال: امضي به إلى اُمّه لترضعه وردّيه إليّ. قالت: فتناولته اُمّه فأرضعته، فرددته إلى أبي محمّد (عليه السلام) والطير ترفرف علي رأسه، فصاح بطير منها، فقال له: احمله واحفظه وردّه إلينا في كلّ أربعين يوماً، فتناوله الطير، وطار به في جوّ السماء، وأتبعه سائر الطير، فسمعت أبا محمّد (عليه السلام) يقول: أستودعك الله الذي أودعته اُمّ موسى موسى. فبكت نرجس، فقال لها: اسكتي، فإنّ الرضاع محرّم عليه إلاّ من ثديك، وسيعاد إليك كما ردّ موسى إلى اُمّه، وذلك قول الله عزّ وجل: (فَرَدَدْناهُ إلى اُمِّهِ كيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَن)(٥٧).
قالت حكيمة: فقلت: وما هذا الطير؟ قال (عليه السلام): هذا روح القدس الموكل بالائمة (عليهم السلام)، يوفّقهم ويسدّدهم ويربّيهم بالعلم.
قالت حكيمة: فلمّا كان بعد أربعين يوماً ردّ الغلام ووجّه إلى ابن أخي (عليه السلام) فدعاني، فدخلت عليه، فإذا أنا بالصبيّ متحرّك يمشي بين يديه، فقلت: يا سيّدي، هذا ابن سنتين؟ فتبسّم (عليه السلام)، ثمّ قال: إنّ أولاد الانبياء والاوصياء إذا كانوا أئمةً ينشأون بخلاف ما ينشأ غيرهم، وإنّ الصبيّ منّا إذا كان أتي عليه شهرٌ كان كمن أتي عليه سنة، وإنّ الصبيّ منّا ليتكلّم في بطن اُمّه، ويقرأ القرآن، ويعبد ربّه عزّ وجلّ، وعند الرضاع تطيعه الملائكة وتنزل عليه صباحاً ومساءً.
قالت حكيمة: فلم أزل أري ذلك الصبيّ في كلّ أربعين يوماً إلى أن رأيته رجلاً قبل مضيّ أبي محمّد (عليه السلام) بأيام قلائل، فلم أعرفه، فقلت لابن أخي (عليه السلام): من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال لي: هذا ابن نرجس، وهذا خليفتي من بعدي، وعن قليل تفقدوني، فاسمعي له وأطيعي.
قالت حكيمة: فمضي أبو محمّد (عليه السلام) بعد ذلك بأيام قلائل، وافترق الناس كما تري، ووالله إنّي لاراه صباحاً ومساءً، وإنّه لينبئني عمّا تسألون عنه فاُخبركم، ووالله إنّي لاُريد أن أسأله عن الشيء فيبدأني به، وإنّه ليَرِد عليّ الامر، فيخرج إلى منه جوابه من ساعته من غير مسألتي، وقد أخبرني البارحة بمجيئك إليّ، وأمرني أن اُخبرك بالحقّ.
قال محمّد بن عبد الله الطهوي: فوالله لقد أخبرتني حكيمة بأشياء لم يطّلع عليها أحدٌ إلاّ الله عزّ وجلّ، فعلمت أنّ ذلك صدق وعدل من الله عزّ وجلّ، لانّ الله عزّ وجلّ قد أطلعه علي ما لم يُطلِع عليه أحداً من خلقه(٥٨).
٣ - وممّن شهد الامام (عليه السلام) بعد ولادته نسيم خادمة الامام الحسن العسكري (عليه السلام)، فقد روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن إبراهيم بن محمّد العلوي، قال: حدّثتني نسيم خادمة أبي محمّد (عليه السلام)، قالت: دخلت علي صاحب هذا الامر (عليه السلام) بعد مولده بليلة، فعطست عنده، قال لي: يرحمك الله. قالت نسيم: ففرحت بذلك، فقال لي (عليه السلام): ألا اُبشّرك في العطاس؟ قلت: بلي. قال: هو أمان من الموت ثلاثة أيام(٥٩).
٤ - وروي بالاسناد عن إبراهيم بن محمّد بن عبد الله بن موسى بن جعفر (عليه السلام)، عن السياري، قال: حدّثتني نسيم ومارية، قالتا: إنّه لمّا سقط صاحب الزمان (عليه السلام) من بطن اُمّه جاثياً علي ركبتيه، رافعاً سبّابتيه إلى السماء، ثمّ عطس فقال: الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله علي محمّد وآله، زعمت الظلمة أنّ حجّة الله داحضة، لو اُذن لنا في الكلام لزال الشك(٦٠).
٥ - وروي بالاسناد عن أبي علي الخيزراني، عن جارية له كان أهداها لابي محمّد (عليه السلام)، فلمّا أغار جعفر الكذّاب علي الدار جاءته فارّة من جعفر، فتزوّج بها.
قال أبو علي: فحدّثتني أنّها حضرت ولادة السيّد (عليه السلام)، وأنّ اسم اُمّ السيّد صيقل، وأنّ أبا محمّد (عليه السلام) حدّثها بما يجري علي عياله(٦١)، الحديث.
٦ - وروي بالاسناد عن محمّد بن عثمان العمري (قدّس الله روحه) أنّه قال: ولد السيّد (عليه السلام) مختوناً، وسمعت حكيمة تقول: لم يُرَ باُمّه دمٌ في نفاسها، وهكذا سبيل اُمّهات الائمة (عليهم السلام)(٦٢).
٧ - وروي بالاسناد عن محمّد بن أحمد العلوي، عن أبي غانم الخادم، قال: ولد لابي محمّد (عليه السلام) ولد فسمّاه محمّداً، فعرضه علي أصحابه يوم الثالث، وقال:
هذا صاحبكم من بعدي، وخليفتي عليكم، وهو القائم الذي تمتدّ إليه الاعناق بالانتظار، فإذا امتلات الارض جوراً وظلماً خرج فملاها قسطاً وعدلاً(٦٣).
٨ - وروي بالاسناد عن أبي الاديان، وأبي محمّد بن خيرويه التستري، وحاجز الوشّاء، وأبي سهل بن نوبخت، كلّهم حكوا عن عقيد الخادم، أنّه قال: ولد وليّ الله الحجّة بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين، ليلة الجمعة غرّة شهر رمضان سنة ٢٥٤ من الهجرة، ويكنّي أبا القاسم، ويقال: أبو جعفر، ولقبه المهدي، وهو حجّة الله عزّ وجلّ في أرضه علي جميع خلقه، واُمّه صقيل الجارية، ومولده بسرّ من رأي في درب الراضة، وقد اختلف الناس في ولادته، فمنهم من أظهر، ومنهم من كتم، ومنهم من نهي عن ذكر خبره، ومنهم من أبدي ذكره، والله أعلم به(٦٤).
رابعاً - شهادة أصحاب الائمة بولادته
وشهد ولادة الامام الحجّة (عليه السلام) جمعٌ من أصحاب أبيه (عليه السلام) وغيرهم، أمّا الذين رأوه (عليه السلام) من الاصحاب فعدّتهم تصل إلى أكثر من مائة، وذلك في غيبته الصغرى في سنة (٢٦٠ هـ - ٢٩٠ هـ) وسنأتي إلى ذكر بعضهم في الفصل الثاني عشر، ونقتصر هنا علي ذكر جملة من روايات الاصحاب (رضوان الله عليهم) الدالّة على ولادته (عليه السلام):
١ - روي الشيخ الكليني والشيخ المفيد بالاسناد عن حمدان القلانسي، عن العمري، قال: مضي أبو محمّد (عليه السلام) وخلّف ولداً له(٦٥).
٢ - وعن معلّي بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن عبد الله، قال: خرج عن أبي محمّد (عليه السلام) حين قُتِل الزُّبيري(٦٦) لعنه الله: هذا جزاء من اجترأ علي الله تعالى في أوليائه، زعم أنّه يقتلني وليس لي عقب، فكيف رأي قدرة الله فيه.
قال محمّد بن عبد الله: وولد له ولد سمّاه محمّداً(٦٧).
٣ - وعن حمدان القلانسي أنّه قال: قلت لابي عمرو العمري: قد مضي أبو محمّد (عليه السلام)، فقال لي: قد مضي، ولكن قد خلّف فيكم من رقبته مثل هذه، وأشار بيده(٦٨).
٤ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن محمّد بن الحسن الكرخي، قال: سمعت أبا هارون - رجلاً من أصحابنا - يقول: رأيت صاحب الزمان (عليه السلام)، وكان مولده يوم الجمعة(٦٩)، الحديث.
٥ - وروي بالاسناد عن الحسن بن المنذر، عن حمزة بن أبي الفتح، قال: جاءني يوماً فقال لي: البشارة، ولد البارحة في الدار مولود لابي محمّد (عليه السلام) وأمر بكتمانه. قلت: وما اسمه؟ قال: سمّي بمحمّد، وكنّي بجعفر(٧٠).
٦ - وروي بالاسناد عن غياث بن اُسيد، قال: ولد الخلف المهدي (عليه السلام) يوم الجمعة، واُمّه ريحانة، ويقال لها: نرجس، ويقال: صقيل، ويقال: سوسن، إلاّ أنّه قيل لسبب الحمل: صقيل، وكان مولده (عليه السلام) لثمان ليال خلون من شعبان سنة ٢٥٦ ه(٧١)، ووكيله عثمان بن سعيد، فلمّا مات عثمان أوصي إلى ابنه أبي جعفر محمّد ابن عثمان، وأوصي أبو جعفر إلى أبي القاسم الحسين بن روح، وأوصي أبو القاسم إلى أبي الحسن عليّ بن محمّد السمري (رضي الله عنهم).
قال: فلمّا حضرت السمري الوفاة سئل أن يوصي، فقال: لله أمر هو بالغه، فالغيبة التامّة هي التي وقعت بعد مضيّ السمري (رضي الله عنه)(٧٢).
٧ - وروي بالاسناد عن غياث بن اُسيد، قال: شهدت محمّد بن عثمان العمري قدّس الله روحه يقول: لمّا ولد الخلف المهدي (عليه السلام) سطع نور من فوق رأسه إلى أعنان السماء، ثمّ سقط لوجهه ساجداً لربّه تعالى ذكره، ثمّ رفع رأسه وهو يقول: (شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلهَ إلاّ هُوَ وَالمَلائِكةُ وَاُولوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ لا إلهَ إلاّ هُوَ العَزيزُ الحَكيمُ، إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الاسْلام)(٧٣)، قال: وكان مولده يوم الجمعة(٧٤).
٨ - وبالاسناد عن محمّد بن الحسن الكرخي، قال: سمعت أبا هارون - رجلاً من أصحابنا - يقول: رأيت صاحب الزمان (عليه السلام) ووجهه يضيء كأنّه القمر ليلة البدر، ورأيت علي سرّته شعراً يجري كالخطّ، وكشفت الثوب عنه، فوجدته مختوناً، فسألت أبا محمّد (عليه السلام) عن ذلك فقال: هكذا ولد، وهكذا ولدنا، ولكنّا سنمرّ الموسى عليه لاصابة السنّة(٧٥).
٩ - وروي الشيخ الطوسي عن محمّد بن علي الشلمغاني في كتاب (الاوصياء)، قال: حدّثني حمزة بن نصر - غلام أبي الحسن (عليه السلام) - عن أبيه، قال: لمّا ولد السيّد (عليه السلام) تباشر أهل الدار بذلك، فلمّا نشأ خرج إلى الامر أن أبتاع في كلّ يوم مع اللحم قصب مخّ، وقيل: إنّ هذا لمولانا الصغير(٧٦).
١٠ - وروي بالاسناد عن أبي سليمان داود بن عنان البحراني، قال: قرأت علي أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي، مولد محمّد بن الحسن بن علي ابن محمّد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين، ولد (عليه السلام) بسامراء سنة ٢٥٦ هـ، اُمّه صقيل، ويكنّي أبا القاسم، بهذه الكنية أوصي النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، لقبه المهدي، وهو الحجّة، وهو المنتظر، وهو صاحب الزمان(٧٧).
خامساً - تصرف السلطة وتفتيشها الدار
استشهد الامام الحسن العسكري (عليه السلام) في زمان المعتمد أحمد بن جعفر المتوكل العباسي الذي تولّي الخلافة سنة ٢٥٦ هـ، وكان المعتمد شديد العداوة والحقد علي آل البيت (عليهم السلام)، فعانوا محنة عصيبة ومعاناة لا تطاق وملاحقات ظالمة، وحدثت في أيامه ثورات وانتفاضات علوية كثيرة سجّلتها كتب التأريخ وذكرت أسماء الطالبيين من ذرية الحسن والحسين (عليهما السلام) وجعفر بن أبي طالب (رضي الله عنه) الذين قتلوا أو حبسوا أو ماتوا بالسجن والتعذيب(٧٨).
ومن أعمال المعتمد المشينة بعد شهادة الامام الحسن العسكري (عليه السلام) أمره شرطته وعمّاله بتفتيش دار الامام (عليه السلام) وإلقاء القبض علي اُمّ القائم (عليه السلام) ومطالبتها بالحجّة (عليه السلام)، واعتقال جواري الامام العسكري (عليه السلام) وحلائله، علي الرغم من أنّ جعفر الكذّاب بن علي الهادي (عليه السلام) قد ادّعي أوّلاً أنّ الامام العسكري (عليه السلام) لم يخلّف ولداً وأنّه وارث أخيه العسكري (عليه السلام).
ولا ريب أنّ مداهمة دار الامام (عليه السلام) بعد وفاته مباشرة، يدلّ علي تيقّن السلطة من ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) وهو الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الذي سيملا الدنيا قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، لما سبق من علمهم، ولما تواتر من الاخبار في ولادته (عليه السلام)، ولهذا جاءت تبحث عنه (عليه السلام)، لا لاجل إعطاء ميراث الامام العسكري (عليه السلام) لمن يستحقّه من بعده، بل للقبض عليه والفتك به بعد أن لم يجدوا لذلك سبيلاً في حياة الامام العسكري (عليه السلام)، ولهذا فإنّ الخوف علي حياته الشريفة كان من أسرار غيبته (عليه السلام)، ولذلك نري الامام الحسن العسكري (عليه السلام) كان حريصاً علي أن لا ينتشر خبر ولادة المهدي (عليه السلام) إلاّ بين الخلّص من شيعته ومواليه، متّخذاً التدابير اللازمة لصيانة ولده الموعود لاقامة دولة الحقّ، ويحذّر شيعته من الاختلاف بعد وفاته (عليه السلام).
وفي ما يلي بعض الاخبار التي تؤيّد ما ذكرناه:
١ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن أبي الحسن علي بن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: سمعت أبا الحسين الحسن ابن وجناء يقول: حدّثنا أبي، عن جدّه، أنّه كان في دار الحسن بن علي (عليه السلام)، فكبستنا الخيل، وفيهم جعفر بن علي الكذّاب، واشتغلوا بالنهب والغارة، وكانت همّتي في مولاي القائم (عليه السلام)، قال: فإذا أنا به (عليه السلام) قد أقبل وخرج عليهم من الباب، وأنا أنظر إليه، وهو (عليه السلام) ابن ستّ سنين، فلم يره أحدٌ حتّى غاب(٧٩).
٢ - وروي بالاسناد عن محمّد بن الحسين بن عبّاد، قال: قدمت اُمّ أبي محمّد (عليه السلام) من المدينة، واسمها حديث، حين اتّصل بها الخبر إلى سرّ من رأي، فكانت لها أقاصيص يطول شرحها مع أخيه جعفر ومطالبته إيّاها بميراثه، وسعايته بها إلى السلطان، وكشفه ما أمر الله عزّ وجلّ بستره، فادّعت عند ذلك صقيل أنّها حامل، فحُملت إلى دار المعتمد، فجعل نساء المعتمد وخدمه، ونساء الموفّق وخدمه، ونساء القاضي ابن أبي الشوارب يتعاهدون أمرها في كلّ وقت، ويراعون، إلى أن دهمهم أمر الصفّار وموت عبيد الله بن يحيي بن خاقان بغتة، وخروجهم من سرّ من رأي، وأمر صاحب الزنج بالبصرة وغير ذلك، فشغلهم ذلك عنها(٨٠).
وهذا الحديث يدلّ علي أنّ جعفر الكذّاب كشف أمر الامام الحجّة (عليه السلام) أمام رجال السلطة، فتصرّفوا علي ضوء مدّعاه، وهو أيضاً يدلّ علي المراد، حيث إنّه يعني أنّ جعفر الكذّاب كان علي علم بولادته (عليه السلام)، وإنّ إقدام السلطة علي استدعاء اُمّه وتعاهد أمرها، وادّعائها الحمل حفظاً عليه، كلّها مؤشّرات واضحة لتيقّن السلطة من وجود المولود.
٣ - وروي بالاسناد عن أبي الاديان - في حديث - قال: قدم نفر من قم، فسألوا عن الحسن بن علي (عليه السلام) فعرفوا موته، فقالوا: من نعزّي؟ فأشار الناس إلى جعفر بن علي، فسلّموا عليه وعزّوه وهنّوه، وقالوا: إنّ معنا كتباً ومالاً، فتقول ممّن الكتب؟ وكم المال؟ فقام ينفض أثوابه ويقول: تريدون منّا أن نعلم الغيب.
قال: فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان وفلان وفلان، وهميان فيه ألف دينار، وعشرة دنانير منها مطليّة، فدفعوا إليه الكتب والمال وقالوا: الذي وجّه بك لاخذ ذلك هو الامام، فدخل جعفر بن عليّ علي المعتمد، وكشف له ذلك، فوجّه المعتمد بخدمه فقبضوا علي صقيل الجارية فطالبوها بالصبيّ فأنكرته، وادّعت حبلاً بها لتغطّي حال الصبيّ، فسُلّمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي، وبغتهم موت عبيد الله بن يحيي بن خاقان فجأة، وخروج صاحب الزنج بالبصرة، فشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم، والحمد لله ربّ العالمين(٨١).
٤ - وقال الشيخ المفيد (رحمه الله) في ذكر وفاة الامام الحسن العسكري (عليه السلام): وخلّف ابنه المنتظر لدولة الحقّ، وكان قد أخفي مولده وستر أمره، لصعوبة الوقت، وشدّة طلب سلطان الزمان له، واجتهاده في البحث عن أمره، ولمّا شاع من مذهب الشيعة الاماميّة فيه، وعرف من انتظارهم له، فلم يُظهِر ولده (عليه السلام) في حياته ولا عرفه الجمهور بعد وفاته.
وتولّي جعفر بن عليّ أخو أبي محمّد (عليه السلام) أخذ تركته، وسعي في حبس جواري أبي محمّد (عليه السلام) واعتقال حلائله، وشنّع علي أصحابه بانتظارهم ولده وقطعهم بوجوده والقول بإمامته، وأغري بالقوم حتّى أخافهم وشرّدهم، وجري علي مخلّفي أبي محمّد (عليه السلام) بسبب ذلك كلّ عظيمة، من اعتقال وحبس وتهديد وتصغير واستخفاف وذلّ، ولم يظفر السلطان منهم بطائل.
وحاز جعفر ظاهر تركة أبي محمّد (عليه السلام)، واجتهد في القيام عند الشيعة مقامه، فلم يقبل أحد منهم ذلك ولا اعتقده فيه، فصار إلى سلطان الوقت يلتمس مرتبة أخيه، وبذل مالاً جليلاً، وتقرّب بكلّ ما ظنّ أنّه يتقرّب به فلم ينتفع بشيء من ذلك(٨٢).
ومن مجمل ما تقدّم يتّضح أنّ أحد الاهداف الكبرى للسلطة آنذاك هو القبض علي الامام (عليه السلام) لانّها تعلم أنّ وجوده (عليه السلام) معناه تهديد لسلامة حكمهم، ومن هنا جاءت محاولاتهم المستميتة لتحصين دولتهم ضدّ خطره، وتجريد الحملات للقبض عليه، والتجسّس المستمرّ من قبل جميع الحكام المعاصرين لاحداث تلك الفترة لكشف مكان اختفائه (عليه السلام) والقبض عليه، وجميع هذه التحرّكات تدلّ علي ولادته واختفائه (عليه السلام) عن أعين السلطان بإذن الله تعالى ومشيئته.
سادساً - اعتراف علماء الانساب بولادته
وممّا يدلّ علي ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) ذكر علماء الانساب له (عليه السلام) في كتبهم وفي فترات زمنيّة متعاقبة، ومنهم:
١ - أبو نصر، سهل بن عبد الله بن داود البخاري، من أعلام القرن الرابع، قال في كتابه (سرّ السلسلة العلويّة) معدّداً أولاد الامام علي الهادي (عليه السلام): وولد علي بن محمّد التقي (عليه السلام) جعفراً، وهو الذي تسمّيه الاماميّة جعفر الكذّاب، وإنّما تسمّيه الامامية بذلك، لادّعائه ميراث أخيه الحسن (عليه السلام) دون ابنه القائم الحجّة (عليه السلام) لا طعن في نسبه(٨٣).
٢ - علي بن محمّد العلوي العمري، من أعلام القرن الخامس الهجري، قال في كتابه (المجدي في أنساب الطالبيين):
مات أبو محمّد (عليه السلام)، وولده من نرجس معلوم عند خاصّة أصحابه وثقات أهله، وامتُحن المؤمنون، بل كافّة الناس، بغيبته، وشره جعفر بن علي إلى مال أخيه وحاله، فدفع أن يكون له ولد، وأعانه بعض الفراعنة علي قبض جواري أخيه(٨٤).
٣ - الفخر الرازي الشافعي، المتوفّي سنة ٦٠٦ هـ، قال في كتابه (الشجرة المباركة في أنساب الطالبيّة) معدّداً أولاد الامام الحسن العسكري (عليه السلام): أمّا الحسن العسكري الامام (عليه السلام) فله ابنان وبنتان: أمّا الابنان، فأحدهما صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف، والثاني موسى درج في حياة أبيه، وأمّا البنتان: ففاطمة درجت في حياة أبيها، واُمّ موسى درجت أيضاً(٨٥).
٤ - عزيز الدين أبو طالب إسماعيل بن الحسين المروزي الازورقاني، المتوفّي سنة ٦١٤، في كتابه (الفخري في أنساب الطالبيين) وصف جعفر بن الامام الهادي (عليه السلام) بالكذّاب لانكاره ولد أخيه الحجّة (عليه السلام)، ممّا يدلّ علي اعتقاده بولادة الإمام المهدي (عليه السلام)(٨٦).
٥ - جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين الداودي، المتوفّي سنة ٨٢٨ هـ، قال في كتابه (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب) معدّداً أولاد الامام أبي الحسن علي بن محمّد الهادي (عليه السلام): وأعقب من رجلين هما: الامام أبو محمّد الحسن العسكري (عليه السلام)، وكان من الزهد والعلم علي أمر عظيم، وهو والد الامام محمّد المهدي (صلوات الله عليه) ثاني عشر الائمة عند الاماميّة، وهو القائم المنتظر عندهم، من اُمّ ولد اسمها نرجس.
واسم أخيه أبو عبد الله جعفر الملقّب بالكذّاب، لادّعائه الامامة بعد أخيه الحسن (عليه السلام)(٨٧).
٦ - محمّد أمين السويدي، المتوفّي سنة ١٢٤٦ هـ، قال في كتابه (سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب): محمّد المهدي. وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، وكان مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، أقني الانف، صبيح الوجه(٨٨).
٧ - محمّد ويس الحيدري، في كتابه (الدرر البهيّة في الانساب الحيدريّة) قال - معدّداً أولاد الامام الهادي (عليه السلام) -: فالحسن العسكري أعقب المهدي صاحب السرداب... وقال: الامام محمّد المهدي: لم يذكر له ذرية ولا أولاد له أبداً(٨٩).
سابعاً - اعتراف علماء العامة بولادته وبكونه ابن الامام الحسن العسكري
هناك شهادات واعترافات كثيرة سجّلها بعض أعلام العامّة في مصادر معروفة أكدوا فيها علي ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، وذلك خلال فترات متعاقبة تمتدّ من عصر الغيبة (٢٦٠ هـ - ٣٢٩ هـ) إلى وقتنا الحاضر، وقد تصدّي البعض لجمع هذه الشهادات والاعترافات في بحوث خاصّة(٩٠).
هذا فضلاً عن الاعترافات الاُخري من علماء العامّة التي لا تقتصر علي ذكر ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) وحسب، بل تقرّ بكون الحجّة بن الحسن العسكري (عليه السلام) هو الإمام المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان لاقامة دولة الحقّ والاسلام والعدل، وأنّه حيّ غائب حتّى يأذن الله بظهوره (عليه السلام).
وقد ذكرنا نخبة من هذه الشهادات في الفصل السابع.
ثامناً - شهادة الوكلاء وغيرهم برؤيته
وشهد الإمام المهدي (عليه السلام) جماعة كثيرة من وكلائه (عليه السلام) وغيرهم ممّن وقف على معجزاته، وقد بلغوا من الكثرة حدّاً يمتنع معه اتّفاقهم علي الكذب، سيّما وإنّهم من بلدان شتّي، ورأوه في فترات متعاقبة خلال الغيبة الصغرى الممتدّة من سنة ٢٦٠ هـ إلى سنة ٣٢٩ هـ، وسنذكر تفصيل ذلك في الفصل العاشر والحادي عشر والثاني عشر.
هذه هي أهمّ الادلّة علي ولادة الامام الحجّة (صلوات الله عليه) وأكثرها يعتمد علي الرواية والاخبار، وهناك أدلّة اعتباريّة علي ولادته (عليه السلام) ذكرها الشيخ الطوسي في (الغيبة) حيث قال: فأمّا الكلام في ولادة صاحب الزمان وصحّتها، فأشياء اعتباريّة وأشياء إخباريّة.
فأمّا الاعتباريّة، فهو أنّه إذا ثبتت إمامته بما دللنا عليه من الاقسام، وإفساد كلّ قسم منها إلاّ القول بإمامته(٩١)، علمنا بذلك صحّة ولادته، وإن لم يرد فيه خبر أصلاً.
وأيضاً ما دللنا عليه من أنّ الائمة اثنا عشر(٩٢)، يدلّ علي صحّة ولادته، لانّ العدد لا يكون إلاّ لموجود.
وما دللنا علي أنّ صاحب الامر لا بدّ له من غيبتين(٩٣) يؤكد ذلك، لانّ كلّ ذلك مبنيّ علي صحّة ولادته(٩٤). ثمّ ذكر طرفاً من الاخبار الدالّة علي صحّة ولادته (عليه السلام).
وممّا يدلّ أيضاً علي ولادة الامام القائم (عليه السلام) وصحّة إمامته ما تواتر عن أئمة الهدي (عليهم السلام) من أنّ الله تعالى لا يخلي الارض من حجّة إمّا ظاهر مشهور أو غائب مستور، وأنّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، وسنذكر تفصيل ذلك في الفصل الخامس إن شاء الله تعالى.
ألقابه
ورد في الاخبار والروايات المتواترة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وكذلك في التواريخ والانساب، الكثير من ألقاب الامام الحجّة (عليه السلام) وأشهرها:
صاحب الزمان، والمهدي، والقائم، والحجّة، والخلف، والمنتظر(٩٥).
وفي دلائل الطبري أضاف لما ذكرناه:
الثائر، والمأمول، والمنتظر، والوتر، والمديل، والمنتقم، والوارث، وغاية الطالبين، وفرج المؤمنين، ومنية الصبر، وكاشف الغطاء، واليوم الموعود، وطالب الترات، والمحسن، والعدل، والقسط، والامان، والضياء، والنصر، والفتح، والقوّة، والعزّة، والقدرة، والملك(٩٦)، وغيرها كثير ممّا ورد في الاخبار والروايات.
في علة تسميته بالمهدي والقائم والمنتظر
١ - روي الشيخ الصدوق بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) - في حديث طويل يذكر فيه أسماء محمّد وعليّ وفاطمة والائمّة (عليهم السلام) - قال (صلى الله عليه وآله): وسمّي القائم قائماً لانّه يقوم بعد موت ذكره(٩٧).
٢ - وروي الشيخ المفيد والفتّال بالاسناد عن محمّد بن عجلان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إذا قام القائم (عليه السلام) دعا الناس إلى الاسلام جديداً، وهداهم إلى أمر قد دُثِر فَضَلّ عنه الجمهور، وإنّما سمّي القائم مهديّاً لأنّه يهدي إلى أمر مضلول عنه، وسمّي بالقائم لقيامه بالحقّ(٩٨).
٣ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن الصقر بن أبي دلف، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الرضا (عليه السلام) - في حديث - قال: قلت له: يا بن رسول الله، فمن الامام بعد الحسن؟ فبكي (عليه السلام) بكاءً شديداً، ثمّ قال: إنّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحقّ المنتظر.
فقلت له: يا بن رسول الله، لم سمّي القائم؟
قال: لأنّه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته.
فقلت له: ولم سمّي المنتظر؟
قال: لانّ غيبته تكثر أيامها، ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذّب فيها الوقّاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المُسلّمون(٩٩).
٤ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثمالي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) - في حديث - قال: قلت له: يا بن رسول الله، كلّكم قائمون بالحقّ؟ قال: بلي.
قلت: فلم سمّي القائم قائماً؟
قال: لمّا قتل جدّي الحسين (عليه السلام) ضجّت الملائكة إلى الله عزّ وجلّ بالبكاء والنحيب، وقالوا: إلهنا وسيّدنا انتقم ممّن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك، فأوحي الله عزّ وجلّ إليهم، قرّوا ملائكتي فوعزّتي وجلالي لانتقمن منهم ولو بعد حين.
ثمّ كشف الله عزّ وجلّ عن الائمة من ولد الحسين (عليه السلام) للملائكة، فسرّت الملائكة بذلك، فإذا أحدهم قائم يصلّي، فقال الله عزّ وجلّ: بذلك أنتقم منهم(١٠٠).
٥ - وروي بالاسناد عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث - قال (عليه السلام): وإنّما سمّي المهدي لأنّه يهدي لامر خفيّ، يستخرج التوراة وسائر كتب الله من غار بأنطاكية، فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الانجيل بالانجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان، وتجمع إليه أموال الدنيا كلّها، ما في بطن الارض وظهرها، فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الارحام، وسفكتم فيه الدماء، وركبتم فيه محارم الله، فيعطي شيئاً لم يعطه أحد كان قبله.
قال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هو رجل منّي اسمه كاسمي، يحفظني الله فيه، ويعمل بسنّتي، يملا الارض قسطاً وعدلاً ونوراً بعد ما تمتلئ ظلماً وجوراً وسوءاً(١٠١).
٦ - وروي الطبري بالاسناد عن محمّد بن علي السلمي، عن أبي جعفر محمّد ابن علي (عليه السلام)، قال: إنّما سمّي المهدي مهديّاً، لانّه يهدي لامر خفي، يهدي لما في صدور الناس، ويبعث إلى الرجل فيقتله، لا يُدري في أيّ شيء قتله، ويبعث ثلاثة راكب - قال: هي بلغة غطفان ركبان - أمّا راكب فيأخذ ما في أيدي أهل الذمّة من رقيق المسلمين فيعتقهم، وأمّا راكب فيظهر البراءة منهما: يغوث ويعوق في أرض العرب، وراكب يخرج التوراة من مغارة بأنطاكية، ويُعطي حكم سليمان(١٠٢).
٧ - وروي بالاسناد عن أنس بن مالك، قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم فرأي علياً (عليه السلام)، فوضع يده بين كتفيه، ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): يا علي، لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يملك رجل من عترتك، يقال له المهدي، يهدي إلى الله عزّ وجلّ، ويهتدي به العرب، كما هديت أنت الكفّار المشركين من الضلالة(١٠٣).
كنيته
كنيته (عليه السلام) كنية جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهو أبو القاسم، وعليه فهو شريكه (صلى الله عليه وآله) في الاسم والكنية، وهذا هو المشهور والمتواتر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): يخرج في آخر الزمان رجل يدعي من ولدي، اسمه كاسمي، وكنيته ككنيتي، يملا الارض عدلاً كما ملئت جوراً، وقال: فذلك هو المهدي(١٠٤).
ويكنّي (عليه السلام) أبا عبد الله، لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله: لو لم يبق في الدنيا إلاّ يوم واحد لبعث الله فيه رجلاً اسمه اسمي وخلقه خلقي يكنّي أبا عبد الله، يبايع له الناس بين الركن والمقام(١٠٥)، الحديث.
ويكنّي أيضاً أبا جعفر(١٠٦)، وقال الطبري في (الدلائل): وله (عليه السلام) كني أحد عشر إماماً(١٠٧).
نقش خاتمه
أنا حجّة الله وخاصّته(١٠٨).
نوابه
عثمان بن سعيد، ثمّ ابنه محمّد بن عثمان، ثمّ الحسين بن روح، ثمّ عليّ بن محمّد السمري(١٠٩).
تواريخه
ولد الإمام المهدي (عليه السلام) كما تقدّم في النصف من شعبان سنة ٢٥٥ هـ في عهد محمّد بن الواثق المهتدي، وقتل المهتدي سنة ٢٥٦ هـ، ثمّ تولّي بعده أحمد بن جعفر المتوكل العباسي، المعروف بالمعتمد.
وتوفّي الامام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) سنة ٢٦٠ هـ، فيكون عمر الإمام المهدي (عليه السلام) عند وفاة أبيه (عليه السلام) خمس سنين علي القول الاوّل المشهور الذي ذكرناه في ولادته (عليه السلام)، وستّ سنين علي القول الثاني في ولادته، أي ٢٥٤ هـ، وأربع سنين علي القول الثالث، أي ٢٥٦ هـ، وسنتين علي القول الرابع، أي سنة ٢٥٨ ه(١١٠).
ولقد آتاه الله تعالى الحكمة وفصل الخطاب، وجعله آية للعالمين، وآتاه الحكمة كما آتاها يحيي صبيّاً، وجعله إماماً في حال الطفولة الظاهرة كما جعل عيسى ابن مريم (عليه السلام) في المهد نبيّاً.
غيبته
لقد تواتر في الاخبار عن أئمة الهدي (عليهم السلام) أنّ للقائم (عليه السلام) غيبتين، وقد وقعتا بالفعل، فالغيبة الاُولي تبدأ من وفاة والده الامام الحسن العسكري (عليه السلام) في الثامن من شهر ربيع الاوّل سنة ٢٦٠ هـ، وتنتهي بوفاة السفير الرابع من سفرائه (عليه السلام) وهو أبو الحسن عليّ بن محمّد السمري في النصف من شعبان سنة ٣٢٩ هـ.
فعمر الغيبة الصغرى سبعون عاماً حافلة بالاحداث الجسام والتقلّبات العظام، انتقلت الخلافة العباسية فيها بين ستّة من خلفاء بني العباس، بينهم المعتمد الذي عاصر وفاة الامام العسكري (عليه السلام) ومبدأ الغيبة الصغرى حتّى عام ٢٧٩ هـ، حيث آلت الخلافة إلى المعتضد إلى عام ٢٨٩ هـ، فاستخلف المكتفي إلى عام ٢٩٥ هـ، وبعده المقتدر إلى عام ٣٢٠ هـ، ثمّ القاهر بالله حتّى سنة ٣٢٢ هـ، ثمّ الراضي بالله حتّى عام ٣٢٩ هـ، وهو عام وفاة النائب الرابع السمري عليه الرحمة، ونهاية عهد الغيبة الصغرى والسفارة.
وفي زمان الغيبة الصغرى انتقلت الوكالة الخاصّة أو السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام) بين أربعة من خيار خلق الله وخاصّته، حيث تخرج منه (عليه السلام) التوقيعات إلى شيعته بالامر والنهي علي أيديهم، ويوصلون إليه مسائل الشيعة وحوائجهم، ويوصلون أجوبته (عليه السلام)، والسفراء هم:
١ - أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عمرو العمري، وكان باباً لابيه وجدّه (عليهم السلام) من قبل وثقة لهما، ثمّ تولّي الوكالة للامام الحجّة (عليه السلام) وظهرت المعجزات علي يده.
٢ - أبو جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمري، فلمّا مضي عثمان بن سعيد العمري إلى رحمة ربّه، قام ابنه محمّد بن عثمان مقامه بنص الامام أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام) المتقدّم عليه، ونص أبيه عثمان عليه بأمر الامام الحجّة (عليه السلام).
قال الامام العسكري (عليه السلام): اشهدوا علي أنّ عثمان بن سعيد العمري وكيلي، وأنّ ابنه محمّداً وكيل ابني مهديّكم(١١١). والشيعة مجمعة علي عدالته وثقته وأمانته، ومضي علي منهاج أبيه في آخر جمادي الاخرة سنة ٣٠٤ هـ، أو ٣٠٥ هـ.
٣ - أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، فلمّا مضي أبو جعفر محمّد بن عثمان العمري إلى رحمة ربّه ورضوانه، قام بأمر السفارة والوكالة أبو القاسم الحسين بن روح، وذلك بالنص عليه من قبل محمّد بن عثمان العمري، وقد نص عليه قبل وفاته بسنتين أو ثلاث سنين، وذلك بأمر الامام الحجّة (عليه السلام)، وتوفّي الحسين بن روح سنة ٣٢٦ هـ.
٤ - أبو الحسن عليّ بن محمّد السمري، وهو آخر السفراء، وقد نص عليه أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي قبل وفاته بأمر الامام الحجّة (عليه السلام)، ولمّا حضرت أبي الحسن عليّ بن محمّد السمري الوفاة سئل أن يوصي، فقال: لله أمرٌ هو بالغه، ومضي سنة ٣٢٩ ه(١١٢).
وروي الشيخ الطوسي في كتاب (الغيبة) بسنده عن عليّ بن محمّد السمري، أنّه أخرج قبل وفاته بأيام إلى الناس توقيعاً نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، يا عليّ بن محمّد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيام، فاجمع أمرك ولا توصي إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلاّ بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الامد وقسوة القلوب وامتلاء الارض جوراً...(١١٣).
وتولّي الوكالة عن السفراء في زمان حياتهم أقوام ثقات ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة، وهم كثيرون منهم: أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، ومحمّد بن عليّ بن بلال، وعمر الاهوازي، وأحمد بن إسحاق، وأبو محمّد الوجناني، وإبراهيم بن مهزيار، ومحمّد بن إبراهيم، وأبو الحسين محمّد بن جعفر الاسدي، وإبراهيم بن محمّد الهمداني، وأحمد بن حمزة بن اليسع(١١٤) وغيرهم ممّن وردت الرواية بهم، أو خرجت التوقيعات بمدحهم أو علي أيديهم، وسنأتي علي تفصيل أحوالهم وأحوال السفراء الاربعة وأحوال المدّعين للسفارة كذباً وافتراءً في الفصل الثامن إن شاء الله.
أمّا الغيبة الكبرى فتبدأ بموت السفير الرابع علي بن محمّد السمري سنة ٣٢٩ هـ، وهي السنة التي مات فيها الشيخ علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي (رحمه الله) والشيخ محمّد بن يعقوب الكليني (رحمه الله).
وبعد مضيّ السمري وقعت الغيبة التامّة، حتّى يجيء وقت الظهور والنهوض بالمهمّة الكبرى، بإذن الله تعالى ذكره ومشيئته، وذلك بعد طول الامد وقسوة القلوب وامتلاء الارض ظلماً وجوراً.
قال الله تعالى: (وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلي الَّذينَ اسْتُضْعِفوا في الارْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثينَ، وَنُمَكنَ لَهُمْ في الارْضِ)(١١٥)، وقال تعالى: (وَلَقَدْ كتَبْنا في الزَّبورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكرِ أنَّ الارْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحون)(١١٦).
ولقد اختلف في رؤيته (عليه السلام) خلال الغيبة الكبرى، فقد ورد عنه (عليه السلام): سيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن يدّعي المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر(١١٧).
ونقل عن كثير من الصلحاء والاخيار أنّهم رأوه وسمعوا منه خلال الغيبة الكبرى، والله العالم بحقيقة الاحوال، علي أنّا سنأتي علي تفصيل ذلك وتحقيقه في الفصل الثامن والثاني عشر إن شاء الله تعالى.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا ويسعدنا بما أسعد به أهل الاخلاص من رؤية وليّه والتشرّف به، وكشف الحيرة والجهل بعلمه وفرجه، ونسأله تعالى أن يعجّل في فرج مولانا صاحب الزمان لنسعد برؤية طلعته الكريمة، ونعيش في ظلّ دولته العادلة، وأن يوفّقنا لان نكون من أعوانه وأنصاره علي إظهار الحقّ وإزالة حجب الجور والظلم، إنّه تعالى علي كلّ شيء قدير.
صفته وحليته
وممّا ورد في صفة الإمام المهدي وحليته (عليه السلام) علي لسان النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته المعصومين:
١ - عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام)، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو علي المنبر: يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان، أبيض مشرب بالحمرة، مبدح البطن(١١٨)، عريض الفخذين، عظيم مشاش(١١٩) المنكبين، بظهره شامتان: شامة علي لون جلده، وشامة علي شبه شامة النبيّ (صلى الله عليه وآله)(١٢٠).
٢ - وعن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المهدي من ولدي، وجهه كالكوكب الدرّي، واللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي(١٢١).
٣ - وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليبعثن الله تعالى من عترتي رجلاً أفرق الثنايا، أجلي الجبهة، يملا الارض قسطاً وعدلاً، ويفيض المال فيضاً(١٢٢).
٤ - وعن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً، تكون له غيبة وحيرة تضلّ فيها الاُمم، ثمّ يقبل كالشهاب الثاقب، يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً(١٢٣).
٥ - وعن أبي اُمامة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المهدي من ولدي، ابن أربعين سنة، كأنّ وجهه كوكب درّي، في خدّه الايمن خال أسود، عليه عباءتان قطوانيّتان(١٢٤)، كأنّه من رجال بني إسرائيل، يملك عشرين سنة، يستخرج الكنوز ويفتح مدائن الشرك(١٢٥).
٦ - وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: المهدي مولده بالمدينة، من أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله)، واسمه اسم ابني، ومهاجرته بيت المقدس، كثّ اللحية، أكحل العينين، برّاق الثنايا، في وجهه خال، وفي كتفه علامة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، يخرج براية النبيّ (صلى الله عليه وآله) من مرط معلّمة سوداء مربّعة فيها حجر، لم تنشر منذ توفّي (صلى الله عليه وآله)، ولا تنشر حتّى يخرج المهدي يمدّه الله بثلاثة آلاف من الملائكة، يضربون وجوه من خالفهم وأدبارهم، يبعث وهو ما بين الثلاثين إلى الاربعين(١٢٦).
٧ - وروي عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: سأل عمر بن الخطّاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: أخبرني عن المهدي ما اسمه؟
فقال (عليه السلام): أمّا اسمه، فإنّ حبيبي (عليه السلام) عهد إلى ألاّ اُحدّث به حتّى يبعثه الله.
قال: فأخبرني عن صفته؟ قال: هو شابّ مربوع، حسن الوجه، حسن الشعر، يسيل شعره علي منكبيه، ويعلو نور وجهه سواد شعر لحيته ورأسه، بأبي ابن خيرة الاماء(١٢٧).
٨ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: ليقومنّ علي اُمّتي رجل من أهل بيتي، أقني أجلي(١٢٨)، يوسع الارض عدلاً كما اُوسِعت جوراً، يملك سبع سنين(١٢٩).
٩ - وعن أبي وائل، قال: نظر أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) إلى الحسين (عليه السلام) فقال: إنّ ابني هذا سيّد كما سمّاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيّداً، وسيخرج الله من صلبه رجلاً باسم نبيّكم، يشبهه في الخَلق والخُلق، يخرج علي حين غفلة من الناس، وإماتة للحقّ، وإظهار للجور، يفرح بخروجه أهل السماوات وسكانها، وهو رجل أجلى الجبين، أقني الانف، ضخم البطن، أزيل الفخذين، بفخذه اليمني شامة، أفلج الثنايا(١٣٠).
١٠ - وعن حمران بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له (عليه السلام): سألتك بقرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنت صاحب هذا الامر والقائم به؟ قال: لا.
قلت: فمن هو بأبي أنت واُمّي؟ فقال: ذاك المشرب حمرة، الغائر العينين، المشرف الحاجبين، عريض ما بين المنكبين، برأسه حزاز، وبوجهه أثر، رحم الله موسى(١٣١).
١١ - وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أو أبي جعفر (عليه السلام)، قال: يا أبا محمّد، بالقائم علامتان: شامة في رأسه، وداء الحزاز برأسه، وشامة بين كتفيه من جانبه الايسر، تحت كتفه الايسر ورقة مثل ورقة الاس، ابن سبيّة وابن خيرة الاماء(١٣٢).
١٢ - وعن عبد الرحيم القصير، قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): قول أمير المؤمنين (عليه السلام): بأبي ابن خيرة الاماء، أهي فاطمة (عليها السلام)؟ فقال: إنّ فاطمة (عليها السلام) خيرة الحرائر، ذاك المبدح البطن المشرب حمرة(١٣٣).
١٣ - وروي ثعلبة بن ميمون، عن يزيد بن أبي حازم، قال: خرجت من الكوفة، فلمّا قدمت المدينة دخلت علي أبي عبد الله (عليه السلام) فسلّمت عليه، فسألني هل صاحبك أحد؟ فقلت: نعم، صحبني رجل من المعتزلة.
قال: فما كان يقول؟ قلت: كان يزعم أنّ محمّد بن عبد الله بن الحسن يرجي هو القائم، والدليل علي ذلك أنّ اسمه اسم النبيّ (صلى الله عليه وآله) واسم أبيه اسم أبي النبيّ (صلى الله عليه وآله).
فقلت له في الجواب: إن كنت تأخذ بالاسماء، فهو ذا في ولد الحسين (عليه السلام) محمّد ابن عبد الله بن عليّ. فقال لي: إنّ هذا ابن أمة - يعني محمّد بن عبد الله بن عليّ - وهذا ابن مهيرة - يعني محمّد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن.
فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام): فما رددت عليه؟ فقلت: ما كان عندي شيء أردّ عليه. فقال لي: أوَ لم تعلموا أنّه ابن سبيّة، يعني القائم (عليه السلام)(١٣٤).
١٤ - وعن زيد الكناسي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) يقول: إنّ صاحب هذا الامر فيه شبه من يوسف، من أمة سوداء، يصلح الله أمره في ليلة(١٣٥).
١٥ - وعن الريّان بن الصلت، عن الامام أبي الحسن الرضا (عليه السلام) - في حديث - قال: إنّ القائم هو الذي إذا خرج كان في سنّ الشيوخ ومنظر الشبّان، قوياً في بدنه حتّى لو مدّ يده إلى أعظم شجرة علي وجه الارض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، يكون معه عصا موسى وخاتم سليمان (عليهما السلام)(١٣٦)، الحديث.
١٦ - وعن أبي الصلت الهروي، قال: قلت للرضا (عليه السلام): ما علامات القائم منكم إذا خرج؟ قال: علامته أن يكون شيخَ السنّ، شابّ المنظر، حتّى أنّ الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها، وإنّ من علاماته أن لا يهرم بمرور الايام والليالي حتّى يأتيه أجله(١٣٧).
إلى هنا انتهى الفصل الاوّل عن ملامحه (عليه السلام).

الفصل الثاني: عالمية الاعتقاد بالمهدي والبشارات السماويّة

ليس المهدي (عليه السلام) تجسيداً لعقيدة إسلاميّة ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان لطموح اتّجهت إليه البشريّة بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغة لالهام فطري، أدرك الناس من خلاله - علي الرغم من تنوّع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب - أنّ للانسانيّة يوماً موعوداً علي الارض، تحقّق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير، وهدفها النهائي، وتجد فيه المسيرة المكدودة للانسان علي مرّ التأريخ استقرارها واطمئنانها، بعد عناء طويل، لتُملا الارض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
بل لم يقتصر الشعور بهذا اليوم الغيبي والمستقبل المنتظر علي المؤمنين دينياً بالغيب، بل امتدّ إلى غيرهم أيضاً وانعكس حتّى علي أشدّ الايديولوجيات والاتجاهات العقائديّة رفضاً للغيب والغيبيات، كالمادّية الجدليّة التي فسّرت التأريخ علي أساس التناقضات، وآمنت بيوم موعود، تصفّي فيه كلّ تلك التناقضات، وسيسود فيه الوئام والسلام. وهكذا نجد أنّ التجربة النفسيّة لهذا الشعور التي مارستها الانسانيّة علي مرّ الزمان، من أوسع التجارب النفسيّة اطمئناناً وأكثرها أملاً بين المجتمع الانساني.
وحينما يدعم الدين هذا الشعور النفسي العامّ، ويؤكد أنّ الارض في نهاية المطاف ستملا قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً، يعطي لذلك الشعور قيمته الموضوعيّة ويحوّله إلى إيمان حاسم بمستقبل المسيرة الانسانيّة. وهذا الايمان ليس مجرّد مصدر للسلوة والعزاء فحسب، بل مصدر عطاء وقوّة وأمل، فهو مصدر عطاء، لانّ الايمان بالمهدي إيماناً برفض الظلم والجور حتّى يسود الدنيا كلّها العدل، وهو مصدر قوّة ودفع لا ينضب، لأنّه بصيص نور وأمل يقاوم اليأس في نفس الانسان، ويحافظ علي الامل المشتعل في الصدور مهما ادلهمّت الخطوب وتعمّق الظلم، لانّ اليوم الموعود، يثبت أنّ بإمكان العدل أن يسود ويواجه عالماً مليئاً بالظلم والجور فيزعزع ما فيه من أركان الظلم، ويقيم بناءه من جديد كصرح شامخ، وأنّ الظلم مهما تجبّر وامتدّ في أرجاء العالم وسيطر علي مقدّراته، فهو حالة غير طبيعية، ولا بدّ أن ينهزم. وتلك الهزيمة الكبرى المحتومة للظلم وهو في قمّة جبروته، تضع الامل كبيراً أمام كلّ فرد مظلوم، وكلّ اُمّة مظلومة في القدرة علي تغيير الميزان وإعادة البناء مجدّداً.
وإذا كانت فكرة المهدي (عليه السلام) أقدم من الاسلام وأوسع منه، فإنّ معالمها التفصيليّة التي حدّدها الاسلام جاءت أكثر إشباعاً لكلّ الطموحات التي انشدّت إلى هذه الفكرة منذ فجر التأريخ الديني، وأغني عطاءً وأقوي إثارةً لاحاسيس المظلومين والمعذّبين علي مرّ التأريخ؛ وذلك لانّ الاسلام حوّل الفكرة من غيب إلى واقع، ومن مستقبل إلى حاضر، ومن التطلّع إلى منقذ تتمخّض عنه الدنيا في المستقبل البعيد المجهول، إلى الايمان بوجود المنقذ فعلاً، وتطلّعه مع المتطلّعين إلى اليوم الموعود، واكتمال كلّ الظروف التي تسمح له بممارسة دوره الفعّال العظيم، فلم يعد المهدي (عليه السلام) فكرة ننتظر ولادتها، ونبوءة نتطلّع إلى مصداقيّتها، بل واقعاً قائماً ننتظر فاعليّته وإنساناً معيّناً يعيش بيننا ويرانا ولا نراه، ويعيش مع آمالنا وآلامنا، ويشاركنا أحزاننا وأفراحنا، ويشهد كلّ ما تزخر به الساحة علي وجه الارض من عذاب المعذّبين وبؤس البائسين وظلم الظالمين، سواءً كان ذلك من قريب أو بعيد، وينتظر بلهفة اللحظة التي يتاح له فيها أن يمدّ يده إلى كلّ مظلوم وكلّ محروم، وكلّ بائس ليقطع دابر الظالمين.
وقد قدّر لهذا القائد العظيم المنتظر أن لا يعلن عن نفسه، ولا يكشف للاخرين حياته علي الرغم من أنّه يعيش معهم انتظاراً للّحظة الموعودة لانقاذهم.
ومن الواضح أنّ الفكرة بهذه المعالم الاسلاميّة، تقرّب الهوّة الغيبيّة بين المظلومين - كلّ المظلومين - والمنقذ المنتظر، وتجعل الجسر بينهم وبينه في شعورهم النفسي قصيراً مهما طال الانتظار.
ونحن حينما يراد منّا أن نؤمن بفكرة المهدي، بوصفها تعبيراً عن إنسان حيّ محدّد يعيش فعلاً كما نعيش ويترقّب كما نترقّب، يراد الايماء إلينا بأنّ فكرة الرفض المطلق لكلّ ظلم وجور التي يمثّلها المهدي، تجسّدت فعلاً في القائد الرافض المنتظر، الذي سيظهر وليس في عنقه بيعة لظالم كما في الحديث، وأنّ الايمان به إيمانٌ بهذا الرفض الحيّ القائم فعلاً ومواكبةٌ له.
وقد ورد في الاحاديث الحثّ المتواصل علي انتظار الفرج، ومطالبة المؤمنين بالمهدي أن يكونوا بانتظاره، وفي ذلك تحقيق لتلك الرابطة الروحيّة، والصلة الوجدانيّة بينهم وبين القائد الرافض، وكلّ ما يرمز إليه من قيم، وهي رابطة وصلة ليس بالامكان إيجادها ما لم يكن المهدي قد تجسّد فعلاً في إنسان حيّ معاصر.
وهكذا نلاحظ أنّ هذا التجسيد أعطي الفكرة زخماً جديداً، وجعل منها مصدر عطاء وقوّة بدرجة أكبر، إضافة إلى ما يجد أيّ إنسان رافض من سلوة وعزاء وتخفيف لما يقاسيه من آلام الظلم والحرمان، حين يحسّ أنّ إمامه وقائده يشاركه هذه الالام ويتحسّس بها فعلاً بحكم كونه إنساناً معاصراً، يعيش معه وليس مجرّد فكرة مستقبليّة(١٣٨).
فكرة المهدي عند الشعوب والاديان
إنّ فكرة ظهور المنقذ العظيم الذي سينشر العدل والرخاء بظهوره في آخر الزمان، ويقضي علي الظلم والاضطهاد في أرجاء العالم، ويحقّق العدل والمساواة في دولته الكريمة، فكرة آمن بها أهل الاديان الثلاثة، واعتنقتها معظم الشعوب.
فقد آمن اليهود بها، كما آمن النصاري بعودة عيسى (عليه السلام)، وصدّق بها الزرادشتيون بانتظاهم عودة بهرام شاه، واعتنقها مسيحيّو الاحباش بترقّبهم عودة ملكهم تيودور كمهديّ في آخر الزمان، وكذلك الهندوس اعتقدوا بعودة فيشنو، ومثلهم المجوس إزاء ما يعتقدونه من حياة (أوشيدر).
وهكذا نجد البوذيّين ينتظرون ظهور بوذا، كما ينتظر الاسبان ملكهم روذريق، والمغول قائدهم جنكيزخان.
وقد وجد هذا المعقتد عند قدامي المصريين، كما وجد في القديم من كتب الصينيّين.
وإلى جانب هذا نجد التصريح من عباقرة الغرب وفلاسفته بأنّ العالم في انتظار المصلح العظيم الذي سيأخذ بزمام الاُمور ويوحّد الجميع تحت راية واحدة وشعار واحد، منهم: الفيلسوف الانجليزي الشهير برتراند راسل B. Rusil، قال: (إنّ العالم في انتظار مصلح يوحّد العالم تحت علم واحد وشعار واحد).
ومنهم: العلاّمة آينشتاين Ainshtayn صاحب (النظرية النسبية)، قال: (إنّ اليوم الذي يسود العالم كلّه الصلح والصفاء، ويكون الناس متحابّين متآخين ليس ببعيد).
والاكثر من هذا كلّه هو ما جاء به الفيلسوف الانكليزي الشهير برنارد شو Birnard Sho، حيث بشّر بمجيء المصلح في كتابه (الانسان السوبرمان SuperMan).
وفي ذلك يقول الاُستاذ الكبير عباس محمود العقّاد في كتابه (برنارد شو) معلّقاً: (يلوح لنا أنّ سوبرمان برناردشو ليس بالمستحيل، وأنّ دعوته إليه لا تخلو من حقيقة ثابتة)(١٣٩).
إجماع المسلمين
أمّا عن المسلمين فهم علي اختلاف مذاهبهم وفرقهم يعتقدون بظهور الإمام المهدي في آخر الزمان وعلي طِبق ما بشّر به النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ولا يختصّ هذا الاعتقاد بمذهب دون آخر، ولا فرقة دون اُخري، وما أكثر المصرّحين من علماء أهل السنّة ابتداءً من القرن الثالث الهجري وإلى اليوم بأنّ فكرة الظهور محلّ اتفاقهم، بل ومن عقيدتهم أجمع، والاكثر من هذا إفتاء الفقهاء منهم بوجوب قتل من أنكر ظهور المهدي، وبعضهم قال بوجوب تأديبه بالضرب الموجع والاهانة، حتّى يعود إلى الحقّ والصواب على رغم أنفه - علي حدّ تعبيرهم -. كما سنشير إليه في الفتوي الصادرة علي طبق معتقد المذاهب الاربعة في الفصل السادس.
ولهذا قال ابن خلدون معبّراً عن عقيدة المسلمين بظهور المهدي: (إعلم أنّ المشهور بين الكافّة من أهل الاسلام علي ممرّ الاعصار، أنّه لا بدّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت، يؤيّد الدين، ويُظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي علي الممالك الاسلامية، ويسمّي المهدي).
وقد وافقه علي ذلك الاُستاذ أحمد أمين الازهري المصري - علي الرغم ممّا عرف عنه من تطرّف إزاء هذه العقيدة - فقال معبّراً عن رأي أهل السنّة بها: (فأمّا أهل السنّة فقد آمنوا بها أيضاً) ثمّ ذكر نص ما ذكره ابن خلدون.
ثمّ قال: (وقد أحصي ابن حجر الاحاديث المرويّة في المهدي فوجدها نحو الخمسين).
ثمّ ذكر ما قرأه من كتب أهل السنّة حول المهدي فقال: (قرأت رسالة للاُستاذ أحمد بن محمّد الصديق في الردّ علي ابن خلدون سمّاها: (إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون)، وقد فنّد كلام ابن خلدون في طعنه علي الاحاديث الواردة في المهدي وأثبت صحّة الاحاديث، وقال: إنّها بلغت التواتر).
وقال في موضع آخر: (قرأت رسالة اُخري في هذا الموضوع عنوانها: (الاذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة) لابي الطيّب بن أبي أحمد بن أبي الحسن الحسني).
وقال أيضاً: (قد كتب الامام الشوكاني كتاباً في صحّة ذلك سمّاه: التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجّال والمسيح).
إذن لا فرق بين الشيعة وأهل السنّة من حيث الايمان بظهور المنقذ ما دام أهل السنّة قد وجدوا في ذلك خمسين حديثاً من طرقهم، وعدّوا ظهور المهدي من أشراط الساعة، وأثبتوا بطلان كلام ابن خلدون في تضعيفه لبعض الاحاديث الواردة في ذلك، وأنّهم ألّفوا في الردّ أو القول بالتواتر كتباً ورسائل، بل لا فرق بين جميع المسلمين وبين غيرهم من أهل الاديان والشعوب الاُخري من حيث المبدأ والايمان بأصل الفكرة وإن اختلفوا في مصداقها، مع اتفاق المسلمين علي أنّ اسمه (محمّد) كاسم النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ولقبه عندهم هو (المهدي).
ومن هنا يعلم أنّ اتفاق أهل الاديان السابقة ومعظم الشعوب والقوميات وعباقرة الغرب وفلاسفتهم - مع تعداد الاديان، وتباين المعتقدات، واختلاف الافكار والاراء والعادات - علي أصل الفكرة، لا يمكن أبداً أن يكون بلا مستند لاستحالة تحقّق مثل هذا الاتفاق جزافاً(١٤٠).
البشارات السماوية بالإمام المهدي
إنّ اعتقاد أهل الكتاب بظهور المنقذ في آخر الزمان لا يبعد أن يكون من تبشير أديانهم بمهدي أهل البيت (عليهم السلام) كتبشيرها بنبوّة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّهم أخفوا ذلك عناداً وتكبّراً إلاّ من آمن منهم بالله واتّقي(١٤١).
ويدلّ علي ذلك وجود ما يشير في أسفار التوراة إلى ظهور المهدي في آخر الزمان، كما في النص الذي نقله الكاتب أبو محمّد الاردني من (سفر أرميا) وإليك نصه: (اصعدي أيّتها الخيل وهيّجي المركبات، ولتخرج الابطال: كوش وقوط القابضان المجنّ، واللوديّون القابضون القوس، فهذا اليوم للسيّد ربّ الجنود، يوم نقمة للانتقام من مبغضيه، فيأكل السيف ويشبع... لانّ للسيّد ربّ الجنود ذبيحة في أرض الشمال عند نهر الفرات).
وهناك ما هو أوضح من هذا بكثير جدّاً، فقد قال الاُستاذ سعيد أيوب في كتابه (المسيح الدجّال): (ويقول كعب: مكتوب في أسفار الانبياء: المهدي ما في عمله عيب)، ثمّ علّق علي هذا النص بقوله: (وأشهد أنّني وجدته كذلك في كتب أهل الكتاب).
لقد تتبّع أهل الكتاب أخبار المهدي كما تتبّعوا أخبار جدّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فدلّت أخبار سفر الرؤيا إلى امرأة يخرج من صلبها اثنا عشر رجلاً، ثمّ أشار إلى امرأة اُخري، أي: التي تلد الرجل الاخير الذي هو من صُلب جدّته، وقال السفر: إنّ هذه المرأة الاخيرة ستحيط بها المخاطر، ورمز للمخاطر باسم (التنّين) وقال: (والتنّين وقف أمام المرأة العتيدة حتّى تلد يبتلع ولدها متى ولدت)، سفر الرؤيا ١٢/ ٣، أي: أنّ السلطة كانت تريد قتل هذا الغلام، ولكن بعد ولادة الطفل يقول باركلي Barkly في تفسيره: (عندما هجمت عليها المخاطر اختطف الله ولدها وحفظه).
والنص (واختطف الله ولدها) سفر الرؤيا ١٢/ ٥، أي: أنّ الله غيّب هذا الطفل كما يقول باركلي.
وذكر السفر أنّ غيبة الغلام ستكون ألفاً ومئتين وستّين يوماً، وهي مدّة لها رموزها عند أهل الكتاب، ثمّ قال باركلي عن نسل المرأة عموماً: إنّ التنين سيعمل حرباً شرسة مع نسل المرأة كما قال السفر: (فغضب التنّين علي المرأة، وذهب ليصنع حرباً مع باقي نسلها الذين يحفظون وصايا الله (سفر الرؤيا ١٢/ ١٣).
وهذا وإن لم يصحّ لمسلم الاحتجاج به، لما مُنيت به كتب العهدين من تحريف وتبديل، إلاّ أنّه يدلّ بوضوح علي معرفة أهل الكتاب بالمهدي، ثمّ اختلافهم فيما بعد في تشخصيه، إذ ليس كلّ ما جاء به الاسلام قد تفرّد به عن الاديان السابقة، فكثير من الاُمور الكلّية التي جاء بها الاسلام كانت في الشرائع السابقة قبله.
قال الشاطبي: (وكثير من الايات اُخبر فيها بأحكام كلّية كانت في الشرائع المتقدّمة وهي في شريعتنا، ولا فرق بينهما).
وإذا تقرّر هذا فلا يَضُرُّ اعتقاد المسلم بصحّة ما بشّر به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من ظهور رجل من أهل بيته في آخر الزمان، أن يكون هذا المعتقد موجوداً عند أهل الكتاب (اليهود والنصاري) أو عند غيرهم ممّن سبق الاسلام، ولا يخرج هذا المعتقد عن إطاره الاسلامي بعد أن بشّر به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد الايمان بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) (ما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى إنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يوحى).
وأمّا عن اعتقادات الشعوب المختلفة بأصل هذه الفكرة كما مرّ، فيمكن تفسيرها علي أساس أنّ فكرة ظهور المنقذ لا تتعارض مع فطرة الانسان وطموحاته وتطلّعاته، ولو فكر الانسان قليلاً في اشتراك معظم الشعوب بأصل الفكرة لادرك أنّ وراء هذا الكون حكمة بالغة في التدبير، يستمدّ الانسان من خلالها قوّته في الصمود إزاء ما يري من انحراف وظلم وطغيان، ولا يُترك فريسة يأسه دون أن يزوّد بخيوط الامل والرجاء بأنّ العدل لا بدّ له أن يسود.
وأمّا عن اختلاف أهل الاديان السابقة والشعوب في تشخيص اسم المنقذ المنتظر، فلا علاقة له في إنكار ما بشّر به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليس هناك ما يدعو إلى بيان فساد تشخيصهم لاسم المنقذ، ما دام الاسلام قد تصدّي بنفسه لهذه المهمّة فبيّن اسمه، وحسبه، ونسبه، وأوصافه، وسيرته، وعلامات ظهوره، وطريقة حكمه، حتّى تواترت بذلك الاخبار واستفاضت بكثرة رواتها من طرق أهل السنّة، كما صرّح بذلك أعلامهم وحفّاظهم وفقهاؤهم ومحدّثوهم، وقد روي تلك الاخبار عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يزيد علي خمسين صحابياً.
وأمّا عن اختلاف المسلمين فيما بينهم من حيث تشخيص اسم المهدي كما هو معلوم بين أهل السنّة والشيعة، فليس فيه أدني حجّة للمستشرقين وأذنابهم، بل هو - علي العكس - من الادلّة القاطعة عليه، لأنّه من قبيل الاختلاف في تفاصيل شيء متحقّق الوجود، كاختلافهم في القرآن الكريم بين القول بقِدَمه وحدوثه من الله تعالى، مع اتفاقهم علي تكفير منكره، وقس عليه سائر اختلافاتهم الاُخرى في تفاصيل بعض العقائد دون اُصولها(١٤٢).
فالايمان بوجود مصلح ومنقذ للبشريّة لم تكن مسألة تنفرد بها الشيعة الامامية، بل إنّ جميع المذاهب والاديان تؤمن بذلك، فاليهودية تؤمن بوجود منقذ ومخلّص يظهر في (جبل صهيون) وقد جاءت في (سفر أشعيا) الاشارة إلى هذا المعني:
ستخرج من القدس بقيّة من (جبل صهيون).
غيرةُ ربّ الجنود ستصنع هذا.
وكما ورد التأكيد علي هذا المعني في (سفر زكريا):
ابتهجي كثيراً يا بنت صهيون.
هو ذا ملكك سيأتي إليك.
عادل ومنصور.
فالايمان بمنقذ للبشريّة مسألة لا غبار عليها مهما حاول الفكر اليهودي - الصهيوني تشويه ولبس الحقائق المتعلّقة بظهور هذا المنقذ، لانّ ذلك نابع من الطبيعة الصهيونية المعاندة للحقّ والمحبّة للذات والاستعلاء وعدم الاعتراف بالشعوب الاُخرى.
اشعيا يبشر بالقائم
وفي جانب آخر من سفر (أشعيا) نجد إشارات صريحة بظهور المنقذ وكيفية حكمه وارتباطه بالله تعالى، التي لها دلالات لما ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام) بخصوص الإمام المهدي (عليه السلام) وفيما يلي نموذج لهذه الاشارات من (سفر أشعيا):
- ويحلُّ عليه روح الربّ وروح الحكمة والفهم، وروح المشورة والقوّة، وروح المعرفة ومخافة الربّ.
- ولذّته في مخافة الربّ، ولا يقضي بحسب مرأي عينيه، ولا بحسب مسمع اُذنيه.
- ويحكم بالانصاف لبائسي الارض ويضرب الارض بقضيب فمه، ويميت المنافق بنفخة شفتيه.
- ويسكن الذئب والخروف، ويربض النمر مع الجدي، والعجل والشبل معاً، وصبي صغير يسوقها.
- ويلعب الرضيع علي سَرَب الصلّ، ويمدّ الفطيم يده علي حُجرْ الافعوان.
- لا يسيئون ولا يفسدون في كلّ جبل قدسيّ.
لانّ الارض تمتلئ من معرفة الربّ.
كما تغطّي المياه البحر.
وأمّا في الفقرة (١٠) فقد جاءت الاشارة إلى الامام (عليه السلام) بأحد ألقابه وهو (القائم):
- وفي ذلك اليوم سيرفع (القائم) رايةً للشعوب والاُمم التي تطلبه وتنتظره ويكون محلّه مجداً.
لذا فإنّ هذه (البشارة) تنطبق علي محمّد (صلى الله عليه وآله) وآل محمّد (عليهم السلام) لأنّه لم يكن في (بني إسرائيل) ولا في ولد إسماعيل (عليهم السلام) رؤساء بهذا العدد، وإنّ البركة والخير الكثير لا يناسب إلاّ الشجرة المحمّدية المباركة، ويؤيّد ذلك قوله تعالى: (إنَّا أعْطَيْناك الكوْثَر) أي: الخير الكثير وكثرة النسل من الصدّيقة الطاهرة (فاطمة الزهراء) سلام الله عليها.
الإمام المهدي والنداء السماوي
يمكن أن نلحظ من خلال بشارة (يوحنا) الاشارة إلى الإمام المهدي (عليه السلام) حيث جاء في (سفر يوحنا):
ثمّ رأيت ملاكاً طائراً في وسط السماء.
معه بشارة أبدية ليبشّر الساكنين علي الارض.
وكلّ اُمّة وقبيلة ولسان وشعب.
منادياً بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجداً.
لانّه قد جاءت ساعة حكمه.
واسجدوا لصانع السماء والارض والبحر وينابيع المياه.
نجد في هذا النص الذي أخبر عنه (يوحنا) إشارة إلى (الصيحة الحقّ)، قال تعالى: (فَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِنْ مَكان قَريب، يَوْمَ يَسْمَعونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذلِك يَوْمُ الخُروج)(١٤٣).
فالقائم (عليه السلام) ينادي باسمه واسم أبيه حسب ما جاء في تفسير الاية (٤١) من سورة (ق)، وما جاء في تفسير الاية (٤٢) (الصيحة بالحقّ) هي صيحة القائم من السماء، وذلك يوم الخروج.
ولا تنحصر فكرة المنقذ بالاديان السماوية، بل إنّ هذه الفكرة نجدها في مختلف المذاهب والفلسفات بما فيها الوثنية والالحادية.
ولخّص الشهرستاني عقيدة النصاري في العبارة الاتية: (نؤمن بالله الواحد الاب مالك كلّ شيء وصانع ما يُري وما لا يُري، وبالابن الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد، بكر الخلائق كلّها، الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلّها، وليس بمصنوع، إله حقّ من إله حقّ، من جوهر أبيه الذي بيده اُتقنت العوالم وخلق كلّ شيء من أجلنا ومن أجل معشر الناس ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء وتجسّد من روح القدس وصار إنساناً، وقُتل وصُلب أيام فيلاطوس، ودفن ثمّ قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه وهو مستعدّ للمجيء تارةً اُخري للقضاء بين الاموات والاحياء...).
بينما استقرّت أوضاع الديانة البرهمية علي الاعتقاد بتثليث الالهة، وإن كان ثالوثها يختلف عن ثالوث المسيحيين في نشأه كلّ أقنوم من أقانيمه وعمله وصفاته، وذلك أنّها تقرّر أنّ الاله براهما كان قبل الوجود وأنّه خلق العالم وسمّي نفسه الخالق.
ثمّ انبثق منه الاله سيفا Civa وهو الاله المدمّر الموكل بالخراب والفناء، ولو تُرك هذا الاله وشأنه لفنيت السماوات والارض ومن فيهنّ ولهذا انبثق من (براهما) إله ثالث محافظ مجدّد هو الاله (فيشنو).
ويظهر أنّ فكرة الخلاص بتقديم الاله نفسه فداءً لتكفير خطيئة أزليّة متلبّسة بها الانسانية، قد انتقلت إلى المسيحية من الديانات الهندية كذلك، فالبرهميون يعتقدون أنّ كريشنا هو الاله (فيشنو) قد خلّص الانسان بتقديم نفسه ذبيحةً عنه، ويصوّرون (فيشنو) مصلوباً مثقوب اليدين والرجلين وعلي قميصه قلب الانسان معلّقاً.
ويعتقد البوذيون في (بوذا) حتّى أنّه ليسمّونه (المسيح) المولود الوحيد ومخلّص العالم، ويقولون: إنّه إله كامل تجسّد (بالناسوت) وأنّه قدّم نفسه ذبيحةً ليكفّر ذنوب البشر.
وتجدر الاشارة هنا إلى أنّ (المسيح) في (العقيدة المانوية) كلّ حياته وولادته وآلامه من أجل التكفير عن خطايا البشر، فالشخص الذي رُبط علي الصليب في رأيهم لم يكن المسيح بعينه، وإنّما كان عميلاً للشيطان الذي أراد أن يوقف نشاط المسيح، فربطه المسيح علي الصليب بنفسه عقاباً علي سوء سلوكه، أمّا المسيح فإنّه اختفي وسيعود في المستقبل.
ومن هنا يتّضح أنّ جميع الديانات والفلسفات تؤكد علي مسألة ظهور المنقذ والمخلّص في آخر الزمان.
فالحقائق والاشارات التي ورد ذكرها في (الكتاب المقدّس) بشأن الرسول (صلى الله عليه وآله) أكد القرآن المجيد على وجودها فيه، كما أكد علي وجود منتظرين للرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من اليهود والنصاري في المدينة المنوّرة قبل ظهور دعوة الاسلام(١٤٤).

الفصل الثالث: الآيات المفسرة بالإمام المهدي

إنّ ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان وإقامته دولة القسط والعدل علي أنقاض دول الظلم والفساد ومؤسسات الظلم والجور، أمرٌ منقول بالتواتر عن نبيّ الهدي والرحمة (صلى الله عليه وآله) ومن طرق صحيحة متّفق عليها عند المسلمين كافة.
والروايات الواردة عن أئمة الهدي عترة المصطفى (عليهم السلام) في الإمام المهدي(عليه السلام) كثيرة لا يبلغها الاحصاء، وقد ورد أغلبها بطرق صحيحة متّفق عليها بشتّي الالفاظ، ولا يرقي إليها أدني ريب أو شك.
وممّا لا ريب فيه أنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هم عدول القرآن بنص حديث جدّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي) لذا فإنّ فهم تأويل القرآن وتفسيره فهماً صحيحاً منوطٌ بفهم وإدراك حديثهم (عليهم السلام) سيّما في مثل مسألة ظهور الامام المصلح الذي سيغيّر وجه التأريخ ومصير الانسانية بإقامة اُسس العدل والمساواة والاخاء والرخاء.
وإذا تأمّلنا النصوص القرآنيّة نجد أنّ القرآن الكريم هو الاخر يؤيّد ما ورد في السنّة المباركة في هذه المسألة المصيرية، من خلال الاحاديث الكثيرة المرويّة عن أهل البيت (عليهم السلام) والاخبار والاقوال المرويّة عن الصحابة والتابعين والمفسّرين الواردة في الايات القرآنية المفسّرة بالإمام المهدي (عليه السلام) الذي سيظهر في آخر الزمان، أو المؤوّلة بالاحداث التي تقارن ظهوره (عليه السلام) كنزول عيسى وظهور الدجّال والسفياني وخسف البيداء والصيحة والنداء وغيرها.
ولقد اقتصرنا في هذا الفصل علي ذكر الايات المفسّرة بالإمام المهدي (عليه السلام) دون أن نذكر تفاصيل الايات المفسّرة بالاحداث المقارنة لظهوره المبارك، وذلك رعايةً للاختصار أوّلاً، ولأنّنا سنذكر مجمل هذه الاحداث في علامات الظهور بشيء من التفصيل.
ولا يفوتنا أن نذكر في مقدّمة هذا الفصل أنّ الروايات التي سنذكرها في هذا الفصل جاء بعضها مؤيّداً بأقوال الصحابة أو التابعين أو المفسّرين وبعض المصنّفين من العامّة، كما سيلاحظ القارئ الكريم في الاية ١٤٨ من سورة البقرة، والاية ٤١ من سورة المائدة، والاية ٣٣ من سورة التوبة، والاية ٥ من سورة القصص، والايتين ٦١ و٦٢ من سورة الاحزاب، والاية ٦١ من سورة الزخرف.
علي أنّ ما سنذكره في هذا الفصل يشتمل علي مجموع ما اخترناه من الايات المفسّرة في ظهور الامام (عليه السلام) أو ذكر غيبته أو أصحابه، وقد رتّبناه وفقاً لترتيب السور القرآنية والايات ليكون أسهل تناولاً.
أمّا الاحاطة بجميع الايات المفسّرة بالامام (عليه السلام)، فهو أمرٌ يحتاج إلى كتاب مستقلّ ينهض بهذه المهمّة، ويمكن للقارئ الكريم أن يراجع كتاب (المحجّة في ما نزل في القائم الحجّة (عليه السلام))(١٤٥) للسيّد هاشم البحراني، فهو من الكتب الاختصاصيّة بهذا الموضوع، أو الجزء الخامس من كتاب (معجم أحاديث المهدي (عليه السلام))(١٤٦) فهو كتاب يلمّ بأطراف الموضوع بشكل ميسور وشيّق.
وفيما يلي نذكر الايات المفسّرة بالإمام المهدي (عليه السلام) مرتّبة وفقاً لترتيب السور والايات.
سورة البقرة
قوله تعالى: (الَّذينَ يُؤْمِنونَ بِالغَيْبِ)(١٤٧).
١ - روي الخزّاز بالاسناد عن جابر بن عبد الله الانصاري، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) - في حديث طويل - قال (صلى الله عليه وآله) في آخره: طوبي للصابرين في غيبته، طوبي للمتّقين علي محجّتهم، اُولئك وصفهم الله تعالى في كتابه وقال: (الَّذينَ يُؤْمِنونَ بِالغَيْبِ)، وقال: (اُوْلئِك حِزْبُ اللهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحون)(١٤٨).
٢ - وروي البرسي، عن عمّار بن ياسر، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب الواحدة، قال: قوله تعالى: (الَّذينَ يُؤْمِنونَ بِالغَيْبِ) الغيب: يوم الرجعة، ويوم القيامة، ويوم القائم، وهي أيام آل محمّد (عليهم السلام) وإليها الاشارة بقوله تعالى: (وَذَكرْهُمْ بِأيَّامِ اللهِ)(١٤٩)، الحديث(١٥٠).
٣ - وروي السيّد شرف الدين النجفي بالاسناد عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث - قال: (الَّذينَ يُؤْمِنونَ بِالغَيْبِ) وهو البعث والنشور وقيام القائم والرجعة(١٥١).
٤ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن يحيي بن أبي القاسم، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: (ألم، ذلِك الكتابُ لا رَيْبَ فيهِ هُديً لِلْمُتَّقينَ، الَّذينَ يُؤْمِنونَ بِالغَيْبِ) فقال: المتّقون: شيعة علي (عليه السلام)، والغيب: فهو الحجّة الغائب، وشاهد ذلك قول الله عزّ وجلّ: (وَيَقولونَ لَوْلا اُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبَّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ للهِ فَانْتَظِروا إنِّي مَعَكمْ مِنَ المُنْتَظِرين)(١٥٢).
٥ - وروي أيضاً بالاسناد عن داود بن كثير الرقّي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قول الله عزّ وجلّ: (الَّذينَ يُؤْمِنونَ بِالغَيْبِ)، قال: من أقرّ بقيام القائم أنّه حقّ(١٥٣).
قوله تعالى: (لَهُمْ في الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ في الاخِرَةِ عَذابٌ عَظيم)(١٥٤).
٦ - روي الطبري في تفسيره والشيخ الطوسي في التبيان وغيرهما بالاسناد عن السدّي، في قوله تعالى: (لَهُمْ في الدُّنْيا خِزْيٌ) قال: أمّا خزيهم في الدنيا، فإنّه إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم، فذلك الخزي(١٥٥).
قوله تعالى: (أيْنَما تَكونوا يَأتِ بِكمُ اللهُ جَميعاً إنَّ اللهَ عَلي كلِّ شَيْء قَدير)(١٥٦).
٧ - عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: لا يزال الناس ينقصون حتّى لا يقال (الله). فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه(١٥٧)، فيبعث الله قوماً من أطرافها، يجيئون قَزَعاً كقَزَع الخريف، والله إنّي لاعرفهم وأعرف أسماءهم وقبائلهم واسم أميرهم، وهم قوم يحملهم الله كيف يشاء، من القبيلة الرجل والرجلين - حتّى بلغ تسعة - فيتوافون من الافاق ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدّة أهل بدر، وهو قول الله: (أيْنَما تَكونوا يَأتِ بِكمُ اللهُ جَميعاً إنَّ اللهَ عَلي كلِّ شَيْء قَدير) حتّى أنّ الرجل ليحتبي فلا يحلّ حبوته حتّى يبلغه الله ذلك(١٥٨).
٨ - عن أبي خالد الكابلي، عن سيّد العابدين عليّ بن الحسين (عليه السلام) أنّه قال: المفقودون عن فرشهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، عدّة أهل بدر فيصبحون بمكة، وهو قول الله عزّ وجلّ: (أيْنَما تَكونوا يَأتِ بِكمُ اللهُ جَميعاً)، وهم أصحاب القائم(١٥٩).
٩ - وعن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) - في حديث طويل يذكر فيه علامات ظهور الامام الحجّة (عليه السلام) - قال: ويجيء والله ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكة علي غير ميعاد قزعاً كقزع الخريف يتبع بعضهم بعضاً، وهي الاية التي قال الله تعالى: (أيْنَما تَكونوا يَأتِ بِكمُ اللهُ جَميعاً إنَّ اللهَ عَلي كلِّ شَيْء قَدير)، فيبايعونه بين الركن والمقام، ومعه عهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد توارثته الابناء عن الاباء(١٦٠)، الحديث.
١٠ - وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) - في حديث طويل يذكر فيه غيبة الامام الحجّة (عليه السلام) وأحداث ظهوره - قال (عليه السلام): يكون أوّل خلق الله يبايعه جبرئيل، ويبايعه الثلاثمائة والبضعة عشر رجلاً، فمن ابتلي في المسير وافاه في تلك الساعة، ومن لم يبتل بالمسير فُقِد عن فراشه، ثمّ قال: هو والله قول عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): المفقودون عن فرشهم، وهو قول الله تعالى: (فَاسْتَبِقوا الخَيْراتِ أيْنَما تَكونوا يَأتِ بِكمُ اللهُ جَميعاً) أصحاب القائم الثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً.
قال: هم والله الاُمّة المعدودة التي قال الله في كتابه: (وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى اُمَّة مَعْدودَة)(١٦١).
قال: يجمعون في ساعة واحدة قزعاً كقزع الخريف، فيصبح بمكة فيدعوا الناس إلى كتاب الله وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله)(١٦٢)، الحديث.
١١ - وعن المفضّل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لقد نزلت هذه الاية في المفتقدين من أصحاب القائم (عليه السلام)، قوله تعالى: (أيْنَما تَكونوا يَأتِ بِكمُ اللهُ جَميعاً) إنّهم ليفتقدون عن فرشهم ليلاً فيصبحون بمكة، وبعضهم يسير في السحاب، يُعرَف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه.
قال: قلت: جعلت فداك، أيّهم أعظم إيماناً؟ قال: الذي يسير في السحاب نهاراً(١٦٣).
١٢ - وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قوله تعالى: (فَاسْتَبِقوا الخَيْراتِ أيْنَما تَكونوا يَأتِ بِكمُ اللهُ جَميعاً) قال: نزلت في القائم وأصحابه، يُجْمَعون علي غير ميعاد(١٦٤).
١٣ - وعن أبي سمينة عن مولي لابي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قوله تعالى: (أيْنَما تَكونوا يَأتِ بِكمُ اللهُ جَميعاً)، قال: وذلك والله أن لو قام قائمنا يجمع الله إليه شيعتنا من جميع البلدان(١٦٥).
١٤ - وعن السيّد عبد العظيم الحسني (رضي الله عنه)، قال: قلت لمحمّد بن عليّ بن موسى (عليه السلام): إنّي لارجو أن تكون القائم من أهل بيت محمّد (صلى الله عليه وآله) الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً؟
فقال (عليه السلام): يا أبا القاسم، ما منّا إلاّ وهو قائم بأمر الله عزّ وجلّ، وهاد إلى دين الله، ولكن القائم الذي يطهّر الله عزّ وجلّ به الارض من أهل الكفر والجحود، ويملؤها عدلاً وقسطاً، هو الذي تخفي علي الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه ويحرم عليهم تسميته، وهو سميّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكنيّه، وهو الذي تطوي له الارض، ويذلّ له كلّ صعب، ويجتمع إليه من أصحابه عدّة أهل بدر، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أقاصي الارض، وذلك قول الله عزّ وجلّ: (أيْنَما تَكونوا يَأتِ بِكمُ اللهُ جَميعاً إنَّ اللهَ عَلي كلِّ شَيْء قَدير).
فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الاخلاص أظهر الله أمره، فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن الله عزّ وجلّ، فلا يزال يقتل أعداء الله حتّى يرضي الله عزّ وجلّ(١٦٦)، الحديث.
قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكمْ بِشَيْء مِنَ الخَوْفِ وَالجوعِ وَنَقْص مِنَ الامْوالِ وَالانْفُسِ وَالَّثمَراتِ وَبَشِّرَ الصَّابِرين)(١٦٧).
١٥ - عن الثمالي، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله: (وَلَنَبْلُوَنَّكمْ بِشَيْء مِنَ الخَوْفِ وَالجوعِ) فقال: ذلك جوع خاصّ وجوع عامّ، فأمّا بالشام فإنّه عامّ، وأمّا الخاصّ بالكوفة يخصّ ولا يعمّ، ولكنّه يخصّ بالكوفة أعداء آل محمّد عليه الصلاة والسلام، فيهلكهم الله بالجوع، وأمّا الخوف فإنّه عامّ بالشام، وذاك الخوف إذا قام القائم (عليه السلام)، وأمّا الجوع فقبل قيام القائم (عليه السلام)، وذلك قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكمْ بِشَيْء مِنَ الخَوْفِ وَالجوعِ)(١٦٨).
١٦ - وروي محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)، قال: إنّ قدّام القائم علامات تكون من الله عزّ وجلّ للمؤمنين.
قلت: ما هي جعلني الله فداك؟ قال: ذلك قول الله عزّ وجلّ: (وَلَنَبْلُوَنَّكمْ) يعني المؤمنين قبل خروج القائم (عليه السلام) (بِشَيْء مِنَ الخَوْفِ وَالجوعِ وَنَقْص مِنَ الامْوالِ وَالانْفُسِ وَالَّثمَراتِ وَبَشِّرَ الصَّابِرين).
قال: يبلوهم (بِشَيْء مِنَ الخَوْفِ) من ملوك بني فلان في آخر سلطانهم (وَالجوعِ) بغلاء أسعارهم (وَنَقْص مِنَ الامْوالِ) قال: كساد التجارات وقلّة الفضل، (وَ) نقص من (الانْفُسِ)، قال: موت ذريع، (وَ) نقص من (الَّثمَراتِ)، قال: قلّة ريع ما يزرع، (وَبَشِّرَ الصَّابِرين) عند ذلك بتعجيل خروج القائم (عليه السلام).
ثمّ قال لي: يا محمّد، هنا تأويله إنّ الله تعالى يقول: (وَما يَعْلَمُ تَأويلَهُ إلاّ اللهُ وَالرَّاسِخونَ في العِلْمِ)(١٦٩).
١٧ - وعن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا بدّ أن يكون قدّام القائم سنة يجوع فيها الناس ويصيبهم خوف شديد من القتل ونقص من الاموال والانفس والثمرات، فإنّ ذلك في كتاب الله لبيّن، ثمّ تلا هذه الاية: (وَلَنَبْلُوَنَّكمْ بِشَيْء مِنَ الخَوْفِ وَالجوعِ وَنَقْص مِنَ الامْوالِ وَالانْفُسِ وَالَّثمَراتِ وَبَشِّرَ الصَّابِرين)(١٧٠).
قوله تعالى: (فَلَمَّا فَصَلَ طالوت بِالجُنودِ قالَ إنَّ اللهَ مُبْتَليكمْ بِنَهَر)(١٧١)، الاية.
١٨ - روي أبو بصير عن الامام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنّه قال: إنّ أصحاب طالوت ابتلوا بالنهر الذي قال الله تعالى: (مُبْتَليكمْ بِنَهَر) وإنّ أصحاب القائم (عليه السلام) يبتلون بمثل ذلك(١٧٢).
سورة آل عمران
قوله تعالى: (إنَّ أوْلي النَّاسِ بِإبْراهيمَ لَلَّذينَ اتَّبَعوهُ وَهذا النَّبِيُّ وَالَّذينَ آمَنوا وَاللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنين)(١٧٣).
١٩ - عن عبد الاعلي الحلبي، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) - في حديث طويل يذكر فيه خطبة الإمام المهدي (عليه السلام) عند الكعبة -: والله لكأنّي أنظر إليه وقد أسند ظهره إلى الحجر، ثمّ ينشد الله حقّه، ثمّ يقول: يا أيّها الناس، من يحاجّني في الله، فأنا أولي الناس بالله، ومن يحاجّني في آدم فأنا أولي الناس بآدم، يا أيّها الناس من يحاجّني في نوح، فأنا أولي الناس بنوح، يا أيّها الناس من يحاجّني في إبراهيم، فأنا أولي الناس بإبراهيم(١٧٤).
قوله تعالى: (وَلَهُ أسْلَمَ مَنْ في السَّماواتِ وَالارْضِ طَوْعاً وَكرْهاً وَإلَيْهِ يُرْجَعون)(١٧٥).
٢٠ - قال الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): وينادي مناد في شهر رمضان من ناحية المشرق عندما تطلع الشمس، يا أهل الهدي اجتمعوا، وينادي من ناحية المغرب بعدما تغيب الشمس: يا أهل الضلالة اجتمعوا، ومن الغد عن الظهر تكوّر الشمس فتكون سوداء مظلمة، واليوم الثالث يُفرَق بين الحقّ والباطل بخروج دابّة الارض.
وتقبل الروم إلى قرية بساحل البحر عند كهف الفتية، ويبعث الله الفتية من كهفهم إليهم رجل يقال له تمليخا، والاخر كمسلمينا، وهما الشهداء المُسلِّمون للقائم، فيبعث أحد الفتية إلى الروم، فيرجع بغير حاجة، ويبعث بالاخر فيرجع بالفتح، فيومئذ تأويل هذه الاية: (وَلَهُ أسْلَمَ مَنْ في السَّماواتِ وَالارْضِ طَوْعاً وَكرْهاً)(١٧٦).
٢١ - وروي رفاعة بن موسى عن الامام الصادق (عليه السلام)، قال: (وَلَهُ أسْلَمَ مَنْ في السَّماواتِ وَالارْضِ طَوْعاً وَكرْهاً) إذا قام القائم (عليه السلام) لا تبقي أرض إلاّ نودي فيها بشهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله(١٧٧).
٢٢ - وعن ابن بكير، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوله تعالى: (وَلَهُ أسْلَمَ مَنْ في السَّماواتِ وَالارْضِ طَوْعاً وَكرْهاً)، فقال: اُنزلت في القائم إذا خرج باليهود والنصاري والصابئين والزنادقة وأهل الردّة والكفّار في شرق الارض وغربها، فعرض عليهم الاسلام، فمن أسلم طوعاً أمره بالصلاة والزكاة وما يُؤمَر به المسلم ويجب لله عليه، ومن لم يسلم ضرب عنقه حتّى لا يبقي في المشارق والمغارب أحدٌ إلاّ وحّد الله.
قلت له: جعلت فداك، إنّ الخلق أكثر من ذلك؟
فقال: إنّ الله إذا أراد أمراً قلّل الكثير وكثّر القليل(١٧٨).
قوله تعالى: (بَلي إنْ تَصْبِروا وَتَتَّقوا يُمْدِدْكمْ رَبُّكمْ بِخَمْسَةِ آلاف مِنَ المَلائِكةِ مُسَوّمين)(١٧٩).
٢٣ - روي ضريس بن عبد الملك، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إنّ الملائكة الذين نصروا محمّداً (صلى الله عليه وآله) يوم بدر في الارض ما صعدوا بعدُ ولا يصعدون حتّى ينصروا صاحب هذا الامر، وهم خمسة آلاف(١٨٠).
قوله تعالى: (إنْ يَمْسَسْكمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْك الايَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ)(١٨١).
٢٤ - روي زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قول الله تعالى: (وَتِلْك الايَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ)، قال: ما زال مذ خلق الله آدم دولة لله ودولة لابليس، فأين دولة الله؟ أما هو إلاّ قائم واحد(١٨٢).
قوله تعالى: (أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذينَ جاهَدوا مِنْكمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرين)(١٨٣).
٢٥ - روي أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن الامام الرضا (عليه السلام) قال: كان جعفر (عليه السلام) يقول: والله لا يكون الذي تمدّون إليه أعناقكم حتّى تميّزوا وتمحّصوا، ثمّ يذهب من كلّ عشرة شيء، ولا يبقي منكم إلاّ الاندر، ثمّ تلا هذه الاية: (أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذينَ جاهَدوا مِنْكمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرين)(١٨٤).
قوله تعالى: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا اصْبِروا وَصابِروا وَرابِطوا وَاتَّقوا اللهَ لَعَلَّكمْ تُفْلِحون)(١٨٥).
٢٦ - روي بريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)، في معني قوله تعالى: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا اصْبِروا وَصابِروا وَرابِطوا)، قال: اصبروا علي أداء الفرائض، وصابروا عدوّكم، ورابطوا إمامكم المنتظر(١٨٦).
سورة النساء
قوله تعالى: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا أطيعوا اللهَ وَأطيعوا الرَّسولَ وَاُولي الامْرِ مِنْكمْ)(١٨٧).
٢٧ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: لمّا أنزل الله عزّ وجلّ علي نبيّه محمّد (صلى الله عليه وآله): (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا أطيعوا اللهَ وَأطيعوا الرَّسولَ وَاُولي الامْرِ مِنْكمْ(قلت: يا رسول الله عَرَفنا الله ورسوله، فمن اُولو الامر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟
فقال (صلى الله عليه وآله): هم خلفائي يا جابر، وأئمّة المسلمين من بعدي، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن والحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ المعروف في التوراة بالباقر، وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرئه منّي السلام، ثمّ الصادق جعفر ابن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ عليّ بن موسى، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ عليّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن عليّ، ثمّ سميّي وكنيّي، حجّة الله في أرضه، وبقيّته في عباده ابن الحسن ابن عليّ، ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره علي يديه مشارق الارض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبةً لا يثبت فيها علي القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للايمان.
قال جابر: فقلت له: يا رسول الله، فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال (صلى الله عليه وآله): إي والذي بعثني بالنبوّة، إنّهم يستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّلها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سرّ الله ومخزون علمه، فاكتمه إلاّ عن أهله(١٨٨).
قوله تعالى: (وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللهُ واسِعاً حَكيماً)(١٨٩).
٢٨ - قال أمير المؤمنين (عليه السلام) من خطبة طويلة تسمّي المخزون، قال (عليه السلام) في وصف الحياة في ظلّ دولة المهدي (عليه السلام): فتستبشر الارض بالعدل، وتعطي السماء قطرها، والشجر ثمرها، والارض نباتها، وتتزيّن لاهلها، وتأمن الوحوش حتّى ترتعي في طرق الارض كأنعامهم، ويُقذَف في قلوب المؤمنين العلم، فلا يحتاج مؤمن إلى ما عند أخيه من العلم، فيومئذ تأويل هذه الاية: (يُغْنِ اللهُ كلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللهُ واسِعاً حَكيماً)(١٩٠).
قوله تعالى: (وَإنْ مِنْ أهْلِ الكتابِ إلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكونُ عَلَيْهِمْ شَهيداً)(١٩١).
٢٩ - روي أبو حمزة عن شهر بن حوشب، قال: قال لي الحجّاج: إنّ آية في كتاب الله قد أعيتني.
فقلت: أيّها الامير أيّة آية هي؟
فقال: قوله: (وَإنْ مِنْ أهْلِ الكتابِ إلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) والله إنّي لامر باليهودي والنصراني فيضرب عنقه، ثمّ أرمقه بعيني، فما أراه يحرّك شفتيه حتّى يخمد!
فقلت: أصلح الله الامير، ليس علي ما تأوّلت.
قال: كيف هو؟
قلت: إنّ عيسى ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا، فلا يبقي أهل ملّة يهودي ولا نصراني إلاّ آمن به قبل موته، ويصلّي خلف المهدي.
قال: ويحك أنّي لك هذا، ومن أين جئت به؟
فقلت: حدّثني به محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).
فقال: جئت بها والله من عين صافية(١٩٢).
٣٠ - وقال الشيخ الطوسي في تفسيره: واختلفوا في الهاء (في قوله: ليؤمنن به) إلى من ترجع. فقال قوم: هي كناية عن عيسى (عليه السلام)، كأنّه قال: لا يبقي أحد من اليهود إلاّ يؤمن بعيسى قبل موت عيسى بأن ينزله الله إلى الارض إذا خرج المهدي (عليه السلام) وأنزله الله لقتل الدجّال، فتصير الملل كلّها ملّة واحدة، وهي ملّة الاسلام الحنيفيّة دين إبراهيم (عليه السلام)، ذهب إليه ابن عباس وأبو مالك والحسن وقتادة وابن زيد، وذلك حين لا ينفعهم الايمان.
واختاره الطبري، قال: والاية خاصّة لمن يكون في ذلك الزمان، وهو الذي ذكره عليّ بن إبراهيم في تفسيره من أصحابنا(١٩٣).
سورة المائدة
قوله تعالى: (لَهُمْ في الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ في الاخِرَةِ عَذابٌ عَظيم)(١٩٤).
٣١ - روي الشيخ الطوسي والسيّد ابن طاووس عن السدّي في هذه الاية، قال: خزيهم في الدنيا أنّهم إذا قام المهدي وفتحت قسطنطينة قتلهم(١٩٥).
قوله تعالى: (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكمْ عَنْ دينِهِ فَسَوْفَ يَأتي اللهُ بِقَوْم يُحِبَّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)(١٩٦).
٣٢ - قال أمير المؤمنين (عليه السلام): سيأتي الله بقوم يحبّهم الله ويحبّونه، ويملك من هو بينهم غريب، فهو المهدي، أحمر الوجه، بشعره صُهبة، يملا الارض عدلاً بلا صعوبة، يعتزل في صغره عن اُمّه وأبيه، ويكون عزيزاً في مُربّاه، فيملك بلاد المسلمين بأمان، ويصفو له الزمان، ويسمع كلامه ويطيعه الشيوخ والفتيان، ويملا الارض عدلاً كما ملئت جوراً(١٩٧).
٣٣ - وروي سليمان بن هارون العجلي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّ صاحب هذا الامر محفوظ له أصحابه، لو ذهب الناس جميعاً أتي الله له بأصحابه، وهم الذين قال الله عزّ وجلّ: (فَإنْ يَكفُرُ بِها هؤلاءِ فَقَدْ وَكلْنا بِها قَوْماً لَيْسوا بِها بِكافِرين)(١٩٨) وهم الذين قال الله فيهم: (فَسَوْفَ يَأتي اللهُ بِقَوْم يُحِبَّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أذِلَّة عَلي المُؤْمِنينَ أعِزَّة عَلي الكافِرين)(١٩٩).
٣٤ - وعن عليّ بن إبراهيم القمّي في قوله تعالى: (فَسَوْفَ يَأتي اللهُ بِقَوْم يُحِبَّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قال: نزلت في القائم (عليه السلام) وأصحابه (يُجاهِدونَ في سَبيلِ اللهِ وَلا يَخافونَ لَوْمَةَ لائِم)(٢٠٠).
سورة الأنعام
قوله تعالى: (حَتَّى إذا فَرِحوا بِما اُوتوا أخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإذا هُمْ مُبْلِسون)(٢٠١).

٣٥ - روي محمّد بن فضيل، عن أبي حمزة، أنّه سأل الامام أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن هذه الاية فقال (عليه السلام): يعني قيام القائم(٢٠٢).
قوله تعالى: (يَوْمَ يَأتي بَعْضُ آياتِ رَبِّك لا يَنْفَعُ نَفْساً إيْمانُها لَمْ تَكنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كسَبَتْ في إيْمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِروا إنَّا مُنْتَظِرونَ)(٢٠٣).
٣٦ - روي خثيمة، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، في قوله تعالى: (يَوْمَ يَأتي بَعْضُ آياتِ رَبِّك) الاية، قال (عليه السلام): يعني صَفوتنا ونُصرتنا.
قلت: إنّما قَدَر الله عنه باللسان واليدين والقلب.
قال (عليه السلام): يا خثيمة، ألم تكن نصرتنا باللسان كنصرتنا بالسيف، ونصرتنا باليدين أفضل، والقيام فيها.
إلى أن قال: يا خثيمة، إنّ الاسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبي للغرباء.
يا خثيمة، سيأتي علي الناس زمان لا يعرفون الله ولا ما هو التوحيد، حتّى يكون خروج الدجّال، وحتّى ينزل عيسى بن مريم من السماء، ويقتل الله الدجّال علي يده، ويصلّي بهم رجل منّا أهل البيت، ألا تري أنّ عيسى يصلّي خلفنا وهو نبيّ إلاّ ونحن أفضل منه(٢٠٤).
٣٧ - وروي الحسن بن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: (يَوْمَ يَأتي بَعْضُ آياتِ رَبِّك لا يَنْفَعُ نَفْساً إيْمانُها لَمْ تَكنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ).
قال (عليه السلام): الايات هم الائمة، والاية المنتظرة هو القائم (عليه السلام)، فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف، وإن آمنت بمن تقدّمه من آبائه (عليهم السلام)(٢٠٥).
٣٨ - وروي أبو بصير، عن الامام الصادق (عليه السلام)، في قوله عزّ وجلّ: (يَوْمَ يَأتي بَعْضُ آياتِ رَبِّك لا يَنْفَعُ نَفْساً إيْمانُها لَمْ تَكنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أوْ كسَبَتْ في إيْمانِها خَيْراً)، قال (عليه السلام): يعني خروج القائم المنتظر منّا.
ثمّ قال (عليه السلام): يا أبا بصير، طوبي لشيعة قائمنا المنتظرين لظهوره في غيبته والمطيعين له في ظهوره (اُولئِك أوْلِياءُ اللهِ الَّذينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنون)(٢٠٦).
٣٩ - وروي عبد الله بن سليمان العامري، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: ما زالت الارض ولله فيها حجّة يعرف الحلال والحرام، ويدعو إلى سبيل الله، ولا ينقطع الحجّة من الارض إلاّ أربعين يوماً قبل يوم القيامة، فإذا رفعت الحجّة اُغلق باب التوبة، ولم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أن ترفع الحجّة، اُولئك شرار من خلق الله، وهم الذين تقوم عليهم القيامة(٢٠٧).
سورة الأعراف
قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرونَ إلاّ تَأويلَهُ يَوْمَ يَأتي تَأويلُهُ يَقولُ الَّذينَ نَسوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبَّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءُ فَيَشْفَعوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَل غَيْرَ الَّذي كنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِروا أنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانوا يَفْتَرون)(٢٠٨).
٤٠ - قال عليّ بن إبراهيم القمّي: ذلك في القائم (عليه السلام) ويوم القيامة(٢٠٩).
قوله تعالى: (فَانْتَظِروا إنِّي مَعَكمْ مِنَ المُنْتَظِرين)(٢١٠).
٤١ - روي محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: سألته عن شيء في الفرج، فقال: أوَ ليس تعلم أنّ انتظار الفرج من الفرج؟ إنّ الله يقول: (فَانْتَظِروا إنِّي مَعَكمْ مِنَ المُنْتَظِرين)(٢١١).
٤٢ - وروي أحمد بن محمّد، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: ما أحسن الصبر وانتظار الفرج! أما سمعت قول العبد الصالح: انتظروا إنّي معكم من المنتظرين(٢١٢).
قوله تعالى: (إنَّ الارْضَ للهِ يورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقين)(٢١٣).
٤٣ - روي أبو صادق عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: دولتنا آخر الدول، ولم يبقَ أهل بيت لهم دولة إلاّ ملكوا قبلنا، لئلاّ يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عزّ وجلّ: (وَالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقين)(٢١٤).
قوله تعالى: (وَمِنْ قَوْمِ موسى اُمَّةٌ يَهْدونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلون)(٢١٥).
٤٤ - روي المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا قام قائم آل محمّد استخرج من ظهر الكعبة سبعة وعشرين رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى الذين يقضون بالحقّ وبه يعدلون، وسبعة من أصحاب الكهف، ويوشع وصيّ موسى ومؤمن آل فرعون، وسلمان الفارسي، وأبا دجانة الانصاري، ومالك الاشتر(٢١٦).
قوله تعالى: (إذْ أخَذَ رَبُّك مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأشْهَدَهُمْ عَلي أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكمْ قالوا بَلي شَهِدْنا)(٢١٧).
٤٥ - روي حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنّه قال في حديث ذكر فيه الذرّ والميثاق: ثمّ أخذ الميثاق علي النبيّين، فقال: ألست بربّكم؟ ثمّ قال: وإنّ هذا محمّد رسولي؟ وإنّ هذا عليّ أمير المؤمنين؟ قالوا: بلي. فثبتت لهم النبوّة، وأخذ الميثاق علي اُولي العزم: ألا إنّي ربّكم، ومحمّد رسولي، وعليّ أمير المؤمنين، وأوصياؤه من بعده ولاة أمري وخزّان علمي، وإنّ المهدي أنتصر به لديني، واُظهر به دولتي، وأنتقم به من أعدائي، واُعبَدُ به طوعاً وكرهاً. قالوا: أقررنا وشهدنا يا ربّ(٢١٨).
قوله تعالى: (يَسْألونَك عَنِ السَّاعَةِ أيَّانَ مُرساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلاّ هُوَ ثَقُلَتْ في السَّماواتِ وَالارْضِ لا تَأتيكمْ إلاّ بَغْتَةً)(٢١٩).
٤٦ - روي الكميت عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) - في حديث سأله فيه عن وقت قيام المهدي (عليه السلام) - قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّما مثله كمثل الساعة، لا تأتيكم إلاّ بغتة(٢٢٠).
وعن دعبل بن علي الخزاعي، قال: أنشدت مولاي الرضا عليّ بن موسى(عليه السلام) قصيدتي التي أوّلها:

مدارسُ آيات خَلَت من تلاوة * * * ومنزلُ وحي مقفر العرصاتِ

فلمّا انتهيت إلى قولي:

خروجُ إمام لا محالة خارجٌ * * * يقوم علي اسم الله والبركاتِ
يميّز فينا كلّ حقٍّ وباطل * * * ويجزي علي النعماء والنعماتِ

بكى الرضا (عليه السلام) بكاءً شديداً، ثمّ رفع رأسه إلى فقال لي: يا خزاعي، نطق روح القدس علي لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الامام؟ ومتى يقوم؟
فقلت: لا يا مولاي، إلاّ أنّي سمعت بخروج إمامٌ منكم يطهّر الارض من الفساد ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً.
فقال: يا دعبل، الامام بعدي محمّد ابني، وبعد محمّد ابنه علي، وبعد عليّ ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، ولو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم حتّى يخرج فيملا الارض عدلاً كما ملئت جوراً.
وأمّا متى فإخبار عن الوقت، فقد حدّثني أبي، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قيل له: يا رسول الله، متى يخرج القائم من ذرّيتك؟
فقال (صلى الله عليه وآله): (مثله مثل الساعة التي لا يجلّيها لوقتها إلاّ هو ثقلت في السماوات والارض لا تأتيكم إلاّ بغتة)(٢٢١).
سورة الأنفال
قوله تعالى: (وَقاتُلوهُمْ حَتَّى لا تَكونَ فِتْنَةٌ وَيَكونَ الدِّين كلّهُ للهِ فَإنْ انْتَهَوا فَإنَّ اللهَ بِما يَعْمَلونَ بَصير)(٢٢٢).
٤٧ - عن محمّد بن مسلم، قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): قول الله عزّ وجلّ: (وَقاتُلوهُمْ حَتَّى لا تَكونَ فِتْنَةٌ وَيَكونَ الدِّين كلّهُ للهِ)؟ فقال: لم يجيء تأويل هذه الاية بعد، إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) رخّص لهم لحاجته وحاجة أصحابه، فلو قد جاء تأويلها لم يُقبل منهم، لكنّهم يُقتَلون حتّى يُوحّد الله عزّ وجلّ وحتّى لا يكون شِرك(٢٢٣).
٤٨ - وعن عبد الأعلى الحلبي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) - في حديث طويل - قال: ولا يقبل صاحب هذا الامر الجزية كما قبلها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو قول الله تعالى: (وَقاتُلوهُمْ حَتَّى لا تَكونَ فِتْنَةٌ وَيَكونَ الدِّين كلّهُ للهِ)، قال أبو جعفر (عليه السلام): يقاتلون والله حتّى يوحّد الله ولا يشرك به شيئاً، وحتّى تخرج العجوز الضعيفة من المشرق تريد المغرب، ولا ينهاها أحد، ويخرج الله من الارض بذرها، وينزل من السماء قطرها، ويخرج الناس خراجهم علي رقابهم إلى المهدي (عليه السلام)، ويوسّع الله علي شيعتنا(٢٢٤).
٤٩ - وعن زرارة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): سئل أبي عن قول الله تعالى: (قاتِلوا المُشْرِكينَ كافَّةً كما يُقاتِلونَكمْ كافَّةً حَتَّى لا تَكونَ فِتْنَةٌ وَيَكونَ الدِّينُ كلّهُ لله)، فقال: إنّه لم يجيء تأويل هذه الاية، ولو قد قام قائمنا بعده سيري من يدركه ما يكون من تأويل هذه الاية، وليبلغنّ دين محمّد (صلى الله عليه وآله) ما بلغ الليل، حتّى لا يكون شرك علي ظهر الارض، كما قال الله(٢٢٥).
سورة التوبة
قوله تعالى: (أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذينَ جاهَدوا مِنْكمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرين)(٢٢٦).
٥٠ - عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): والله لا يكون الذي تمدّون إليه أعينكم حتّى تميّزوا وتمحّصوا حتّى لا يبقي منكم إلاّ الاندر، ثمّ تلا: (أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذينَ جاهَدوا مِنْكمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرين)(٢٢٧).
قوله تعالى: (هُوَ الَّذي أرْسَلَ رَسولَهُ بِالهُدي وَدينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلي الدِّينِ كلِّهِ وَلَوْ كرِهَ المُشْرِكون)(٢٢٨).
٥١ - عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)، وقد سأله عن قوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلي الدِّينِ كلِّهِ) فقال (عليه السلام): يظهره علي جميع الاديان عند قيام القائم(٢٢٩).
٥٢ - وعن عباية، أنّه سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (هُوَ الَّذي أرْسَلَ رَسولَهُ بِالهُدي وَدينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلي الدِّينِ كلِّهِ)، أظهر بعد ذلك؟ قالوا: نعم، قال: كلا، فوالذي نفسي بيده حتّى لا تبقي قرية إلاّ وينادي فيها بشهادة أن لا إله إلاّ الله بكرةً وعشيّاً(٢٣٠).
٥٣ - وعنه (عليه السلام) - في حديث طويل - قال: كلّ ذلك لتتمّ النَّظِرة التي أوحاها الله تعالى لعدوّه إبليس، إلى أن يبلغ الكتاب أجله، ويحقّ القول علي الكافرين، ويقترب الوعد الحقّ، الذي بيّنه في كتابه بقوله: (وَعَدَ اللهُ الَّذينَ آمَنوا مِنْكمْ وَعَمِلوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الارْضِ كما اسْتخْلَفَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)(٢٣١).
وذلك إذا لم يبقَ من الاسلام إلاّ اسمه، ومن القرآن إلاّ رسمه، وغاب صاحب الامر بإيضاح الغدر له في ذلك، لاشتمال الفتنة علي القلوب، حتّى يكون أقرب الناس إليه أشدّهم عداوةً له، وعند ذلك يؤيّده الله بجنود لم تروها، ويظهر دين نبيّه (صلى الله عليه وآله) على يديه (عَلي الدِّينِ كلِّهِ وَلَوْ كرِهَ المُشْرِكون)(٢٣٢).
٥٤ - وعن عبد الرحمن بن سليط، قال: قال الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): منّا اثنا عشر مهديّاً، أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الامام القائم بالحقّ، يحيي الله به الارض بعد موتها، ويظهر به دين الحقّ علي الدين كلّه ولو كره المشركون(٢٣٣).
٥٥ - وقال أبو جعفر الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلي الدِّينِ كلِّهِ وَلَوْ كرِهَ المُشْرِكون) قال (عليه السلام): إنّ ذلك يكون عند خروج المهدي من آل محمّد، فلا يبقي أحدٌ إلاّ أقرّ بمحمّد (صلى الله عليه وآله)(٢٣٤).
٥٦ - وروي محمّد بن حمران عن الامام الصادق (عليه السلام)، قال: إنّ القائم منّا منصور بالرعب، مؤيّد بالنصر، تطوي له الارض، وتظهر له الكنوز كلّها، ويظهر الله به دينه علي الدين كلّه ولو كره المشركون(٢٣٥).
٥٧ - وعن المفضّل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) - في حديث طويل -: يا مفضّل، لو كان ظهر علي الدين كلّه ما كان مجوسيّة ولا نصرانيّة ولا يهوديّة ولا صابئة ولا فرقة ولا خلاف ولا شك ولا شرك ولا عبدة أصنام ولا أوثان ولا اللات ولا العُزّي ولا عبدة الشمس ولا القمر ولا النجوم ولا النار ولا الحجارة، وإنّما قوله (لِيُظْهِرَهُ عَلي الدِّينِ كلِّهِ) في هذا اليوم وهذا المهدي وهذه الرجعة، وهو قوله (وَقاتِلوهُمْ حَتَّى لا تَكونَ فِتْنَةٌ وَيَكونَ الدِّينُ كلُّهُ للهِ)(٢٣٦).
٥٨ - وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قوله تعالى: (هُوَ الَّذي أرْسَلَ رَسولَهُ بِالهُدي وَدينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلي الدِّينِ كلِّهِ وَلَوْ كرِهَ المُشْرِكون)، قال (عليه السلام): والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتّى يخرج القائم (عليه السلام)، فإذا خرج القائم (عليه السلام) لم يبقَ كافر بالله العظيم ولا مشرك إلاّ كره خروجه، حتّى أن لو كان كافر أو مشرك في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله(٢٣٧).
٥٩ - وعن عليّ بن إبراهيم، في قوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلي الدِّينِ كلِّهِ وَلَوْ كرِهَ المُشْرِكون) قال: فإنّها نزلت في القائم من آل محمّد، وهو الذي ذكرناه ممّا تأويله بعد تنزيله(٢٣٨).
٦٠ - وقال عليّ بن إبراهيم في موضع آخر من تفسيره: وقوله: (هُوَ الَّذي أرْسَلَ رَسولَهُ بِالهُدي وَدينِ الحَقِّ) الاية، وهو الامام الذي يظهره الله علي الدين كلّه، فيملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وهذا ممّا ذكرنا أنّ تأويله بعد تنزيله(٢٣٩).
٦١ - ومن طريق العامّة عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلي الدِّينِ كلِّهِ)، قال: هو المهدي من عترة فاطمة (عليها السلام).
وقال الشافعي صاحب (البيان): وأمّا من قال إنّه عيسى (عليه السلام) فلا تنافي بين القولين، إذ هو مساعد للامام على ما تقدّم(٢٤٠).
٦٢ - ومن طريق العامّة، روي عن أبي هريرة أنّه قال: هذا وعد من الله بأنّه تعالى يجعل الاسلام عالياً على جميع الاديان.
إلى أن قال: وقال السدّي، ذلك عند خروج المهدي، لا يبقي أحد إلاّ دخل في الاسلام أو أدّي الخراج(٢٤١).
سورة يونس
قوله تعالى: (حَتَّى إذا أخَذَتِ الارْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أهْلُها أنَّهُمْ قادِرونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلاً أوْ نَهاراً)(٢٤٢).
٦٣ - روي المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - أنّه قال: قوله عزّ وجلّ: (حَتَّى إذا أخَذَتِ الارْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أهْلُها أنَّهُمْ قادِرونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلاً أوْ نَهاراً) يعني القائم بالسيف (فَجَعَلْناها حَصيداً كأنْ لَمْ تَغْنَ بِالامْسِ)(٢٤٣).
قوله تعالى: (وَيَقولونَ مَتى هذا الوَعْدُ إنْ كنْتُمْ صادِقين)(٢٤٤).
٦٤ - روي عبد الرحمن بن سليط، عن الحسين بن عليّ (عليه السلام) - في حديث يذكر فيه الامام القائم (عليه السلام) - قال: له غَيبة يرتدّ فيها أقوامٌ، ويثبت فيها علي الدين آخرون، فيؤذون ويقال لهم: (مَتى هذا الوَعْدُ إنْ كنْتُمْ صادِقين).
أما إنّ الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب، بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)(٢٤٥).
سورة هود
قوله تعالى: (وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى اُمَّة مَعْدودَة لَيَقولُنَّ ما يَحْبِسُهُ)(٢٤٦).
٦٥ - روي عليّ بن إبراهيم بالاسناد عن هشام بن عمّار، عن أبيه - وكان من أصحاب عليّ (عليه السلام) - عن عليّ (عليه السلام)، في قوله تعالى: (وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى اُمَّة مَعْدودَة لَيَقولُنَّ ما يَحْبِسُهُ)، قال (عليه السلام): الاُمّة المعدودة أصحاب القائم الثلاثمائة والبضعة عشر(٢٤٧).
٦٦ - وعن عبد الاعلي الحلبي، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): أصحاب القائم (عليه السلام) الثلاثمائة والبضعة عشر رجلاً، هم والله الاُمّة المعدودة التي قال الله في كتابه: (وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى اُمَّة مَعْدودَة) قال: يجمعون له في ساعة واحدة قزعاً كقزع الخريف(٢٤٨).
٦٧ - وعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: العذاب هو القائم (عليه السلام)، وهو عذاب علي أعدائه، والاُمّة المعدودة هم الذين يقومون معه بعدد أهل بدر(٢٤٩).
٦٨ - وعن الخزّاز، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قوله تعالى: (وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى اُمَّة مَعْدودَة) قال (عليه السلام): هو القائم وأصحابه(٢٥٠).
قوله تعالى: (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمينَ بِبَعيد)(٢٥١).
٦٩ - قال أمير المؤمنين (عليه السلام) - في خطبة طويلة -: ثمّ يخرج عن الكوفة مائة ألف بين مشرك ومنافق حتّى يضربوا دمشق، لا يصدّهم عنها صادّ، وهي إرم ذات العماد، وتُقبِل رايات من شرقي الارض ليست بقطن ولا كتّان ولا حرير مختمة في رؤوس القنا بخاتم السيّد الاكبر، يسوقها رجل من آل محمّد (صلى الله عليه وآله) يوم تطير بالمشرق...
إلى أن قال: ويأتيهم يومئذ الخسف والقذف والمسخ، فيومئذ تأويل هذه الآية (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمينَ بِبَعيد)(٢٥٢).
قوله تعالى: (بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكمْ إنْ كنْتُمْ مُؤْمِنين)(٢٥٣).
٧٠ - عن محمّد بن مسلم الثقفي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر(عليه السلام) يقول: القائم منّا منصور بالرعب، مؤيّد بالنصر، تطوي له الارض، وتظهر له الكنوز.
وعدّد علامات ظهوره (عليه السلام)، إلى أن قال: وجاءت صيحة من السماء بأنّ الحقّ فيه وفي شيعته، فعند ذلك خروج قائمنا، فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة، واجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وأوّل ما ينطق به هذه الاية (بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكمْ إنْ كنْتُمْ مُؤْمِنين) ثمّ يقول: أنا بقيّة الله في أرضه وخليفته، وحجّته عليكم، فلا يسلّم عليه مسلم إلاّ قال: السلام عليك يا بقيّة الله في أرضه(٢٥٤)، الحديث.
٧١ - وعن عمر بن زاهر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سأله رجل عن القائم يُسلَّم عليه بإمرة المؤمنين؟
فقال: لا، ذاك اسم سمّي الله به أمير المؤمنين [علي] (عليه السلام)، لم يُسمّ أحد قبله، ولا يتسمّي به بعده إلاّ كافر.
قلت: جعلت فداك، كيف يسلّم عليه؟
قال: يقولون: السلام عليك يا بقيّة الله، ثمّ قرأ (بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكمْ إنْ كنْتُمْ مُؤْمِنين)(٢٥٥).
قوله تعالى: (وَارْتَقِبوا إنِّي مَعَكمْ رَقيب)(٢٥٦).
٧٢ - عن محمّد بن الفضيل، عن الرضا (عليه السلام)، قال: سألته عن انتظار الفرج، فقال: أوَ ليس تعلم أنّ انتظار الفرج من الفرج؟
ثمّ قال: إنّ الله تبارك وتعالى يقول: وارتقبوا إنّي معكم رقيب(٢٥٧).
سورة يوسف
قوله تعالى: (حَتَّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَّنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كذِبوا جاءَهُمْ نَصْرُنا)(٢٥٨).
٧٣ - عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فشكا إليه طول دولة الجور، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): والله لا يكون ما تأملون حتّى يهلك المبطلون، ويضمحلّ الجاهلون، ويأمن المتّقون، وقليل ما يكون حتّى لا يكون لاحدكم موضع قدمه، وحتّى تكونوا علي الناس أهون من الميتة عند صاحبها، فبينا أنتم كذلك، إذ جاء نصر الله والفتح، وهو قول ربّي عزّ وجلّ في كتابه: (حَتَّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أنَّهُمْ قَدْ كذِبوا جاءَهُمْ نَصْرُنا)(٢٥٩).
وزاد في ينابيع المودّة: وذلك عند قيام قائمنا المهدي(٢٦٠).
سورة الرعد
قوله تعالى: (طوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآب)(٢٦١).
٧٤ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن أبي بصير، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام): طوبي لمن تمسّك بأمرنا في غَيبة قائمنا فلم يَزِغ قلبه بعد الهداية.
فقلت له: جعلت فداك، وما طوبي؟
قال: شجرة في الجنّة أصلها في دار عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وليس من مؤمن إلاّ وفي داره غصن من أغصانها، وذلك قوله الله عزّ وجلّ: (طوبي لَهُمْ وَحُسْنُ مَآب)(٢٦٢).
سورة إبراهيم
قوله تعالى: (وَذَكرْهُمْ بِأيَّامِ الله)(٢٦٣).
٧٥ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن مُثنّي الحنّاط، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: أيام الله ثلاثة: يوم القائم، ويوم الكرّة، ويوم القيامة(٢٦٤).
وروي موسى الحنّاط عن الامام الصادق (عليه السلام) مثله(٢٦٥).
سورة الحجر
قوله تعالى: (وَحَفَظْناهُما مِنْ كلِّ شَيْطان رَجيم)(٢٦٦).
٧٦ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن السيّد عبد العظيم بن السيّد عبد الله الحسني، قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن محمّد العسكري (عليه السلام) يقول: معني الرجيم أنّه مرجوم باللعن، مطرود من مواضع الخير، لا يذكره مؤمن إلاّ لعنه، وإنّ في علم الله السابق أنّه إذا خرج القائم (عليه السلام) لا يبقي مؤمن في زمانه إلاّ رجمه بالحجارة، كما كان قبل ذلك مرجوماً باللعن(٢٦٧).
قوله تعالى: (قالَ رَبِّ فَأنْظِرْني إلى يَوْمِ يُبْعَثونَ قالَ فَإنَّك مِنَ المُنْظَرينَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلوم)(٢٦٨).
٧٧ - روي إسحاق بن عمّار عن الامام عليّ بن الحسين زين العابدين(عليه السلام)، قال: سألته عن إنظار الله تعالى إبليس وقتاً معلوماً ذكره في كتابه، فقال: (فَإنَّك مِنَ المُنْظَرينَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلوم).
قال (عليه السلام): الوقت المعلوم يوم قيام القائم، فإذا بعثه الله كان في مسجد الكوفة، وجاء إبليس حتّى يجثو علي ركبتيه فيقول: يا ويلاه من هذا اليوم، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم، منتهي أجله(٢٦٩).
٧٨ - وعن وهب بن جميع، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن إبليس في قوله: (رَبِّ فَأنْظِرْني إلى يَوْمِ يُبْعَثونَ قالَ فَإنَّك مِنَ المُنْظَرينَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلوم).
قال (عليه السلام): يا وهب، أتحسب أنّه يوم يبعث الله تعالى الناس؟ لا، ولكنّ الله عزّ وجلّ أنظره إلى يوم يبعث قائمنا، فإذا بعث الله عزّ وجلّ قائمنا، فيأخذ بناصيته، ويضرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم(٢٧٠).
٧٩ - وعن الحسين بن خالد، قال: قال عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام): لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقيّة له، إنّ أكرمكم عند الله أعملكم بالتقيّة.
فقيل له: يا ابن رسول الله، إلى متى؟
قال (عليه السلام): إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم خروج قائمنا أهل البيت، فمن ترك التقيّة قبل خروج قائمنا فليس منّا.
فقيل له: يا ابن رسول الله، ومن القائم منكم أهل البيت؟
قال (عليه السلام): الرابع من ولدي، ابن سيّدة الاماء، يطهّر الله به الارض من كلّ جور، ويقدّسها من كلّ ظلم(٢٧١).
قوله تعالى: (إنَّ في ذلِك لآيات لِلْمُتَوَسِّمين)(٢٧٢).
٨٠ - روي جابر عن الامام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: كأنّي أنظر إلى القائم (عليه السلام) وأصحابه في نجف الكوفة كأنّ علي رؤوسهم الطير، فنيت أزوادهم، وخَلِقت ثيابهم، متنكبين قِسيّهم، قد أثّر السجود بجباههم، ليوث بالنهار، ورهبان بالليل، كأنّ قلوبهم زبر الحديد، يعطي الرجل منهم قوّة أربعين رجلاً، ويعطيهم صاحبهم التوسّم، لا يقتل أحد منهم إلاّ كافراً أو منافقاً، فقد وصفهم الله بالتوسّم في كتابه (إنَّ في ذلِك لآيات لِلْمُتَوَسِّمين)(٢٧٣).
٨١ - وروي أبان بن تغلب عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: إذا قام القائم لم يقم بين يديه أحد من خلق الرحمن إلاّ عرفه صالح هو أم طالح، لانّ فيه آية للمتوسّمين، وهي بسبيل مقيم(٢٧٤).
سورة النحل
قوله تعالى: (أتي أمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلوه)(٢٧٥).
٨٢ - روي أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إنّ أوّل من يبايع القائم جبرئيل (عليه السلام)، ينزل عليه في صورة طير أبيض فيبايعه، ثمّ يضع رجلاً علي البيت الحرام، ورجلاً علي البيت المقدّس، ثمّ ينادي بصوت رفيع: أتي أمر الله فلا تستعجلوه(٢٧٦).
قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرونَ إلاّ أنْ تَأتِيَهُمُ المَلائِكةُ أوْ يَأتي أمْرُ رَبِّك)(٢٧٧).
٨٣ - روي عليّ بن إبراهيم بالاسناد عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرونَ إلاّ أنْ تَأتِيَهُمُ المَلائِكةُ أوْ يَأتي أمْرُ رَبِّك) من العذاب، والموت، وخروج القائم(٢٧٨).
سورة الإسراء
قوله تعالى: (فَإذا جاءَ وَعْدُ اُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكمْ عِباداً لَنا اُولي بَأس شَديد فَجاسوا خِلالَ الدِّيار)(٢٧٩).
٨٤ - روي حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: كان يقرأ (بَعَثْنا عَلَيْكمْ عِباداً لَنا اُولي بَأس شَديد) ثمّ قال: وهو القائم وأصحابه، اُولي بأس شديد(٢٨٠).
قوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعو كلَّ اُناس بِإمامِهِمْ)(٢٨١).
٨٥ - روي الشيخ الكليني بالاسناد عن الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله تبارك وتعالي: (يَوْمَ نَدْعو كلَّ اُناس بِإمامِهِمْ)، فقال: يا فضيل، اعرف إمامك، فإنّك إذا عرفت إمامك لم يضرّك تقدّم هذا الامر أو تأخّر، ومن عرف إمامه ثمّ مات قبل أن يقوم صاحب هذا الامر، كان بمنزلة من كان قاعداً في عسكره، لا بل بمنزلة من قعد تحت لوائه(٢٨٢).
٨٦ - وروي بالاسناد عن عبد الله بن سنان، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): (يَوْمَ نَدْعو كلَّ اُناس بِإمامِهِمْ)؟ فقال: إمامهم الذي بين أظهرهم، وهو قائم أهل زمانه(٢٨٣).
قوله تعالى: (وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقاً)(٢٨٤).
٨٧ - روي الشيخ الكليني بالاسناد عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في قوله عزّ وجلّ: (وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الباطِلُ) قال: إذا قام القائم (عليه السلام) ذهبت دولة الباطل(٢٨٥).
سورة مريم
قوله تعالى: (فَاخْتَلَفَ الاحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذينَ كفَروا مِنْ مَشْهَدِ يَوْم عَظيم)(٢٨٦).
٨٨ - روي بالاسناد عن داود الدجاجي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ (عليه السلام)، قال: سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن قوله تعالى: (فَاخْتَلَفَ الاحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ)، فقال (عليه السلام): انتظروا الفرج في ثلاث.
فقيل: يا أمير المؤمنين وما هنّ؟
فقال: اختلاف أهل الشام بينهم، والرايات السود من خراسان، والفزعة في شهر رمضان(٢٨٧).
سورة طه
قوله تعالى: (فَتَرَبَّصوا فَسَتَعْلَمونَ مَنْ أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى)(٢٨٨).
٨٩ - عن عيسى بن داود النجّار، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: سألت أبي (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: (فَسَتَعْلَمونَ مَنْ أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدي) فقال: الصراط السويّ هو القائم (عليه السلام)، والهُدي من اهتدي إلى طاعته، ومثلها في كتاب الله عزّ وجلّ: (وَإنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى)، قال: إلى ولايتنا(٢٨٩).
سورة الأنبياء
قوله تعالى: (فَلَمَّا أحَسُّوا بَأسَنا إذا هُمْ مِنْها يَرْكضونَ لا تَرْكضوا وَارْجِعوا إلى ما اُتْرِفْتُمْ فيهِ وَمَساكنِكمْ لَعَلَّكمْ تُسْئَلون)(٢٩٠).
٩٠ - روي الشيخ الكليني بالاسناد عن بدر بن الخليل الاسدي، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في قول الله عزّ وجلّ: (فَلَمَّا أحَسُّوا بَأسَنا) الاية، قال: إذا قام القائم وبعث إلى بني اُميّة بالشام، فهربوا إلى الروم، فيقول لهم الروم: لا ندخلنكم حتّى تتنصروا، فيعلّقون في أعناقهم الصلبان، فيُدخِلونهم.
فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم (عليه السلام) طلبوا الامان والصلح، فيقول أصحاب القائم (عليه السلام): لا نفعل حتّى تدفعوا إلينا مَن قِبَلَكم منّا.
قال: فيدفعونهم إليهم، فذلك قوله تعالى: (لا تَرْكضوا وَارْجِعوا إلى ما اُتْرِفْتُمْ فيهِ وَمَساكنِكمْ لَعَلَّكمْ تُسْئَلون)، قال: يسألهم عن الكنوز وهو أعلم بها.
قال: فيقولون: (يا وَيْلَنا إنَّا كنَّا ظالِمين فَما زالَت تِلْك دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصيداً خامِدين) بالسيف(٢٩١).
٩١ - وعن عليّ بن جعفر الحضرمي، عن جابر، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: (فَلَمَّا أحَسُّوا بَأسَنا إذا هُمْ مِنْها يَرْكضونَ)، قال: ذلك عند قيام القائم عجّل الله فرجه(٢٩٢).
٩٢ - وعن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قول الله عزّ وجلّ: (فَلَمَّا أحَسُّوا بَأسَنا) قال: وذلك عند قيام القائم (عليه السلام) (إذا هُمْ مِنْها يَرْكضونَ) قال: الكنوز التي كانوا يكنزون (قالوا يا وَيْلَنا إنَّا كنَّا ظالِمينَ فَما زالَت تِلْك دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصيداً) بالسيف (خامِدين) لا تبقي منهم عين تطرف(٢٩٣).
قوله تعالى: (وَيَقولونَ مَتى هذا الوَعْدُ إنْ كنْتُمْ صادِقين)(٢٩٤).
٩٣ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن عبد الرحمن بن سليط، قال: قال الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) - في حديث يذكر فيه القائم (عليه السلام) - قال: له غيبة يرتدّ فيها أقوام ويثبت فيها علي الدين آخرون، فيؤذنون ويقال لهم: (مَتى هذا الوَعْدُ إنْ كنْتُمْ صادِقين) أما إنّ الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)(٢٩٥).
قوله تعالى: (وَجَعَلْناهُمْ أئِمَّةً يَهْدونَ بِأمْرِنا وَأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وَإقامَ الصَّلاةِ وَإيتاءَ الزَّكاةِ وَكانوا لَنا عابِدين)(٢٩٦).
٩٤ - روي الخزّاز بالاسناد عن جابر بن عبد الله الانصاري، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: يا جابر، إذا أدركت ولدي الباقر فاقرئه منّي السلام، فإنّه سميّي وأشبه الناس بي، علمه علمي، وحكمه حكمي، سبعة من ولده اُمناء معصومون أئمة أبرار، والسابع مهديّهم الذي يملا الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ثمّ تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله): (وَجَعَلْناهُمْ أئِمَّةً يَهْدونَ بِأمْرِنا وَأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ) الاية(٢٩٧).
قوله تعالى: (وَلَقَدْ كتَبْنا في الزَّبورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكرِ أنَّ الارْضَ يَرِثُها عِباديَ الصَّالِحون)(٢٩٨).
٩٥ - وعن محمّد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كتَبْنا في الزَّبورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكرِ) قال: الكتب كلّها ذِكر، و(أنَّ الارْضَ يَرِثُها عِباديَ الصَّالِحون) قال: القائم (عليه السلام) وأصحابه(٢٩٩).
سورة الحج
قوله تعالى: (اُذِنَ لِلَّذينَ يُقاتَلونَ بِأنَّهُمْ ظُلِموا وَأنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدير)(٣٠٠).
٩٦ - عن عبد الله بن عجلان، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ: (اُذِنَ لِلَّذينَ يُقاتَلونَ بِأنَّهُمْ ظُلِموا) الاية، قال: هي في القائم (عليه السلام) وأصحابه(٣٠١).
وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) مثله(٣٠٢).
قوله تعالى: (الَّذينَ إنْ مَكنَّاهُمْ في الارْضِ أقاموا الصَّلاةَ وَآتَوا الزَّكاةَ وَأمَروا بِالمَعْروفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكرِ وَللهِ عاقِبَةُ الاُمور)(٣٠٣).
٩٧ - روي أبو الجارود عن الامام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في هذه الاية، قال (عليه السلام): وهذه الاية لال محمّد (عليهم السلام)، والمهدي وأصحابه يملّكهم الله مشارق الارض ومغاربها، ويظهر الدين، ويميت الله به وبأصحابه البدع والباطل، كما أمات السَّفَهُ الحقَّ، حتّى لا يُرى أثرٌ للظلم(٣٠٤).
٩٨ - وروي فرات الكوفي بالاسناد عن زيد بن عليّ (عليه السلام)، قال: إذا قام القائم من آل محمّد (صلى الله عليه وآله) يقول: يا أيّها الناس نحن الذين وعدكم الله في كتابه (الَّذينَ إنْ مَكنَّاهُمْ في الارْضِ أقاموا الصَّلاةَ وَآتَوا الزَّكاةَ) الاية(٣٠٥).
سورة النور
قوله تعالى: (وَعَدَ اللهُ الَّذينَ آمَنوا مِنْكمْ وَعَمِلوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الارْضِ كما اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)(٣٠٦) الاية.
٩٩ - عن أمير المؤمنين (عليه السلام) - في حديث طويل - قال (عليه السلام): (وَعَدَ اللهُ الَّذينَ آمَنوا مِنْكمْ وَعَمِلوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الارْضِ كما اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) وذلك إذا لم يبقَ من الاسلام إلاّ اسمه، ومن القرآن إلاّ رسمه، وغاب صاحب الامر بإيضاح الغدر له في ذلك، لاشتمال الفتنة علي القلوب، حتّى يكون أقرب الناس إليه أشدّهم عداوةً له، ويظهر دين نبيّه (صلى الله عليه وآله) علي يديه علي الدين كلّه ولو كره المشركون(٣٠٧).
١٠٠ - وروي بالاسناد عن عليّ بن الحسين (عليه السلام)، أنّه قرأ الاية وقال: هم شيعتنا أهل البيت، يفعل الله ذلك بهم علي يدي رجل منّا، وهو مهديّ هذه الاُمّة، وهو الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يلي رجل من عترتي اسمه اسمي، يملا الارض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً(٣٠٨).
١٠١ - وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في معنى قوله تعالى: (وَعَدَ اللهُ الَّذينَ آمَنوا مِنْكمْ وَعَمِلوا الصَّالِحاتِ) الاية، قال: نزلت في القائم وأصحابه(٣٠٩).
١٠٢ - وعن صفوان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال: اللهمّ أنجز لنا ما وعدتنا إنّك لا تخلف الميعاد.
قال: قلت: يا سيّدي، فأين وعد الله؟
قال: قول الله عزّ وجلّ: (وَعَدَ اللهُ الَّذينَ آمَنوا مِنْكمْ وَعَمِلوا الصَّالِحاتِ)(٣١٠) الاية.
سورة الشعراء
قوله تعالى: (إنْ نَشَأ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهُمْ لَها خاضِعين)(٣١١).
١٠٣ - روي محمّد بن العباس، بالاسناد عن حنان بن سدير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: (إنْ نَشَأ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً) الاية، قال: نزلت في قائم آل محمّد صلوات الله عليهم، ينادي باسمه من السماء(٣١٢).
١٠٤ - وعن فضيل بن محمّد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: أما إنّ النداء من السماء باسم القائم في كتاب الله لبيّن.
فقلت: فأين هو أصلحك الله؟
فقال: في (طسم تِلْك آياتُ الكتابِ المُبين) قوله: (إنْ نَشَأ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهُمْ لَها خاضِعين) قال: إذا سمعوا الصوت أصبحوا وكأنّما علي رؤوسهم الطير(٣١٣).
١٠٥ - وعن الحسن بن زياد الصيقل، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام) يقول: إنّ القائم لا يقوم حتّى ينادي مناد من السماء يُسمع الفتاة في خدرها، ويسمع أهل المشرق والمغرب، وفيه نزلت هذه الاية (إنْ نَشَأ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهُمْ لَها خاضِعين)(٣١٤).
١٠٦ - وروي الشيخ الكليني بالاسناد عن عمر بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة، والسفياني، والخسف، وقتل النفس الزكيّة، واليماني.
فقلت: جعلت فداك، إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات، أنخرج معه؟ قال: لا، فلمّا كان من الغد تلوت هذه الاية (إنْ نَشَأ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهُمْ لَها خاضِعين). فقلت له: أهي الصيحة؟ فقال: أما لو كانت خضعت أعناق أعداء الله عزّ وجلّ(٣١٥).
١٠٧ - وعن الحسين بن خالد، عن الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) - في حديث - قال: قيل له: يا ابن رسول الله، ومن القائم منكم أهل البيت؟ فقال: الرابع من ولدي، ابن سيّدة الاماء، يطهّر الله به الارض من كلّ جور، ويقدّسها من كلّ ظلم، وهو الذي يشك الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه، فإذا خرج أشرقت الارض بنوره، ووضع ميزان العدل بين الناس، فلا يظلم أحدٌ أحداً، وهو الذي تطوي له الارض، ولا يكون له ظلّ، وهو الذي ينادي مناد من السماء، يسمعه جميع أهل الارض بالدعاء إليه، يقول: ألا إنّ حجّة الله قد ظهر عند بيت الله فاتّبعوه، فإنّ الحقّ معه وفيه، وهو قول الله عزّ وجلّ: (إنْ نَشَأ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهُمْ لَها خاضِعين)(٣١٦).
قوله تعالى: (فَفَرَرْتُ مِنْكمْ لَمَّا خِفْتُكمْ)(٣١٧).
١٠٨ - روي المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إذا قام القائم (عليه السلام) تلا هذه الاية (فَفَرَرْتُ مِنْكمْ لَمَّا خِفْتُكمْ)(٣١٨).
سورة النمل
قوله تعالى: (أمَّنْ يُجيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ وَيَكشِفُ السُّوءَ)(٣١٩).
١٠٩ - روي النعماني في الغيبة بالاسناد عن إسماعيل بن جابر، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) أنّه قال في القائم (عليه السلام): هو والله المضطرّ الذي يقول الله فيه (أمَّنْ يُجيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ وَيَكشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلَكمْ خُلَفاءَ الارْضِ)(٣٢٠).
١١٠ - وروي عبد الاعلي، عن الباقر (عليه السلام) - في حديث عن القائم (عليه السلام) - قال: هو والله المضطرّ في كتاب الله، وهو قوله الله (أمَّنْ يُجيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ)(٣٢١)، الاية.
١١١ - وعن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في قوله تعالى: (أمَّنْ يُجيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ) قال: نزلت في القائم (عليه السلام)، وكأنّ جبرئيل (عليه السلام) علي الميزاب في صورة طير أبيض، فيكون أوّل خلق الله مبايعة له، ويبايعه الناس الثلاثمائة وثلاثة عشر(٣٢٢).
١١٢ - وعن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في هذه الاية، قال (عليه السلام): هذه نزلت في القائم (عليه السلام)، إذا خرج تعمّم وصلّى عند المقام وتضرّع إلى ربّه فلا تُردّ له راية أبداً(٣٢٣).
١١٣ - وعن صالح بن عقبة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: نزلت في القائم من آل محمّد (عليهم السلام)، هو والله المضطرّ إذا صلّى في المقام ركعتين ودعا الله فأجابه ويكشف السوء، ويجعله خليفةً في الارض(٣٢٤).
١١٤ - وعن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إنّ القائم (عليه السلام) إذا خرج دخل المسجد الحرام، فيستقبل القبلة، ويجعل ظهره إلى المقام، ثمّ يصلّي ركعتين، ثمّ يقوم فيقول:
يا أيّها الناس أنا أولي الناس بآدم، يا أيّها الناس أنا أولي الناس بإبراهيم، يا أيّها الناس أنا أولي الناس بإسماعيل، يا أيّها الناس أنا أولي الناس بمحمّد (صلى الله عليه وآله)، ثمّ يرفع يديه إلى السماء، فيدعو ويتضرّع حتّى يقع علي وجهه، وهو قوله عزّ وجلّ: (أمَّنْ يُجيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ وَيَكشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلَكمْ خُلَفاءَ الارْض)(٣٢٥).
سورة القصص
قوله تعالى: (وَنُريدُ أنْ نَمُنَّ عَلي الَّذينَ اسْتُضْعِفوا في الارْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثين)(٣٢٦).
١١٥ - قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه الاية: هم آل محمّد يبعث الله مهديّهم بعد جهدهم فيعزّهم ويذلّ عدوّهم(٣٢٧).
١١٦ - وقال (عليه السلام): لتعطفنّ علينا الدنيا بعد شماسها عطف الضروس علي ولدها، ثم قرأ (وَنُريدُ أنْ نَمُنَّ عَلي الَّذينَ اسْتُضْعِفوا في الارْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثين وَنُمَكنَ لَهُمْ في الارْضِ)(٣٢٨).
١١٧ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن المفضّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) نظر إلى عليّ والحسن والحسين (عليهم السلام) فبكي وقال: أنتم المستضعفون بعدي.
قال المفضّل: فقلت له: ما معني ذلك يا بن رسول الله؟
قال: معناه أنّكم الائمة بعدي، إنّ الله عزّ وجلّ يقول: (وَنُريدُ أنْ نَمُنَّ عَلي الَّذينَ اسْتُضْعِفوا في الارْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثين) فهذه الاية جارية فينا إلى يوم القيامة(٣٢٩).
سورة السجدة
قوله تعالى: (وَلَنُذيقَنَّهُمْ مِنَ العَذابِ الادْني دونَ العَذابِ الاكبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجعون)(٣٣٠).
١١٨ - روي المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله: (وَلَنُذيقَنَّهُمْ مِنَ العَذابِ الادْني دونَ العَذابِ الاكبَرِ) فقال: الادني غلاء السعر، والاكبر المهدي بالسيف(٣٣١).
١١٩ - وروي عنه (عليه السلام) أنّه قال: إنّ الادني القحط والجدب، والاكبر خروج القائم المهدي (عليه السلام) بالسيف في آخر الزمان(٣٣٢).
قوله تعالى: (قُلْ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذينَ كفَروا إيْمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرون)(٣٣٣).
١٢٠ - روي ابن درّاج، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول في هذه الاية: يوم الفتح يوم تفتح الدنيا علي القائم لا ينفع أحداً تقرّب بالايمان ما لم يكن قبل ذلك مؤمناً وبهذا الفتح موقناً(٣٣٤).
سورة الأحزاب
قوله تعالى: (هُنالِك ابْتُلِيَ المُؤْمِنونَ وَزُلْزِلوا زِلْزالاً شَديداً)(٣٣٥).
١٢١ - قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في معرض احتجاجه علي بعض الزنادقة: أما إنّه سيأتي علي الناس زمان يكون الحقّ فيه مستوراً، والباطل ظاهراً مشهوراً، وذلك إذا كان أولي الناس بهم أعداهم له، واقترب الوعد الحقّ، وعظم الالحاد وظهر الفساد، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، ونحلهم الكفّار أسماء الاشرار، فيكون جهد المؤمن أن يحفظ مهجته من أقرب الناس إليه ثمّ يتيح الفرج لاوليائه، ويظهر صاحب الامر علي أعدائه(٣٣٦).
قوله تعالى: (مَلْعونونَ أيْنَما ثُقِفوا اُخِذوا وَقُتِّلوا تَقْتيلاً سُنَّةَ اللهِ في الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْديلاً)(٣٣٧).
١٢٢ - قال أمير المؤمنين (عليه السلام): فانظروا أهل بيت نبيّكم، فإن لبدوا فالبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، فليفرّجنّ الله الفتنة برجل منّا أهل البيت، بأبي ابن خيرة الاماء، لا يعطيهم إلاّ السيف هَرجاً هَرجاً، موضوعاً علي عاتقه ثمانية أشهر، حتّى تقول قريش: لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا، يُغريه الله ببني اُميّة حتّى يجعلهم حطاماً ورفاتاً (مَلْعونونَ أيْنَما ثُقِفوا اُخِذوا وَقُتِّلوا تَقْتيلاً سُنَّةَ اللهِ في الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْديلاً)(٣٣٨).
سورة سبأ
قوله تعالى: (وَلَوْ تَري إذْ فَزَعوا فَلا فَوْتَ وَاُخِذوا مِنْ مَكان قَريب)(٣٣٩).
١٢٣ - روي أبو خالد الكابلي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: يخرج القائم (عليه السلام) فيسير حتّى يمرّ بمَرّ، فيبلغه أنّ عامله قد قُتل، فيرجع إليهم فيقتل المقاتلة، ولا يزيد علي ذلك شيئاً، ثمّ ينطلق فيدعو الناس حتّى ينتهي إلى البيداء، فيخرج جيشان للسفياني، فيأمر الله عزّ وجلّ الارض أن تأخذ بأقدامهم، وهو قوله عزّ وجلّ: (وَلَوْ تَري إذْ فَزَعوا فَلا فَوْتَ وَاُخِذوا مِنْ مَكان قَريب وَقالوا آمَنَّا بِهِ) يعني بقيام القائم (وَقَدْ كفَروا بِهِ مِنْ قَبْلُ) يعني بقيام قائم آل محمّد (عليهم السلام) (وَيقْذِفونَ بِالغَيْبِ مِنْ مَكان بَعيد وَحيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهونَ كما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إنَّهُمْ كانوا في شَك مُريب)(٣٤٠).
سورة يس
قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمُ الارْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وَأخْرَجْنا مِنْها حَبَّاً فَمِنْهُ يَأكلون)(٣٤١).
١٢٤ - روي الكابلي عن الامام علي بن الحسين (عليه السلام)، قال: يقتل القائم (عليه السلام) من أهل المدينة حتّى ينتهي إلى الاجفر ويصيبهم مجاعة شديدة، قال: فيضجّون وقد نبتت لهم ثمرة يأكلون منها ويتزوّدون منها، وهو قوله تعالى شأنه: (وَآيَةٌ لَهُمُ الارْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وَأخْرَجْنا مِنْها حَبَّاً فَمِنْهُ يَأكلون) ثمّ يسير حتّى ينتهي إلى القادسية وقد اجتمع الناس بالكوفة وبايعوا السفياني(٣٤٢).
سورة فصلت
قوله تعالى: (وَلا تَسْتَوي الحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئةُ ادْفَعْ بِالَّتي هِيَ أحْسَنُ فَإذا الَّذي بَيْنَك وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كأنَّهُ وَلِيٌّ حَميم)(٣٤٣).
١٢٥ - روي سورة بن كليب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: لمّا نزلت هذه الاية علي رسول الله (صلى الله عليه وآله) (ادْفَعْ بِالَّتي هِيَ أحْسَنُ) الاية، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اُمرت بالتقيّة، فسار بها عشراً حتّى اُمر أن يصدع بما اُمِر، ثمّ اُمِر بها عليّ (عليه السلام)، فسار بها حتّى اُمِر أن يصدع بها، ثمّ أمَر الائمة بعضهم بعضاً فساروا بها، فإذا قام قائمنا سقطت التقيّة، وجرّد السيف، ولم يأخذ من الناس ولم يعطهم إلاّ السيف(٣٤٤).
قوله تعالى: (سَنُريهِمْ آياتِنا في الافاقِ وَفي أنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُ الحَقُّ أوَ لَمْ يَكفِ بِرَبِّك أنَّهُ عَلي كلِّ شَيْء شَهيد)(٣٤٥).
١٢٦ - روي الشيخ الكليني بالاسناد عن الطيّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في هذه الاية، قال: خسف وقذف. قال: قلت: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ)؟ قال: دع ذا، ذاك قيام القائم(٣٤٦).
١٢٧ - وروي بالاسناد عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: (سَنُريهِمْ آياتِنا في الافاقِ وَفي أنْفُسِهِمْ) الاية، فقال: يريهم في أنفسهم المسخ، ويريهم في الافاق انتقاض الافاق عليهم، فيرون قدرة الله عزّ وجلّ في أنفسهم وفي الافاق.
قلت له: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أنَّهُ الحَقُّ)؟ قال: خروج القائم هو الحقّ من عند الله عزّ وجلّ، يراه الخلق لا بدّ منه(٣٤٧).
سورة الشورى
قوله تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَاُوْلئِك ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبيل)(٣٤٨).
١٢٨ - روي جابر وأبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام)، في قوله تعالى: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ)، قال: القائم وأصحابه، قال الله: (فَاُوْلئِك ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبيل) القائم إذا قام انتصر من بني اُميّة والمكذّبين والنصاب، وهو قوله: (إنَّما السَّبيلُ علي الَّذينَ يَظْلِمونَ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْم)(٣٤٩).
سورة الزخرف
قوله تعالى: (وَجَعَلَها كلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يِرْجِعون)(٣٥٠).
١٢٩ - روي الخزّاز بالاسناد عن أبي هريرة، قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن قوله عزّ وجلّ: (وَجَعَلَها كلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ)، قال: جعل الامامة في عقب الحسين، يخرج من صلبه تسعة من الائمة، ومنهم مهديّ هذه الاُمّة، ثمّ قال (عليه السلام): لو أنّ رجلاً ضعن بين الركن والمقام ثمّ لقي الله مبغضاً لاهل بيتي دخل النار(٣٥١).
قوله تعالى: (وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقيم)(٣٥٢).
١٣٠ - روي من طرق العامّة عن مقاتل بن سليمان وغيره من المفسّرين في تفسير هذه الاية، قال: هو المهدي (عليه السلام) يكون في آخر الزمان وبعد خروجه يكون قيام الساعة وأمارتها(٣٥٣).
سورة الفتح
قوله تعالى: (لَوْ تَزَيَّلوا لَعَذَّبْنا الَّذينَ كفَروا مِنْهُمْ عَذاباً أليماً)(٣٥٤).
١٣١ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن محمّد بن أبي عمير، عمّن ذكره، عن الامام الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له: ما بال أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يقاتل مخالفيه في الاوّل؟ قال (عليه السلام): لاية نزلت في كتاب الله تعالى: (لَوْ تَزَيَّلوا لَعَذَّبْنا الَّذينَ كفَروا مِنْهُمْ عَذاباً أليماً).
قال: قلت: وما يعني بتزايلهم؟ قال: ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين، وكذلك القائم (عليه السلام) لم يظهر أبداً حتّى تخرج ودائع الله عزّ وجلّ، فإذا خرجت ظهر علي من ظهر من أعداء الله عزّ وجلّ فقتلهم(٣٥٥).
قوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلي الدِّينِ كلِّهِ)(٣٥٦).
١٣٢ - روي الشيخ الكليني بالاسناد عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) - في حديث - قال: يظهره علي جميع الاديان عند قيام القائم(٣٥٧).
سورة الذاريات
قوله تعالى: (وَفي السَّماءِ رِزْقُكمْ وَما توعَدون)(٣٥٨).
١٣٣ - روي الشيخ الطوسي بالاسناد عن أبي صالح، عن ابن عباس، في هذه الاية، قال: هو خروج المهدي (عليه السلام)(٣٥٩).
قوله تعالى: (فَوَرَبِّ السَّماءِ وَالارْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلُ ما أنَّكمْ تَنْطِقون)(٣٦٠).
١٣٤ - روي الشيخ الطوسي بالاسناد عن إسحاق بن عبد الله، عن الامام زين العابدين (عليه السلام)، في هذه الاية، قال: قيام القائم (عليه السلام) من آل محمّد (صلى الله عليه وآله)(٣٦١).
قوله تعالى: (يَعْرف الُمجْرِمونَ بِسيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصي وَالاقْدامِ)(٣٦٢).
١٣٥ - روي الصفّار بالاسناد عن معاوية الدهني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في هذه الاية قال (عليه السلام): يا معاوية، ما يقولون في هذا؟
قال: قلت: يزعمون أنّ الله تبارك وتعالى يعرف المجرمين بسيماهم يوم القيامة، فيأمر بهم فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم ويلقون في النار.
قال: فقال لي: وكيف يحتاج الجبّار تبارك وتعالى إلى معرفة خلق أنشأهم وهو خلقهم؟
قال: فقلت: فما ذاك جعلت فداك؟ قال: ذلك لو قد قام قائمنا، أعطاه الله السِّيما فيأمر بالكافر فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم، ثمّ يخبط بالسيف خبطاً(٣٦٣).
١٣٦ - وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قوله تعالى: (يَعْرف الُمجْرِمونَ بِسيماهُمْ)، قال: الله يعرفهم، ولكن نزلت في القائم، يعرفهم بسيماهم فيخطبهم بالسيف هو وأصحابه خبطاً(٣٦٤).
سورة الحديد
قوله تعالى: (وَلا يَكونوا كالَّذينَ اُوتوا الكتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الامَدُ فَقَسَتْ قُلوبُهُمْ وَكثيرٌ مِنْهُمْ فاسِقون)(٣٦٥).
١٣٧ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن سماعة وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: نزلت هذه الاية في القائم (عليه السلام)(٣٦٦).
قوله تعالى: (اعْلَموا أنَّ اللهَ يُحْيي الارْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكمُ الاياتِ لَعَلَّكمْ تَعْقِلون)(٣٦٧).
١٣٨ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في هذه الاية، قال: يحييها الله عزّ وجلّ بالقائم (عليه السلام) بعد موتها - [يعني] بموتها كفر أهلها - والكافر ميّت(٣٦٨).
١٣٩ - وروي الشيخ الطوسي بالاسناد عن ابن عباس في هذه الاية، قال:
(اعْلَموا أنَّ اللهَ يُحْيي الارْضَ بَعْدَ مَوْتِها) يعني يصلح الارض بقائم آل محمّد من بعد موتها، يعني من بعد جور أهل مملكتها (قَدْ بَيَّنَّا لَكمُ الاياتِ) بقائم آل محمّد (لَعَلَّكمْ تَعْقِلون)(٣٦٩).
سورة الصف
قوله تعالى: (هُوَ الَّذي أرْسَلَ رَسولَهُ بِالهُدي وَدينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلي الدِّينِ كلِّهِ وَلَوْ كرِهَ المُشْرِكون)(٣٧٠).
١٤٠ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في هذه الاية، قال: والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتّى يخرج القائم (عليه السلام)، فإذا خرج القائم لم يبق كافر بالله العظيم ولا مشرك بالامام إلاّ كره خروجه، حتّى أن لو كان كافراً أو مشركاً في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن، في بطني كافر، فاكسرني واقتله(٣٧١).
سورة الملك
قوله تعالى: (قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكمْ غَوْراً فَمَنْ يَأتيكمْ بِماء مَعين)(٣٧٢).
١٤١ - روي الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي بالاسناد عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في هذه الاية، قال: هذه نزلت في القائم، يقول: إن أصبح إمامكم غائباً لا تدرون أين هو، فمن يأتيكم بإمام ظاهر يأتيكم بأخبار السماء والارض، وحلال الله جلّ وعزّ وحرامه(٣٧٣).
سورة التكوير
قوله تعالى: (فَلا اُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكنَّسِ)(٣٧٤).
١٤٢ - روي الشيخ الكليني وغيره بالاسناد عن اُمّ هانئ، قالت: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) عن هذه الاية، فقال: إمام يخنس سنة ستّين ومائتين، ثمّ يظهر كالشهاب يتوقّد في الليلة الظلماء، فإن أدركت زمانه قرّت عينك(٣٧٥).
١٤٣ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن اُمّ هانئ الثقفيّة، قالت: غدوت علي سيّدي محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) فقلت له: يا سيّدي، آية في كتاب الله عزّ وجلّ عرضت بقلبي فأقلقتني وأسهرت ليلي.
قال: فسلي يا اُمّ هانئ. قالت: قلت: يا سيّدي، قول الله عزّ وجلّ: (فَلا اُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكنَّسِ).
قال: نعم المسألة سألتني يا اُمّ هانئ، هذا مولود في آخر الزمان، هو المهدي من هذه العترة، تكون له حيرة وغيبة، يضلّ فيها أقوام، ويهتدي فيها أقوام، فيا طوبي لك إن أدركته، ويا طوبي لمن أدركه(٣٧٦).
سورة الانشقاق
قوله تعالى: (لَتَرْكبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَق)(٣٧٧).
١٤٤ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن سدير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إنّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها.
فقلت له: يا بن رسول الله، ولِمَ ذلك؟ قال: لانّ الله عزّ وجلّ أبي إلاّ أن تجري فيه سنن الانبياء (عليهم السلام) في غيباتهم، وإنّه لا بدّ له يا سدير من استيفاء مُدَد غيباتهم، قال الله تعالى: (لَتَرْكبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَق) أي سنن من كان قبلكم(٣٧٨).

الفصل الرابع: النص على إمامته عليه السلام

لقد جاء عن الرسول المصطفى (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والائمة الهداة من ولده (عليهم السلام) ذكر النص علي أئمة المسلمين وخلفاء رسول ربّ العالمين الاثني عشر من عترته المعصومين واحداً بعد واحد، مع بيان فضلهم وعدّتهم من طرق رجال الشيعة الموثّقين عند الائمة الهداة (عليهم السلام)، وقد ورد ذلك عنهم متواتراً، بشكل يجلو القلوب من العمي، وينفي الشك ويزيل الارتياب عمّن أراد سلوك طريق الحقّ ولم يجعل للشيطان علي نفسه سبيلاً بالاصغاء إلى زخارف المموّهين وفتنة المفتونين.
ويضاف إلى ما تقدّم من النص علي الائمّة الاثني عشر (عليهم السلام)، النصوص الخاصّة بإمامة الثاني عشر منهم (عليه السلام)، وكونه مهديّ هذه الاُمّة الذي يغيب ثمّ يظهر ليملا الارض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، ولقد سبق النص عليه من جدّه النبيّ الاكرم (صلى الله عليه وآله) في عشرات المناسبات وتواترت النصوص عليه من الائمة (عليهم السلام) واحداً بعد واحد لتؤكد بأنّه التاسع من ولد الحسين (عليه السلام)، والثامن من ولد زين العابدين (عليه السلام)، والسابع من ولد الباقر (عليه السلام)، والسادس من ولد الصادق (عليه السلام)، والخامس من ولد الكاظم (عليه السلام)، والرابع من ولد الرضا (عليه السلام)، والثالث من ولد الجواد (عليه السلام)، والثاني من ولد علي الهادي (عليه السلام)، وكونه ابن الامام العسكري (عليه السلام)، على ما سيأتي في النصوص التي اخترناها كنماذج لما ذكرناه في هذا الفصل.
فالامام بعد أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام) هو ابنه المسمّي باسم جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) المكنّي بكنيته، ولم يخلف أبوه ولداً غيره بعد وفاته، وهو القائم المنتظر لاقامة دولة الحقّ، وكان أبوه (عليه السلام) قد أخفي مولده وستر أمره، وذلك لصعوبة الزمان وشدّة طلب سلطان الزمان له والخوف عليه من الحاكمين الذين اجتهدوا في البحث عن أمره، وفتّشوا دار أبيه بعد وفاته (عليه السلام)، وذلك لما شاع من مذهب الشيعة الامامية فيه، وعُرِف من انتظارهم له، لذا فلم يظهره أبوه (عليه السلام) إلاّ لخواصّه وثقات أصحابه، حيث أراهم إيّاه بشخصه كما تدلّ عليه الروايات التي سنذكرها في نص أبيه عليه من هذا الفصل، وأشار إليه بالامامة استظهاراً في الحجّة وتثبيتاً علي المحجّة.
قال الشيخ المفيد (رحمه الله): وقد سبق النص عليه في ملّة الاسلام من نبيّ الهدي (صلى الله عليه وآله) ثمّ من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ونص عليه الائمة (عليهم السلام) واحداً بعد واحد إلى أبيه الحسن (عليه السلام)، ونص أبوه عليه عند ثقاته وخاصّة شيعته.
وكان الخبر بغيبته ثابتاً قبل وجوده، وبدولته مستفيضاً قبل غيبته، وهو صاحب السيف من أئمة الهدي (عليهم السلام) والقائم بالحقّ، والمنتظر لدولة الايمان(٣٧٩).
وفي ما يلي نذكر شذرات من مئات الروايات الواردة عن الائمة الهداة (عليهم السلام) والتي تنص علي الامام الثاني عشر (عليه السلام) مهديّ هذه الاُمّة، الحجّة بن الحسن العسكري، وتصف زمانه وغيبته وما سيقوم به بعد ظهوره، وهذه الاحاديث إذا لم يكن جلّها من الصحيح، فممّا لا شك فيه بأنّ عدداً كبيراً منها يفوق حدّ التواتر، وهو ممّا تطمئنّ له النفس، ذلك لانّ رواتها من المعروفين بالوثاقة والاستقامة.
فلنستمع إلى النصوص مرتّبة وفقاً لروايتها عن المعصومين الاربعة عشر:
نص الرسول الاعظم على الإمام المهدي
١ - روي المسعودي والشيخ الصدوق وابن عياش والشيخ الطوسي وغيرهم بالاسناد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: إنّ الله عزّ وجلّ اختار من الايام يوم الجمعة، ومن الليالي ليلة القدر، ومن الشهور شهر رمضان، واختارني من الرسل، واختار منّي علياً، واختار من عليّ الحسن والحسين، واختار من الحسين الاوصياء، ينفون عن التنزيل تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، تاسعهم قائمهم، وهو ظاهرهم وهو باطنهم(٣٨٠).
٢ - وروي الشيخ الصدوق والفتّال وابن شهرآشوب وغيرهم بالاسناد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الائمة بعدي اثنا عشر، أوّلهم أنت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح الله عزّ وجلّ علي يديه مشارق الارض ومغاربها(٣٨١).
٣ - وروي الشيخ الطوسي والنعماني بالاسناد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: يا علي، الائمة الراشدون المهتدون المعصومون من ولدك أحد عشر إماماً، وأنت أوّلهم، وآخرهم اسمه اسمي، يخرج ويملا الارض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(٣٨٢).
٤ - وروي الشيخ الصدوق والخزّاز بالاسناد عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: لمّا أنزل الله عزّ وجلّ علي نبيّه محمّد (صلى الله عليه وآله) (يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا أطيعوا اللهَ وَأطيعوا الرَّسولَ وَاُولي الامْرِ مِنْكمْ)(٣٨٣)، قلت: يا رسول الله، عرفنا الله ورسوله، فمن اُولو الامر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟
فقال (عليه السلام): هم خلفائي يا جابر، وأئمة المسلمين من بعدي، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن والحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن علي المعروف في التوراة بالباقر، وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه منّي السلام، ثمّ الصادق جعفر ابن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ عليّ بن موسى، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ عليّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن عليّ، ثمّ سميّي وكنيّي حجّة الله في أرضه، وبقيّته في عباده ابن الحسن ابن علي، ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره علي يديه مشارق الارض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبةً لا يثبت فيها علي القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للايمان(٣٨٤).
٥ - وروي النعماني وابن عياش بالاسناد عن جابر بن يزيد الجعفي، عن محمّد ابن عليّ الباقر (عليه السلام)، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطّاب، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الله أوحي إلى ليلة اُسري بي: يا محمّد، من خلّفت في الارض علي اُمّتك؟ وهو أعلم بذلك. قلت: يا ربّ، أخي. قال: يا محمّد، عليّ بن أبي طالب؟ قلت: نعم يا ربّ.
قال: يا محمّد، إنّي اطّلعت إلى الارض اطّلاعة فاخترتك منها، فلا اُذكر حتّى تذكر معي، فأنا المحمود وأنت محمّد، ثمّ إنّي اطّلعت إلى الارض اطّلاعة اُخري فاخترت منها عليّ بن أبي طالب وصيّك، فأنت سيّد الانبياء، وعليّ سيّد الاوصياء، ثمّ شققت له اسماً من أسمائي، فأنا الاعلي وهو عليّ.
يا محمّد، إنّي خلقتُ عليّاً وفاطمة والحسن والحسين والائمة من نور واحد، ثمّ عرضت ولايتهم علي الملائكة، فمن قبلها كان من المقرّبين، ومن جحدها كان من الكافرين.
يا محمّد، أتحبّ أن تراهم؟ فقلت: نعم. فقال: تقدّم أمامك، فتقدّمت أمامي، فإذا عليّ بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمّد بن عليّ، وعليّ بن محمّد، والحسن بن عليّ، والحجّة القائم كأنّه الكوكب الدرّي في وسطهم.
فقلت: يا ربّ، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الائمة، وهذا القائم، محلّل حلالي، ومحرّم حرامي، وينتقم من أعدائي. يا محمّد، أحببه فإنّي اُحبّه، واُحبّ من يحبّه(٣٨٥).
٦ - وروي الخزّاز بالاسناد عن اُمّ سلمة، قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لمّا اُسري بي إلى السماء، نظرت فإذا مكتوب علي العرش: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، أيّدته بعلي، ونصرته بعلي، ورأيت أنوار علي وفاطمة والحسن والحسين، وأنوار علي بن الحسين، ومحمّد بن علي، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ ابن موسى، ومحمّد بن علي، وعلي بن محمّد، والحسن بن علي، ورأيت نور الحجّة يتلالا من بينهم كأنّه كوكب درّي.
فقلت: يا ربّ من هذا، ومن هؤلاء؟ فنوديت: يا محمّد، هذا نور عليّ وفاطمة، وهذا نور سبطيك الحسن والحسين، وهذه أنوار الائمة بعدك من ولد الحسين، مطهّرون معصومون، وهذا الحجّة الذي يملا الدنيا قسطاً وعدلاً(٣٨٦).
٧ - وروي بعدّة أسانيد عن عائشة، قالت: كان لنا مشربة(٣٨٧)، وكان النبيّ (صلى الله عليه وآله) إذا أراد لقاء جبرئيل (عليه السلام) لقيه فيها، فلقيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرّة فيها، وأمرني أن لا يصعد إليه أحد، فدخل عليه الحسين بن عليّ (عليه السلام) ولم نعلم حتّى غشاها، فقال جبرئيل: من هذا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ابني، فأخذه النبيّ (صلى الله عليه وآله) فأجلسه علي فخذه، فقال له جبرئيل: أما إنّه سيُقتَل. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ومن يقتله؟ قال: اُمّتك. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اُمّتي تقتله؟!
قال: نعم، وإن شئت أخبرتك بالارض التي يقتل فيها، فأشار جبرئيل إلى الطفّ بالعراق، وأخذ منه تُربةً حمراء فأراه إيّاها، وقال: هذه من تربة مصرعه. فبكي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال له جبرئيل: لا تبك يا رسول الله، فسوف ينتقم الله منهم بقائمكم أهل البيت.
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حبيبي جبرئيل، ومن قائمنا أهل البيت؟
قال: هو التاسع من ولد الحسين، كذا أخبرني ربّي جلّ جلاله، إنّه سيخلق من صلب الحسين ولداً وسمّاه عنده علياً خاضعاً لله خاشعاً، ثمّ يخرج من صلب عليّ ابنه وسمّاه عنده محمّداً قانتاً لله ساجداً، ثمّ يخرج من صلب محمّد ابنه وسمّاه عنده جعفراً ناطقاً عن الله صادقاً في الله، ويخرج الله من صلبه ابنه، وسمّاه عنده موسى، واثقاً بالله، محبّاً في الله، ويخرج من صلبه ابنه وسماه عنده علياً الراضي بالله، والداعي إلى الله عزّ وجلّ، ويخرج من صلبه ابنه وسمّاه عنده محمّداً المرغّب في الله، والذابّ عن حرم الله، ويخرج من صلبه ابنه وسمّاه عنده علياً المكتفي بالله والوليّ لله، ثمّ يخرج من صلبه ابنه وسمّاه الحسن مؤمناً بالله مرشداً إلى الله، ويخرج من صلبه كلمة الحقّ ولسان الصدق، ومظهر الحقّ، حجّة الله علي بريّته، له غيبة طويلة، يظهر الله تعالى به الاسلام وأهله، ويخسف به الكفر وأهله(٣٨٨).
٨ - وروي الشيخ الصدوق والخزّاز والطبرسي بالاسناد عن الحسن بن علي ابن أبي حمزة، عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حدّثني جبرئيل عن ربّ العزّة جلّ جلاله أنّه قال: من علم أنّه لا إله إلاّ أنا وحدي، وأنّ محمّداً عبدي ورسولي، وأنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي، وأنّ الائمة من ولده حججي، أدخلته الجنّة برحمتي، ونجّيته من النار بعفوي...
إلى أن قال: فقام جابر بن عبد الله الانصاري، وقال: يا رسول الله، ومن الائمة من ولد علي بن أبي طالب؟ قال: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، ثمّ سيّد العابدين في زمانه عليّ بن الحسين، ثمّ الباقر محمّد بن عليّ وستدركه يا جابر، فإذا أدركته فأقرئه منّي السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمّد، ثمّ الكاظم موسى بن جعفر، ثمّ الرضا عليّ بن موسى، ثمّ التقيّ محمّد بن عليّ، ثمّ الهادي عليّ بن محمّد، ثمّ الزكيّ الحسن بن عليّ، ثمّ ابنه القائم بالحقّ مهدي اُمّتي الذي يملا الارض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً.
هؤلاء يا جابر خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي، من أطاعهم فقد أطاعني، ومن عصاهم فقد عصاني، ومن أنكرهم أو أنكر واحداً منهم فقد أنكرني، بهم يمسك الله السماوات أن تقع علي الارض إلاّ بإذنه، وبهم يحفظ الله الارض أن تميد بأهلها(٣٨٩).
٩ - وروي الطبري الامامي والخصيبي والخزّاز بالاسناد عن سلمان (رضي الله عنه) - في حديث - قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيّاً ولا رسولاً إلاّ جعل له اثني عشر نقيباً.
إلى أن قال: فقلت: فأنّي لي بهم وقد عرفت إلى الحسين؟
قال (صلى الله عليه وآله): ثمّ سيّد العابدين عليّ بن الحسين، ثمّ ابنه محمّد بن عليّ باقر علم الاوّلين والاخرين من النبيّين والمرسلين، ثمّ ابنه جعفر بن محمّد لسان الله الصادق، ثمّ ابنه موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبراً في الله عزّ وجلّ، ثمّ ابنه عليّ بن موسى الرضي لامر الله، ثمّ ابنه محمّد بن علي المختار من خلق الله، ثمّ ابنه عليّ بن محمّد الهادي إلى الله، ثمّ ابنه الحسن بن عليّ الصامت الامين لسرّ الله، ثمّ ابنه محمّد بن الحسن الهادي المهدي الناطق القائم بحقّ الله(٣٩٠)، الحديث.
١٠ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قلت يا رسول الله، أرشدني إلى النجاة، فقال (صلى الله عليه وآله): يا بن سمرة، إذا اختلفت الاهواء وتفرّقت الاراء فعليك بعليّ بن أبي طالب، فإنّه إمام اُمّتي، وخليفتي عليهم من بعدي.
إلى أن قال: وابناه إماما اُمّتي، وسيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين، وتسعة من ولد الحسين، تاسعهم قائم اُمّتي، يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(٣٩١).
١١ - وروي الشيخ الصدوق والطبرسي بالاسناد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال لابن مسعود: يا بن مسعود، إنّ عليّ بن أبي طالب إمامكم بعدي وخليفتي عليكم، فإذا مضي فالحسن ثمّ الحسين ابناي إماماكم بعده وخليفتاي عليكم، ثمّ تسعة من ولد الحسين واحداً بعد واحد أئمتكم وخلفائي عليكم، تاسعهم قائم اُمّتي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(٣٩٢)، الحديث.
١٢ - وروي الخزّاز بالاسناد عن سلمان الفارسي رحمة الله عليه، قال: دخلت علي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعنده الحسن والحسين يتغدّيان والنبيّ (صلى الله عليه وآله) يضع اللقمة تارةً في فم الحسن (عليه السلام) وتارةً في فم الحسين (عليه السلام)، فلمّا فرغا من الطعام، أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحسن علي عاتقه، والحسين علي فخذه، ثمّ قال لي: يا سلمان، أتحبّهم؟ قلت: يا رسول الله، كيف لا اُحبّهم ومكانهم منك مكانهم؟
قال: يا سلمان، من أحبّهم فقد أحبّني، ومن أحبّني فقد أحبّ الله، ثمّ وضع يده علي كتف الحسين فقال: إنّه الامام ابن الامام، تسعة من صلبه أئمة أبرار اُمناء معصومون، والتاسع قائمهم(٣٩٣).
١٣ - وروي الخزّاز والجويني بالاسناد عن ابن عباس، قال: قدم يهودي علي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقال له: نعثل، فقال: يا محمّد، إنّي أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين، فإن أنت أجبتني عنها أسلمت علي يدك. قال: سل يا أبا عمارة...
إلى أن قال: فأخبرني عن وصيّك من هو؟ فما من نبيّ إلاّ وله وصيّ، وإنّ نبيّنا موسى بن عمران أوصي إلى يوشع بن نون. فقال (صلى الله عليه وآله): نعم، إنّ وصيّي والخليفة من بعدي عليّ بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، يتلوه تسعة من ولد الحسين أئمة أبرار. قال: يا محمّد، فسمّهم لي. قال: نعم، إذا مضي الحسين فابنه علي، فإذا مضي علي فابنه محمّد، فإذا مضي محمّد فابنه جعفر، فإذا مضي جعفر فابنه موسى، فإذا مضي موسى فابنه علي، فإذا مضي علي فابنه محمّد، فإذا مضي محمّد فابنه علي، فإذا مضي علي فابنه الحسن، فإذا مضي الحسن فبعده ابنه الحجّة بن الحسن بن علي، فهذه اثنا عشر إماماً علي عدد نقباء بني إسرائيل...
إلى أن قال: ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): طوبي لمن أحبّهم، وطوبي لمن تمسّك بهم، والويل لمبغضيهم، فانتفض نعثل وقام بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنشأ يقول:

صلّى العليّ ذو العلى* * * عليك يا خير البشر
أنت النبيّ المصطفى * * * والهاشميّ المفتخر
بك اهتدينا رشدنا * * * وفيك نرجو ما أمر
ومعشرٌ سمّيتهم * * * أئمّة اثني عشر
حباهمُ ربّ العلى * * * ثمّ صفاهم من كدر
قد فاز من والاهمُ * * * وخاب من عفّي الاثر
آخرهم يشفي الظما * * * وهو الامام المنتظر
عترتك الاخيار لي * * * والتابعون ما أمر
من كان عنكم معرضاً * * * فسوف يصلى بسقر(٣٩٤)

١٤ - وروي الخزّاز بالاسناد عن ابن عباس، قال: قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله): كم الائمة بعدك؟
قال: بعدد حواري عيسى وأسباط موسى ونقباء بني إسرائيل.
قلت: يا رسول الله، فكم كانوا؟
قال: كانوا اثني عشر، والائمة بعدي اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، فإذا انقضي الحسين فابنه علي، فإذا انقضي علي فابنه محمّد، فإذا انقضي محمّد فابنه جعفر، فإذا انقضي جعفر فابنه موسى، فإذا انقضي موسى فابنه علي، فإذا انقضي علي فابنه محمّد، فإذا انقضي محمّد فابنه علي، فإذا انقضي علي فابنه الحسن، فإذا انقضي الحسن فابنه الحجّة(٣٩٥).
١٥ - وروي بالاسناد عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه)، قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: معاشر الناس، إنّي راحل عنكم عن قريب ومنطلق إلى المغيب، اُوصيكم في عترتي خيراً، وإيّاكم والبدع، فإنّ كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة وأهلها في النار.
معاشر الناس، من افتقد الشمس فليتمسّك بالقمر، ومن افتقد القمر فليتمسّك بالفرقدين، ومن افتقد الفرقدين فليتمسّك بالنجوم الزاهرة بعدي، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
إلى أن قال: فقلت: بأبي أنت واُمّي يا رسول الله، سمعتك تقول: إذا افتقدتم الشمس فتمسّكوا بالقمر، وإذا افتقدتم القمر فتمسّكوا بالفرقدين، وإذا افتقدتم الفرقدين فتمسّكوا بالنجوم الزاهرة، فما الشمس، وما القمر، وما الفرقدان، وما النجوم الزاهرة؟
فقال (صلى الله عليه وآله): أمّا الشمس فأنا، وأمّا القمر فعلي، فإذا افتقدتموني فتمسّكوا به بعدي، وأمّا الفرقدان فالحسن والحسين، فإذا افتقدتم القمر فتمسّكوا بهما، وأمّا النجوم الزاهرة فالائمة التسعة من صلب الحسين، والتاسع مهديّهم.
ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): إنّهم هم الاوصياء والخلفاء بعدي، أئمة أبرار، عدد أسباط يعقوب وحواري عيسى، قلت: فسمّهم لي يا رسول الله.
قال: أوّلهم وسيّدهم عليّ بن أبي طالب، وسبطاي، وبعدهما زين العابدين عليّ بن الحسين، وبعده محمّد بن عليّ باقر علم النبيّين، وجعفر بن محمّد، وابنه الكاظم سميّ موسى بن عمران، والذي يقتل بأرض الغربة ابنه علي، ثمّ ابنه محمّد، والصادقان عليّ والحسن، والحجّة القائم المنتظر في غيبته، فإنّهم عترتي من دمي ولحمي، علمهم علمي، وحكمهم حكمي، من آذاني فيهم فلا أناله الله تعالى شفاعتي(٣٩٦).
١٦ - وروي الخزّاز بالاسناد عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الائمة من بعدي بعدد نقباء بني إسرائيل، وكانوا اثني عشر، ثمّ وضع يده علي صلب الحسين (عليه السلام)، وقال: تسعة من صلبه، والتاسع مهديّهم، يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فالويل لمبغضيهم(٣٩٧).
١٧ - وروي الخزّاز بالاسناد عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول للحسين (عليه السلام):
أنت الامام ابن الامام وأخو الامام، تسعة من صلبك أئمّة أبرار، والتاسع قائمهم(٣٩٨).
١٨ - وعنه، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: الائمة بعدي اثنا عشر، تسعة من صلب الحسين، والتاسع قائمهم، فطوبي لمن أحبّهم، والويل لمن أبغضهم(٣٩٩).
١٩ - وعنه، بالاسناد عن أبي سعيد، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: الائمة بعدي اثنا عشر، تسعة من صلب الحسين، والمهدي منهم(٤٠٠).
٢٠ - وعنه، بالاسناد عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الائمة بعدي اثنا عشر، تسعة من صلب الحسين، تاسعهم قائمهم.
ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): ألا إنّ مثلهم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق، ومثل باب حطّة في بني إسرائيل(٤٠١).
٢١ - وروي الديلمي بالاسناد عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الارض اطّلاعةً فاختارني منها فجعلني نبيّاً، ثمّ اطّلع ثانيةً فاختار منها علياً فجعله إماماً، ثمّ أمرني أن أتّخذه أخاً ووصيّاً وخليفة ووزيراً، فعليّ منّي، وهو زوج ابنتي، وأبو سبطيّ الحسن والحسين، ألا وإنّ الله جعلني أنا وهم حججاً علي عباده، وجعل من صلب الحسين أئمّةً يقومون بأمري، ويحفظون وصيّتي، التاسع منهم قائمهم(٤٠٢).
٢٢ - وروي الخزّاز بالاسناد عن أبي هريرة، قال: قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ لكلّ نبيّ وصيّاً وسبطين، فمن وصيّك وسبطاك؟
إلى أن قال:
ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): إنّ الله بعث أربعة آلاف نبيّ، وكان لهم أربعة آلاف وصيّ، وثمانية آلاف سبط، فوالذي نفسي بيده لانا خير النبيّين، ووصيّي خير الوصيّين، وإنّ سبطيّ خير الاسباط.
ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): والحسن والحسين سبطا هذه الاُمّة، وإنّ الاسباط كانوا من ولد يعقوب، وكانوا اثني عشر رجلاً، وإنّ الائمة بعدي اثنا عشر رجلاً من أهل بيتي، عليّ أوّلهم، وأوسطهم محمّد، وآخرهم محمّد، وهو مهدي هذه الاُمّة الذي يصلّي عيسى خلفه، ألا إنّ من تمسّك بهم بعدي فقد تمسّك بحبل الله، ومن تخلّي منهم فقد تخلّي من حبل الله(٤٠٣).
٢٣ - وروي بالاسناد عن زيد بن ثابت، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: عليّ بن أبي طالب قائد البررة، وقاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله، الشاك في عليّ هو الشاك في الاسلام، وخير من اُخلّف بعدي، وخير أصحابي علي، لحمه لحمي ودمه دمي، وأبو سبطي، ومن صلب الحسين الائمة التسعة، ومنهم مهدي هذه الاُمّة(٤٠٤).
٢٤ - وروي بالاسناد عن زيد بن ثابت، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا تذهب الدنيا حتّى يقوم بأمر اُمّتي رجل من صلب الحسين يملاها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
قلنا: من هو يا رسول الله؟
قال: هو الامام التاسع من صلب الحسين(٤٠٥).
٢٥ - وروي بالاسناد عن زيد بن ثابت - في حديث - قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): منّا مهديّ هذه الاُمّة الذي يصلّي عيسى بن مريم خلفه.
قلنا: من هو يا رسول الله؟
قال: هو التاسع من صلب الحسين، أئمة أبرار، والتاسع مهديّهم يملا الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(٤٠٦).
٢٦ - وروي بالاسناد عن زيد بن أرقم، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعليّ (عليه السلام): أنت الامام والخليفة بعدي، وابناك هذان إمامان وسيّدا شباب أهل الجنّة، وتسعة من صلب الحسين أئمة معصومون، ومنهم قائمنا أهل البيت(٤٠٧).
٢٧ - وروي بالاسناد عن زيد بن أرقم، قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال بعدما حمد الله وأثني عليه: اُوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي لا يستغني عنه العباد.
إلى أن قال: معاشر الناس، اُوصيكم في عترتي وأهل بيتي خيراً، فإنّهم مع الحقّ والحقّ معهم، وهم الائمة الراشدون بعدي والاُمناء المعصومون.
قال: فقام إليه عبد الله بن العباس فقال: يا رسول الله، كم الائمة بعدك؟
قال: عدد نقباء بني إسرائيل وحواري عيسى، تسعة من صلب الحسين، ومنهم مهدي هذه الاُمّة(٤٠٨).
٢٨ - وروي عن أبي اُمامة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لمّا عرج بي إلى السماء رأيت مكتوباً علي ساق العرش بالنور: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، أيّدته بعلي، ونصرته بعلي، ثمّ بعده الحسن والحسين، ورأيت علياً علياً علياً ثلاث مرّات، ورأيت محمّداً محمّداً، وجعفراً وموسى والحسن والحجّة، اثني عشر اسماً مكتوباً بالنور.
فقلت: أسامي من هؤلاء الذين قرنتهم بي؟ فنوديت، يا محمّد، هم الأئمة بعدك والاخيار من ذرّيتك(٤٠٩).
٢٩ - وعنه، بالاسناد عن أبي اُمامة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الائمة بعدي اثنا عشر كلّهم من قريش، تسعة من صلب الحسين، والمهدي منهم(٤١٠).
٣٠ - وعنه، بالاسناد عن أبي اُمامة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تقوم الساعة حتّى يقوم قائم بالحقّ منّا، وذلك حين يأذن الله عزّ وجلّ له، فمن تبعه نجا، ومن تخلّف عنه هلك، فالله الله عباد الله، ائتوه ولو على الثلج، فإنّه خليفة الله.
قلنا: يا رسول الله، ومتى يقوم قائمكم؟ قال: إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً، وهو التاسع من صلب الحسين(٤١١).
٣١ - وعنه، بالاسناد عن عمّار - في حديث - قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عمّار، إنّ الله تبارك وتعالى عهد إلى أنّه يخرج من صلب الحسين أئمة تسعة، والتاسع من ولده يغيب عنهم، وذلك قوله عزّ وجلّ: (قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكمْ غَوْراً فَمَنْ يَأتيكمْ بِماء مَعين)(٤١٢) تكون له غيبة طويلة، يرجع عنها قوم ويثبت عليها آخرون، فإذا كان في آخر الزمان يخرج فيملا الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ويقاتل علي التأويل كما قاتلت علي التنزيل، وهو سميّي وأشبه الناس بي(٤١٣).
٣٢ - وروي بالاسناد عن حذيفة بن اُسيد، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد سأله سلمان عن الائمة (عليهم السلام)، فقال: الائمة بعدي عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من صلب الحسين، ومنّا مهديّ هذه الاُمّة، ألا إنّهم مع الحقّ والحقّ معهم، فانظروا كيف تخلفوني فيهم(٤١٤).
٣٣ - وروي بالاسناد عن سعد بن مالك، قال: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: يا عليّ، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، تقضي ديني، وتنجز عدتي، وتقاتل بعدي علي التأويل كما قاتلت علي التنزيل، يا عليّ حبّك إيمان وبغضك نفاق، ولقد نبّاني اللطيف الخبير أنّه يخرج من صلب الحسين تسعة من الائمة معصومون مطهّرون، ومنهم مهديّ هذه الاُمّة الذي يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت في أوّله(٤١٥).
٣٤ - وروي بالاسناد عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لي يوماً: يا جابر، إذا أدركت ولدي الباقر فاقرأه منّي السلام، فإنّه سميّي وأشبه الناس بي، علمه علمي وحكمه حكمي، سبعة من ولده اُمناء معصومون أئمة أبرار، والسابع مهديّهم، الذي يملا الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ثمّ تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله): (وَجَعَلْناهُمْ أئِمَّةً يَهْدونَ بِأمْرِنا وَأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وَإقامَ الصَّلاةِ وَإيْتاءَ الزَّكاةِ وَكانوا لَنا عابِدينَ)(٤١٦).
٣٥ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج الله علي الخلق بعدي اثنا عشر، أوّلهم أخي، وآخرهم ولدي.
قيل: يا رسول الله، ومن أخوك؟ قال: عليّ بن أبي طالب.
قيل: فمن ولدك؟ قال: المهدي الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلّي خلفه، وتشرق الارض بنوره، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب(٤١٧).
٣٦ - وروي الخزّاز بالاسناد عن جابر بن عبد الله الانصاري - في حديث - قال: قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله، ومن المهدي؟
قال: تسعة من صلب الحسين أئمة أبرار، والتاسع قائمهم، يملا الارض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل(٤١٨).
٣٧ - وروي النعماني بالاسناد عن عبد خير، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي، الائمة الراشدون المهتدون المعصومون من ولدك أحد عشر إماماً، وأنت أوّلهم، وآخرهم اسمه علي اسمي، يخرج فيملا الارض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يأتيه الرجل والمال كدس، فيقول: يا مهدي أعطني، فيقول: خذ(٤١٩).
٣٨ - وروي الشيخ الصدوق والخزّاز والشيخ الطوسي بالاسناد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) - في حديث الوصيّة - قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وأنا أدفعها إليك يا علي، وأنت تدفعها إلى ابنك الحسن، والحسن يدفعها إلى أخيه الحسين، والحسين يدفعها إلى ابنه علي، وعلي يدفعها إلى ابنه محمّد، ومحمّد يدفعها إلى ابنه جعفر، وجعفر يدفعها إلى ابنه موسى، وموسى يدفعها إلى ابنه علي، وعلي يدفعها إلى ابنه محمّد، ومحمّد يدفعها إلى ابنه علي، وعلي يدفعها إلى ابنه الحسن، والحسن يدفعها إلى ابنه القائم، ثمّ يغيب عنهم إمامهم ما شاء الله، وتكون له غيبتان إحداهما أطول من الاُخرى. ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): الحذر الحذر إذا فقد الخامس من ولد السابع من ولدي(٤٢٠).
٣٩ - وروي الخزّاز بالاسناد عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت منّي وأنا منك، وأنت أخي ووزيري، فإذا متّ ظهرت لك ضغائن في صدور قوم، وستكون بعدي فتنة صمّاء صيلم، تسقط فيها كلّ وليجة وبطانة، وذلك عند فقدان شيعتك الخامس من ولد السابع من ولدك، يحزن لفقده أهل الارض والسماء، فكم من مؤمن ومؤمنة متأسّف متلهّف حيران عند فقده.
قال: ثمّ أطرق مليّاً، ثمّ رفع رأسه وقال: بأبي واُمّي سميّي وشبيهي وشبيه موسى بن عمران، عليه جيوب النور - أو قال: جلابيب النور - يتوقّد من شعاع القدس، كأنّي بهم آيس ما كانوا، ثمّ نودي بنداء يسمعه من البعد كما يسمعه من القرب، يكون رحمة على المؤمنين وعذاباً على المنافقين(٤٢١).
٤٠ - وروي بالاسناد عن الامام الحسن بن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) - في حديث عدد فيه الائمة من عترة المصطفى (عليهم السلام) إلى أن قال -: ويخرج الله من صلب الحسن الحجّة القائم إمام زمانه، ومنقذ أوليائه، يغيب حتّى لا يرى، يرجع عن أمره قوم ويثبت عليه آخرون (وَيَقولونَ مَتى هذا الوَعْدُ إنْ كنْتُمْ صادِقين)(٤٢٢) ولو لم يبقَ في الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم حتّى يخرج قائمنا، فيملاها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(٤٢٣).
٤١ - وروي بالاسناد عن الامام الحسين (عليه السلام) عن جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) - في حديث ذكر فيه الائمة (عليهم السلام) إلى أن قال -: فإذا مضي علي فابنه الحسن أولي به من بعده، فإذا مضي الحسن وقعت الغيبة في التاسع من ولدك، فهذه الائمة التسعة من صلبك، أعطاهم الله علمي وفهمي، طينتهم من طينتي(٤٢٤).
٤٢ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لمّا عرج بي إلى ربّي جلّ جلاله أتاني النداء: يا محمّد. قلت: لبّيك ربّ العظمة لبّيك - إلى أن قال -: فأوحي الله إلى يا محمّد، إنّ عليّاً وارثك ووارث العلم من بعدك وصاحب لوائك لواء الحمد يوم القيامة وصاحب حوضك، يسقي من ورد عليه من مؤمني اُمّتك... واُعطيك أن اُخرج من صلبه أحد عشر مهديّاً كلّهم من ذرّيتك من البكر البتول، وآخر رجل منهم يصلّي خلفه عيسى بن مريم، يملا الارض عدلاً كما ملئت منهم ظلماً وجوراً، اُنجي به من الهلكة، وأهدي به من الضلالة، واُبرئ به من العمي، وأشفي به المريض(٤٢٥).
٤٣ - وروي بالاسناد عن عبد السلام بن صالح الهروي، عن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام)، عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) - في حديث طويل - قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لمّا عرج بي إلى السماء أذّن جبرئيل مثنيً مثنيً...
إلى أن قال: فقلت: يا ربّ ومن أوصيائي؟
فنوديت: يا محمّد، إنّ أوصياءك المكتوبون علي ساق العرش، فنظرت - وأنا بين يدي ربّي - إلى ساق العرش، فرأيت اثني عشر نوراً، في كلّ نور سطر أخضر، مكتوب عليه اسم كلّ وصيّ من أوصيائي، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وآخرهم مهدي اُمّتي.
فقلت: يا ربّ، أهؤلاء أوصيائي من بعدي؟ فنوديت: يا محمّد، هؤلاء أوليائي وأحبّائي وأصفيائي وحججي بعدك علي بريّتي، وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك، وعزّتي وجلالي لاُطهّرنّ بهم ديني، ولاُعلينّ بهم كلمتي، ولاُطهّرنّ الارض بآخرهم من أعدائي، ولاُملّكنّه مشارق الارض ومغاربها، ولاُسخّرنّ له الرياح، ولاُذلّلنّ له الرقاب الصعاب، ولاُرقّينّه في الاسباب، ولأنصرنّه بجندي، ولاُمدّنه بملائكتي حتّى يعلن دعوتي، ويجمع الخلق علي توحيدي، ثمّ لاُديمنّ ملكه ولاُداولنّ الايام بين أوليائي إلى يوم القيامة(٤٢٦).
٤٤ - وروي بالاسناد عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الله تبارك وتعالى اطّلع إلى الارض اطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيّاً، ثمّ اطلع الثانية فاختار منها علياً فجعله إماماً، ثمّ أمرني أن أتّخذه أخاً وولياً ووصيّاً وخليفةً ووزيراً، فعليّ منّي وأنا من عليّ، وهو زوج ابنتي وأبو سبطيّ الحسن والحسين.
ألا وإنّ الله تبارك وتعالى جعلني وإيّاهم حججاً علي عباده، وجعل من صلب الحسين أئمة يقومون بأمري، ويحفظون وصيّتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي، ومهديّ اُمّتي، أشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله، يظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلّة، فيعلن أمر الله، ويظهر دين الله جلّ وعزّ، يؤيّد بنصر الله، وينصر بملائكة الله، فيملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(٤٢٧).
٤٥ - وروي بالاسناد عن يحيي بن أبي القاسم، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الائمة بعدي اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وآخرهم القائم، هم خلفائي وأوصيائي وأوليائي، وحجج الله علي اُمّتي بعدي، المقرّ بهم مؤمن، والمنكر لهم كافر(٤٢٨).
٤٦ - وروي بالاسناد عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه)، قال: دخلت علي النبيّ (صلى الله عليه وآله) فإذا الحسين بن علي على فخذه، وهو يقبّل عينيه ويلثم فاه، ويقول: أنت سيّد ابن سيّد، أنت إمام ابن إمام، أخو إمام، أبو أئمة، أنت حجّة الله ابن حجّته، وأبو حجج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم(٤٢٩).
٤٧ - وروي بالاسناد عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا سيّد النبيّين، وعليّ بن أبي طالب سيّد الوصيّين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وآخرهم القائم(٤٣٠).
٤٨ - وروي بالاسناد عن عبد الله بن عباس - في حديث طويل - قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الائمة بعدي الهادي علي، والمهتدي الحسن، والناصر الحسين، والمنصور عليّ بن الحسين، والشافع محمّد بن علي، والنفّاع جعفر بن محمّد، والامين موسى بن جعفر، والرضا عليّ بن موسى، والفعّال محمّد بن علي، والمؤتمن علي بن محمّد، والعلاّم الحسن بن علي، ومن يصلّي خلفه عيسى بن مريم (عليه السلام) القائم (عليه السلام)(٤٣١).
٤٩ - وروي الشيخ الصدوق والخزّاز بالاسناد عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
الائمة بعدي اثنا عشر، أوّلهم علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم، هم خلفائي وأوصيائي وأوليائي، وحجج الله علي اُمّتي بعدي، المقرّ بهم مؤمن، والمنكر لهم كافر(٤٣٢).
٥٠ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله): أخبرني بعدد الائمة بعدك؟
قال: يا علي هم اثنا عشر، أوّلهم أنت، وآخرهم القائم(٤٣٣).
نص أمير المؤمنين على الإمام المهدي
١ - روي الاصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: الحادي عشر من ولدي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(٤٣٤).
٢ - وروي الخزّاز بالاسناد عن علقمة بن قيس، قال: خطبنا أمير المؤمنين (عليه السلام) علي منبر الكوفة خطبة اللؤلؤة، فقال فيما قال في آخرها: إنّه لعهد عهده إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّ الامر يملكه اثنا عشر إماماً، تسعة من صلب الحسين، ولقد قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): لمّا عُرِج بي إلى السماء نظرت إلى ساق العرش، فإذا مكتوب عليه، لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، أيّدته بعليّ، ونصرته بعليّ، ورأيت اثني عشر نوراً، فقلت: يا ربّ، أنوار من هذه؟ فنوديت: يا محمّد، هذه الانوارُ الائمةُ من ذرّيتك.
قلت: يا رسول الله، أفلا تسمّيهم لي؟
قال: نعم، أنت الامام والخليفة بعدي تقضي ديني وتنجز عداتي، وبعدك ابناك الحسن والحسين، وبعد الحسين ابنه عليّ زين العابدين، وبعد عليّ ابنه محمّد يُدعي بالباقر، وبعد محمّد ابنه جعفر يدعي بالصادق، وبعد جعفر موسى يدعي بالكاظم، وبعد موسى ابنه علي يدعي بالرضا، وبعد عليّ ابنه محمّد يدعي بالزكي، وبعد محمّد ابنه علي يدعي بالنقي، وبعده ابنه الحسن يدعي بالامين، والقائم من ولد الحسين، سميّي وأشبه الناس بي، يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(٤٣٥).
٣ - وروي الشيخ الكليني والشيخ الصدوق والشيخ الطوسي وغيرهم بالاسناد عن الاصبغ بن نباتة، قال: أتيت أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) ذات يوم، فوجدته متفكراً، ينكت في الارض، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي أراك متفكراً تنكت في الارض، أرغبة منك فيها؟
فقال (عليه السلام): لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا ساعة قطّ، ولكن فكري في مولود يكون من ظهر الحادي عشر من ولدي، وهو المهدي الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، تكون له حيرة وغيبة، يضلّ فيها أقوام، ويهتدي فيها آخرون(٤٣٦).
٤ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن عليّ بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنّه قال: التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحقّ، المظهر للدين، والباسط للعدل.
قال الحسين (عليه السلام): فقلت له: يا أمير المؤمنين، وإنّ ذلك لكائن؟
فقال (عليه السلام): إي والذي بعث محمّداً (صلى الله عليه وآله) بالنبوّة، واصطفاه علي جميع البريّة، ولكن بعد غيبة وحيرة، فلا يثبت فيها علي دينه إلاّ المخلصون المباشرون لروح اليقين الذين أخذ الله عزّ وجلّ ميثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الايمان وأيّدهم بروح منه(٤٣٧).
٥ - روي الفضل بن شاذان والشيخ الصدوق بالاسناد عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبد الله، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ (عليهم السلام)، قال: سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معني قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنّي مخلّف فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي) من العترة؟
فقال (عليه السلام): أنا والحسن والحسين والائمة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديّهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتّى يردوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حوضه(٤٣٨).
٦ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن الاصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه ذكر القائم (عليه السلام)، فقال: أما ليغيبنّ حتّى يقول الجاهل: ما لله في آل محمّد حاجة(٤٣٩).
٧ - وروي بالاسناد عن الاصبغ بن نباتة، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: صاحب هذا الامر الشريد الطريد الفريد الوحيد(٤٤٠).
٨ - وروي بالاسناد عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني (رضي الله عنه)، عن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: للقائم منّا غيبة أمدها طويل، كأنّي بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته، يطلبون المرعي فلا يجدونه، ألا فمن ثبت منهم علي دينه ولم يَقْسُ قلبه لطول أمد غيبة إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة.
ثمّ قال (عليه السلام): إنّ القائم منّا إذا قام لم يكن لاحد في عنقه بيعة، فلذلك تخفي ولادته ويغيب شخصه(٤٤١).
٩ - وروي بالاسناد عن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) - في حديث - قال: قلت: يا رسول الله، ومن شركائي من بعدي؟
قال: الذين قرنهم الله عزّ وجلّ بنفسه وبي فقال: (أطيعوا اللهَ وَأطيعوا الرَّسولَ وَاُولي الامْرِ مِنْكمْ)(٤٤٢).
فقلت: يا رسول الله، ومن هم؟ قال: الاوصياء منّي إلى أن يردوا عليّ الحوض، كلّهم هاد مهتد، لا يضرّهم من خذلهم، هم مع القرآن، والقرآن معهم، لا يفارقهم ولا يفارقونه، بهم تنصر اُمّتي، وبهم يمطرون، وبهم يدفع عنهم البلاء، ويستجاب دعاؤهم.
قلت: يا رسول الله، سمّهم لي. فقال: ابني هذا - ووضع يده علي رأس الحسن - ثمّ ابني هذا - ووضع يده علي رأس الحسين - ثمّ ابن له يقال له علي، وسيولد في حياتك فاقرأه منّي السلام، ثمّ تكملة اثني عشر.
فقلت: بأبي أنت واُمّي يا رسول الله، سمّهم لي [رجلاً فرجلاً] فسمّاهم رجلاً رجلاً، فيهم والله يا أخا بني هلال مهديّ اُمّة محمّد الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، والله إنّي لاعرف من يبايعه بين الركن والمقام، وأعرف أسماء آبائهم وقبائلهم(٤٤٣).
١٠ - وروي بالاسناد عن الاصبغ بن نباتة، قال: خرج علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ذات يوم ويده في يد ابنه الحسن (عليه السلام) وهو يقول: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم ويدي في يده هكذا وهو يقول: خير الخلق بعدي وسيّدهم أخي هذا، وهو إمام كلّ مسلم، ومولي كلّ مؤمن بعد وفاتي.
ألا وإنّي أقول: خير الخلق بعدي وسيّدهم ابني هذا، وهو إمام كلّ مؤمن، ومولي كلّ مؤمن بعد وفاتي، ألا وإنّه سيظلم بعدي كما ظلمت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وخير الخلق وسيّدهم بعد الحسن ابني أخوه الحسين المظلوم بعد أخيه، المقتول في أرض كربلاء، أما إنّه وأصحابه من سادة الشهداء يوم القيامة، ومن بعد الحسين تسعة من صلبه، خلفاء الله في أرضه وحججه علي عباده، واُمناؤه علي وحيه، وأئمة المسلمين، وقادة المؤمنين، وسادة المتّقين، تاسعهم القائم الذي يملا الله عزّ وجلّ به الارض نوراً بعد ظلمتها، وعدلاً بعد جورها، وعلماً بعد جهلها.
والذي بعث أخي محمّداً بالنبوّة واختصّني بالامامة، لقد نزل بذلك الوحي من السماء، علي لسان الروح الامين جبرئيل، ولقد سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا عنده عن الائمة بعده، فقال للسائل: (وَالسَّماء ذات البُروج)(٤٤٤) إنّ عددهم بعدد البروج، وربّ الليالي والايام والشهور، إنّ عددهم كعدد الشهور.
فقال السائل: فمن هم يا رسول الله؟ فوضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يده علي رأسي فقال: أوّلهم هذا، وآخرهم المهدي...(٤٤٥) الحديث.
نص الزهراء على الإمام المهدي
١ - روي الخزّاز بالاسناد عن فاطمة (عليها السلام)، قالت: دخل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند ولادتي ابني الحسين، فناولته إيّاه في خرقة صفراء، فرمي بها وأخذ خرقة بيضاء فلفّه فيها، ثمّ قال: خذيه يا فاطمة، فإنّه الامام وأبو الائمة، تسعة من صلبه أئمة أبرار، والتاسع قائمهم(٤٤٦).
٢ - وروي بالاسناد عن سهل بن سعد الانصاري، قال: سألت فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الائمة، فقالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي: يا علي، أنت الامام والخليفة بعدي، وأنت أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضيت فابنك الحسن أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضي الحسن فابنك الحسين أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضي الحسين فابنه عليّ بن الحسين أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضي علي فابنه محمّد أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضي محمّد فابنه جعفر أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضي جعفر فابنه موسى أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضي موسى فابنه علي أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضي علي فابنه محمّد أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضي محمّد فابنه علي أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضي علي فابنه الحسن أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضي الحسن فالقائم المهدي أولي بالمؤمنين من أنفسهم، يفتح الله تعالى به مشارق الارض ومغاربها، فهم أئمة الحقّ وألسنة الصدق، منصور من نصرهم، مخذول من خذلهم(٤٤٧).
٣ - وروي بالاسناد عن محمود بن لبيد - في حديث - قال: قلت لفاطمة(عليها السلام): يا سيّدتي، إنّي سائلك عن مسألة تتلجلج في صدري. قالت: سل.
قلت: هل نص رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل وفاته علي عليّ (عليه السلام) بالامامة؟
قالت: وا عجباه أنسيتم يوم غدير خم؟!
قلت: قد كان ذلك، ولكن أخبريني بما أسرّ إليك.
قالت: اُشهد الله تعالى، لقد سمعته يقول: عليّ خير من اُخلّفه فيكم، وهو الامام والخليفة بعدي، وسبطاي وتسعة من صلب الحسين أئمة أبرار. إلى أن قالت: أما والله لو تركوا الحقّ لاهله، واتّبعوا عترة نبيّه، لما اختلف في الله اثنان، ولورثها سلف عن سلف، وخلف بعد خلف، حتّى يقوم قائمنا التاسع من ولد الحسين...(٤٤٨) الحديث.
٤ - وروي بالاسناد عن الامام الحسين (عليه السلام)، قال: قالت لي اُمّي فاطمة(عليها السلام): لمّا ولدتك دخل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فناولتك إيّاه في خرقة صفراء فرمي بها، وأخذ خرقةً بيضاء لفّك بها، وأذّن في اُذنك اليمني، وأقام في اليسري، ثمّ قال: يا فاطمة، خذيه فإنّه أبو الائمة، تسعة من ولده أئمة أبرار، والتاسع مهديّهم(٤٤٩).
٥ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن أبي نضرة، عن الامام أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) - في حديث عهده (عليه السلام) إلى الامام الصادق - قال: ثمّ دعا (عليه السلام) بجابر بن عبد الله فقال له: يا جابر، حدّثنا بما عاينت في الصحيفة. فقال له جابر: نعم يا أبا جعفر، دخلت علي مولاتي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاُهنّئها بمولد الحسين (عليه السلام)، فإذا بيدها صحيفة من درّة بيضاء، فقلت لها: يا سيّدة النساء، ما هذه الصحيفة التي أراها معك؟ قالت: فيها أسماء الائمة من ولدي...
فقلت لها: ناوليني لانظر فيها. قالت: يا جابر، لولا النهي لكنت أفعل، لكنّه قد نهي أن يمسّها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ أو أهل بيت نبيّ، ولكنّه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها.
قال جابر: فقرأت فإذا فيها: أبو القاسم محمّد بن عبد الله المصطفى اُمّه آمنة بنت وهب، أبو الحسن عليّ بن أبي طالب المرتضى اُمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، أبو محمّد الحسن بن عليّ البرّ، أبو عبد الله الحسين بن عليّ التقي، اُمّهما فاطمة بنت محمّد (صلى الله عليه وآله)، أبو محمّد عليّ بن الحسين العدل اُمّه شهربانويه بنت يزدجر، أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر اُمّه اُمّ عبد الله بنت الحسن بن عليّ بن أبي طالب، أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق اُمّه اُمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر، أبو إبراهيم موسى بن جعفر الثقة اُمّه جارية اسمها حميدة، أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا اُمّه جارية اسمها نجمة، أبو جعفر محمّد بن عليّ الزكي اُمّه جارية اسمها خيزران، أبو الحسن عليّ بن محمّد الامين اُمّه جارية اسمها سوسن، أبو محمّد الحسن ابن عليّ الرفيق اُمّه جارية واسمها سمانة وتكنّي باُمّ الحسن، أبو القاسم محمّد بن الحسن هو حجّة الله علي خلقه القائم، اُمّه جارية اسمها نرجس (صلوات الله عليهم أجمعين)(٤٥٠).
٦ - وروي الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي بالاسناد عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: دخلت علي فاطمة (عليها السلام) وبين يديها لوح مكتوب فيه أسماء الاوصياء، فعددت اثني عشر، آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمّد، وأربعة منهم عليّ(٤٥١).
٧ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: دخلت علي مولاتي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقدّامها لوحٌ يكاد ضوؤه يغشي الابصار، فيه اثنا عشر اسماً، ثلاثة في ظاهره، وثلاثة في باطنه، وثلاثة أسماء في آخره، وثلاثة أسماء في طرفه، فعددتها فإذا هي اثنا عشر.
فقلت: أسماء من هؤلاء؟ قالت: هذه أسماء الاوصياء، أوّلهم ابن عمّي وأحد عشر من ولدي، آخرهم القائم.
قال جابر: فرأيت فيها محمّداً محمّداً محمّداً في ثلاثة مواضع، وعلياً علياً علياً علياً في أربعة مواضع(٤٥٢).
٨ - وروي الشيخ الطوسي بالاسناد عن محمّد بن سنان، عن الامام أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام)، قال: قال أبي لجابر بن عبد الله: لي إليك حاجة، اُريد أن أخلو بك فيها، فلمّا خلا به في بعض الايام، قال له: أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد اُمّي فاطمة (عليها السلام).
قال جابر: أشهد بالله، لقد دخلت علي فاطمة بنت محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاُهنّئها بولدها الحسين (عليه السلام)، فإذا بيدها لوح أخضر من زبرجدة خضراء، فيه كتاب أنور من الشمس وأطيب رائحة من المسك الاذفر.
فقلت: ما هذا يا بنت رسول الله؟
فقالت: هذا لوح أهداه الله عزّ وجلّ إلى أبي، فيه اسم أبي، واسم بعلي، واسم الاوصياء بعده من ولدي، فسألتها أن تدفعه إلى لانسخه ففعلت، فقال له: فهل لك أن تعارضني به؟ قال: نعم.
فمضي جابر إلى منزله، وأتي بصحيفة من رقّ، فقال له: انظر في صحيفتك حتّى أقرأها عليك، فكان في صحيفته مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز العليم، أنزله الروح الامين علي محمّد خاتم النبيّين، يا محمّد عظّم أسمائي، واشكر نعمائي، ولا تجحد آلائي، ولا ترجُ سواي، ولا تخشَ غيري، فإنّه من يرجو سواي ويخشي غيري اُعذّبه عذاباً لا اُعذّبه أحداً من العالمين.
يا محمّد إنّي اصطفيتك علي الانبياء، وفضّلت وصيّك علي الاوصياء، وجعلت الحسن عيبة علمي من بعد انقضاء مدّة أبيه، والحسين خير أولاد الاوّلين والاخرين، فيه تثبت الامامة، ومنه يعقّب علي زين العابدين، ومحمّد الباقر لعلمي والداعي إلى سبيلي علي منهاج الحقّ، وجعفر الصادق في القول والعمل، تنشب من بعده فتنة صمّاء، فالويل كلّ الويل للمكذّب بعبدي وخيرتي من خلقي موسى، وعلي الرضا يقتله عفريت كافر يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شرّ خلق الله، ومحمّد الهادي إلى سبيلي الذابّ عن حريمي، والقيّم في رعيّته حَسَن أغرّ يخرج منه ذوا الاسمين علي والحسن، والخلف محمّد يخرج من آخر الزمان، علي رأسه غمامة بيضاء تظلّه من الشمس، ينادي بلسان فصيح يسمعه الثقلان والخافقان، وهو المهدي من آل محمّد، يملا الارض عدلاً كما ملئت جوراً(٤٥٣).
٩ - وروي الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي والطبرسي بالاسناد عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) نحوه، وروي النعماني والشيخ المفيد بالاسناد عن بكر بن صالح نحوه أيضاً، إلاّ أنّ في نهايته: وأختم بالسعادة لابنه عليّ وليّي وناصري، والشاهد في خلفي، وأميني علي وحيي، اُخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن، ثمّ اُكمل ذلك بابنه رحمةً للعالمين، عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيوب، مستذلّ أوليائي في زمانه، ويتهادون برؤوسهم كما تتهادي رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الارض بدمائهم، ويغشو الويل والرنين في نسائهم، اُولئك أوليائي حقّاً، بهم أدفع كلّ فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل وأرفع عنهم الاصار والاغلال، اُولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة واُولئك هم المهتدون(٤٥٤).
نص الإمام الحسن على الإمام المهدي
١ - روي الشيخ الصدوق والخزّاز بالاسناد عن أبي سعيد عقيصا، قال: لمّا صالح الحسن بن علي (عليه السلام) معاوية بن أبي سفيان، دخل عليه الناس، فلامه بعضهم علي بيعته، فقال (عليه السلام): ويحكم ما تدرون ما علمت، والله الذي عملت خيرٌ لشيعتي ممّا طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أنّني إمامكم مفترض الطاعة عليكم، وأحد سيّدي شباب أهل الجنّة بنصٍ من رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليَّ؟ قالوا: بلي.
قال: أما علمتم أنّ الخضر (عليه السلام) لمّا خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام، كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران، إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمةً وصواباً؟
أما علمتم أنّه ما منّا أحدٌ إلاّ ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلاّ القائم الذي يصلّي روح الله عيسى بن مريم خلفه؟ فإنّ الله عزّ وجلّ يخفي ولادته، ويُغيّب شخصه، لئلاّ يكون لاحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيّدة الاماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثمّ يظهره بقدرته في صورة شابّ دون أربعين سنة، وذلك ليُعلم أنّ الله علي كلّ شيء قدير(٤٥٥).
٢ - وروي الخزّاز بالاسناد عن الاصبغ، قال: سمعت الحسن بن عليّ (عليه السلام) يقول: الائمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) اثنا عشر، تسعة من صلب أخي الحسين، ومنهم مهدي هذه الاُمّة(٤٥٦).
٣ - وروي بالاسناد عن الامام عليّ بن الحسين (عليه السلام)، قال: قال الحسن بن عليّ (عليه السلام): الائمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عدد نقباء بني إسرائيل، ومنّا مهديّ هذه الاُمّة(٤٥٧).
نص الإمام الحسين على الإمام المهدي
١ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن عبد الله بن شريك، عن رجل من همدان، قال: سمعت الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يقول: قائم هذه الاُمّة هو التاسع من ولدي، وهو صاحب الغيبة، وهو الذي يُقسَم ميراثه وهو حيّ(٤٥٨).
٢ - وروي بالاسناد عن عبد الرحمن بن الحجّاج، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين (عليه السلام)، قال: قال الحسين بن عليّ (عليه السلام): في التاسع من ولدي سُنّةٌ من يوسف، وسُنّةٌ من موسى بن عمران (عليهما السلام)، وهو قائمنا أهل البيت، يصلح الله تبارك وتعالى أمره في ليلة واحدة(٤٥٩).
٣ - وروي الفضل بن شاذان (رحمه الله) بالاسناد عن ثابت بن دينار، عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث - أنّ الحسين (عليه السلام) قال: يظهر الله قائمنا فينتقم من الظالمين.
فقيل له: يا بن رسول الله، من قائمكم؟
قال (عليه السلام): السابع من ولد ابني محمّد بن عليّ، وهو الحجّة بن الحسن بن عليّ ابن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ ابني، وهو الذي يغيب مدّة طويلة، ثمّ يظهر ويملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(٤٦٠).
٤ - وروي الشيخ الصدوق والخزّاز وابن عياش بالاسناد عن عبد الرحمن ابن سليط، قال: قال الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): منّا اثنا عشر مهدياً، أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو القائم بالحقّ، يحيي الله به الارض بعد موتها، ويظهر به دين الحقّ علي الدين كلّه ولو كره المشركون، له غَيبة يرتدّ فيها أقوام ويثبت فيها علي الدين آخرون، فيؤذَون ويقال لهم: (مَتى هذا الوَعْدُ إنْ كنْتُمْ صادِقين)(٤٦١).
أما إنّ الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)(٤٦٢).
٥ - وروي الخزّاز بالاسناد عن يحيي بن نعمان، قال: كنت عند الحسين (عليه السلام) إذ دخل عليه رجل من العرب متلثّماً أسمر شديد السمرة، فسلّم وردّ الحسين (عليه السلام)، فقال: يا بن رسول الله مسألة؟ قال: هات - وسأله عن عدّة مسائل إلى أن قال -: فأخبرني عن عدد الائمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال: اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل.
قال: فسمّهم لي. قال: فأطرق الحسين (عليه السلام) مليّاً، ثمّ رفع رأسه فقال: نعم، اُخبرك يا أخا العرب أنّ الامام والخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، والحسن، وأنا، وتسعة من ولدي. منهم عليّ ابني، ومحمّد ابنه، وبعده جعفر ابنه، وبعده موسى ابنه، وبعده عليّ ابنه، وبعده محمّد ابنه، وبعده عليّ ابنه، وبعده الحسن ابنه، وبعده الخلف المهدي، هو التاسع من ولدي، يقوم بالدين في آخر الزمان.
قال: فقام الاعرابي وهو يقول:

مسح النبيّ جبينه * * * فله بريقٌ في الخدودِ
أبواه من أعلى قريش * * * وجدّه خير الجدود(٤٦٣)

٦ - وروي الخصيبي والطبري الامامي والشيخ الصدوق بالاسناد عن أبي حمزة الثمالي، عن محمّد الباقر، عن أبيه علي، عن الحسين بن علي (عليه السلام)، قال: دخلت أنا وأخي الحسن علي جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأجلسني علي فخذه، وأجلس أخي علي فخذه الاخر، ثمّ قبّلنا وقال: يا ابنيّ، أنعم بكما من إمامين زكيّين صالحين! اختاركما الله عزّ وجلّ منّي ومن أبيكما واُمّكما، واختار من صلبك يا حسين تسعة، تاسعهم قائمهم، وكلّهم في الفضل والمنزلة سواء عند الله تعالى(٤٦٤).
٧ - وروي الخزّاز بالاسناد عن يحيي بن جعدة بن هبيرة، عن الحسين بن علي (عليه السلام) وسأله رجل عن الائمة، فقال: عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من ولدي، آخرهم القائم(٤٦٥).
٨ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت الحسين بن عليّ (عليه السلام) يقول: لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من ولدي فيملاها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، كذلك سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول(٤٦٦).
٩ - وروي بالاسناد عن عيسى الخشّاب، قال: قلت للحسين بن علي (عليه السلام): أنت صاحب هذا الامر؟
قال: لا، ولكن صاحب الامر الطريد الشريد، الموتور بأبيه، المكنّي بعمّه، يضع سيفه علي عاتقه ثمانية أشهر(٤٦٧).
نص الإمام زين العابدين على الإمام المهدي
١ - روي الشيخ الصدوق وغيره بالاسناد عن أبي خالد الكابلي، قال: دخلت علي سيّدي عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، فقلت له: يا بن رسول الله، أخبرني بالذين فرض الله عزّ وجلّ طاعتهم ومودّتهم، وأوجب علي عباده الاقتداء بهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
فقال لي: يا كابلي، إنّ اُولي الامر الذين جعلهم الله عزّ وجلّ أئمة الناس وأوجب عليهم طاعتهم: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ الحسن عمّي، ثمّ الحسين أبي، ثمّ انتهي الامر إلينا.
ثمّ سكت، فقلت له: يا سيّدي، روي لنا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ الارض لا تخلو من حجّة لله تعالى علي عباده، فمن الحجّة والامام بعدك؟
قال: ابني محمّد، واسمه في صحف الاوّلين باقر، يبقر العلم بقراً، هو الحجّة والامام بعدي، ومن بعد محمّد ابنه جعفر، واسمه عند أهل السماء الصادق.
قلت: يا سيّدي، فكيف صار اسمه الصادق وكلّكم صادقون؟
قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إذا ولد ابني جعفر ابن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فسمّوه الصادق، فإنّ الخامس من ولده الذي اسمه جعفر، يدّعي الامامة اجتراءً علي الله وكذباً عليه، فهو عند الله جعفر الكذّاب، المفتري علي الله تعالى، والمدّعي لما ليس له بأهل، المخالف لابيه، والحاسد لاخيه، وذلك الذي يروم كشف ستر الله عزّ وجلّ عند غيبة وليّ الله.
ثمّ بكي عليّ بن الحسين (عليه السلام) بكاءً شديداً، ثمّ قال: كأنّي بجعفر الكذّاب وقد حمل طاغية زمانه علي تفتيش أمر وليّ الله، والمغيّب في حفظ الله، والتوكيل بحرم أبيه جهلاً منه برتبته، وحرصاً منه علي قتله إن ظفر به، وطمعاً في ميراث أخيه حتّى يأخذه بغير حقّ.
فقال أبو خالد: فقلت: يا بن رسول الله، وإنّ ذلك لكائن؟
فقال: إي وربّي، إنّ ذلك مكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
فقال أبو خالد: فقلت: يا بن رسول الله، ثمّ يكون ماذا؟
قال: ثمّ تمتدّ الغيبة بوليّ الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله (صلى الله عليه وآله) والائمة بعده(٤٦٨).
٢ - وروي الخزّاز بالاسناد عن عمر بن عليّ بن الحسين، عن أبيه الامام عليّ ابن الحسين زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: ادعوا لي ابني الباقر - إلى أن قال -: فقلت له: يا أبه، ولم سمّيته الباقر؟
قال: فتبسّم، وما رأيته تبسّم قبل ذلك، ثمّ سجد لله تعالى طويلاً، فسمعته يقول في سجوده: اللهمّ لك الحمد سيّدي علي ما أنعمت به علينا أهل البيت. يعيد ذلك مراراً.
ثمّ قال: يا بني، إنّ الامامة في ولده إلى أن يقوم قائمنا (عليه السلام) فيملؤها قسطاً وعدلاً، وإنّه الامام أبو الائمة، معدن الحلم، وموضع العلم يبقره بقراً، والله لهو أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله).
قلت: فكم الائمة بعده؟
قال: سبعة، ومنهم المهدي الذي يقوم بالدين في آخر الزمان(٤٦٩).
٣ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن سعيد بن جبير، قال: قال عليّ بن الحسين سيّد العابدين (عليه السلام): القائم منّا تخفي ولادته علي الناس حتّى يقولوا: لم يولد بعد، ليخرج حين يخرج وليس لاحد في عنقه بيعة(٤٧٠).
٤ - ومن الادعية التي تضمّنت النص علي الائمة المعصومين (عليهم السلام)، ما رواه السيّد ابن طاووس عن الامام زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال:
... اللهمّ صلّ علي محمّد المصطفى، وعلى عليّ المرتضى، وفاطمة الزهراء، وخديجة الكبرى، والحسن المجتبي، والحسين الشهيد بكربلاء، وعلي عليّ بن الحسين زين العابدين، ومحمّد بن عليّ الباقر، وجعفر بن محمّد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعليّ بن موسى الرضا، ومحمّد بن عليّ التقي، وعلي بن محمّد النقيّ، والحسن ابن عليّ العسكري، والحجّة القائم المهدي بن الحسن الامام المنتظر صلوات الله عليهم أجمعين(٤٧١).
٥ - ومنها ما رواه أبو حمزة الثمالي عنه (عليه السلام)، أنّه قال:
... يا محمّد يا أبا القاسماه، بأبي أنت واُمّي، إلى الله أتشفّع بك، وبالائمة من ولدك، وبعليّ أمير المؤمنين، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمّد بن عليّ، وعليّ بن محمّد، والحسن بن علي، والخلف القائم المنتظر(٤٧٢).
نص الإمام الباقر على الإمام المهدي
١ - روي الشيخ الصدوق والشيخ المفيد والكليني بالاسناد عن أبي الجارود، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)، عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: دخلت علي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين يديها لوح فيه أسماء الاوصياء والائمة من ولدها، فعددت اثني عشر اسماً، آخرهم القائم من ولد فاطمة، ثلاثة منهم محمّد، وأربعة منهم علي(٤٧٣).
٢ - ورووا بالاسناد عن أبي بصير، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)، قال: يكون بعد الحسين (عليه السلام) تسعة أئمة، تاسعهم قائمهم(٤٧٤).
٣ - وروي الخزّاز بالاسناد عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: سألته عن الائمة (عليهم السلام).
فقال: والله لعهدٌ عهده إلينا رسول الله صلوات الله عليه وآله أنّ الائمة بعده اثنا عشر، تسعة من صلب الحسين، ومنّا المهدي الذي يقيم الدين في آخر الزمان، من أحبّنا حشر من حفرته معنا، ومن أبغضنا أو ردّنا أو ردّ واحداً منّا حشر من حفرته إلى النار، وقد خاب من افترى(٤٧٥).
٤ - وروي بالاسناد عن أبي مريم عبد الغفّار بن القاسم الانصاري، قال: دخلت علي مولاي الباقر (عليه السلام)، وعنده اُناس من أصحابه، فجري ذكر الاسلام - إلى أن قال -: فقلت: بأبي واُمّي يا بن رسول الله، فما نجد العلم الصحيح إلاّ عندكم، وإنّي قد كبرت سنّي ودقّ عظمي، ولا أري فيكم ما اُسرّ به، أراكم مقتّلين مشرّدين خائفين، وإنّي أقمت علي قائمكم منذ حين أقول: يخرج اليوم أو غداً.
فقال (عليه السلام): يا عبد الغفّار، إنّ قائمنا هو السابع من ولدي، وليس هو أوان ظهوره، ولقد حدّثني أبي، عن أبيه، عن آبائه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الائمة بعدي اثنا عشر، عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من صلب الحسين (عليه السلام)، والتاسع قائمهم يخرج في آخر الزمان فيملؤها عدلاً بعدما ملئت جوراً وظلماً(٤٧٦).
٥ - وروي الخزّاز بالاسناد عن غالب الجهني، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: إنّ الائمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كعدد نقباء بني إسرائيل، وكانوا اثني عشر، الفائز من والاهم، والهالك من عاداهم.
ولقد حدّثني أبي، عن أبيه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لمّا اُسري بي إلى السماء نظرت، فإذا علي ساق العرش مكتوب: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، أيّدته بعليّ، ونصرته بعليّ، ورأيت مكتوباً في مواضع: علياً، علياً، علياً، ومحمّداً، محمّداً، محمّداً، وجعفراً، وموسى، والحسن والحسن والحسين والحجّة، فعددتهم فإذا هم اثنا عشر(٤٧٧).
٦ - وروي بالاسناد عن الورد بن الكميت، عن أبيه الكميت أبي المستهل - في حديث - قال: دخلت علي سيّدي أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)، فقلت: يا بن رسول الله، إنّي قد قلت فيكم أبياتاً، أفتأذن لي في إنشادها؟ إلى أن قال: فلمّا بلغت إلى قولي:
متى يقوم الحقّ فيكم متى يقوم مهديّكم الثاني
قال (عليه السلام): سريعاً إن شاء الله سريعاً، ثمّ قال: يا أبا المستهل، إنّ قائمنا هو التاسع من ولد الحسين، لانّ الائمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) اثنا عشر، الثاني عشر هو القائم (عليه السلام).
قلت: يا سيّدي، فمن هؤلاء الاثنا عشر؟
قال: أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وبعده الحسن والحسين، وبعد الحسين عليّ بن الحسين وأنا، ثمّ بعدي هذا - ووضع يده علي كتف جعفر -.
قلت: فمن بعد هذا؟
قال: ابنه موسى، وبعد موسى ابنه علي، وبعد علي ابنه محمّد، وبعد محمّد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وهو أبو القائم الذي يخرج فيملا الدنيا قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، ويشفي صدور شيعتنا.
قلت: فمتى يخرج يا بن رسول الله؟ قال: لقد سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك فقال: إنّما مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلاّ بغتة(٤٧٨).
٧ - وروي النعماني بالاسناد عن أبي حمزة الثمالي، قال: كنت عند أبي جعفر محمّد الباقر (عليه السلام) ذات يوم، فلمّا تفرّق من كان عنده، قال لي: يا أبا حمزة، من المحتوم الذي لا تبديل له عند الله قيام قائمنا، فمن شك فيما أقول لقي الله سبحانه وهو به كافر، وله جاحد.
ثمّ قال: بأبي واُمّي المسمّي باسمي، المكنّي بكنيتي، السابع من بعدي، بأبي من يملا الارض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً(٤٧٩).
٨ - وروي النعماني والمسعودي بالاسناد عن البطائني، قال: كنت مع أبي بصير ومعنا موليً لابي جعفر الباقر (عليه السلام)، فقال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: منّا اثنا عشر محدّثاً، السابع من ولدي القائم. فقام إليه أبو بصير، فقال: أشهد أنّي سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقوله منذ أربعين سنة(٤٨٠).
٩ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن اُمّ هانئ، قالت: لقيت أبا جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فسألته عن هذه الاية: (فَلا اُقْسِمُ بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكنَّسِ)(٤٨١)، فقال: إمام يخنس في زمانه عند انقضاء من علمه سنة ٢٦٠، ثمّ يبدو كالشهاب الوقّاد في ظلمة الليل، فإن أدركتِ ذلك قرّت عيناك(٤٨٢).
١٠ - وروي بالاسناد عن عبد الله بن عطاء، قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): إنّ شيعتك بالعراق كثيرون، فوالله ما في أهل بيتك مثلك، فكيف لا تخرج؟ فقال: يا عبد الله بن عطاء، قد أمكنت الحشو(٤٨٣) من اُذنيك، والله ما أنا بصاحبكم. قلت: فمن صاحبنا؟ قال: انظروا من تخفي علي الناس ولادته، فهو صاحبكم(٤٨٤).
١١ - وروي بالاسناد عن أبي أيوب المخزومي، قال: ذكر أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) سِيَر الخلفاء الاثني عشر الراشدين (صلوات الله عليهم) فلمّا بلغ آخرهم، قال: الثاني عشر الذي يصلّي عيسى بن مريم (عليه السلام) خلفه، [عليك] بسنّته والقرآن الكريم(٤٨٥).
١٢ - ومن الادعية المرويّة بالاسناد عن الامام الباقر (عليه السلام) المنصوص علي الائمة (عليهم السلام) فيها، ما رواه السيّد ابن طاووس بالاسناد عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) - في دعاء العهد -:... وأتقرّب إليك برسولك المنذر (صلى الله عليه وآله)، وبعليّ أمير المؤمنين صلوات الله عليه الهادي، وبالحسن السيّد، وبالحسين الشهيد سبطي نبيّك، وبفاطمة البتول، وبعليّ بن الحسين زين العابدين ذي الثفنات، وبمحمّد ابن عليّ الباقر عن علمك، وبجعفر بن محمّد الصادق الذي صدّق بميثاقك وبميعادك، وبموسى بن جعفر الحَصور القائم بعهدك، وبعليّ بن موسى الرضا الراضي بحكمك، وبمحمّد بن عليّ الحبر الفاضل المرتضى في المؤمنين، وبعليّ بن محمّد الامين المؤتمن هادي المسترشدين، وبالحسن بن عليّ الطاهر الزكيّ خزانة الوصيّين، وأتقرّب إليك بالامام القائم العدل المنتظر المهدي إمامنا وابن إمامنا صلوات الله عليهم أجمعين...(٤٨٦).
١٣ - وروي بالاسناد عن عبد الله بن عطاء، قال: حدّثني أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعليهم أجمعين، أنّه قال:... وأشهد أنّ عليّ بن أبي طالب، والحسن والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمّد بن عليّ، وعليّ بن محمّد، والحسن بن عليّ، والخلف الصالح الحجّة المنتظر صلواتك يا ربّ عليه وعليهم السلام أجمعين، هم الائمة الهداة المهتدون، غير الضالّين ولا المضلّين، وأنّهم أولياؤك المصطفون، وحزبك الغالبون، وصفوتك من خلقك، وخيرتك من برّيتك، ونجباؤك الذين انتجبتهم لولايتك، واختصصتهم من خلقك، واصطفيتهم علي عبادك، وجعلتهم حجّة علي العالمين صلواتك عليهم والسلام ورحمة الله وبركاته(٤٨٧).
نص الإمام الصادق على الإمام المهدي
١ - روي الشيخ الصدوق والنعماني والمسعودي والخزّاز والشيخ الطوسي وغيرهم بالاسناد عن أبي الهيثم الميثمي(٤٨٨)، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام)، أنّه قال: إذا توالت ثلاثة أسماء محمّد وعليّ والحسن، كان رابعهم قائمهم(٤٨٩).
٢ - وروي الشيخ الطوسي عن الامام الصادق (عليه السلام) - في حديث طويل - قال: يظهر صاحبنا، وهو من صلب هذا - وأومأ إلى موسى بن جعفر (عليه السلام) - فيملؤها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وتصفو له الدنيا(٤٩٠).
٣ - وروي الشيخ الصدوق والعلاّمة الطبرسي بالاسناد عن المفضّل بن عمر، قال: دخلت علي سيّدي جعفر بن محمّد (عليه السلام) فقلت: يا سيّدي، لو عهدت إلينا في الخلف من بعدك؟ فقال (عليه السلام): يا مفضّل، الامام من بعدي ابني موسى، والخلف المأمول المنتظر محمّد بن الحسن بن علي بن محمّد بن عليّ بن موسى(٤٩١).
٤ - وروي ابن عيّاش بالاسناد عن حسين بن علوان - في حديث طويل - عن الامام الصادق (عليه السلام)، قال: هم اثنا عشر من آل محمّد (صلى الله عليه وآله): عليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ، ومن شاء الله.
قلت: جعلت فداك، إنّما أسألك لتفتيني بالحقّ؟
قال: أنا وابني هذا - وأشار إلى ابنه موسى (عليه السلام) - والخامس من ولده يغيب شخصه، ولا يحلّ ذكره باسمه(٤٩٢).
٥ - وروي النعماني والشيخ الصدوق بالاسناد عن الحسن بن محبوب، عن إبراهيم الكرخي، قال: دخلت علي أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام)، فإنّي عنده جالس، إذ دخل أبو الحسن موسى وهو غلام، فقمت إليه فقبّلته وجلست. فقال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا إبراهيم، أما إنّه صاحبك من بعدي، أما ليهلكن فيه أقوام ويسعد آخرون، فلعن الله قاتله وضاعف علي روحه العذاب.
أما ليخرجنّ لله من صلبه خير أهل الارض في زمانه، سميّ جدّه ووارث علمه وأحكامه وقضاياه، ومعدن الامامة، ورأس الحكمة، يقتله جبّار بني فلان بعد عجائب طريفة حسداً له، ولكنّ الله بالغ أمره ولو كره المشركون، ويخرج الله من صلبه تكملة اثني عشر إماماً مهديّاً، اختصّهم الله بكرامته، وأحلّهم دار قدسه، المنتظر للثاني عشر منهم كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يذبّ عنه.
إلى أن قال: يا إبراهيم، هو المفرّج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد وبلاء طويل وجوع وخوف، فطوبي لمن أدرك ذلك الزمان(٤٩٣).
٦ - وروي الخزّاز بالاسناد عن علقمة بن محمّد الحضرمي، عن الصادق(عليه السلام)، قال: الائمة اثنا عشر، قال: قلت: يا بن رسول الله، فسمّهم لي.
قال (عليه السلام): من الماضين: عليّ بن أبي طالب، والحسن، والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، ثمّ أنا.
قلت: فمن بعدك، يا بن رسول الله؟ فقال: إنّي أوصيت إلى ولدي موسى، وهو الامام بعدي.
قلت: فمن بعد موسى؟ قال: عليّ ابنه يدعي الرضا، يدفن في أرض الغربة من خراسان، ثمّ بعد عليّ ابنه محمّد، وبعد محمّد عليّ ابنه، وبعد عليّ الحسن ابنه، والمهدي من ولد الحسن.
ثمّ قال (عليه السلام): حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عليّ، إنّ قائمنا إذا خرج يجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدد رجال بدر(٤٩٤).
٧ - وروي النعماني بالاسناد عن زيد الشحّام - في حديث - قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): أخبرني بعدّتكم. فقال: نحن اثنا عشر، هكذا حول عرش ربّنا عزّ وجلّ في مبتدأ خلقنا، أوّلنا محمّد، وأوسطنا محمّد، وآخرنا محمّد(٤٩٥).
٨ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث طويل عن ولادة إبراهيم الخليل (عليه السلام) - قال: فأخبر عليّ (عليه السلام) بأنّ القائم (عليه السلام) هو الحادي عشر من ولده، وأنّه المهدي الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وأنّه تكون له غيبة وحيرة يضلّ فيها أقوام، ويهتدي فيها آخرون، وأنّ هذا كائن كما أنّه مخلوق(٤٩٦).
٩ - وروي بالاسناد عن المفضّل بن عمر، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام): إنّ الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام فهي أرواحنا.
فقيل له: يا بن رسول الله، ومن الاربعة عشر؟
فقال: محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين والائمة من ولد الحسين آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته، فيقتل الدجّال، ويطهّر الارض من كلّ جور وظلم(٤٩٧).
١٠ - وروي بالاسناد عن أحمد بن هلال، قال: حدّثني اُميّة بن علي القيسي، عن أبي الهيثم التميمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إذا توالت ثلاثة أسماء: محمّد وعليّ والحسن، كان رابعهم قائمهم(٤٩٨).
١١ - وروي بالاسناد عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: منّا اثنا عشر مهديّاً، مضي ستّة وبقي ستّة، يصنع الله بالسادس ما أحبّ(٤٩٩).
١٢ - وروي بالاسناد عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: في القائم سنّة من موسى بن عمران (عليه السلام)، فقلت: وما سنّة موسى بن عمران؟ قال (عليه السلام): خفاء مولده، وغيبته عن قومه(٥٠٠).
١٣ - وروي بالاسناد عن صفوان بن مهران، قال: قال الصادق جعفر ابن محمّد (عليه السلام): أما والله ليغيبنّ عنكم مهديّكم حتّى يقول الجاهل منكم: ما لله في آل محمّد حاجة؛ ثمّ يقبل كالشهاب الثاقب، فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً(٥٠١).
١٤ - وروي بالاسناد عن زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّ للقائم غيبة قبل أن يقوم. قلت له: ولم؟ قال: يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه - ثمّ قال: يا زرارة، وهو المنتظر، وهو الذي يشك الناس في ولادته، منهم من يقول: هو حمل، ومنهم من يقول: هو غائب، ومنهم من يقول: ما ولد، ومنهم من يقول: ولد قبل وفاة أبيه بسنتين، غير أنّ الله تبارك وتعالى يحبّ أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون(٥٠٢).
١٥ - وروي ابن عياش بالاسناد عن سليمان الديلمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال (عليه السلام): صاحبكم القائم بأمر الله عزّ وجلّ السادسُ من ولدي(٥٠٣).
١٦ - وروي الشيخ الطوسي بالاسناد عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): علي رأس السابع منّا الفرج(٥٠٤).
١٧ - وروي ابن الخشّاب بالاسناد عن أبي القاسم طاهر بن هارون بن موسى العلوي، عن أبيه هارون، عن أبيه موسى، قال: قال سيّدي جعفر بن محمّد (عليه السلام): الخلف الصالح من ولدي المهدي، اسمه محمّد، كنيته أبو القاسم، يخرج في آخر الزمان، يقال لاُمّه صيقل(٥٠٥).
١٨ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن حيّان السرّاج، قال: سمعت السيّد ابن محمّد الحميري يقول: كنت أقول بالغلوّ، وأعتقد غيبة محمّد بن عليّ بن الحنفيّة، وقد ضللتُ في ذلك زماناً، فمنّ الله عليّ بالصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام)، وأنقذني به من النار، وهداني إلى سواء الصراط، فسألته بعدما صحّ عندي بالدلائل التي شاهدتها منه أنّه حجّة الله عليّ وعلى جميع أهل زمانه، وأنّه الامام الذي فرض الله طاعته، وأوجب الاقتداء به.
فقلت له (عليه السلام): يا بن رسول الله، قد روي لنا أخبار عن آبائك (عليهم السلام) في الغيبة وصحّة كونها، فأخبرني بمن تقع؟
فقال (عليه السلام): إنّ الغيبة ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الائمة الهداة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وآخرهم القائم بالحقّ بقيّة الله في الارض، وصاحب الزمان، والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتّى يظهر فيملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(٥٠٦).
١٩ - وروي الشيخ الصدوق والعلاّمة الطبرسي بالاسناد عن صفوان ابن مهران وعبد الله بن أبي يعفور، عن الامام الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) أنّه قال: من أقرّ بجميع الائمة وجحد المهدي كان كمن أقرّ بجميع الانبياء وجحد محمّداً (صلى الله عليه وآله) نبوّته.
فقيل له: يا بن رسول الله، فمن المهدي من ولدك؟
قال: الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه، ولا يحلّ لكم تسميته(٥٠٧).
٢٠ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّ سنن الانبياء (عليهم السلام) بما وقع بهم من الغيبات حادثة في القائم منّا أهل البيت حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة.
قال أبو بصير: فقلت: يا بن رسول الله، ومن القائم منكم أهل البيت؟
فقال: يا أبا بصير، هو الخامس من ولد ابني موسى، ذلك ابن سيّدة الاماء، يغيب غيبةً يرتاب فيها المبطلون، ثمّ يظهره الله عزّ وجلّ فيفتح الله علي يده مشارق الارض ومغاربها، وينزل روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) فيصلّي خلفه، وتشرق الارض بنور ربّها، ولا تبقي في الارض بقعة عُبد فيها غير الله عزّ وجلّ إلاّ عُبِد الله فيها، ويكون الدين كلّه لله ولو كره المشركون(٥٠٨).
٢١ - وروي الخزّاز بالاسناد عن مسعدة، قال: كنت عند الصادق (عليه السلام) إذ أتاه شيخ كبير قد انحني متّكئاً علي عصاه، فسلّم فردّ أبو عبد الله (عليه السلام) الجواب، ثمّ قال: يا بن رسول الله، ناولني يدك اُقبّلها، فأعطاه يده فقبّلها ثمّ بكي، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ما يبكيك يا شيخ؟
قال: جعلت فداك، أقمت علي قائمكم منذ مائة سنة، أقول هذا الشهر وهذه السنة، وقد كبرت سنّي، ودقّ عظمي، واقترب أجلي، ولا أري ما اُحبّ، أراكم مقتّلين مشرّدين، وأري عدوّكم يطيرون بالاجنحة، فكيف لا أبكي؟
فدمعت عينا أبي عبد الله (عليه السلام) ثمّ قال: يا شيخ، إن أبقاك الله حتّى ترى قائمنا كنت معنا في السنام الاعلي، وإن حلّت بك المنيّة جئت يوم القيامة مع ثقل محمّد (صلى الله عليه وآله) ونحن ثقله، فقد قال (صلى الله عليه وآله): (إنّي مخلّف فيكم الثقلين، فتمسّكوا بهما لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي).
فقال الشيخ: لا اُبالي بعدما سمعت هذا الخبر.
قال (عليه السلام): يا شيخ، إنّ قائمنا يخرج من صلب الحسن، والحسن يخرج من صلب علي، وعلي يخرج من صلب محمّد، ومحمّد يخرج من صلب علي، وعلي يخرج من صلب ابني هذا - وأشار إلى موسى (عليه السلام) - وهذا خرج من صلبي، نحن اثنا عشر كلّنا معصومون مطهّرون.
إلى أن قال (عليه السلام):
يا شيخ، والله لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج قائمنا أهل البيت، ألا وإنّ شيعتنا يقعون في فتنة وحيرة في غيبته، هناك يثبّت الله علي هداه المخلصين، اللهمّ أعنهم على ذلك(٥٠٩).
٢٢ - وروي الشيخ الصدوق مرسلاً عن الامام الصادق (عليه السلام)، أنّه قال: كن لما لا ترجو أرجي منك لما ترجو، فإنّ موسى بن عمران (عليه السلام) خرج ليقتبس لاهله ناراً، فرجع إليهم وهو رسول نبيّ، فأصلح الله تبارك وتعالى أمر عبده ونبيّه موسى (عليه السلام) في ليلة، وهكذا يفعل الله تبارك وتعالى بالقائم الثاني عشر من الائمة (عليهم السلام)، يصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر نبيّه موسى (عليه السلام)، ويخرجه من الحيرة والغيبة إلى نور الفرج والظهور(٥١٠).
٢٣ - وروي الشيخ الطوسي بالاسناد عن إبراهيم بن عمر الصنعاني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: للامر المخوف العظيم تصلّي ركعتين، وهي التي كانت الزهراء (عليها السلام) تصلّيها، تقرأ في الاُولي الحمد و(قُلْ هُوَ اللهُ أحَد) خمسين مرّة، وفي الثانية مثل ذلك، فإذا سلّمت صلّيت علي النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ثمّ ترفع يديك وتقول: اللهمّ إنّي أتوجّه بهم إليك... وأسألك أن تصلّي علي محمّد وآله، وأن تفرّج عن محمّد وآله، وتجعل فرجي مقروناً بفرجهم وتبدأ بهم فيه... وأسألك بذلك الاسم، فلا شفيع أقوي لي منه، وبحقّ محمّد وآل محمّد أن تصلّي علي محمّد وآل محمّد، وأن تقضي لي حوائجي، وتُسمع محمّداً وعليّاً وفاطمة، والحسن والحسين وعلياً ومحمّداً وجعفراً وموسى وعليّاً ومحمّداً وعليّاً والحسن والحجّة صلوات الله عليهم وبركاته ورحمته صوتي، ليشفعوا لي إليك(٥١١).
وممّا لا ريب فيه أنّ ذكر الامام الحجّة (عليه السلام) في الدعاء المروي عن الامام الصادق (عليه السلام) هو بمثابة النص الصريح عليه، وكذا في سائر الادعية المرويّة عن الائمة (عليهم السلام) في كتب الدعاء المعتمدة.
٢٤ - ومن ذلك أيضاً ما رواه الشيخ المفيد والشيخ الطوسي عن الامام الصادق (عليه السلام) في زيارة الحسين (عليه السلام): اللهمّ إنّي اُشهدك واُشهد ملائكتك وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك، أنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت ربّي، والاسلام ديني، ومحمّد نبيّي، وعليّ إمامي، والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمّد بن عليّ وعليّ بن محمّد والحسن بن عليّ والحجّة القائم بالحقّ المنتظر عليهم أفضل الصلوات والتسليم، أئمّتي بهم أتولّي، ومن عدوّهم أتبرّأ...(٥١٢) الدعاء.
٢٥ - وروي الكفعمي عن الصادق (عليه السلام) في الدعاء لمن قلّ عليه رزقه أو ضاقت عليه معيشته، أنّه قال: سلام علي محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين وعليّ ومحمّد وجعفر وموسى وعليّ ومحمّد وعليّ والحسن والقائم سيّدنا ومولانا صلوات الله عليهم أجمعين...(٥١٣) إلى آخر الدعاء.
٢٦ - وروي الشيخ الطوسي عنه (عليه السلام) في صلاة الحاجة والدعاء بعدها، قال: روي عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال:... وأسألك بالحقّ الذي جعلته عند محمّد وآل محمّد، وعند الائمّة عليّ والحسن والحسين وعليّ ومحمّد وجعفر وموسى وعليّ ومحمّد وعليّ والحسن والحجّة (عليهم السلام)، أن تصلّي علي محمّد وآل محمّد(٥١٤).
نص الإمام الكاظم على الإمام المهدي
١ - روي الشيخ المفيد عن الامام موسى بن جعفر (عليه السلام) أنّه قال: إذا توالت ثلاثة أسماء محمّد وعليّ والحسن، فالرابع هو القائم (صلى الله عليهم)(٥١٥).
٢ - وروي الشيخ الكليني والشيخ الصدوق والشيخ الطوسي وغيرهم بالاسناد عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: إذا فُقِد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم، لا يزيلكم عنها أحد، يا بنيّ أنّه لا بدّ لصاحب هذا الامر من غيبة حتّى يرجع عن هذا الامر من كان يقول به، إنّما هي محنة من الله عزّ وجلّ امتحن بها خلقه، لو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحّ من هذا لاتّبعوه.
قال: فقلت: يا سيّدي، من الخامس من ولد السابع؟ فقال: يا بنيّ عقولكم تصغر عن هذا، وأحلامكم تضيق عن حمله، ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه(٥١٦).
٣ - ورواه الخصيبي وفيه: فنموت بشك منه؟
فقال: لا، أنا السابع، وابني عليّ الرضا الثامن، وابنه محمّد التاسع، وابنه عليّ العاشر، وابنه الحسن حادي عشر، وابنه محمّد سميّ جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكنيته المهدي، الخامس بعد السابع.
قلت: فرّج الله عنك يا سيّدي كما فرّجت عنّي(٥١٧).
٤ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن العباس بن عامر القصباني، قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: صاحب هذا الامر من يقول الناس: لم يولد بعد(٥١٨).
٥ - وروي بالاسناد عن داود بن كثير الرقّي، قال: سألت أبا الحسن موسى ابن جعفر (عليه السلام) عن صاحب هذا الامر، فقال: هو الطريد الوحيد الغريب، الغائب عن أهله، الموتور بأبيه(٥١٩).
٦ - وروي بالاسناد عن أبي أحمد محمّد بن زياد الازدي، قال: سألت سيّدي موسى بن جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: (وَأسْبَغَ عَلَيْكمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَة)(٥٢٠).
فقال (عليه السلام): النعمة الظاهرة الامام الظاهر، والباطنة الامام الغائب.
فقلت له: ويكون في الائمة من يغيب؟
قال: نعم، يغيب عن أبصار الناس شخصه، ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، وهو الثاني عشر منّا، يسهّل الله له كلّ عسير، ويذلّل له كلّ صعب، ويظهر له كنوز الارض، ويقرّب له كلّ بعيد، ويبير به كلّ جبّار عنيد، ويهلك علي يده كلّ شيطان مريد، ذلك ابن سيّدة الاماء الذي تخفي علي الناس ولادته، ولا يحلّ لهم تسميته حتّى يظهره الله عزّ وجلّ فيملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(٥٢١).
٧ - وروي الشيخ الصدوق والخزّاز والعلاّمة الطبرسي بالاسناد عن يونس ابن عبد الرحمن، قال: دخلت علي موسى بن جعفر (عليه السلام) فقلت له: يا بن رسول الله، أنت القائم بالحقّ؟
فقال: أنا القائم بالحقّ، ولكنّ القائم الذي يُطهّر الارض من أعداء الله عزّ وجلّ ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفاً علي نفسه، يرتدّ فيها أقوامٌ ويثبت آخرون.
ثمّ قال (عليه السلام): طوبي لشيعتنا المتمسّكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين علي موالاتنا والبراءة من أعدائنا، اُولئك منّا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمّةً، ورضينا بهم شيعةً، فطوبي لهم، ثمّ طوبي لهم، وهم والله معنا في درجتنا يوم القيامة(٥٢٢).
٨ - وروي الشيخ الصدوق والشيخ الكليني والشيخ الطوسي بالاسناد عن عبد الله بن جندب، أنّه قال: سألت أبا الحسن الماضي (عليه السلام) عمّا أقول في سجدة الشكر، فقد اختلف أصحابنا فيه؟
فقال: تقول في سجدة الشكر: اللهمّ إنّي اُشهدك واُشهد ملائكتك وأنبياءك ورسلك وجميع خلقك أنّك أنت الله ربّي، والاسلام ديني، ومحمّداً نبيّي، وعليّاً والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمّد بن عليّ وعليّ بن محمّد والحسن بن عليّ والحجّة بن الحسن ابن عليّ أئمّتي، لهم أتولّي ومن أعدائهم أتبرّأ(٥٢٣).
نص الامام الرضا على الإمام المهدي
١ - روي ابن الخشّاب بالاسناد عن صدقة بن موسى، قال: حدّثنا أبي، عن الرضا (عليه السلام)، قال: الخلف الصالح من ولد أبي محمّد الحسن بن عليّ، وهو صاحب الزمان، وهو المهدي(٥٢٤).
٢ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن الريّان بن الصلت، قال: قلت للرضا: أنت صاحب هذا الامر؟
فقال (عليه السلام): أنا صاحب هذا الامر، ولكنّي لست بالذي أملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، وكيف أكون ذلك علي ما تري من ضعف بدني، وإنّ القائم هو الذي إذا خرج كان في سنّ الشيوخ ومنظر الشبّان، قوياً في بدنه، حتّى لو مدّ يده إلى أعظم شجرة علي وجه الارض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، يكون معه عصا موسى وخاتم سليمان (عليه السلام)، ذاك الرابع من ولدي، يغيّبه الله في ستره ما شاء، ثمّ يظهره فيملا به الارض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً(٥٢٥).
٣ - وروي الحسين بن حمران الخصيبي بالاسناد عن الريّان بن الصلت، قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: القائم المهدي بن الحسن لا يري جسمه، ولا يسمّي باسمه بعد غيبته حتّى يراه ويعلن باسمه ويسمعه كلّ الخلق.
فقلنا له: يا سيّدنا، وإن قلنا: صاحب الغيبة، وصاحب الزمان، والمهدي؟
قال: هو كلّه جائز مطلق، وإنّما نهيتكم عن التصريح باسمه ليخفي اسمه عن أعدائنا فلا يعرفوه(٥٢٦).
٤ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا سيّد من خلق الله... إلى أن قال: ومن ولد الحسين أئمة تسعة، طاعتهم طاعتي، ومعصيتهم معصيتي، تاسعهم قائمهم ومهديّهم(٥٢٧).
٥ - وروي بالاسناد عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) - في حديث -: الحسن والحسين إماما اُمّتي بعد أبيهما، وسيّدا شباب أهل الجنّة، اُمّهما سيّدة نساء العالمين، وأبوهما سيّد الوصيّين، ومن ولد الحسين تسعة أئمّة، تاسعهم القائم من ولدي، طاعتهم طاعتي، ومعصيتهم معصيتي(٥٢٨).
٦ - وروي بالاسناد عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: سمعت دعبل بن عليّ الخزاعي يقول: أنشدت مولاي الرضا عليّ بن موسى (عليه السلام) قصيدتي التي أوّلها:

مدارسُ آيات خلت من تلاوة * * * ومنزلُ وحي مقفر العرصاتِ

فلمّا انتهيت إلى قولي:

خروجُ إمام لا محالةَ خارجٌ * * * يقوم علي اسمِ اللهِ والبركاتِ
يميّز فينا كلّ حقٍّ وباطل * * * ويجزي علي النعماء والنقماتِ

بكى الرضا (عليه السلام) بكاءً شديداً، ثمّ رفع رأسه إلى فقال لي: يا خزاعيّ، نطق روح القدس علي لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الامام ومتى يقوم؟
فقلت: لا يا مولاي، إلاّ أنّي سمعت بخروج إمام منكم يطهّر الارض من الفساد ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً؟
فقال: يا دعبل، الامام بعدي محمّد ابني، وبعد محمّد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم حتّى يخرج فيملا الارض عدلاً كما ملئت جوراً.
وأمّا متى فإخبار عن الوقت، فقد حدّثني أبي، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قيل له: يا رسول الله، متى يخرج القائم من ذرّيتك؟
فقال (صلى الله عليه وآله): مثله مثل الساعة التي لا يجلّيها لوقتها إلاّ هو ثقلت في السماوات والارض لا تأتيكم إلاّ بغتة(٥٢٩).
٧ - وروي بالاسناد عن الحسين بن خالد - في حديث - قال: قيل لعليّ بن موسى الرضا (عليه السلام): يا بن رسول الله، ومن القائم منكم أهل البيت؟
قال (عليه السلام): الرابع من ولدي، ابن سيّدة الاماء، يطهّر الله به الارض من كلّ جور، ويقدّسها من كلّ ظلم، وهو الذي يشك الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه، فإذا خرج أشرقت الارض بنوره، ووضع ميزان العدل بين الناس، فلا يظلم أحدٌ أحداً، وهو الذي تطوي له الارض، ولا يكون له ظلّ، وهو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الارض بالدعاء إليه، يقول: ألا إنّ حجّة الله قد ظهر عند بيت الله فاتّبعوه، فإنّ الحقّ معه وفيه، وهو قول الله عزّ وجلّ: (إنْ نَشَأ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهُمْ لَها خاضِعين)(٥٣٠).
٨ - وروي بالاسناد عن أيوب بن نوح، قال: قلت للرضا (عليه السلام): إنّا لنرجو أن تكون صاحب هذا الامر، وأن يردّه الله عزّ وجلّ إليك من غير سيف، فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك؟
فقال (عليه السلام): ما منّا أحد اختلفت إليه الكتب وسئل عن المسائل وأشارت إليه الاصابع وحملت إليه الاموال، إلاّ اغتيل أو مات علي فراشه حتّى يبعث الله عزّ وجلّ لهذا الامر رجلاً خفيّ المولد والمنشأ غير خفيٍّ في نفسه(٥٣١).
٩ - وروي عن الحسن بن محبوب، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام)، قال: قال لي: لا بدّ من فتنة صمّاء صيلم(٥٣٢) يسقط فيها كلّ بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء وأهل الارض وكلّ حرّي وحرّان، وكلّ حزين ولهفان.
ثمّ قال (عليه السلام): بأبي واُمّي سميّ جدّي (صلى الله عليه وآله) وشبيهي وشبيه موسى بن عمران، عليه جيوب النور، يتوقّد من شعاع ضياء القدس، يحزن لموته أهل الارض والسماء، كم من حرّي مؤمنة، وكم من مؤمن متأسّف حرّان حزين عند فقدان الماء المعين(٥٣٣)، الحديث.
١٠ - وروي عن أحمد بن زكريا، قال: قال لي الرضا عليّ بن موسى (عليه السلام): أين منزلك ببغداد؟ قلت: الكرخ. قال: أما إنّه أسلم موضع، ولا بدّ من فتنة صمّاء صيلم تسقط فيها كلّ وليجة وبطانة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي(٥٣٤).
١١ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن أبيه، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّه قال: كأنّي بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي كالنَّعَم يطلبون المرعي فلا يجدونه.
قلت له: ولم ذاك يا بن رسول الله؟
قال: لانّ إمامهم يغيب عنهم.
فقلت: ولم؟
قال: لئلاّ يكون لاحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف(٥٣٥).
١٢ - ونقل السيّد ابن طاووس عن أصل يونس بن بكير، قال: سألت سيّدي (الرضا(عليه السلام)) أن يعلّمني دعاءً أدعو به عند الشدائد، فقال لي: يا يونس، تحفظ ما أكتبه لك وادعُ به في كلّ شدّة تجاب وتعطي ما تتمنّاه، ثمّ كتب لي: بسم الله الرحمن الرحيم - وذكر الدعاء - إلى أن قال: اللهمّ وقد أصبحت يومي هذا لا ثقة لي ولا رجاء ولا ملجأ ولا مفزع ولا منجي غير من توسّلت بهم إليك متقرّباً إلى رسولك محمّد (صلى الله عليه وآله)، ثمّ عليّ أمير المؤمنين والزهراء سيّدة نساء العالمين والحسن والحسين وعليّ ومحمّد وجعفر وموسى وعليّ ومحمّد وعليّ والحسن ومن بعدهم يُقيم الحجّة إلى الحجّة المستورة من ولده، المرجوّ للاُمّة من بعدُ...(٥٣٦) إلى آخر الدعاء.
نص الامام الجواد على الإمام المهدي
١ - روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: قلت لمحمّد بن عليّ بن موسى (عليه السلام): إنّي لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمّد الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً؟
فقال (عليه السلام): يا أبا القاسم، ما منّا إلاّ وهو قائم بأمر الله عزّ وجلّ، وهاد إلى دين الله، ولكنّ القائم الذي يطهّر الله عزّ وجلّ به الارض من أهل الكفر والجحود، ويملؤها عدلاً وقسطاً، هو الذي تخفي علي الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سميّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكنِيّه، وهو الذي تُطوي له الارض، ويذلّ له كلّ صعب، ويجتمع إليه من أصحابه عدّة أهل بدر، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أقاصي الارض، وذلك قول الله عزّ وجلّ: (أيْنَما تَكونوا يَأتِ بِكمُ اللهُ جَميعاً إنَّ اللهَ عَلى كلِّ شَيْء قَدير)(٥٣٧) فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الاخلاص أظهر الله أمره، فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل، خرج بإذن الله عزّ وجلّ، فلا يزال يقتل أعداء الله حتّى يرضي الله عزّ وجلّ(٥٣٨).
٢ - وروي الشيخ الصدوق والخزّاز والعلاّمة الطبرسي والراوندي بالاسناد عن الصقر بن أبي دلف، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الرضا (عليه السلام) يقول: إنّ الامام بعدي ابني عليّ، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والامام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة أبيه، ثمّ سكت.
فقلت له: يا بن رسول الله، فمن الامام بعد الحسن؟
فبكي (عليه السلام) بكاءً شديداً، ثمّ قال: إنّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحقّ المنتظر.
فقلت له: يا بن رسول الله، لم سمّي القائم؟
قال: لأنّه يقوم بعد موتِ ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته.
فقلت له: ولم سمّي المنتظر؟
قال: لانّ له غيبةً تكثر أيامها ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب فيها الوقّاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المُسَلّمون(٥٣٩).
٣ - وروي الشيخ الصدوق والخزّاز والعلاّمة الطبرسي والراوندي بالاسناد عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: دخلتُ علي سيّدي محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأنا اُريد أن أسأله عن القائم، أهو المهدي أو غيره؟
قال: فابتدأني فقال لي: يا أبا القاسم، إنّ القائم منّا هو المهدي الذي يجب أن يُنتَظر في غيبته، ويطاع في ظهوره، هو الثالث من ولدي، والذي بعث محمّداً (صلى الله عليه وآله) بالنبوّة وخصّنا بالامامة، إنّه لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه، فيملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وإنّ الله تبارك وتعالى ليصلح له أمره في ليلة، كما أصلح أمر كليمه موسى (عليه السلام) إذ ذهب ليقتبس لاهله ناراً، فرجع وهو رسول نبيّ.
ثمّ قال (عليه السلام): أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج(٥٤٠).
٤ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن محمّد بن الفرج، قال: كتب إلى أبو جعفر بن الرضا (عليه السلام) بهذا الدعاء وعلّمنيه، وقال: إذا انصرفت من صلاة مكتوبة فقل: رضيت بالله ربّاً، وبمحمّد نبيّاً، وبعليّ وليّاً، وبالحسن والحسين وعليّ ابن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعليّ بن موسى ومحمّد ابن عليّ وعليّ بن محمّد والحسن بن عليّ والحجّة بن الحسن بن عليّ أئمّةً، اللهمّ وليّك الحجّة، فاحفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته، وامدد له في عمره، واجعله القائم بأمرك، والمنتصر لدينك، وأره ما يحبّ وما تقرّ به عينه في نفسه وذرّيته وفي أهله وماله وفي شيعته وفي عدوّه، وأرهم منه ما يحذرون، وأره فيهم ما يحبّ وتقرّ به عينه، واشفِ صدورنا وصدور قوم مؤمنين(٥٤١).
ورواه الشيخ الكليني بالاسناد عن محمّد بن الفرج مع اختلاف في بعض ألفاظه(٥٤٢).
نص الامام الهادي على الإمام المهدي
١ - روي الشيخ الصدوق والعلاّمة الطبرسي والخزّاز بالاسناد عن الصقر بن أبي دلف، قال: سمعت عليّ بن محمّد بن عليّ الرضا (عليه السلام) يقول: إنّ الامام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(٥٤٣).
٢ - وروي الشيخ الصدوق والشيخ الكليني والمسعودي والخصيبي والخزّاز وغيرهم، بالاسناد عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟
فقلت: ولم جعلني الله فداك؟
فقال: إنّكم لا ترون شخصه، ولا يحلّ لكم ذكره باسمه.
فقلت: فكيف نذكره؟
فقال: قولوا: الحجّة من آل محمّد (عليهم السلام)(٥٤٤).
٣ - وروي الشيخ الصدوق والعلاّمة الطبرسي بالاسناد عن عليّ بن عبد الغفّار، قال: لمّا مات أبو جعفر الثاني (عليه السلام) كتبت الشيعة إلى أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) يسألونه عن الامر.
فكتب (عليه السلام): الامر لي ما دمتُ حيّاً، فإذا نزلت بي مقادير الله عزّ وجلّ آتاكم الله الخلف منّي، وأنّي لكم بالخلف بعد الخلف؟(٥٤٥).
٤ - وروي الشيخ الصدوق والرزّاز والفتّال والطبرسي بالاسناد عن السيّد عبد العظيم بن عبد الله الحسني، قال: دخلت علي سيّدي عليّ بن محمّد (عليه السلام)، فلمّا بصر بي قال لي: مرحباً بك يا أبا القاسم، أنت وليّنا حقّاً.
قال: فقلت له: يا بن رسول الله، إنّي اُريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضيّاً ثبتُّ عليه حتّى ألقى الله عزّ وجل. فقال: هات يا أبا القاسم.
فقلت: إنّي أقول: إنّ الله تبارك وتعالى واحد، ليس كمثله شيء، خارج عن الحدّين: حدّ الابطال وحدّ التشبيه، وإنّه ليس بجسم ولا صورة، ولا عرض ولا جوهر، بل هو مُجسِّم الاجسام ومُصوِّر الصور، وخالق الاعراض والجواهر، وربَّ كلّ شيء ومالكه وجاعله ومحدّثه، وإنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله خاتم النبيّين، فلا نبيّ بعده إلى يوم القيامة، وإنّ شريعته خاتمة الشرائع، فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة.
وأقول: إنّ الامام والخليفة ووليّ الامر بعده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ عليّ بن موسى، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ أنت يا مولاي.
فقال (عليه السلام): ومن بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف من بعده؟
قال: فقلت: وكيف ذلك يا مولاي؟
قال: لأنّه لا يري شخصه ولا يحلّ ذكره باسمه حتّى يخرج فيملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
قال: فقلت: أقررت... إلى أن قال: فقال عليّ بن محمّد (عليه السلام): يا أبا القاسم، هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فاثبت عليه، ثبّتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا والاخرة(٥٤٦).
٥ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن إسحاق بن محمّد بن أيوب، عن أبي الحسن عليّ بن محمّد (عليه السلام)، أنّه قال: صاحب هذا الامر من يقول الناس: إنّه لم يولد بعد(٥٤٧).
٦ - وروي بالاسناد عن عليّ بن محمّد بن زياد، قال: كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر أسأله عن الفرج، فكتب إليّ: إذا غاب صاحبكم عن دار الظالمين فتوقّعوا الفرج(٥٤٨).
نص الامام العسكري على الإمام المهدي
١ - روي الشيخ الكليني والشيخ المفيد بالاسناد عن محمّد بن عليّ بن بلال، أنّه قال: خرج إلى أمر أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام) قبل مضيّه بسنتين، يخبرني بالخلف من بعده، ثمّ خرج إلى من قبل مضيّه بثلاثة أيام، يخبرني بالخلف من بعده(٥٤٩).
٢ - وعن أبي هاشم الجعفري، قال: قلت لابي محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام): جلالتك تمنعني عن مسألتك، فتأذن لي أن أسألك؟ فقال: سل.
قلت: يا سيّدي، هل لك ولد؟ قال: نعم.
قلت: إن حدث حدث، فأين أسأل عنه؟ قال: بالمدينة(٥٥٠).
٣ - وعن جعفر بن محمّد المكفوف، عن عمرو الاهوازي، قال: أراني أبو محمّد ابنه (عليه السلام)، وقال: هذا صاحبكم بعدي(٥٥١).
٤ - وعن حمدان القلانسي، قال: قلت للعمري(٥٥٢): قد مضي أبو محمّد؟ فقال لي: قد مضي، ولكن قد خلّف فيكم من رقبته مثل هذه، وأشار بيده(٥٥٣).
٥ - وعن أحمد بن محمّد بن عبد الله، قال: خرج عن أبي محمّد (عليه السلام) حين قتل الزبيري(٥٥٤) لعنه الله: هذا جزاء من اجترأ علي الله في أوليائه يزعم أنّه يقتلني وليس لي عقب، فكيف رأي قدرة الله عليه؟ وولد له ولد سمّاه محمّداً في سنة ٢٥٠(٥٥٥).
٦ - وروي الشيخ الصدوق والخزّاز بالاسناد عن موسى بن جعفر بن وهب البغدادي، أنّه خرج من أبي محمّد (عليه السلام) توقيع: زعموا أنّهم يريدون قتلي ليقطعوا هذا النسل، وقد كذّب الله قولهم والحمد لله(٥٥٦).
٧ - وروي الفضل بن شاذان بالاسناد عن محمّد بن حمزة بن الحسن بن عبد الله بن العباس بن عليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليه)، قال: سمعت أبا محمّد (عليه السلام) يقول: ولد وليّ الله وحجّته علي عباده وخليفتي من بعدي مختوناً، ليلة النصف من شعبان سنة ٢٥٠ عند طلوع الفجر، وكان أوّل من غسّله رضوان خازن الجنان مع جمع من الملائكة المقرّبين بماء الكوثر والسلسبيل، ثمّ غسّلته عمّتي حكيمة بنت محمّد بن عليّ الرضا (عليه السلام)(٥٥٧).
٨ - وروي الفضل بن شاذان بالاسناد عن محمّد بن عبد الجبّار، قال: قلت لسيّدي الحسن بن عليّ (عليه السلام): يا بن رسول الله، جعلني الله فداك، اُحبّ أن أعلم من الامام وحجّة الله علي عباده من بعدك؟
فقال (عليه السلام): إنّ الامام وحجّة الله من بعدي ابني، سميّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكنيّه، الذي هو خاتم حجج الله، وآخر خلفائه.
قال: ممّن هو يا بن رسول الله؟
قال: من ابنة ابن قيصر ملك الروم، ألا إنّه سيولد ويغيب عن الناس غيبةً طويلةً ثمّ يظهر(٥٥٨).
٩ - وروي الفضل بن شاذان عن إبراهيم بن محمّد بن فارس النيسابوري، قال: لمّا همّ الوالي عمرو بن عوف بقتلي، غلب عليّ خوف عظيم، فودّعت أهلي وتوجّهت إلى دار أبي محمّد (عليه السلام) لاُودّعه، وكنت أردت الهرب، فلمّا دخلت عليه رأيت غلاماً جالساً في جنبه، وكان وجهه مضيئاً كالقمر ليلة البدر، فتحيّرت من نوره وضيائه، وكاد ينسيني ما كنت فيه، فقال: يا إبراهيم، لا تهرب، فإنّ الله سيكفيك شرّه، فازداد تحيّري، فقلت لابي محمّد (عليه السلام): يا سيّدي يا بن رسول الله، من هذا، وقد أخبرني بما كان في ضميري؟
قال: هو ابني وخليفتي من بعدي(٥٥٩).
١٠ - وروي الشيخ الكليني والشيخ الصدوق والشيخ الطوسي والراوندي بالاسناد عن ضوء بن علي العجلي، عن رجل من أهل فارس سمّاه، قال: أتيت سامراء ولزمت باب أبي محمّد (عليه السلام) فدعاني، فدخلت عليه وسلّمت، فقال: ما الذي أقدمك؟ قلت: رغبة في خدمتك.
قال: فقال لي: فالزم الباب، قال: فكنت في الدار مع الخدم، ثمّ صرت أشتري لهم الحوائج من السوق، وكنت أدخل عليهم من غير إذن إذا كان في الدار رجال.
قال: فدخلت عليه يوماً، وهو في دار الرجال، فسمعت حركة في البيت، فناداني: مكانك لا تبرح. فلم أجسر أن أدخل ولا أخرج، فخرجت عليّ جارية معها شيءٌ مغطّي، ثمّ ناداني: ادخل، فدخلت ونادي الجارية، فرجعت إليه، فقال لها: اكشفي عمّا معك، فكشفت عن غلام أبيض حسن الوجه، وكشف عن بطنه، فإذا شعر نابت من لبّته إلى سُرّته، أخضر ليس بأسود، فقال: هذا صاحبكم، ثمّ أمرها فحملته، فما رأيته بعد ذلك حتّى مضى أبو محمّد (عليه السلام)(٥٦٠).
١١ - وروي الشيخ الصدوق والعلاّمة الطبرسي والراوندي بالاسناد عن يعقوب بن منقوش، قال: دخلت علي أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام) وهو جالس علي دكان في الدار، وعن يمينه بيت عليه ستر مسبل، فقلت له: سيّدي، من صاحب هذا الامر؟
فقال (عليه السلام): ارفع الستر. فرفعته فخرج إلينا غلام خماسيّ له عشر أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين، أبيض الوجه، دُرّي المقلتين، شثن الكفّين، معطوف الركبتين، في خدّه الايمن خال، وفي رأسه ذؤابة، فجلس علي فخذ أبي محمّد (عليه السلام)، ثمّ قال لي: هذا صاحبكم، ثمّ وثب فقال له: يا بني ادخل إلى الوقت المعلوم. فدخل البيت وأنا أنظر إليه، ثمّ قال لي: يا يعقوب، انظر من في البيت. فدخلت فما رأيت أحداً(٥٦١).
١٢ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن أبي غانم الخادم، قال: ولد لابي محمّد (عليه السلام) ولد فسمّاه محمّداً، فعرضه علي أصحابه يوم الثالث، وقال: هذا صاحبكم من بعدي، وخليفتي عليكم، وهو القائم الذي تمتدّ إليه الاعناق بالانتظار، فإذا امتلات الارض جوراً وظلماً خرج فملاها قسطاً وعدلاً(٥٦٢).
١٣ - وروي الشيخ الطوسي بالاسناد عن أحمد بن إسحاق، قال: إنّه سأل أبا محمّد (عليه السلام) عن صاحب هذا الامر، فأشار بيده، أي إنّه حيّ غليظ الرقبة(٥٦٣).
١٤ - وروي الشيخ الصدوق والرزّاز والعلاّمة الطبرسي بالاسناد عن محمّد ابن عثمان العمري (قدّس الله روحه)، قال: سمعت أبي يقول: سئل أبو محمّد الحسن ابن عليّ (عليه السلام) وأنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه (عليهم السلام): (إنّ الارض لا تخلو من حجّة لله علي خلقه إلى يوم القيامة، وإنّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)؟
فقال (عليه السلام): إنّ هذا حقّ، كما أنّ النهار حقّ.
فقيل له: يا بن رسول الله، فمن الحجّة والامام بعدك؟
فقال (عليه السلام): ابني محمّد هو الامام والحجّة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية، أما إنّ له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقّاتون، ثمّ يخرج فكأنّي أنظر إلى الاعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة(٥٦٤).
١٥ - وروي الشيخ الصدوق والرزّاز والبياضي وغيرهم بالاسناد عن أحمد ابن إسحاق بن سعد، قال: سمعت أبا محمّد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) يقول: الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتّى أراني الخلف من بعدي، أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله) خَلقاً وخُلقاً، يحفظه الله تبارك وتعالى في غيبته، ثمّ يظهره الله فيملا الارض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً(٥٦٥).
١٦ - وروي الشيخ الصدوق والرزّاز والبياضي بالاسناد عن علاّن الرازي، قال: أخبرني بعض أصحابنا أنّه لمّا حملت جارية أبي محمّد (عليه السلام) قال: ستحملين ذكراً، واسمه محمّد، وهو القائم من بعدي(٥٦٦).
١٧ - وروي الشيخ الصدوق والرزّاز والعلاّمة الطبرسي والاربلي وغيرهم بالاسناد عن موسى بن جعفر بن وهب البغدادي، قال: سمعت أبا محمّد الحسن ابن عليّ (عليه السلام) يقول: كأنّي بكم وقد اختلفتم بعدي في الخَلَف منّي، أما إنّ المُقِرّ بالائمة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) المُنكر لولدي، كمن أقرّ بجميع أنبياء الله ورسله ثمّ أنكر نبوّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والمنكر لرسول الله (صلى الله عليه وآله) كمن أنكر جميع الانبياء، لانّ طاعة آخرنا كطاعة أوّلنا، والمنكر لاخرنا كالمنكر لاوّلنا، أما إنّ لولدي غيبةً يرتاب فيها الناس إلاّ من عصمه الله عزّ وجلّ(٥٦٧).
١٨ - وروي الشيخ الصدوق والراوندي والبياضي بالاسناد عن الحسن بن محمّد بن صالح البزّاز، قال: سمعت الحسن بن عليّ العسكري (عليه السلام) يقول: إنّ ابني هو القائم من بعدي، وهو الذي تجري فيه سنن الانبياء بالتعمير والغيبة، حتّى تقسو القلوب لطول الامد، فلا يثبت علي القول به إلاّ من كتب الله عزّ وجلّ في قلبه الايمان وأيّده بروح منه(٥٦٨).
١٩ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن معاوية بن حكيم ومحمّد بن أيوب ابن نوح ومحمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) قالوا: عرض علينا أبو محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام) ابنه، ونحن في منزله، وكنّا أربعين رجلاً، فقال: هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أما إنّكم لا ترونه بعد يومكم هذا.
قالوا: فخرجنا من عنده، فما مضت إلاّ أيام قلائل حتّى مضي أبو محمّد (عليه السلام).
وروي الشيخ الطوسي في (الغيبة) نحوه(٥٦٩).
٢٠ - وروي المسعودي بالاسناد عن أحمد بن إسحاق، قال: دخلت علي أبي محمّد (عليه السلام) فقال لي: يا أحمد، ما كان حالكم فيما كان الناس فيه من الشك والارتياب؟ قلت: يا سيّدي، لمّا ورد الكتاب بخبر سيّدنا ومولده، لم يبقَ منّا رجلٌ ولا امرأة ولا غلام بلغ الفهم إلاّ قال بالحقّ.
فقال: أما علمتم أنّ الارض لا تخلو من حجّة لله؟ ثمّ أمر أبو محمّد (عليه السلام) والدته بالحجّ سنة ٢٥٩ هـ وعرّفها ما يناله في سنة ٢٦٠ هـ، وأحضر الصاحب (عليه السلام)، فأوصي إليه، وسلّم الاسم الاعظم والمواريث والسلاح إليه، وخرجت اُمّ أبي محمّد مع الصاحب (عليهما السلام) جميعاً إلى مكة(٥٧٠).
٢١ - وروي الشيخ الطوسي بالاسناد عن محمّد بن إسماعيل وعليّ بن عبد الله الحسنيين، قالا: دخلنا علي أبي محمّد الحسن (عليه السلام) بسرّ من رأي، وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته حتّى دخل عليه بدر خادمه، فقال: يا مولاي، بالباب قوم شعث، غُبر؟
فقال لهم، هؤلاء نفرٌ من شيعتنا باليمن - في حديث طويل يسوقانه - إلى أن ينتهي إلى قول الحسن (عليه السلام) لبدر: فامضِ فائتنا بعثمان بن سعيد العمري، فما لبثنا إلاّ يسيراً حتّى دخل عثمان، فقال له سيّدنا أبو محمّد (عليه السلام): امضِ يا عثمان، فإنّك الوكيل والثقة المأمون علي مال الله، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حمّلوه من المال.
ثمّ ساقا الحديث إلى أن قالا: ثمّ قلنا بأجمعنا: يا سيّدنا، والله إنّ عثمان لمن خيار شيعتك، ولقد زدتنا علماً بموضعه من خدمتك، وأنّه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى.
قال (عليه السلام): نعم، واشهدوا عليّ أنّ عثمان بن سعيد العمري وكيلي، وأنّ ابنه محمّداً وكيل ابني مهديّكم(٥٧١).
٢٢ - وروي الشيخ الطوسي بالاسناد عن أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي، قال: دخلت علي أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام) في المرضة التي مات فيها وأنا عنده، إذ قال لخادمه عقيد - وكان الخادم أسود نوبياً، قد خدم من قبله عليّ بن محمّد (عليه السلام)، وهو ربّي الحسن (عليه السلام) - فقال: يا عقيد، أغلِ لي ماءً بمصطكي، فأغلي له، ثمّ جاءت به صقيل الجارية اُمّ الخلف (عليه السلام)، فلمّا صار القدح في يديه وهَمّ بشربه، فجعلت يده ترتعد حتّى ضرب القدح ثنايا الحسن (عليه السلام)، فتركه من يده، وقال لعقيد: ادخل البيت، فإنّك تري صبيّاً ساجداً فائتني به.
قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلت أتحّري، فإذا أنا بصبيّ ساجد رافع سبّابته نحو السماء، فسلّمت عليه، فأوجز في صلاته، فقلت: إنّ سيّدي يأمرك بالخروج إليه، إذ جاءت صقيل فأخذت بيده، وأخرجته إلى أبيه الحسن (عليه السلام).
قال أبو سهل: فلمّا مثل الصبيّ بين يديه سلّم، وإذا هو دُريّ اللون، وفي شعر رأسه قَطَطٌ، مفلّج الاسنان، فلمّا رآه الحسن (عليه السلام) بكي وقال: يا سيّد أهل بيته، اسقني الماء، فإنّي ذاهبٌ إلى ربّي، وأخذ الصبيّ القدح المغليّ بالمصطكي بيده، ثمّ حرّك شفتيه ثمّ سقاه، فلمّا شربه قال: هيّئوني للصلاة، فطرح في حجره منديل، فوضّأه الصبيّ واحدة واحدة، ومسح علي رأسه وقدميه.
فقال له أبو محمّد (عليه السلام): أبشر يا بنيّ، فأنت صاحب الزمان، وأنت المهدي، وأنت حجّة الله علي أرضه، وأنت ولدي ووصيّي، وأنا ولدتُك، وأنت محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ولدك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنت خاتم الائمة الطاهرين، وبشّر بك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسمّاك وكنّاك، بذلك عهد إلى أبي عن آبائك الطاهرين، صلى الله علي أهل البيت، ربّنا إنّك حميد مجيد، ومات الحسن بن عليّ (عليه السلام) من وقته (صلوات الله عليهم أجمعين)(٥٧٢).
٢٣ - وروي الشيخ الصدوق والعلاّمة الطبرسي بالاسناد عن أحمد بن إسحاق بن سعد الاشعري، قال: دخلت علي أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام) وأنا اُريد أن أسأله عن الخلف بعده.
فقال مبتدئاً: يا أحمد بن إسحاق، إنّ الله تبارك وتعالى لم يخلِ الارض منذ خلق آدم (عليه السلام) ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجّة لله علي خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الارض، وبه ينزل الغيث، وبه يخرج بركات الارض.
قال: فقلت له: يا بن رسول الله، فمن الامام والخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السلام) مسرعاً فدخل البيت، ثمّ خرج وعلي عاتقه غلام، كأنّ وجهه القمر ليلة البدر من أبناء الثلاث سنين، فقال: يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك علي الله عزّ وجلّ وعلي حججه، ما عرضتُ عليك ابني هذا، إنّه سميّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكنِيّه، الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
يا أحمد بن إسحاق، مثله في هذه الاُمّة مثل الخضر (عليه السلام)، ومثله مثل ذي القرنين، والله ليغيبنّ غيبةً لا ينجو فيها من الهلكة إلاّ من ثبّته الله عزّ وجلّ علي القول بإمامته، ووفّقه للدعاء بتعجيل فرجه.
فقال أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا مولاي، فهل من علامة يطمئنّ إليها قلبي؟ فنطق الغلام (عليه السلام) بلسان عربيّ فصيح فقال: أنا بقيّة الله في أرضه، والمنتقم من أعدائه، فلا تطلب أثراً بعد عين يا أحمد بن إسحاق.
فقال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسروراً فرحاً، فلمّا كان من الغد عدت إليه، فقلت له: يا بن رسول الله، لقد عظم سروري بما مننت به عليّ، فما السُّنّة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟ فقال: طول الغيبة يا أحمد.
قلت: يا بن رسول الله، وإنّ غيبته لتطول؟
قال: إي وربّي حتّى يرجع عن هذا الامر أكثر القائلين به، ولا يبقي إلاّ من أخذ الله عزّ وجلّ عهده لولايتنا، وكتب في قلبه الايمان، وأيّده بروح منه.
يا أحمد بن إسحاق، هذا أمرٌ من أمر الله، وسرّ من سرّ الله، وغيبٌ من غيب الله، فخذ ما آتيتك واكتمه وكن من الشاكرين، تكن معنا غداً في عِلّيّين(٥٧٣).
نص الامام القائم على نفسه وعلى الأئمة
١ - روي الشيخ الصدوق والعلاّمة الطبرسي والراوندي بالاسناد عن إبراهيم بن محمّد العلوي، قال: حدّثني ظريف أبو نصر، قال: دخلت على صاحب الزمان فقال: عليّ بالصندل الاحمر، فأتيته [به]، ثمّ قال: أتعرفني؟ فقلت: نعم. قال: من أنا؟ فقلت: أنت سيّدي وابن سيّدي. فقال: ليس عن هذا سألتك.
قال ظريف: فقلت: جعلت فداك، فسّر لي. قال: أنا خاتم الاوصياء، وبي يدفع الله عزّ وجلّ البلاء عن أهلي وشيعتي(٥٧٤).
٢ - وروي الشيخ الطوسي بالاسناد عن يعقوب بن يوسف الضرّاب الغسّاني، الذي روي التوقيع في كيفيّة الصلاة علي النبيّ (صلى الله عليه وآله)، قال (عليه السلام): إذا صلّيت علي النبيّ (صلى الله عليه وآله) فصّل عليه وعلي أوصيائه علي هذه النسخة.
ونسخة الدفتر الذي خرج: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهمّ صلّ علي محمّد سيّد المرسلين، وخاتم النبيّين، وحجّة ربّ العالمين، المنتجب في الميثاق، المصطفى في الظلال، المطهّر من كلّ آفة، البريء من كلّ عيب، المؤمّل للنجاة، المرتجي للشفاعة، المفوّض إليه دين الله.
اللهمّ شرّف بنيانه، وعظّم برهانه، وأفلج حجّته، وارفع درجته، وأضيء نوره، وبيّض وجهه، وأعطه الفضل والفضيلة، والدرجة [و] الوسيلة الرفيعة، وابعثه مقاماً محموداً، يغبطه به الاوّلون والاخرون.
وصلّ على أمير المؤمنين، ووارث المرسلين، وقائد الغرّ المحجّلين، وسيّد الوصيّين، وحجّة ربّ العالمين.
وصلّ على الحسن بن عليّ إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجّة ربّ العالمين.
وصلّ على الحسين بن عليّ إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجّة ربّ العالمين.
[وصلّ على عليّ بن الحسين إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجّة ربّ العالمين].
وصلّ على محمّد بن عليّ إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجّة ربّ العالمين.
وصلّ على جعفر بن محمّد إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجّة ربّ العالمين.
وصلّ على موسى بن جعفر إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجّة ربّ العالمين.
وصلّ على عليّ بن موسى إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجّة ربّ العالمين.
وصلّ على محمّد بن عليّ إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجّة ربّ العالمين.
وصلّ على عليّ بن محمّد إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجّة ربّ العالمين.
وصلّ على الحسن بن عليّ إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجّة ربّ العالمين.
وصلّ على الخلف الصالح الهادي المهدي إمام المؤمنين، ووارث المرسلين، وحجّة ربّ العالمين(٥٧٥).
والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
٣ - وروي الشيخ الصدوق بالاسناد عن حكيمة بنت الامام محمّد الجواد (عليه السلام)، قالت: بعث إلى أبو محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام)، فقال: يا عمّة اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا، فإنّها ليلة النصف من شعبان، فإنّ الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجّة، وهو حجّته في أرضه.
إلى أن قالت: فلمّا كان في اليوم السابع، جئت فسلّمت وجلست، فقال: هلمّي إلى ابني، فجئت بسيّدي (عليه السلام) وهو في الخرقة...، ثمّ أدلي لسانه في فيه كأنّه يغذّيه لبناً أو عسلاً، ثمّ قال: تكلّم يا بني؟
فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وثنّي بالصلاة علي محمّد، وعلي أمير المؤمنين، وعلي الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين حتّى وقف علي أبيه(٥٧٦).
٤ - وفي رواية الراوندي في الخرائج، قالت حكيمة: دخلت يوماً علي أبي محمّد (عليه السلام)، فقال: بيتي عندنا الليلة، فإنّ الله سيظهر الخلف فيها، - إلى أن قالت -: فناداني أبو محمّد (عليه السلام) من الحجرة: هلمّي بابني إلى يا عمّة. قالت: فأتيته به، فوضع لسانه في فيه، وأجلسه علي فخذه وقال: انطق بإذن الله. فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم (وَنُريدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذينَ اسْتُضْعِفوا في الارْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثينَ، وَنُمَكنَ لَهُمْ في الارْضِ وَنُريَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنودَهُما مِنْهُمْ ما كانوا يَحْذَرون)(٥٧٧).
وصلى الله علي محمّد المصطفى وعليّ المرتضى وفاطمة الزهراء والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد بن عليّ وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعليّ ابن موسى ومحمّد بن عليّ وعليّ بن محمّد والحسن بن علي أبي...(٥٧٨) الحديث.
وهذا نزر يسير ممّا جاء في النصوص علي الامام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، والروايات في ذلك كثيرة قد دوّنها أصحاب الحديث من الاماميّة وغيرهم، وأثبتوها في كتبهم المصنّفة، منهم الشيخ محمّد بن إبراهيم النعماني في كتاب (الغيبة)، والشيخ المفيد (رحمه الله) في رسائل متعدّدة في الغيبة، والشيخ الاقدم أبو جعفر محمّد بن عليّ بن بابويه القمّي في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة)، وشيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي في كتاب (الغيبة)، والشيخ نور الدين عليّ بن محمّد بن الصبّاغ المالكي في (الفصول المهمّة)، وغيرهم. ومن يرد المزيد فليراجع المصادر المتقدّمة.

الفصل الخامس: الأدلّة على إمامته عليه السلام

إذا تجاوزنا النصوص الكثيرة التي عُنيت بالنص علي الامام القائم (عليه السلام) منذ عهد الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) إلى زمان الامام الحسن العسكري (عليه السلام)، والاحاديث الاُخري التي عَيّنت الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) بأسمائهم واحداً بعد آخر ابتداءً بالامام عليّ (عليه السلام) وانتهاءً بالإمام المهدي (عليه السلام)، فإنّنا سنجد في نصوص اُخري أدلّة حاسمة وبراهين ساطعة على إمامة الإمام المهدي (عليه السلام) وكونه الثاني عشر من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).
ومن تلك الاحاديث التي تصرّح بأنّ الارض لا تخلو من حجّة، والتي تعتبر نصوصاً صريحة وخطابات واضحة من الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) إلى كلّ المؤمنين فتقرّر أنّ لكلّ زمان إماماً حقّاً، وأنّ (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية)، وأنّ كمال معرفته هو أداء البيعة له، والتي تقتضي بداهة موالاته وطاعته، ومعاداة أعدائه، والبراءة من كلّ ولاية غير ولايته.
ومن ذلك أيضاً، الاحاديث الواردة في صحاح الفريقين بتحديد عدد الائمة باثني عشر إماماً، وجعلت البيعة لهم تمام الدين وحقيقته ومعناه، فضلاً عن أنّ نصوصاً كثيرة وردت من طرق الفريقين بتحديد الاثني عشر بأسمائهم وأعيانهم.
وإذا أضفنا إلى ذلك حديث الثقلين الذي ينص علي بقاء الامام مع القرآن في كلّ عصر وجيل حتّى يردا الحوض علي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، عرفنا أنّ ذلك الامام هو من العترة النبويّة لا غير، كما حدّدها الرسول (صلى الله عليه وآله) في قوله: (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض) وأنّ الزمان لا يمكن أن يخلو من إمام.
وفي ما يلي نعرض هذه الادلّة بشيء من التفصيل:
أولاً - حديث الثقلين
لم يترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) اُمّته هملاً، وحاشاه من ذلك؛ لانّ ذلك يتنافي مع كون رسالته محكوماً ببقائها إلى يوم القيامة، باعتباره (صلى الله عليه وآله) خاتم الرسل ولا رسول بعده، إذن فلا بدّ من تعيين المنهج الرسالي والامتداد الصحيح لمسار النبوّة، الذي يحافظ علي الكتاب الكريم وسنّة النبيّ المصطفى (صلى الله عليه وآله) حتّى قيام الساعة، ويراعي استمرارهما منهجاً وتطبيقاً في واقع الحياة.
ولا يمكن أن يوكل اُمّته إلى القرآن الكريم وحده، لما فيه من مجمل ومفصّل، ومحكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، فضلاً عن أنّه حمّال ذو وجوه كما وصفه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإزاء هذا فلا يمكن أن نتصوّر أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) يدع الاُمّة دون أن يحدّد لها مرجعاً يبيّن القرآن ويعلمه حقّ علمه، ويعرف السنّة النبويّة المباركة بكلّ تفاصيلها.
ولهذا ندرك معني حديث الثقلين (القرآن والسنّة) ومدي أهمّيته في إرجاع الاُمّة فيه إلى العترة النبويّة الطاهرة لاخذ معالم الدين الحقّ عنهم، وتتّضح لنا أسباب تأكيد النبيّ (صلى الله عليه وآله) علي هذا الحديث في مناسبات كثيرة وحالات متعدّدة كما نطقت به السنّة المباركة.
روي أبو سعيد الخدري، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: إنّي تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، أحدهما أعظم من الاخر؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما(٥٧٩).
وعن زيد بن أسلم، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: كأنّني قد دُعيت فأجبت، وإنّي تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الاخر: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، إنّ الله مولاي، وأنا وليّ كلّ مؤمن، من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه(٥٨٠).
وواضح من الحديث المبارك أنّ المراد من عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله) هم أهل بيته، وهم أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وفاطمة الزهراء (عليها السلام)، وسيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين، ويلحق بهم الذرية الطاهرة، وهم الائمة التسعة المعصومون من ولد الامام الحسين (عليه السلام)، وهم أقرب الناس إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) وشيجةً، وأخصّهم به من حيث العلم، وأعرفهم بدينه، وأعلمهم بسنّته ونهجه، وهناك جملة من الاحاديث الصحيحة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) المصرّحة بأسمائهم، فضلاً عن تواتر نصوص السابق من الائمة (عليهم السلام) علي إمامة اللاحق منهم، وهو ما يناسب الحديث الصحيح المصرّح بأنّ الائمة (عليهم السلام) اثنا عشر وكلّهم من قريش(٥٨١)، ولا يمكن أن ينطبق علي سواهم بأيّ حال من الاحوال.
وقد صار متعارفاً عند جميع المسلمين أنّ أهل البيت يراد بهم آل النبيّ (صلى الله عليه وآله)(٥٨٢)، فقد نزلت آية التطهير في عليّ والزهراء والحسن والحسين (عليهم السلام) في حديث الكساء المشهور(٥٨٣) الذي يصرّح بعصمتهم وطهارتهم من الدنس والرجس.
وجاء عن اُمّ سلمة (رض) أنّه عندما نزلت (إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكمْ تَطْهيراً)(٥٨٤) أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين، فقال: (هؤلاء أهل بيتي)(٥٨٥).
وعن أبي الحمراء، قال: شهدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) تسعة أشهر يأتي كلّ يوم باب عليّ بن أبي طالب عند وقت كلّ صلاة فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت (إنَّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكمْ تَطْهيراً)(٥٨٦)، وهذا تأكيد آخر منه (صلى الله عليه وآله) علي أنّ المراد من أهل البيت هم أصحاب هذا البيت المبارك لا غيرهم.
وقد صرّح أهل اللغة بأنّ المراد من قوله (صلى الله عليه وآله) (وعترتي) الوارد في حديث الثقلين أهل بيته (عليهم السلام) دون سواهم، واستدلّوا بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي). قال ابن منظور: فجعل العترة أهل البيت (عليهم السلام)(٥٨٧).
دلالة الحديث على إمامة الحجّة
وبعد أن تبيّن لنا ما المراد من عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله) في حديث الثقلين، نخلص إلى دلالة هذا الحديث علي استمرار وجود إمام معصوم في كلّ عصر حتّى قيام الساعة (لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض) كاستمرار وجود الكتاب الكريم.
ومن هنا قال ابن حجر الهيتمي: وفي أحاديث الحثّ علي التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أنّ الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أماناً لاهل الارض، ويشهد لذلك الخبر: في كلّ خلف من اُمّتي عدول من أهل بيتي(٥٨٨).
وعلي ضوء حديث الثقلين فلا يخلو أيّ عصر من وجود الامام المعصوم، سواء كان ظاهراً مشهوراً أو غائباً مستوراً، ولا ريب أنّ وجود الامام الغائب مع توقّع ظهوره في كلّ لحظة، من أكبر البواعث الهادية إلى التمسّك بالكتاب الكريم ونهج النبيّ المصطفى (صلى الله عليه وآله) وآله المعصومين (عليهم السلام) ومنه نفهم المراد من حديث (انتظار الفرج عبادة).
ثانياً - حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه
روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة ترجع إلى معني واحد في اُمّهات كتب العامّة والشيعة، فمن طرق العامّة نورد ما يلي:
١ - قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من مات بغير إمام، مات ميتةً جاهلية)(٥٨٩).
٢ - وقوله (صلى الله عليه وآله): (من مات وليس عليه إمام، فإنّ موتته موتة جاهلية)(٥٩٠).
٣ - وقوله (صلى الله عليه وآله): (من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتةً جاهلية)(٥٩١).
٤ - وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتةً جاهلية)(٥٩٢).
وأخرجه من الشيعة الشيخ الكليني، والصدوق، ووالده، والحميري، والبرقي، والكشّي، ومحمّد بن الحسن الصفّار، والنعماني، والطبري الامامي، والشيخ المفيد، وغيرهم(٥٩٣).
وفي ما يلي بعض ألفاظ الحديث وطرقه:
١ - روي يحيي بن عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: من بات ليلةً لا يعرف فيها إمام زمانه مات ميتةً جاهليّة(٥٩٤).
٢ - وعن معاوية بن وهب، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من مات ولم يعرف إمامه، مات ميتةً جاهليّة(٥٩٥).
٣ - وعن الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من مات وليس له إمام، فميتته ميتة جاهلية، ومن مات وهو عارف لامامه، كان كمن قام في فسطاطه(٥٩٦).
٤ - وعن فضيل بن يسار، قال: ابتدأنا أبو عبد الله (عليه السلام) يوماً وقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من مات وليس عليه إمام فميتته ميتة جاهلية. قلت: قال ذلك رسول الله؟ فقال: إي والله قد قال.
قلت: فكلّ من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية؟ قال: نعم(٥٩٧).
وجاء في الحثّ علي معرفة الامام وكونها من ضرورات الدين، وأنّ من أنكر الامام الحجّة (عليه السلام) فقد أنكر آبائه (عليهم السلام):
١ - ما رواه زرارة عن الامام الصادق (عليه السلام)، قال: إعرف إمامك، فإنّك إذا عرفته لم يضرّك تقدّم هذا الامر أو تأخّر(٥٩٨).
٢ - وعن ابن مسكان، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الائمة (عليهم السلام)، فقال: من أنكر واحداً من الاحياء فقد أنكر الاموات(٥٩٩).
٣ - وعن فضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: (يَوْمَ نَدْعُو كلَّ اُنَاس بِإمَامِهِمْ)، فقال: يا فضيل، اعرف إمامك لم يضرّك تقدّم هذا الامر أو تأخّر، ومن عرف إمامه ثمّ مات قبل أن يقوم صاحب هذا الامر، كان بمنزلة من كان قاعداً في عسكره.
وفي رواية: كان بمنزلة من استشهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)(٦٠٠).
٤ - وعن أبي بصير، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك، متى الفرج؟
فقال: يا أبا بصير، أنت ممّن يريد الدنيا، من عرف هذا الامر، فقد فُرّج عنه بانتظاره(٦٠١).
٥ - وعن إسماعيل بن محمّد الخزاعي، قال: سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا أسمع، وقال: أتراني اُدرك القائم (عليه السلام)؟ فقال: يا أبا بصير، ألست تعرف إمامك؟ فقال: بلي والله وأنت هو، فتناول يده وقال: والله ما تبالي يا أبا بصير أن لا تكون محتبياً بسيفك في ظلّ رواق القائم (عليه السلام)(٦٠٢).
٦ - وعن عمرو بن أبان، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إعرف إمامك، فإذا عرفته لم يضرّك تقدّم هذا الامر أم تأخّر، إنّ الله تبارك وتعالى يقول: (يَوْمَ نَدْعُو كلَّ اُنَاس بِإمَامِهِمْ) فمن عرف إمامه، كان كمن هو في فسطاط المنتظر(٦٠٣).
دلالة الحديث على إمامة الحجّة
يتّضح ممّا تقدّم من تخريج الحديث أنّه متواتر وصحيح، وأنّه يدلّ بشكل لا يحتمل التأويل علي وجوب معرفة الامام الحقّ علي كلّ مسلم ومسلمة، وإلاّ فإنّ مصيره سيكون الميتة الجاهلية والعياذ بالله. وتبيّن من خلال بعض ألفاظ الحديث أنّ من كمال معرفة الامام البيعة له، والتي تقتضي موالاته والبراءة من أعدائه، فمن يا تري يستحقّ في مثل هذا الزمان هذه المكانة؟ هل هو السلطان أو الحاكم أو الملك؟
وإذا كان السلطان أو الحاكم فاسقاً أو ظالماً، فهل إنّ موالاته وطاعته والبراءة من أعدائه، تبرئ ذمّة الانسان يوم يقف أمام ربّه؟ بل هل هي من الدين في شيء؟ وما هي الثمرة المترتّبة علي معرفة الظالم الفاسق؟
إذن فلا بدّ من وجود إمام حقّ في كلّ عصر وجيل، وذلك لا يتمّ إلاّ أن نقول بوجود الإمام المهدي (عليه السلام) الذي فرض الله تعالى مودّته وأوجب التمسّك به، وبشّر بظهوره النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله)، وهو الامام الذي يشفع لمحبّيه والمؤمنين به يوم يدعي كلّ اُناس بإمامهم.
ذكر اليعقوبي في تأريخه، باب خطب رسول الله ومواعظه، فقال: خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً فقال في خطبته: (اذكروا الموت فإنّه آخذ بنواصيكم - إلى أن قال: - إنّ العبد لا تزول قدماه يوم القيامة حتّى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله ممّا اكتسبه وفيما أنفقه، وعن إمامه من هو؟ قال الله عزّ وجلّ: (يَوْمَ نَدْعُو كلَّ اُنَاس بِإمَامِهِمْ)، إلى آخر الاية)(٦٠٤).
استدلال الشيخ المفيد بالحديث على إمامة الحجّة
قال الشيخ المفيد (رحمه الله): سأل سائل فقال: أخبروني عمّا رُوِيَ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) هل هو ثابت صحيح أم هو معتلّ سقيم؟
قيل له: بل هو خبر صحيح يشهد له إجماع أهل الاثار ويقوّي معناه صريح القرآن، حيث يقول جلّ اسمه: (يَوْمَ نَدْعُو كلَّ اُنَاس بِإمَامِهِمْ فَمَنْ اُوْتِيَ كتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَاُوْلَئِك يَقْرَأونَ كتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)(٦٠٥). وقوله تعالى: (فَكيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كلِّ اُمَّة بِشَهِيد وَجِئْنَا بِك عَلَى هَؤْلاءِ شَهِيداً)(٦٠٦)، وآي كثيرة من القرآن.
فإن قال: فإذا كان الخبر صحيحاً، كيف يصحّ قولكم في غيبة إمام هذا الزمان وتغيّبه واستتاره علي الكلّ وعدم علمهم بمكانه؟
قيل له: لا مضادّة بين المعرفة بالامام وبين جميع ما ذكرت من أحواله، لانّ العلم بوجوده في العالم لا يفتقر إلى العلم بمشاهدته لمعرفتنا ما لا يصحّ إدراكه بشيء من الحواسّ، فضلاً عمّن يجوز إدراكه وإحاطة العلم بما لا مكان له، فضلاً عمّن يخفي مكانه والظفر بمعرفة المعدوم والماضي والمنتظر، فضلاً عن المستخفي المستتر.
وقد بشّر الله تعالى الانبياء المتقدّمين بنبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله) قبل وجوده في العالم فقال سبحانه: (وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيْثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكمْ مِنْ كتَاب وَحِكمَة ثُمَّ جَاءَكمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهَ) يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله) (قالَ ءأقْرَرْتُمْ وَأخَذْتُمْ عَلَي ذَلِكمْ إصْرِي) يعني عهدي (قالُوا أقرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأنا مَعَكمْ مِنَ الَّشاهِدِين)(٦٠٧)، قال جلّ اسمه: (النَّبِيَّ الاُمِّيَّ الَّذي يَجِدونَهُ مَكتوباً عِنْدَهُمْ في التَّوْراةِ وَالانْجيل)(٦٠٨).
فكان نبيّنا عليه وآله السلام مكتوباً مذكوراً في كتب الله الاُولي، وقد أوجب علي الاُمم الماضية معرفته والاقرار به وانتظاره، وهو (عليه السلام) وديعة في صلب آبائه لم يخرج إلى الوجود.
ونحن اليوم عارفون بالقيامة والبعث والحساب، وهو معدوم غير موجود، وقد عرفنا آدم ونوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام) ولم نشاهدهم ولا شاهدنا من أخبر عن مشاهدتهم، ونعرف جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت (عليهم السلام) ولسنا نعرف لهم شخصاً، ولا نعرف لهم مكاناً، فقد فرض الله علينا معرفتهم والاقرار بهم، وإن كنّا لا نجد إلى الوصول إليهم سبيلاً، ونعلم أنّ فرض المعرفة لشخص في نفسه من المصالح ممّا لا يتعلّق لوجود مشاهدة المعروف ولا يعرف مستقرّه ولا الوصول إليه في مكانه، وهذا بيّن لمن تدبّره.
فإن قال: فما ينفعنا من معرفته مع عدم الانتفاع به من الوجه الذي ذكرنا؟
قيل له: نفس معرفتنا بوجوده وإمامته وعصمته وكماله نفع لنا في اكتساب الثواب، وانتظارنا لظهوره عبادة نستدفع بها عظيم العقاب، ونؤدّي بها فرضاً ألزمناه ربّنا المالك للرقاب، كما كانت المعرفة بمن عددناه من الانبياء والملائكة من أجل النفع لنا في مصالحنا، واكتسابنا المثوبة في آجلنا؛ وإن لم يصحّ المعرفة لهم علي كلّ حال، وكما أنّ معرفة الاُمم الماضية نبيّنا قبل وجوده، مع أنّها كانت من أوكد فرائضهم لاجل منافعهم، ومعرفة الباري جلّ اسمه أصل الفرائض كلّها، وهو أعظم من أن يدرك بشيء من الحواس.
فإن قال: إذا كان الامام عندكم غائباً، ومكانه مجهولاً، فكيف يصنع المسترشد؟ وعلي ماذا يعتمد الممتحن فيما ينزل به من حادث لا يعرف له حكماً؟ وإلى من يرجع المتنازعون، لا سيّما والامام إنّما نصب لما وصفناه؟
قيل له: هذا السؤال مستأنف لا نسبة له بما تقدّم، ولا وصلة بينه وبينه، وقد مضي السؤال الاوّل في معني الخبر وفرض المعرفة وجوابه علي انتظام، ونحن نجيب عن هذا المستأنف بموجز لا يخلّ بمعني التمام فنقول وبالله التوفيق: إنّما الامام نصب لاشياء كثيرة:
أحدها: الفصل بين المختلفين.
الثاني: بيان الحكم للمسترشدين.
ولم ينصب لهذين دون غيرهما من مصالح الدنيا والدين، غير أنّه إنّما يجب عليه القيام فيما نصب له مع التمكن من ذلك والاختيار، وليس يجب عليه شيء لا يستطيعه، ولا يلزمه فعل الايثار مع الاضطرار، ولم يؤت الامام في التقيّة من قبل الله عزّ وجلّ، ولا من جهة نفسه وأوليائه المؤمنين، وإنّما اُتي ذلك من قبل الظالمين الذين أباحوا دمه ودفعوا نسبه، وأنكروا حقّه، وحملوا الجمهور علي عداوته ومناصبة القائلين بإمامته، وكانت البليّة فيما يضيع من الاحكام، ويتعطّل من الحدود، ويفوت من الصلاح، متعلّقة بالظالمين، وإمام الانام بريء منها وجميع المؤمنين.
فأمّا الممتحن بحادث يحتاج إلى علم الحكم فيه، فقد وجب عليه أن يرجع في ذلك إلى العلماء من شيعة الامام، وليعلم ذلك من جهتهم بما استودعوه من أئمة الهدى المتقدّمين، وإن عدم ذلك - والعياذ بالله - ولم يكن فيه حكم منصوص علي حال، فيعلم أنّه علي حكم العقل، لأنّه لو أراد الله أن يتعبّد فيه بحكم سمعي لفعل ذلك، ولو فعله لسهل السبيل إليه.
وكذلك القول في المتنازعين، يجب عليهم ردّ ما اختلفوا فيه إلى الكتاب والسنّة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جهة خلفائه الراشدين من عترته الطاهرين، ويستعينوا في معرفة ذلك بعلماء الشيعة وفقهائهم، وإن كان - والعياذ بالله - لم يوجد فيما اختلفوا فيه نص علي حكم سمعي، فليعلم أنّ ذلك ممّا كان في العقول ومفهوم أحكام العقول، مثل: أنّ من غصب إنساناً شيئاً، فعليه ردّه بعينه إن كانت عينه قائمة، فإن لم تكن عينه قائمة كان عليه تعويضه منه بمثله، فإن لم يوجد له مثل كان أن يرضي خصمه بما تزول معه ظلامته، فإن لم يستطع ذلك، أو لم يفعله مختاراً، كان في ذمّته إلى يوم القيامة.
وإن كان جان جني علي غيره جناية لا يمكن تلافيها كانت في ذمّته، وكان المجني عليه ممتحناً بالصبر إلى أن ينصفه الله تعالى يوم الحساب، فإن كان الحادث ممّا لا يعلم بالسمع إباحته من خطره، فإنّه علي الاباحة إلاّ أن يقوم دليل سمعي علي خطره.
وهذا الذي وصفناه إنّما جاز للمكلّف الاعتماد عليه والرجوع إليه عند الضرورة بفقد الامام المرشد، ولو كان الامام ظاهراً ما وسعه غير الردّ إليه، والعمل علي قوله، وهذا كقول خصومنا كافة: إنّ علي الناس في نوازلهم بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) أن يجتهدوا فيها عند فقدهم النص عليها، ولا يجوز لهم الاجتهاد واستعمال الرأي بحضرة النبيّ (صلى الله عليه وآله).
فإن قال: فإذا كانت عبادتكم تتمّ بما وصفتموه مع غيبة الامام، فقد استغنيتم عن الامام؟
قيل له: ليس الامر كما ظننت في ذلك، لانّ الحاجة إلى الشيء قد تكون قائمة مع فقد ما يسدّها، ولولا ذلك ما كان الفقير محتاجاً إلى المال مع فقده، ولا المريض محتاجاً إلى الدواء وإن بَعُدَ وجوده، والجاهل محتاجاً إلى العلم وإن عدم الطريق إليه، والمتحيّر محتاجاً إلى الدليل وإن لم يظفر به.
ولو لزمنا ما ادّعيتموه وتوهّمتموه، للزم جميع المسلمين أن يقولوا: إنّ الناس كانوا في حال غيبة النبيّ (صلى الله عليه وآله) للهجرة وفي الغار أغنياء عنه، وكذلك كانت حالهم في وقت استتاره بشعب أبي طالب (عليه السلام)، وكان قوم موسى (عليه السلام) أغنياء عنه في حال غيبته عنهم لميقات ربّه، وكذلك أصحاب يونس (عليه السلام) أغنياء عنه لمّا ذهب مغضباً والتقمه الحوت وهو مليم، وهذا ممّا لا يذهب إليه مسلم ولا ملّي. فيعلم بذلك بطلان ما ظنّه الخصوم وتوهّموه علي الظنّة والرجوم(٦٠٩).
ثالثاً - حديث أن الارض لا تخلو من حجة
أخرج هذا الحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) جمع من كبار أعلام العامّة، وصحّحه بعضهم، فقد جاء في (نهج البلاغة) عن كميل بن زياد النخعي، قال: أخذ بيدي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فأخرجني إلى الجبان، فلمّا أصحر تنفّس الصعداء، ثمّ قال: يا كميل بن زياد، إنّ هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، فاحفظ عنّي ما أقول لك.
الناس ثلاثة: فعالم ربّاني، ومتعلّم علي سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كلّ ناعق، يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. إلى أن قال: اللهمّ بلي، لا تخلو الارض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً، لئلاّ تبطل حجج الله وبيّناته(٦١٠).
وقد أخرجه من علماء العامّة الاسكافي المعتزلي، وابن قتيبة الدينوري، وابن عبد ربّه الاندلسي، ومحمّد بن أحمد الازهري، وأبو طالب المكي، والبيهقي، والخطيب البغدادي، والخوارزمي الحنفي، والرازي الشافعي، وابن أبي الحديد المعتزلي، وابن عبد البرّ التنّوخي، وسعد الدين التفتازاني، وابن حجر العسقلاني(٦١١).
وقال ابن حجر في شرح صحيح البخاري: وفي صلاة عيسى (عليه السلام) خلف رجل من هذه الاُمّة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة، دلالة للصحيح من الاقوال (إنّ الارض لا تخلو من قائم لله بحجّة) والله العالم(٦١٢).
أمّا في مصادر الشيعة فقد روي هذا الحديث في اُمّهات الكتب الشيعية(٦١٣)، وفي ما يلي استعراض للاحاديث الدالّة عليه أو المشابهة له في الدلالة:
١ - روي يعقوب السرّاج، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: تبقي الارض يوماً بلا عالم منكم حيّ ظاهر، يفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم؟
قال (عليه السلام): إذن لا يُعبد الله يا أبا يوسف(٦١٤).
٢ - وعن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عبد الكريم وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إنّ جبرئيل (عليه السلام) نزل علي النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) بخبر عن ربّه تعالى، فقال له: إنّ الله يقول: يا محمّد، إنّي لم أترك الارض إلاّ وفيها عالم، تعرف به طاعتي وهدايتي، ويكون نجاة فيما بين قبض النبيّ إلى خروج النبيّ الاخر، ولم أكن أترك إبليس يُضلّ الناس، وليس في الارض حجّة لي، وداع لي، وهاد إلى سبيلي، وعارف بأمري، وإنّي قد قيّضت لكلّ قوم هادياً أهدي به السعداء، ويكون حجّةً علي الاشقياء(٦١٥).
٣ - وعن يعقوب بن شعيب، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ألا والله لا يدع الله هذا الامر إلاّ وله من يقوم به إلى يوم تقوم الساعة(٦١٦).
٤ - وعن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: تبقي الارض بغير إمام؟ قال: لا. قلت: يكون إمامان؟ قال: لا، إلاّ وأحدهما صامت(٦١٧).
٥ - وعن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: والله ما ترك الله أرضه منذ قبض الله آدم إلاّ وفيها إمام يهدي به إلى الله، وهو حجّته علي عباده، ولا تبقي الارض بغير إمام حجّة لله على عباده(٦١٨).
٦ - وعن محمّد بن الفضيل، عن الامام الرضا (عليه السلام)، قال: قلت له: أتبقي الارض بغير إمام؟
قال: لا.
قلت له: فإنّا نروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّها لا تبقي بغير إمام إلاّ أن يسخط الله علي أهل الارض، أو قال: علي العباد؟
قال (عليه السلام): لا تبقي الارض بغير إمام، ولو بقيت إذن لساخت(٦١٩).
٧ - وعن يونس بن يعقوب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنّه سمعه يقول: لو لم يكن في الارض إلاّ اثنان لكان أحدهما الامام(٦٢٠).
٨ - وعن كرّام، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لو كان الناس رجلين لكان أحدهما إماماً(٦٢١).
٩ - وقال (عليه السلام): إنّ آخر من يموت الامام، كي لا يحتجّ أحدٌ علي الله أنّه تركه بغير إمام(٦٢٢).
١٠ - وعن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث - قال (عليه السلام): إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال علي منبر الكوفة: اعلموا أنّ الارض لا تخلو من حجّة لله عزّ وجلّ، ولكنّ الله سيعمي خلقه عنها بظلمهم وجورهم وإسرافهم علي أنفسهم، ولو خلت الارض ساعة واحدة من حجّة لله لساخت بأهلها، ولكنّ الحجّة يعرف الناس ولا يعرفونه، كما كان يوسف يعرف الناس وهم له منكرون.
ثمّ تلا (عليه السلام): (يا حَسْرَةً عَلي العِبادِ ما يَأتيهِمْ مِنْ رَسول إلاّ كانوا بِهِ يَسْتَهْزِؤون)(٦٢٣).
١١ - وعن حمزة بن حمران، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: لو لم يكن في الارض إلاّ اثنان لكان أحدهما الحجّة، ولو ذهب أحدهما بقي الحجّة(٦٢٤).
١٢ - وعن أبي هراسة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لو أنّ الامام رفع من الارض ساعة لماجت باهلها كما يموج البحر بأهله(٦٢٥).
١٣ - وعن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لو بقيت الارض يوماً بلا إمام منّا، لساخت بأهلها ولعذّبهم الله بأشدّ عذابه(٦٢٦).
١٤ - وعن الحسن بن زياد، قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): هل تكون الارض إلاّ وفيها إمام؟ قال: لا تكون إلاّ وفيها إمام عالم بحلالهم وحرامهم وما يحتاجون إليه(٦٢٧).
١٥ - وعن أبي بصير، عن أحدهما (عليه السلام) قال: قال: إنّ الله لم يدع الارض بغير عالم، ولولا ذلك لم يعرف الحقّ من الباطل(٦٢٨).
١٦ - وعن المعلّي بن خنيس، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): هل كان الناس إلاّ وفيهم من قد اُمروا بطاعته منذ كان نوح (عليه السلام)؟ قال: لم يزل كذلك، ولكن أكثرهم لا يعلمون(٦٢٩).
١٧ - وعن يزيد الكناسي، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): ليس تبقي الارض يا أبا خالد يوماً واحداً بغير حجّة لله علي الناس، ولم يبقَ منذ خلق الله عزّ وجلّ آدم (عليه السلام) فأسكنه الارض(٦٣٠).
١٨ - وعن صفوان بن يحيي، قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: إنّ الارض لا تخلو من أن يكون فيها إمام منّا(٦٣١).
١٩ - وعن صفوان بن يحيي، عن أبي الحسن الاوّل - يعني الامام موسى بن جعفر (عليه السلام) - قال: ما ترك الله عزّ وجلّ الارض بغير إمام قسط منذ قبض آدم (عليه السلام) يهتدي به إلى الله عزّ وجلّ، وهو الحجّة على العباد، من تركه ضلّ، ومن لزمه نجا، حقّاً علي الله عزّ وجلّ(٦٣٢).
٢٠ - وعن الحسن بن زياد، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّ الارض لا تخلو من أن يكون فيها حجّة عالم، إنّ الارض لا يصلحها إلاّ ذلك، ولا يصلح الناس إلاّ ذلك(٦٣٣).
٢١ - وعن أحمد بن إسحاق، عن أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام)، قال: إنّ الله تبارك وتعالى لم يخلِ الارض منذ خلق آدم (عليه السلام) ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجّة لله علي خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الارض، وبه ينزل الغيث، وبه يخرج بركات الارض(٦٣٤).
دلالة الحديث على إمامة الحجة
إنّ عدم خلوّ الارض من إمام قائم لِلّهِ بحجّة لا يستقيم مع فرض عدم وجود الإمام المهدي (عليه السلام)، وقد ذكر ابن أبي الحديد في معرض شرحه لحديث أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا تخلو الارض من قائم لِلّهِ بحجّة) ما يدلّ علي هذا المعني حيث قال: كي لا يخلو الزمان ممّن هو مهيمن لِلّهِ تعالى على عباده، ومسيطر عليهم، وهذا يكاد يكون تصريحاً بمذهب الاماميّة، إلاّ أنّ أصحابنا يحملونه علي أنّ المراد به الابدال(٦٣٥).
وقال الشيخ البهائي (رحمه الله) في كتاب (الاربعين) بعد شرحه لمفردات حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي قدّمناه أوّلاً: استقامة ما دلّ عليه هذا الحديث من عدم خلوّ الارض من إمام موصوف بتلك الصفات، وكذا ما يفيده الحديث المتّفق عليه بين الخاصّة والعامّة من قوله: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة) ظاهرة علي ما ذهب إليه الاماميّة من أنّ إمام زماننا هذا هو مولانا الامام الحجّة بن الحسن المهدي (عليه السلام)، ومخالفوهم من أهل السنّة يشنّعون عليهم بأنّه إذا لم يمكن التوصّل إليه، ولا أخذ المسائل الدينية عنه، فأيّ ثمرة تترتّب علي مجرّد معرفته حتّى يكون من مات وليس عارفاً به فقد مات ميتة جاهلية.
والاماميّة يقولون: ليست الثمرة منحصرة في مشاهدته وأخذ المسائل عنه، بل نفس التصديق بوجوده (عليه السلام) وأنّه خليفة الله في الارض أمر مطلوب لذاته، وركن من أركان الايمان، كتصديق من كان في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله) بوجوده ونبوّته.
وقد روي عن جابر بن عبد الله الانصاري أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر المهدي فقال: ذلك الذي يفتح الله عزّ وجلّ على يديه مشارق الارض ومغاربها يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت فيها إلاّ من امتحن الله قلبه للايمان.
قال جابر فقلت: يا رسول الله، هل لشيعته انتفاع به في غيبته؟
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إي والله الذي بعثني بالحقّ إنّهم ليستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن علاها السحاب.
ثمّ قالت الاماميّة: إنّ تشنيعكم علينا مقلوب عليكم، لأنّكم تذهبون إلى أنّ المراد بإمام الزمان في هذا الحديث صاحب الشوكة من ملوك الدنيا كائناً من كان، عالماً أو جاهلاً عدلاً أو فاسقاً، فأيّ ثمرة تترتّب علي معرفة الجاهل الفاسق ليكون من مات ولم يعرفه فقد مات ميتة جاهلية.
ولمّا استشعر هذا بعض مخالفيهم ذهب إلى أنّ المراد بالامام في هذا الحديث الكتاب، وقالت الاماميّة: إنّ إضافة الامام إلى زمان ذلك الشخص يشعر بتبدّل الائمة في الازمنة، والقرآن العزيز لا تبدّل له بحمد الله علي مرّ الازمان.
وأيضاً فما المراد بمعرفة الكتاب التي إذا لم تكن حاصلة للانسان مات ميتة جاهليّة؟ إنّ اُريد بها معرفة ألفاظه أو الاطلاع علي معانيه أشكل الامر على كثير من الناس، وإن اُريد مجرّد التصديق بوجوده، فلا وجه للتشنيع علينا إذا قلنا بمثله(٦٣٦).

رابعاً - حديث الخلفاء اثنا عشر
روي هذا الحديث أعلام العامّة في صحاحهم ومسانيدهم ومن طرق شتّي، والحديث يوضح عدد الائمة (عليهم السلام) باثني عشر إماماً، وفي ما يلي نورد بعض رواياتهم.
١ - في صحيح البخاري: عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (يكون بعدي اثنا عشر أميراً) فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: (كلّهم من قريش)(٦٣٧).
٢ - وفي صحيح مسلم: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (إنّ هذا الامر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة) قال: ثمّ تكلّم بكلام خفي عليَّ، فقلت لابي: ما قال؟ قال: قال: (كلّهم من قريش)(٦٣٨).
٣ - وأخرج مسلم أيضاً: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (لا يزال الدين قائماً، حتّى تقوم الساعة، ويكون عليهم اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش)(٦٣٩).
٤ - وأخرج أحمد في مسنده بطريقين، عن عبد الله بن مسعود: أنّ رجلاً سأله - وهو يُقرئهم القرآن - يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كم تملك الاُمّة من خليفة؟
فقال ابن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك. ثمّ قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: (اثنا عشر، كعدّة نقباء بني إسرائيل)(٦٤٠).
رواية الامامية
وروي الاماميّة هذا الحديث في مصنّفاتهم بأسانيد تصل إلى حدّ التواتر، كالشيخ الصدوق والنعماني والشيخ الطوسي والطبرسي وغيرهم (رحمهم الله)، وفي ما يلي بعض رواياتهم:
رواية النعماني
١ - روي بالاسناد عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تزال هذه الاُمّة مستقيماً أمرها، ظاهرة علي عدوّها حتّى يمضي منها اثنا عشر خليفة(٦٤١).
٢ - وعنه أيضاً قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا يزال هذا الدين مستقيماً حتّى يقوم اثنا عشر خليفة، ثمّ قال كلمةً لم أفهمها، فسألت أبي فقال: كلّهم من قريش(٦٤٢).
٣ - وعن ابن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يخطب وعمّي جالس بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: لا يزال أمرنا صالحاً حتّى يصير اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش(٦٤٣).
٤ - وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لم يزل هذا الدين قائماً إلى اثني عشر خليفة كلّهم من قريش(٦٤٤).
رواية الشيخ الطوسي
١ - روي بالاسناد عن الاسود بن سعيد الهمداني، قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش، قال: فلمّا رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: ثمّ يكون ماذا؟ فقال: ثمّ يكون الهرج(٦٤٥).
٢ - وعن محمّد بن عثمان، قال: حدّثنا ابن أبي خيثمة، قال: حدّثني زهير بن معاوية، عن زياد بن علاقة، وسماك بن حرب، وحصين بن عبد الرحمن، كلّهم عن جابر بن سمرة، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يكون بعدي اثنا عشر خليفة، ثمّ تكلّم بكلام لم أفهمه، فقال بعضهم: سألت القوم فقالوا: كلّهم من قريش(٦٤٦).
٣ - وعن محمّد بن عثمان، قال: حدّثنا ابن عون، عن الشعبي، عن جابر بن سمرة، قال: ذكر أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: لا يزال أهل هذا الدين ينصرون علي من ناواهم إلى اثني عشر خليفة، فجعل الناس يقومون ويقعدون، وتكلّم بكلمة لم أفهمها، فقلت لابي أو لاخي: أيّ شيء قال؟ فقال: قال: كلّهم من قريش(٦٤٧).
٤ - وعن محمّد بن عثمان، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا عبد الله بن عمر، قال: حدّثنا سليمان بن أحمر، قال: حدّثنا ابن عون، عن الشعبي، عن جابر بن سمرة، قال: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: لا يزال أهل الدين ينصرون علي ما ناواهم إلى اثني عشر خليفة. فجعل الناس يقومون ويقعدون ويتكلّم بكلمة لم أفهمها فقلت لابي أو لاخي: أيّ شيء قال؟ قال: فقال: كلّهم من قريش(٦٤٨).
٥ - وعن محمّد بن عثمان، قال: حدّثنا أحمد بن أبي خيثمة، قال: حدّثنا يحيي ابن معين، قال: حدّثنا عبد الله بن صالح، قال: حدّثنا الليث بن سعد، عن خلف بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف، قال: كنّا عند شُفيّ الاصبحي، فقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: يكون خلفي اثنا عشر خليفة(٦٤٩).
٦ - وعن محمّد بن عثمان، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا عفّان ويحيى بن إسحاق المالجيني، قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة، قال: حدّثنا عبد الله بن عمر، عن أبي الطفيل، قال: قال لي عبد الله بن عمر: يا أبا الطفيل، عد اثني عشر من بني كعب ابن لؤي، ثمّ يكون النقف(٦٥٠) والنقاف(٦٥١).
٧ - وعن محمّد بن عثمان، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا المقدمي، عن عاصم بن علي بن مقدام، قال: حدّثني أبي، عن فطر بن خليفة، عن أبي خالد الوالبي، قال: حدّثنا جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا يزال هذا الدين ظاهراً لا يضرّه من ناواه حتّى يقوم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش(٦٥٢).
٨ - وعن محمّد بن عثمان، قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر الرقّي، قال: حدّثنا عميس بن يونس، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: كنّا عند ابن مسعود فقال له رجل: حدّثكم نبيّكم كم يكون بعده من الخلفاء؟ فقال: نعم، وما سألني عنها أحد قبلك، وإنّك لاحدث القوم سنّاً، سمعته يقول: يكون بعدي عدّة نقباء موسى (عليه السلام)، قال الله عزّ وجلّ: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَي عَشَرَ نَقِيباً)(٦٥٣).
دلالة الحديث على إمامة الحجة
الملاحظ أنّه لم تتّفق كلمة العامّة علي تحديد المراد بالائمة الاثني عشر أو الخلفاء الاثني عشر، فاتّفقوا علي عددهم، واختلفوا في أعيانهم، قال السيوطي:
(لم يقع إلى الان وجود اثني عشر اجتمعت الاُمّة علي كلّ منهم)(٦٥٤).
فجعل ابن كثير الخلفاء الاربعة، وعمر بن عبد العزيز، وبعض بني العباس من الخلفاء الاثني عشر، واستظهر كون الإمام المهدي منهم(٦٥٥).
وروي عن وليّ الله المحدّث أنّهم الخلفاء الاربعة، ومعاوية، وعبد الملك بن مروان، وأولاده الاربعة، وعمر بن عبد العزيز، والوليد بن يزيد(٦٥٦).
وقال ابن قيم الجوزيّة: وأمّا الخلفاء اثنا عشر، فقد قال جماعة منهم أبو حاتم ابن حبان وغيره: إنّ آخرهم عمر بن عبد العزيز، فذكروا الخلفاء الاربعة، ثمّ معاوية، ثمّ يزيد ابنه، ثمّ معاوية بن يزيد، ثمّ مروان بن الحكم، ثمّ عبد الملك بن مروان، ثمّ الوليد بن عبد الملك، ثمّ سليمان بن عبد الملك، ثمّ عمر بن عبد العزيز(٦٥٧).
وعدّ المقريزي منهم الخلفاء الاربعة، ثمّ الامام الحسن (عليه السلام)، ولم يدخل أحداً من بني اُميّة وبني العباس(٦٥٨).
والملاحظ أنّ تحديدهم لبعض أعيان الخلفاء الاثني عشر لا ينطبق مع مضمون الحديث إطلاقاً، ذلك لانّ الحديث يفيد استمرار أمر الخلافة إلى آخر الدهر، وهم حدّدوا ذلك إلى زمان الامام الحسن (عليه السلام)، وبعضهم إلى زمان عمر بن عبد العزيز، وبعضهم أدخل بعض ملوك بني العباس، ويلزم من ذلك خلوّ جميع العصور بعد المذكورين من الخليفة، بينما يفترض أنّ الدين لا يزال قائماً بوجودهم إلى قيام الساعة.
ثمّ إنّ مضمون الحديث يفيد أنّه (لن يزال هذا الدين قائماً إلى اثني عشر خليفة)، و(لا تزال هذه الاُمّة مستقيماً أمرها...).
فكيف يمكن أن نفسّر استقامة الامر وقيام الدين في مثل أيام حكم يزيد الفاجر الذي انتهك الحرمات، وسفك دماء العترة النبويّة الطاهرة، وقتل المهاجرين والانصار من صحابة النبيّ المصطفى (صلى الله عليه وآله) في الحرّة وغيرها من أفعاله الشنيعة، فضلاً عن أنّهم أدخلوا في الخلفاء الاثني عشر بعض الملوك الذين ملاوا الارض ظلماً وجوراً، وساموا أهلها عدواناً، ومثل هؤلاء لا يصحّ أن نقول إنّهم مصداق لحديث النبيّ (صلى الله عليه وآله)، لانّ المراد بالخليفة هو من يستمدّ سلطته من الشارع المقدّس، ويحكم الناس بكتاب الله تعالى وسنّة نبيّه الكريم (صلى الله عليه وآله) (وَمَنْ لَمْ يَحْكمْ بِما أنْزَلَ اللهُ فَاُوْلَئِك هُمُ الظَّالِمُونَ).
وممّا تقدّم يتبيّن أنّ المراد بالائمة الاثني عشر الذين يقوم بهم أمر الدين إلى آخر الدهر، هم عترة النبيّ المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وعددهم ينطبق مع ما تعتقده الشيعة الامامية في إمامة الائمة الاثني عشر المنصوص عليهم من قبل جدّهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهم خلفاؤه وعترته الذين هم مع القرآن والقرآن معهم لا يفارقونه حتّى يردّوا عليه حوضه.
استدلال القندوزي
قال القندوزي الحنفي في (ينابيع المودّة): قال بعض المحقّقين: إنّ الاحاديث الدالّة علي كون الخلفاء بعده (صلى الله عليه وآله) اثني عشر، قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان، عُلِم أنّ مراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حديثه هذا: الائمة اثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث علي الخلفاء بعده من أصحابه لقلّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن نحمله علي الملوك الاُمويّة، لزيادتهم علي اثني عشر، ولظلمهم الفاحش إلاّ عمر بن عبد العزيز، ولكونهم غير بني هاشم، لانّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: كلّهم من بني هاشم، في رواية عبد الملك عن جابر، وإخفاء صوته (صلى الله عليه وآله) في هذا القول يرجّح هذه الرواية، لأنّهم لا يُحسنون خلافة بني هاشم، ولا يمكن أن يحمل علي الملوك العباسية لزيادتهم علي العدد المذكور، ولقلّة رعايتهم. ويؤيّد هذا المعني - أي أنّ مراد النبيّ (صلى الله عليه وآله) الائمة الاثنا عشر من أهل بيته - ويرجّحه حديث الثقلين(٦٥٩).
استدلال الشيخ الطوسي
استدلّ الشيخ الطوسي (رحمه الله) بهذا الحديث علي إمامة الامام صاحب الزمان (عليه السلام) في (كتاب الغيبة) حيث قال: وممّا يدلّ علي إمامة صاحب الزمان بن الحسن ابن عليّ بن محمّد بن الرضا (عليه السلام) وصحّة غيبته، ما رواه الطائفتان المختلفتان والفرقتان المتباينتان العامّة والاماميّة أنّ الائمة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) اثنا عشر لا يزيدون ولا ينقصون، وإذا ثبت ذلك فكلّ من قال بذلك، قطع علي الائمة الاثني عشر الذين نذهب إلى إمامتهم، وعلي وجود ابن الحسن (عليه السلام) وصحّة غيبته، لانّ من خالفهم في شيء من ذلك لا يقصر الامامة علي هذا العدد، بل يجوّز الزيادة عليها، وإذا ثبت بالاخبار التي نذكرها هذا العدد المخصوص ثبت ما أردناه(٦٦٠).
استدلال الشهيد الصدر
قال الشهيد محمّد باقر الصدر (رحمه الله): إنّ الحديث المذكور سبق التسلسل التأريخي للائمة الاثني عشر، وضبط في كتب الحديث قبل تكامل الواقع الامامي الاثني عشري، إنّ هذا الحديث ليس انعكاساً لواقع، وإنّما هو تعبير عن حقيقة ربّانية، نطق بها من لا ينطق عن هوي، فقال: إنّ الخلفاء بعدي اثنا عشر، وجاء الواقع الامامي الاثنا عشري ابتداءً من الامام علي وانتهاءً بالمهدي (عليهما السلام)، ليكون التطبيق الوحيد المعقول لذلك الحديث النبويّ الشريف(٦٦١).
النص على الائمة الاثني عشر
إنّ النص علي الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) هو الذي يوضّح المراد بالخلفاء الاثني عشر المذكورين في حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعترته المعصومين (عليهم السلام)، ويعيّن لنا شخص الإمام المهدي (عليه السلام) واسمه ونسبه وغيبته وبقاءه حيّاً حتّى قيام دولته، دولة الحقّ والعدل.
وفي ما يلي طرف من النص علي الائمة الاثني عشر (عليهم السلام):
١ - روي أبو الحسن محمّد بن أحمد بن شاذان بإسناده عن الامام الصادق (عليه السلام)، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): حدّثني جبرئيل، عن ربّ العزّة جلّ جلاله، أنّه قال: مَن علم أن لا إله إلاّ أنا وحدي، وأنّ محمّداً عبدي ورسولي، وأنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي، وأنّ الائمة من ولده حججي، أدخلته الجنّة برحمتي، ونجّيتُه من النار بعفوي، وأبحت له جواري، وأوجبت له كرامتي، وأتممت عليه نعمتي، وجعلته من خاصّتي وخالصتي، إن ناداني لبّيته، وإن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وإن سكت ابتدأته، وإن أساء رحمته، وإن فرّ منّي دعوته، وإن رجع إلى قبلته، وإن قرع بابي فتحته.
ومن لم يشهد أن لا إله إلاّ أنا وحدي، أو شهد بذلك ولم يشهد أنّ محمّداً عبدي ورسولي، أو شهد بذلك ولم يشهد أنّ عليّ بن أبي طالب خليفتي، وشهد بذلك ولم يشهد أنّ الائمة من ولده حججي، فقد جحد نعمتي وصغّر عظمتي، وكفر بآياتي وكتبي ورسلي، إن قصدني حجبته، وإن سألني حرمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه، وإن دعاني لم استجب دعاءه، وإن رجاني خيّبت رجاءه منّي، وما أنا بظلاّم للعبيد.
فقام جابر بن عبد الله الانصاري، فقال: يا رسول الله، ومن الائمة من ولد عليّ بن أبي طالب؟
قال: الحسن والحسين، سيّدا شباب أهل الجنّة، ثمّ سيّد العابدين في زمانه عليّ بن الحسين، ثمّ الباقر محمّد بن عليّ، ستدركه يا جابر، فإذا أدركته فاقرأه منّي السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمّد، ثمّ الكاظم موسى بن جعفر، ثمّ الرضا عليّ بن موسى، ثمّ التقيّ محمّد بن عليّ، ثمّ النقيّ عليّ بن محمّد، ثمّ الزكيّ الحسن بن عليّ، ثمّ ابنه القائم بالحقّ مهديّ اُمّتي الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً.
هؤلاء - يا جابر - خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي، من أطاعهم فقد أطاعني، ومن عصاهم فقد عصاني، ومن أنكرهم أو أنكر واحداً منهم فقد أنكرني، بهم يُمسك الله السماء أن تقع علي الارض، وبهم يحفظ الله الارض أن تميد بأهلها(٦٦٢).
٢ - وروي الشيخ الطوسي بالاسناد عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس، قال: سمعت عبد الله بن جعفر الطيّار يقول: كنّا عند معاوية أنا والحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعمر بن اُمّ سلمة، واُسامة بن زيد، فجري بيني وبين معاوية كلام، فقلت لمعاوية: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا أولي بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ أخي عليّ بن أبي طالب أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد عليّ فالحسن أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا مضي الحسن فالحسين أولي بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه عليّ بن الحسين أولي بالمؤمنين من أنفسهم وستدركه يا علي، ثمّ ابنه محمّد بن عليّ أولي بالمؤمنين من أنفسهم يا عليّ، ثمّ يكمّله اثني عشر إماماً تسعة من ولد الحسين.
وقال عبد الله بن جعفر: استشهدت الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعمر بن اُمّ سلمة واُسامة بن زيد فشهدوا لي عند معاوية، قال سليم بن قيس: وقد سمعت ذلك من سلمان وأبي ذرّ والمقداد، وذكروا أنّهم سمعوا ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله)(٦٦٣).
٣ - وعن محمّد بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن محمّد بن أحمد بن يحيي، عن عمرو بن ثابت، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّي وأحد عشر من ولدي وأنت يا عليّ زرّ الارض - يعني أوتادها وجبالها - بنا أوتد الله الارض أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الارض بأهلها ولم ينظروا(٦٦٤).
٤ - وعن جعفر بن محمّد بن مالك، عن محمّد بن نعمة السلولي، عن وهب بن جعفر، عن عبد الله بن قاسم، عن عبد الله بن خالد، عن أبي السفاتج، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر (عليه السلام)، عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: دخلت علي فاطمة (عليها السلام) وبين يديها أسماء الاوصياء من ولدها، فعددت اثني عشر اسماً، آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمّد، وثلاثة منهم علي(٦٦٥).
٥ - وعن محمّد بن يعقوب، عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن سعيد بن غزوان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: يكون تسعة أئمة بعد الحسين، تاسعهم قائمهم(٦٦٦).
٦ - وعن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إنّ الله تعالى أرسل محمّداً (صلى الله عليه وآله) إلى الجنّ والانس عامّة، وكان من بعده اثنا عشر وصيّاً، منهم من سبقنا، ومنهم من بقي، وكلّ وصيّ جرت به السنّة، والاوصياء الذين من بعد محمّد (صلى الله عليه وآله) علي سنّة أوصياء عيسى إلى محمّد (صلى الله عليه وآله)، وكانوا اثني عشر، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) علي سنّة المسيح(٦٦٧).
٧ - وعن أبي محمّد التلّعكبرى، عن أبي الحسين محمّد بن جعفر الاسدي، عن سهل بن زياد الادمي، عن الحسن بن عباس بن الحريش الرازي، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام): أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لابن عباس: إنّ ليلة القدر في كلّ سنة، وإنّه ينزل في تلك الليلة أمر السنة، ولذلك الامر ولاة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال ابن عباس: من هم؟ فقال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدّثون(٦٦٨).
٨ - وعن أحمد بن هلال العبرتائي، عن ابن أبي عمير، عن سعيد بن غزوان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث له: إنّ الله اختار من الناس الانبياء الرسل، واختارني من الرسل، واختار منّي علياً، واختار من عليّ الحسن والحسين، واختار من الحسين الاوصياء، تاسعهم قائمهم، وهو ظاهرهم وباطنهم(٦٦٩).
٩ - وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال أبي محمّد بن عليّ، لجابر ابن عبد الله الانصاري: إنّ لي إليك حاجة فمتى يخفّ عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ قال له جابر: في أيّ الاوقات أحببت، فخلا به أبي في بعض الاوقات، فقال له: يا جابر، أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد اُمّي فاطمة (عليها السلام)، وما أخبرتك به اُمّي أنّه في ذلك اللوح مكتوب؟
فقال جابر: أشهد بالله أنّي دخلت علي اُمّك فاطمة صلوات الله عليها في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهنّأتها بولادة الحسين (عليه السلام)، ورأيت في يدها لوحاً أخضر، فظننت أنّه زمرّد، ورأيت فيه كتاباً أبيض شبه نور الشمس، فقلت لها: بأبي واُمّي يا ابنة رسول الله، ما هذا اللوح؟
فقالت: هذا اللوح أهداه الله إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني وأسماء الاوصياء من ولدي، فأعطانيه أبي ليسرّني بذلك.
قال جابر: فأعطتنيه اُمّك فاطمة (عليها السلام) فقرأته فاستنسخته... إلى آخر الحديث، وقد ذكر فيه عدد الائمة (عليهم السلام) وما يجري عليهم(٦٧٠).
١٠ - عن سلام، قال: سمعت أبا سلمي راعي النبيّ (صلى الله عليه وآله) يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: سمعت ليلة اُسري بي إلى السماء، قال العزيز جلّ ثناؤه: (آمَنَ الرَّسُولُ بِما اُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ)، قلت: (وَالمُؤْمِنونَ)، قال: صدقت يا محمّد، من خلّفت لاُمّتك؟ قلت: خيرها، قال: عليّ بن أبي طالب؟ قلت: نعم يا ربّ، قال: يا محمّد، إنّي اطّلعت علي الارض اطلاعة فاخترتك منها فشققت لك اسماً من أسمائي، فلا اُذكر في موضع إلاّ وذكرت معي، فأنا المحمود وأنت محمّد، ثمّ اطّلعت الثانية فاخترت منها علياً، وشققت له اسماً من أسمائي، فأنا الاعلي وهو عليّ.
يا محمّد إنّي خلقتك وخلقت علياً وفاطمة والحسن والحسين من شبح نور من نوري، وعرضت ولايتكم علي أهل السماوات والارضين، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان عندي من الكافرين.
يا محمّد، لو أنّ عبداً من عبادي عبدني حتّى يتقطّع ويصير مثل الشنّ البالي ثمّ أتاني جاحداً بولايتكم ما غفرت له حتّى يقرّ بولايتكم، يا محمّد أتحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم يا ربّ.
فقال: التفت عن يمين العرش، فالتفت فإذا أنا بعليّ وفاطمة والحسن والحسين وعليّ ومحمّد وجعفر وموسى وعلي ومحمّد وعليّ والحسن والمهدي (عليهم السلام) في ضحضاح من نور قيامٌ يصلّون، المهدي في وسطهم كأنّه كوكب درّي، فقال: يا محمّد، هؤلاء الحجج وهذا الثائر من عترتك، يا محمّد وعزّتي وجلالي إنّه الحجّة الواجبة لاوليائي والمنتقم من أعدائي(٦٧١).
١١ - وروي جابر الجعفي، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن تأويل قول الله عزّ وجلّ: (إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً في كتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالارْضَ مِنْها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِك الدينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِموا فيهِنَّ أنْفُسَكمْ).
قال: فتنفّس سيّدي الصعداء ثمّ قال: يا جابر، أمّا السنة فهي جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وشهورها اثنا عشر شهراً، فهو أمير المؤمنين والي وإلى ابني جعفر وابنه موسى وابنه عليّ وابنه محمّد وابنه عليّ وإلى ابنه الحسن وإلى ابنه محمّد الهادي المهدي، اثنا عشر إماماً حجج الله في خلقه واُمناؤه علي وحيه وعلمه.
والاربعة الحرم الذين هم الدين القيّم، أربعة منهم يخرجون باسم واحد: عليّ أمير المؤمنين، وأبي عليّ بن الحسين، وعليّ بن موسى، وعليّ بن محمّد، فالاقرار بهؤلاء هو الدين القيّم، ولا تظلموا فيهنّ أنفسكم، أي قولوا بهم جميعاً تهتدوا(٦٧٢).
١٢ - وعن جماعة، عن أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبرى، بإسناده عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نزل جبرئيل (عليه السلام) بصحيفة من عند الله علي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيها اثنا عشر خاتماً من ذهب. فقال له: إنّ الله تعالى يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تدفع هذه الصحيفة إلى النجيب من أهلك بعدك يفك منها أوّل خاتم ويعمل بما فيها، فإذا مضي دفعها إلى وصيّه بعده، وكذلك الاوّل يدفعها إلى الاخر واحداً بعد واحد، ففعل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ما اُمر به، ففك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أوّلها وعمل بما فيها، ثمّ دفعها إلى الحسن (عليه السلام) ففك خاتمه وعمل بما فيها، ودفعها بعده إلى الحسين (عليه السلام) ثمّ دفعها الحسين إلى عليّ بن الحسين (عليه السلام)، ثمّ واحداً بعد واحد، حتّى ينتهي إلى آخرهم (عليهم السلام)(٦٧٣).
١٣ - وعن التلعكبرى، عن أبي عليّ محمّد بن همام، عن الحسن بن علي القوهستاني، عن زيد بن إسحاق، عن أبيه، قال: سألت أبي عيسى بن موسى فقلت له: من أدركت من التابعين؟
فقال: ما أدري ما تقول، ولكنّي كنت بالكوفة فسمعت شيخاً في جامعها يحدّث عن عبد خير، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا عليّ، الائمة الراشدون المهديّون المغصوبون حقوقهم من ولدك أحد عشر إماماً وأنت(٦٧٤).
١٤ - وعن جماعة، عن أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبرى، عن محمّد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي، قال: حدّثني أبو موسى عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور، قال: حدّثني أبو الحسن عليّ بن محمّد العسكري، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه عليّ بن موسى عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي صلوات الله عليهم، قال: قال عليّ صلوات الله عليه: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من سرّه أن يلقي الله عزّ وجلّ آمناً مطهّراً لا يحزنه الفزع الاكبر فليتولّك، وليتولّ بنيك الحسن والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمّداً، وعليّاً، والحسن، ثمّ المهدي، وهو خاتمهم وليكونن في آخر الزمان قوم يتولّونك يا عليّ يشنأهم الناس، ولو أحبّهم كان خيراً لهم لو كانوا يعلمون، يؤثرونك وولدك علي الاباء والاُمّهات والاخوة والاخوات، وعلي عشائرهم والقرابات صلوات الله عليهم أفضل الصلوات، اُولئك يحشرون تحت لواء الحمد، يجاوز عن سيّئاتهم، ويرفع درجاتهم جزاءً بما كانوا يعملون(٦٧٥).
١٥ - وعن أبي عبد الله الحسين بن عليّ بن سفيان البزوفري، عن علي بن سنان الموصلي العدل، عن علي بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن الخليل، عن جعفر ابن أحمد المصري، عن عمّه الحسن بن علي، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن أبيه الباقر، عن أبيه ذي الثفنات سيّد العابدين، عن أبيه الحسين الزكي الشهيد، عن أبيه أمير المؤمنين (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) - في الليلة التي كانت فيها وفاته - لعلّي (عليه السلام): يا أبا الحسن، أحضر صحيفة ودواة، فأملي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصيّته حتّى انتهي إلى هذا الموضع فقال: يا عليّ، إنّه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً، ومن بعدهم اثنا عشر مهديّاً، فأنت يا عليّ أوّل الاثني عشر إماماً، سمّاك الله تعالى في سمائه علياً المرتضى، وأمير المؤمنين، والصدّيق الاكبر، والفاروق الاعظم، والمأمون، والمهدي، فلا تصحّ هذه الاسماء لاحد غيرك.
يا علي، أنت وصيّي علي أهل بيتي حيّهم وميّتهم، وأنت خليفتي علي اُمّتي من بعدي، إذا حضرتك الوفاة فسلّمها إلى ابني الحسن البرّ الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكيّ المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه سيّد العابدين ذي الثفنات علي، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمّد الباقر، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه موسى الكاظم، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه علي الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمّد الثقة النقي، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه عليّ الناصح، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه الحسن الفاضل، فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمّد المستحفظ من آل محمّد، فذلك اثنا عشر إماماً(٦٧٦).
١٦ - وعن محمّد بن يعقوب، عن أبي علي الاشعري، عن الحسين بن عبد الله، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن الحسن بن سماعة، عن عليّ بن الحسن ابن رباط، عن ابن اُذينة، عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: الاثنا عشر إمام من آل محمّد كلّهم هم المحدّثون، ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وولد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فرسول الله وعلي هما الوالدان(٦٧٧).
١٧ - وعن محمّد بن يحيي، عن محمّد الحسين، عن مسعدة بن زياد، عن أبي عبد الله، ومحمّد بن الحسين، عن إبراهيم بن أبي يحيي المدني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنت حاضراً لمّا هلك أبو بكر واستخلف عمر، فأقبل يهودي من عظماء يثرب يزعم يهود المدينة أنّه أعلم أهل زمانه حتّى رُفع إلى عمر، فقال له: يا عمر، إنّي جئتك اُريد الاسلام، فإن خبّرتني عمّا أسألك عنه فأنت أعلم أصحاب هذا الكتاب والسنّة، وجميع ما اُريد أن أسأل عنه.
قال: فقال له عمر: إنّي لست هناك، لكنّي اُرشدك إلى من هو أعلم اُمّتنا بالكتاب والسنّة وجميع ما قد تسأل عنه، وهو ذاك، وأومأ إلى عليّ (عليه السلام).
فقال له اليهودي: يا عمر، إن كان هذا كما تقول، فما لك وبيعة الناس، وإنّما ذلك أعلمكم؟ فزبره عمر.
ثمّ إنّ اليهوديّ قام إلى عليّ (عليه السلام)، فقال: أنت كما ذكر عمر؟ فقال: وما قال عمر؟ فأخبره.
قال: فإن كنت كما قال عمر سألتك عن أشياء اُريد أن أعلم هل يعلمها أحد منكم، فأعلم أنّكم في دعواكم خير الاُمم وأعلمها صادقون، ومع ذلك أدخل في دينكم الاسلام.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): نعم أنا كما ذكر لك عمر، سل عمّا بدا لك اُخبرك عنه إن شاء الله تعالى.
قال: أخبرني عن ثلاثة وثلاثة وواحدة؟
قال له عليّ (عليه السلام): يا يهودي، لِمَ لَم تقل أخبرني عن سبع؟
فقال اليهودي: إنّك إن أخبرتني بالثلاث سألتك عن الثلاث، وإلاّ كففت، وإن أجبتني في هذه السبع فأنت أعلم أهل الارض وأفضلهم، وأولي الناس بالناس.
فقال: سل عمّا بدا لك يا يهودي.
قال: أخبرني عن أوّل حجر وضع علي وجه الارض، وأوّل شجرة غرست علي وجه الارض، وأوّل عين نبعت على وجه الارض؟ فأخبره أمير المؤمنين (عليه السلام).
ثمّ قال له اليهودي: فأخبرني عن هذه الاُمّة كم لها من إمام هدي، وأخبرني عن نبيّكم محمّد أين منزله في الجنّة، وأخبرني من معه في الجنّة؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّ لهذه الاُمّة اثني عشر إمام هدي من ذرية نبيّها وهم منّي، وأمّا منزل نبيّنا (صلى الله عليه وآله) في الجنّة فهو أفضلها وأشرفها جنّة عدن، وأمّا من معه في منزله منها فهؤلاء الاثنا عشر من ذرّيته واُمّهم وجدّتهم اُمّ اُمّهم وذراريهم لا يشركهم فيها أحد(٦٧٨).
١٨ - وعن محمّد بن يعقوب، عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام)، قال: أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعه الحسن بن علي (عليه السلام)، وهو متّكئ علي يد سلمان، فدخل المسجد الحرام، إذ أقبل رجل حسن الهيئة واللباس، فسلّم علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، فردّ عليه السلام فجلس.
ثمّ قال: يا أمير المؤمنين، أسألك عن ثلاث مسائل، إن أخبرتني بهن علمت أنّ القوم قد ركبوا من أمرك ما قضي عليهم، وأنّهم ليسوا بمأمونين في دنياهم وآخرتهم، وإن تكن الاُخري علمت أنّك وهم شرع سواء.
فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): سلني عمّا بدا لك.
قال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه، وعن الرجل كيف يذكر وينسي، وعن الرجل يشبه ولده الاعمام والاخوال؟
فالتفت أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الحسن (عليه السلام) فقال: يا أبا محمّد أجبه، فأجابه الحسن (عليه السلام)، فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلاّ الله، ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله ولم أزل أشهد بذلك، وأشهد أنّك وصيّ رسول الله والقائم بحجّته - وأشار إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) - ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنّك وصيّه والقائم بحجّته - وأشار إلى الحسن - وأشهد أنّ الحسين بن عليّ وصيّ أبيه والقائم بحجّته بعدك، وأشهد علي عليّ بن الحسين أنّه القائم بأمر الحسين بعده، وأشهد علي محمّد بن عليّ أنّه القائم بأمر عليّ بن الحسين، وأشهد علي جعفر بن محمّد أنّه القائم بأمر محمّد ابن علي، وأشهد علي موسى أنّه القائم بأمر جعفر بن محمّد، وأشهد علي عليّ بن محمّد أنّه القائم بأمر موسى بن جعفر، وأشهد علي محمّد بن عليّ أنّه القائم بأمر عليّ ابن موسى، وأشهد علي عليّ بن محمّد بأنّه القائم بأمر محمّد بن عليّ، وأشهد علي الحسن بن عليّ بأنّه القائم بأمر عليّ بن محمّد، وأشهد علي رجل من ولد الحسين ولا يكنّي ولا يسمّي حتّى يظهر أمره فيملاها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثمّ قام فمضي.
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا أبا محمّد اتبعه انظر أين يقصد.
فخرج الحسن (عليه السلام) فقال له: ما كان إلاّ أن وضع رجله خارجاً من المسجد، فما دريت أين أخذ من أرض الله، فرجعت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأعلمته.
فقال: يا أبا محمّد أتعرفه؟
فقلت: الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم، فقال (عليه السلام): هو الخضر (عليه السلام)(٦٧٩).
١٩ - وأخرج السيّد البحراني عن كتاب (الردّ علي الزيدية) للشيخ [أبي] عبد الله جعفر بن محمّد بن أحمد الدوريستي، من طريق المخالفين، بإسناده عن سليمان ابن إسحاق بن عليّ بن عبد الله بن العباس، قال: حدّثني أبي، قال: كنت يوماً عند الرشيد، فذُكر المهدي وما ذُكر من عدله، فاُطنب في ذلك.
فقال الرشيد: إنّي أحسبكم تحسبونه أبي المهدي، حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطّلب، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له: يا عمّ، يملك من ولدي اثنا عشر خليفة، ثمّ يكون اُمور كريهة وشدّة عظيمة، ثمّ يخرج المهدي من ولدي، يصلح الله أمره في ليلة، فيملا الارض عدلاً كما ملئت جوراً، ويمكث في الارض ما شاء الله، ثمّ يخرج الدجّال(٦٨٠).
٢٠ - وروي بالاسناد عن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) - في حديث - قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فإن خفتم تنازعاً في شيء فردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى اُولي الامر منكم.
قلت: ومن هم يا نبيّ الله؟
فقال (صلى الله عليه وآله): الاوصياء إلى أن يردوا عليّ الحوض، كلّهم هاد مهتد، لا يضرّهم خذلان من خذلهم، هم مع القرآن والقرآن معهم، لا يفارقونه ولا يفارقهم، بهم تنصر اُمّتي ويمطرون، ويدفع عنهم بمستجابات دعواتهم.
قلت: يا رسول الله سمّهم لي.
فقال (صلى الله عليه وآله): ابني هذا - ووضع يده علي رأس الحسن - ثمّ ابني هذا - ووضع يده علي رأس الحسين - ثمّ ابنٌ له علي اسمك يا علي، ثمّ ابن له اسمه محمّد بن علي، ثمّ أقبل علي الحسين فقال: سيولد محمّد بن علي في حياتك، فاقرأه منّي السلام، ثمّ تكمّله اثني عشر إماماً.
قلت: يا نبيّ الله سمّهم لي، فأسماهم رجلاً رجلاً منهم، والله يا أخا بني هلال مهدي اُمّة محمّد الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً(٦٨١).
٢١ - وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أنّه قال: إنّ الله اختار من أهل بيتي بعدي وهم خيار اُمّتي، أحدَ عشرَ إماماً بعد أخي، واحداً بعد واحد، كلّما هلك واحد قام واحد، مثلهم كمثل نجوم السماء، كلّما غاب نجم طلع نجم.
إنّهم هداة مهديّون، لا يضرّهم كيد من كادهم، ولا خذلان من خذلهم، بل يضرّ الله بذلك من كادهم وخذلهم، هم حجج الله في أرضه، وشهداؤه علي خلقه، من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصي الله، هم مع القرآن والقرآن معهم، لا يفارقهم ولا يفارقونه حتّى يردوا عليّ حوضي، أوّل الائمة علي خيرهم، ثمّ ابني الحسن، ثمّ ابني الحسين، ثمّ تسعة من ولد الحسين(٦٨٢).
٢٢ - وروي بالاسناد عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) - في حديث - أنّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألا إنّ الرضا والرضوان والحبّ لمن أحبّ علياً وتولاّه وائتمّ به وبفضله وبأوصيائي بعده، وحقّ علي ربّي أن يستجيب لي فيهم، إنّهم اثني عشر وصيّاً(٦٨٣).
٢٣ - وبالاسناد عن عبد خيّر، قال: سمعت أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) يقول: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي، الائمة الراشدون المهتدون المعصومون من ولدك أحد عشر إماماً، وأنت أوّلهم، وآخرهم اسمه اسمي، يخرج فيملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يأتيه الرجل والمال كدوس، فيقول: يا مهدي أعطني. فيقول: خذ(٦٨٤).
٢٤ - وروي الخزّاز بالاسناد عن جابر بن يزيد الجعفي، عن محمّد بن علي الباقر، عن علي بن الحسين زين العابدين، قال: قال الحسن بن علي (عليه السلام): الائمة عدد نقباء بني إسرائيل، ومنّا مهدي هذه الاُمّة(٦٨٥).
٢٥ - وروي بالاسناد عن جنادة بن أبي اُميّة، قال: دخلت علي الحسن بن عليّ (عليه السلام) في مرضه الذي توفّي فيه وبين يديه طست يقذف فيه الدم ويخرج كبده قطعة قطعة من السمّ الذي سقاه معاوية، فقلت: يا مولاي، ما لك لا تعالج نفسك؟!
فقال: يا عبد الله، بماذا اُعالج الموت؟
قلت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
ثمّ التفت إلى وقال: والله إنّه لعهد عهده إلينا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أنّ هذا الامر يملكه اثنا عشر إماماً من ولد علي وفاطمة (عليهما السلام)، ما منّا إلاّ مسموم أو مقتول(٦٨٦).
٢٦ - وروي زرارة، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، أنّه قال: الاثنا عشر الائمة من آل محمّد كلّهم محدّث، علي بن أبي طالب وأحد عشر من ولده، ورسول الله وعليّ هما الوالدان، صلى الله عليهما(٦٨٧).
٢٧ - وروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّه قال: الائمة اثنا عشر إماماً، منهم الحسن والحسين، ثمّ الائمة من ولد الحسين (عليهم السلام)(٦٨٨).
٢٨ - وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: قال لي: يا عليّ، إذا تمّ من ولدك أحد عشر إماماً، فالحادي عشر منهم المهدي من أهل بيتي(٦٨٩).
٢٩ - وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لامير المؤمنين (عليه السلام): يا عليّ، إنّي مزوّجك فاطمة ابنتي سيّدة نساء العالمين، وأحبّهن إلى بعدك، وكائن منكما سيّدا شباب أهل الجنّة، والشهداء المضرّجون المقهورون في الارض من بعدي، والنجباء الزُهر الذين يطفي الله بهم الظلم، ويحيي بهم الحقّ، ويميت الباطل، عدّتهم عدّة أشهر السنّة، آخرهم يصلّي عيسى بن مريم (عليه السلام) خلفه(٦٩٠).
٣٠ - وروي الحسن بن عباس، عن أبي جعفر الثاني، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاصحابه: آمنوا بليلة القدر، فإنّه ينزل فيها أمر السنة، وإنّ لذلك ولاة من بعدي، عليّ بن أبي طالب وأحد عشر من ولده(٦٩١).
٣١ - وذكر في السفر الاوّل من التوراة قصّة إسماعيل (عليه السلام) بعد انقضاء قصّة سارة وما خاطب الله به إبراهيم (عليه السلام) في أمرها وولدها، قوله عزّ وجلّ: وقد أجبت دعاءك في إسماعيل، وقد سمعتك ما باركته: وسأكثره جدّاً جدّاً، وسيلد اثنا عشر عظيماً، أجعلهم أئمة كشعب عظيم(٦٩٢).
٣٢ - وقال الشيخ محمّد بن إبراهيم النعماني: أقرأني عبد الحكيم بن الحسن السمري (رحمه الله) ما أملاه عليه رجل من اليهود باُرّجان، يقال له الحسن بن سليمان، من علماء اليهود [بالتوراة] من أسماء الائمة (عليهم السلام) بالعبرانية وعدّتهم، وكان فيها قراءة: أنّه يبعث من ولد إسماعيل - واسم إسماعيل في التوراة إشموعيل - يسمّي مابد، يعني محمّداً (صلى الله عليه وآله) سيّداً، ويكون من آله اثنا عشر رجلاً أئمة وسادة يقتدي بهم.
إلى أن قال: وتفسير هذا الكلام أنّه يخرج من صلب إسماعيل ولد مبارك، عليه صلاتي وعليه رحمتي، يلد من آله اثنا عشر رجلاً يرتفعون ويجلون، ويرتفع اسم هذا الرجل ويجلّ ويعلو ذكره.
قال: وقرئ هذا الكلام والتفسير علي موسى بن عمران بن زكريا اليهودي فصحّحه، وقال فيه إسحاق بن إبراهيم بن يحسون اليهودي مثل ذلك(٦٩٣).
٣٣ - وروي ابن شاذان بالاسناد عن عبد الله بن أبي أوفي، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: لمّا فُتِحَتْ خيبر قالوا له: إنّ بها حبراً قد مضي له من العمر مائة سنة، وعنده علم التوراة، فاُحضر بين يديه، وقال له: أصدقني بصورة ذكري في التوراة، وإلاّ ضربت عنقك.
قال: فانهملت عيناه بالدموع، وقال له: إن صدقتك قتلني قومي، وإن كذبتك قتلتني. فقال له: قل وأنت في أمان الله وأماني.
قال: إنّ في سِفر من أسفار التوراة اسمك ونعتك وأتباعك، وأنّك تخرج من جبل فاران، وهو جبل عرفات، وينادي باسمك علي كلّ منبر، فرأيت في علامتك بين كتفيك خاتماً تختم به النبوّة، أي لا نبيّ من بعدك، ومن ولدك أحد عشر سبطاً يخرجون من ابن عمّك، واسمه علي، ويبلغ ملكك المشرق والمغرب وتفتح خيبر وتقلع بابها، ثمّ يعبر الجيش على الكفّ والزند، فإن كان فيك هذه الصفات آمنت بك وأسلمت علي يدك.
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أيّها الحبر، أمّا الشامة فهي لي، فكشفها، وأمّا العلامة فهي لناصري عليّ بن أبي طالب.
قال: فالتفت إليه الحبر وإلى عليّ (عليه السلام) وقال: أنت قاتل مرحب الاعظم؟ قال عليّ (عليه السلام): بل الاحقر، أنا جندلته بقوّة الله وحوله، وأنا معبّر الجيش علي زندي وكفّي.
قال: فعند ذلك قال: مدّ يدك، فأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، وأنّك معجزته، وأنّه يخرج منك أحد عشر نقيباً، فإنّهم كنقباء بني إسرائيل أبناء يعقوب، فاكتب لي عهداً لقومي، فكتب له بذلك عهداً(٦٩٤).
٣٤ - وروي ابن عياش في المقتضب بالاسناد عن أبي موزج حاجب بن سليمان، قال: لقيت ببيت المقدس عمران بن خاقان الوافد إلى المنصور، المنصوب علي يهود الجزيرة وغيرها، وقد أسلم علي يده، وكان قد حجّ اليهود ببيانه وعلمه، وكانوا لا يستطيعون جحده لما في التوراة من علامات رسول الله (صلى الله عليه وآله) والخلفاء من بعده. فقال لي يوماً: يا أبا موزج، إنّا نجد في التوراة ثلاثة عشر اسماً، منها محمّد واثني عشر من بعده من أهل بيته، هم أوصياؤه وخلفاؤه، مذكورون في التوراة، ليس فيهم القائمون بعده من تيم ولا عدي ولا بني اُميّة، وإنّي لاظنّ ما تقوله هذه الشيعة حقّاً(٦٩٥).
٣٥ - وروي القندوزي الحنفي بالاسناد عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: قدم يهودي يقال له نعثل فقال: يا محمّد أسألك عن أشياء تلجلج في صدري، إلى أن قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ وصيّي عليّ بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين.
قال: يا محمّد، فسمّهم لي. قال: إذا مضي الحسين فابنه علي، فإذا مضي علي فابنه محمّد، فإذا مضي محمّد فابنه جعفر، فإذا مضي جعفر فابنه موسى، فإذا مضي موسى فابنه علي، فإذا مضي علي فابنه محمّد، فإذا مضي محمّد فابنه علي، فإذا مضي علي فابنه الحسن، فإذا مضي الحسن فابنه الحجّة محمّد المهدي، فهؤلاء اثنا عشر.
إلى أن قال: وأنّ الثاني عشر من ولدي يغيب حتّى لا يُري، ويأتي علي اُمّتي بزمن لا يبقي من الاسلام إلاّ اسمه، ولا يبقي من القرآن إلاّ رسمه، فحينئذ يأذن الله تبارك وتعالى له بالخروج، فيظهر الله الاسلام به ويجدده(٦٩٦).
٣٦ - وروي بالاسناد عن جابر بن عبد الله الانصاري، قال: دخل جندل ابن جنادة بن جبير اليهودي علي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وساق الحديث إلى أن قال: فقال جنادة: أخبرني يا رسول الله عن أوصيائك من بعدك لاتمسّك بهم. قال: أوصيائي اثنا عشر، قال جندل: هكذا وجدناهم في التوراة. وقال: يا رسول الله، سمّهم لي. فقال: أوّلهم سيّد الاوصياء أبو الائمة علي، ثمّ ابناه الحسن والحسين، فاستمسك بهم، ولا يغرّنك جهل الجاهلين، فإذا ولد عليّ بن الحسين زين العابدين يقضي الله عليك، ويكون آخر زادك من الدنيا شربة لبن تشربه.
فقال جندل: وجدناه في التوراة وفي كتب الانبياء إيليا وشبراً وشبيراً، فهذه أسماء علي والحسن والحسين فمن بعد الحسين؟ وما أسماؤهم؟ قال: إذا انقضت مدّة الحسين فالامام ابنه علي ويلقّب بزين العابدين، فبعده ابنه محمّد يلقّب بالباقر، فبعده ابنه جعفر يدعي بالصادق، فبعده ابنه موسى يدعي بالكاظم، فبعده ابنة علي يدعي بالرضا، فبعده ابنه محمّد يدعي بالتقي والزكي، فبعده ابنه علي يدعي بالنقي والهادي، فبعده ابنه الحسن يدعي بالعسكري، فبعده ابنه محمّد يدعي بالمهدي والقائم والحجّة، فيغيب ثمّ يخرج، فإذا خرج يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، طوبي للصابرين في غيبته، طوبي للمتّقين علي محبّتهم، اُولئك الذين وصفهم الله في كتابه وقال: (هُدَيً لِلمُتَّقينَ الَّذينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبَ)، ثمّ قال تعالى: (اُوْلَئِك حِزْبَ اللهَ ألا إنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحونَ)(٦٩٧).
٣٧ - وروي الحموئي في فرائد السمطين بالاسناد عن عبد الله بن عباس (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا سيّد النبيّين، وعليّ بن أبي طالب سيّد الوصيّين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وآخرهم المهدي(٦٩٨).
٣٨ - وروي بإسناده عن ابن عباس (رضي الله عنه) أيضاً، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج الله علي الخلق بعدي الاثنا عشر، أوّلهم أخي وآخرهم ولدي.
قيل: يا رسول الله، ومن أخوك؟ قال: عليّ بن أبي طالب. قيل: فمن ولدك؟ قال: المهدي الذي يملاها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقّ بشيراً لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي، ينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلّي خلفه، وتشرق الارض بنور ربّها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب(٦٩٩).
في حجية هذه الاخبار
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله) بعد إيراده الاخبار التي تنص علي إمامة الائمة الاثني عشر (عليهم السلام):
(فإن قيل:) دلّوا أوّلاً علي صحّة هذه الاخبار، فإنّها آحاد لا يعوّل عليها فيما طريقه العلم، وهذه مسألة علميّة، ثمّ دلّوا علي أنّ المعني بها من تذهبون إلى إمامته، فإنّ الاخبار التي رويتموها عن مخالفيكم وأكثر ما رويتموها من جهة الخاصّة، إذا سلّمت، فليس فيها صحّة ما تذهبون إليه، لأنّها تتضمّن العدد فحسب ولا تتضمّن غير ذلك، فمن أين لكم أنّ أئمّتكم هم المرادون بها دون غيرهم؟
(قلنا:) أمّا الذي يدلّ علي صحّتها، فإنّ الشيعة الامامية يروونها علي وجه التواتر خلفاً عن سلف، وطريقة تصحيح ذلك موجودة في كتب الامامية والنصوص علي أمير المؤمنين (عليه السلام)، والطريقة واحدة.
(وأيضاً) فإنّ نقل الطائفتين المختلفتين المتباينتين في الاعتقاد يدلّ علي صحّة ما قد اتّفقوا علي نقله، لانّ العادة جارية أنّ كلّ من اعتقد مذهباً، وكان الطريق إلى صحّة ذلك النقل، فإنّ دواعيه تتوفّر إلى نقله، وتتوفّر دواعي من خالفه إلى إبطال ما نقله أو الطعن عليه، والانكار لروايته، بذلك جرت العادات في مدائح الرجال وذمّهم وتعظيمهم والنقص منهم، ومتى رأينا الفرقة المخالفة لهذه الفرقة قد نقلت مثل نقلها ولم تتعرّض للطعن علي نقله ولم تنكر متضمّن الخبر، ودلّ ذلك علي أنّ الله تعالى قد تولّي نقله وسخّرهم لروايته، وذلك دليل علي صحّة ما تضمّنه الخبر.
(وأمّا الدليل) علي أنّ المراد بالاخبار والمعني بها أئمّتنا (عليهم السلام)، فهو أنّه إذا ثبت بهذه الاخبار أنّ الامامة محصورة في الاثني عشر إماماً، وأنّهم لا يزيدون ولا ينقصون، ثبت ما ذهبنا إليه، لانّ الاُمّة بين قائلين: قائل يعتبر العدد الذي ذكرناه، فهو يقول: إنّ المراد بها من يذهب إلى إمامته، ومن خالف في إمامتهم لا يعتبر هذا العدد، فالقول مع اعتبار العدد أنّ المراد غيرهم، خروج عن الاجماع، وما أدّي إلى ذلك وجب القول بفساده(٧٠٠).
خامساً - الدلالات
لا ريب أنّ الامامة هي رئاسة عامّة في اُمور الدين والدنيا، وإنّها امتداد للوجود النبويّ المقدّس وحفظ لعهده ووصاياه وحماية لامانته وقيام برسالته، ولهذا فإنّ الامام يتميّز بصفات ودلالات تميّزه عن غيره من سائر البشر، منها النص علي إمامته، والاستقامة وسلامة النشأة، والسبق في العلم والحكمة، والنسب الرفيع، والمعجزة.
ومرادنا من الدلالات هنا العلامات التي تدلّ علي إمامة الامام، ولقد كان شيعة أهل البيت (عليهم السلام) يدقّقون كثيراً في هذا الامر، سيّما في أيام المحنة والتقيّة والظروف القاسية، فقد كانوا لا يسلّمون الاموال من الحقوق المترتّبة عليهم إلى الامام إلاّ بعد أن يروا الدلالة أو العلامة، وتأكدت هذه المسألة في زمان الغيبة الصغرى بشكل أكثر بسبب غيبة الامام (عليه السلام) وحيرة الناس.
قال الشيخ قطب الدين الراوندي: وكانت الاموال تحمل إلى بغداد إلى النوّاب المنصوبين بها، وتخرج من عندهم التوقيعات، أوّلهم وكيل أبي محمّد (عليه السلام) الشيخ عثمان بن سعيد العمري، ثمّ ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان، ثمّ أبو القاسم الحسين ابن روح، ثمّ الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمّد السمري، ثمّ كانت الغيبة الطولي، وكانوا كلّ واحد منهم يعرف كميّة المال جملةً وتفصيلاً، ويسمّون أربابها بأعلامهم ذلك من القائم (عليه السلام)(٧٠١).
وفي ما يلي بعض الاخبار التي توضّح دقّة الشيعة في معرفة الامام وتأكيدهم علي المطالبة بالدلالة.
١ - عن أحمد بن محمّد الدينوري السرّاج، قال: انصرفت من أردبيل(٧٠٢) إلى الدينور(٧٠٣) اُريد الحجّ، وذلك بعد مضيّ أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليه السلام) بسنة، أو سنتين، وكان الناس في حيرة، فاستبشر أهل الدينور بموافاتي، واجتمع الشيعة عندي، فقالوا: قد اجتمع عندنا ستّة عشر ألف دينار من مال الموالي، ونحتاج أن تحملها معك، وتسلّمها بحيث يجب تسليمها.
قال: فقلت: يا قوم، هذه حيرة، ولا نعرف الباب في هذا الوقت.
قال: فقالوا: إنّما اخترناك لحمل هذا المال لما نعرف من ثقتك وكرمك، فاحمله علي ألاّ تخرجه من يديك إلاّ بحجّة.
قال: فقبضت منهم المال والتخوت بما فيها من الثياب، فلمّا وردت بغداد لم يكن لي همّة غير البحث عمّن اُشير إليه بالنيابة، فقيل لي: إنّ ها هنا رجلاً يعرف بالباقطاني يدّعي بالنيابة، وآخر يعرف بإسحاق الاحمر يدّعي بالنيابة، وآخر يعرف بأبي جعفر العمري يدّعي بالنيابة.
قال: فبدأت بالباقطاني، فصرت إليه، فوجدته شيخاً بهيّاً، له مروءة ظاهرة، وفرس عربي، وغلمان كثيرة، ويجتمع عنده الناس يتناظرون، قال: فدخلت إليه وسلّمت عليه، فرحّب وقرّب وبرّ وسرّ.
قال: فأطلت القعود إلى أن خرج أكثر الناس، قال: فسألني عن حاجتي، فعرّفته أنّي رجل من أهل الدينور، ومعي شيء من المال، أحتاج أن اُسلّمه.
قال: فقال لي: احمله.
قال: فقلت: اُريد حجّة.
قال: تعود إلى في غد.
قال: فعدت إليه في الغد، فلم يأتِ بحجّة، وعدت إليه في اليوم الثالث فلم يأتِ بحجّة.
قال: فصرت إلى إسحاق الاحمر، فوجدته شابّاً نظيفاً، منزله أكبر من منزل الباقطاني، وفرسه ولباسه ومروءته أسري، وغلمانه أكثر، ويجتمع عنده من الناس أكثر ممّا يجتمعون عند الباقطاني، قال: فدخلت وسلّمت، فرحّب وقرّب، قال: فصبرت إلى أن خفّ الناس، قال: فسألني عن حاجتي، فقلت كما قلت للباقطاني، وعدت إليه بعد ثلاثة أيام فلم يأت بحجّة.
قال: فصرت إلى أبي جعفر العمري، فوجدته شيخاً متواضعاً، عليه مبطنة بيضاء، قاعد علي لِبد(٧٠٤)، في بيت صغير، ليس له غلمان، وليس له ما وجدت لغيره، قال: فسلّمت عليه، فردّ جوابي وأدناني، وبسط منّي(٧٠٥)، ثمّ سألني عن حالي، فعرّفته أنّي وافيت من الجبل، وحملت مالاً.
قال: فقال: إن أحببت أن تصل هذا الشيء إلى من يجب أن يصل إليه يجب أن تخرج إلى سرّ من رأي، وتسأل عن دار ابن الرضا، وعن فلان بن فلان الوكيل، وكانت دار ابن الرضا عامرة بأهلها، فإنّك تجد هناك ما تريد.
قال: فخرجت من عنده، ومضيت نحو سرّ من رأي، وصرت إلى دار ابن الرضا، وسألت عن الوكيل، فذكر البوّاب أنّه مشتغل في الدار، وأنّه يخرج آنفاً، فقعدت علي الباب أنتظر خروجه، فخرج بعد ساعة، فقمت وسلّمت عليه، وأخذ بيدي إلى بيت كان له، وسألني عن حالي، وعمّا وردت له، فعرّفته أنّي حملت شيئاً من المال من ناحية الجبل وأحتاج أن اُسلّمه بحجّة.
قال: فقال: نعم، ثمّ قدّم إلى طعاماً، وقال لي: تغدّي بهذا واسترح، فإنّك تَعِب، وإنّ بيننا وبين الصلاة ساعة، فإنّي أحمل إليك ما تريد، قال: فأكلت ونمت، فلمّا كان وقت الصلاة نهضتُ وصلّيت... فجاءني ومعه دَرْج(٧٠٦) فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم. وافي أحمد بن محمّد الدينوري، وحمل ستّة عشر ألف دينار، وفي كذا وكذا صُرّة، فيها صُرّة فلان بن فلان كذا وكذا ديناراً، وصُرّة فلان بن فلان كذا وكذا ديناراً - إلى أن عدّ الصُّرر كلّها - وصرّة فلان بن فلان الذرّاع ستّة عشر ديناراً).
ثمّ ذكر: (قد حمل من قرميسين من عند أحمد بن الحسن المادرائي أخي الصوّاف كيساً فيه ألف دينار، وكذا وكذا تختاً ثياباً، منها ثوب فلاني، وثوب لونه كذا...) حتّى نسب الثياب إلى آخرها بأنسابها وألوانها.
قال: فحمدت الله وشكرته علي ما منّ به عليّ من إزالة الشك عن قلبي، وأمر بتسليم جميع ما حملته إلى حيث ما أمرني أبو جعفر العمري.
قال: فانصرفت إلى بغداد وصرت إلى أبي جعفر العمري، فوردت رقعة علي أبي جعفر العمري من مولانا (صلوات الله عليه) ومعه دَرْج مثل الدرج الذي كان معي، فيه ذكر المال والثياب، وأمر أن يسلّم جميع ذلك إلى أبي جعفر محمّد بن أحمد ابن جعفر القطّان القمّي.
قال: فلبس أبو جعفر العمري ثيابه، وقال لي: احمل ما معك إلى منزل محمّد ابن أحمد بن جعفر القطّان. قال: فحملت المال والثياب إلى منزله، وسلّمتها، وخرجت إلى الحجّ.
فلمّا انصرفت إلى الدينور اجتمع عندي الناس، فأخرجت الدرج الذي أخرجه وكيل مولانا (صلوات الله عليه) إليّ، وقرأته علي القوم، فلمّا سمع ذكر الصُرّة باسم الذرّاع، سقط صاحبُها مغشياً عليه، فما زلنا نعلّله حتّى أفاق، فلمّا أفاق سجد شكراً لله عزّ وجلّ، وقال: الحمد لله الذي منّ علينا بالهداية، الان علمت أنّ الارض لا تخلو من حجّة، هذه الصرّة دفعها والله إلى هذا الذرّاع، ولم يقف علي ذلك إلاّ الله عزّ وجلّ(٧٠٧)، الحديث.
٢ - وروي الشيخ قطب الدين الراوندي، عن علاّن الكليني، قال: حدّثنا الاعلم المصري، عن أبي الرجاء المصري - وكان أحد الصالحين - قال: خرجت في الطلب(٧٠٨) بعد مضيّ أبي محمّد (عليه السلام)، فقلت في نفسي: لو كان شيء لظهر بعد ثلاث سنين، فسمعت صوتاً ولم أرَ شخصاً: يا نصر بن عبد ربّه، قل لاهل مصر: هل رأيتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فآمنتم به؟ قال أبو الرجاء: ولم أعلم أنّ اسم أبي عبد ربّه، وذلك أنّي ولدت بالمدائن، فحملني أبو عبد الله النوفلي إلى مصر، فنشأت بها، فلمّا سمعت الصوت لم اُعرّج علي شيء وخرجت(٧٠٩).
وسيأتي ما يدلّ علي ما ذكرناه طرفاً من الاحاديث والاخبار في الفصل العاشر عند ذكر معجزاته وكراماته (عليه السلام).
سادساً - الدليل العقلي
إذا غضضنا الطرف عن الادلّة السمعية المتمثّلة بالنصوص الحديثية علي الائمة (عليهم السلام)، والادلّة الاُخري التي ذكرناها آنفاً والتي خلصنا من خلالها إلى وجوب الامامة في كلّ عصر، فإنّ العقل يدلّ أيضاً علي وجوبها، ليكون الناس أقرب إلى وقوع الصلاح، وعليه فإنّ العقل يدلّنا علي وجوب إمامة الحجّة (عليه السلام).
وفي ما يلي تحقيق للشيخ الطوسي (رحمه الله) في كتابه (الاقتصاد) حول الدليل العقلي.
قال (رحمه الله):
المخالف في وجوب الامامة طائفتان أحدهما يخالف في وجوبها عقلاً، والاخر يخالف في وجوبها سمعاً، والمخالف في وجوبها سمعاً شاذّ لا يعتدّ به لشذوذه، لأنّه لا يعرف قائل به، وعلماء الاُمّة المعروفون مجمعون علي وجوب الامامة سمعاً، والخلاف القوي في وجوب الامامة عقلاً، فإنّه لا يقول بوجوبها عقلاً غير الامامية والبغداديين من المعتزلة، وجماعة من المتأخّرين، والباقون يخالفون في ذلك ويقولون المرجع فيه إلى السمع.
ولنا في الكلام بوجوب الامامة عقلاً طريقان:
أحدهما: أن نبيّن وجوبها عقلاً، سواء كان هناك شرع أو لم يكن.
وثانيها: أن نبيّن أنّ مع وجود الشرع لا بدّ من إمام له صفة مخصوصة لحفظ الشرع باعتبار عقلي.
دليل الطريقة الاُولي:
والذي يدلّ علي الطريقة الاُولي أنّه قد ثبت أنّ الناس متى كانوا غير معصومين ويجوز منهم الخطأ وترك الواجب، إذا كان لهم رئيس مطاع منبسط اليد، يردع المعاند، ويؤدّب الجاني، ويأخذ علي يد السفيه والجاهل وينتصف للمظلوم من الظالم، كانوا إلى وقوع الصلاح وقلّة الفساد أقرب، ومتى خلوا من رئيس علي ما وصفناه وقع الفساد وقلّ الصلاح ووقع الهرج والمرج وفسدت المعائش.
بهذا جرت العادة وحكم الاعتبار.
إلى أن قال:
دليل الطريقة الثانية:
وأمّا الطريقة الثانية، وهو أنّه لا بدّ من إمام بعد ورود الشرع، فإنّه إذا ثبت أنّ شريعة نبيّنا (عليه السلام) مؤبّدة إلى يوم القيامة، وأنّ من يأتي فيما بعد يلزمه العمل بها، كما لزم من كان في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فلا بدّ من أن تكون علّتهم مزاحة، كما كانت علّة من شاهد النبيّ (صلى الله عليه وآله) مزاحة. ولا تكون العلّة مزاحة إلاّ بأن تكون الشريعة محفوظة. فلا تخلو من أن تكون محفوظة بالتواتر، أو الاجماع، أو الرجوع إلى أخبار الاحاد، أو القياس، أو بوجود معصوم عالم بجميع الاحكام في كلّ عصر، يجري قوله مثل قول النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فإذا أفسدنا الاقسام كلّها إلاّ وجود معصوم، ثبت أنّه لا بدّ من وجوده في كلّ وقت.
إلى أن قال:
فإن قيل: يلزم علي هذا أن يكون من لا يعرف الامام لا يعرف أحكام الشرع، والمعلوم خلافه؟
قلنا: من لا يعرف الامام لا يجوز أن يعرف من الشريعة إلاّ ما تواتر النقل به، أو دلّ دليل قاطع عليه من ظاهر قرآن، أو اجتمعت الاُمّة عليه، فأمّا ما عدا ذلك فإنّه لا يعلمه، وإن اعتقده فإنّما يعتقده اعتقاداً ليس بعلم، فلم يخرج من موجب الدلالة.
والشرع يصل إلى من هو في البلاد البعيدة، وفي زمن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أو الامام بالنقل المتواتر الذي من ورائه حافظ معصوم، ومتى انقطع دونهم أو وقع فيه تفريط، تلافاه حتّى يصل إليهم، وينقطع عذرهم.
فأمّا إذا فرضنا النقل بلا حافظ معصوم من وراء الناقلين، فإنّا لا نثق بأنّه وصل جميعه، وجوّزنا أن يكون وقع فيه تقصير أو كتمان لشبهة أو تعمّد، وإنّما نأمن من وقوع شيء منه لعلمنا أنّ من ورائه معصوماً متى وقع خلل تلافاه، وهذه حالنا في زمن الغيبة، فإنّا متى علمنا بقاء التكليف، وعلمنا استمرار الغيبة، علمنا أنّ عذرنا منقطع ولطفنا حاصل، لأنّه لو لم يكن حاصلاً لسقط التكليف، أو أظهر الله الامام ليبيّن لنا ما وقع فيه من الخلل، فلا يمكن التسوية بين نقل من ورائه معصوم، وبين نقل ليس من ورائه ذلك، فسقط الاعتراض(٧١٠).
سابعاً - اثبات النص على إمامته من طريق الاعتبار
قال العلاّمة الطبرسي: إذا ثبت بالدليل العقلي وجوب الامامة، واستحالة أن يخلي الحكيم سبحانه عباده المكلّفين وقتاً من الاوقات من وجود إمام معصوم من القبائح كامل غني عن رعاياه في العلوم ليكونوا بوجوده أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد، وثبت وجوب النص علي من هذه صفته في الانام أو ظهور المعجز الدالّ عليه المميّز له عمّن سواه، وعدم هذه الصفات من كلّ أحد بعد وفاة أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكري ممّن ادّعيت الامامة له في تلك الحال سوي من أثبت إمامته أصحابه (عليه السلام) وهو ابنه القائم مقامه ثبتت إمامته، وإلاّ أدّي إلى خروج الحقّ عن أقوال الاُمّة، وهذا الامر لا يحتاج معه في الامامة إلى رواية النصوص وتعداد ما جاء فيها من الروايات والاخبار لقيامه بنفسه في قضيّة العقل وثبوته بصحيح الاعتبار علي أنّه قد سبق النص عليه من النبيّ (صلى الله عليه وآله) ثمّ من أمير المؤمنين، ثمّ من الائمة واحداً بعد واحد إلى أبيه (عليهم السلام) وإخبارهم بغيبته قبل وجوده وبدولته بعد غيبته(٧١١).

الفصل السادس: المهدي عليه السلام في حديث العامة

لقد زخرت كتب الحديث والسيرة والفضائل بمزيد من الاحاديث التي أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيها اُمّته فوقعت طبقاً لاحاديثه (صلى الله عليه وآله)، وكان من الاُمور المستقبلية التي أخبر عنها الرسول (صلى الله عليه وآله) ولم تقع لحدّ الان، هي ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، وقيام دولته دولة العدل والحقّ، فيملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
وقد روي أحاديث المهدي (عليه السلام) جماعة من محدّثي السنّة في صحاحهم ومسانيدهم كالترمذي وأبي داود والحاكم وابن ماجة وأسندوها إلى جماعة من الصحابة كأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وطلحة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، واُمّ سلمة وغيرهم ممّن سمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يردّد حديث مهدي أهل البيت (عليهم السلام) ويبشّر بظهوره.
قال الشيخ عبد المحسن العبّاد(٧١٢) في محاضرة له بعنوان (عقيدة أهل السنّة والاثر في المهدي المنتظر) نشرت في مجلّة الجامعة الإسلامية(٧١٣): أخبر الرسول اُمّته عن الاُمم الماضية بأخبار لا بدّ من التصديق بها، وأنّها وقعت وفق خبره (صلى الله عليه وآله)، كما أخبر عن اُمور مستقبلية لا بدّ من التصديق بها، والاعتقاد أنّها ستقع علي وفق ما جاء عنه (صلى الله عليه وآله) وما من شيء يقرّب إلى الله تعالى إلاّ وقد دلّ الاُمّة عليه، ورغّبها فيه، وما من شرّ إلاّ حذّرها منه.
إنّ من بين الاُمور المستقبلية التي تجري في آخر الزمان، عند نزول عيسى بن مريم (عليه السلام) من السماء، هو خروج رجل من أهل بيت النبوّة، من ولد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، يوافق اسمه اسم الرسول (صلى الله عليه وآله) ويقال له المهدي، يتولّي إمرة المسلمين، ويصلّي عيسى بن مريم (عليه السلام) خلفه، وذلك لدلالة الاحاديث المستفيضة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) التي تلقّتها الاُمّة بالقبول، واعتقدت موجبها إلاّ من شذّ منها(٧١٤).
فالايمان بوجود الإمام المهدي (عليه السلام) عقيدة إسلامية يؤمن بها المسلمون جميعاً، وليست فكرة شيعية ولّدتها ظروف الكبت والارهاب والبؤس، للتخفيف عن النفوس التي أرهقها الظلم والتسلّط، كما يحلو للبعض التجنّي علي العقائد الاسلامية والتنكر لسنّة الرسول (صلى الله عليه وآله).
وذكر الدكتور أحمد صبحي في كتابه (نظرية الامامة) أنّه قد شاع الاعتقاد في انتظار المهدي (عليه السلام) عند جماعة من أهل السنّة، وإن لم يتقرّر كأصل من اُصول عقيدتهم كما هو الحال لدي الشيعة، بعد أن تحدّث فيه بعض علمائهم كالكنجي الشافعي في كتابه (البيان في أخبار صاحب الزمان) والسيوطي في كتابه (العرف الوردي) وابن حجر الهيثمي في كتابه (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر) ويوسف بن يحيي الدمشقي في (عقد الدرر في أخبار الامام المنتظر).
ومضى يقول: وشارك في الاعتقاد بالمهدي المنتظر فريق آخر من علماء السنّة بالرغم من عدائهم التقليدي للشيعة وإنكارهم لاكثر عقائدهم، فيعتقد ابن تيمية بصحّة الحديث الذي رواه ابن عمر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) وجاء فيه: يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته كنيتي، يملا الارض عدلاً كما ملئت جوراً وذلك هو المهدي.
وفي حديث آخر له: المهدي من عترتي ومن ولد فاطمة، كما يري أنّ ما رواه أحمد والترمذي وأبو داود حول المهدي (عليه السلام) من الصحاح(٧١٥).
قال السيّد عبد الله شبّر: اعلم أنّه قد ورد في روايات متواترة وأحاديث متضافرة، البشارة بالمهدي (عليه السلام)، وبأنّه تكون له غيبة من طرق العامة والخاصة، وقد روي ذلك من العامة البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، ومؤلف جامع الاُصول وغيرهم.
وقد ورد في كتب العامّة المعتبرة والاُصول المقرّرة من الروايات في القائم المهدي (عليه السلام) ما يزيد علي ألف حديث، وفي الصواعق المحرقة لابن حجر في أحوال العسكري (عليه السلام) ما لفظه: ولم يخلّف غير ولده أبي القاسم محمّد الحجّة (عليه السلام)، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة، وسمّي القائم المنتظر، قيل لأنّه (عليه السلام) ستر بالمدينة وغاب، ولم يعرف أين ذهب، وذكر نحو ذلك غيره من العامّة، كابن خلكان، وصاحب الفصول المهمّة، ومطالب السؤول، وشواهد النبوّة(٧١٦).
المنكرون لأحاديث المهدي
إنّ الاعتقاد بظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان هو من الاُمور الثابتة في قطعيّ السنّة، وهو من الحقّ الذي لا يمكن العدول عنه أو التردّد فيه أو إنكاره، إذ أنّ عمدة أهل العلم في إثبات ذلك إنّما يرجع إلى الاحاديث الواردة عن الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولا مجال للرأي فيها، لانّ سبيلها من لا ينطق عن الهوي إن هو إلاّ وحي يوحي، ولأنّها من الاُمور التي لا تزال بظهر الغيب.
ولم ينكر أحاديث المهدي (عليه السلام) أحدٌ من علماء العامة المتقدّمين إلاّ من لا يعتدّ به أو من لم يكن من أهل العناية بالحديث، ممّن تمسّكوا بذرائع واهية، أهمّها خلوّ صحيح البخاري ومسلم من أحاديث المهدي (عليه السلام)، ومن هؤلاء أبو محمّد بن الوليد البغدادي، الذي تمسّك بحديث ضعيف منكر مفاده أن لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم، ومنهم ابن خلدون الذي ضعّف بعض أحاديث المهدي (عليه السلام) الواردة في كتب العامّة.
وتابع ابن الوليد البغدادي وابن خلدون بعض المتأخّرين كأحمد أمين وأبو زهرة ومحمّد فريد وجدي وغيرهم ممّن أنكروا الاحاديث الدالّة علي الإمام المهدي (عليه السلام) وقالوا: إنّ البخاري ومسلماً لم يرويا حديثاً في المهدي(٧١٧).
قال الشيخ عبد المحسن العباد(٧١٨): سيكون الكلام حول هذا الموضوع لأمرين:
الاوّل: أنّ الاحاديث الواردة في المهدي (عليه السلام) لم ترد في الصحيحين علي وجه التفصيل، بل جاءت مجملة، وقد وردت في غيرهما مفسّرة لما فيهما، فقد يظنّ ظانّ أنّ ذلك يقلّل من شأنهما، وذلك خطأ واضح، فالصحيح بل الحسن في غير الصحيحين مقبول معتمد عند أهل الحديث.
الثاني: إنّ بعض الكتّاب في هذا العصر أقدم علي الطعن في الاحاديث الواردة في المهدي (عليه السلام) بغير علم، بل جهلاً أو تقليداً لاحد لم يكن من أهل العناية بالحديث.
وقد اطّلعت علي تعليق لعبد الرحمن محمّد عثمان علي كتاب تحفة الاحوذي، الذي طبع أخيراً في مصر، قال في الجزء السادس - في باب ما جاء في الخلفاء في تعليقته -: يري الكثير من العلماء أنّ كلّ ما ورد من أحاديث عن المهدي، إنّما هو موضع شك، وأنّها لا تصحّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل إنّها من وضع الشيعة.
وقال معلّقاً بشأن المهدي (عليه السلام) في باب ما جاء في تقارب الزمن وقصر الامل، في الجزء المذكور: ويري الكثير من العلماء الثقات الاثبات أنّ ما ورد في أحاديث خاصّة بالمهدي، ليست إلاّ من وضع الباطنية والشيعة وأضرابهم، وأنّه لا تصحّ نسبتها إلى الرسول (صلى الله عليه وآله).
بل لقد تجرّأ بعضهم إلى ما هو أكثر من ذلك، فنجد محيي الدين عبد الحميد في تعليقته علي الحاوي للفتاوي للسيوطي، يقول في آخر جزء في العرف الوردي في أخبار المهدي، الصفحة ١٦٦ من الجزء الثاني: يري بعض الباحثين أنّ كلّ ما ورد عن المهدي وعن الدجّال من الاسرائيليات.
لهذين الامرين، ولكون الواجب علي كلّ مسلم ناصح لنفسه ألاّ يتردّد في تصديق الرسول (صلى الله عليه وآله) فيما يخبر به، رأيت أن يكون الكلام حول هذا الامر كما قلت، تحت عنوان: عقيدة أهل السنّة والاثر في المهدي المنتظر(٧١٩).
وقال: إنّي لم أقف علي تسمية أحد في الماضين أنكر أحاديث المهدي، أو تردّد فيها، سوي رجلين اثنين:
أمّا أحدهما: فهو أبو محمّد بن الوليد البغدادي، الذي ذكره ابن تيمية في منهاج السنّة، وستأتي حكاية كلام ابن تيمية عنه، وأنّه قد اعتمد علي حديث (لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم) وقال ابن تيمية: وليس ممّا يعتمد عليه لضعفه. وسبق في أثناء الكلام الذين عنهم أنّهم لو صحّ هذا الحديث لكان الجمع بينه وبين أحاديث المهدي ممكناً. ولم أقف علي ترجمة لابي محمّد المذكور.
وأمّا الثاني: فهو عبد الرحمن بن خلدون المغربي المؤرّخ المشهور، وهو الذي اشتهر بين الناس عنه تضعيفه لاحاديث المهدي. وقد رجعت إلى كلامه في مقدّمة تأريخه، فظهر لي منه التردّد لا الجزم بالانكار، وعلي كلّ حال، فإنكارها أو التردد في التصديق بما دلّت عليه شذوذ عن الحقّ، ونكوب عن الجادّة المطروقة، وقد تعقّبه الشيخ صديق حسن في كتابه الاذاعة حيث قال: لا شك أنّ المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر أو عام، لما تواتر من الاخبار في الباب، واتّفق عليه جمهور الاُمّة خلفاً عن سلف، إلاّ من لا يعتدّ بخلافه.
وقال: لا معني للريب في أمر ذلك الفاطمي الموعود، والمنتظر المدلول عليه بالادلّة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة، البالغة إلى حدّ التواتر.
ولي ملاحظات علي كلام ابن خلدون أري أن اُشير إليها هنا:
الاُولي: أنّه لو حصل التردّد في أمر المهدي من رجل له خبرة بالحديث، لاعتبر ذلك زللاً منه، فكيف إذا كان من الاخباريين الذين هم ليسوا من أهل الاختصاص؟
وقد أحسن الشيخ أحمد شاكر في تخريجه لاحاديث المسند حيث قال: أمّا ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحماً لم يكن من رجالها. وقال: إنّه تهافت في الفصل الذي عقده في مقدّمته للمهدي تهافتاً عجيباً، وغلط أغلاطاً واضحة. وقال: إنّ ابن خلدون لم يحسن قول المحدّثين: الجرح مقدّم علي التعديل، ولو اطّلع علي أقوالهم وفقهها ما قال شيئاً ممّا قال.
الثانية: صدّر ابن خلدون الفصل الذي عقده في مقدّمته للمهدي بقوله: اعلم أنّ في المشهور بين الكافة من أهل الاسلام علي ممرّ الاعصار أنّه لا بدّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيّد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي علي الممالك الاسلامية، ويسمّي بالمهدي، ويكون خروج الدجّال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح علي أثره، وأنّ عيسى (عليه السلام) ينزل من بعده فيقتل الدجّال، أو ينزل معه فيساعده علي قتله، ويأتمّ بالمهدي في صلاته، ويحتجّون في هذا الشأن بأحاديث خرّجها الائمة، وتكلّم فيها المنكرون لذلك، وربما عارضوها ببعض الاخبار.
أقول: هذه الشهادة التي شهدها ابن خلدون، وهي أنّ اعتقاد خروج المهدي هو المشهور بين الكافّة من أهل الاسلام علي ممرّ الاعصار، ألا يسعه في ذلك ما وسع الناس علي ممرّ الاعصار؟ كما ذكر ابن خلدون نفسه، وهل ذلك إلاّ شذوذ بعد معرفة أنّ الكافة علي خلافه؟ وهل هؤلاء الكافة اتّفقوا علي الخطأ؟ والامر ليس اجتهادياً، وإنّما هو غيبي لا يسوغ لاحد إثباته إلاّ بدليل من كتاب الله أو سنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله)، والدليل معهم، وهم أهل الاختصاص.
الثالثة: أنّه قال قبل إيراد الاحاديث: ونحن الان نذكره هنا الاحاديث الواردة في هذا الشأن. وقال في نهايتها: فهذه جملة الاحاديث التي خرّجها الائمة في شأن المهدي وخروجه في آخر الزمان.
وقال في موضع آخر بعد ذلك: وما أورده أهل الحديث من أخبار المهدي قد استوفينا جميعه بمبلغ طاقتنا.
وأقول: إنّه قد فاته الشيء الكثير، يتّضح ذلك بالرجوع إلى ما أثبته السيوطي في العرف الوردي في أخبار المهدي عن الائمة، بل إنّ ممّا فاته الحديث الذي ذكره ابن القيّم في المنار المنيف عن الحارث بن أبي اُسامة وقال: إسناده جيّد.
الرابعة: أنّ ابن خلدون نفسه قد اعترف بسلامة بعض أحاديث المهدي من النقد(٧٢٠)، حيث قال بعد إيراد الاحاديث التي خرّجها الائمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان: وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلاّ القليل.
وأقول: إنّ القليل الذي يسلم من النقد يكفي للاحتجاج به، ويكون الكثير الذي لم يسلم عاضداً له ومقوّياً، علي أنّه قد سلم الشيء الكثير كما جاء في كلام القاضي محمّد بن عليّ الشوكاني، الذي حكي تواترها، وقال: إنّ فيها خمسين حديثاً فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر.
ثمّ إنّه في آخر البحث ذكر ما يفيد تردّده في أمر المهدي، وذلك يفيد عدم ثبات رأيه، لكونه تكلّم فيه بما ليس باختصاصه(٧٢١).
وأحسن السيّد أبو الفيض أحمد بن محمّد بن الصديق الغماري الحسني الشافعي في الردّ علي ابن خلدون في كتابه (إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون) فقد أثبت فيه تواتر أحاديث المهدي (عليه السلام)، وفنّد تضعيفات ابن خلدون لاحاديث المهدي، والتي تذرّع بها بعض من عاصر السيّد أبي الفيض كأحمد أمين ومحمّد فريد وجدي.
وقد تتبّع السيّد أبو الفيض طرق وأسانيد أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) في كتب أهل السنّة ابتداءً من طبقة الصحابة ثمّ التابعين ثمّ تابعي التابعين حتّى المصنّفين الذين أخرجوا هذه الاحاديث في كتبهم.
قال أبو الفيض الشافعي: ولا يخفي أنّ العادة قاضية باستحالة تواطئ جماعة يبلغ عددهم ثلاثين نفساً فأزيد في جميع الطبقات، وذلك فيما بلغنا وأمكننا الوقوف عليه في الحال، فقد وجدنا خبر المهدي وارداً في حديث أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، واُمّ سلمة، وثوبان، وعبد الله بن جزء بن حارث الزبيدي، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله الانصاري، وقرّة بن إياس المزني، وابن عباس، واُمّ حبيبة، وأبي اُمامة، وعبد الله ابن عمرو بن العاص، وعمّار بن ياسر، والعبّاس بن عبد المطّلب، والحسين بن عليّ (عليه السلام)، وتميم الداري، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب، وطلحة، وعليّ الهلالي، وعمران بن حصين، وعمرو بن مرّة الجهني، ومعاذ بن جبل، وهذا في المرفوعات دون الموقوفات والمقاطيع التي هي في مثل هذا الباب من قبيل المرفوع.
قال: ولو تتبّعنا ذلك لذكرنا منه عدداً وافراً، ولكن في المرفوع منه الكفاية(٧٢٢).
وقال أيضاً: في الناس اليوم ممّن يخفي عليه هذا التواتر ويجهله، ويبعده عن صراط العلم جهله، ويصدّه من ينكر ظهور المهدي وينفيه، ويقطع بضعف الاحاديث الواردة فيه، مع جهله بأسباب التضعيف، وعدم إدراكه معني الحديث الضعيف، وتصوّره مبادئ هذا العلم الشريف، وفراغ جرابه من أحاديث المهدي الغنيّة بتواترها عن البيان لحالها والتعريف، وإنّما استناده في إنكاره مجرّد ما ذكره ابن خلدون في بعض أحاديثه من العلل المزوّرة المكذوبة، ولمز به ثقات رواتها من التجريحات الملفّقة المقلوبة، مع انّ ابن خلدون ليس له في هذه الرحاب الواسعة مكان، ولا ضرب له بنصيب ولا سهم في هذا الشأن، ولا استوفي منه بمكيال ولا ميزان، فكيف يعتمد فيه عليه، ويرجع في تحقيق مسائله إليه، فالواجب دخول البيت من بابه، والحقّ الرجوع في كلّ فنّ إلى أربابه، فلا يقبل تصحيح أو تضعيف إلاّ من حفّاط الحديث ونقّاده(٧٢٣).
تصحيحات ابن خلدون
تبيّن ممّا تقدّم أنّ ابن خلدون لم يتبع منهجاً علمياً سليماً في تضعيفاته، ولو سلّمنا أنّ ابن خلدون ممّن يقبل قوله في التصحيح والتضعيف، فإنّه قد صحّح أربعة أحاديث من مجموع أحاديث المهدي (عليه السلام) الثلاثة وعشرين التي ذكرها، وعند ذلك تصبح حجّة المتمسّكين بتضعيفات ابن خلدون حجّة داحضة، فإليك الاحاديث التي صحّحها ابن خلدون:
١ - رواية الحاكم من طريق عون الاعرابي، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري، سكت ابن خلدون عن تضعيف هذا السند، وهو دليل علي اعترافه بصحّة الحديث، لوثاقة جميع رجال عند أهل السنّة قاطبة.
٢ - رواية الحاكم أيضاً عن سليمان بن عبيد، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال عنه ابن خلدون: صحيح الاسناد.
٣ - رواية الحاكم عن علي (عليه السلام) حول ظهور المهدي، وقد صحّحه الحاكم علي شرط البخاري ومسلم، وقال عنه ابن خلدون: وهو إسناد صحيح كما ذكر.
٤ - رواية أبي داود في السنن، عن صالح بن الخليل، عن اُمّ سلمة، قال ابن خلدون: ورجاله رجال الصحيح لا مطعن فيهم ولا مغمز(٧٢٤).
ولا ريب أنّ هذه الاربعة التي سلمت من النقد، واعترف ابن خلدون بصحّتها، هي كافية في موضع الاحتجاج، وتكون الاحاديث الاُخري التي ضعّفها مؤكدة وعاضدة لهذه الاربعة، وفيه يعلم أنّه لا حجّة لاحد في تضعيفات ابن خلدون لانكار أحاديث المهدي (عليه السلام) التي تسالم علي نقلها ثقات المحدّثين والحفّاظ والرواة.
أمّا الشبهة الثانية التي تمسّكوا بها، وهي كون البخاري ومسلم لم يرويا حديثاً في المهدي، فسنأتي إلى مناقشتها في البحث اللاحق.
المهدي في الصحيحين
١ - روي البخاري ومسلم في باب نزول عيسى بن مريم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم؟(٧٢٥).
٢ - وروي مسلم في الصحيح عن جابر، أنّه سمع النبيّ (صلى الله عليه وآله) يقول: لا تزال طائفة من اُمّتي يقاتلون علي الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم (عليه السلام) فيقول أميرهم: تعال صلّ بنا، فيقول: لا، إنّ بعضكم علي بعض اُمراء تكرمة لهذه الاُمّة(٧٢٦).
فهذان الحديثان الواردان في الصحيحين، وإن لم يكن فيها التصريح بلفظ المهدي، تدلّ علي صفات رجل صالح يؤمّ المسلمين في ذلك الوقت، وقد جاءت الاحاديث في السنن والمسانيد وغيرها مفسّرة لهذين الحديثين اللذين في الصحيحين، ودالّة علي أنّ ذلك الرجل الصالح اسمه محمّد، ويقال له المهدي، والسنّة يفسّر بعضها بعضاً(٧٢٧).
ومن الاحاديث المفسّرة لما ورد في الصحيحين دالاً علي ذكر الإمام المهدي (عليه السلام)، ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: المهدي من هذه الاُمّة، وهو الذي يؤمّ عيسى بن مريم(٧٢٨).
وما أخرجه أبو نعيم عن أبي عمرو الداني في سننه بسنده عن حذيفة، أنّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) - في حديث - يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريم كأنّما يقطر من شعره الماء، فيقول المهدي: تقدّم صلّ بالناس، فيقول عيسى (عليه السلام): إنّما اُقيمت الصلاة لك، فيصلّي خلف رجل من ولدي(٧٢٩).
ثمّ إنّ شروح الصحيحين توضّح بصراحة المراد بلفظ (وإمامكم منكم) فقد صرّح في إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري بكون المراد به المهدي (عليه السلام)، وأنّ عيسى (عليه السلام) يقتدي به في الصلاة(٧٣٠)، ومثله في عمدة القاري بشرح صحيح البخاري(٧٣١).
وأورد في فيض الباري علي صحيح البخاري حديثاً عن ابن ماجة يفسّر حديث البخاري ثمّ قال: فهذا صريح في أنّ مصداق الامام في الاحاديث هو المهدي(٧٣٢).
٣ - وأخرج مسلم في الصحيح بسنده عن جابر بن عبد الله، أنّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يكون في آخر اُمّتي خليفة يحثي المال حثياً، لا يعدّه عدّاً(٧٣٣).
ولفظ الخليفة الوارد في صحيح مسلم، مفسّر بالإمام المهدي (عليه السلام) في كتب أهل السنّة ومسانيدهم المعتبرة، فقد أخرج الترمذي بسنده عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: إنّ في اُمّتي المهدي - إلى أن قال (صلى الله عليه وآله) - فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني أعطني، فيحثي المال له في ثوبه ما استطاع أن يحمله(٧٣٤).
٤ - وأخرج مسلم في الصحيح عن اُمّ سلمة قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يعوذ عائذ في البيت، فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الارض خسف بهم(٧٣٥).
وخسف البيداء إنّما يكون بالجيش الذي يقاتل الإمام المهدي (عليه السلام)، ولم يحدث هذا الامر في جميع مراحل التأريخ، ولو حدث لاشتهر أمره، بل هو من أشراط الساعة وعلامات الظهور(٧٣٦).
وروي الحاكم بالاسناد عن أبي هريرة، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث السفياني، قال: ويخرج رجل من أهل بيتي فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جنداً من جنده، فيهزمهم، فيسير إليه السفياني بمن معه حتّى إذا صار ببيداء من الارض خسف بهم، فلا ينجو منهم إلاّ المخبر منهم(٧٣٧).
وأخرج السيوطي عن الزهري قال: يخرج المهدي بعد الخسف في ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً عدد أهل بدر(٧٣٨).
وسنذكر في الفصل الثالث عشر - عند ذكر علامات الظهور - مزيداً من الاخبار الدالّة علي أنّ الجيش الذي يقاتل الإمام المهدي (عليه السلام) هو الذي يخسف به في البيداء.
المهدي على لسان المحدثين والمصنفين والفقهاء
بعد أن تبيّن أنّ حجّة المنكرين أو المضعّفين لاحاديث المهدي (عليه السلام) لا تقوم علي دليل صحيح، ولا تثبت أمام النقد العلمي وما ثبت من صحيح السنّة الذي يصرّح بأنّه لا بدّ من ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان بعد علامات وأشراط حدّدتها السنّة المطهّرة، لا ينكرها إلاّ معاند مكابر، سنسلّط الضوء علي ما يعزّز ما ذكرناه، فنذكر أسماء الصحابة الذين رووا حديث الإمام المهدي (عليه السلام) من طرق العامة، ونذكر المصنّفين الذين أخرجوا أحاديثه، أو الذين أفردوه بالتصنيف والتأليف، وكذلك الذين صحّحوا الاحاديث الواردة فيه، والذين حكوا تواترها، وفتاوي فقهاء المذاهب الاربعة التي تؤكد صحّة أحاديث المهدي (عليه السلام) وتواترها.
أسماء الصحابة الذين رووا عن رسول الله أحاديث المهدي
روي حديث الإمام المهدي (عليه السلام) جمع من الصحابة على ما جاءت به الروايات في كتب العامة، ذكر منهم الشيخ العباد، علي بن أبي طالب (عليه السلام)، عثمان بن عفان، طلحة بن عبيد الله، عبد الرحمن بن عوف، الحسين بن علي (عليه السلام)، اُمّ سلمة، اُمّ حبيبة، عبد الله بن عباس، عبد الله بن مسعود، عبد الله بن عمر، عبد الله بن عمرو، أبا سعيد الخدري، جابر بن عبد الله، أبا هريرة، أنس بن مالك، عمّار بن ياسر، عوف بن مالك، ثوبان مولي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قرّة بن إياس، علي الهلالي، حذيفة بن اليمان، عبد الله بن الحارث بن جزء، عوف بن مالك، عمران بن حصين، أبا الطفيل، جابر الصدفي(٧٣٩).
وأورد الاُستاذ علي محمّد علي دخيل ثبتاً بأسماء خمسين صحابياً من رواة حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) في الإمام المهدي(عليه السلام)، وبيّن المصادر التي وردت فيها أحاديثهم(٧٤٠).
الذين قالوا بصحة أحاديث المهدي من العامة
١ - الحاكم النيسابوري، صاحب المستدرك، أخرج عدّة أحاديث في المهدي (عليه السلام) وصحّحها علي شرط الشيخين(٧٤١).
٢ - البغوي، صاحب مصابيح السنّة، ذكر عدداً من أحاديث المهدي (عليه السلام) وجعلها إمّا في فصل الصحاح(٧٤٢) أو في فصل الحسان(٧٤٣).
٣ - الترمذي، صاحب السنن، أخرج عدّة أحاديث في المهدي (عليه السلام) وصحّحها(٧٤٤).
٤ - الذهبي، صرّح بصحّة بعض الاحاديث التي أخرجها الحاكم في المستدرك(٧٤٥)، وسكت عن جميع الاحاديث التي صحّحها الحاكم موافقاً إيّاه علي ذلك.
٥ - ابن كثير، أخرج حديث ابن ماجة في المهدي (عليه السلام) (فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً علي الثلج، فإنّه خليفة الله المهدي)، وقال: وهذا إسناد قوي صحيح(٧٤٦).
٦ - التفتازاني، قال في شرح المقاصد: ممّا يلحق بباب الامامة بحث خروج المهدي، ونزول عيسى (عليه السلام)، وهما من أشراط الساعة، وقد ورد في هذا الباب أخبار صحاح وإن كانت آحاداً(٧٤٧).
٧ - نور الدين الهيثمي صاحب مجمع الزوائد، أخرج عدّة أحاديث في المهدي (عليه السلام)، وصرّح بصحّتها وثقة رجالها(٧٤٨).
٨ - جلال الدين السيوطي، أخرج في (الجامع الصغير) عدّة أحاديث في المهدي (عليه السلام) وصرّح بصحّتها(٧٤٩).
الذين حكوا تواتر أحاديث المهدي من العامة
إنّ الاحاديث الواردة في ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) أحاديث معتبرة وبعضها متواترة، وقد صرّح بتواترها جمع من أعلام العامة نذكر منهم:
١ - الحافظ أبو الحسن محمّد بن الحسين الابري السجزي صاحب كتاب مناقب الشافعي، المتوفّي سنة ٣٦٣ هـ.
قال في محمّد بن خالد الجندي راوي حديث: (لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم): محمّد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل، وقد تواترت الاخبار واستفاضت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذكر المهدي، وأنّه من أهل بيته، وأنّه يملك سبع سنين، وأنّه يملا الارض عدلاً، وأنّ عيسى (عليه السلام) يخرج فيساعده علي قتل الدجّال، وأنّه يؤمّ هذه الاُمّة ويصلّي عيسى خلفه.
نقل ذلك عنه ابن القيّم في كتابه المنار وسكت عليه، ونقله عنه أيضاً الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب، في ترجمة محمّد بن خالد الجندي، وسكت عليه، ونقل عنه ذلك وسكت عليه أيضاً في فتح الباري، في باب نزول عيسى بن مريم (عليه السلام).
ونقل ذلك عنه أيضاً السيوطي في آخر جزء العرف الوردي في أخبار المهدي، وسكت عليه، ونقل ذلك عنه مرعي بن يوسف في كتابه فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر، كما ذكر ذلك صديق حسن في كتابه الاذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة.
٢ - محمّد البرزنجي المتوفّي سنة ١١٠٣ هـ في كتابه الاشاعة لاشراط الساعة، قال: الباب الثالث في الاشراط العظام والامارات القريبة التي تعقبها الساعة، وهي أيضاً كثيرة، فمنها المهدي، وهو أوّلها، واعلم أنّ الاحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر.
إلى أن قال:
ثمّ الذي في الروايات الكثيرة الصحيحة الشهيرة أنّه من ولد فاطمة...
إلى أن قال:
قد علمت أنّ أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان، وأنّه من عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ولد فاطمة، بلغت حدّ التواتر المعنوي، فلا معني لانكارها.
وقال في ختام كتابه المذكور، بعد الاشارة إلى بعض اُمور تجري في آخر الزمان:
وغاية ما ثبت في الاخبار الصحيحة الكثيرة الشهيرة، التي بلغت التواتر المعنوي، وجود الايات العظام التي فيها، بل أوّلها خروج المهدي، وأنّه يأتي في آخر الزمان من ولد فاطمة يملا الارض عدلاً كما ملئت ظلماً.
٣ - الشيخ محمّد السفاريني المتوفّي سنة ١١٨٨ هـ، في كتابه لوامع الانوار البهيّة، قال: وقد كثرت بخروجه - يعني المهدي (عليه السلام) - الروايات، حتّى بلغت حدّ التواتر المعنوي، وأورد الاحاديث في خروج المهدي، وأسماء بعض الصحابة الذين رووها. ثمّ قال: وقد روي عمّن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم رضي الله عنهم بروايات متعدّدة، وعن التابعين من بعدهم، ما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالايمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرّر عند أهل العلم، ومدوّن في عقائد أهل السنّة والجماعة.
٤ - القاضي محمّد بن علي الشوكاني المتوفّي سنة ١٢٥٠ هـ، وهو صاحب التفسير المشهور، ومؤلف نيل الاوطار، قال في كتابه التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجّال والمسيح: فالاحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف المتواتر علي ما هو دونها في جميع الاصطلاحات المحرّرة في الاُصول، وأمّا الاثار عن الصحابة المصرّحة بالمهدي، فهي كثيرة جداً، لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك.
وقال في مسألة نزول المسيح (عليه السلام): فتقرّر أنّ الاحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والاحاديث الواردة في الدجّال متواترة، والاحاديث الواردة في نزول عيسى (عليه السلام) متواترة.
٥ - الشيخ محمّد صديق حسن القنوجي المتوفّي سنة ١٣٠٧ هـ، قال في كتابه الاذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة: والاحاديث الواردة في المهدي علي اختلاف رواياتها كثيرة جدّاً، تبلغ حدّ التواتر المعنوي، وهي في السنن وغيرها من دواوين الاسلام من المعاجم والمسانيد.
إلى أن قال:
لا شك أنّ المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين شهر ولا عام، لما تواتر من الاخبار في الباب، واتّفق عليه جمهور الاُمّة خلفاً عن سلف، إلاّ من لا يعتدّ بخلافه.
إلى أن قال:
فلا معني للريب في أمر ذلك الفاطمي الموعود المنتظر، المدلول عليه بالادلّة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة، البالغة إلى حدّ التواتر.
٦ - الشيخ محمّد بن جعفر الكتاني، المتوفّي سنة ١٣٤٥ هـ، قال في كتابه نظم المتناثر في الحديث المتواتر: وقد ذكروا أنّ نزول سيّدنا عيسى (عليه السلام) ثابت بالكتاب والسنّة والاجماع. ثمّ قال: والحاصل أنّ الاحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، وكذا الواردة في الدجّال، وفي نزول سيّدنا عيسى بن مريم (عليه السلام)(٧٥٠).
٧ - وأوضح عبد العزيز بن باز، رئيس الجامعة الاسلامية في المدينة المنوّرة أنّ ظهور المهدي (عليه السلام) حقيقة لا شك فيها، وأنّ أحاديثه متواترة، جاء ذلك بقوله: إنّ أمر المهدي أمر معلوم، والاحاديث فيه مستفيضة، بل متواترة متعاضدة، وقد حكي غير واحد من أهل العلم تواترها، وهي متواترة تواتراً معنوياً، لكثرة طرقها، واختلاف مخارجها، وصحابتها، ورواتها وألفاظها، فهي بحقّ تدلّ على أنّ هذا الشخص الموعود به، أمره ثابت، وخروجه حقّ(٧٥١).
٨ - وذكر أبو الفيض الغماري أنّ السيوطي قد نص علي تواتر أحاديث المهدي (عليه السلام) في (الفوائد المتكاثرة في الاحاديث المتواترة) وفي اختصاره المسمّي (الازهار المتناثرة) وغيرها من كتبه(٧٥٢).
٩ - وذكر المغربي في (إبراز الوهم المكنون) تواتر أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) عند محمّد بن عبد الباقي الزرقاني المتوفّي سنة ١١١٢ هـ، وأنّه صرّح بهذا التواتر في (شرح المواهب اللدنية)(٧٥٣).
١٠ - وذكر الشبلنجي في (نور الابصار) تواتر الاخبار من النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّ المهدي (عليه السلام) من أهل بيته، وأنّه يملا الارض عدلاً، وذكر أيضاً تواتر الاخبار على أنّ المهدي (عليه السلام) يعاون عيسى (عليه السلام) علي قتل الدجّال بباب لدّ بأرض فلسطين بالشام(٧٥٤).
١١ - وقال أحمد زيني دحلان المتوفّي سنة ١٣٠٤ هـ: الاحاديث التي جاء فيها ذكر ظهور المهدي (عليه السلام) كثيرة متواترة، فيها ما هو الصحيح، وفيها ما هو حسن، وفيها ما هو ضعيف وهو الاكثر، لكنّها لكثرتها وكثرة مخرجيها يقوّي بعضها بعضاً حتّى صارت تفيد القطع، لكن المقطوع به أنّه لا بدّ من ظهوره، وأنّه من ولد فاطمة (عليها السلام)، وأنّه يملا الارض عدلاً(٧٥٥).
١٢ - أبو الفيض الغماري الشافعي المتوفّي سنة ١٣٨٠ هـ، قال بتواتر أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) في كتابه (إبراز الوهم المكنون) وأورد أسماء الصحابة الذين رووا حديث المهدي (عليه السلام) وبيّن الطرق إليهم ثمّ قال: إنّ القدر المشترك في هذه الاسانيد جميعاً هو وجود الخليفة المهدي في آخر الزمان، لذا تواتر هذا الوجود باعتبار المجموع(٧٥٦).
وقال في كتابه (المهدي المنتظر): وهذا كتاب أبطلت فيه زعم من أنكر أحاديث المهدي المنتظر، وبيّنت أنّها متواترة، وأنّ منكرها يعتبر مبتدعاً ضالاً من جملة الفرق المبتدعة الضالّة وسمّيته المهدي المنتظر.
وقال: والاحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً، منها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر علي ما دونها علي جميع الاصطلاحات المحرّرة في الاُصول(٧٥٧).
١٣ - وقال الحافظ العسقلاني في تهذيب التهذيب: وقد تواترت الاخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (صلى الله عليه وآله) في المهدي وأنّه من أهل بيته (صلى الله عليه وآله)، وأنّه يملك سبع سنين، ويملا الارض عدلاً، وأنّ عيسى (عليه السلام) يخرج فيساعده علي قتل الدجّال، وأنّه يؤمّ هذه الاُمّة وعيسى يصلّي خلفه في طول من قصّته وأمره(٧٥٨).
١٤ - وقال أبو الحسين الاجري علي ما نقله عنه ابن حجر الهيتمي في الصواعق: قد تواترت الاخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (صلى الله عليه وآله) بخروج المهدي، وأنّه من أهل بيته وأنّه يملا الارض عدلاً، وأنّه يخرج مع عيسى علي نبيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فيساعده علي قتل الدجّال بباب لد بأرض فلسطين، وأنّه يؤمّ هذه الاُمّة ويصلّي عيسى خلفه(٧٥٩).
١٥ - وقال الشيخ محمّد الحنفي المصري في (إتحاف أهل الاسلام): قد تواترت الاخبار عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) بخروج المهدي، وأنّه من أهل بيته، وأنّه يملا الارض عدلاً(٧٦٠).
١٦ - وقال محمّد بن الحسن الاسفوي في كتاب مناقب الشافعي: قد تواترت الاخبار عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذكر المهدي وأنّه من أهل بيته (صلى الله عليه وآله)(٧٦١).
١٧ - وقال الشيخ محمّد الصبّان: قد تواترت الاخبار عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) بخروج المهدي وأنّه من أهل بيته، وأنّه يملا الارض عدلاً، وأنّه يساعد عيسى علي قتل الدجّال بباب لدّ بأرض فلسطين، وأنّه يؤمّ هذه الاُمّة، ويصلّي عيسى خلفه(٧٦٢).
أسماء المصنفين الذين خرجوا الاحاديث الواردة في المهدي
خرّج أحاديث المهدي (عليه السلام) جماعة كثيرة من أئمة أهل السنّة في الصحاح والسنن والمعاجم والمسانيد وغيرهم، منهم:
أبو داود في سننه، والترمذي في جامعه، ابن ماجة في سننه، والنسائي في سننه، وأحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، وأبو بكر ابن أبي شيبة في المصنّف، ونعيم بن حمّاد في كتاب الفتن، والحافظ أبو نعيم في كتاب المهدي، وفي الحلية، والطبراني في الكبير والاوسط والصغير، والدار قطني في الافراد، والبارودي في معرفة الصحابة، وأبو يعلي الموصلي في مسنده، والبزّاز في مسنده، والحارث بن أبي اُسامة في مسنده، والخطيب في تلخيص المتشابه، وفي المتّفق والمفترق، وابن عساكر في تأريخه.
وابن مندة في تأريخ إصبهان، وأبو الحسن الحربي في الاوّل من الحربيات، وتمام الرازي في فوائده، وابن جرير في تهذيب الاثار، وأبو بكر بن المقري في معجمه، وأبو عمرو الداني في سننه، وأبو غنم الكوفي في كتاب الفتن، والديلمي في مسند الفردوس، وأبو بكر الاسكاف في فوائد الاخبار، وأبو حسين بن المناوي في كتاب الملاحم، والبيهقي في دلائل النبوّة، وأبو عمرو المقري في سننه، وابن الجوزي في تأريخه، ويحيي بن عبد الحميد الحماني في مسنده، والروياني في مسنده، وابن سعد في الطبقات.
وابن خزيمة، وعمرو بن شمر، والحسن بن سفيان، وأبو عوانة، وهؤلاء الاربعة ذكر السيوطي في العرف الوردي كونهم ممّن خرّج أحاديث المهدي (عليه السلام)، دون عزو التخريج إلى كتاب معيّن(٧٦٣).
وعدّ الاُستاذ علي محمّد علي دخيّل ٣٢ مصنّفاً من العامة عقدوا فصلاً في كتبهم لاخراج أحاديث المهدي (عليه السلام)، وأثبت قائمة ذكر فيها ١٤٤ كتاباً من كتب العامة تعرّضت لذكر الإمام المهدي (عليه السلام)(٧٦٤).
وأحصي الاُستاذ الشيخ أبو طالب التجليل التبريزي (١٤٥) مصنّفاً من حفّاظ أهل السنّة ممّن أخرج حديث الإمام المهدي (عليه السلام) في كتبهم في الحديث والتفسير والكلام والعرفان والتراجم واللغة والتأريخ(٧٦٥).
ومنه يتّضح مدي الاتّفاق علي رواية أحاديث المهدي والاحتجاج بها من قبل أعلام العامّة من المحدّثين والمؤرّخين وسائر المصنّفين.
المصنفون في شأن المهدي من العامة
اعتني علماء العامّة بجمع الاحاديث الواردة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في شأن الإمام المهدي (عليه السلام) ضمن مؤلفات خاصّة بهذا الموضوع، وهي تشكل قسطاً وافراً من مصنّفاتهم، فمنهم من أدرجها ضمن المؤلفات العامة، كما في السنن والمسانيد وغيرها، ومنهم من أفردها بالتأليف.
فمن الذين أفردوها بالتأليف:
١ - أبو بكر بن أبي خيثمة زهير بن حرب، قال ابن خلدون في مقدّمة تأريخه: ولقد توغّل أبو بكر بن أبي خيثمة علي ما نقل السهيلي عنه في جمعه للاحاديث الواردة في المهدي.
٢ - الحافظ أبو نعيم، ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وذكره في العرف الوردي، بل لقد لخّص السيوطي الاحاديث التي جمعها أبو نعيم في المهدي، وجعلها ضمن كتابه العرف الوردي، وزاد عليها فيه أحاديث وآثاراً كثيرة جدّاً.
٣ - السيوطي، فقد جمع فيه جزءاً سمّاه العرف الوردي في أخبار المهدي، وهو مطبوع ضمن كتابه الحاوي للفتاوي في الجزء الثاني منه، قال في أوّله: الحمد لله وسلام علي عباده الذين اصطفي، هذا جزء جمعت فيه الاحاديث والاثار الواردة في المهدي، لخّصت فيه الاربعين التي جمعها الحافظ أبو نعيم، وزدت عليه ما فات، ورمزت عليه صورة (ك).
والاحاديث التي أوردها السيوطي في شأن المهدي تزيد علي المئتين، وفيها الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، وإذا أورد الحديث الواحد أضافه إلى كلّ من الذين خرّجوه، فيقول مثلاً في أحدها: أخرج أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن اُمّ سلمة: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة).
٤ - الحافظ عماد الدين بن كثير، قال في كتابه الفتن والملاحم: وقد أفردت في ذكر المهدي جزءاً على حدة، ولله الحمد والمنّة.
٥ - الفقيه ابن حجر المكي، وقد سمّي مؤلّفه المختصر في علامات المهدي المنتظر(٧٦٦)، ذكر ذلك البرزنجي في الاشاعة، ونقل منه، وكذلك السفاريني في لوامع الانوار البهيّة وغيرهما.
٦ - عليّ المتّقي الهندي صاحب كنز العمّال، فقد ألّف في شأن المهدي رسالة ذكرها البرزنجي في الاشاعة، وذكر ذلك قبله أيضاً ملاّ علي القاري الحنفي، في المرقاة في شرح المشكاة.
٧ - ملاّ علي القاري، وسمّي مؤلّفه المشرب الوردي في مذهب المهدي، ذكره في الاشاعة، ونقل جملة كبيرة منه.
٨ - مرعي بن يوسف الحنبلي، المتوفّي سنة ١٠٣٣ هـ، وسمّي مؤلّفه فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر، ذكره السفاريني في لوامع الانوار البهيّة، وذكره الشيخ صديق حسن القنوجي في كتابه الاذاعة لمّا كان وما يكون بين يدي الساعة، وغيرها.
٩ - القاضي محمّد بن علي الشوكاني، وسمّي مؤلّفه التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجّال والمسيح، ذكر ذلك صديق حسن في الاذاعة، ونقل جملة منه، والشوكاني ممّن ألّف بشأنه، وحكي تواتر الاحاديث الواردة فيه.
١٠ - الامير محمّد بن إسماعيل الصنعاني صاحب سبل السلام، المتوفّي سنة ١١٨٢ هـ، قال صديق حسن في الاذاعة: وقد جمع السيّد العلاّمة بدر الملّة المنير، محمّد بن إسماعيل الامير اليماني، الاحاديث القاضية بخروج المهدي، وأنّه من آل محمّد (صلى الله عليه وآله)، وأنّه يظهر في آخر الزمان. ثمّ قال: ولم يأتِ تعيين زمنه، إلاّ أنّه يخرج قبل خروج الدجّال(٧٦٧).
المصنفات في المهدي
ونضيف إلى هذه القائمة أسماء بعض المصنّفات الخاصّة بالإمام المهدي (عليه السلام) ممّا لم نذكره آنفاً:
١ - إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون، لابي الفيض أحمد بن محمّد بن صدّيق الغماري الشافعي، طبع بمطبعة الترّقي في دمشق سنة ١٣٤٧ هـ.
٢ - أحوال صاحب الزمان (عليه السلام)، لسعد الدين الحموي.
٣ - أخبار المهدي (عليه السلام)، لحمّاد بن يعقوب الرواجني.
٤ - البيان في أخبار صاحب الزمان، تأليف الحافظ أبي عبد الله محمّد بن يوسف بن محمّد النوفلي القرشي الكنجي الشافعي، وقد طبع مراراً، منها طبعة النجف الاشرف في سنة ١٣٨٢ بمقدّمة محمّد مهدي الخرسان.
٥ - البرهان في علامات مهدي آخر الزمان، لعليّ بن حسام الدين المتّقي الهندي، صاحب كنز العمّال، وهو مطبوع مراراً، وله عدّة نسخ مخطوطة.
٦ - تحديق النظر في أخبار المهدي المنتظر، لمحمّد بن عبد العزيز بن مانع، وهو من علماء نجد في القرن الرابع عشر، نسخة منه في دار الكتب المصريّة في فهرسها ١: ١٢٧.
٧ - تلخيص البيان في علامات مهدي آخر الزمان، لكمال باشا الحنفي، المتوفّي سنة ٩٤٠ هـ، له نسخة في مكتبة عاشر أفندي - استانبول ضمن المجموعة رقم ٤٤٦.
٨ - أربعين حديثاً في المهدي، لابي العلاء الهمداني، نقل عنه المحب الطبري في دخائر العقبي.
٩ - تلخيص البيان في أخبار مهدي آخر الزمان، لعلي بن حسام الدين المتقي الهندي، المتوفّي سنة ٩٧٥.
١٠ - العطر الوردي في شرح القطر الشهدي في أوصاف المهدي، لمحمّد بن محمّد بن أحمد الحسيني البلبيسي، شرحه سنة ١٣٠٨ هـ.
١١ - عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر، تأليف يوسف بن يحيي بن علي المقدسي الشافعي، المتوفّي سنة ٦٨٥ هـ، وهو مطبوع ونسخته متداولة.
١٢ - علامات المهدي، لجلال الدين السيوطي الشافعي.
١٣ - القطر الشهدي في أوصاف المهدي، منظومة لشهاب الدين أحمد بن أحمد بن إسماعيل الحلواني الشافعي المتوفّي سنة ١٣٠٨ هـ، طبعت ملحقة بكتاب فتح ربّ الارباب بمصر سنة ١٣٤٥ - مطبعة المعاهد.
١٤ - المهدي، تأليف شمس الدين ابن قيّم الجوزيّة، المتوفّي سنة ٧٥١ هـ.
١٥ - المُهدي إلى ما ورد في المَهدي، لشمس الدين محمّد بن طولون، أشار إليه في كتابه الائمة الاثني عشر.
١٦ - صاحب الزمان (عليه السلام)، للقاضي أبي العنبس محمّد بن إسحاق بن إبراهيم الكوفي قاضي صيمرة، المتوفّي سنة ٢٧٥ هـ، ذكره ابن النديم في الفهرست، ولعلّه أقدم كتاب اُلّف في المهدي (عليه السلام)، وقد ترجم ياقوت الحموي للمؤلف في معجم الاُدباء، وذكر أنّه أدرك المعتمد.
وقد أحصي العلاّمة ذبيح الله المحلاّتي أربعين كتاباً مصنّفاً في المهدي (عليه السلام) من قبل أعلام العامّة، وذكر قائمة اُخري للكتب المؤلّفة في الإمام المهدي (عليه السلام) من قبل الشيعة فأوصلها إلى مائة وعشرة كتب(٧٦٨).
وأحصي الاُستاذ علي محمّد علي دخيل في كتابه الإمام المهدي (عليه السلام) ثلاثين كتاباً من كتب أهل السنّة مصنّفة في الإمام المهدي خاصّة(٧٦٩).
الذين احتجوا بأحاديث المهدي من العامة
١ - قال الحافظ أبو جعفر العقيلي المتوفّي سنة ٣٢٢ هـ: أنّ في المهدي أحاديث جياداً، قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب، في ترجمة علي بن نفيل بن زارع النهدي: قلت: ذكره العقيلي في كتابه وقال: لا يتابع علي حديثه في المهدي، ولا يعرف إلاّ به. قال: وفي المهدي أحاديث جياد من غير هذا الوجه.
٢ - ويري ابن حبان البستي المتوفّي سنة ٢٥٤ هـ أنّ الاحاديث الواردة في المهدي مخصّصة لحديث (لا يأتي عليكم زمان إلاّ والذي بعده شرّ منه).
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، في الكلام علي الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه في كتاب الفتن: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لا يأتي عليكم زمان إلاّ والذي بعده شرّ منه حتّى تلقوا ربّكم) قال: واستدلّ ابن حبان في صحيحه علي أنّ الحديث ليس علي عمومه بالاحاديث الواردة في المهدي، وأنّه يملا الارض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً.
٣ - وقال البيهقي المتوفّي سنة ٤٥٨ هـ، بعد كلامه علي تضعيف: لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم، قال: والاحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصحّ البتة إسناداً.
نقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب، في ترجمة محمّد بن خالد الجندي، راوي حديث: (لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم) ونقله عنه أيضاً ابن القيّم في المنار المنيف في الحديث الصحيح والضعيف.
٤ - وقال محمّد بن أحمد بن أبي بكر القرطبي، صاحب التفسير المشهور، المتوفّي سنة ٦٧١ هـ، في كتابه التذكرة في اُمور الاخرة، بعد ذكر حديث (لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم)، قال: إسناده ضعيف، والاحاديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) في التنصيص علي خروج المهدي (عليه السلام) من عترته من ولد فاطمة ثابتة أصحّ من هذا الحديث، فالحكم بها دونه. وقال: يحتمل أن يكون قوله (صلى الله عليه وآله): (لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم)، أي لا مهدي كاملاً إلاّ عيسى، قال: وعلي هذا تجتمع الاحاديث ويرتفع التعارض.
نقل ذلك عنه السيوطي في آخر جزء من العرف الوردي في أخبار المهدي.
٥ - وقال ابن تيمية المتوفّي سنة ٧٢٨ هـ في كتابه منهاج السنّة النبويّة (٤: ٢١١)، في التعليق علي الحديث الذي رواه ابن عمر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): (يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي، وكنيته كنيتي، يملا الارض عدلاً كما ملئت جوراً، وذلك هو المهدي): إنّ الاحاديث التي يحتجّ بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره، كقوله (صلى الله عليه وآله) في الحديث الذي رواه ابن مسعود: لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم، لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه رجل منّي - أو من أهل بيتي - يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ورواه الترمذي وأبو داود في رواية اُمّ سلمة. وفيه: المهدي من عترتي من ولد فاطمة. ورواه أبو داود من طريق أبي سعيد، وفيه: يملك الارض سبع سنين.
ورواه عن عليّ (عليه السلام) أنّه نظر إلى الحسين وقال: إنّ ابني هذا سيّد كما سمّاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسيخرج من صلبه رجل يسمّي باسم نبيّكم، يشبهه في الخُلق ولا يشبهه في الخَلق، يملا الارض قسطاً.
قال: وهذه الاحاديث غلط فيها طوائف، طائفة أنكروها، واحتجّوا بحديث ابن ماجة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: (لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم)، وهذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد أبو محمّد بن الوليد البغدادي وغيره عليه، وليس ممّا يعتمد عليه، ورواه ابن ماجة عن يونس عن الشافعي، والشافعي رواه عن رجل من أهل اليمن، يقال له محمّد بن خالد الجندي، وهو ممّن لا يحتجّ به، وليس في مسند الشافعي، وقد قيل: إنّ الشافعي لم يسمعه من الجندي، وإنّ يونس لم يسمعه من الشافعي.
وطائفة قالت: جدّه الحسين، وكنيته أبو عبد الله، فمعناه محمّد بن أبي عبد الله، وجعلت الكنية اسماً، وممّن سلك هذا ابن طلحة في كتابه الذي سمّاه غاية السؤول في مناقب الرسول(٧٧٠).
٦ - وعقد ابن القيم في آخر كتابه المنار المنيف في الحديث الصحيح والضعيف، فصلاً في الكلام علي أحاديث المهدي وخروجه، والجمع بينها وبين حديث (لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم) قال فيه: فأمّا حديث (لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم) فرواه ابن ماجة في سننه عن يوسف بن عبد الاعلي عن الشافعي عن محمّد ابن خالد الجندي عن أبان بن صالح عن الحسن عن أنس بن مالك، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وهو ممّا تفرّد به محمّد بن خالد. قال أبو الحسن محمّد بن الحسين الابري في كتاب مناقب الشافعي: محمّد بن خالد هذا غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل.
وقد تواترت الاخبار واستفاضت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذكر المهدي، وأنّه من أهل بيته، وأنّه يملك سبع سنين، وأنّه يملا الارض عدلاً، وأنّ عيسى يخرج فيساعده علي قتل الدجّال، وأنّه يؤمّ هذه الاُمّة ويصلّي عيسى خلفه.
وقال البيهقي: تفرّد به محمّد بن خالد هذا، وقد قال الحاكم أبو عبد الله: هو مجهول، وقد اختلف عليه في إسناده، فروي عنه عن أبان بن أبي عياش عن الحسن مرسلاً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله).
قال: فرجع الحديث إلى رواية محمّد بن خالد، وهو مجهول، عن أبان بن أبي عياش، وهو متروك، والاحاديث علي خروج المهدي أصحّ إسناداً.
قال ابن القيّم: قلت: كحديث عبد الله بن مسعود عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم، لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يبعث رجل منّي - أو من أهل بيتي - يواطئ اسمه اسمي، يملا الارض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً. رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. قال الترمذي: وفي الباب عن علي، وأبي سعيد، واُمّ سلمة، وأبي هريرة، ثمّ روي حديث أبي هريرة وقال: حسن صحيح.
ثمّ قال ابن القيّم: وفي الباب عن حذيفة بن اليمان، وأبي اُمامة الباهلي، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وثوبان، وأنس بن مالك، وجابر، وابن عباس وجابر. ثمّ أورد عدّة أحاديث رواها بنص أهل السنن والمسانيد وغيرها، منها ما هو صحيح، ومنها ما هو ضعيف أورده للاستئناس به.
ثمّ قال: وهذه الاحاديث أربعة أقسام: صحاح، وحسان، وغرائب، وموضوعة، وقد اختلف الناس في المهدي عن أربعة أقوال:
أحدها: أنّه المسيح بن مريم، واحتجّ أصحاب هذا القول بحديث محمّد بن خالد الجندي المتقدّم، وقد بيّنّا حاله، وأنّه لا يصحّ، ولو صحّ لم يكن به حجّة، لانّ عيسى (عليه السلام) أعظم مهدي بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين الساعة، وقد دلّت السنّة الصحيحة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) علي نزوله علي المنارة البيضاء شرقي دمشق، وحكمه بكتاب الله، وقتله اليهود والنصاري، ووضعه الجزية، وإهلاك أهل الملل في زمانه، فيصحّ أن يقال لا مهدي في الحقيقة سواه، وإن كان غيره مهدياً، كما يقال لا علم إلاّ ما نفع، ولا مال إلاّ ما وقي وجه صاحبه، وكما يصحّ أن يقال: إنّما المهدي عيسى بن مريم، يعني المهدي الكامل المعصوم(٧٧١).
القول الثاني: أنّه المهدي الذي ولي من بني العباس، وقد انتهي زمانه، ثمّ ذكر حديثين منهما ذكر مجيء الرايات السود من قبل المشرق من جهة خراسان، وأشار إلى ضعفهما، ثمّ قال مشيراً إلى أوّلها وثانيها: هذا والذي قبله لو صحّ لم يكن فيه دليل علي المهدي الذي تولّي من بني العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان.
القول الثالث: أنّه رجل من أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله) يخرج في آخر الزمان، وقد امتلات الارض جوراً وظلماً، فيملاها قسطاً وعدلاً، وأكثر الاحاديث علي هذا تدلّ.
ثمّ أورد بعض الاحاديث في خروج المهدي، ثمّ قال: وأمّا الامامية فلهم قول رابع، وهو أنّ المهدي هو محمّد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن، الحاضر في الامصار، الغائب عن الابصار.
٧ - وقال أبو الحسن السمهودي، المتوفّي سنة ٩١١ هـ: ويتحصّل ممّا ثبت في الاخبار عن المهدي انّه من ولد فاطمة.
٨ - وقال ابن حجر المكي المتوفّي سنة ٩٧٤ هـ في كتابه القول المختصر في علامات المهدي المنتظر: الذي يتعيّن اعتقاده ما دلّت عليه الاحاديث الصحيحة من وجود المهدي المنتظر الذي يخرج الدجّال وعيسى خلفه، وأنّه المراد حيث اُطلق المهدي.
٩ - وقال الحافظ عماد الدين بن كثير، في كتاب الفتن والملاحم تحت عنوان في ذكر المهدي الذي يكون في آخر الزمان: وهو أحد الخلفاء الراشدين الائمة المهديين.
١٠ - وقال الترمذي: حدّثنا محمّد بن جعفر، حدّثنا شعبة، سمعت زيداً القمّي، سمعت أبا الصديق الناجي يحدّث عن أبي سعيد الخدري، قال: خشينا أن يكون بعد نبيّنا حدث، فسألت نبيّ الله (صلى الله عليه وآله) فقال: إنّ في اُمّتي المهدي، يخرج فيعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً - زيد الشاك.
قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: سنين، قال: يجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني. قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله. هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأبو الصديق الناجي اسمه بكر ابن عمرو، ويقال: بكر بن قيس، وهذا دليل علي أنّ أكثر مدّته تسع، وأقلّها خمس أو سبع، ولعلّه هو الخليفة الذي يحثي المال حثياً. والله العالم.
وفي زمانه تكون الثمار كثيرة، والزروع غزيرة، والمال وافر، والسلطان قاهر، والدين قائم، والعدو راغم، والخير في أيامه دائم.
١١ - وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي صاحب فيض القدير في شرح الجامع الصغير، المتوفّي سنة ١٠٣٢ هـ في كتابه المذكور: وأخبار المهدي كثيرة شهيرة، أفردها غير واحد في التأليف. إلى أن قال: أخبار المهدي لا يعارضها خبر: (لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم).
وقال المناوي عند حديث (لن تهلك اُمّة أنا في أوّلها، وعيسى بن مريم في آخرها، والمهدي في وسطها) أراد بالوسط ما قبل الاخر، لانّ نزوله (عليه السلام) لقتل الدجّال يكون في زمن المهدي، ويصلّي عيسى خلفه، كما جاءت به الاخبار، وجزم به جمع من الاخيار.
وذكر عند حديث (منّا الذي يصلّي عيسى بن مريم خلفه) أنّه بعد نزوله يجيء فيجد الإمام المهدي يريد الصلاة، فيتأخّر ليتقدّم، فيقدّمه عيسى (عليه السلام) ويصلّي خلفه. قال: فأعظم به فضلاً وشرفاً لهذه الاُمّة! ثمّ قال: ولا ينافي ما ذكر في هذا الحديث ما اقتضاه بعض الاثار، من أنّ عيسى هو الإمام المهدي، وجزم به السعد التفتازاني، وعلّله بأفضليّته، لامكان الجمع بأنّ عيسى (عليه السلام) يقتدي بالمهدي أوّلاً ليظهر أنّه نزل تابعاً لنبيّنا حاكماً بشرعه...
١٢ - وقال الشيخ محمّد السفاريني في كتابه لوامع الانوار البهيّة وسواطع الاسرار الاثريّة، الذي شرح فيه نظمه في العقيدة المسمّي (الدرّة المغنية في عقد الفرقة المرضية).

وما أتي بالنص من أشراط * * * فكلّه حقٌّ بلا شطاط
منها الامام الخاتم النصيح * * * محمّد المهدي والمسيح

منها: أي من أشراط الساعة التي وردت بها الاخبار، وتواترت في مضمونها الاثار، أي من العلامات العظمي، وهي أوّلها أن يظهر الامام المقتدي بأقواله وأفعاله، الخاتم للائمة ولا إمام بعده، كما أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) هو الخاتم للنبوّة والرسالة، فلا نبيّ ولا رسول بعد الفصيح اللسان، لأنّه من صحيح العرب أهل الفصاحة والبلاغة.
ثمّ قال: وقوله: محمّد المهدي، هذا اسمه وأشهر أوصافه، فأمّا اسمه فمحمّد، جاء ذلك في عدّة أخبار.
إلى أن قال: وفي رواية من حديث لابن مسعود، قال: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: لاتذهب الدنيا حيث يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، يملا الارض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً. أخرجه الطبراني في معجمه الصغير، وأخرجه الترمذي، ولفظه: حتّى يملك العرب رجل من أهل بيتي، وقال: حديث حسن صحيح. وكذلك أخرجه أبو داود في سننه.
إلى أن قال: وأمّا تسميته ووصفه بالمهدي، فقد ثبتت له هذه الصفة في عدّة أخبار، وأمّا نسبه فإنّه من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله). ثمّ إنّ الروايات الكثيرة والاخبار الغزيرة ناطقة أنّه من ولد فاطمة البتول ابنة النبيّ الرسول (صلى الله عليه وآله) ورضي عنها وعن أولادها الطاهرين.
وجاء في بعض الاحاديث أنّه من ولد العباس، والاوّل أصحّ، قال ابن حجر في كتابه القول المختصر: وأمّا ما روي (إنّ المهدي من ولد العباس عمّي) فقال الدارقطني: حديث غريب، تفرّد به محمّد بن الوليد مولي بني هاشم. قال: ولا ينافيه خبر الرافعي عن ابن عباس مرفوعاً: (ألا اُبشّرك يا عمّ أنّ ذرّيتك الاصفياء، ومن عترتك الخلفاء، ومنك المهدي في آخر الزمان، به ينشر الله الهدي، ويطفئ نيران الضلالة، إنّ الله فتح بنا هذا الامر، وبذرّيتك يختم).
ثمّ أورد ابن حجر عدّة أخبار في هذا المعني، ثمّ قال: فهذه الاخبار كلّها لا تنافي أنّ المهدي من ذرّية رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ولد فاطمة الزهراء، لانّ الاحاديث التي فيها أنّ المهدي من ولدها أكثر وأصحّ، بل قال بعض حفّاظ الاُمّة وأعيان الائمة: إنّ كون المهدي من ذرّيته (صلى الله عليه وآله) ممّا تواتر عنه ذلك، فلا يسوغ العدول ولا الالتفات إلى غيره.
ثمّ ذكر الشيخ السفاريني خمس فوائد، تكلّم علي كلّ واحدة منها، الاُولي في حليته وصفته، والثانية في سيرته، والثالثة في علامات ظهوره، والرابعة الاشارة إلى بعض الفتن الواقعة قبل خروجه، والخامسة في مولده وبيعته ومدّة ملكه ومتعلّقات ذلك.
ثمّ قال بعد الانتهاء من الكلام علي الفوائد الخمس: قد ذكرت الاقوال في المهدي، حتّى قيل: (لا مهدي إلاّ عيسى) والصواب الذي عليه أهل الحقّ أنّ المهدي غير عيسى، وأنّه يخرج قبل نزول عيسى، وقد كثرت بخروجه الروايات حتّى بلغت حدّ التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنّة حتّى عدّ من معتقداتهم.
ثمّ ذكر بعض الاثار والاحاديث في خروج المهدي، وأسماء بعض الصحابة الذين رووها، ثمّ قال: وقد روي عمّن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم روايات متعدّدة، وعن التابعين من بعدهم ما يفيد مجموعه العلم القطعي، فالايمان بخروج المهدي واجب، كما هو مقرّر عند أهل العلم، ومدوّن في عقائد أهل السنّة والجماعة.
١٣ - وقال الشيخ محمّد بشير السهسواني الهندي المتوفّي سنة ١٣٢٦ هـ في كتابه صيانة الانسان عن وسوسة الشيخ دحلان: وبعد انقراض قرن الصحابة أتي اُمّته ما يوعدون من الحوادث والبدع، وكلّما أحدثت بدعة رفع مثلها من السنّة، ولكن في قرن التابعين وأتباع التابعين لم تظهر البدع ظهوراً فاشياً، وأمّا بعد قرن أتباع التابعين فقد تغيّرت الاحوال تغيّراً فاحشاً، وغلبت البدع، وصارت السنّة غريبة، واتّخذ الناس البدعة سنّة، والسنّة بدعة، ولا تزال السنّة في المستقبل غريبة إلاّ ما استثني من زمان المهدي (رضي الله عنه) وعيسى (عليه السلام) إلى أن تقوم الساعة علي شرار الناس.
١٤ - وقال الشيخ شمس الحقّ العظيم آبادي المتوفّي سنة ١٣٢٩ هـ في حاشيته المسمّاة عون المعبود علي سنن أبي داود: وخرّج أحاديث المهدي (عليه السلام) جماعة من الائمة، منهم أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والبزّاز، والحاكم، والطبراني، وأبو يعلي الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة، مثل علي (عليه السلام)، وابن عباس، وابن عمر، وطلحة، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وأبي سعيد الخدري، واُمّ حبيبة، واُمّ سلمة، وثوبان، وقرّة بن إياس، وعلي الهلالي، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وإسناد أحاديث هؤلاء بين صحيح وحسن وضعيف.
١٥ - وقال الشيخ محمّد أنور شاه الكشميري المتوفّي سنة ١٣٥٢ هـ في كتابه عقيدة الاسلام: أخرج مسلم في نزول عيسى (عليه السلام) عن جابر يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا تزال طائفة من اُمّتي يقاتلون علي الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعال صلّ بنا. فيقول: لا، إنّ بعضكم علي بعض اُمراء تكرمة الله لهذه الاُمّة.
قال الكشميري: المراد به أنّه لا يؤمّ في تلك الصلاة، حتّى لا يتوهّم أنّ الاُمّة المحمّدية سلبت الولاية(٧٧٢).
١٦ - وقال الشيخ محمّد بن علي الصبّان المتوفّي سنة ١٢٠٦ هـ في بيانه مزايا وخصائص أهل البيت (عليهم السلام): ومنها: أنّ منهم مهديّ آخر الزمان. أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي وآخرون: المهدي من عترتي من ولد فاطمة.
وقال: وصحّ مرفوعاً أنّه (صلى الله عليه وآله) قال: (ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي: تعال صلّ بنا، فيقول: لا، إنّما بعضكم أئمة علي بعض).
ونقل كلام ابن حجر في (الصواعق) حيث قال: الاظهر أنّ خروج المهدي قبل نزول عيسى، وقيل: بعده، وقد تواترت الاخبار عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) بخروجه وأنّه من أهل بيته، وأنّه يملا الارض عدلاً، وأنّه يساعد عيسى علي قتل الدجّال، بباب لدّ بأرض فلسطين، وأنّه يؤمّ هذه الاُمّة، ويصلّي عيسى خلفه(٧٧٣).
فتاوي علماء المذاهب الاربعة في مكة (سنة ٩٥٢ هـ)
نقل المتقي الهندي في كتابه (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان) الباب الثالث عشر اتّفاق علماء المذاهب الاربعة (الشافعية، والاحناف، والمالكية، والحنبلية) علي القول بصحّة أحاديث المهدي (عليه السلام) ووجوب الايمان بها، وذلك في جوابهم علي استفتاء ورد إليهم هذه صورته:
اللهمّ أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه.
ما يقول السادة العلماء أئمة الدين وهداة المسلمين (أيّدهم الله بروح القدس) في طائفة اعتقدوا شخصاً من بلاد الهند مات سنة ٩١٠ هـ ببلد من بلاد العجم يسمّي (فره) أنّه المهدي الموعود به في آخر الزمان، وأنّ من أنكر هذا المهدي فقد كفر؟ ثمّ حكم من أنكر المهدي الموعود؟ أفتونا رضي الله تعالى عنكم.
قال: وكان هذا الاستفتاء في سنة ٩٥٢ هـ.
الفقيه الشافعي
قال: أفتي الشيخ العلاّمة أحمد بن حجر الشافعي:
الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله علي سيّدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم، اللهمّ هدايةً لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك وتوفيقاً للصواب.
اعتقاد هؤلاء الطائفة باطل قبيح، وجهل صريح، وبدعة شنيعة، وضلالة قطعيّة، لمخالفته لصرائح الاحاديث المستفيضة المتواترة بأنّه من أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وأنّه يملك الارض شرقها وغربها، ويملاها عدلاً لم يسمع بمثله، وأنّه يخرج مع عيسى (عليه السلام) فيساعده علي قتل الدجّال بباب لدّ بأرض فلسطين قريب من بيت المقدّس، وأنّه يؤمّ هذه الاُمّة، وأنّ عيسى بن مريم (عليه السلام) يصلّي خلفه، وأنّه يذبح السفياني، وأنّه يخسف بجيشه الذي يرسل به إلى المهدي بالبيداء بين مكة والمدينة عند ذي الحليفة، فلا ينجو منهم إلاّ اثنان.
وغير ذلك من العلامات الكثيرة، وقد أفردتها بتأليف سمّيته (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر) ذكرنا فيه نحواً من مائة علامة، ممّا يميّز بها عن غيره، جاءت عنه عليه الصلاة والسلام وعن أصحابه وتابعيهم، جمعته من كتب الائمة المؤلفة علي سعتها وكثرة أحاديثها وطرقها، وما فيه من الاثار الكثيرة، والاعاجيب الشهيرة، وكلّ ذلك يضلّل هؤلاء الطائفة المعتقدين في ذلك الميّت أنّه المهدي لم يوجد فيه أدني شبهة تحمل ذا عقل بلغته السنّة علي أن يعتقدوا فيه ذلك، إلى آخر فتواه.
الفقيه الحنفي
وهو الشيخ أحمد أبو السرور الحنفي، وقد قال في فتواه:
الحمد لله، ربّنا آتنا من لدنك رحمة، وهيّي لنا من أمرنا رشداً، اعتقاد هذه الطائفة المحكي عنهم هذه الاُمور الشنيعة والاحوال المنكرة القطعية باطل لا أصل له ولا حقيقة، ويجب قمعهم أشدّ القمع، وردعهم أشدّ الردع، لمخالفة اعتقادهم ما وردت به النصوص الصحيحة والسنن الصريحة التي تواترت الاخبار بها، واستفاضت بكثرة رواتها من أنّ المهدي (رضي الله عنه) الموعود بظهوره في آخر الزمان يخرج مع سيّدنا عيسى علي نبيّنا وعليه السلام، ويساعد سيّدنا عيسى علي قتل الدجّال، وأنّه يكون له علامات قبل ظهوره، منها السفياني، وخسوف القمر في شهر رمضان، وورد أنّه يخسف في شهر رمضان مرّتين، وكسوف الشمس في النصف من رمضان علي خلاف ما جرت به العادة عند حساب النجوم، كلّ ذلك لم يقع، فدلّ عدم ظهور شيء من هذه العلامات المنصوص عليها، علي فساد اعتقادهم وغلط مرادهم، إلى آخر فتواه.
الفقيه المالكي
وهو الشيخ محمّد بن محمّد الخطابي المالكي، وقد قال في فتواه:
الحمد لله وحده، ما شاء الله، لا قوّة إلاّ بالله، اعتقاد هؤلاء الطائفة في الرجل الميّت أنّه المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان باطل، للاحاديث الصحيحة الدالّة علي صحّة صفة المهدي وصفة خروجه، وما يتقدّم بين يدي ذلك من الفتن، كظهور السفياني، والخسف بالجيش الذي يخرج لمحاربته بالبيداء، وكسوف الشمس في نصف شهر رمضان، وخسوف القمر في أوّله، وغير ذلك من الفتن، والاحاديث الدالّة علي كون المهدي يملك الارض ويظهر الدجّال في أيامه، وغير ذلك، ولم توجد هذه الاُمور في الرجل الميّت المذكور، فظهر أنّ اعتقادهم فيه أنّه المهدي باطل لا أصل له، إلى آخر فتواه.
الفقيه الحنبلي
وهو الشيخ يحيي بن محمّد الحنبلي، وقد قال في فتواه:
الحمد لله، اللهمّ اهدنا لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك، لا ريبة في فساد هذا الاعتقاد، لما اشتمل عليه من مخالفة الاحاديث الصحيحة بالعناد، فقد صحّ عنه عليه الصلاة والسلام، كما رواه الثقات عن الرواة الاثبات أنّه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، وذكر مقدّمات لظهوره وصفات في ذاته، واُمور تقع في زمانه، من أعظمها ما لا يمكن لاحد دعوي أنّه وقع، وهو نزول سيّدنا عيسى صلوات الله علي نبيّنا وعليه في زمانه واجتماعه وصلاته خلفه، وخروج الدجّال وقتله إيّاه معه، وهذه اُمور لم تقع، ولا بدّ من وقوعها، وقد فات ذلك هذا الرجل بموته، نعوذ بالله من الخذلان وتزيين الشيطان إلى أن قال: وأمّا من كذّب بالمهدي الموعود به فقد أخبر عليه الصلاة والسلام بكفره، إلى آخر فتواه.
دلالات أحاديث العامة
الاحاديث الواردة في كتب العامة شخّصت الإمام المهدي (عليه السلام) بما لا مزيد عليه، حيث دلّت علي أنّه (عليه السلام) من هذه الاُمّة، ومن عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ومن أهل البيت (عليهم السلام)، ومن أولاد علي وفاطمة (عليهما السلام)، ومن أولاد الحسين (عليه السلام) ونصت بعض مصادر العامّة عليه بكونه محمّد بن الحسن العسكري (عليه السلام)، وفيما يلي نذكر هذه الدلالات:
المهدي من هذه الامة
١ - من كتاب (الفتن) عن هشام بن محمّد، قال: المهدي من هذه الاُمّة، هو الذي يؤمّ عيسى بن مريم(٧٧٤).
٢ - وفي عقد الدرر في الباب الاوّل عن أبي مسلم عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ليبعثن الله من اُمّتي رجلاً - إلى أن قال: - يملا الارض عدلاً، الحديث(٧٧٥).
٣ - وفيه في الباب الثالث عن الحافظ أبي نعيم في كتابه (صفة المهدي) عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم) أنّه قال: المهدي منّا أهل البيت، رجل من اُمّتي، الحديث(٧٧٦).
٤ - وفي الفصول المهمّة، عن أبي داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يبعث فيه رجلاً من اُمّتي ومن أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، الحديث(٧٧٧).
٥ - وفي ينابيع المودّة عن كتاب (جواهر العقدين) عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم) أنّه قال: يكون في اُمّتي المهدي، الحديث(٧٧٨).
٦ - الترمذي في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، قال: خشينا أن يكون بعد نبيّنا حدث، فسألنا نبيّ الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: إنّ في اُمّتي المهدي، الحديث(٧٧٩).

المهدي كناني قرشي هاشمي
١ - في (عقد الدرر) في الباب الاوّل، عن أبي عبد الله نعيم بن حمّاد، عن ابن وائل، عن قتادة، وعن أبي الحسين أحمد بن جعفر المناوي، عن قتادة، قال: قلت لسعيد بن المسيّب: أحقّ المهدي؟
قال: نعم، هو حقّ.
قلت: ممّن؟
قال: هو من قريش.
قلت: من أيّ قريش؟
قال: من بني هاشم.
قلت: من أيّ بني هاشم؟
قال: من ولد عبد المطّلب.
قلت: من أيّ ولد عبد المطّلب؟
قال: من ولد فاطمة.
قلت: من أيّ ولد فاطمة؟
قال: حسبك الان(٧٨٠).
وكنانة هو ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، واعلم أنّ كلّ هاشمي هو من قريش، وكلّ قرشي هو من كنانة، لانّ قريش هو النضر بن كنانة باتّفاق أهل الانساب.
٢ - وفيه في الباب السابع، عن الحافظ أبي عبد الله نعيم بن حمّاد في كتاب (الفتن) عن إسحاق بن يحيي بن طلحة، عن طاووس، قال: ودّع عمر بن الخطّاب البيت، ثمّ قال: والله ما أراني أدع خزائن البيت وما فيه من السلاح والمال لم اُقسّمه في سبيل الله.
فقال له عليّ (عليه السلام): امضِ فلست بصاحبه، إنّما صاحبه فتيً من قريش يقسّمه في سبيل الله تعالى في آخر الزمان(٧٨١).
٣ - وقال الحافظ ابن حجر في الصواعق: أخرج أحمد والماوردي عنه (صلى الله عليه وسلم) أنّه قال:
أبشروا بالمهدي رجل من قريش من عترتي، يخرج في اختلاف من الناس وزلزال، فيملا الارض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً(٧٨٢).
وروي الشيخ محمّد بن علي الصبّان في إسعاف الراغبين مثله(٧٨٣).
المهدي من بني عبدالمطلب
١ - من كتاب (الفردوس) لابن شيرويه، في باب الالف، قال: عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّا معشر بني عبد المطّلب سادة أهل الجنّة، أنا وعليّ، وحمزة، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهدي(٧٨٤).
٢ - وأخرجه في (عقد الدرر) بلفظ: نحن سبعة بنو عبد المطّلب سادات أهل الجنّة: أنا، وأخي علي، وعمّي حمزة، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهدي.
ثمّ قال: أخرجه جماعة من أئمة الحديث في كتبهم، منهم الامام أبو عبد الله محمّد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه، وأبو القاسم الطبراني في معجمه، والحافظ أبو نعيم الاصبهاني وغيرهم(٧٨٥).
المهدي من ولد أبي طالب
أخرج المقدسي في (عقد الدرر) في الفصل الثالث من الباب الرابع عن نعيم ابن حمّاد في كتاب الفتن، بالاسناد عن سيف بن عميرة، قال: كنت عند أبي جعفر المنصور، فقال لي ابتداءً: يا سيف بن عميرة، لا بدّ من مناد ينادي من السماء باسم رجل من ولد أبي طالب.
قلت: يا أمير المؤمنين جعلت فداك، تروي هذا؟ قالم إي والذي نفسي بيده بسماع اُذني.
فقلت: ما سمعت هذا الحديث قبل وقتي هذا. فقال: يا سيف، إنّه لحقّ، وإذا كان فنحن أولي من يجيبه، أما إنّ النداء إلى رجل من بني عمّنا.
فقلت: رجل من بني فاطمة؟ قال: يا سيف لولا أنّي سمعته من أبي جعفر محمّد بن علي وحدّثني به أهل الارض كلّهم ما قبلته منهم، ولكنّه محمّد بن علي(٧٨٦).
المهدي من أهل البيت
١ - بالاسناد عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: قلت: يا رسول الله، أمِنّا آل محمّد المهدي، أم من غيرنا؟
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا، بل منّا، يختم الله به الدين، كما فتح بنا، وبنا يُنقذون من الفتنة، كما اُنقذوا من الشرك، وبنا يصبحون بعد عداوة الفتن إخواناً كما أصبحوا بعد عداوة الشرك إخواناً في دينهم(٧٨٧).
٢ - وعن عليّ (عليه السلام)، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) [قال]: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
لو لم يَبق من الدنيا إلاّ يوم، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملاها عدلاً كما ملئت جوراً، هكذا أخرجه أبو داود في سننه(٧٨٨).
٣ - وعن زِرّ، عن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
لا تذهب الدنيا حتّى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي. أخرجه أبو داود في سننه(٧٨٩).
٤ - وعن أبي هريرة، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال:
لا تقوم الساعة حتّى يملك رجل من أهل بيتي، يفتح القسطنطينيّة وجبل الديلم علي يده، ولو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يفتحها(٧٩٠).
٥ - وعن عبد الله بن مسعود بعدّة طرق، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تنقضي الايام، ولا يذهب الدهر، حتّى يملك العرب رجلٌ من أهل بيتي، اسمه يواطئ اسمي(٧٩١).
٦ - وعن عبد الله بن مسعود وأبي هريرة، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا تقوم الساعة حتّى يلي رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي(٧٩٢).
٧ - وعن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: المهدي منّا أهل البيت، أشمّ الانف، أجلي الجبهة، يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً(٧٩٣).
٨ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تقوم الساعة حتّى يملك رجل من أهل بيتي أجلي أقني، يملا الارض عدلاً كما ملئت قبله ظلماً، يكون سبع سنين(٧٩٤).
٩ - روي أبو نعيم بإسناده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ ليلة، لملّك الله تعالى فيها رجلاً من أهل بيتي(٧٩٥).
١٠ - وعن حذيفة، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ويح هذه الاُمّة من ملوك جبابرة، كيف يقتلون ويخيفون المطيعين إلاّ من أظهر طاعتهم، فالمؤمن التقيّ يصانعهم بلسانه، ويفرّ منهم بقلبه، فإذا أراد تعالى أن يعيد الاسلام عزيزاً، قصم كلّ جبّار عنيد، وهو القادر علي ما يشاء أن يصلح الاُمّة بعد فسادها.
يا حذيفة، لو لم يبق من الدنيا إلاّ يومٌ واحدٌ، لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يملك رجل من أهل بيتي، [تجري] الملاحم علي يديه، ويظهر الاسلام، والله لا يخلف وعده وهو سريع الحساب(٧٩٦).
١١ - وعن جابر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يكون بعدي خلفاء، وبعد الخلفاء اُمراء، وبعد الاُمراء ملوك، وبعد الملوك جبابرة، وبعد الجبابرة يخرج رجلٌ من أهل بيتي يملا الارض عدلاً(٧٩٧).
١٢ - وعن علقمة، عن عبد الله، قال: بينا نحن عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ أقبلت فتيةٌ من بني هاشم، فلمّا رآهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) اغرورقت عيناه وتغيّر لونه، فقالوا: يا رسول الله، ما نزال نري في وجهك شيئاً نكرهه؟
فقال: إنّا أهل بيت اختار الله لنا الاخرة علي الدنيا، و[إنّ] أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً، حتّى يأتي قومٌ من قِبَل المشرق، ومعهم راياتٌ سودٌ، فيسألون الحقّ فلا يُعطونه، فيقاتلون وينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلون حتّى يدفعوه إلى رجل من أهل بيتي، فيملاها قسطاً وعدلاً كما ملاوها جوراً، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حَبواً [على الثلج](٧٩٨).
١٣ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يخرج رجل من أهل بيتي يعمل بسُنّتي، وتنزل له البركة من السماء، وتخرج له الارض بركتها، ويملا الارض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويحكم علي هذه الاُمّة سبع سنين، وينزل بيت المقدس(٧٩٩).
١٤ - وعن زِرّ، عن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يخرج رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، خلقه خلقي، يملاها قسطاً وعدلاً(٨٠٠).
١٥ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لُتملانّ الارض ظلماً وعدواناً، ثمّ ليخرجنّ رجلٌ من أهل بيتي حتّى يملاها قسطاً وعدلاً كما مُلئت جَوراً وظلماً وعدواناً(٨٠١).
١٦ - وعن عبد الله بن عمر، قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تقوم الساعة حتّى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، يملا الارض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً(٨٠٢).
١٧ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تنقضي الساعة حتّى يملك الارض رجلٌ من أهل بيتي، يملا الارض عدلاً، كما ملئت قبله جوراً، يملك سبع سنين(٨٠٣).
١٨ - وعن جابر (رضي الله عنه)، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)، قال: إنّ الله تعالى يُلقي في قلوب شيعتنا الرعب، فإذا قام قائمنا وظهر مهديّنا، كان الرجل أجرأ من ليث، وأمضي من سنان(٨٠٤).
١٩ - وعن أبي القاسم محمّد بن الحنفيّة، عن أبيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): المهدي منّا أهل البيت، يصلحه الله عزّ وجلّ في ليلة - أو قال: في يومين -(٨٠٥).
٢٠ - وعن زرّ بن حبيش، عن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تذهب الدنيا حتّى يملك رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي(٨٠٦).
المهدي من عترة النبي
١ - عن سعيد بن المسيَّب، عن اُمّ سلمة، قالت: سمعت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: المهديّ من عترتي من ولد فاطمة، أخرجه الحافظ أبو داود في سننه(٨٠٧).
٢ - وعن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ليبعثنّ الله من عترتي رجلاً أفرَق الثنايا أجلي الجبهة، يملا الارض عدلاً، يفيض المال عليه فيضاً(٨٠٨).
٣ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلاءً يصيب هذه الاُمّة، حتّى لا يجد الرجل ملجأً يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله رجلاً من عترتي أهل بيتي، فيملا به الارض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً، يرضي عنه ساكن السماوات والارض، لا تدع السماء من قطرها شيئاً إلاّ صبّته مدراراً، ولا تدع الارض من نباتها شيئاً إلاّ أخرجته، حتّى يتمنّى الاحياء الاموات، يعيش في ذلك سبع سنين [أو ثماني سنين] أو تسع سنين(٨٠٩).
٤ - وعن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال:
لا تقوم الساعة حتّى تمتلئ الارض ظلماً وعدواناً، ثمّ يخرج رجلٌ من عترتي - أو من أهل بيتي، الترديد من الراوي - يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً(٨١٠).
٥ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
تملا الارض جوراً وظلماً فيخرج رجل من عترتي، يملك الارض سبعاً - أو تسعاً - فيملا الارض قسطاً وعدلاً(٨١١).
٦ - وأخرج ابن حجر في (الصواعق) عن أحمد وأبي داود والترمذي وابن ماجة عنه (صلى الله عليه وسلم) قال:
لو لم يبقَ من الدهر إلاّ يوم لبعث الله فيه رجلاً من عترتي - وفي رواية: من أهل بيتي - يملاها عدلاً كما ملئت جوراً، الحديث(٨١٢).
٧ - وأخرج نعيم بن حمّاد عن علي (عليه السلام) وعائشة، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: المهدي رجل من عترتي، يقاتل علي سنّتي كما قاتلت أنا على الوحي(٨١٣).
المهدي من ولد الرسول
١ - عن حذيفة، أنّه قال: قال رسول الله: المهديّ رجل منّي، لونه لون عربيّ، والجسم جسمٌ اسرائيليّ(٨١٤)، على خدّه الايمن خالٌ، كأنّه كوكبٌ دُرّيّ، يملا الارض عدلاً كما مِلئت جوراً، يرضي بخلافته أهل الارض وأهل السماء والطير في الجوّ(٨١٥).
٢ - وعن أبي اُمامة الباهلي، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): بينكم وبين الروم أربع هُدَن، يوم الرابعة علي يد رجل من آل هرقل، يدوم سبع سنين.
فقال له رجل من عبد القيس يقال له المستورد بن غيلان: يا رسول الله، من إمام الناس يومئذ؟
قال: المهدي من ولدي، ابن أربعين سنة، كأنّ وجهه كوكبٌ دُرّي، في خدّه الايمن خالٌ أسود، عليه عباءتان قَطَوانيّتان(٨١٦)، كأنّه من رجال بني إسرائيل، يستخرج الكنوز، ويفتح مدائن الشرك(٨١٧).
٣ - وعن حذيفة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): المهديّ رجلٌ من ولدي، وجهه كالكوكب الدُّرّي(٨١٨).
٤ - وعنه قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فذكر ما هو كائن، ثمّ قال: لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله تعالى ذلك اليوم حتّى يبعث رجلاً من ولدي اسمه اسمي.
فقام سلمان (رضي الله عنه) فقال: [يا] رسول الله [من] أيّ ولدك هو؟ قال: من ولد هذا، وضرب بيده علي الحسين (عليه السلام)(٨١٩).
٥ - عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): المهدي منّي، أجلي الجبهة، أقني الانف، يملا الارض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين(٨٢٠).
٦ - وعن عليّ (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم، لبعث الله رجلاً منّا، يملاها عدلاً كما ملئت جوراً(٨٢١).
٧ - وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: المهدي من ولدي، تكون له غيبة وحيرة تضلّ فيها الاُمم، يأتي بذخيرة الانبياء (عليهم السلام)، فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً(٨٢٢).
٨ - وعن سليمان بن إسحاق بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن العباس، قال: حدّثني أبي، قال: كنتُ يوماً عند الرشيد، فذُكر المهدي وما ذُكر من عدله، واُطنب في ذلك.
فقال الرشيد: إنّي أحسبكم تحسبونه أنّه أبي المهدي؟ حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطّلب، أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يا عمّ، يملك من ولدي اثنا عشر خليفة، ثمّ تكون اُمور كثيرة شديدة عظيمة، ثمّ يخرج المهدي من ولدي، يُصلح الله أمره في ليلة، فيملا الارض عدلاً كما مُلئت جوراً، ويمكث في الارض ما شاء الله، ثمّ يخرج الدجّال(٨٢٣).
٩ - وروي أبو داود في سننه عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم)، أنّه قال: لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يبعث فيه رجلاً منّي(٨٢٤)، الحديث.
ورواه الشبلنجي في (نور الابصار) عن الترمذي عن أبي سعيد الخدري عنه (صلى الله عليه وسلم) وقال: قال الترمذي: هذا حديث ثابت صحيح، قال: ورواه الطبراني وغيره(٨٢٥).
١٠ - وقال ابن حجر في الصواعق: أخرج الروياني والطبراني وغيرهما عنه (صلى الله عليه وسلم): المهدي من ولدي، الحديث، ورواه الصبّان في إسعاف الراغبين(٨٢٦).
ورواه الشبلنجي في نور الابصار عن ابن شيرويه، عن حذيفة بن اليمان، عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم)(٨٢٧).
١١ - وعن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: قلت: يا رسول الله، أمنّا آل محمّد المهدي أو من غيرنا؟ فقال (صلى الله عليه وآله): لا، بل منّا(٨٢٨).
المهدي من ولد علي
١ - أخرج أبو نعيم في الفتن، عن علي (عليه السلام) أنّه قال في المهدي (عليه السلام): هو رجل منّي(٨٢٩).
٢ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ عليّ بن أبي طالب إمام اُمّتي، وخليفتي عليها [من] بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الذي يملا الله به الارض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جَوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقّ بشيراً ونذيراً، إنّ الثابتين علي القول بإمامته في زمان غيبته لاعزّ من الكبريت الاحمر(٨٣٠).
٣ - وعن ابن إسحاق، قال: إنّ عليّاً (رضي الله عنه) نظر إلى ابنه الحسين فقال: إنّ ابني هذا لسيّد كما سمّاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسيخرج من صلبه رجل يسمّي باسم نبيّكم (صلى الله عليه وآله وسلم)، يشبهه في الخُلق، ولا يشبهه في الخَلق، يملا الارض عدلاً(٨٣١).
المهدي من ولد فاطمة
١ - عن سعيد بن المسيّب، قال: كنّا عند اُمّ سلمة، فتذاكرنا المهديّ، فقالت: سمعت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: المهدي من ولد فاطمة، أخرجه ابن ماجة في سننه(٨٣٢).
٢ - وأخرج أبو نعيم عن الحسين (عليه السلام) أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال لفاطمة (عليها السلام): يا بنيّة، المهدي من ولدك(٨٣٣).
٣ - وعن اُمّ سلمة (رضي الله عنها)، قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: المهديّ من عترتي، من ولد فاطمة(٨٣٤).
٤ - وفي ينابيع المودّة عن عليّ بن هلال، عن أبيه، قال: دخلت علي النبيّ (صلى الله عليه وسلم) في مرضه، وعنده فاطمة تبكي، فقال: ما يبكيك يا ابنتي؟
فقالت: أخشي الضيعة من بعدك.
فقال: يا حبيبتي، إنّ الله اطّلع علي أهل الارض اطلاعة فاختار منهم أباك فبعثه برسالته، ثمّ اطّلع اطلاعة فاختار منهم بعلك فأوحي إلى أن اُنكحك إيّاه.
يا فاطمة، نحن أهل بيت قد أعطانا الله تبارك وتعالى سبع خصال لم يعطها أحداً قبلنا، ولا يعطيها أحداً بعدنا، أنا خاتم النبيّين وأكرمهم علي الله عزّ وجلّ أبوك، ووصيّي خير الاوصياء وأحبّهم إلى الله عزّ وجلّ بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وأحبّهم إلى الله عزّ وجلّ حمزة عمّ أبيك وعمّ بعلك، ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنّة مع الملائكة حيث يشاء وهو ابن عمّ أبيك وأخو بعلك، ومنّا سبطا هذه الاُمّة وهما الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ابناك، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً إنّ المهدي من ولدك، يملا الارض قسطاً كما ملئت جوراً.
قال: أخرجه الحافظ أبو العلاء الهمداني في الاحاديث الاربعين في المهدي (رضي الله عنه)(٨٣٥)، انتهي.
٥ - وأخرج جميع من المحدّثين والحفّاظ عن اُمّ سلمة (رض)، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: المهدي حقّ، وهو من ولد فاطمة(٨٣٦).
٦ - وأخرج نعيم بن حمّاد، عن قتادة، قال: قلت لسعيد بن المسيّب: المهدي حقّ هو؟ قال: نعم. قلت: ممّن هو؟ قال: من ولد فاطمة ابنته (صلى الله عليه وآله)(٨٣٧).
٧ - وأخرج أيضاً عن الزهري قال: المهدي رجل من ولد فاطمة ابنة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وما الخلافة إلاّ فيهم(٨٣٨).
٨ - وفي ينابيع المودّة عن الطبراني في الاوسط، عن عباية بن ربعي، عن أبي أيوب الانصاري: قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لفاطمة رضي الله عنها: منّا خير الانبياء وهو أبوك، ومنّا خير الاوصياء وهو بعلك، ومنّا خير الشهداء وهو عمّ أبيك حمزة، ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنّة حيث يشاء وهو ابن عمّ أبيك جعفر، ومنّا سبطا هذه الاُمّة سيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين، وهما ابناك، ومنّا المهدي وهو من ولدك(٨٣٩).
وروي نحوه عن كتاب فضائل الصحابة لابي المظفّر السمعاني، عن أبي سعيد الخدري، في حديث دخول فاطمة (سلام الله عليها) على أبيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)(٨٤٠).
٩ - وأخرج نعيم بن حمّاد بسنده عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: المهدي رجلٌ منّا، من ولد فاطمة(٨٤١).
١٠ - وأخرج ابن عساكر عن الحسين (عليه السلام) أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: أبشري يا فاطمة، المهدي منك(٨٤٢).
المهدي من أولاد الحسن والحسين
أخرج الطبراني في الكبير وأبو نعيم عن علي بن هلال أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال لفاطمة (عليها السلام): والذي بعثني بالحقّ منهما - يعني الحسن والحسين - مهديّ هذه الاُمّة، إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً، وتظاهرت الفتن، وتقطّعت السبل، وأغار بعضهم علي بعض، فلا كبير يرحم صغيراً، ولا صغير يوقّر كبيراً، يبعث الله عند ذلك منهما من يفتح حصون الضلالة، وقلوباً غلفاً، يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أوّل الزمان، ويملا الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً(٨٤٣).
وأمّا كون المهدي (عليه السلام) من أولاد الحسن والحسين عليهما أفضل الصلاة والسلام، فلانّ والدة الامام أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر زوجة الامام أبي الحسن علي بن الحسين زين العابدين سلام الله عليهم جميعاً هي فاطمة بنت الامام أبي محمّد الحسن الزكي المجتبي سلام الله عليه، وقد ورد في حقّ هذه المخدّرة عن ابنها باقر العلوم أنّها كانت صدّيقة.
فأبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر من أولاد الحسن والحسين، فهو وأولاده الكرام عليه وعليهم السلام ممّن فاز بهذا الشرف، والمهدي المنتظر سلام الله عليه من هذه الدوحة الميمونة والشجرة المباركة، لأنّه محمّد بن الحسن بن علي بن محمّد ابن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليهم سلام الله.
وفي ينابيع المودّة عن كتاب (جواهر العقدين) قال: وقد ظهرت بركات دعائه (صلى الله عليه وسلم) وقت تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما في نسل الحسن والحسين، فكان من نسلهما من مضي ومن يأتي، ولو لم يأتِ في الاتين إلاّ الإمام المهدي لكفى(٨٤٤).
المهدي من أولاد الحسين
١ - عن حذيفة بن اليمان، قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فذكر لنا ما هو كائن إلى يوم القيامة، ثمّ قال:
لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم حتّى يبعث الله رجلاً من ولدي اسمه اسمي.
فقام سلمان وقال: يا رسول الله، إنّه من أيّ ولدك؟
قال: هو من ولدي هذا، وضرب بيده علي الحسين(٨٤٥).
٢ - وفي عقد الدرر الباب الرابع - الفصل الثاني، عن عليّ (عليه السلام) قال: إنّ المهدي من ولد الحسين، ألا فمن تولّي غيره لعنه الله(٨٤٦).
٣ - وعن جابر بن يزيد، عن الامام محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام) - في حديث طويل - جاء فيه: والمهدي يا جابر رجل من ولد الحسين(٨٤٧).
٤ - وفي شرح ابن أبي الحديد لقول أمير المؤمنين (عليه السلام) (وبنا تُختم لا بكم)، قال: إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الزمان، وأكثر المحدّثين علي أنّه من ولد فاطمة، وأصحابنا المعتزلة لا ينكرونه، وقد صرّحوا بذكره في كتبهم، واعترف به شيوخهم.
إلى أن قال: وروي قاضي القضاة رحمه الله تعالى عن كافي الكفاة أبي القاسم إسماعيل بن عباد (رحمه الله) بإسناد متّصل بعليّ (عليه السلام) أنّه ذكر المهدي وقال: إنّه من ولد الحسين (عليه السلام)، وذكر حليته فقال: رجل أجلي الجبين، أقني الانف، ضخم البطن، أزيل الفخذين، أبلج الثنايا، بفخذه اليمني شامة(٨٤٨).
المهدي التاسع من ولد الحسين
١ - روي موفّق بن أحمد الخوارزمي، بإسناده عن سلمان المحمّدي، قال: دخلتُ علي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وإذا الحسين علي فخذه وهو يقبّل عينيه ويلثم فاه، ويقول: أنت سيّد ابن سيّد أبو سادة، أنت إمام ابن إمام أبو الائمة، أنت حجّة ابن حجّة أبو حجج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم(٨٤٩).
٢ - وعن سلمان الفارسي، وأبي سعيد الخدري، وأبي أيوب الانصاري، وابن عباس، وعلي الهلالي بألفاظ مختلفة، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: يا فاطمة إنّا أهل بيت، اُعطينا ستّ خصال لم يعطها أحد من الاوّلين، ولا يدركها أحد من الاخرين غيرنا أهل البيت.
إلى قوله (صلى الله عليه وآله):
ومنّا مهديّ الاُمّة الذي يصلّي عيسى خلفه، ثمّ ضرب علي منكب الحسين (عليه السلام) فقال: من هذا مهديّ الاُمّة(٨٥٠).
صفته واسمه
١ - عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد، لبعث الله رجلاً اسمه اسمي، وخُلقه خُلقي(٨٥١).
٢ - وعنه، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: المهدي [من ولدي] وجهه كالقمر الدرّي، لونه لون عربيّ، والجسم منه إسرائيلي، يملا الارض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً، يرضي بخلافته أهل [السماوات و] الارض والطير في الجوّ، يملك عشرين سنة(٨٥٢).
٣ - وعن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): المهدي منّي، أجلي الجبهة، أقني الانف، يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يملك سبع سنين(٨٥٣).
٤ - وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): المهدي منّا، أجلي الجبهة أقني الانف(٨٥٤).
٥ - عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: المهدي منّا أهل البيت، رجل من اُمّتي أشمّ الانف، يملا الارض عدلاً كما ملئت جوراً(٨٥٥).
٦ - وروي الحموئي، بإسناده عن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تنقضي الدنيا ولا تذهب حتّى يلي اُمّتي رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي(٨٥٦).
٧ - وبإسناده عن عبد الله، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: لا تقوم الساعة حتّى يلي رجلٌ من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي(٨٥٧).
النص على الإمام المهدي
ممّا تقدّم أصبح واضحاً أنّ تلك الصفات التي جاءت علي لسان الرسول (صلى الله عليه وآله) في التعريف بالإمام المهدي القائم بالحقّ (عليه السلام) جميعها تنطبق علي الامام محمّد بن الحسن العسكري (عليه السلام) فهو من عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ومن أهل البيت (عليهم السلام) ومن أولاد الرسول (صلى الله عليه وآله)، ومن أولاد فاطمة الزهراء (عليها السلام) والتاسع من أولاد الحسين (عليه السلام).
ولقد ذكرنا النص علي الإمام المهدي (عليه السلام) بجملة وافية من الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) في الفصل الرابع من هذا الكتاب، ومرادنا هنا من ذكر النص هو بعض الروايات الواردة من طريق العامّة في هذا الخصوص، وهي من نوع الروايات والاخبار التي سلمت من يد التحريف والحذف والرقابة الشديدة التي فرضت علي مثل هذه الاخبار علي طول التأريخ، سيّما في العهدين الاُموي والعباسي.
وفي ما يلي أهمّ تلك الاخبار:
١ - روي أبو المؤيّد موفّق بن أحمد الخوارزمي، بالاسناد عن أبي سلمي راعي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ليلة اُسري بي إلى السماء، قال لي الجليل جلّ جلاله: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا اُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ)، فقلت: (وَالمُؤْمِنُونَ)(٨٥٨)، قال: صدقت يا محمّد.
قال: من خلّفت في اُمّتك؟ قلت: خيرها. قال: عليّ بن أبي طالب؟ قلت: نعم، يا ربّ.
قال: يا محمّد، إنّي اطّلعت إلى الارض اطّلاعةً فاخترتك منها، فشققت لك اسماً من أسمائي، فلا اُذكر في موضع إلاّ ذُكرت معي، فأنا المحمود وأنت محمّد، ثمّ اطّلعت الثانية فاخترت منها عليّاً، وشققت له اسماً من أسمائي، فأنا الاعلي وهو عليّ.
يا محمّد، إنّي خلقتك وخلقت عليّاً وفاطمة والحسن والحسين والائمة من ولده من نوري، وعرضت ولايتكم علي أهل السماوات والارض، فمن قبِلها كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان عندي من الكافرين.
يا محمّد، لو أنّ عبداً من عبيدي عبدني حتّى يتقطّع، أو يصير كالشَّنّ(٨٥٩) البالي، ثمّ جاءني جاحداً لولايتكم، ما غفرت له حتّى يقرّ بولايتكم.
يا محمّد، تحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم، يا ربّ. فقال: التفت عن يمين العرش فالتفتّ، فإذا بعليّ وفاطمة والحسن والحسين وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن محمّد، ومحمّد بن عليّ، وعليّ بن محمّد، والحسن بن عليّ، والمهديّ (عليهم السلام) في ضحضاح من نور قيامٌ يصلّون، وهو في وسطهم - يعني المهدي - كأنّه كوكب درّيّ، وقال: يا محمّد هؤلاء الحجج، وهو الثائر من عترتك، وعزّتي وجلالي، إنّه الحجّة الواجبة لاوليائي، والمنتقم من أعدائي(٨٦٠).
٢ - وبإسناده عن الحارث وسعيد بن بشير، عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا واردكم علي الحوض، وأنت يا عليّ الساقي، والحسن الذائد، والحسين الامِر، وعليّ بن الحسين الفارط، ومحمّد بن عليّ الناشر، وجعفر بن محمّد السائق، وموسى بن جعفر محصي المحبّين والمبغضين وقامع المنافقين، وعليّ بن موسى مزيّن المؤمنين، ومحمّد بن عليّ منزل أهل الجنّة في درجاتهم، وعليّ بن محمّد خطيب شيعته ومزوّجهم الحور العين، والحسن بن عليّ سراج أهل الجنّة يستضيئون به، والمهديّ شفيعهم يوم القيامة حيث لا يأذن الله إلاّ لمن يشاء ويرضى(٨٦١).
٣ - وبإسناده عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا سيّد النبيّين، وعليّ بن أبي طالب سيّد الوصيّين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وآخرهم المهديّ(٨٦٢).
٤ - وبإسناده عن عبد الله بن العباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج الله علي الخلق بعدي الاثنا عشر، أوّلهم أخي، وآخرهم ولدي.
قيل: يا رسول الله، ومن أخوك؟ قال: عليّ بن أبي طالب.
قيل: فمن ولدك؟ قال: المهدي، الذي يملاها قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقّ بشيراً ونذيراً لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلّي خلفه، وتشرق الارض بنور ربّها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب(٨٦٣).
البشارة بالمهدي
١ - عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اُبشّركم بالمهدي، يُبعث في اُمّتي علي اختلاف من الناس وزلازل، فيملا الارض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، يرضي عنه السماء وساكن الارض، يقسّم المال صحاحاً.
فقال له رجل: وما صحاح؟
قال: السويّة بين الناس(٨٦٤).
٢ - وعن أبي سعيد الخدري أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: يكون في اُمّتي المهدي، إن قصر فسبع، وإلاّ فتسع، فتنعم فيه اُمّتي نعمة لم ينعموا مثلها قطّ، تؤتي اُكلها، ولا تدّخر منهم شيئاً، والمال يومئذ كدوس، فيقوم الرجل فيقول: يا مهدي أعطني، فيقول: خُذ(٨٦٥).
انكاره كفر
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما اُنزل علي محمّد، ومن أنكر نزول عيسى فقد كفر، ومن أنكر خروج الدجّال فقد كفر، ومن لم يؤمن بالقدر خيره وشرّه من الله فقد كفر، فإنّ جبرئيل (عليه السلام) أخبرني بأنّ الله عزّ وجلّ يقول: مَن لم يؤمن بالقدر خيره وشرّه فليتّخذ ربّاً غيري(٨٦٦).
إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة التي بشّرت بمهديّ أهل البيت (عليهم السلام) وظهوره وفضائله وخصائصه ممّا سنذكره في محلّها إن شاء الله، والتي رواها العامة في مصنّفاتهم المعتبرة بأسانيد تنتهي أكثرها إلى ثقات.
اخبار معارضة
وردت في كتب العامة بعض الاخبار المعارضة للاحاديث الصحيحة والمتواترة التي قدّمناها، والتي صرّحت باسم الإمام المهدي (عليه السلام) وصفته ونسبه، ومن تلك الاخبار ما ظاهره أنّ المهدي (عليه السلام) من ولد العباس، أو أنّه (عليه السلام) من ولد الحسن (عليه السلام)، أو أنّه لا مهدي إلاّ عيسى، وغيرها من الاخبار التي صرّح أعلام العامة ومحقّقوهم وعلماء الجرح والتعديل منهم بضعفها، فضلاً عن أنّها مختلقة لاغراض سياسية أو شخصية مختلفة، وفيما يلي نتعرّض لذكرها:
حديث المهدي من ولد العباس
١ - أخرج السيوطي في (الجامع الصغير) والمتقي الهندي في (البرهان) عن عثمان بن عفّان، قال: سمعت النبيّ (صلى الله عليه وآله) يقول: المهدي من ولد العباس عمّي، قال السيوطي: حديث ضعيف(٨٦٧). وقال الدارقطني: هذا حديث غريب تفرّد به محمّد ابن الوليد مولي بني هاشم(٨٦٨).
وقال المناوي: رواه الدراقطني في الافراد، وقال ابن الجوزي: فيه محمّد بن الوليد المقري، قال ابن عدي: يضع الحديث ويصله ويسرق ويقلب الاسانيد والمتون، وقال ابن أبي معشر: هو كذّاب. وقال السمهودي: فيه محمّد بن الوليد، وضّاع(٨٦٩).
٢ - وروي الخطيب البغدادي في تأريخه حديث ابن عباس عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال لعمّه العباس (رضي الله عنه): إنّ الله ابتدأ بي الاسلام، وسيختمه بغلام من ولدك، وهو الذي يتقدّم عيسى بن مريم(٨٧٠).
وفي هذا الحديث محمّد بن مخلّد، وهو ضعيف(٨٧١).
٣ - وروي الخطيب وابن عساكر عن اُمّ الفضل عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال لعمّه العباس (رضي الله عنه): يا عباس، إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة فهي لك ولولدك، منهم السفّاح، ومنهم المنصور، ومنهم المهدي(٨٧٢).
وقد صرّح الذهبي بوضع هذا الحديث من قبل أحمد بن راشد الهلالي، وشهد ببطلانه(٨٧٣).
وشيء آخر أشار إليه الذهبي، هو جهل واضع الحديث بالتأريخ المذكور في الحديث، لانّ حكم العباسيين لم يبدأ بسنة ١٣٥ هـ، وإنّما بدأ حكمهم سنة ١٣٢ هـ.
ولو صحّ هذا الحديث فإنّ لفظ المهدي لا ينصرف إلى المهدي المنتظر (عليه السلام) الذي يظهر في آخر الزمان، بل هو ناظر إلى ما عطف عليه، وهو المنصور وقبله العباس، أي هو المهدي العباسي، لا المهدي القائم بالحقّ الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً.
فهذا هو حال الاحاديث التي نسبت المهدي (عليه السلام) إلى العباس (رضي الله عنه) في الضعف والوضع والشذوذ، فضلاً عن معارضتها بالاحاديث الصحيحة التي بيّنت وشخّصت نسب المهدي (عليه السلام) وكونه من أولاد أبي طالب، ومن ولد النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ومن أهل البيت (عليهم السلام)، علي ما تقدّم بيانه.
حديث اسم أبيه اسم أبي
أخرج الطبراني والحاكم من طريق عاصم بن أبي النجود، عن زرّ بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: لا تذهب الدنيا حتّى يبعث الله رجلاً يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي(٨٧٤).
وأخرج الخطيب بنفس الاسناد عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: لا تقوم الساعة حتّى يملك رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي(٨٧٥).
وهذا الحديث يعارض كون المهدي (عليه السلام) هو محمّد بن الحسن العسكري (عليه السلام) لأنّه صريح بأنّ المهدي هو محمّد بن عبد الله، لكنّ العبارة الاخيرة التي في الحديث لا تصحّ لجملة اُمور، نذكر منها:
أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (واسم أبيه اسم أبي)، لم ترد هذه العبارة في أغلب الروايات الصحيحة والمعوّل عليها، بل إنّ معظم روايات الحفّاظ والمحدّثين الثقات عن ابن مسعود تنتهي عند قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (اسمه اسمي)(٨٧٦).
وقال المقدسي الشافعي في عقد الدرر: أخرجه جماعة من أئمّة الحديث في كتبهم، منهم الامام أبو عيسى الترمذي في جامعه، والامام أبو داود في سننه، والحافظ أبو بكر البيهقي، والشيخ أبو عمرو الداني كلّهم هكذا، أي ليس فيه (واسم أبيه اسم أبي)، ثمّ أخرج جملة من الاحاديث المؤيّدة لذلك عن الائمة الحفّاظ ومن صحاحهم ومسانيدهم المعتبرة، مشيراً إلى من أخرجها من الائمة الحفّاظ كالطبراني وأحمد بن حنبل، والترمذي، وأبي داود، والبيهقي عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله ابن عمر، وحذيفة(٨٧٧).
وعليه فلا يعقل اتّفاق هؤلاء جميعاً وغيرهم علي إسقاط هذه العبارة من الحديث لو كانت فيه، لما فيها من الاهمية في النقض علي مخالفيهم فضلاً عن الجزم في تحديد هوية الامام المنتظر (عليه السلام).
ولا يستبعد أن كون هذه العبارة من زيادات أتباع العباسيين لتأييد مهدوية محمّد بن عبد الله المهدي العباسي، أو من قبل أتباع الحسنيين لترويج مهدوية محمّد ابن عبد الله بن الحسن المثنّي.
والثابت عن أئمة الهدي المعصومين (عليهم السلام) أنّ المهدي هو الثاني عشر من أئمة أهل البيت، وأنّ اسمه كاسم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ابن الامام الحسن العسكري (عليه السلام)، وقد ولد سنة ٢٥٥ هـ وغاب غيبته الكبرى سنة ٣٢٩ هـ ولا يزال غائباً إلى اليوم حتّى يأذن الله تعالى له بالفرج فيملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
ولو سلّمنا بصحّة الزيادة المشار إليها، فلعلّها مصحّفة عن (اسم أبيه اسم ابني) أي الحسن أو الحسين (عليهما السلام) نظراً إلى الجدّ الاكبر، أو عن (اسم ابنه اسم ابني) أي القاسم، ويؤيّده ما صحّ في الحديث (كنيته كنيتي).
وقال الكنجي: ذكر الترمذي الحديث في جامعه، ولم يذكر قوله: واسم أبيه اسم أبي(٨٧٨). وذكره أبو داود(٨٧٩). وفي معظم روايات الحفّاظ والثقات من نقلة الاخبار: (اسمه اسمي) فقط، والذي روي (واسم أبيه اسم أبي) فهو زائدة، وهو يزيد في الحديث.
وإن صحّ فمعناه (واسم أبيه اسم أبي) الحسين (عليه السلام)، وكنيته أبو عبد الله، فجعل الكنية اسماً كناية عنه أنّه من ولد الحسين دون الحسن، ويحتمل أنّه قال (صلى الله عليه وآله): (اسم أبيه اسم ابني) أي الحسن، ووالد المهدي اسمه الحسن، فيكون الراوي قد توهّم قوله ابني، فصحّفه فقال أبي، فوجب حمله علي هذا، جمعاً بين الروايات.
ثمّ قال: وهذا كلّه تكلّف في تأويل هذه الرواية، والقول الفصل في ذلك أنّ الامام أحمد مع ضبطه وإتقانه روي هذا الحديث في مسنده في عدّة مواضع: واسمه اسمي.
ثمّ قال: وجمع الحافظ أبو نعيم طرق هذا الحديث عن الجمّ الغفير في (مناقب المهدي) كلّهم عن عاصم بن أبي النجود، عن زرّ، عن عبد الله، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله). ثمّ عدّ أكثر من ثلاثين شخصاً رووه عن عاصم بدون هذه الزيادة.
وقال: ورواه غير عاصم عن زرّ - وهو عمرو بن مرّة - عن زرّ، كلّ هؤلاء رووا (اسمه اسمي) إلاّ ما كان من عبيد الله بن موسى عن زائدة عن عاصم فإنّه قال فيه (واسم أبيه اسم أبي)، ولا يرتاب اللبيب أنّ هذه الزيادة لا اعتبار بها مع اجتماع هؤلاء الائمة على خلافها(٨٨٠).
وقال الشيخ الفاضل علي بن عيسى في (كشف الغمّة) بعد أن أورد ما ذكرناه: أمّا أصحابنا الشيعة فلا يصحّحون هذا الحديث لما ثبت عندهم من اسمه واسم أبيه (عليه السلام)، وأمّا الجمهور فقد نقلوا أنّ زائدة(٨٨١) كان يزيد في الاحاديث، فوجب المصير إلى أنّه من زياداته جمعاً بين الاقوال والروايات(٨٨٢).
حديث المهدي من ولد الحسن
روي أبو داود في السنن عن أبي إسحاق، قال: قال علي (عليه السلام) وقد نظر إلى ابنه الحسن: إنّ ابني هذا سيّد كما سمّاه النبيّ (صلى الله عليه وآله) وسيخرج من صلبه رجل يسمّى باسم نبيّكم في الخُلق، ولا يشبهه في الخَلق، يملا الارض عدلاً(٨٨٣).
وإلى ظاهر هذه الرواية ذهب بعض علماء العامة، وزعموا أنّ المهدي المنتظر من أولاد أبي محمّد الحسن الزكي المجتبي (عليه السلام)، والحقّ أنّه لا يصحّ الاستناد إلى رواية أبي داود لجملة اُمور منها:
١ - اختلاف النقل عن أبي داود، ففي عقد الدرّ، نقل هذا الحديث عن أبي داود في السنن، وفيه (أنّ عليّاً (عليه السلام) نظر إلى ابنه الحسين (عليه السلام)) كما صرّح به السيّد صدر الدين الصدر في كتابه (المهدي (عليه السلام))(٨٨٤)، وكذلك نقله عنه الجزري الشافعي في (أسمي المناقب) وفيه أيضاً: (أنّ عليّاً (عليه السلام) نظر إلى ابنه الحسين (عليه السلام))(٨٨٥).
٢ - إنّ جماعة من الحفّاظ نقلوا هذه القصّة بعينها، وفيها: أنّ عليّاً نظر إلى ابنه الحسين (عليه السلام) كالترمذي والنسائي والبيهقي، كما أكده السيّد صدر الدين الصدر في كتاب (المهدي (عليه السلام))(٨٨٦).
٣ - احتمال التصحيف فيها، فإنّ لفظ الحسين والحسن يتشابهان في رسم الكتابة، ووقوع التصحيف فيهما وارد جدّاً.
٤ - أنّها مخالفة لما عليه المشهور من علمائهم كما نص عليه بعضهم، وقد ذكرنا أقوالهم في أوّل هذا الفصل، ويأتي في الفصل السابع مزيد من أقوالهم المؤيّدة لكون الإمام المهدي (عليه السلام) هو التاسع من ولد الحسين (عليه السلام).
٥ - إنّ هذه الرواية معارضة بأخبار كثيرة أصحّ منها سنداً وأظهر دلالة، وقد تقدّم بعضها وسيأتي في فصول الكتاب اللاحقة كثير منها. نذكر منها هنا حديث حذيفة بن اليمان، قال: خطبنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فذكرنا بما هو كائن، ثمّ قال: لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل الله عزّ وجلّ ذلك اليوم حتّى يبعث فيه رجلاً من ولدي، اسمه اسمي، فقال سلمان الفارسي (رضي الله عنه) فقال: يا رسول الله، من أيّ ولدك؟ قال: من ولدي هذا، وضرب بيده علي الحسين (عليه السلام)(٨٨٧).
٦ - إنّه حديث مجهول، لانّ أبا داود قال في أوّله: (حُدّثت عن هارون بن المغيرة) دون أن يذكر الشيخ الذي حدّثه، ولا عبرة في الحديث المجهول.
٧ - بالنظر إلى العلل التي قدّمناها، يبدو أنّ الحديث موضوع لاغراض سياسية أو شخصيّة، ويؤيّد هذا أنّ أتباع الحسنيين قد زعموا مهدوية محمّد بن عبد الله بن الحسن، الشهيد سنة ١٤٥ هـ، فلا يستبعد وضع هذا الحديث من قبلهم لتأييد مهدويّته وللاكثار من أنصاره ومؤيّديه.
وعليه فحديث أبي داود مخالف للصحّة من كلّ وجه قدّمناه، وإذا سلّمنا بصحّته فإنّه لا يعارض الاحاديث المؤكدة بأنّ المهدي (عليه السلام) من ولد الامام الحسين (عليه السلام)، لانّ الإمام المهدي (عليه السلام) حسيني الاب حسنيّ الاُمّ كما قدّمناه، لكون اُمّ جدّه الامام محمّد بن علي الباقر (عليه السلام) هي فاطمة بنت الامام الحسن المجتبي (عليه السلام)، ومنه يعلم أنّ الامام الباقر (عليه السلام) حسيني الاب حسنيّ الاُمّ وذرّيته تكون من ذرية السبطين حقيقة، ومنهم الإمام المهدي (عليه السلام).
ويؤيّد هذا ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال لفاطمة (عليه السلام): والذي بعثني بالحقّ منهما - يعني الحسن والحسين - مهديّ هذه الاُمّة(٨٨٨).
حديث لا مهدي الا عيسى
أخرج ابن ماجة والحاكم عن يونس بن عبد الاعلي، عن الشافعي، عن محمّد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري، عن أنس بن مالك، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، قال: لا يزداد الامر إلاّ شدّة، ولا الدنيا إلاّ إدباراً، ولا الناس إلاّ شحّاً، ولا تقوم الساعة إلاّ على شرار الناس، ولا مهدي إلاّ عيسى بن مريم(٨٨٩).
وقد نقلنا في أوّل الفصل أقوال جملة من الاعلام الذين قالوا بأنّ هذا الحديث منكر باطل، وأنّ في إسناده الذي قدّمناه بعض الضعفاء والمجاهيل، ونزيد هنا أقوالاً اُخري في هذا الحديث ليتبيّن لك سقوطه في ميزان الجرح والتعديل.
فقد نقل ابن حجر العسقلاني قدح أبي عمرو وأبي الفتح الازدي بمحمّد بن خالد الجندي(٨٩٠).
وقال الذهبي: قال الازدي: منكر الحديث، وقال أبو عبد الله الحاكم: مجهول، قلت: حديث (لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم) وهو خبر منكر أخرجه ابن ماجة(٨٩١).
وقال ابن حجر الهيتمي: وصرّح النسائي بأنّه منكر، وجزم غيره من الحفّاظ بأنّ الاحاديث التي قبله - أي الناصّة علي أنّ المهدي من ولد فاطمة (عليها السلام) - أصحّ إسناداً(٨٩٢).
ووصف أبو نعيم هذا الحديث بالغرابة، وقال: لم نكتبه إلاّ من حديث الشافعي(٨٩٣).
وقال ابن حجر الهيتمي في الصواعق: قال الحاكم أوردته تعجّباً لا محتجّاً به، وقال البيهقي: تفرّد به محمّد بن خالد، وقد قال الحاكم إنّه مجهول، واختلف عنه في إسناده، وصرّح النسائي بأنّه منكر(٨٩٤).
وذكر المقدسي في ديباجة كتابه (عقد الدرر): إنّ من الناس من يزعم أنّه لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم الطاهرة الزكيّة.
فقلت له: أمّا من ينكر هذا (يعني ظهور المهدي) بالكلية، فلا التفات إليه، إذ لا يعلم في ذلك مستند يرجع إليه.
وأمّا من يزعم أن لا مهدي إلاّ عيسى بن مريم، وأصرّ علي صحّة هذا الحديث وصمّم، فربما أوقعه في ذلك الحميّة والالتباس، وإن كثر تداول هذا الحديث علي ألسنة الناس، فكيف يرتقي إلى درجة الصحّة وهو حديث منكر؟ أم كيف يحتجّ بمثله من أمعن النظر في إسناده وفكر.
وصرّح بكونه منكراً الامام أبو عبد الرحمن، وإنّه لجدير بذلك، إذ مداره علي محمّد بن خالد الجندي.
وفي كتاب (العلل المتناهية) للامام أبي الفرج بن الجوزي ما نقله في توهين هذا الحديث من كلام الحافظ أبي بكر البيهقي، قال: فرجع الحديث إلى الجندي وهو مجهول، عن أبان بن عياش وهو متروك غير مقبول، عن الحسن عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم) وهو منقطع غير موصول.
وحكى البيهقي عن شيخه الحاكم النيسابوري وناهيك به معرفة بعلم الحديث وعلي أحوال رواته مطّلع أنّه قال: الجندي مجهول، وابن عياش متروك، وهذا الحديث بهذا الاسناد منقطع.
وعدّ علماء الحديث في حقّ الإمام المهدي من الاحاديث ما لا يخفي كثرة، وكلّها معرّضة بذكره ومصرّحة باسمه، وفي ذلك أدلّ دليل على ترجيحها علي هذا الحديث المنكر عند من له بهذا الحديث خبرة وبعضها لبعض مصحّحة.
وقد ذكر الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه علي الصحيحين من ذلك ما فيه غنية، ونبّه علي ترجيح رواية الجمّ الغفير من كان له في ذلك بغية، ولمّا انتهي في كتابه إلى ذكر هذه الرواية بيّن حالها لمن له فهم ودراية، فقال: قد ذكرته بما انتهي إلى من علم هذا الحديث تعجّباً لا محتجّاً به. وهذا غاية التوهين.
ثمّ قال: فإنّ أولي من هذا الحديث حديث سفيان الثوري وشعبة وزائدة وغيرهم، ثمّ ذكر الحديث الذي يقول فيه (صلى الله عليه وآله وسلم): يواطي اسمه اسمي، وقال: وقد قال العلماء الاماثل: إنّ معني قوله يواطئ يشبه ويماثل(٨٩٥).
فقد اتّضح لمن أنصف من جملة هذا الكلام أنّ المهدي من ولد الزهراء فاطمة (عليها السلام) لا عيسى بن مريم (عليهما السلام).
على أنّا نقول: ولئن سلّمنا صحّة هذا الحديث، فإنّه يحمل علي تأويل، إذ لا نجد لالغاء ما يعارضه من الاحاديث الصحيحة سبيلاً، ولعلّ تأويله كتأويل: لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد، إذ ألفاظ الحديثين يقرب بعضها من بعض ولا يبعد، وفي الحديث من هذا النوع كثير، وليس ذلك بمحمول علي المَنْفِيّ، بل علي الترجيح والتوفير، أو لعلّ له تأويلاً غير ذلك(٨٩٦).
والذي يستفاد من كلمات هؤلاء الاعلام في الجواب عن الحديث المشار إليه اُمور:
الاوّل: إنّه موضوع.
الثاني: إنّه منكر ضعيف.
الثالث: إنّه معارض بالاخبار المتواترة.
الرابع: إنّه مؤوّل ومحمول علي غير ظاهره.
ويمكن أن يقال: إنّ الذي يظهر من الاحاديث أنّ ظهور المهدي (عليه السلام) ونزول عيسى (عليه السلام) من السماء متلازمان لا ينفك أحدهما عن الاخر، فيصحّ بالعناية إرادة كلّ منهما عند إطلاق الاخر، فكأنّهما رجل واحد، أو يقال في الرواية حذف هكذا (لا مهدي إلاّ وعيسى بن مريم معه) كما دلّت عليه الاخبار المستفيضة، فكأنّ عيسى أحد أمارات صدق المهدي عليهما أفضل الصلاة والسلام.
فمن كتاب (الفتن) للحافظ أبي عبد الله نُعيم بن حمّاد، يرفعه إلى أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): منّا الذي يصلّي عيسى بن مريم خلفه(٨٩٧).
ومن كتاب (الفتن) يرفعه إلى هشام بن محمّد، قال: المهديّ من هذه الاُمّة هو الذي يؤمّ عيسى بن مريم (عليه السلام)(٨٩٨).
وعن الحافظ أبي عبد الله محمّد بن يزيد بن ماجة القزويني، [في سننه] في حديث صحيح طويل في نزول عيسى (عليه السلام)، فمن ذلك: قالت اُمّ شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله، فأين العرب يومئذ؟
قال: هم يومئذ قليل، وجلّهم ببيت المقدس، وإمامهم قد تقدّم يصلّي بهم الصبح، إذ نزل بهم عيسى (عليه السلام)، فيرجع ذلك الامام يمشي القهقري ليقدّم عيسى(عليه السلام) ليصلّي بالناس، فيضع عيسى (عليه السلام) يده بين كتفيه، ثمّ يقول: تقدّم(٨٩٩).
وعليه فالمهدي (عليه السلام) غير عيسى (عليه السلام)، وأنّ عيسى (عليه السلام) يخرج في زمان الإمام المهدي (عليه السلام) ويأتمّ به ويساعده علي قتل الدجّال، كما دلّت عليه الروايات الصحيحة.

الفصل السابع: الموافقون للشيعة من العامة

لقد اعترفت طائفة كبيرة من علماء العامّة بأنّ المهدي المنتظر في آخر الزمان هو محمّد بن الحسن العسكري، وأنّه ولد في حياة أبيه (عليه السلام)، ومات أبوه وعمره خمس سنين، وهو الامام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين هم أئمة المسلمين جميعاً وثقل الرسول الاكبر الذين أوصي بمحبّتهم وطاعتهم وأوجب الله مودّتهم والتمسّك بهم.
وفي إيراد أقوال هذه الطائفة الذين ذكرت سبعة وثلاثين عالماً منهم هو دليل واضح وبرهان ساطع علي أنّ القول بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) وطول عمره وكونه حيّاً غائباً حتّى يأذن الله تعالى له بالظهور لاقامة دولة الحقّ، لم يكن ممّا تنفرد به الشيعة الاماميّة، كما يدّعي البعض، وفي ذلك أيضاً حجّة بالغة علي القائلين بأنّ الامام الحسن العسكري (عليه السلام) مات ولم يعقّب، فأنكروا ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، فها نحن نقرأ لهم شهادات العلماء والمؤرّخين والمحدّثين من مختلف المذاهب والملل، وجميعها تحكي: أنّ التأريخ هو الذي يقول بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) وبقائه حيّاً إلى اليوم لا الشيعة الامامية وحسب، ولم يتّفق لامر تأريخي مثل هذه الشهادات التي اتفقت علي ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) وكونه هو المنتظر لاقامة دولة الحقّ.
وقد ذكر الدكتور أحمد صبحي في كتابه (نظريّة الامامة) أنّه قد شاع الاعتقاد في انتظار المهدي عند جماعة من أهل السنّة، وإن لم يتقرّر كأصل من اُصول عقيدتهم، كما هو الحال لدي الشيعة بعد أن تحدّث فيه بعض علمائهم كالكنجي الشافعي في كتابه (البيان في أخبار صاحب الزمان)، والسيوطي في كتابه (العرف الوردي في أخبار المهدي)، وابن حجر العسقلاني في كتابه (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر)، ويوسف بن يحيي الدمشقي في (عقد الدرر في أخبار الامام المنتظر).
ومضي يقول: وشارك في الاعتقاد بالمهدي المنتظر فريق آخر من علماء السنّة بالرغم من عدائهم التقليدي للشيعة وإنكارهم لاكثر عقائدهم، ويعتقد ابن تيمية بصحّة الحديث الذي رواه ابن عمر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) وجاء فيه: يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته كنيتي يملا الارض عدلاً كما ملئت جوراً، وذلك هو المهدي.
وفي حديث آخر له: المهدي من عترتي ومن ولد فاطمة، كما يري أنّ ما رواه أحمد والترمذي وأبو داود حول المهدي من الصحاح(٩٠٠).
وقد قسّمنا القائلين بولادة الامام (عليه السلام) والموافقين للاماميّة إلى طائفتين:
الطائفة الاُولى: الموافقون للشيعة من العامّة في ولادة الامام الحجّة (عليه السلام)، وأنّه ابن الامام العسكري (عليه السلام)، وكونه هو المهدي الموعود في آخر الزمان.
الطائفة الثانية: المعترفون بولادته (عليه السلام) من العامّة ولم يتّفقوا في كونه هو المهدي الموعود في آخر الزمان.
الطائفة الأولى - الموافقون للشيعة من العامة
كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي
الاوّل - أبو سالم كمال الدين محمّد بن طلحة بن محمّد بن أبي الحسن النصيبي الشافعي:
ذكر الإمام المهدي (عليه السلام) في كتابه (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول) وهذا الرجل قد أثني عليه علماء أهل السنّة وذكروه بكلّ جميل، فذكره تقيّ الدين أبو بكر أحمد بن قاضي شهيد، المعروف بابن جماعة الدمشقي الاسدي في (طبقات فقهاء الشافعيّة) علي ما نقل عنه، وقال: إنّه كان أحد الصدور والرؤساء المعظّمين، ولد سنة ٥٨٢ هـ وتفقّه وشارك في العلوم، وكان فقيهاً بارعاً عارفاً بالمذهب والاُصول والخلاف، ترسل عن الملك وساد وتقدّم وسمع الحديث، وتوفّي في سابع رجب سنة ٦٥٢ هـ.
ومدحه أبو عبد الله بن أسعد اليمني المعروف باليافعي في (مرآة الجنان) في حوادث سنة ٦٥٠ فيما حكي عنه.
وقال عبد الغفّار بن إبراهيم العكي الشافعي فيما نقل عنه: إنّه أحد العلماء المشهورين.
وذكره وبالغ في مدحه جمال الدين عبد الرحيم بن حسن بن علي الاسنوي الشافعي في (طبقات الشافعيّة).
أمّا كتابه (مطالب السؤول) فهو كتاب مشهور معروف، وكونه من تأليفه مشهور معلوم أيضاً، حتّى إنّ ابن تيمية اعترف بأنّه له في كتابه (منهاج السنّة) على ما حكى عنه، مع إنكاره جملة من الاحاديث المستفيضة(٩٠١).
قال الشيخ كمال الدين: الباب الثاني عشر في أبي القاسم محمّد الحجّة بن الحسن الخالص بن عليّ المتوكل بن محمّد القانع بن عليّ الرضا عليهم السلام والتحيّة، قد وقع من النبوّة في أكناف عناصرها، ووضع من الرسالة أخلاف أواصرها، ونزع من القرابة بسجال معاصرها، وبرع في صفات الشرف فعقدت عليه بخناصرها، واقتني من الانساب شرف نصابها، واعتلي عند الانتساب علي شرف أحسابها، واجتني جني الهداية من معادنها وأسبابها، فهو من ولد الطهر البتول المجزوم بكونها بضعة من الرسول، فالرسالة أصله، وإنّها لاشرف العناصر والاُصول.
فأمّا مولده بسرّ من رأي في ثالث وعشرين من رمضان سنة ثمان وخمسين وماءتين للهجرة(٩٠٢).
وأمّا نسبه أباً واُمّاً، فأبوه أبو محمّد الحسن الخالص بن علي المتوكل بن محمّد القانع بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين الزكي بن عليّ المرتضى أمير المؤمنين.
وأمّا اُمّه فاُمّ ولد تسمّي صيقل، وقيل: حكيمة، وقيل غير ذلك.
وأمّا اسمه فمحمّد، وكنيته أبو القاسم، ولقبه الحجّة والخلف الصالح، وقيل: المنتظر.
ثمّ أورد عدّة أخبار في المهدي (عليه السلام) من طريق أبي داود والترمذي والبغوي ومسلم والبخاري والثعلبي.
ثمّ قال: فإن قال معترض: هذه الاحاديث النبويّة الكثيرة بتعدادها المصرّحة بجملتها وأفرادها متّفق علي صحّة إسنادها، ومجمع علي نقلها عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإيرادها، وهي صحيحة صريحة في كون المهدي (عليه السلام) من ولد فاطمة (عليها السلام)، وأنّه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن عترته وأهل بيته، وأنّ اسمه يواطئ اسمه، وأنّه يملا الارض قسطاً وعدلاً، وأنّه من ولد عبد المطّلب، وأنّه من سادات الجنّة، وذلك ممّا لا نزاع فيه، غير أنّ ذلك لا يدلّ علي أنّ المهدي الموصوف بما ذكره (صلى الله عليه وآله) من الصفات والعلامات هو هذا أبو القاسم محمّد بن الحسن الحجّة الخلف الصالح (عليه السلام)، فإنّ ولد فاطمة (عليها السلام) كثيرون، وكلّ من يولد من ذرّيتها إلى يوم القيامة يصدق عليه أنّه من ولد فاطمة، وأنّه من العترة الطاهرة، وأنّه من أهل البيت (عليهم السلام)، فتحتاجون مع هذه الاحاديث المذكورة إلى زيادة دليل يدلّ علي أنّ المهدي المراد هو الحجّة المذكور ليتمّ مرامكم؟
فجوابه: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا وصف المهدي (عليه السلام) بصفات متعدّدة من ذكر نسبه واسمه ومرجعه إلى فاطمة (عليها السلام) وإلى عبد المطّلب، وأنّه أجلي الجبهة أقني الانف، وعدّد الاوصاف الكثيرة التي جمعتها الاحاديث الصحيحة المذكورة آنفاً، وجعلها علامة ودلالة علي أنّ الشخص الذي يسمّي بالمهدي، وتثبت له الاحكام المذكورة، هو الشخص الذي اجتمعت تلك الصفات فيه، ثمّ وجدنا تلك الصفات المجعولة علامة ودلالة مجتمعة في أبي القاسم محمّد الخلف الصالح دون غيره، فيلزم القول بثبوت تلك الاحكام له، وأنّه صاحبها، وإلاّ فلو جاز وجود ما هو علامة ودليل ولا يثبت ما هو مدلوله، قدح ذلك في نصبها علامة ودلالة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك ممتنع.
فإن قال المعترض: لا يتمّ العمل بالدلالة والعلامة إلاّ بعد العلم باختصاص من وجدت فيه بها دون غيره وتعيينه لها، فأمّا إذا لم يعلم تخصّصه وانفراده بها فلا يحكم له بالدلالة، ونحن نسلّم أنّه من زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ولادة الخلف الصالح الحجّة (عليه السلام) ما وجد من ولد فاطمة (عليها السلام) شخص جمع تلك الصفات التي هي الدلالة والعلامة، لكن وقت بعثة المهدي وظهوره وولادته هو في آخر أوقات الدنيا عند ظهور الدجّال ونزول عيسى بن مريم (صلوات الله عليه)، وذلك سيأتي بعد مدّة مديدة، ومن الان إلى ذلك الوقت المتراخي الممتدّ أزمان متجدّدة، وفي العترة الطاهرة من سلالة فاطمة (عليها السلام) كثرة يتعاقبون ويتوالدون إلى ذلك الابّان، فيجوز أن يولد من السلالة الطاهرة والعترة النبويّة من يجمع تلك الصفات، فيكون هو المهدي المشار إليه في الاحاديث المذكورة، ومع هذا الاحتمال والامكان كيف يبقي دليلكم مختصّاً بالحجّة المذكور (عليه السلام)؟
فالجواب: إنّكم إذا اعترفتم أنّه إلى وقت ولادة الخلف الصالح وإلى زماننا هذا لم يوجد من جمع تلك الصفات والعلامات بأسرها سواه، فيكفي ذلك في ثبوت تلك الاحكام له، عملاً بالدلالة الموجودة في حقّه، وما ذكرتموه من احتمال أن يتجدّد مستقبلاً في العترة الطاهرة من يكون بتلك الصفات لا يكون قادحاً في إعمال الدلالة، ولا مانعاً من ترتّب حكمها عليها، فإنّ دلالة الدليل راجحة لظهورها، واحتمال تجدّد ما يعارضها مرجوح، ولا يجوز ترك الراجح بالمرجوح، فإنّه لو جوّزنا ذلك لامتنع العمل بأكثر الادلّة المثبتة للاحكام، إذ ما من دليل إلاّ واحتمال تجدّد ما يعارضه متطرّق إليه، ولم يمنع ذلك من العمل به وفاقاً.
إلى أن قال: وكذلك قضيّة الخوارج الذين وصفهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بصفات ورتّب عليها حكمهم، ثمّ بعد ذلك لمّا وجد عليّ (عليه السلام) تلك الصفات موجودة في اُولئك في واقعة حروراء والنهروان جزم بأنّهم هم المرادون بالحديث النبوي، وقاتلهم وقتلهم، فعمل بالدلالة عند وجود الصفة مع احتمال أن يكون المرادون غيرهم، وأمثال هذه الدلالة والعمل بها مع قيام الاحتمال كثيرة، فعلم أنّ الدلالة الراجحة لا تترك لاحتمال المرجوح.
نزيده بياناً وتقريراً، فنقول بثبوت الحكم عند وجود العلامة والدلالة لمن وجدت فيه أمر يتعيّن العمل به والمصير إليه، فمن تركه وقال: بأنّ صاحب الصفات المراد بإثبات الحكم ليس هو هذا بل شخص غيره سيأتي، فقد عدل عن النهج القويم ووقف نفسه موقف اللئيم.
ويدلّ علي ذلك أنّ الله عزّ وعلا لمّا أنزل في التوراة علي موسى (صلوات الله عليه) أنّه يبعث النبيّ العربيّ في آخر الزمان خاتم الانبياء ونعته بأوصافه وجعلها علامة ودلالة علي إثبات حكم النبوّة وصار قوم موسى يذكرونه بصفاته، ويعلمون أنّه يبعث، فلمّا قرب زمان ظهوره وبعثه صاروا يهدّدون المشركين به، ويقولون: سيظهر الان نبيّ لغته كذا وصفته كذا، نستعين به علي قتالكم، فلمّا بعث (صلى الله عليه وآله) ووجدوا العلامات والصفات بأسرها التي جعلت دلالة علي نبوّته أنكروه، وقالوا: ليس هو هذا، بل هو غيره وسيأتي؛ فلمّا جنحوا إلى الاحتمال، وأعرضوا عن العمل بالدلالة الموجودة في الحال، أنكر الله تعالى عليهم كونهم تركوا العمل بالدلالة التي ذكرها لهم في التوراة وجنحوا إلى الاحتمال.
وهذه القصّة من أكبر الادلّة وأقوي الحجج علي أنّه يتعيّن العمل بالدلالة عند وجودها، وإثبات الحكم لمن وجدت تلك الدلالة فيه، فإذا كانت الصفات التي هي علامة ودلالة لثبوت تلك الاحكام المذكورة موجودة في الحجّة الخلف الصالح محمّد [ابن الحسن] (عليه السلام) تعيّن إثبات كونه المهدي المشار إليه من غير جنوح إلى الاحتمال بتجدّد غيره في الاستقبال.
فإن قال المعترض: نسلّم لكم أنّ الصفات المجعولة علامة ودلالة، إذا وجدت تعيّن العمل بها، ولزم إثبات مدلولها لمن وجدت فيه، لكن نمنع وجود تلك العلامة والدلالة في الخلف الصالح محمّد [بن الحسن] (عليه السلام)، فإنّ من جملة الصفات المجعولة علامة ودلالة أن يكون اسم أبيه مواطئاً لاسم أبي النبيّ (صلى الله عليه وآله)، هكذا صرّح به الحديث النبويّ علي ما أوردتموه، وهذه الصفة لم توجد فيه، فإنّ اسم أبيه الحسن، واسم أب النبيّ (صلى الله عليه وآله) عبد الله، وأين الحسن من عبد الله، فلم توجد هذه الصفة التي هي جزء من العلامة والدلالة، فإذا لم يثبت جزء العلّة فلا يثبت حكمها، إذ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لم يجعل تلك الاحكام ثابتة إلاّ لمن اجتمعت تلك الصفات كلّها له، والتي جزؤها مواطاة اسمي الابوين في حقّه، وهذه لم تجتمع في الحجّة الخلف الصالح، فلا تثبت تلك الاحكام له، وهذا إشكال أقوى.
فالجواب: لا بدّ قبل الشروع في تفصيل الجواب من بيان أمرين يبني عليهما الغرض:
فالاوّل: إنّه سائغ شائع في لسان العرب إطلاق لفظة الاب علي الجدّ الاعلي، وقد نطق القرآن الكريم بذلك، فقال الله تعالى: (مِلَّةَ أبيكم إبْراهيم)(٩٠٣)، وقال تعالى حكايةً عن يوسف (عليه السلام): (وَاتَّبَعْت مِلَّةَ آبائي إبْراهيمَ وَإسْحاق)(٩٠٤). ونطق بذلك النبيّ (صلى الله عليه وآله) وحكاه عن جبرئيل في حديث الاسراء أنّه قال: قلت: من هذا؟ قال: أبوك إبراهيم. فعلم أنّ لفظة أب تطلق على الجدّ وإن علا، فهذا أحد الامرين.
الامر الثاني: إنّ لفظة الاسم تطلق علي الكنية وعلي الصفة، وقد استعملها الفصحاء ودارت بها ألسنتهم، ووردت في الاحاديث حتّى ذكرها البخاري ومسلم، كلّ واحد منهما يرفع ذلك بسنده إلى سهل بن سعد الساعدي، أنّه قال عن عليّ (عليه السلام): والله إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) سمّاه بأبي تراب، ولم يكن له اسم أحبّ إليه منه، فأطلق لفظة الاسم علي الكنية، ومثل ذلك قول الشاعر:
اُجلّ قدرك أن تسمّي مؤننة ومن كنّاك فقد سمّاك للعرب
ويروي: ومن يصفك، فأطلق التسمية علي الكناية أو الصفة، وهذا شائع ذائع في كلام العرب.
فإذا وضح ما ذكرنا من الامرين فاعلم أيّدك الله بتوفيقه أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان له سبطان: أبو محمّد الحسن، وأبو عبد الله الحسين (عليهما السلام)، ولمّا كان الحجّة الخلف الصالح (عليه السلام) من ولد أبي عبد الله، وكانت كنية الحسين أبا عبد الله، فأطلق النبيّ (صلى الله عليه وآله) علي الكنية لفظة الاسم لاجل المقابلة بالاسم في حقّ أبيه، وأطلق علي الجدّ لفظة الاب، فكأنّه (عليه السلام) قال: يواطئ اسمه اسمي، فأنا محمّد وهو محمّد، وكنية جدّه اسم أبي، إذ هو أبو عبد الله، وأبي عبدُ الله، لتكون تلك الالفاظ المختصرة جامعة لتعريف صفاته وإعلام أنّه من ولد أبي عبد الله الحسين بطريق جامع موجز، فحينئذ تنتظم الصفات وتوجد بأسرها مجتمعةً للحجّة الخلف الصالح محمّد (عليه السلام)، وهذا بيان شاف كاف في إزالة ذلك الاشكال فافهمه... إلى آخر كلامه(٩٠٥)، وجميعه يدلّ علي اعتقاد الشيخ كمال الدين الراسخ بكون الإمام المهدي (عليه السلام) هو ابن الحسن العسكري.
محمد بن يوسف الكنجي الشافعي
الثاني - الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي المقتول سنة ٦٥٨ هـ:
ذكر الإمام المهدي (عليه السلام) وكونه الحجّة بن الحسن العسكري (عليه السلام) في كتابيه: (البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام))، و(كفاية الطالب في مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)).
وقد عبّر عنه ابن الصبّاغ المالكي في (الفصول المهمّة) بالامام الحافظ، واحتجّ بروايته ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري في شرح صحيح البخاري) علي ما نقل عنه.
أمّا كتابه (البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام)) فذكره صاحب كشف الظنون، فقال: (البيان في أخبار صاحب الزمان) للشيخ أبي عبد الله محمّد بن يوسف الكنجي المتوفّي سنة ٦٥٨ هـ.
وأورده بتمامه عليّ بن عيسى الاربلي في (كشف الغمّة)، وقال: إنّ مؤلّفه حمله هو وكتاب (كفاية الطالب) إلى الصاحب السعيد تاج الدين محمّد بن نصر بن الصلايا العلوي الحسيني، فقرأنا الكتابين علي مصنّفهما المذكور في مجلسين، آخرهما يوم الخميس ١٦ جمادي الاخرة سنة ٦٤٨ هـ بإربل(٩٠٦).
أمّا كتاب (كفاية الطالب) فقد جاء فيه في الباب الثامن من الابواب التي ألحقها بأبواب الفضائل من الكتاب بعد ذكر الائمّة من ولد أمير المؤمنين (عليه السلام): وخلّف - يعني عليّاً الهادي (عليه السلام) - من الولد أبا محمّد الحسن ابنه، مولده بالمدينة في شهر ربيع الاخر من سنة ٢٣٢ هـ وقبض يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الاوّل سنة ٢٦٠ هـ، وله يومئذ ٢٨ سنة، ودفن في داره بسرّ من رأي في البيت الذي دفن فيه أبوه، وخلّف ابنه وهو الامام المنتظر صلوات الله عليه(٩٠٧).
أمّا كتاب (البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام)) فيشتمل علي خمسة وعشرين باباً، أربع وعشرون منها في كلّ باب عدّة أحاديث في أحوال صاحب الزمان من طريق أهل السنّة، وقال في الباب الخامس والعشرين الذي عنونه: في الدلالة علي جواز بقاء المهدي حيّاً باقياً منذ غيبته إلى الان، قال: ولا امتناع في بقائه بدليل بقاء عيسى وإلياس والخضر من أولياء الله تعالى، وبقاء الدجّال وإبليس الملعونين من أعداء الله تعالى، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنّة، وقد اتّفقوا عليه ثمّ أنكروا جواز بقاء المهدي، وها أنا اُبيّن بقاء كلّ واحد منهم، فلا يسمع بعد هذا لعاقل إنكار جواز بقاء المهدي (عليه السلام).
ثمّ استدلّ بكلام طويل علي بقاء عيسى (عليه السلام) والخضر وإلياس والدجّال وإبليس من الكتاب والسنّة، إلى أن قال:
وأمّا بقاء المهدي (عليه السلام)، فقد جاء في الكتاب والسنّة، أمّا الكتاب فقد قال سعيد بن جبير في تفسير قوله عزّ وجلّ: (لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كلِّهِ وَلَوْ كرِهَ المُشْرِكون)(٩٠٨)، قال: هو المهدي من عترة فاطمة (عليها السلام).
وأمّا من قال إنّه عيسى (عليه السلام)، فلا تنافي بين القولين، إذ هو مساعدٌ للامام.
وقد قال مقاتل بن سليمان ومن شايعه من المفسّرين في تفسير قوله عزّ وجلّ: (وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)(٩٠٩)، قال: هو المهدي (عليه السلام) يكون في آخر الزمان، وبعد خروجه يكون قيام الساعة وأماراتها.
وأمّا السنّة فما تقدّم في كتابنا من الاحاديث الصحيحة الصريحة(٩١٠)، إلى آخر ما ذكره من الادلّة علي بقاء الإمام المهدي (عليه السلام) حيّاً علي طول الزمان.
نورالدين بن الصباغ المالكي
الثالث - نور الدين عليّ بن محمّد بن الصبّاغ المالكي المكي، المتولّد سنة ٧٣٤ هـ، والمتوفّي سنة ٨٥٥ هـ:
ذكر الإمام المهدي (عليه السلام) في كتابه (الفصول المهمّة في معرفة الائمة(عليهم السلام))، وقد ذكره أصحاب التراجم بكلّ وصف جميل، فعن شمس الدين محمّد بن عبد الرحمن السخاوي المصري، تلميذ الحافظ ابن حجر العسقلاني، أنّه قال في كتابه (الضوء اللامع في أحوال أهل القرن التاسع): عليّ بن محمّد بن أحمد بن عبد الله، نور الدين الاسفاتي الغزّي الاصل المكي المالكي، ويعرف بابن الصبّاغ، ولد في العشر الاُول من ذي الحجّة سنة ٧٨٤ بمكة، ونشأ بها، فحفظ القرآن، والرسالة في الفقه، وألفيّة ابن مالك، وعرضهما علي الشريف عبد الرحمن الفارسي، وعدّ معه جماعة.
ثمّ قال: وأجازوا له، وأخذ الفقه عن أوّلهم، والنحو عن الجلال عبد الواحد المرشدي، وسمع علي الزين المراغي سداسيّات الرازي، وله مؤلفات منها (الفصول المهمّة في معرفة الائمة) وهم اثنا عشر، و(العبر فيمن سفه النظر)، وأجاز لي، ومات في سابع ذي القعدة سنة ٨٥٥ هـ، ودفن بالمعلاة، سامحه الله وإيّانا.
وعن أحمد بن عبد القادر العجيلي الشافعي أنّه ذكره معظّماً في (ذخيرة المآل) في مسألة الخنثي.
وعن جماعة من الاعلام أنّهم نقلوا عن كتابه المذكور معتمدين عليه، مثل: عبد الله بن محمّد المطيري المدني الشافعي من النقشبندية من كتابه (الرياض الزاهرة)، ونور الدين علي السمهودي في (جواهر العقدين)، وبرهان الدين علي الحلبي الشافعي في سيرته المعروفة، وعبد الرحمن الصفوري في (زينة المجالس)، وغيرهم.
قال في (الفصول المهمّة) الفصل الثاني عشر، في ذكر أبي القاسم الحجّة الخلف الصالح بن أبي محمّد الحسن الخالص، وهو الامام الثاني عشر، وتأريخ ولادته ودلائل إمامته، وذكر طرف من أخباره وغيبته، ومدّة قيام دولته، وذكر لقبه وكنيته، وغير ذلك ممّا يتّصل به، ثمّ ذكر بعض الاخبار الواردة في ذلك.
ثمّ ذكر أنّه ولد بسرّ من رأي ليلة النصف من شعبان سنة ٢٥٥ من الهجرة، وقال: أمّا نسبه أباً واُمّاً، فهو أبو القاسم محمّد الحجّة بن الحسن الخالص بن عليّ الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين الشهيد بن عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنهم).
وأمّا اُمّه فاُمّ ولد يقال لها نرجس، خير أمة، وقيل: اسمها غير ذلك.
ثمّ قال: وهذا طرف يسير ممّا جاءت به النصوص عليه الدالّة علي الامام الثاني عشر من الائمة الثقات، والروايات في ذلك كثيرة والاخبار شهيرة، وقد دوّنها أصحاب الحديث في كتبهم، واعتنوا بجمعها، ولم يتركوا منها شيئاً، ثمّ نقل عن محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي ما ذكره في الباب الخامس والعشرين من كتاب (البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام)) وقد تقدّم نقله(٩١١).
وقال في (الفصول المهمّة) أيضاً في ذيل ترجمة والده الحسن بن علي (عليهما السلام) ما لفظه: وخلّف أبو محمّد الحسن (رضي الله عنه) من الولد ابنه الحجّة القائم المنتظر لدولة الحقّ، وكان قد أخفي مولده وستر أمره لصعوبة الوقت وخوف السلطان أن يطلبه من الشيعة وحبسهم والقبض عليهم(٩١٢).
سبط ابن الجوزي
الرابع - الفقيه الواعظ شمس الدين أبو المظفّر يوسف بن قُزُغلي بن عبد الله البغدادي الحنفي، المعروف بسبط ابن الجوزي، المتوفّي سنة ٦٥٤ هـ:
وهو ابن بنت العالم الواعظ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن التيمي البكري البغدادي الحنبلي، المعروف بابن الجوزي.
قال ابن خلكان في ترجمة أحوال جدّه المذكور: وكان سبطه شمس الدين أبو المظفّر يوسف بن قزاغلي الواعظ المشهور حنفي المذهب، وله صيت وسمعة في مجالس وعظه وقبول عند الملوك وغيرهم، وصنّف تفسير القرآن الكريم وتأريخاً كبيراً رأيته بخطّه في أربعين مجلّداً سمّاه (مرآة الزمان) وتوفّي ليلة الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي الحجّة سنة ٦٥٤ بدمشق بجبل قاسيون، ودفن هناك.
إلى أن قال: وكان أبوه عتيق الوزير عون الدين بن هبيرة، فزوّجه الحافظ ابن الجوزي ابنته، فولدت شمس الدين المذكور، فلهذا ينسب إلى جدّه، لا إلى أبيه. انتهى.
وعن محمود بن سليمان الكفوي في (أعلام الاخيار) أنّه قال بعد ذكر نسبه وولادته: وتفقّه وبرع وسمع من جدّه لاُمّه، وكان حنبليّاً تحنبل في صغره لتربية جدّه، ثمّ دخل إلى الموصل، ثمّ رحل إلى دمشق، وهو ابن نيّف وعشرين سنة، وسمع بها وتفقّه بها علي جمال الدين الحصيري، وتحوّل حنفيّاً لما بلغه أنّ قزغلي ابن عبد الله كان علي مذهب الحنفيّة، وكان إماماً عالماً فقيهاً جيّداً نبيهاً، يلتقط الدرر من كلمه، ويتناثر الجوهر من حكمه، وبالغ في مدائحه وفضائله في كلام طويل.
وذكره اليافعي في (المرآة) وابن الشحنة في (روضة المناظر) وتاج الدين في (كفاية المتطلّع) وغيرهم، كما حكي عنهم.
قال سبط ابن الجوزي في كتابه (تذكرة خواصّ الاُمّة في معرفة الائمة) بعد ترجمة الحسن العسكري (عليه السلام) ما لفظه: ذكر أولاده منهم محمّد الامام.
فصل: هو محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى الرضا بن جعفر ابن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وكنيته أبو عبد الله وأبو القاسم، وهو الخلف الحجّة وصاحب الزمان والقائم والمنتظر والتالي، وهو آخر الائمة.
ثمّ ذكر بعض الروايات الواردة فيه (عليه السلام)، ثمّ قال: وذكره في روايات كثيرة، ويقال له: ذو الاسمين محمّد وأبو القاسم، قالوا: اُمّه اُمّ ولد يقال لها: صقيل.
ثمّ حكي عن السدّي اجتماعه مع عيسى بن مريم، وتقديم عيسى (عليه السلام) له في الصلاة، وعلّل هو ذلك بوجهين:
الاوّل: إنّه يخرج عن الامامة بصلاته مأموماً فيصير تبعاً.
الثاني: لئلاّ يتدنّس وجه (لا نبيّ بعدي) بغبار الشبهة، إلى آخر ما ذكره، وختم كلامه بذكر جماعة طالت أعمارهم(٩١٣).
محيي الدين بن عربي
الخامس - الشيخ الاكبر محيي الدين أبو عبد الله محمّد بن عليّ بن محمّد (بن عربي) الحاتمي الطائي الاندلسي، المتوفّي سنة ٦٣٨ هـ:
ذكر الإمام المهدي (عليه السلام) علي وفق ما تقوله الشيعة الاماميّة في كتابه (الفتوحات المكية) وهو كتاب مشهور كشهرة صاحبه.
حكى الشعراني في (اليواقيت والجواهر) عن الفيروزآبادي صاحب القاموس مدحاً كثيراً في الشيخ محيي الدين (بن عربي) وثناءً عظيماً عليه، منه قوله: كان الشيخ محيي الدين بحراً لا ساحل له، ولمّا جاور بمكة شرّفها الله تعالى، كان البلد إذ ذاك مجمع العلماء والمحدّثين، وكان الشيخ هو المشار إليه بينهم في كلّ علم تكلّموا فيه، وكانوا كلّهم يتسارعون إلى مجلسه، ويتبرّكون بالحضور بين يديه، ويقرأون عليه تصانيفه.
قال: ومصنّفاته بخزائن مكة إلى الان أصدق شاهد علي ما قلناه، وكان أكثر اشتغاله بمكة بسماع الحديث وإسماعه، وصنّف فيها (الفتوحات المكية) كتبها عن ظهر قلب جواباً لسؤال سأله عنه تلميذه بدر الحبشي.
وحكى عنه أيضاً في أوائل (اليواقيت والجواهر) أنّه كان يقول: لم يبلغنا عن أحد من القوم أنّه بلغ في علم الشريعة والحقيقة ما بلغ الشيخ محيي الدين أبداً.
وقال الفيروزآبادي: وأمّا كتبه فهي البحار الزواخر التي ما وضع الواضعون مثلها، ومن خصائصها ما واظب أحدٌ علي مطالعتها إلاّ وتصدّر لحلّ المشكلات في الدين ومعضلات مسائله، وهذا الشأن لا يوجد في كتب غيره أبداً، وهذا يسير من ثنائه عليه واستيفاؤه يطول به المقام.
وحكى في (اليواقيت والجواهر) الثناء عليه من جماعة كثيرة من العلماء منهم: الشيخ كمال الدين الزملكاني، وقطب الدين الحموي، وصلاح الدين الصفدي، وقطب الدين الشيرازي، وفخر الدين الرازي، والامام السبكي وغيرهم ممّن يطول الكلام بتعدادهم وذكر ثنائهم عليه.
أمّا عبارة الشيخ محيي الدين بن عربي في (الفتوحات المكية) المصرّحة بذكر الإمام المهدي (عليه السلام) والتي توافق ما ذهب إليه الامامية في أنّه ابن الحسن العسكري (عليه السلام)، فقد أوردها في الباب السادس والستين وثلاثمائة في المبحث الخامس من (الفتوحات) ونقلها عنه الشعراني المتوفّي سنة ٩٧٣ هـ في أوائل المبحث الخامس والستّين من (اليواقيت والجواهر)(٩١٤) ونقلها عنه الحمزاوي في (مشارق الانوار) والصبّان في (إسعاف الراغبين).
قال ابن عربي: واعلموا أنّه لا بدّ من خروج المهدي (عليه السلام)، لكن لا يخرج حتّى تمتلئ الارض جوراً وظلماً، فيملاها قسطاً وعدلاً، ولو لم يكن من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله تعالى ذلك اليوم حتّى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، من ولد فاطمة (عليها السلام)، جدّه الحسين بن علي بن أبي طالب، والده الحسن العسكري ابن الامام علي النقي ابن محمّد التقي ابن الامام علي الرضا ابن الامام موسى الكاظم ابن الامام جعفر الصادق ابن الامام محمّد الباقر ابن الامام زين العابدين علي ابن الامام الحسين ابن الامام عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه).
يواطئ اسمه اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يبايعه المسلمون ما بين الركن والمقام، يشبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخَلق، وينزل عنه في الخُلق، إذ لا يكون أحد مثل رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أخلاقه، والله تعالى: (وَإنَّك لَعَلي خُلُق عَظيم)(٩١٥).
هو أجلى الجبهة، أقني الانف، أسعد الناس به أهل الكوفة، يقسم المال بالسويّة، ويعدل في الرعيّة، يأتيه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني؛ وبين يديه المال، فيجثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمل.
يخرج على فترة من الدين، يمسي الرجل جاهلاً وجباناً وبخيلاً فيصبح عالماً شجاعاً كريماً، يمشي النصر بين يديه، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً.
يقفو أثر رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يخطئ، له ملك يسدّده من حيث لا يراه، يحمل الكلّ، ويعين الضعيف، ويساعد علي نوائب الحقّ، يفعل ما يقول، ويقول ما يفعل، ويعلم ما يشهد.
يصلحه الله في ليلة، يفتح المدينة الروميّة بالتكبير مع سبعين ألفاً من المسلمين، من ولد إسحاق، يشهد الملحمة العظمي مأدبة الله بمرج عكا، يبيد الظلم وأهله، ويقيم الدين وأهله، وينفخ الروح في الاسلام، يعزّ الله به الاسلام بعد ذلّه، ويحييه بعد موته.
يضع الجزية ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبي قُتِل، ومن نازعه خُذِل، يظهر من الدين ما هو عليه في نفسه، حتّى لو كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيّاً لحكم به، فلا يبقي في زمانه إلاّ الدين الخالص عن الرأي، يخالف في غالب أحكامه مذاهب العلماء، فينقبضون منه لذلك، لظنّهم أنّ الله تعالى لا يحدث بعد أئمتهم مجتهداً.
وأطال في ذكر وقائعه (عليه السلام) معهم، ثمّ قال: واعلم أنّ المهدي إذا خرج يفرح به المسلمون خاصّتهم وعامّتهم، وله رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه، هم الوزراء له، يتحمّلون أثقال المملكة، ويعينونه علي ما قلّده الله تعالى.
ينزل عليه عيسى بن مريم (عليه السلام) بالمنارة البيضاء شرقي دمشق متّكئاً علي ملكين، ملك عن يمينه، وملك عن يساره، والناس في صلاة العصر، فيتنحّي له الامام عن مكانه، فيتقدّم فيصلّي بالناس، يأمر الناس بسنّته (صلى الله عليه وآله)، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويقبض الله المهدي طاهراً مطهّراً.
وفي زمانه يقتل السفياني عند شجرة بغوطة دمشق، ويخسف بجيشه في البيداء، فمن كان مجبوراً من ذلك الجيش مكرهاً، يحشر علي نيّته، وقد جاءكم زمانه، وأظلّكم أوانه، وقد ظهر في القرن الرابع اللاحق بالقرون الثلاثة الماضية قرن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو قرن الصحابة، ثمّ الذي يليه، ثمّ الذي يلي الثاني، ثمّ جاء بينهما فترات، وحدثت اُمور، وانتشرت أهواء، وسفكت دماء، فاختفي إلى أن يجيء الوقت الموعود، فشهداؤه خير الشهداء، واُمناؤه أفضل الاُمناء.
وقد استوزر الله له طائفة خبأهم الله تعالى له في مكنون غيبه، يفتحون مدينة الروم بالتكبير، فيكبّرون التكبيرة الاُولي، فيسقط ثلثها، ويكبّرون الثانية فيسقط الثلث الثاني من السور، ويكبّرون الثالثة فيسقط الثالث، فيفتحونها من غير سيف(٩١٦).
عبدالرحمن جامي
السادس - نور الدين عبد الرحمن بن أحمد بن قوام الدين الدشتي الجامي الحنفي، وقيل: الشافعي، صاحب (شرح كافية ابن الحاجب) المشهور:
قال صاحب (الشقائق النعمانيّة في علماء الدولة العثمانيّة) بعد ذكر الطريقة النقشبنديّة وذكر جمله من مشايخها ما لفظه: ومنهم الشيخ العارف بالله عبد الرحمن ابن أحمد الجامي، اشتغل أوّلاً بالعلم الشريف، وصار من أفاضل عصره، ثمّ صحب مشايخ الصوفيّة، وتلقّي كلمة التوحيد من الشيخ العارف بالله تعالى سعد الدين الكاشغري، وصحب الخواجة عبيد الله السمرقندي، وانتسب إليه أتمّ الانتساب.
إلى أن قال: وكان مشتهراً بالعلم والفضل، وبلغ صيت فضله إلى الافاق حتّى دعاه السلطان بايزيد خان إلى مملكته، وأرسل إليه جوائز سنيّة.
وعدّ من مصنّفاته: شرح الكافية، وشواهد النبوّة بالفارسيّة، ونفحات الاُنس بالفارسيّة، وسلسلة الذهب طعن فيها علي طوائف الرافضيّة. وقال: كلّ تصانيفه مقبولة عند العلماء الفضلاء.
وأثني عليه ثناءً بليغاً محمود بن سليمان الكفوي في (أعلام الاخيار) وقال عن كتابه (شواهد النبوّة): إنّه كتاب جليل معروف معتمد.
وفي (كشف الظنون) شواهد النبوّة فارسي، لمولانا نور الدين عبد الرحمن بن أحمد الجامي، وذكر أنّه ترجمه غير واحد من العلماء.
وعن صاحب (تأريخ الخميس)، أنّه قال في أوّله: إنّه انتخبه من الكتب المعتبرة، وعدّ منها شواهد النبوّة.
وقد روي الجامي في (شواهد النبوّة) ما يوافق مذهب الامامية في اعتقادهم بالإمام المهدي (عليه السلام) وكونه الحجّة بن الحسن العسكري (عليه السلام) وأنّه آخر الائمة الاثني عشر.
فقد روي الجامي في (شواهد النبوّة) أخباراً في ولادة المهدي (عليه السلام)، وبعض معجزاته، هذا ملخّص ترجمتها:
روي عن حكيمة عمّة أبي محمّد الزكي (عليه السلام) أنّها قالت: كنت يوماً عند أبي محمّد (عليه السلام) فقال: يا عمّة، باتي الليلة عندنا، فإنّ الله تعالى يعطينا خلفاً. فقلت: يا ولدي، ممّن؟ فإنّي لا أري في نرجس أثر حمل أبداً. فقال: يا عمّة، مَثل نرجس مثل اُمّ موسى، لا يظهر حملها إلاّ في وقت الولادة. فبتّ عنده، فلمّا انتصف الليل قمت فتهجّدت، وقامت نرجس وتهجّدت، وقلت في نفسي: قرب الفجر ولم يظهر ما قاله أبو محمّد (عليه السلام). فناداني من مقامه: لا تعجلي يا عمّة، فرجعت إلى بيت كانت فيه نرجس، فرأيتها وهي ترتعد، فضممتها إلى صدري، وقرأت عليها (قُلْ هُوَ اللهُ أحَد) و(إنَّا أنْزَلْناه) وآية الكرسي، فسمعت صوتاً من بطنها يقرأ ما قرأت، ثمّ أضاء البيت، فرأيت الولد علي الارض ساجداً فأخذته، فناداني أبو محمّد من حجرته: يا عمّة، ائتيني بولدي، فأتيته به، فأجلسه في حجره، ووضع لسانه في فمه، وقال: تكلّم يا ولدي بإذن الله تعالى.
فقال: بسم الله الرحمن الرحيم (وَنُريدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذينَ اسْتُضْعِفوا في الارْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثين)(٩١٧).
ثمّ رأيت طيوراً خضراً أحاطت به، فدعا أبو محمّد (عليه السلام) واحداً منها، وقال: خذه واحفظه حتّى يأذن الله تعالى فيه، فإنّ الله بالغ أمره.
فسألت أبا محمّد (عليه السلام): ما هذا الطير، وما هذه الطيور؟
فقال: هذا جبرئيل، وهؤلاء ملائكة الرحمة، ثمّ قال: يا عمّة، ردّيه إلى اُمّه، كي تقرّ عينها ولا تحزن، ولتعلم أنّ وعد الله حقّ، ولكنّ أكثرهم لا يعلمون، فرددته إلى اُمّه.
ولمّا ولد كان مقطوع السرّة، مختوناً، مكتوباً علي ذراعه الايمن: (جاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقاً).
قال: وروي غيرها أنّه لمّا ولد جثا علي ركبتيه، ورفع سبّابته إلى السماء وعطس، وقال: الحمد لله ربّ العالمين.
وروي عن آخر قال: دخلت علي أبي محمّد (عليه السلام) فقلت: يا بن رسول الله من الخلف والامام بعدك؟ فدخل الدار ثمّ خرج وقد حمل طفلاً كأنّه البدر في ليلة تمامه، في سنّ ثلاث سنين، فقال: لولا كرامتك عليّ لما أريتك هذا الولد، اسمه اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكنيته كنيته، هو الذي يملا الارض عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً.
وروي عن آخر قال: دخلت يوماً علي أبي محمّد (عليه السلام)، فرأيت عن يمينه بيتاً أسبل عليه ستراً، فقلت: يا سيّدي، من صاحب هذا الامر بعدك؟ فقال: ارفع الستر، فرفعته فخرج صبي في غاية النظافة، علي خدّه الايمن خال، وله ذوائب، فجلس في حجر أبي محمّد (عليه السلام)، فقال أبو محمّد (عليه السلام): هذا صاحبكم، ثمّ قام من حجره، فقال له: يا بني ادخل إلى الوقت المعلوم، فدخل البيت وأنا أنظر إليه، ثمّ قال لي: قم وانظر في البيت، فدخلت البيت فلم أرَ فيه أحداً.
وروي عن آخر، قال: بعثني المعتضد مع رجلين وقال: إنّ الحسن بن علي توفّي في سرّ من رأي، فأسرعوا في المسير، واهجموا علي داره، فكلّ من رأيتم فيها فأتوني برأسه.
فذهبنا ودخلنا داره، فرأينا داراً نَضِرة طيّبة، كأنّ البنّاء فرغ من عمارتها الساعة، ورأينا فيها ستراً فرفعناه، فرأينا سرداباً، فدخلنا فيه، فرأينا بحراً في أقصاه حصير مفروش علي وجه الماء، ورجلاً في أحسن صورة عليه وهو يصلّي، ولم يلتفت إلينا، فسبقني أحد الرجلين، فدخل الماء فغرق واضطرب، فأخذت بيده وخلّصته، فأراد الاخر أن يتقدّم إليه فغرق وخلّصته، فتحيّرت فقلت: يا صاحب البيت، المعذرة إلى الله وإليك، فإنّي والله ما علمت الحال، ولا علمت إلى أين جئنا، وقد تبت إلى الله ممّا فعلت، فلم يلتفت إلينا أبداً، فرجعنا وقصصنا عليه القصّة، فقال: اكتموا هذا الامر وإلاّ أمرت بضرب أعناقكم(٩١٨).
عبدالوهاب الشعراني
السابع - الشيخ عبد الوهاب بن أحمد بن علي الشعراني المصري العارف المشهور، المتوفّي سنة ٩٧٣ هـ، وقيل: ٩٦٠ هـ:
وهو صاحب كتاب (اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الاكابر)، وهذا الكتاب كصاحبه مشهور معروف، وقد طبع في مصر عدّة مرّات، وعليه تقاريظ لجماعة من العلماء، وهو شرح لما أغلق من (الفتوحات المكية) وللشعراني من الكتب أيضاً (الميزان) في المذاهب الاربعة، و(لواقح الانوار القدسيّة) الذي اختصره من الفتوحات المكية، و(الكبريت الاحمر في علوم الشيخ الاكبر) منتخب منه.
قال الشعراني في الجزء الثاني من (اليواقيت والجواهر) ما لفظه: المبحث الخامس والستون في بيان أنّ جميع أشراط الساعة التي أخبرنا بها الشارع حقّ، لا بدّ أن تقع كلّها قبل قيام الساعة، وذلك كخروج المهدي (عليه السلام).
إلى أن قال: وهو من أولاد الامام الحسن العسكري، ومولده (عليه السلام) ليلة النصف من شعبان سنة ٢٥٥ هـ، وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم (عليه السلام) فيكون عمره إلى وقتنا هذا، وهو سنة ٩٥٨ سبعمائة سنة وثلاث سنين(٩١٩).
هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي المدفون فوق كوم الريش المطلّ علي بركة الرطلي بمصر المحروسة عن الإمام المهدي حين اجتمع به، ووافقه علي ذلك شيخنا سيّدي علي الخوّاص رحمهما الله تعالى.
وقال الشعراني في (الطبقات) المسمّي باللواقح علي ما حكي عنه، بعد ذكر سياحة حسن العراقي: وسألت المهدي عن عمره، فقال: يا ولدي، عمري الان ستمائة سنة وعشرون سنة، ولي عنه الان مائة سنة.
قال الشعراني: فقلت ذلك لسيّدي علي الخوّاص، فوافقه علي عمر المهدي (رضي الله عنهما)(٩٢٠).
السيد جمال الدين النيسابوري
الثامن - السيّد جمال الدين عطاء الله بن السيّد غياث الدين فضل الله بن السيّد عبد الرحمن النيسابوري المحدّث المعروف المتوفّي سنة ١٠٠٠ هـ:
وهو صاحب كتاب (روضة الاحباب في سيرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والال والاصحاب)، وهو كتاب فارسي، ذكره صاحب كشف الظنون، فقال: (روضة الاحباب) فارسي، لجمال الدين عطاء الله الشيرازي النيسابوري، المتوفّي سنة ألف، في مجلّدين، وصنّفه بالتماس الوزير مير عليشير بعد الاستشارة مع اُستاذه وابن عمّه السيّد أصيل الدين عبد الله، وهو على ثلاثة مقاصد.
وعن (تأريخ الخميس) أنّه عدّه في أوّل كتابه من الكتب المعتمدة.
قال في (روضة الاحباب) ما ترجمته:
كلام في بيان الامام الثاني عشر محمّد بن الحسن (عليهما السلام)، الميلاد السعيد لذلك، الذي هو درّ صدف الولاية، وجوهر معدن الهداية، في منتصف شعبان سنة ٢٥٥ هـ في سامراء، وقيل: في الثالث والعشرين من شهر رمضان سنة ٢٥٨، واُمّ تلك الدرّة العالية اُمّ ولد، اسمها صيقل، أو سوسن، وقيل: نرجس، وقيل: حكيمة.
وذلك الامام ذو الاحترام متوافق في الكنية والاسم مع خير الانام عليه وآله تحف الصلاة والسلام، ويلقّب بالمهدي المنتظر، والخلف الصالح، وصاحب الزمان، وكان عمره عند وفاة أبيه الاعظم علي أقرب الروايات إلى الصحّة خمس سنين، وروي سنتان، وأعطاه الله الحكمة والكرامة في حال الطفوليّة مثل يحيي بن زكريا سلام الله عليهما، وأوصله في وقت الصبا إلى مرتبة الامامة الرفيعة، وغاب في سرداب سرّ من رأي سنة ٢٦٥ أو ٢٦٦ علي اختلاف القولين، في زمان الخليفة المعتمد.
ثمّ ختم كلامه بأبيات فارسيّة في خطاب المهدي (عليه السلام) وطلب ظهوره(٩٢١).
الحافظ محمد بن محمد البخاري
التاسع - الحافظ محمّد بن محمّد بن محمود البخاري، المعروف بخواجه بارسا الحنفي:
قال عنه الكفوي في (أعلام الاخيار): قرأ العلوم علي علماء عصره، وكان مقدّماً علي أقرانه، وحصّل الفروع والاُصول، وبرع في المنقول، وكان شابّاً قد أخذ الفقه عن قدوة بقيّة أعلام الهدي الشيخ الامام العارف الرباني أبي طاهر محمّد بن علي بن الحسن الطاهري، ثمّ ذكر سلسلة مشايخه في الفقه، وأنّه أخذ من صدر الشريعة، وأنهاها إلى أبي حنيفة، قال: وهو أعزّ خلفاء الشيخ الكبير خواجه بهاء الدين نقشبند... إلى آخره.
وقال صاحب (الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية) بعد ذكر الطريقة النقشبندية، وأنّها تنتهي إلى الشيخ العارف بالله خواجه بهاء الدين النقشبندي، وذكر جملة من مناقبه ومحاسن طريقته، ما لفظه: ومن جملة مشايخ هذه الطريقة الشيخ العارف بالله تعالى خواجه محمّد بارسا البخاري، وهو من جملة أصحاب خواجه بهاء الدين المذكور. إلى آخر ما ذكره من مدحه والثناء عليه.
وللخواجه بارسا كتاب (فصل الخطاب) وهو كتاب معروف مشهور، ذكره في (كشف الظنون) فقال: (فصل الخطاب) في المحاضرات، للحافظ الزاهد محمد بن محمد الحافظي، من أولاد عبيد الله النقشبندي البخاري، المعروف بخواجه بارسا، المتوفّي بالمدينة المنوّرة سنة ٨٢٢ هـ، وترجمته لابي الفضل موسى بن الحاج حسين الازنبقي وأمير بادشاه محمّد البخاري نزيل مكة.
قال في (فصل الخطاب): ولمّا زعم أبو عبد الله جعفر بن أبي الحسن علي الهادي (رضي الله عنه) أنّه لا ولد لاخيه أبي محمّد الحسن العسكري (رضي الله عنه) وادّعي أنّ أخاه الحسن العسكري (رضي الله عنه) جعل الامامة فيه، سمّي الكذّاب، وهو معروف بذلك، وأبو محمّد الحسن العسكري ولده محمّد (رضي الله عنهما) معلوم عند خاصّة أصحابه وثقاته.
ويروي أنّ حكيمة بنت أبي جعفر محمّد الجواد عمّة أبي محمّد الحسن العسكري، كانت تحبّه وتدعو له وتتضرّع إلى الله أن تري له ولداً، وكان أبو محمّد الحسن العسكري اصطفي جارية يقال لها نرجس، فلمّا كان ليلة النصف من شعبان سنة ٢٥٥ هـ دخلت حكيمة عند الحسن العسكري، فقال لها: يا عمّة، كوني الليلة عندنا لامر، فأقامت كما رسم، فلمّا كان وقت الفجر اضطربت نرجس، فقامت إليها حكيمة، فوضعت نرجس المولود المبارك، فلمّا رأته حكيمة أتت به أبا محمّد الحسن العسكري (رضي الله عنه) وهو مختون مفروغ منه، فأخذه وأمرّ يده علي ظهره وعينيه، وأدخل لسانه في فمه، وأذّن في اُذنه اليمني، وأقام في الاُخري، ثمّ قال: يا عمّة، اذهبي به إلى اُمّه، فذهبت به وردّته إلى اُمّه.
قالت حكيمة: ثمّ جئت من بيتي إلى أبي محمّد الحسن العسكري (رضي الله عنه) فإذا المولود بين يديه في ثياب صفر، وعليه من البهاء والنور ما أخذ بمجامع قلبي، فقلت: سيّدي، هل عندك من علم في هذا المولود المبارك، فتلقّيته إليّ، فقال: أي عمّة، هذا المنتظر، هذا الذي بشّرنا به، قالت حكيمة: فخررت لله تعالى ساجدة شكراً علي ذلك.
قالت: ثمّ كنت أتردّد إلى أبي محمّد الحسن العسكري فلا أري المولود، فقلت له يوماً: يا مولاي، ما فعل سيّدنا ومنتظرنا؟ قال: استودعناه الذي استودعته اُمّ موسى (عليه السلام) ابنها.
وذكر في حاشية الكتاب حكاية المعتضد العباسي المتقدمة عن الجامي في (شواهد النبوّة)، وبعض علامات قيام المهدي (عليه السلام)، وقال: والاخبار في ذلك أكثر من أن تحصي، ومناقب المهدي (رضي الله عنه) صاحب الزمان الغائب عن الاعيان الموجود في كلّ زمان كثيرة، وقد تظاهرت الاخبار علي ظهوره وإشراق نوره، يجدّد الشريعة المحمّدية، ويجاهد في الله حقّ جهاده، ويطهّر من الادناس أقطار بلاده، زمانه زمان المتّقين، وأصحابه خلصوا من الريب، وسلموا من العيب، وأخذوا بهديه وطريقه، واهتدوا من الحقّ إلى تحقيقه، به ختمت الخلافة والامامة، وهو الامام من لدن مات أبوه إلى يوم القيامة وعيسى (عليه السلام) يصلّي خلفه، ويصدقه علي دعواه إلى ملّته التي هو عليها، والنبيّ (صلى الله عليه وآله) صاحب الملّة(٩٢٢).
العارف عبدالرحمن الصوفي
العاشر - العارف عبد الرحمن من مشايخ الصوفية، صاحب كتاب (مرآة الاسرار):
وهو الذي ينقل عنه الشاه وليّ الله الهندي الدهلوي، والد الشاه صاحب عبد العزيز صاحب (التحفة الاثني عشرية) وكتاب (الانتباه) علي ما قيل.
قال العارف عبد الرحمن في كتابه (مرآة الاسرار) ما ترجمته: ذكر من هو شمس الدين والدولة وهادي جميع الملّة القائم في المقام المطهّر الاحمدي الامام بالحقّ أبو القاسم محمّد بن الحسن المهدي (رضي الله عنه)، وهو الامام الثاني عشر من أئمة أهل البيت، اُمّه اُمّ ولد اسمها نرجس، ولادته ليلة الجمعة خامس عشر شهر شعبان سنة ٢٥٥ هـ. وعلي رواية (شواهد النبوّة) في ٢٣ من شهر رمضان سنة ٢٥٨ هـ، في سرّ من رأي المعروفة بسامرة.
وهذا الامام الثاني عشر موافق في الكنية والاسم لحضرة ملجأ الرسالة (عليه السلام)، ألقابه الشريفة: المهدي، والحجّة، والقائم، والمنتظر، وصاحب الزمان، وخاتم الاثني عشر، وكان عمره حين وفاة والده الامام حسن العسكري (عليه السلام) خمس سنين، وجلس علي مسند الامامة، وكما أعطي الحقّ تعالى يحيي بن زكريا (عليهما السلام) الحكمة والكرامة في حال الطفوليّة، وأوصل عيسى بن مريم إلى المرتبة العالية في زمن الصبا، كذلك هو في صغر السنّ جعله الله إماماً وخوارق العادات الظاهرة له ليست قليلة بحيث يسعها هذا المختصر.
وروي ملاّ عبد الرحمن الجامي عن حكيمة اُخت الامام علي النقي، وذكر ما تقدّم عن (شواهد النبوّة).
ثمّ حكي عن محيي الدين بن العربي في الباب ٣٦٨ من (الفتوحات المكية) ما تقدّم نقله، وقال: إنّه بيّن في ذلك المحلّ من الكتاب المذكور أحوال الإمام المهدي (عليه السلام) مفصّلة، فمن أرادها فليطالعها هناك.
ثمّ قال: وذكر مولانا عبد الرحمن الجامي الصوفي الشافعي المذهب تمام أحوال الامام محمّد بن الحسن العسكري وكمالاته وكيفيّة ولادته واختفائه مفصّلة في كتاب (شواهد النبوّة) علي الوجه الاكمل مرويّة عن أئمة أهل بيت العترة وأرباب السيرة.
قال: وذكر صاحب كتاب (المقصد الاقصي) أنّ حضرة الشيخ سعد الدين الحموي خليفة نجم الدين صنّف كتاباً في حقّ الإمام المهدي، وذكر أشياء كثيرة في حقّه بحيث لا يمكن لاحد الاتيان بمثل ما أتي به من الاقوال والتصرّفات.
قال: وحيث يظهر المهدي يجعل الولاية المطلقة ظاهرة بلا خفاء، ويرفع اختلاف المذاهب والظلم وسوء الاخلاق حيث وردت أوصافه الحميدة في الاحاديث النبويّة أنّه في آخر الزمان يظهر ظهوراً تاماً، ويطهّر تمام الربع المسكون من الظلم والجور، ويظهر مذهب واحد.
وبوجه الاجمال إذا كان الدجّال القبيح الافعال قد وجد وظهر وبقي حيّاً مخفيّاً، وكذلك عيسى (عليه السلام) وجد واختفي عن الخلق، فابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا اختفي عن نظر العوام وظهر جهاراً في وقته المعيّن له بمقتضي التقدير الالهي مثل عيسى والدجّال، فليس ذلك بعجيب من أقوال جماعة من الاكابر وأئمة أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإنكار ذلك من باب التعصّب، ليس فيه كثير ضرر(٩٢٣).
الشيخ حسن العراقي
الحادي عشر - الشيخ حسن العراقي:
قال الشعراني في (الطبقات الكبرى) المسمّاة بلواقح الانوار في طبقات الاخيار، في الجزء الثاني منه: ومنهم العارف بالله سيّدي حسن العراقي (رحمه الله تعالى)، المدفون بالكوم خارج باب الشريعة بالقرب من بركة الرطلي وجامع البشري، تردّدت إليه مع سيّدي أبي العباس الحريثي، وقال: اُريد أن أحكي لك حكايتي من مبتدأ أمري إلى وقتي هذا، كأنّك كنت رفيقي من الصغر.
كنت شاباً من دمشق، وكنت صانعاً، وكنّا نجتمع يوماً في الجمعة علي اللهو واللعب والخمر، فجاء لي التنبيه من الله تعالى يوماً: ألهذا خُلِقت؟ فتركت ما هم فيه وهربت منهم، فتبعوا ورائي، فلم يُدرِكوني، فدخلت جامع بني اُميّة، فوجدت شخصاً يتكلّم علي الكرسي في شأن المهدي (عليه السلام)، فاشتقت إلى لقائه، فصرت لا أسجد سجدة إلاّ وسألت الله تعالى أن يجمعني إليه، فبينما أنا ليلة بعد صلاة المغرب اُصلّي صلاة السنّة إذا بشخص جلس خلفي وحسّ علي كتفي وقال لي: قد استجاب الله دعاءك، يا ولدي ما لك؟ أنا المهدي.
فقلت: تذهب معي إلى الدار؟ فذهب، وقال: أخلِ لي مكاناً أتفرّد فيه، فأخليت له مكاناً، فأقام عندي سبعة أيام بلياليها، ولقّنني الذكر، وقال: اُعلّمك وردي تدوم عليه إن شاء الله تعالى، تصوم يوماً وتفطر يوماً، وتصلّي كلّ ليلة خمسمائة ركعة، وكنت شابّاً أمرد حسن الصورة، فكان يقول: لا تجلس قطّ إلاّ ورائي، وكانت عمامته كعمامة العجم، وعليه جبّة من وبر الجمال، فلمّا انقضت السبعة أيام خرج فودّعته، وقال لي: حسن ما وقع لي قطّ مع أحد ما وقع معك، فدم علي وردك حتّى تعجز، فإنّك تعمّر عمراً طويلاً.
وقد تقدّم قول الشعراني أنّ حسن العراقي أخبره أنّه سأل المهدي عن عمره لمّا اجتمع به، وإن علياً الخوّاص وافقه علي عمر المهدي، وبالغ الشعراني في طبقاته في الثناء علي عليّ الخوّاص وتعداد مناقبه حتّى أنّه قال: إنّه كان اُمّياً، وكان يتكلّم علي معاني الكتاب والسنّة كلاماً تحيّر فيه العلماء، وكان محلّ كشفه اللوح المحفوظ عن المحو والاثبات، فإذا قال قولاً لا بدّ أن يقع علي الصفة التي قال، بل كان يخبر الشخص بواقعته التي أتي لاجلها قبل أن يتكلّم، إلى غير ذلك.
قال السيّد محسن الامين (رحمه الله): إنّا وإن كنّا لا نعلم صحّة جميع ما ادّعي من مشاهدة بعض مشايخ الصوفيّة لصاحب الزمان (عليه السلام)، بل نعلم أنّ بعض ما ادّعوه من ذلك هو من جملة خرافاتهم وتمويهاتهم، إلاّ أنّا أوردنا ذلك حجّة علي من يستنكر ويستبعد وجود صاحب الزمان (عليه السلام) وغيبته، بل ينسب الامامية في اعتقادهم ذلك إلى الحمق، حتّى قال بعضهم: إنّهم عارٌ علي بني آدم، وقال آخر: إنّ من أوصي إلى أحمق الناس صرف إلى من يقول بغيبة المهدي... ومع ذلك لا يستنكر ولا يستعظم أن يكون الشيخ علي الخوّاص وهو اُمّي ينكشف له اللوح المحفوظ عن المحو والاثبات، ويخبر بما في النفوس ويطّلع علي الغيب، والشيخ محيي الدين بن العربي يجتمع بالانبياء والمرسلين في مكة المكرّمة ويخاطبهم ويخاطبونه ويطوف بالكعبة وتطوف به حقيقة وتتكلّم ابنته في المهد، كما حكي ذلك كلّه الشعراني في (اليواقيت والجواهر) عن (الفتوحات المكية)، ويعتقد لامثال هؤلاء أعظم الكرامات ومع ذلك فهو ينسب الامامية إلى الحمق باعتقاد ما يعتقده هؤلاء، ويخبرون به عن أنفسهم من وجود صاحب الزمان والاجتماع به، ليس هذا بإنصاف(٩٢٤).
احمد بن ابراهيم البلاذري
الثاني عشر - أبو محمّد أحمد بن إبراهيم البلاذري:
قال السمعاني في (الانساب الكبير): إنّ المشهور بهذا الانتساب أبو محمّد أحمد بن إبراهيم بن هاشم الطوسي البلاذري الحافظ، كان حافظاً فهماً عارفاً بالحديث.
ثمّ عدّ جماعة ممّن سمع منهم، ثمّ قال: وأبو محمّد الواعظ الطوسي المذكور، كان واحد عصره في الحفظ والوعظ، ومن أحسن الناس عشرةً، وأكثرهم فائدةً.
إلى أن قال: وكان أبو علي الحافظ ومشايخنا يحضرون مجالسه، ويفرحون بما يذكره علي الملا من الاسانيد، ولم أرهم غمزوه قطّ في إسناد أو اسم أو حديث، وكتب بمكة عن إمام أهل البيت (عليهم السلام) أبي محمّد الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى الرضا (عليه السلام).
إلى أن قال: قال الحاكم: استشهد بالطاهران سنة ٣٣٩ هـ، انتهي.
والبلاذري المذكور روي حديثاً عن المهدي (عليه السلام) مشافهةً من جملة الاحاديث المسلسلة، والحديث المسلسل: هو ما تتابع فيه رجال الاسناد علي صفة واحدة أو حالة واحدة.
هذا الحديث ذكره الشاه وليّ الله الدهلوي والد عبد العزيز المعروف بشاه صاحب مؤلف (التحفة الاثني عشرية في الردّ علي الاماميّة) الذي وصفه ولده المذكور علي ما حكي عنه بخاتم العارفين وقاصم المخالفين، سيّد المحدّثين سند المتكلّمين المشهور بالفضل المبين حجّة الله علي العالمين، إلى آخر ما ذكره.
قال الشاه ولي المذكور في كتاب (النزهة) علي ما حكي عنه: إنّ الوالد روي في كتاب (المسلسلات) قلت: شافهني ابن عقلة بإجازة جميع ما يجوز له روايته، ووجدت في مسلسلاته حديثاً مسلسلاً بانفراد كلّ راو من رواته بصفة عظيمة تفرّد بها.
قال (رحمه الله): أخبرني فريد عصره الشيخ حسن بن علي العجمي، أخبرنا حافظ عصره جمال الدين الباهلي، أخبرنا مسند وقته محمّد الحجازي الواعظ، أخبرنا صوفي زمانه الشيخ عبد الوهاب الشعراني، أخبرنا مجتهد عصره الجلال السيوطي، أخبرنا حافظ عصره أبو نعيم رضوان العقبي، أخبرنا مقري زمانه الشمس محمّد بن الجزري، أخبرنا جمال الدين محمّد بن محمّد الجمال زاهد عصره، أخبرنا الامام محمّد ابن مسعود محدّث بلاد فارس في زمانه، أخبرنا شيخنا إسماعيل بن مظفّر الشيرازي عالم وقته، أخبرنا عبد السلام بن أبي الربيع الحنفي محدّث زمانه، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمّد بن شابور القلانسي شيخ عصره، أخبرنا عبد العزيز، حدّثنا محمّد الادمي إمام أوانه، أخبرنا سليمان بن إبراهيم بن محمّد بن سليمان نادرة عصره، حدّثنا أحمد بن محمّد بن هاشم(٩٢٥) البلاذري حافظ زمانه، حدّثنا محمّد بن الحسن بن علي المحجوب إمام عصره، حدّثنا الحسن بن علي، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي جدّه عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، حدّثنا موسى الكاظم، حدّثنا أبي جعفر الصادق، حدّثنا أبي محمّد الباقر، حدّثنا أبي علي بن الحسين زين العابدين السجّاد، حدّثنا أبي الحسين سيّد الشهداء، حدّثنا أبي عليّ بن أبي طالب سيّد الاولياء، أخبرنا سيّد الانبياء محمّد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله)، أخبرني جبرئيل سيّد الملائكة، قال: قال الله تعالى سيّد السادات: إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا، من أقرّ لي بالتوحيد دخل حصني، ومن دخل حصني أمن من عذابي.
قال الشمس بن الجزري - أحد سلسلة السند -: كذا وقع هذا الحديث من المسلسلات السعيدة، والعهدة فيه علي البلاذري.
وعن الشاه ولي المذكور أيضاً في رسالة (النوادر) من حديث سيّد الاوائل والاواخر ما لفظه: حديث محمّد بن الحسن (عليه السلام) الذي يعتقد الشيعة أنّه المهدي عن آبائه الكرام، وجد في مسلسلات الشيخ محمّد بن عقلة المكي، عن الحسن العجمي.
وفي تأريخ الجبرتي في حوادث ذي الحجّة سنة ١٢١٥ هـ في ترجمة الشيخ عبد العليم المالكي أنّه سمع علي الشيخ علي الصعيدي جملة من الصحيح والموطأ والشمائل والجامع الصغير ومسلسلات ابن عقلة، انتهي، وهو يدلّ علي أنّ كتاب مسلسلات ابن عقلة الذي فيه الحديث المذكور من الكتب المشهورة(٩٢٦).
عبدالله بن احمد بن الخشاب
الثالث عشر - أبو محمّد عبد الله بن أحمد بن محمّد بن الخشّاب:
وهو عالم معروف، قال ابن خلكان: إنّه العالم المشهور في الادب والنحو والتفسير والحديث والنسب والفرائض والحساب وحفظ القرآن العزيز بالقراءات الكثيرة.
قال: وكان متضلّعاً من العلوم، وله فيها اليد الطولي.
وبالغ السيوطي في (طبقات النحاة) في الثناء عليه، وقال: كان ثقةً في الحديث، صدوقاً نبيلاً حجّة. وكتابه (تواريخ مواليد الائمة ووفياتهم) معروف مشهور ينقل عنه مشاهير العلماء. روي فيه بسنده عن الرضا (عليه السلام): الخلف الصالح من ولد أبي محمّد الحسن بن علي، وهو صاحب الزمان، وهو المهدي.
وبسنده عن جعفر بن محمّد (عليه السلام): الخلف الصالح من ولدي هو المهدي، اسمه محمّد، وكنيته أبو القاسم، يخرج في آخر الزمان، يقال لاُمّه: صقيل.
قال لنا أبو بكر الذارع: وفي رواية اُخري: بل اُمّه حكيمة، وفي رواية ثالثة: نرجس، ويقال: بل سوسن، وروي بسنده عن بعض أصحاب التأريخ: إنّ اُمّ المنتظر يقال لها حكيمة، والله أعلم بذلك.
قال: وهو ذو الاسمين: الخلف ومحمّد، يظهر في آخر الزمان علي رأسه غمامة تظلّه من الشمس، تدور معه حيثما دار، تنادي بصوت فصيح: هذا هو المهدي(٩٢٧).
الفضل بن روزبهان
الرابع عشر - القاضي الفضل بن روزبهان، شارح الشمائل للترمذي، المتوفّي سنة ٩٠٩ هـ:
وهو صاحب كتاب (إبطال نهج الباطل) في ردّ كتاب (كشف الحقّ ومنهج الصدق) للعلاّمة الحلّي (رحمه الله)، وقد ردّ عليه السيّد الشهيد نور الله بن شريف المرعشي الحسيني في كتابه (إحقاق الحقّ وإزهاق الباطل) نُصرةً للعلاّمة الحلّي (رحمه الله).
قال القاضي فضل بن روزبهان في المسألة الخامسة من القسم الثالث في شرح قول العلاّمة (رحمه الله): (المطلب الثاني في زوجته وأولاده (عليه السلام)... إلى آخره) ما هذا لفظه: أقول: ما ذكر من فضائل فاطمة صلوات الله علي أبيها وعليها وعلي سائر آل محمّد والسلام، أمرٌ لا ينكر، فإنّ الانكار علي البحر برحمته، وعلي البرّ بسعته، وعلي الشمس بنورها، وعلي الانوار بظهورها، وعلي السحاب بجوده، وعلي الملك بسجوده، إنكار لا يزيد المنكر إلاّ الاستهزاء به، ومن هو قادر علي أن ينكر جماعة هم أهل السداد وخزّان معدن النبوّة وحفّاظ آداب الفتوّة صلوات الله وسلامه عليهم، ونعم ما قلت فيهم منظوماً؛ وذكر القصيدة، وقد أورد فيها أسماء الائمة الاثني عشر المعصومين (عليهم السلام)، وذكر فيها الإمام المهدي (عليه السلام) وكونه الامام الثاني عشر من أهل البيت (عليهم السلام)، وأنّه المهدي الموعود الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً.
وهذا نص قصيدته:

سلامٌ على المصطفى المجتبى* * * سلامٌ على السيّد المرتضى
سلامٌ على ستّنا فاطمة * * * من اختارها الله خيراً النسا
سلامٌ على المسك أنفاسه * * * على الحسن الالمعيّ الرضا
سلامٌ على الاورعيّ الحسين * * * شهيد يري جسمه كربلا
سلامٌ على سيّد العابدين * * * عليّ بن الحسين المجتبي
سلامٌ على الباقر المهتدي * * * سلامٌ علي الصادق المقتدي
سلامٌ على الكاظم الممتحن * * * رضيّ السجايا إمام التقي
سلامٌ على الثامن المؤتمن * * * عليّ الرضا سيّد الاصفيا
سلامٌ على المتّقي التقيّ * * * محمّد الطيّب المرتجي
سلامٌ على الاريحيّ النقيّ * * * عليّ المكرّم هادي الورى
سلامٌ على السيّد العسكري * * * إمام يجهّز جيش الصفا
سلامٌ على القائم المنتظر * * * أبي القاسم العرم نور الهدى
سيطلع كالشمس في غاسق * * * ينجيه من سيفه المنتضي
قويّ يملا الارض من عدله * * * كما ملئت جور أهل الهوى
سلامٌ عليه وآبائه * * * وأنصاره ما تدوم السما(٩٢٨).

شمس الدين محمد بن طولون الحنفي
الخامس عشر - شمس الدين محمّد بن طولون الحنفي، مؤرّخ دمشق، المتوفّي سنة ٩٥٣ هـ:
قال في كتابه (الائمة الاثنا عشر) في ذكر الإمام المهدي (عليه السلام): كانت ولادته (رضي الله عنه) يوم الجمعة، منتصف شعبان سنة ٢٥٥ هـ، ولمّا توفّي أبوه كان عمره خمس سنين.
وقد نظم اُرجوزة في الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) ذكر فيها الإمام المهدي (عليه السلام) وذكرها في آخر كتابه، جاء فيها:
عليك بالائمة الاثني عشر من آل بيت المصطفى خير البشر
أبو تراب حسن حسين وبُغض زين العابدين شين
محمّد الباقر كم علم دري والصادق ادعُ جعفراً بين الوري
موسى هو الكاظم وابنه علي لقبه بالرضا وقدره عليّ
محمّد التقيّ قلبه معمور عليّ النقيّ درّهُ منثور
والعسكري الحسن المطهّر محمّد المهدي سوف يظهر(٩٢٩).
احمد بن يوسف القرماني
السادس عشر - أحمد بن يوسف، أبو العباس القرماني الحنفي، المتوفّي سنة ١٠١٩ هـ:
قال في الفصل الحادي عشر من كتابه (أخبار الدُوَل وآثار الاُوَل): في ذكر أبي القاسم محمّد الحجّة الخلف الصالح، وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، أتاه الله فيها الحكمة كما اُوتيها يحيي (عليه السلام) صبيّاً، وكان مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، أقني الانف، أجلى الجبهة.
إلى أن قال: واتّفق العلماء علي أنّ المهدي هو القائم في آخر الوقت، وقد تعاضدت الاخبار علي ظهوره، وتظاهرت الروايات علي إشراق نوره، وستسفر ظلمة الايام والليالي بسفوره، وينجلي برؤيته الظلم انجلاء الصبح عن ديجوره، ويسير عدله في الافاق، فيكون أضوأ من البدر المنير في مسيره(٩٣٠).
سليمان بن ابراهيم القندوزي الحنفي
السابع عشر - العلاّمة سليمان بن إبراهيم المعروف بالقندوزي الحنفي، المتوفّي سنة ١٢٩٤ هـ:
نقل القندوزي الكثير من الروايات والاقوال عن ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) وغيبته(٩٣١)، واحتجاجاته في هذا الباب كثيرة جدّاً، وقال في الفصل (٧٩) من كتابه (ينابيع المودّة): فالخبر المعلوم المحقّق عند الثقات أنّ ولادة القائم (عليه السلام) كانت ليلة الخامس عشر من شعبان سنة ٢٥٥ هـ في بلدة سامراء(٩٣٢).
احمد بن حجر الهيتمي المكي الشافعي
الثامن عشر - الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي المكي الشافعي، المتوفّي سنة ٩٧٤ هـ:
قال في كتاب (الصواعق المحرقة): الاية الثانية عشرة، قوله تعالى: (وَإنَّهُ لَعِلْمٌ السَّاعَةِ)، قال مقاتل بن سليمان ومن تبعه من المفسّرين: إنّ هذه الاية نزلت في المهدي. وسيأتي التصريح بأنّه من أهل البيت النبويّ، ففي الاية دلالة علي البركة في نسل فاطمة وعليّ (عليهما السلام)، وأنّ الله يخرج منهما كثيراً طيّباً، وأن يجعل نسلهما مفاتيح الحكمة ومعادن الرحمة وسرّ ذلك أنّه تعالى أعاذها وذرّيتها من الشيطان الرجيم.
ودعا لعليّ (عليه السلام) بمثل ذلك، ثمّ ذكر في آخر الفصل الثالث من الباب الحادي عشر ما هذا نصه: أبو محمّد الحسن الخالص، وجعل ابن خلكان هذا هو العسكري، ولد سنة ٢٣٢ هـ... ومات بسرّ من رأي، ودفن عند ابيه وعمّه، وعمره ٢٨ سنة، ويقال: إنّه سُمّ أيضاً، ولم يخلّف غير ولده أبي القاسم محمّد الحجّة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن أتاه الله فيها الحكمة، ويسمّي القائم المنتظر، قيل: لأنّه سُيّر بالمدينة وغاب فلم يعرف أين ذهب(٩٣٣).
سعدالدين الحموي
التاسع عشر - الشيخ سعد الدين محمّد بن المؤيّد بن أبي الحسين بن محمّد بن حمويه، المعروف بالشيخ سعد الدين الحموي:
وقد صنّف كتاباً مفرداً في أحوال صاحب الزمان (عليه السلام)، وقد وافق فيه الاماميّة، كما نقل عن عبد الرحمن الجامي في (مرآة الاسرار) عن صاحب (المقصد الاقصي).
ونقل عن صاحب (العقائد النسفيّة) أنّ سعد الدين هذا قد صرّح بإمامة المهدي (عليه السلام)، وأنّه صاحب الزمان، وأنّه آخر الاولياء الاثني عشر، وأنّه ليس هناك أزيد من هؤلاء الائمة، وأنّ الله تعالى جعلهم في دين محمّد نوّابه (العلماء ورثة الانبياء) قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حقّهم، وكذا قوله: (علماء اُمّتي كأنبياء بني إسرائيل)، قاله في حقّهم(٩٣٤).
ابوالمجد الدهلوي البخاري
العشرون - أبو المجد عبد الحقّ الدهلوي البخاري، المتوفّي سنة ١٠٥٢ هـ:
صاحب التصانيف الكثيرة حتّى نقل أنّ تصنيفاته بلغت مائة مجلّد، وله رسالة في مناقب وأحوال الائمة (عليهم السلام)، كما نقل عنه في (كشف الاستار)، أنّه قال فيها:
وأبو محمّد الحسن العسكري، ولده محمّد (رضي الله عنهما)، معلومٌ عند خواصّ أصحابه وثقاته، ثمّ نقل قصّة الولادة بالفارسيّة(٩٣٥).
صلاح الدين الصفدي
الحادي والعشرون - الشيخ صلاح الدين الصفدي، المتوفّي سنة ٧٦٤ هـ:
نقل القندوزي في (ينابيع المودّة) عن (شرح الدائرة) للصفدي أنّه قال: إنّ المهدي الموعود هو الامام الثاني عشر من الائمة، أوّلهم سيّدنا عليّ، وآخرهم المهدي رضي الله عنهم(٩٣٦).
علي اكبر بن اسدالله المؤدي
الثاني والعشرون - المولي علي أكبر بن أسد الله المؤدّي:
وهو من متأخّري علماء الهند من العامّة، وله كتاب (المكاشفات) الذي جعله كالحواشي علي (نفحات الاُنس) للمولي عبد الرحمن الجامي.
وقد صرّح في (المكاشفات) في المبحث الحادي والثلاثين بإمامة الحجّة بن الحسن العسكري وآبائه وعصمتهم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنّه كان قطباً بعد أبيه الحسن العسكري (عليه السلام)، كما كان هو قطباً بعد أبيه عليّ الهادي (عليه السلام) وهكذا إلى الامام عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام).
وصرّح بكونه غائباً عن أعين العوامّ والخواصّ لا عن أعين أخصّ من الخواصّ، وصرّح بعصمة الائمة الاثني عشر(٩٣٧).
القاضي شهاب الدين ملك العلماء
الثالث والعشرون - القاضي شهاب الدين الهندي، المعروف بملك العلماء، المتوفّي سنة ٨٤٩ هـ:
وهو صاحب التفسير المسمّي بـ (البحر الموّاج) بالفارسيّة و(مناقب السادات) بالفارسيّة أيضاً، وكتاب (المناقب) الموسوم بـ (هداية السعداء) وقد صرّح في هذا الكتاب علي ما حكي عنه في (النجم الثاقب) و(كشف الاستار) بإمامة الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) وأسمائهم، ونقل حديث اللوح، وقال في حقّ الحجّة ابن الحسن العسكري (عليه السلام): هو غائب، وله عمر طويل، كما عمّر بين المؤمنين عيسى وإلياس والخضر، وفي الكافرين الدجّال والسامري(٩٣٨).
القاضي جواد الساباطي
الرابع والعشرون - القاضي جواد الساباطي:
كان نصرانياً فأسلم، وصنّف كتاباً في الردّ علي النصاري اسمه (البراهين الساباطية) وقال فيه: قد اختلف المسلمون في المهدي (رضي الله عنه)، فقال أصحابنا أهل السنّة والجماعة: إنّه رجل من أولاد فاطمة، يكون اسمه محمّداً، واسم اُمّه آمنة. وقال الاماميّون: بل إنّه هو محمّد بن الحسن العسكري (رضي الله عنهما)، وكان قد ولد سنة ٢٥٥ هـ من جارية للحسن العسكري (رضي الله عنه) اسمها نرجس في سرّ من رأي، بزمن المعتمد، ثمّ غاب سنة، ثمّ ظهر، ثمّ غاب، وهي الغيبة الكبرى، ولا يؤوب بعدها إلاّ إذا شاء الله. ولمّا كان قولهم أقرب بتناول هذا النص، وكان غرضي الذبّ عن ملّة محمّد (صلى الله عليه وآله) مع قطع النظر عن التعصّب في المذهب، ذكرت لك مطابقة ما يدّعيه الاماميون مع هذا النص(٩٣٩).
عبدالله بن محمد المطيري
الخامس والعشرون - الشيخ عبد الله بن محمّد المطيري المدني:
ذكر الإمام المهدي (عليه السلام) في كتابه (الرياض الزاهرة في فضل آل بيت النبيّ(صلّى الله عليه وآله)وعترته الطاهرة) وعدّ في هذا الكتاب الائمة (عليهم السلام) واحداً بعد واحد، إلى أن قال: الحادي عشر ابنه الحسن العسكري (رضي الله عنه)، الثاني عشر: ابنه محمّد القائم المهدي(رضي الله عنه) وقد سبق النص عليه في ملّة الاسلام من النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) ومن جدّه عليّ (رضي الله عنه) ومن بقيّة آبائه أهل الشرف والمراتب، وهو صاحب السيف، القائم المنتظر، كما ورد ذلك في صحيح الخبر، وله قبل قيامه غيبتان... إلى آخر ما قال.
قال الشيخ المحدّث النوري في كشف الاستار:
والنسخة التي عثرت عليها عتيقة، وكانت لمؤلّفها، وبخطّه علي ظهرها: كتاب (الرياض الزاهرة في فضل آل بيت النبيّ وعترته الطاهرة) تأليف الفقير إلى الله عبد الله بن محمّد المطيري شهرةً، المدني حالاً، الشافعي مذهباً، الاشعري اعتقاداً، والنقشبندي طريقة(٩٤٠).
محمد سراج الدين الرفاعي
السادس والعشرون - شيخ الاسلام أبو المعالي محمّد سراج الدين الرفاعي المخزومي:
قال في كتابه (صحاح الاخبار في نسب السادة الفاطمية الاخيار) في ترجمة أبي الحسن الهادي (عليه السلام): وأمّا الامام علي الهادي ابن الامام محمّد الجواد (عليه السلام)، ولقبه النقي والعالم والفقيه والامير والدليل والعسكري والنجيب... إلى أن قال: وكان له خمسة أولاد: الامام الحسن العسكري والحسين ومحمّد وجعفر وعائشة، فأمّا الحسن العسكري فأعقب صاحب السرداب الحجّة المنتظر وليّ الله الإمام المهدي (عليه السلام)(٩٤١).
بهلول بهجت افندي
السابع والعشرون - القاضي المحقّق بهلول بهجت أفندي:
له كتاب (المحاكمة في تأريخ آل محمّد) بالتركية، وترجم إلى الفارسية، وهو كتاب جيّد حسن نافع، يبحث عن المواقع المهمّة في التأريخ، ويكشف عن كثير من الحجب التي جعلتها أيدي المتعصّبين وراء الحوادث التأريخية وغيرها، وقد صرّح في هذا الكتاب بإمامة الائمة الاثني عشر، وذكر بعض فضائلهم وأحوالهم، وذكر ولادة الامام الثاني عشر، وأنّه ولد في الخامس عشر من شعبان سنة ٢٥٥ هـ، وأنّ اسم اُمّه نرجس، وأنّ له غيبتين: الاُولي الصغرى، والثانية الكبرى، وصرّح ببقائه (عليه السلام)، وأنّه يظهر حين يأذن الله تعالى له بالظهور، فيملا الارض قسطاً وعدلاً، وقال: إنّ ظهوره أمرٌ اتّفق عليه المسلمون، فلا حاجة إلى ذكر الدلائل، ثمّ ذكر بعض كلمات الاعاظم في حقّه وبعض صفاته وعلاماته(٩٤٢).
ابوالفوز محمد امين السويدي
الثامن والعشرون - الشيخ النسّابة أبو الفوز محمّد أمين البغدادي السويدي:
وهو صاحب كتاب (سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب) وقد ذكر فيه أسماء الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) وبعض فضائلهم ومناقبهم، وذكر الامام الحسن العسكري في الباب السادس من (سبائك الذهب) وقال: محمّد المهدي، وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، وكان مربوع القامة حسن الوجه والشعر، أقني الانف، صبيح الوجه(٩٤٣).
الناصر لدين الله العباسي
التاسع والعشرون - الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء بنور الله، الخليفة العباسي:
وهو الذي أمر بعمارة السرداب الشريف، وجعل الصفّة التي فيه شبّاكاً من خشب صاج منقوش، عليه: بسم الله الرحمن الرحيم (قُلْ لا أسْألُكمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَوَدَّةَ في القُرْبي وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فيها حُسْناً إنَّ اللهَ غَفورٌ شَكور)(٩٤٤)، هذا ما أمر بعمله سيّدنا ومولانا الامام المفترض الطاعة علي جميع الانام أبو العباس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين وخليفة ربّ العالمين الذي طبق البلاد إحسانه وعدله، وعمّ البلاد رأفته وفضله، قرّب الله أوامره الشريفة باستمرار النجح والنشر، وناطها بالتأييد والنصر، وجعل لايامه المخلّدة حدّاً لا يكبو، ولارائه الممجّدة سعداً لا يخبو زناده في عزّ تخضع له الاقدار فيطيعه عواميها، وملك خشع له المملوك فيملكه نواصيها بتولّي المملوك معد بن الحسين بن معد الموسوي الذي يرجو الحياة في أيامه المخلّدة ويتمنّي إنفاق عمره في الدعاء لدولته المؤيّدة، استجاب الله أدعيته وبلغه في أيامه الشريفة اُمنيته من سنة ٦٠٦ هلاليّة، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله علي سيّدنا خاتم النبيّين وعلي آله الطاهرين وعترته وسلّم تسليماً.
ونقش أيضاً في الخشب الساج داخل الصفّة في دائر الحائط: بسم الله الرحمن الرحيم، محمّد رسول الله، أمير المؤمنين عليّ وليّ الله، فاطمة، الحسن بن علي، الحسين بن علي، عليّ بن الحسين، محمّد بن علي، جعفر بن محمّد، موسى بن جعفر، عليّ بن موسى، محمّد بن عليّ، عليّ بن محمّد، الحسن بن عليّ، القائم بالحقّ (عجّل الله فرجه). هذا عمل عليّ بن محمّد ولي آل محمّد (رحمه الله).
ولولا اعتقاد الناصر بانتساب السرداب إلى المهدي (عليه السلام) وبكونه محلّ ولادته أو موضع غيبته أو مقام بروز كرامته لامكان إقامته في طول غيبته كما نسبه بعض من لا خبرة له إلى الامامية وليس في كتبهم قديماً وحديثاً منه أثر أصلاً، لما أمر بعمارته وتزيينه، ولو كانت كلمات علماء عصره متّفقة علي نفيه وعدم ولادته لكان إقدامه عليه بحسب العادة صعباً أو ممتنعاً(٩٤٥).
جلال الدين السيوطي
الثلاثون - الشيخ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي:
حكي في (إلزام الناصب) عن عبد الله بن محمّد المطيري، عن جلال الدين السيوطي في رسالة (إحياء الميت بفضائل أهل البيت) أنّ من ذرّية الحسين بن علي المهدي المبعوث في آخر الزمان.
إلى أن قال: وجميع نسل الحسين (عليه السلام) وذرّيته يعودون إلى إمام الائمة المحقّق المجمع علي جلالته وغزارة علمه وزهده وورعه وكماله سلالة الانبياء والمرسلين وسلالة خير المخلوقين زين العابدين عليّ بن الحسين (عليه السلام).
إلى أن قال: فالامام الاوّل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)... وساق أسامي الائمة (عليهم السلام)، ثمّ قال: الحادي عشر ابنه الحسن العسكري، الثاني عشر ابنه محمّد القائم المهدي، وقد سبق النص عليه في ملّة الاسلام من النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) وكذا من جدّه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ومن بقيّة آبائه أهل الشرف والمراتب، وهو صاحب السيف القائم المنتظر(٩٤٦).
المولوي محمد مبين الهندي الحنفي
الحادي والثلاثون - العلاّمة المولوي محمّد مبين الهندي الحنفي:
روي في (وسيلة النجاة) عن أبي محمّد العسكري أنّه سأله رجل عن الامام والخليفة من بعده، فدخل البيت فأخرج طفلاً كأنّ وجهه كالبدر، فقال: لو لم يكن لك عند الله كرامة لما أريتك. ثمّ قال: إنّ اسمه اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكنيته كنيته، وهو الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً(٩٤٧).
نجم الدين الشافعي
الثاني والثلاثون - العلاّمة نجم الدين الشافعي:
قال في القسم الثاني من كتابه (منال الطالب): في ذكر المعاني التي ذكر اختصاصهم بها، وهي الامامة الثابتة لكلّ واحد منهم، وكون عددهم مختصراً في اثني عشر إماماً، فأمّا ثبوت الامامة لكلّ واحد منهم، فإنّه حصل ذلك لكلّ واحد من قبله، فحصلت للحسن التقي (عليه السلام) من أبيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وحصلت بعده لاخيه الحسين الزكي منه، وحصلت بعد الحسين لابنه عليّ زين العابدين منه، وحصلت بعد زين العابدين لولده محمّد الباقر، وحصلت بعد الباقر لولده جعفر الصادق منه، وحصلت بعد الصادق لولده موسى الكاظم منه، وحصلت بعد الكاظم لولده عليّ الرضا منه، وحصلت بعد الرضا لولده محمّد القانع [الجواد] منه، وحصلت بعد القانع لولده عليّ المتوكل [الهادي] منه، وحصلت بعد المتوكل لولده الحسن الخالص [العسكري] منه، وحصلت بعد الخالص لولده محمّد الحجّة المهدي منه، وأمّا ثبوتها لامير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فمستقصي علي أكمل الوجوه في كتب الاُصول، فلا حاجة إلى بسط القول فيه في هذا الكتاب(٩٤٨).
سراج الدين الرفاعي المخزومي
الثالث والثلاثون - العلاّمة سراج الدين بن السيّد عبد الله الرفاعي المخزومي:
قال في (صحاح الاخبار): وكان له - أي للامام الهادي (عليه السلام) - خمسة أولاد: الامام الحسن العسكري، والحسين، ومحمّد، وجعفر، وعائشة، فالحسن العسكري أعقب صاحب السرداب الحجّة المنتظر وليّ الله محمّد المهدي(٩٤٩).
عبدالملك العصامي المكي
الرابع والثلاثون - المؤرّخ عبد الملك العصامي المكي:
قال في الامام الحجّة (عليه السلام): وهو الامام محمّد المهدي بن الحسن العسكري بن علي النقي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم أجمعين).
ولد يوم الجمعة منتصف شعبان سنة ٢٥٥ هـ، وقيل: سنة ٢٥٦ هـ وهو الصحيح(٩٥٠). اُمّه اُمّ ولد اسمها صقيل، وقيل: سوسن، وقيل: نرجس، كنيته أبو القاسم، ألقابه: الحجّة، والخلف الصالح، والقائم، والمنتظر، وصاحب الزمان، والمهدي وهو أشهرها.
صفته: شاب مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، أقني الانف، أجلي الجبهة، ولمّا توفّي أبوه كان عمره خمس سنين(٩٥١).
محمود بن وهيب البغدادي الحنفي
الخامس والثلاثون - محمود بن وهيب القراغولي البغدادي الحنفي:
قال في المجلس الثلاثين من كتابه: في فضائل محمّد المهدي (رضي الله عنه)، هو محمّد بن الحسن الخالص بن عليّ الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم).
اُمّه اُمّ ولد يقال لها نرجس، وقيل: صقيل، وقيل غير ذلك، وكنيته أبو القاسم، وألقابه: المهدي، والقائم والمنتظر، وصاحب الزمان، والحجّة عند الاماميّة.
وصفته: شاب مربوع القامة حسن الوجه، وهو آخر الائمة الاثني عشر علي ما ذهب إليه الامامية، ولد (رضي الله عنه) بسرّ من رأي سنة ٢٥٥ ه(٩٥٢).
محمد بن الشحنة
السادس والثلاثون - العلاّمة أبو الوليد محمّد بن الشحنة:
قال في ترجمة الامام الحسن العسكري (عليه السلام): وولد لهذا الحسن ولده المنتظر، ثاني عشرهم، ويقال له: المهدي والقائم والحجّة محمّد، ولد في سنة ٢٥٥ هـ، إلى آخر كلامه(٩٥٣).
شهاب الدين ياقوت الحموي
السابع والثلاثون - العلاّمة شهاب الدين ياقوت بن عبد الله الحموي:
قال في (معجم البلدان): منهم عليّ بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين، بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم). يكنّي أبا الحسن الهادي، ولد بالمدينة ونقل إلى سامراء. وابنه الحسن بن علي، ولد بالمدينة أيضاً، ونقل إلى سامراء، فسميّا بالعسكريين لذلك، فأمّا عليّ فمات في رجب سنة ٢٥٤ هـ ومقامه بسامراء عشرين سنة، وأمّا الحسن فمات بسامراء سنة ٢٦٠ هـ، ودفنا بسامراء، وقبورهما مشهورة هناك، ولولدهما المنتظر هناك مشاهد معروفة(٩٥٤).
المعترفون بولادته من العامّة
وهذه الطائفة من علماء العامّة الذين أقرّوا بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) ودوّنوا ذلك في تواريخهم منذ عصر الغيبة الصغرى (٢٦٠ - ٣٢٩ هـ) إلى وقتنا الحاضر(٩٥٥).
إلاّ أنّ الاعلام الذين سنذكرهم في هذه الطائفة لم يصرّحو بكونه (عليه السلام) الامام الموعود بظهوره في آخر الزمان، بل نقلوا ذلك عن الشيعة، أمّا الذين ذكرناهم في الطائفة الاُولي فقد أقرّوا بولادته وبكونه (عليه السلام) الامام المنتظر الذي سيملا الارض قسطاً وعدلاً.
وفي ما يلي نذكر نخبة من هؤلاء الاعلام:
ابن الاثير الجزري
١- ابن الاثير الجزري، المتوفّي سنة ٦٣٠ هـ، قال في حوادث سنة ٢٦٠ هـ من كتابه (الكامل في التأريخ): وفيها توفّي أبو محمّد العلوي العسكري، وهو أحد الائمة الاثني عشر علي مذهب الامامية، وهو والد محمّد الذي يعتقدونه المنتظر(٩٥٦).
احمد بن خلكان
٢- القاضي أحمد بن خلّكان، المتوفّي سنة ٦٨١ هـ، قال في وفيات الاعيان:
أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمّد الجواد المذكور قبله، ثاني عشر الائمة الاثني عشر علي اعتقاد الاماميّة، المعروف بالحجّة، وهو الذي تزعم الشيعة أنّه المنتظر والقائم والمهدي، وهو صاحب السرداب عندهم، وأقاويلهم فيه كثيرة، وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسرّ من رأي.
كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة ٢٥٥ هـ، ولمّا توفّي أبوه كان عمره خمس سنين، واسم اُمّه خمط، وقيل: نرجس.
ثمّ نقل عن المؤرّخ الرحّالة ابن الازرق الفاروقي، المتوفّي سنة ٥٧٧ هـ، أنّه قال في تأريخ ميافارقين: إنّ الحجّة المذكور ولد في تاسع شهر ربيع الاوّل سنة ٢٥٨ هـ، وقيل: في ثامن من شعبان سنة ٢٥٦ هـ وهو الاصحّ، وأنّه لمّا دخل السرداب كان عمره أربع سنين، وقيل: خمس سنين، وقيل: إنّه دخل السرداب سنة ٢٧٥ هـ، وعمره ١٧ سنة، والله أعلم أيّ ذلك كان، سلام الله ورحمته عليه(٩٥٧).
شمس الدين الذهبي
٣- الحافظ شمس الدين الذهبي، المتوفّي سنة ٧٤٨ هـ، ذكر ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) في عدّة مواضع من كتبه، منها:
قال في (العبر) في حوادث سنة ٢٥٦: وفيها ولد محمّد بن الحسن بن علي الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني، أبو القاسم، الذي تلقّبه الرافضة الخلف الحجّة، وتلقّبه بالمهدي والمنتظر، وتلقّبه بصاحب الزمان، وهو خاتمة الاثني عشر(٩٥٨).
وقال في سير أعلام النبلاء: المنتظر الشريف أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن زين العابدين بن علي بن الحسين الشهيد بن الامام علي بن أبي طالب العلوي الحسيني، خاتمة الاثني عشر سيّداً(٩٥٩).
وقال في تأريخ دول الاسلام في الجزء الخاصّ بحوادث ووفيات سنة ٢٥١ - ٢٦٠ هـ: الحسن بن علي بن محمّد بن علي الرضا بن موسى بن جعفر الصادق، أبو محمّد الهاشمي الحسيني، أحد ائمة الشيعة الذي تدّعي الشيعة عصمتهم، ويقال له: الحسن العسكري، لكونه سكن سامراء، فإنّها يقال لها: العسكر، وهو والد منتظر الرافضة، توفّي إلى رضوان الله بسامراء في ٨ ربيع الاوّل سنة ٢٦٠ وله ٢٩ سنة، ودفن إلى جانب والده.
وأمّا ابنه محمّد بن الحسن الذي يدعوه الرافضة القائم الخلف الحجّة فولد سنة ٢٥٨ هـ، وقيل: سنة ٢٥٦ ه(٩٦٠).
ابن الوردي
٤- ابن الوردي، المتوفّي سنة ٧٤٩ هـ، قال في تأريخه: ولد محمّد بن الحسن الخالص سنة ٢٥٥ ه(٩٦١).
الشبراوي الشافعي
٥- الشبراوي الشافعي، المتوفّي سنة ١١٧١ هـ، قال في كتابه (الاتحاف بحبّ الاشراف): الثاني عشر من الائمة أبو القاسم محمّد الحجّة الامام، قيل: هو المهدي المنتظر، ولد الامام محمّد الحجّة بن الامام الحسن الخالص رضي الله عنهما بسرّ من رأي ليلة النصف من شعبان سنة ٢٥٥ قبل موت أبيه بخمس سنين، وكان أبوه قد أخفاه حين ولد وستر أمره لصعوبة الوقت وخوفه من الخلفاء، فإنّهم كانوا في ذلك الوقت يتطلّبون الهاشميين ويقصدونهم بالحبس والقتل ويريدون إعدامهم.
وكان الامام محمّد الحجّة يلقّب أيضاً بالمهدي والقائم والمنتظر والخلف الصالح وصاحب الزمان، وأشهرها المهدي، ولذلك ذهبت الشيعة إلى أنّه الذي صحّت الاحاديث بأنّه يظهر آخر الزمان(٩٦٢).
مؤمن بن حسن الشبلنجي
٦- السيّد مؤمن بن حسن الشبلنجي، المتوفّي سنة ١٣٠٨ هـ، قال في الباب الثاني من كتابه (نور الابصار): فصل في ذكر مناقب محمّد بن الحسن الخالص بن علي الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهم).
اُمّه اُمّ ولد يقال لها نرجس، وقيل: صقيل، وقيل: سوسن، وكنيته أبو القاسم، ولقّبه الاماميّة بالحجّة والمهدي والخلف الصالح والقائم والمنتظر وصاحب الزمان وأشهرها المهدي.
صفته (رضي الله عنه): شابّ مربوع القامة حسن الوجه والشعر، يسيل شعره علي منكبيه، أقني الانف، أجلي الجبهة، نوّابه: محمّد بن عثمان، معاصره: المعتمد.
كذا في (الفصول المهمّة)، وهو آخر الائمة الاثني عشر علي ما ذهب إليه الاماميّة(٩٦٣)، ثمّ نقل كلام ابن الوردي في ولادته (عليه السلام) وقد قدّمناه.
خيرالدين زركلي
٧- خير الدين الزركلي، المتوفّي سنة ١٣٩٩ هـ، قال في (الاعلام): محمّد بن الحسن العسكري الخالص بن علي الهادي، أبو القاسم، آخر الائمة الاثني عشر عند الاماميّة، ولد في سامراء، ومات أبوه وله من العمر خمس سنين، وقيل في تأريخ مولده: ليلة النصف من شعبان سنة ٢٥٥ ه(٩٦٤).

شمس الدين الزرندي
٨- الشيخ شمس الدين محمّد بن يوسف الزرندي، قال في كتابه (معراج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول): الامام الثاني عشر، صاحب الكرامات المشتهر الذي عظم قدره بالعلم واتباع الحقّ والاثر القائم بالحقّ والداعي إلى منهج الحقّ الامام أبو القاسم محمّد بن الحسن.
وكان مولده علي ما نقلته الشيعة ليلة الجمعة النصف من شعبان سنة ٢٥٥ هـ بسرّ من رأي في زمان المعتمد، واُمّه نرجس بنت قيصر الروميّة، اُمّ ولد(٩٦٥).
ابوبكر البيهقي الشافعي
٩- أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الشافعي، المتوفّي سنة ٤٥٨ هـ.
قال في (وفيات الاعيان): الحافظ الكبير المشهور واحد زمانه وفرد أقرانه في الفنون، من كبار أصحاب الحاكم.
قال في كتابه (شعب الايمان): اختلف الناس في أمر المهدي... إلى أن قال: وطائفة يقولون: إنّ المهدي الموعود ولد يوم الجمعة منتصف شعبان سنة ٢٥٥، وهو الامام الملقّب بالحجّة القائم المنتظر محمّد بن الحسن العسكري، وإنّه دخل السرداب بسرّ من رأي وهو مختف عن أعين الناس منتظر خروجه، ويظهر ويملا الارض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، ولا امتناع في طول عمره وامتداد أيامه كعيسى بن مريم والخضر (عليهما السلام)، وهؤلاء هم الشيعة خصوصاً الامامية ووافقهم عليه جماعة من أهل الكشف(٩٦٦).
والقائلون بوجود الإمام المهدي (عليه السلام) من علماء أهل السنّة كثيرون، وفيما ذكرناه منهم كفاية، ومن أراد الاستقصاء فليراجع كتاب (البرهان علي وجود صاحب الزمان) للسيّد محسن الامين العاملي، ورسالة (كشف الاستار) لخاتمة المحدّثين النوري (رحمه الله)، و(دفاع عن الكافي) للسيّد ثامر العميدي ١: ٥٦٨ - ٥٩٢، و(الإمام المهدي (عليه السلام)) لعلي محمّد علي دخيل، وقد سجّلت مجموع هذه الكتب ما يربو علي ١٣٠ اعترافاً من أعلام العامّة علي اختلاف مذاهبهم وفي ذلك كفاية لمن له قلب أو ألقي السمع وهو شهيد.

الفصل الثامن: الغيبة الصغرى والكبرى

للامام المهدي عجّل الله فرجه غيبتان: صغرى وكبرى، كما جاءت بذلك الاخبار عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).
روي إبراهيم الخارقي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: لقائم آل محمّد غيبتان، واحدة طويلة، والاُخري قصيرة؟
قال: فقال لي: نعم يا أبا بصير، إحداهما أطول من الاُخري، ثمّ لا يكون ذلك - يعني ظهوره (عليه السلام) - حتّى يختلف ولد فلان، وتضيق الحلقة، ويظهر السفياني، ويشتدّ البلاء، ويشتمل الناس موت وقتل، ويلجأون منه إلى حرم الله تعالى وحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله)(٩٦٧).
وعن المفضّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّ لصاحب هذا الامر غيبتين، في إحداهما يرجع إلى أهله، والاُخرى يقال: مات أو هلك في أيّ واد سلك(٩٦٨).
وعن زرارة بن أعين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: للقائم غيبتان، إحداهما أطول من الاُخرى(٩٦٩).
وعن إسحاق بن عمّار الصيرفي، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام) يقول: للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة، والاُخرى طويلة، فالاُولى لا يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصّة من شيعته، والاُخرى لا يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصّة مواليه في دينه(٩٧٠).
وعن المفضّل بن عمر الجعفي، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: إنّ لصاحب هذا الامر غيبتين: إحداهما تطول حتّى يقول بعضهم: مات، وبعضهم يقول: قُتِل، وبعضهم يقول: ذهب، فلا يبقي علي أمره من أصحابه إلاّ نفرٌ يسير، ولا يطّلع علي موضعه أحدٌ من وليّ ولا غيره إلاّ المولي الذي يلي أمره(٩٧١).
وقال الامام الصادق (عليه السلام) لحازم بن حبيب: يا حازم، إنّ لصاحب هذا الامر غيبتين يظهر في الثانية، فمن جاءك يقول: إنّه نفض يده من تراب قبره؛ فلا تصدّقه.
وعن يحيى(٩٧٢) المثنّي، عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّ للقائم غيبتين، يرجع في إحداهما، والاُخري لا يُدري أين هو، يشهد المواسم، يري الناس ولا يرونه(٩٧٣).
تاريخ الغيبة الصغرى والكبرى
تبدأ الغيبة الصغرى من شهادة الامام الحسن العسكري (عليه السلام) سنة ٢٦٠ هـ إلى انقطاع السفارة بين الإمام المهدي (عليه السلام) وبين شيعته بوفاة السفراء وعدم نصب غيرهم، وكان آخر السفراء هو أبو الحسن علي بن محمّد السمري، وقد توفّي سنة ٣٢٩ هـ، وعليه تكون مدّة الغيبة الصغرى نحو سبعين سنة، أمّا بناءً علي أنّ وفاة السمري سنة ٣٢٨ هـ علي ما قيل، فتكون مدّة الغيبة الصغرى أقلّ من ذلك بسنة.
وقيل: إنّ مدّة الغيبة تبدأ من مولد الامام الحجّة (عليه السلام) وذلك سنة ٢٥٥ هـ، وتنتهي عند وفاة السمري سنة ٣٢٩ هـ، فتكون مدّتها علي هذا نحو خمس وسبعين سنة، والمشهور ما ذكرناه أوّلاً، ولا وجه لجعل ابتداء الغيبة الصغرى من ابتداء ولادته (عليه السلام)، لأنّنا لا بدّ أن نؤرّخ لامامة المهدي (عليه السلام) باعتباره إماماً مفترض الطاعة بعد وفاة أبيه (عليه السلام).
أمّا الغيبة الكبرى فتبدأ منذ سنة ٣٢٩ هـ، وهي السنة التي توفّي فيها آخر السفراء، وإلى يومنا هذا، وفي آخرها يقوم المهدي (عليه السلام) بالسيف، ويقيم دولة الحقّ، ويملا الارض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
وستكون دراستنا في هذا الفصل ضمن مبحثين:
الاوّل - الغيبة الصغرى.
والثاني - الغيبة الكبرى.
الغيبة الصغرى
قدّر الله تعالى هذه الغيبة قبل وقوع الغيبة الكبرى، ليستأنس الشيعة بمعرفة الامام (عليه السلام)، وليسمعوا فتاواه في الدين، وليطّلعوا علي تواقيعه الشريفة فتترسّخ عقيدتهم في القلوب، بعد أن يتأكدوا من وجوده، ويعرفوا ما تكون عليه غيبته الكبرى وعهد الانتظار المرّ.
وهي مقدّمة لغيبة طويلة موحشة يتعرّض فيها الموالون له للابتلاء والتمحيص والاختبار، وهو ما لا تركن إليه النفوس إذا لم تتدرّب عليه تدريباً عملياً مقنعاً من فمه الشريف، وإذا لم تتمرّس عليه قبل الغيبة الكبرى باعتقاد وجوده الشريف تمرّساً عميقاً راسخاً.
وتشير المرويّات التي وصفت حياة الإمام المهدي (عليه السلام) خلال فترة الغيبة الصغرى، إلى أنّه (عليه السلام) كان يلتقي سفراءه الاربعة ووكلائه المنتشرين هنا وهناك، وأحياناً كان (عليه السلام) يلتقي ببعض الخواص من شيعته ويحلّ مشاكلهم(٩٧٤)، على الرغم من أنّ السلطات الحاكمة كانت تتحرّاه بأقصى مراتب الدقّة، وتراقب سفراءه ووكلاءه وتلاحقهم أحياناً بواسطة أجهزتها، وقد هاجمت داره (عليه السلام) أكثر من مرّة بهدف القبض عليه.
وبعد فشل محاولات المعتمد العباسي التي بذلها للقبض علي الامام (عليه السلام) بتحريض من عمّه جعفر بن علي الهادي (عليه السلام)، المعروف بجعفر الكذّاب، بعد فشل هذه المحاولة، جرّب المعتضد الذي جاء إلى الحكم بعد تسعة عشر عاماً مرّت من حياة الامام (عليه السلام) فحاول أكثر من مرّة كما يبدو من بعض المرويّات أن يقبض عليه في داره، فكان يرسل الجيش تلو الجيش فيحاصر الدار ويفتّشها تفتيشاً دقيقاً(٩٧٥)، وكان الله سبحانه يحول بينه وبين مراده تكريماً منه تعالى لمن اصطفاهم من عباده واجتباهم إليه من خلقه.
بالرغم من كلّ ذلك، فقد كان الإمام المهدي (عليه السلام) يجتمع بخاصّته وشيعته، ويحلّ مشاكلهم حسب ما يراه صالحاً لهم، وأغلب الذين كانوا يجتمعون إليه كما تحدّث الروايات كانوا يصابون بما يشبه الذهول والغفلة حين اجتماعهم به لهيمنة عظمة الامامة، فيغيب عن أذهانهم كونه الامام (عليه السلام)، ولا يلتفتون إلى أنّه هو صاحبهم إلاّ بعد أن يفارقهم، وأحياناً كان (عليه السلام) هو الذي يعرّفهم بنفسه لمصلحة تقتضي ذلك.
وعليه فإنّ الامام (عليه السلام) خلال الفترة الاُولي من حياته المقدّسة التي انتهت بوفاة السفير الرابع الشيخ السمري سنة ٣٢٩ هـ، كان له من العمر نحو ٧٥ عاماً، قضي منها مع أبيه (عليه السلام) نحو خمس سنين، ونحو سبعين عاماً بعد أبيه (عليه السلام).
وخلال هذه الفترة لم يكن الامام (عليه السلام) منقطعاً عن الناس انقطاعاً كاملاً، بل كان يتّصل بالخواصّ من شيعته والسفراء عند الضرورات الملحّة وبعيداً عن عيون الناس خوفاً من عيون الحاكمين الذين أعجزهم أمره بمشيئة الله سبحانه.
السفراء الاربعة
ابوعمرو عثمان بن سعيد بن عمرو العمري
ويقال له: العسكري أيضاً، لأنّه كان يسكن عسكر سرّ من رأي، ويقال له: السمّان، لأنّه كان يتّجر بالسمن تغطية علي الامر، وكان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمّد العسكري (عليه السلام) ما يجب عليهم حمله من الاموال، وأنفذوا إلى أبي عمرو، فيجعله في جراب السمن وزقاقه، ويحمله إلى أبي محمّد (عليه السلام) تقيّة وخوفاً(٩٧٦).
وله من الاولاد: محمّد، وهو السفير الثاني، وأحمد.
ولم يرد في المصادر التأريخية تحديد لعام ولادته، ولا عام وفاته، وإنّما يرد اسمه أوّل ما يرد كوكيل خاصّ للامام الهادي (عليه السلام)(٩٧٧)، وكان الامام (عليه السلام) يستوثقه ويمدحه بمثل قوله (عليه السلام): هذا أبو عمرو الثقة الامين، ما قاله لكم فعنّي يقوله، وما أدّاه إليكم فعنّي يؤدّيه(٩٧٨).
وهذا النص يدلّ علي نوع النشاط والعمل الذي كان يقوم به أبو عمرو، وهو نقل المال والمقال من الامام عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام) إلى شيعته وبالعكس، فكان يمثّل مع جماعة آخرين دور الوساطة بين الامام وبين قواعده الشعبيّة.
وبعد وفاة الامام الهادي (عليه السلام) سنة ٢٥٤ هـ، أصبح أبو عمرو وكيلاً خاصّاً موثوقاً للامام العسكري (عليه السلام)، ذا نشاط ملحوظ وبراعة خاصّة في العمل، فقد سمعنا كيف أنّه كان يحمل المال في زقاق السمن، ويسير علي المسلك الذي يخطّه له الامام في الاخفاء والتكتّم، ويظهر أمام الناس كتاجر اعتيادي بالسمن، تغطيةً وتقيّةً لحاله ومسلكه وعقيدته. وكان الامام العسكري (عليه السلام) يكثر من مدحه والثناء عليه في مناسبات مختلفة، وأمام اُناس كثيرين.
فمن ذلك أنّه (عليه السلام) قال: هذا أبو عمرو الثقة الامين، ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات، فما قاله لكم فعنّي يقوله، وما أدّي إليكم فعنّي يؤدّي(٩٧٩). وقال أمام وفد من اليمن: امضِ يا عثمان، فإنّك الوكيل والثقة المأمون على مال الله(٩٨٠).
وقد اشتهر حاله وجلالة شأنه بين الشعب الموالي للامام (عليه السلام)، قال أبو العباس الحميري: فكنّا كثيراً ما نتذاكر هذا القول - يعني مدح الامام العسكري (عليه السلام) له - ونتواصف جلالة محلّ أبي عمرو(٩٨١).
وقال وفد اليمن حين سمع من الامام (عليه السلام) المدح لابي عمرو: يا سيّدنا، إنّ عثمان لمن خيار شيعتك، ولقد زدتنا علماً بموضعه من خدمتك، وأنّه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى(٩٨٢). فلم تزل الشيعة مقيمة علي عدالته وتتسالم علي وثاقته وجلالة قدره.
ونص الامام العسكري (عليه السلام) في مجلس حافل بالخاصّة، يعدّون بأربعين رجلاً، علي إمامة ولده الإمام المهدي (عليه السلام) بعد أن عرضه عليهم، وأكد علي غيبته، ونص (عليه السلام) أيضاً علي وكالة عثمان بن سعيد عن المهدي (عليه السلام) وسفارته له قائلاً: فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، أو اقبلوا قوله فهو خليفة إمامكم والامر إليه(٩٨٣).
وحين يلقي الامام العسكري (عليه السلام) ربّه سنة ٢٦٠ هـ، يحضر أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري تغسيله، ويتولّي جميع أمره في تكفينه وتحنيطه وإقباره(٩٨٤).
وأكد الشيخ الطوسي (رحمه الله) علي أنّه كان مأموراً بذلك للظاهر من الحال التي لا يمكن جحدها ولا دفعها إلاّ بدفع حقائق الاشياء في ظواهرها(٩٨٥).
يشير بذلك إلى اختفاء الإمام المهدي (عليه السلام)، وعدم تمكنه من القيام بتغسيل والده (عليه السلام) بأمره، ولكنّنا - علي أيّ حال - سبق أن أشرنا إلى أنّه لا يغسّل الامام إلاّ الامام (عليه السلام)، وإلى أنّ الإمام المهدي (عليه السلام) أقام الصلاة علي أبيه بنفسه، ودفع عن ذلك عمّه جعفر أمام جماعة من الناس، منهم عثمان بن سعيد السمّان نفسه(٩٨٦).
ومن ثمّ يمكن القول: بأنّه يمكن للامام المهدي (عليه السلام) أن يغسّل أباه في داره سرّاً قبل أن ينقل جثمانه أمام الجمهور، وظاهر عبارة الشيخ (رحمه الله) قيامه (عليه السلام) بالتغسيل بحضور أبي عمرو، ثمّ قيام أبي عمرو بنفسه بباقي شؤونه من تكفين وتحنيط وإقبار، والله العالم بحقائق الاُمور.
وعلي أيّ حال فقد أصبح العمري من ذلك الحين السفير الاوّل للامام المهدي (عليه السلام) بنص الامام العسكري (عليه السلام) كما تقدّم، وبنص الإمام المهدي (عليه السلام) أمام وفد القمّيين، فاضطلع بالمهمّة العظمي في ربط الإمام المهدي (عليه السلام) بقواعده الشعبيّة وتبليغ توجيهاته وتعاليمه واُمور تدبيره وإدارته إليهم، وإيصال أسئلتهم ومشاكلهم وأموالهم إليه، وبتنفيذ أوامر الامام (عليه السلام) وتوجيهاته فيهم.
وبقي العمري مضطلعاً بمهام السفارة، وقائماً بها خير قيام، إلى أن وافاه الاجل، فقام ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان بتغسيله وتجهيزه(٩٨٧).
ودفن في الجانب الغربي من بغداد، في شارع الميدان، في أوّل الموضع المعروف بدرب جبلة، في مسجد الدرب، يمنة الداخل إليه، والقبر في نفس قبلة المسجد، ذكر ذلك أبو نصر هبة الله بن محمّد.
وقال الشيخ الطوسي (رحمه الله): رأيت قبره في الموضع الذي ذكره، وكان بُني في وجهه حائط، به محراب المسجد، وإلى جنبه باب يدخل إلى موضع القبر في بيت ضيّق مظلم، فكنّا ندخل إليه ونزوره مشاهرةً، قال: وكذلك من وقت دخولي إلى بغداد وهي سنة ٤٠٨ إلى سنة نيّف وثلاثين وأربعمائة.
ثمّ نقض ذلك الحائط الرئيس أبو منصور محمّد بن الفرج، وأبرز القبر إلى برّا - أي إلى الخارج - وعمل عليه صندوقاً، وهو تحت سقف يدخل إليه من أراده ويزوره.
قال الشيخ (رحمه الله): ويتبرّك جيران المحلّة بزيارته، ويقولون: هو رجل صالح، وربما قالوا: هو ابن داية الحسين (عليه السلام)، ولا يعرفون حقيقة الحال فيه، وهو إلى يومنا هذا - وذلك سنة ٤٤٧ هـ - علي ما هو عليه(٩٨٨).
وقبره الان مشيّد معروف ببغداد، يزار ويتبرّك به، ونستطيع أن نعرف من جهالة الناس لحقيقة قبره في زمان الشيخ الطوسي (رحمه الله) مقدار الغموض والكتمان الذي كان يحيط السفارة المهدويّة، في حياة السفير وبعد مماته، بل بعدما يزيد علي مائتي سنة علي دفنه.
أقول: كمّا إنّي تشرّفت بزيارة مرقده عدّة مرّات عندما سكنت بغداد من تأريخ ١٣٦٠ إلى ١٤٠٠ هـ.
ولم يفت أبو عمرو قبل وفاته، أن يبلغ أصحابه وقواعده الشعبيّة، ما هو مأمور به من قبل المهدي (عليه السلام)، من إيكال أمر السفارة بعده إلى ابنه محمّد بن عثمان، وجعل الامر كلّه مردود إليه(٩٨٩).
وكتب الإمام المهدي (عليه السلام) إلى محمّد بن عثمان: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، تسليماً لامره ورضاءً بقضائه، عاش أبوك سعيداً ومات حميداً، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه (عليهم السلام)، فلم يزل مجتهداً في أمرهم، ساعياً فيما يقرّبه إلى الله عزّ وجلّ وإليهم، نضّر الله وجهه وأقال عثرته.
وقال (عليه السلام) في كتابه: أجزل الله لك الثواب، وأحسن لك العزاء، رُزيت ورُزينا، وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسرّه الله في منقلبه، كان من كمال سعادته أن رزقه الله تعالى ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحّم عليه. وأقول: الحمد لله، فإنّ الانفس طيّبة بمكانك، وما جعله الله تعالى فيك وعندك، أعانك الله وقوّاك وعضدك ووفّقك، وكان لك وليّاً وحافظاً، وراعياً وكافياً(٩٩٠).
محمد بن عثمان بن سعيد العمري
تولّي السفارة بعد أبيه (رحمه الله)، بنص من الامام العسكري (عليه السلام)، حيث قال (عليه السلام) لوفد اليمن الذي أشرنا إليه آنفاً: واشهدوا عليّ أنّ عثمان بن سعيد وكيلي، وأنّ ابنه محمّد وكيل ابني مهديّكم(٩٩١)، وبنص أبيه عثمان بن سعيد علي سفارة ابنه محمّد بأمر من الإمام المهدي (عليه السلام)(٩٩٢).
وكانت قواعده الشعبية مجتمعة علي عدالته وثقته وأمانته، لا يختلف في ذلك اثنان من الامامية، وكيف لا وفيه وفي أبيه قال الامام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) لبعض أصحابه: العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا فعنّي أدّيا، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنّهما الثقتان المأمونان(٩٩٣).
وكلمات الإمام المهدي (عليه السلام) فيه متظافرة ومتواترة، فقد سمعناه يعزّيه بوفاة أبيه، ويثني عليه الثناء العطر، ويشجّعه وهو في أوّل أيّام اضطلاعه بمهمّته الكبرى، وقال في حقّه: لم يزل ثقتنا في حياة الاب (رضي الله عنه وأرضاه ونضّر وجهه) يجري عندنا مجراه ويسدّ مسدّه، وعن أمرنا يأمر الابن وبه يعمل(٩٩٤)، وغير ذلك من عظيم الاجلال والاكبار(٩٩٥): وكانت التوقيعات تخرج علي يده من الإمام المهدي (عليه السلام)
في المهمّات طوال حياته، بالخطّ الذي كانت تخرج في حياة أبيه عثمان، ولا يعرف الشيعة في هذا الامر غيره، ولا يرجعون إلى أحد سواه، وقد نقلت عنه دلائل كثيرة، وأغلب معجزات الامام ظهرت علي يده، واُمور أخبرهم بها عنه زادتهم في هذا الامر بصيرة(٩٩٦).
وبقي مضطلعاً بمسؤولية السفارة نحواً من خمسين سنة، حتّى لقي ربّه العظيم في جمادي الاُولي سنة ٣٠٥ هـ، أو ٣٠٤ ه(٩٩٧)، ومعني ذلك أنّه توفّي بعد وفاة الامام العسكري (عليه السلام) بخمس وأربعين سنة، وحيث إنّ والده (رضي الله عنه) قد اضطلع بالسفارة عدّة أعوام فالاولي أن يقال: إنّ سفارته امتدّت حوالي الاربعين عاماً، لا نحواً من الخمسين، كما قال الشيخ في الغيبة.
وإذ يكون تأريخ وفاة أبيه مجهولاً، يكون مبدأ تولّيه السفارة مجهولاً أيضاً، غير إنّنا نعرف أنّه كان سفيراً قبل عام ٢٦٧ هـ، لانّ ابن هلال الكرخي طعن في سفارته، وكان أحد المنحرفين عن خطّه، وكانت وفاة ابن هلال عام ٢٦٧ ه(٩٩٨)، أي بعد وفاة الامام العسكري (عليه السلام) بسبع سنين، وبذلك يمكن القول علي وجه التقريب: إنّ الشيخ عثمان بن سعيد تولّي السفارة خمس سنوات، وتولاّها ابنه أربعين سنة.
وبهذا التحديد لمدّة سفارته، نستطيع أن نعرف أنّه (رضي الله عنه) أطول السفراء بقاءً في السفارة، ومن ثمّ يكون أكثرهم توفيقاً في تلقّي التعاليم من الإمام المهدي (عليه السلام)، وأوسعهم تأثيراً في الوسط الذي عاش فيه، والذي كان مأموراً بقيادته وتدبير شؤونه.
وكان لابي جعفر العمري، كتب مصنّفة في الفقه، ممّا سمعه من أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام)، ومن الصاحب المهدي (عليه السلام)، ومن أبيه عثمان بن سعيد عن أبي محمّد العسكري وعن أبي الحسن علي بن محمّد الهادي (عليه السلام)، فيها كتب ترجمتها: كتب الاشربة. ذكرت الكبيرة اُمّ كلثوم بنت أبي جعفر أنّها وصلت إلى أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) عند الوصيّة إليه، وكانت في يده. قال أبو نصر: وأظنّها قالت: وصلت بعد ذلك إلى أبي الحسن السمري (رضي الله عنه)(٩٩٩).
وكان محمّد بن عثمان يعلم بزمان موته بإرشاد من الإمام المهدي (عليه السلام)، إذ حفر لنفسه قبراً وسوّاه بالساج. فسُئل عن ذلك، فقال: للناس أسباب، وقد اُمرت أن أجمع أمري، فمات بعد ذلك بشهرين.
وكان قد أعدّ لنفسه ساجة نقش عليها آيات من القرآن الكريم وأسماء الائمة (عليهم السلام) علي حواشيها. فقيل له: ما هذه الساجة؟ فقال: هذه لقبري، تكون فيه، اُوضع عليها، أو قال: اُسند عليها.
قال: وقد فرغت منه، وأنا في كلّ يوم أنزل فيه، فأقرأ جزءاً من القرآن، فإذا كان يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا، صرت إلى الله عزّ وجلّ، ودفنت فيه وهذه الساجة معي.
قال الراوي: فلمّا خرجت من عنده أثبتّ ما ذكره، ولم أزل مترقّباً به ذلك، فما تأخّر الامر، حتّى اعتلّ أبو جعفر، فمات في اليوم الذي ذكره من الشهر الذي قاله من السنة التي ذكرها(١٠٠٠).
وعندما توفّي أبو جعفر العمري، دفن عند والدته، في شارع باب الكوفة في الموضع الذي كانت دوره ومنازله فيه، قال الراوي: وهو الان في وسط الصحراء.
أقول: وقبره معروف في وقتنا الحاضر في وسط بغداد الرصافة وله مسجد كبير ومكتبة عظيمة معروف بـ (الخلاّني) ويقصده الناس للتبرّك والزيارة.
ابوالقاسم الحسين بن روح النوبختي
ولم نجد تحديداً لتأريخ ولادته، وأوّل ما يعرف كوكيل مفضّل لابي جعفر محمّد ابن عثمان العمري، يلقي إليه بأسراره لرؤساء الشيعة، وكان خصيصاً به، حتّى إنّه كان يحدّثه بما يجري بينه وبين جواريه لقربه منه واُنسه به، فكان قريباً من نفوس الشيعة محبّباً إليهم لمعرفتهم باختصاصه بأبي جعفر وتوثيقه عندهم، وانتشار أخبار فضله ودينه، وما كان يحتمله من هذا الامر، فمُهّدت له الحال في طول حياة أبي جعفر العمري، إلى أن انتهت الوصيّة بالنص عليه في خلافته بالسفارة للناحية المقدّسة، فلم يختلف في أمره ولم يشك فيه أحد(١٠٠١).
وقد روي أنّه قدم بعض الموالين بمال علي أبي جعفر العمري مقداره أربعمائة دينار للامام (عليه السلام)، فأمره بإعطائها إلى الحسين بن روح، وحين تردّد هذا الشخص في ذلك، باعتبار عدم وصول السفارة إليه يومئذ، فأكد أبو جعفر عليه ذلك، وأمره مراراً بإعطاء المال لابن روح، وذكر له أنّ ذلك بأمر الإمام المهدي (عليه السلام)، وكأنّ ذلك تمهيد لتولّيه أمر السفارة في عهد أبي جعفر العمري، سيّما إذا عرفنا أنّ تحويله المال إلى أبي القاسم بن روح قبل موت أبي جعفر بسنتين أو ثلاث(١٠٠٢).
وعندما اشتدّت بأبي جعفر العمري حاله، اجتمع لديه جماعة من وجوه الشيعة، منهم أبو علي بن همام، وأبو عبد الله بن محمّد الكاتب، وأبو عبد الله الباقطاني، وأبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي، وأبو عبد الله بن الوجناء، وغيرهم من الوجوه والاكابر. فقالوا له: إن حدث أمر، فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، القائم مقامي، والسفير بينكم وبين صاحب الامر (عليه السلام)، والوكيل والثقة الامين، فارجعوا إليه في اُموركم وعوّلوا عليه في مهمّاتكم، فبذلك اُمرت، وقد بلّغت(١٠٠٣).
وروي عن جعفر بن أحمد بن متيل، وهو من متقدّمي أصحابه وأجلاّئهم، أنّه قال: لمّا حضرت أبا جعفر محمّد بن عثمان العمري الوفاة، كنت جالساً عند رأسه أسأله واُحدّثه، وأبو القاسم الحسين بن روح عند رجليه، فالتفت إلى ثمّ قال: اُمرت أن اُوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح.
قال ابن متيل، فقمت من عند رأسه، وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني، وتحوّلت إلى عند رجليه(١٠٠٤)، إلى غير ذلك من تأكيدات أبي جعفر عليه، وإعلانه لوكالته.
والسبب المهمّ في هذا التأكيد، هو كون الحسين بن روح، لم يكن قد عاش تأريخاً حافلاً بإطراء وتوثيق الائمّة (عليهم السلام) كالسفراء السابقين، ومن هنا احتاج أبو جعفر العمري أن يكرّر الاعراب عن مهمّته في إيكال الامر إلى الحسين بن روح، ودفع الاموال إليه في حياته، لاجل ترسيخ فكرة نقل السفارة إلى الحسين بن روح، وتوثيقه في نظر قواعده الشعبية الموالية لخطّ الائمة (عليهم السلام).
وكان لابي جعفر غير الحسين بن روح بعض الوكلاء في بغداد يصل عددهم إلى عشرة رجال، وكان إذا احتاج إلى حاجة أو إلى سبب فإنّه ينجزه علي أيديهم، ولم تكن للحسين بن روح خصوصيّة دونهم، ولمّا كان وقت مضيّ أبي جعفر العمري (رضي الله عنه) وقع الاختيار علي الحسين بن روح، فكانت الوصيّة إليه(١٠٠٥)، واُوكلت السفارة إلى الحسين بن روح، فسلّم به الاصحاب، وكانوا معه وبين يديه، كما كانوا مع أبي جعفر (رضي الله عنه).
ولم يزل جعفر بن أحمد بن متيل من جملة أصحاب أبي القاسم بن روح وبين يديه كتصرّفه بين يدي أبي جعفر العمري، إلى أن مات (رضي الله عنه) فكلّ من طعن علي أبي القاسم الحسين بن روح فقد طعن علي أبي جعفر العمري، وطعن علي الحجّة (عليه السلام)(١٠٠٦).
تولّي الحسين بن روح مهام السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام) بموت أبي جعفر العمري سنة ٣٠٥ هـ إلى أن لحق برضوان ربّه في شعبان سنة ٣٢٦ هـ، فتكون مدّة سفارته حوالي ٢١ سنة.
وكان أوّل كتاب تلقّاه الحسين بن روح من الإمام المهدي (عليه السلام)، كتاب يشتمل علي الثناء عليه، وتعريفه إلى الرأي العام والاصحاب ممّن سار علي خطّ الائمة (عليهم السلام)، وقد مثّل هذا الكتاب أهمّ وآخر خطوة في هذا الطريق، لكي يبدأ الحسين بن روح بعدها مهمّته بسهولة ويسر، وقد دعا له الإمام المهدي (عليه السلام) في الكتاب، وقال: عرّفه الله الخير كلّه ورضوانه، وأسعده بالتوفيق، وقفنا علي كتابه، وثقتنا بما هو عليه، وإنّه عندنا بالمنزلة والمحلّ اللذين يسرّانه، زاد الله في إحسانه إليه، إنّه وليّ قدير، والحمد لله لا شريك له، وصلى الله علي رسوله محمّد وآله وسلّم تسليماً كثيراً.
وقد وردت هذه الرقعة يوم الاحد لستّ خلون من شوّال سنة ٣٠٥ هـ بعد حوالي الخمسة أشهر من وفاة أبي جعفر العمري، الذي توفّي في جمادي الاُولي من نفس العام(١٠٠٧).
وقد اضطلع أبو القاسم منذ ذلك الحين بمهام السفارة، وقام بها خير قيام، وتولّي في أيام سفارته الحملة ضدّ ظاهرة الانحراف عن الخطّ، وادعاء السفارة زوراً، بتبليغ القواعد الشعبية توجيهات الإمام المهدي (عليه السلام) في ذلك، وشجبه لهذه الظاهرة بكلّ ما اُوتي من أسباب القوّة.
وبقي أبو القاسم مضطلعاً بمهامه العظمي، حتّى لحق بالرفيق الاعلي عام ٣٢٦ هـ، ودفن في النوبختية في الدار التي كانت فيه دار علي بن أحمد النوبختي النافذة إلى التلّ، أو إلى درب الاخر وإلى قنطرة الشوك (رضي الله عنه)(١٠٠٨) وقبره اليوم في بغداد معروف - في أهمّ أسواق بغداد المعروف بـ (الشورجة) - يقصده الناس للتبرّك والزيارة(١٠٠٩).
ابوالحسن علي بن محمد السمري
ولم تحدّد لنا المصادر تأريخ ميلاده علي وجه الدقّة، وقد ذكرته المصادر بكونه من أصحاب الامام العسكري (عليه السلام) ثمّ بكونه قائماً بمهام السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام) ببغداد بعد الشيخ أبي القاسم النوبختي، بإيعاز من الشيخ أبي القاسم عن الإمام المهدي (عليه السلام).
وقد تولّي أبو الحسن السمري السفارة من حيث وفاة أبي القاسم بن روح عام ٣٢٦ هـ، إلى أن لحق بالرفيق الأعلى عام ٣٢٩ هـ في النصف من شعبان، فتكون مدّة سفارته عن الإمام المهدي (عليه السلام) نحو ثلاثة أعوام كاملة.
وقد أخرج إلى الناس قبل وفاته بأيام توقيعاً من الإمام المهدي (عليه السلام)، أعلن فيه انتهاء الغيبة الصغرى وعهد السفارة بموت السمري، وقال فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، يا عليّ بن محمّد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيام، فاجمع أمرك ولا توصي إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامّة، فلا ظهور إلاّ بإذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الامد وقسوة القلوب وامتلاء الارض جوراً.
وسيأتي لشيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعي المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كذّاب مفتر، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.
فكان هذا آخر خطاب خرج إلى السمري من الإمام المهدي (عليه السلام)، عن طريق السفارة الخاصّة.
قال الراوي: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال: لله أمرٌ هو بالغه. وقضي (رحمه الله) فهذا آخر كلام سمع منه (رضي الله عنه)(١٠١٠).
وكانت وفاته سنة ٣٢٩ هـ كما قدّمنا، وللامام (عليه السلام) يومذاك من العمر نحو خمس وسبعين عاماً، قضي منها مع أبيه نحو خمس سنين، ونحو سبعين عاماً في غيبته الاُولي المسمّاة بالصغرى، وعاصر من الخلفاء العباسيين المعتمد والمعتضد والمكتفي والمقتدر والراضي، ومع أنّ خلافة بني العباس في هذه الفترة كانت كما يصفها المؤرّخون تتمثّل بالانحلال والتفكك، ولا يملك الخليفة منها إلاّ توقيع المراسيم والشكليات، فلقد كانوا يراقبون تحرّكات ووكلائه المنتشرين في مختلف المناطق، وحاولوا القبض عليه أكثر من مرّة.
والظاهر أنّه دفن في داره، وله مقبرة شاخصة إلى جنب مسجد كبير واقع في وسط بغداد الرصافة - في سوق السراي المعروف اليوم قرب نهر دجلة - وقد زرته عدّة مرّات.
وكلاء الإمام المهدي في الغيبة الصغرى
جاء في كتاب الغيبة وتأريخها أنّ الإمام المهدي (عليه السلام) اختار أربعة رجال خلال الغيبة الصغرى، وأوكل إليهم مهمّة السفارة، وعهد إليهم بأن يكونوا واسطة بينه وبين الجماهير الشيعية في مختلف المناطق، وقد ذكرنا تراجمهم وبعض تواريخهم فيما تقدّم.
وجاء أيضاً أنّه (عليه السلام) قد اختار خلال فترة الغيبة الصغرى جماعة من ثقات الشيعة، وأوكل إليهم مهمّة مساندة السفراء الاربعة في بعض مهامهم، لتذليل الصعوبات التي كانت تعترض تحرّكاتهم بسبب مراقبة الحكام وأجهزتهم.
وكانت مهمّة الوكلاء محدودة بالقياس إلى مهمّة السفير، ذلك لانّ السفير كان يتّصل بالامام (عليه السلام) مباشرة، ويأخذ منه التعليمات والتواقيع، ويقوم بأكثر مسؤولياته حسب التوجيه الذي يتلقّاه منه، في حين أنّ مسؤولية الوكيل في الغالب في حدود منطقته، ولا تتعدّي استلام الاخماس، وتسهيل اتصال الشيعة بالسفراء ليرفعوا إليهم حوائجهم وتبليغ الاحكام والتوجيه ونحو ذلك.
ومن الوكلاء
١ - جابر بن يزيد، وجاء فيه عن الحسن بن عبد الحميد أنّه قال: شككت في أمر حاجز، فجمعت شيئاً ثمّ صرت إلى سامراء، فخرج إلينا جواب الامام (عليه السلام): ليس فينا شك، ولا فيمن يقوم مقامنا بأمرنا، ردّ ما معك إلى حاجز بن يزيد.
٢ - ومنهم أبو طاهر محمّد بن علي بن بلال قبل انحرافه مع المنحرفين والمشعوذين، وقد عبّر عنه الإمام المهدي (عليه السلام) في بعض التوقيعات المنسوبة إليه بالثقة المأمون العارف بما يجب عليه، وليس ببعيد أن يكون في بداية أمره من الموثّقين، ولكنّه انحرف بعد ذلك، كما حدث لغيره ممّن كانوا من الثقات بين أصحاب الائمة (عليهم السلام) ثمّ ظهر منهم ما يدلّ علي الانحراف عن الجادّة(١٠١١)، كما سيأتي بيانه.
٣ - إبراهيم بن مهزيار، وكان من وكلاء الامام (عليه السلام)، وسيأتي بيان ذلك في ذكر ابنه محمّد بن إبراهيم.
٤ - ومنهم محمّد بن إبراهيم بن مهزيار، وعدّه ابن طاووس من السفراء والابواب الذين يختلف الامامية فيهم، كما جاء في جامع الرواة، ولا بدّ أن يكون المراد من سفارته ما يشمل الوكالة، لانّ انحصار السفراء بالاربعة من المتّفق عليه بين الامامية.
وجاء في غيبة الطوسي أنّ محمّد بن إبراهيم بن مهزيار كان يقول: شككت عند مضيّ أبي محمّد العسكري (عليه السلام)، وكان قد اجتمع عند أبي مال كثير، فحمله وركب السفينة، وخرجت معه مشيّعاً، فوعك وعكاً شديداً، فقال: ردّني فهو الموت، واتّقِ الله في هذا المال، وأوصي إلى ومات.
ومضي يقول: فحملت المال بعد الفراغ من أمره، وقدمت العراق، واكتريت داراً علي الشطّ، وبقيت أياماً، فإذا أنا برسول معه رقعة فيها: يا محمّد، معك كذا وكذا من المال، وقصّ عليّ جميع ما تركه أبي من المال، ولم أكن أعرفه علي حقيقته، فسلّمت المال إلى الرسول، وبقيت أياماً، فخرج إلى التوقيع يقول (عليه السلام) فيه: قد أقمناك مقام أبيك فاحمد الله(١٠١٢).
٥ - ومنهم أحمد بن إسحاق بن سعد بن مالك الاشعري، وكان واسطة بين القمّيين والائمة: الجواد، والهادي، والعسكري (عليهم السلام)، وأدرك شطراً من غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، وهو الذي عرض عليه الامام العسكري (عليه السلام) ولده المهدي (عليه السلام) حينما سأله عن خليفته، وأراه إيّاه، وحدّثه ببعض ما يكون من أمره خلال غيبته الصغرى والكبري. وقد خرج التوقيع في مدحه مع جماعة منهم: إبراهيم بن محمّد الهمداني، وأحمد بن اليسع(١٠١٣).
٦ - ومنهم محمّد بن صالح بن محمّد الهمداني الدهقان، وجاء في رجال الكشّي أنّه ورد في توقيع الإمام المهدي (عليه السلام) إلى إسحاق بن إسماعيل: إذا وردت بغداد فاقرأه علي الدهقان وكلينا وثقتنا الذي يقبض من موالينا.
٧ - ومنهم أبو الحسين محمّد بن جعفر الاسدي، وقد وصفه الإمام المهدي (عليه السلام) بالامانة والثقة، وأمر بدفع الاموال إليه كما جاء في رواية النجاشي والشيخ في الغيبة، وخرج التوقيع بحقّه: محمّد بن جعفر العربي، فليدفع إليه، فإنّه من ثقاتنا، وفي توقيع آخر: إن أردت أن تعامل أحداً فعليك بأبي الحسين الاسدي بالريّ(١٠١٤).
٨ - ومنهم: القاسم بن العلاء من أذربيجان.
٩ - ومحمّد بن شاذان بن نعيم النيسابوري.
١٠ - والحسين بن علي بن سفيان البزوفري(١٠١٥).
وغير هؤلاء ممّن أوكل إليهم الامام (عليه السلام) بعض ما يهمّه من اُمور المسلمين وقبض الاخماس وقضاء الحاجات، وكانوا يتّصلون بالامام (عليه السلام) أحياناً عن طريق سفرائه الذين اعتمدهم لقضاء الحوائج وحلّ المشاكل، واُخري عن طريق المراسلة، وكان بعض وكلائه وسفرائه (عليه السلام) يتعاطي مهنة التجارة التي تساعده علي التجوّل وحريّة الحركة لتضليل أجهزة الحكم الذين كانوا يراقبون الامام وتحرّكات سفرائه ووكلائه.
السفارات الكاذبة
ادّعى البعض السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام) كذباً وزوراً، طمعاً في ابتزاز الاموال والتزعّم علي الناس، والسفارة الكاذبة في الواقع تشويه منحرف لمفهوم السفارة الصادقة العادلة، وكان هؤلاء المدّعون للسفارة عن الامام (عليه السلام) لا يواجهون صعوبة في أوّل دعواهم، ذلك لأنّه معلوم لدي جميع الشيعة أنّ الاتّصال بالامام (عليه السلام) سرّ لا يمكن لاحد الاطلاّع عليه أو السؤال عن مكانه وزمانه، ولكنّهم لا يلبثون أن ينكشف أمرهم علي لسان السفارة الصادقة عن الامام (عليه السلام) ويتمّ تبليغ القواعد الشعبيّة بشأنهم.
ولقد بدأ التزوير في السفارة من قبل بعض النفعيين والوصوليين في عهد السفير الثاني الشيخ محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه)، وأمّا أبوه السفير الاوّل، فقد كان أقوي وأسمي من أن ينازعه منازع أو يعارضه معارض بعد تأريخه الحافل بالثناء مع الامامين العسكريين الماضيين (عليهما السلام)، وأدائه لمختلف أنواع الجهاد في عهدهما، وبموجب توجيهاتهما وتعاليمهما، فلن يكون للظنون أن تحوم، وللمطامع أن تطمح لمعارضته أو منازعته، لأنّها ستجابه بالنقد والانكار من كلّ جانب.
كما أنّ الظروف لم تكن مساعدة علي دعوي السفارة في أيام عثمان بن سعيد (رضي الله عنه) لانّ الغيبة الصغرى لا زالت في أوّلها، وتتبّع السلطات ومطاردتهم للامام المهدي (عليه السلام) ولكلّ من يمتّ إليه بصلة لا زالت قويّة، وعليه فكيف يعرض أحد نفسه للمطاردة والخطر تلقائياً بانتحال السفارة؟
وقد ادّعى السفارة زوراً عن الإمام المهدي (عليه السلام) في زمان أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) عدّة أشخاص، منهم: أبو محمّد الشريعي، وهو أوّل من ادّعي مقاماً لم يجعله الله فيه(١٠١٦)، ومحمّد بن نصير النميري، ادّعي ذلك الامر بعد الشريعي، وأحمد بن هلال الكرخي، وأبو طاهر محمّد بن علي بن بلال البلالي، وأبو بكر محمّد بن أحمد بن عثمان المعروف بالبغدادي ابن أخي أبي جعفر العمري (رضي الله عنه) وإسحاق الاحمر، ورجل يعرف بالباقطاني(١٠١٧).
وكان بعض هؤلاء صالحين في أوّل أمرهم، ومن أصحاب الامامين الهادي والعسكري (عليهما السلام)، فانحرفوا وسلكوا مسلك التزوير في آخر أمرهم، فجابههم العمري (رضي الله عنه) بكلّ قوّة حتّى كان النصر حليفه، وخرجت من المهدي (عليه السلام) التواقيع والبيانات تتري بلعنهم والبراءة منهم والتأكيد علي كذب دعواهم للسفارة وسوء سريرتهم.
وأمّا الشيخ الحسين بن روح السفير الثالث للامام المهدي (عليه السلام) فقد ابتلي بأشدّهم تأثيراً وأكثرهم أتباعاً، وهو محمّد بن علي الشلمغاني العزاقري(١٠١٨)، وكان في مبدأ أمره مؤمناً مستقيماً، بل وكيلاً لابن روح، ثمّ ظهر انحرافه وسقم عقيدته.
وآخرهم في دعوي السفارة الكاذبة، أبو دلف الكاتب، حيث كان علي ذلك إلى ما بعد وفاة السمري السفير الرابع، فلعنه الشيعة وبرأوا منه، لأنّهم كانوا يعلمون أنّ من ادّعي السفارة بعد السمري فهو كافر ضالّ مضلّ(١٠١٩).
وممّن نسب إليه دعوي السفارة الحسين بن منصور الحلاّج، المعروف بمذهبه الصوفي، وله في هذه الدعوي مكاتبة مع أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي، كشفه فيها أبو سهل وأفحمه، ويبدو أنّ ذلك كان في عهد الحسين بن روح.
المدعون للسفارة حسب التسلسل التأريخي
ابومحمد الشريعي
قال الراوي: أظنّ أنّ اسمه كان الحسن، وكان من أصحاب أبي الحسن عليّ ابن محمّد الهادي (عليه السلام)، ثمّ من أصحاب الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)، ثمّ أنّه انحرف، وكان أوّل من ادّعي مقاماً لم يجعله الله فيه، ولم يكن أهلاً له، فكذب علي الله تعالى وعلي حجّته (عليه السلام)، ونسب إليهم ما لا يليق بهم وما هم منه براء، فلعنته الشيعة وتبرّأت منه، وخرج توقيع الامام (عليه السلام) بلعنه والبراءة منه، ثمّ ظهر منه القول بالكفر والالحاد(١٠٢٠).
محمد بن نصير النميري الفهري
كان من أصحاب الامام العسكري (عليه السلام) فانحرف وافتتن، وأصبح يستخدم اسم صحبته للامام العسكري (عليه السلام) لاغراض ماديّة دنيئة ومنافع شخصية وضيعة.
فكتب الامام العسكري (عليه السلام) كتاباً شديد اللهجة ضدّه وضدّ شخص آخر يدعي ابن بابا القمّي، ويسمّي الحسن بن محمّد، كشف فيه انحرافهما وأظهر البراءة منهما، وقال مخاطباً أحد أصحابه: أبرأ إلى الله تعالى من الفهري والحسن بن محمّد ابن بابا القمّي، فابرأ منهما، فإنّي محذّرك وجميع مواليّ، وإنّي ألعنهما، عليهما لعنة الله، مستأكلين، يأكلان بنا الناس، فتّانين مؤذيين، آذاهما الله، وأرسلهما في اللعنة وأركسهما في الفتنة ركساً، إلى آخر كتابه (عليه السلام).
وكان الفهري يدّعي أنّه رسول نبيّ، وأنّ عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام) أرسله، وكان يقول بالتناسخ، ويغلو في أبي الحسن الهاي (عليه السلام) ويقول فيه بالربوبيّة، ويقول بإباحة المحارم وتحليل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويزعم أنّ ذلك من التواضع والاخبات والتذلّل في المفعول به، وأنّه من الفاعل إحدي الشهوات والطيّبات، وإنّ الله لا يحرّم شيئاً من ذلك.
فقد رآه بعض الناس وغلامٌ له علي ظهره، قال الراوي: فلقيته فعاتبته علي ذلك، فقال: إنّ هذا من اللذّات، وهو من التواضع لله وترك التجبّر(١٠٢١). وكان معروفاً بالاُبنة.
وتبعه في أقواله جماعة من الغلاة الملعونين سمّوا بالنميريّة، ذكروا أنّ منهم محمّد ابن موسى بن الحسن بن الفرات، وهو والد علي بن محمّد بن موسى بن الفرات الذي وزر بعد ذلك للمقتدر المعاصر لسفارة ابن روح (رضي الله عنه)، استوزره سنة ٢٩٩ ه(١٠٢٢)، وبقي ما يزيد علي الثلاث سنين في الوزارة، فمن هذا يظهر كيف تؤيّد السلطات خطّ الانحراف عن الائمة (عليه السلام) بنحو خفي لا يكاد يلتفت إليه.
وأخيراً حين اعتلّ محمّد بن نصير النميري (لعنه الله) العلّة التي مات فيها، قيل له وهو مثقل اللسان: لمن الامر من بعدك؟ فقال بلسان ضعيف مُلجلج: أحمد. فلم يدروا من هو، فافترقوا بعده ثلاث فرق؛ فرقة قالت: إنّه أحمد ابنه، وفرقة قالت: هو أحمد بن محمّد بن موسى بن الفرات، وهو أخو علي بن محمّد بن موسى وزير المقتدر، وفرقة قالت: إنّه أحمد بن أبي الحسين بن بشر بن يزيد، فتفرّقوا فلا يرجعون إلى شيء(١٠٢٣).
احمد بن هلال الكرخي العبرتائي
ولد عام ١٨٠ هـ، وتوفّي عام ٢٦٧ هـ، أي إنّه عاصر الامام الرضا (عليه السلام) ومن بعده حتّى الامام العسكري (عليه السلام) الذي توفّي سنة ٢٦٠ هـ، وعاصر زمان الغيبة الصغرى لمدّة سبع سنوات، ادّعي خلالها الوكالة عن الإمام المهدي (عليه السلام) كذباً وزوراً، وقد عدّه الشيخ الطوسي (رحمه الله) في قائمة المذمومين الذين ادّعو البابيّة، أي السفارة من الإمام المهدي (عليه السلام).
وله كتاب يوم وليلة، وكتاب نوادر، يرويه الشيخ النجاشي في رجاله عنه بسنده إليه، اتّخذ مسلك التصوّف، وحجّ أربعاً وخمسين حجّة، عشرون منها علي قدميه، ولقيه أصحابنا بالعراق وكتبوا عنه.
وقد جاء ذمّه علي لسان الامام العسكري (عليه السلام)، وحذّر منه الإمام المهدي (عليه السلام) أصحابه ونوّابه، فكتب (عليه السلام) إلى قوّامه بالعراق: احذروا الصوفي المتصنّع، وورد علي القاسم بن العلاء نسخة ما كان خرج من لعن ابن هلال، فأنكر رواة أصحابنا بالعراق ذلك، لما كانوا قد كتبوا من رواياته، فحملوا القاسم بن العلاء علي أن يراجع في أمره، فخرج إليه من الإمام المهدي (عليه السلام) بيان مفصّل، نصه:
قد كان أمرنا نفذ إليك في المتصنّع ابن هلال لا رحمه الله بما قد علمت، ولم يزل - لا غفر الله ذنبه، ولا أقال عثرته - يداخلنا في أمرنا بلا إذن منّا ولا رضا، يستبدّ برأيه فيتحامي ديوننا، لا يمضي من أمرنا إيّاه إلاّ بما يهواه ويريده، أرداه الله في ذلك في نار جهنّم، فصبرنا عليه حتّى بتر الله بدعوتنا عمره.
وكنّا قد عرّفنا خبر قوماً من موالينا في أيامه لا رحمه الله، وأمرناهم بإلقاء ذلك إلى الخاصّ من موالينا، ونحن نبرأ إلى الله من ابن هلال - لا رحمه الله -.
وأعْلِم الاسحاقي(١٠٢٤) سلّمه الله وأهل بيته بما أعلمناك من حال هذا الفاجر، وجميع من كان سألك ويسألك عنه من أهل بلده والخارجين ومن كان يستحقّ أن يطّلع علي ذلك، فإنّه لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما روي عنّا ثقاتنا، قد عرفوا بأنّنا نفاوضهم بسرّنا ونحمله إيّاه إليهم، وعرفنا ما يكون من ذلك إن شاء الله تعالى.
وأنكر قوم ما خرج في ابن هلال، ولم يؤثر فيهم هذا القول البليغ، فعاودوا القاسم بن العلاء علي أن يراجع فيه، فخرج إليهم من الإمام المهدي (عليه السلام): لا شكر الله قدره، لم يدع المرء ربّه بأن لا يزيغ قلبه بعد أن هداه، وأن يجعل ما منّ به عليه مستقرّاً ولا يجعله مستودعاً، وقد علمتم ما كان من أمر الدهقان لعنه الله وخدمته وطول صحبته، فأبدله الله بالايمان كفراً حين فعل ما فعل، فعاجله الله بالنقمة ولم يمهله، والحمد لله لا شريك له وصلى الله علي محمّد وآله وسلّم(١٠٢٥).
والذي يظهر أنّ ابن هلال بقي مؤمناً صالحاً خلال سفارة السفير الاوّل، ولكنّه بمجرّد أن ذهب السفير الاوّل إلى ربّه بدأ بالتشكيك بسفارة السفير الثاني، بحجّة إنكار النص عليه من قبل الامام العسكري (عليه السلام)، وكان يقول: لم أسمعه ينص عليه بالوكالة، وليس اُنكر أباه - يعني عثمان بن سعيد - فأمّا أن أقطع أنّ أبا جعفر وكيل صاحب الزمان، فلا أجسر عليه، فقالوا: قد سمعه غيرك. فقال: أنتم وما سمعتم، ووقف علي أبي جعفر، فلعنوه وتبرّأوا منه.
وترتّب علي تشكيكه هذا في أبي جعفر العمري (رضي الله عنه) أن امتنع عن دفع أموال الامام (عليه السلام) إليه وعصيانه للاوامر الصادرة منه عن المهدي (عليه السلام) ممّا أدّي به إلى منزلق الكفر والجحود(١٠٢٦).
محمد بن علي بن بلال، أبوطاهر البلالي
كان من أصحاب الامام العسكري (عليه السلام)، وعدّه ابن طاووس من السفراء الموجودين في الغيبة الصغرى والابواب المعروفين الذين لا يختلف الامامية القائلون بإمامة الحسن بن علي (عليه السلام) فيهم، وظاهره كونه بمنزلة القاسم بن العلاء والاشعري والاسدي ونحوهم في الوثاقة والجلالة، إلاّ أنّ الشيخ الطوسي ذكره في المذمومين الذين ادّعوا البابيّة.
قال الشيخ (رحمه الله): وقصّته معروفة فيما جري بينه وبين أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) وتمسّكه بالاموال التي كانت عنده للامام (عليه السلام)، وامتناعه من تسليمها وادّعاؤه أنّه هو الوكيل، حتّى تبرّأت الجماعة منه ولعنوه، وخرج فيه من صاحب الزمان (عليه السلام) ما هو معروف.
وكان له جماعة من الاصحاب والمؤيّدين، منهم أخوه أبو الطيّب وابن حرز وجماعة آخرون، وجاهد أبو جعفر العمري (رضي الله عنه) واستعمل مختلف الاساليب في ردعه وتقويم انحرافه، وأخذ الاموال منه لايصالها إلى الإمام المهدي (عليه السلام)، فلم يفلح، وبقي ابن بلال علي انحرافه وتمسّكه بالاموال والاصحاب.
فمن ذلك أنّ أبا جعفر قصد ابن بلال في داره، وكان عنده جماعة، فيهم أخوه أبو الطيّب وابن حرز، فدخل الغلام فقال: أبو جعفر العمري علي الباب، ففزعت الجماعة لذلك وأنكرته للحال التي كانت جرت، ولم يستطع ابن بلال أن يحجبه فقال: يدخل. فدخل أبو جعفر (رضي الله عنه) فقام له أبو طاهر والجماعة، وجلس في صدر المجلس، وجلس أبو طاهر بين يديه، فأمهلهم إلى أن سكتوا.
ثمّ قال العمري: يا أبا طاهر، أنشدتك بالله، ألم يأمرك صاحب الزمان بحمل ما عندك من المال إليّ؟ فقال ابن بلال: اللهمّ نعم. فنهض أبو جعفر (رضي الله عنه) منصرفاً، ووقعت علي القوم سكتة، فلمّا تجلّت عنهم قال له أخوه أبو الطيّب: من أين رأيت صاحب الزمان؟ فقال أبو طاهر: أدخلني أبو جعفر إلى بعض دوره، فأشرف عليّ - يعني صاحب الزمان (عليه السلام) - من علوّ داره، فأمرني بحمل ما عندي من المال إليه - يعني إلى العمري -.
فقال له أبو الطيّب: ومن أين علمت أنّه صاحب الزمان؟ قال: قد وقع عليّ من الهيبة له، ودخلني من الرعب منه ما علمت أنّه صاحب الزمان (عليه السلام).
فقال ذلك الرجل من أصحابنا: فكان هذا سبب انقطاعي عنه(١٠٢٧).
محمد بن أحمد بن عثمان، أبوبكر البغدادي
وهو ابن أخي أبي جعفر العمري السفير الثاني (رضي الله عنه)، وحفيد عثمان بن سعيد السفير الاوّل (رضي الله عنه)، وأمره في قلّة محصوله العلمي وقلّة مروءته أشهر من أن تذكر(١٠٢٨)، وكان مشهوراً لدي عمّه أبي جعفر العمري بالانحراف، ولم يكن معروفاً لدي البعض الاخرين من أصحابه، ومن هنا كان جماعة من الاصحاب، وهم خاصّة الموالين، في مجلس العمري (رضي الله عنه) وهم يتذاكرون شيئاً من روايات الائمة (عليهم السلام)، فأقبل عليهم أبو بكر محمّد بن أحمد بن عثمان، ابن أخيه، فلمّا بصر به أبو جعفر (رضي الله عنه) قال للجماعة، مشيراً إليه: أمسكوا، فإنّ هذا الجاني ليس من أصحابكم(١٠٢٩).
وادّعي محمّد بن أحمد بن عثمان السفارة، وكان له أصحاب، منهم أبو دلف محمّد بن المظفّر الكاتب، وقد كان في ابتداء أمره مخمساً(١٠٣٠) مشهوراً بذلك، ثمّ صار إلى أبي بكر البغدادي.
ثمّ إنّ أبا بكر البغدادي، حين أرسل إليه وجوه الخاصّة وعلمائهم، وسألوه عن دعواه السفارة، أنكر ذلك وحلف عليه، وقال: ليس إلى من هذا الامر شيء، وعرض عليه مال، لكي يأخذه بالوكالة عن الإمام المهدي (عليه السلام)، وإنّما عرض عليه ذلك امتحاناً، فأبي قبوله، وقال: محرّم عليّ أخذ شيء منه، فإنّه ليس إلى من هذا الامر شيء، ولا ادّعيت شيئاً من هذا.
قال الراوي: ولمّا دخل بغداد، مال إليه أبو دلف الكاتب، وعدل عن الطائفة وأوصي إليه، فلم نشك أنّه علي مذهبه، فلعنّاه وبرئنا منه، لانّ عندنا أنّ كلّ من ادّعي الامر بعد السمري، فهو كافر ضالّ مضلّ(١٠٣١).
وكان أبو دلف يدافع عن أبي بكر البغدادي ويفضّله علي أبي القاسم الحسين ابن روح وعلي غيره، فلمّا قيل له في وجه ذلك قال: لانّ أبا جعفر محمّد بن عثمان قدّم اسمه علي اسمه في وصيّته، فقلت له: فالمنصور أفضل من مولانا أبي الحسن موسى (عليه السلام). قال: وكيف؟ قلت: لانّ الصادق (عليه السلام) قدّم اسمه علي اسمه في الوصيّة. فقال لي: أنت تتعصّب علي سيّدنا ومولانا وتعاديه. فقلت: والخلق كلّهم يعادي أبا بكر البغدادي ويتعصّب عليه غيرك وحدك؟ وكدنا نتقاتل ونأخذ بالازياق(١٠٣٢).
وحكي أنّ أبا بكر البغدادي توكل لليزيدي بالبصرة، فبقي في خدمته مدّة طويلة، وجمع مالاً عظيماً، فسُعي به إلى اليزيدي، فقبض عليه وصادره، وضربه علي اُمّ رأسه حتّى نزل الماء من عينيه، فمات أبو بكر ضريراً(١٠٣٣).
اسحاق الاحمر والباقطاني
روي الطبري في الدلائل بسنده عن أحمد بن الدينوري السرّاج: أنّه حمل من أموال الموالي في الدينور ستّة عشر ألف دينار إلى بغداد، وبحث عمّن اُشير إليه بالنيابة - أي السفارة - فقيل له: إنّ ها هنا رجلاً يعرف بالباقطاني يدّعي النيابة، وآخر يعرف بإسحاق الاحمر يدّعي النيابة، وآخر يعرف بأبي جعفر العمري يدّعي النيابة.
قال: فبدأت بالباقطاني، وصرت إليه، فوجدته شيخاً مهيباً، له مروّة ظاهرة وفرس عربي وغلمان كثير، ويجتمع الناس يتناظرون، قال: فدخلت إليه، وسلّمت عليه، فرحّب وقرّب، وسرّ وبرّ، قال: فأطلت القعود إلى أن خرج أكثر الناس.
قال: فسألني عن ديني فعرّفته أنّي رجل من أهل الدينور، وافيت ومعي شيء من المال، أحتاج أن اُسلّمه، فقلت: اُريد الحجّة - يعني برهاناً علي صحّة سفارته التي يدّعيها - فلمّا أعوزه ذلك قال: تعود إلى غداً. قال: فعدت إليه من الغد، فلم يأتِ بحجّة، وعدت إليه في اليوم الثالث، فلم يأتِ بحجّة.
قال: فصرت إلى إسحاق الاحمر، فوجدته شاباً نظيفاً، منزله أكبر من منزل الباقطاني، وفرسه ولباسه، ومروته أسري، وغلمانه أكثر من غلمانه، ويجتمع عنده من الناس أكثر ممّا يجتمع عند الباقطاني. قال: فدخلت وسلّمت، فرحّب وقرّب. قال: فصرت إلى أن خفّ الناس، قال: فسألني عن حاجتي، فقلت له كما قلت للباقطاني، وعدت إليه بعد ثلاثة أيام، فلم يأت بحجّة.
قال: فصرت إلى أبي جعفر العمري، فوجدته شيخاً متواضعاً عليه مبطنة بيضاء، قاعد علي لبد في بيت صغير ليس له غلمان ولا له من المروة والفرس ما وجدت لغيره، إلى آخر الرواية(١٠٣٤).
محمد بن علي الشلمغاني
وهو المعروف بابن أبي العزاقر أو العزاقري، أبو جعفر، نسبته إلى شلمغان، وهي قرية بنواحي واسط، وكان شيخاً مستقيم العقيدة والسلوك، صالحاً متقدّماً في أصحابنا، حتّى أنّ الشيخ أبا القاسم الحسين بن روح نصبه وكيلاً عنه عند استتاره من المقتدر، وكان الناس يقصدونه ويلقونه في حوائجهم ومهمّاتهم، وكانت تخرج علي يده التوقيعات من الإمام المهدي (عليه السلام) عن طريق ابن روح.
له من الكتب التي عملها في حال استقامته: كتاب التكليف، وكتاب التأديب، وكتاب الغيبة، وكتاب الاوصياء، وله كتب اُخري ذكرها النجاشي في رجاله.
ثمّ إنّه حمله الحسد لابي القاسم بن روح، علي ترك المذهب، والدخول في المذاهب الرديّة، وظهرت منه مقالات منكرة، وأصبح غالياً يعتقد بالتناسخ وحلول الاُلوهيّة فيه.
وكان ابن أبي العزاقر وجيهاً عند بني بسطام، وذلك أنّ الشيخ أبا القاسم بن روح (رضي الله عنه) كان قد جعل له عند الناس منزلة ووجهاً، فكان عند ارتداده يحكي كلّ كذب وبلاء وكفر لبني بسطام، ويسنده إلى الشيخ أبي القاسم (رضي الله عنه) وهو منه براء، فأنكره الشيخ أبو القاسم (رضي الله عنه) وأعظمه، ونهي بني بسطام عن كلامه، وأمرهم بلعنه والبراءة منه، فلم ينتهوا وأقاموا علي تولّيه، وذلك أنّه كان يقول لهم: إنّني أذعت السرّ، وقد اُخذ عليّ الكتمان، فعوقبت بالابعاد بعد الاختصاص، لانّ الامر عظيم، لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو مؤمن ممتحن، فيؤكد من نفوسهم عظم الامر وجلالته.
فبلغ