فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » الإمام المهدي المنتظر وأدعياء البابية والمهدوية بين النظرية والواقع
 كتب أخرى

الكتب الإمام المهدي المنتظر وأدعياء البابية والمهدوية بين النظرية والواقع

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: السيد عدنان البكاء تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٩ المشاهدات المشاهدات: ٩٧٦٨ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام المهدي المنتظر وأدعياء البابية والمهدوية بين النظرية والواقع

تأليف: السيد عدنان البكاء

الفهرست

كلمة المركز
الاهداء
مقدمة
الكلمة التي اصبحت كتابا
منهج البحث
الفصل الاول: الامام المهدي (ع) عقيدة اسلامية
تمهيد
وقفة مع المشككين
البحث الاول: المهدي المنتظر (ع) من عقائد اهل السنة
من هو المهدي؟ ومتى ولد؟
الامام المهدي من ولد الحسين (ع)
البحث الثاني: موقع الامام المهدي (ع) من الرسالة ومن حديث الائمة الاثنى عشر
بين يدي البحث: في نظرية الامامة
الاحاديث المتصلة بشخص الامام (ع) واخفاء ولادته وغيبته
البحث الثالث: راي اهل الكشف يوافق الامامية
الفصل الثاني: ولادة الامام المهدي (ع) وغيبته الصغرى
البحث الاول: اخفاء ولادة الامام المهدي (ع) وغيبته الصغرى
البحث الثاني: اضطلاعه بالامامة طفلا؟
البحث الثالث: نوابه، وبعض توقيعاته
النائب الاول
النائب الثاني
النائب الثالث
النائب الرابع
الفصل الثالث: الغيبة الكبرى... كيف؟ ولماذا؟ والى متى؟
تمهيد
البحث الاول: لماذا لا يكون المهدي (ع) رجلا آخر؟
الرسول(ص) والائمة(ع) ينذرون بالغيبة الكبرى
طول العمر بصورة غير مالوفة
البحث الثاني: ما الحكمة من ذلك
انقطاع صلتنا به بحكم الغيبة لا يعني انقطاع صلته بنا
البحث الثالث: هل يعني لك امكان المشاهدة؟
الفصل الرابع: ولكن متى؟ لا توقيت لكن ثمة علامات
تمهيد: حول عوامل لتقدير التي تحيل التوقيت
علامات عصر الظهور
البحث الاول: العلامات لعامة
البحث الثاني: العلامات لخاصة
شدة محنة الناس بين روف العلامات العامة والخاصة
البحث الثالث: انتظار لفرج والدعاء بتعجيله
الفصل الخامس: ما بعد الظهور
البحث الاول: كيف سينتصر؟
البحث الثاني: ماذا يفعل؟ ياتي بامر جديد ولكنه الاسلام
البحث الثالث: الامام الامام المهدي(ع) وعقيدة الرجعة
ادلة الرجعة لدى الامامية
الادلة من السنة الشريفة
الاستدلال باجماع الشيعة الامامية
الخاتمة

كلمة المركز

يتفق المسلمون، في غالبيتهم، سنة وشيعة على ان المهدي (ع) رجل من اهل بيتي (ص)، ومن ذرية علي وفاطمة (ع)، يخرج في آخر الزمان وقد ملئت الارض ظلما وجورا ليملاها قسطا وعدلا.. وقد وثق الشيخ نجم الدين العسكري، في كتابه:
(المهدي الموعود المنتظر) اربعمئة حديث نبوي، من كتب اهل السنة، تفيد بظهور الامام المهدي (ع) قبل قيام الساعة، وذكر الشيخ لطف اللّه الصافي في كتابه: (منتخب الاثر في الامام الثاني عشر) ستة آلاف حديث في الموضوع نفسه.
وهذا يعني ثبوت البشارة بظهور الامام المهدي (ع) منقذا للبشرية يحقق لها العدل والرخاء والمعرفة...، ولهذا ينتظر المسلمون ذلك الزمن الموعود وكل منهم يرجو ان يكون من انصار الامام المخلص.
غير انه، وعلى الرغم من ثبوت هذه البشارة، ووفره البحوث التي تؤيدها، لا تزال الحاجة ملحة الى البحث في موضوع (الامام المهدي المنتظر (ع)) ويعود ذلك في تقديرنا الى امور نذكر منها:
اولا: لا يزال بعض الكتاب يثير شبهات تتعلق يهويه الامام المهدي (ع). وخفاء ولادته وغيبته: الصغرى والكبرى، وامكانية انتصاره في هذا الزمن الذي بلغ فيه تطور الاسلحة المستوى التدميري المعروف.
ثانيا: كان يخرج، بين حين آخر، وفي غير مكان من هذا العالم افراد يدعون الصلة بالامام المهدي المنتظر (ع)، ويتجاوز بعضهم ذلك الى التبليغ عنه والى ادعاء غير واحد منهم انه الامام (ع) عينه، بما يناقض ثوابت الدين.
ثالثا: يتساءل كثير من المسلمين المؤمنين عما ينبغي فعله في زمن الانتظار، ومن الاسئلة التي تطرح في هذا المجال: هل يتم الاكتفاء بانتظار قدوم المخلص او انه ينبغي ان يستعد المرء ليكون جديرا بصحبة الامام (ع) وقادرا على نصرته، وبذلك يكون له، وان لم يدركه، من الامر، اجر من يدركه؟ نجد في حديث للامام جعفر الصادق(ع) اجابة عن هذا السؤال. فقد جاء في هذا الحديث: (من سره ان يكون من اصحاب القائم، فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الاخلاق، وهو منتظر. فان مات، وقام القائم بعده، كان له من الاجر مثل اجر من يدركه، فجدوا وانتظروا).
ينطلق المؤلف، في بحث هذا الموضوع: (الامام المهدي المنتظر (ع) وادعياء البابية والمهدوية بين النظرية والواقع)، من ادراك هذه الحاجة الملحة ويسعى الى الاجابة عن الاسئلة المطروحة في هذا المجال، وهي كثيرة، ومنها: هل الاعتقاد بظهور الامام المهدي (ع) عقيدة اسلامية عامة او شيعية فحسب، من هو الامام المهدي؟ متى ولد؟ ومتى غاب غيبته الصغرى ومن هم نوابه، خلالها، وكيف كان يصدر توقيعاته؟
متى غاب غيبته الكبرى؟ ما موقعه في العقيدة؟ ما علامات ظهوره؟ كيف ينتصر على اعدائه على الرغم من تطور الاسلحة المستمر؟ الخ..
يصوغ الباحث هذه الاسئلة واسئلة اخرى كثيرة مثارة، في هذا المجال، ويسعى الى الاجابة عنها بمقدرة الباحث الممتلك معرفة شاملة وعميقة بموضوعة وبصيرة نافذة،ما مكنه من تقديم كتاب جيد، يسهم في تلبيه الحاجة، وهو ما جعل مركز الغدير للدراسات الاسلامية يقدم على نشره سائلا اللّه ان ينفع به القراء، اته سميع مجيب.

مركز الغدير للدراسات الاسلامية

الاهداء

من اساتذتي الكرام من لا ازال حتى الان اتحسس بصماته:
قلبا وعقلا، وانحو منحاه منهجا ومسارا.
وفي المقدمة، من هؤلاء، بعد والدي العلامة السيد علي البكاء، رحمه اللّه، استاذاي العلامتان الحجتان:
الشيخ محمد رضا المظفر قدس اللّه نفسه الطاهرة.
والسيد محمد تقي الحكيم مد اللّه في عمره المعطاء.
فاليهما: حبا، ووفاء، وتقديرا...
ومن خلالهما الى جميع العلماء العاملين بصمت واستقامة، من الذين اعطوا ولم ياخذوا، لوجهه سبحانه، اهدي هذا الكتاب، تواصلا مع الرسالة، سائلا اللّه ان يتقبل نيتي وجهدي، انه سميع مجيب.

عدنان علي البكاء الموسوي
١٤١٨ ه ١٩٩٧م

مقدمة

الحمد للّه رب العالمين لا شريك له، والصلاة والسلام على خاتم رسله، وسيد انبيائه محمد واهل بيته الطاهرين وعلى اصحابه المخلصين.
لم تكن فكرة الكتابة في موضوع الامام المهدي المنتظر (ع) على ما له من اهمية بالغة علميا ودينيا واردة لدي حتى بوصفها مشروعا للمستقبل... فانا اعلم مدى مالابس هذا الموضوع من تصورات بسبب الخلاف السياسي والمذهبي بين الفرق الاسلامية من جهة، وبسبب التنظيرات الغنوصية ((١)) الباطنية من جهة اخرى. واعلم ايضاما دخل الاحاديث المتصلة به نتيجة لذلك من وضع وتحريف، وما شاب التصورات حوله من غموض وخلط وتشويش...
هذا يضاف الى ما في مفردات تاريخه (ع)، اصلا، بحكم كونه آخر اوصياء الرسول (ص)، من امور غامضة لا بد منها لاتصالها بالظروف الموضوعية وما تحتمه كيفية التعامل معها في طرف، وبالارادة والخطة الالهية الخاصة بمستقبل الرسالة، والامة بل البشرية بعامة في طرف آخر.
كل ذلك وغيره يحتاج، في البحث والفرز والمعالجة والتفسير، الى وقت وجهد لا املكهما.
ثم ان بين يدي بحوثا واطاريح حالت ظروف شخصية، ذاتية وموضوعية، دون اتمامها حتى الان... وكان من دعائي ان يفسح اللّه سبحانه لي مدى استطيع به انجازها بالكيفية التي اطمح اليها في المادة والمنهج والاسلوب.
وافرزت الظروف، في السنوات الاخيرة، مناخا كون احوالا نفسية وفكرية ساعدت على ان ينجم مرة اخرى في العراق وخارجه في اوساط العامة من الشيعة على ما تناقله الناس واشتهر بينهم افراد يدعون الصلة بالامام المهدي المنتظر (ع) ويتجاوزون ذلك الى التبليغ عنه بما يناقض بعضه ثوابت الدين، وضرورياته بل والى ادعاء بعض منهم انه الامام (ع) عينه.
وتلك هي دعوى البابية والمهدوية نفسها كما عرفنا على امتداد التاريخ الاسلامي.
انها تبدا بدعوى البابية للامام (ع) فالمهدوية، ثم تنتهي بعدئذ الى دعوى النبوة بمعناها الاصطلاحي المستقل الذي ينسخ ويؤسس، بل الى دعوى الربوبية بناء على نظرية الوحدة المطلقة (((٢)).
وسنتحدث عنهم بربط ما اشتهر عن الجدد بالمعروف عن القدماء، وتاسيسا على ما هو الثابت من القواعد والتنظيرات المشتركة لمثل هذه الدعاوى.
ان مقام المهدية، بل النبوة في السلوك العرفاني الصوفي المغالي، حق لمن بلغ مرحلة الفناء، او درجة الولاية الكبرى كما يسمونها طبقا لتحديداتهم في الاسفار الاربعة.
وقد ظهر، في تاريخهم، عدد غير قليل ادعى ذلك على القاعدة والنهج اللذين اشرنا اليهما.
ولا يختلف الغلاة من الشيعة كما يثبت تاريخهم بدءا من ابي الخطاب، والمغيرة بن سعيد، ومحمد بن فرات، ومحمد بن بشير، وابي منصور العجلي ونظائرهم في السابق، وانتهاء بخر بابي ومغال في اللاحق، عن غلاة الصوفية من حيث القاعدة والمنطلق الاساس، وما يقوم عليهما من تنظيرات وممارسات..
الا في الاسلوب الذي يمليه عليهم التلاؤم مع مفاهيم الاوساط الشيعية في حركتهم داخلها ابتداء، وفي المراحل الاولى.
انهم يتحدثون للناس في البداية عما للرسول (ص) والائمة من اهل بيته (ع) من رتبة روحية سماوية متقدمة مبدا ومعادا.. ثم يبنون على ذلك: القول بالامام الكوني((٣))الذي يعني الاسم الظاهر، او العالم ككل ومع ان من يقول بذلك غيرهم... يرى ان الاسم غير المسمى، وانه لا يخرج بما هو في ذاته عن كونه ممكنا مركبا ذا وجودعرضي فهو فقير بالذات لا استقلال له عن واجب الوجود سبحانه ((٤)). فان هؤلاء يرون انه عينه تعالى، وهو ما تبرا منه الائمة (ع) انفسهم من دون استثناء ولعنوا القائلين به بل والمتوقفين عن لعنهم، ودعوا عليهم باذى والحاح.
وامتد الغلاة وهذا هو المهم من القول بالامام الكوني المطلق الى القول بتشخصه في المقيد، فهو يتمثل عبر التاريخ بهذا الفرد، او ذاك.. فيكون هذا التشخص عين الامام.. الذي هو عين اللّه.
وهو قريب، في الصورة، من نظرية المثل والممثول في الفكر الامامي الاسماعيلي مع فارق اقتصار هؤلاء على السلالة الاسماعيلية. وان ذكر بعضهم ايمانهم بالولادة الروحانية التي اضافوا بها من ليس من السلالة اصلا اليها، علاوة على فارق آخر هو ان من له مثلا من الممثولات انما يبدا من العقل الاول لا من الذات الالهية المتعالية عن الصفة، فهم بهذا اقل غلوا. وبذلك، جعل هؤلاء، مقام النبي والامام نوعيا لا شخصيا.
فليس الامام المنتظر (ع) عندهم، اذن، شخص محدد كانسان ذاتا، ونسبا، وموقعا، وتاريخا، وغيبة، وظهورا.... كما وردت به الاحاديث المتواترة عن الرسول (ص) والائمة الاثني عشر من اهل بيته (ع) وعن الصحابة والتابعين... بل هو اي شخص من اهل السلوك او العارفين، بلغ بزعمهم درجة الولاية الكبرى.
ولذلك يجب التنبيه الى انه لا يجوز ان تؤخذ دعوى الصلة بالامام المهدي المنتظر (ع) لدى هؤلاء على مفهومها الظاهر وان ادعوه خداعا للعوام بل في الاطار الذي ذكرناه على انهم، طبقا لنظرية الوحدة المطلقة، لا يرون كل ما ذكر من الاشخاص المعينين من الرسل والائمة (ع) الا اسماء لا تحمل معنى، انها وهم، وباللغة الهندوسية صاحبة هذه النظرية اصلا: (مايا).. وانما قصدوا باستعمالها ما اشرنا اليه من الانسجام مع المفاهيم الموروثة والمقدسة والمفهومة عند الناس ابتداء وافتضاض قلوب المتدينين الملتزمين منهم وعقولهم، ريثما يمكن تلقيحها برائهم وتفسيراتهم الباطنية.... والا فان دعوى البابية للامام (ع) بل دعوى المهدوية حتى لو صحتا لا تسمحان لهم كما هو واضح بحكم كون الامام (ع) وصيا للرسول (ص) وامتدادا له في الدين والدعوة: ان ياتوا بما هو على مستوى المناقضة مع موقع الامام (ع) نفسه ومع ثوابت الرسالة، وضرورياتها. بل مع البديهيات والضروريات العقلية احيانا، وهؤلاء كما هو ثابت بالتواتر كما ستقراه في الجزء الثاني من هذا الكتاب ان شاء اللّه قد جاءوا بذلك وفي جانبي الاصول، والفروع معا وبما لا يقبل بعضه الاعتذار والتاويل...
كان اول مدع لذلك، في عصر الغيبة الصغرى، بين سنتي ٢٦٠ و٣٢٨ ه، وبهذا المسلك والاسلوب، الحسين بن منصور الحلاج الذي قتل سنة ٣٠٩ ه والذي ادعى البابية ثم المهدية والنبوة، ثم انتهى الى دعوى الربوبية، ويبدو لنا ان من تقدمه ومن تاخر عنه في الجراة على دعوى البابية كان على مثل رايه اصلا كالشريعي والهلالي، والبلالي، والنمري، والشلمغاني الذين صدر التوقيع من الامام المهدي (ع) بلعنهم ودمغهم بالكفر والالحاد.
قال الشيخ الطوسي، رحمه اللّه، المتوفى سنة ٤٦٠ ه، وهو ينبه الى قواعد هؤلاء واساليبهم وما ينتهون اليه في ما نقله لنا عن هارون بن موسى قال: (ان كل هؤلاء المدعين (يعني: مدعي البابية) انما يكون كذبهم اولا على الامام (ع) وانهم وكلاؤه فيدعون بذلك الضعفة الى موالاتهم ثم يترقى بهم الامر إلى قول الحلاجية). وحين نقلت ام كلثوم، ابنة الشيخ ابي جعفر محمد بن عثمان العمري، رحمه اللّه (النائب الثاني للامام المهدي (ع) في الغيبة الصغرى)، الى الشيخ ابي القاسم الحسين بن روح رحمه اللّه (النائب الثالث)، ما عرفته على اثر زيارة ام ابي جعفر بن بسطام لها من ان ابن ابي العزاقر الشلمغاني (الذي ادعى البابية آنذاك فصدر التوقيع بلعنه) قال لال بسطام وقد استكتمهم اياه على انه من الاسرار: بان الرسول (ص) قد حل ((٥)) في ابي جعفر محمد بن عثمان العمري وان عليا (ع) حل في الحسين بن روح وان الزهراء قد حلت في ام كلثوم... قال لها الشيخ ابن روح رضوان اللّه عليه:
(يا بنية، اياك ان تمضي الى هذه المراة بعد ما جرى منها، ولا تقبلي لها رقعة ان كاتبتك، ولا رسولا ان انفذته اليك، ولا تلقيها بعد قولها...
فهذا كفر باللّه والحاد، قد احكمه هذا الرجل الملعون ليجعله طريقا الى ان يقول لهم: ان اللّه قد اتحد به، وحل فيه كما يقول النصارى في المسيح (ع) ويعدو الى قول الحلاج لعنه اللّه). ويؤكد تاريخ اصحاب هذه الدعاوى، بعدئذ، انها لم تصدر الا من هذه الاوساط وعلى اساس القاعدة نفسها والمسار والاسلوب نفسيهما.
كتب الشيخ المحدث علي بن حسام الحنفي، المعروف بالمتقي الهندي، صاحب كتاب كنز العمال، المتوفى قبل ٩٦٠ ه، في كتابه (البرهان في علامات امام آخر الزمان) ردا على محمد بن يوسف الجونبوري، المتوفى سنة ٩١٠ ه، الذي ادعى المهدوية في الهند فاغوى وضلل خلقا كثيرا... فقال في مقدمته: (ومعلوم عند اهل الحق ان كثيرا من المشايخ (يعني مشايخ غلاة الصوفية) صدرت منهم دعوى المهدوية)، واعتذر عنهم باشارة بليغة مؤدبة: بانها من لوازم احوالهم.
ولكن الحال وهذا المهم لا يعبر عن الحقيقة والواقع، لذلك قال رحمه اللّه: (وصفتهم كانت مخالفة لما ورد في شان المهدي (ع) من الاحاديث النبوية، وآثار الصحابة والتابعين).والحق ان الامر كما يقول بشهادة الواقع التاريخي. فان قائمة من ادعى ذلك منهم طويلة في القديم والحديث، وقد ذكرنا عددا كبيرا ممن انشا منهم، على اساس هذه الدعوى، طوائف في الجزء الثاني من هذا الكتاب، ويكفينا ان نشير هنا الى امثلة قريبة، كمدعي البابية اولا ثم المهدية والنبوة ثانيا وثالثا: علي بن محمد رضا الشيرازي المعروف ب(الباب)، والذي اعدمبفتاوى الفقهاء بعد محاكمته في سنة ١٢٦٣ ه، وعنه امتدت بعدئذ طائفة البهائية التي استقلت في تعاليمها عن الإسلام جملة.
فقد اجاب هذا الباب، حين سئل لدى محاكمته عما شاع من دعواه المهدوية، وما اذا كان يقصد المهدي النوعي ام الشخصي قائلا: (بل انا عين ذلك المهدي الشخصي! انا الرجل الذي تنتظرونه منذ الف عام). ولم يبال بان يجرؤ فيدعي، رغم ما كشفه منطقه وكتاباته من جهل فاضح، ان مقامه يتقدم مقام النبي محمد (ص) فمقامه النقطة ومقام محمد الالف!
وزعم ان هذيانه الهزيل، اسلوبا ولغة ومضمونا، في كتابه (البيان) يفوق القرآن، وان كل كلمة منه كما خيل له معجزة... واشباه ذلك.
والغى اتباعه، في مؤتمر (بيداء بديشت الشريعة)، الاسلامية وخطبت قرة العين (زارين تاج) التي يسمونها الطاهرة مطالبة بالاباحة.
اما مدعي المهدوية في الهند الميرزا غلام احمد بن مرتضى القادياني، المتوفى سنة ١٩٠٨م، الذي انشا طائفة لا تزال قائمة حتى الان.. فقد ادعى انه عين المسيح الموعود، وانه كل الانبياء، وانه راى نفسه ذات مرة الخالق نفسه سبحانه وقام بعملية الخلق كاملة!
ولا تعليل لذلك وامثاله، من جراة وتقحم في القول والفعل، بغير ما اشرنا اليه من مسالكهم وما تؤدي اليه بطبيعتها من هلوسات، طبقا للمتوقع من رؤى الواصلين لها منهم ومقاماتهم، او الخلق بالخيال لما تصوروه طبقا لما تحدث عنه ابن عربي والا على اساس القول بالوحدة المطلقة، لا كحالة شهود آنية ضمن حالة استغراق في النظر الى اللّه تعالى ليعتذر عنها: بالحال، والمحو، والسكر، والغياب، والشطح، والنظر بالعين اليمنى وما اشبه مما ذكروه في الاعتذار عن بعض اهل((٦)) بل بوصفه قاعدة ثابتة تمثل في نظرهم الحقيقة السلوك المطلقة، ولذلك اسقطوا على اساسها التكليف بنفي المكلف موضوعا، وقالوا ما شاءوا، واسسوا طوائف استقلت عن الإسلام جملة...لكن القول بنظرية الوحدة لا يعلل الا الجراة واللاابالية، اما ما يرون ويسمعون وياتون به فله اسباب اخرى سنتحدث عنها في فصول الجزء الثاني من هذا الكتاب بالتفصيل ابتداء من الاسس...
ولا يكتفي الغنوصيون والباطنيون، من اصحاب الطرق الضالة جميعها، وفي جميع الامم (كالبراهمة، والبوذيين، واليهود، والنصارى، والمسلمين)، ومنهم مدعو البابية والمهدوية، على ما عرف من تاريخهم، بالدعوة النظرية المجردة، او برسم مناهج سلوكية خاصة من شانها ان تهيئ النفوس والاذهان لقبول آرائهم والايمان بمقاماتهم، بل يتوسلون لاثبات خصوصيتهم بالامكانات والقوى الروحية التي هي امكانات ذاتية لدى كل انسان تتجلى وتقوى حتى تبرز بالفعل بما يتوسلون به الى صقل انفسهم وتقوية اراداتهم: من الرياضات الخاصة المعروفة لديهم جميعهم كالعزلة، والصمت، والصوم المتواصل بصورها اللامشروعة وترك اللحوم والسهر وايثار الجلوس في الظلمة او قلة الضوء، واشباه ذلك. وقد تحصل ايضا بتلبس كائن روحي من عالم آخر بالاسباب السابقة نفسها، وبفتح ذواتهم المطلسمة اصلا عناية من اللّه تعالى للصلة بها من قبل هذه الكائنات اختيارا، واستدعائها تلباثيا كما هو المعروف في تحضير الارواح، وعند حصولها بهذه الصورة او تلك يكون ما هو شائع في اوساطهم وفي غيرها من الكشف النسبي والرؤية عن بعد وقراءة الافكار، وخلع البدن اراديا... وغير ذلك مما اثبتت الدراسات التاريخية والباراسايكولوجية المعاصرة انتشارها لدى كل الامم دونما فرق بين ملتزم ومتحلل ومؤمن وكافر ((٧)). بل يتوسل اصحاب هذه المسالك، كما اشرنا في الهامش الاول من هذه المقدمة، بالسحر والشعوذة والاستحضار والاستخدام والتسخير لاحداث ما يسمى بالظواهرالخارقة.. وهي ايضا مما اثبتت الدراسات التاريخية والبارسايكولوجية الحديثة شيوعها عند جميع الامم كذلك، من دون فرق بين الملتزم والمتحلل من افرادها.... بماانها آثار وضعية لاعمال معينة... وبذلك نفت خصوصيتها، ودلالتها على سمو الذات، او الطاعة اللّه والقرب منه... وهو ما يحاول هؤلاء الادعياء: الايهام به... بل هي على العكس تماما، لحرمتها شرعا، وسيلة وغاية... ومن اخطر ما عرف من وسائل هؤلاء ان يوجهوا الارواح السفلية المسخرة لهم بما توسلوا به من الخلوة والاوراد المعروفة، كامثال ما يذكره البوني في منبع اصول الحكمة، الى ان تتلبس الموصولين بهم وتناجيهم ليوهموهم انهم اصبحوا بذلك على صلة بالامام الكوني او بااللّه او بالملائكة لا فرق.
وحين يرى هؤلاء البؤساء، واغلبهم ساذجون او جهلة، على الاقل بهذه العوالم، انهم اصبحوا يسمعون ما لا يسمعه غيرهم، ويرون ما لا يراه سواهم، وحين يخبرون بنبافيتحقق، او يرون حدثا بعيدا مكانيا فيتاكد، او يقرا لهم طوية انسان فتبرز بعدئذ، او يستحوذ عليهم وينطق بالسنتهم او يتصرف بهم ويوجههم وامثال هذه الظواهرالمعروفة لدى المروجين قدماء ومحدثين من دون خصوصية دين او التزام، يزدادون اعتقادا بانهم اصبحوا مقربين، وموصولين بالفعل.. وعندها تتاكد تنظيرات مدعي البابية والمهدوية وتوجيهاته وبشاراته عندهم ويصبحون بالايحاء الدائم والمناجاة المستمرة رهن اشارته وقيد امره ونهيه حتى في ما جاوز حدود اللّه، وخالف سبيله، وخرج على منطق العقل، وميزان الاخلاق العامة..
وقد يشتد هذا التلبس الشيطاني على بعضهم احيانا فتربد وجوههم، وتتغير سحناتهم، ويصابون بالك آبة ويلزمون البيوت ويتركون الطعام اياما او اسابيع، وقد تختلج بعض جوارحهم او يثغون كالشاة او يرغون كالبقرة ((٨)) ولكنهم وهذا موضع العجب لا يرون في ذلك باسا... فهم كما يعتقدون على صلة بالامام... بل هم يرون انفسهم في نعمة رغم ما انزله بهم من اذى، واصارهم اليه من منكر..
اذ لا ينبغي في نظرهم لاحد ان يحد الامام او يضع تصرفاته في نطاق المعقول واللامعقول، والجائز واللاجائز... وما ذلك الا لجهلهم باللّه وصفاته اولا، وبالامام (ع) بوصفه حجة للّه ثانيا، وبمعنى الحد واللاحد ثالثا... ولعدم معرفتهم ايضا الفرق بين المامة الملك، والمامة الشيطان...
ان ما اشرت اليه واقع قائم لدى اصحاب هذه الدعاوى، بشواهده، وليس خيالا.
ان الارواح او الموجودات اللامادية لا يمكن التحقق من هويتها، ومعرفة انتمائها لنثق بها، او نحذر منها، وان طبيعة ما اعطى اللّه من الاختيار في عالم الجن والانس يسمح لها بالادعاء والاغواء، ولم يضمن اللّه لنا العصمة منها ابتلاء الا بالعقل، بوصفه حجة ذاتية باطنة وبالدين بوصفه حجة موضوعية ظاهرة، ولذلك فان المعيار الذي يجب ان يظل ماثلا دائما امام من يبتلى بالصلة بها اذا لم يمكنه طردها هو تطابق مفاهيمها وصورة تعاملها، وما تعطيه من تعاليم ومعلومات.. مع منطق العقل، والدين،وما يعطيانه من قيم وموازين بمعنى ان لا يعطي لما استقلت به قيمة وان لا يعير (لادعاءاتها بالا). لقد ذكر القرآن الكريم، في عدد من آياته التي يمكن الرجوع اليها، في مادة جن وشيطان وقرين، من المعجم المفهرس لالفاظ القرآن الكريم، ما يوجب الاحتياط والحذر من الانسياق وراء ما توحيه كائنات هذا العالم الخفي من الجن والشياطين خوفا من السقوط في الهاوية التي يتردى بها امثال هؤلاء.
فقال تعالى: (قل اندعو من دون اللّه ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على اعقابنا بعد اذ هدانا اللّه كالذي استهوته الشياطين في الارض حيران) [الانعام: ٧١].
وقال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون، ولتصغى اليه افئدة الذين لا يؤمنون بالاخرة، وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) [الانعام: ١١٢ و١١٣].
وقال تعالى: (وان الشياطين ليوحون الى اوليائهم ليجادلوكم) [الانعام: ١٢١].
وقال تعالى: (انهم اتخذوا الشياطين اولياء من دون اللّه ويحسبون انهم مهتدون) [الاعراف: ٣٠].
وقال سبحانه ردا على من يزعم من هؤلاء انه انما كان يطيع الملائكة.. (ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة اهؤلاء اياكم كانوا يعبدون، قالوا سبحانك انت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن اكثرهم بهم مؤمنون) [سبا: ٤٠ و٤١].
ورد الرسول (ص) والائمة، من اهل البيت (ع)، على من زعم من الغلاة.. انه راى وسمع وتجلى له كما ستقرا ذلك في ما ادعاه بعض الغلاة في الفصل الخاص بهم من الجزء الثاني قائلين... انه شيطانك انه المذهب، او المتكون.....
وجاءت احاديث كثيرة تقول: ان على يمين كل انسان ملك يوحي له بالطاعة وعلى يساره شيطان يامره بالمعصية.
وفي ذلك، وفي التجارب التي يقدمها التاريخ ما فيه من بلاغ وحجة، وقد كتب الباراسايكولوجيون والروحيون المعاصرون تحت عنوان: مس او استحواذ او تلبس، اوضربة الشيطان، حوادث ماساوية كثيرة جدا تتصل بذلك، سنتحدث عن بعضها في الجزء الثاني ايضا من هذا الكتاب.
على انه من الممكن، بل من الواقع قطعا، ان يكون بعض هؤلاء الادعياء وبعض اتباعهم مريضا مصابا بالبرانويا او الذهان والهلوسة (بصرية او سمعية او شمية اوذوقية).
فان بين هؤلاء المرضى كما يقول اطباء الامراض النفسية والعقلية من لا يشعر بانه مريض، بل يتخيل نفسه قديسا ووليا موصولا ونبيا وما اشبه، ويمشي بوقار،ويجلس بصمت واطراق وبشيء من الغياب. وقد يرى ان الناس حمقى ومجانين وانهم لجهلهم لا يعرفون قدره ولا قيمة افكاره، بل ان بعض هؤلاء كما يقول الاطباء من يتمتع بهيمنة ومنطق، وقدرة على الاقناع في جوانب معينة وقد يملك قابلية على الاستبصار... الا انه يبدو خارج الموازين العقلية والشرعية، ويبدو مخلطا بصورة بائسة في جوانب اخرى.... وهناك شواهد كثيرة على ان بعض هؤلاء الادعياء وبعض اتباعهم من هذا الصنف قطعا، وانهم لذلك رغم اذاهم يستحقون العطف بحكم حالهم المرضية، وانهم اذا لم يعوا ما يقولون او يفعلون غير مسؤولين.
وذلك احد الاسباب التي جعلت بعض المؤمنين يرفض الانسياق مع حملة التشهير ببعضهم، لانها تخلط الحق بالباطل، وتجمع البريء والمذنب رغم ما ناله من ذلك آلدى الناس من اذى.
لكنه يرى مع ذلك ان مكان المرضى، اذا كانت امراضهم سارية كهؤلاء: الابعاد والعزل كالمصاب بالايدز والجذام والكوليرا.. حماية لعباد اللّه والضعفاء من خلقه على ان البعض الاخر من هؤلاء المدعين ليس كذلك قطعا والادعياء الجدد بناء على ما اشتهر عنهم من قواعد واقوال وممارسات، واساليب ووسائل لا يختلفون عن اسلافهم الماضين الذين حدثنا التاريخ عنهم بشي ء، وهو ما نرجو مخلصين ان يتنبه اليه بالمقارنة مع ما قدمناه بعض من يحسن الظن بهم، فنحن نؤمن بان في المتصلين بهؤلاء من لا يطلب الا اللّه ولا يريد الا القرب منه ومرضاته اصلا.. الا انه صار دون ان يريد بما اشرنا اليه من وسائلهم هذه وغيرها في حال هو اشبه بحال الامبراطور الذي اوهمه النساجان الماكران بانه يرتدي الثياب التي نسجاها له رغم انه يرى نفسه ويراه الناس عاريا...
فهم لا يعدون ان يكونوا مخدوعين وباستهواء وهو ما يجعلني ارى ان ما ساورده في هذا الكتاب، من هذه الجهة، لهم لا عليهم.
وبوصول النزر، مما ذكرناه، عما اشتهر عن هؤلاء، من خلال اسئلة المؤمنين، صدرت عن بعض كبار المراجع فتاوى منشورة واخرى شفوية بتكذيب هؤلاء الادعياء جملة وتضليلهم، واسقاط عدالة المنضوين اليهم والمؤمنين بهم اذا كانوا يعلمون بما صدر عنهم من مخالفات وعلى غير شبهة ((٩)).
ولا شك في ان لهذه الفتاوى اثرها في تحذير المؤمنين الملتزمين بالشرع الواثقين بمراجعه الاعلام حفظهم اللّه وابعادهم بذلك عنهم، وتضييق دائرة حركتهم في اوساطهم... لكنها قليلة الاثر لدى آخرين من المؤمنين ممن لا يقنع الا بالتعرف المباشر وتكوين الراي في مسائل كهذه.
اما بالنسبة للموصولين بهؤلاء، فمن الصعب ان يصغي اليها احد منهم، فضلا عن التاثر بها.
فمن ياخذ بتصوره عن الامام مباشرة، او بوساطة هؤلاء الادعياء، او بوساطة ما اصحبوهم اياها من الشياطين لا يرجع الى الفقهاء بشيء اصلا. ومن المعروف، في تاريخ ادعياء البابية والمهدوية ومن يمتون اليهم في المسلك اصلا، انهم يصورون الفقهاء لاتباعهم على انهم اصحاب نفوس، وعناوين، وكبر وانهم اهل رسوم وفكر لا يدركون الحقائق ولا يانسون بالصلة، وانهم اعداء الامام (ع) وهذا هو موقفهم مع كل من يابى ان يصغي اليهم والى شياطينهم او يقيم لها ولهم وزنا. ثم ان من لا يبالي بان يكون على مستوى المناقضة مع نصوص القرآن الكريم (الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه) ومع ثوابت سنة المعصومين (ع)؟ كيف يمكن ان يتاثر بفتوى؟
لذلك كان من رايي ان يكون التصدي لهؤلاء على الصعيد الفكري والفلسفي، بدراسة مفصلة لتاريخ هؤلاء الادعياء بدءا من اول ناجم منهم في التاريخ الاسلامي وبيان اسسهم الفلسفية ومنطلقاتهم واساليبهم ووسائلهم والشواهد عليها من اقوالهم وافعالهم وما قاله كبار العلماء والعارفون فيهم، رجاء ان ينتبه بعض من غرر بهم هؤلاء، اومن يمكن ان يغرروا بهم في المستقبل... وهي مهمة صعبة نسبيا...
وجاءت ذكرى مولد الامام المهدي المنتظر ثاني عشر ائمة اهل البيت (ع)، في شهر شعبان من سنة ١٤١٧ ه ١٩٩٧م، فالقيت في حفل اقيم بالمناسبة كلمة تحدثت فيها بايجاز عن الإمام (ع). وكان مما ذكرته بعد تواتر الاحاديث فيه لدى المسلمين من اهل السنة والشيعة من دلائل الاثبات:
ظهور دعوات البابية والمهدوية على امتداد التاريخ الإسلامي في الوسط السياسي، والصوفي المغالي وان ذلك ما كان ليكون لو لم يوجد للمهدي المنتظر (ع) اساس ثابت ومتواتر لدى الامة تتوارثه جيلا بعد آخر حتى ينتهي الى الرسول (ص) والائمة الطاهرين من اهل بيته (ع).. وانطلقت من ذلك لابين ما تصدى به العلماء لهؤلاء الادعياء بدءا من الاول منهم..
وكان مما ذكرته، عدا ما مر مضمونه:
اولا: عدم تطابق تاريخ هؤلاء الادعياء مع ما اخبر به الرسول (ص) والائمة من اهل بيته (ع) وما جاء عن بعض الصحابة والتابعين (رض) من تحديد لهوية الامام (ع)اسما ونسبا، وصفات وموقعا، وزمانا وخفاء ولادة وغيبة وظهورا.
ثانيا: لم تسبق اي واحد منهم، او ترافقه، او تتاخر عنه العلامات والايات التي تتصل بالامام المنتظر (ع) في هذه الازمنة الثلاثة المتصلة به كما جاء في هذه الاحاديث. ثالثا: عدم تطابق علم اي واحد منهم وخلقه وسلوكه على المستوى العام والخاص مع ما هو معروف عن ائمة اهل البيت (ع) وبروز نزعة الادعاء والتامر عليهم، وكثرة الشطط والتناقض عندهم.
رابعا: لم يتحقق على يد اي واحد منهم ما يفترض تحقيقه لدى ظهور الامام (ع) على مستوى العالم فضلا عن الامة، ومنها ان يملا الارض قسطا وعدلا وان يوحد العالم ويجعل الاسلام كما انزل محوره وميزانه..
بل على العكس فان كل واحد من هؤلاء ترك جرحا جديدا وسبيل فرقة مضافا. بل ان بعضهم ارتكب، من المظالم، ما استغاثت الامة منه باللّه واستشفعت اليه بالامام وآبائه (ع) ليخلصهم من شروره.
خامسا: ان الامام المهدي المنتظر (ع) ثاني عشر الائمة من اوصياء النبي (ص) قال في التوقيع الصادر لنائبه الرابع علي بن محمد السمري، المتوفى سنة ٣٢٨، بعد ان اخبره بالغيبة الكبرى (وسياتي لشيعتي من يدعي المشاهدة فمن ادعى المشاهدة قبل الصيحة والسفياني فهو كذاب مفتر).
ولا شك في ان الدافع لمثل هذا التحذير ما اعلمه اللّه به من ظهور هؤلاء الادعياء وخداعهم للمؤمنين باسمه (ع)، فاراد ان ينبههم الى عدم قبول ذلك منهم، والا فان اهل العلم والايمان اجل واخشى للّه من ان يفعلوا شيئا من ذلك. سادسا: ان الامام المهدي المنتظر (ع) امر، في التوقيع الذي رواه محمد بن يعقوب الكليني رحمه اللّه عن اسحاق بن يعقوب عن محمد بن عثمان العمري، ان يرجع في معرفة الاحكام الشرعية الى رواة حديثهم (ع) ولو كان هناك طريق آخر للصلة المباشرة في الغيبة لنبه اليه فقال (ع): (واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم، وانا حجة اللّه).
سابعا: ان خروج هؤلاء الادعياء المدعين للمهدية والنبوة نفسه هو احدى العلامات التي تسبق ظهور الامام (ع)، فقد ورد في حديث عن رسول اللّه (ص) رواه الشيخ المفيدفي الارشاد قال فيه: (لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدي (ع) من ولدي ولا يخرج المهدي (ع) حتى يخرج ستون كذابا كلهم يقول: انا نبي). ثامنا: يكفي في تكذيبهم القاطع مع غض النظر عن كل ما قدمناه مناقضة ما صدر عنهم لكتاب اللّه (الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) ولثوابت السنة الشريفة فهما لا يفترقان حتى القيامة، كما جاء في حديث الثقلين.
الكلمة التي أصبحت كتابا:
وطلب الي من احب واقدر، من اهل العلم والفضل وبعض الاساتذة من المؤمنين، استنساخ الكلمة للافادة منها ضمن الظرف.. فطلبت امهالي الى ما بعد رمضان لافيد من لياليه في تلافي جوانب النقص فيها. فما يكتب للالقاء غير ما يكتب للقراءة، فساذكر في هذه بعض ما لم يتيسر لي ذكره من جوانب ذات اهمية، واتوسع في ما اوجزت فيه مما يستحق ذلك، واشير الى المصادر والمراجع للافادة منها لتكون الكلمة اكثر نفعا.
ورغم شواغل علمية طارئة ((١٠)) اخذت مني جهدا ووقتا فقد اصبحت الكلمة عندنهاية، شهر رمضان، كتيبا اسميته الامام المهدي (ع) وادعياء البابية والمهدوية بين النظرية والواقع، وقسمته، كما ينبغي في مثله، الى فصلين: الاول في الامام المهدي(ع) والثاني في ادعياء البابية، والمهدوية. وقدرت وانا اسلم الفصل الاول منه ريثما اتم واستنسخ الفصل الثاني استعجالا للتنضيد في العشرة الاولى من شوال سنة ١٤١٧: انه سيكون بحدود ((١٥٠) صفحة.
لكن اللّه سبحانه شاء ان يكون الامر غير ذلك، فلدى قراءتي المصادر والمراجع في الموضوع رايت ان هناك جوانب هامة بحاجة لوقفة اطول مما فعلت، وذلك ليؤدي الكتاب شيئا من الرسالة في موضوعه، ورايت ان امرين هامين جدا لدي هما:
الاول: ان كتابتي عن المهدي المنتظر (ع) يجب ان لا تكون مدخلا وتمهيدا للحديث عن ادعياء البابية والمهدوية كما هو المقرر في البداية، بل اساسا هاما تعتمد عليه المناقشة والرد عليهم ضمن النقاط: من اولا الى خامسا في الكلمة بحكم اتصالها بتحديد هوية الامام المهدي المنتظر (ع) التي نستطيع بها نفي سواه.
الثاني: ان هناك بعض المفردات التاريخية والغيبية تثير الشكوك، والتساؤل لدى بعض الباحثين كخفاء ولادته، وغيبتيه الصغرى والكبرى، وامتداد بقائه، وامكان مشاهدته، وكيفية انتصاره في مثل عصرنا مع ما نعلم من تقنيات السلاح لدى الدول الكبرى غير الاسلامية.
ثم لا بد بعد ذلك وفي موضوع ادعياء المهدوية والبابية من تناول تاريخها، وما اعتمدته من اسس فلسفية، ودينية والوقوف عند الفرق التي نجمت منها. وما هي مبادئها؟ ووسائلها؟ وما الذي قالته وفعلته؟ وما هو اثرها التاريخي؟
وهكذا امتد الكتاب من فصلين الى عشرة فصول، وقد يكون اكثر، ومن ١٥٠ صفحة الى ما يقدر ب ٨٠٠، صفحة وقد يكون اكثر فبعض فصول الجزء الثاني لم تكتب بعد.. ذكرت ذلك لابين اني لم ارسم لهذا الكتاب خطة سابقة، بحكم ما اشرت اليه، وانما هو الذي رسم خطة نفسه اثناء كتابتي له.
وكنت اعطي المكتب الذي احتملني صاحبه باخاء وصبر جزاه اللّه خيرا ما ينجز لدي من صفحات استعجالا.. فالكتاب قد قصدت به بدءا هدفا رساليا لا عملا علميا. وذلك ما ارجو ان يكون عذري عما قد يكون ادى اليه فقدان الخطة العلمية ابتداء من عدم توازن الفصول وبحوثها كميا، وربما كيفيا، وما ادى اليه الاستعجال، وتنضيده بالصورة التي ذكرتها من تكرار بعض الافكار اوالهوامش، وامثال ذلك، ثم ما احدثته تجزئته إلى جزئين في مرحلة متاخرة من ملاحظات مضافة..
وقد جعلت الجزء الاول خاصا بموضوع الامام المهدي المنتظر (ع) بينما يتناول الجزء الثاني: ادعياء البابية والمهدوية.
منهج البحث
وقد كان منهج، هذا الجزء، كما املتها الظروف التي ذكرتها، في خمسة فصول يضم كل فصل منها ثلاثة بحوث، بالصورة التالية:
في البحث الاول من الفصل الاول:
الفصل الاول، ويتضمن ثلاثة بحوث: البحث الاول، وقد عرضنا فيه، اولا: بيان ان الاعتقاد بظهور الامام المهدي (ع) عقيدة اسلامية لا شيعية فقط، ووقفنا عند المشككين به وراسهم ابن خلدون وذكرنا ما اورده من حيثيات هذا التشكيك ثم ما تصدى له به كبار العلماء من اهل السنة من مناقشات تبطل كل ما استند اليه من هذه الحيثيات بصورة مفصلة وتقدم الادلة على صحة الاعتقاد بالامام المهدي (ع) وظهوره، واوردنا عددا كبيرا من الكتب الحديثية التي خرجت الاحاديث فيه عن ٢٥ صحابيا وما نصواعليه من صحة الكثير منها.
وعدت تحت عنوان: الامام المهدي (ع) من عقائد اهل السنة، لاقدم عددا من كبار العلماء نصوا على كون الايمان به من عقائد اهل السنة، او نصوا على تواتر الاحاديث فيه مما ينهي حتما الى ذلك.
وتحت عنوان من هو المهدي؟ ومتى ولد؟
بينت اختلاف المسلمين وراء القدر المشترك بينهم فيه...
فذكرت اختلافهم في جده الاعلى، وما اذا كان الحسن السبط، او الحسين (ع)؟
وذكرت ادلة الطائفة الاولى التي رات انه من ذرية الحسن (ع) وقد اعتمدت على ثلاث روايات نوقشت، اولا، بانها ضعيفة سندا، وبان احداها مقطوعة، وثانيا، بانها معارضة بروايات اخرى اكثر واصح بعضها عن راوي احدى الروايات السابقة نفسه، ولانهم نصوا على ما اصيب به هذا الراوي من نسيان وخلط فقد احتملنا ان الامر في روايته الاولى كان نتيجة لذلك...، واتهمنا دعاة محمد بن عبد اللّه الحسني المعروف بالنفس الزكية بهذا التحريف كالذي حصل من دعاة المهدي العباسي الذين وضعوا ما يجعله من نسل العباس فاسقطها المحدثون ونصوا على وضعها من قبلهم. اما الاختلاف في اسم ابيه، وما اذا كان اسمه عبد اللّه، او غيره... فقد ذكرنا ان اساس القول في ان اباه عبد اللّه ما جاء في الحديث الوارد عنه (ص) من قوله: (اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي)، والفقرة الاخيرة مضافة للحديث كما يثبت البحث.
فقد اخرج المحدثون كاحمد بن حنبل في المسند والترمذي وابو داود، والطبراني، والبيهقي احاديث نص المحدثون على صحتها خالية من هذه الفقرة..
وقد احصى الحافظ ابو نعيم الاصفهاني: طرق الحديث عن الجم الغفير كلها عن عاصم بن ابي النجود عن عبد اللّه بن مسعود عن النبي (ص) فوجد ان ((٢٣) طريقا منها الاكثر الغالب يروى عن طرق شتى.
ثم بعد ذلك طريق آخر رواه غير عاصم عن زر بن حبيش وهو عمر بن مرة... كل هذه الطرق روت الحديث خاليا من هذه الزيادة الا ما كان من عبد اللّه بن موسى عن زائدة عن عاصم، ولذلك فان المقارنة بين ٣٤ طريقا خالية من هذه الزيادة بطريق واحد مضافا الى معارضته باحاديث اخرى متواترة تثبت بالنص او الاستنباط بان اباه الحسن(ع) تجعلنا نقطع بسقوطه عن الاعتبار واتهام دعاة محمد ذي النفس الزكية، او دعاة محمد بن عبد اللّه المهدي العباسي بوضعه، ثم اوردنا ثلاث طوائف من الاحاديث التي رواها حفاظ اهل السنة ومحدثوهم تنص الاولى منها على ان الامام المهدي المنتظر (ع) من ذرية الحسين (ع) وتنص الطائفة الثانية بانه التاسع من ائمة اهل البيت (ع)والطائفة الثالثة هو بانه الثاني عشر من ائمة اهل البيت (ع)، وبذلك تثبتان ان اباه بحكم الواقع التاريخي الإمام الحسن (ع) لا عبد اللّه.
في البحث الثاني من الفصل الاول:
وتحت عنوان: موقع الامام المهدي المنتظر (ع) من الرسالة، ومن احاديث الائمة من اهل البيت (ع) الذي اردنا ان نبين فيه اتساق ما ورد عنهم (ع) في كتاب الشيعة مع ما انتهى إليه البحث الاول، مع اضافة تتصل بموقع المهدي المنتظر (ع)، وببعض مفردات تاريخه، التي تبدو لبعض الباحثين على شيء من الغموض.. راينا انه لا بد لكي تاخذ الاحاديث المروية عن الائمة من اهل البيت (ع) موقعها في الاستدلال من حديث موجز عن نظرية الامامة، وادلتها، فبذلك تاخذ الاحاديث الواردة عنهم (ع): القيمة نفسها المعطاة لاحاديث الرسول (ص) بصفتهم اوصياءه، وامتداده في العصمة العلمية والعملية، وخلصنا بالربط بين الحديث الصحيح الذي ينص على ان الائمة من بعدالرسول (ص) اثنا عشر وبين ادلة الامامة الاخرى الى ان اهمية الايمان بالامام المهدي المنتظر (ع) لا تاتي من كونه موضوعا ثابتا بالتواتر عن الرسول (ص) فقط، بل لانه وهذا هو الاهم يتصل باصل من اصول العقيدة، وهو الامامة التي تقتضي ادلتها الايمان بالائمة الاثني عشر (ع) على نحو العموم المجموعي.
وبذلك فسرنا الاهتمام الخاص والاستثنائي الذي اعطاه الرسول (ص) واوصياؤه (ع) للحديث عن موضوعه (ع)، بحيث لم يغفل احد منهم (ع) التبشير به، والحديث عن كل مفردة من تاريخه، ولولا ذلك لكان من الصعب ان يستوعب المؤمنون ما يحيط بتاريخه من ملابسات وغموض. وقد اشرنا الى ان في الاحاديث الواردة عن كل واحدمنهم (ع) عدا تواترها، واتساقها في الدلالة في ما تحدثت عنه من شانه وجه دلالة اخرى مضاف، وهو انها او بعض كثير منها، كما يقول الشيخ الصدوق رحمه اللّه،رويت، وحفظت في الصحف ودونت في الكتب قبل ان تقع الغيبة بمئتي سنة او اكثر... وقد قدمنا عددا من الكتب المؤلفة لايراد الاحاديث الواردة في موضوعه (ع)ابتداء من عصر الغيبة الصغرى.
ثم اخترنا امثلة مما روي عن الرسول (ص) وكل واحد من اوصيائه (ع) باضافة الزهراء فاطمة (ع) تتناول ما اشرنا اليه من موضوعه، وكل مفردات تاريخه، وذكرت في ما اوردته عن الإمام الحسن العسكري (ع) ما نص به (ع) على امامته، وغيبته بعد ان اراه لعدد كبير من اصحابه ضم مجلس واحد من اعيانهم اكثر من اربعة واربعين شخصا عدا مناسبات فردية اخرى كالذي كان من ذلك مع احمد بن اسحاق الاشعري وعمرو الاهوازي وحكيمة بنت الامام الجواد، وعثمان بن سعيد واسماعيل بن علي النوبختي، وكامل بن ابراهيم المدني، وابي الاديان ((١١)). اما ما ورد عن الامام المهدي المنتظر (ع) نفسه من اشارته إلى نفسه، وتاريخه بالصورة التي تحدث عنها آباؤه (ع) فقد ذكرته في البحث الاول من الفصل الثاني الذي تناول اخفاء ولادته، واضطلاعه بالامامة طفلا وغيبته الصغرى، لندلل على ان الخفاء والغيبة كانا نسبيين.
وخلصنا، في ضوء هذا البحث، متسقا مع البحث الاول، إلى الخلاصة التالية:
١- ان المهدي المنتظر (ع) هو الامام محمد بن الحسن العسكري (ع) الثاني عشر من اهل البيت (ع) اوصياء الرسول (ص) المولود في النصف من شعبان سنة ٢٥٥ ه
٢- انه لا يوجد فصل نسبي ولا زماني بين الامام المهدي المنتظر (ع) وبين اوصياء الرسول (ص) وشهود رسالته من آبائه (ع) وانه (ع) داخل دون انقطاع في الائمة الاثني عشر الذين نص عليهم الحديث المتفق على صحته وما تعطيه ادلة الامامة الاخرى من خصوصية العصمة العلمية والعملية والتاييد بالملائكة، والمرتبة التي تجعل المسيح (ع) يصلي خلفه ومن الصعب اثبات هذه الخصوصيات الثابتة له مع الانقطاع الزمني والنسبي الذي تفترضه النظرية الاخرى.
٣- ان الاحاديث المروية بصورة متواترة فيه تشخصه بكل مفردات تاريخه، وتفسر الجوانب الغامضة منها وتنظر لها بما يوجد في تاريخ الرسل والانبياء.
فهو معروف بها اسما ونسبا وموقعا عدديا من سلسلة الائمة من اهل البيت (ع) ووالدا ووالدة، وخفاء ولادة، وصفة، وغيبة صغرى وكبرى، وظهورا، وما يسبق ذلك من علامات عامة وخاصة، وما يرافقه ويتاخر عنه من آيات وخصوصيات زمنه وعالمه وغير ذلك مما لا يترك مجالا لادعاء موقعه من غيره مطلقا.. وهي نتائج حاسمة وهامة من دون شك.. في البحث الثالث من الفصل الاول:
تحدثت عن راي اهل الكشف ممن هم من اهل السنة اصلا، وموافقتهم لما يراه الامامية من كون الامام المهدي المنتظر (ع) هو الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري. ولم اجعله دعامة اساسية ودليلا بل مؤيدا...، لذلك قدمت خلاصة البحث قبله وذكرت في بداية ذلك الاشكال على استدلالي بالكشف مع عدم ايماني بحجيته اذا استقل واجبت عنه... ثم ذكرت ما وقع به ابن خلدون من خطا في نسبة هذا الراي للمتاخرين من الصوفية واشارته اليه مجملا، واستشهدت على سبيل الاجمال بما اورده ابو بكر البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ ه والذي سبق ابن خلدون ب ٣٤٠ عاما من نصه على موافقة اهل الكشف الامامية في تحديدهم لشخص الامام ونسبه وولادته، وغيبته، وظهوره ثم استشهدت مفصلا بايراد ما قاله سبعة من اعلامهم في ذلك.
في البحث الاول من الفصل الثاني:
تحدثنا عن خفاء ولادته وغيبته الصغرى وما اثاره ذلك من شكوك.
وقد ناقشنا ما يتصل بامر خفاء ولادته:
اولا: بما انذر بها مقدما من الروايات المتواترة عن المعصومين (ع) وبيان انها مما تفرضه الظروف الموضوعية المتصلة بالسلطة الحاكمة من جهة وبعمه جعفر الكذاب من جهة اخرى، وقد اشرنا هنا الى بعض ما قدمناه منها.
ثانيا: ان خفاء ولادته كان نسبيا، واشرنا الى ما مر من ان اباه الحسن (ع) اراه كما قدمنا في الروايات الواردة عنه من الثالثة حتى الثامنة الى عدد كبير من شيعته، ونص(ع) امامهم على امامته، واوردنا ايضا من ذلك منها ما لم نورده هناك، وذكرنا عددا آخر ممن شهد بولادته، ورؤيته، وراى دلائل الامامة منه.
تحدثنا عن غيبته (ع)، وانقطاعه عن الصلة بالناس في الغيبة الصغرى، فقد ربطناها كما هو الواقع بنفس الظروف الموضوعية التي اوجبت اخفاء ولادته (ع) وذكرنا في الاجابة على التساؤلات:
اولا: انذار المعصومين (ع) بها، والتنظير لها بما ورد في تاريخ الانبياء (ع).
واشرنا الى بعض ما اوردناه من ذلك في البحث الثاني من الفصل الاول.
ثانيا: انها كانت نسبية، وقد اشرنا الى اهم مظاهر حضوره وهم النواب الاربعة ثم ذكرنا عددا آخر ممن شهده وراى البرهان على امامته فيها، وقد ذكرنا انهم احصوا ممن رآه ثلاثمئة واربعة اشخاص.
في البحث الثاني من الفصل الثاني:
تحدثنا عن اضطلاعه بالامامة طفلا وما يثيره من اشكال، وتشكيك بعض الباحثين. وقد سقت من الاجابة: اولا لذوي العقليات العلمية التي تطلب حتى في المسائل التي تتصل بالمشيئة الالهية كالنبوة والامامة شواهد من الواقع عددا من الامثلة التي سجلها العلماء لاطفال جاوزوا المستويات المعروفة في الذكاء والمواهب الروحية والعقلية، والقدرة على الاستيعاب بالصورة التي تصبح فيها اشارة للمواهب الاعجازية الاسمى في الرسل (ع) واوصيائهم (ع).
ثم ذكرت ثانيا ما تحدث به القرآن في شان عيسى ويحيى (ع).
ثالثا: بان عمره (ع) قريب من عمر اثنين من آبائه هما الإمام محمد الجواد (ع) والامام علي الهادي (ع) وقد اضطلعا بالامامة واقعيا وباعلى اشتراطاتها. وتعرضا لمحاولة السلطة في اختبارهما، فكانا آية مدهشة.
رابعا: عدم منطقية الاشكال حول كيفية امامته مع قيامها واقعا، وخضوع كبار العلماء والمتكلمين لها.
في البحث الثالث من الفصل الثاني:
تحدثنا عن نوابه وبعض توقيعاته بوصفها دليلا هاما يضاف إلى ما قدمناه على كون غيبته (ع) نسبية، وانه (ع) حاضر مع الامة في كل شان يتصل بها وان لم تتح رؤيته بصورة مفتوحة للجميع.. وقد وقفنا عند هذا الموضوع خاصة لبيان دلالته بحكم الفترة الطويلة التي تمتد الى ما يجاوز (٦٨) عاما كان فيها النواب القناة الرئيسية العامة من الامة اليه (ع) ومنه اليها، واشرنا الى ان هؤلاء النواب ممن لا يدور حولهم شك لدى الامة من اية جهة لامور منها:
١- انهم معروفون لدى الامة تقى، وورعا، وامانة، وعلما، وقربا من ائمة اهل البيت (ع) وكان العلماء من الامة يدركون تميزهم بخصال اوجبت اختيارهم من دون سواهم.
٢- كانوا موثقين من الائمة (ع) ومنصوص عليهم مباشرة او بالوساطة، وبصورة تجعلهم بمنزلة اللسان واليد او ممثلين خاصين مطلقين كما جاء في النصوص التي ذكرناها عن النائب الاول عثمان بن سعيد العمري ثم ابنه محمد بن عثمان رضوان اللّه عليهما ثم الثالث بوساطة الثاني والرابع بوساطة الثالث.
٣- كانت اجوبة الامام المهدي (ع) تصدر على يد كل واحد من هؤلاء النواب الاربعة بالخط نفسه المعروف للامام (ع) لدى بعض ثقاة الامة من دون تغيير، وبالدرجة نفسها من حيث الاسلوب والمضمون مما يشير الى وحدة الجهة التي يصدر عنها النواب.
٤- اظهر اللّه بوساطة الامام (ع) على يد كل واحد منهم من الكرامات المعجزة ما اعطى دليلا قائما مضافا على حقيقة صلتهم به. وذكرنا نصا للشيخ النعماني الذي كان معاصرا لهم يشير الى ذلك، ثم تحدثنا عن كل واحد منهم واشرنا إلى مكانته، وما صدر عنه من كرامات وعلم بما نراه كافيا لتجلية الدلالة من هذه النواحي الاربع على كل واحد منهم رضوان اللّه عليهم. ثم ذكرنا ما صدر على يد كل واحد منهم من توقيعات بخاصة تلك التي تتصل بموضوع كتابنا من جهة اخرى اي ما يصلح ان تكون اساسا لنفي او اثبات في موضوعه الخاص بالإمام المهدي (ع) من جهة، وبقواعد الغلاة، وادعياء البابية، ومفاهيمهم من جهة اخرى وختمناها بتوقيعه (ع) الصادر إلى نائبه الرابع بوقوع الغيبة الكبرى، وتكذيب مدعي المشاهدة قبل الصيحة والسفياني.
في الفصل الثالث، وعنوانه: الغيبة الكبرى كيف؟ ولماذا؟
تناولنا:
في البحث الاول الذي يجيب على السؤال: (لماذا لا يكون المهدي (ع) رجلا آخر؟) وهو سؤال تثيره بعض الاشكالات التي اشرنا اليها: واجبنا بان ذلك يفرضه ما ثبت من كونه الامام الثاني عشر (ع) بوصفه آخر الاوصياء (ع) واذا كان العقل والنقل يقضيان بعدم خلو الأرض من حجة وكان اللّه قد ختم النبوة بمحمد (ص)، وهو المفروض بحكم رتبته فان المتعين، ورسالته خاتمة الرسالات واوصياؤه لا اكثر من هؤلاء الاثني عشر (ع) ان يكون وصيه وامتداده الثاني عشر (ع) هو صاحب الزمان من عهده الاول حتى قيام الساعة. على ان صفات المهدي المنتظر (ع) وموقعه والايات التي تحفه، كما هو ثابت في الاحاديث المتواترة، لا يمكن تصورها لمن هو دون مستوى الخلافة للرسول (ص) بالمستوى الاخص، وليس هناك سوى الامام الثاني عشر محمد بن الحسن (ع) وهو ما اثبتته الروايات المتواترة.
والغيبة الكبرى لا تعني الا غلق الصلة به من جهة الناس لا من جهته لو اراد القيام بالتسديد وازالة الشبهات تحقيقا لدوره حجة باقية للّه، وبما اعطاه اللّه من وسائل لا تتحدد بالصورة المباشرة والمادية.
ثم ذكرنا ان هذه الغيبة، بما ينشا عنها من حيرة واشكالات، كالاولى انذر بها الرسول (ص) والائمة (ع) قبل ان يولد المهدي (ع) باكثر من قرنين. واستمر الانذار بها حتى آخر امام سبقه ثم منه (ع) واشرنا الى بعض ما قدمناه منها في البحث الثاني من الفصل الاول.
وذكرنا، تحت عنوان: طول العمر بصورة غير معروفة، ان طول العمر لا يثير اشكالا الا اذا نظر اليه ضمن القياسات العادية لا في اطار المشيئة الالهية التي لا تحكمها القوانين التي تقوم بها اصلا.
وبقاء الامام (ع) بما ذكرناه من الادلة ونظرنا لها بمعجزات الانبياء (ع) الخارقة لهذه القوانين قبلناه على هذا الاساس لا على اساس منطق العلم والتجربة.. واشرنا الى ان هذا هو السر في اختيار الائمة (ع) في التنظير: امثلة من تاريخ الانبياء (ع) ادراكا منهم لعدم وجود ما يمكن القياس عليه في المجرى العادي والطبيعي في الحياة ولنوضع في الاطار نفسه. وذكرنا ان بعض العلماء ساق ليثبت امكان طول العمر ووقوعه امثلة مما ذكر من المعمرين، وهو كما قال الشيخ المجلسي غير مجد بعد ما ذكرناه، ولعدم امكان التحقق من صحة غير ما ذكره القرآن من اخبار الاحاد، ويكفي التنظير بالمسيح (ع) ونزوله للاجماع عليه ولوجود ما يدل عليه في القرآن الكريم كما اشار اليه الكنجي.
وسقنا بالمناسبة ما اثاره بعض الباحثين، وفيهم اعلام، من غيبته وبقائه في السرداب، وبينا انه لا اساس له، وانه خلط بما هو جار من زيارة المؤمنين للسرداب والدعاء بتعجيل الفرج له وللمؤمنين.
وفي البحث الثاني تحدثنا تحت عنوان: ما الحكمة؟
بافتراض ان السؤال، هنا، يقصد به الحكمة من وجود مهدي منتظر اصلا بوجهين ينطقان بحاجة البشرية لذلك:
الاول: عدم تجاوز البشرية لمشاكلها الحادة رغم تقدمها العلمي وعدم وجود ما يشير لذلك مستقبلا.
الثاني: قلة ونسبية ما تستطيع ان تعرفه من اسرار الكون الهائل السعة والعمق حتى في المستقبل. وهو ما يفرض المعلم الإلهي دائما.
واشرنا بافتراض ان السؤال قصد به الحكمة من ان يكون هذا المهدي الامام الثاني عشر الى ما اجبنا به في السؤال الاول:
لماذا لا يكون المهدي شخصا آخر؟
اما اذا قصد به الحكمة من الغيبة الطويلة، فاجبنا بانها انتظار الظرف المهيا لقبول الرسالة الالهية، وان ذلك لا يكون الا في آخر ما تبلغه البشرية من شوط في النضج والمعرفة.
ودللنا على ذلك بعدم استيعاب الناس ما طرحه الرسول (ص) والاوصياء من بعده في عصر تاسيس قواعد الرسالة واطرها كما ينبغي، وعدم تجاوبهم معهم نظريا وعمليا مما يحتم الغيبة، بانتظار ان ينتج من تفاعلهم مع الواقع التاريخي من جهة، ومع مفاهيم الرسالة من جهة اخرى، الظرف الملائم لاستيعابها بصورة افضل، وبالتالي التهيؤ لاستقبال الامام (ع) امتداد الرسول (ص) وخليفته بالمعنى الاخص. وبذلك نفينا ان تكون التقية هي السبب للغيبة الكبرى، وراينا ان طرح بعضهم لها تسامح يقصدبه التقية على الرسالة في ظرف لا يقبلها لا التقية الشخصية من قبل الامام (ع) وقد يكون بعضهم قد نقل ما طرحه الائمة (ع) لتفسير الغيبة الصغرى اشتباها وخلطا.. وذكرنا ان الغيبة لا تنافي بقاءه حجة للّه على اهل الارض، بما ان الغياب لا يمنعه من قيامه بوظيفته في التسديد، والتعليم، والاعانة بما اعطاه اللّه من وسائل لاداء وظيفته..ولذلك ورد انه (ع) كالشمس من وراء السحاب.
وفي البحث الثالث تحت عنوان: هل يعني ذلك امكان المشاهدة؟
اجبنا بعدم وجود اشكال في الامكان عقليا وكونيا الا من جهة ما ورد عنه (ع) من تكذيب مدعي المشاهدة في الغيبة الكبرى، وذكرنا محاولة بعض العلماء تضعيف هذا التوقيع، مع كونه خبرا واحدا وبذلك لا يصلح كما راى لمقابلة القصص المتواترة برؤية الامام (ع) وايراد العلماء لهذه القصص كما قال يعني عدم اعتبارهم لهذا التوقيع.
وناقشنا ذلك بنفي ادعاء كون الحديث ضعيفا وانه من الصحيح وفي اعلى درجات الصحة بل ذهب بعض العلماء الى القطع بصدوره لقيام القرينة على ذلك. ونفينا ايضا ان يكون مؤداه في ما عدا اطلاقه واحدا بالمعنى اللغوي والعددي الذي قصده لا الاصولي لورود احاديث اخرى بالمضمون نفسه لكنها تستثني مولاه الذي يلي خدمته، او خاصة مواليه الذين هم اخص من خاصة شيعته.. فيكونون خارجين تخصصا كما راى بعضهم، لان حجب من هو خاصة غير وارد، وتخصيصا بحكم هذه النصوص وبها يقيد اطلاق التوقيع السابق.
ثم ناقشنا دعوى تواتر مشاهدته بانا قرانا اكثر من اربعين قصة منها فلم نجد فيها ما يدل على المشاهدة المباشرة للامام (ع) الا تصور اهلها استنادا لظهور شخص،وصدور كرامة او معجزة، ومع عدم تشخيص اي منهم للامام (ع) من حيث الصورة فان من الممكن ان يكون ذلك عنه، ولامره لا هو (ع) فلا تكون دليلا، بخاصة وان اكثر هذه القصص تدل على تمثل جسم غير مادي اصلا فجاة، وغيابه فجاة، وتحوله نورا احيانا، والاستجابة في كل الامكنة، وتحت كل ظرف، مما ينفي كونه جسما بشريا ماديا وتلك هي المشاهدة المنفية، ولذلك فمن المحتمل ان تكون الرؤية كشفا وبالجسم المثالي البرزخي فتكون غير داخلة في النفي الا ان التحقق من صحتها مع احتمالات الخلط والهلوسة لا يجعلها تقبل الا ممن لا يدور حولهم الشك عقلا وعلما وتقى.
وذكرنا عمل العلماء بالتوقيع، وما طرحوه من الجمع بينه وبين ما لا مجال لنفيه من القصص.
وخلصنا الى ان مدعي المشاهدة يكذب في الحالات التالية:
١- اذا ادعى السفارة والتبليغ.
٢- اذا ادعى معرفة الامام حال لقائه به.
٣- اذا كانت دعوى رؤياه بالصورة البشرية المادية.
٤- اذا لم يكن المدعي من خاصة الموالي.
وفي الفصل الرابع تناولنا تحت عنوان: ولكن متى؟
لا توقيت ولكن ثمة علامات. ما ورد عن الائمة من اهل البيت (ع) من النهي عن التوقيت وربطنا ذلك بما ذكرناه من ان ظهوره (ع) منوط بحصول الظرف الذي يتاهل فيه العالم لقبول الرسالة الاسلامية بكل ابعادها.. والتسليم بمعرفة وقناعة للّهدى الالهي بقيادة آخر الاوصياء (ع).
وتقدير الظرف ليس جبريا بحكم (اللاجبر واللاتفويض) وانما بالاسباب والقوانين المتصلة بها في هذا العالم كما شاء اللّه لدى خلقه العالم ابتداء ليصح التكليف والمسؤولية. واذا كان في الاسباب ما هو ثابت فان فيها ما هو متغير، والخيار الإنساني داخل ضمنها من دون شك. ولذلك فاذا كان بعض هذه الاسباب في موقع المقتضى والشرط فان بعضها قد يكون بالنسبة اليه في منزلة المانع. وطبقا لهذه العلاقة بين المقتضيات والشروط والموانع، بما فيها الخيار الإنساني والفاعلية الانسانية، قديتقدم هذا الظرف وقد يتاخر.. وهو معنى (البداء) كما فسره اهل البيت (ع).
لذلك لا مجال للاخبارات القاطعة في غير ما هو محتوم، ولهذا السبب نهى الائمة (ع) عن التوقيت، او لان ظهور الامام بين يدي الساعة كنذير بعد ختم النبوة كما هو واضح من الايات التي تظهر في زمنه والساعة ترتبط بتقدير كونها تشمل المجموعة الشمسية او الحجرة لذلك لا مجال للاخبار بها وذكروا للظهور وعصره علامات عامة وخاصة. ذكرنا بعد ان بينا الفرق بينهما:
في البحث الاول: العلامات العامة.
وفي البحث الثاني: العلامات الخاصة.
ويمكن معرفة ما سقناه في كل منهما في فهرست الموضوعات.
وفي البحث الثالث تحت عنوان: انتظار الفرج والدعاء بتعجيله.
ذكرنا ما وجه به الائمة من اهل البيت (ع) شيعتهم من المسلمين لدى اشتداد المحن وتتابع الفتن في ظروف العلامات العامة والخاصة قبل ظهور الامام (ع)، من انتظارالفرج، والدعاء بتعجيله.. وقلنا: ان الانتظار تمليه العقيدة، لدى المؤمن ببقاء الامام (ع) وغيبته، وظهوره بطبيعتها وهو بهذا اللحاظ وما يصحبه من مصابرة، وتحمل للظروف الموضوعية القاسية، وانعكاساتها النفسية والمادية: عبادة وجهاد. وهو ما اراد الائمة (ع) تاكيده، وبيان قيمته عند اللّه حين قالوا عن المنتظر لامرهم: انه كالمتشحط بدمه في سبيل اللّه او كالميت في فسطاط المهدي (ع) وعسكره، وهو ايضا كما ارادوا ان يكون حين وجهوا اليه: نفي للقنوط والياس اطمئنانا بوعد اللّه سبحانه.
اما الدعاء بتعجيل الفرج الذي هو كما قالوا: فرجنا، فلانه من الاسباب الكونية المؤثرة في تقدير الظرف المؤهل لظهور الإمام (ع) كاي سبب كوني آخر بنص القرآن (وقد شرحنا معنى السببية لايضاح دخول الدعاء فيها في الهامش) وناقشنا تحت عنوان، الانتظار لا يعني ترك العمل ما يتصوره بعضهم من ان الدعوة للانتظار دعوة سلبية،وتخديرية بان الانتظار حالة نفسية طبيعية من الترقب لدى المؤمن بمجيء موعود، يلزمها تلقائيا الاستعداد بما هو المفروض المناسب لاستقباله ولذلك فهو حافز العمل لا مخدر.
الفصل الخامس: في البحث الاول:
اجبنا على سؤال بعضهم: كيف يمكن ان ينتصر الامام (ع) مع تقنيات الاسلحة المتطورة لدى الدول الكبرى وهو من غاب تقية في عصر العباسين؟ وناقشنا هذا السؤال ببيان خطا النظر الى الامام (ع) وحركته، وامكانياته بالحسابات التي ينظر فيها للناس الاخرين وقياس وظيفته وتعامله في الظهور على ما كان في مرحلة امامته (ع) في عهد التاسيس، وقلنا: ان الاجابة تقتضي ان نعود لنتذكر ما قلناه في بيان الحكمة من هذه الغيبة، فقد قلنا هناك انه انتظار للظرف الملائم. ونعني به اولا ان يتهيا العالم بصورة عامة في غاية مساره العلمي والعقلي لتقبل الرسالة الاسلامية حين تطرح بابعادها كما انزلها اللّه على رسوله (ص) خالية مما الحقته بها الاجتهادات المختلفة والتطبيقات التاريخية البعيدة وهناك اكثر من اشارة واقعية للقاء حقيقي بين ما انتهى اليه العلم والفكر وبين اهم
الركائز التي يقوم عليها الدين والدين الاسلامي خاصة (اشرنا في الهامش الى شيء من ذلك).
وذكرنا ان تقدم العلم تصحبه موضوعية وسعة افق من شانهما ايثار الحق والاستجابة له، وسقنا سبعة عوامل تتصل بامكانيات الرسالة نفسها من جهة وما يعطيه اللّه للامام(ع) في عصر الظهور من مدى وقدرات لا يبلغها التصور من جهة ثانية (وذكرنا ما اشارت اليه الروايات منها) ثم ما لعصر الظهور من خصوصيات ايجابية وسلبية (تحدثنا عنها) من شانها ان تساعد على هذا النصر من جهة ثالثة.
وقلنا ان هذه العوامل التي تحدثنا عنها بتفصيل، بل بعضها، كافية للاجابة عن هذا السؤال.
في البحث الثاني تحدثنا:
تحت عنوان: ماذا سيفعل؟ عما اعطاه ادعياء المهدوية لحديث: ياتي بامر جديد من معنى محرف ينسجم مع ما يحاولونه من هدم الاسلام، ونشر البدع. وقد ناقشنا ذلك بتفصيل مبينين مناقضته للثابت من خلود الرسالة وموقع الامام (ع) بوصفه وصيا للرسول (ص) وخليفة له، واشرنا الى توقف العلماء في ما ظاهره النسخ وتفسيرهم له.واعطينا المعنى الصحيح للحديث في ضوء الواقع من جهة، وما جاءت به الاحاديث عما يفعله الامام (ع) من جهة ثانية، وخلصنا الى ان رسالة الامام (ع) هي رسالة الاسلام نفسها كما انزلت على الرسول (ص) عارية عن الاجتهادات النظرية المختلفة، والتطبيقات التاريخية البعيدة متصلة بما اعطى اللّه الامام (ع) من امكانات استثنائية خاصة في صورة التطبيق ومداه.
وفي البحث الثالث: تحت عنوان:
الامام المهدي المنتظر (ع) وعقيدة الرجعة:
ذكرنا ارتباط هذه العقيدة بالامام (ع) امرا وشخصا وزمانا، وذكرنا الاراء الثلاثة المطروحة فيها.
والاول يرى انها تعني رجوع امر اهل البيت (ع) لا رجوع بعض الاموات وذكرنا ما حملهم على هذا الراي وابطلناه.
واوردنا ما قاله العلماء من ان ما ورد في الرجعة نصوص لا تقبل التاويل.
والراي الثاني يرى انها تعني رجوع الامام (ع) نفسه كعيسى (ع) الذي لا خلاف بين المسلمين في رجوعه مع انه قد توفاه اللّه، وسقنا ما ذكر من عدم منافاة هذا الراي لحياة الامام (ع) طبقا للمفهوم الحقيقي للحياة الذي لا ينافيه الموت بمعناه الذي يعني الانتقال لا بالمعنى العامي الشائع من الانقطاع.
وان ذلك لا ينافي ايضا استمرار مهمته في الامامة التي تعني التوجيه والتسديد والتعليم، للصلة المفتوحة بين اهل السماء والارض وكما هو جبرائيل بالنسبة للرسل(ع).
وناقشنا ذلك بمنافاته لبقاء التكليف ولصريح بعض الروايات.
وذكرنا رايا آخر فحواه ان هذا الموت ليس طبيعيا وانما هو ارادي، وهو معروف في تاريخ الانبياء والائمة (ع) باسم العروج، ومعروف لدى الحكماء ايضا وفي الدراسات البارسايكوجية الحديثة باسم الخروج الواعي او الارادي من الجسد.
ونزع البدن اراديا والعودة اليه لا ينافي بقاء الامام (ع) في الارض، وحياته بالصورة المادية فيها. وهو ما يفسر لنا استجابته لمن شاء اللّه في اي ظرف واي مكان وتمثله فجاة، وغيابه فجاة..
ولكن ذلك لا يجعل للرجعة معنى يتصل بشخصه، لانه لا يختلف عن الراي المشهور.
اما الراي الثالث، وهو الذي يدخل ضمن: ما الذي سيفعل؟
ويعني رجوع بعض المؤمنين وبعض الكافرين في زمنه (ع) كآية عظيمة بين يدي الساعة. ومصداق لمعنى كونه النذر الاكبر وقد ذكرنا ان انكارها، والتشنيع على من يعتقد بها، لا يقوم على اعتقاد عدم وقوعها تحت القدرة والا كان كفرا باللّه، وبالمعاد الذي هو اصل اساس لدى كل المسلمين، ولا على عدم وقوع الرجعة في التاريخ السابق لورود آيات عديدة تنص على هذا الوقوع سقنا عددا منها، وانما على عدم الانتباه الى ادلة وقوعها في المستقبل وفي زمن الامام (ع).
ثم ذكرنا عددا من الايات التي لا مجال لفهمها بغير الرجعة بصورتها الجزئية مستقبلا...
ثم ما ورد متواترا عن اهل البيت (ع) في ذلك.
ومع مثل هذه الادلة التي يكفي بعضها لجعل مسالة الرجعة قائمة بوصفها مسالة من ضمن ما جاء به الدين شان كثير من المسائل الاخرى التي يدين بها المسلمون مما لا تملك احيانا جزءا مما تملكه الرجعة من ادلة الاثبات، يكون التشهير بها، واسقاط عدالة معتقدها كما فعل بعضهم موقف تعصب وانسياق تقليدي مع اقوال قديمة افرزها الصراع المذهبي لا يرجعان الى اساس من دين وموضوعية وعدل.

النجف الاشرف - عدنان علي البكاء الموسوي

الفصل الاول: الامام المهدي (ع) عقيدة اسلامية
تمهيد

الاعتقاد بالامام المهدي المنتظر (ع) وبانه من اهل البيت (ع)، من ذرية علي وفاطمة (ع)، وسيخرج في آخر الزمان فيملا الارض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا،عقيدة اسلامية لا شيعية فقط كما قد يتصور بعضهم، وقد نص عدد كبير من علماء السنة على ان ذلك من عقائد اهل السنة او نصوا على تواتر الاحاديث الواردة فيه وذلك يعني ايضا حتمية الاعتقاد به لان التواتر يوجب العلم. بل لم يخالف في ذلك منهم الا من لا عبرة برايه في علم الحديث عندهم كابن خلدون المتوفى ٨٠٨ ه، ومع ذلك فقد اعتبرها من المشهور بين الكافة من اهل الاسلام على ممر الاعصار واعترف بصحة بعض ما ورد من الاحاديث فيه.
فقال في مقدمة تاريخه: (اعلم ان المشهور بين الكافة، من اهل الاسلام على ممر الاعصار، انه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من اهل البيت يؤيد الدين، ويظهر العدل ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الاسلامية ويسمى المهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من اشراط الساعة الثابتة في الصحيح على اثره، وان عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال وينزل معه فيساعده على قتله وياتم بالمهدي في صلاته، ويحتجون باحاديث خرجها الائمة وتكلم فيها المفكرون، وربما عارضوها ببعض الاخبار. وللمتصوفة المتاخرين في امر هذا الفاطمي طريقة اخرى ونوع من الاستدلال وربما يعتمدون على الكشف الذي هو اصل طريقهم ((١٢))). وحاول ابن خلدون مناقشة سند بعض ما ورد من تلك الاحاديث واحتج بعدم رواية البخاري ومسلم لها ((١٣)).
ولم يقدم من قلد ابن خلدون في ذلك ادلة مضافة. لذلك ستكون مناقشة ما استند اليه ابن خلدون في التشكيك مناقشة لهم كذلك.
وقفة مع المشككين
قالوا: (ابن خلدون قفا ما ليس له به علم) وقد تعرض ابن خلدون بسبب ذلك الى هجوم ماحق من قبل علماء السنة قبل الشيعة ورد وا على ما اثاره من وجوه التشكيك، فقال الشيخ عبد المحسن العباد في (الرد على من كذب بالاحاديث الصحيحة في المهدي (ع) ص ٢٨)، وهو يرد على الشبهة التي اثارها ابن خلدون، والجواب:
اولا: ان ابن خلدون اعترف بسلامة بعضها من النقد، اذ قال بعد ايراد الاحاديث في المهدي (ع): (فهذه جملة الاحاديث التي خرجها الائمة في شان المهدي (ع) وخروجه آخر الزمان، وهي كما رايت لم يخلص منها من النقد الا القليل والاقل منه)، على ان ابن خلدون فاته الشيء الكثير من الاحاديث، يعني انه اورد بعض ما ورد في المهدي من الاحاديث واوهم قارئه في عبارته السابقة انه اورد جملتها.
ثانيا: ان ابن خلدون مؤرخ وليس من رجال الاحاديث فلا يعتد به في التصحيح والتضعيف. ووافقه في ذلك الشيخ محمد جعفر الكتاني، في نظم المتناثر ص ١٤٦، والشيخ جسوس في شرح الرسالة، فاكدا عدم الاعتداد بابن خلدون في علم الحديث وعدم الاعتناء بتصحيحه وتضعيفه، ومثلهم في ذلك الشيخ احمد شاكر في تخريجه لاحاديث مسند احمد بن حنبل م ٥ ص١٩٧، فقال: (اما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحما لم يكن من رجال له). وقال: ان ابن خلدون لم يحسن فهم قول المحدثين: (الجرح مقدم على التعديل ولو اطلع على اقوالهم وفقهها ما قال شيئا مما قال). وذكروا ان من يعتد بهم في الرواية والدراية قد رووا هذه الاحاديث وقالوا بصحة الكثير منها وذكروا منهم اصحاب السنن الاربعة (الترمذي والنسائي وابن ماجه واباداود) واحمد بن حنبل في المسند والطبراني في المعجم وابن حبان والبيهقي في السنن والحاكم في المستدرك. وذكر الشيخ مهيب البوريني في مقدمته ((١٤)) لكتاب عقد الدرر في اخبار المهدي المنتظر للسلمي، المتوفى سنة ٦٨٥، ممن خرج هذه الاحاديث من الاعلام بدءا من اوائل القرن الثالث حتى منتصف القرن الرابع عشر(٥٢) محدثا، مشيرا الى كتبهم التي خرجوها فيها، ومنهم عدا من ذكرناهم آنفا ابو عبد اللّه نعيم بن حماد المتوفى سنة ٢٢٨ في الفتن، ويحيى بن عبد الحميد الحماني المتوفى سنة ٢٢٨ في مسنده، وابن سعد المتوفى سنة ٢٣٠ في الطبقات، وابن ابي شيبة المتوفى سنة ٢٣٥ في مصنفه، والحارث بن ابي اسامة المتوفى سنة ٢٨٢ في مسنده، والبزار المتوفى سنة ٢٩٢ في مسنده، وابو يعلى المتوفى سنة ٣٠٧ في مسنده، والروياني المتوفى سنة ٣٠٧ في مسنده، وابن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠في تهذيب الاثار، وابن المنادي المتوفى سنة ٣٣٦ في الملاحم، وابن حبان المتوفى سنة ٣٥٤ في صحيحه، والدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥ في الافراد، والخطابي المتوفى سنة ٣٨٨ في معالم السنن، والرازي المتوفى سنة ٤١٤ في الفوائد، وابو نعيم الاصفهاني المتوفى سنة ٤٣٠ في حلية الاولياء وكتاب المهدي، وابو عمر الداني المقرى المتوفى سنة ٤٥٨ في سننه، والقاضي عياض المتوفى سنة ٥٤٤ في كتاب الشفاء، وابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ في تاريخه، وابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧في تاريخه، والقرطبي المتوفى سنة ٦٧١ في التذكرة، وابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ في منهاج السنة، وابو الحجاج المزي المتوفى سنة ٧٤٢ في تهذيب الكمال،والذهبي المتوفى سنة ٧٤٢ في المستدرك، وابن القيم المتوفى سنة ٧٥١ في المنار المنيف، وابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ في تفسيره وفي الفتن والملاحم، وابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ في فتح الباري وتهذيب التهذيب، والسخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ في فتح المغيث، والسيوطي المتوفى سنة ٩١١ في جواهر العقدين، والمناوي المتوفى سنة ١٠٣٢ ((١٥)) في فيض القدير وآخرون كثيرون غيرهم.
ثالثا: ردوا محاولته الاستدلال بعدم تخريج الشيخين البخاري ومسلم لاحاديث المهدي (ع) وانها لو كانت صحيحه عندهما لخرجاها بامرين:
الاول: ان الشيخين (البخاري ومسلم)، كما قال النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم، لم يلتزما باستيعاب الصحيح بل صح عنهما تصريحهما بانهما لم يستوعباه وانما قصدا جمع جمل من الصحيح، كما يقصد المصنف في الفقه جمع جمل من مسائله لا انه يحصر جميع مسائله ((١٦))، وقد روى الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري، عن الاسماعيلي عن البخاري، انه قال: لم اخرج في هذا الكتاب الا صحيحا، وما تركت من الصحيح اكثر ((١٧)).
واكد ابو عمر بن الصلاح ان البخاري ومسلم لم يستوعبا الصحيح في صحيحيهما ولا التزما ذلك، وذكر مضمون الكلمة التي نقلها ابن حجر عنه وقال: وروينا عن مسلم انه قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا اي في جامعه الصحيح انما وضعت ما اجمعوا عليه ((١٨)).
ويكفي شاهدا على ذلك ما استدركه الحاكم النيسابوري عليهما، في كتابه المستدرك من الاحاديث التي تتوفر في اسانيدها شروطهما ولم يخرجاها، واحاديث المهدي منها وما ذكرناه من العلماء الذين خرجوها وصححوا الكثير منها ما يكفي في رد هذا الاستدلال.
الثاني: ان بعض الاحاديث الواردة في المهدي او المتصلة به اتصالا لا يمكن فصمه موجودة في الصحيحين، كالحديث الذي رواه البخاري في كتاب بدء الخلق عن ابي هريرة قال: قال رسول اللّه (ص): كيف انتم اذا نزل ابن مريم فيكم وامامكم منكم ((١٩)).
وكالحديث الذي اخرجه مسلم في كتاب الايمان، باب نزول عيسى، عن جابر بن عبد اللّه الانصاري (رض) قال: لا تزال طائفة من امتي يقاتلون على الحق ظاهرين الى يوم القيامة فينزل عيسى بن مريم فيقول اميرهم: تعال صل لنا فيقول: لا، ان بعضكم على بعض امراء تكرمة لهذه الامة ((٢٠)).
وقد سمى هذا الامير في احاديث اخرى، والاحاديث يفسر بعضها بعضا، ومن عسى يمكن ان يكون هذا الامام الا المهدي (ع) كما شخصته الروايات المتواترة عن الرسول(ص) واهل بيته واصحابه.
وقد ساق من يعتد بهم في رواية الحديث اسماء خمسة وعشرين صحابيا اخرجت عنهم احاديث المهدي (ع). وقد الف العلامة المحدث احمد بن محمد بن الصديق الغماري المغربي المتوفى سنة ١٩٦٠م كتابا بعنوان: ابراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون، المسمى المرشد المبدي في فساد طعن ابن خلدون في احاديث المهدي(ع) وقد طبع هذا الكتاب بمطبعة الترقي بدمشق سنة ١٣٤٧ ه، وفي كتابه: علي بن ابي طالب امام العارفين اتهم ابن خلدون بان تشكيكه لم يكن الا تعصبا على اهل البيت (ع) فقال: وقد تحدث قبل ذلك عن احد العلماء وموقفه المتعصب على آل البيت (ع) وهو ابن تيمية: (ومثله في الخبث والنفاق ابن خلدون وان لم يكن عنده من الجراة ما يساعده على نفث ما في صدره والتصريح بكل ما يحمله من طيات جنبه) الى ان يقول: (ثم هو مع ذلك لا يجد سبيلا الى نفي فضيلة عن علي (ع) وآل بيته الاطهار او الصاق عيب وخطا بهم الا بادر الى ذلك كما صنع هنا وكما صنع في احاديث المهدي المنتظر (ع) فرارا من اثبات كون المجدد الذي يحيي اللّه به الدين آخرالزمان من آل علي (ع) وعلل ذلك (يعني ابن خلدون) بان آل البيت لم تبق لهم عصبية والملك لا يقوم الا بها)، ورد عليه هذا الراي ردا مفحما ((٢١)).

البحث الاول: المهدي المنتظر (ع) من عقائد اهل السنة

نص على ان الايمان بخروج الامام المهدي المنتظر (ع) من آل البيت من عقائد اهل السنة، او مما تواترت به الاخبار، او نص على صحتها عدد كبير من علماء اهل السنة،ولم يناقش في ذلك الا من لا شان له عندهم في علم الحديث كما تقدم. ومن هؤلاء: الحسن بن علي البربهاري الحنبلي المتوفى سنة ٣٣٩ ه، في عقيدته المثبتة ضمن ترجمته من كتاب طبقات الحنابلة لابن يعلى الحنبلي.
ومنهم ابو الحسين الابري السجستاني محمد بن الحسين المتوفى سنة ٣٦٣ ه، قال في كتابه مناقب الامام الشافعي:
(وقد تواترت الاخبار واستفاضت عن رسول اللّه(ص) بذكر المهدي (ع) وانه من اهل بيته). قال الشيخ مهيب البوريني في مقدمته نقل هذا عنه الامام ابن القيم في كتابه: المنار المنيف وسكت عنه (يعني انه لم يجد اعتراضا)، وكذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري م ٦ ص ٤٩٣، وفي تهذيب التهذيب في ترجمة محمد بن خالد الجندي نقله وسكت عليه، ومثلهما القرطبي في التذكرة في احوال الموتى وامور الاخرة. وابو الحجاج المزي في كتابه تهذيب الكمال والسيوطي في العرف الوردي ومرعي بن يوسف الكرمي كما نقل عنه صديق حسن في الاذاعة ((٢٢)). ومن هؤلاء ابن تيمية توفى سنة ٧٢٨ ه، فقد قال: ان الاحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي (ع) احاديث صحيحة رواها ابو داود والترمذي واحمد وغيرهم، ثم قال:وهذه الاحاديث غلط فيها طوائف، وذكر منهم من احتج بحديث اورده ابن ماجة عن النبي (ص) انه قال: لا مهدي الا عيسى بن مريم.
قال: وهذا الحديث ضعيف وقد اعتمد ابو محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه وليس مما يعتمد عليه ((٢٣)).
ومن هؤلاء احمد بن السرور بن الضياء الحنفي مفتي الاحناف في مكة في اجابته على سؤال وجه اليه سنة ٩٥٢ ه، والى المفتين الاخرين لبقية المذاهب السنية الاربعة:المالكي والشافعي والحنبلي لدى خروج متمهدي في الهند اسمه محمد بن يوسف الحسيني الجونيوري وادعى انه المهدي وان من انكره فقد كفر فاتبعه كثير من الناس فتنوا به حتى توفى سنة ٩١٠ ه، فافتى في الاجابة: بوجوب قمع هذه الطائفة اشد القمع لبطلان عقيدتهم بمخالفتها ما وردت به النصوص الصحيحة والسنن الصريحة التي تواترت الاخبار بها واستفاضت بكثرة رواتها من ان المهدي (ع) بظهوره في آخر الزمان يخرج مع سيدنا عيسى على نبينا وعليه افضل الصلاة والسلام، ويساعد سيدنا عيسى على قتل الدجال وان تكون له علامات قبل ظهوره منها خروج السفياني، وخسوف القمر في شهر رمضان وورد انه يخسف في شهر رمضان مرتين وكسوف الشمس في نصف رمضان على خلاف ما جرت به العادة عند حساب النجوم الخ...
وافتى فقيه المالكية محمد بن الحطاب المالكي المتوفى سنة ٩٥٤ ه، فقال: اعتقاد هذه الطائفة في الرجل الميت (كان قد توفي منذ ٤٢ عاما) انه المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان باطل للاحاديث الصحيحة الدالة على صفة المهدي وصفة خروجه وما تقدم من ذلك من الفتن، وذكر شيئا منها ثم قال:
وللاحاديث الدالة على كون المهدي يملك الارض الخ... وافتى فقيه الشافعية الشيخ احمد بن حجر الهيثمي الشافعي المتوفى سنة ٩٧٣ ه، فقال: اعتقاد هذه الطائفة باطل قبيح وجهل صريح وبدعة شنيعة وضلالة فضيعة ثم ذكر مستنده في ذلك، والاول منه: مخالفته لصريح الاحاديث المستفيضة المتواترة بانه من اهل بيت النبي (ص) وانه يملك الأرض شرقها وغربها ويملاها عدلا لم يسمع بمثله وانه يخرج مع عيسى (ع) فيساعده على قتل الدجال الخ...
وافتى فقيه الحنابلة يحيى بن محمد الحنبلي المتوفى سنة ٩٦٣ ه، فقال: لا مرية في فساد هذا الاعتقاد لما اشتمل عليه من مخالفة الاحاديث الصحيحة بالعناد، فقد صح عنه كما رواه الثقاة عن الرواة الاثبات انه اخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، وذكر مقدمات لظهوره وصفات في ذاته وامور تقع في زمانه من اعظمها ما لا يمكن لاحد دعوى انه وقع، وهو نزول عيسى (ص) في زمنه واجتماعه به وصلاته خلفه وخروج الدجال وقتله الخ... ((٢٤)).
ومن هؤلاء محمد السفاريني الحنبلي المتوفى سنة ١١٨٨ ه، قال في كتابه (لوامع الانوار البهية ج ٢ ص ٨٤): وقد كثرت الروايات بخروجه حتى بلغت حد التواتر المعنوي فالايمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند اهل العلم ومدون في عقائد اهل السنة والجماعة.
ومن هؤلاء محمد البرزنجي المتوفى سنة ١١٠٣ ه، قال في كتابه: (الاشاعة لاشراط الساعة ص ١١٢): (وقد علمت ان احاديث المهدي وخروجه آخر الزمان وانه من عترة رسول اللّه (ص) من ولد فاطمة (عليها السلام) بلغت حد التواتر المعنوي فلا معنى لانكارها).
ومنهم العلامة القاضي الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٠ ه، في كتابه: (التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح): قال بعد ان ساق الاحاديث الواردة في ذلك: (فتقرران الاحاديث الواردة في المهدي المنتظر (ع) متواترة). وقال: ان ما امكن الوقوف عليه من الاحاديث المرفوعة إلى رسول اللّه (ص) خمسون حديثا، واما الاثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي (ع) فهي كثيرة جدا، وقال: ان لها حكم الرفع اذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك.
ومنهم الشيخ صديق حسن القنوجي المتوفى سنة ١٣٠٧ ه، في كتابه: (الاذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة ص ١١٢)، قال: (والاحاديث الواردة في المهدي (ع)على اختلاف رواياتها كثيرة جدا تبلغ حد التواتر).
وقال (ص ١٤٥): (لا شك في ان المهدي (ع) يخرج آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام لما تواتر من الاخبار في الباب، واتفق عليه جمهور الامة خلفا عن سلف الامن لا يعتد بخلافه فلا معنى للريب في ذلك الفاطمي الموعود المنتظر المدلول عليه بالادلة بل انكار ذلك جراة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة حد التواتر). ومنهم الشيخ محمد جعفر الكتاني المتوفى سنة ١٣٤٥ ه، قال: (ان الاحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرة جدا تبلغ حد التواتر، وقد ذكرنا ذلك في مناقشته لابن خلدون) ((٢٥)). وقال الباحث السعودي الشيخ جاسم بن محمد الياسمين في تعريفه لكتاب البرهان في علامات مهدي آخر الزمان الذي قام بدراسته وتحقيقه قال: (تتاكد قضية المهدي باعتبارها قضية عقيدية من عقائد اهل السنة والجماعة، كما اشار الى ذلك السفاريني في لوامع الانوار، ولثبوت الاحاديث واستفاضتها حتى بلغت حد التواترالمعنوي المفيد للقطع واليقين بمجيء الموعود). وذكر الباحث المذكور في مقدمته (ان الشيخ علي بن حسام المشهور بالمتقي الهندي الحنفي صاحب كنز العمال) قد اورد في كتابه (البرهان) حشدا عظيما من الاحاديث والاثار في موضوع المهدي (ع) حتى بلغت (٢٧٤) مئتين واربعة وسبعين حديثا واثرا) ((٢٦)).
هذا ما يتصل بقضية المهدي (ع) بوصفها عقائدية لدى المسلمين من اهل السنة.
اما الشيعة الامامية الاثنا عشرية فان القضية لديهم، من حيث الموقع العقائدي، ومن حيث الاحاديث الواردة فيها، تتجاوز ذلك. فهي من حيث الموقع تتصل باصل من اصول الايمان لديهم وهو (الامامة). اما الاحاديث الواردة فيه فتتواصل رواياتها عن النبي (ص) والائمة الاثني عشر (ع) من اهل البيت عدا ما ورد عن الصحابة رضوان اللّه عليهم في ما يتصل به اسما وصفة ودورا وآباء واما وعلامات ودلائل امامة حتى تصل الى الالاف.
وقد احصى العلامة الباحث المحقق الشيخ لطف اللّه الصافي في كل باب ورد في الفصول: الاول والثاني والثالث والرابع من كتابه: (منتخب الاثر في الامام الثاني عشر) عدد ما اورده فيه من الاحاديث، وقد جمعت ما اشار اليه في هذه الابواب في الفصلين الاول والثاني والابواب الثلاثة من الفصل الثالث فكان مجموع الاحاديث المنتخبة مما رواه السنة والشيعة في ذلك (٥٣٠٣) (خمسة آلاف وثلاثمئة وثلاثة احاديث). ولكن القضية الهامة التي هي موضع الخلاف في ذلك بين المسلمين تتلخص في الاجابة عن السؤال التالي:
من هو المهدي؟ ومتى ولد؟
القدر الذي يشترك في الايمان به اغلب المسلمين، سنة وشيعة، ويشتركون في تخريج الروايات به، في شان الامام المهدي (ع)، هو انه رجل من اهل بيت النبي (ص) وانه من ذرية علي وفاطمة (ع)((٢٧)) يخرج في آخر الزمان وقد ملئت الارض ظلما وجورا فيملاها قسطا وعدلا، وان المسيح ينزل فيصلي خلفه في بيت المقدس ويجاهد معه ((٢٨)) وان اسمه اسم النبي (ص) (محمد) وانه يشبهه خلقا ((٢٩)).
وانه، لدى خروجه، يكون جبرائيل (ع) على مقدمته او عن يمينه وميكائيل (ع) على ساقته او عن يساره ((٣٠)) وان غمامة على راسه تظ للّه، وملك ينادي هذا المهدي خليفة اللّه فاتبعوه ((٣١)) وتطلع قبله مع الشمس آية((٣٢)).
ثم اختلفوا، بعد ذلك، في انه من ذرية الحسن او من ذرية الحسين((٣٣)).
واختلفوا في اسم ابيه ايضا، هل هو عبد اللّه او الحسن؟ وهل ان كنيته ابو عبد اللّه او ابو القاسم؟
اما غير الشيعة الامامية من المسلمين فقد اختلفوا على ثلاثة اقوال، فذهب بعض منهم الى القول بانه من ذرية الامام الحسن بن علي بن ابي طالب (ع) وان اسم ابيه عبد اللّه، وانه لم يولد بعد.
وذهب بعض آخر الى التوقف، وبعض ثالث وافق الشيعة وهم اهل الكشف ممن هم من اهل السنة اصلا، وقد اشار الى هذين القسمين الحافظ الفقيه ابو بكر البيهقي صاحب السنن المتوفى سنة ٤٨٠ ه، فقال: (اختلف الناس في امر المهدي فتوقف جماعة واحالوا العلم الى عالمه، واعتقدوا انه واحد من اولاد فاطمة بنت رسول اللّه (ص) يخلقه اللّه متى شاء يبعثه نصرة لدينه). وطائفة يقولون: ان المهدي الموعود ولد يوم الجمعة منتصف شعبان سنة ٢٥٥ ه، وهو الامام الملقب بالحجة القائم المنتظر محمد بن الحسن العسكري (ع)، وهو مختف عن اعين الناس، منتظر خروجه، وسيظهر فيملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، ولا امتناع في طول عمره وامتداد ايامه كعيسى بن مريم والخضر (ع) قال:ووافقهم عليه جماعة من اهل الكشف ((٣٤)) ونقل ذلك الى راي اهل الكشف ابن خلدون في النص الذي ذكرناه في صدر هذا البحث، وسنذكر جماعة من هؤلاء في ما سياتي.
ادلة الطائفة الاولى ومناقشتها: استدلت الطائفة الاولى على قولها بانه من ذرية الحسن بن علي بن ابي طالب (ع) بثلاث روايات:
الاولى: اخرجها نعيم بن حماد عن الاعمش عن ابي وائل قال:
نظر علي (ع) الى الحسن (ع) فقال: ان ابني هذا سيد كما سماه رسول اللّه (ص)، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملا الارض عدلا. ((٣٥))
والثانية: رواها تمام في فوائده وابن عساكر عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: يخرج رجل من ولد حسن من قبل الشرق لو استقبل بها الجبال لمهدها واتخذ فيها طرقا ((٣٦)).
والثالثة: اخرجها الترمذي في جامعه وابو داود في سننه عن ابي اسحاق السبيعي قال: قال علي (ع)، ونظر الى ابنه الحسن (ع)، فقال: ان ابني هذا سيد سماه رسول اللّه(ص) وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملا الارض عدلا ((٣٧)).
والروايات مناقشة سندا ومعارضة مضمونا؟
اما الاولى، فهي اولا، مروية عن عبد اللّه بن بحير الصنعاني المكنى بابي وائل، وحسبنا في اسقاطها ما نصوا عليه من كونه قاصا ((٣٨)) من جند معاوية، والقاصون بصورة عامة متهمون بعدم الدقة والتزيد بخاصة من كان منهم في عهد معاوية بالذات، فقد كانوا من جملة من اعتمدهم في تحريف الاحاديث بما يوافق اغراضه. قال ابن حبان عن ابي وائل: يروي العجائب التي كانها معمولة لا يحتج به ((٣٩)).
وثانيا: انها معارضة بروايات صحيحة كما ستراها في الاتي.
واما الثانية فهي غير مرفوعة، اولا، ومع غض النظر عن الكلام في عبد اللّه بن عمرو بن العاص، المناصر لمعاوية في صفين، فان راويها ابن لهيعة عبد اللّه بن عقبة الحضرمي ضعيف كما ذكر الذهبي ((٤٠)) وهو رواها عن ابي قبيل حي بن هاني المعافري. قال البخاري: فيه نظر. وقال احمد: احاديثه مناكير. ((٤١))
وراويها عن ابن لهيعة رشدين بن سعدين مفلح المهري ضعفه ابو زرعه وغيره، قال حرب: سالت احمد فضعفه، وقال ابن معين: لا يكتب حديثه ((٤٢)).

وهي، ثانيا، معارضة برواية عن ابي قبيل عن عبد اللّه بن عمر قال: يخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق لو استقبلته الجبال لهدمها واتخذ فيها طرقا. قال الكنجي الشافعي في البيان ص ٥١٣. رواه الطبراني وابو نعيم. واما الرواية الثالثة، فتناقش، اولا، بان السبيعي توفى سنة ١٢٩ ه والامام علي (ع) استشهد سنة ٤٠ ه، فلو حسبنا عمره من سنة مقتل الامام (ع) لكان ٨٩ عاما فكم يكون قد عاش اذا ليمكن له ان يرى الامام (ع) ويسمع منه ويحفظ عنه، ولو اخذنا بقول من روى ان ولادته كانت في عهد عثمان، ولا بد من ان يكون في آخرها ان صحت هذه الرواية، فان عمره عند عهد الامام (ع) حتى في آخره مما لا يقبل معه ان ينقل عنه شيئا لذلك نص المنذري على انه حديث منقطع.
ثانيا: ان السبيعي اختلط في آخر عمره، ومن حاول نفي الاختلاط عنه نص على انه شاخ ونسي ((٤٣)) وقد يكون وضع اسم الحسن (ع) مكان اسم الحسين (ع) بسبب ذلك. ثالثا: ان هذا الحديث عن السبيعي معارض بنقل آخر عن السبيعي يذكر فيه اسم الحسين (ع) مكان اسم الحسن (ع) ففي الجمع بين الصحاح السنة عن ابي اسحاق السبيعي قال: قال علي (ع) ونظر الى ابنه الحسين (ع): ان ابني هذا سيد كما سماه رسول اللّه (ص) وسيخرج اللّه من صلبه رجلا باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملا الارض عدلا . روى ذلك عن ابي اسحاق صاحب مشكاة المصابيح ((٤٤)). ((٤٥))
رابعا: من الممكن ان تكون هذه الروايات من وضع دعاة محمد بن عبد اللّه بن الحسن المثنى المكنى بابي عبد اللّه والذي لقب نفسه او لقبوه بذي النفس الزكية ((٤٦))، فقد كان يتغيب ويستخفي، ويدعي المهدوية، وقد اعلن شاعر من اتباعه ذلك فقال: ان الذي يروي الرواة لبين اذا ما ابن عبد اللّه فيهم تجردا ((٤٧))
وتدل اقواله ومواقفه مع الامام الصادق جعفر بن محمد (ع) وقتله لاسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر، وكان شيخا في التسعين، حين ابيا مبايعته ((٤٨)) على انه قليل الورع لا يستبعد عليه الادعاء والوضع، وقد ثار محمد هذا في المدينة المنورة ولم يجاوزها حتى قتل في عهد ابي جعفر المنصور سنة ١٤٥ ((٤٩)).
وربما كان دعاته ايضا وراء اضافة (اسم ابيه اسم ابي او كنيته ابو عبد اللّه).
وربما شاركهم في هذه خاصة دعاة ابي عبد اللّه محمد بن عبد اللّه المنصور الملقب بالمهدي، وهو ثالث الخلفاء العباسيين، فقد ادعيت له المهدوية ايضا ووضعت لصالح دعواه كما هو في الحسني احاديث تجعل المهدي من ذرية العباس كالذي اخرجه نعيم بن حماد عن كعب قال: المهدي من ولد العباس ((٥٠)).
وكالذي رواه الدار قطني في الافراد وابن عساكر في تاريخه عن عثمان بن عفان قال: سمعت النبي (ص) يقول: المهدي من ولد العباس عمي ((٥١)).
وقد نصوا على ضعفهما وسقوط قيمتهما ((٥٢)) واعرضوا عمليا عن اعتبارهما.
ان وضع هذه الاحاديث التي تنسب المهدي (ع) الى الحسن السبط (ع) او الى العباس (رض)، ثم تحريف الحديث النبوي الاخر بعد قوله (ص) (واسمه اسمي) باضافة واسم ابيه اسم ابي او وكنيته ابو عبد اللّه، لا يستبعد على من يجزؤ على ادعاء المهدوية، فهذا الوضع وهذا التحريف من شانيهما ان يقربا تطبيق الرواية على كل منهمالدى العامة من الناس من جهات:
١ من خلال الجد البعيد ٢ من خلال الاب ٣ من خلال الكنية.
والدليل على ذلك ما ذكرناه من ضعف اسانيد نسبته للحسن (ع) ونسبته للعباس ومعارضتهما باحاديث صحيحة متواترة عن الرسول (ص) واهل البيت (ع). كما سياتي.
اما تحريف الحديث الاخر، بادخال الزيادة التي اشرنا اليها فيه، فيدل عليه ان الاحاديث التي رواها الترمذي في جامعه وابو داود في سننه والنسائي في سننه واحمد في مسنده والبيهقي في سننه والطبراني في معجمه وابو عمرو المقرى في سننه والحافظ ابو نعيم خالية من هذه الزيادة، وقد رويت عن عبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه بن عمرو ابي هريرة بطرق كثيرة كالذي روي عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه (ص): (لا تنقضي الايام ولا يذهب الدهر حتى يملك رجل من اهل بيتي اسمه يواطئ اسمي) وفي صيغة اخرى عن عبد اللّه بن مسعود قال: قال رسول اللّه (ص): (لا تقوم الساعة حتى يلي الارض رجل من اهل بيتي اسمه اسمي). وقد اورد الحديث الاول الامام احمد بن حنبل في مسنده في عدة مواضع ١٩٩: ٥ رقم ٣٥٧٢/٣٥٧٣ وفي ٦: ٧٤ رقم ٤٠٩٨ و٦: ١٣٩ رقم ٤٢٧٩.
وقال الشيخ احمد شاكر في تعليقه على المسند عقب كل رواية: اسناده صحيح.
واخرج الحديث الثاني الحافظ ابو بكر البيهقي واخرجه الترمذي في سننه بطريقين احدهما عن ابي هريرة ٦: ٤٨٦ بلفظ يلي رجل من اهل بيتي.
وقال: حسن صحيح ((٥٣)).
وكالذي روى عن عبد اللّه بن مسعود ايضا قال: قال رسول اللّه (ص): (لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من اهل بيتي (وفي الترمذي حتى يملك العرب رجل) يواطئ اسمه اسمي يملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما).
وقد اخرجه الطبراني في معجمه الصغير ٢/١٤٨ وابو داود في سننه والترمذي في جامعه، وقال: حديث حسن صحيح.
ويؤيد ذلك ان الحافظ ابا نعيم الاصفهاني قد احصى، كما نقل ذلك الحافظ محمد بن يوسف بن محمد القرشي الكنجي الشافعي رحمه اللّه، طرق الحديث عن الجم الغفيرفي مناقب المهدي (ع) كلها عن عاصم بن ابي النجود عن عبد اللّه عن النبي (ص) ذكر منها الكنجي ٣٣ طريقا الاكثر الغالب منها له طرق شتى. ورواه غير عاصم عن زرايضا وهو عمر بن مرة.
وكل هذه الطرق روت ان الرسول (ص) قال في الحديث:
(اسمه اسمي) من دون زيادة الا ما كان من عبيداللّه بن موسى عن زائدة عن عاصم فانه اضيف فيه (واسم ابيه اسم ابي). وبمقارنة (٣٤) طريقا خالية من هذه الزيادة الى طريق واحد يثبتها يتضح لنا سقوط هذا الطريق من الاعتبار مقابلها من دون شك ((٥٤)) مع ما قدمناه من دواع منطقية للاتهام في وضع هذه الزيادة ووضع (وكنيته ابو عبد اللّه) كذلك بالدليل نفسه، وان وردت منفردة عن تلك في بعض الاخبار.
قالوا: وربما كانت له كنية اخرى عدا الكنية التي عرف بها، وهي (ابو القاسم)، والتي وردت في الحديث عن عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه (ص): (يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته ككنيتي يملا الارض عدلا كما ملئت جورا) ((٥٥)) قول اخرجه سبط ابن الجوزي عن عبد العزيز بن محمود بن البزاز((٥٦)).
وفي الشفاء للقاضي عياض رحمه اللّه: ان كنيته ابو القاسم وانه جمع له بين كنية النبي (ص) واسمه.
وجمع بعضهم له بين الكنيتين، قال سبط ابن الجوزي: وكنيته (ابو عبد اللّه وابو القاسم) ((٥٧)) وبذلك نغنى عن التوجيه المتكلف الذي حاوله بعضهم في توجيه (واسم ابيه اسم ابي)كمحمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول والكنجي في البيان ونقله الشيخ المجلسي في البحار.
الامام المهدي من ولد الحسين (ع)
بعد مناقشة الاحاديث الواردة في ان المهدي (ع) من ذرية الامام الحسن بن علي بن ابي طالب (ع)، وان اباه هو عبد اللّه، وبيان ضعفها اسنادا وما يحتمل ان يكون من اسباب لوضعها وبيان معارضتها باحاديث اخرى عن الرواة انفسهم، نعود مرة اخرى لنؤكد ان عددا من حفاظ السنة ومحدثيها رووا عن الرسول (ص) احاديث اخرى تصرح ان المهدي (ع) من ذرية الحسين (ع) او انه التاسع من ولد الحسين او انه الثاني عشر من ائمة اهل البيت (ع) فيكون من ولد الحسين ايضا لان تسعة منهم من ولده.فمن احاديث الطائفة الاولى ما رواه المقدسي السلمي الشافعي وقال: اخرجه الحافظ ابو نعيم الاصفهاني في صفة المهدي (ع) ونقل الشيخ مهيب البوريني محقق الكتاب ان السيوطي ذكره في الحاوي ٤/٦٣ وابن القيم فيالمنار المنيف ص ١٤٨ عن حذيفة رضي اللّه عنه قال: خطبنا رسول اللّه (ص) فذكرنا بما هو كائن ثم قال: لو لم يبق من الدنيا الا يوم لطول اللّه ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من ولدي اسمه اسمي، فقام سلمان رضي اللّه عنه فقال: يا رسول اللّه من اي ولدك هو؟ قال: هو من ولدي هذاوضرب بيده على الحسين (ع) ((٥٨)).
ومنها ما روي عن ابي هارون العبدي عن ابي سعيد الخدري رحمه اللّه قال: قلت له: هل شهدت بدرا، فقال: نعم. فقلت: الا تحدثني بشيء مما سمعته في علي (ع) وفضله فقال: بلى اخبرك ان رسول اللّه (ص) مرض مرضة نقه منها فدخلت عليه فاطمة (عليها السلام) تعوده وانا جالس عن يمين رسول اللّه (ص) فلما رات ما في رسول اللّه (ص) من الضعف خنقتها العبرة حتى بدت دموعها على خدها، فقال لها رسول اللّه (ص): اما يكفيك يا فاطمة، اما علمت ان اللّه تعالى اطلع على الارض اطلاعة، فاختار منها اباك فبعثه نبيا، ثم اطلع ثانية فاختار منها بعلك فانكحته واتخذته وصيا. ثم عدد لها الرسول ما انعم اللّه به على اهل البيت من الفضل (ذكر ذلك ابو سعيد) قال: ثم قال:ومنا مهدي الامة الذي يصلي عيسى خلفه. ثم ضرب على منكب الحسين (ع) فقال: من هذا مهدي الامة. قال: اخرجه الدارقطني صاحب الجرح والتعديل ((٥٩)).
وروى الكنجي، المتوفى سنة ٦٥٨ ه، باسناده عن الاعمش عن زر بن حبيش عن حذيفة قال: قال رسول اللّه (ص): لو لم يبق من الدنيا الا يوم لبعث اللّه رجلا اسمه اسمي وخلقه خلقي يكنى ابا عبد اللّه يبايع له الناس بين الركن والمقام يرد به اللّه الدين ويفتح له فتوحا فلا يبقى على ظهر الارض الا من يقول (لا اله الا اللّه)، فقام سلمان فقال: يا رسول اللّه من اي ولدك هو؟ قال: من ولد ابني هذا وضرب بيده على الحسين (ع) ((٦٠)). وروى السلمي عن علي (ع) حديثا طويلا عن الامام المهدي وما بين يديه من علامات وعن خروجه وصفاته ومما قال فيه:
انه من ولد فاطمة (ع) من ولد الحسين(ع)((٦١)).
ومن احاديث الطائفة الثانية ما رواه العلامة الحلي، في كشف اليقين، نقلا عن مسند احمد بن حنبل، ان الرسول (ص) قال للحسين (ع): هذا ابني، امام اخو امام ابو ائمة تسعة تاسعهم ((٦٢))، ما نقله صدر الائمة ابو المؤيد الموفق بن قائمهم احمد المكي الحنفي المتوفى سنة ٥٦٨ ه سنده عن سليم بن قيس الهلالي عن سلمان رضي اللّه عنه قال: دخلت على النبي (ص) واذا بالحسين (ع) على فخذه وهو يقبل عينيه ويلثم فاه ويقول: انك سيد ابن سيد ابو سادة، انك امام ابن امام ابو ائمة، انك حجة ابن حجة ابو حجج تسعة، تاسعهم قائمهم ((٦٣)). وروى ايضا، في مناقب علي بن ابي طالب (ع) عن الحسين (ع) قال: دخلت على جدي (ص) فقال: ان اللّه اختار من صلبك يا حسين تسعة ائمة تاسعهم قائمهم وكلهم في الفضل والمنزلة عند اللّه سواء ((٦٤)).
ونقل صاحب الينابيع عن الموفق بن احمد ايضا، بسنده عن وائلة بن الاسقع، عن جابر بن عبد اللّه الانصاري رواية اخرى مماثلة ((٦٥)).
وروى شيخ الاسلام ابراهيم بن محمد الجويني الشافعي، المتوفى سنة ٧٢٠ ه، بسنده عن الامام علي بن موسى الرضا (ع) عن آبائه عن رسول اللّه (ص) قال في حديث طويل منه: (والحسن والحسين اماما امتي بعد ابيهما وسيدا شباب اهل الجنة وامهما سيدة نساء العالمين، وابوهما سيد الوصيين ومن ولد الحسين (ع) تسعة ائمة تاسعهم القائم من ولدي طاعتهم طاعتي) ((٦٦)). وبسنده عن سليم بن قيس بن علي (ع) قال: ان عليا (ع) قام في احد المواقف في المهاجرين والانصار فقال: انشدكم اللّه اتعلمون ان رسول اللّه (ص) قام خطيبا لم يخطب بعد ذلك فقال: ايها الناس اني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي اهل بيتي فتمسكوا بهما لن تضلوا فان اللطيف الخبير اخبرني وعهد الي انهما لن يفترقا حتى يرداعلي الحوض ((٦٧)) ثم ذكر رجلا سماه قام شبه مغضب فقال: يا رسول اللّه اكل اهل بيتك فقال: لا. ولكن اوصيائي اولهم اخي ووزيري ووارثي وخليفتي في امتي وولي كل مؤمن بعدي ثم ابني الحسن ثم ابني الحسين ثم تسعة من ولد الحسين واحدا بعد واحد حتى يردوا علي الحوض. هم شهداء اللّه في ارضه، وحجته على خلقه، وخزائن علمه ومعادن كلمته من اطاعهم اطاع اللّه ومن عصاهم عصى اللّه. وروى القندوزي الحنفي عن مجاهد عن ابن عباس حديثا مماثلا ((٦٨)).
الطائفة الثالثة: روى الامام مسلم في صحيحه (في كتاب الامارة) بسندين عن عامر بن سعد عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول اللّه (ص) يوم جمعة، عشية رجم الاسلمي، يقول: لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة او يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش ((٦٩)).
وروى الامام البخاري في صحيحه في (كتاب الاحكام) بسنده عن جابر بن سمرة: يكون اثنا عشر اميرا. فقال كلمة لم اسمعها فقال ابي: انه قال: كلهم من قريش ((٧٠)).
ورواه الترمذي بسندين مع اضافة (من بعدي) بعد كلمة يكون ((٧١)). وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن مسروق قال:
كنا جلوسا ليلة عند عبد اللّه يقرئنا القرآن فساله رجل فقال: يا ابا عبد الرحمن هل سالتم رسول اللّه (ص) كم يملك الامة من خليفة؟ فقال عبد اللّه: ما سالني عن هذا احد منذ قدمت العراق قبلك قال: سالناه فقال:اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل، والحديث رواه كل اصحاب الصحاح والسنن ((٧٢)) والمسانيد والمعاجم الحديثية ولم يختلفوا في صحته. وقد اظهرت محاولات تطبيقه على الخلفاء الذين حكموا الامة وقادوها سياسيا كالخلفاء الاربعة ثم الحسن ثم خلفاء بني امية وبني العباس عجزا واضحا من حيث العدد ومن حيث الصفة ومن حيث الاثر بالنسبة للدين والامة. واذا امكن لدى اصحاب هذه المحاولات ادخال الخلفاء الاربعة ثم الحسن فمن هم الاخرون؟ ان السير حسب التسلسل التاريخي لا ياتي الاشكال فيه من انتهاء هذا العدد قبل انتهاء الخلفاء الامويين فقط بل سيدخل من لا يمكن ان يكون من حيث الصفة والاثر بالنسبة للدين والامة مقصودا اجماعا فان تشبيههم بنقباء بني اسرائيل ليس لبيان العدد، فقد ذكر في الحديث: وانما هو اشارة إلى جنبة علم وهدى سماوي يكونون فيه امتدادا للرسول (ص) فان نقباء بني اسرائيل لهم مثل هذه الصفة كما يفهم من قوله تعالى: (ولقد اخذنا ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا) [المائدة: ١٢].
ومما يؤكد ان هذه الاشارة هي المقصودة من قبل النبي (ص) ما بينه في الروايات الاخرى من الاثر الواقعي لوجود هؤلاء الخلفاء في حياة الدين والامة، ففي رواية اوردها مسلم في صحيحه قال (ص): (لا يزال هذا الدين عزيزا)، وفي اخرى: (لا يزال الاسلام عزيزا)، وفي رواية ثالثة: (لا يزال الدين قائما) وفي خامسة وسادسة:(لا يزال امر الناس ماضيا) ((٧٣)). وبالربط بين ما تشير اليه هذه الروايات وبين واقع الخلفاء السياسيين امويين وعباسيين على المستوى الشخصي او الأمر المتصل بالسياسة العامة للدولة، من حيث علاقتها بالقيم والاحكام الاسلامية، يبدو لنا بوضوح ان لا مجال لانطباق هذه الاوصاف عليهم.
ومن البين ان هذه الاوصاف تشبث ان خلافة هؤلاء الخلفاء الاثنى عشر خلافة هدى وعلم قبل كل شي ء، وان كان لا ينافيها ان تجمع اليها الخلافة السياسية بل ذلك هو المفروض استحقاقا، لكن امامتهم لا تتوقف عليها الا بمقدار فقدانهم فيها وسيلة في التنفيذ والايصال. بدليل رجوع الامة الى هؤلاء الائمة وافادتها منهم بما جعل الدين قائما كما مر في الروايات. ان عزة الدين ومضي امر الامة بهؤلاء الائمة يتصل من دون شك بجانب الهدى والعلم والقدوة الممثلة لهما نظريا وعمليا بوصفهم امتدادا للرسول (ص) كامتداد النقباء الاثنى عشر عن موسى (ع) واين خلفاء بني امية وبني العباس من ذلك؟.
ثم ان الرسول (ص) حدد هؤلاء بهذا العدد (اثني عشر) لما بينه وبين الساعة كما هو مفاد رواية صحيح مسلم: (ان هذا الامر لا ينقضي)، وهو يعني بقاء امامتهم كل هذه المدة مهما طالت لانهبقاء الرسالة من خلال شاهدها التالي. وذلك ما لا يتطابق مع واقع الخلفاء السياسيين الذين جاءوا بعد الرسول (ص) من امويين وعباسيين نظريا وواقعيا فهم لا اكثر من حكام زمنيين تتحدد امامتهم الواقعية بمدة حكمهم، فضلا عن عدم تطابق العدد والصفة.
ولا شك في ان الانتقاء بالصورة التي قام بها بعض الاعلام ليقدم بها مصداقا واقعيا للحديث محاولة بائسة تكشف عن عجز وان التحكم فيها واضح لدرجة يعجب المرء كيف يمكن ان تطرح من قبل اولئك العلماء ((٧٤)).
ولعل خير تفسير لها ما رآه استاذنا الحكيم في قوله: (ولعل حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الاحاديث وملاءمتها للواقع التاريخي كان منشاها عدم تمكنهم من تكذيبها، ومن هنا تضاربت الاقوال في توجيهها وبيان المراد منها) ((٧٥)).
لقد ادخل بعض العلماء الذين حاولوا تطبيق الحديث بالصورة التي ذكرناها سابقا الامام عليا والحسن والمهدي (ع) ولكن من هم الاخرون؟
ان الدليل النظري الذي تتسق شواهده ويتطابق مع الواقع التاريخي قائم بوضوح، يتمثل في خط يتبناه بعض الامة، فاذا ما التفتنا الى ما اشرنا اليه من التشبيه بنقباء بني اسرائيل من جهة والى ما ذكر من آثار واقعية لامامتهم بالنسبة للدين والامة والى امتداد هذه الامامة الى قيام الساعة، وربطنا ذلك بحديث الثقلين ((٧٦)) الذي يقول فيه الرسول (ص): (اني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه واهل بيتي ((٧٧)) وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) ((٧٨))، وبحديث سفينة نوح الذي يقول فيه الرسول(ص): (مثل اهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ((٧٩))، وانما مثل اهل بيتي فيكم مثل باب حطة بني اسرائيل من دخله غفر له) ((٨٠))، وحديث (اهل بيتي امان لامتي من الاختلاف) ((٨١)). واذا عرفنا انه لا يوجد في التاريخ الاسلامي لدى اي فئة من الامة واقعيا خلفاء وائمة في الهدى والعلم تنطبق عليهم هذه الصفات وبهذا العدد الا الائمة الاثنى عشر من اهل البيت (ع) من الامام علي (ع) إلى الامام المهدي (ع) فانه لا يبقى امامنا مجال لرؤية اي مصداق آخر سواهم للائمة في هذا الحديث او يبقى الحديث من دون مصداق وذلك ما لا يمكن ان يكون.
ان الحديث يحمل بنفسه شاهدا مضافا على صدقه وصحة صدوره عن الرسول (ص) عدا الحكم بصحة اسناده من قبل جميع علماء الحديث وانه من شواهد النبوة لانه كان ماثورا في بعض الصحاح والمسانيد ((٨٢))، قبل ان يكتمل عدد الائمة الاثني عشر من اهل البيت فلا يحتمل ان يكون من الموضوعات كما يتصور بعضهم مخطئا بعد اكتمال العدد المذكور ((٨٣)).
ان بعض المحدثين والحفاظ، من اهل السنة، ذكروا روايات تتسق في دلالتها مع ما ذكرناه من كون هؤلاء الخلفاء هم الائمة من اهل البيت (ع) قدمنا منها بعضا ونقدم هنا بعضا آخر، ومن هؤلاء الحافظ ابو نعيم المتوفى سنة ٤٣٠ ه.
فقد روى بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (ص): (من سره ان يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليوال عليا من بعدي وليوال وليه وليقتد بالائمة من بعدي فانهم عترتي خلقوا من طينتي رزقوا فهما وعلما، وويل للمكذبين بفضلهم من امتي القاطعين فيهم صلتي لا انالهم اللّه شفاعتي) ((٨٤)). وروى ابو المؤيد الموفق بن احمد الخوارزمي الحنفي، المتوفى سنة ٥٦٨ ه، بسنده عن علي (ع) عن رسول اللّه (ص) قال: (الائمة من بعدي اثنا عشر اولهم انت يا علي وآخرهم القائم الذي يفتح اللّه على يديه مشارق الارض ومغاربها) ((٨٥)).
وروى شيخ الاسلام المحدث ابراهيم بن محمد الجويني الشافعي المتوفى سنة ٧٢٠ ه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ان رسول اللّه (ص) قال: (ان خلفائي واوصيائي وحجج اللّه على الخلق من بعدي اثنا عشر اولهم علي (ع) وآخرهم المهدي (ع)) ((٨٦)).
وروى ايضا عن عباية بن ربعي عن ابن عباس: ان الرسول (ص) قال: (انا سيد النبيين وعلي سيد الوصيين وان اوصيائي بعدي اثنا عشر اولهم علي (ع) وآخرهم المهدي (ع)) ((٨٧)). وبذلك يكون المهدي ليس فقط من ذرية الحسين (ع) لا من ذرية الحسن (ع) بل يتشخص بالامام محمد بن الحسن العسكري (ع) الثاني عشر بين ائمة اهل البيت، وذلك لا ينفي الروايات التي جعلت اباه عبد اللّه فقط، بل ينفي ما اثير من شكوك حول ولادته، ثم ينفي اقتطاعه عن سلسلة الاوصياء من آبائه، فالمهدي الذي اثبتت روايات المسلمين له من المكانة ما يجعل المسيح ياتم به ويصلي خلفه وما يكون بها جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله هو ابن الاوصياء الاحد عشر الذين هم امتداد لرسول اللّه (ص) في العصمة العلمية والعملية التالين له في المكانة، وبذلك فان منزلته وصفاته وخصائصه ليست مفصولة عن خصائص آبائه وصفاتهم.
ان كثيرا من الامة انما ترفض امامة الائمة (ع) بالصورة التي يثبتها لهم الامامية بحكم الادلة بدعوى ان ما يعطى لهم من خصائص وصفات تكاد تكون نبوة جديدة، ولكن هذا يبطله انهم في طول الرسول (ص) وبعده امتداد له وهداة وشهود لرسالته وان النبوة التي ختمها اللّه بمحمد (ص) انما هي النبوة بالمعنى الاصطلاحي تلك التي تؤسس دينا وتنسخ بدليل اثبات هذه الخصائص للامام المهدي (ع) اجماعا دون اشكال.

البحث الثاني: موقع الامام المهدي (ع) من الرسالة ومن حديث الائمة الاثنى عشر

بين يدي البحث: في نظرية الامامة

لكي تاخذ الاحاديث الواردة عن الائمة من اهل البيت (ع) في المهدي المنتظر (ع) موقعها في الاستدلال، لا بد من الحديث بايجاز عن نظرية الامامة لدى الامامية الاثني عشرية فنقول: ان الثابت لديهم بصورة قاطعة بادلتهم المفصلة في علم الكلام: ان الائمة الاثنى عشر من اهل البيت (ع) المعروفين تاريخيا، من علي (ع) حتى المهدي (ع)، هم خلفاء الرسول (ص) بالمعنى الكامل لهذه الخلافة لا يكادون يختلفون عنه الا بما استثني من النبوة بمفهومها الذي يعني تاسيسا لرسالة اخرى تنسخ الرسالة السابقة فتبقي منها، وتضيف اليها ما شاء اللّه لهذا النبي ضمن مرحلته التاريخية. فان ذلك مما لا مجال لاحد ان يدعيه بعد رسول اللّه محمد (ص) حتى القيامة بحكم قوله تعالى:(وخاتم النبيين) [الاحزاب: ٤٠]، وقوله (ص):
(لا نبي بعدي) ((٨٨))، وباجماع المسلمين. لقد ختم اللّه النبوة بمحمد (ص)، واكمل الدين الذي ارتضاه لخلقه برسالته، وذلك هو ما يقتضيه مقامه، بوصفه سيدا لخلق اللّه مبدا ومعادا، فلا ينبغي ان يسبقه سابق، او يلحقه لاحق، ولهذا كان من سبقه من الانبياء تقدمة بين يديه يمهدون له، ويبشرون به، وبرسالته. واذا كانت النسبة بينهم تسمح بان يكون بعضهم مستقلا عن بعض،بحيث ينسخ اللاحق بعض احكام شريعة السابق بحكم تدرج تلك الرسالات كمالا تبعا للمرحلة، فان من ياتون بعد الرسول محمد (ص) لا يمكن ان يكونوا كذلك بحكم مكانته وكمال رسالته، لذلك كانوا رغم مكانتهم التي تساوي ان لم تفضل مكانة اولئك الانبياء خلفاء لا انبياء. انهم اوصياء له يمتدون عنه، علما، وهدى، ودعوة. لذلك كانوا بعض قواعد الرسالة. ودعائمها الاساس ورغم ان التاكيد على ذلك رافق الرسالة منذ مولدها قولا وعملا فان الاعلان العام النهائي تم من قبل الرسول (ص)في حجة الوداع في غدير خم، وفي تلك المناسبة نزل قوله تعالى: (اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الاسلام دينا) [المائدة: ٣].
وقد نستطيع ان ندرك معنى ذلك حين نلتفت الى ان حاجة الناس الماسة للحجة، او الامام المعصوم، لا تنقطع، وذلك ما يؤكده العقل والنقل ((٨٩)) وملاحظة الواقع،وان كون القرآن تبيانا لكل شيء انما صح بتاصيله لسنة الرسول (ص) في قوله تعالى: (ما ينطق عن الهوى، ان هو الا وحي يوحى)[النجم: ٣ و٤]، وقوله تعالى: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [النساء: ٥٨].
ثم بتاصيله لسنة (اولي الامر) بعده بادلتها التالية فادخلهما بذلك ضمن تبيانه والا فمن الثابت انه من دونهما ليس كذلك.
ومع واقع ختم النبوة بمحمد (ص) والتحاقه كما شاء اللّه بالرفيق الاعلى فان ما يبقى هو امتداده، وخلفاؤه ((٩٠)). لذلك كان التعريف العام النهائي بها والذي تاخربحكم تاخر مرحلته، هو ما اكمل اللّه به الدين واتم النعمة كما جاء في الاية المنزلة بعد واقعة غدير خم ((٩١)).
ان الاوصياء من ائمة اهل البيت (ع) حملة الرسالة وشهودها مع الرسول (ص) وبعده على الحد الذي اشار اليه قوله تعالى:
(افمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهدمنه)[هود: ١٧] . ((٩٢))
ان كونهم في طوله، ويتلونه مقاما بحكم انتسابهم اليه هدى وعلما لا ينفي ان تكون سنتهم في عرض سنته لانهم منه.
فانه لا بد لهذا الشاهد الذي يتلوه منه لكي يكون حجة وتكون شهادته شاملة بعد خاتم الانبياء تتناول ابعاد الرسالة، وعمقها، وليواجه فيها كل المجتمعات، وكل الحوادث في جميع الازمنة والظروف، من ان يكون محيطا بالرسالة موصولا بالعلم اللدني مضافا للعلم الموروث، لان ذلك هو معنى الخلافة الكاملة كما تثبته جميع ادلتها النظرية. بل هو ما صرح به الائمة من اهل البيت (ع) فقد شبهوا انفسهم بالخضر وذي ((٩٣)) وهما ليسا نبيين لكنهما يتلقيان علما سماويا القرنين عن اللّه بنص القرآن الكريم. ولا بد لهذا الشاهد التالي، ايضا، من ان يكون معصوما، لان التمثيل الكامل لا يتم من دون ذلك عمليا، ولان العصمة من آثار المعرفة الشاملة الموصولة وآثار الحضور الذي يلازمها، وهو يعني الشعور العميق الدائم بمعنى (وهو معكم اينما كنتم) [الحديد: ٤]، وهما لا ينفصلان عن سمو الذات من حيث مقامها مبدا ومعادا، واختيار العالم لما علمه يقينا، وانصراف هواه إليه ليس جبرا كما هو واضح.
وهو اشكال يثار كثيرا عند الحديث عن العصمة لدى الأنبياء والاوصياء.
وفي الايات الكريمة التي تشير الى اصطفاء البيوت النبوية نسبيا ثم اصطفاء من يضطلع بالرسالة والامامة من داخل هذه البيوت((٩٤)) وفي ا يدل عليه حديث الكساء ونزول آية التطهير((٩٥)) وآية المباهلة وغير ذلك مما يتصل باهل بيت النبي (ع) بالمعنى الاخص ما هو كاف في البرهنة على ذلك، وبذلك نستطيع ان ندرك معنى ان تحصر الولاية باللّه ورسوله وبشخص عطف عليهما وعين بالفعل والحالة والنص في قوله تعالى: (انما وليكم اللّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) [المائدة: ٥٥] ((٩٦)). وندرك ايضا معنى ان يامر اللّه تعالى بطاعة (اولي الامر) بصورة مطلقة معطوفين على اللّه ورسوله في قوله تعالى: (اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولي الامر منكم)[النساء: ٥١]. وما كان ذلك ليكون لولا العصمة، لان فيه مناقضة واضحة للعقيدة، والتشريع، ان الامر باطاعة (اولي الامر) مطلقا اذا لم يكونوا معصومين يعني حمل الاسلام لنقيضه على عمد. وتبدو محاولة بعض المفسرين لتصحيح ذلك بالقول: ان اطلاق الامر في الاية مقيد بما هو المعلوم من خارجها من انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق: اتهام لبلاغة القرآن، واحكام آياته وممن راى عدم امكان الاخذ باطلاق الامر بالطاعة في الاية وراى ان المقصود امراء الحق الزمخشري ((٩٧))، وممن راى دلالتها على عصمة (اولي الامر)، وحاول ابعادها عن الائمة من اهل البيت (ع) وتطبيقها على اهل الاجماع الفخر الرازي ((٩٨)). وقد ناقشه بقوة واصالة وبين وجوه الخطا والمغالطة في كلامه استاذنا الحجة السيد محمد تقي الحكيم حفظه اللّه بما لم يبق معه مجال للنظر الى ما اثاره من اشكال ورآه من تطبيق آخر للاية ((٩٩)). ومما يؤيد القول بان المقصود بها الائمة من اهل البيت (ع) دون غيرهم قول الرسول (ص) المتواتر: (من كنت مولاه فعلي مولاه) ((١٠٠)) وقوله (ص) المتفق على صحته: (علي مني بمنزلة هارون من موسى)((١٠١)) وقوله (ص): (انا مدينة العلم وعلي ((١٠٢)) وقوله الذي قدمنا الحديث عنه، وهو متفق على بابها) صحته في ان (الائمة من بعده اثنا عشر) ((١٠٣)) وحديث الثقلين الصحيح والمتواتر معا، وقد اشرنا الى ذلك في البحث الاول ففيه جعل الرسول (ص) التمسك بالقرآن واهل البيت (ع) عاصمامن الضلالة، وهو ما لا يتصور بحال من دون ان يكونوا معصومين وفي قوله في الحديث نفسه (فانهما لن يفترقا) (يعني الكتاب واهل البيت) حتى يردا علي الحوض: اشارة واضحة لهذه العصمة علميا، وتؤكد احاديث اخرى كثيرة هذا المعنى نفسه.
ويتطابق الدليل النظري الذي اشرنا اليه، وهو متسق دلالة في الايات والروايات، مع الواقع التاريخي لهؤلاء الائمة الاثنى عشر من اهل البيت (ع): دعوى وخلقا وعلما،وعملا، وآثارا، ويتطابق عددا كذلك ((١٠٤)) بحيث لا مجال للمقارنة لان ترى في هذه النصوص عدا نظرية الامامة بالمعنى الذي ذكرناه ولا مجال لان ترى لها مصداقا غيرهم.
وفي ضوء ذلك وهو ما اردناه من الحديث الموجز عن نظرية الامامة لدى الامامية الاثنى عشرية نخلص الى امرين هامين جدا بالنسبة الى هذا البحث:
اولهما: ان قضية الامام المهدي (ع)، بحكم كونه احد الائمة الاثنى عشر، تتصل بالايمان بالرسالة، بوصفها جزءا اصيلا منها، وليس فقط من جهة صحة الاخبار وتواترها عنه، ولذلك فالحديث عنه وبلورة ما يساعد على فهم ما يتصل به تاريخيا من بعض الجهات الغامضة، كاخفاء ولادته الا عن الخاصة وغيبته الصغرى والكبرى وسرهما من الاهمية بحيث يساوي اية مسالة عقائدية اساس.
ثانيهما: ان احاديث الائمة من اهل البيت (ع)، طبقا لنظرية الامامة، لها نفس القيمة التي تعطى للاحاديث النبوية بحكم كونهم امتدادا له في العصمة العلمية والعملية. وبهذه الاحاديث، سيجد المسلم مدى اوسع من قواعد الرؤية للرسالة اصولا وفروعا بصورة لا محل فيها للتناقض ولا للاجتهادات المتعارضة.
ان كل المسائل الواقعة والمفترضة لا تعدم الاجابة بصورة مباشرة او غير مباشرة ضمن هذا التراث الواسع للرسول (ص) ولاوصيائه الاثنى عشر، وبما يحقق الانسجام الفعلي والكامل بين قواعد العقيدة وما يتصل بها من مفاهيم مختلفة وبين بناها التشريعية واحكامها.
ومن بين المسائل التي سنفيد كثيرا من هذه الاحاديث فيها:
قضية الامام المهدي (ع)، فقد كانت من دون شك بحاجة لجلاء بعض الجوانب الغامضة فيها قليلا او كثيرا في تراث غيرهم.
اما في التراث الوارد عنهم (ع) سواء ما رووه عن الرسول (ص) او ما تحدثوا به وان كان هذا من ذاك فقد وضحت تلك المسائل جميعا.
ان الامام المهدي (ع)، في هذه الاحاديث المروية عن احد عشر اماما مضافا الى الرسول (ص) عن طريقهم والى الزهراء (عليها السلام)، معروف تماما اسما وشخصا،ووالدا، ووالدة، وتاريخا، وظروف ولادة، وقد حتمت التقية اخفاءها الا عن الخاصة، ومعروف ايضا صفة وغيبة ونوابا ودورا وآثارا.
وهي من الكثرة بحيث لا يمكن استيعابها في هذه الرسالة، ولا يمكن ايراد حتى ما يكفي منها في كل موضوع الا على سبيل الاشارة فقط، فقد اعطى الائمة (ع) من علي(ع) الى الحسن العسكري (ع) لقضية الامام المهدي (ع) كما ينبغي موقعا مركزيا في احاديثهم بحكم ما يحيطها من ملابسات وشبه، وشؤون غيبية ليس سهلا ان تستوعب حتى من قبل المؤمنين لولاهم (ع).
ويكفي ان تطلع على ما كتبه الشيخ الصدوق رحمه اللّه، المتوفى ٣٨٣ ه، في كمال الدين وتمام النعمة، والشيخ الطوسي المتوفى ٤٦٠ ه، في الغيبة، والشيخ النعماني المعروف بابن ابي زينب تلميذ الكليني وكاتبه وقد الفه قبل سنة ٣٣٦ ه، والفصول العشرة للشيخ المفيد المتوفى ٤١٣ ه، وكتاب البرهان لابي الفتح الكراجكي المتوفى سنة ٤٤١ ه، وكتاب الحجة للسيد هاشم البحراني المتوفى ١١٠٧، وكشف الاستار للشيخ الميرزا حسين النوري وكتاب البرهان للسيد محسن الامين، ومن الكتب الحديثة التي عنيت بجمع الاحاديث الواردة فيه (ع) منتخب الاثر للشيخ لطف اللّه الصافي. قلت يكفي ان تطلع على هذه الكتب او بعضها او على هذا المرجع الاخير فقط لترى ان ما اشرت اليه ليس من المبالغة في شي ء.لقد ذكرت اني قمت بعملية جمع ما اشار اليه الشيخ الصافي في كتابه من اعداد للاحاديث التي اوردها او اشار اليها في ابواب الفصل الاول والفصل الثاني واربعة ابواب من الفصل الثالث فكانت (٥٣٠٣) احاديث، وهو رقم كبير مهما اسقطنا منه اخذا للتداخل في الابواب التي ذكرها، وللتكرار في الحساب. ولذلك فليس امامي الا ان اختار مما ورد عن كل امام من الائمة في ما يتصل بالمسائل التي اشرت اليها امثلة من هذه الاحاديث في كل موضوع من الموضوعات السابقة، وحسب اهميتها في الاستشهاد على القضية.
الاحاديث المتصلة بشخص الامام (ع) واخفاء ولادته وغيبته
رغم انا اوردنا في الفصل الاول عن الرسول (ص)، مما نقل في مصادر غير الامامية، ما يدل على تشخيص الامام المهدي (ع) وانه التاسع من ولد الحسين والثاني عشر من ائمة اهل البيت (ع)، فان اهمية هذه المسالة بحكم الخلاف القائم فيها بين المسلمين تدعونا للتاكيد عليها بايراد المزيد من الاحاديث المنقولة في مصادر الامامية وبطرقهم، وانا لنجد مثل هذا الاهتمام في الحديث عنها ولا بد من ان يكون للسبب نفسه لدى الرسول (ص) والائمة من اهل البيت (ع) الى الحد الذي لم يغفل الحديث عنها مكررا احد منهم، ولم يقتصروا (ع) في حديثهم على تشخيص الامام المهدي (ع) بل تحدثوا مسبقا عن كل ما يتصل به مما هو مثار تساؤل وتشكيك كاخفاء ولادته الا عن الخاصة، وغيبته الصغرى والكبرى، وحاولوا التنظير بما حدث في تاريخ بعض الانبياء، وقد كان لاحاديثهم في ذلك ابلغ الاثر في تثبيت المؤمنين امس واليوم بخاصة وان الاكثر منها تسبق تاريخ ولادة المهدي (ع) بعشرات السنين.
قال الشيخ الصدوق، المتوفى ٣٨٣ ه، وهو يبين وجه الدلالة في هذه الاحاديث: (ان الائمة قد اخبروا بغيبته، ووصفوا كونها لشيعتهم في ما نقل عنهم واستحفظ في الصحف ودون في الكتب المؤلفة من قبل ان تقع الغيبة بمئتي سنة، او اقل او اكثر، فليس احد من اتباع الائمة (ع) الا وقد ذكر ذلك في كثير من كتبه، ورواياته، ودونه في مصنفاته، وهي الكتب التي تعرف بالاصول مدونة مستحفظة عند شيعة آل محمد (ص) من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين وقد اخرجت ما حضرني من الاخبار المسندة في الغيبة في هذا الكتاب، يعني مصدرنا المشار اليه في الهامش، في مواضعها).
قال: (فلا يخلو حال هؤلاء الاتباع المؤلفين للكتب ان يكونوا علموا الغيب، بما وقع الان من الغيبة فالفوا ذلك في كتبهم ودونوه في مصنفاتهم من قبل كونها، وهذا محال عند اهل اللب والتحصيل، او ان يكونوا قد اسسوا في كتبهم الكذب فاتفق الامر لهم كما ذكروا، وتحقق ما وصفوا من كذبهم على بعد ديارهم، واختلاف آرائهم، وتباين اقطارهم ومحالهم، وهذا ايضا محال كسبيل الوجه الاول.
فلم يبق في ذلك الا انهم حفظوا عن ائمتهم المستحفظين للوصية (ع)) ((١٠٥)). وسننقل، في ما ياتي، بعض ما ورد في ذلك عن كل واحد من المعصومين (ع) بدءا من الرسول (ص).

(١) بعض ما روي عن الرسول (ص) ((١٠٦)):

١- روى مسندا عن جابر بن عبد اللّه الانصاري قال: قال رسول اللّه (ص): (المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، اشبه الناس بي خلقا وخلقا، تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الامم، ثم يقبل كالشهاب الثاقب يملاها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما) ((١٠٧)). ورواه بسند آخر عن ابي بصير عن الصادق (ع) عن آبائه عن الرسول(ص)((١٠٨)).

٢- وروى مسندا عن عمار قال: كنت مع رسول اللّه (ص) في بعض غزواته. فقتل علي (ع) اصحاب الالوية وفرق جمعهم، وقتل عمر بن عبد اللّه الجمحي، وقتل شيبة بن نافع، فاتيت رسول اللّه (ص) فقلت له: يا رسول اللّه، ان عليا قد جاهد في اللّه حق جهاده، فقال: لانه مني وانا منه وارث علمي، وقاضي ديني ومنجز وعدي والخليفة بعدي، ولولاه لم يعرف المؤمن المحض بعدي، حربه حربي وسلمه سلمي، وسلمي سلم اللّه، الا انه ابو سبطي والائمة بعدي، من صلبه يخرج اللّه تعالى الائمة الراشدين، ومنهم مهدي هذه الامة. فقلت: بابي انت وامي يا رسول اللّه، ما هذا المهدي؟
قال: يا عمار، اعلم ان اللّه تبارك وتعالى عهد الي انه يخرج من صلب الحسين (ع) ائمة تسعة والتاسع من ولده يغيب عنهم وذلك قول اللّه عز وجل: (قل ارايتم ان اصبح ماؤكم غورا فمنياتيكم بماء معين) [الملك: ٣٠].
تكون له غيبة طويلة يرجع عنها قوم ويثبت عليها آخرون، فاذا كان في آخر الزمان يخرج فيملا الدنيا قسطا وعدلا ويقاتل على التاويل كما قاتلت على التنزيل، وهو سميي واشبه الناس بي . ((١٠٩))
(٢) بعض ما روي عن الامام علي (ع):
١- روى الصدوق في حديث مسند عن الحسين بن علي (ع) قال: ان امير المؤمنين (ع) قال: التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق والمظهر للدين والباسط للعدل.قال الحسين (ع):
قلت له: يا امير المؤمنين وان ذلك لكائن؟ فقال (ع): اي والذي بعث محمدا بالنبوة، واصطفاه على جميع البرية، ولكن بعد غيبة وحيرة فلا يثبت على دينه الا المخلصون المباشرون لروح اليقين الذين اخذ اللّه عز وجل ميثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الايمان، وايدهم بروح منه ((١١٠)).
٢- وروى الصدوق بسنده عن الاصبغ بن نباتة قال: اتيت امير المؤمنين (ع) فوجدته متفكرا ينكت الارض، فقلت: يا امير المؤمنين مالي اراك متفكرا، ارغبت فيها؟ (يعني الخلافة).
فقال: لا واللّه ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوما قط. ولكن فكرت في مولود يكون في ظهر الحادي عشر من ولدي هو المهدي يملاها عدلا كما ملئت جورا وظلما تكون له حيرة وغيبة تضل فيها اقوام ((١١١)).
(٣) بعض ما روي عن الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام):
١ - وروى الصدوق بسنده عن جابر الجعفي عن ابي جعفر محمد بن علي الباقر عن جابر بن عبد اللّه الانصاري قال: دخلت على مولاتي فاطمة (عليها السلام) وقدامها لوح يكاد ضوؤه يغشي الابصار فيه اثنا عشر اسما ثلاثة في ظاهره وثلاثة في باطنه وثلاثة اسماء في آخره وثلاثة اسماء في طرفه، فعددتها فاذا هي اثنا عشر. فقلت: اسماء من هؤلاء؟ قالت: هذه اسماء الاوصياء اولهم ابن عمي، واحد عشر من ولدي آخرهم القائم (ع).
قال جابر: (فرايت فيها: محمد محمد محمد في ثلاث مواضع وعلي وعلي وعلي وعلي في اربعة مواضع) ((١١٢)). (٤) بعض ما روي عن الامام الحسن (ع):
١- وروى الصدوق بسنده عن ابي سعيد عقيصا قال: لما صالح الامام الحسن معاوية وسمع لوم الناس له كان مما قاله: الا تعلمون انني امامكم مفترض الطاعة عليكم واحد سيدي شباب اهل الجنة بنص رسول اللّه (ص).
قالوا: بلى.
قال: اما علمتم ان الخضر لما خرق السفينة واقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سقطا لموسى بن عمران اذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند اللّه تعالى ذكره حكمة وصوابا، اما علمتم انه ما منا احد الا وتقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه الا القائم (ع) الذي يصلي روح اللّه خلفه، فان اللّه عز وجل يخفي ولادته، ويغيب شخصه، لئلاتكون في عنقه بيعة اذا خرج.
ذلك التاسع من ولد اخي الحسين (ع) ابن سيدة النساء (سيدة الاماء هكذا ورد في كثير من الروايات) ثم يظهره اللّه في صورة شاب دون اربعين سنة بقدرته، وذلك ليعلم ان اللّه على كل شيء قدير ((١١٣)). (٥) بعض ما روي عن الامام الحسين (ع):
١- وروى الصدوق بسنده عن عبد اللّه بن شريك عن رجل من همدان (سماه بعضهم) قال: سمعت الحسين بن علي بن ابي طالب (ع) يقول: قائم هذه الامة التاسع من ولدي وهو صاحب الغيبة، وهو الذي يقسم ميراثه وهو حي ((١١٤)).
٢- وروى ايضا عن عبد الرحمن بن سليط قال: قال الحسين بن علي (ع): منا اثنا عشر مهديا اولهم امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع)، وآخرهم التاسع من ولدي وهو الامام القائم بالحق يحيي اللّه به الارض بعد موتها، ويظهر به دين الحق على الدين كله ولو كره المشركون، له غيبة يرتد فيها اقوام، ويثبت على الدين فيها آخرون فيؤذون ويقال لهم: (متى هذا الوعد ان كنتم صادقين).
اما ان الصابر في غيبته على الاذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول اللّه (ص) ((١١٥)).
(٦) بعض ما روي عن الامام علي بن الحسين زين العابدين (ع):
١- وروى الصدوق ايضا بسنده عن ابي خالد الكابلي انه حين سال الامام علي بن الحسين زين العابدين (ع) عن الائمة الذين افترض اللّه طاعتهم واوجب الاقتداء بهم بعد رسول اللّه (ص) ذكر له عليا، والحسن، والحسين، وذكر ان الامر انتهى اليه وانه سيكون من بعده لابنه محمد الباقر (ع)، ثم ابنه جعفر الصادق (ع). وحين ساله ابو خالدعن سر تسميته بالصادق وكلهم صادقون بين له (ع) ان الرسول (ص) قال: اذا ولد ابني جعفر فسموه الصادق فان الخامس الذي من ولده اسمه (جعفر) يدعي الامامة جراة على اللّه وكذبا عليه. ثم تحدث الامام زين العابدين (ع) فقال: كاني بجعفر الكذاب قد حمل طاغية زمانه على تفتيش امر ولي اللّه والمغيب في حفظ اللّه، والموكل بحرم ابيه، جهلا منه بولادته وحرصا منه على قتله ان ظفر به، وطمعا في ميراث اخيه حتى ياخذه بغير حقه.
واجاب الامام (ع) حين قال له ابو خالد: وان ذلك لكائن يابن رسول اللّه (ص) قائلا: اي وربي، ان ذلك مكتوب في الصحيفة التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا بعد رسول اللّه (ص).
قال ابو خالد: فقلت يابن رسول اللّه (ص) ثم ماذا يكون؟
قال: ثم تمتد الغيبة بولي اللّه عز وجل الثاني عشر من اوصياء رسول اللّه (ص).
وقال: ان اهل زمان غيبته القائلين بامامته والمنتظرين لظهوره افضل من اهل كل زمان ((١١٦)).
٢- وروى الصدوق بسنده عن سعيد بن جبير قال: سمعت سيد العابدين علي بن الحسين بن ابي طالب (ع) يقول: في القائم سنة من سبعة انبياء: سنة من ابينا آدم، وسنة من نوح، وسنة من ابراهيم، وسنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من ايوب، وسنة من محمد صلوات اللّه عليهم.
فاما من آدم ونوح فطول العمر، واما من ابراهيم فخفاء الولادة ((١١٧)) واعتزال الناس، واما من موسى فالخوف والغيبة، واما من عيسى فاختلاف الناس فيه، واما من ايوب فالفرج بعد البلوى، واما من محمد فالخروج بالسيف ((١١٨)).
(٧) بعض ما روي عن الامام محمد الباقر (ع):
١- وروى الصدوق بسنده عن ابي حمزة عن ابي جعفر (ع) قال: ان اللّه تبارك وتعالى ارسل محمدا الى الجن والانس، وجعل من بعده اثني عشر وصيا منهم من مضى، ومنهم من بقي، وكل وصي جرت فيه سنة من الاوصياء الذين قبل محمد (ص) على سنة اوصياء عيسى (ع) وكانوا اثني عشر وصيا، وكان امير المؤمنين علي على سنة المسيح ((١١٩)).
٢- وروى عن ابي ايوب المخزومي قال: ذكر ابو جعفر (ع) سيرة الخلفاء الراشدين فلما بلغ آخرهم قال: الثاني عشر الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه عليك بسنته والقرآن الكريم . ((١٢٠))
٣- وروى بسنده عن محمد بن مسلم الثقفي، قال: دخلت على ابي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) وانا اريد ان اساله عن القائم من آل محمد، فقال لي مبتدئا: يا محمد بن مسلم، ان في القائم من اهل بيت محمد (ص) سنة من خمسة رسل: من يونس بن متى، ويوسف بن يعقوب، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات اللّه عليهم.
فاما سنة من يونس بن متى فرجوعه من غيبته وهو شاب بعد كبر السن، واما سنة من يوسف بن يعقوب فالغيبة من خاصته وعامته، واختفاؤه من اخوته واشكال امره على ابيه يعقوب النبي مع قرب المسافة بينه وبين ابيه، واهله وشيعته.
واما سنة من موسى فدوام خوفه، وطول غيبته، وخفاء ولادته، وتعب شيعته من بعده مما لقوا من الاذى والهوان الى ان ياذن اللّه عز وجل في ظهوره ونصره، وتاييده على عدوه. واما سنة من عيسى فاختلاف من اختلف فيه حتى قالت طائفة: ما ولد، وطائفة منهم قالت: مات. وطائفة قالت: قتل وصلب.
واما سنة من جده المصطفى محمد (ص) فتجريده السيف، وقتله اعداء اللّه تعالى، واعداء رسوله، والجبارين والطواغيت، وانه ينصر بالسيف والرعب، وانه لا ترد له راية. وان من علامات خروجه(ع) خروج السفياني من الشام، وخروج اليماني، وصيحة من السماء في شهر رمضان ومناد ينادي من السماء باسمه واسم ابيه ((١٢١)).
٤- وبسنده عن محمد بن مسلم ايضا قال: سمعت ابا جعفر محمد بن علي (ع) يقول: القائم منا منصور بالرعب، مؤيد بالنصر، تطوى له الارض وتظهر له الكنوز يبلغ سلطانه المشرق والمغرب ويظهر به اللّه عز وجل دينه على الدين كله ولو كره المشركون، فلا يبقى في الارض خراب الا وعمر وينزل روح اللّه عيسى بن مريم (ع) فيصلي خلفه (والرواية طويلة) ((١٢٢)).
(٨) بعض ما روي عن الامام جعفر بن محمد الصادق (ع):
١- روى الشيخ الصدوق، رحمه اللّه، بسنده عن صفوان بن مهران عن الصادق جعفر بن محمد (ع)، انه قال: من اقر بجميع الائمة وجحد المهدي (ع) كان كمن اقر بجميع الانبياء وجحد محمدا نبوته، فقيل له: يابن رسول اللّه، فمن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع. يغيب عنكم شخصه، ولا يحل لكم تسميته ((١٢٣))، ورواه بسند آخر عن عبد اللّه بن ابي يعفور ((١٢٤)).
٢- وروى بسنده عن السيدين محمد الحميري في حديث طويل يقول فيه للصادق جعفر بن محمد (ع): يابن رسول اللّه قد رويت لنا اخبارا عن آبائك (ع) في الغيبة،وصحة كونها فاخبرني بمن تقع؟
فقال: ان الغيبة ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الائمة الهداة من بعد رسول اللّه (ص): اولهم امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) وآخرهم القائم بالحق بقية اللّه في الارض وصاحب الزمان. واللّه لو بقى في غيبته ما بقى نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ((١٢٥)).
٣- وروى بسنده عن زرارة بن اعين قال: سمعت ابا عبد اللّه (الصادق) (ع) يقول: ان للقائم غيبة قبل ان يقوم قلت له: ولم؟
قال: يخاف (واوما الى بطنه) (ع) لعله يعني (انها تبقر اغتيالا) ثم قال: يا زرارة وهو المنتظر، وهو الذي يشك الناس في ولادته، منهم يقول هو حمل ومنهم يقول هو غائب ومنهم يقول: ما ولد، ومنهم من يقول: ولد قبل وفاة ابيه بسنتين، غير ان اللّه تبارك وتعالى يحب ان يمتحن الشيعة فعند ذلك يرتاب المبطلون ((١٢٦)).
٤- وروى الكليني والصدوق بسندهما عن سدير قال: سمعت ابا عبد اللّه الصادق (ع) يقول: في القائم شبه من يوسف، قلت: كانك تذكر جفره او غيبته؟ فقال الامام ما تنكر من ذلك هذه الامة اشباه...
ان اخوة يوسف كانوا اسباطا اولاد انبياء تاجروا بيوسف، وباعوه وهم اخوته، وهو اخوهم، فلم يعرفوه حتى قال لهم: انا يوسف...
فما تنكر هذه الامة ان يكون اللّه عز وجل في وقت من الاوقات يريد ان يبين حجته لقد كان يوسف اليه ملك مصر، وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما فلو اراد اللّه عز وجل ان يعرفه مكانه لقدر على ذلك.
واللّه لقد سار يعقوب وولده عند البشارة مسيرة تسعة ايام من بدوهم الى مصر. فما تنكر هذه الامة ان يكون اللّه عز وجل يفعل بحجته ما فعل بيوسف؟ ان يكون يسير في اسواقهم، ويطا بسطهم، وهم لا يعرفونه حتى ياذن اللّه عز وجل ان يعرفهم بنفسه، كما اذن ليوسف حتى قال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف واخيه اذ انتم جاهلون.
قالوا: انك لانت يوسف.
قال: انا يوسف وهذا اخي ((١٢٧)).
٥- وروى بسنده عن ابي بصير قال: سمعت ابا عبد اللّه (الصادق) (ع) يقول: (ان سنن الانبياء (ع)، بما وقع بهم من الغيبات حادثة في القائم منا اهل البيت (ع) حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة). قال ابو بصير فقلت: يابن رسول اللّه، ومن القائم منكم اهل البيت؟
فقال: يا ابا بصير هو الخامس من ولد ابني موسى، ذلك ابن سيدة الاماء يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون، ثم يظهره اللّه عز وجل، ويفتح على يده مشارق الارض ومغاربها، وينزل روح اللّه عيسى بن مريم فيصلي خلفه، فتشرق الارض بنور ربها، ولا تبقى في الارض قطعة عبد فيها غير اللّه عز وجل الا عبد اللّه عز وجل فيها، ويكون الدين كله للّه ولو كره المشركون) ((١٢٨)).
٦- وروى بسنده عن سدير الصيرفي قال انه دخل هو والمفضل بن عمر وابو بصير وابان بن تغلب على الامام الصادق (ع)، وذكر حديثا طويلا منه انه قال (ع): (ان اللّه تبارك وتعالى ادار للقائم منا ثلاثة ادارها لثلاثة من الرسل (ع): قدر مولده تقدير مولد موسى (ع)، وقدر غيبته تقدير غيبة عيسى (ع)، وقدر ابطاءه بتقدير ابطاء نوح (ع).وجعل له من بعد ذلك عمر العبد الصالح اعني الخضر (ع) دليلا على عمره.
فقلنا: اكشف لنا يابن رسول اللّه عن وجوه هذه المعاني.
قال (ع): اما مولد موسى (ع) فان فرعون لما وقف على ان زوال ملكه على يده امر باحضار الكهنة فدلوه على نسبه، وانه يكون من بني اسرائيل، ولم يزل يامر اصحابه بشق بطون الحوامل من نساء بني اسرائيل حتى قتل في طلبه نيفا وعشرين الف مولود، وتعذر عليه الوصول الى قتل موسى (ع) بحفظ اللّه تبارك وتعالى اياه، كذلك بنوامية وبنو العباس لما وقفوا على ان زوال ملك الامراء والجبابرة منهم على يد القائم منا ناصبونا العداوة، ووضعوا سيوفهم في قتل آل الرسول (ص) ويابى اللّه عز وجل ان يكشف امره لواحد من الظلمة الا ان يتم نوره ولو كره المشركون.
واما غيبة عيسى (ع): فان اليهود والنصارى اتفقت على انه قتل فكذبهم اللّه جل ذكره بقوله عز وجل: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم).
كذلك غيبة القائم فان الامة ستنكرها لطولها فمن قائل يهذي، بانه لم يولد، وقائل يقول: انه ولد ومات، وقائل يكفر بقوله: ان حادي عشرنا كان عقيما، وقائل يمرق بقوله:انه يتعدى الى ثالث عشر وما عدا، وقائل يعصي اللّه عز وجل بقوله: ان روح القائم ينطق في هيكل غيره.
واما ابطاء نوح فانه لما استنزلت العقوبة على قومه من السماء بعث اللّه تبارك وتعالى جبرائيل الروح الامين ومعه سبع نوايات فقال: يا نبي اللّه، ان اللّه تبارك وتعالى يقول لك: ان هؤلاء خلائقي وعبادي لست ابيدهم بصاعقة من صواعقي الا بعد تاكيد الدعوة والزام الحجة فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك فاني مثيبك عليه واغرس هذا النوى فان لك في نباتها وبلوغها وادراكها اذا اثمرت الفرج والخلاص.
وذكر الامام (ع) انه اثمرت الاشجار التي جاءت من ذلك النوى، فامر بان يغرس نواها، ويعاود الصبر والاجتهاد، ويؤكد الحجة على قومه.
قال الامام: ثم ان اللّه تبارك وتعالى لم يزل يامره عند كل مرة بان يغرسها مرة بعد اخرى الى ان غرسها سبع مرات وما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتد منه طائفة بعد طائفة الى ان عاد الى نيف وسبعين رجلا فاوحى اللّه تبارك وتعالى عند ذلك اليه: يا نوح الان اسفر الصبح عن الليل. حين صرح الحق عن محضه وصفا الكدر بارتدادكل من كانت طينته خبيثة، فلو اني اهلكت الكفار وابقيت من ارتد من الطوائف التي كانت آمنت بك لما كنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الذين اخلصوا التوحيد من قومك، واعتصموا بحبل نبوتك باني استخلفهم في الارض وامكن لهم دينهم وابدل خوفهم بالامن لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشرك من قلوبهم (الحديث)، وكيف يكون الامن والتمكين والتبديل بالامن مني لهم مع ما كنت اعلم من ضعف يقين الذين ارتدوا، وخبيث طينتهم وسوء سرائرهم.
ويذكر الحديث ما معناه ان حال هؤلاء ستحملهم على اثارة الفتن وطلب الامرة ونشر الكفر من جديد.
الى ان يقول (ع): (وكذلك القائم (ع) فانه تمتد ايام غيبته فيصرح الحق عن محضه ويصفو الايمان من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة) (الحديث). ثم قال (ع): واما العبد الصالح اعني الخضر (ع) فان اللّه تبارك وتعالى ما طول عمره لنبوة قدرها له، ولا لكتاب نزله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الانبياء، ولا لامامة يلزم عباده الاقتداء بها ولا لطاعة يفرضها له.
بل ان اللّه تبارك وتعالى، لما كان في سابق علمه ان يقدر عمر القائم (ع) ما يقدر من عمر الخضر، وما قدر في ايام غيبته ما قدر وعلم ما يكون من انكار عباده بمقدار ذلك من العمر في الطول، طول عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك الا لعلة الاستدلال به على عمر القائم (ع)، وليقطع بذلك حجة المعاندين لئلا يكون للناس على اللّه حجة((١٢٩)). وقد اورد الصدوق رحمه اللّه في هذا الباب (الثالث والثلاثين) فقط مما ورد عن الامام الصادق (ع) في الامام المهدي (٥٩) حديثا مسندا.
(٩) بعض ما روي عن الامام موسى بن جعفر الكاظم (ع):
١- روى الصدوق بسنده عن علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (ع) انه قال: (اذا فقد الخامس من ولد السابع فاللّه اللّه في اديانكم لا يردكم احد عنها.
يا بني، انه لا بد لصاحب هذا الامر من غيبة حتى يرجع من هذا الامر من يقول به، انما هي محنة من اللّه عز وجل امتحن بها خلقه، ولو علم آباؤكم واجدادكم دينا اصح من هذا لاتبعوه. فقلت: يا سيدي. وما الخامس من ولد السابع؟
فقال: يا بني عقولكم تضعف عن ذلك واخلاقكم تضيق عن حمله، ولكن ان تعيشوا فسوف تدركوه) ((١٣٠)). ٢- وروى بسنده عن يونس بن عبد الرحمن:
قال: دخلت على موسى بن جعفر (ع) فقلت له: يابن رسول اللّه، انت القائم بالحق؟
فقال (ع): انا القائم بالحق، ولكن القائم الذي يطهر الارض من اعداء اللّه عز وجل، ويملاها عدلا كما ملئت جورا وظلما هو الخامس من ولدي له غيبة يطول امدها خوفا على نفسه يرتد فيها اقوام، ويثبت فيها آخرون ((١٣١)).
٣- وروى بسنده عن محمد بن زياد الازدي قال: سالت سيدي موسى بن جعفر (ع) عن قول اللّه عز وجل: (واسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) ((١٣٢)).
فقال (ع): النعمة الظاهرة الامام الظاهر والباطنة الامام الغائب.
فقلت له: ويكون في الائمة من يغيب؟ قال: نعم يغيب عن ابصار الناس شخصه، ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، وهو الثاني عشر منا يسهل اللّه له كل عسير، ويذلل له كل صعب، ويظهر له كنوز الارض، ويقرب له كل بعيد، ويبيد به كل جبار عنيد، ويهلك على يده كل شيطان مريد. ذاك ابن سيدة الاماء الذي تخفى على الناس ولادته،ولا يحل لهم تسميته، حتى يظهره (اللّه) عز وجل فيملا به الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما ((١٣٣)).
(١٠) بعض ما روي عن الامام علي بن موسى الرضا (ع):
١- روى الصدوق بسنده عن الحسن بن محبوب عن ابي الحسن علي بن موسى الرضا (ع) قال: قال لي: لا بد من فتنة صماء صيلم تسقط فيها كل بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي (يعني الامام الحسن العسكري) يبكي عليه اهل السماء، واهل الارض، وكل حرى وحران وكل حزين ولهفان.
ثم قال (ع): بابي وامي سمي جدي شبيهي وشبيه موسى بن عمران (ع): عليه جيوب النور، يتوقد شعاع ضياء القدس، كم من حرى مؤمنة وكم من مؤمن متاسف حيران حزين عند فقدان الماء المعين ((١٣٤)).
كاني بهم آيس ما كانوا نودوا نداء يسمع من بعد كما يسمع من قرب، يكون رحمة على المؤمنين وعذابا على الكافرين. ((١٣٥))
٢- وروى بسنده عن الهروي قال: سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول: انشدت مولاي علي بن موسى الرضا (ع) قصيدتي التي اولها:

مدارس آيات خلت من تلاوة * * * ومنزل وحي مقفر العرصات

لما انتهيت الى قولي:

خروج امام لا محالة خارج * * * يقوم على اسم اللّه والبركات
يميز فينا كل حق وباطل * * * ويجزي على النعماء والنقمات

بكى الرضا (ع) بكاء شديدا، ثم رفع راسه الي فقال لي: يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الامام؟ ومتى يقوم؟
فقلت: لا يا مولاي الا اني سمعت بخروج امام منكم يطهر الارض من الفساد ويملاها عدلا كما ملئت جورا.
فقال (ع): يا دعبل: الامام بعدي محمد ابني وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم، المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول اللّه ذلك اليوم حتى يخرج، فيملاها عدلا كما ملئت جورا واما متى؟ فاخبار عن الوقت.
ولقد حدثني ابي عن ابيه عن آبائه عن علي (ع): ان النبي (ص) قيل له: يا رسول اللّه متى يخرج القائم من ذريتك؟
فقال (ص): مثله مثل الساعة (لا يجليها لوقتها الا هو ثقلت في السماوات والارض) لا ياتيكم الا بغتة ((١٣٦)).
٣- وروى بسنده عن ايوب بن نوح قال: قلت للرضا (ع) انا لنرجو ان تكون صاحب هذا الامر، وان يسديه اللّه عز وجل اليك من غير سيف، فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك. فقال (ع): ما منا احد اختلفت اليه الكتب وسئل عن المسائل، واشارت اليه الاصابع وحملت اليه الاموال الا اغتيل، او مات على فراشه حتى يبعث اللّه عز وجل لهذا الأمر رجلا خفي المولد والمنشا غير خفي في نسبه ((١٣٧)).
(١١) بعض ما روي عن الامام محمد الجواد (ع):
١- روى الصدوق، رحمه اللّه، بسنده عن الصقر بن دلف قال: سمعت ابا جعفر محمد بن علي الرضا (ع) يقول: ان الإمام بعدي ابني علي امره امري وقوله قولي وطاعته طاعتي والامام بعده ابنه الحسن امره امر ابيه وقوله قول ابيه وطاعته طاعة ابيه.
ثم سكت (ع) فقلت له: يابن رسول اللّه، فمن الامام بعد الحسن؟ فبكى بكاء شديدا ثم قال (ع):
ان من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر.
فقلت له: يابن رسول اللّه، ولم سمي القائم؟
قال: لانه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد اكثر القائلين بامامته.
فقلت له: ولم سمي المنتظر؟
قال: لان له غيبة تكثر آياتها، ويطول امرها فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب فيه الوقاتون، ويهلك فيه المستعجلون، وينجو فيه المسلمون ((١٣٨)).
٢- وروى بسنده عن عبد العظيم بن عبد اللّه بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن ابي طالب قال: (دخلت على سيدي محمد بن علي (الجواد)، وانا اريد ان اساله عن القائم ما هو؟ المهدي او غيره؟ فابتداني فقال لي: ابا القاسم، ان القائم منا هو المهدي الذي يجب ان ينتظر في غيبته ويطاع في ظهوره وهو الثالث من ولدي. والذي بعث محمدا بالنبوة وخصنا بالامامة. انه لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول اللّه ذلك اليوم حتى يخرج فيه فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وان اللّه تبارك وتعالى ليصلح له امره في ليلة كما اصلح امر كليمه موسى اذ ذهب يقتبس نارا فرجع وهو رسول نبي، ثم قال: افضل اعمال شيعتنا انتظار الفرج).((١٣٩))
٣- وروى بسنده عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني السابق.
قال: (قلت لمحمد بن علي بن موسى (الجواد) (ع). اني لارجو ان تكون القائم من اهل بيت (محمد) الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما.
فقال (ع): يا ابا القاسم، ما منا الا وهو قائم بامر اللّه عز وجل وهاد الى دين اللّه ولكن القائم الذي يطهر اللّه عز وجل به الارض من اهل الكفر والجحود، ويملاها عدلا وقسطا، وهو الذي تخفى على الناس ولادته ويغيب عنهم شخصه ويحرم عليهم تسميته.
وهو سمي رسول اللّه وكنيه، وهو الذي تطوى له الارض، ويذل له كل صعب ويجتمع اليه اصحابه عدتهم عدة اهل بدر ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا من اقاصي الارض، وذلك قول اللّه اينما تكونوا يات بكم اللّه جميعا، ان اللّه على كل شيء قدير. فاذا اجتمعت له هذه العدة من اهل الاخلاص اظهر اللّه امره، فاذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج باذن اللّه عز وجل فلا يزال يقتل اعداء اللّه حتى يرضى اللّه تعالى.
قال عبد العظيم، فقلت له: يا سيدي وكيف يعلم ان اللّه عز وجل قد رضي؟ قال: يلقي في قلبه الرحمة) ((١٤٠)). (١٢) بعض ما روي عن الامام علي الهادي (ع):
روى الصدوق بسنده عن الصقر بن دلف قال: سمعت الإمام (الهادي) علي بن محمد بن علي الرضا (ع). يقول:
(ان الامام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما) ((١٤١)).
٢- وروى بسنده عن ابي هاشم داود بن القاسم الجعفري قال:
(سمعت ابا الحسن صاحب العسكر (يعني الامام علي الهادي (ع)) يقول: الخلف من بعدي ابني الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف.
قلت: ولم، جعلني اللّه فداك؟
فقال: لانكم لا ترون شخصه، ولا يحل لكم ذكره باسمه. فقلت: فكيف نذكره؟
قال: قولوا: الحجة من آل محمد) ((١٤٢)).
٣- وبسنده عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني، قال: (دخلت على سيدي علي بن محمد (الهادي) (ع) فلما ابصرني قال لي: مرحبا يا ابا القاسم انت ولينا حقا.
قال: فقلت له: يابن رسول اللّه، اني اريد ان اعرض عليك ديني فان كان مرضيا ثبت عليه حتى القى اللّه عز وجل.
فقال: هات يا ابا القاسم.
فقلت: اني اقول: ان اللّه تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء خارج عن الحدين حد الابطال وحد التشبيه، وانه ليس بجسم، ولا صورة، ولا عرض، ولا جوهر، بل هو مجسم الاجسام، ومصور الصور، وخالق الاعراض، والجواهر، ورب كل شي ء، ومالكه، ومحدثه، وان محمدا (ص) عبده ورسوله، خاتم النبيين، ولا نبي بعده الى يوم القيامة وان شريعته خاتمة الشرائع فلا شريعة بعدها الى يوم القيامة.
واقول: ان الامام والخليفة وولي الامر بعده امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) ثم الحسن (ع) ثم الحسين (ع) ثم علي بن الحسين (ع) ثم محمد بن علي (ع) ثم جعفر بن محمد (ع) ثم موسى بن جعفر (ع) ثم علي بن موسى (ع) ثم محمد بن علي (ع) ثم انت يا مولاي.
فقال (ع): ومن بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف من بعده؟
قال: فقلت: وكيف ذلك يا مولاي؟
فقال (ع): لانه لا يرى شخصه، ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا ظلما.
قال: فقلت: اقررت، واقول ان وليهم ولي اللّه، وعدوهم عدو اللّه، وطاعتهم طاعة اللّه.
واقول: ان المعراج حق والمساءلة في القبر حق وان الجنة حق، والنار حق، والصراط حق، والميزان حق، وان الساعة آتية لا ريب فيها، وان اللّه يبعث من في القبور. واقول: ان الفرائض الواجبة بعد الولاية الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فقال علي بن محمد (الهادي) (ع):
يا ابا القاسم: هذا واللّه دين اللّه الذي ارتضاه لعباده فاثبت عليه ثبتك اللّه بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة) ((١٤٣)). (١٣) بعض ما روي عن الامام الحسن بن علي العسكري (ع):
١- روى المجلسي بسنده عن محمد بن عثمان العمري قدس اللّه روحه قال: (سمعت ابي يقول: سئل ابو محمد الحسن بن علي (ع)، وانا عنده، عن الخبر الذي روي عن آبائه (ع): ان الارض لا تخلو من حجة للّه على خلقه الى يوم القيامة، وان من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية.
فقال (ع): ان هذا حق كما ان النهار حق.
فقيل له: يابن رسول اللّه، فمن الحجة والامام بعدك؟
فقال: ابني محمد، وهو الامام والحجة بعدي من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية، اما ان له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها الوقاتون، ثم يخرج فكاني انظر الى الاعلام البيض تخفق فوق راسه بنجف الكوفة) ((١٤٤)).
٢- روى بسنده عن موسى بن جعفر البغدادي قال: (سمعت ابا محمد الحسن بن علي (ع) يقول: كاني بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف مني، اما ان المقر بالائمة بعد رسول اللّه المنكر لولدي كمن اقر بجميع انبياء اللّه ورسله ثم انكر نبوة محمد رسول اللّه (ص) والمنكر لرسول اللّه (ص) كمن انكر جميع الانبياء، لان طاعة آخرنا كطاعة اولنا، والمنكر لاخرنا كالمنكر لاولنا. اما ان لولدي غيبة يرتاب فيها الناس الا من عصمه اللّه عز وجل) ((١٤٥)).
٣- وروى الصدوق بسنده عن احمد بن اسحاق الاشعري قال:
(دخلت على ابي محمد الحسن بن علي (ع) وانا اريد ان اساله عن الخلف من بعده فقال لي (ع) مبتدئا: يااحمد بن اسحاق، ان اللّه تبارك وتعالى لم يخل الارض منذ خلق آدم، ولا يخليها إلى ان تقوم الساعة من حجة للّه على خلقه، به يدفع البلاء عن اهل الارض، وبه ينزل الغيث، ويخرج بركات الارض. قال: فقلت له: يابن رسول اللّه، فمن الامام والخليفة بعدك؟
فنهض (ع) مسرعا فدخل البيت، ثم خرج وعلى عاتقه غلام كان وجهه القمر ليلة البدر من ابناء الثلاث سنين فقال: يا احمد بن اسحاق، لولا كرامتك على اللّه عز وجل وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، انه سمي رسول اللّه (ص) وكنيه الذي يملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما.
يا احمد بن اسحاق، مثله في هذه الامة مثل الخضر ومثله مثل ذي القرنين، واللّه ليغيبن غيبة لا ينجو فيها الا من ثبته اللّه عز وجل على القول بامامته، ووفقه بها للدعاء بتعجيل فرجه). ((١٤٦))
٤- وروى محمد بن يعقوب الكليني رحمه اللّه (ان الإمام الحسن (ع) قال حين ولد الحجة (ع): زعم الظلمة انهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل فكيف رأوا قدرة اللّه، وسماه المؤمل) ((١٤٧)).

٥- وروى بسنده عن احمد بن محمد قال: (خرج عن ابي محمد (الامام الحسن (ع)) حين قتل الزبيري: هذا جزاء من افترى على اللّه وعلى اوليائه زعم انه يقتلني وليس لي عقب. فكيف راى قدرة اللّه؟ وولد له ولد سماه محمدا سنة ست وخمسين ومائتين)((١٤٨)).
٦- وروى الطوسي رحمه اللّه عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري البزاز عن جماعة من الشيعة منهم علي بن بلال واحمد بن هلال ومحمد بن معاوية بن حكيم والحسن بن ايوب بن نوح قالوا جميعا:
(اجتمعنا الى ابي محمد الحسن بن علي (ع) نساله عن الحجة من بعده، وفي مجلسه (ع) اربعون رجلا، فقام اليه عثمان بن سعيد بن عمرو العمري. فقال له: يابن رسول اللّه: اريد ان اسالك عن امر انت اعلم به مني.
فقال (ع) له: اجلس يا عثمان...
فقام (ع) مغضبا ليخرج فقال: لا يخرجن احد، فلم يخرج منا احد الى ان كان بعد ساعة. فصاح (ع) بعثمان فقام على قدميه.
فقال (ع): اخبركم بما جئتم.
فقالوا: نعم يابن رسول اللّه.
قال: جئتم تسالونني عن الحجة من بعدي.
قالوا: نعم.
فاذا غلام كانه قطعة قمر اشبه الناس بابي محمد، فقال: هذا امامكم من بعدي، وخليفتي عليكم اطيعوه، ولا تتفرقوا من بعدي، فتهلكوا في اديانكم الا انكم لا ترونه من بعد يومكم هذا) (الرواية) ((١٤٩)).
٧- وروى الكليني بسنده عن جعفر بن محمد المكفوف عن عمرو الاهوازي قال، اراني ابو محمد ابنه وقال: (هذا صاحبكم من بعدي) ((١٥٠)).
٨- وروى الطوسي عدة روايات بسنده عن ابي عبد اللّه المطهري وعن موسى بن محمد بن جعفر وعن محمد بن ابراهيم وعن محمد بن علي بن بلال وعن احمد بن علي الرازي عن جماعة من الشيوخ عن حكيمة بنت الامام محمد الجواد (ع) انه لدى ولادة الامام (ع) ليلة النصف من شعبان سنة ٢٥٥ ه، قبيل الفجر، حملته اليه بطلب منه وذكرت حديثا سنعود اليه لاحقا، ولدى اعاته اليها لتحمله الى امه قال الامام الحسن (ع): يا بني استودعك الذي استودعته ام موسى، كن في دعة اللّه وستره وكنفه، وجواره.
وقال (ع): رديه الى امه يا عمة، واكتمي خبر هذا المولود علينا، ولا تخبري به احدا حتى يبلغ الكتاب اجله.
قالت: فاتيت به امه وودعتهم ((١٥١)).
وذكرت رضي اللّه عنها: انها انصرفت الى منزلها، ثم عادت بعد ثلاثة ايام اشتياقا لولي اللّه (ع) فلم تر اثرا، ولا سمعت ذكرا، وكرهت ان تسال.
ولما دخلت على الامام الحسن (ع) كرهت ان تبداه بالسؤال ادبا وحياء فبداها قائلا: هو يا عمة في كنف (اللّه) وحرزه، وستره، وغيبه حتى ياذن اللّه، فاذا غيب اللّه شخصي، وتوفاني، ورايت شيعتي قد اختلفوا فاخبري الثقات منهم، وليكن عندك وعندهم مكتوما فان ولي اللّه يغيبه اللّه عن خلقه، ويحجبه عن عباده فلا يراه احد)((١٥٢)).
والخلاصة التي افدناها في هذا البحث من احاديث المعصومين الثلاثة عشر بدءا من الرسول (ص) وانتهاء الى الامام الحسن العسكري (ع) باضافة فاطمة الزهراء خامسة المطهرين من اهل الكساء تتمثل بايجاز بما يلي:
اولا: ان المهدي المنتظر (ع) هو الامام محمد بن الحسن العسكري (ع) الثاني عشر من ائمة اهل البيت (ع)، وهو ما قدمنا الدليل عليه ايضا في البحث الاول من خلال حديث الرسول (ص) المتفق على صحته الذي ينص على ان (الائمة من بعده اثنا عشر) بتحليله نظريا واتساقه مع احاديث اخرى وبتطابقه مع الواقع.
وبذلك يتضح لنا انه لا يوجد بين الامام المهدي (ع) وبين آبائه الاحد عشر من اوصياء الرسول (ص) وشهود رسالته انقطاع كما تفترضه النظرية الاخرى، لان ذلك يعني ان يوجد بعدئذ من له خصائص الامامة من العصمة العلمية والعملية والتاييد بالملائكة، والرتبة التي تجعل المسيح يصلي خلفه، كما ورد في روايات البحث الاول والثاني، وذلك ما هو غير معقول بحكم تحديد الائمة باثني عشر اماما كما مر، وبحكم ان الثقلين لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، ولا شك ان الانقطاع افتراق واقعي وخلو من الامام المعصوم الممثل لثاني الثقلين. ثانيا: تحدث المعصومون الثلاثة عشر (ع)، في الاحاديث المتواترة عنهم والتي اوردنا امثلة منها في هذا البحث عن الامام المهدي (ع)، اسما وابا واما وصفة ونبهوا الى ما ستفرضه ظروف التقية بالنسبة للامامين الحسن وابنه المهدي (ع) من السلطة العباسية ومن جعفر الكذاب من اخفاء ولادة الإمام وغيبته الا عن الخاصة. واشاروا الى ان ذلك انما هو خشية من اغتياله، ولذلك حرموا ذكر اسمه وانهم اذا ما ارادوا ان يذكروه فعليهم ان يقولوا: الحجة من آل محمد (عج).
ولذلك يبدو لي ان هذا التحريم لايتناول ما وراء الغيبة الصغرى.
واشاروا الى بعض نوابه ووثقوهم كما بالنسبة لعثمان بن سعيد وولده ابي جعفر محمد كما سياتي.
ثالثا: نبهوا الى ان له غيبة طويلة كبرى يمتحن فيها المؤمنون، ويزلزلوا زلزالا حتى يرتد عن الاعتقاد به بعض منهم، وذلك بسبب خروج هذه الغيبة عن المعتاد طبيعيا في العمر الانساني، ولعدم ربطها بالمشيئة الالهية التي لا تخضع لقانون هو من وضعها اصلا وعدم استيعاب الحكمة منها.
وحاولوا التنظير في الامور الثلاثة، اعني اخفاء ولادته وغيبته الصغرى، والكبرى بما حدث في تاريخ الانبياء (ع) كموسى وابراهيم ويوسف ونوح وبالخضر (ع) وتحدثوا عن زمن الإمام لدى قرب الظهور وعلاماته العامة والخاصة ومكان ظهوره وعاصمته وسياسته، كما سياتي.
رابعا: ان في هذه الاحاديث شاهد مضاف على صحة صدورها هو انها قد رويت في كتب اصحاب الائمة قبل ولادة الإمام المهدي (ع) باكثر من مئتي سنة، وقد قرب الشيخ الصدوق دلالتها من هذه الناحية ((١٥٣)).
وقد سبقه في ذلك الشيخ النعماني الذي ادرك عهد النواب فقال: (واذا جاءت الروايات متصلة متواترة بمثل هذه الاشياء قبل كونها، وبهذه الحوادث قبل حدوثها، ثم حققها العيان والوجود فوجب ان تزول الشكوك عمن فتح اللّه قلبه ونوره وهداه واضاء له بصره) ((١٥٤)). وبذلك لا يكون خلافنا مع بعض اخواننا المسلمين من اهل السنة في تشخيص الامام المهدي بالامام الثاني عشر (ع) عن هوى وتعصب لا يقوم على دليل كما يرى بعضهم بل هو مفروض بالادلة الثابتة لدينا ولديهم، كما مر في البحث.

البحث الثالث: راي اهل الكشف يوافق الامامية

مر بك ما نقلناه في صدر البحث الاول من قول ابن خلدون (المتوفى ٨٠٨ ه/١٤٠٦م)، في مقدمة تاريخه: (وللمتصوفة من المتاخرين في امر هذا الفاطمي طريقة اخرى ونوع من الاستدلال، وربما يعتمدون على الكشف الذي هو اصل طريقهم) ((١٥٥)).
واشرنا، في الهامش هناك، الى ان ابن خلدون لم يكن دقيقا في نسبة ما للصوفية من راي واستدلال الى المتاخرين منهم، واجمل ذكر رايهم ولم يبين لنا موضوعه في قضية فيها اكثر من جهة.
والحقيقة ان المتاخرين كالمتقدمين منهم تحققوا قضية الامام المهدي (ع) لا من حيث اصل موضوعه العام كامام منتظر بل من حيث شخصه وولادته وغيبته وحياته المستمرة، وكما هو راي الامامية والدليل على ذلك:
اولا: ان الحافظ الفقيه المحدث ابا بكر محمد بن الحسين البيهقي الشافعي (المتوفى سنة ١٠٦٦م ٤٥٨ ه) صاحب السنن، والذي سبق ابن خلدون بثلاثة قرون واربعين عاما: ذكر راي الامامية في ان المهدي الموعود ولد يوم الجمعة منتصف شعبان سنة ٢٥٥، وانه الملقب بالحجة القائم المنتظر، وانه محمد بن الحسن العسكري(ع).
قال: (ووافقهم عليه جماعة من اهل الكشف) ((١٥٦)). ومن الواضح ان البيهقي انما ينقل عمن تقدمه او عاصره ولا يدخل اولئك هؤلاء في التاريخ المتاخر لهم.
ثانيا: ذكر بعض المعروفين في تاريخ التصوف، ممن هم من اهل السنة من المسلمين اصلا من حيث مذاهبهم الفقهية ونشاتهم في مؤلفاتهم المنشورة المتداولة،آراءهم وآراء بعض المشايخ المعروفين في تاريخ التصوف بالصورة التي تؤكد ما ذكرناه.
وسنذكر، في ما سياتي، آراء بعض منهم للمثل ونشير الى آراء بعضهم الاخر.
وربما اشكل بعضهم علي بان استشهادي باهل الكشف يناقض ما اراه وما ادلل عليه في فصل قادم من ان الكشف اسم خادع مضلل ليس فقط لانه ادعاء الا بالنسبة لصاحبه، وانه ليس خاصا بالاولياء بصورته العامة ليكون دليلا على القرب من اللّه بل يحدث لدى الملحد والبرهمي واليهودي والمسيحي والملتزم والمتحلل، كما تثبت ذلك دراسات الباراسايكولوجيا وكتب العارفين من الصوفية ((١٥٧)) وانه كثيرا ما يختلط لدى بعضهم مع حالات الهذيان والهلوسة ((١٥٨)) او بما يعرف بظواهر المس والاستحواذ من قبل كائنات شيطانية او منحطة من الجن او الموتى من الانس((١٥٩)) التي توحي وتصور لمن ابتلى بها ما شاءت، وقد سجل علماء الروحية الحديثة وعلماء الامراض العقلية كثيرا من شواهدها المؤسفة.
وقد يكون الكشف احيانا ليس الا خلقا للصورة في الخارج بواسطة الهمة او الخيال لدى اقوياء الارادة والتركيز من اصحاب الخلوات واليوغيين والسحرة ((١٦٠)) او ممايحصل بالاستحضار والاستخدام وما يشبه ((١٦١))، ولذلك فالمكشوف بما يسمى الكشف ليس الحقيقة دائما بل قد يكون ما هو خلافها، ولذلك فلا تقوم به حجة. وهوما ايدته النصوص عن الرسول (ص) والائمة من اهل البيت (ع) كما سياتي.
والجواب ان ذلك كله صحيح، وهو ما ساذكر بعضا من شواهده في الجزء الثاني الخاص بادعياء المهدوية والبابية.
ولكن الصحيح ايضا ان ذلك لا يعني نفي الكشف، ونفي وجود الصحيح فيه، وانما يعني عدم عصمته، ولذلك ينبغي ان نتحرز في ما لا نجد له شاهدا يثبته من العقل والنقل الثابت ومن الواقع، فنرفض ما خالفها بخاصة اذا كان مما يتصل بجوانب من العقيدة، او التشريع. اما حين يكون مطابقا لاحد رايين في الاسلام، فياتي مضافا لقوة دليل احدها كشف يؤيد هذا الراي من شخص ليس هذا الراي من مذهبه اصلا بل هو مما يخالفه وان هذا الشخص لم يترك هذا المذهب ايضا جملة بل في مسالة او اخرى لها دليلها وراء كشفه كما في مسالتنا، فانه خليق بالاصغاء اليه بخاصة اذا كان معروفا بمكانته في هذا العالم، ومتبعا فيه فانه يكون حجة عليه وعلى من اتبعه ووثقه.
اما نحن فان اعتمادنا في الاساس ليس عليه في هذه المسالة وانما نسوقه لما ذكرنا وتاكيدا فلا اشكال.
فمن هؤلاء:
١- الشيخ محيي الدين ابو عبد اللّه محمد بن علي بن عربي الطائي الاندلسي (المتوفى سنة ٦٣٨ ه) في ما نقله الشيخ عبد الوهاب الشعراني، (المتوفى سنة ٩٧٣ ه) والشيخ محمد الصبان (المتوفى سنة ١٢٠٦) عن الفتوح المكية، الباب ٣٦٦، ولا يوجد بعض ما نقلاه كنسب الامام الى الحسين (ع) في الطبعات المتداولة كطبعة دار الكتب العربية بمصر وطبعة دار صادر في بيروت، فاذا صح ما نقلاه فلا بد من ان تكون هاتان الطبعتان محرفتين في تاريخ متاخر.
قال الشيخ ابن عربي: (واعلم انه لا بد من خروج المهدي (ع)، لكن لا يخرج حتى تمتلى الارض جورا وظلما فيملاها قسطا وعدلا، ولو لم يكن من الدنيا الا يوم واحد طول اللّه تعالى ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول اللّه (ص) من ولد فاطمة رضي اللّه عنها، جده الحسين بن علي بن ابي طالب، والده حسن العسكري بن الامام علي النقي بن محمد التقي بن الامام علي الرضا بن الامام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الامام محمد الباقر بن الامام زين العابدين علي بن الامام الحسين بن الامام علي بن ابي طالب (ع) يواطئ اسمه اسم رسول اللّه (ص)). الى ان يقول: (اسعد الناس به اهل الكوفة، يبيد الظلم واهله ويقيم الدين، وينفخ الروح في الاسلام، يعز اللّه الاسلام بعد ذله ويحييه بعد موته يضع الجزية، ويدعو الى اللّه بالسيف، فمن ابى قتل ومن نازعه خذل يظهر من الدين ما هو عليه في نفسه حتى لوكان رسول اللّه حيا لحكم به فلا يبقى في زمانه الا الدين الخالص من الراي). ((١٦٢))
٢- الشيخ سعد الدين محمد بن المؤيد ابو الحسين بن محمد بن حمويه المعروف بالشيخ سعد الدين الحموي، من اكابر سادة علماء الصوفية، كان معاصرا لابن عربي، وابن الفارض، اسلم السلطان غازان محمود خان على يد ولده صدر الدين ابراهيم سنة ٦٥٤ ه.
قال المولى عزيز الدين عمر بن محمد بن احمد النسفي المعروف بصاحب العقائد النسفية المشهورة في رسالته في تحقيق (النبوة والولاية): انه حكى عن الشيخ سعدالدين الحموي ما حاصله: ان الولي لم يكن قبل الاسلام، وان كان في كل دين صاحب شريعة دعاة الى دينه لكن الدعاة يسمون انبياء لا اولياء فلما بلغت النبوة الى نبينا(ص) قال (ص): (لا نبي بعدي) يدعو الى ديني والذين ياتون بعدي يسمون بالاولياء واللّه تعالى جعل اثني عشر نفسا في دين محمد (ص) نوابه.
والعلماء ورثة الانبياء قاله (ع) في حقهم وكذا قوله: (علماء امتي كانبياء بني اسرائيل) قاله في حقهم.
وعند الشيخ (يعني سعد الدين) الولي في امة محمد (ص) ليس ازيد من هؤلاء الاثني عشر وآخر الاولياء، وهو الثاني عشر، المهدي صاحب الزمان ((١٦٣)).
٣- ابو المواهب الشيخ عبد الوهاب بن احمد بن علي الشعراني (المتوفى سنة ٩٦٠ ه) وهو من الشهرة والمكانة في تاريخ التصوف حالا وتاليفا بحيث لا يحتاج الى تعريف.
قال في بيان: (ان جميع اشراط الساعة التي اخبرنا بها رسول اللّه حق لا بد ان تقع كلها قبل قيام الساعة، وضرب مثلا بخروج الامام المهدي (ع) الى ان قال: وهو من اولاد الامام حسن العسكري، ومولده في ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين. وهو باق الى ان يجتمع بعيسى بن مريم (ع) فيكون عمره الى وقتنا، وهوسنة ثمان وخمسين وتسعمئة، سبعمئة سنة وست سنين. هكذا اخبرني الشيخ حسن العراقي المدفون فوق كوم الريش المطل على بركة الرطلي بمصر المحروسة عن الامام المهدي (ع)، حين اجتمع به ووافقه على ذلك شيخنا سيدي علي الخواص) ((١٦٤)).
٤- الحافظ محمد بن محمد بن محمود البخاري، المعروف بخواجه بارسا من اعيان علماء الحنفية، واكابر مشايخ النقشبندية ت ٨٢٢ ه، قال في فصل الخطاب: (وابومحمد الحسن العسكري ولده محمد رضي اللّه عنهما، معلوم عند خاصة اصحابه وثقات اهله، ثم ذكر حديث حكيمة وحكاية المعتضد وبعض علائم ظهوره الى ان قال: والاخبار في ذلك اكثر من ان تحصى، ومناقب المهدي صاحب الزمان الغائب عن الاعيان، الموجود في كل زمان كثيرة، وتظاهرت الاخبار عن ظهوره، واشراق نوره يجدد الشريعة المحمدية ويجاهد في اللّه حق جهاده، ويطهر من الادناس اقطار بلاده، زمانه زمان المتقين، واصحابه خلصوا من الريب وسلموا من العيب واخذوا بهديه وطريقه،واهتدوا من الحق إلى تحقيقه، به ختمت الخلافة والامامة من لدن مات ابوه الى يوم القيامة وعيسى (ع) يصلي خلفه ويصدقه على دعواه) ((١٦٥)).
٥- نور الدين عبد الرحمن بن احمد بن قوام الدين الجامي الحنفي الشاعر الصوفي المعروف وصاحب شرح الكفاية. فقد ذكر في كتابه (شواهد النبوة) ان الحجة محمد بن الحسن الامام الثاني عشر هو المهدي المنتظر الذي يملا الارض عدلا وقسطا. وتحدث عن غرائب حالة ولادته وبعض معاجزه، وروى خبر حكيمة بنت الامام الجواد (ع) وفيه. انه حين ولد (ع) حثا على ركبتيه ورفع سبابته الى السماء، وعطس فقال: الحمد للّه رب العالمين.
وذكر خبر من دخل على ابيه الامام الحسن (ع) وساله عن الخلف بعده فدخل الدار ثم خرج وقد حمل طفلا كانه البدر في ليلة تمامه ابن ثلاث سنين فقال: يا فلان لولا كرامتك على اللّه لما اريتك هذا الولد، اسمه اسم رسول اللّه (ص)، وكنيته كنيته، هو الذي يملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وخبر من دخل وفي البيت ستر مسدل وحين سال عن الخلف امر برفع الستر فراى الامام المهدي (ع) الخ ((١٦٦)).
٦- القاضي شهاب الدين بن شمس الدين الدولة آبادي، الملقب بملك العلماء ومؤلف تفسير البحر المواج ومناقب السادات بالفارسية والمتوفى سنة ٨٤٦ ه، ذكر في كتابه: (هداية السعداء) اسماء الائمة الاثني عشر، ونقل حديث اللوح عن جابر عن فاطمة الزهراء، وهو يتضمن النص على امامتهم، وقال وهو يذكر الامام الثاني عشرمحمد بن الحسن (ع): (هو غائب وله عمر طويل كما عمر بين المسلمين عيسى والياس والخضر وفي الكافرين الدجال والسامري) ((١٦٧)).
٧- الشيخ العارف عبد الرحمن من مشايخ الصوفية، صاحب كتاب (مرآة الاسرار)، وهو الذي ينقل عنه الشاه ولي اللّه الدهلوي والد الشاه عبد العزيز مؤلف (التحفة الاثني عشرية) وكتاب (الانتباه في سلاسل اولياء اللّه).
قال في كتاب (مرآة الاسرار) لدى الحديث عن الامام المهدي (ع) ما ترجمته: (ذكر من هو شمس الدين والدولة من هو هادي جميع الملة والدولة من هو قائم في المقام المطهر الاحمدي الامام بالحق ابو القاسم محمد بن الحسن المهدي رضي اللّه عنه، وهو الامام الثاني عشر من ائمة اهل البيت (ع) امه كانت ام ولد اسمها نرجس ولادته ليلة الخامس عشر من شهر شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين ((١٦٨)) في سر من راى المعروفة بسامراء، وهذا الامام الثاني عشر موافق في الكنية والاسم لحضرة ملجا الرسالة (ع) القابه الشريفة: المهدي والحجة والقائم والمنتظر وصاحب الزمان وخاتم الاثنى عشر).
وكان عمر صاحب الزمان في وقت وفاة والده الامام الحسن العسكري خمس سنين وكما اعطى الحق تعالى حضرة يحيى بن زكريا (ع) الكرامة والحكمة في حال كونه طفلا واوصل عيسى الى المرتبة العالية، وهو ما زال صبيا، كذلك جعله اللّه في صغر السن اماما وما ظهر له من خوارق العادات ليس قليلا ليسعه هذا المختصر، واشار الى ما ذكره الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات وملا عبد الرحمن الجامي في شواهد النبوة. وقال:
وحين يظهر المهدي (ع) يجعل الولاية المطلقة ظاهرة بلا خفاء، ويرفع اختلاف المذاهب والظلم وسوء الاخلاق، حيث ان اوصافه الحميدة في الاحاديث النبوية وردت بان المهدي في آخر الزمان يظهر ظهورا تاما ويطهر تمام الربع المسكون من الجور والظلم.
قال: اذا كان الدجال القبيح الافعال قد وجد وبقى حيا مخفيا، واذا كان حضرة عيسى (ع) قد وجد واختفى عن الخلق، فليس عجيبا ان يكون ذلك لابن رسول اللّه الامام المهدي بن الحسن العسكري (ع). وان يكون قد اختفى عن نظر العوام ويظهر جهارا في وقته المعين الموافق للتقدير الالهي، كما هو قول جماعة من الاكابر واقوال الائمة من اهل بيت رسول اللّه. ((١٦٩))
٧- الشيخ تقي الدين ابن ابي منصور قال، في عقيدته، على ما نقله الشعراني عند الحديث عن علامات القيام: (فهناك يترقب خروج المهدي (ع) وهو من اولاد الامام الحسن العسكري (ع)). ((١٧٠))
٨- المولوي علي اكبر بن اسد اللّه المؤودي من علماء الصوفية المعروفين في الهند. له كتاب (المكاشفات) الذي جعله كالحاشية على كتاب (نفحات الانس) للجامي.
وفي حاشيته المتضمنة ترجمة علي بن سهل بن الازهر، ناقش قول من راى ان العصمة خاصة بالانبياء، مستشهدا بالحديث الذي نقله ابن عربي عن الرسول (ص) ان المهدي يقفو اثري لا يخطى.
ثم ذكر ان الشعراني نقل، في اليواقيت، المبحث (٤٥)، عن ابي الحسن الشاذلي رحمه اللّه، ان للقطب خمس عشرة علامة منها ان يمد بمدد العصمة والرحمة والخلافة والنيابة ومدد حملة العرش، ويكشف له عن حقيقة الذات واحاطة الصفات.
قال: (وبهذا صح مذهب من ذهب الى كون غير النبي (ص) معصوما، ومن قيد العصمة في زمرة معدودة ونفاها من غير تلك الزمرة فقد سلك مسلكا آخر، وله ايضا وجه يعلمه من علمه).
واضاف: (فان الحكم بكون المهدي الموعود رضي اللّه عنه موجودا، وهو كان قطبا بعد ابيه الحسن العسكري (ع) كما كان هو قطبا بعد ابيه الى الامام علي بن ابي طالب كرمنا اللّه بوجودهم، يشير الى صحة تلك المرتبة في وجوداتهم من حين كانت القطبية في وجود جده علي بن ابي طالب (ع) الى ان تتم فيه).
قال: (وقد ذكر ذلك عن الشيخ صاحب اليواقيت وعن غيره ايضا رضي اللّه عنه وعنهم فلا بد ان يكون لكل امام من الائمة الاثنى عشر عصمة).
وعقب بقوله: (خذ هذه الفائدة) ((١٧١)).
وذكر ابن خلدون: ابن قسي وعبد الحق بن سبعين وابن ابي واطيل وانهم يرونه خاتم الاولياء ((١٧٢)).
ونقل الحافظ الشيخ سليمان بن ابراهيم القندوزي الحنفي النقشبندي (المتوفى سنة ١٢٩٤ ه)، في الابواب ٨٤ و٨٥ و٨٦ من كتابه ينابيع المودة، عددا من اسماء بعض المحدثين وبعض مشايخ الصوفية وعلماء اسرار الحروف الذين يؤمنون بان الإمام المهدي (ع) هو الثاني عشر من ائمة اهل البيت (ع) ومن هؤلاء عدا من ذكرناهم الشيخ العطار النيسابوري وشمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي والسيد نعمة اللّه ولي والسيد النيسمي والشيخ كمال الدين محمد بن طلحة الحلبي الشافعي والشيخ صلاح الدين الصفدي.
والمحدث الفقيه محمد بن يوسف الكنجي الشافعي والشيخ المحدث الفقيه محمد بن ابراهيم الجويني الشافعي ((١٧٣)).
وذكر غيره عددا آخر منهم ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص والفضل بن روزبهان وابن الخشاب عبد اللّه بن احمد وصدرالدين القونوي وآخرون يمكن التعرف عليهم في المراجع ادناه ((١٧٤)).

الفصل الثاني: ولادة الامام المهدي (ع) وغيبته الصغرى
البحث الاول: اخفاء ولادة الامام المهدي (ع) وغيبته الصغرى

١- اخفاء ولادته
فسح اخفاء امر ولادة الامام المهدي (ع) الا عن الخاصة المجال ليثير بعضهم التشكيك بولادته اصلا. ومن هؤلاء عمه جعفر الكذاب ويكفي لدحض هذه الشبهة:
اولا: ما ورد من الروايات المتواترة المبشرة به والتي اثبتنا في البحث الثاني من الفصل الاول امثلة منها.
ثانيا: التنبيه المتقدم من المعصومين (ع) على ان ولادته ستخفى تقية، خشية عليه من عمه جعفر الكذاب من جهة، ومن السلطة الحاكمة من جهة اخرى.
ومنها ما ذكرناه، في البحث الثاني من الفصل السابق، من رواية عن الامام الحسن السبط (ع) قال فيها: (ان اللّه يخفي ولادته ويغيب شخصه). وما ورد عن الامام الحسين (ع) في الحديث عن المهدي (ع) فقد قال: (هو صاحب الغيبة وهو الذي يقسم ميراثه وهو حي). وما ورد عن الامام علي بن الحسين (ع) فقد قال (ع): (كاني بجعفر الكذاب قد حمل طاغية زمانه على تفتيش امر ولي اللّه والمغيب في حفظ اللّه، والموكل بحرم ابيه جهلا منه بولادته).

وكالرواية الثالثة عن الامام محمد الباقر (ع)، وقد ذكر ان في المهدي (ع) بعضا من سنن الانبياء السابقين الى ان قال: (واما سنته من موسى فدوام خوفه، وخفاء ولادته). والرواية الثالثة عن الامام جعفر الصادق (ع) قال: (وهو الذي يشك الناس في ولادته، منهم من يقول هو حمل ومنهم يقول ما ولد).
وقال (ع) في الرواية السادسة: (وقدر مولده تقدير مولد موسى (ع) واوضح الامام (ع) معنى ذلك بما يتصل بسر اخفاء ولادته فقال (ع): (فان فرعون لما وقف على ان زوال ملكه على يده، امر باحضار الكهنة فدلوه على نسبه وانه يكون من بني اسرائيل، حتى قتل في طلبه نيفا وعشرين الف مولود، وتعذر عليه الوصول الى قتل موسى(ع) بحفظ اللّه تبارك وتعالى اياه.
كذلك بنو امية، وبنو العباس لما وقفوا على ان زوال ملك الامراء والجبابرة على يد القائم منا ناصبونا العداوة ووضعوا سيوفهم في قتل آل الرسول (ص) ويابى اللّه عزوجل ان يكشف امره لواحد من الظلمة الا ان يتم نوره). وفي الرواية الثالثة عن الامام الرضا (ع) قال (ع)، في اجابة لمن رجاله ان يكون القائم من آل محمد (ص) قائلا: (ما منا احد اختلفت اليه الكتب وسئل عن المسائل، واشارت اليه الاصابع الا اغتيل او مات على فراشه حتى يبعث اللّه عز وجل لهذا الامر رجلا خفي المولد والمنشا).
وورد عن الامام محمد الجواد، وهو يجيب عن سؤال حول القائم (ع) قائلا: (هو الذي تخفى عن الناس ولادته ويغيب عنهم شخصه). وهناك روايات اخرى كثيرة بهذا المعنى...
ثالثا: ان اخفاء ولادة الامام (ع) كان نسبيا، فقد اراه ابوه الامام الحسن (ع) لعدد كبير من شيعته، كما مر في الروايات الواردة عنه من الثالثة حتى الثامنة وكثير غيرها((١٧٥)).
وعرفه ونص على امامته امامهم وانه صاحب الزمان، كما في الرواية الثالثة عنه وروايات اخرى، ومنها ما كان عند وفاته، كما عن اسماعيل بن علي النوبختي، وننقلهاكما هي من دون تصرف قال: (دخلت على ابي محمد الحسن بن علي (ع) في المرضة التي مات فيها وانا عنده اذ قال لخادمه عقيد، وكان الخادم اسود نوبيا قد خدم من قبله علي بن محمد (الهادي) (ع) وهو ربى الحسن فقال: يا عقيد اغل لي ماء بمصطكي، فاغلى له ثم جاءت به صقيل الجارية ام الخلف (ع) ((١٧٦)).
فلما صار القدح في يده وهم بشربها اخذت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسن (ع) فتركه من يده وقال لعقيد: ادخل البيت فانك ترى صبيا ساجدا فاتني به قال ابو سهل: قال عقيد:فدخلت اتحرى فاذا انا بصبي ساجد رافع سبابته نحو السماء، فسلمت عليه فاوجز في صلاته فقلت: ان سيدي يامرك بالخروج اليه وجاءت امه فاخذت بيده واخرجته الى ابيه الحسن (ع) قال ابو سهل: فلما مثل الصبي بين يديه سلم واذا هو دري اللون وفي شعر راسه قطط مفلج الاسنان فلما رآه الحسن (ع) بكى وقال: يا سيد اهل بيته اسقني الماء فاني ذاهب الى ربي واخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكي بيده ثم حرك شفتيه ثم سقاه فلما شربه قال: هيئوني للصلاة فطرح في حجره منديل فوضاه الصبي واحدة واحدة ومسح على راسه وقدميه، فقال له ابو محمد (ع): ابشر يا بني فانت صاحب الزمان وانت المهدي وانت حجة اللّه على ارضه، وانت ولدي ووصيي وانا ولدتك وانت محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (ع) ولدك رسول اللّه وانت خاتم الائمة الطاهرين وبشر بك رسول اللّه وسماك وكناك بذلك عهد الي ابي عن آبائك الطاهرين صلى اللّه ربنا على اهل البيت انه حميد مجيد.
قال: ومات الحسن بن علي من وقته صلوات اللّه عليهم اجمعين) ((١٧٧)). رابعا: ارى الامام المهدي (ع) نفسه لعدد من شيعته في حياة ابيه، واعلن لهم انه حجة اللّه وبقيته في ارضه.
ومن الروايات التي تفيد ذلك ما رواه الطوسي بسنده عن طريق ابي نصر خادم الامام الحسن العسكري (ع) قال: (دخلت عليه يعني صاحب الزمان (ع) فقال:علي بالصندل الاحمر، قال: فاتيته به فقال (ع): هل تعرفني؟ قلت: نعم.
فقال (ع): من انا؟
فقلت: انت سيدي، وابن سيدي.
فقال (ع): ليس عن هذا سالتك. فقلت: جعلني اللّه فداك. فسر لي.
فقال (ع): (انا خاتم الاوصياء، وبي يدفع اللّه البلاء عن اهلي وشيعتي) ((١٧٨)). وفي بقية الرواية الثالثة مما اوردناه عن الامام الحسن العسكري (ع)، ذكر احمد بن اسحاق الاشعري انه حين جاء الامام الحسن (ع) وعلى عاتقه ابنه، وهو ابن ثلاث سنين فقال: يا احمد بن اسحاق، لولا كرامتك على اللّه وعلى حججه، ما عرضت عليك ابني هذا، انه سمي رسول اللّه (ص) ثم حدثه عن غيبته.
قال احمد: فقلت: يا مولاي فهل من علامة يطمئن اليها قلبي؟
فنطق الغلام بلسان عربي فصيح فقال:
(انا بقية اللّه في ارضه، والمنتقم من اعدائه ولا تطلب اثرا بعد عين يا احمد بن اسحاق) ((١٧٩)). وعن نسيم خادم ابي محمد (الحسن) (ع) قالت: (دخلت على صاحب الزمان بعد مولده بعشر ليال فعطست عنده فقال (ع):
يرحمك اللّه. ففرحت بذلك)(الرواية)((١٨٠)). وروى الطوسي عن السياري قال: حدثتني نسيم ومارية قالتا:
(لما خرج صاحب الزمان من بطن امه سقط جاثيا على ركبتيه رافعا سبابته نحو السماء ثم عطس فقال:الحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على محمد وآله عبدا داخرا للّه غير مستنكف ولا مستكبر ثم قال: زعمت الظلمة ان حجة اللّه داحضة ولو اذن لنا في الكلام لزال الشك)((١٨١)). وروى بسنده عن ابي نعيم محمد بن احمد الانصاري قال:
(وجه قوم من المفوضة والمقصرة كامل بن ابراهيم المدني إلى ابي محمد (الحسن) (ع) قال كامل: فقلت في نفسي اساله: لا يدخل الجنة الا من عرف معرفتي وقال بمقالتي.
قال: فلما دخلت على سيدي ابي محمد (ص) وذكر حديثا إلى ان قال: فسلمت وجلست على باب عليه ستر مرخي، فجاءت الريح فكشفت طرفه، فاذا انا بفتى كانه فلقة قمرمن ابناء اربع سنين، او مثلها.
فقال لي: يا كامل بن ابراهيم، فاقشعررت من ذلك والهمت ان قلت: لبيك يا سيدي.
فقال (ع): جئت الى ولي اللّه وحجته وبابه تساله هل يدخل الجنة الا من عرف معرفتك وقال بمقالتك؟
فقلت: اي واللّه.
قال (ع): اذن واللّه يقل داخلها، واللّه انه ليدخلها قوم يقال لهم الحقية. قلت: يا سيدي، ومن هم؟
قال: قوم من حبهم لعلي (ع) يحلفون بحقه، ولا يدرون ما حقه وفضله، ثم سكت صلوات اللّه عليه عني ساعة ثم قال (ع):
وجئت تساله عن مقالة المفوضة؟ كذبوا بل قلوبنا اوعية لمشيئته فاذا شاء شئنا واللّه يقول: (وما تشاؤون الا ان يشاء اللّه) [الانسان: ٣٠].
ثم رجع الستر الى حالته فلم استطع كشفه. فنظر الي ابو محمد (ع) مبتسما. فقال: يا كامل ما جلوسك وقد انباك بحاجتك الحجة من بعدي فقمت، وخرجت ولم اعاينه بعد ذلك ((١٨٢)).
واظهر الامام المهدي (ع) البرهان على امامته بين يدي ابيه وبامره بحضور سعد بن عبد اللّه القمي واحمد بن اسحاق، من خلال الاخبارات الغيبية المفصلة والاجابات العلمية المحكمة. ((١٨٣))
واذا كان في ما ذكرناه من الادلة وما سياتي مضافا اليها ما يكفي لدحض ما اثير من تشكيك بعضهم بولادته ووجوده، فان امرا آخر يبقى مثارا للتشكيك لدى الكثيرين، وهو ان الامام المهدي (ع) استمر طوال مدة امامته غائبا بصورة عامة عن شيعته الا عن الخاصة منهم، وهو ما سنتحدث عنه وعن اسبابه في هذه الفقرة.
٢- الغيبة الصغرى
والغيبة الصغرى تتصل باخفاء ولادة الامام (ع) من حيث اسبابها المرتبطة بظروف التقية، فهي امتداد لا اكثر، والفصل بينهما في العنوان ليس الا لمناقشة التشكيك بولادته ولانها مرحلة ما قبل امامته الفعلية زمنيا، اي في حياة ابيه (ع)، فالحديث له بعض الخصوصية من حيث صلته بهما معا.
ولذلك فقراءة ما ذكر من اسباب اخفاء ولادته هو نفسه التفسير لاسباب غيبته الصغرى وورد في البحث الثاني من الفصل الاول ما يشير اليها، وبخاصة في الروايات الواردة عن آبائه (ع) وقد نظروا لها (ع) بما حدث لبعض الانبياء (ع).
جاء في الحديث الثالث عن الامام محمد الباقر (ع) ص ٩٠، المروي عن محمد بن مسلم: ان في القائم من اهل بيت محمد (ص) سنة من خمسة رسل. وذكر منهم يوسف بن يعقوب. فقال (ع): واما سنة من يوسف بن يعقوب فالغيبة من خاصته وعامته، واختفاؤه من اخوته، واشكال امره على ابيه يعقوب النبي مع قرب المسافة بينه وبين ابيه،واهله وشيعته.
وجاء في الحديث الرابع عن سدير عن الامام جعفر الصادق (ع) قال: (في القائم شبه من يوسف. قلت: كانك تذكر حيرة او غيبة، فقال الامام (ع): ما تنكر من ذلك هذه الامة....). ان اخوة يوسف كانوا اسباطا اولاد انبياء تاجروا بيوسف وباعوه، وهم اخوته وهو اخوهم فلم يعرفوه حتى قال لهم: انا يوسف.
فما تنكر هذه الامة ان يكون اللّه عز وجل، في وقت من الاوقات، يريد ان يستر حجته). (الحديث) ((١٨٤)). وهناك روايات اخرى كثيرة في هذا الموضوع نذكر منها بعض ما نص فيها على ان له غيبتين قصيرة وطويلة.
روى النعماني بسنده عن اسحاق بن عمار قال: قال ابو عبد اللّه (الصادق) (ع): للقائم غيبتان احداهما قصيرة والاخرى طويلة.
الاولى لا يعلم بمكانه الا خاصة شيعته والاخرى لا يعلم بمكانه الا خاصة مواليه في دينه ((١٨٥)).
وبسنده عن المفضل بن عمر قال: سمعت ابا عبد اللّه (الصادق) (ع) يقول: ان لصاحب هذا الامر غيبتين في احداهما يرجع إلى اهله والاخرى يقال: هلك في اي واد سلك قلت: فكيف نصنع اذا كان ذلك؟ قال: ان ادعى مدع فاسالوه عن تلك العظائم التي يجيب فيها مثله ((١٨٦)).
وبسنده عن المفضل بن عمر الجعفي عن ابي عبد اللّه (الصادق) (ع) قال: (ان لصاحب هذا الامر غيبتين احداهما تطول حتى يقول بعضهم: مات، وبعضهم يقول: قتل، وبعضهم يقول: ذهب، فلا يبقى على امره الا نفر يسير، ولا يطلع على موضعه احد من ولي ولا غيره الا المولى الذي يلي امره). ((١٨٧))
وروى بسنده عن عبيد بن زرارة قال (ع): (يفتقد الناس اماما يشهد المواسم يراهم ولا يرونه) ((١٨٨)). وبسنده عن زرارة قال: سمعت ابا عبد اللّه (الصادق) (ع) يقول:
ان للقائم غيبتين يرجع في احداهما والاخرى لا يدري اين هو يشهد المواسم يرى الناس ولايرونه)((١٨٩)). وبسنده عن المفضل بن عمر قال: سمعته يقول يعني ابا عبد اللّه (ع) قال ابو جعفر محمد بن علي الباقر (ع): اذا قام القائم قال: (ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين) ((١٩٠)). وبهذه الروايات نرى ان السر وراء هذه الغيبة هو التقية وانها غيبة نسبية لا مطلقة وقد احصوا ممن رآه في هذه الغيبة (٣٠٤) ثلاثمائة واربعة اشخاص من شيعته ((١٩١)). وسنقدم في ما ياتي.
بعض الامثلة ممن رآه وراى دلائل امامته في الغيبة الصغرى وسنذكر هذه الامثلة ممن رآه من غير النواب الاربعة الذين سنتحدث عنهم في البحث التالي، وسنسوق مما اوردوه هنا اربع روايات باسلوب اصحابها من دون تصرف لبيان ما ذكرناه من كون هذه الغيبة نسبية وان الاتصال به لم يقتصر على النواب الاربعة رضوان اللّه عليهم وانما حصل لعدد كبير اشرنا اليه آنفا، وان من هؤلاء من شهد البرهان على امامته.
١- روى الصدوق بسنده عن ابي الاديان قال: كنت اخدم الحسن بن علي (ع) احمل كتبه الى الامصار، فدخلت عليه في علته التي توفى فيها صلوات اللّه عليه، فكتب معي كتبا وقال: امض بها الى المدائن فانك ستغيب اربعة عشر يوما، وتدخل إلى سر من راى يوم الخامس عشر، وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغسل فقلت: يا سيدي فاذا كان ذلك فمن؟
قال (ع): من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم من بعدي.
فقلت: زدني.
فقال (ع): من يصلي علي فهو القائم من بعدي.
فقلت: زدني.
فقال (ع): من اخبر بما في الهميان فهو القائم من بعدي.
قال: ثم منعتني هيبته ان اساله عما في الهميان. وخرجت بالكتب الى المدائن، واخذت جواباتها، ودخلت سر من راى يوم الخامس عشر كما قال لي (ع) واذا انا بالواعية في داره، واذا به على المغسل، واذا انا بجعفر الكذاب بن علي (ع) اخيه بباب الدار. والشيعة من حوله يعزونه ويهنئونه...
فقلت في نفسي: ان يكن هذا الامام فقد بطلت الامامة لاني كنت اعرفه بشرب النبيذ، وكان يقامر في الجوسق ويلعب بالطنبور ((١٩٢)) فتقدمت، فعزيت، وهنيت فلم يسالني عن شيء ثم خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كفن اخوك. فقم فصل عليه، فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمان والحسن بن علي المعروف بسلمة،فلما صرنا في الدار اذا نحن بالحسن بن علي صلوات اللّه عليه على نعشه مكفن. فتقدم جعفر بن علي ليصلي على اخيه، فلما هم بالتكبير خرج صبي صلوات اللّه عليه وعلى آبائه الطاهرين بوجهه سمرة، بشعره قطط، باسنانه تفليج، فجذب برداء جعفر بن علي وقال: تاخر يا عم فانا احق بالصلاة على ابي...
فتاخر جعفر وقد اربد وجهه واصفر. وتقدم الصبي فصلى عليه ودفن الى جنب ابيه (الهادي) (ع).
ثم قال: (يعني الامام المهدي (ع)): يا بصري هات جوابات الكتب التي معك فدفعتها اليه، فقلت في نفسي: بقي الهميان (يعني العلامة الثالثة) ثم خرجت الى جعفر بن علي وهو يزفر.. قال له حاجز الوشا ليقيم عليه الحجة: يا سيدي من الصبي؟
فقال: واللّه ما رايته قط، ولا اعرفه...

فنحن جلوس اذ قدم نفر من قم فسالوا عن الحسن بن علي (ع) فتعرفوا موته.. فقالوا: فمن نعزي؟ فاشاروا الى جعفر بن علي فسلموا عليه وعزوه وهنوه. وقالوا: معنا كتب ومال. فتقول: ممن الكتب؟ وكم المال؟ (وذلك اختبارا لامامته) فقام ينفض اثوابه.. ويقول: تريدون منا ان نعلم الغيب؟!
قال: فخرج الخادم (يعني خادم الامام المهدي (ع)) فقال: معكم كتب فلان وفلان وهميان فيه الف دينار وعشرة دنانير منها مطلية.
فدفعوا اليه الكتب والمال.. وقالوا: الذي وجه بك لاجل ذلك هو الامام ((١٩٣)).
٢- وروى الصدوق بسنده عن ابي الحسن علي بن سنان الموصلي قال: حدثنا ابي لما قبض سيدنا ابو محمد الحسن بن علي العسكري (ع)، وقدم من قم والجبال وفود بالاموال التي كانت تحمل على الرسم والعادة، فلما وصلوا الى سر من راى سالوا عن سيدنا الحسن (ع) فقيل لهم: انه قد فقد. قالوا: ومن وارثه؟ قالوا: اخوه جعفر بن علي فسالوا عنه فقيل لهم: انه قد خرج متنزها وركب زورقا في دجلة يشرب ومعه المغنون. قال: فتشاور القوم. وقالوا: هذه ليس من صفة الامام.
وقال بعضهم لبعض: امضوا بنا حتى نرد هذه الاموال على اصحابها.
فقال ابو العباس محمد بن جعفر الحميري: قفوا بنا حتى ينصرف هذا الرجل ونختبر امره..
فلما انصرف (يعني جعفر) دخلوا اليه فسلموا عليه.
فقال: اين هي؟ قالوا: معنا. قال: احملوها الي، فذكروا له ان هذه الاموال تجمع ويكون فيها من عامة الشيعة الدينار والديناران ثم يجعلونها في كيس ويختمون عليه، وكنا اذا وردنا بالمال على سيدنا ابي محمد الحسن بن علي (ع) يقول: جملة المال كذا وكذا دينار. من عند فلان كذا ومن عند فلان كذا حتى ياتي على اسماء الناس كلهم،ويقول ما على نقش الخواتيم، فقال جعفر: كذبتم تقولون على اخي ما لا يفعله! هذا علم الغيب، ولا يعلمه الا اللّه.
فلما سمع القوم كلام جعفر، جعل بعضهم ينظر الى بعض فقال لهم: احملوا هذا المال الي، فقالوا: انا قوم مستاجرون وكلاء وانا لا نسلم المال الا بالمعلومات التي كنا نعرفها من سيدنا الحسن بن علي (ع)، فان كنت الامام فبرهن لنا والا رددنا الاموال إلى اصحابها يرون فيها رايهم.
وتذكر الرواية ان جعفرا شكاهم الى الخليفة، ولما امرهم بتسليم المال اليه ذكروا له عذرهم السابق فقبله منهم.
وقال: القوم رسل وما على الرسول الا البلاغ المبين.
ولما خرجوا من البلد خرج اليهم غلام من احسن الناس وجها كانه خادم، فصاح: يا فلان، يا فلان بن فلان، اجيبوا مولاكم.
فقالوا: انت مولانا. قال: معاذ اللّه انا عبد مولاكم فسيروا اليه.
قال: فسرنا اليه حتى دخلنا دار مولانا الحسن (ع) فاذا ولده سيدنا القائم (ع) قاعد على سرير كانه فلقة قمر عليه ثياب خضر، فسلمنا عليه فرد علينا السلام. ثم قال:
جملة المال كذا وكذا دينارا، حمل فلان كذا وحمل فلان كذا ولم يزل يصف حتى وصف الجميع، ثم وصف ثيابنا ورحالنا وما كان معنا من الدواب. فخررنا سجدا للّه عزوجل شكرا لما عرفنا وقب لنا الارض بين يديه وسالناه عما اردنا فاجاب فحملنا إليه الاموال.
وامرنا القائم (ع) ان لا نحمل الى سر من راى بعدها شيئا من المال، وانه ينصب لنا ببغداد رجلا تحمل اليه الاموال وتخرج من عنده التوقيعات. قالوا: فانصرفنا من عنده. ودفع الى ابي العباس محمد بن جعفر الحميري شيئا من الحنوط والكفن فقال له: اعظم اللّه اجرك في نفسك.
قال: فما بلغ ابو العباس عقبة همدان حتى توفى رحمه اللّه.
وذكرت الرواية: ان الاموال كانت تحمل بعد ذلك الى النواب المنصوبين من قبله (ع) ((١٩٤)).
٣- روى الصدوق بسنده عن محمد بن صالح بن علي بن محمد بن قنبر الكبير مولى الرضا (ع) قال: خرج صاحب الزمان (ع) على جعفر الكذاب من موضع لم يعلم به عندما نازع في الميراث بعد مضي ابي محمد (ع)، فقال له: يا جعفر مالك تعرض في حقوقي؟ فتحير جعفر فبهت. ثم غاب عنه فطلبه جعفر بعد ذلك في الناس فلم يره..فلما ماتت ام الحسن (ع) الجدة امرت ان تدفن في الدار فنازعهم، وقال: هي داري لا تدفن فيها فخرج (ع) فقال: يا جعفر ادارك هي؟ ثم غاب عنه فلم يره بعد ذلك ((١٩٥)).
٤- روى الطوسي بسنده عن محمد بن يونس الصنعاني قال: دخلت على علي بن ابراهيم بن مهزيار فسالته عن آل ابي محمد (ع) فقال: يا اخي لقد سالت عن امر عظيم حججت عشرين حجة كلا اطلب به عيان الامام (ع) فلم اجد الى ذلك سبيلا، فبينما انا ليلة نائم في مرقدي اذ رايت قائلا يقول: يا علي بن ابراهيم قد اذن اللّه لي في الحج. فلم اعقل ((١٩٦)) ليلتي حتى اصبحت، فانا مفكر في امري ارقب الموسم ليلي ونهاري، فلما كان وقت الموسم اصلحت امري، وخرجت متوجها نحو المدينة، فما زلت كذلك حتى دخلت يثرب فسالت عن آل ابي محمد (ع) فلم اجد له اثرا، ولا سمعت له خبرا فاقمت مفكرا في امري حتى خرجت من المدينة اريد مكة فدخلت الجحفة، واقمت بها يوما، وخرجت منها متوجها نحو الغدير وهو على اربعة اميال من الجحفة، فلما ان دخلت المسجد صليت، وعفرت، واجتهدت في الدعاء، وابتهلت الى اللّه لهم،وخرجت اريد عسفان فما زلت كذلك حتى دخلت مكة فاقمت بها اياما اطوف البيت، واعتكفت فبينما انا ليلة في الطواف اذ انا بفتى حسن الوجه، طيب الرائحة يتبختر في مشيته طائف حول البيت فاحس قلبي به فقمت فحككته، فقال لي: من اين الرجل؟ فقلت: من اهل العراق من الاهواز. فقال لي: تعرف بها الخصيب ((١٩٧)).
فقلت: رحمه اللّه. دعي فاجاب. فقال: رحمه اللّه فما كان اطول ليلته، واكثر تبتله، واغزر دمعته! افتعرف علي بن ابراهيم بن المازيار؟ فقلت: انا علي بن ابراهيم. فقال: حياك اللّه ابا الحسن. ما فعلت بالعلامة التي بينك وبين ابي محمد الحسن بن علي (ع)؟
فقلت: معي. قال: اخرجها، فادخلت يدي في جيبي فاستخرجتها، فلما ان رآها لم يتمالك ان تغرغرت عيناه بالدموع، وبكى منتحبا حتى ب ل اطماره ثم قال: اذن لك الان يابن مازيار صر الى رحلك، وكن على اهبة من امرك حتى اذا لبس الليل جلبابه، وغمر الناس ظلامه سر الى شعب بني عامر فانك ستلقاني هناك، فسرت الى منزلي فلما ان احسست بالوقت اصلحت راحلتي، وقدمت راحلتي وعكمته شديدا وحملت وصرت في متنه، واقبلت مجدا في السير حتى وردت الشعب فاذا انا بالفتى قائم ينادي: يا ابا الحسن الي، فما زلت نحوه فلما قربت بداني بالسلام، وقال لي: سر بنا يا اخ فما زال يحدثني واحدثه حتى تخرقنا جبال عرفات، وسرنا الى جبال منى، وانفجر الفجر الاول ونحن قد توسطنا جبال الطائف. فلما ان كان هناك امرني بالنزول، وقال لي: انزل فصل صلاة الليل.
فصليت، وامرني بالوتر فاوترت، وكانت فائدة منه. ثم امرني بالسجود والتعقيب ثم فرغ من صلاته، وركب، وامرني بالكوب، وسار وسرت معه حتى علا ذروة الطائف فقال: هل ترى شيئا؟ فقلت: نعم ارى كثيب رمل عليه بيت شعر يتوقد البيت نورا. فلما ان رايته طابت نفسي فقال لي: هناك الامل والرجاء. ثم قال: سر بنا يا اخ.
فسار وسرت بمسيره الى ان انحدر من الذروة، وسار في اسفله.
فقال: انزل منها هنا يذل كل صعب ويخضع كل جبار.. ثم قال: خل عن زمام الناقة. قلت: فعلى من اخلفها؟ فقال: حرم القائم (ع) لا يدخله الا مؤمن ولا يخرج منه الا مؤمن.
فخليت عن زمام راحلتي وسار وسرت ثم قال لي: ادخل هناك السلامة. فدخلت فاذا انا به جالس قد اتشح ببردة، واتزر باخرى، وقد كسر بردته على عاتقه. ومضى يصفه الى ان قال: سمح سخي تقي نقي ليس بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللاصق بل مربوع القامة صلت الجبين ازج الحاجبين، اقنى الانف سهل الخدين على خده الايمن خال كانه فتات مسك على رضراضة عنبر ((١٩٨)).
فلما رايته بدرته بالسلام، فرد علي باحسن مما سلمت عليه، وشافهني وسالني عن اهل العراق. فقلت: سيدي قد البسوا جلباب الذلة وهم بين القوم اذلاء.
فقال لي: يابن المازيار: لتملكونهم كما ملكوكم وهم يومئذ اذلاء.
فقلت: سيدي لقد بعد الوطن، وطال المطلب.
فقال: يابن المازيار، ابي ابو محمد عهد الي ان لا اجاور قوما غضب اللّه عليهم ولعنهم ولهم الخزي في الدنيا والاخرة، ولهم عذاب اليم، وامرني ان لا اسكن من الجبال الاوعرها، ومن البلاد الا عفرها، واللّه مولاكم اظهر التقية فوكلها بي. فانا في التقية الى يوم يؤذن لي فاخرج.
فقلت: يا سيدي متى يكون هذا الامر؟ فقال: اذا حيل بينكم وبين سبيل الكعبة، وذكر له (ع) علامات خروجه بعد الغيبة الكبرى.
قال: فاقمت عنده اياما، واذن لي بالخروج بعد ان استقصيت لنفسي، وخرجت نحو منزلي، واللّه لقد سرت من مكة إلى الكوفة ومعي غلام يخدمني فلم ار الا خيرا وصلى اللّه على محمد وآله وسلم تسليما ((١٩٩)).

البحث الثاني: اضطلاعه بالامامة طفلا؟

والاجابة على ذلك:
اولا: وهذه المعلومات انما نسوقها لذوي العقلية العلمية التي تطلب حتى في مسالة تتصل بالمشيئة الالهية كالنبوة والامامة شواهد من الواقع على حصول ما يمكن ان يكون مثالا يقاس عليه خارج تاريخ النبوة والامامة وان لم يكن مطابقا تماما.
فان وقوع ما يجاوز المستويات المعروفة في الذكاء والقدرة على الاستيعاب بالصورة التي يرى الامر فيها خارقا بالمقاييس العلمية في عدد من الاطفال يصبح اشارة الى تلك المواهب الاعجازية الاسمى التي لا يشارك الرسل والائمة فيها احد بحكم وظيفتهم كلسان معبر عن اللّه تعالى.
وقد ثبت بالفعل بالتسجيل والاختبار العلمي وجود امثال هذه المواهب لدى بعض الاطفال في بلدان مختلفة من العالم بما فيها قطرنا العراقي في جوانب معينة، وهو يعني امكان وجودها بمستوى اشمل مع صلة باللّه وتكليف منه سبحانه لدى الانبياء والائمة (ع) بل وقوعها بحكم الشواهد التاريخية والاثار الفكرية والعلمية والتشريعية المسجلة عنهم. وقد ذكروا من تلك الامثلة التي ساقوها للنبوغ المبكر والخارق في الاطفال. حالات منها:
١- كرستيان هينيكين:
من مدينة ليوبيك، ذكروا انه ولد سنة ١٩٢١ وانه تكلم بعد بضع ساعات من ولادته، وامكنه ان يردد عبارات من الانجيل بعد بلوغه اثني عشر شهرا، وحين بلغ الثانية من عمره كانت لديه معلومات عظيمة وبارعة في الجغرافيا، فتكلم اللاتينية والفرنسية في الثالثة من عمره، ودرس البحوث الفلسفية العميقة في الرابعة.
٢- انريكوس ايتيكيم:
الذي ولد في احدى قرى المانيا، وبدا يتكلم بكل فصاحة في الشهر العاشر من عمره وبعد شهرين تعلم اسفار موسى الخمسة، وفي الشهر الرابع تعلم العهدين القديم والحديث. وفي العام الثاني من عمره اتقن تاريخ الاقدمين، وقيل انه يعادل شيشرون في فصاحته باللاتينية، واظهر غلطا في مؤلفات اكبر ادباء فرنسا.
٣- ابن الدكتور كلنش:
كان يجيب، وعمره في الثانية عشرة، بدقة لا تخطئ على اسئلة متعمقة في القانون والتاريخ والجغرافيا والرياضيات وعلم الفلك. وعندما انتهى العلماء من اختباره كان التعب والاعياء قد اصابهم اكثر مما اصاب الغلام الصغير.
٤- وليم جيمس سبدبز:
من الولايات المتحدة، امكنه ان يقرا ويكتب وهو في الثانية من عمره، وحين بلغ الثامنة تكلم الفرنسية والروسية والانجليزية والالمانية وبعض اللاتينية واليونانية.
٥- جون ستيوارت مل:
تعلم اليونانية وهو في الثالثة من عمره، وكتب موضوعا في تاريخ روما وهو في السادسة والنصف، وقام بتدريس اللاتينية وهو في الثامنة، ووضع مؤلفا عن تاريخ الحكومة الرومانية وهو في الحادية عشرة.
٦- جان فيليب باراتيير:
اتقن اليونانية وهو في السادسة من عمره، فترجم التوراة الربانية الكبيرة في اربعة مجلدات ضخمة، واضاف اليها مجلدا آخر من الحواشي والمباحث، وعندما بلغ السابعة كان عضوا في سنودس اكليركي في برلين. وفي الرابعة عشرة من عمره، حصل على الدكتوراه في الفلسفة، ولقد كان يجيد التحدث باللغات الالمانية والفرنسية واللاتينية وهو في الرابعة من عمره. ٧- توماس يونج:
تعلم القراءة وهو في الثانية من عمره، وكان يعرف وهو في الثامنة ست لغات.
٨- الفتاة الهندية شاكونتا لاديفي:
من بنجالور الهند التي لم تدخل المدرسة، ظهرت لديها موهبة في الرياضيات وهي في الخامسة من عمرها، ثم تطورت في السابعة فاذهلت اساتذة الرياضيات في حل المسائل الحسابية المعقدة، وباسرع من الحاسوب، وقد زارت القاهرة سنة ١٩٦١ في طريقها من دول اوروبا وامريكا فادهشت في كلية العلوم كل اساتذة الرياضيات وعقد لها في نادي التجارة مجلس اختبار اشترك فيه (١٠٠) محاسب وعشرات الالات الحاسبة فتغلبت عليهم جميعا بحل اعقد المسائل في ثوان ((٢٠٠)).
٩- الدكتور جوزيف رودسن:
وذكرت الدكتورة شفيقة قرة كله، الاختصاصية في الامراض العقلية، وقد امضت ثماني سنوات في دراسة ظواهر الادراك ما فوق الحسي في مستشفيات امريكا وباختبارات علمية دقيقة:
ان الدكتور جوزيف رودس بوخانن وهو طبيب امريكي ومؤلف سجل انواعا مهمة من الادراك فوق الحسي... قالت: وكان بوخانن طفلا معجزة،ففي السادسة من عمره كان ضليعا جدا في علم الهندسة وعلم الفلك، وفي سن الثانية عشرة دخل مدرسة القانون ثم مدرسة الطب ((٢٠١)).
١٠- الفتاة فيكي من ولاية فرجينيا:
وذكرت ان مما سجل في تاريخ فتاة اسمها فيكي من ولاية فرجينيا بامريكا، وهي من اصول انكليزية واسكتلندية وفرنسية، انها اظهرت قابلية على الادراك فوق الحسي منذ طفولتها... فعندما كانت في السابعة من عمرها اسرعت الى والدتها لتخبرها ان ولدا صغيرا صديقا لها في اللعب قد دهس في القطار على بعد اكثر من مئة ميل ووصفت الحادث... ولما لم يكن ذلك معقولا في نظر اهلها فقد عنفوها بشدة... لكنهم تبينوا بعد ايام ان الولد واهله كانوا في زيارة لمدينة على هذه المسافة بالفعل، وان الحادث قد وقع بصورة تتطابق وما ذكرته الطفلة تماما.
وذات يوم، وكانت في السنة الحادية عشرة من عمرها صححت لاستاذتها في التاريخ قضية تاريخية حول ماري الدموية ملكة اسكتلندة، وانزعجت الاستاذة، وارادت ان تعرف مصدر معرفتها فلم تستطع فيكي ان تشرح ذلك.. لكن الامر كان كما تبين بعد ذلك من خلال المصادر التاريخية صحيحا وموافقا للواقع، وان الاستاذة كانت على خطا. وصححت تقريرا قدمه احد زملائها في الثانوية عن البوذية، وشرحت مبادئها الاساسية وعرفت النرفانا تعريفا دقيقا، واشارت الى ان تعاليم البوذية قد تغيرت باحتكاكها بالهندوسية والمعتقدات الاخرى... والامر الذي ادهش استاذ التاريخ انه لا اساس معروفا لمصادر معرفتها التي اثبت البحث بعدئذ صحتها، وكانت تكتب دائما في الثانوية والكلية بحوثا في اي موضوع بسهولة كبيرة لها ولزملائها، وكانت هذه البحوث تصل دائما الى درجة عالية من دون الاعتماد على مصدر معروف. ((٢٠٢))
ومما سجله الباحثون، في هذه الظواهر، ان هذه المواهب الخارقة لدى هؤلاء الاشخاص بدءا من الطفولة وما بعدها قد تكون في بعض الحالات كما لو كانت خصوصيات ذاتية، بينما تكون في حالات اخرى باستيلاء واملاء ذات او روح اخرى.
١١- الوسيطة التي تجيب الارواح بوساطتها:
ومن الامثلة للحالة الثانية ما نقله العلامة الفرنسي كاميل فلامريون في كتابه: الموت وغوامضه: (ما قبل الموت) كما ترجمه العلامة محمد فريد وجدي قال: (ان المستركابرون في كتابه المسمى المذهب الروحي في العصر الحاضر في ص ٢١٠ قال: ان المستر لوروا سندرلاند ذكر ان الوسيطة التي تجيب الارواح بوساطتها على الاسئلة كانت ابنته مارجريت او ابنتها الطفلة وكانت لا تزيد سنها على سنتين). وجاء فيه ايضا: ان البارون سيمون كركوب كتب الى المستر جنكن مؤلف ذلك الكتاب يقول: (كانت ابنتي وسيطة ولم تتجاوز سنها سنتين وقد بلغت الان احدى وعشرين سنة، وقد كتبت طفلتها بيدها تحت تاثير الارواح ولم تتجاوز سنها تسعة ايام (تاسوعا) وقد حافظت على الرسائل التي كتبتها وها انا ارسل لكم بصورة فوتوغرافية لتلك الكتابات).وقال: كانت ابنتي ترفع هذه الطفلة على وسادة باحدى يديها وتمسك بيدها الاخرى كتابا عليه ورقة بيضاء.. وما كنا ندري باية كيفية ينتقل القلم الى الطفلة فكانت تمسكه بيدها بقوة فكتبت اولا الحروف الاربعة لاسماء الارواح الاربعة التي تلازمها وهي پ.ا.آ.ث ثم سقط القلم من يدها فظنت ان الامر وقف عند هذا الحد، ولكن ابنتي الاخرى ايموجين صاحت قائلة: لقد عاودت القبض على القلم، فكتبت الطفلة الجملة الاتية:
(لا نغير شيئا، فهذا برهان جلي، وافعل ما امرناك به، استودعك اللّه).
وكتب المستر ادموندس الذي كان رئيسا لمجلس الشيوخ الامريكي في كتابه: المذهب الروحي:
(ظهرت في ابنتي (لورا) خاصة الوساطة، ولكنها ما كانت تقع في اغماء اثناء حضور الارواح، وكانت تلك الارواح تستولي على لسانها فتتكلم بلغات مختلفة، ولم تكن تعرف في حالتها العادية الا لغتها الاصلية واللغة الفرنسية، ولكنها متى استولت الارواح على لسانها كانت تتكلم بتسع او عشر لغات بسهولة تامة). وعلق فلامريون بان مثل الرئيس ارموندس لا يصلح اتهامه بالبله والخبل ولا اتهام ابنته بالتزوير والتدليس ((٢٠٣)).
وهناك امثلة اخرى كثيرة، ونشرت جريدة الثورة العراقية على ما اتذكر في سنة ١٩٧٨ خبرا عن طفل عمره سنتان من محلة الشيخ معروف، اختبر ايضا في موهبته الرياضية المتفوقة بما يشبه المستوى المشار اليه في الفتاة اعلاه، ولما سئل: كيف يتسنى له ان يجيب قبل الحاسوب؟ اجاب: ان هناك من يهمس باذنه بالاجابة.
١٢- الطفل حيدر عبد الحسين: وعرض التلفزيون العراقي، في هذا العام، سنة ١٩٩٧ ((٢٠٤))، مقابلة مع طفل اسمه حيدر عبد الحسين في المرحلة الاولى من المدرسة الابتدائية، ونقل بقرار الى المرحلة الرابعة لتفوقه في الرياضيات وفي فهم واستظهار ما يقرا في الموضوعات المختلفة بصورة مدهشة، ولقد سئل اسئلة كثيرة وكان معه استاذان من مركز البحوث النفسية اسئلة من قبيل اليوم ١٨ او ٢٧- من شهر كذا من سنة كذا فماذا يوافقه من ايام الاسبوع فاجاب من دون تردد، وسالوه عن رقم معين وطلبوا اليه اخراج جذره، اونتيجة ضربه بعدد آخر او ما يشبه ذلك، فاجاب على الفور وكان يستظهر بصورة غير عادية. ومما سئل به لاختبار استظهاره امور تتصل بالنبي (ص) ومنها نسبه فساقه الى آدم ببساطة كانه يقرا في كتاب وكان يتكلم بالفصحى، ومن دون اكتراث ويجلس وقورا هادئا معتدا كما لو كان شيخا من شيوخ العلم الكبار.
واذا ثبت وجود مثل هذه الظواهر من الادراك فوق الحسي وفوق المادي في الاطفال والكبار، وهو ثابت كخصائص تبدو كما لو كانت موهبة ذاتية للذات او باسناد موضوعي خارجي بذات روحية اخرى ((٢٠٥)).
فاية غرابة في ان يصطفي اللّه تعالى من خلقه لهدى الناس وارشادهم افرادا يؤتيهم نظير هذه المواهب بصورة اسمى من كل ناحية، مع خصوصية في المكانة منه تعالى، والمعرفة به بحيث يكون نموذجا عاليا في العلم والعمل.. واذا كان من يتصل باولئك روح بشرية متوفاة او روح سفلي فان من يتصل بهؤلاء من الرسل واوصيائهم (ع)ملك قدسي يحمل معرفة حقة ويهدي الى صراط مستقيم باذن اللّه، ولسان يعبر عنه سبحانه فيهم وقد جاء عن الائمة من اهل البيت (ع): ان من علمهم ما هو نقر في الاسماع ونفث في القلوب. وان الملائكة تحدثهم من دون رؤية منهم اليهم مضافا لعلمهم المزبور والغابر، وبذلك يصبح صغر السن بالنسبة لهم (ع) ليس محل اشكال، ومثل ذلك امر تلقيهم العلم بالصورة العادية المعروفة في دنيا الناس ((٢٠٦)).
ثانيا: ان القرآن الكريم تحدث لنا في قصة مريم (ع) وذكر ان قومها حين اتهموها فقالوا: (يا مريم لقد جئت شيئا فريا) [مريم: ٢٧- و٢٨] قال تعالى: (فاشارت اليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا) لكن عيسى نطق: (قال اني عبد اللّه آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا اين ما كنت واوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا. وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت يوم اموت ويوم ابعث حيا) [مريم: ٢٩ ٣٢].
وقال تعالى وهو يذكر يحيى بن زكريا: (يا يحيى خذ الكتاب بقوة، وآتيناه الحكم صبيا) [مريم: ١٢]، فاثبت النطق للطفل في المهد بما ذكرته الايات الاولى وشهادة عيسى في المهد لنفسه بالنبوة وانه اوتي الكتاب من عند اللّه وذكر ما اوصاه اللّه به.
واثبت في الاية الاخيرة: ان اخذ الكتاب واتيان الحكمة قد كان ليحيى وهو ما يزال صبيا.
وهذا يعني ان الاشكال، بصغر السن حين يشاء اللّه ان يجعل هذا الطفل حجة له مبطل قرآنيا بحكم كونه وقع في المثلين اللذين ذكرناهما واذا جاز في هذين (عيسى ويحيى) (ع) فانه يجوز ان يكون في غيرهما حين يقوم الدليل على ذلك بالنص والعلم وظهور المعجز، وقد ذكرنا بعض ما جاء عن الإمام المهدي (ع) من ذلك وسنذكر بعضا آخر لاحقا.
ثالثا: ان هذه السن ليست بعيدة عن السن التي قام بالامامة فيها جده الاعلى محمد الجواد (ع) ثم جده الادنى علي الهادي (ع) فان الاول اضطلع بالامامة وهو في الثامنة ((٢٠٧))، ولم يغب عن المجتمع، ولا احتجب عن الناس. وحين اظهر المامون ندما وتكفيرا او ليرد اشارات الاتهام اليه بقتل الإمام الرضا (ع) اهتماما وتقديما له بصورة غير عادية وزوجه ابنته ام الفضل لامه اقرباؤه وخاصته على رفع مقامه عليهم مع صغر سنه.
فعرفهم انه على ما يرون من صغر سنه حقيق بهذه المكانة علما ومعرفة وسمو ذات...
ثم اعطاهم ليتاكدوا فرصة اختباره، وتهياوا بما استطاعوا، وفي مجلس المامون وبحضور الجميع، دلل الامام الجواد (ع) بيسر وهو في هذه السن على معنى الامامة الالهية، والعلم اللدني، ودمغ من تصدى لامتحانه قاضي القضاة يحيى بن اكثم ومن معه بما اذلهم واخزاهم ((٢٠٨)).
ومثل ذلك كان امر الامام علي الهادي (ع) الذي ولد سنة ٢١٢ ه او سنة ٢١٤ ه واضطلع بالامامة سنة ٢٢٠ ه، او سنة ٢٢٥ ه، فكان شانه شان ابيه علما وعملا، ورغم ان من عاصره كان المتوكل العباسي وهو من اشد الناس عداوة لال البيت (ع) حتى كان لا يبالي في اظهار ذلك في مجلس، فكان يعلن السخرية بعلي امير المؤمنين (ع) بصورة لم يصبر عليها حتى ولده، فقد استطاع الامام (ع) في اكثر من موقف ان يذل كبرياءه، ويقرع تجبره ((٢٠٩))، ويكفي من يحاول التشكيك ان يرى ان ادعاء الامامة من قبلهما في هذه السن لابد ان يثير الشك بدءا لدى اوليائهم، وفيهم اهل الفكر والعلماء فلو لم يروا منهم من البرهان على امامتهم ما ياخذ بالاعناق لما سلموا لهم. ثم ان ادعاء الامامة في هذه السن ايضا يفسح المجال للخصوم، ومنهم راس الدولة فضلا عن الفرق المخالفة ان يعملوا على احراج الامام وشيعته من خلال اسئلة اواختبارات يبرزون بها لو استطاعوا عجز الامام علميا، ولكن ذلك ليس بمستطاع قطعا.
واذا كانت المسالة بالنسبة لابويه، وبالنسبة له كذلك، فانها ينبغي ان تكون شاهدا وآية على امامتهم بدلا من ان تكون محلا للاشكال.
رابعا: ثم ما معنى الاشكال حول امكان اضطلاعه بالامامة طفلا، وقد اضطلع بها بالفعل؟ ولا اعظم شهادة لكون الشيء ممكنا من ان يقوم في عالم الواقع، وقد اضطلع الامام المهدي (ع) بالامامة في هذه السن.
وتلقى عنه عدد من علماء الامة الذين لا يشك احد في جلالة قدرهم علما وعملا، واظهر امامهم من المعجزات ما يكفي للبرهنة على امامته تقدم بعض منها في حديثنا عن اخفاء ولادته وسياتي بعضها الاخر. ((٢١٠))

البحث الثالث: نوابه، وبعض توقيعاته

مما يتصل بالغيبة القصيرة او الصغرى، وشواهد كونها نسبية عدا ما قدمناه نوابه الاربعة رضوان اللّه عليهم، فهم الواسطة العامة من الامة اليه ومنه اليها، وعن طريقهم كان يتلقى الرسائل والاسئلة، وما يرسل اليه من الاموال، وبوساطتهم كان يرسل اجاباته، وما يوجه ويامر به في شؤون المؤتمين به من المسلمين، وان لم تتح رؤيته بصورة مفتوحة للجميع، لذلك كان حضوره مفروضا فعليا في كل شان يطلب هذه الصلة.
ولا مجال للشك لدى الامة في المكانة الرفيعة لهؤلاء النواب:
اولا: لانهم معروفون عندها علما، وتقى، وورعا، وامانة، وقرب من ائمة اهل البيت (ع) والنيابة الخاصة، ولا سيما عن الامام المهدي (ع) اشارة واضحة الى ذلك بحكم ما تقتضيه الظروف الخاصة التي حتمت غيبته من دقة في اختيار نائبه من كل جهة بما فيها قدرته على حفظ سر الامام (ع) في جميع الاحوال المفترضة، وامكانيته على التعامل بالصورة التي يكون فيها في هذا الغياب وجها له.
وكان العلماء يدركون تميزهم في هذه الصفة او تلك دونهم، فحين سال بعضهم الشيخ الجليل ابا سهل النوبختي رحمه اللّه كيف صار هذا الامر الى ابي القاسم الحسين بن روح دونك؟ اجابه: هم اعلم وما اختاروا، ولكن انا رجل القى الخصوم واناظرهم، ولو علمت بمكانه كما علم ابو القاسم وضغطتني الحجة (او الحاجة) على مكانه لعلي كنت ادل على مكانه، وابو القاسم لو كان الحجة تحت ذيله، وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه ((٢١١)).
ثانيا: ولانهم كانوا موثقين من الائمة (ع) ومنصوص عليهم كوكلاء عنهم (ع) فالاول من هؤلاء النواب كان قبل ان يكون نائبا للامام المهدي (ع) بابا للامام الجواد (ع) كماذكر بعضهم ثم الامام الهادي (ع) والامام الحسن العسكري (ع) اما الثاني وهو ابن الاول ومشاركه في الوقت نفسه في هذه النيابة في حياة الامام الحسن العسكري (ع)فقد كان مزكى من الامام الحسن العسكري (ع) ومشار اليه من قبله على انه وكيل للامام المهدي (ع) بعد ذلك، ثم نصبه الامام المهدي (ع) عن طريق ابيه.
ووثق الثالث ونصب وكيلا من قبل الامام المهدي (ع) عن طريق الثاني. والرابع كذلك من قبله (ع) عن طريق الثالث.
ثالثا: كانت اجوبة الامام المهدي (ع) تصدر على يد كل واحد من هؤلاء النواب من الاول حتى الرابع بالخط نفسه المعروف للامام (ع) لدى بعض الامة من دون تغيير وبالدرجة نفسها من حيث الاسلوب والمضمون، وهي الاية التي ذكرها بعضهم وهو يشير الى وحدة الجهة التي يصدر عنها النواب كما سياتي.
رابعا: اظهر الامام (ع) على يد كل واحد منهم من الكرامات المعجزة ما اعطى دليلا مضافا على حقيقة صلتهم به فهي لهم بهذه الصلة لا غيرها لذلك كانت اشارة له لالهم مع ما لهم من المحل العظيم، والمكانة المرموقة بهذه الكرامات وبغيرها.
وقد روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه عددا منها ((٢١٢))، وروى شيئا من ذلك الشيخ الطوسي ((٢١٣)).
قال الشيخ النعماني تلميذ الشيخ الكليني وكاتبه، وهو يتحدث عن الغيبة القصيرة في كتابه الغيبة الذي الفه قبل سنة ٣٣٦ ه كما تشير الى ذلك مقدمته:
(كانت السفراء فيها بين الامام (ع) وبين الخلق قياما منصوبين ظاهرين موجودي الاشخاص والاعيان الى ان يقول: (يخرج على ايديهم الشفاء من العلم، وعويص الحكم والاجابة على كل ما يسال عنه من المعضلات والمشكلات) ((٢١٤)). ولذلك ارى ان نتحدث عن كل واحد من هؤلاء النواب الاربعة، ثم عن بعض ما صدر على ايديهم بما يوثق باختصار ما اشرنا اليه وبالصورة التي نراها كافية في اعطاء معنى كون الامام (ع) كان حاضرا في الامة بهم:
النائب الاول
الشيخ ابو عمرو عثمان بن سعيد العمري الاسدي، يكنى بابي عمرو، ويلقب بالسمان والزيات لانه كان يتجر بالسمن وبالعسكري لانه كان يسكن العسكر(سامراء).
ويذكر ابن شهرآشوب (المتوفى سنة ٥٨٨ ه) انه كان بابا لابي جعفر محمد بن علي التقي (ع) ((٢١٥)).
ومثل ذلك العلامة الحلي، فقد عده من اصحاب الامام الجواد (ع) قال: خدمه وله احدى عشرة سنة وله اليه عهد معروف. ((٢١٦))
ولا يوجد في ما بين يدي من المصادر تاريخ معروف لولادة الشيخ العمري فلو تصورنا ان ولادته كانت سنة ٢٠٠ ه، او في ما قبلها، او ما بعدها بقليل، لامكن تصورالتحاقه بخدمة الامام الجواد (ع) الذي بدات امامته سنة ٢٠٣ ه حتى توفى سنة ٢٢٠ ه او سنة ٢٢٥ ه في رواية اخرى للمفيد رحمه اللّه في بعض سني امامته بالسن التي ذكروها، فمن الثابت ان عهد نيابة الشيخ السمان رحمه اللّه للامام المهدي لم تمتد طويلا. ((٢١٧))
لكن الشيخ الطوسي رحمه اللّه في رجاله ((٢١٨)) ذكر انه كان من اصحاب الامام الهادي (ع)، وان التحاقه بهذه السن (احدى عشرة سنة) كان به ولخدمته، وان العهدالمعروف كان منه (ع) لا من الامام الجواد (ع) ثم ذكره في اصحاب ابنه العسكري ((٢١٩)) ولما كان تاريخ ولادة الشيخ غير معروف، وكانت نسخة العهد الذي اشار اليه ابن شهرآشوب والعلامة الحلي ثم الشيخ الطوسي غير موجودة بصورة يمكن معها الرجوع اليها بوصفها وثيقة نعرف بها نسبة العهد، وما اذا كان قد صدر عن الامام الجواد(ع) او عن الامام الهادي (ع).
يضاف الى ذلك: انا لا نجد في تاريخ الامام الجواد (ع) والروايات عنه والعلاقات المتصلة به شيئا يتصل بالشيخ العمري السمان عدا ما اشرنا اليه خلافا لما بعده فان ما ذكره الشيخ الطوسي رحمه اللّه بحكم ذلك يكون متعينا.
وعلى كل حال فان امر وثاقته، ومكانته، وجلالة قدره لا يحتاج الى تحقيق امتداد خدمته الى الامام الجواد (ع) فبحسبنا في ذلك، ان يكون قريبا، ومؤتمنا من اي واحد من الائمة (ع) فكيف اذا كان كذلك وهذا ما لا اشكال فيه لدى ثلاثة منهم (ع):
١ روى الشيخ الطوسي رحمه اللّه بسنده عن احمد بن اسحاق بن سعد قال: دخلت على ابي الحسن علي بن محمد صلوات اللّه عليه في يوم من الايام فقلت: يا سيدي انا اغيب، واشهد ولا يتهيا لي الوصول اليك اذا شهدت في كل وقت. فقول من نقبل؟ وامر من نمتثل؟
فقال لي صلوات اللّه عليه: هذا ابو عمرو الثقة الامين ما قاله لكم فعني يقوله، وما اداه اليكم فعني يؤديه.
وشهد الامام الحسن العسكري (ع) بانه رحمه اللّه كان ثقة الامام الهادي (ع) قال احمد بن اسحاق وهو يواصل الحديث السابق:
فلما مضى ابو الحسن (ع)، وصلت الى ابي محمد ابنه الحسن العسكري (ع) ذات يوم فقلت له مثل قولي لابيه (ع) فقال لي:
(هذا ابو عمرو الثقة الامين ثقة الماضي،وثقتي في المحيا والممات فما قاله لكم فعني يقوله، وما ادى اليكم فعني يؤديه). ((٢٢٠))
وروى ايضا عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري البزار عن جماعة من الشيعة (ذكرناهم في الرواية السادسة عن الامام الحسن العسكري (ع)) ان الامام العسكري انذرهم بعد ان اراهم ولده المهدي (ع) بانهم لا يرونه بعد يومهم ذاك وقال:
فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا الى امره، واقبلوا قوله فهو خليفة امامكم والامر اليه ((٢٢١)).
وفي كتاب الامام ابي محمد الحسن العسكري (ع) الى اسحاق بن اسماعيل النيسابوري قال الامام (ع) في آخر الكتاب: (فلا تخرجن من البلد حتى تلقى العمري رضي اللّه عنه برضائي عنه فتسلم عليه، وتعرفه، ويعرفك فانه الطاهر الامين العفيف القريب منا والينا، فكل ما يحمله الينا من النواحي فاليه يصير آخر امره ليوصل ذلك الينا)((٢٢٢)). وروى مسندا عن محمد بن اسماعيل وعلي بن عبد اللّه الحسنيين قالا انهما دخلا على ابي محمد الحسن (ع) بسر من راى وبين يديه جماعة من اوليائه وشيعته فدخل عليه بدر خادمه واخبره: ان بالباب قوما شعثا غبرا، فقال الامام (ع) لمن حضره: هؤلاء نفر من شيعتنا باليمن ثم امر الامام (ع) بدرا ان ياتيه بعثمان بن سعيد العمري، وحين جاء، قال له سيدنا ابو محمد (ع): امض يا عثمان، فانك الوكيل، والثقة المامون على مال اللّه واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال...
قال الحسنيان بعد ان ساقا الحديث: ثم قلنا باجمعنا: يا سيدنا واللّه ان عثمان لمن خيار شيعتك، ولقد زدتنا علما بموضعه من خدمتك، وانه وكيلك، وثقتك على مال اللّه تعالى.
قال: نعم واشهدوا علي ان عثمان بن سعيد العمري وكيلي، وان ابنه محمدا وكيل ابني مهديكم ((٢٢٣)).
وبالاسناد عن عبد اللّه بن جعفر الحميري قال: اجتمعت انا والشيخ ابو عمرو عند احمد بن اسحاق بن سعد الاشعري فغمزني احمد ان اساله عن الخلف (ع) فقلت له:
(يا ابا عمرو اني اريد ان اسالك وما انا بشك في ما اريد ان اسالك عنه فان اعتقادي، وديني: ان الارض لا تخلو من حجة الا إذا كان قبل يوم القيامة باربعين يوما. فاذاكان ذلك وقعت الحجة، واغلق باب التوبة فلم يكن ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل او كسبت في ايمانها خيرا.. الى ان قال: ولكن احببت ان ازداد يقينا فان ابراهيم (ع) سال ربه ان يريه كيف يحيي الموتى فقال اولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي). وقد اخبرنا احمد بن اسحاق (ابو علي) عن ابي الحسن (ع) وذكر الرواية الاولى التي اوردناها عنه (ع) فيه.
ثم قال الحميري وهو يكلم ابا عمرو: (واخبرني ابو علي انه سال ابا محمد الحسن بن علي (ع) عن مثل ذلك فقال له: العمري وابنه ثقتان فما اديا اليك فعني يؤديان، وما قالا لك فعني يقولان فاسمع لهما واطعهما فانهما الثقتان المامونان.
فهذا قول امامين قد مضيا فيك.
قال: فخر ابو عمرو ساجدا وبكى ثم قال: سل.
فقلت له: انت رايت الخلف من ابي محمد (ع) فقال: اي واللّه ورقبته مثل ذا... واوما بيديه ((٢٢٤))...
قلت له: فبقيت واحدة فقال لي: هات.
قلت: فالاسم.
قال رحمه اللّه: محرم عليكم ان تسالوا عن ذلك، ولا اقول هذا من عندي، وليس لي ان احلل، واحرم ولكن عنه (ع) وفسر لهم حكمة ذلك قائلا: فان الامر عند السلطان: ان ابا محمد (ع) مضى، ولم يخلف ولدا وقسم ميراثه واخذه من لا حق له (يعني جعفرا الكذاب) وصبر على ذلك. وهو ذا عياله يجولون وليس احد يجسر ان يتعرف اليهم، اوينيلهم شيئا، واذا وقع الاسم وقع ((٢٢٥))((٢٢٦)). الطلب، فاتقوا اللّه، وامسكوا عن ذلك) ومن المؤشرات لمكانته الرفيعة وقربه من آل البيت (ع) توليه بامر الامام المهدي (ع) تجهيز الامام الحسن (ع) غسلا وتحنيطا وتكفينا ودفنا للظاهر من الحال التي لا يمكن جحدها كما يقول الشيخ الطوسي رحمه اللّه ((٢٢٧)) وذلك شان لا يولاه الا اللصق بهم (ع).
وتبدو هذه المنزلة السامية واضحة كذلك في التوقيع الذي تلقاه ابنه ابو جعفر محمد بن عثمان رضي اللّه عنه من الإمام المهدي (ع) تعزية بابيه فقد جاء فيه:
(انا للّه وانا اليه راجعون تسليما لامره، ورضا بقضائه عاش ابوك سعيدا، ومات حميدا فرحمه اللّه والحقه باوليائه، ومواليه (ع) فلم يزل مجتهدا في امرهم ساعيا في ما يقربه الى اللّه عز وجل واليهم نضر اللّه وجهه، واقاله عثرته). ومما جاء فيه: (اجزل اللّه لك الثواب، واحسن لك العزاء رزيت ورزينا واوحشك فراقه واوحشنا فسره اللّه في منقلبه.. كان من كمال سعادته ان رزقه اللّه ولدا مثلك يخلفه بعده، ويقوم مقامه ويترحم عليه، واقول: الحمد للّه فان الانفس طيبة بمكانك وما جعله اللّه فيك وعندك اعانك اللّه وقواك، وعضدك، ووفقك وكان لك وليا وحافظا وراعيا وكافيا) ((٢٢٨)). من توقيعات الامام المهدي (ع) بوساطته لم يحص احد ما صدر عن الامام المهدي (ع) على يد نوابه الاربعة الخاصين من سنة ٢٦٠ حتى سنة ٣٢٩ ه لاسباب منها:
اولا: وهو ما نراه الاهم نفس الظروف التي اوجبت الغيبة وتحريم الدلالة على مكانه، وذكر اسمه (ع) وبصورة مشددة الا على الخاصة كما قدمنا، ولذلك فلا مجال لرواية ذلك الا في حدود ضيقة جدا.. ومن الطبيعي بحكم ذلك ان يذهب اكثر ما صدر عنه (ع) بخاصة ما هو خاص من حيث الشخص او الموضوع.
ثانيا: ربما اقتصروا في الرواية على بعض ما يتصل بالقضايا العامة في ذلك الظرف، او في ما بعده، مما جاء الامر او الاذن به من الامام المهدي (ع) او من النواب(رض)عنهم وان كانوا لا يصدرون الا عنه بحكم الحاجة اليه او انتفاء ما يوجب التقية فيه...
وقد اثبتوا مما ورد عن كل واحد من النواب امثلة كافية كالتي ذكرها الشيخ الصدوق رحمه اللّه (المتوفى سنة ٣٨١ ه)((٢٢٩)) والشيخ الطوسي رحمه اللّه (المتوفى سنة ٤٦٠ ه) ((٢٣٠)) والشيخ الطبرسي رحمه اللّه (المتوفى بداية (القرن ٦ ه)) ((٢٣١)) والشيخ المجلسي (المتوفى سنة ١١١١ ه) في كتبهم المشار اليها في الهامش((٢٣٢)).
وسنذكر، لدى الحديث عن كل واحد من النواب الاربعة رضوان اللّه عليهم بدءا من الشيخ العمري الكبير موضوع حديثنا، امثلة مما صدر عن الامام (ع) مما نرى ان لمضمونه مع غض النظر عن مورده صلة بالموضوع العام او الخاص لكتابنا من جهة او اخرى، فمنها:
ما رواه الشيخ العمري الكبير ابو عمرو عثمان بن سعيد (رضوان اللّه عليه) قال: تشاجر ابن ابي غانم القزويني وجماعة من الشيعة في (الخلف) فذكر ابن ابي غانم ان ابا محمد (ع) مضى، ولا خلف له.
ثم انهم كتبوا في ذلك كتابا وانفذوه الى الناحية، واعلموه بما تشاجروا فيه، فورد جواب كتابهم بخطه صلى عليه وعلى آبائه..
(بسم اللّه الرحمن الرحيم) (عافانا اللّه واياكم من الفتن، ووهب لنا ولكم روح اليقين واجارنا واياكم من سوء المنقلب، انه انهي الي ارتياب جماعة منكم في الدين، وما دخلهم من الشك، والحيرة في ولاة امرهم فغمنا ذلك لكم لا لنا، وساءنا فيكم لا فينا، لان اللّه معنا فلا فاقة بنا الى احد غيره، والحق معنا فلن يوحشنا من قعد عنا (ونحن صنايع ربنا والخلق بعدصنايعنا)((٢٣٣)).
يا هؤلاء ما لكم في الريب تترددون، وفي الحيرة تنعكسون، او ما سمعتم اللّه يقول: (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولي الامر منكم)[النساء: ٥٩].
او ما علمتم ما جاءت به الاثار مما يكون، ويحدث في ائمتكم، على الماضين والباقين منهم السلام، او ما رايتم كيف جعل اللّه لكم معاقل تاوون اليها، واعلاما تهتدون بهامن لدن آدم الى ان ظهر الماضي (ع) كلما غاب علم بدا علم، واذا افل نجم طلع نجم فلما قبضه اللّه اليه ظننتم ان اللّه ابطل دينه، وقطع السبب بينه، وبين خلقه، كلا ما كان ذلك ولا يكون حتى تقوم الساعة، ويظهر امر اللّه وهم كارهون.
وان الماضي (ع) مضى سعيدا فقيدا على منهاج آبائه (ع) حذو النعل بالنعل ((٢٣٤)) وفينا وصيته وعلمه ومنه خلفه ومن يسد مسده، ولا ينازعنا موضعه الا ظالم آثم،ولا يدعيه دوننا الا كافر جاحد، ولولا ان امر اللّه لا يغلب، وسره لا يظهر، ولا يعلن، لظهر لكم، من حقنا ما تهتز منه عقولكم، ويزيل شكوكم، ولكنه ما شاء اللّه كان، ولكل اجل كتاب. فاتقوا اللّه، وسلموا لنا، وردوا الامر الينا. فعلينا الاصدار كما كان منا الايراد، ولا تحاولوا كشف ما غطي عنكم، ولا تميلوا عن اليمين، وتعدلوا الى اليسار واجعلوا قصدكم الينا بالمودة على السنة الواضحة فقد نصحت لكم، واللّه شاهد علي وعليكم ولو لا ما عندنا من محبة صاحبكم، والرحمة بكم، والاشفاق عليكم لكنا عن مخاطبتكم في شغل في ما قد امتحنا به من منازعة الظالم العتل ((٢٣٥)) الضال المتتابع في غيه المضاد لربه المدعي ما ليس له الجاحد حق من افترض اللّه طاعته الظالم الغاصب.
وفي ابنة رسول اللّه لي اسوة حسنة وسيردى الجاهل رداءة عمله. وسيعلم الكافرون لمن عقبى الدار.
عصمنا اللّه واياكم من المهالك والاسواء، والافات والعاهات كلها برحمته فانه ولي ذلك، والقادر على ما يشاء. وكان لنا ولكم وليا وحافظا.
والسلام على جميع الاوصياء والاولياء، والمؤمنين ورحمة اللّه وبركاته وصلى اللّه على محمد وآله وسلم تسليما) ((٢٣٦)).
ومنها وهو يتصل بموضوع الامامة بصورة عامة كما هو السابق وموقعه (ع) منها، ورد دعوى جعفر الكذاب الذي ضلل بعض الناس والقح الفتنة في وقته وغذى الشكوك بولادة الامام (ع) ووجوده.
وقد روى هذا الكتاب الشيخ احمد بن اسحاق بن سعد الاشعري رحمه اللّه.
قال: انه جاء بعض الشيعة يعلمه ان جعفر الكذاب بن علي الهادي (ع) كتب اليه كتابا يعرفه فيه نفسه، ويعلمه انه القيم بعد اخيه، وان عنده من علم الحلال والحرام ما يحتاج اليه وغير ذلك من العلوم كلها. فلما قراته كتبت الى صاحب الزمان (ع)، وصيرت كتاب جعفر في درجه فخرج الجواب الي في ذلك:
(بسم اللّه الرحمن الرحيم) (اتاني كتابك ابقاك اللّه، والكتاب الذي انفذته درجة واحاطت معرفتي بجميع ما تضمنه على اختلاف الفاظه وتكرر الخطا فيه (يعني كتاب جعفر)، ولو تدبرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه. والحمد للّه رب العالمين حمدا لا شريك له على احسانه الينا، وفضله علينا ابى اللّه عز وجل للحق الا اتماما، وللباطل الا زهوقا وهو شاهد علي بما اذكره، ولي عليكم بما اقوله اذا اجتمعنا ليوم لا ريب فيه، ويسالنا عما نحن فيه مختلفون. انه لم يجعل لصاحب الكتاب على المكتوب اليه ولا عليك، ولا على احد من الخلق جميعا امامة مفترضة، ولا طاعة ولا ذمة، وسابين لكم جملة تكتفون بها ان شاء اللّه تعالى: يا هذا يرحمك اللّه. ان اللّه تعالى لم يخلق الخلق عبثا، ولا اهملهم سدى بل خلقهم بقدرته، وجعل لهم اسماعا، وابصارا، وقلوبا، والبابا، ثم بعث اليهم النبيين (ع) مبشرين ومنذرين يامرونهم بطاعته وينهونهم عن معصيته، ويعرفونهم ما جهلوه من امر خالقهم، ودينهم، وانزل عليهم كتابا، وبعث إليهم ملائكة وباين بينهم وبين من بعث اليهم بالفضل الذي جعله لهم عليهم، وما آتاهم من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة، والايات الغالبة فمنهم من جعل عليه النار بردا وسلاما، واتخذه خليلا، ومنهم من كلمه تكليما، وجعل عصاه ثعبانا مبينا، ومنهم من الموتى باذن اللّه وابرا الاكمه والابرص باذن اللّه، ومنهم من علمه منطق الطير واوتي من كل شيء. ثم بعث محمدا رحمة للعالمين، وتمم به نعمته، وختم به انبياءه، وارسله الى الناس كافة، واظهر من صدقه ما اظهر وبين من آياته، وعلاماته ما بين.. ثم قبضه (ص) حميدا فقيدا سعيدا، وجعل الامر بعده الى اخيه، وابن عمه، ووصيه ووارثه علي بن ابي طالب (ع) ثم الى الاوصياء من ولده واحدا واحدا احيا بهم دينه، واتم بهم نوره، وجعل بينهم وبين اخوانهم وبني عمهم الادنين فالادنين من ذوي ارحامهم فرقانا بينا ((٢٣٧)) يعرف به الحجة من المحجوج والامام من الماموم بان عصمهم من الذنوب، وبراهم من العيوب وطهرهم من الدنس ونزههم من اللبس، وجعلهم خزان علمه ومستودع حكمته، وموضع سره، وايدهم بالدلائل، ولولا ذلك لكان الناس على سواء ولادعى امر اللّه عز وجل كل احد ولما عرف الحق من الباطل ولا العالم من الجاهل.
وقد ادعى هذا المبطل المفتري على اللّه الكذب بما ادعاه، فلا ادري باية حالة هي له رجا ان يتم دعواه؟ بفقه في دين اللّه؟
فواللّه ما يعرف حلالا من حرام، ولا يفرق بين خطا وصواب.. ام بعلم؟! فما يعلم حقا من باطل، ولا محكما من متشابه ولا يعرف حدا لصلاة ووقتها.. ام بورع؟! فاللّه شهيد على تركه الصلاة الفرض اربعين يوما ((٢٣٨))، يزعم ذلك لطلب الشعوذة، ولعل خبره تادى اليكم. وهاتيك ظروف مسكره منصوبة، وآثار عصيانه للّه عز وجل مشهورة قائمة.
ام بحجة؟! فليقمها. ام بدلالة؟! فليذكرها.
قال اللّه عز وجل في كتابه:
(بسم اللّه الرحمن الرحيم) حم. تنزيل الكتاب من اللّه العزيز الحكيم. ما خلقنا السموات والارض وما بينهما الا بالحق واجل مسمى، والذين كفروا عما انذروا معرضون. قل: ارايتم ما تدعون من دون اللّه اروني ماذا خلقوا من الارض ام لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا او اثرة من علم ان كنتم صادقين. ومن اضل ممن يدعو من دون اللّه من لا يستجيب له الى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون، واذا حشر الناس كانوا لهم اعداء وكانوا بعبادتهم كافرين) [الاحقاف: ١ ٦].
فالتمس، تولى اللّه توفيقك، من هذا الظالم ما ذكرت لك، وامتحنه، واساله عن آية من كتاب اللّه يفسرها، او صلاة يبين حدودها، وما يجب فيها لتعلم حاله ومقداره، ويظهر لك عوره ونقصانه، واللّه حسيبه. حفظ اللّه الحق على اهله، واقره في مستقره، وابى اللّه عز وجل ان تكون الامامة في الاخوين الا في الحسن والحسين. واذا اذن اللّه لنا في القول ظهر الحق، واضمحل الباطل وانحسر عنكم والى اللّه ارغب في الكفاية وجميل الصنع والولاية، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل، وصلى اللّه على محمد وآل محمد)((٢٣٩)).
النائب الثاني
ابو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري (المتوفى سنة٣٠٤ او ٣٠٥ ه) رضوان اللّه عليه.
عن ابي نصر هبة اللّه بن احمد الكاتب قال:
(كانت توقيعات صاحب الامر (ع) تخرج على يدي عثمان بن سعيد وابنه ابي جعفر محمد بن عثمان الى شيعته، وخواص ابيه ابي محمد (ع) بالامر والنهي، والاجوبة عما تسال الشيعة عنه اذا احتاجت الى سؤال فيه، بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن (ع) فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالتهما الى ان توفي عثمان.... وحصل الامر كله مردودا اليه والشيعة مجتمعة على عدالته، والثقة به، وامانته لما تقدم له من النص عليه بالامانة، والعدالة، والامر بالرجوع اليه في حياة الحسن (ع) وبعد موته في حياة ابيه عثمان رحمة اللّه عليه)((٢٤٠)).

وقد سبق ان ذكرنا النص الذي اشار اليه الكاتب رحمه اللّه على ابي جعفر محمد بن عثمان في عدة روايات، وفي اكثر من مرة، من قبل الامام الحسن (ع) في حديثنا المتقدم عن ابيه رضي اللّه عنه، لان الامام (ع) جمع بينهما فيه، وافرد (ع) ابا جعفر في بعضها بالاشارة الى انه وكيل الامام المهدي (ع).
اما النص عليه من الامام المهدي (ع) فبالرغم من انه لا حاجة اليه مجددا بحكم نيابته القائمة له زمن ابيه رحمه اللّه فانه مع ذلك اكد (ع) استمرار هذه النيابة كما هو واضح في كتاب تعزيته له بابيه رضي اللّه عنه. وكتب اخرى تلقاها عدد من اعيان الشيعة آنذاك.
روي مسندا عن محمد بن ابراهيم بن مهزيار ((٢٤١)) انه خرج اليه بعد وفاة ابي عمرو (عثمان بن سعيد) رحمه اللّه من الامام المهدي (ع) توقيع جاء فيه: (والابن وقاه اللّه لم يزل ثقتنا في حياة الاب (رضي اللّه عنه، وارضاه ونضر وجهه) يجري عندنا مجراه، ويسد مسده، وعن امرنا يامر الابن وبه يعمل تولاه اللّه!
فانته الى قوله، وعرف معاملتنا ذلك)((٢٤٢)). وروي ايضا مسندا عن محمد بن يعقوب عن اسحاق بن يعقوب:
انه تلقى التوقيع بخط مولانا صاحب الدار (ع) وفيه: (واما محمد بن عثمان العمري رضي اللّه عنه وعن ابيه من قبل فانه ثقتي وكتابه كتابي)((٢٤٣)). وبالاسناد الى عبد اللّه بن جعفر الحميري قال:
لما مضى ابو عمرو رضي اللّه عنه، اتتنا الكتب بالخط الذي كنا نكاتب به (يعني من الامام المهدي (ع)) باقامة ابي جعفر رضي اللّه عنه مقامه ((٢٤٤)).
وجاء في رواية هبة اللّه عن شيوخه، وهم يتحدثون عن ابي جعفر العمري قولهم: (وقد نقلت عنه دلائل كثيرة، ومعجزات الامام ظهرت على يديه، وامور اخبرهم بها عنه ((٢٤٥)) زادتهم في هذا الامر بصيرة، وهي مشهورة عند الشيعة)((٢٤٦)).

وروى، مسندا عن عبد اللّه بن جعفر الحميري، رحمه اللّه، انه قال: سالت محمد بن عثمان رضي اللّه عنه فقلت له: هل رايت صاحب هذا الامر؟ قال: نعم، وآخر عهدي به عندبيت اللّه الحرام، وهو (ع) يقول: (اللّهم انجز لي ما وعدتني)((٢٤٧)). وقال (رضي اللّه عنه) في رواية ابي جعفر بن بابويه: (ان صاحب هذا الامر ليحضر الموسم كل سنة يرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه)((٢٤٨)). من توقيعات الامام المهدي (ع) بوساطته امتدت نيابة ابي جعفر محمد بن عثمان العمري رضوان اللّه عليه للامام (ع) زمنا طويلا لم يحصل لاي واحد من النواب الاخرين. فقد تولى ذلك في حياة الامام الحسن(ع) مع ابيه رحمه اللّه للامام الحسن ثم المهدي (ع)، واستمر مع ابيه حتى توفي ثم قام بذلك منفردا حتى وفاته سنة ٣٠٤ ه او سنة ٣٠٥ ه، وقد قدروا مدة توليه للنيابة بنحو خمسين سنة ((٢٤٩)). ولذلك، فمن المتوقع ان يكون ما جاء بوساطته من آثار الإمام (ع) وتوقيعاته كثيرا جدا، ولم يصلنا منه الا القليل لما بيناه من الاسباب. ومع ذلك فما اثر عنه رحمه اللّه اكثر مما هو عن غيره..
ومن الاثار المعروفة التي جاءت عن طريقه بعض الادعية، كالدعاء الذي ورد في كتب الدعاء (انه يقرا في كل يوم من رجب ((٢٥٠))، وهو كما يرى العارفون من اهم الادعية في مضامينه المعرفية المتصلة بولاية الخلق الاول، اي المبادئ الاولى القائمة بربها، والمقومة لما بعدها بحكم ما يقتضيه الخلق من سلسلة طولية واكوان متعددة تكون وسطا واسبابا لكون الكائن المركب)((٢٥١)). وكدعاء الافتتاح المشهور الذي يقرا في ليالي رمضان ((٢٥٢))، ولا حاجة لبيان انه من اهم الادعية في لغته واسلوبه ومضامينه العقائدية، فهذا الجانب ملحوظ لدى كل من قراه، ولقد رايت شخصا غمرته روعة اسلوبه ومعانيه، وهو يقراه فرفع راسه قائلا:
كيف يقولون: انه غائب وهذا نوره يضيء قلوبنا وهذه انفاسه تهزنا من العمق؟
وذكرت ادعية وزيارات اخرى نسبت الى الامام (ع) وانها صدرت في زمن الشيخ رحمه اللّه يمكن من شاء مراجعتها والتاكد من نسبتها من مصادرها الخاصة، ككتب الادعية والزيارات المعروفة والكتب المؤلفة في الامام (ع) ونوابه وما صدر عنهم.
ومن توقيعاته (ع) بواساطته ما رواه محمد بن يعقوب الكليني عن اسحاق بن يعقوب قال: سالت محمد بن عثمان العمري، رحمه اللّه، ان يوصل لي كتابا قد سالت فيه عن مسائل اشكلت علي فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (ع): (اما ما سالت عنه، ارشدك اللّه وثبتك ووقاك، امر المنكرين لي من اهل بيتنا، وبني عمنا، فاعلم انه ليس بين اللّه عز وجل وبين احد قرابة، ومن انكرني فليس مني وسبيله سبيل ابن نوح. واما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل اخوة يوسف، واما الفقاع فشربه حرام ولا باس بالشلماب.
واما اموالكم فلا نقبلها الا لتطهروا، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع، وما آتانا اللّه خير مما آتاكم.
واما ظهور الفرج فانه الى اللّه، وكذب الوقاتون.
واما قول من زعم ان الحسين (ع) لم يقتل فكفر وتكذيب وضلال ((٢٥٣)).
واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم، وانا حجة اللّه.
واما محمد بن عثمان العمري فرضي اللّه عنه وعن ابيه من قبل فانه ثقتي وكتابه كتابي.
واما محمد بن علي بن مهزيار الاهوازي فسيصلح اللّه قلبه، ويزيل شكه..
واما ما وصلتنا به فلا قبول عندنا الا لما طاب وطهر، وثمن المغنية حرام((٢٥٤)).
واما محمد بن شاذان بن نعيم فانه رجل من شيعتنا اهل البيت.
واما ابو الخطاب محمد بن ابي زينب الاجدع (من رؤوس الغلاة) فملعون، واصحابه ملعونون، فلا تجالس اهل مقالتهم فاني منهم بريء وآبائي منهم براء. واما المتلبسون باموالنا فمن استحل منها شيئا فاكله فانما ياكل النيران.
واما الخمس فقد ابيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل الى وقت ظهور امرنا لنطيب ولادتهم، ولا تخبث.
واما ندامة قوم شكوا في دين اللّه على ما وصلونا به، فقد اقلنا من استقال فلا حاجة الى صلة الشاكين.
واما علة ما وقع من الغيبة فان اللّه عز وجل يقول: (يا ايها الذين آمنوا لا تسالوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم) [المائدة: ١٠١] انه لم يكن احد من آبائي الا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، واني اخرج حين اخرج ولا بيعة لاحد من الطواغيت في عنقي.
واما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس اذا غيبتها عن الابصار السحاب ((٢٥٥)) واني لامان لاهل الارض كما ان النجوم امان لاهل السماء ((٢٥٦))، فاغلقوا ابواب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا علم ما قد كفيتم، واكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فان ذلك فرجكم. والسلام عليك يا اسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى)((٢٥٧)). وفاة الشيخ ابي جعفر العمري روي عن ابي الحسن علي بن احمد الدلال القمي رحمه اللّه قال: (دخلت على ابي جعفر محمد بن عثمان رضي اللّه عنه يوما لاسلم عليه، فوجدته وبين يديه ساجة ونقاش ينقش عليها ويكتب آيا من القرآن واسماء الائمة (ع)، فقلت: يا سيدي ما هذه الساجة؟ فقال لي: هذه لقبري تكون فيه، وقال: وانا في كل يوم انزل فيه فاقرا جزءا من القرآن وآخذ بيدي فارانيه. فاذا كان يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا صرت الى اللّه عز وجل ودفنت فيه، وهذه الساجة معي فلما خرجت من عنده اثبت ما ذكره، ولم ازل مترقبا به ذلك. فما تاخر الامر حتى اعتل ابو جعفر رحمه اللّه فمات في اليوم الذي ذكره من الشهر الذي قاله من السنة التي ذكرها ودفن فيه)((٢٥٨)). وكانت وفاته في آخر جمادى الاولى سنة ٣٠٤ او سنة ٣٠٥ ه. ((٢٥٩))
النائب الثالث
الشيخ ابو القاسم الحسين بن روح النوبختي، رضوان اللّه، عليه.
ذكر المؤرخون انه كان لدى ابي جعفر محمد بن عثمان العمري، رحمه اللّه، اثناء حياته نحو عشرة رجال يعتمدهم في قضاء حاجاته، منهم ابو القاسم الحسين بن روح، رحمه اللّه، وكلهم كانوا كما يبدو اخص منه لديه حتى انه كان ينجز حاجاته على الاغلب على يد غيره، وقد فسروا ذلك بانه كان اقل خصوصية لديه منهم. ولكن الاختيار وقع آخر الامر عليه.
ومما ذكروا ايضا ان مشائخ الشيعة كانوا يتوقعون، كما روى ابن قولويه ان الذي سيقوم مقام ابي جعفر، رحمه اللّه، اذا ما توفاه اللّه تعالى، جعفر بن احمد بن متيل لما يرون من مكانته لديه، وما يبدو له من خصوصية عنده، عدوا من شواهدها كثرة تواجده في منزله حتى بلغ انه كان في آخر عمره لا ياكل طعاما الا ما اصلح في منزل جعفر وابيه،فلما وقع الاختيار في الوصية على ابي القاسم الحسين بن روح سلم آل متيل، ولم ينكروا، وكانوا معه، وبين يديه كما كانوا مع ابي جعفر (محمد بن عثمان) حتى مات ((٢٦٠)). لكن هذا التصور لمكانته وخصوصيته من ابي جعفر، رحمه اللّه، كما يبدو لنا، راي لبعضهم منتزع من العلاقات المنظورة العامة والشخصية بين الشيخ العمري رحمه اللّه وبين المحيطين به من وكلائه وثقاته واخوانه من المؤمنين، ولا يدل شيء مما ذكروه من شواهد على تقدم منزلتهم على الحسين بل قد يفهم من ذلك العكس.
وهناك روايات اخرى تشير الى ان لابي القاسم الحسين بن روح، رحمه اللّه، مكانة متقدمة ابتداء لدى الشيخ العمري، ففي رواية عن ام كلثوم بنت ابي جعفر العمري رحمها اللّه انها قالت: كان ابو القاسم الحسين بن روح، رضي اللّه عنه، وكيلا لابي جعفر، رضي اللّه عنه، سنين كثيرة ينظر له في املاكه ويلقى باسراره الرؤساء من الشيعة، وكان خصيصا به حتى انه كان يحدثه بما يجري بينه وبين جواريه لقربه منه، وانسه به. قالت:
وكان يدفع اليه في كل شهر ثلاثين دينارا رزقا له الى ان قالت:
(وحل في انفس الشيعة محلا جليلا لمعرفتهم باختصاص ابي اياه، وتوثيقه عندهم ونشر فضله ودينه وما كان يحتمله من هذا الامر، فمهدت له الحال في طول حياة ابي الى ان انتهت الوصية اليه بالنص عليه فلم يختلف في امره، ولم يشك فيه احد)((٢٦١)).
وروى ابو جعفر محمد بن علي الاسود رحمه اللّه قال: كنت احمل الاموال التي تحصل في باب الوقف الى ابي جعفر محمد بن عثمان العمري رحمه اللّه فيقبضها مني، فحملت اليه يوما في آخر ايامه قبل موته بسنتين، او ثلاث، سنين فامرني بتسليمها الى ابي القاسم الروحي رضي اللّه عنه.
قال: وكنت اطالبه بالقبوض فشكاني اليه فامرني ان لا اطالبه بها، وقال: كل ما وصل الى ابي القاسم فقد وصل الي.
وكتب: احمل بعد ذلك اموالك اليه ولا تطالبه بالقبوض ((٢٦٢)) وروي مثل ذلك عن ابي عبد اللّه جعفر بن عثمان المدائني المعروف بابن قزدا رحمه اللّه، فقد ذكر انه كان يحمل المال للعمري رحمه اللّه، وانه صار اليه آخر عهده به قدس سره، وقال له: تقبضها انت مني على الرسم. قال: فرد علي كالمنكر لقولي، وقال: قم عافاك اللّه فادفعها الى الحسين بن روح. وقال: انه استجاب حين راى الغضب في وجهه، ولكنه في بعض الطريق رجع كالشاك، واصر على مقابلته مرة اخرى.
فقال له العمري، رحمه اللّه، حين خرج اليه: ما الذي جراك على الرجوع؟ لم لم تمتثل ما قلته لك؟ وحين ذكر له ما رآه عذرا من حالته وتردده.
قال له العمري رحمه اللّه وهو مغضب في ما ذكر : قم عافاك اللّه، فقد اقمت ابا القاسم الحسين بن روح مقامي ونصبته منصبي. قال: فقلت: بامر الامام (ع).
فقال رحمه اللّه: قم عافاك اللّه كما اقول لك.
قال: فلم يكن عندي غير المبادرة ((٢٦٣)).
وعن ابي علي محمد بن همام رضي اللّه عنه وارضاه ان ابا جعفر محمد بن عثمان العمري قدس اللّه روحه، جمعنا قبل موته وكنا وجوه الشيعة وشيوخها فقال لنا: ان حدث علي الموت فالامر الى ابي القاسم الحسين بن روح النوبختي فقد امرت ان اجعله موضعي بعدي فارجعوا اليه وعولوا في اموركم عليه ((٢٦٤)).
وروى عن ابي نصر هبة اللّه بن محمد (ابن بنت ام كلثوم ابنة الشيخ العمري رحمه اللّه) قال: (حدثني خالي ابو ابراهيم جعفر بن احمد النوبختي قال: قال لي ابي احمد بن ابراهيم وعمي ابو جعفر عبد اللّه بن ابراهيم، وجماعة من اهلنا يعني (بني نوبخت): ان ابا جعفر العمري لما اشتدت حاله، اجتمع جماعة من وجوه الشيعة منهم ابو علي بن همام، وابو عبد اللّه بن محمد الكاتب، وابو عبد اللّه الباقطاني، وابو سهل اسماعيل بن علي النوبختي، وابو عبد اللّه بن الوجناء، وغيرهم من الوجوه والاكابر فدخلوا على ابي جعفر رضي اللّه عنه فقالوا له:
ان حدث امر فمن يكون مكانك؟
فقال لهم: هذا ابو القاسم الحسين بن روح بن ابي بحر النوبختي القائم مقامي، والسفير بينكم وبين صاحب الامر، والوكيل، والثقة الامين، فارجعوا اليه في اموركم وعولوا عليه في مهماتكم فبذلك امرت وقد بلغت)((٢٦٥)). وروى علي بن احمد بن متيل عن عمه جعفر بن احمد بن متيل قال: لما حضرت ابا جعفر محمد بن عثمان العمري (رضي اللّه عنه) الوفاة.. كنت جالسا عند راسه اساله، واحدثه وابو القاسم بن روح عند رجليه..
فالتفت الي ثم قال: امرت ان اوصي الى ابي القاسم الحسين بن روح.
قال رحمه اللّه: فقمت من عند راسه، واخذت بيد ابي القاسم واجلسته في مكاني، وتحولت الى عند رجليه ((٢٦٦)).
كرامات الشيخ ابن روح رحمه اللّه
للشيخ ابن روح مثل غيره ممن اختارهم الامام المهدي (ع) لنيابته زمن الغيبة الصغرى صفات مميزة قدمته على غيره من العلماء الذين عاصروه، وتصور الكثيرون - ابتداءً - انهم من سيتولى الامر دونه.
منها ما شهد له بها العالم المتكلم المعروف ابو سهل النوبختي وذكرناها في صدر البحث حين سئل عن سر اختيار الشيخ ابن روح دونه، فقد ذكر ما معناه انه يتمتع بقدرة فدائية لا نظير لها في كتمانه لسر الامام (ع) قال: (لو كان الحجة (ع) تحت ذيله، وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه، واعترف انه لا يحرز من نفسه مثل ذلك)((٢٦٧)).

وبمثل ذلك شهدت له ام كلثوم ابنة الشيخ العمري رحمه اللّه، فقد ذكرت في جملة ما اثنت به عليه (ما كان يحتمله من هذا الامر).
وقد ساقوا وقائع عديدة مما اظهر اللّه على يديه من كرامات تشهد لصلته الحقة بالامام المهدي (ع) منها، وننقلها باسلوب صاحبها من دون تصرف:
ما روي عن محمد بن الحسن الصيرفي المقيم ببلخ قال:
(اردت الخروج الى الحج، وكان معي مال بعضه ذهب سبائك، وما كان من فضة فهو نقد، وقد كان دفع ذلك المال الي لاسلمه الى الشيخ ابي القاسم الحسين بن روح قدس اللّه روحه.
قال: فلما نزلت سرخس ضربت خيمتي على موضع فيه رمل، وجعلت اميز تلك السبائك والنقد، فسقطت سبيكة من تلك السبائك مني، وغاصت في الرمل وانا لا اعلم. فلما دخلت همدان ميزت تلك السبائك والنقد مرة اخرى اهتماما مني بحفظها ففقدت منها سبيكة وزنها مئة مثقال وثلاثة مثاقيل، او قال: ثلاثة وتسعون مثقالا.قال: فسبكت مكانها من مالي بوزنها سبيكة، وجعلتها مع السبائك.
فلما وردت مدينة السلام، قصدت الشيخ ابا القاسم الحسين بن روح قدس اللّه روحه، وسلمت اليه ما كان معي من السبائك والنقد. فمد يده من بين السبائك الى تلك السبيكة التي كنت سبكتها من مالي بدلا مما ضاع مني فرمى بها الي وقال لي:
ليست هذه السبيكة لنا، سبيكتنا ضيعتها بسرخس حيث ضربت خيمتك في الرمل فارجع الى مكانك، وانزل حيث نزلت، واطلب السبيكة هناك تحت الرمل فانك ستجدها وتعود الى هنا فلا تراني.
قال: فرجعت الى سرخس، ونزلت حيث كنت نزلت ووجدت السبيكة، وانصرفت الى بلدي، فلما كان بعد ذلك حججت ومعي السبيكة فدخلت مدينة السلام وقد كان الشيخ ابو القاسم الحسين بن روح رضي اللّه عنه قد مضى (توفى) ولقيت ابا الحسن السمري فسلمت اليه السبيكة)((٢٦٨)). ونقل الشيخ الصدوق ((٢٦٩)) والشيخ الطوسي ((٢٧٠)) والشيخ المجلسي ((٢٧١)) وقائع اخرى قد تفوق هذه غرابة ودلالة، وسننقل واقعة اخرى لا لما تتضمنه من دلالة في هذا الجانب فقط لانه اجاب فيها على ما يدور من تساؤل في ذهن الرجل ابتداء قبل ان يفضي به اليه بل لجانبين آخرين.
اولهما: دلالتها على مكانته العلمية وسعة معرفته في ما يتصل بشؤون العقيدة والشريعة بصورة عامة، وذلك ما يبدو لنا في منطقية اجابته واحكامها على الشبهة التي اثارها السائل. ثانيهما: اتصال هذه المعرفة بالامام (ع)، وانها ليست رايا له، وتاكيده انه لا يقول اذا ما قال شيئا الا عن الامام (ع) دائما، وتلك صلة لا نكاد نستوعب صورتها عظمة.
والواقعة نقلها لنا محمد بن ابراهيم بن اسحاق الطالقاني (رضي اللّه عنه) نذكرها باسلوبه:
قال: كنت عند الشيخ ابي القاسم الحسين بن روح قدس اللّه روحه مع جماعة فيهم: علي بن عيسى القصري، فاقبل إليه رجل فقال:
اني اريد ان اسالك عن شيء.. فقال له: سل عما بدا لك.
فقال الرجل: اخبرني عن الحسين بن علي (ع) اهو ولي اللّه؟
قال: نعم.
قال: اخبرني عن قاتله اهو عدو اللّه؟
قال: نعم.
قال الرجل: فهل يجوز ان يسلط اللّه عز وجل عدوه على وليه؟
فقال له ابو القاسم بن روح قدس اللّه روحه:
(افهم عني ما اقول لك: اعلم ان اللّه عز وجل لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان، ولا يشافههم بالكلام، ولكنه جل جلاله يبعث اليهم رسلا من اجناسهم، واصنافهم بشرامثلهم ولو بعث اليهم رسلا من غير صنفهم وصورهم لنفروا عنهم، ولم يقبلوا منهم فلما جاءوهم، وكانوا من جنسهم ياكلون الطعام، ويمشون في الاسواق. قالوا لهم:انتم بشر مثلنا ولا نقبل منكم حتى تاتونا بشيء نعجز ان ناتي بمثله فنعلم انكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه، فجعل اللّه عز وجل لهم المعجزات التي نعجز عنها،فمنهم من جاء بالطوفان بعد الانذار والاعذار فغرق جميع من طغى وتمرد، ومنهم من القي في النار فكانت عليه بردا وسلاما، ومنه من فلق له البحر، وفجر له من الحجر العيون، وجعل له العصا اليابسة ثعبانا يلتقف ما يافكون، ومنهم من ابرا الاكمه والابرص واحيا الموتى باذن اللّه، وانباهم بما ياكلون وبما يدخرون في بيوتهم، ومنهم من انشق له القمر وكلمته البهائم مثل البعير والذئب، وغير ذلك.
فلما اتوا بمثل ذلك، وعجز الخلق عن امرهم وعن ان ياتوا بمثله كان من تقدير اللّه عز وجل ولطفه بعباده وحكمته ان جعل الانبياء مع هذه القدرة والمعجزات في حال غالبين وفي اخرى مغلوبين وفي حال قاهرين وفي حال مقهورين، ولو جعلهم اللّه عز وجل في جميع احوالهم غالبين وقاهرين، ولم يمتحنهم لاتخذهم الناس آلهة من دون اللّه عز وجل، ولما عرف فضل صبرهم على البلاء والمحن والاختبار، ولكنه عز وجل جعل احوالهم في ذلك كاحوال غيرهم ليكونوا في حال المحنة والبلوى صابرين، وفي حال العافية والظهور على الاعداء شاكرين، ويكونوا في جميع احوالهم متواضعين غير شامخين ولا متجبرين، وليعلم العباد ان لهم الها هو خالقهم ومدبرهم فيعبدوه ويطيعوا رسله، وتكون حجة اللّه ثابتة على من تجاوز الحد فيهم، وادعى الربوبية لهم او عاند او خالف وعصى، وجحد بما اتت به الانبياء، والرسل ((٢٧٢))، ليهلك من هلك على بينة، ويحيا من حي عن بينة). قال محمد بن ابراهيم بن اسحاق رضي اللّه عنه: فعدت إلى الشيخ ابي القاسم بن روح قدس اللّه روحه من الغد، وانا اقول في نفسي: اتراه ذكر ما ذكر لنا يوم امس من عند نفسه... فابتداني فقال لي:
يا محمد بن ابراهيم لان اخر من السماء فتخطفني الطير وتهوي بي الريح في مكان سحيق احب الي من ان اقول في دين اللّه عز وجل برايي، ومن عند نفسي بل ذلك عن الاصل، ومسموع عن الحجة صلوات اللّه وسلامه عليه ((٢٧٣)).
من توقيعات الامام المهدي (ع) بوساطته مما خرج عن الامام (ع) ردا على الغلاة جوابا لكتاب كتب إليه على يدي محمد بن علي بن هلال الكرخي التوقيع التالي: (يا محمد بن علي: تعالى اللّه وجل عما يصفون سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاءه في علمه ولا في قدرته بل لا يعلم الغيب غيره كما قال في محكم كتابه تباركت اسماؤه: (قل لا يعلم من في السموات والارض الغيب الا اللّه) [النمل: ٦٥].
وانا وجميع آبائي من الاولين: آدم ونوح وابراهيم وموسى وغيرهم من النبيين، ومن الاخرين محمد رسول اللّه وعلي بن ابي طالب وغيرهم ممن مضى من الائمة صلوات اللّه عليهم اجمعين الى مبلغ ايامي ومنتهى عصري عبيد اللّه عز وجل.
يقول اللّه عز وجل: (ومن اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة اعمى. قال: رب لم حشرتني اعمى وقد كنت بصيرا. قال: كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) [طه: ١٢٤ ١٢٦].
يا محمد بن علي: قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم، ومن دينه جناح بعوضة ارجح منه. فاشهد اللّه الذي لا اله الا هو وكفى به شهيدا ورسوله محمدا (ص)، وملائكته وانبياءه واولياءه (ع) واشهدك، واشهد كل من سمع كتابي هذا: اني بريء الى اللّه والى رسوله ممن يقول انا نعلم الغيب ((٢٧٤)) ونشاركه في ملكه او يحلنا محلا سوى المحل الذي رضيه لنا،وخلقنا له، او يتعدى بنا عما قد فسرته لك وبينته في صدر كتابي.
واشهدكم: ان كل من نبرا منه فان اللّه يبرا منه وملائكته ورسله، واولياؤه، وجعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب امانة في عنقك، وعنق من سمعه ان لا يكتمه عن احد من موالي وشيعتي حتى يظهر على هذا التوقيع الكل من الموالي، لعل اللّه عز وجل يتلافاهم فيرجعون الى دين اللّه الحق، وينتهون عما لا يعلمون منتهى امره، ولا مبلغ منتهاه. فكل من فهم كتابي ولا يرجع الى ما قد امرته ونهيته فقد حلت عليه اللعنة من اللّه وممن ذكرت من عباده الصالحين) ((٢٧٥)). وهناك توقيعات اخرى كثيرة منها التوقيع الذي سنذكره في الجزء الثاني الخاص بادعياء المهدوية والبابية عن الشلمغاني واشباهه، مضافا لروايته عن الامام ابي محمد الحسن العسكري (ع)((٢٧٦)).
وفاة الشيخ ابن روح اعلى اللّه مقامه استمرت نيابة الشيخ ابن روح للامام المهدي من سنة ٣٠٤ او ٣٠٥ ه لدى وفاة ابي جعفر العمري رحمه اللّه حتى وفاته في شعبان سنة ٣٢٦ ه، اي اكثر من عشرين سنة،هذا عدا السنين التي قضاها لصقا للشيخ العمري رحمه اللّه.
وقد اوصى بامر الامام المهدي (ع) الى:
النائب الرابع
وهو ابو الحسن علي بن محمد السمري (رضي اللّه عنه) المتوفى في النصف من شعبان سنة ٣٢٩ ه قال الشيخ الطوسي رحمه اللّه في الغيبة: اخبرني محمد بن محمد النعمان والحسين بن عبيد اللّه احمد بن محمد الصفواني، قال: اوصى الشيخ ابو القاسم رضي اللّه عنه الى ابي الحسن علي بن محمد السمري رضي اللّه عنه، فقام بما كان الى ابي القاسم. ((٢٧٧))
وروى ذلك مسندا عن ابي عبد اللّه محمد بن خليلان قال:
حدثني ابي عن جده عتاب من ولد عتاب بن اسيد وذكر حديثا جاء فيه، واوصى ابو القاسم الى ابي الحسن علي بن محمد السمري رضي اللّه عنه ((٢٧٨)).
ورغم قلة الروايات الواردة في الوصية اليه نسبة لمن تقدم من النواب الثلاثة السابقين فان التسليم بها من قبل شيعة اهل البيت (ع) قائم من زمنه حتى الان، وما كان ذلك ليكون وفيهم علماء محدثون ومتكلمون كبار لو لم يكن ثابتا بصورة لا تقبل الريب.
قال الشيخ الطبرسي، واورد ذلك المجلسي عنه:
واما الابواب المرضيون والسفراء الممدوحون في زمان الغيبة، فاولهم الشيخ الموثوق به ابو عمرو عثمان بن سعيد العمري وبعد حديث عن تاريخ نيابته للائمة قال: فلما مضى لسبيله قام ابنه ابو جعفر محمد بن عثمان مقامه، وناب منابه في جميع ذلك.
فلما مضى هو قام بذلك ابو القاسم حسين بن روح من بني نوبخت. فلما مضى هو قام مقامه ابو الحسن علي بن محمد السمري ولم يقم احد منهم الا بنص عليه من قبل صاحب الامر (ع)، ونصب صاحبه الذي تقدم عليه، ولم تقبل الشيعة قولهم الا بعد ظهور آية ومعجزة تظهر على يد كل واحد منهم من قبل صاحب الامر (ع) تدل على صدق مقالتهم، وصحة نيابتهم. ((٢٧٩))
بعض كراماته وتحدث الشيخ الصدوق، رحمه اللّه، عن احدى كراماته فقال: حدثنا ابو الحسن صالح بن شعيب الطالقاني رضي اللّه عنه، في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة قال: حدثنا ابو عبد اللّه احمد بن ابراهيم بن مخلد قال: حضرت بغداد عند الشيخ رضي اللّه عنه فقال الشيخ ابو الحسن علي بن محمد السمري قدس اللّه روحه ابتداء منه: رحم اللّه علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي فكتب المشايخ تاريخ ذلك اليوم، فورد الخبر انه توفي ذلك اليوم ((٢٨٠)).
وفي رواية الشيخ الطوسي بسنده عن جماعة من اهل قم منهم عمران الصفار، وقريبه علوية الصفار والحسين بن احمد بن علي بن احمد بن ادريس رحمهم اللّه قالوا:(حضرنا بغداد في السنة التي توفي فيها علي بن الحسين بن موسى بن بابويه وكان ابو الحسن علي بن محمد السمري قدس سره يسالنا كل قريب عن خبر علي بن الحسين رحمه اللّه فنقول قد ورد الكتاب باستقلاله. حتى كان اليوم الذي قبض فيه فسالنا عنه فذكرنا له مثل ذلك.. فقال: آجركم اللّه في علي بن الحسين فقد قبض في هذه الساعة. قالوا: فاثبتنا تاريخ الساعة، واليوم والشهر، فلما كان بعد سبعة عشر يوما او ثمانية عشر يوما ورد الخبر انه قبض في تلك الساعة التي ذكرها الشيخ ابو الحسن قدس سره) ((٢٨١)).الامام المهدي (ع) يخبر نائبه السمري بوفاته ويامره بعدم الوصية لاحد روى الشيخ الصدوق رحمه اللّه قال: حدثنا ابو محمد احمد بن الحسن المكتب قال: (كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ ابو الحسن علي بن محمد السمري قدس سره، فحضرته قبل وفاته بايام فاخرج توقيعا نسخته:
بسم اللّه الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري، عظم اللّه اجر اخوانك فيك فانك ميت ما بينك وبين ستة ايام فاجمع امرك، ولا توص الى احد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية (وفي رواية الطوسي: التامة) فلا ظهور الا بعد اذن اللّه، تعالى ذكره، وذلك بعد طول الامد. وقسوة القلوب وامتلاء الارض جورا، وسياتي شيعتي من يدعي المشاهدة، الا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر ((٢٨٢)) ولا حول ولا قوة الا باللّه العلي العظيم). قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا اليه وهو يجود بنفسه فقيل له: من وصيك من بعدك؟
فقال رحمه اللّه: للّه امر هو بالغه.
ومضى رضي اللّه، عنه فهذا آخر كلام سمع منه رحمه اللّه ((٢٨٣)) وكانت وفاته في النصف من شعبان سنة ٣٢٩ ه((٢٨٤))((٢٨٥)).
مدعو الرؤية في الغيبة الكبرى ويثير هذا التوقيع وغيره من الروايات التي يظهر منها نفي رؤيته في الغيبة الكبرى اشكالا حول ما رواه علماء ومحدثون كبار عن علماء واهل معرفة وصلاح من رؤيته، والتشرف بخدمته (ع)، وهو ما سنتناوله في البحث الثالث التالي عن الغيبة الكبرى. وما يتصل بها. ثم في الجزء الثاني الخاص عن مدعي المهدوية والبابية ان شاء اللّه تعالى.

الفصل الثالث: الغيبة الكبرى... كيف؟ ولماذا؟ والى متى؟
تمهيد

عرفنا، في البحثين الاول والثاني من الفصل الاول، انه قد ثبت بالتواتر وهو يفيد العلم لدى المسلمين من اهل السنة والشيعة ان الرسول (ص) قد بشر بالامام المهدي واسمه (محمد) وانه سيخرج في آخر الزمان فيملا الارض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا، وان المسيح سينزل فيصلي خلفه وانه سينصر بالملائكة ويكون جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله ((٢٨٦)).
ووقفنا، في هذين البحثين، على ما وراء ذلك مما اختلفوا فيه من مسائل تتصل به كاسم ابيه، وجده الاعلى، وتاريخ مولده، ومقامه من الرسول (ص).
وانتهت بنا الادلة والمناقشات الى ان المهدي المنتظر (ع) هذا ليس الا الامام الثاني عشر من اهل البيت محمد بن الحسن العسكري (ع)، وهو آخر اوصياء الرسول (ص)وخلفائه بالمعنى الاخص، وهؤلاء هم امتداده في العصمة العلمية والعملية طبقا لما يفيده اتساق الادلة في ما بينها من جهة، وفي ما بينها وبين القاعدة العقائدية في التوحيد من جهة اخرى، وخلود الرسالة وشمولها من جهة ثالثة، ثم تطابقها مع الواقع التاريخي لهؤلاء الائمة: دعوى وعلما وعملا وآثارا من جهة رابعة ((٢٨٧)).
وقد اثبت اهل الكشف من الصوفية من جهتهم ذلك كما شرحناه في البحث الثالث من هذا الفصل.

البحث الاول: لماذا لا يكون المهدي (ع) رجلا آخر؟

ولكن لماذا لا يكون المهدي (ع) رجلا آخر سيولد في المستقبل؟ وكيف نتقبل غيبته طوال هذه القرون الكثيرة التي تجاوز العمر الطبيعي للانسان بصورة غير مقبولة علميا وواقعيا؟
وما وجه الحكمة فيها؟ وهل له ما بين الغيبة الى الظهور دور بالنسبة الى اهل الارض..؟
وكيف يمكن ان نتصور انتصاره على عالم اليوم بامكاناته العلمية والصناعية وخزينه من الاسلحة الحربية المتطورة؟
والجواب على التساؤل الاول اعني لماذا لا يكون المهدي (ع) رجلا آخر سيولد في المستقبل؟ هو:
ان الامر كما شاء اللّه لا كما يشاء خلقه و(اللّه اعلم حيث يجعل رسالته) [الانعام: ١٠٤].
ولذلك فان تشخيص المهدي المنتظر (ع) بالامام الثاني عشر بالذات انما رجعنا فيه الى ما اثبتته الاحاديث المتواترة عن الرسول (ص) والاوصياء المعصومين من اهل بيته (ع)، على اننا يمكن ان نرى ان الاساس في ذلك هو موقع الامام المهدي (ع) ليس بوصفه اماما، وخليفة بالمعنى الاخص للرسول (ص) فقط، بل بوصفه آخر هؤلاء الخلفاء الاوصياء، ولذلك فهو بحكم ذلك صاحب الزمان من اول عهد امامته حتى قيام الساعة، اي ان هذا الزمان هو زمان امامته ومسؤوليته بما انه آخر اوصياء الرسول (ص)، ولذلك فان كونه المهدي المنتظر يصبح مفروضا.
يتضح ذلك اكثر حين نضع امامنا المقدمات المسلمة الاتية معطوفا بعضها على بعض.
وهي: (ان الثابت، في المنقول من الروايات عن الائمة من اهل البيت(ع)، عدم جواز خلو الارض من حجة للّه ظاهرا مشهورا او غائبا مستورا) ((٢٨٨)).
وذلك يلتقي وما يحكم به العقل ايضا بحكم (قاعدة اللطف)، ويعنون بها رحمة اللّه بخلقه لما يعلم من حاجتهم بوصفهم مكلفين للمعرفة والحجة. ومن امثلة ذلك بالنسبة لنا ان اللّه سبحانه شاء ان تكون الرسالة الاسلامية خالدة وشاملة، تحقيقا لما يفرضه التوحيد من وحدة الطاعة او العبادة، ولكن ذلك غير قائم بصورته الواقعية بحكم الاختلاف الموجود بين المذاهب، واختلاف الاجتهادات داخل المذهب الواحد، ولا يمكن ان يحسم هذا الاختلاف الا امام معصوم او خليفة بالمعنى الاخص، ومع واقع ختم النبوة بالرسول محمد (ص) فلا نبي بعده وانتقاله الى الدار الاخرة وتحديد الائمة الاوصياء (باثني عشر) وانتقال احد عشر منهم الى الدار الاخرة كذلك.
فلم يبق اذا الا ان يكون هو الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن) (ع).
ومع غض النظر عن ذلك، فاننا لا يمكن ان نتصور المهدي المنتظر (ع) بصفاته، ومقامه العظيم، ودوره الكبير كما صورته الاحاديث الصحيحة المتواترة ((٢٨٩)) من دون مستوى الخلافة بالمعنى الاخص. ولا يمكن ان نتصور ايضا وجود هذا المستوى وراء العدد المحدد (باثني عشر) طبقا لما دلت عليه النصوص الصحيحة، واذا فلم يبق الا ان يكون المهدي المنتظر (ع) الذي بشرت به الاحاديث هو نفس الامام الثاني عشر الذي غاب غيبته الصغرى النسبية من سنة ٢٦٠ الى سنة ٣٢٩ ه، ثم غاب بعدها الغيبة الكبرى التي لا تزال قائمة حتى الان. وربما كان وراء ظروف الغيبة الصغرى التي تحدثنا عنها غرض آخر هو التمهيد لتقبل الغيبة الكبرى فان صورتهما واحدة باستثناء وجود النواب الاربعة المعروفين، وما يعطيه هذا الوجود من الحضور النفسي والعلمي للامام لدى المؤمنين بحكم امكان الرجوع اليه لدى الحاجة، وتلقي الاجابة بخطه كما ذكر في البحثين: الاول والثاني من هذا الفصل.
اما الغيبة الكبرى فانها تعني غلق هذه الصورة للصلة به من جهة الناس لا من جهته (ع).
وفرق آخر هو ان تلك الغيبة كانت ضمن العمر الطبيعي للانسان، وكانت وهي نسبية مفهومة ومتعقلة من حيث حكمتها دافعا وغاية بخلاف الغيبة الكبرى.
الرسول (ص) والائمة (ع) ينذرون بالغيبة الكبرى

ولذلك تقدم الرسول (ص) والائمة من اوصيائه (ع) بالحديث عنها والانذار بها، وضرب الامثال لها قبل ان يولد المهدي (ع) فضلا عن الغيبة نفسها ((٢٩٠)).
وقد قدمنا بعض الامثلة مما روي عن كل واحد منهم في ذلك، لتكون اساسا ومرجعا لموضوعات بحوث الكتاب المتصلة بشؤون الامام المهدي (ع) ((٢٩١)).
فمنها ما روي مسندا عن عمار بن ياسر عن الرسول (ص) ومما جاء فيه قوله: (يا عمار اعلم ان اللّه تبارك وتعالى عهد الي انه يخرج من صلب الحسين (ع) ائمة تسعة،والتاسع من ولده يغيب عنهم وذلك قول اللّه عز وجل: (قل ارايتم ان اصبح ماؤكم غورا فمن ياتيكم بماء معين)[الملك: ٣٠].
وتكون له غيبة طويلة يرجع عنها قوم، ويثبت عليها آخرون، فاذا كان في آخر الزمان يخرج فيملا الدنيا قسطا وعدلا ويقاتل على التاويل كما قاتلت على التنزيل، وهوسميي واشبه الناس بي) ((٢٩٢)). ومما روي مسندا عن عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني عن الامام الجواد عن آبائه عن امير المؤمنين انه قال (ع): (للقائم منا غيبة امدها طويل، كاني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه، الا فمن ثبت منهم على دينه، ولم يقس قلبه لغيبة امامه فهو معي في درجتي يوم القيامة) ((٢٩٣)). ومما قاله الامام الحسن (ع) في ما رواه عنه ابو سعيد عقيصا:
(اما علمتم انه ما منا احد الا وتقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه الا القائم الذي يصلي روح اللّه خلفه فان اللّه عزوجل يخفي ولادته ويغيب شخصه لئلا يكون في عنقه بيعة اذا خرج.. ذلك التاسع من ولد اخي الحسين) (ع) ((٢٩٤)). وفي الرواية الثانية عن عبد الرحمن بن سليط عن الامام الحسين (ع) قال وهو يتحدث عن الائمة الاثنى عشر: (وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الامام القائم بالحق يحيي اللّه به الارض بعد موتها، ويظهر به دين الحق على الدين كله ولو كره المشركون، له غيبة يرتد فيها اقوام، ويثبت على الدين فيها آخرون فيؤذون ويقال لهم: (متى هذا الوعد ان كنتم صادقين) [الملك: ٢٥] اما ان الصابر في غيبته على الاذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول اللّه (ص)) ((٢٩٥)) وتشير الروايتان الاولى والثانية عن علي زين العابدين (ع) والروايات الاربع عن الامام محمد الباقر (ع) لذلك وتذكر ما جرى فيه من سنن المرسلين ((٢٩٦)).
ومثل ذلك ما ورد عن الامام الصادق (ع) في الروايات: الاولى والثانية والثالثة والرابعة، وقال في الخامسة: (يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون ثم يظهره اللّه عز وجل،ويفتح على يديه مشارق الارض ومغاربها، وينزل روح اللّه عيسى بن مريم فيصلي خلفه فتشرق الارض بنور ربها، ولا تبقى في الارض قطعة عبد فيها غير اللّه عز وجل الا عبد اللّه عز وجل فيها ويكون الدين كله للّه ولو كره المشركون) ((٢٩٧)). ولا تختلف الروايات الواردة عن الامام الكاظم والرضا والجواد والهادي والحسن العسكري (ع) عن هذه الروايات في الاشارة الى هذه الغيبة، وما يحدث فيها من حيرة وزلزلة في ايمان بعضهم، يقول الامام الحسن العسكري (ع) في الرواية الاولى:
(اما ان له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون، ثم يخرج فكاني انظر الى الاعلام البيض تخفق فوق راسه) ((٢٩٨)). وورد في آخر توقيع تلقاه الشيخ علي بن محمد السمري رحمه اللّه من الامام المهدي (ع): (فقد وقعت الغيبة الثانية (وفي رواية الطوسي والطبرسي: التامة) فلا ظهور الا بعد اذن اللّه تعالى ذكره، وذلك بعد طول الامد وقسوة القلوب) ((٢٩٩)).
اما التساؤل حول:
طول العمر بصورة غير مالوفة

فهو امر لا يثير اشكالا الا حين ينظر اليه بالقياسات الطبيعية والعادية لا في اطار المشيئة والقدرة الالهية التي لا تحكمها قوانين هي في الاصل لا تقوم الا بها. وكما تخرق هذه القوانين في معاجز الانبياء (ع) بوصفها برهانا على سفارتهم عن اللّه وفي معاجز الائمة بوصفها دليلا على كونهم امتدادا عن الرسول (ص) فانها يمكن ان تخرق هنا بعد ان قامت الادلة الثابتة على كون الامام المهدي (ع) هو الامام الثاني عشر (ع) عينه، وتحدثت عن غيبته هذه وتلك، وما يحدث من هذه التساؤلات قبل ان تكون بما يجاوز القرنين والنصف في البعض والقرنين في البعض الاخر وادنى من ذلك في البعض الثالث.
هذا ان كانت قضية طول العمر بهذا المدى او بغيره خارجة عن القوانين الطبيعية اساسا ((٣٠٠)).
ان ايماننا بوصفنا مسلمين باحياء الموتى لابراهيم (ع) وعيسى (ع) وباماتة عزير وحماره ثم احيائهما، وانفلاق البحر لموسى (ع)، وانقلاب عصاه ثعبانا حقيقيا، وامثال ذلك لا يستوحى عادة ولا قانونا طبيعيا او منطقا علميا بما انه لا مجال لها حتى الان ان ترى غير استحالة ذلك، وانما يستوحى في كل ذلك ايماننا بصدق الوحي الالهي، والاخبار النبوي من جهة ووضع هذه الوقائع في نطاق المشيئة والقدرة الالهية المقومين لوجود الخلق وقوانينه جميعا من جهة اخرى.
ولذلك فلا محل لهذا الاشكال.وربما بهذا اللحاظ ضرب الائمة من اهل البيت (ع) امثلة لذلك من تاريخ الانبياء والاولياء خاصة، ادراكا منهم لعدم وجود ما يمكن القياس عليه في الحياة العادية ممايجعل استيعابه وتحمله صعبا حين ينظر اليه ضمن الاطر الطبيعية والعادية، ولذلك ففي الوقت الذي تقدموا فيه بالاخبار عن هذه الغيبة الطويلة بدءا من الرسول (ص)حتى الحسن العسكري (ع) لاعطائها موقعها ضمن مخطط المشيئة الالهية للرسالة في آخر شهودها من الاوصياء (ع) ضربوا الامثال بما هو معروف ومسلم في تاريخ بعض الانبياء والاولياء لتوضع في الاطار نفسه، فاذا كان ما يشبه ذلك قد كان في واقع سابق حين شاءه اللّه فان هذا ايضا كذلك.
روى الصدوق بسنده عن محمد بن جعفر عن ابيه عن جده علي (ع) عن رسول اللّه (ص) قال: عاش ابو البشر آدم (ع) سبعمئة وثلاثين سنة، وعاش نوح (ع) الفي سنة واربعمئة وخمسين (الرواية) ((٣٠١)).
وبسنده عن سعيد بن جبير قال: سمعت سيد العابدين علي بن الحسين (ع) يقول: في القائم سنة من نوح (ع) وهو طول العمر. ((٣٠٢))
ومما جاء عن الامام جعفر الصادق (ع) في الرواية السادسة عنه، وهو يتحدث عن الامام المهدي (ع) قال: (قدر مولده تقدير مولد موسى وقدر غيبته تقدير غيبة عيسى، وقدر ابطاءه ابطاء نوح (يعني من حيث النصر والفرج)، وجعل له من العمر من بعد ذلك عمر العبد الصالح اعني الخضر). وبعد ان تحدث عما قصد اليه من التقدير في الاولين قال: (واما العبد الصالح، اعني الخضر، فان اللّه تبارك وتعالى ما طول عمره لنبوة قدرها له، ولا لكتاب نزل عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الانبياء ولا لامامة يلزم عباده الاقتداء بها ولا لطاعة يفرضها له، بل ان اللّه تبارك وتعالى لما كان في سابق علمه ان يقدر عمر القائم (ع) ما يقدر من عمر الخضر، وقدر في ايام غيبته ما قدر، وعلم ما يكون من انكار عباده بمقدار ذلك من العمر في الطول فطول عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك الا لعلة الاستدلال به على عمر القائم وليقطع بذلك حجة المعاندين) ((٣٠٣)). ولم يجد من كتب في الامام المهدي (ع) وتناول غيبته الطويلة ما يقدمه في ذلك عدا تقديم المزيد من الامثلة للمعمرين، كما جاء في اخبار اهل البيت او في كتب العهدين او لدى ارباب السير.
وقد عقد الصدوق (المتوفى سنة ٣٨١ ه) بابا هو الباب الخمسون من كمال الدين وتمام النعمة ذكر فيه ما جاء في التعمير والمعمرين، ثم ذكر في الابواب (٥١)، (٥٢)، (٥٣)، (٥٤)، (٥٥)، (٥٦) و(٥٧) قصصا كثيرة لمعمرين جاوزوا الحدود الطبيعية والعادية في اعمارهم). وقال: (فاذا صح التعمير لمن تقدم عصرنا، وصح الخبر بان السنة جارية بذلك في القائم الثاني عشر من الائمة، فلم لا يجوز ان يعتقد انه لو بقي في غيبته ما بقي لم يكن القائم غيره؟) ((٣٠٤)).
ومثل ذلك فعل الشيخ الطوسي، فقد ذكر الاشكال بطول العمر وكونه بزعم المخالف خارقا للعادة، فكيف انتقضت فيه ولا يجوز انتقاضها الا على يد الانبياء.
واجاب بوجهين:
احدهما: عدم التسليم بكون ذلك خارقا لجميع العادات، بل العادات في ما تقدم جرت بمثلها، وذكر امثلة كالخضر واصحاب الكهف ونوح الذي لبث يدعو قومه الف سنة الا خمسين عاما عدا ما ذكرته (الاخبار) واهل السير من انه عاش قبل الدعوة وبعد الطوفان عمرا طويلا مضافا.
وقال: (فاذا كان المخالف لنا ممن يحيل ذلك (يعني العمر الطويل) من المنجمين واصحاب الطبائع (يقصد انهم لا يؤمنون بمشيئة الخالق) فالكلام معهم في اصل هذه المسالة، وان العالم مصنوع وله صانع اجرى العادة بقصر الاعمال وطولها، وانه قادر على اطالتها وعلى افنائها. فاذا بين ذلك سهل الكلام.
واذا كان المخالف ممن يسلم بذلك غير انه يقول: هذا خارج عن العادات، فقد بينا انه ليس بخارج عن جميع العادات، فان قيل: خارج عن عاداتنا، قلنا: وما المانع منه؟ فان قيل: ذلك لا يجوز الا في زمن الانبياء (ع) قلنا: نحن ننازع في ذلك وعندنا يجوز خرق العادات على يد الانبياء والائمة والصالحين، واكثر اصحاب الحديث يجوزون ذلك وكثير من المعتزلة والحشوية وان سموا ذلك كرامات كان خلافا في العبارة) ((٣٠٥)). وساق الشيخ المجلسي ما ملا ٦٨ صفحة في الحديث عن المعمرين، وقال في آخره ومعه في ذلك الحق: (وانما اطلت في ذلك مع قلة الجدوى تبعا للاصحاب، ولئلا يقال هذا كتاب عار عن فوائدهم) ((٣٠٦)). وسلك هذا السبيل عدد من علماء اهل السنة الذين يؤمنون بان المهدي (ع) هو محمد بن الحسن العسكري (ع)، ومنهم سبط ابن الجوزي الحنفي، فقد ساق ما ذكر في التوراة، وما رواه محمد بن اسحاق ممن عمروا اعمارا طويلة ((٣٠٧)).
ومنهم الحافظ محمد بن يوسف الكنجي القرشي الشافعي، فقد قال وهو يتناول هذه المسالة: (انه لا امتناع في بقائه بدليل بقاء عيسى والياس والخضر من اولياء اللّه تعالى. وبقاء الدجال وابليس الملعونين). قال: (وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنة وقد اتفقوا عليه ثم انكروا جواز بقاء المهدي وها انا ابين بقاء كل واحدمنهم). ثم قال: (اما عيسى فالدليل على بقائه قوله تعالى: (وان من اهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته) [النساء: ١٥٩].
وذكر ما مضمونه ان ذلك لم يتحقق منذ نزول الاية الى يومنا هذا، فلا يكون في آخر الزمان..
واستدل اهل السنة بما رواه مسلم في صحيحه باسناده عن النواس بن سمعان في حديث طويل عن الدجال قال فيه: (إذ بعث اللّه المسيح بن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعا كفيه على اجنحة ملكين) ((٣٠٨)). واستدل على بقاء عيسى (ع) بما روته الصحاح والمسانيد، ومنها قول الرسول (ص): (كيف انتم اذا نزل ابن مريم فيكم وامامكم منكم) ((٣٠٩)). وقال: اما الخضر والياس فقد قال ابن جرير الطبري: (الخضر والياس باقيان يسيران في الارض). وساق حديثا رواه مسلم في صحيحه عن ابي سعيد الخدري، قال: (حدثنا رسول اللّه (ص) يوما حديثا طويلا عن الدجال فكان في ما حدثنا انه قال: ياتي وهو محرم عليه ان يدخل نقاب المدينة، فيخرج اليه يومئذ رجل هو خير الناس اومن خير الناس فيقول له: اشهد انك الدجال الذي حدثنا رسول اللّه حديثه. فيقول الدجال: ارايتم ان قتلت هذا ثم احييته اتشكون في الامر فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه فيقول حين ذلك (اي الرجل المقتول والمحيا): واللّه ما كنت فيك قط اشد بصيرة مني الان.. قال: فيريد الدجال ان يقتله ثانيا فلا يسلط عليه) ((٣١٠)). قال: قال ابو اسحاق (وهو ابو ابراهيم محمد بن سعد) يقال: ان هذا الرجل هو الخضر.
واستدل على بقاء الدجال بحديث رواه مسلم في صحيحه وقال: انه بهذه الصفة لم يخرج لحد الان ((٣١١)).
وذكر ان الدليل على بقاء ابليس اللعين آي الكتاب نحو قوله:
(قال: انظرني الى يوم يبعثون. قال: انك من المنظرين)[الاعراف: ١٥].
اما بقاء المهدي (ع) فقد جاء في الكتاب والسنة:
اما الكتاب، فقد قال سعيد بن جبير في تفسير قوله عز وجل: (ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) [التوبة: ٣٣] هو المهدي من عترة فاطمة (عليها السلام)، واما من قال: انه عيسى (ع) فلا تنافي، اذ هو مساعد للامام كما تقدم. وقد قال مقاتل بن سليمان ومن شايعه من المفسرين في تفسير قوله عز وجل: (وانه لعلم للساعة)[الزخرف: ٦١]، هو المهدي (ع) يكون في آخر الزمان وبعد خروجه يكون قيام الساعة، واماراتها.((٣١٢))
قال رحمه اللّه: (فما المانع من بقاء المهدي (ع) مع كون بقائه باختيار اللّه، وداخل تحت مقدوره سبحانه، وهو آية الرسول (ص)؟). ثم ذكر حكمة بقاء عيسى (ع) والدجال. وقال: (فعلى هذا هو (يعني المهدي (ع)) اولى بالبقاء من الاثنين لانه الداعي الى الملة المحمدية التي هو امام فيها، واما عيسى فمصدق له وسبب لايمان اهل الكتاب، اما الدجال فلاختبار العباد وامتحانهم). قال: (فصار بقاء الامام المهدي (ع) اصلا وبقاء الاثنين فرعا على بقائه فكيف يصح بقاء الفرعين وعدم بقاء الاصل؟) ((٣١٣)).
وذكر اشكالا تافها لا اصل له ردده المشككون، وهو امتناع بقائه في السرداب من دون ان يقوم احد بطعامه وشرابه، واجاب (ان اللّه الذي احيا المسيح في السماء وابقى الدجال مقيدا حيا يمكن ان يتكفل له بذلك بما شاء، فقدرته وخزائنه لا تضيق عن ذلك).((٣١٤))
والصحيح في الاجابة: ان البقاء في السرداب لا اصل له، ولا يوجد في شيء من الاخبار الواردة في المصادر التي تتحدث عن الامام المهدي (ع) وغيبته، ولو افترضنا صحة ان يكون قد دخل بيته (ع) الذي هو في موضع هذا السرداب، ولم ير بعدئذ فلا يعني ذلك بقاءه، ومكثه فيه...
وما نسج حول ذلك من اساطير ((٣١٥))، ونظم من شعر ساخر بناء عليه، لا يجد اساسا حتى ولو كان واهيا تبرا فيه ذمة صاحبه العلمية وامام اللّه بل هو محض افتراء، وقد اشارت روايات اهل البيت (ع) من قبل الى ما يتعرض له المؤمنون من اذى في ذلك ((٣١٦)).
وربما كان الاساس في هذا الافتراء زيارة المؤمنين لدار الإمام (ع) ودعائهم بتعجيل الظهور مما هو مستمر حتى الان، وهو ما لا علاقة له بالفرية.
وقد تناول العلامة الحجة السيد محسن الامين رحمه اللّه هذه الفرية ورد عليها في قصيدته التي مثلت هي وشرحها قوام كتابه (البرهان)، فقال:

لنا نسبوا شيئا ولسنا نقوله * * * وعابوا بما لم يجر منا له ذكر
بان غاب في السرادب صاحب عصرنا * * * وامسى مقيما فيه ما بقى الدهر
ويخرج منه حين ياذن ربه * * * بذلك لا يعروه خوف ولا ذعر
ابينوا لنا من قال منا بهذه * * * وهل ضم هذا القول من كتبنا سفر
والا فانتم ظالمون لنا بما * * * نسبتم وان تابوا فموعدنا الحشر ((٣١٧))

وخاتمة القول في القضية ما ذكرناه، في صدر حديثنا عنها، من ان ذكر الامثال من اصحاب الاعمار الطويلة، لا يعطي اكثر من وقوع ذلك بالنسبة لاشخاص عدا الامام (ع) لنفي استبعاد بعض الناس لما لم يقع تاريخيا حتى ولو قام عليه البرهان عقلا ونقلا... والا فلا علاقة ولا تلازم بين ذلك وبين وقوعه للامام (ع)، والصحيح هو الرجوع الى ما هو الاساس في ذلك وهو ثبوته بالنصوص المتواترة عن المعصومين (ع) من جهة، وانه واقع تحت القدرة والمشيئة الالهية من جهة ثانية.
على ان مصدر العلم بما وقع من الامثال هو المصدر الذي ترجع اليه قضية الامام (ع) كما ذكرنا وهذه النصوص وما ورد في الامام المهدي (ع) اكثر مما ورد في بعض هذه من حيث دلالته، والقطع بصدوره بحكم تواتره وبحكم الملازمة بين خلود الرسالة الاسلامية، وبقاء شاهدها آخر الاوصياء (ع) وقد قال رسول اللّه (ص) في حديث الثقلين: (وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) لا في المفاهيم والاحكام فقط بل في الوجود ايضا، وهو ما يثبته بقاء الامام المهدي (ع).
قال المحدث احمد بن حجر الهيثمي المكي (المتوفى سنة ٩٧٤ ه): (في احاديث الحث على التمسك باهل البيت (ع) اشارة الى عدم انقطاع متاهل منهم للتمسك به الى يوم القيامة، كما ان الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا امانا لاهل الارض كما ياتي ويشهد لذلك الخبر السابق في كل خلف من امتي عدول من اهل بيتي ((٣١٨))) (بقية الحديث). (ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين، وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين، الا وان ائمتكم وفدكم الى اللّه عز وجل فانظروا من توفدون)((٣١٩)). وخاتمة القول ان الامثلة في ما عدا ما هو ثابت في الكتاب او السنة او الواقع لا مجال للقياس عليها لعدم وجود ما يثبتها، على ان القياس انما يحتاجه في مسالة كهذه آترتبط بالارادة الالهية من لا يستطيع ان يؤمن او يطمئن بقضية الا اذا كان قد وجد نظيرها في الواقع، وهو خلاف المفروض في امر قام الدليل القطعي عليه وجد النظير والمماثل او لم يوجد.
ولذلك فالاساس في الايمان بالغيبة الكبرى وحياة الامام (ع) وبقائه حجة للّه في الارض ما شاءه اللّه، وهو ما ذكرناه في بداية الحديث.
اما التساؤل عن الحكمة من ذلك فهو موضوع البحث التالي.

البحث الثاني: ما الحكمة من ذلك

اذا كان المقصود بالسؤال عن الحكمة في ان يكون للعالم مهدي منتظر اصلا، وهو ما يقوله بعضهم، مع ما يحتفظ به من تراث الرسالات السماوية، بما فيها رسالة خاتم الانبياء محمد (ص) وما بينه ضمن آفاقها اوصياؤه الاثنا عشر من اهل البيت (ع) ومع ما وصل اليه بحث الانسان ونظره وتجاربه من انجازات فكرية وعلمية وتقنية...فالجواب:
اولا: ان نسال عما اذا كان ذلك كله قد انهى مشكلة الانسانية، وما عانته وتعانيه على امتداد تاريخها من انحرافات فكرية، وفساد اخلاقي، ومن اختلافات، وحروب وظلم بكل ما يقع تحت هذا العنوان من عناوين وممارسات، وحين يكون الجواب كما يمليه الواقع في كل اقطار الارض وتحت كل قوانين اهلها: لا.
وحين لا نامل ان نرى وضعا مختلفا في المستقبل مهما طال..
فان الحكمة في ظهور المهدي المنتظر (ع) تصبح مفهومة.
ثانيا: اننا مع الاعتراف بما حصلت عليه البشرية من تقدم في الاتجاه المشار اليه فان قوله تعالى: (وما اوتيتم من العلم الا قليلا) [الاسراء: ٨٥]. سيظل حقيقة مطلقة بالنسبة للانسان، اي انه سيبقى جاهلا مهما حصل من العلم ((٣٢٠)).
وقد تحقق العلماء من ذلك بالفعل واعترفوا به ((٣٢١)) بعد ادعاءات عريضة.
واذا كان لا مجال لان تغنى البشرية بحال عن هدى الهي بحجة للّه موصول به علما، بحكم ما يميزه به ابتداء من رتبة وجودية سامية من حيث المبدا والمعاد، فان الحكمة في الامام المهدي المنتظر (ع) تصبح مفهومة كذلك.
ان عصر وصول الانسان من السعة في العلم الى الدرجة التي يكتشف فيها جهله ازاء اسرار الكون القائمة بخالقها سعة وعمقا وتعقيدا هو العصر المؤهل لظهور المهدي(ع) استلهاما لقوله سبحانه: (سنريهم آياتنا في الافاق، وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق) [فصلت: ٥٣].
وهو، كما يبدو لي، بعض اسباب هذه الغيبة الطويلة...
ان لانقياد العلماء من الشان عند الناس ما كان لانقياد سحرة فرعون من لاثر، اما ما وراؤهم من الناس فليسوا الا تبعا...

وذلك لو حصل من اهم اسرار النصر الشامل لدى الظهور مضافا لما يحمله الامام (ع) من علم يخضع فيه له امثال هؤلاء العلماء...
اما اذا كان السؤال عن الحكمة قد قصد به الحكمة في ان يكون هذا المهدي المنتظر بدوره المستقبلي العظيم المعروف كما صورته الروايات هو الامام الثاني عشر (ع)نفسه، من دون غيره ممن يمكن ان يولد في المستقبل؟ كما هو في النظرية الاخرى.
فقد تقدمت الاجابة عنه في السؤال الاول الذي جاء بهذه الصيغة نفسها، ولا حاجة لاعادة ذلك. واذا تمت تلك الاجابة...
وهي في الحقيقة ليست الا تفسيرا لما وردت به الاحاديث المتواترة عن الرسول (ص) والائمة الاثنا عشر من اهل البيت (ع) من كون المهدي المنتظر هو الامام الثاني عشر (ع) نفسه لا غيره. فان بقاءه حتى القيام بذلك الدور يكون مفروضا، ولا معنى للسؤال عن الكيفية في ما هو شان ومشيئة الهية.
واذا قصد بالسؤال عن الحكمة الحكمة في الغيبة اصلا، او بهذا الطول، فالجواب كما قدمناه في الغيبة الصغرى هو التقية بمعنى معاداة الظرف للامام (ع) ليس بوصفه شخصا كما هو في الغيبة الصغرى بل بوصفه صاحب رسالة... واذا كانت الظروف اللاحقة في علم اللّه بل وبملاحظة ما اشرنا اليه بالتحليل الموضوعي لا تختلف بشيء فان الغيبة يجب ان تقع، وان تستمر هذه المدة.
فالامام المهدي (ع) نفسه قد قضى، بين الناس، في غيبته النسبية الصغرى، ما يعادل عمرا بشريا طبيعيا من دون ان يبلغ ضمن الظروف شيئا قياسا بما قدره اللّه له ووعده به بعد الغيبة الكبرى. ان استمرار الغيبة وطولها من دون تقدير لمدى محدد او وقت معلوم من قبل المعصومين (ع) يفرضه انتظار ان يتمخض مسار العالم وتطوره عن الظرف المؤهل لاستقبال الامام (ع). ومن المعروف ان عوامل تقدير الظرف وحصوله تدخل فيه اسباب منها الاختيارات الانسانية في ما هو سلب وما هو ايجاب وفي طول العالم وعرضه، ولذلك فان من الممكن ان يتقدم او يتاخر طبقا لما يحدث من بداءات. ((٣٢٢))
ومما يدل على صحة المضمون العام لبعض ما ورد في الاجابات السابقة ما هو معلوم من ان الرسول (ص) والائمة من اوصيائه الاثني عشر (ع) من بعده كانوا يريدون كماشاء اللّه طرح الحقائق الكونية ذات العلاقة بالانسان من حيث صلته باللّه، ومن حيث علاقته بالقوانين الكونية بما فيها تلك التي تتصل بالاثار الوضعية لفكره ونواياه وافعاله سلبا او ايجابا.

ثم وضع الاطار الاخلاقي والتشريعي المنسجم مع هذه الحقائق لحياته الخاصة والعامة.. ولكنهم لم يجدوا في هذه المرحلة من الناس من يرتفع في مستوى ادراكه،واستيعابه وعلمه الى القدر الذي يمكن به بلوغ الغاية، وذلك طبيعي في مرحلة التاسيس في مثل ذلك العصر، ولذلك تضمن القرآن الكريم وسنة الرسول (ص) والائمة الاثني عشر الاوصياء من بعده مستويين في الطرح في ما لا يمكن تعقله وفهمه لدى الكثير من الناس بحكم المرحلة طرح عام وآخر خاص. ((٣٢٣))
ان طرح ما هو اعمق مما هي اللغة العامة والفكر العام ابتداء في رسالة عامة الا للخاصة مما ينافي الحكمة قطعا، ولذلك ورد عن الامام الصادق (ع) انه قال: لا واللّه ما كلم رسول اللّه العباد بكنه عقله قط، قال رسول اللّه (ص): (انا معاشر الأنبياء امرنا ان نكلم الناس على قدر عقولهم) ((٣٢٤)) وقال الامام علي (ع) في حديثه لكميل بن زياد: (ان هاهنا لعلما جما لو اصبت له حملة، بلى اصبت لقنا غير مامون عليه مستعملا آلة الدين للدنيا، ومستظهرا بنعم اللّه على عباده، وبحججه على اوليائه، او منقادالحملة الحق لا بصيرة له في احنائه ينقدح الشك في قلبه لاول عارض من شبهة) ((٣٢٥)). ومثل ذلك ورد عن آخرين من ائمة اهل البيت (ع) ومما يؤيده ويشهد له ما نعرفه من نوع اسئلة الناس واشكالاتهم ومنازعاتهم ومستواها، بدءا من عصر الرسول (ص)حتى آخر اوصيائه (ع).
لذلك كان لا بد وقد استكملت ركائز الرسالة الاسلامية نظريا خلال المراحل التاريخية لوجود الرسول (ص)، واوصيائه والتي امتداد اكثر من ثلاثة قرون من دون ان تبلغ الامة بها الغاية، او ما يقرب منها كان لا بد ان تقطع الصلة الظاهرية بالامام (ع) بصورتها المفتوحة والنسبية، لتتفاعل الامة ضمن السلب والايجاب مع الرسالة فكرا ومعايشة وفي الداخل والخارج حتى يتبلور الفهم الصحيح او الاقرب للصحة، وبذلك تنضج الظروف الموضوعية عبر مخاض طويل لظهور الامام (ع) ليس على مستوى المسلمين فقط بل على مستوى العالم. ولا شك في ان ذلك بطبيعة الحال يتطلب زمنا طويلا كما قلنا وهو ما انذرت به الروايات.
وهناك امر آخر صرحت به كثير من الروايات، وهو ان ظهور الامام (ع) نذير بين يدي الساعة، فان رحمة اللّه بخلقه التي اوجبت ارسال الرسل من قبل هي التي اقتضت بعدختم النبوة بمحمد (ص) وانتقال احد عشر من اوصيائه (ع) الى الدار الاخرة ان يظل الثاني عشر من اوصيائه (ع) الحجة الباقية في الارض، وان يظهر قبيل الساعة بعدطول الامد وقسوة القلوب.
ولذلك سمي بـ(النذر الاكبر)، ومنحه اللّه من الايات ما يؤدي به هذه المهمة كصلاة المسيح خلفه واحتفافه بالملائكة وبداية البعث الجزئي المسمى بالرجعة في زمنه ك آية بين يدي البعثالشامل. وقد ذكر الشيخ المفيد رحمه اللّه انه بعد رحيل الإمام (ع) باربعين يوما تقوم القيامة الكبرى، واذا كان الامر كذلك فان القيامة مربوطة بتقديرات كونية كبرى تتصل بالمجموعة الشمسية، فلا مجال للاخبار عنها لا يجليها لوقتها الا هو، لكنهم ذكرواعلامات كلبوث الفلكوطول السنين وغير ذلك.
انقطاع صلتنا به بحكم الغيبة لا يعني انقطاع صلته بنا

ذلك ما وردت به الاحاديث بلسانه ولسان آبائه (ع)، وهم يبشرون به قبل مولده (ع)، وذلك انه كما قالوا: كالشمس اذا غيبها السحاب ((٣٢٦)) لا تعدم الدنيا ضوء اشعتها النافذة، فيبقى النهار قائما بها رغم ذلك.
ان الامام (ع) ليس رجلا عاديا، فقد وهبه اللّه سبحانه بحكم مقامه مبدا ومعادا ((٣٢٧)) وبحكم دوره حجة له يمثل رسوله (ص) قدرات لا توجد لدى غيره من الناس((٣٢٨))، ومن الخطا مقايسته من هذه الناحية بالاخرين، ولذلك فهو كما مر من مثال الشمس ((٣٢٩)) وغيره مما ورد عن ائمة اهل البيت (ع) واهل المعرفة من العلماءيقوم بدور الامامة في غيبته، لا السياسية والشرعية، كما هي في عالم الظهور بل في الجانب الاخر بحكم كونه الوسيلة فيما يصعد من الناس، وما ينزل ((٣٣٠)) انه يطلع على احوالهم فيسند ويسدد ويشفع، اليهم راى الناس ذلك ام لم يروه وعرفوا ذلك ام لم يعرفوه..
قال الشيخ المجلسي، رحمه اللّه، في بيان الوجه الاول من تشبيه الانتفاع بالامام في غيبته بالانتفاع بالشمس وراء السحاب: (ان نور الوجود والعلم والهداية يصل الى الخلق بتوسطه (ع)، اذ ثبت بالاخبار المستفيضة انهم العلل الغائية لايجاد الخلق، فلولاهم لم يصل نور الوجود الى غيرهم، وببركتهم والاستشفاع بهم والتوسل اليهم تظهر العلوم والمعارف على الخلق وتكشف البلايا عنهم، فلولاهم لاستحق الخلق بقبائح اعمالهم انواع العذاب كما قال تعالى: (وما كان اللّه ليعذبهم وانت فيهم) [الانفال:٣٣].
قال: (ولقد جربنا مرارا لا نحصيها ان عند انغلاق الامور واعضال المسائل والبعد عن جناب الحق تعالى، وانسداد ابواب الفيض لما استشفعنا بهم، وتوسلنا بانوارهم،فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت تنكشف تلك الامور الصعبة. وهذا معاين لمن كحل اللّه عين قلبه بنور الايمان، وقد مضى توضيح ذلك في كتاب الامامة) ((٣٣١)).وما اكثر ما روى العلماء من وقائع مشكلة حلت ببركاته، بصورة مباشرة، او غير مباشرة، منذ بداية غيبته الكبرى وحتى ايامنا مما سنشير الى بعضه في مايلي.

البحث الثالث: هل يعني ذلك امكان المشاهدة؟

ذلك ما ادعاه، من اهل السنة، بعض اهل الكشف من الصوفية، وقد ذكر الشيخ الشعراني جماعة راوه بل بايعوه وسمى بعضهم كالشيخ حسن العراقي ((٣٣٢)) ونقل الشيخ سليمان القندوزي الحنفي (المتوفى سنة ١٢٩٤ ه)، وهو من شيوخ النقشبندية انه قال في كتابه (الانوار القدسية): ان بعض مشايخنا قالوا: (نحن بايعنا المهدي (ع)بدمشق الشام وكنا عنده سبعة ايام). ((٣٣٣))
وروى الشيخ سليمان، ايضا، ان الشيخ عبد اللطيف الحلبي حدثه، سنة ١٢٧٣ ه، ان اباه الشيخ ابراهيم، وهو من كبار مشايخ حلب على الطريقة القادرية، حدثه ان اباه الشيخ ابراهيم قال: سمعت بعض مشايخنا من مشايخ مصر يقول: بايعنا الامام المهدي (ع) ((٣٣٤)).
وذكر العلماء والمحدثون، ومنهم الشيخ المجلسي ((٣٣٥)) والشيخ الحر العاملي ((٣٣٦)) والشيخ النوري الذي الف كتابا خاصا في ذلك اسماه (جنة الماوى في من فازبلقاء الامام الحجة (ع) او معجزته في الغيبة الكبرى) ((٣٣٧)) اسماء عدد من العلماء والصلحاء الذين تشرفوا بلقائه (ع)، ولا مجال للتوقف عند تكذيب من بلغ من هؤلاء عن الامام (ع) احكاما تنافي العقيدة او الشريعة، او تعطل العمل بالاحكام الاسلامية كلا او بعضا، لما سنذكره في الفصل الخامس الاتي ولورود احاديث حذرت من هؤلاء خاصة. بل راى بعضهم تكذيب المبلغ للاحكام عنه في الغيبة الكبرى مطلقا ((٣٣٨)).
ولكن الامر المشكل لدى هؤلاء العلماء وغيرهم، في ما عدا هؤلاء ممن ادعى الرؤية دون ما شيء من الدعاوى او التبليغ او الابتداع.
ولا ياتي الاشكال من امكان الرؤية في نفسها او عدم امكانها، فهي من دون اشكال ممكنة... ولكنه ياتي من ان الامام المهدي (ع) نفسه كذب من يدعي رؤياه قبل خروج السفياني والصيحة، فقد قال في التوقيع الذي تلقاه نائبه الخاص علي بن محمد السمري في ما رواه الشيخ الصدوق عن ابي محمد الحسن بن احمد المكتب ((٣٣٩))الذي كان حاضرا لدى اخراج الشيخ السمري التوقيع: (فلا ظهور الا بعد اذن اللّه عز وجل، وذلك بعد طول الامد، وقسوة القلوب، وامتلاء الارض جورا، وسياتي شيعتي من يدعي المشاهدة، الا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر ((٣٤٠)) ولا حول ولا قوة الا باللّه العلي العظيم) ((٣٤١)). ومن جهة اخرى، فان من هؤلاء الذين ادعوا الرؤية اهل علم ومعرفة واهل دين وصلاح.. وهم من الكثرة بحيث يصعب عدم الاصغاء اليهم، ولذلك اختلفت مواقف العلماء حول ذلك:
فالشيخ النوري، رحمه اللّه، وهو ممن يميل الى تصديق قصص الرؤية، كما يبدو من كتابه جنة الماوى، حاول في وجهين اسقاط قيمة الرواية او اعتبار هذا المنع مقصورا على زمنه كما ورد بلسان شمس الدين محمد في قصة الجزيرة الخضراء. ((٣٤٢))
قال، رحمه اللّه، بعد التوقيع السابق بتكذيب مدعي المشاهدة، وهذا الخبر بظاهره ينافي الحكايات السابقة وغيرها مما هو مذكور في البحار... والجواب عنه من وجوه: الاول: انه خبر واحد مرسل ((٣٤٣)) غير موجب علما، فلا يعارض تلك الوقائع والقصص التي يحصل القطع من مجموعها، بل ومن بعضها المتضمن لكرامات ومفاخر لا يمكن صدورها من غيره، فكيف يجوز الاعراض عنها لوجود خبر ضعيف لم يعمل به ناقله وهو الشيخ (يعني الطوسي) في الكتاب المذكور كما ياتي كلامه فيه فكيف بغيره والعلماء الاعلام تلقوها بالقبول (يعني القصص) وذكروها في زبرهم وتصانيفهم معولين عليها مقتنعين بها؟
الثاني: ما يظهر من قصة الجزيرة الخضراء. قال الشيخ الفاضل علي بن فاضل المازندراني، فقلت للسيد شمس الدين محمد، وهو العقب السادس من اولاده (ع): يا سيدي قد روينا عن مشايخنا احاديث رويت عن صاحب الامر انه قال لما امر بالغيبة الكبرى: من رآني بعد غيبتي هذه كذب، فكيف فيكم من يراه؟..
فقال: صدقت انه (ع) انما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة اعدائه، من اهل بيته وغيرهم من فراعنة بني العباس، حتى ان الشيعة يمنع بعضها بعضا عن التحدث بذكره.وفي هذا الزمان تطاولت المدة، وايس منه الاعداء، وبلادنا نائية عنهم وعن ظلمهم وعذابهم ((٣٤٤)).
ويمكن ان يناقش ما اورده الشيخ النوري رحمه اللّه في هذين الوجهين مع تقديم بعضه كما يفرضه سياق المناقشة على بعضه الاخر بالاتي:
اولا: ان كون الخبر مرسلا ليس صحيحا، فقد رواه الشيخ الصدوق (المتوفى سنة ٣٨١ ه) ((٣٤٥)) عن شيخه ابي محمد الحسن او الحسين على الاصح، وهو عن الشيخ السمري مباشرة وعنه الاسناد نفسه رواه الشيخ الطوسي (المتوفي ٤٦٠ ه). ((٣٤٦))
والمفروض ان ما يصدر عن النواب الخاصين الاربعة بحكم توثيقهم، والنص عليهم من قبل الامام المهدي (ع) بصورة مباشرة او غير مباشرة، بمنزلة ما يصدر عن الامام(ع) نفسه حتى لو كانت هناك كما افترض بعضهم واسطة مجهولة، او غير مسماة بينهم وبين الامام (ع) دائما او في بعض الاوقات، لانها ستكون عندئذ (اعني الواسطة) اكثر خصوصية بالامام (ع) او لا اقل مساوية للنائب الظاهر من حيث الوثاقة، وقد تكون احدى الوسائل البارسيكولوجية الواقعة تحت سلطان الامام (ع).
وان لم نجد اساسا صريحا لوجود هذه الواسطة.. وحتى اذا لم نعط النائب الخاص ما اشرنا اليه من منزلة وهو خلاف المفروض فلا اقل من كونه احد الرواة الموثوقين عن الامام (ع)، او عمن هو عنه يقينا والا كان رفضا لاصل النيابة الخاصة، وتشكيكا بالنص على النائب.
ولذلك فلا مجال لاعتبار الخبر مرسلا لوجود الاسناد والمعاصرة، واللقاء بين الرواة الى ان ينتهي الى الامام (ع)، ومثل ذلك وصف الخبر بالضعيف من قبل الشيخ رحمه اللّه فانه غير مسلم لان الضعيف كما عرفه الشهيد الثاني: (هو ما يشتمل طريقه على مجروح بالفسق ونحوه، او مجهول الحال او ما دون ذلك كالوضاع) ((٣٤٧)). وليس في سند هذا الخبر ما هو بهذه الصفة، فالشيخ الصدوق والشيخ السمري رحمهما اللّه منصوص على عدالتهما ومن بينهما، وهو الحسن بن محمد المكتب اذا لم يكف في توثيقه وتعديله كونه احد مشايخ الشيعة، وانه كان شيخا للصدوق روى عنه في جميع كتبه، وانه كان يعظمه ويتبع ذكره كلما جاء بالترضي عنه والترحم عليه، واذا لم يكف انه من حضار مجلس الشيخ السمري رحمه اللّه وانه حضره قبيل وفاته وتلقى التوقيع الشريف عنه، وذلك ما يكشف عن خصوصيته، قلنا: اذا لم يكف ذلك كله في توثيقه ليكون الخبر من الصحيح فانه لا اقل من كونه من الحسن لان كون المكتب اماميا ممدوحا مما لا شك فيه ((٣٤٨)). نقول ذلك تنزلا والا فالخبر من الصحيح من دون اشكال ((٣٤٩)).
ثانيا: ان كون التوقيع خبرا واحدا (ويقصد انه رواية واحدة لا بالمصطلح الاصولي الذي يقابل المتواتر) اذا كان من حيث الفاظه، ومن حيث ظهوره في اطلاق التكذيب لمدعي المشاهدة الذي يلزم منه امتناعها مطلقا فهو صحيح. وان كان من حيث الوارد مطلقا في نفي الرؤية لدى الغيبة الكبرى وان كان من البعيد ان يقصد ذلك أفليس كذلك ان نفس قوله (ع) في التوقيع الصادر عنه والوارد مضمونه في شانه عن آبائه (ع):
ان الانتفاع به في غيبته كالانتفاع بالشمس اذا غيبتها عن الابصار السحاب دليل على نفي الرؤية مطلقا وان هداه ومد يده يصل الى القلوب من دون رؤية ((٣٥٠)).
وقد وردت عدة روايات اخرى تنفي الرؤية في الغيبة الكبرى الا لخاصة مواليه، وهم كما سياتي اخص من خاصة شيعته، مما ينتهي الى نفيها عمن عداهم او بصورتها العامة حتى للخاصة بمفهومهم المتعارف، وبذلك تلتقي مضمونا بهذا التحليل مع التوقيع في التكذيب المطلق لمدعي المشاهدة غيرهم ويقيد اطلاقها بالنسبة لهم بها لانها حاكمة.
ثالثا: راى الشيخ رحمه اللّه ان هذا الخبر بما سبق ان وصفه به خبر واحد لا يوجب علما فلا يعارض تلك الوقائع والقصص التي قال رحمه اللّه انه يحصل القطع من مجموعها، بل ومن بعضها والمتضمنة لكرامات ومفاخر لا يمكن صدورها من غيره..
ويناقش بان القطع في انهم راوا شخصا وبان كرامة حصلت عند ذلك لا يعني القطع في انهم راوا الامام (ع) نفسه، فهم لم يروا شخصه من قبل ليعرفوا صورته بل قد يكون راوا من هو عنه من الانس او الجن او من هو بشفاعته او من اجاب للولاية بحبه.
وظهور الكرامة لا يشترط ان يكون الامام (ع) مباشرا، فقد كانت الكرامات تجري على ايدي النواب الاربعة له لا لهم اي بحكم الصلة به، ومقتضيات الدلالة على سفارتهم عنه، وهنا قد يكون الامر كذلك ((٣٥١)). وبخاصة ان اكثر هذه القصص ليس فيها ما يشير الى ان المشاهد هو الامام (ع) الا تصور اصحابها بعدئذ بدلالة الكرامة، بل ان بعضها يدل بوضوح على نفي كون المشاهد شخصا بشريا حيا في عالم الدنيا والمادة كتلك التي يبرز فيها الشخص فجاة ثم يتلاشى ويغيب فجاة، او يتحول إلى نور او تقتصر رؤيته على شخص من بين عدد من الحاضرين دون غيره، لان ذلك كله مما ياباه الجسم البشري المادي بطبيعته حتى بالنسبة للنبي (ص) او الامام (ع) ولم يحدثنا تاريخهم بحكم ذلك بنظيره، ولذلك ورد عن الصادق (ع) انه قال: (لا تراه عين في وقت ظهوره الا راته كل عين فمن قال لكم غير هذا فكذبوه) ((٣٥٢)) لان رؤية الجسم البشري المادي متساوية بالنسبة للمبصرين من الناس (وان كانت للرواية دلالة اخرى تتصل بامكانات عصر الظهور سياتي الحديث عنها).
نعم يمكن ان يكون ما اشرنا اليه من الظهور والاختفاء فجاءة واقتصار رؤيته على فرد دون آخر انما هو للجسم البرزخي او المثالي المطروح بالارادة لدى الاحياء((٣٥٣)) او بالموت الطبيعي..
ومع ان ذلك اعني الحضور بالجسم المثالي مما يمكن ان يفعله الامام (ع) لو شاء.. وبه يعلل كما يرى بعضهم الحضور والاستجابة لطالبها او لمن شاء الامام (ع) اينما كان في البر والبحر، فانه لا دليل عليه في بعض هذه القصص من جهة ولا يحصل الا لذوي الشفافية والروحيين من اهل الجلاء البصري، او السمعي من جهة ثانية،ويمكن ان تخالطه امور تبعده عن الحقيقة ((٣٥٤)) حتى لدى الصلحاء فضلا عن غيرهم من جهة ثالثة، لذلك كان ينبغي الحذر منه بل رفضه حين يتضمن ما هو مناف للعقيدة او التشريع وبناء على ذلك فان وقوع مثل هذه الرؤية لا ينافي ما ورد من تكذيب المشاهدة لانها غيرها.
ومن المتيقن به ان اكثر هذه القصص حتى مع صحتها ووثاقة اهلها تدخل ضمن هذا النوع.
ثم ان هذا المشاهد احيانا بالصورة التي ذكرناها قد يكون جنيا او ملكا او حتى صورا برزخية او مثالية من اهل العالم الاخر قد جاءت بامر الامام (ع) ((٣٥٥)) او بغير امره(((٣٥٦)) وانما باسبابها الكونية كالدعاء وان لم يجاوزه العلم بها بحكم امامته او جاءت بشفاعته والولاية له وغير ذلك.
وبذلك تخرج اكثر هذه القصص، خلافا لشيخنا رحمه اللّه، عن حد التواتر الموجب للقطع، لامكان ان تكون الرؤية من نوع ما اشرنا اليه، ولا يصلح ما بقى منها لمعارضة الرواية لانها اقل وثاقة بحكم كونها آحادا لم تؤثر عن معصوم، ولا مكان حملها على ما لا ينافي المنفي من المشاهدة او بادخال اهلها في خاصة الموالي الذين استثنتهم الروايات الاخرى التي افيد منها تقييد اطلاق التكذيب الذي يلزمه امتناع الرؤية في التوقيع. واظن ان ما قدمناه يغنينا عن مناقشة ما حاوله الشيخ من تعضيد قيمة هذه الروايات بنقل العلماء لها في كتبهم والعناية بها من قبلهم لانهم في ذلك يجرون على ما هو المتعارف من التسامح في ايراد المناقب والكرامات من الاحاديث والوقائع دونما نظر الى ما تتصف به من قوة وضعف اسنادا ومتنا...
ولذلك فهي لا تدل على عدم عملهم بالرواية، كما سياتي، والتاشير للشيخ الطوسي رحمه اللّه غير وارد لان قوله: انا لا نقطع على استتاره عن جميع اوليائه بل يجوز ان يبرز لاكثرهم ولا يعلم كل انسان الا حال نفسه امر لا غبار عليه بحكم ان ما ورد من نفي الرؤية اخبار آحاد لا توجب علما وما يترتب على عدم القطع بذلك جواز الرؤية، وذلك صحيح نظريا بخاصة وهو في محل منازعة لخصم، على ان قوله (لاوليائه) يمكن ان يكون قد قصد بهم اولئك الذين استثنتهم الروايات كما سياتي.
وقد يكون نفى من الاستتار ما نفته الروايات التي ضربت له مثلا بالشمس حين يحجبها السحاب فيكون ما يقصده بالبروز ليس الشخص وانما الاثر. وقد يكون من مؤشرات ذلك انه رحمه اللّه لم يورد في ما ساقه من حديث عمن رآه وراى معجزاته من ص ١٥٥ الى ص ١٩٩ من كتابه الغيبة الا ما كان ضمن الغيبة الصغرى فقط.
رابعا: اورد الشيخ، رحمه اللّه، ما ورد في قصة الجزيرة الخضراء من اجابة السيد شمس الدين محمد، لدى سؤال الشيخ فاضل بن علي له عن كيفية الجمع بين ما ورد من احاديث في نفي المشاهدة في الغيبة الكبرى، وبين ادعاء وقوعها لبعضهم بانه انما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة اعدائه الى آخر ما ذكرناه في الوجه الثاني.
والذي نراه ان ذلك غير مقبول، فان ما تفرضه التقية من عدم ذكر الاسم، وعدم الدلالة امر، وتكذيب مدعي الرؤية في هذا التوقيع امر آخر، فمن الواضح انه لا يتصل بها تاريخا ومبررات ومن الاشكالات عليه:
١- ان تكذيب مدعي المشاهدة، مع وقوعها بالفعل، ظلم يتنزه الامام (ع) عنه.
٢- انه لم يصدر عنه ذلك كل مدة الغيبة الصغرى، وهي الاشد خطرا عليه من الناحية الشخصية.
٣- ان التوقيع صدر في آخر ايام نائبه الرابع علي بن محمد السمري، بل ما قبل وفاته بستة ايام بحيث ان الخطر عليه شخصيا لم يعد قائما كما في السنين الاولى للغيبة.
٤- ان التكذيب اذا ما ادعى مدع لا يجدي لدى العدو، لذلك فليس له في التقية كبير اهمية على ان الوصول للامام (ع) لم يكن الا لمن يختاره هو فلا يتصور منه البوح بما يكون خطرا عليه.
٥- ان التقية التي فرضت عليه الغيبة الكبرى كانت من قبله، بوصفه صاحب رسالة، اي انها تعني ان لا مجال لفرض الرسالة في تلك الظروف. والتوقيع في نظرنا يتصل بذلك بما انه يسد الطريق على من يدعي الصلة والبابية له من قبل الذين لا يبالون ان يفتروا على لسانه ما شاء لهم الشيطان، وقد اثبت الواقع التاريخي ذلك كما سنرى في الجزء الثاني، لذلك لا ينافي التكذيب اطلاقا ان يخرج خاصة مواليه تخصصا او تخصيصا بالروايات التي ستاتي...
ان كل ما نريد ان نقوله هو: ان ما اورده الشيخ النوري، رحمه اللّه، في الوجهين الاول والثاني مناقش او غير وارد، من دون ان يعني ذلك اننا نكذب اصحاب تلك القصص او نرفض ما صح منها اذا اخرجنا منها ما اشرنا اليه من احتمالات تبعد بعضها عن معارضة الرواية موضوعا ((٣٥٧)) اما ما صح منها مع ما يبدو مع معارضته اياها فيمكن تفسيره او تفسير المشاهدة في الرواية بما يرفع المعارضة او بادخال اصحابها في خاصة موالي الامام (ع) ان كان واقعهم يشهد بذلك، والخاصة هؤلاء خارجون في نظر البعض تخصصا، وفي الروايات الاخرى التي تنفي الرؤية في الغيبة الكبرى الا عن خاصة مواليه خارجون تخصيصا، ومنها افادوا تقييد الاطلاق في تكذيب مدعي المشاهدة في الرواية الاولى بما لا يشملهم بصفتها الحاكمة.
ولعل الوجوه التالية التي ذكرها العلماء واوردها الشيخ النوري، رحمه اللّه، في آخر كتابه: (جنة الماوى) تفصل جميع ما اجملناه من وجوه الجمع بين الرواية وبين ما صح من حصول الرؤية:
الوجه الاول: ما ذكره الشيخ المجلسي، رحمه اللّه، فقد قال بعد نقله التوقيع المشار اليه: لعله محمول على من يدعي المشاهدة مع النيابة، وايصال الاخبار من جانبه (ع) الى الشيعة على مثال السفراء ((٣٥٨))، وهو ما نراه، وما رآه ودلل عليه بعض العلماء ((٣٥٩)).
الوجه الثاني: ما ذكره العلامة السيد بحر العلوم، قدس اللّه نفسه، لدى ترجمته للشيخ المفيد، رحمه اللّه، ونقله التوقيعات التي تلقاها عن الامام المهدي (ع) فقد قال: (وقد يشكل امر هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى مع جهالة المبلغ، ودعواه المشاهدة المنافية بعد الغيبة الصغرى، ويمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن واشتمال التوقيع على الملاحم والاخبار عن الغيب الذي لا يطلع عليه الا اللّه واولياؤه باظهاره لهم.
قال: (وان المشاهدة المنفية ان يشاهد الامام ويعلم انه الحجة (ع) حال مشاهدته له، ولم يعلم من المبلغ ادعاؤه لذلك). ((٣٦٠))
الوجه الثالث: ان تكون المشاهدة المنفية هي البدنية المادية لا النورية، سواء كانت المشاهدة بالعين لدى تجليه صورة ام بالبصر الروحي الذي يحصل لذوي الشفافية بالخلقة ام بالسعي مما يسمى نظيره في الباراسايكولوجي (الجلاء البصري) كالتي حصلت للعالم التقي المولى عبد الرحيم الدماوندي في ما نقله الشيخ رضا الهمداني في المفتاح الاول من الباب الثالث من كتاب (مفتاح النبوة) ((٣٦١)). ويمكن ان يكون كثير من المشاهدات من هذا النوع، وان اختلفت بصورة او باخرى كتلك التي يختفي فيها فجاة كما ظهر ((٣٦٢)) او يتحول الى نور. ((٣٦٣))
والفرق بين الرؤيتين ان النورية لا تنافي الغيبة العامة التامة وانها لا تقبل الا ممن لا يدور حولهم شك عقلا وعلما وتقى، لجواز ان تكون هلوسة واختلاطا فينتفى المحذور في الادعاء بخلاف في الادعاء.
وقد يكون الجلاء سمعيا فقط كالذي حصل للسيد ابن طاووس، او تكون المشاهدة قلبية مندون صورة من خلال شعور قوي بالحضور يغمر الكيان كله حتى يصبح اوضح مما هو الرؤية، فيفيض اللّه بوساطته ما شاء من العلم والمعرفة، ولعل هذا او ذاك هو ما قصده السيد بحر العلوم رحمه اللّه بقوله: (وربما يحصل لبعض حفظة الاسرار من العلماء الابرار العلم بقول الامام بعينه على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في مدة الغيبة، فلا يسعه التصريح بنسبة القول اليه فيبرزه في صورة الاجماع جمعا بين الأمر باظهار الحق والنهي عن اذاعة مثله بقول مطلق). ((٣٦٤))
وذكر المحقق الكاظمي، رحمه اللّه، من اقسام الاجماع قسما غير الاجماع بالمصطلح المعروف قال انه استخرجه من مطاوي كلمات العلماء وفحوى عباراتهم، وهو ان يحصل لاحد سفراء الامام الغائب، عجل اللّه فرجه وصلى عليه، العلم بقوله اما بنقل مثله اليه سرا، او بتوقيع او مكاتبة او بالسماع منه شفاها على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغيبة. قال: ويحصل ذلك لبعض حملة اسرارهم، ولا يمكن التصريح بما اطلع عليه، والاعلان بنسبة القول اليه والاتكال في ابراز المدعى على غير الاجماع من الادلة الشرعية لفقدها، وحينئذ يجوز له، اذا لم يكن مامورا بالاخفاء او كان مامورا بالاظهار لا على وجه الافشاء، ان يبرزه لغيره في مقام الاحتجاج بصورة الاجماع خوفا من الضياع وجمعا بين امتثال الامر باظهار الحق بقدر الامكان، وامتثال النهي عن اذاعة مثله لغير اهله من ابناء الزمان، ولا ريب في كونه حجة:
اما لنفسه فلعلمه بقول الامام (ع)، واما لغيره فلكشفه عن قول الامام ايضا، غاية ما هنا انه يستكشف قول الامام (ع) بطريق غير ثابت (ع) ((٣٦٥)) ولا ضير فيه بعد حصول الوصول الى ما انيطت به حجية الاجماع.
قال: ولصحة هذا الوجه وامكانه شواهد تدل عليه، ثم ذكر شيئا من هذه الشواهد ((٣٦٦)).
ويبدو لي من رسالة السيد ابن طاووس الى ولده محمد اعتماده على انفتاح هذا الباب من الصلة لخاصة اولياء الإمام (ع) بصورها المختلفة.
قال، رحمه اللّه، بعد حديث جاء فيه ان غيبة الامام (ع) حجة على مخالفيه: (مع انه (ع) حاضر مع اللّه على اليقين، وانما غاب من لم يلقه منهم لغيبتهم عن حضرة المتابعة لرب العالمين، وان ادركت يا ولدي موافقة توفيقك لكشف الاسرار عليك عرفتك من حديث المهدي صلوات اللّه عليه ما لا يشتبه عليك، وتستغني بذلك عن الحجج المعقولات وعن الروايات، فانه حي موجود على التحقيق ومعذور عن كشف امره الى ان ياذن له تدبير اللّه الرحيم الشفيق كما جرت عليه عادة كثير من الانبياء، والاوصياء، فاعلم ذلك يقينا، واجعله عقيدة ودينا فان اباك عرفه ابلغ من معرفة ضياء شمس السماء).
وقال رحمه اللّه: (وقد احتجناكم مرة عند حوادث حدثت لك اليه، ورايناه في عدة مقامات في مناجاة، وقد تولى قضاء حوائجك بانعام عظيم في حقنا وفي حقك لا يبلغ وصفي اليه.
فكن في موالاته والوفاء له وتعلق الخاطر به على قدر مراد اللّه جل جلاله ومراد رسوله ومراد آبائه ومراده (ع) منك، وقدم حوائجه على حوائجك عند صلاة الحاجات، والصدقة عنه قبل الصدقة عنك عمن يعز عليك، والدعاء له قبل الدعاء لك وقدمه في كل خير يكون وفاء له ومقتضيا لاقباله عليك، واحسانه اليك واعرض حاجتك عليه كل يوم اثنين ويوم خميس من كل اسبوع بما يجب له من ادب الخضوع...) الى ان يقول: (فانه ياتيك جوابه صلوات اللّه وسلامه عليه). ثم يقول، وهنا موضع الشاهد الذي يتصل بما اردناه، وهو يفسر لنا رؤية السيد التي وردت في هذا النص وغيره او بعضها: (ومما اقول لك يا ولدي محمد ملا اللّهجل جلاله عقلك وقلبك من التصديق لاهل الصدق والتوفيق في معرفة الحق: ان طريق تعريف اللّه جل جلاله لك بجواب مولانا المهدي صلوات اللّه وسلامه عليه على قدر قدرته جل جلاله ورحمته).ومن ذلك ما رواه محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الوسائل عمن سماه قال: كتبت الى ابي الحسن (ع) ان الرجل يحب ان يفضي الى امامه ما يجب ان يفضي به الى ربه قال: فكتب ان كانت لك حاجة فحرك شفتيك فان الجواب ياتيك، ومن ذلك ما رواه هبة اللّه بن سعيد الراوندي في كتاب الخرائج عن محمد بن الفرج قال: قال لي علي بن محمد (ع): اذا اردت ان تسال مسالة فاكتبها وضع الكتاب تحت مصلاك ودعه ساعة ثم اخرجه وانظر فيه.. قال: ففعلت فوجدت ما سالت عنه موقعا فيه.
وقال رحمه اللّه في آخر كتابه: (ثم ما اوردناه باللّه جل جلاله من هذه الرسالة ثم عرضناه على قبول واهبه صاحب الجلالة نائبه (ع) في النبوة والرسالة، وورد الجواب في المنام بما يقتضي حصول القبول والانعام والوصية بامرك والوعد ببرك وارتفاع قدرك) ((٣٦٧)). ولدى قراءة القصص الواردة في مشاهدة الامام (ع) نجد ان اكثرها يدخل ضمن هذا النوع بما فيه تلك التي رويت فيها ادعية وزيارات وصيغ من الاستخارة، بل ما يتصل بالتوحيد ومعاني الاسماء والصفات والانباء بالمغيبات.
ويتضاءل الاشكال حتى ينعدم حين يكون المكاشف عالما عاقلا تقيا ورعا يملك الموازين العلمية او المنطقية والشرعية التي تمكنه من التفرقة بين الحق والباطل والصحة والمرض والواقع والخيال، وحين تكون المكاشفة ايضا مما لا علاقة له بالعقيدة او التشريع لكنه يبرز ويعظم (اعني الاشكال) حين يكون مما لا يتمتع بما ذكرناه من هذه الصفات كلا او بعضا ((٣٦٨)) او تكون المكاشفة مخالفة للعقيدة والتشريع لما اشرنا اليه، وسياتي من الصور التي يمكن ان تختلط بالكشف لدى المصابين بالهلوسة البصرية او السمعية او المبتلين بالمس والاستحواذ ما يوجب الحذر والحيطة من الاصغاء لما يدعونه من رؤى ومكاشفات في كل الاحوال ((٣٦٩)).
الوجه الرابع: ما ذكره السيد بحر العلوم رحمه اللّه ايضا.
قال: وقد يمنع امتناعها (يعني المشاهدة) في شان الخواص، وان اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار، ودلالة بعض الاثار ((٣٧٠)) وقد يكون ما قصده بشهادة الاعتبار ما تشير اليه صورة الكشف ولغته، ومضمونه من جهة ومكانة المكاشف وموقعه علميا او دينيا في الامة من جهة اخرى، اما ما يعني بشهادة الاثار فقد يكون ما وردت به الروايات من استثناء خاصة الموالي كالتي رواها النعماني بسنده عن المفضل بن عمر عن الصادق (ع) انه قال: (لا يطلع على موضعه احد من ولي ولا غيره الا المولى الذي يلي امره) ((٣٧١)). وفي رواية الشيخ الطوسي لها: (لا يطلع على موضعه احد من ولده ولا غيره الا المولى الذي يلي امره) ((٣٧٢)). و(المولى الذي يلي امره)، في الرواية، قد لا يكون هنا شخصا واحدا معينا، وانما هو الموصوف بهذه الصفة فيمكن ان يتعدد بدليل صحة ان تذكر بعده مصاديق متعددة فيقال: الا المولى الذي يلي امره كزيد وعمرو وخالد الخ...، او انه المقدم فيهم الدائم الصلة كما في رواية عبد الاعلى عن الباقر(ع) ((٣٧٣))، وذلك للجمع بين هذه الرواية والروايات الاخرى ومنها ما رواه الشيخ الكليني رحمه اللّه والنعماني عنه مسندا الى اسحاق بن عمار عن الامام الصادق (ع) قال: (قال (ع): للقائم غيبتان: احداهما قصيرة والاخرى طويلة، الغيبة الاولى لا يعلم بمكانه الا خاصة شيعته والاخرى لا يعلم مكانه الا خاصة مواليه) ((٣٧٤)). ورواها النعماني رحمه اللّه بطريق آخر عن اسحاق بن عمار ايضا، وقد جاء بعد صدر الرواية السابق: (فالاولى يعلم بمكانه فيها خاصة من شيعته والاخرى لا يعلم بمكانه فيها الا خاصة مواليه في دينه) ((٣٧٥)). ومن المهم في ما نحن بصدده ملاحظة ما اشارت إليه الروايتان من الفرق بين خاصة الشيعة الذين يعلمون بمكانه في الغيبة الصغرى، وبين خاصة الموالي الذين لا يعلم بمكانه سواهم في الغيبة الكبرى مما يشير الى ان خاصة الموالي اخص مما هم خاصة الشيعة للظاهر من العبارة، ولما تفرضه المناسبة في الفرق بين الغيبتين. ربما هم كالنواب الاربعة في الغيبة الصغرى مع فارق هو ان النواب الاربعة كانوا ظاهرين معروفين من جهة الامة يمكن الرجوع اليهم بخلاف خاصة الموالي في الغيبة الكبرى،ومع فارق آخر هو انه كان بالامكان ان يلتقي بالامام (ع) في الغيبة الصغرى ما عدا هؤلاء النواب من خاصة الشيعة، وهو ما حصل بالفعل، اما في الغيبة الكبرى فانه لا مجال لاحد ان يعرف مكانه عدا خاصة الموالي هؤلاء... وقد يقصد بالمكان اعم مما هو المكان في الارض الا ان خاصة الموالي يعرفون مع ذلك طريق الصلة به. ولذلك يبقى التوقيع على اطلاقه في تكذيب مدعي الشهادة من غير هؤلاء، او بغير ما قدمه العلماء من الوجوه السابقة، ولكن هل هؤلاء الموالي الخاصة الذين يصطفيهم الامام (ع) لما لهم من صفات الصلاح والامانة واسطة بينه وبين الناس في ما يشاء من امر او آخر: غائبون معه، او انهم يعيشون بين الناس الا انهم غائبون مقاما، وصلة، ودورا؟
كلا الامرين جائز.. وقد يكونون من الاثنين، لان غياب الإمام المهدي (ع) كما تفيد بعض الروايات دائما او في بعض الاوقات لا يجاوز ما اشرنا اليه من الغياب، فهو يطا فرشهم ويمشي في اسواقهم، ويحضر المواسم، يراهم ولا يرونه، ويعرفهم ولا يعرفونه. وورد كذلك انه حين يظهر يقول الناس: انهم قد راوه من قبل ((٣٧٦)) اي ان الغياب لم يكن الا غياب مقام ومنزلة ودور، قبل ان يكون غياب شخص، ومثل ذلك قد يكون خاصة الموالي.
وقد يسال بعض القراء: كم هم هؤلاء الخاصة من الموالي؟
والجواب هو: لا يوجد ما يحدد العدد الا رواية اوردها الشيخ الكليني رحمه اللّه بسنده عن ابي بصير عن الصادق (ع) قال:
(لا بد لصاحب هذا الامر من غيبة، ولا بد له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة، وما بثلاثين من وحشة) ((٣٧٧)). فاذا صحت الرواية وكان المقصود بالغيبة هنا الكبرى فهذا هو العدد.
قال الشيخ النوري رحمه اللّه: (وهؤلاء الثلاثون الذين يستانس بهم الامام (ع) في غيبته لا بد من ان يتبدلوا في كل قرن، إذا لم يقدر لهم من العمر ما قدر لسيدهم (ع) ففي كل عصر يوجد ثلاثون مؤمنا يتشرفون بلقائه) ((٣٧٨)). ويبدو ان مقام هؤلاء الموالي، من حيث صلتهم بالامام (ع) وموقعهم منه ومهامهم لديه وعددهم كما حددتهم الرواية، هو منشا الربط بينهم وبين الابدال الذين عرفهم الشيخ الطريحي رحمه اللّه بانهم (قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم اذا مات واحد ابدل اللّه مكانه آخر) ((٣٧٩)).
قال الشيخ تقي الدين بن علي الكفعمي: (قيل: ان الارض لا تخلو من القطب واربعة اوتاد، واربعين بدلا، وسبعين نجيبا وثلاثمئة وستين صالحا) ((٣٨٠)).
وقال بعدها: (فالقطب هو المهدي (ع) ولا تكون الاوتاد اقل من اربعة لان الدنيا كالخيمة، والمهدي (ع) كالعمود، وتلك الاربعة اطنابها، وقد تكون الاوتاد اكثر من اربعة، والابدال اكثر من اربعين والنجباء اكثر من سبعين، والصالحون اكثر من ثلاثمئة وستين) ((٣٨١)). ولا توجد من هذه التسميات في الاخبار عدا الابدال والنجباء، واخبارها ضعيفة ومؤشر عليها. ((٣٨٢))
ويبدو ان الشيخ الكفعمي طبق هذه التسميات التي اوردها بلفظها، وقيل: ولكن عدد الابدال في ما ذكره مختلف عما ورد في الرواية السابقة اذا كانوا المعنيين بها، ولا ضير فهو يتطابق مع رواية اخرى عن عبد الاعلى عن الامام الباقر (ع) قال (ع): يكون لصاحب هذا الامر غيبة وحتى اذا كان قبل خروجه بليلتين انتهى المولى الذي يكون بين يديه حتى يلقى بعض اصحابه فيقول: كم انتم هاهنا؟ فيقول نحو من اربعين رجلا. ((٣٨٣))
وعلى كل حال فان ما يهمنا من حيث النتيجة هو ان للمهدي(ع) خاصة من مواليه يلتقون به ويشاهدونه ويقومون على خدمته.
والخلاصة مما تقدم حول ما اذا كانت المشاهدة في الغيبة الكبرى في نظر العلماء تكذب مطلقا ام لا؟
١- انها تكذب اذا ادعى صاحبها السفارة والتبليغ عن الإمام (ع). وهو ما تكاد تجمع على معناه آراء العلماء، بحيث يلجا المتيقن منهم بحكم الى ابرازه بصورة اخرى.
٢- واذا ادعى معرفة الحجة حال لقائه به لانه يمكن ان ينتهى الى ما نفاه الوجه الاول.
٣- واذا كانت دعوى رؤياه له بالصورة البشرية المادية لا المكاشفة، لان الجمع بين نفي الرؤية وحصولها يحصل بذلك، ولان المحذور برؤية المكاشفة منفي بحكم عدم قبولها وتصديقها الا ممن هو اهل.
٤- واذا كان المدعي من غير خاصة الموالي هؤلاء.
ولكن من هم؟ المتيقن ان المبتدعين والبعداء عن اهل البيت (ع) فكرا ومنهجا وسلوكا وانفاسا ليسوا منهم بل يفتي بعض العلماء بالتكذيب مطلقا.
لذلك كان السيد محمد مهدي بحر العلوم (قدس اللّه نفسه)، وهو ممن ادعيت له المشاهدة، بل ادعاها وقال بامكانها للخواص كما ذكرنا، يفتي رغم ذلك بتكذيب مدعي المشاهدة..
ففي ما رواه الشيخ النوري، رحمه اللّه، عن اغا علي رضا النائيني عن زين العابدين بن العالم الجليل محمد السلماسي الذي كان من تلامذة السيد رحمه اللّه انه قال: كنت حاضرا في محفل افادته، فساله رجل عن امكان رؤية الطلعة الغراء في الغيبة الكبرى، فسكت وطاطا براسه، وخاطب نفسه بكلام خفي اسمعه معناه: ما اقول في جوابه،وقد ضمني صلوات اللّه عليه الى صدره؟ وورد ايضا، في خبر تكذيب مدعي الرؤية في ايام الغيبة، وكرر هذا الكلام، ثم قال في جواب السائل: (انه قد ورد في اخبار اهل العصمة تكذيب من ادعى رؤية الحجة، عجل اللّه فرجه، في ايام الغيبة، واقتصر جوابه عليه) ((٣٨٤)).

الفصل الرابع: ولكن متى؟ لا توقيت ولكن ثمة علامات
تمهيد: حول عوامل التقدير التي تحيل التوقيت

اغلق الائمة من اهل البيت (ع) السؤال: متى؟ لاسباب نذكرهافي ما ياتي:
اولا: لان القوانين التي تحكم التقدير ترفض بطبيعتها التوقيت.
وقد اشرنا في بعض ما اجبنا به عن السؤال: ما الحكمة؟ الى ان من اسرار الغيبة انتظار الظرف الملائم للظهور. الظرف الذي يتاهل فيه العالم لقبول الرسالة الاسلامية بكل ابعادها والتسليم بقناعة لقيادة الامام (ع). وتقدير الظرف ليس جبريا (فلا جبر ولا تفويض) ((٣٨٥))، بمعنى انه ليس مفروضا خارج الاسباب والقوانين المتصلة بها في هذا العالم، وانما يتم بهذه الاسباب والقوانين نفسها، وهي كما شاء اللّه لدى خلقها ابتداء متشابكة متفاعلة سلبا وايجابا. واذا كان فيها ما هو ثابت، فان فيها ما هو قابل للتغيير، او ما هو واقع تحت الخيار الانساني.. وحين يكون بعضها في موقع المقتضي او الشرط، فان بعضها الاخر قد يكون بالنسبة اليها في منزلة المانع. وطبقا لهذه العلاقة بين المقتضيات والشروط والموانع قد يتاخر الظرف وقد يتقدم، وقد تلغى بعض المقدمات والصور المتوقعة قبله او معه، وقد تحدث اخرى لم تكن من قبل، وهو معنى (البداء) ((٣٨٦)) الذي يمنع من الاخبارات القاطعة بالاحداث الواقعة ضمن نطاق القوانين الطبيعية القابلة للتغيير، وقد ورد عن الامام علي (ع)انه قال: (لولا آية في كتاب اللّه لاخبرتكم بما كان، وبما يكون، وبما هو كائن الى يوم القيامة، وهذه هي: (يمحو اللّه ما يشاء ويثبت، وعنده ام الكتاب) [الرعد: ٣٩]((٣٨٧)). ومثل ذلك ورد عن الائمة الحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق(ع) ((٣٨٨)).
وبناء على ذلك، فان تحديد زمن مجيء الظرف المقدر لظهور الامام المهدي المنتظر (ع) غير وارد، ولهذا رفض الائمة من اهل البيت (ع) التوقيت، وكذبوا من نقله عنهم. روى النعماني بسنده عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه (ع) قال:
قلت له: جعلت فداك متى خروج القائم (ع)؟
فقال (ع): يا ابا محمد، انا اهل البيت لا نوقت، وقد قال محمد (ص): (كذب الوقاتون) ((٣٨٩)). وروى بسنده عن محمد بن مسلم عن الصادق (ع) قال: قال ابو عبد اللّه (ع): (يا محمد من اخبرك عنا توقيتا فلا تهب ان تكذبه، فانا لا نوقت لاحد وقتا) ((٣٩٠)).
وبسنده عن عبد اللّه بن سنان عنه (ع) قال انه قال (ع): (ابى اللّه الا ان يخلف وقت الموقتين) ((٣٩١)). وبسنده عن الفضيل بن يسار عن ابي جعفر الباقر (ع) قال: قلت ان لهذا الامر وقتا؟ فقال (ع): كذب الوقاتون كذب الوقاتون.
ان موسى (ع) لما خرج وافدا الى ربه واعدهم ثلاثين يوما، فلما زاده اللّه على الثلاثين عشرا قال قومه: قد اخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا... (الحديث) ((٣٩٢)).
وقد مر في التوقيع الصادر عن الامام المهدي (ع) الى اسحاق بن يعقوب بوساطة ابي جعفر محمد بن عثمان العمري (النائب الثاني): (واما ظهور الفرج فانه الى اللّه وكذب الوقاتون). ((٣٩٣))
ثانيا: ان الامام المهدي المنتظر (ع) نذير بين يدي الساعة بعد انقطاع النبوة وختمها بسيد الرسل (ص) وغياب الاوصياء الاثني عشر (ع)، ولذلك سمي بالنذر الاكبر الذي يصلي المسيح خلفه، وفي زمنه يبدا البعث الجزئي المسمى بالرجعة ليتصل به بعدئذ البعث الشامل، وقد ذكر المفيد رحمه اللّه انه بعد رحيل الامام (ع) باربعين يوما تقوم القيامة الكبرى. والقيامة مربوطة بتقدير اللّه لعالمنا لا يجليها لوقتها الا هو، ولذلك فلا توقيت، ولكنهم ذكروا علامات عامة وخاصة.
علامات عصر الظهور
وبدلا من التوقيت ذكروا لعصر الظهور علامات عامة وخاصة، واذا كانت الاولى وهي تصف حالة المجتمع من حيث شيوع بعض الظواهر المنافية للدين والعدل والاخلاق، يمكن ان نجد شواهد وجودها التاريخي مع اختلاف نسبي في كل عصر بدءا من العصر الاموي، فان ذكرها كعلامات ينبغي الا يعني امتدادها، ووجودها فقط، وانما استشراءها بصورة غير معهودة.
اما الثانية، اي العلامات الخاصة، فهي ظواهر واحداث كونية او حضارية او سكانية او عسكرية عالمية او اقليمية، لا يوجد ما يشير اليها زمن الحديث عنها بالصورة التي يجعلها متوقعة، لذلك فهي من هذه الناحية هامة وملفتة، والتامل في الاخبار بها علامات لعصر الامام (ع) سبقا وفي عددها وزمن حدوثها، وترابطها كونيا وحضاريا يعطي اليقين بانها تعلم من ذي علم موصول بعالم الغيب، وانه لم يتحدث حين تحدث عنها اعتباطا، ولا هي كلمحات المستبصرين دونما ترابط ولا غاية، وانما لتكوين حجة تهب الطمانينة للمؤمنين.
قال الشيخ النعماني رحمه اللّه: (واذا جاءت الروايات متصلة متواترة بمثل هذه الاشياء قبل كونها، وبهذه الحوادث قبل حدوثها، ثم حققها العيان والوجود فوجب ان تزول الشكوك عمن فتح اللّه قلبه ونوره وهداه واضاء له بصره) ((٣٩٤)). وقال رحمه اللّه، وهو يتحدث عن هذه العلامات الخاصة: (وهذه من اعدل الشواهد على بطلان امر كل من ادعى او ادعي له مرتبة القائم (ع)، ومنزلته، وظهر قبل مجي ءهذه العلامات)((٣٩٥)).

البحث الاول: العلامات العامة

منها ما ورد عن علي بن علي الهلالي عن ابيه قال: دخلت على رسول اللّه (ص)، وهو في الحالة التي قبض فيها. وذكر حديثا للرسول (ص) مع فاطمة (عليها السلام) التي كانت تبكي حزينة متالمة عند راسه، وهو يعزيها، ومما جاء فيه: (يا حبيبتي، اما علمت ان اللّه سبحانه وتعالى اطلع على اهل الارض اطلاعة فاختار منها اباك فبعثه برسالته، ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك واوحي الي ان انكحك اياه.. يا فاطمة، ونحن اهل البيت قد اعطانا اللّه سبع خصال لم تعط احدا قبلنا ولا تعطى احدا بعدنا: انا خاتم النبيين، واكرم النبيين على اللّه عز وجل واحب المخلوقين الى اللّه عز وجل وانا ابوك، ووصيي خير الاوصياء وهو احبهم الى اللّه وهو بعلك..). الى ان قال:
(ومنا سبطا هذه الامة وهما ابناك الحسن والحسين، وهما سيدا شباب اهل الجنة، وابوهما والذي بعثني بالحق خير منهما، يا فاطمة، والذي بعثني بالحق، ان منهما مهدي هذه الامة اذا صارت الدنيا هرجا ومرجا وتظاهرت الفتن وتقطعت السبل واغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيرا ولا صغير يوقر كبيرا، فيبعث اللّه عز وجل عند ذلك منهما من يفتح حصون الضلالة وقلوبا غلفا يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في اول الزمان) (الحديث). قال السلمي: اخرجه الحافظ ابو نعيم الاصفهاني في صفة المهدي ((٣٩٦)).
وورد في حديث قدسي طويل عن ابن عباس عن الرسول (ص) من العلامات العامة للظهور: (اذا رفع العلم وظهر الجهل وكثر القراء وقل العمل وكثر الفتك وقل الفقهاء الهادون وكثر فقهاء الضلالة الخونة وكثر الشعراء واتخذت امتك قبورهم مساجد، وحليت المصاحف، وزخرفت المساجد وكثر الجور والفساد وظهر المنكر وامرت امتك به، ونهوا عن المعروف...) الى ان قال (ص): (وصارت الامراء كفرة، واولياؤهم فجرة، واعوانهم ظلمة وذوو الراي منهم فسقة) ((٣٩٧)). وساقوا في العلامات ما رواه السكوني عن الامام الصادق (ع) عن الرسول (ص)، وهو يذكر حالة الامة في ذلك الزمان وفيه:
(لا يبقى من القرآن الا رسمه، ولا من الاسلام الا اسمه، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة واليهم تعود) ((٣٩٨)).
ومنها: (اذا صدقت امتي بالنجوم وكذبت بالقدر، وذلك حين يتخذون الامانة مغنما والصدقة مغرما والفاحشة اباحة والعبادة تكبرا واستطالة على الناس) ((٣٩٩)). وعنه (ص): (سيفتنون باموالهم ويمنون بدينهم على ربهم ويتمنون رحمته ويامنون سطوته ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة) ((٤٠٠)). ومنها ما ورد عن الامام علي (ع):
قال (ع): (اذا امات الناس الصلاة، واضاعوا الامانة، واستحلوا الكذب، واكلوا الربا، واخذوا الرشا، وشيدوا البنيان، وباعوا الدنيا بالدين، واستعملوا السفهاء، وشاوروا النساء، وقطعوا الارحام، واتبعوا الاهواء، واستخفوا بالدماء، وكان الحلم ضعفا، والظلم فخرا، وكانت الامراء فجرة والوزراء ظلمة والعرفاء خونة والقراء فسقة، وظهرت شهادات الزور، واستعلن الفجور، وقول البهتان والاثم والطغيان). ومنها: (وحليت المصاحف، وزخرفت المساجد، وطولت المنائر واكرم الاشرار، وازدحمت الصفوف واختلفت الاهواء، ونقضت العهود).
ومنها: (وشهد شاهد من غير ان يستشهد وشهد الاخر قضاء لذمام بغير حق عرفه، وتفقه لغير الدين وآثروا عمل الدنيا على الاخرة، ولبسوا جلود الضان على قلوب الذئاب وقلوبهم انتن من الجيف وامر من الصبر) ((٤٠١)).
ومنها ما ورد عن الامام جعفر بن محمد الصادق (ع). قال وهو يجيب من ساله: متى؟
(اذا رايت الحق قد مات وذهب اهله، ورايت الجور قد شمل البلاد، ورايت القرآن قد خلق، واحدث فيه ما ليس فيه، ووجه على الاهواء، ورايت الدين قد انكفا كماينكفى الاناء، ورايت اهل الباطل قد استعلوا على اهل الحق، ورايت الشر ظاهرا لا ينهى عنه يعذر اصحابه). ومنها: (ورايت المؤمن صامتا لا يقبل قوله، ورايت الفاسق يكذب ولا يرد عليه كذبه وفريته، ورايت الصغير يستحقر الكبير، ورايت الارحام قد تقطعت، ورايت من يتمدح بالفسق فيضحك منه ولا يرد عليه قوله، ورايت الرجل ينفق المال في غير طاعة اللّه فلا ينهى ولا يؤخذ على يديه). ومنها: (ورايت الكافر فرحا لما يرى في المؤمن، مرحا لما يرى في الارض من الفساد، ورايت الخمور تشرب علانية، ويجتمع عليها من لا يخاف اللّه عز وجل، ورايت الامر بالمعروف ذليلا. ورايت الفاسق في ما لا يحب اللّه قويا محمودا، ورايت اصحاب الايات يحقرون ويحتقر من يحبهم، ورايت سبيل الخير منقطعا وسبيل الشر مسلوكا).
ومنها: (ورايت الحرام يحلل، ورايت الحلال يحرم، ورايت الدين بالراي، وعطل الكتاب واحكامه، ورايت الصلاة قد استخف بها، ورايت الرجل عنده المال الكثير لم يزكه منذ ملكه، ورايت الرجل يخرج الى مصلاه ويرجع وليس عليه شيء من ثيابه. ورايت قلوب الناس قد قست، وجمدت اعينهم وثقل الذكر عليهم، ورايت السحت قد ظهر يتنافس فيه. ورايت المصلي انما يصلي ليراه الناس، ورايت الفقيه يتفقه لغير الدين يطلب الدنيا والرئاسة، ورايت الناس مع من غلب.
ورايت الحرمين يعمل فيهما بما لا يحب اللّه لا يمنعهم مانع، ولا يحول بينهم وبين العمل القبيح، احد ورايت المعازف ظاهرة في الحرمين.
ورايت الرجل يتكلم بشيء من الحق، وينهى عن المنكر، فيقوم اليه من ينصحه في نفسه فيقول: هذا عنك موضوع.
ورايت كل عام يحدث فيه من البدعة والشر اكثر مما كان، ورايت الايات من السماء لا يفزع لها احد، ورايت الرجل ينفق الكثير في غاية طاعة اللّه، ورايت العقوق قد ظهر، واستخف بالوالدين وكانا من اسوا الناس حالا عند الولد، ورايت ابن الرجل يفتري على ابيه، ويدعو على والديه ويفرح بموتهما.
ورايت السلطان يحتكر الطعام، ورايت اموال ذي القربى تقسم في الزور، ويتقامر بها، ويشرب بها الخمور، ورايت الاذان بالاجر والصلاة بالاجر، ورايت المساجد محتشية ممن لا يخاف اللّه يجتمعون فيها للغيبة، واكل لحوم اهل الحق). ومنها (ورايت القرآن قد ثقل على الناس استماعه وخف على الناس استماع الباطل، ورايت الحدود قد عطلت، ورايت اقرب الناس الى الولاة من يمتدح بشتمنا اهل البيت، ورايت من يحبنا يزور ولا يقبل قوله ورايت من اكل اموال اليتامى يحدث بصلاحه ورايت القضاة يقضون بخلاف ما امر اللّه به، والناس همهم بطونهم وفروجهم)((٤٠٢)).
وهذه كما ترى علامات عامة يمكن لمن اطلع على تاريخ المجتمع الاسلامي، بدءا من العهد الاموي ان يجد الكثير منها، والتفاوت انما هو في مدى انتشار هذه الظواهر وحجمها بالنسبة للمجتمع، واذا كان وجود مثل هذه الظواهر باي حجم مرفوضا من حيث المبدا في مجتمع يدين اهله كما هو المفروض بالاسلام. فان الذي يبدو من ذكرها كعلامات للظهور، انها تستشري، وتنتشر، بصورة اكثر مما سبق.
وواقع مجتمعاتنا الاسلامية اليوم يشهد لذلك بالفعل.
وقد روى العلماء المحدثون علامات عامة اخرى وعلامات خاصة فمن شاء المزيد منها فليرجع الى كتب الحديث من باب الفتن واشراط الساعة او للكتب الخاصة بالامام المهدي (ع) لا فرق في ذلك بين ما الفه علماء اهل السنة او الشيعة ومنها المؤشرة خلال ما مر من البحث في الهامش ((٤٠٣)).

البحث الثاني: العلامات الخاصة

سنختار بعضا من هذه العلامات الخاصة لما بها من دلالة غيبية هامة بحكم عدم امكان تصور موضوعها في ذلك الوقت لدى تحدث رسول اللّه (ص) او الائمة (ع) عنها مع قيام هذا الموضوع او تاشيراته في عصرنا الحاضر، بل ان بعضها ما يزال تصور حدوثه صعبا الا ان العلماء وبحسابات علمية بداوا يتوقعونه ولا نشك ان لمثل هذه الاخبارات في هذه الموضوعات الخاصة قبل حدوثها بقرون عديدة اهميته في ترسيخ الايمان لا بالصلة الحقة للمتحدث فيه باللّه (عالم الغيب الذي لا يظهر على غيبه احدا الا من ارتضى من رسول) فقط بل بالموضوع الذي تكون العلامة بين يديه او عنده كذلك.
وسنجد في هذه العلامات ايضا ما يدل على المرحلة التاريخية والحضارية التي يظهر فيها الامام (ع) دون توقيت لان المرحلة قد تمتد لمدى غير معروف.
ومن هذه العلامات:
١- تطاول رعاة الابل بالبنيان روى ابو هريرة عن رسول اللّه (ص)، حين سئل متى الساعة، قال (ص): ما المسؤول عنها باعلم من السائل وساخبرك عن اشراطها: اذا ولدت الامة ربها، واذا تطاول رعاة الابل البهم في البنيان الحديث ((٤٠٤)).
والذي يعنينا هنا ما ذكره (ص) من تطاول رعاة الابل البهم في البنيان فان من الواضح: ان المقصودين بذلك سكان الجزيرة العربية فهي التي تتميز اكثر من غيرها بتربية الابل واستخدامها قديما حتى ان البعير يوضع كتاشير للبلاد العربية خاصة. ((٤٠٥))
ومن الواضح انها لم تكن معروفة سابقا بالتطاول في البنيان، وانشاء البيوت والعمارات والفنادق الفخمة ذات الطوابق المتعددة. ولكن هذا هو الواقع منذ اكتشاف البترول بالفعل. وحين تشهد ذلك وتقارن بين الماضي والحاضر عليك ان تذكر صاحب النبوءة (صلى اللّه عليه وآله وسلم) الصادق الامين، وتعلم انك تشهد بعض اشراط الساعة المتصلة بظهور الامام المهدي (ع) لانه منها.
٢- اتصال الكوفة بالنجف والحيرة ثم بكربلاء روى الشيخ المفيد المتوفي سنة ٤١٣ عن المفضل بن عمر قال سمعت ابا عبد اللّه (الصادق) (ع) يقول: (اذا قام قائم آل محمد (ع) بنى في ظهر الكوفة مسجدا له الف باب واتصلت بيوت اهل الكوفة بنهري كربلاء ((٤٠٦)).
وروى الطوسي رحمه اللّه المتوفى في سنة ٤٦٠ بسنده عن المفضل بن عمر قال سمعت ابا عبد اللّه الصادق (ع) يقول: (ان قائمنا اذا قام اشرقت الارض بنور ربها الى ان يقول: ويبني في ظهر الكوفة مسجدا له الف باب وتتصل بيوت الكوفة بنهر كربلاء وبالحيرة) ((٤٠٧)).
وروى الطوسي ايضا بسنده عن ابي خالد الكابلي عن ابي جعفر (ع) قال: اذا دخل القائم الكوفة لم يبق مؤمن الا وهو بها او يجيء اليها ((٤٠٨)) وذكر في حديث آخر عن عمرو بن ثابت عن ابيه عن ابي جعفر (ع) انه يخرج الى الغري فيخط مسجدا له الف باب ((٤٠٩)).
وروي مسندا الى حبة العرني قال: خرج امير المؤمنين (ع) الى الحيرة فقال: (لتتصلن هذه بهذه. واوما بيده الى الكوفة والحيرة حتى يباع الذراع في ما بينهما بدنانير)((٤١٠)).
والملفت في هذه الروايات: ان الكوفة والحيرة لم تكونا في عصر الامام علي (ع) والامامين الباقر والصادق (ع) من حيث الحجم السكاني بما يمكن ان يتوقع معه اتصالهما وارتفاع سعر الارض بينهما الى هذا المقدار اما النجف وكربلاء فعدا انهما لم يكونا قد مدنا آنذاك فان الاتصال بينهما وبين الكوفة والحيرة لم يكن ليبلغه حتى الخيال آنذاك، ومثل ذلك امر الحاجة الى مسجد يبلغ من السعة بحيث يحتاج الى الف باب.
ولكن هذا الذي كان منتفيا موضوعا وفي اكثر من جهة في عصرهم (ع). قد قامت مؤشراته بالفعل ومن يرى ما حدث منذ ثلاثة عقود من اتصال الكوفة بالنجف، وامتدادها نحو الحيرة من جهة، ونحو كربلاء من جهة ثانية وامتداد كربلاء نحوهما كذلك ثم رصد الخط البياني لحركة الهجرة نحو هذه المنطقة ومدنها يرى ان ما جاء في هذه الروايات ليس بعيدا بل هو يتجه نحو التحقيق وبصورة اسرع مما هو الطبيعي.
ولا نشك ان شوق المؤمنين للامام (ع) ورغبة مجاورته لدى ظهوره سيجعل ما قد بقي من المسافات حتى الان اقل حتى مما هي الكفاية.
٣- يرى من في المشرق من في المغرب وبالعكس روى المجلسي المتوفى ١١١١ ه بسنده عن ابن مسكان قال:
سمعت ابا عبد اللّه (الصادق) (ع) يقول: (ان المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى اخاه الذي في المغرب وكذا الذي في المغرب يرى اخاه الذي في المشرق) ((٤١١)). وبسنده عن المفضل بن عمر انه سال الصادق (ع) في رواية طويلة فقال: يا سيدي ففي اي بقعة يظهر المهدي (ع)؟
قال (ع): (لا تراه عين في وقت ظهوره الا راته كل عين فمن قال لكم غير هذا فكذبوه) ((٤١٢)). وروى الكليني المتوفى ٣٢٨ ه بسنده الى ابي ربيع الشامي قال: سمعت ابا عبد اللّه (ع) يقول: (ان قائمنا اذا قام مد اللّه لشيعتنا في اسماعهم وابصارهم حتى لا يكون بينهم وبين القائم بريد يكلمهم فيسمعون وينظرون اليه وهو في مكانه). ((٤١٣))
ولا اظن انا في حاجة لبيان ان ما اشارت اليه الروايات لم يكن متصورا حتى على مستوى الخيال في زمن الامام الصادق (ع) الذي وفي سنة ١٤٨ ه بل ما كان ليمكن ان يتصور قبل عهد التلفزة بل التلفزة عبر الاقمار الصناعية ويمكن ان يكون في الحديث الثالث اشارة الى الهاتف التلفازي الذي بدات تجاربه الناجحة في مستوى المسافات القريبة. وليس امامنا لفهم هذه الاحاديث ومن رواة بعضها الشيخ الكليني المتوفي سنة ٣٢٨ ه الا ما ذكرناه من الامكانيات التي اتاحتها العلوم، والتقنيات في عصرنا لان تفسيرها بخصوصيات خارقة يرفضها لو قبلناها جدلا كونها عامة عدا انها لا داعي لها مع كون الوسيلة التقنية قائمة على مستوى ما اشارت اليه الروايات بالفعل. وهذا يعني ان عصرنا بخصوصياته هو عصر الامام (ع) دون توقيت لعدم امكان تحديد مداه من حيث المستقبل. ومهما اختلفنا في شيء فانا لا يمكن ان نختلف في كونها نبوءات باهرة ودقيقة بل هي آية بالفعل.
٤- انصاره يركبون السحاب، ويصلون اليه في ساعة عن المفضل بن عمر عن الامام الصادق (ع) انه قال في حديث له تحدث فيه عن دعاء الامام (ع) لدى اذن اللّه له قال:
(فاتيحت له صحابته الثلاثمائة وثلاثة عشر قزع كقزع الخريف وهم اصحاب الالوية منهم من يفقد عن فراشه ليلا فيصبح بمكة ومنهم من يرى يسير في السحاب نهارا يعرف باسمه واسم ابيه وحليته ونسبه)((٤١٤)). وعن ابي خالد الكابلي عن ابي جعفر (ع) في قول اللّه عز وجل:
(فاستبقوا الخيرات اينما تكونوا يات بكم اللّه جميعا)[البقرة: ١٤٨]
قال: الخيرات الولاية وقوله: (اينما تكونوا يات بكم اللّه ميعا) يعني اصحاب القائم الثلاثمائة والبضعة عشر رجلا. قال: وهم اللّه (الامة المعدودة) قال: يجتمعون واللّه في ساعة واحدة قزع كقزع الخريف(((٤١٥)). ومن الواضح: ان ركوبهم السحاب ووصولهم اليه في ساعة واحدة مع معرفتهم المفصلة من قبل الناس مما لا يمكن تصوره ضمن القوانين الطبيعية بما وصلت اليه تقنية الطائرات في عصرنا.
فان سفرهم ليس بالجسم البرزخي او المثالي الذي يطرح اراديا لدى بعض الروحيين لان وصولهم كما هو ظاهر بابدانهم المادية، ويبدو لنا ان الامر كما هو في ما مر تشخيص لعصر الامام (ع) وما فيه من امكانيات تقنية ووسائل سفر جوية سريعة تتيح لهم الوصول اليه في ساعة واحدة وركوب السحاب او الطيران في الهواء انما يعني آكما هو قائم الان الركوب بالطائرة التي لم تكن معروفة آنذاك.
ومما يؤيد ذلك ترابطها مع ما مر وما سياتي مما يؤشر بصورة مباشرة او غير مباشرة الى خصوصيات علمية وتقنية لم تعرف الا في عصرنا.
٥- الحرب التي يذهب فيها ثلثا الناس او تسعة اعشارهم روى الطوسي بسنده عن محمد بن مسلم وابي بصير قالا:
سمعنا ابا عبد اللّه الصادق (ع) يقول: لا يكون هذا الامر حتى يذهب ثلثا الناس فقلنا اذا ذهب ثلثا الناس فمن يبقى؟ فقال (ع): اما ترضون ان تكونوا في الثلث الباقي ((٤١٦)) وعن الإمام علي (ع) قال: لا يخرج المهدي (ع) حتى يقتل ثلث ويموت ثلث ويبقى ثلث ((٤١٧)).
وروى النعماني عن الامام الصادق (ع) انه قال: (لا يكون هذا الامر حتى يذهب تسعة اعشار الناس) ((٤١٨)). ومن الواضح: ان ذهاب ثلثي البشرية او تسعة اعشارها مما لا يمكن تصوره في عهد الامام الصادق (ع) الذي توفي سنة ١٤٨ ه فان طبيعة الحرب والسلاح لا تسمح بذلك وربما افدنا من كون المسلمين في الثلث او العشر الناجي ان هذه الحرب ستكون في عصرنا وهو ما اشارت اليه العلامات السابقة دون توقيت بما ان هولها وما تحدثه من تدمير وافناء بالصورة التي تذكرها الاحاديث هو ما يتوقع من الحرب التي تكون بالصواريخ النووية والهايدروجينية الموجهة لدى كل من المعسكرين المتصارعين الراسمالي، والشيوعي ومن الطبيعي، والمتوقع ان ينجو من لا علاقة له بهذه الحرب كفاءة ومصلحة وموقعا كالمسلمين ومن يشبههم الا ما ينالهم بصورة عرضية وتبعا. انها وباكثر من قرينة اخبار غيبي عن عصرنا وواقع الصراع فيه، وطبيعة الخريطة العسكرية وصورة الحرب من حيث نوع السلاح وسعة التدمير.
والغريب ان الطبيب الفرنسي والمستبصر المنجم نوستراداموس المتوفى ١٥٦٦م ذكر ان مثل هذا الدمار سيحل فعلا قبل سنة ١٩٩٩ قال: قبل الاتصال الفلكي الكبيرسنة ١٩٩٩ ستحدث ثورات عديدة والصواريخ او النيران ستهبط من السماء بحيث لا ينجو الا القليل من الناس ويقول انه قبل ان يتحقق العدل الالهي حيث حركة النجوم ستجعل الارض مستقرة وثابتة ستحدث حروب تعد اكثر عنفا من اي حرب شهدها العالم ((٤١٩)).
٦- طلوع الشمس من مغربها
طلوع الشمس من مغربها كاحدى علامات الساعة وردت بطرق مختلفة عن ابي هريرة ((٤٢٠)) وعبد اللّه بن عمر ((٤٢١)) وصفوان بن عسال ((٤٢٢)) وحذيفة بن اليمان((٤٢٣)) ووردت كذلك عن الامام علي (ع) ((٤٢٤)) وابي ذر ((٤٢٥)) وعن الامام الباقر (ع) ((٤٢٦)).
ومما ورد عن الامام علي (ع) انه قال: (ويكون الناس بعد طلوع الشمس من مغربها كيومهم هذا يطلبون النسل والولد يلقى الرجل الرجل فيقول متى ولدت فيقول من طلوع الشمس من المغرب) ((٤٢٧)). ولا يبدو من الروايات ما يدل على انها مما يكون قبل المهدي(ع) او بعده الا ما في بعضها من اغلاق باب التوبة بعدها على ان في بعض الروايات: ان الامام (ع) بعد اقامة الحجة على الناس يقيم الحدود دون استتابة وبعلمه دون شهادة، وفي رواية عن حذيفة ان المقصود بالشمس التي تخرج من مغربها: هو الإمام نفسه (ع) وهو مجاز ولا مانع منه الا ان بعض الروايات المؤشر الى مصادرها في الهامش لا تقبله لصراحتها بالمعنى الحقيقي للشمس. ولانه ينافي ما ورد من مكان ظهور الامام (ع) في مكة وقد اشاع هذا التفسير الاسماعيليون ليطبقوه على المهد الفاطمي الذي ظهر في المغرب.
على ان ما ورد: من روايات في لبوث الفلك زمن الامام بحيث تطول الايام والاشهر والسنين حتى تكون السنة سبع سنوات او عشرا لا بد ان تتصل بذلك سابقة لظهور الشمس من مغربها او لاحقة لها.
وقد يستغرب ذكري لها كعلامة مع التزامي في ان لا اذكر من العلامات الخاصة الا ما اصبح قائما او ما وجدت بعض التاشيرات لوقوعه وطلوع الشمس من مغربها ليس كذلك. وانا اعترف بذلك. الا انني وجدت ان بعض المستبصرين وبعض العلماء ينذرون بحدوث هذه الظاهرة، وذلك وحده يكفي لجعل حديثي عنها غير بعيد عما توخيته في الفقرات السابقة.
ففي نبوءات الطيب الفرنسي نوستراداموس المتوفي سنة ١٥٦٦ (ان نجما مذنبا في عام ١٩٩٩ سيقترب من الارض وستقع تغييرات عظيمة وكوارث طبيعية وزلازل و... ويرى: ان شدة وقوة تاثير هذا المذنب على الارض يصل إلى الدرجة التي يخرجها عن مدارها ويعرقل حركة دورانها).((٤٢٨))
وفي كتاب لجارلس بيرلتز صدر سنة ١٩٨١ وعنوان ١٩٩٩ نهاية العالم جاء: (من ان هناك احتمالا متزايدا مفاده ان الأرض ستشهد دوران قطبيها المغناطيسيين بعيدا جدا عن قطبيها الدوارين والقطب المغناطيسي الجنوبي يندفع الان بسرعة متزايدة نحو المحيط الهندي والذي يمكن ان يسبب تحول القطبين وانعكاس المجال المغناطيسي للارض اضافة الى ظروف ماساوية اخرى، ويعتقد ان الكواكب حينما ستكون على خط مباشر مع الارض ربما ستسبب تجمع الترسبات للمواد المذابة في الارض مما سيجعلها تتداخل مع القشرة الارضية الامر الذي سيؤدي الى اختلال توازن العالم ويترتب على ذلك تغيرات جيولوجية كبيرة ومهمة وهذه ستؤدي حتما الى هزات ارضية كبيرة) ((٤٢٩)). ويلتقي معهما في ذلك المستبصر (ادغار اسبك) حيث يتحدث عن عام (٢٠٠٠) ويذكر احداثا (يحدث ذلك عندما سيكون هناك تحول في الاقطاب او عند بدء دورة جديدة) ((٤٣٠)). ويقول المهندس والباحث العلمي (هاف براون): (ان العالم مقدم على تحول في محاوره وذلك نتيجة تجمع الجليد بكميات كبيرة عند القطب الجنوبي) ((٤٣١)). وهناك علامات اخرى مماثلة لا مجال لتناولها وفي ما ذكرناه ما يفي بالغرض.
٧- ستون كذابا يدعون النبوة
ومنها: ما ورد عن رسول اللّه (ص) انه قال: لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدي من ولدي ولا يخرج المهدي حتى يخرج ستون كذابا كلهم يقول: انا نبي ((٤٣٢)) وفي بعضها لا تقوم الساعة ((٤٣٣)).
ولا فرق في ان يقول هؤلاء الكذابون ذلك لفظيا او يقولوه عمليا فقط لان النبي هو من ياتي برسالة جديدة تنسب اليه فتنسخ وتبقي من رسالة النبي السابق وهذا ما وقع تاريخيا سواءا من المتنبئين بصورة صريحة او من بعض ادعياء العرفان وادعياء المهدوية والبابية الذين نسخوا او عطلوا احكام الشريعة الاسلامية في التاريخ الماضي والحاضر غير مبالين: ان الامام المهدي (ع) بصفته خليفة وامتدادا لرسول اللّه لا يملك نسخ الرسالة الاسلامية، والا اصبح نبيا بالمعنى الاصطلاحي وهو لا يملك ان يكون كذلك، لا لمناقضته صفته تلك فقط بل لغلق النبوة قرآنا وسنة واجماعا وللنصوص التي تتحدث عنه كامام يفرض الاسلام كما هو واقعه في الكتاب والسنة أو يعطل ما بعدت به الاراء والاجتهادات عنه ويلتزم في سلوكه سيرة النبي (ص) والمعصومين من آبائه (ع).
وسنرى امثلة من هؤلاء في الجزء الثاني الخاص (بادعياء المهدوية والبابية) ان شاء اللّه ويتضح لك بذلك مدى بعدهم عنه سبيلا وصفة وغاية... قبح اللّه وجوههم.
٨- تفرق الامة وتقسيمها من الدول المستعمرة قال (ص): (يوشك ان تداعي الامم عليكم تداعي الاكلة على قصعتها، قالوا: من قلة نحن يومئذ يا رسول اللّه قال بل انتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السبل) ((٤٣٤)). وهو وللاسف ينطبق على حال امتنا في واقعها الحاضر.
٩- السفور والالبسة القصيرة
قال (ص): (يكون في آخر هذه الامة رجال يركبون على المياثر حتى ياتوا المساجد نساؤهم كاسيات عاريات على رؤوسهن كاسنمة البخث العجاف) ((٤٣٥)). ووصف (كاسيات عاريات) لا يجد له في تاريخ الامة الإسلامية مصداقا قبل هذا العصر انعكاسا للقيم المادية في الغرب وما ادري اذا كانت تسريحة تكوير الشعر بما يشبه سنام البعير قد وجدت من قبل ام لا واظن انها غير موجودة لعدم ملائمتها الحجاب.
١٠- حصار العراق
قال (ص): (يوشك اهل العراق ان لا يجبى اليهم قفيز ولا درهم. قيل من اين! قال: من قبل العجم يمنعون ذلك)، (يعني الامم الاجنبية) ((٤٣٦)). وهناك علامات خاصة اخرى لا مجال لذكرها وعلامات لا نجدها قائمة في الواقع حتى الان ولا ما يؤشر الى وقوعها الا ان المصادر الحديثية لدى الشيعة واهل السنة متفقة على نقلها، على ان عدم وقوعها وعدم وجود ما يؤشر اليها لم يكن الا لانها من العلامات القريبة والمحددة بطبيعتها بوقت حدوثها ومنها:
ما روى عن ثعلبة الازدي قال: قال ابو جعفر (ع): (آيتان تكونان قبل القائم كسوف الشمس في النصف من شهر رمضان وخسوف القمر آخره.. قال: قلت: يابن رسول اللّه تنكسف الشمس في نصف الشهر والقمر في آخره؟. فقال ابو جعفر (ع):
انا اعلم بما قلت، انهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم، ونار من قبل المشرق تظل اياما، وقتل النفس الزكية في الحرم قبل خروج الامام المهدي (ع) بخمسة عشر يوما. والصيحة او الفزعة في رمضان وهي آية تخرج الفتاة من خدرها، وتوقظ النائم وتفزع اليقظان. وورد عن الامام الصادق (ع) انه قال: (يزجر الناس قبل قيام القائم (ع) عن معاصيهم بنار تظهر في السماء وحمرة تحلل السماء). وخسف في البيداء وخروج ثلاثة قواد في المنطقة يمثل احدهما اسوء ما يعرف من العداء لاهل البيت (ع) وهو السفياني، بخلاف الاخرين وهما الحسنى واليماني، وقد روي انهم يبرزون في وقت واحد وان ظهور الامام (ع) لا يتاخر عنهم بل يكون عند ذلك ((٤٣٧)).
واللّه العالم بالصواب من ذلك.
شدة محنة الناس بين ظروف العلامات العامة والخاصة
من المتوقع ان تشتد بين العلامات العامة والخاصة محنة الناس، وتضطرب نفوسهم، وافكارهم، وقد يفقد البعض الميزان وبالتالي الاستقامة والهدى، وهو ما انذرت به كثير من الاخبار عن الائمة من اهل البيت (ع) ومن تلك: ما روى عن محمد بن منصور الصيقل عن ابيه قال: دخلت على ابي جعفر (الباقر) (ع) وعنده جماعة فبينما نحن نتحدث وهو (ع) مقبل على بعض اصحابه (ويبدو ان حديثهم كان عن القائم المنتظر (ع)) اذ التفت الينا وقال: في اي شيء انتم؟. (هيهات هيهات لا يكون الذي تمدون اليه اعناقكم حتى تمحصوا، ولا يكون الذي تمدون اليه اعناقكم حتى تميزوا، ولا يكون الذي تمدون اليه اعناقكم حتى تغربلوا،ولا يكون الذي تمدون اليه اعناقكم الا بعد اياس، ولا يكون الذي تمدون اليه اعناقكم حتى يشقى من شقي ويسعد من سعد) ((٤٣٨)).
وروى الطوسي رحمه اللّه عن جابر الجعفي قال: قلت لابي جعفر (ع) متى يكون فرجكم؟ فقال (ع): (هيهات هيهات لا يكون فرجنا حتى تغربلوا، ثم تغربلوا ثم تغربلوا آيقولها ثلاثا حتى يذهب اللّه الكدر ويبقى الصفو) ((٤٣٩)).
وروى عن ابي جعفر (الباقر) (ع) قال: لتمحصن يا شيعة آل محمد تمحيص الكحل في العين، لان صاحب الكحل يدري متى يقع الكحل في العين، ولا يعلم متى يخرج منها وكذلك يصبح الرجل على شريعة من امرنا، ويمسي وقد خرج منها ويمسي على شريعة من امرنا، ويصبح وقد خرج منها ((٤٤٠)).
وعن ابي بصير رحمه اللّه عن ابي جعفر (الباقر) (ع) قال: لا يقوم القائم (ع) الا على خوف شديد من الناس وزلازل، وفتنته، وبلاء يصيب الناس وطاعون قبل ذلك وسيف قاطع بين العرب، واختلاف شديد في الناس، وتشتيت في دينهم، وتغير من حالهم، حتى يتمنى المتمني الموت صباحا ومساءا من عظم ما يرى من كلب الناس، واكل بعضهم بعضا، فخروجه (ع) اذا خرج يكون عند الياس والقنوط... الرواية ((٤٤١)).
وروى مسلم في صحيحه عن ابي هريرة ان رسول اللّه (ص) قال: (لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني كنت مكانه) ((٤٤٢)). وروى ايضا عنه قال: قال رسول اللّه (ع): (والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى ياتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قتل، ولا المقتول فيم قتل!!!
فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال (ص): الهرج القاتل والمقتول في النار ((٤٤٣)).
وعن الربيع بن محمد قال: قال لي ابو عبد اللّه (الصادق) (ع):
واللّه لتكسرن كسر الزجاج، وان الزجاج يعاد فيعود كما كان، واللّه لتكسرن كسر الفخار، وان الفخار لا يعود واللّه لتميزن، واللّه لتمحصن واللّه لتغربلن كما يغربل الزوان من القمح ((٤٤٤)).
وعن عميرة بنت نفيل قالت: سمعت بنت الحسن بن علي (ع) يقول ((٤٤٥)): لا يكون هذا الامر الذي تنتظرون حتى يبرا بعضكم من بعض، ويلعن بعضكم بعضا ويتفل بعضكم في وجه بعض، وحتى يشهد بعضكم بالكفر على بعض: قلت: ما في ذلك خير قال: الخير كله في ذلك.. عند ذلك يقوم قائمنا فيرفع ذلك كله ((٤٤٦)).
وصورة الحالة كما اشارت اليها هذه الروايات اجمالا فضيعة تثير الخوف، ولكن الواقع التاريخي يشهد انها قد وقعت بالفعل او كثير منها على امتداد التاريخ الاسلامي بدءا من العصر الاموي وحتى الان، فاذا ما تفاوتت ففي الشدة والضعف فقط، وهو امر لا بد ان يكون بحكم واقع المجتمع الاسلامي سياسيا واقتصاديا ومذهبيا وثقافيا.ولذلك ورد ان الفرج بمعناه الكامل لا يكون الا في زمن المهدي (ع)، فان غيابه نفسه تاشير لواقع متخلف غير مؤهل لقبول الحق..
وقد وجه الائمة من اهل البيت (ع) اولياء هم الى:

البحث الثالث: انتظار الفرج والدعاء بتعجيله

اما الاول: اعني انتظار الفرج، فلانه ما تمليه العقيدة ببقاء الامام (ع) وغيبته وظهوره، وهو بهذا اللحاظ وما يصحبه من تحمل للظروف النفسية والموضوعية عبادة وجهاد. وقد وردت روايات كثيرة في اهمية الانتظار، ومكانته، وثوابه، منها ما ورد عن الحرث بن المغيرة عن الامام (الباقر) (ع) قال: قال (ع):
(العارف منكم هذا الامر، المنتظر له، المحتسب فيه، كمن جاهد واللّه مع قائم آل محمد بسيفه. ثم قال: بل واللّه كمن استشهد مع رسول اللّه (ص) في فسطاطه)((٤٤٧)). وعن ابي بصير عن الامام (الصادق) (ع) انه قال: (ان لنا دولة يجيء اللّه بها اذا شاء). ثم قال: (من سره ان يكون من اصحاب القائم (ع) فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الاخلاق وهو منتظر، فان مات وقام القائم بعده كان له من الاجر مثل اجر من ادركه) ((٤٤٨)). وعن ابي بصير عن ابي عبد اللّه الصادق انه قال (ع) ذات يوم:
(الا اخبركم بما لا يقبل اللّه عز وجل عملا الا به؟
فقلت: بلى. فقال (ع): شهادة ان لا اله الا اللّه، وان محمدا عبده ورسوله، والاقرار بما امر اللّه، والولاية لنا، والبراءة من اعدائنا، والتسليم لامرنا، والورع، والاجتهاد، والطمانينة، والانتظار للقائم (ع)) ((٤٤٩)).
وعن علي بن حاتم عن ابيه عن ابي جعفر (ع) قال: (ما ضر من مات منتظرا لامرنا الا يموت في وسط فسطاط المهدي (ع) وعسكره) ((٤٥٠)). وعن الامام علي (ع) قال: (انتظروا الفرج ولا تياسوا من روح اللّه، فان احب الاعمال الى اللّه عز وجل انتظار الفرج). وقال (ع): (الاخذ بامرنا معنا في حظيرة القدس، والمنتظر لامرنا كالمتشحط بدمه في سبيل اللّه) ((٤٥١)).
الدعاء بتعجيل الفرج واما الثاني: اي الدعاء بتعجيل الفرج، فان ما ورد من الحث عليه، وما ورد من الادعية المنشاة من قبل الائمة من اهل البيت (ع) واوليائهم فيه اكثر من ان نورده هنا، وقدكتب العلامة الحجة السيد محمد تقي الموسوي الاصفهاني في ذلك سفرا كبيرا اسماه (مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم (ع))، ويكفي في ذلك ما جاء عن الامام المهدي (ع) قال: (واكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فانه فرجكم) ((٤٥٢)). واذا عرفنا ان الدعاء يدخل ضمن الاسباب الكونية المؤثرة في التقدير ((٤٥٣))، واذا تذكرنا حديثنا في البداء في ما تعطيه العلاقة بين المقتضي والمانع من الاسباب يتضح لنا ما يمكن ان يسهم به الدعاء في تهيئة الظرف المؤهل لاستقبال الامام (ع) ومعنى ان يهتم الائمة من اهل البيت (ع) به بالصورة التي اشرنا اليها عدا كونه ترديدا لهذه العقيدة وايحاء بها يؤدي الى تركيزها في نفس المؤمن. فاقرا منها ما ورد في دعاء السجاد (ع) في عرفة ((٤٥٤)). وما ورد في آخر دعاء الافتتاح المروي عن الامام المهدي (ع) ((٤٥٥)). وما رواه الشيخ ابو علي بن همام رحمه اللّه عن الشيخ العمري رضوان اللّه عليه قال: انه املاه عليه وامره ان يدعو به في غيبة القائم (ع) واوله: (اللّهم عرفني نفسك فانك ان لم تعرفني نفسك لم اعرف نبيك اللّهم عرفني نبيك فانك ان لم تعرفني نبيك لم اعرف حجتك) ((٤٥٦)).
الانتظار لا يعني ترك العمل الانتظار او الترقب حالة نفسية لدى من يؤمن بمجيء (موعود) ويتبعها تلقائيا الاستعداد بما هو المفروض لدى حضوره عادة، لذلك فهو حالة طبيعية واقعية لدى المؤمنين، وما ورد من الاخبار عن الائمة من اهل البيت (ع) ليس دعوة له، بمقدار ما هو ثناء وبشارة للمنتظرين وتطمين لمن خشي ان يدركه الموت قبل الظهور: بانه قد ادرك ما امله من المنزلة والفضل، بنفس الانتظار ولا علاقة للانتظار اصلا، ولا لما ورد فيه كما قد تصور البعض في ان يكون تخديرا، او دعوة للسلبية، بل على العكس فان الانتظار للموعود يدعو بطبيعته الى الاستعداد المناسب له، وذلك يعني العمل سواءا ما اتصل منه بالذات او بالاخرين، وحين يكون الموعود هو ظهور الامام (ع) فلا بد ان يكون الاستعداد هو العمل على ان نكون في وضع مؤهل عقائديا وروحيا واخلاقيا لاستقباله والكون في خدمته على مستوى النصرة. ويبدو ان من يتصور ان الانتظار يناقض العمل هو ممن يرى: ان العمل ينحصر في العمل السياسي الذي ينشط بسبيل الثورة، وتسلم السلطة، ومقاليد الحكم شان اية جماعة سياسية اخرى وهي رؤية ضيقة جدا لمفهوم العمل وغاياته من زاوية اسلامية عامة، والاخذ به يعني اخراج المعصومين الاثنى عشر (ع) في فترة من حياتهم بالنسبة للبعض كما في علي (ع) والحسنين (ع) او في حياتهم كلها بالنسبة للبعض الاخر: من ساحة العاملين والمجاهدين، ولا اظن ان احدا يجرا على ان يرى ذلك. وفي مقارنة سريعة بين مردود عملهم العلمي والتربوي وقيامهم كقدوة ونموذج في الروح والفكر والسلوك والمواقف الذي ظل يمثل حتى الان قواعد ومنارات للامة كلها وبين مردود تلك الثورات التي قام بها الزيديون مثلا ليس الان بل حتى في وقتها يبدو لنا الفرق واضحا وكبيرا لا يقبل القياس وهي ردنا الفاحم على من يحصر العمل في كل ظرف بالعمل السياسي.
ان السلطة ليست في نظر اهل البيت (ع) واوليائهم من المؤمنين الا وسيلة لتسويد القيم، والمبادئ والاحكام الاسلامية، وحين يكون العمل لها، او بها خارج نطاق هذه القيم والمبادئ او ينتهي بصورة او اخرى الى ذلك بحكم فقدان القاعدة المتمثلة للرسالة رؤية وخلقا وعملا وبحكم تشظ ي الامة، فسيكون الخسار في العمل لهااكثر قطعا، وفرق كبير بين حركات سياسية تقبل من الانصار نماذج ممن يتحرك بدافع كم تهب لنا؟ كما قال جورج جرداق وبين حركات لا تقبل الا من يعمل للّه ولغرض الرسالة كما وعاها وعاشها فكرا وخلقا دونما النظر لما ياتي به الحكم من مكاسب شخصية.
ان استيعاب الامكانات في الواقع هو الذي يملي الانتظار، وهو ليس تركا بل رفض للاستعجال فيه. الاستعجال الذي لا يضع اشتراطات العمل الرسالية الحق كما هو في الاسلام الحق اسلوبا وتعاملا وغاية في الحساب، مما يجعله في هذه الحالة يستملي العاطفة والحماس وحب الظهور واهواء الامة اكثر مما يستوحي المبادئ ومصلحة الرسالة.واذا فالخلاف ليس في اصل المسالة بل في ظروفها وشروطها.
وذلك ما اشارت اليه غيبتا الامام المهدي (ع) الصغرى والكبرى، وما اشارت اليه الروايات الواردة في ذلك عن اهل البيت (ع) ايضا لدى اجابتهم من دعاهم من الحركات لتزعمها.
فحين عرض ابو مسلم الخراساني على الامام الصادق ذلك قال له: (ما انت من رجالي ولا الزمان زماني) ((٤٥٧)). وبمثل ذلك اجاب المتحمسين من اوليائه ((٤٥٨)) والروايات في ذلك كثيرة. قال الامام الباقر (ع) لجابر وهو يلفته الى ما اشرنا إليه من خلال تقويمه للظرف ولامكانات الرسالي الملتزم اسلوبا وتعاملا وغاية فيه ازاء ما تملكه القوى الاخرى: (مثل من خرج منا اهل البيت (ع) قبل قيام القائم (ع) مثل فرخ طار ووقع من وكره فتلاعبت به الصبيان) ((٤٥٩)). وفي روايتي ابي بصير عن الامام الصادق (ع) اللتين قدمناهما آنفا تحت عنوان (انتظار الفرج) يتبين لنا الاتجاه الذي اراده الائمة من اهل البيت (ع) في فترة الانتظار بسبيل ايجاد القاعدة الموطئة لظهور الامام (ع)، وقد ذكر المحدثون من المسلمين سنة وشيعة: ان الرسول (ع) بشر بطائفة من الامة يوطؤون للمهدي (ع) ويكونون من انصاره وقد عقد السلمي الشافعي المتوفى سنة ٦٨٥ الباب الخامس من قلائد الدرر لايراد ما جاء حول ذلك ((٤٦٠)).
ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن معاذ بن جبل رحمه اللّه قال: قال رسول اللّه (ص): (لا تزال طائفة من امتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناواهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال)((٤٦١)). في رواية مسلم عن جابر بن عبد اللّه بعد صدر الحديث (ظاهرين الى يوم القيامة)((٤٦٢)).
يقول الاستاذ الحجة الشيخ محمد رضا المظفر قدس اللّه نفسه:
(ومما يجدر ان نعرفه في هذا الصدد ونذكر انفسنا به انه: ليس معنى انتظار المصلح المنقذ المهدي (ع) ان يقف المسلمون مكتوفي الايدي في ما يعود الى الحق من دينهم، وما يجب عليهم من نصرته والجهاد في سبيله، والاخذ باحكامه، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.بل المسلم ابدا مكلف بالعمل بما انزل من الاحكام الشرعية وواجب عليه السعي لمعرفتها على وجهها الصحيح بالطرق الموصلة اليها حقيقية، وواجب عليه ان يامر بالمعروف، وينهي عن المنكر ما تمكن من ذلك وبلغت إليه قدرته (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته) ((٤٦٣)).
ولا يجوز له التاخر عن واجباته بمجرد الانتظار للمصلح المهدي والمبشر الهادي (ع) فان هذا لا يسقط تكليفا ولا يؤجل عملا). ((٤٦٤))

الفصل الخامس: ما بعد الظهور

البحث الاول: كيف سينتصر؟

يسال بعضهم قائلا اذا كان الامام (ع)، وهو من قد غاب، في كلتا غيبتيه القصيرة والطويلة، اتقاء للاعداء في عصر الخلافة العباسية بين ٢٦٠ و٣٢٨ ه، فكيف يمكن ان نتصور ظهوره وانتصاره في مثل هذا العصر؟
لقد استبعد الاسلام اليوم بوصفه قاعدة للرؤية والتشريع والحكم، واصبح المسلمون دولا بعد ان كانوا دولة واحدة، وتواشجت علاقات ومصالح دول العالم مسلمة وغير مسلمة حتى اصبحت محاولات التغيير الحقيقي الجاد لا بالنسبة للمسلمين فقط وان كانوا الاكثر خطرا في نظر العالم ايديولوجيا وموقعا جغرافيا واقتصاديا بل في كل بقعة من الارض لا تعني اهلها بل العالم كله ودوله الكبرى بالذات، بصورة قد تصل سلبا الى درجة المواجهة الفعلية. والسلاح في عصرنا ووسائل الملاحقة والمراقبة لا تقبل القياس بالعهد الذي غاب فيه الامام (ع) ولا حاجة لتفصيل ذلك فهو معروف.
فلو كان الامام (ع) يملك امكانيات الانتصار لكان قد انتظر في ذلك العهد الذي تتكافا فيه من حيث الاصل الاسلحة والوسائل بين مختلف الخصوم، اما اليوم فالامر أكما يبدو خارج حدود ما يقاس وما يفهم... فكيف يمكن اذا ان نتصور ظهور الامام (ع) وانتصاره؟
والخطا الاول، في هذا السؤال، يتمثل في النظر الى الامام (ع) وحركته وامكانياته بالحسابات الشخصية او الاجتماعية والسياسية والعسكرية التي ينظر فيها بالنسبة لاي انسان آخر لا بحساب علاقته باللّه ومشيئته وقياس موقفه ووظيفته وحركته في الظهور على ما كان قائما في مرحلة امامته في ذلك العهد الذي كان يسير فيه أبحكم مرحلة التاسيس على خطبائه نفسه من الحسن العسكري (ع) حتى الامام علي (ع) بل وبالمعيار العام حتى الرسول (ص) من حيث الطرح، ووسائل المقابلة للخصوم والاعداء.. والمسالة ليست كذلك. ان الاجابة تقتضي ان نعود لنتذكر ما اشرنا اليه في الاجابة على السؤال عن حكمة الغيبة الكبرى، واتصالها بالرسالة، وان التقية كانت بالنظر اليها، والى اشتراطات الظهور ظرفا، ودعوة، ووسائل مقابلة، لا الى الامام (ع) شخصيا..
وقد كان من تلك الحكم: انتظار الظرف الملائم من كل جهة.
ومما يتصل بذلك:
اولا: ان يتهيا العالم بصورة عامة في غاية مساره العلمي والعقلي لتقبل الرسالة الاسلامية بكل ابعادها، والاصغاء لاخر اوصياء الرسول عليه وعليهم السلام، فهي في واقعها خارج نطاق الاراء والاجتهادات المذهبية الصيغة الالهية النهائية لحياة الانسان عقيدة وقيما وقواعد تشريع.
وتبدو في العالم العلمي في عصرنا اكثر من جهة بدات تشير من خلال ما وصل اليه الفكر الانساني والبحث العلمي في مختلف المجالات الى لقاء حقيقي مع اهم الركائز التي يقوم عليها الدين، والدين الاسلامي بخاصة، مما كان موضع تقاطع حاد بينهما في السابق ((٤٦٥)) بحيث تهيات بالفعل لاول مرة في التاريخ قواعد مشتركة،وهو ما لم يكن قائما في اي وقت مضى...
ان من خصائص العلماء وصفاتهم عدا انهم اكثر ادراكا، واستيعابا للحقيقة، واهتماما بها انهم اكثر موضوعية، وبالتالي اقل انانية وتعصبا للموروث مما هو العائق الاول دون الحق. وحين يشيع العلم، وتتسع آفاق الرؤية لدى اكثر الناس تتهيا القاعدة الاولى لظهور الامام (ع) ودعوته، لذلك فهو لا يخاطب المسلمين وحدهم وان كانواالمنطلق الاول لدعوته، بل العالم باجمعه، ولا على الامة الاسلامية بل تشمل البشرية بعامة. وورد ان المسلمين، بحكم تخلفهم العلمي وتعصبهم للموروث، ابطا استجابة له مما هم النصارى الا قليلا، ليس بما هم نصارى بل بما هم في تلك المرحلة اهل علم وموضوعية.
لقد ذكروا ان ذلك بسبب نزول المسيح (ع) معه وصلاته خلفه، وهو مناقش بان احدا منهم لا يشخص المسيح (ع) صورة وشكلا، فاذا ما راوه، فمن خلال الايات التي يقوم بها مع المهدي (ع)، ولذلك فاستجابتهم ليست الا من خلال العلم والوعي اللذين رفضوا بهما التثليث المسيحي والحلول والغلو وآراء رجال الكهنوت ومن خلال وعيهم للحق فقط ((٤٦٦)). ان ظهور المسيح (ع) وصلاته خلف الامام (ع) اشارة لما شاء اللّه سبحانه ان يحيط به الامام من آيات كبيرة هائلة، وبما هو مداه الذي يضم العالم كله.
وحين تستجيب قمة العالم العلمي المعاصر للامام (ع) استجابة السحرة لموسى (ع) في عهد فرعون بما يظهره اللّه على يد حجته، وصي محمد (ص) خاتم الرسل (ع)، من علم وآيات باهرات فان الانتصار الحقيقي على مستوى العالم كله يكون قد حصل حتى لو ابى ذلك الاخرون.
ان هذه القاعدة الاولى للانتصار يمكن ان ترى من خلال النظر الى ما ورد من مؤشرات التقدم العلمي والعقلي والتقني القائم في الواقع، والمؤشر اليه في علامات الظهور الخاصة، وفي ما ذكرناه في الهامش السابق مما وصل اليه البحث العلمي من لقاء مع ركائز الدين.
ثم في ما ورد من روايات تشير الى ان الامام (ع) يظهر العلم كله، وهو ما لم يتسع له ادراك اي عصر آخر، وفيه نلمح الصورة العقلية والعلمية للناس في عهده.
وبالنظر الى ذلك كله نعرف مدى ما اعطى اللّه للامام (ع) من علم وهدى، بحيث يصبح قائدا وهاديا ومعلما لعصر العلم. وان صلاة المسيح خلفه التي تواترت فيها الروايات ليست اشارة إلى هذه المكانة. ولنعرف مدى ما اعطى الامام (ع) من العلم والهدي علينا ان نقرا الروايات التالية:
١ - روي مسندا عن ابي خالد الكابلي عن ابي جعفر (ع) قال: إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع به عقولهم، واكمل به اخلاقهم ((٤٦٧))، وفي رواية اخرى احلامهم. ((٤٦٨))
٢ وعن جابر عن ابي جعفر (الباقر) (ع) قال: انما سمي المهدي لانه يهدي الى امر خفي ((٤٦٩)).
٣ وعن ابي الجارود عن ابي جعفر (ع) قال (ع): يوحى إليه هذا الامر ليله نهاره. قال قلت: يوحى اليه يا ابا جعفر؟!
قال: يا ابا الجارود ليس وحي النبوة، ولكنه يوحى اليه كوحيه الى مريم بنت عمران والى ام موسى والى النحل.
يا ابا الجارود: ان قائم آل محمد لاكرم عند اللّه من مريم بنت عمران وام موسى والنحل ((٤٧٠)).
٤ وروي مسندا عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه (الصادق) (ع) قال: اذا تناهت الامور الى صاحب هذا الامر رفع اللّه تبارك وتعالى كل ما ينخفض من الارض، وخفض له كل مرتفع منها حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته، فايكم كانت في راحته شعرة لم يبصرها ((٤٧١)).
٥ وعن ابان عن الامام الصادق (ع) قال: اذا خرج القائم لم يبق بين يديه احد الا عرفه صالح او طالح ((٤٧٢)).
وعن عبد اللّه بن عجلان عن ابي عبد اللّه الصادق (ع) قال، من حديث: يلهمه اللّه تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كل قوم بما استبطنوه، ويعرف وليه من عدوه بالتوسم، قال اللّه سبحانه: (ان في ذلك لايات للمتوسمين، وانها لسبيل مقيم) ((٤٧٣)).
٦ وعن ابان عن ابي عبد اللّه (الصادق) (ع) قال: العلم سبعة وعشرون حرفا، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فاذا قام قائمنا اخرج الخمسة والعشرين حرفا فبثها في الناس وضم اليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفا ((٤٧٤)).
ومع معرفة ما وصلت اليه البشرية من علم نرى انها تستطيع ان تعرف ان ما اعطاه اللّه للامام (ع) مما لا يقع تحت قياس، وبذلك يعطي الحجة على كونه خليفة للّه وامامامنه. ثانيا : كثرة تجارب البشرية في العالم للقيادات والانظمة، تحت مختلف الاسماء والعناوين والاسر والاحزاب والحركات الثورية والاصلاحية من هذه وتلك، من دون ان يحقق اي منها ما يطمح اليه الناس من العدل والامان والضمان والحرية والكرامة، والتربية الاخلاقية التي تعطي للانسانية معناها، او ينهي ما تعانيه من الفقر والقهر والظلم، وتفشي الجرائم والحرب وسقوط الاخلاق، وغير ذلك مما اشارت اليه العلامات العامة والخاصة.
ولذلك فهي من دون شك ستصغي، وتستجيب لدعوة التغيير الشامل التي ياتي بها الامام المهدي (ع)، وربما إلى ذلك اشار ما ورد بالاسناد الى ابي صادق عن الامام ابي جعفر (ع) قال: (دولتنا آخر الدول، ولن يبقى اهل بيت لهم دولة الا ملكوا قبلنا، لئلا يقولوا اذا راوا سيرتنا اذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول اللّه عز وجل: (والعاقبة للمتقين)[الاعراف: ١٢٨] ((٤٧٥)).
وعن هشام بن سالم عن الصادق (ع) قال: (ما يكون هذا الامر حتى لا يبقى صنف من الناس الا وقد ولوا على الناس حتى لا يقول قائل: انا لو ولينا لعدلنا. ثم يقوم القائم بالحق والعدل) ((٤٧٦)). والصنف هنا ناظر للايديولوجيات والافكار والدعوات والاطاريح لا الى الاجناس والشعوب والقبائل.
ثالثا: ان الاسلام نفسه، عقيدة وتشريعا وقيما وآفاق رؤية، إذا عرف كما هو، معرى عن الاراء والاجتهادات الخاطئة، والتطبيقات التاريخية المحرفة ((٤٧٧)) دين الهي حق يملا النفس والعقل، ويتطابق مع معطيات الفكر والعلم والتجربة في نهاياتها، وتتماسك عقائده ومفاهيمه الكونية والخلقية وتشريعاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بصورة لا يجد الباحث عن الحقيقة عنه بديلا. وكدليل على ذلك يمكن ان ترجع الى القائمة الكبيرة للعلماء والمفكرين الاوروبيين الذين اعتنقوه في هذا العصر، وهو قمة التقدم العلمي والتقني رغم ما لحقه من تاثير خلافات المذاهب الاسلامية والتطبيق التاريخي. وكمثل قريب نذكر منهم رجلا لا يختلف اثنان على مكانته في بلده، كمفكر وفيلسوف معاصر، هو روجيه غارودي الذي كان عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفرنسي والمؤلف الاصيل المعروف.
فماذا لو عرف العالم العلمي الاسلام كما هو في واقعه؟ لا شك انه عدة وقوة لا تقاوم وذلك مما هو بيد المهدي (ع).
رابعا: ظهور آيات كونية ملفتة توقظ الانسان من غفلته، وتقتل غروره ولا مبالاته، وتقوده مرغما الى اللّه تعالى. وبالتالي تهيئه للانضواء الى حجته (ع).
١- فقد روي عن الامام الصادق (ع) انه قال: يزجر الناس، قبل قيام القائم (ع)، عن معاصيهم بنار تظهر في السماء وحمرة تجلل السماء. (الرواية) ((٤٧٨)).
ومن تلك الايات الصيحة او الفزعة في شهر رمضان.
٢- روى الحسن بن زياد الصيقل قال: سمعت ابا عبد اللّه جعفر بن محمد (ع) يقول: ان القائم لا يقوم حتى ينادي مناد من السماء تسمع الفتاة في خدرها ويسمع اهل المشرق والمغرب ((٤٧٩)). وفي رواية اخرى، عن زرارة: حتى يسمعه كل قوم ((٤٨٠)) قال (ع): وفيه نزلت هذه الاية (ان نشا ننزل بلسانهم عليهم من السماء آية فظلت اعناقهم لها خاضعين) [الشعراء: ٤]. ((٤٨١))
٣- وروى السلمي الشافعي عن امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) انه قال: (اذا نادى مناد من السماء ان الحق في آل محمد، فعند ذلك يظهر المهدي (ع)) قال: اخرجه الحافظ ابو القاسم الطبراني، في معجمه، والحافظ ابو نعيم في مناقب المهدي (ع) والحافظ ابو عبد اللّه نعيم بن حماد في كتاب الفتن ((٤٨٢)).
وقد تقدم، في (العلامات الخاصة)، الحديث عن طلوع الشمس من مغربها وما يتصل بها من آيات كونية، ومنها ان تطول السنون، ويلبث الفلك حتى يكون اليوم كعشرة ايام والشهر كعشرة اشهر والسنة كعشرة سنين من سنينكم ((٤٨٣)) ولذلك كله من دون شك، ومتصلا بالاوضاع والاحوال الاخرى التي تعيشها البشرية : اثره البالغ في عقول الناس ونفوسهم بصورة تتهيا معها بصورة تلقائية لاستقبال الإمام (ع) بل الهرب اليه.
خامسا: ما ذكرناه في (العلامات الخاصة) من الفناء الذي يلحق البشرية حتى يذهب ثلثا العالم، او تسعة اعشاره او خمسة من كل سبعة كما ورد في الروايات ((٤٨٤)) وما يتصل بذلك من خوف وجوع وفوضى تجعل الناس في حالة ماساوية لا نظير لها.
واذا كان المسلمون في الثلث او العشر الناجي كما في الروايات فان هذا لا يعني ان تكون هذه النجاة كاملة فالاثار نفسيا وبدنيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا لا بد من ان تكون قائمة بصورة ماساوية.
١- فعن محمد بن مسلم عن الامام الصادق (ع) انه قال: (ان قدام القائم (ع) بلوى من اللّه، قلت: وما هي جعلت فداك؟ فقرا: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثمرات وبشر الصابرين)).
ثم قال: (الخوف... والجوع من غلاء الاسعار، ونقص الاموال من كساد التجارات، وقلة الفضل فيها، ونقص الانفس بالموت الذريع، ونقص الثمرات بقلة ريع الزرع وقلة الثمار) ((٤٨٥)).
٢- وعن الامام الباقر (ع) انه قال: (لا يقوم القائم (ع) الا على خوف شديد من الناس وزلازل وفتنة وبلاء يصيب الناس وطاعون، قبل ذلك، وسيف قاطع بين العرب واختلاف شديد في الناس وتشتت في ما بينهم وتغير من حالهم حتى يتمنى المتمني الموت صباحا ومساء مما يرى من كلب الناس واكل بعضهم بعضا.
فخروجه (ع)، اذا خرج، يكون عند الياس والقنوط من ان يروا فرجا، فيا طوبى لمن ادركه وكان من انصاره، والويل لمن ناواه وخالفه وخالف امره وكان من اعدائه)((٤٨٦)). وبذلك تكون الاستجابة للامام (ع) اشبه باستجابة الضال لدليله والغريق لمنقذه، اي انها استجابة فهم واضطرار معا بحكم الحالة، وما يمثله الامام (ع) فيها مركزا للامان، وموطنا للّهدى وساحة للابصار في عالم تعمه الظلمة والضلالة والخوف. وجاء في حديث حذيفة بن اليمان عن النبي (ص): يفرح به اهل السماء والارض والطير والوحش والحيتان في البحر ((٤٨٧)).
وفي حديث قتادة: محبوب في الخلائق يطفئ اللّه به الفتنة العمياء وتامن الارض ((٤٨٨)).
سادسا: ما اعطى اللّه الامام (ع)، خاتم اوصياء محمد (ص) وشاهد رسالته، من قدرات ووهبه من وسائل النصر المعجز بصورة يستطيع بها ان يحقق ما اراده له سبحانه من دور. فاذا كان عهد التاسيس لا يسمح للرسول (ص) ولا لاوصيائه (ع) بتجاوز الوسائل العادية المقابلة الا بحدود اقامة الحجة، اما الحرب فبالوسائل المتكافئة فان المهدي (ع) سيشهر قوة اللّه التي وهبها له، ويستعمل المعجز لاخضاع الطواغيت والجبابرة وبغاة الظلم والفجور.
ان الفرصة الطويلة التي اعطيت للعالم، منذ بعثة الرسول (ص)، لمناقشة الرسالة الالهية الاسلامية في اسسها العقائدية وقواعدها التشريعية وما دعمها اللّه به من شواهد العلم والواقع، كافية لتبرير اللجوء الى ذلك مقابل المعرضين كبرا وعنادا واصرارا على الباطل، وهذا هو ما سيكون.
ان المعرفة باللّه، كما تحصل من خلال مظاهر اسمائه: الرحمن الرحيم العفو الغفار، فانها تحصل من خلال مظاهر اسمائه:

الجبار المنتقم شديد العقاب.
والمهدي (ع) هو من سيعطيها بهذه وتلك. لذلك ورد فيه (ع) انه (ع) من الساعة، وهي عند اهل العرفان ليست الا ظهور المعرفة الكاملة التي تحصل في الموت والقيامة لدى تقطع الاسباب والرجوع الى اللّه، وتحصل ايضا لدى ظهور الامام (ع) ومواجهته العالم باسماء اللّه في جانب العدل والرحمة وجانب العذاب والنقمة وبما يجاوز المعروف حتى يعرف.
وقد فسر بعضهم الوقت المعلوم الذي انظر اللّه اليه ابليس حين استنظره بظهور المهدي (ع) الذي سيقتل ومعه المسيح الدجال والسفياني: وجهي ابليس البشريين. ويقتل الشيطان نفسه.
وسنورد بعض الروايات التي تتحدث عما اعطى اللّه الامام (ع) من قوى وجند، وعما يقوم به بدءا في معاملة المارقين والمنافقين على اساس علمه لا على ما يظهر منهم.
١- روى مسندا عن محمد بن مسلم قال: سمعت ابا جعفر (الباقر) (ع) يقول: القائم منصور بالرعب، مؤيد بالنصر، تطوى له الارض، وتظهر له الكنوز ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب ويظهر اللّه عز وجل به دينه ولو كره المشركون ((٤٨٩)).
٢- وعن عبد اللّه بن سنان عن الامام ابي عبد اللّه جعفر بن محمد (الصادق) (ع) قال ما معناه ان الامام (ع) ينشر راية رسول اللّه (ص)، وذكر ما يفهم منه انه ليس المراد بالراية ما يفهمه الناس منها او معناها الحقيقي، بل هو رمز لسر النصر المعطى للرسول محمد (ص) فقال: ما هي واللّه من قطن ولا كتان ولا قز ولا حرير. فقلت: من اي شيء هي؟ قال: من ورق الجنة.
الى ان قال (ع): لا ينشرها احد حتى يقوم القائم فاذا قام نشرها.
قال (ع): (ويسير الرعب قدامها شهرا، ووراءها شهرا، وعن يمينها شهرا، وعن يسارها شهرا) ((٤٩٠)).
٣- وروى مسندا عن الثمالي قال: قال ابو جعفر (الباقر) (ع): (يا ثابت كاني بقائم اهل بيتي قد اشرف على نجفكم هذا..) واوما بيده الى ناحية الكوفة. (فاذا هو اشرف على نجفكم نشر راية رسول اللّه، فاذا هو نشرها انحطت عليه ملائكة بدر).
وفي هذه الرواية ايضا يعطى للراية معنى غير معناها الحقيقي في اللغة. وانها من اسرار النصر الذي يعطيه اللّه له، فحين ساله الثمالي: وما راية رسول اللّه (ص)؟ قال (ع): عودها من عمد عرش اللّه وسائرها من نصر اللّه لا يهوي بها الى شيء الا اهلكه اللّه ((٤٩١)).
٤- وبالاسناد الى الثمالي ايضا قال: سمعت ابا جعفر محمد بن علي (الباقر) (ع) يقول:
لو قد خرج قائم آل محمد لنصره اللّه بالملائكة المسومين والمردفين والمنزلين والكروبيين، يكون جبرائيل امامه، وميكائيل عن يمينه، واسرافيل عن يساره والرعب مسيرة شهر امامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله والملائكة المقربون حذاه. ((٤٩٢))
٥- وبالاسناد الى عبد الرحمن بن كثير عن ابي عبد اللّه الصادق (ع) في قول اللّه تعالى: (اتى امر اللّه فلا تستعجلوه)[النحل: ١].
قال: هو امرنا امر اللّه عز وجل الا نستعجل به يؤيده بثلاثة اجناد بالملائكة والمؤمنين والرعب ((٤٩٣)).
٦- وبالاسناد الى ابي الجارود عن ابي جعفر (ع) قال: (اذا ظهر القائم (ع): ظهر براية رسول اللّه (ص) وخاتم سليمان وحجر موسى وعصاه) ((٤٩٤)). والذي نفهه اجمالا انه يعطى من القدرات والايات ما اعطاه اللّه للانبياء واوصيائهم بحكم الدور الذي شاءه اللّه له بوصفه وصي محمد (ص) الحامل لرايته.
والاخبار في ذلك كثيرة تقدم بعض منها في الابحاث السابقة، ولا شك في ان بعض ما ذكرناه كاف ليجيب عن السؤال: كيف سينتصر الامام (ع)؟
ان الامر حين يكون مما شاءه اللّه سبحانه وامر الامام المهدي (ع) مما شاءه كما ثبت بالاخبار المتواترة فان السؤال كيف؟
يصبح لا معنى له بالنسبة للمؤمن..
سابعا: لا يعني ما ذكرناه من القدرات والجند المعطى للامام (ع) انه سيستخدم ذلك ابتداء، بل هو يدعو للّه وللاسلام كما امر، ويقابل بالوسائل المعتادة حين يكون ذلك مجديا، ويتعب نفسه داعيا ومحاججا ومجاهدا مع انصاره حتى يسيل العلق والعرق في روايات كثيرة، الا ان ذلك كله له لو شاء ان يتصدى له طاغوت او ما لاقبل للمؤمنين به كثرة وقوة، وقد ورد ان جنده يفتحون روما بالتكبير ((٤٩٥)).
وورد في بعض الاخبار ان اللّه سبحانه يوطئ للامام المهدي(ع) قبل ظهوره بطائفة في اوساط الامة بمختلف اقطارها اهل ايمان ومعرفة يلتزمون الحق، ويرفضون الباطل، ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن رسول اللّه قال (ص):
لا تزال طائفة من امتي ظاهرين ويقاتلون حتى ياتيهم امر اللّه وهم ظاهرون((٤٩٦)).
وفي رواية مسلم في باب الامارة: لا تزال طائفة من امتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناواهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال ((٤٩٧)).
وقد عقد السلمي الشافعي الباب الخامس من كتابه عقد الدرر (من ص ١٨٧ الى ص ٢٠١) حول من يبعثهم اللّه للتوطئة له قبل امارته، ومما ورد فيه عن عبد اللّه بن الحارث: قال رسول اللّه (ص): (يخرج ناس من المشرق فيطئون للمهدي (ع)).
ويصف الامام علي (ع) في رواية عنه كنوزا في طالقان ليست من ذهب ولا فضة، ولكن رجال عرفوا اللّه حق معرفته وهم انصار المهدي (ع) آخر الزمان، وتذكر روايات اخرى ابدال الشام، ونقباء مصر ونجباء العراق. وتذكر بعضها الرايات السود التي تاتي من خراسان. ورايي ان كثيرا من هذا الروايات التي تذكر مدنا معينة وصفات لرايات من وضع انصار العباسيين الذين ادعى فيهم محمد بن عبد اللّه المنصور المهدوية، ولعلاقة ذلك بابي مسلم الخراساني وما اختاروه من شعار السواد، او من وضع انصار الفاطميين في ما يتعلق بالروايات التي تذكر المغرب ومصر والشام، لعلاقة ذلك بدعوة عبد اللّه المهدي اول الخلفاء الفاطميين ومحل دعوته وملكه.
وممن ذهب الى هذا الراي بخصوص وضع الاخبار حول الرايات السود من خراسان ابو الاعلى المودودي قال: (ذكر الرايات السود من قبل خراسان مما يدل دلالة واضحة على ان العباسيين ادخلوا هذه الرواية من عند انفسهم بما يوافق اهواءهم وسياستهم، لان اللون الاسود كان شعارا للعباسيين). ((٤٩٨))
وفي رواية اخرى عن علي (ع) (فيجمع اللّه تعالى له قوما قزعا كقزع السحاب يؤلف اللّه بين قلوبهم الخ...)، وهناك روايات اخرى يمكن مراجعتها في ما اشرنا اليه من مصادر. وقد ظن بعض المؤمنين، في عصر الائمة من آبائه (ع)، ان الامام (ع) وقد حباه اللّه من آياته ونصره بما اشرنا اليه، سيخضع الناس له من دون عناء، لكنهم (ع) اعلموهم ان الامر ليس كما تصوروا فهو سيعادى بدءا من المسلمين، فضلا عن غيرهم وسيدخل بالوسائل المعتادة حربا مجهدة.
روي بالاسناد الى بشير النبال انه قال لابي جعفر (ع) انهم يقولون: ان المهدي (ع) لو قد قام لاستقامت له الامور عفوا ولا يهريق محجمة دم فقال (ع): (كلا والذي نفسي بيده لو استقامت لاحد عفوا لاستقامت لرسول اللّه (ص) حين ادميت رباعيته وشج في وجهه، كلا والذي نفسي بيده حتى نمسح نحن وانتم العرق والعلق. ثم مسح جبهته)((٤٩٩)).
وبالاسناد الى الثمالي قال: سمعت ابا جعفر (ع) يقول: ان صاحب هذا الامر لو قد ظهر للقي من الناس مثل ما لقي رسول اللّه (ص) واكثر ((٥٠٠)).
وبالاسناد الى الفضيل قال: سمعت ابا عبد اللّه (الصادق) (ع) يقول: (ان قائمنا اذا قام استقبل من جهلة الناس اشد مما استقبله رسول اللّه (ص) من جهال الجاهلية. فقلت: وكيف ذلك؟ قال: ان رسول اللّه (ص) اتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة، وان قائمنا إذا قام اتى الناس وكلهم يتاول عليه كتاب اللّه، ويحتج عليه به، ثم قال: اما واللّه ليدخلن عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحر والقر) ((٥٠١)).
وبالاسناد الى المفضل قال: (سمعت ابا عبد اللّه (الصادق) (ع) وقد ذكر القائم (ع) فقلت: اني لارجو ان يكون امره في سهولة.
فقال: لا يكون ذلك حتى تمسحوا العرق والعلق) ((٥٠٢)).قال الشيخ محيي الدين بن عربي في (الفتوحات المكية)، على ما نقله الشعراني والشيخ ابن الصبان في الباب ٣٦٦: (يبيد الظلم واهله، ويقيم الدين واهله، وينفخ الروح في الاسلام يعز اللّه به الاسلام بعد ذله ويحييه بعد موته، يضع الجزية، ويدعو الى اللّه بالسيف، فمن ابى قتل ومن نازعه خذل، يظهر من الدين ما هو عليه في نفسه حتى لو كان رسول اللّه (ص) حيا لحكم به، فلا يبقى في زمانه الا الدين الخالص من الراي يخالف في غالب احكامه مذاهب العلماء فينقبضون منه ذلك لظنهم ان اللّه تعالى لا يحدث بعد ائمتهم مجتهدا) ((٥٠٣)). وعلى كل حال، ومهما كانت صور المقابلة التي سيستخدمها الامام (ع) في مقابلة خصومه من داخل المسلمين، او من خارجهم، فان من المقطوع به طبقا للروايات المتواترة لدى المسلمين من اهل السنة والشيعة انه سينتصر على العالم كله ويملا الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
روي مسندا عن جابر الانصاري قال: سمعت رسول اللّه (ص) يقول: (ان ذا القرنين كان عبدا صالحا جعله اللّه حجة على عباده) الى ان قال (ص): (وان اللّه مكن له في الارض وآتاه منكل شيء سببا وبلغ المشرق والمغرب، وان اللّه تبارك وتعالى سيجري سنته في القائم من ولدي، ويبلغه شرق الارض وغربها حتى لا يبقى سهل ولا موضع من سهل ولا جبل وطئه ذو القرنين الا وطئه، ويظهر اللّه كنوز الارض ومعادنها وينصره بالرعب يملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما). ((٥٠٤))
وروى مسندا الى ابي بصير قال: قال ابو عبد اللّه (الصادق) (ع) في قوله عز وجل (هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)[براءة: ٣٣].
فقال: واللّه ما نزل تاويلها، ولا ينزل تاويلها حتى يخرج القائم (ع) فاذا خرج القائم لم يبق كافر باللّه العظيم ولا مشرك (فلو كان) في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله ((٥٠٥)).
وعن ابي بكير قال: (سالت ابا الحسن (ع) عن قوله: (وله اسلم من في السماوات والارض طوعا وكرها) [آل عمران: ٣٨].
قال (ع): انزلت في القائم (ع) اذا خرج (قام) باليهود والنصارى والصابئين والزنادقة واهل الردة والكفار في شرق الارض وغربها فعرض عليهم الاسلام فمن اسلم طوعاامره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم و(ما) يجب للّه عليه، ومن لم يسلم ضرب عنقه.
قلت له: جعلت فداك، ان الخلق اكثر من ذلك. فقال (ع): ان اللّه اذا اراد امرا قلل الكثير، وكثر القليل) ((٥٠٦)). وعن ابي المقدام عن ابي جعفر (ع) في قول اللّه تعالى: (ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) [براءة: ٣٣] قال (ع): لا يبقى احد الا اقر بمحمد ((٥٠٧)).
وعن حذيفة بن اليمان عن رسول اللّه (ص) من حديث: (فلا يبقى على وجه الارض الا من يقول: لا اله الا اللّه) ((٥٠٨)).

البحث الثاني: ماذا سيفعل؟ ياتي بامر جديد ولكنه الاسلام

حاول بعض ادعياء البابية والمهدوية ان يقدموا لما ورد من الروايات التي تقول: "ان الامام المهدي (ع) ياتي بامر جديد" تفسيرا يعطيها معنى النسخ للشريعة الاسلامية، وهو قول بالنبوة بمعناها الاصطلاحي الذي يعني استقلال الرسالة اللاحقة لنبي عن الرسالة السابقة لنبي آخر.
والغرض من هذه المحاولة الخبيثة والمنكرة، وما يشبهها، تاييد مسلكهم الغنوصي ((٥٠٩)) الباطني الضال ((٥١٠)) في فهم النبوة، والتشريع اصلا، وتبرير استهانتهم بالكتاب والسنة، وما جاء فيهما من احكام وتكاليف ((٥١١)). وسياتي في الجزء الثاني من هذا الكتاب، ان شاء اللّه، من الشواهد التاريخية على ما ذكرناه عنهم نظريا وعمليا ما فيه الكفاية. اما هنا فان علينا التنبيه الى ان ما اعطوه من تفسير لهذه الروايات باطل مفضوح، لا لان القرآن، والسنة الثابتة نصا على ختم النبوة (بمعناها الاصطلاحي) برسول اللّه محمد (ص) ونفياها عمن بعده، وذلك مايجمع عليه المسلمون، وهو كما سبق ان ذكرنا ما يفرضه ايضا مقام محمد (ص) ورتبته السماوية في العالم المخلوق مبدا ومعادا، ولا لما ورد من احاديث تنفي نسخ الشريعة الاسلامية الى يوم القيامة ((٥١٢))، ولا لان موقع الامام المهدي (ع) كوصي لرسول اللّه (ص) وامتداد عنه، وشاهد لرسالته ك آبائه الاحد عشر (ع) لا يسمح له بالنسخ لما يلزم ذلك من مناقضة ((٥١٣)) حتى ان بعض العلماء وقف عند ما ورد من ان الامام (ع) لا يقبل الجزية من الكتابيين وانه يقضي بعلمه من دون بينة وما يشبه ذلك من مسائل تصور بعضهم كونها نسخا، واجاب بما يبعدها عن ذلك. ((٥١٤))
بل ان هذه الروايات التي ذكرت ان الامام (ع) "ياتي بامر جديد" نفسها، وبالقرينة من داخلها ترفض هذا التفسير، وتتماسك هذه القرينة على المعنى المقصود فيها مع الروايات التي وردت في العلامات العامة للظهور من جهة ومع ما ورد من دعوة الامام (ع) وعمله وسيرته من جهة ثانية لتعينه بصورة قاطعة لا تترك مجالا لاي معنى آخر. فلناخذ امثلة من هذه الروايات كالتي جاءت مسندة عن ابي بصير عن كامل عن ابي جعفر (ع) قال: قال (ع): ان قائمنا اذا قام دعا الناس الى امر جديد كما دعا رسول اللّه(ص)، وان الاسلام بدا غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء ((٥١٥)).
وكالتي وردت مسندة عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه (الصادق) (ع) قال: قال (ع): الاسلام بدا غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء ((٥١٦)) فقلت: اشرح لي هذا اصلحك اللّه فقال (ع):
يستانف الداعي منا دعاء جديدا كما دعاء رسول اللّه(ص) ((٥١٧)). وفي رواية عن رسول اللّه (ص) حين سئل عن الغرباء: من هم؟ قال (ص): الذين يصلحون إذ فسد الناس الخ ((٥١٨)).
وروى بالاسناد الى عبد اللّه بن عطاء قال: سالت ابا جعفر الباقر (ع) فقلت: اذا قام القائم (ع) باي سيرة يسير في الناس.. فقال (ع): يهدم ما قبله كما صنع رسول اللّه (ص)ويستانف الاسلام جديدا ((٥١٩)).
ان الامر الجديد، او الدعاء الجديد كما يبدو من المقارنة في قوله كما دعا رسول اللّه (ص) ثم قوله: بدا الاسلام غريبا... انما هو بلحاظ غربة الاسلام حين يدعو الامام(ع) اليه انتهاء كغربته حين دعا اليه رسول اللّه (ص) ابتداء لا في اصل الدعوة، وهو ما نلمحه واضحا في الرواية الرابعة التي تقول: ويستانف الاسلام جديدا وقد تقدم في ما يصور حالة الامة وتردي اوضاعها عقائد وعلاقات واخلاقا قبيل الظهور في العلامات العامة، ما يساعد على استيعاب هذه الصورة لواقع علاقة الامة بالاسلام آنذاك.. واذا لاحظنا مضافا لذلك واقع تعدد الاجتهادات بين المذاهب المختلفة في الكلام والحديث والتفسير والاصول والفقه حتى داخل المذهب الواحد. ولاحظنا نسبة الاحكام الظاهرية الى الواقعية، لاتضح لنا معنى الامر الجديد، حين يرفض الامام (ع) من ذلك ما يخالف الواقع.. لا فرق بين ما كان نظريا او عمليا منه، ان الفجوة ستكون اذا لاحظنا ذلك بمجموعه واسعة جدا. وبذلك سيكون الامر جديدا بالفعل. قال الشريف رحمه اللّه معلقا على الحديث مجليا معناه: "هذا الكلام من محاسن الاستعارات، وبديع المجازات لانه (ع) جعل الاسلام غريبا في اول امره تشبيها بالرجل الغريب الذي قل انصاره، وبعدت دياره، لان الاسلام كان على هذه الصفة في اول ظهوره ثم استقرت قواعده، واشتدت معاقده وكثر اعوانه وضرب جرانه ". وقوله (ع): وسيعود غريبا، اي يعود الى مثل الحال الاولى في قلة العاملين بشرائعه، والقائمين بوظائفه لا انه والعياذ باللّه تنمحي سماته وتدرس آياته ((٥٢٠)).
ولذلك ورد في روايات قدمنا بعضها انه يلقى من الامة اشد مما لقي رسول اللّه (ص) نفسه وعللت ذلك بان الرسول (ص) اتاهم وهم يعبدون الحجارة المنقورة والخشبة المنحوتة، وان القائم (ع) يخرجون عليه فيتاولون عليه كتاب اللّه ويقاتلون عليه. ((٥٢١))
والى ذلك اشار ابن عربي في ما اوردناه آنفا عنه لدى حديثه عن معارضة اهل المذاهب له تمسكا بمذاهبهم ((٥٢٢)).
وهناك وجه آخر للامر الجديد، يتصل بوراثة الامام واصحابه للارض كلها، وهذا ما لم يكن وقد يصعب تصوره وذلك ما ورد في قوله سبحانه: (ان الارض يرثها عبادي الصالحون).
اذا كان اللّه، سبحانه، برحمته لم يسمح في مرحلة التاسيس، للرسالة الاسلامية بدءا بصاحبها محمد (ص) واوصيائه حتى الحسن العسكري (ع) تجاوز الوسائل العادية في الدعوة والمقابلة، فان الامر في المهدي (ع)، الثاني عشر من الاوصياء، لدى الظهور، ليس كذلك. ان الفسحة الزمنية الطويلة التي اعطيت للناس لتفكر وتجرب وتكشف من آيات اللّه في انفسها وفي الافاق، ثم لتتفاعل مع الرسالة في ضوء ذلك بمهل كافية لتقطع العذر على من يابى عنادا ان يسلم وجهه للّه، فان من المفهوم ان لايترك الامام (ع) مع ما لديه من العلم الذي يقيم به الحجة والقوة التي يخضع بها العدو مجالا لخيار وراء الاسلام ولذلك ورد انه لا يقبل الجزية من اهل الكتاب، وقد قدمنا في فقرة: كيف سينتصر؟ من هذا البحث شواهد من الروايات الواردة في ذلك بما فيها تلك التي تتصل بتفسير بعض الايات ومنها قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون) [الانبياء: ١٠٥]. فان وراثة العباد الصالحين للارض لا تتمثل بدخول الجنة بعد القيامة، وان كان ذلك قد ورد في الحديث، لان الارض تبدل غير الارض هناك، ولان الجنة عرضها السموات والارض كما ورد في القرآن فلا مقارنة. ولكن وراثتها، كما في بعض الاحاديث، انما هي بظهور الامام المهدي (ع)، وقد قدمنا في آخر الفقرة السابقة من هذا البحث ما ورد من ان اللّه يملكه مشارق الارض ومغاربها.
ومن ذلك ما ورد مسندا عن الثمالي عن علي بن الحسين (ع) عن آبائه (ع) قال: قال رسول اللّه (ص): "الائمة من بعدي اثنا عشر، اولهم انت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح اللّه، تعالى ذكره، على يديه مشارق الارض ومغاربها" ((٥٢٣)). وعن حذيفة بن اليمان عن رسول اللّه (ص) من حديث قال: "فلا يبقى على وجه الارض الا من يقول: لا اله الا اللّه" ((٥٢٤)).
وذكر ابن حجر الهيثمي في تزييف دعوى مدعي المهدوية في الهند في عصره: علامات المهدي وخصائص ظهوره، ومن جملتها ان اللّه "يملكه مشارق الارض ومغاربها" ((٥٢٥)). ومما جاء في تفسير الاية بذلك روايات منها: ما روي مسندا عن ابي الورد عن ابي جعفر (ع) قال (ع): قوله عز وجل: (... ان الارض يرثها عبادي الصالحون) قال: هم آل محمد ((٥٢٦)).
ومما ورد مسندا عن ابي صادق قال: سالت ابا جعفر عن قول اللّه عز وجل: (ولقد كتبنا في الزبور) قال: هم نحن قال: قلت ان في هذا لبلاغا لقوم عابدين قال (ع): هم شيعتنا((٥٢٧)).
وبالاسناد الى محمد بن عبد اللّه بن الحسن عن ابي جعفر (ع) قال: قوله عز وجل: (ان الارض يرثها عبادي الصالحون) هم اصحاب المهدي في آخر الزمان ((٥٢٨)).
وورد في تفسير علي بن ابراهيم عند ذكر الاية ((٥٢٩))، ورواه الطبرسي في مجمع البيان عن ابي جعفر (ع) قال: هم اصحاب المهدي في آخر الزمان ((٥٣٠)).
ولا اشكال بما ورد من ان هذه الوراثة دخول الجنة حين يكون التفسير تطبيقا بان تكون الوراثة في هذه وتلك..
ومما يتصل بالتفسير الذي ذكر لهذه الاية، ويشهد له ما ورد في تفسير قوله تعالى: (وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون) [النور:٥٥].
فالاستخلاف، مع التمكين المطلق، يقتضي وراثة الارض ككل والظهور على الامم كلها بحيث لا يبقى نظر اتقاء لاية جهة الا اللّه. وفي دعاء الافتتاح وهو يدعو للامام المهدي (ع): استخلفه في الارض كما استخلفت الذين من قبله، مكن له دينه الذي ارتضيته له، ابدله من بعد خوفه امنا... اللّهم اظهر به دينك وسنة نبيك حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافة احد من الخلق. وهذا ما ورد في الروايات عن اهل البيت (ع)، ففي حديث لامير المؤمنين علي (ع)، وهو يتحدث عن مرحلة التاسيس في عهد الرسول (ص) وما بعده وغلبة الاعداء لاوصياء الرسول (ص) قال (ع):
"كل ذلك ليتم النظرة التي اوجبها اللّه تبارك وتعالى لعدوه ابليس الى ان يبلغ الكتاب اجله، ويحق القول على الكافرين، ويقترب الوعد الحق الذي بينه اللّه في كتابه بقوله: (وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم).
قال (ع): وذلك اذا لم يبق من الاسلام الا اسمه ومن القرآن الا رسمه، وغاب صاحب الامر بايضاح العذر له في ذلك لاشتمال الفتنة على القلوب حتى يكون اقرب الناس اليه اشد عداوة له ((٥٣١)) وعند ذلك يؤيد اللّه بجنود لم يروها، ويظهر دين نبيه على يديه على الدين كله ولو كره المشركون " ((٥٣٢)). قال الطبرسي رحمه اللّه: والمروي عن اهل البيت (ع) انها (يعني الاية) في المهدي من آل محمد (ع).
قال: وروى العياشي باسناده عن علي بن الحسين (ع) انه قرا الاية وقال (ع): هم واللّه شيعتنا اهل البيت (ع) يفعل اللّه ذلك بهم على يدي رجل منا وهو مهدي هذه الامة، وهو الذي قال رسول اللّه (ص): "لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول اللّه ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي يملا الارض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا"((٥٣٣)).
قال الطبرسي: وروى مثل ذلك عن ابي جعفر (الباقر) (ع) وابي عبد اللّه (ع)، فعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات النبي (ص) واهل بيته صلوات الرحمن عليهم. وتضمنت الاية البشارة لهم بالاستخلاف، والتمكين في البلاد، وارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدي (ع) ويكون المراد بقوله: (كما استخلف الذين من قبلهم) هوان جعل الصالح للخلافة خليفة مثل آدم وداود وسليمان ويدل على ذلك قوله: (اني جاعل في الارض خليفة) و(يا داود انا جعلناك خليفة في الارض) وقوله: (فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناه ملكا عظيما) قال رحمه اللّه: "وعلى هذا اجماع العترة الطاهرة واجماعهم حجة لقول النبي (ص): "اني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي اهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " وايضا فان التمكين في الارض على الاطلاق لم يتفق فهو منتظر لان اللّه عز اسمه لا يخلف وعده " ((٥٣٤)). عن رفاعة بن موسى قال: سمعت ابا عبد اللّه (ع) يقول: "وله اسلم من في السموات والارض طوعا وكرها". قال: "اذا قام القائم لا تبقى ارض الا نودي فيها بشهادة ان لا اله الا اللّه، وان محمدا رسول اللّه". وعن ابي بكر عن ابي الحسن (ع) قال في رواية: "ومن لم يسلم ضرب عنقه حتى لا يبقى في المشارق والمغارب احد الا وحد اللّه" ((٥٣٥)).
ولا شك في ان ظهور اهل الايمان على الارض كلها وسيادة الرسالة الاسلامية بصورة مطلقة فيها امر جديد. وهو يعني عدم اقرار اهل الكتاب على دينهم بدفع الجزية.
وهو ما ورد في الاحاديث عن اهل البيت (ع) وقد تقدم بعض منها، لان ارتفاع الشبهة بالعلم واقامة الحجة يجعل بقاءهم على دينهم معاندة للحق واصرارا على الباطل. ومن مظاهر الامر الجديد: عمله بعلمه من دون بينة لقد وردت روايات عديدة تفيد انه (ع) يعمل بعلمه فلا يسال احدا بينة ((٥٣٦)).
فبالاسناد عن سعدان بن مسلم عن بعض رجاله عن ابي عبد اللّه (الصادق) (ع) انه قال: "بينما الرجل على راس القائم (ع) يامره وينهاه اذ قال: اديروه فيديرونه الى قدامه فيامر بضرب عنقه فلا يبقى في الخافقين شيء الا خافه " ((٥٣٧)). وروى عبد اللّه بن عجلان عن ابي عبد اللّه (الصادق) (ع) قال"اذا قام قائم آل محمد حكم بين الناس بحكم آل داود لا يحتاج الى بينة يلهمه اللّه تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كل قوم بما استبطنوه ويعرف وليه من عدوه بالتوسم ". قال اللّه سبحانه وتعالى: (ان في ذلك لايات للمتوسمين وانها لبسبيل مقيم) ((٥٣٨)) [الحجر: ٧٥ و٧٦].
وبالاسناد الى ابان بن تغلب قال: قال ابو عبد اللّه (الصادق) (ع): "اذا قام القائم (ع) لم يقم بين يديه احد من خلق الرحمن الا عرفه صالح هو ام طالح وذكر الاية "((٥٣٩)). عن جابر عن ابي جعفر (الباقر) (ع) قال: "انما سمي المهدي لانه يهدي الى امر خفي حتى انه يبعث الى رجل لا يعلم الناس له ذنبا فيقتله حتى ان احدهم يتكلم في بيته فيخاف ان يشهد عليه الجدار" ((٥٤٠)). وذكروا من الامر الجديد:
١ هدمه لبعض المساجد والمشاهد.
٢ وقتله لمن بلغ عشرين سنة ولم يتفقه ((٥٤١)).
ويبدو ان هذه الامور كانت موضع اشكال وتساؤل لدى بعضهم، بتصور انها نسخ للشريعة الاسلامية.
قال الطبرسي رحمه اللّه: فان قيل: اذا حصل الاجماع على ان لا نبي بعد رسول اللّه (ص)، وانتم قد زعمتم ان القائم اذا قام لم يقبل الجزية من اهل الكتاب، وانه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه، ويامر بهدم المساجد والمشاهد ((٥٤٢)) وانه يحكم بحكم داود لا يسال عن بينة واشباه ذلك مما ورد في آثاركم، وهذا يكون نسخا للشريعة وابطالا لاحكامها فقد اثبتم معنى النبوة وان لم تتلفظوا باسمها فما جوابكم عنها. قال رحمه اللّه: والجواب:
انا لم نعرف ما تضمنه السؤال من انه لا يقبل الجزية من اهل الكتاب وانه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين...
فان كان ورد بذلك خبر فهو غير مقطوع به، فاما هدم المساجد والمشاهد فقد يجوز ان يختص بهدم ما بني من ذلك على غير تقوى اللّه تعالى، وعلى خلاف ما امر اللّه سبحانه به، وهذا مشروع قد فعله النبي (ص).
واما ما روي من انه يحكم بحكم آل داود لا يسال عن بينة فهذا ايضا غير مقطوع به، وان صح فتاويله ان يحكم بعلمه في ما يعلمه. واذا علم الامام والحاكم امرا من الامور فعليه ان يحكم بعلمه، ولا يسال عنه، وليس في هذا نسخ للشريعة، على ان هذا الذي ذكروه من ترك قبول الجزية واستماع البينة، ان صح، لم يكن نسخا للشريعة، لان النسخ هو ما تاخر دليله عن الحكم المنسوخ، ولم يكن مصطحبا فاما اذا اصطحب الدليلان فلا يكون ذلك ناسخا لصاحبه، وان كان مخالفه في المعنى، ولهذا اذا اتفقنا على ان اللّه سبحانه لو قال: "الزموا السبت الى وقت كذا، ثم لا تلزموه، لا يكون نسخا" لان الدليل الرافع مصاحب للدليل الموجب..
 قال رحمه اللّه: واذا صحت هذه الجملة، وكان النبي (ص) قد اعلمنا بان القائم من ولده يجب اتباعه وقبول احكامه، فنحن اذا صرنا الى ما يحكم به فينا، وان خالف بعض الاحكام المتقدمة غير عاملين بالنسخ، لان النسخ لا يدخل في ما يصطحب الدليل ((٥٤٣)).
واضاف الشيخ المجلسي ((٥٤٤)) بخصوص التساؤل والاشكال حول رفع الجزية، الى ما اجاب به الشيخ الطبرسي، ما اوردته كتب الحديث لدى غير الامامية من وضع الجزية على يد المسيح كالذي ورد عن ابي هريرة ان الرسول (ص) قال: "والذي نفسي بيده ليوشكن ان ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، فيفرض المال حتى لا يقبله احد" ((٥٤٥)).
قال رحمه اللّه: فظهر ان هذه الامور المنقولة من سيرة القائم (ع) لا تختص بنا بل اوردها المخالفون ايضا ونسبوها إلى عيسى، لكن قد رووا: ان امامكم منكم ((٥٤٦)) فما كان من جوابهم "يعني على اشكال عدم قبول الجزية " فهو جوابنا.((٥٤٧))
ومن مظاهر الامر الجديد:
العدل، والغنى، والامان بصورة شاملة وهذا ما لم يحدث في أي عصر، لا لان المهدي (ع) اكثر عدلا وكرما من رسول اللّه (ص) او علي (ع) مثلا، فهو ليس الا امتدادا لهما، بل لان اختلاف العصر والمرحلة من حيث سعة السلطان، وظهور الاسلام، ومستوى الناس عقلا وعلما ودينا، ورقي الوسائل التي بيد الامام للحكم والمراقبة، وتقدم وسائل الانتاج واداء حقوق المال والعدل في التوزيع هذه وغيرها مما يتصل بها هي التي تتيح ذلك زمن الامام المهدي (ع) دون غيره، وقد تقدم في ما اوردناه من الاحاديث ما هو شاهد لذلك، فهو الذي يملا الأرض قسطا وعدلا وهو الذي يظهر الدين الاسلامي على الدين كله وهو الذي يضع يده على رؤوس الناس فيكمل بها عقولهم و... وعن الامام علي (ع) قال: "فيبعث المهدي (ع) الى امرائه في سائر الامصار بالعدل بين الناس " الى ان يقول (ع): "ويذهب الشر، ويبقى الخير ويزرع الانسان مدا وتخرج له سبعة امداد" "ويذهب الزنا وشرب الخمر" ((٥٤٨))، وعن الامام الصادق (ع) بعد ان ذكر مقابلة الناس للامام المهدي (ع) قال (ع): "اما واللّه ليدخلن عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحر والقر" ((٥٤٩)). وعن علي بن عقبة عن ابيه قال: "اذا قام القائم حكم بالعدل وارتفع في ايامه الجور وامنت السبل، واخرجت الارض بركاتها ورد كل حق الى اهله " ((٥٥٠)). وعن جابر بن عبد اللّه عن رسول اللّه (ص) قال: "يكون في آخر امتي خليفة يحثي المال حثيا لا يعده عدا" ((٥٥١)).
وعن سعيد وجابر بن عبد اللّه قالا: قال رسول اللّه (ص): "يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده " ((٥٥٢)). وعن ابي سعيد الخدري ان رسول اللّه (ص) قال: "يخرج المهدي في امتي يبعثه اللّه غياثا للناس، تنعم الامة وتعيش الماشية وتخرج الارض نباتها ويعطى المال صحاحا"((٥٥٣)).عن الحسن بن علي (ع) انه قال: "تواصلوا وتباروا فوالذي فلق الحبة وبرا النسمة لياتين عليكم وقت لا يجد احدكم لديناره ولا لدرهمه موضعا"، يعني لا يجد عند ظهور المهدي موضعا يصرفه فيه لاستغناء الناس جميعا بفضل اللّه تعالى وفضل وليه المهدي(((٥٥٤)) (ع).
وفي رواية عن المفضل عن الامام الصادق (ع) قال: "ويطلب الرجل منكم من يصله بماله وياخذ منه زكاته فلا يجد احدا يقبل منه ذلك "، وتغنى الناس بما رزقهم اللّهمن فضله.((٥٥٥))
ومن مظاهر الامر الجديد: انه:
ليس بين الناس وبينه بريد اذا كنا قد استفدنا من ذلك حين قدمنا ما ورد من هذا الحديث سابقا في العلامات الخاصة اشارة الى التقدم العلمي في مرحلة الامام (ع) فان سماعه ورؤيته من بعد وبصورة مباشرة ((٥٥٦)) قد يعني مرحلة تقنية متقدمة يصبح فيها الهاتف التلفازي قائما على مستوى العالم..
ولكن ما نريد الاشارة اليه هنا انعدام الواسطة بين الناس والإمام (ع) كلما شاءوا امرا من الامور، وهو بهذا المستوى وبخاصة في مثل سلطان الامام (ع) سعة وامتدادا مما لم يقع نظيره بل مما يصعب تصوره لولا خصوصية الامام (ع) وخصوصية عصره، ولا شك في ان مثل هذه الصلة المفتوحة بين الناس والامام (ع) امر جديد، وهي ضمانة عظيمة للاستقامة على الحق والعدل وخلق جديد بالنسبة لذوي السلطان يتصل بخلق رسول اللّه محمد (ص) وخلق وصيه علي (ع) اللذين لم يتخذا حجابا ولم يقطعا عنهما الناس ولم يتميزا عنهم..
ومن مظاهر الامر الجديد ان:
تؤتى الناس الحكمة في زمنه اشرنا الى ان العصر الذي يخرج فيه الامام (ع) عصر يبلغ فيه الانسان من العلم والتقنية كما تشير الروايات الذروة. والعلم يصحبه رقي عقلي وخلقي، وبذلك يستطيع اهله ان يتفهموا معنى ان يكون الامام حجة اللّه وخليفته ومحل عطائه ونظره بما يظهر على يديه من علم يجاوز قدر العصر واهله، وبما يبرزه من امكانات لا تقع ضمن المقدور بوسيلة مادية ولا روحية عامة اي مما هي ضمن العطاء العام من القدرات الروحية كالذي بايدي الروحيين من اصحاب الخلوات والرياضات واهل التسخير والسحرة... ثم ان وسائل الايصال السمعية والبصرية القائمة في عصر الامام، كالتلفزة عبر الاقمار الصناعية، تتيح للامام (ع) ولاصحابه مخاطبة العالم والناس في بيوتهم، وتعريفهم بما حبا اللّه حجته ووصي خاتم رسله (ع) وتعليمهم الرسالة الاسلامية، كما جاء بها رسول اللّه (ص). وقد مر عن الصادق (ع) ان الدنيا تكون بمنزلة راحة يده (ع) ((٥٥٧)) وان الناس في المشرق والمغرب يرونه ويسمعونه وكل قوم يسمعون الحديث بلغتهم وانه (ع) كما مر عن ابي جعفر الباقر (ع): اذا قام وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم واكمل بها احلامهم((٥٥٨)).
ومن الواضح ان المقصود باليد القدرة التي آتاها اللّه له علما، وهدى، وقوة حجة، وثم امكانية المراقبة والردع.
وقد مر عن الامام الصادق (ع) انه (ع) يلهمه اللّه، فيحكم بعلمه ويخبر كل قوم بما استبطنوه ويعرف وليه من عدوه ((٥٥٩)).
وبين هذا وذاك، وبما يقوم به من دعوة وتعريف وتعليم نظري وعملي يغير عقول الناس ونفوسهم وسلوكهم.
وقد روي عن حمران بن اعين عن ابي جعفر الباقر (ع) انه قال: وتؤتون الحكمة في زمانه حتى ان المراة لتقضي في بيتها بكتاب اللّه تعالى وسنة رسول اللّه (ص)((٥٦٠)).
روى محمد بن عجلان عن ابي عبد اللّه الصادق (ع) قال: (إذا قام القائم (ع) دعا الناس الى الاسلام جديدا وهداهم الى امر قد دثر، فضل عنه الجمهور، وانما سمي القائم مهديا لانه يهدي الى امر مضلول عنه، وسمي بالقائم لقيامه بالحق) ((٥٦١)).
وعن الحسين بن خالد عن الامام علي بن موسى الرضا (ع) انه قال: (فاذا خرج اشرقت الارض بنور ربها ووضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلم احد احدا)((٥٦٢)).
ان وجه الفهم الصحيح للامر الجديد انه: الاسلام كما هو في النظرية والتطبيق ذلك هو المعنى المفروض بما قدمناه من وجوه المناقشة للتفسير المحرف ومن الوجوه التي يمكن ان تكون مقصودة، وهي جميعا تتماسك مع موقع المهدي (ع) بوصفه وصيا وامتدادا لرسول اللّه (ص) ومع دعوته وعمله التطبيقي بدءا من خطبته الاولى لدى الظهور حتى منتهى امره: ان الاسلام كما هو في واقعه اذا قيس ببعد الناس عنه في حياتهم نظريا وعمليا بين الانحراف والفسق والردة وبين تعدد الاجتهادات سيبدو كما قدمنا امرا جديدا في نظر الناس، ولكن ذلك امر وان يكون ما يجيء به المهدي (ع) جديدا بالنسبة لاسس الاسلام، وبناه كما جاء بها القرآن والسنة امر آخر...
ومما يؤكد ذلك ما روي من:
خطبة المهدي (ع) عند اول ظهوره فعن جابر عن ابي جعفر (الباقر) قال (ع): (ثم يظهر المهدي (ع) بمكة عند العشاء ومعه راية رسول اللّه (ص) وقميصه وسيفه وعلامات ونور وبيان، فاذا صلى العشاء نادى باعلى صوته يقول: اذكركم اللّه، ايها الناس، ومقامكم بين يدي ربكم وقد اكد الحجة، وبعث الانبياء، وانزل الكتاب، يامركم ان لا تشركوا به شيئا، وان تحافظوا على طاعته، وطاعة رسوله (ص) وان تحيوا ما احيا القرآن، وتميتوا ما امات، وتكونوا اعوانا على الهدى ووزراء على التقوى، فان الدنيا قد دنا فناؤها وزوالها، وآذنت بالوداع، واني ادعوكم الى اللّه والرسول والعمل بكتابه، واماتة الباطل، واحياء السنة) ((٥٦٣)). وعن جابر عن ابي جعفر (الباقر) (ع) من حديث قال: (ويبعث السفياني بعثا الى المدينة، فينفر المهدي (ع) منها الى مكة، فيبلغ امير جيش السفياني ان المهدي (ع) قد خرج الى مكة، فيبعث جيشا على اثره فلا يدركه حتى يدخل مكة خائفا يترقب على سنة موسى بن عمران قال: وينزل امير جيش السفياني البيداء فينادي مناد من السماء: يا بيداء ابيدي القوم فيخسف بهم) ((٥٦٤)). الى ان يقول (ع): (والقائم يومئذ بمكة قد اسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيرا فينادي: يا ايها الناس، انا نستنصر اللّه ومن اجابنا، فانا اهل بيت نبيكم محمد، ونحن اولى الناس باللّه ومحمد (ص) فمن حاجني في آدم فانا اولى الناس بدم، ومن حاجني في نوح فانا اولى الناس بنوح، ومن حاجني في إبراهيم فانا اولى الناس بابراهيم ومن حاجني في محمد فانا اولى الناس بمحمد ومن حاجني في النبيين فانا اولى الناس بالنبيين...
اليس اللّه يقول في محكم كتابه: (ان اللّه اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض، واللّه سميع عليم).
فانا بقية من آدم، وذخيرة من نوح ومصطفى من إبراهيم وصفوة من محمد (ص).
الا ومن حاجني في كتاب اللّه، فانا اولى الناس بكتاب اللّه، الا ومن حاجني في سنة رسول اللّه (ص) فانا اولى الناس بسنة رسول اللّه (ص).
يامر بالمعروف ويزيل البدع وروي مسندا عن ابن بزيع عن زيد بن علي (ع) قال: اذا قام القائم من آل محمد يقول: ايها الناس، نحن الذين وعدكم اللّه تعالى في كتابه: (الذين ان مكناهم في الارض اقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة وامروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر وللّه عاقبة الامور) [الحج: ٤١] ((٥٦٥)).
وروى بالاسناد الى ابي الجارود عن ابي جعفر (ع) في قوله عز وجل (الذين ان مكناهم في الارض اقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وامروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر وللّه عاقبة الامور) [الحج: ٤١].
قال (ع): (هذه لال محمد: المهدي واصحابه يملكهم اللّه مشارق الارض ومغاربها، ويظهر الدين، ويميت اللّه عز وجل به وباصحابه البدع والباطل، كما امات السفهة الحق حتى لا يرى اثر من الظلم، ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر). ((٥٦٦))
وروى ابو بصير عن ابي جعفر (الباقر) (ع) انه قال في حديث طويل: (ولا يترك بدعة الا ازالها ولا سنة الا اقامها) ((٥٦٧)).
عن ابي هاشم الجعفري قال: كنت عند ابي محمد (الحسن) (ع) فقال: (اذا قام القائم امر بهدم المنائر والمقاصير التي في المساجد قلت في نفسي لاي معنى هذا؟ فاقبل علي فقال: معنى هذا انها محدثة مبتدعة لم يبنها نبي ولا حجة) ((٥٦٨)). يدعو الى كتاب اللّه وسنة رسوله روى بالاسناد الى عبد اللّه الحلبي عن ابي جعفر (ع)، بعد حديث طويل عن المهدي (ع)، قال (ع): (ثم ينطلق فيدعو الناس الى كتاب اللّه وسنة نبيه والولاية لعلي بن ابي طالب، والبراءة من عدوه، ولا يسمي احدا).
وبالاسناد الى حذيفة بن اليمان قال رسول اللّه (ص)، وذكر حديثا في ما ينال الامة في مستقبلها الى ان قال (ص): (يا حذيفة لا يزال ذلك البلاء على اهل ذلك الزمان حتى اذا ايسوا وقنطوا، واساءوا الظن الا يفرج عنهم اذ بعث اللّه رجلا من اطائب عترتي، وابرار ذريتي عدلا مباركا زكيا، لا يغادر مثقال ذرة، يعز اللّه به الدين والقرآن والاسلام واهله، ويذل به الشرك واهله يكون من اللّه على حذر لا يغتر بقرابته ولا يضع حجرا على حجر ولا يقرع احدا في ولايته بسوط الا في حد، يمحو اللّه به البدع كلها،ويميت به الفتن كلها، يفتح اللّه به باب كل حق، ويغلق باب كل باطل) ((٥٦٩)). وروى مسندا عن علي بن ابي بصير قال: قال ابو جعفر (ع): واتاه رجل فقال له: انكم اهل بيت رحمة اختصكم اللّه تبارك وتعالى بها.
فقال له (ع): كذلك، والحمد للّه، لا ندخل احدا في ضلالة ولا نخرجه من هدى..
ان الدنيا لا تذهب حتى يبعث اللّه رجلا منا اهل البيت يعمل بكتاب اللّه لا يرى منكرا الا انكره ((٥٧٠)).
وعن عائشة عن النبي (ص) انه قال، في الحديث عن المهدي (ع): (وهو رجل من عترتي، يقاتل على سنتي، كما قاتلت انا على الوحي) ((٥٧١)).
وعن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه (ص): (يخرج رجل من اهل بيتي يعمل بسنتي، وينزل اللّه له البركة من السماء، وتخرج له الارض بركتها وتملا به عدلا كماملئت ظلما وجورا). ((٥٧٢))
وروى الطوسي بسنده عن العلا عن محمد قال: (سالت ابا جعفر (الباقر) (ع) عن القائم اذا قام باي سيرة يسير بالناس؟
فقال (ع): بسيرة ما سار به رسول اللّه (ص) حتى يظهر الاسلام.
قلت: وما كانت سيرة رسول اللّه (ص)؟
قال (ع): ابطل ما كان في الجاهلية، واستقبل الناس بالعدل..
وكذلك القائم (ع) اذا قام يبطل ما كان في الهدنة مما كان في ايدي الناس، ويستقبل بهم العدل)((٥٧٣)).
وعن ابي المقدام عن ابي جعفر (ع) في قول اللّه تعالى: (ليظهره على الذين كله ولو كره المشركون) [براءة: ٣٣] قال: ان لا يبقى احد الا اقر بمحمد (ص) ((٥٧٤)).
وروى بالاسناد الى ابن البطائني عن ابيه عن ابي بصير قال: سمعت ابا جعفر (الباقر) (ع)، وذكر حديثا يذكر فيه مشابهة الحجة لبعض الانبياء (ع).. وفيه قلت: وما شبه محمد (ص) قال (ع): اذا قام سار بسيرة رسول اللّه (ص) الا انه يبين آثار آل محمد الحديث(ص) ((٥٧٥)).
يقيم الحدود المعطلة روى بالاسناد الى ابان بن تغلب قال: قال ابو عبد اللّه الصادق (ع): دمان في الاسلام حلال من اللّه عز وجل لا يقضي فيهما احد بحكم اللّه عز وجل حتى يبعث اللّه القائم من اهل البيت (ع)، فيحكم فيهما بحكم اللّه عز وجل لا يريد فيه بينة: الزاني المحصن يرجمه ومانع الزكاة يضرب رقبته ((٥٧٦)).
اصحابه يعلمون القرآن روى جابر عن ابي جعفر (الباقر) (ع) قال: (اذا قام قائم آل محمد ضرب فساطيط لمن يعلم القرآن على ما انزل اللّه تعالى) ((٥٧٧)). وبالاسناد الى حبة العرني قال: قال امير المؤمنين (ع): (كاني انظر الى شيعتنا بمسجد الكوفة، وقد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القرآن كما انزل) ((٥٧٨)).وعن جعفر بن يحيى عن ابي عبد اللّه (الصادق) (ع) قال: قال: (كيف انتم لو ضرب اصحاب القائم الفساطيط في مسجد كوفان، ثم يخرج اليهم المثال المستانف بامر جديد) ((٥٧٩)).
ومن الواضح ان التعليم في هذه الروايات ليس للقراءة وانما للتفسير، وبيان معاني الايات وتاويلها بقرينة قوله (كما انزل)، لان الاختلاف، ومظنة الخطا والتحريف، ليس في القرآن من حيث كلماته وآياته وسوره، فذلك مما يجمع علماء شيعة اهل البيت على نفيه، وانما هو في تفسيره وتاويله، ولا جدال في ان المفسرين يطرحون وجهات نظر مختلفة في بعض الايات: مذهبية وشخصية قد يبعد بعضها عما هو الحق فيها، لذلك يقوم الامام (ع) ببيان معاني الايات القرآنية كما انزلت، ويبطل ما لا علاقة له بها.
وقد روي عن حمران بن اعين عن ابي جعفر (الباقر) (ع) انه قال: (وتؤتون الحكمة في زمانه حتى ان المراة لتقضي في بيتها بكتاب اللّه تعالى وسنة رسول اللّه (ص))((٥٨٠)).
وفي دعاء السجاد في (عرفة)، كما في الصحيفة السجادية، قال (ع): (واقم به كتابك وحدودك وشرائعك، وسنن رسولك صلواتك اللّهم عليه وآله واحي به ما اماته الظالمون من معالم دينك، واجل به صدا الجور عن طريقتك، وابن به الضراء عن سبيلك، وازل به الناكثين عن صراطك، وامحق به بغاة قصدك عوجا، والن جانبه لاوليائك، وابسط يده على اعدائك وهب لنا رافته ورحمته، وتعطفه وتحننه) ((٥٨١)). وفي دعاء الافتتاح الذي رواه الشيخ ابو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري عن الحجة (ع): (اللّهم، وصل على ولي امرك، القائم المؤمل والعدل المنتظر، واحففه بملائكتك المقربين، وايده بروح القدس، يا رب العالمين، اللّهم اجعله الداعي الى كتابك والقائم بدينك استخلفه في الارض كما استخلفت الذين من قبله مكن له دينه الذي ارتضيته له). الى ان يقول: (اللّهم انا نرغب اليك في دولة كريمة، تعز بها الاسلام واهله وتذل به النفاق واهله، وتجعلنا فيها من الدعاة الى طاعتك والقادة الى سبيلك، وترزقنا فيها كرامة الدنيا والاخرة). وقال الشيخ الصدوق: حدثنا ابو محمد الحسين بن احمد المكتب قال: حدثنا ابو علي بن همام بهذا الدعاء، وذكر ان الشيخ العمري قدس اللّه روحه املاه عليه وامره ان يدعو به، وهو الدعاء في غيبة القائم (ع) ومما جاء فيه:
(اللّهم، واحي بوليك القرآن، وارنا نوره سرمدا لا ظلمة فيه واحي به القلوب الميتة، واشف به الصدور الوغرة، واجمع به الاهواء المختلفة على الحق، واقم به الحدود المعطلة والاحكام المهملة حتى لا يبقى حق الا ظهر ولا عدل الا زهر، واجعلنا يا رب من اعوانه ومقوية سلطانه والمؤتمرين لامره والمسلمين لاحكامه) ((٥٨٢)). ومن الواضح ان استشهادنا بالادعية الواردة عنهم هنا، بالنظر الى ان الدعاء لا يكون الا بما هو المرجو والمامول ان يكون لدى ظهور الامام (ع)، او بما هو مهمته وغاية عمله لو ظهر، وليس في ذلك امر كما رايت عدا اقامة الكتاب والسنة وتنفيذ الاحكام والحدود التي شرعها اللّه.
الامام (ع) يبني المساجد لقد ذكرنا، في العلامات الخاصة، روايات تقول ان الامام (ع) يبني في الغري مسجدا له الف باب.
وكان ذكرنا لها هناك لجهة اخرى من الدلالة تتصل بكونها علامة واخبارا غيبيا هاما لانعدام المؤشرات الموضوعية اليه، اما اشارتنا الى ذلك هنا فلبيان مدى اهتمام الامام (ع)، وهو سيد اهل المعرفة، بفريضة الصلاة التي يراها ادعياء العرفان حجابا. ومما جاء في رواية عمرو بن ثابت عن ابيه عن ابي جعفر (الباقر) (ع) قال: قال (ع): (فاذا كانت الجمعة الثانية قال الناس (في الكوفة): يا ابن رسول اللّه! الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول اللّه (ص) والمسجد لا يسعنا، فيقول (ع): انا مرتاد لكم فيخرج الى الغري فيخط مسجدا له الف باب يسع الناس). ((٥٨٣))
وورد ايضا انه يبني اربعة مساجد اخرى في الكوفة ومسجدا ذا خمسمئة باب في الحيرة يصلي فيها نوابه ((٥٨٤)).
الزاهد المجاهد عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه الصادق (ع) قال: (ما يستعجلون بخروج القائم، واللّه ما طعامه الا الشعير والجشب، ولا لباسه الا الغليظ، وما هو الا السيف والموت تحت ظل السيف) ((٥٨٥)). المهدي واصحابه واثر السجود في جباههم وروى بسنده عن الامام جعفر الصادق (ع) انه قال، وهو يتحدث عن الإمام المهدي (ع) في بعض مراحل جهاده وحربه للكفر.
(كاني انظر الى القائم (ع) واصحابه، في نجف الكوفة، كان على رؤوسهم الطير قد فنيت ازوادهم وخلقت ثيابهم، قد اثر السجود بجباههم، ليوث بالنهار رهبان بالليل كان قلوبهم زبر الحديد، يعطى الرجل منهم قوة اربعين رجلا) ((٥٨٦)). يقبل الناس في زمنه على العبادة وعن امير المؤمنين (ع) قال: (فيبعث المهدي (ع) الى امرائه بسائر الامصار بالعدل بين الناس الى ان يقول: ويذهب الشر، ويبقى الخير... ويذهب الزنا وشرب الخمر، ويقبل الناس على العبادات والشرع والديانة والصلاة في الجماعات، وتطول الاعمار وتؤدى الامانات وتضاعف البركات وتهلك الاشرار وتبقى الاخيار، ولا يبقى من يبغض اهل البيت (ع)) ((٥٨٧)).
والشواهد من دعوته، وسيرته، واعماله، وادعيته على انه امتداد للرسول (ص) وللاوصياء من آبائه لا يكاد يختلف الا بالخصائص المتصلة بعصر الظهور وسعة السلطان كثيرة جدا، وفي ما قدمناه منها ومن الادلة الاخرى كفاية للرد على من يفسر الامر الجديد بما هو خارج على الشريعة الإسلامية بمصادرها من الكتاب والسنة آكما هما من خلال وصي الرسول (ص) وشاهد الرسالة (ع). وسياتي في الفصل الرابع بيان اسس هؤلاء ومنطلقاتهم، على اختلاف عناوينهم عامدين او ضالين بشبهة او مخدوعين، ثم ايضاح وجه الباطل والضلالة فيها، تحذيرا للمسلمين والبسطاء والابرياء منهم خاصة، لانهم الضحية في الغالب.

البحث الثالث: الامام المهدي (ع) وعقيدة الرجعة((٥٨٨))

ترتبط عقيدة الرجعة لدى الامامية الاثني عشرية بالامام المهدي المنتظر (ع) شخصا، وزمانا، وامرا..، من دون اختلاف بينهم في ذلك على ان الاراء المطروحة في معناها عندهم ثلاثة:
الراي الاول: والقائلون به قلة منهم: (قول قوم تاولوا ما ورد في الرجعة فراوا بان معناها رجوع الدولة والامر والنهي الى اهل البيت (ع) بظهور الامام المنتظر (ع) دون رجوع اعيان الاشخاص، واحياء الموتى) ((٥٨٩)). وذكر الشيخ الطبرسي والحر العاملي رحمهما اللّه: (ان سبب قولهم بهذا الراي انهم ظنوا ان الرجعة تنافي التكليف ((٥٩٠))
بفهم ان موتهم ورؤيتهم العالم الاخر لا تجعل امامهم مدى او فرصة في غير الطاعة... وان التكليف يقتضي الاختيار، وهو منتف بالنسبة لهم كما ظنوا ورد عليهم بان الامر ليس كذلك.
لانه كما يقول الشيخ الطبرسي: ليس فيها ما يلجى الى فعل الواجب والامتناع عن القبيح، والتكليف يصح معها كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والايات القاهرة كفلق البحر وقلب العصا ثعبانا وما اشبه ذلك) ((٥٩١)). ويعني، رحمه اللّه، ان هذه الايات تعطي اليقين بصدق الرسل، وبالتالي صدق انذارهم كما هي الرجعة، ومع ذلك فان الاختيار والقدرة على مخالفة التكليف لم يسلبا من مشاهديهما بشهادة الواقع.
والحقيقة ان هناك فرقا كبيرا بينهما لو ان الراجع من الموت فقط تذكر ما راى بعده بوضوح شان المسافر والراجع من سفره في عالم الدنيا، لان الرؤية الحسية والتجربة تعطيان تحققا وطمانينة لدى بعضهم اكثر مما هو البرهان العقلي مباشرا او غير مباشر، ربما بسبب التذكر لما شاهده بيسر وحضور الواقع فيها من دون كلفة وبوضح خلافا للاخر. وفي قوله تعالى لابراهيم (ع) حين طلب احياء الموتى:
(اولم تؤمن فقال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي) [البقرة: ٢٦٠] شاهد على ذلك، وان اعطيت الاية تفسيرا آخر، لكن استبطان الانسان لحالته بين الحس والبرهنة العقلية يعطي ما اشرنا اليهمن الفرق حتى مع التساوي في الاثبات، ثم لان هناك من لا يفرق بين المعجزة والسحر. وكان خوف موسى، كما ورد في تفسير قوله تعالى: (فاوجس خيفة موسى) [طه: ٦٧]، بسبب ذلك، وربما كان سيتحقق خوفه لولا سجود السحرة انفسهم.
وفي قوله تعالى: (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا انما سكرت ابصارنا بل نحن قوم مسحورون) [الحجر: ١٥] شاهد آخر على ذلك، وان الواقع التاريخي والحاضر يقدمان شواهد كثيرة على عدم تفرقة العامة من الناس بين المعجزة والسحر. لكن الراجع من الموت لا يذكر من تجربته في الحياة الاخرى الا كما يذكر الحالم في النوم من حلمه، او لا يتذكر شيئا على الاطلاق، فهو لا يشعر بالزمن ولا بتفاصيل ما مربه من احداث، ولا يصحب حالته السابقة فيها، وفي قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة) [الروم: ٥٥]. وقوله تعالى: (ولو ردوا لعادوا لمانهوا عنه) [الانعام: ٢٨]. شاهد كاف لما ذكرناه،...
وسواء كان الامر كذلك ام لم يكن، فان ما رآه الطبرسي والحر العاملي رحمهما اللّه من عدم علاقة الاختيار الذي يصحح التكليف باليقين امر حق، والا كان الرسل واوصياؤهم (ع) مجبورين ولا احد يقول بذلك.
ان اليقين والعلم يعطيان العصمة التي تعني اختيار الطاعة من دون ان تعني الجبر او انتفاء القدرة على المقابل حتى ولو لم يفعله بحكم هذا العلم، شان الطبيب الذي يعلم الاثار الضارة لبعض المواد والافعال مثلا، فيتجنبها بحكم هذا العلم مع قدرته على الفعل.
وقد نوقش اهل هذا الراي، اعني التاويل لمعنى الرجعة، بعد ابطال حجتهم كما مر بمناقشات منها:
اولا: بان اكثر ما ورد فيها نصوص في معناها كما سياتي بعضها في ما يساق من الكتاب او السنة وليس من الظواهر، ولذلك فلا سبيل الى تاويلها بوجه.
ثانيا: اجماع الامامية الاثني عشرية على معناها من دون تاويل والعلم بامتداد هذا الاجماع الى عصر المعصوم (ع) ودخوله فيه مما يوجب حجيته، وسياتي الحديث عن ذلك. الراي الثاني: ان الامام المهدي المنتظر (ع) هو من يرجع بعد ان توفاه اللّه ورفعه اليه شان المسيح (ع)، ليمكث في الارض بعد نزوله مرة اخرى المدة التي يشاء اللّه للقيام بالمهمة المنوطة به.
ذكر الشيخ الطوسي رحمه اللّه ان الامام (ع)، كما ورد في بعض الاخبار: (يموت ثم يعيش او يقتل ثم يعيش) ((٥٩٢)). وذكر من هذه الاخبار ما رواه الفضل بن شاذان عن موسى بن سعدان عن عبد اللّه بن قاسم الحضرمي عن ابي سعيد الخراساني قال: قلت لابي عبد اللّه (ع) لاي شيء سمي القائم قال (ع): لانه يقوم بعد ما يموت، انه يقوم بامر عظيم، يقوم بامر اللّه.
ومنها ما روي عن محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن ابيه عن يعقوب بن يزيد عن علي بن الحكم عن حماد بن عثمان عن ابي بصير قال: سمعت ابا جعفر (ع) يقول:مثل امرنا في كتاب اللّه مثل صاحب الحمار، اماته اللّه مئة عام ثم بعثه.
ومنها ما روي ايضا عنه عن ابيه عن جعفر بن محمد الكوفي عن اسحاق بن محمد عن القاسم بن الربيع عن علي بن حطاب مؤذن مسجد الاحمر قال: سالت ابا عبد اللّه (ع):هل في كتاب اللّه مثل للقائم (ع)؟ فقال (ع): نعم آية صاحب الحمار اماته اللّه مئة عام ثم بعثه.((٥٩٣))
وهناك روايات اخرى.
وقد اضاف بعضهم الاخبار التي تضرب للامام المهدي (ع) مثلا بعيسى (ع) الذي (قالوا عنه مات ولم يمت) كما ورد في حديث عن الامام الباقر (ع) ((٥٩٤)) او (وقدر غيبته تقدير غيبة عيسى)، كما ورد عن الامام الصادق (ع) ((٥٩٥)). مع ان القرآن قد نص على وفاته، قال تعالى: (اذ قال اللّه يا عيسى اني متوفيك ورافعك الي) [آل عمران: ٥٥].
وقال تعالى: (واذ قال اللّه: يا عيسى بن مريم اانت قلت للناس اتخذوني وامي الهين من دون اللّه. قال: سبحانك ما يكون لي ان اقول ما ليس لي بحق ان كنت قلته فقد علم ته... (الاية الى قوله)... وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت انت الرقيب عليهم وانت على كل شيء شهيد) [المائدة: ١١٦ و١١٧].
بل ان القرآن نفسه قال، في آية ثالثة، ما يشير الى ان عيسى لم يمت قال تعالى: (وان من اهل الكتاب الا ليؤمنن به قبل موته) [النساء: ١٥٩] وهذا ما لم يتم قطعا في وفاته الاولى فقد كان مطاردا مضطهدا حتى حاولوا صلبه لولا انه شبه لهم.
ولذلك لا بد، للجمع بين الايتين السابقتين وبين هذه الاية، من ان يكون المقصود فيها موته الثاني لدى نزوله الى الارض مرة اخرى مع الامام المهدي (ع) وصلاته خلفه كما سبق الحديث عنه في البحثين: الاول والثاني من الفصل الاول، وهو ما لا خلاف فيه لدى المسلمين فقد روته جميع الصحاح.
فيكون الحديثان السابقان: الحديث الذي قال انهم قالوا: (مات ولم يمت) والاخر الذي عبر عن موته بالغيبة. وتكون الاية التي اغفلت وفاته الاولى التي لم يؤمن له فيها اهل الكتاب متجاوزة الوفاة الاولى الى الثانية التي ستكون بعد النزول... وقد نظر فيها الى ان حقيقة الموت ليست اعداما ولا انقطاعا، وانما هي انتقال الى مستوى سماوي تنتفي فيه الحاجة الى الجسد فالحياة قائمة بعده، ولذلك قال تعالى: (وان الدار الاخرة لهي الحيوان)[العنكبوت: ٦٤].
وبهذا الاعتبار فكانه مع كونه لم يكن. قال الامام علي (ع) ان الرسول (ص) قال: (يموت الميت منا وليس بميت ويبلى البالي وليس ببال) ((٥٩٦)). وبناء عليه فان شان الامام المهدي المنتظر (ع) بحكم التنظير والتمثيل بعيسى (ع) لا بد من ان يكون كشانه في ذلك.
ومثل ذلك الاحاديث التي تضرب مثلا لطول عمره بالخضر (ع) فان الاحاديث، والقصص الواردة في حياته مع عدم رؤيته وتمثله وغيابه تشهد جميعا انها حياة سماوية روحية... وما اكثر ما يروي اهل الكشف والصوفية لقاءه بهم وتعليمه اياهم.
اما لماذا خصوا الامام المهدي وعيسى والخضر (ع) بالحديث عنهم كاحياء من دون غيرهم من الانبياء والرسل والائمة الاخرين مع انهم احياء سماويا وروحيا كما هم، فالجواب ان ذلك بحكم ان لهم ادوارا ارضية، او تعلقا وارتباطا بمهمات رسالية استمرارا بالفعل كما هو بالنسبة للامام المهدي (ع) والخضر (ع) او في المستقبل كما هو بالنسبة لعيسى (ع) لدى نزوله، ولهذه الخصوصية اكدوا على حياتهم من دون الاخرين ليفهم الناس الذين يتصورون الموت انقطاعا بقاء صلتهم بالارض.
والا فان الرسل والاوصياء واولياء اللّه من اتباعهم شهداء او كالشهداء احياء عند ربهم يرزقون، وفي الزيارة (اشهد انك تسمع الكلام وترد الجواب). ويبدو ان هذه المشكلة لا تاتي من قضية الموت والحياة بما هما في ذاتهما وانما من مفهومهما لدى العامة من الناس، طبقا للواقع المادي النسبي، لذلك فالقول انه مات وانه في الوقت نفسه حي صحيح بالمفهوم الحقيقي لهما، كما تدل النصوص الواردة في ذلك في الكتاب والسنة، وكما يدل الواقع الذي يعرفه الروحيون قدماء ومحدثين.
بقي ان اللّه تعالى ذكر ان بين الاموات او المنتقلين الى الدار الاخرة، وبين اهل الدنيا بحكم الرتبة اللامادية للحياة السماوية برزخ يمنع على المستوى العام امكان الصلة بينهم قال سبحانه: (ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون) [المؤمنون: ١٠٠].
لكن الثابت ايضا ان ما هو ممنوع على المستوى العام ليس ممنوعا على المستوى الخاص. والصلة حاصلة تاريخيا وفي الواقع كما يذكر العرفانيون والبارسايكولوجيون اما بتمثل اهل الحياة السماوية (بشرا سويا) [مريم: ١٧] منظورا((٥٩٧)) او بعروج اهل الارض الى آفاقهم ((٥٩٨)).
وفي القرآن الكريم وفي السنة الشريفة ما يدل على وقوع هذه الصلة بصورتيها. ولذلك لا مجال، مع انفتاح هذه الصلة، للاشكال بما اثبته العقل والنقل من عدم خلو الارض من حجة، الامر الذي يقتضي بقاء الصلة بالامام المهدي (ع) لان بقاء الصلة لا يقتضي قطعا بقاءه بالجسد المادي فان الصلة والتسديد والرعاية والتعليم لا تفرض ذلك كما هو الامر بالنسبة لجبرائيل مثلا (ع) مع الرسل... ولذلك فهذا الراي لدى من يتبناه لا ينافي ما ورد من كون الامام (ع) حيا، ولا ينافي اضطلاعه بشؤون الامامة بالحدود التي تكون في الغيبة، ولا ينافي ظهوره المنتظر كما هو الامر في المسيح (ع).
وقد ذكروا ايضا ان الدنيا، كما ورد في الحديث، سجن المؤمن وجنة الكافر، وبقاء الامام (ع) فيها منتظرا مهمة ارضية قرونا لا يعلم احد عددها قد لا يناسب منزلته مع امكان عودته متى شاء، اذا كان اللّه اراد له ذلك.
قد يكون موتهم ارادياً
قالوا: وقد يكون انتقال الامام (ع) والخضر (ع) وعيسى (ع) إلى المستوى السماوي او موتهم اراديا لا طبيعيا استثناء من القانون العام، وان الخالع لجسده او الميت بارادته يملك ان يرجع متى شاء، والخروج من الجسد او العروج الى الرتب السماوية خصوصية يملكها الرسل والانبياء واوصياؤهم (ع) بالدرجة الاولى مع اجتباء وعصمة...وفي حديث الرسل (ع) وحديث سيدهم رسول اللّه محمد (ص) وما ورد عن الائمة من اهل البيت (ع) شواهد على ذلك.
ويملك الحكماء الكبار مع اختلاف في الدرجة تتحدد بمبدا الذات ومعادها اصلا... هذه الخصوصية كذلك.
وقد نقل العلامة الشيخ مرتضى رحمه اللّه ان الفيلسوف الاشراقي السهرودي قال: (نحن لا نعتبر الحكيم حكيما حتى يستطيع بارادته ان يخلع بدنه فيصبح ترك الجسم بالنسبة اليه امرا عاديا، وسهلا بل يصبح ملكة له..).
قال: (وينقل نظير هذا عن الحكيم المحقق المير الداماد). ((٥٩٩))
ويتحدث عدد كبير من الفلاسفة والعرفانيين والمتصوفة((٦٠٠)) والبراسايكولوجيين المعاصرين عن تجارب كثيرة توجب، لتواترها وخضوع بعضها للتحقيق، القطع بصحتها اجمالا. ((٦٠١))
ونقل الطبرسي عن بعضهم ان عيسى لم يمت وانه رفع إلى السماء من غير وفاة وتعرضوا لتاويل الايات الواردة في موته بالحمل على وفاة النوم.. ((٦٠٢)).
قالوا: وان كون حياة الامام (ع) كحياة الخضر او كحياة عيسى سماوية من غير ان يستوجب ذلك انقطاع دوره الحاضر بوصفه امام الزمان او المستقبل لما انيط به من دور عظيم في الظهور يمكن ان ينهي او يقرب وجهات النظر في بعض ما يتصل بشانه (ع).
اولا: لان اغلب المسلمين يؤمنون بحياة الخضر (ع) ونزول عيسى (ع) كما ذكرنا، فيكون شان الامام (ع) في ذلك كشانهما ويكون انكار بقائه وظهوره بهذه الصورة تفرقة دونما اساس.
ثانيا: يفسر لنا هذا الراي اقتران نزول المسيح (ع) بظهور الإمام المهدي (ع) ربما للصورة المشتركة في المجيء عن العالم نفسه وبالكيفية نفسها ولرسالة واحدة.
ثالثا: يفسر لنا ايضا ما ورد من تسمية الامام (ع) في الاخبار بـ(النذر الاكبر)، او بالقيامة الصغرى او الساعة... وان من الامور الكائنة في ظهوره لبوث الفلك او بط ءدوران الكواكب في مجموعتنا حول نفسها مما ينشا عنه طول الايام والشهور والسنين حتى ان السنة لتساوي سبع سنين او عشر سنين، ويشير بطء دوران الكواكب حول نفسها وحول محورها إلى ضعف مقاومتها لجاذبية المركز، وبالتالي قرب ارتطامها ببعضها، وقد سجل علم الفلك فناء بعض المجرات ووقوع قيامتها، وسجل فناء بعض المجاميع الشمسية في مجرتنا. فهو النذر الاكبر من حيث ما يؤديه من رسالة بصورة رجوعه وبتعليمه معا بعد طول الامد وقسوة القلوب وقرب القيامة الكبرى وابتداء البعث جزئيا.
رابعا: يدعم ما اشرنا اليه ما ذكره الشيخ المفيد رحمه اللّه من (ان اكثر الروايات تشير الى انه لن يمضي صاحب الامر (ع) الا قبل القيامة باربعين يوما يكون فيها (يعني ولايته (ع)) الفرج، وعلامات خروج الاموات، وقيام الساعة للحساب والجزاء.
خامسا: ربما وان كان قد قدمنا لذلك تفسيرا آخر يتصل باسباب التقدير ((٦٠٣)) ان ذلك هو السبب وراء عدم التوقيت وقول من سئل منهم (ع) عن ذلك: انه (ع) كالساعة لا يجليها لوقتها الا هو.
سادسا: ان ذلك ايضا يكشف لنا الفرق بين غيبته الصغرى التي كان يمكن للخلص من شيعته خلالها الصلة به، والتشرف بخدمته، حتى وصل عدد من احصوهم ممن رآه(ع) في اثنائها وهي (٧٤) عاما، (٣٠٤) اشخاص، كما قدمنا، وبين الغيبة الكبرى التي قررنا، باعتبار من جاء الى شيعته فيها مدعيا المشاهدة، كذابا مفتريا.
سابعا: وبذلك ايضا نستطيع ان نفهم سر امكان اجابته لمن استشفع به او استنجد به من المؤمنين اينما كانوا في البر والبحر ووراء الاسوار كما ورد في القصص التي قال الشيخ النوري رحمه اللّه في جنة الماوى انها متواترة توجب القطع، وكيف انه كما بينا في بحث (الغيبة الكبرى) تحت عنوان (هل يعني ذلك امكان المشاهدة؟)، انه يظهر فجاة، ويغيب فجاة بل يتحول بعد التمثل الى نور لا يرى ثم يختفي ((٦٠٤)) وقد يرى من قبل بعضهم فقط بالجلاء البصري او السمعي او القلبي، وفي ما نقلناه عن ابن طاووس ما يشير الى شيء من ذلك مما لا يمكن تصوره لو كان في جسده المادي.
ثامنا: يفسر لنا ذلك لماذا جعل الامام (ع) له قنوات خاصة محدودة للصلة تتمثل بخاصة اوليائه الذين هم اخص من خاصة شيعته، بحكم توفر الشروط الخاصة فيهم من دون غيرهم كما سبق في البحث المشار اليه آنفا.
تاسعا: يعطي هذا الراي دليلا مضافا للرجعة يتصل بدليل ظهور الامام (ع) ونزول عيسى (ع) ويجعلها مفهومة اكثر مما لو كانت لمجرد عقوبة ومثوبة بعضهم، مما يمكن تحقيقه بالبعث الشامل.
وعلى كل حال، فان جميع ما ذكرناه هنا لا يعني القطع بهذا الراي بل ولا حتى ترجيحه على الراي الذي يقول: انه حي بالحياة الارضية وبجسده المادي كما هم بقية الناس، فوقوع هذا تحت القدرة الالهية كذاك من غير فرق، واهل الايمان باللّه لا يرون ان احد الامرين اقرب من الاخر لديهم من هذه الجهة...
والحكم الحق في ذلك الى الادلة النقلية عن اهل البيت (ع)، فاذا قضت باحدهما فهو الحق، وانما اطلنا الوقوف عنده لورود الاخبار فيه عنهم (ع) ولانه كان موضع مناقشة بيني وبين بعض الاخوان، فاردت ان اجلوه بما يرفع الشبهة فيه في قضية حياة الامام (ع) واستمرار امامته وظهوره وانه لا ينافي شيئا من ذلك والا فهو اعني وفاته بالصورة الاولى، اي الطبيعة، مما رفضه العلماء وعامة الشيعة في الراي المشهور عندهم. اما الصورة الثانية، اعني ما يسمى: الموت الارادي، فهو لا يختلف عن الراي المشهور بشي ء، ولذلك بنينا الكتاب عرضا واستدلالا في الفصول السابقة على الراي الاخر الذي هو المشهور المتسالم عليه لدى علماء الامامية، رحمهم اللّه، الذين ناقشوا ما ورد من الروايات في وفاة الامام(ع) واولوها.
قال الشيخ الطوسي رحمه اللّه، بعد ان ساق بعض الاخبار التي ذكرناها اساسا لهذا الراي: (فالوجه في هذه الاخبار وما شاكلها ان نقول بموت ذكره، وباعتقاد اكثر الناس انه بليت عظامه، ثم يظهره اللّه كما اظهر صاحب الحمار بعد موته الحقيقي، وهذا وجه قريب في تاويل الاخبار على انه لا يرجع باخبار آحاد لا توجب علما عما دلت العقول عليه وساق الاعتبار الصحيح اليه وعضدته الاخبار المتواترة التي قدمناها بل الواجب التوقف في هذه والتمسك بما هو معلوم) ((٦٠٥)). قال: (وانما تاولنا بعد تسليم صحتها (اي الاخبار الواردة في ذلك) على ما يفعل في نظائرها).
قال: (ويعارض هذه الاخبار ما ينافيها) ((٦٠٦)).
ورغم اننا لا نشارك الشيخ، رحمه اللّه، رايه في كون هذا التاويل قريبا بل لا مجال لقبوله في بعضها وان الدليل العقلي الذي عضدته الاخبار المتواترة والذي يعني به عدم خلو الارض من حجة لا يصلح للمعارضة، بعد اثبات امكانية الصلة المفتوحة بينه وبين اهل الارض رغم حياته السماوية.
ولا يصلح للمعارضة ايضا التعبير بالغيبة الذي ذكره بعض الاعلام لصحة اطلاقها على المتوفى، وقد وردت عنهم (ع) في شان عيسى (ع) كما تقدم، ولكن الذي يصلح للمعارضة ما اشار اليه رحمه اللّه في آخر كلامه في ذلك، وهو وجود الاخبار المنافية، كتلك التي تبدو صريحة في كون حياته (ع) حياة ارضية وبجسمه المادي، ومنها التي تضرب له في طول عمره مثلا بنوح (ع)، وتلك التي تقول انه يحضر مجالسهم ويمشي في اسواقهم، وانه لا يبقى احد حين يخرج الا قال: قد رايته وغير ذلك مماذكرنا بعضه في البحث الثاني من الفصل الاول، ولان الموت بصورته الاولى اي الموت الطبيعي ينافي بقاء التكليف كما قال بعض الاعلام والاضطلاع بالامامة التي هي مهمة مستمرة للامام (ع) تكليف لا مجال لبقائه معه.
الراي الثالث في الرجعة: ما ذكره استاذنا المظفر رحمه اللّه، وهو (ان اللّه تعالى يعيد قوما من الاموات الى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها فيعز فريقا، ويذل فريقا، ويديل المحقين من المبطلين، والمظلومين من الظالمين، وذلك عند قيام المهدي من آل محمد عليه وعليهم افضل الصلاة والسلام، ولا يرجع الا من علت درجته في الايمان، او من بلغ الغاية من الفساد، ثم يصيرون بعد ذلك الى الموت، ومن بعده الى النشور وما يستحقونه من الثواب والعقاب) ((٦٠٧)).
قال رحمه اللّه: (والقول في الرجعة يعد، عند اهل السنة، من المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها، وكان المؤلفون منهم في رجال الحديث يعدون الاعتقاد بالرجعة من الطعون في الراوي والشناعات عليه التي تستوجب رفض روايته وطرحها.
ويبدو انهم يعدونها بمنزلة الكفر والشرك بل اشنع، فكان هذا الاعتقاد من اكبر ما تنبز به الشيعة الامامية، ويشنع به عليهم).قال: (ولا شك ان هذا من التهويلات التي تتخذها الطوائف الاسلامية في ما غير ذريعة لطعن بعضها في بعض، والدعاية ضده) ((٦٠٨)). ومن المؤسف ان ما اشار اليه الشيخ ما زال مستمرا رغم انا في عصر يسر سبل التحقيق والمعرفة واعطى كما يفترض من سعة الافق لدى اهله ما يجعلهم اقرب الى العدل والموضوعية، ولا نريد ان نعد اسماء، فضع يدك على من شئت ممن كتب من غير الامامية عنهم في التاريخ والعقائد والفرق.
لقد خلط بعضهم بين الرجعة وبين التناسخ ولا صلة بين الاثنين فالتناسخ (هو انتقال النفس من بدن الى آخر منفصل عن الاول). اما الرجعة فتعني معادا جسمانيا خاصا ومحدودا يسبق المعاد الجسماني الشامل لكل الاموات، ومن يعود فيها يعود بشخصه وبكل خصوصياته واوصافه البدنية والنفسية((٦٠٩)).
وارجع بعضهم قول الشيعة الامامية فيها الى التاثر باليهود كان وحدة بعض الافكار والمفاهيم بين الاديان السماوية ومصدرها واحد الا ما حرف منها امر يعز على الفهم وكانه لا يفسر الا بتاثر هذه بتلك، وهو جهل وسوء فهم لا يغتفر، فنحن نقول، مثلا، ان موسى وعيسى رسولان من اللّه ونؤمن بما جاءا به من عند اللّه.. لان ذلك هو الحق كما جاء به كتابنا ونبينا من دون تاثر باحد، وتلك كهذه من غير فرق.
والاشكال لدى من لا يؤمن بالرجعة، كما يفرض حسن الظن لا يرد من جهة كونها مستحيلة، او غير مقدورة للّه تعالى، والا كان المشكل كافرا باللّه تعالى، ومكذبا بكتابه، فقد تحدث الكتاب عن وقوعها جزئيا في الماضي، وتحدث عن وقوعها في المستقبل ثم ان القول بعدم امكانها يعني الكفر بالمعاد، وهو اصل من اصول الدين لدى المسلمين من دون خلاف. واذا فالاشكال انما يرد فقط من تصور عدم وجود دليل قاطع على وقوعها قبل المعاد او الحشر، ولذلك فسنذكر، في ما ياتي، من الادلة على ذلك في الكتاب والسنة مالا يوجد بعضه في كثير من المسائل التي يراها اكثر المسلمين جزءا لا يشكون فيه من الدين وبما نرى انه كاف لرد القائل فيها دونما علم وان اغلب هؤلاء بل كلهم آمهما كبروا القابا وشهرة ناقلون لا محققون كما سيثبت لك بالمقارنة بين ما قالوه في الرجعة وبين ما يسوقه الامامية من الادلة عليها في الكتاب والسنة الواردة عن اهل البيت (ع).
ادلة الرجعة لدى الامامية
وقد صنفوا الادلة المقدمة عليها الى قسمين:
القسم الاول: ما يدل على وقوع الرجعة بعد الموت جزئيا في الماضي، الامر الذي ينافي ادعاء وقوعها قبل القيامة او استبعاده.
القسم الثاني: ما يدل على انها ستقع في المستقبل وقبل القيامة الكبرى او الحشر.
القسم الاول:
وذكروا من الادلة الواردة عليه في الكتاب عدة آيات منها:
١- قوله تعالى: (الم تر الى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم اللّه موتوا ثم احياهم) [البقرة: ٢٤٣].
فقد روى المفسرون، ومنهم ابن جرير الطبري في تفسيره، عدة روايات عن ابن عباس ووهب بن منبه ومجاهد والسوي واشعث ابن اسلم البصري وعن عطاء، انها في شان قوم من بني اسرائيل هربوا من طاعون وقع في قريتهم فاماتهم اللّه، ومر بهم نبي اسمه حزقيل فوقف متفكرا في امرهم وكانت قد بليت اجسادهم فاوحى اللّه اليه: اتريدان اريك فيهم كيف احييهم؟
فاحياهم له، وروى السيوطي مثل ذلك ((٦١٠)).
٢- ومنها قوله تعالى: (واذ قلتم: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة فاخذتكم الصاعقة، وانتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) [البقرة:٥٦].
فقد روى المفسرون، ومنهم ابن جرير، انهم ماتوا جميعا بعد قولهم ذلك وان موسى لم يزل يناشد ربه عز وجل ويطلب اليه حتى رد اليهم ارواحهم ((٦١١)).
٣- ومنها: قوله تعالى: (او كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال: انى يحيي اللّه هذه بعد موتها فاماته اللّه مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال يوما او بعض يوم قال بل لبثت مئة عام فانظر الى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر الى حمارك، ولنجعلك آية للناس وانظر الى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال اعلم ان اللّه على كل شيء قدير) [البقرة:٢٥٩].
وقد ذكر المفسرون، ومنهم ابن جرير الطبري، عددا من الروايات تفيد انه عزير او ارميا مر على بيت المقدس بعد ان خربها نبوخذ نصر، فاراه اللّه قدرته على ذلك بضربه المثل له في نفسه بالصورة التي قصتها الاية ((٦١٢)).
وهناك آيات اخرى تثبت وقوع الرجعة بعد الموت اذا شاء اللّه ذلك في الانسان والحيوان، منها ما اشارت اليه الاية (٢٦٠) من البقرة والاية (٧٣) منها، ومنها ان احيا الموتى مما ذكره القرآن الكريم ضمن ما اعطى اللّه عيسى من المعجزات وكذلك الاية (٥٥) من آل عمران والاية (١١٧) من المائدة وللاجماع على رجوع عيسى (ع)..ولسنا بحاجة للاستقصاء ف آية واحدة اذا كانت نصا من القرآن الكريم بحكم كونه قطعي الصدور عن الوحي الالهي كافية لحمل المؤمن على الايمان، واذا ثبت ذلك لم يبق وجه للانكار والاستبشاع بالصورة التي تصل حد التشهير واسقاط العدالة..
القسم الثاني:
ونعني الايات التي تدل على ان الرجعة ستقع مستقبلا، وذكروا عدة آيات ايضا منها:
١ - قوله تعالى: (ويوم نحشر من كل امة فوجا ممن يكذب بياتنا فهم يوزعون) [النمل: ٨٣].
وقد اكتفى ابن جرير الطبري ((٦١٣)) والسيوطي ((٦١٤)) في تفسيرهما ببيان معاني الكلمات اللغوية لمعنى امة، وفوج ويوزعون. وامثال ذلك.. والحق: ان الاية، وهي ٨٣ من النمل، بحاجة الى وقفة تجلي موضوعها، فهذا اليوم الذي يحشر اللّه فيه من كل امة فوجا ليس يوم القيامة قطعا، بدليل ان الاية التي تاتي بعدها، وهي (٨٥) من النمل ايضا، تذكر ان نفخ الصور ياتي بعد ذلك في يوم آخر قال تعالى: (ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الارض الا من شاء اللّه وكل اتوه داخرين)[النمل: ٨٥] فلو كان يوما واحدا لما كرر الحديث بعد آية واحدة مضافا لما تدل عليه الاولى من حشر جزئي والثانية من حشر عام.
وقد وقف الطبرسي رحمه اللّه عندها كما ينبغي فقال:
"واستدل بهذه الاية على صحة الرجعة من ذهب الى ذلك من الامامية بان قال: ان دخول من في الكلام يوجب التبعيض فدل ذلك على ان اليوم المشار اليه في الاية يحشر فيه قوم دون قوم وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول فيه سبحانه: (وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا)"[الكهف: ٤٧].
وذكر تظاهر الاخبار في ذلك وهو ما سنذكره في الاستدلال بما ورد من السنة الشريفة على الرجعة ((٦١٥)).
٢ - ومنها قوله تعالى: (كيف تكفرون باللّه وكنتم امواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم اليه ترجعون) [البقرة: ٢٨].
ووجه الاستدلال انه اثبت الاحياء مرتين ثم قال بعدهما: ثم إليه ترجعون، والمراد بهذا الرجوع القيامة قطعا، والعطف ب "ثم " خصوصا ظاهر في المغايرة، فالاحياء الثاني اما الرجعة، او نظير لها، وبالجملة ففيها دلالة على وقوع الاحياء قبل القيامة بعد الموت في الجملة ((٦١٦)).
٣ - ومنها: قوله تعالى: (ربنا امتنا اثنتين واحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل الى خروج من سبيل) [المؤمن: ١١].
فهي حكاية عن قوم لم يصلحوا بموتهم وحياتهم مرتين فتمنوا الرجوع ثالثا ((٦١٧)).
وقد ورد في الاحاديث "ان المراد باحدى الحياتين والموتتين الرجعة " ((٦١٨)).
٤ - ومنها قوله تعالى: (وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون) [النور: ٥٥].
قال الشيخ الحر العاملي رحمه اللّه: "وقد وردت احاديث كثيرة بتفسيرها في الرجعة على انها نص في ذلك لا تحتمل سواها الا ان تصرف عن ظاهرها، وتخرج عن حقيقتها، ولا ريب في وجوب الحمل على الحقيقة عند عدم القرينة وليس هنا قرينة كما ترى وقد تقدم نقل الطبرسي(ر) اجماع العترة (ع) على تفسير هذه الاية بالرجعة.ومعلوم ان الافعال المستقبلة الكثيرة وضمائر الجمع المتعددة ولفظ الاستخلاف، والتمكين وابدال الخوف بالامن... وغير ذلك من التصريحات والتلويحات لا تستقيم الافي الرجعة لان ذلك مما لا يمكن نسبته الى ميت، قال رحمه اللّه ما مضمونه ولا معنى ايضا ان يكون ذلك لذرية الموعودين " ((٦١٩)).
الادلة من السنة الشريفة
قال الشيخ الطبرسي في تفسيره: (وقد تظاهرت الاخبار عن ائمة الهدى من آل محمد (ص) في ان اللّه تعالى سيعيد عند قيام المهدي قوما ممن تقدم موتهم من اوليائه،وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، ويبتهجوا بظهور دولته ويعيد ايضا قوما من اعدائه لينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل على ايدي شيعته والذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته). قال: (ولا يشك عاقل في ان هذا مقدور للّه تعالى غير مستحيل في نفسه، وقد فعل اللّه ذلك في الامم الخالية ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع، مثل قصة عزير وغيره على ما فسرناه في موضعه.
واستدل بحديث آخر روته جميع الصحاح عند اهل السنة.
فقال: (وصح عن النبي (ص) قوله: سيكون في امتي كل ما كان في بني اسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو ان احدهم دخل جحر ضب لدخلتموه)((٦٢٠)). قال الشيخ الحر رحمه اللّه (ولا ريب في بلوغ الاحاديث المذكورة (يعني في الرجعة) حد التواتر المعنوي). واورد من الاحاديث الواردة في وقوع الرجعة في الامم السابقة ٦٠ حديثا وفي وقوعها في الانبياء السابقين ٤٦ حديثا وفي وقوعها في هذه الامة ١٣١ حديثا واورد من الاخبار الواردة بالرجعة لجماعة من الانبياء والائمة (ع)١٧٨ حديثا ((٦٢١)).
الاستدلال باجماع الشيعة الامامية
قال الحر رحمه اللّه: (الرابع: اجماع جميع الشيعة الامامية، واطباق الطائفة الاثني عشرية على اعتقاد صحة الرجعة فلا يظهر منهم مخالف يعتد به من العلماء السابقين ولا اللاحقين، وقد علم دخول المعصوم في هذا الاجماع بورود الاحاديث المتواترة عن النبي (ص) والائمة (ع) الدالة على اعتقادهم صحة الرجعة حتى قد ورد ذلك عن صاحب الزمان محمد بن الحسن المهدي (ع) في التوقيعات الواردة عنه وغيرها مع قلة ما ورد عنه في مثل ذلك بالنسبة الى ما ورد عن آبائه (ع)، وممن صرح بثبوت الاجماع هنا ونقله الشيخ الجليل امين الدين ابو علي الفضل بن الحسن الطبرسي) ((٦٢٢)). والخلاصة ان الرجعة بعث جسماني، لا يختلف عن المعاد الجسماني الذي سيكون في القيامة الكبرى الا في:
اولا: ان الثاني يملك لاثباته، عدا الدليل النقلي، دليلا عقليا، فان العقل يقضي بان التكليف يقتضي وجود الجزاء، وان كان لا يلزم من ذلك ان يكون هذا الجزاء بالصورة المادية المالوفة في الارض، لولا ما ورد في القرآن والسنة من وصف مادي لهذا الجزاء اما الرجعة فادلتها نقلية فقط كما تقدم.
ثانيا: ان الثاني مما يجمع عليه المسلمون، وان كانت حجية الاجماع عندنا انما ترجع الى كشفه عما جاء به الشارع فلا يزيد ثبوت الاجماع فيها شيئا، وقد اشرنا الى ان عدم ايمان بعضهم بالرجعة يرجع الى عدم الانتباه لادلتها. ثالثا: ان المعاد في القيامة الكبرى عام وشامل، اما في الرجعة فليس كذلك كما تقدم وفي بعض الروايات انها بين يدي البعث الشامل وانها آية من الايات الكبرى التي تكون في عصر الامام (ع)، مصداقا لما ورد في الحديث عن الائمة من آبائه (ع) من انه النذر الاكبر وانه القيامة الصغرى. ويمكن ان نضمها الى الايات التي سقنا بعضها في بحث: كيف سينتصر؟

الخاتمة

والخلاصة التي انتهينا اليها من مقدمة الكتاب وفصول هذا الجزء الخمسة، وبحوثه الخمسة عشر، ان دعوى البابية والمهدوية، المناقضة في مفاهيمها ومسالكها للاسلام،انما صدرت عن الاوساط الغنوصية وعلى القواعد والتنظيرات نفسها وبالوسائل التي ذكرناها لا فرق بين الاول والاخر منهم..
وبادلة مجملة ومفصلة من داخلهم وخارجهم، لا تقبل المناقشة ستقراها في الجزء الثاني من هذا الكتاب وعن كل فئة منهم.
وانه لا بد في التصدي للرد عليهم بصورة علمية من امرين:
اولهما: دراسة الاسس النظرية، الفلسفية والدينية، لهذه الفئات متصلة بوسائلها، وتطبيقاتها الواقعية والتاريخية، ومقارنة بالعقيدة والتشريع الاسلاميين لمعرفة استقلالها عنهما ومفارقتها لهما.
وهذا ما سيتكفل به ايضا الجزء الثاني من هذا الكتاب بالقدر الذي نراه كافيا لايضاح هذه الحقيقة خاصة لغموضها لدى بعضهم.
ثانيهما: بتشخيص الامام المهدي المنتظر (ع) وظهوره ورسالته التي هي رسالة الاسلام نفسه تشخيصا دقيقا وحاسما بصورة يصبح فيها اساسا لنفي هذه الدعاوى المخالفة وهو ما تكفل به هذا الجزء الذي بين ايدينا بما خلصت اليه بحوثه من النتائج، وهي كما يلي:
الاولى: ان ظهور الامام المهدي المنتظر (ع) من اهل البيت (ومن ذرية علي وفاطمة (ع)) عقيدة اسلامية لا شيعية فقط.
الثانية: انه من ذرية الحسين السبط (ع) لا من ذرية الحسن السبط (ع) لضعف الروايات الثلاث التي استند اليها هذا الراي اسنادا، ومعارضتها بروايات متواترة تنسبه للحسين (ع). وان دعاة محمد بن عبد اللّه الحسني المعروف بالنفس الزكية هم من يتهم بوضعها شان القول بانه من ولد العباس الذي وضعه دعاة محمد بن عبد اللّه المهدي العباسي. الثالثة: انه كذلك لا اساس للقول بان اباه عبد اللّه، وانما جاء ذلك من اضافة عبارة (واسم ابيه اسم ابي) للحديث الوارد عن رسول اللّه (ص) في شانه والذي يقول فيه: (اسمه اسمي) وان هذه الاضافة جاءت في طريق واحد للحديث مقابل ٣٤ طريقا خاليا منها مضافا لمعارضتها باحاديث متواترة عن اهل البيت (ع).
الرابعة: ان الادلة التي ذكرت، في البحوث الثلاثة من الفصل الاول، والبحوث الثلاثة من الفصل الثاني، تثبت بالنص، او بالملازمة البينة بالمعنى الاخص، انه الامام الثاني عشر من ائمة اهل البيت (ع)، وبذلك تضاف الى الادلة التي نفينا بها ما ورد في: ثانيا وثالثا من القول بانه من ذرية الحسن السبط (ع) وبان اباه عبد اللّه، وتشخص الامام المهدي المنتظر بمحمد بن الحسن العسكري (ع) المولود في ١٥ شعبان سنة ٢٥٥ هـ.
الخامسة: ان اخفاء ولادته اوجبته ظروف موضوعية تتصل بحمايته من جعفر الكذاب من جهة ومن السلطة الحاكمة من جهة اخرى.
وان الاخفاء كان نسبيا وليس كما شاء بعضهم ان يصوره جهلا او تلبيسا، فقد شهده عند الولادة وبعدها عدد كبير من شيعة اهل البيت (ع) ومثل ذلك كان امر غيبته الصغرى فقد كانت نسبية ايضا، وقد احصى بعض الاعلام عدد من تشرف برؤيته فكانوا ثلاث مئة واربعة اشخاص، وقد شهده اكثر من (٤٠) ((٣٠٤))
منهم وفيهم كبار العلماء وثقاتهم في مجلس واحد في حياة ابيه الحسن (ع) ونص عليه في حضورهم جميعا بالامامة بعده وانذرهم بغيبته وانه المهدي المنتظر (ع).
وشهده بعضهم في مناسبات فردية اخرى في حياة ابيه الامام الحسن (ع) وبعدها وشهد البرهان على امامته بما صدر على يديه من معجز.
السادسة: ان الاشكال بطفولته (ع) لدى وفاة والده (ع) يرد عليه بما:
اولا: بما ذكره القرآن الكريم من شان عيسى ويحيى (ع).
وثانيا: بامامة ابويه الجواد والهادي (ع) فقد كانا في سن يقارب سن الامام (ع) ظاهرين للناس معرضين للاسئلة، بل لقد حاولت السلطة احراجهما بالاختبار فكانا آية مدهشة. ثالثا: ثم بامامته الواقعية التي خضع لها كبار العلماء وفيهم النواب الاربعة مدى ٦٨ عاما.
رابعا: وبما سجله العلماء المعاصرون من وجود امثلة كثيرة للنبوغ الفائق من جهة او اخرى لاطفال في مثل سنه (ع).
السابعة: ان تشخيصه اسما وابا وموقعا في سلسلة الائمة الاثني عشر من اهل البيت (ع) وخفاء ولادته، وغيبته صغرى وكبرى تقدم التبشير والانذار بها من قبل الرسول(ص) والائمة من اوصيائه (ع) واحدا بعد الاخر في احاديث متواترة سبقت مولده وغيبته ودون بعضها في الصحف والكتب كما قال الشيخ الصدوق رحمه اللّه قبلهما باكثر من مئتي عام.
الثامنة: ان الاحاديث التي بشرت به، وذكرته على النحو الذي ذكرناه اعلاه في سابعا تحدثت، في الوقت نفسه، عن ظهوره وعن علامات وآيات تسبقه وترافقه، وتتاخرعنه وان هذه العلامات فيها ما هو خصوصيات اجتماعية، او حضارية سكانية او علمية او كونية، او شؤون الهية تتصل به مما لا يمكن ان تكون مجتمعة لغيره مطلقا. التاسعة: اعطته هذه الاحاديث رتبة ومكانة لا يمكن تصورها الا للرسول (ص) او لاحد اوصيائه (ع) الذين هم امتداده وخلفاؤه بالمعنى الاخص، وحسبك منها صلاة المسيح (ع) خلفه. العاشرة: ان انتصار الامام المهدي المنتظر (ع) الذي يتساءل بعضهم عن كيفيته في عصر تقنيات السلاح المتطورة، والدول الكبرى، سيكون بما يرجع من الاسباب الى خصوصية العصر الذي كانت الغيبة الكبرى اصلا لانتظاره عقلية كانت او علمية او تجارب تاريخية او واقعا، يطلب بطبيعته المصلح من جهة او اخرى وبما يعطي اللّه سبحانه وتعالى الامام (ع) في عصر الظهور من امكانات خاصة وآيات معينة تظل اعناقهم لها خاضعة.
الحادية عشرة: ان دور الامام المهدي المنتظر (ع) هي الدعوة الى الاسلام كما انزل مجردا عن الاجتهادات والخلافات المذهبية وعن الاحكام الظاهرية الظنية، وتوحيد العالم على اساسه وان ذلك هو معنى الامر الجديد الذي ياتي به لا نسخ الرسالة الاسلامية كما يشاء المبتدعون من ادعياء البابية والمهدوية ان يقولوا... وذلك للادلة التالية: اولا: للثابت من ان الاسلام هو الشريعة الخاتمة التي حلالها حلال الى يوم القيامة وحرامها حرام الى يوم القيامة.
ثانيا: لان نسخها يناقض موقع الامام (ع) بوصفه وصيا للرسول (ص) وامتدادا له.
ثالثا: ان ذلك ما تثبته الروايات المتواترة عما سيفعله الامام (ع) ويقوم به لدى الظهور.
الثانية عشرة: ان عصر الامام (ع) متصل بالساعة او القيامة الكبرى بكل ما ذكر لها من علامات، وانها ستكون كما ورد في الاحاديث مبتدئة في عصره بالبعث الجزئي المسمى بالرجعة، ثم بعد رحيله (ع) باربعين يوما تقوم القيامة الكبرى...
ولا مجال مع كل هذه النقاط الى ان يشتبه (ع) بغيره من اية جهة، وبذلك يكون كل ما تقدم في هذا الكتاب بفصوله الخمسة وبحوثه الخمسة عشر التي شخصت الامام ذاتا وموقعا وغيبة صغرى وكبرى وعلامات وآيات تحف ظهوره اساسا كما شئنا له في النفي والاثبات في محاكمة ما يجيء به ادعياء البابية والمهدوية وهو المقصود...
والحمد للّه رب العالمين كما هو اهله والصلاة والسلام على خاتم رسله وآله الطيبين الطاهرين وعلى صحابته المخلصين...

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016