عدم تنافي الغيبة مع الغرض الإلهي من نصب
الإمام (عليه السلام)
السيد علي الموسوي المشعشعي
مجلة الموعود - العدد (٢٠)
ربيع الأوَّل ١٤٤٨هـ / آب ٢٠٢٦م
الجهة الأولى: تقرير قاعدة اللطف
الإلهي:...................١٦٩
الجهة الثانية: أنحاء اللطف
في النصوص وأقوال العلماء:...................١٧١
١ - نفس وجود الإمام لطف
أصلي به قوام نظام الكون:...................١٧١
٢ - تصرف الإمام لطف
كمالي:...................١٧٢
الجهة الثالثة: الغيبة لا
تؤدِّي لخلو الأرض من الحجة:...................١٧٣
الجهة الرابعة: الغيبة جناية
بشرية:...................١٧٣
جواب إشكالية تغلُّب مشيئة
البشر على المشيئة الإلهية:...................١٧٥
الجهة الخامسة: وظائف الإمام
(عليه السلام) حال غيبته:...................١٧٦
إنَّ
مما يثار قديماً وحديثاً قول العامة: إنَّ غيبة الإمام الثاني عشر تناقض الغرض
الإلهي من نصبه، ووفقاً لرأي الإمامية، فإنَّ الإمامة تُعدّ لطفاً واجباً على الله
(عزَّ وجلَّ).
لذا، إذا كان الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) مستتراً، كان الله تعالى مخلاً -
حسب زعمهم - بالواجب وناقضاً للغرض من نصبه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وللجواب عن ذلك لابدَّ من التطرُّق لعدَّة جهات نذكرها إجمالاً:
الجهة الأولى: تقرير قاعدة اللطف
الإلهي:
إنَّ اللطف الإلهي، في اصطلاح متكلِّمي الإمامية، هو كلّ ما يدعو المكلَّف إلى فعل
الطاعة وترك المعصية بحيث يجعله أقرب إلى امتثال الأوامر وأبعد عن النواهي، دون
إجبار أو إكراه، ويشمل التوفيق، الهداية، إرسال الحجج، من الأنبياء والأوصياء في
صنع التدبير لحفظ المصالح وتجنُّب المفاسد وقد قُسم إلى قسمين:
اللُّطف المحصِّل: هو القيام بالمبادئ والمقدّمات التي يتوقَّف عليها تحقُّق غرض
الخلقة، وصونها عن العبث واللغو، بحيث لولا القيام بهذه المبادئ
والمقدّمات من جانبه سبحانه، لصار فعله فارغاً عن الغاية لعدم تمكُّن العبد من
الطاعة من دون هذا اللطف، وناقَضَ حكمته التي تستلزم التحرُّز عن العبث، وذلك كبيان
تكاليف الإنسان، وإعطائه القدرة على امتثالها.
اللُّطف المقرِّب: هو القيام بما يكون محصلاً لغرض التكليف بحيث لولاه لما حصل
الغرض منه وذلك كالوعد، والوعيد، والترغيب والترهيب، التي تستتبع رغبة العبد إلى
العمل، وبعده عن المعصية(١).
أي أنَّ العبد يتمكَّن من الطاعة لكن اللُّطف المقرب يزيد من فرصها ويسهل الأمر
لها.
وقد ذكر السيِّد المرتضى: (إنَّ علَّة الحاجة إلى الإمام هي أنْ يكون لطفاً
للرعيَّة في الامتناع من القبيح وفعل الواجب)(٢).
وقال العلامة الحلّي: (اللطف هو ما يكون المكلَّف معه أقرب إلى فعل الطاعة وأبعد من
فعل المعصية، ولم يكن له حظّ في التمكين ولم يبلغ حدِّ الإلجاء، واحترزنا بقولنا:
ولم يكن له حظّ في التمكين، عن الآلة، فإنَّ لها حظًّا في التمكين وليست لطفاً،
وقولنا: ولم يبلغ حدِّ الإلجاء؛ لأنَّ الإلجاء ينافي التكليف، واللطف لا ينافيه،
هذا اللطف المقرِّب)(٣).
فأصل نصب الإمام هو من اللطف، وحتَّى يتم، لابدَّ من أمرين:
١ - تعيينه ونصبه من قبل الله (عزَّ وجلَّ) وقد تمَّ ذلك.
٢ - انقياد الرعية له بالامتثال لأوامره ولم يحصل فكان عدم تمامه منّا، على ما
سيأتي بيان تفصيل ذلك إن شاء الله (عزَّ وجلَّ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١)
الإلهيات ٣: ٥١-٥٣؛ بحوث في الملل والنحل: ٣: ٥٠٥-٥٠٨.
(٢) المقنع في الغيبة: ص٣٦.
(٣) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ٤٤٤.
الجهة الثانية: أنحاء اللطف في
النصوص وأقوال العلماء:
١ - نفس وجود الإمام لطف أصلي به
قوام نظام الكون:
إنَّ وجود الإمام بنفسه يغذِّي ديمومة بقاء المجتمع البشري لبقائه على صلاحه ومن
دونه تسيخ الأرض بأهلها على ما قرَّره فخر المحققين الخواجة نصير الدين الطوسي
بقوله: (وجوده لطف وتصرفه لطف آخر، وعدمه منا)(٤)، أي إنَّ أصل وجوده لطف به قوام
نظام الكون وهو أمانٌ لأهل الأرض كما تم الإشارة له في الآثار عن الأئمة الأطهار
(عليهم السلام) نذكر بعضاً منها:
١ - ما رواه الصدوق في (العلل) بالإسناد عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قلت لأبي
جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام): لأي شيء يحتاج إلى النبي (صلَّى الله
عليه وآله) والإمام؟ فقال: «لبقاء العالم على صلاحه وذلك أنَّ الله (عزَّ وجلَّ)
يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبي أو إمام، قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَما
كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقال النبي
(صلَّى الله عليه وآله): النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا
ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون،
يعني بأهل بيته الأئمة الذين قرن الله (عزَّ وجلَّ) طاعتهم بطاعته، فقال: ﴿يا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي
الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وهم المعصومون المطهرون الذين لا يذنبون
ولا يعصون وهم المؤيَّدون الموفقون المسددون، بهم يرزق الله عباده، وبهم تعمر
بلاده، وبهم ينزل القطر من السماء، وبهم يخرج بركات الأرض، وبهم يمهل أهل المعاصي
ولا يعجل عليهم بالعقوبة والعذاب، لا يفارقهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) تجريد الاعتقاد: ص٢٨٥.
روح
القدس ولا يفارقونه، ولا يفارقون القرآن ولا يفارقهم صلوات الله عليهم أجمعين»(٥).
٢ - وما رواه الكليني بالإسناد عن أبي حمزة، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال (عليه السلام): «لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت»(٦).
٣ - وما رواه الكليني والصدوق بالإسناد عن أبي هراسة، عن أبي جعفر (عليه السلام)
قال: «لو أنَّ الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها، كما يموج البحر بأهله»(٧).
٤ - وما رواه أبو سعيد العصفري عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه
السلام) قال: سمعته يقول: «لو بقيت الأرض يوماً بلا إمامٍ منَّا لساخت بأهلها
ولعذَّبهم الله بأشدِّ عذابه، إنَّ الله تبارك وتعالى جعلنا حجة في أرضه وأماناً في
الأرض لأهل الأرض، لم يزالوا في أمان من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم،
فإذا أراد الله أن يهلكهم ثم لا يمهلهم ولا ينظرهم ذهب بنا من بينهم ورفعنا إليه،
ثم يفعل الله ما شاء وأحب»(٨).
٢ - تصرف الإمام لطف كمالي:
إنَّ تصرف الإمام لطف كمالي، فلو مُنع الإمام من القيام بمهام الولاية فلا ينتفي
أصل الغرض من نصبه كما أشار إليه فخر المحققين الشيخ نصير الدين الطوسي قائلاً:
(وجوده لطف وتصرفه لطف آخر، وعدمه منا)(٩)، أي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥) علل الشرائع: ج١، ص١٢٤.
(٦) الكافي: ج١، ص١٧٩.
(٧) الكافي: ج١، ص١٧٩؛ كمال الدين: ص٢٠٢.
(٨) الأصول الستة عشر: ص١٤٠.
(٩) تجريد الاعتقاد: ص٢٨٥.
إنَّ
قيادته للأُمة لطف آخر، لذا لما منع الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) من القيام
بمهام الولاية فلم ينتفِ اللطف الإلهي، فكان عدم هذا اللطف وانقطاعه منّا لا من
الله (عزَّ وجلَّ) ولا من الإمام، كما أشار إلى ذلك العلامة الحلي قائلاً: (ما يجب
على الرعية، وهو مساعدته والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله، وهذا لم تفعله
الرعية، فكان منع اللطف الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام)(١٠).
الجهة الثالثة: الغيبة لا تؤدِّي
لخلو الأرض من الحجة:
إنَّ غيبة الإمام لا تؤدِّي لخلو الأرض من الحجة لله (عزَّ وجلَّ)، كما تمَّ
الإشارة إليه في الحديث المعروف لدى كلا الفريقين: «لا تخلو الأرض من حجة لله فيها
ظاهر مشهور أو غائب مستور، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته»، وفي لفظٍ آخر: «لا تخلو
الأرض من قائم لله بحجة إمَّا ظاهر مشهور وإمَّا خائف مغمور، لئلا تبطل حجج
الله وبيناته فيكم»(١١).
الجهة الرابعة: الغيبة جناية بشرية:
إنَّ الغيبة ليست مخطّطاً سماوياً وإنَّما هي جناية بشرية والعمل البشري لا يكون
نقضاً للغرض السماوي، ولها سببان:
السبب الأوَّل: منع أئمة الجور:
إنَّ المانع من تصرفه هو ظلم الطغاة الذي كان سبباً لاختفائه، لكن، لا يمكن اعتبار
الجريمة البشرية نقضاً للهدف السماوي كما أشار إليه الشريف المرتضى قائلاً: (إذا لم
يظهر لإخافة الظالمين له ولأنَّهم أحوجوه إلى الغيبة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) كشف المراد: ص١٨٥.
(١١) أمالي الصدوق: ص٢٥٣؛ كمال الدين: ص٢٨٩-٢٩٤؛ حلية الأولياء: ج١، ص٧٩؛ تاريخ
دمشق: ج٥٠، ص٢٥٤.
والاستتار، كانت الحجة في فوت المصلحة به عليهم، فكانوا هم المانعين أنفسهم من
الانتفاع به، وإذا عدمت عين الإمام ففات المكلّفين الانتفاع به كانت الحجة في ذلك
على من فوتهم النفع به)(١٢).
وقد دلَّت الآثار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) أنَّ من أسباب الغيبة هو الخوف
من قتل أئمة الجور كما رواه الكُليني بالإسناد عن زُرارة، قالَ: سمعتُ أبا عبدِ
الله (عليه السلام) يقولُ: «إنَّ للقائمِ غيبةً قبلَ أن يقوم، إنَّه يخافُ - وأومأ
بيدِه إلى بطنِه يعني - القتل»(١٣).
ورواه الصدوقُ بسندِه عن أبي عبدِ الله (عليه السلام) قالَ: قالَ رسولُ الله (صلَّى
الله عليه وآله): «لابدَّ للغُلامِ مِن غيبةٍ، فقيلَ له: ولمَ يا رسولَ الله؟ قالَ:
يخافُ القتل»(١٤).
ومن الأمثلة على ذلك أنَّ الهدف من نصب أمير المؤمنين (عليه السلام) للخلافة هو
إقامة دولة العادل الإلهي، هذا هو المخطَّط السماوي، لكن الطغاة اغتصبوا حقَّه
ومنعوه من قيامه بمهام الخلافة، حتَّى وصل الحال إلى قتله، فكذلك نصب الحجة المهدي
(عجَّل الله فرجه) إماماً بعد أبيه الحسن العسكري (عليه السلام) لم يكن الغرض منه
أن يغيب هذه الغيبة، بل كان مخطَّطاً أن يبقى حاضراً بين الناس ويقوم بتحقيق أهداف
الإمامة، ولكن الطغاة هجموا عليه لقتله فاستتر.
والسبب الآخر: تخاذل الأُمَّة عن نصرته:
إنَّ عدم قيام الأُمَّة بنصرته والدفاع عنه، كان سبباً لغيبته، فكان منع اللُّطف
الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام(١٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) الشافي في الإمامة: ج١، ص١٤٦.
(١٣) الكافي: ج١، ص٣٤٠.
(١٤) عِللُ الشرائِع: ج١، ص٢٤٣.
(١٥) كشف المراد: ص١٨٥.
فغيبة
الإمام الحجة (عجَّل الله فرجه) نتيجة جناية بشرية وتقصير من الأُمَّة الإسلامية،
وليست الغيبة مخطَّطاً سماوياً ليقال: إنَّ هذه الغيبة نقض للغرض من نصب الإمامة.
جواب إشكالية تغلُّب مشيئة البشر
على المشيئة الإلهية:
أقول: وبعد أنْ بينَّا أنَّ سبب غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) عمل بشري لا سماوي،
فلابدَّ من إزالة المشكل القائل إنَّ هذا القول يترتَّب عليه تغلُّب مشيئة البشر
على المشيئة الإلهية، فنقول: إنَّ المشيئة البشرية عند الشيعة لا يمكن أن تتغلَّب
على المشيئة الإلهية، وبيان ذلك من وجهين:
أحدهما: أنَّ المشيئة الإلهية هي التي تعطي الاقتضاء لمشيئة الإنسان، فإذا شاء
شئنا، كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَما تَشاؤُونَ إِلَّا أَنْ
يَشاءَ اللهُ﴾ [الإنسان: ٣٠؛ التكوير: ٢٩]، هذا يعني أنَّ مشيئتنا البشرية
هي جزء من النظام الكلي الذي أراده الله وقدَّره، ولا يمكن أن تتغلَّب على المشيئة
الإلهية أو تخرج عن نطاقها.
والآخر: أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يأمر العبد ويريد منه أن يتبع أوامره، فعندما يلتزم
بتلك الأوامر، فإنَّه سَمَحَ له، ورضي به، ووعده بالجنة أو النعيم، وإذا لم يتبع
أوامره فهو (عزَّ وجلَّ) سَمَحَ له، ولم يرْضَ به، ووعده بالنار أو العذاب كما
أُشير له في قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾
[البلد: ١٠]، روى الكليني بسنده: عن حمزة بن محمد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)
قال: سألته عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَهَدَيْناهُ
النَّجْدَيْنِ﴾ قال: «نجد الخير والشر»(١٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) الكافي: ج١، ص١٦٣.
باختصار، الغيبة هي نتيجة لتفاعل بين حكمة الله (عزَّ وجلَّ) ومشيئته من جهة، وبين
تقصير البشر وظلمهم من جهة أخرى، وهذا لا يعني أبداً أنَّ المشيئة البشرية قد
تغلَّبت على المشيئة الإلهية، بل هي جزء من التدبير والحكمة الإلهية، وترتبط أيضاً
بأفعال البشر وظلمهم.
الجهة الخامسة: وظائف الإمام (عليه
السلام) حال غيبته:
إنَّ وجه الانتفاع بالإمام في غيبته من جهات كثيرة، منها - على سبيل المثال -:
١ - الإمام شاهد على الخلق:
من وظائفه أن يكون شهيداً على أعمال الخلائق كما أُشير له في الآية: ﴿وَكَذلِكَ
جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣]، فقد روى الكليني والصفار
بالإسناد عن بريد العجلي أنَّه سئل مولانا الباقر والصادق (عليهما السلام) عن قول
الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ﴾ قالا (عليهما السلام): «نحن الأُمَّة
الوسطى ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه»(١٧).
٢ - الإمام هادٍ بأمر الله تعالى:
إنَّ الإمام (عليه السلام) من خلال ولايته التكوينية على النفوس يمتلك القدرة على
إيصال نور الهداية إلى القلوب بطريقة غيبية ملكوتية، وهو ما يُعرف بالهداية الأمرية
كما أُشير له في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً
يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ
الصَّلاةِ﴾ [الأنبياء: ٧٣].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧) الكافي: ج١، ص١٩٠؛ بصائر الدرجات: ص٨٤.
وقوله
تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾
[السجدة: ٢٤]، فقد روى الخزاز القمي بسنده: عن زيد بن علي (عليه السلام)، قال: كنت
عند أبي علي بن الحسين (عليه السلام) إذ دخل عليه جابر بن عبد الله الأنصاري،
فبينما هو يحدِّثه إذ خرج أخي محمد من بعض الحجر، فأشخص جابر ببصره نحوه ثم قام
إليه فقال: يا غلام أقبل فأقبل، ثم قال: ادبر فأدبر، فقال: شمائل كشمائل رسول الله
(صلَّى الله عليه وآله)، ما اسمك يا غلام؟ قال: «محمد»، قال: ابن من؟ قال: «ابن علي
بن الحسين بن علي بن أبي طالب»، قال: أنت إذاً الباقر، قال: فانكبَّ عليه وقبَّل
رأسه ويديه، ثم قال: يا محمد إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقرئك السلام،
قال: «على رسول الله أفضل السلام وعليك يا جابر بما أبلغت السلام»، ثم عاد إلى
مصلاه، فأقبل يحدِّث أبي ويقول: إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قال لي
يوماً: «يا جابر إذا أدركت ولدي الباقر فاقرأه مني السلام، فإنَّه سميي وأشبه الناس
بي، علمه علمي وحكمه حكمي، سبعة من ولده أمناء معصومون أئمة أبرار، والسابع مهديهم
الذي يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ثم تلا رسول الله (صلَّى
الله عليه وآله): ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ
بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ
وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]»(١٨).
٣ - الإمام حافظ للدين:
من وظائف الإمام حفظ الدين من التحريف الكامل؛ وحفظ الدين له أسبابه، ومن أسباب حفظ
الدين وجود المعصوم القادر على حفظه من أن تدنَّس أيدي التلاعب والتزوير والتحريف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨) كفاية الأثر: ص٣٠٣.
أقول:
بعد أنْ أوضحنا بعض وظائف الإمام في غيبته يتَّضح أنَّ عدم العلم بآثاره لا ينقض
الغرض، إذ ليس هو علماً بالعدم أي وجه الانتفاع به في غيبته هو كالشمس إذا جلَّلها
السحاب كما أُشير إلى ذلك في الأخبار نذكر بعضاً منها:
١ - روى الصدوق والخزاز بالإسناد عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سمعت جابر بن عبد
الله الأنصاري يقول: يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال (عليه
السلام): «إي والذي بعثني بالنبوة، إنَّهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في
غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلَّلها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سرِّ الله،
ومخزون علمه، فاكتمه إلَّا عن أهله»(١٩).
٢ - روى الصدوق بسنده عن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال: «... نحن أمان لأهل
الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع
على الأرض إلَّا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها وبنا ينزل الغيث، وتنشر
الرحمة، وتخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها»، ثم قال: «ولم تخل
الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى
أن تقوم الساعة من حجة الله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله»، قال: سليمان، فقلت
للصادق (عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: «كما ينتفعون
بالشمس إذا سترها السحاب»(٢٠).
٣ - روى الصدوق بسنده عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري (رضي الله
عنه) أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) كمال الدين: ص٢٥٣؛ كفاية الأثر: ص٥٥.
(٢٠) كمال الدين: ص٢٠٧؛ أمالي الصدوق: ص٢٥٣.
عليَّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): «... وأمَّا وجه
الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيَّبتها عن الأبصار السحاب، وإنِّي
لأمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء»(٢١).
والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على خير الخلق محمد وعلى آله الطاهرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) كمال الدين: ص٤٨٥.
