العدد ٣ / جمادى الآخرة / ١٤٣٨ هـ

 

 

مجلة الموعود

 

العدد (٣)

 

جمادى الآخرة ١٤٣٨هـ / آذار ٢٠١٧م

 

 

الفهرس

تمهيدنا...................٥

محوريَّة التمهيد في المنظومة المهدوية

رئيس التحرير

---

بدائل الصراع...................١١
السيِّد محمّد علي الحلو

العقل المستبدّ.. الباكورة المبكرة:..................١١
إذن ماذا يعني مفهوم الإصلاح؟..................١٩
مقارنتان في الاتّجاه العالمي:..................٢٠
فكرة الانتظار والأمل الموعود:..................٢١
ما الذي تُقدّمه الأطروحة المهدوية؟..................٢٢
المستوى الأوَّل: الأمن السياسي:..................٢٢
المستوى الثاني: الأمن الاقتصادي:..................٢٣
المستوى الثالث: الأمن الاجتماعي:..................٢٣

قراءة معاصرة للنصِّ المهدوي...................٢٧

حسن هادي سلمان النجفي

مقدَّمة:..................٢٧
النصّ الديني متعدّد الطبقات والوجوه:..................٣٠
البراكسيماتيك أو علم الاستعمال:..................٣٧
العُملات (praxèmes):..................٤١
الروابط أو العوامل (parapraxémes):..................٤٢
القرائن النصّية، أو الأدوات السياقية (metapraxémes):..................٤٣
أُنموذج لإعادة القراءة طبقاً للمنهج البراكسيماتيكي:..................٤٣
تحليل النصّ:..................٤٤
تمييز المحتوم من غير المحتوم:..................٤٧

البيان في ردِّ من أشكل على صاحب الزمان (عليه السلام)...................٦١

الشيخ نزار آل سنبل القطيفي

تعارض الهداية مع الغيبة:..................٦١
الجواب النقضي:..................٦٢
الجواب الحلّي:..................٦٣
طول العمر:..................٦٥
والجواب عليه من وجهين:..................٦٥
الوجه الأوَّل: عدم دلالة العقل على امتناع البقاء مدَّة طويلة في الحياة:..................٦٥
الوجه الثاني: عدم دلالة غير العقل على امتناعه:..................٦٥
طول العمر وفق الطبّ الحديث:..................٦٧
وقفتان:..................٦٨
الوقفة الأُولى: مع بقاء نبيِّ الله يونس (عليه السلام) إلى يوم يُبعَثون:..................٦٨
الوقفة الثانية: مع الدجّال:..................٦٨
وظيفة الأمَّة في الغيبة الكبرى:..................٦٩
السرداب واتِّهام المؤرِّخين:..................٧٠
وإليك نصوص جماعة منهم لتقف على حجم الافتراء والتشنيع:..................٧٠
نصوص المخالفين:..................٧٠
ردود أعلام الإماميَّة:..................٧٢
وهنا نذكر بعض ردود الأعلام - أعلى الله في الجنان مقامهم:..................٧٢
وقفة مع منشأ المنع من لطف الإمام (عليه السلام):..................٧٤

إمامة الإمام المهدي (عليه السلام) بين الوجوب العقلي والنصّ...................٧٩

مرتضى علي الحلّي

تَمهيدٌ مَفاهيمي:..................٧٩
المبحثُ الأوَّلُ: أدِلَّةُ الوجوبِ العقلي على إمامةِ الإمامِ المَهدي (عليه السلام)..................٨٤
الدليل الأوَّل: دليلُ اللُطفِ:..................٨٤
مفهوم اللطفِ في علمِ الكلام:..................٨٤
بيانُ وجوبِ اللطفِ على اللهِ تعالى عَقلاً:..................٨٥
أحكامُ اللطفِ الإلهيِّ:..................٨٦
هناك أحَكام تُستَوجَبُ في اللطفِ الإلهي هي:..................٨٦
عرض دليل اللطف:..................٨٧
الدليل الثاني: دليل الاضطرارِ:..................٩٤
الدليل الثالث: دليل استحالة الإهمال على اللهِ تعالى:..................٩٥
المبحث الثاني: دليل النصِّ على الإمام المنصوب وجوباً على اللهِ عقلاً:..................٩٦
ثمّ يقول (رضوان الله تعالى عليه) بشأنِ تلك الروايات:..................١٠١
وهكذا يَخلصُ السيِّد الشهيد (رحمه الله) إلى القولِ أخيراً:..................١٠٢
مصادر البحث..................١٠٦

اللقاء بالإمام المهدي (عليه السلام) بين الإثبات والنفي...................١٠٩
(دراسة توفيقية بين الروايات والقواعد العامَّة والوقائع الخارجية)

الشيخ مشتاق الساعدي

مقدَّمة:..................١٠٩
الأدلَّة في المقام:..................١١٣
صور وحالات اللقاء:..................١١٣
الصورة الأُولى: الخفاء شخصاً وعنواناً:..................١١٣
الصورة الثانية: الوضوح شخصاً لا عنواناً:..................١١٧
الصورة الثالثة: الوضوح شخصاً وعنواناً بلا تعايش وتواصل دائم:..................١٢٠
الصورة الرابعة: الوضوح شخصاً وعنواناً مع التعايش:..................١٢٢
النتيجة:..................١٢٣
دعم النتيجة:..................١٢٤
بيان التشبيه بالشمس المجلَّلة بالسحاب يومي إلى أُمور:..................١٢٤
تتمَّة:..................١٢٧
بطلان دعوى السفارة والنيابة الخاصَّة من ضروريات المذهب:..................١٢٧

الإمام المهدي (عليه السلام) وقبول التوبة...................١٣١

نصرت الله آيتي

المقدّمة:..................١٣١
الضابطة الكلّية للتوبة في القرآن الكريم:..................١٣٤
الرؤية الأولى: قبول الإمام المهدي (عليه السلام) التوبة:..................١٣٩
الرؤية الثانية: عدم استتابة الإمام المهدي (عليه السلام) للمنحرفين:..................١٤٨
النتيجة:..................١٧٥
المصادر..................١٨٢

الدعاوى المزيَّفة - جذورها التاريخية وطرق مقاومتها...................١٨٥

الشيخ حسين الأسدي

المدخل:..................١٨٥
النقطة الأُولى:..................١٨٥
النقطة الثانية: ما هي الحاجة إلى إثبات الرأي؟..................١٨٧
الفصل الأوَّل: الجذور التاريخية للدعاوى المزيفة:..................١٨٨
النمط الأوَّل: الدعاوى الأرضية:..................١٨٩
النمط الثاني: الدعاوى السماوية:..................١٨٩
القضيَّة المهدوية لم تسلم من الادِّعاءات الباطلة:..................١٩١
الفصل الثاني: طرق مقاومة الدعاوى المزيَّفة:..................١٩٣
طرق النقاش في القضايا المهدوية:..................١٩٥
الطريق الأوَّل: الطريق الفكري:..................١٩٥
ومن هنا، فإنَّ الحوار في القضيَّة المهدوية له أساساته وأُصوله الموضوعية، وخلاصتها التالي:..................١٩٦
مثال لهذا الطريق:..................١٩٦
الطريق الثاني: الطريق الخطابي:..................١٩٨
تطبيق في القضيَّة المهدوية:..................٢٠٠
الطريق الثالث: طلب المعجزة:..................٢٠١
ومن هذه الإشارات نفهم:..................٢٠٤
الطريق الرابع: الإهمال:..................٢٠٤
الطريق الخامس: الاستهزاء:..................٢٠٥
الفصل الثالث: آداب الحوار:..................٢٠٨
الأدب الأوَّل: الهدفية الإلهية:..................٢٠٨
الأدب الثاني: تحديد محلّ النزاع:..................٢٠٩
الأدب الثالث: تحديد مصادر إثبات الرأي:..................٢٠٩
الأدب الرابع: الأهلية العلمية:..................٢١٠
الأدب الخامس: الجوّ المناسب:..................٢١٠
الأدب السادس: الصبر:..................٢١١
الخاتمة:..................٢١١

البصيرة الأخلاقية في عصر الظهور...................٢١٥

(الآليات والأساليب)

بقلم: رحيم كارگر
تعريب: حسن مطر

المدخل:..................٢١٥
أدوات الوصول إلى البصيرة الأخلاقية:..................٢١٨
١ - الاتّجاه الثقافي - الإعلامي الجامع:..................٢١٨
١/١ - بناء الثقافة الجامعة:..................٢١٨
١/٢ - توظيف الهداية الكلامية:..................٢١٩
١/٣ - حُسن تطبيق القوانين الإلهية والمسائل الأخلاقية:..................٢٢١
٢ - الاتّجاه المتمحور حول العقل:..................٢٢١
٢/١ - تطوّر العقل الفردي والجمعي:..................٢٢٢
٢/٢ - بلورة الفكر القرآني (الفكر القرآني الواحد):..................٢٢٦
٢/٣ - تعليم الحكمة المقدَّسة:..................٢٢٧
٢/٤ - تنظيم المعلومات الأصيلة:..................٢٢٨
٣ - اتّجاه بناء الشخصية:..................٢٢٩
٣/١ - النفوذ المعنوي (آلية الولاية التكوينية):..................٢٢٩
٣/٢ - الارتقاء الجذري (ازدهار الفطرة الإنسانية):..................٢٣١
٣/٣ - إصلاح الهوية والمنزلة الأصيلة:..................٢٣١
٣/٤ - الغنى الروحي (الاستغناء الحقيقي):..................٢٣٣
٤ - الاتّجاه الأخلاقي:..................٢٣٤
٤/١ - تطبيع الإنسان (بناء السلوك على الأخلاق):..................٢٣٥
٤/٢ - تطهير النفوس (التطهير والتزكية الباطنية من الأدران):..................٢٣٥
٤/٣ - التأكيد على الماهية (العبادية) للإنسان:..................٢٣٦
٤/٤ - علاج الأمراض الروحية:..................٢٣٨
٥ - الاتّجاه السياسي والحكومي:..................٢٣٩
٥/١ - تطبيق السياسة الفاضلة:..................٢٣٩
٥/٢ - إصلاح أخلاق المسؤولين:..................٢٤١
٥/٣ - السيطرة والرقابة الشاملة:..................٢٤٢
٥/٤ - رفع الموانع وتغيير العناصر الثقافية السلبية:..................٢٤٣
أ - البُعد ما وراء الإنساني:..................٢٤٣
ب - البُعد المؤسَّساتي:..................٢٤٤
ج - البُعد الإنساني:..................٢٤٤
٥/٥ - القضاء على الفقر المادّي لإصلاح المطالب:..................٢٤٥
٦ - الاتّجاه الاجتماعي:..................٢٤٦
٦/١ - إضاءة على المحيط الاجتماعي:..................٢٤٦
٦/٢ - الدور والآلية المعيارية للصالحين والأتقياء:..................٢٤٧
٦/٣ - اجتثاث الشرور من المجتمع (سيادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر):..................٢٤٩
٦/٤ - الاتِّحاد البشري المعقول:..................٢٥٠

التعدّدية الدينية وعصر الظهور...................٢٥٧

بقلم: حسن پناهي آزاد
تعريب: حسن مطر

ماهيَّة التعدّدية الدينية:..................٢٥٧
الجذور التاريخية للتعدّدية الدينية:..................٢٥٨
النظرية الأولى: نظرية المذهب الانحصاري:..................٢٥٩
النظرية الثانية: نظرية المذهب الشمولي:..................٢٦٠
التعدّدية:..................٢٦١
بعض الأدلَّة على التعدّدية الدينية:..................٢٦٢
أ - التفكيك والفصل بين الوجود والظهور:..................٢٦٢
ب - تنزيل الدين إلى مستوى التجربة الدينية:..................٢٦٣
ج - الفصل بين جواهر الدين وأصدافه:..................٢٦٥
عدم انسجام التعدّدية الدينية مع الأسس الكلامية في الإسلام:..................٢٦٦
الفكر المهدوي والتعدّدية الدينية:..................٢٦٨
التعدّدية الدينية وتعدّد الأديان في عصر الظهور:..................٢٧٢
أ - فرضية اعتناق جميع الناس للدين الإسلامي الحنيف:..................٢٧٣
ب - فرضية إسلام الغالبية العظمى من سكّان الكرة الأرضية:..................٢٧٣
مصير أهل الكتاب:..................٢٧٨
أ - العودة إلى الدين غير المحرَّف:..................٢٧٨
ب - القتل:..................٢٧٨
ج - دفع الجزية:..................٢٧٩
مفهوم المنقذ والتعدّدية الدينية في الأديان الأخرى:..................٢٨١
أ - الزرادشتية:..................٢٨١
ب - اليهودية:..................٢٨٢
ج - المسيحية:..................٢٨٥
النتيجة:..................٢٨٦

المذهب التناسخي يعود بلباس الرجعة الروحية / القسم الأوَّل...................٢٩٩

الشيخ حميد الوائلي

حاجة المجتمع إلى الخبير:..................٢٩٩
بيان بعض المعاني والمفاهيم ذات الصلة بالبحث:..................٣٠٢
١ - الرجعة:..................٣٠٢
الرجعة في اصطلاح أهل التخصّص:..................٣٠٣
٢ - التناسخ:..................٣٠٤
للتناسخ ثلاث صور:..................٣٠٥
٣ - التأييد: ..................٣٠٥
٤ - النفس والروح:..................٣٠٦
أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) تحتاج للعرض على المتخصِّص:..................٣٠٧
الأقسام المتصوّرة للرجعة:..................٣٠٩
رجعتان أم رجعة واحدة؟..................٣١٦
الفصل الأوَّل: خالف تُعرَف:..................٣١٦
الفصل الثاني: تعريف البدن وتقسيمه:..................٣١٧
الفصل الثالث: الدافع وراء هذا القول:..................٣١٨
الفصل الرابع: حقيقة تقسيم الرجعة إلى المادّية والروحية...:..................٣١٩
المعاد وإفادته الرجعة المادّية:..................٣٢١
الفصل الخامس: ..................٣٢٣
تعريف التناسخ:..................٣٢٧
أقسام التناسخ:..................٣٢٩
الدليل الثاني على عدم وجود الرجعة الروحية:..................٣٣٣
إذن ثبت من كلِّ ما تقدَّم:..................٣٣٥

 

تمهيدنا

محوريَّة التمهيد في المنظومة المهدوية

 

رئيس التحرير

 

بعد أن استوطنت البشرية الأرض نمت فكرة التمهيد بنموِّها وتوسَّعت بتوسّعها إلى أن غدت من أكبر المفاهيم وأكثر المعاني تجسيداً في حياة الإنسان.
فآمنت الشعوب بعملية التمهيد، والتي تُعتَبر المرحلة المتوسِّطة لتحقيق الأهداف.
فأيُّ فكرة بشرية لا بدَّ أن تمرَّ بمراحل ثلاث تتخلَّل كلّ واحدة منها مجموعة من المنظومات المعرفية والسلوكية.
وهذه المراحل هي:
الأُولى: وهي مرحلة الفكرة التي ينشدها شعب ما.
الثانية: وهي مرحلة التمهيد لها.
الثالثة: فهي تجسيدها من خلال تحقّقها الناتج عن اجتماع الأمرين المتقدِّمين، أي من خلال التمهيد - الفردي والجماعي - على مستواه المعرفي والسلوكي.
هذه المراحل الثلاث تُعتَبر محور أيّ فكرة أو حقيقة يتمُّ التمهيد لها.

(٥)

فعلى سبيل المثال التمهيد لكلِّ نبيٍّ كان من خلال التمهيد الذي يقوم به النبيُّ السابق إلى أن وصل إلى نبيِّنا (صلّى الله عليه وآله وسلم) حيث مهَّد له جميع الأنبياء بما فيهم أُولو العزم (عليهم السلام).
إذن التمهيد حقيقة إنسانية وجدانية لا غبار عليها ولا تحتاج إلى دليل لإثباته، بل هي قائمة بالنفس.
والدين الإسلامي باعتباره أوسع منظومة عرفتها البشرية بما يحمله من قيم معرفية وقواعد سلوكية أعطا للتمهيد أهمّية كبيرة في حركة أفراده التكاملية.
فإطلالة سريعة على مصادر هذه المنظومة تجد أنَّ من بين أهمّ المحاور العقدية والسلوكية عقيدة التمهيد.
فالفرد المسلم يُمهِّد لحياة أُخرى من السعي الدؤوب في هذه الدني، والجماعة تُمهِّد لحياة أفضل لتنعم بحياة أُخرى بعيدة عن المنغَّصات والآلام.
وللتأكيد على هذه الظاهرة وتسليط الضوء عليها نأخذ بالتطبيق لهذه الفكرة من خلال السيرة العملية والنظرية التي قامت بها السماء من أجل التمهيد لسيادة العدل والسعادة من خلال إظهار دين الإسلام والسلام على يد منقذ البشرية وإخراجها من حالة العيش في الظلم والخنوع للاستبداد والاستعباد.
وإنَّ أوَّل من قام بأعباء هذه المهمَّة الكبيرة هو الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) من خلال جملة من الأحاديث التي تُركِّز على الانتظار وفضل المنتظرين والممهِّدين وبيان مراتبهم حتَّى جعلهم (صلّى الله عليه وآله وسلم) إخواناً له، وهذه الأُخوَّة جعلها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) مرتبة أعلى من مرتبة الصحبة.

(٦)

ثمّ أخذت هذه الظاهرة بالتوسّع على يد الأئمَّة (عليهم السلام) إلى أن تبلورت بشكل واضح وأصبحت مكتملة في زمن الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام).
إذ برزت عوامل التمهيد متكاملة عملياً ونظرياً.
ومن أبرز عوامل التمهيد التي قام بها الأئمَّة (عليهم السلام):
١- التمهيد للدولة المهدوية.
٢- التمهيد لقائد الدولة.
أمَّا التمهيد للدولة وبيان حيثياتها وأهدافها وأين تكون وما هي مقوِّماتها وما هي علائمه، فقد برز ذلك جليّاً من خلال الكمّ الكبير من الروايات التي عكست لنا أجواء تلك الدولة المباركة، والتي ستحكم الأرض ويسود فيها العدل والرضا لجميع البشرية وعلى مختلف المناحي والأصعدة.
وهذا نموذج فريد في عملية التمهيد لا نجده في أيِّ فكرة أُخرى يمكن تناولها بالدراسة والتحليل.
أمَّا التمهيد لقائد هذه الدولة فقد برز على عدَّة أصعدة:
الصعيد الأوَّل: التمهيد للولادة المباركة لهذا القائد، وهذا ما نجده واضحاً من خلال الأدلَّة العامَّة التي سيقت للاستدلال على حقّانية هذه الدولة وحقّانية هذا القائد بإدارتها.

(٧)

وقد برز من عناصر هذا التمهيد:
١ - دلالة سورة القدر التي قرنت التنزّل بشخص معيَّن مشخَّص، وقرنت كلَّ ذلك بليلة مشخَّصة يمكن لمسها من خلال تحديدها تحديداً زمنياً واضحاً.
٢ - أحاديث قرن الاستقامة والصلاح والبقاء الديني، بل والكوني به (عليه السلام)، كحديث سيخ الأرض لولا الحجَّة، وحديث الثقلين، وحديث الاثني عشر.
أمَّا الأدلَّة الخاصَّة فهي كثيرة جدّاً أذكر منها حديثاً واحداً صحيح السند عن الإمام العسكري (عليه السلام)، حيث ورد عن أبي هاشم الجعفري أنَّه سأل الإمام العسكري (عليه السلام): هل أنَّ له ولد، فقال له (عليه السلام): «نعم»، فسأله مرَّة أُخرى: إن حدث بك حدث فأين أسأل عنه؟ فقال (عليه السلام): «بالمدينة».
وهذا كلّه كما لا يخفى تمهيد واضح جليّ للإمام المهدي (عليه السلام).
الصعيد الثاني: أمَّا على صعيد الغيبة والتمهيد لها: فإنَّه أوضح من الصعيد الأوَّل بكثير، ففضلاً عن التواتر الإجمالي إن لم نقل المعنوي فهناك تواتر في نقل هذا التواتر.
وهذا نموذج فريد قلَّ ما نجد له قرين في المعارف الأُخرى، ويعكس لنا أهمّية القضيَّة ومقدار التمهيد الذي قام به الأئمَّة والأنبياء (عليهم السلام) والصلحاء لها.
هذا من جانب، ومن جانب آخر يُوضِّح لنا أهمّية الدور الذي ينبغي أن نقوم به في عملية التمهيد، لأنَّ هذه العملية استمرارية وليست ابتدائية، وتحضى بهذه الأهمّية الكبرى، فلا بدَّ أن يكون لنا فيها دور ما.

(٨)

وقد انعكس لنا هذا الدور من خلال الروايات الكثيرة جدّ، والتي منها ضرورة وقوع الغيبة في الإمام المهدي (عليه السلام)، والتأليفات التي قام بها أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام) قبل وقوع الغيبة وقبل ولادة صاحبها.
أمَّا على الصعيد العملي، فهو ما برز بشكل جليّ في عصر الإمام العسكري (عليه السلام)، حيث مارس التمهيد بأوضح صورة من خلال سيرته العملية، كنصب الوكلاء واعتماده عليهم وتغيير خارطة العمل مع الجمهور بشكل ملتفت، انعكس بعد ذلك واضحاً ومؤثِّراً على تخفيف شدَّة غيبة الإمام المهدي (عليه السلام).
وهناك عوامل أُخرى للتمهيد، منها: صغر السنِّ الذي وقع في كثير من الأئمَّة كالجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام)، بل وفي بعض الأنبياء كيحيى وعيسى (عليهما السلام)، حيث عُدَّ هذا النموذج من أفضل النماذج الاستدلالية على إمكان وقوع الإمامة في صغر السنِّ.

(٩)

 

بدائل الصراع

 

السيِّد محمّد علي الحلو

 

لا نريد أن نبحث عن العقل الفلسفي لنغوص بين تجاذبات العرض والجوهر، وهل أنَّ العقل هو الجوهر الذي من خلاله تنساق الأعراض إلى شؤونها العامَّة، أم أنَّ العقل هو ذلك العرض الذي يقوم بالجوهر؟
ولا نريد أن نبحث لغوياً في بيان معنى العقل لننصاع إلى الفهم المعجمي الذي تعبَّد به بعضهم ليجعلوه يدور بين كلمة (الربط) إذا ربط بعيره فقد عقله أي أمسكه وحبسه، وبين العقل الذي هو القلب ليكون بعد ذلك قلباً عقولاً أي فَهِماً متفهِّماً.
بل نريد أن نبحث الآن في (العقل التاريخي)، ذلك العقل الذي ربط التاريخ بأدوات تتَّجه باتِّجاه الاستبداد ليكون عقلاً مستبدّاً منتجاً لتاريخ مستبدٍّ.
ولنصغ من العقل المستبِّد نصّاً مستبدّاً يتعهَّد بتقديم الرؤية العامَّة بمساقاتها التاريخية في اختلاف النصِّ واستبداده، وفي استلاب الشرعية لتضفي على النصِّ المستبدِّ قدسية بها يكون نصّاً شرعياً بعد ذلك (بامتياز).
هذا هو همّنا الآن.

(١)

العقل المستبدّ.. الباكورة المبكرة:
لم أجد من الضرورة الرجوع إلى تاريخية الاستبداد في العقل العربي الذي خلق سلوكاً جاهلياً لينتج مجتمعاً جاهلياً لا يأخذ بالاعتبار التحوّلات الإنسانية التي أحدثتها الدعوات الإلهيَّة منذ أن دعا إبراهيم (عليه السلام) قومه لنبذ عبادة الأصنام وحاجَّهم وخاصمهم، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥٨).
فإثارة الحركة العقلية في الأُطروحة الإبراهيمية كانت تتناسب في إبداعاتها مع الفطرة الإنسانية، إلَّا أنَّ العقل المستبدّ الذي هيمن على المنطق الاجتماعي ألغى معه جميع حيثيات التفكير الناضج بآلياته ودواعيه، ولمَّا كان المنطق العقلي في الحِجاج الإبراهيمي يأخذ مدياته في نصرة المذهب الإصلاحي الذي تزعَّمه نبيُّ الله إبراهيم (عليه السلام) فإنَّ العقل المستبدّ يفرض على أتباعه الانتصار لمنطق اللجاجة والتعصّب الفكري مع علمهم بصحَّة افتراضات النبيِّ إبراهيم (عليه السلام) الاجتماعية، وخطأ ما يقيمون عليه من الاعتقاد، ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: ٦٨)، فالاستبداد يفرض على هؤلاء معاندة الحقائق وإلغاء المنطق العقلي الذي يتعاطى به إبراهيم ذلك المرسَل لتفعيل العقل وإرجاعه لموقعه المناسب.
ولم يكن قوم النبيِّ نوح (عليه السلام) بأفضل حال من قوم إبراهيم (عليه السلام) وغيرهم، فالاستبداد الذي طغى على هؤلاء هو أُنموذج التوريث الذي انتقل إلى الأقوام التالية، فكانت ظاهرة السخرية لدى قوم نوح (عليه السلام) بارزة على سلوكيات هذا المجتمع، فكان نوح (عليه السلام) يصارع سخرية قومه بالإصرار على مبدأ الحقِّ والقيام

(١)

على ما هو عليه من اليقين، ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأَ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ (هود: ٣٨).
فالاستبداد يُعطي للنفس بعداً يتجاوز الفطرة ليطغى إلى حالة الاستهزاء والسخرية، وهذه الصفة تنبع من مشكلة المكابرة والتجبّر الذي يخالط النفس ويلغي كلَّ الدواعي العقلية التي تساعد الإنسان على التبصّر في إدراك الأُمور وتفهّمه، ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ (هود: ٣٢)، فالإصرار على تكذيب نوح (عليه السلام) وعدم الإيمان به أحدثه العقل المستبدّ الذي كان يتحكَّم بهؤلاء، بل تركَّزت حالة العقل المستبدّ بمخالفة الولد لأبيه، فهذا ابن نوح (عليه السلام) يتَّخذ مسيراً مغايراً لما كان عليه والده من الدعوة إلى الله مخالفةً وتمرّداً على منطق العقل ليذعن استبداد العقل إلى كلِّ آليات الإلغاء، ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ﴾ (هود: ٤٢).
فمسيرة العقل المستبدّ تكاد تكون واحدة سواء كان صراعاً إبراهيمياً مع قومه الذين أرضخوا المنطق العقلي إلى هيمنة العقل المستبدّ، أم في ملحمة نوح الطوفانية التي ألغت مرحلة من مراحل العقل المستبدّ وهو يناجز الحقَّ والمنطق، ولدينا مسيرة قرآنية تتحدَّث عن جبهات الصراع التي تتزعَّمها الأُطروحة الإصلاحية النبويَّة من جهة وبين العقل المستبدّ الذي يهيمن على عُتاة المتنفِّذين في أدوار الصراع الإنساني الطويل الذي تلقَّينا طرفاً مهمّاً منه في القصص القرآني والمسيرة الناضجة للتدافعات الفكرية بين أُطروحات الأنبياء واستبداد الطغاة.
وإذا عبرنا مراحل صراع الأدوار التبليغية لكلِّ الأنبياء لوجدناها خلاصة

(١)

دقيقة من الصراع بين الحقِّ والباطل، أي بين الظلم والعدل الذي اتَّخذ صوراً عدَّة في نزاع ينتهي بمضادَّة النقيضين.
ولا أجد ما يُبرِّر التحوّل من هذا الصراع المادّي الذي رسمه القرآن الكريم في تجلّياته القصصية الهادفة، ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ١٧٦)، إلى صراع تمرّدي فوضوي بعنوان فكري ارتقائي تطويري.
فتوظيف القصَّة من حيث - اتِّباع الأحداث ومتابعتها وتحرّيها بما يضمن أن تكون تلك القصَّة ملحمة من ملاحم مقطع تاريخي مثير يستفيق القارئ إزاءه ليُجدِّد قراءاته التاريخية بتمعّنٍ تحليلي عبَّر عنه بالتفكر - وتحويلها من الصراع المادّي البدائي بين الأقوام العابثة بالقيم والمستهجنة للمبادئ وبين الأنبياء الذين قدَّموا طروحاتهم الإصلاحية إلى صراع فكري جديد يكاد أن يكون متمرِّداً على النصِّ الديني بتحديث فوضوي غير ممنهج ولربَّما يصل إلى محاولات استفزازية في اتِّهام النصِّ الديني وتقوقعه في مفاهيم مربكة نقدية، برَّر حالة التعاطي السلبي مع النصِّ الديني، بل والاتِّهام له على أنَّه حالة جامدة تجمد على النصِّ المصطبغ بصبغته الغيبية البعيدة المنال عن تناول العقول، ويوعز التجاء الشعراء للترويج عن محاصرة الدين بالنصِّ الأدبي الترويجي الذي يُعبِّر عن مكنونات النفس وهواجسها.
نظر آرنولد إلى الشعر بتعبيره هذا (فما من عقيدة إلَّا واهتزَّت، ولا مبدأ مسلَّم به إلَّا وتعرَّض للشكِّ في صحَّته ولا تقليد متوارث إلَّا ويتهدَّده الانهيار، لقد ربط ما فيه من عاطفة بالحقيقة، وها هي الحقيقة تخذله، إمَّا في الشعر فالفكرة هي كلّ شيء وما عداها عالم من الوهم، الوهم السماوي، الشعر يربط وجدانه بالفكرة، فيه تصبح الفكرة هي الحقيقة. إنَّ أقوى جزء في ديننا الآن هو ما يحتوي عليه من شعر لا يحسُّ بوجوده)(١)، ويأتي تعليق الناقد العربي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) نقد الإسلام الوضعي لأيمن عبد الرسول: ١٤٢، عن النقد الموضوعي للدكتور سمير سرحان.

(١)

بقوله: (إذا كانت هذه رؤية غربية لمهمَّة الشعر ودوره، فما بالنا بالدور الذي يمكن أن يلعبه الشعر في الواقع العربي، معتمداً على ثقافة سماعية تتأثَّر بالسجع والعاطفة والكلام المنظوم - والتأثير النفسي للكلمات على النفس البشرية محلّ دراسة مفصَّلة عمَّا ذكره أُرسطو عن العلاج بالشعر من الأمراض النفسية - وما شاع هذه الأيّام من علاج بالقرآن...، وهو ما يبرز أنَّ الكلمات المنظومة هي التي تُؤثِّر في النفس، وليست كلمات القرآن فقط، لأنَّها منزَّلة أو قدسية، أو لأنَّها من اللوح المحفوظ كما يعتقد العامَّة من الناس في الفهم الأُسطوري الغيبي عن طبيعة النصِّ القرآني)(٢).
وإذا كنّا قد عذرنا العقلية الغربية في تعاطيها مع نصوص الكتب المقدَّسة المتوفِّرة بين أيديها - والتي لنا عليها تحفّظات كثيرة -، فما بال العقلية العربية تُنجر وراء ذلك؟ إنَّه غريب حقّاً أن يصف النصوص الدينية بالأُسطورية ويوعز التعامل مع الغيب إلى أنَّه ثقافة العامَّة من الناس المتمسِّكين بالاعتقاد الأُسطوري.
هذان النصّان المختلفان في قراءتيهما يعكسان قراءتين مختلفتين، أحدهما يُعطي انطباعاً للمفهوم الشرقي (العربي)، والآخر يعكس رؤيةً غربيةً ما.
نحن لا نلاحق الفهم الشخصي للأفراد بقدر ما نشير إلى حالة متشائمة يعيشها البعض بأحلام الحداثة الوردية التي ما فتأت تزعج الكثير ممَّن يقف على النصِّ الديني وقفة تتجذَّر فيها تهمة الانحياز إلى الإلغاء الذي يكاد كلّياً للمفاهيم الإسلاميَّة، أو لعلَّك تقف مع الناقد وأنا كذلك أُشاطره التوجّس من تساؤلٍ بات ملحّاً كثيراً يطرحه الناقد بقوله:
(الإسلام اليوم يواجه سؤالاً صعباً على أرض الواقع المرير الذي يعيشه المسلم المعاصر بين شقَّي الرحى، بين التكفير الداخلي من قِبَل أُولئك الذين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) المصدر السابق.

(١)

نصبوا أنفسهم شيوخ الإسلام، والجماعات الدموية التي تُعنى بالتجربة الدينية التمكينية دون المرور بالتجربة المكّية ذات البعد التسامحي، وكذلك الجهلاء من مثقَّفي القنوات الفضائية الدينية التي غزت الفضاء الكوني تدعو إلى الإسلام، المتلوِّن تلوّن معتنقيه بكلِّ لون، فبين التكفير الداخلي من بني إسلامه الذي يدَّعي نصرته، واتِّهامه بالإرهاب من الخارج الذي يحاول تحسين صورة الإسلام أمامه، يقف المسلم المعاصر الإنساني النزعة - إن جاز لنا هذا التوصيف - حائراً لا يدري إن كان تمسّكه بإسلامه درباً من الخيال أم طريقاً لخيبته وجنونه، ولا يعرف إن كانت العلمنة التي تعيشها المجتمعات الإسلاميَّة حالياً هي الجوهر أم القناع؟)(٣).
ولنا على ما أورده الكاتب تحفّظات بقدر فهمه للسؤال المطروح - مع أنَّنا نشاطر الكاتب الرأي في الفكر الإسلامي الأسير - ولا نريد أن نلاحق كلمات الكاتب بقدر ما أردنا أن نعاضده الرأي في أنَّ صورة الإسلام باتت معتمة كثيراً في أذهان البعض مشوَّشة في أنظارهم، ولعلَّ ما يُفسِّر ذلك ما يُقدِّمه الكاتب من تشخيص للواقع الإسلامي، فهو يقول:
الإسلام اليوم في محنة حقيقة، فهو يعاني من تشويش انتهاكي وتعدٍّ إيدلوجي، من كلِّ مدَّعي الأسلمة، فكلُّ داعية يُقدِّم إسلاماً يدَّعي أنَّه ذو الأُرثوذكسية والصحَّة المطلقة، وخلافه كفر أو تجديف لا طائل من ورائه..، ومع تشكيل هذه الخصوصية - هي في الحقِّ خصوصية - لا يعترف صاحب كلّ تصور بأنَّ إسلامه شأن شخصي.
إذا أضفنا إلى ما سلف ذكره صعوبة - إن لم تكن استحالة - التواصل بين المثقَّف المُعلمَن المتسلِّح بالوعي النقدي، وبين الجماهير العريضة المعتمدة على ثقافة شفهية مستقاة من خطب الجمع ودروس المساء... الخ(٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) نقد الإسلام الوضعي لأيمن عبد الرسول/ صفحة الغلاف الأخيرة.
(٤) المصدر السابق.

(١)

ولعلَّ محنة الكاتب أشدّ من (محنة الإسلام) التي عبَّر عنها متشائم، فالإسلام لم يكن بما هو عقيدة إلهيَّة وأيدلوجية مستوحاة من النصِّ الديني في محنته، بل الأفهام المختلفة والمذاقات المتضادَّة استذوقت إسلاماً جعلته بحسب مذاقاتها ممتحناً في نظرهم بعد أن أخرجوه من إسلامه إلى إسلام ذوقهم، فأوجدت محنة التعاطي مع الإسلام بسبب أزمتها (النفسية) مع النصِّ الديني، إذ مخرجات العلمنة التي اختارها البعض قدَّمت لها رؤى متشائمة لا يقوى معها على قبول النصِّ، فبات ذوّاقاً أكثر من كونه محلِّل، وطوبائياً أكثر من كونه واقعياً يتعايش مع الواقع.
نعم، ما يُقدِّمه الفكر المتطرِّف من وعي انتقامي - إقصائي جعل الكثير ينأى عن الحقيقة الإسلاميَّة، ولعلَّ المشكلة تكمن في الصدمة النفسية التي يتلقّاها المثقَّف من فتاوى مشايخ الإرهاب، والعقدة في ذلك انعكست على فهم النصِّ الديني الذي بات متَّهماً بإفرازه لهذه الفتاوى الإرهابية التي لا تُمثِّل أدنى شيء من الإسلام.
أنا أعترف أنَّ النصَّ الديني صار منهكاً من مشايخ الفتوى التكفيرية الذين باتت نقمتهم تنعكس على صياغة الفتوى بتوظيف النصِّ لصالح إمكانياتهم الانتقامية، وغدت كثير من النصوص أسيرة في دائرة الفتوى المتطرِّفة، وهكذا وجد المثقَّفون فرصتهم في التعبير عن رفضهم لهذا الفهم السلبي للنصوص، لكنَّها وظَّفت بشكلها الإقصائي وتصدَّت مجموعة التنويريين - كما أحبّوا أن تُسمّى جهودهم هذه-، ولعلَّ قائمة من هذه الجهود تتصدَّر أعمال التنويريين كما أحصاها بعضهم:
١- صادق جلال العظم في كتابه (نقد الفكر الديني).
٢- عزيز العظمة وسلسلة كتاباته عن إعادة التاريخ العربي.
٣- جابر عصفورة: (قراءة التراث النقدي)، (آفاق العصر).

(١)

٤- نصر حامد أبو زيد: (مفهوم النصِّ)، (فلسفة التأويل)، (النصُّ السلطة الحقيقة)، (دوائر الخوف)، (الخطاب والتأويل).
٥- السيِّد محمود القمنّي: (الأُسطورة والتراث)، (ربُّ الزمان)، (النبيُّ موسى وآخر أيّام تلّ العمارنة).
٦- محمود أمين العالم: (مواقف نقدية من التراث)، (مفاهيم وقضايا إشكالية)، (الوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر)، (الفكر العربي بين الخصوصية والكونية).
٧- عاطف العراقي: مجموعة مؤلَّفات حول التنوير، ومنهجه النقدي عند ابن رشد.
٨- مراد وهبة: (جرثومة التخلّف)، (الأُصولية والعلمانية)، (ما التنوير؟)، (ملاك الحقيقة وغيرها).
٩- عليّ مبروك: (النبوَّة من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ).
١٠- عبد الهادي عبد الرحمن: (سلطة النصِّ)، (التاريخ والأُسطورة)(٥).
إلى غيرها من الأعمال التنويرية التي ملأت مكتبات الدراسات المعاصرة، وتصدَّرت حركة الحداثة التي تزعَّمها أمثال هؤلاء وغيرهم.
لا يساورنا القلق كثيراً من هذه الجهود، إذ أنَّنا لا نلغي أيّ مجهود يُقدِّم محاولات إصلاحية جادَّة، لكن قلقنا يكمن في محاصرة النصِّ الديني بأفهام متطرِّفة لا تنسجم والطرح الإصلاحي الذي جاءت من أجله هذه النصوص.
إذن المشكلة تكمن في التلقّي السلبي للنصِّ من قِبَل بعض المثقَّفين، وقراءته بعيون التطرّف والإرهاب، حتَّى انعكس ذلك على نفس النصِّ، وكأنَّ النزعة المتطرِّفة باتت هي الممثِّل الرسمي لكلِّ القراءات، وعلى ضوء ذلك انطلقت محاولات التنوير ناعية على النصِّ الديني (تخلّفه).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) راجع: نقد الإسلام الوضعي لأيمن عبد الرسول: ٢٧.

(١)

إذن ماذا يعني مفهوم الإصلاح؟
الإصلاح عند بعض التنويريين هو حالة ثورية على المفاهيم العامَّة، أي النقلة التحديدية من مفاهيم القديم إلى الجديد، وإلغاء النقل باستبداله بالعقل، والانتقال في البحث من المفاهيم الغيبية إلى الحالة الإنسانية التي تعايش الإنسان وتبحث في خصوصياتها.
من هنا يقول حسن حنفي في تعريفه للإصلاح الديني بأنَّه (التوجّه نحو الماضي لإعادة بنائه طبقاً لروح العصر والانتقال من القديم إلى الجديد، من النصِّ إلى الواقع، من النقل إلى العقل، من الله تعالى إلى الإنسان، من القمَّة إلى القاعدة، ومن التعبّد إلى الحرّية، ومن البعد الرأسي إلى البعد الأُفقي)(٦).
هذا الإرباك الذي يُظهِره الكاتب في محاولاته الإصلاحية يُعطينا قراءةً لمحاولات جادَّة في البحث عن الإصلاح، بعد أن تولّى متطرِّفون محاولات الإصلاح الديني، وارتكبوا بحقِّ المفهوم الإصلاحي أقصى غايات التطرّف كما ظهر في محاولات ابن تيمية الإقصائية ومشاريع محمّد عبد الوهّاب التطرّفية وابن القيِّم الجوزية التقليدية لإعادة نسخة ابن تيمية في محاولاتها.
فالبحث عن الإصلاح هو المشروع الإنساني الذي أعطت النصوص الدينية أولوياتها له، وهي العمل على إنقاذ المجتمع من الانهيارات التي تواجهها الإنسانية كلّ يوم، فالحالة الأخلاقية المتردّية، والإقصاءات السياسية بحروبها الطاحنة المفتعلة، والانهيارات الاقتصادية، أدَّت إلى مسخ إنسانية الإنسان واستعباده إلى أقصى درجات الهيمنة من قِبَل الحاكم والطبقات المتسلِّطة على مقدرات الأُمم، وامتهان الإنسان بمقدراته وإنسانيته، كلّها تدفع باتِّجاه البحث عن بدائل تنظيرية معرفية - معتمدة على النصوص الأوَّلية - لانتشال الإنسان ممَّا هو عليه في حاضره المقهور، ومستقبله المستباح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) نهضة في الفكر العربي المعاصر لخالد حسين عبد الله: ٨١.

(١)

مقارنتان في الاتّجاه العالمي:
يتَّجه الإنسان في المفهوم الإنساني إلى حالة الامتهان وإقصاء إنسانيته بشكلها الحالك السوداوي الذي يُهدِّد إنسانيته فضلاً عن وجوده، واستطاع النظام العالمي أن يُسخِّر كلَّ إمكانيّاته لتعبئة الشعارات الاستهلاكية المتَّجهة نحو دغدغة مشاعر الإنسان الممتهنّ ومحاولات كسب ودّ المظلومين وتنمية أحلامهم بالشعارات البرّاقة التي على ضوئها تأسَّست أيدلوجيات سياسية اقتصادية وأفرزت الديمقراطية، الاشتراكية، الرأسمالية الموجَّهة لخدمة المجتمع والإنسان، إلى آخره من شعارات لم يجد الإنسان سوى مستوياتها التنظيرية، في حين يغرق العالم بمشاكله الإنسانية: الحروب، الفساد الأخلاقي، انهيار المنظومة الأخلاقية والاجتماعية، تحوّلات اقتصادية لصالح الطبقات المتنفِّذة اجتماعياً والمتسلِّطة سياسي، إلى غير ذلك من المشاكل المتفاقمة في كلِّ يوم.
في حين يتَّجه العالم بمفهومه الإسلامي الأصيل نحو الحاكمية للإنسان - بمعناها الانتمائي الاندكاكي في حاكمية الله تعالى -، وبالأدقِّ نحو إنسانية الإنسان بقيادة الإنسان الكامل والمناهض لكلِّ أنواع العنف، التطرّف، الإقصاء، الاستعباد، إلى غيرها من العناوين الإنسانية المفقودة في خضم هذه التسابقات السياسية العالمية.
وبمعنى آخر حالة الإحباط التي يستشعرها المجتمع العالمي ألقت بظلالها على مجمل التوجّهات العامَّة التي لا يزال العالم يصارع تحدّياتها وآثارها القاتلة، ولا زالت الإنسانية تنزف مشاعرها على مذابح الصراع السياسي، لتجد نفسها بعد ذلك قد نضبت كافَّة إمكانيّاتها الإنسانية من أجل الحفاظ على طابعها الإنساني المقدَّس.

(٢)

من هنا فقد كان البحث عن بدائل الصراع الإنساني يتلخَّص في محور فكري تنظيري تتصاعد وتائره إلى حالة عملية إيجابية، وقد قدَّم الإسلام أُطروحته المهدوية التي كشف عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (التوبة: ٣٢).
وهذا ردٌّ على محاولات الكافرين والمنافقين في مواجهتهم لجهود النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في الدعوة، فكان وعد الله لنبيِّه بالنصر والتمكين في قبال محاولاتهم، وذلك بأن يتمَّ إرادته ونوره الإلهي المتمثِّل في أهل البيت (عليهم السلام) وبآخرهم وهو المهدي (عليه السلام).
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣).
إلى غيرها من الآيات الكريمة التي سردها القرآن الكريم جاءت لبيان ضرورة الفكرة المهدوية القادمة.
وعلى صعيد الحديث النبوي المبارك، فقد تعهَّد النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) بيان ضرورة المهدي (عليه السلام)، وأن الأرض لا بدَّ لها يوماً أن تُملأ قسطاً وعدلاً بعد ما مُلِئَت ظلماً وجور، فقد روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال: «المهدي من ولدي، تكون له غيبة وحيرة تضلُّ فيها الأُمم، يأتي بذخيرة الأنبياء (عليهم السلام)، فيملأها عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(٧).
إلى غيرها من مئات الأحاديث الصحاح والمتواترة في هذا الشأن.
فكرة الانتظار والأمل الموعود:
تعهَّدت القضيَّة المهدوية أن تُقدِّم في أولوياتها ثلاثة مستويات:
الأوَّل: مراعاة الظروف النفسية والاجتماعية للمجتمع المنتظر.
الثاني: إنَّ طرح أيّ حلٍّ من الحلول لا بدَّ أن تُراعى فيه حالة الوضوح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: ٢٨٧.

(٢)

 ومحاكات الفطرة الإنسانية والعقل للوصول إلى الواقع المعاشي والمستقبل المنظور.
الثالث: الحثُّ على تقديم مناهج في الأولويات الأساسية فضلاً عن الأولويات الثانوية في الشأن الإنساني المنظور.
وقد عملت الأُطروحة المهدوية على تقديم الأولويات بعناوينها الأُولى:
العنوان الأوَّل: إصلاح النفس.
العنوان الثاني: الأمل بالمستقبل المنشود.
العنوان الثالث: نشر دواعي السعادة في المجتمعات المنتظرة وانتشاله من حالة اليأس والإحباط.
ما الذي تُقدّمه الأطروحة المهدوية؟
في خضم هذا الصراع العالمي لم يجد الإنسان نفسه ضامناً لمستقبله، وحياته في خطرٍ محدق به حيث الحروب والصراعات العالمية عندها سيكون توجّه الأُطروحة المهدوية إلى صياغة إنسانية جديدة تظهر فيها الكثير من معالم الأمن والاستقرار سواء كان على مستوى الأمن السياسي أو على مستوى الأمن الاقتصادي أو على مستوى الأمن الاجتماعي، وكلُّ هذه المستويات مفقودة في فترة غياب الرؤية العقلانية لكلِّ الأُطروحات الحاكمة، ولا بدَّ من الإشارة إلى ذلك بشكلٍ يسير موجز.
المستوى الأوَّل: الأمن السياسي:
فقد تعهَّدت الروايات بإشاعة حالة السلم العالمي والتعايش الأمني الذي يضمن حياة كريمة وتكفل فيها حالة الأمن والاستقرار:
عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «... يملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت جور، حتَّى يكون الناس على مثل أمرهم الأوَّل لا يوقظ نائماً ولا يهريق دماً»(٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٤٧.

(٢)

وعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «... ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطره، ولأخرجت الأرض نباته، ولذهبت الشحناء من قلوب العباد، واصطلحت السباع والبهائم حتَّى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام، لا تضع قدميها إلَّا على النبات، وعلى رأسها زينته، ولا يهيجها سبع ولا تخافه...»(٩).
إلى غيرها من الروايات الكثيرة.
المستوى الثاني: الأمن الاقتصادي:
وهي من أكبر المشكلات التي تعاني منها البشرية منذ أن عُرِفَ الصراع بين المتخاصمين، ولا بدَّ من القضاء على هذا الصراع الدائم بين أفراد المجتمع، فإنَّ تقديم حلول اقتصادية في شأن القضاء على أزمة الاقتصاد العالمي تنفرج من خلال هذه الأُطروحة الاقتصادية التي يُقدِّمها الإمام المهدي (عليه السلام).
عن أبي جعفر (عليه السلام): «... إذا قام قائم أهل البيت قسَّم بالسويَّة وعدل في الرعيَّة...، ويُجمَع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهره، فيقول للناس: تعالَوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام، وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرَّم الله (عزَّ وجلَّ)، فيُعطي شيئاً لم يُعطِه أحد كان قبله...»(١٠).
وعن أبي جعفر (عليه السلام): «ويُعطي الناس عطايا مرَّتين في السنة، ويرزقهم في الشهر رزقين، ويسوّي بين الناس حتَّى لا ترى محتاجاً إلى الزكاة، ويجيء أصحاب الزكاة بزكاتهم إلى المحاويج من شيعته فلا يقبلونها فيُصرونها ويدورون في دورهم، فيخرجون إليهم، فيقولون: لا حاجة لنا في دراهمكم»(١١).
المستوى الثالث: الأمن الاجتماعي:
فقد أعطت الأُطروحة المهدوية في أولوياتها اهتماماً بالغاً بترشيد الحالة الاجتماعية، وتنمية العلاقات العامَّة، والقضاء على معوِّقات التعايش الاجتماعي والتقدّم الإنساني، فعلى صعيد محاربة مظاهر الانحطاط الأخلاقي الاجتماعي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) بحار الأنوار للمجلسي ١٠: ١٠٤.
(١٠) بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٣٥١.
(١١) بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٣٩٠.

(٢)

هناك محوران أساسيان، وهما: الفساد العامّ الذي عنونته الروايات بالكذب، والثاني هو القضاء على العبودية المتأصِّلة في الأنظمة الاجتماعية العامَّة.
فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «... فعند ذلك خروج المهدي، وهو رجل من ولد هذا - وأشار بيده إلى عليِّ بن أبي طالب - به يمحق الله الكذب، ويذهب الزمان الكَلِبْ، وبه يخرج ذلَّ الرقِّ من أعناقكم»(١٢).
ولشدَّة اهتمام الأُطروحة المهدوية بالفقراء والأيتام والمساكين فقد ورد عن طاووس اليماني قوله: (المهدي يُلعِق المساكين الزبد)(١٣).
وعن عليٍّ (عليه السلام): «... ثمّ إنَّ المهدي يُفرِّق أصحابه وهم الذين عاهدوه في أوَّل خروجه، فيُوجِّههم إلى جميع البلدان ويأمرهم بالعدل والإحسان، وكلُّ رجل منهم يحكم على إقليم من الأرض، ويُعمِّر جميع مدائن الدنيا بالعدل والإحسان»(١٤).
هذه مجمل حركة الإمام الإصلاحية التي عانت منها جميع التنظيرات الوضعية والوصول إلى مستوياتها التنظيرية على الأقلّ وليس التطبيقية، وبقيت هذه الأُطروحة هي الأمل الحقيقي في غياب العدالة والإصلاح الواقعي الذي ادَّعته جميع الأُطروحات، من هنا فإنَّ التنويريين لو راجعوا تحفّظاتهم على الأُطروحة الإسلاميَّة ومنظوماتها النصّية لوجدوا في أُطروحة الإمام المهدي (عليه السلام) كلّ طموحاتهم وتوجّهاتهم التي لا تنفكُّ عن البحث عن بدائل الصراع...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) الغيبة للطوسي: ١١٤.
(١٣) الملاحم والفتن لابن طاووس: ٦٨.
(١٤) في رحاب حكومة الإمام المهدي (عليه السلام): ٢٤٥.

(٢)

 

قراءة معاصرة للنصِّ المهدوي

 

حسن هادي سلمان النجفي

 

مقدَّمة:
من المعروف أنَّ النصوص المقدَّسة - سواء أكانت نصّاً إلهياً أو نبوياً أو إمامياً - تمتاز بوفرة دلالية وقوَّة تفسيرية من شأنها الإحالة إلى كثرة (مفتوحة) من القراءات، وبالرغم من ذلك فقد دعت بعض المذاهب والتيّارات عبر التاريخ وخاصَّة في الإسلام إلى الجمود على حرفية النصِّ ومحاولة فهمه على منوال فهم المتقدِّمين.
وفي هذا الصدد يمكننا الإشارة إلى وجود تيّارين أو اتِّجاهين: الأوَّل تقليدي يتبنّى أُطروحة (العود إلى الأُصول) ويطالب بتطبيق حرفي للنصِّ، والاتِّجاه الآخر (حداثوي) يطمح إلى التوفيق بين النصِّ التراثي والحضارة الراهنة طبقاً لمناهج جديدة ظهرت خلال القرنين المنصرمين وخاصَّة في النصف الأخير من القرن العشرين. وتهدف تلك المناهج إلى إعادة قراءة النصوص التأسيسية للحضارات الراقية - وخاصَّة النصوص الأدبية والفلسفية - وبنحو أقلّ الدينية. وقد دشَّن المستشرقون - عبر دراساتهم الفيلولوجية للقرآن الكريم والحديث الشريف - هذا الاتِّجاه إسلاميّاً، ولكن بدا جليّاً لنقّاد الاستشراق

(٢)

أنَّ وراء تلك الدراسات أغراضاً إيديولوجية، غايتها جعل الحضارة الإسلاميَّة - بجميع تمثّلاتها ومفاصلها - تابعاً من توابع الحضارة الغربية(١).
وبعد انحسار هذه الظاهرة - الاستشراق - بوفاة كبار مستشرقي القرن العشرين - وخاصَّة الفرنسي لويس ماسينيون(٢) والألماني كارل بروكلمان(٣) - وانبثاق عصر البنيوية مع عالم الألسنيات السويسري فردينان دي سوسير(٤)، قلَّ الاهتمام بالتراث وإعادة قراءته عقوداً من الزمن، وتبنّى كثير من المفكّرين دعوة عالم الأبستيمولوجيا الفرنسي غاستون باشلار(٥) للقطيعة مع التراث(٦). ثمّ ما فتئت أن لفظت البنيوية آخر أنفاسها مع صعود نجم مفكّرين وألسنيين كبار جعلوا منها موضوعاً للنقد والتحليل مثل ميشيل فوكو(٧) وجاك دريدا(٨) وظهور المدرسة التفكيكية(٩)، وأقبل بعض المفكّرين العرب والمسلمين على تبنّي المنهج التفكيكي وأدخلوه في عدد من بحوثهم النقدية، وخطا بعضهم فيه شوطاً مبالغاً فيه، فطغت عليه نزعة (التفكيك لأجل التفكيك)، وتمَّت التضحية بالحقيقة لصالح نوع من العبث اللغوي والتلاعب بالألفاظ.
إنَّ الاتِّجاه الثاني يدعو إلى إعادة قراءة النصِّ وتوظيف مبدأ الاجتهاد (استفراغ الوسع في الفهم والاستنباط) في تحقيق التوفيق والمصالحة بين القديم والجديد، ما يتيح للمسلم المعاصر الخروج من المأزق الذي وُضِعَ فيه نتيجة لبعده عن عصر النصِّ أو عن زمن التشريع.
غير أنَّ الدعوة إلى قراءة جديدة للنصِّ الديني ربَّما تتسبَّب في انبثاق إشكالية كبرى يمكن إيجازها بالسؤال التالي: ما هي الآليات والأساليب الكفيلة بجعل النصِّ مطواعاً لفهم أوسع بحيث يستوعب الأزمنة الثلاثة من دون أن يترتَّب على قراءاته التالية تعارض مع القراءة الأُولى التي كانت سائدة في زمان صدوره؟
وبعبارة أُخرى: ما هي الوسائل المنهجية أو الموضوعية التي ينبغي اتِّباعها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) درس المستشرقون لغة القرآن ليصلوا منها إلى الطعن في أصالته، وفي إعجازه البياني، ودرسوا كذلك القصص والأمثال والأقسام في القرآن، ليُعزِّزوا نتائجهم المسبقة وأحكامهم المعَدَّة سلفاً، بأنَّ القرآن من وضع محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وأنَّه منتحل من النصرانية واليهودية وبعض القصص القديمة التي تلقّاها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) شفاهاً، ثمّ نسج منها هذا القرآن الذي عزّاه فيما بعد إلى الله (عزَّ وجلَّ). لم يغب عن أذهان المستشرقين في جميع دراساتهم القرآنية: أنَّ القرآن نتاج إنساني وليس وحياً إلهياً.
(٢) لويس ماسينيو (١٨٨٣- ١٩٦٢ م) (Louis Massignon)  من أكبر مستشرقي فرنسا وأشهرهم، وقد شغل عدَّة مناصب مهمَّة كمستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال أفريقيا، وكذلك الراعي الروحي للجمعيات التبشيرية الفرنسية في مصر. تعلَّم لويس العربية والتركية والفارسية والألمانية والإنكليزية وعنى بالآثار القديمة، وشارك في التنقيب عنها في العراق (١٩٠٧ - ١٩٠٨م) حيث أدّى ذلك إلى اكتشاف قصر الأخيضر. درس في الجامعة المصرية القديمة (١٩١٣م) وخدم في الجيش الفرنسي خمس سنوات خلال الحرب العالمية الأُولى. استهواه التصوّف الإسلامي فدرس الحلّاج دراسة مستفيضة ونشر (ديوان الحلّاج) مع ترجمته إلى الفرنسية، وكذلك (مصطلحات الصوفية) و(أخبار الحلّاج) و(الطواسين)، كما كتب عن ابن سبعين الصوفي الأندلسي، وعن سلمان الفارسي. تولّى لويس تحرير (مجلَّة الدراسات الإسلاميَّة)، وأصدر بالفرنسية (حوليات العالم الإسلامي) حتَّى عام (١٩٥٤م).
(٣) كارل بروكلمان (١٩٥٦- ١٨٦٨م) (Carl Brockelmann)  مستشرق ألماني، بدأ دراسة اللغة العربية وهو في المرحلة الثانوية، كانت أشدّ أمانيه العيش فيما وراء البحار، وذلك بسبب انحدار حياة الأعمال في روستوك، وتطلّع العديد من التجّار إلى العمل فيما وراء البحار وهو لا يزال في الثانوية، بدأ يدرس السريانية، والآرامية الكتابية، وأتقن العربية. درس في الجامعة بالإضافة إلى اللغات الشرقية اللغات الكلاسيكية (اليونانية واللاتينية)، ودرس على يدي المستشرق ثيودور نولدكه، ويُعتَبر أهمّ المستشرقين الألمان بسبب عمله العظيم (تاريخ الأدب العربي)، وهو تاريخ للكتابة العربية عبر العصور، وفي شتّى الفنون، ومن القرن الثالث وحتَّى الثالث عشر هجري.
(٤) فردينان دي سوسير (١٨٥٧- ١٩١٣م) (Ferdinand de Saussure)  عالم لغويات سويسري، يُعتَبر الأب والمؤسِّس لمدرسة البنيوية في اللسانيات في القرن العشرين. اتَّجه بتفكيره نحو دراسة اللغات دراسة وصفية باعتبار اللغة ظاهرة اجتماعية، وكانت اللغات تُدرَس دراسة تاريخية، وكان السبب في هذا التحوّل الخطير في دراسة اللغة هو اكتشاف اللغة السنسكريتية. ولد دي سوسير في جنيف، وكان مساهماً كبيراً في تطوير العديد من نواحي اللسانيات في القرن العشرين. كان أوَّل من اعتبر اللسانيات كفرع من علم أشمل يدرس الإشارات الصوتية، اقترح دي سوسير تسميته (semiology) ويُعرَف حالياً بالسيميوتيك أو علم الإشارات.
(٥) يُعَدُّ غاستون باشلار (١٨٨٢- ١٩٦٢م) (Gasto Bachelard)  واحداً من أهمّ الفلاسفة الفرنسيين، وهناك من يقول: إنَّه أعظم فيلسوف ظاهري، وربَّما أكثرهم عصريةً أيضاً. فقد كرَّس جزءاً كبيراً من حياته وعمله لفلسفة العلوم، وقدَّم أفكاراً متميِّزة في مجال الابستملوجيا، حيث تُمثِّل مفاهيمه في العقبة المعرفية والقطيعة المعرفية والجدلية المعرفية والتاريخ التراجعي، مساهمات لا يمكن تجاوزها، بل تركت آثارها واضحة في فلسفة معاصريه ومن جاء بعده.
(٦) لا بدَّ من الإشارة إلى ارتباط مفهوم (القطيعة الابستمولوجية) عند باشلار بتلك الطفرة الهائلة التي أحدثتها التطوّرات العلمية في فترة وجيزة، وهو ما لم يتأتَّ للإنسان منذ قرون طويلة، إنَّ عقداً من زماننا في هذا المجال يساوي قروناً بأكملها من الأزمنة الماضية كما يرى باشلار نفسه، ففي ظرف نصف قرن تقريباً استطاع الغرب أن يُطوِّر من إمكانياته العلمية، فمنح العالم فتوحات علمية ومعرفية في مختلف العلوم، ما لم يشهده العالم منذ أزمنة بعيدة.
(٧) ميشال فوكو (١٩٢٦- ١٩٨٤م) (Michel youcault)  فيلسوف فرنسي، يُعتَبر من أهمّ فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، تأثّر بالبنيويين ودرس وحلَّل تاريخ الجنون في كتابه (تاريخ الجنون)، وعالج مواضيع مثل الإجرام والعقوبات والممارسات الاجتماعية في السجون. ابتكر مصطلح (أركيولوجية المعرفة). أرَّخ للجنس أيضاً من (حبّ الغلمان عند اليونان) وصولاً إلى معالجاته الجدلية المعاصرة كما في (تاريخ الجنسانية). تُوصَف أعمال فوكو من قِبَل المعلِّقين والنقّاد بأنَّها تنتمي إلى (ما بعد الحداثة) أو (ما بعد البنيوية)، على أنَّه في الستّينيات من القرن الماضي كان اسمه غالباً ما يرتبط بالحركة البنيوية. وبالرغم من سعادته بهذا الوصف إلَّا أنَّه أكَّد فيما بعد بُعده عن البنيوية أو الاتِّجاه البنيوي في التفكير. إضافةً إلى أنَّه رفض في مقابلة مع جيرار راول تصنيفه بين (ما بعد البنيويين) و(ما بعد الحداثويين).
(٨) وُلِدَ الفيلسوف الفرنسي جاك دريد (Jacques Derrida) في البيار قرب مدينة الجزائر في (١٥/ يوليو (تموز)/ ١٩٣٠م). تنازعته الأعمال الأدبية والفلسفية منذ المرحلة الثانوية، حيث درس مبكّراً نصوص برغسون وسارتر في الأعوام (١٩٤٧ و١٩٤٨م). وفي منتصف الستّينات من القرن العشرين طرح ورقة (البنية، العلامة، واللعب في خطاب العلوم الإنسانية)، حينها بات اسمه متداولاً بشكل جدّي في الأوساط الفلسفية والنقدية، لتتكوَّن أدوات دريداً في التفكيك والاختلاف من خلال كتبه التي توالت: (الصوت والظاهرة)، الذي يعدّه أحبّ أعماله إليه، و(الكتابة والاختلاف)، وفي السبعينات أصدر كتباً منها: (مواقع)، و(هوامش الفلسفة)، و(التشتيت).
(٩) التفكيكية منهج أدبي نقدي ومذهب فلسفي معاصر ينحو إلى القول باستحالة الوصول إلى فهم متكامل، أو على الأقلّ متماسك للنصِّ أيّاً كان، فعملية القراءة والتفسير هي عملية اصطناعية محضة يؤدّيها ويقوم بها القارئ الذي يقوم بالتفسير. بالتالي يستحيل وجود نصّ رسالة واحدة متماسكة ومتجانسة.
ويُستَخدم التفكيك (déconstruction) (للدلالة على نمط من قراءة النصوص بنسف ادِّعاءها المتضمّن أنَّها تمتلك أساساً كافياً في النظام اللغوي الذي نستعمله، كي تُثبت بنيتها ووحدتها ومعانيها المحدَّدة). وأيُّ مناقشة للتفكيك لا بدَّ أن تبدأ بالقارئ، وتجربته التي لا يوجد قبلها شيء. فهو يُفكِّك النصَّ ويعيد بناءه وفقاً لآليات تفكيره. أي يعتمد على آليات الهدم والبناء من خلال القراءة.

(٢)

واستعمالها لتحقيق قراءة جديدة تستبقي روح النصِّ وقداسته من جهة، وتكون ملائمة للعصر الراهن ومتطلّباته من جهة أُخرى؟
ربَّما لا نعثر في المناهج المتداولة اليوم والمعتمدة في فهم النصِّ الديني منهجاً يقوم بمعالجة الإشكالية المشار إليها بشكل نهائي، فالمناهج المطبَّقة من قِبَل أنصار الاتِّجاه الثاني الداعي إلى فهم النصِّ في ضوء التغيّرات المعاصرة لا ترقى إلى مستوى الحدِّ من الحضور الواسع للاتِّجاه الأوَّل (العود إلى حرفية النصِّ) في الأوساط الاجتماعية الإسلاميَّة، بل الكفَّة ربَّما تميل لصالح هذا الاتِّجاه، لاسيّما في ظلِّ ركاكة بعض المناهج المستعملة من قِبَل أصحاب الاتِّجاه الآخر (إعادة القراءة). ولعلَّ هذا بالتحديد هو السبب الذي يُفسِّر لنا انتشار الحركات السلفية والمتطرِّفة وازدهارها بين العامَّة في العصر الحاضر. ولعلَّه أيضاً السبب في حصول الاستقطاب بين معسكرين متصارعين في العالم الإسلامي الراهن، يميل أحدهما إلى تطبيق حرفية النصوص واعتبار الجديد بدعة تستدعي الخروج عن الدين، ويميل الآخر إلى محاولة فهم النصِّ بعقلية متفتِّحة تستوعب الجديد وتربطه بالنصِّ ولو من خلال التفسير والتأويل أو التفكيك والتحليل.
سوف نحاول في هذا البحث اقتراح منهج جديد لقراءة النصوص أو إعادة قراءتها في ضوء علم الاستعمال (١٠) (praxématique)  الذي وضعه المفكّر وعالم اللغة الفرنسي روبير لافونت (١١) (Robert Layont)، وهي المحاولة الأُولى في حدود اطِّلاعي لتطبيق هذا المنهج على الحديث الشريف. فالبراكسيماتيك هو أحد فروع تحليل الخطاب في علم الألسنيات المعاصر، وتعريفه باختصار: علم الاستعمال - لا يخفى أنَّ الدراسات المتقدِّمة من علماء الشيعة الأُصوليين اهتمَّت بهذا العلم أيّما اهتمام وأفردته تحت عنوان مستقلٍّ، وهو ما يُعرَف في زماننا بعلم أُصول الفقه وضع القوانين المتكفِّلة بضبط قراءة النصِّ الديني ضمن آليات محدَّدة مستدلٌّ عليها - وإنتاج المعنى انطلاقاً من النصوص. وعلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) يسعى البراكسيماتيك إلى فهم المعنى الدينامي - الحركي في النصوص والخطابات ويرفض فكرة الجمود المعنوي، فالمعنى في النصِّ عبارة عن كمون دلالي تتحكَّم في إنتاج وجوهه المعنوية عوامل شتّى كالقرائن والثقافة (الفردية والاجتماعية) والظروف الموضوعية، وضع هذا العلم أولى أُسسه في مدينة مونبيليه الفرنسية في سبعينيات القرن العشرين على يد المفكّر الفرنسي روبير لافونت.
(١١) مفكّر وعالم ألسنيات فرنسي (١٩٢٣ - ٢٠٠٩م) درس علم اللغة في جامعة بول فلاري في مدينة مونبيلية الفرنسية وذاع صيته بسبب بحوثه في اللغة الأُوكسيتانية (إحدى اللغات الفرنسية القديمة)، وقام بتأسيس علم البراكسيماتيك بعد دراساته المستفيضة للنظريات الألسنية، وخلص فيها إلى أنَّ التطابق بين اللغة والخطاب كما يزعم أنصار البنيوية وهم لا أساس له، فإنَّ اللغة والخطاب مختلفان، إذ الخطاب هو ترقية اللغة الجامدة إلى تواصل حيّ، وأكَّد بالخصوص على أنَّ المعنى المتضمّن في الخطاب ليس معطى ثابتاً ونهائياً، ومن الخطأ التعامل مع المعنى بحسب قوالب لغوية جاهزة، فإنَّ المعنى في الخطاب له آفاق ومستويات دلالية تتجاوز بكثير منطوقه، وتسهم في بلورة تلك المستويات جملة عناصر أهمّها: الصفات الشخصية، والقابليات الذهنية، والمقاصد والنوايا، والأرصدة المعرفية والثقافية، والمنطلقات النفسية والعقائدية والإيديولوجية لأطراف الخطاب، وأيضاً الظروف الآنية والمرحلية، والاستشرافات المستقبلية والغيبية، والقرائن المقامية والسياقات النصّية...، فإنَّها جميعاً مؤثِّرة في توجيه المعنى بالوجوه المتعدِّدة، وبالتالي فإنَّ فهم النصِّ وقراءته يتغيَّران طبقاً لمراعاة بعض تلك العناصر أو جميعها.

(٢)

ضوئه يُعتَبر النصّ الأصلي مجالاً رحباً لقراءات متعدِّدة تتناسب مع تفاوت الأفهام والقابليات واختلاف العصور، فالمعنى في النصِّ ليس معطىً ثابتاً أو جامداً أو نهائياً، بل هو معطى مرن قابل للتطويع والحركة.
ولكون ميدان (النصّ الديني) واسعاً وله مصاديق كثيرة متداخلة فسوف نقتصر في تطبيق المنهج المقترح على النصِّ المهدوي، ونعده أُنموذجاً معاصراً لدراسة النصِّ الديني بشكل عامّ، والغرض من البحث هو إيجاد إمكانات جديدة وغير مطروقة لدراسة هذا النصّ وبيان خصائصه ومميِّزاته. وهذا البحث جزء من مشروع شامل اشتغلنا عليه قبل بضعة سنوات وتمَّ تتويجه بنيل شهادة الماجستير(١٢) في علم تحليل الخطاب.
النصّ الديني متعدّد الطبقات والوجوه:
انطلاقاً من الأحاديث المرويَّة عن بعض أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، والتي تُعطي للحديث المروي عنهم نفس السلطات والخصوصيات الثابتة للنصِّ القرآني(١٣)، فإنَّ دراسة الحديث تقترب كثيراً من دراسة القرآن الكريم، وقد أثبتنا - في رسالتنا للماجستير - أنَّ أفضل المناهج لدراسة النصِّ القرآني منهجٌ يأخذ بعين الاعتبار العمق الدلالي المختبئ وراء العبارة (الباطن)، ولا يغفل أيضاً عن الاحتمالات والوجوه التي تُفهَم من الظاهر. وأكَّدنا بالخصوص على منهجين معاصرين: الأوَّل هو منهج تأويل النصوص (الهيرومنطيقا)(١٤)، والثاني هو علم الاستعمال (البراكسيماتيك)، فإنَّهما بحسب رأينا من أفضل المناهج لدراسة القرآن الكريم، ويمتاز البراكسيماتيك عن الهيرومنطيقا بمرونة على صعيد فهم النصوص وإنتاج معانيها في ضوء تحليل عناصر النصِّ الداخلية وظروف إنتاجه الخارجية، ما يجعله مؤهَّلاً ربَّما أكثر من سائر المناهج المعاصرة للاصطفاف إلى جانب نظائره التراثية المستعملة حتَّى الآن في فهم ومعالجة النصِّ القرآني خاصَّة، والنصِّ الديني عامَّة. ولمَّا كان الحديث يجري مجرى القرآن،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) عنوان الرسالة: الكلمات الخلافية في القرآن الكريم (دراسة براكسيماتيكية)  (Praxématique Coraniques Conflictuels Etude Les Mots) تمَّت مناقشتها عام (٢٠١٥م) في جامعة إيليا، في جورجيا.
(١٣) منها: ما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنَّه قال: «من ردَّ متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم»، ثمّ قال (عليه السلام): «إنَّ في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن ومحكماً كمحكم القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتَّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا». (عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للصدوق ٢: ٢٩٠).
وروي عن محمّد بن مسلم أنَّه قال: قلت له (للصادق) (عليه السلام): ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لا يُتَّهمون بالكذب، فيجيء منكم خلافه؟ قال: «إنَّ الحديث يُنسَخ كما يُنسَخ القرآن». (الكافي ١: ٦٥).
وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل أنَّه قال: «... قد كان يكون من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) الكلام له وجهان: كلام عام، وكلام خاصّ، مثل القرآن. وقال الله تبارك وتعالى في كتابه: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم). وليس كلّ أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان يسأله عن الشيء فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه، حتَّى كانوا ليُحبّون أن يجيء الأعرابي والطاري فيسأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) حتَّى يسمعوا...». (الكافي ٢: ٦٣).
(١٤) مصطلح الهرمينوطيقا (Herméneutique) مشتقٌّ من (Hermé) وتعني: القول والتعبير والتأويل والتفسير، وكلّها دلالات متقاربة، من حيث الاتِّجاه نحو الإيضاح والكشف والبيان.

(٣)

وكان القرآن فيه ظاهر وباطن وخاصّ وعامّ ومجمل ومبيَّن ومحكم ومتشابه، فالحديث ينبغي أن يكون كذلك، وهذا ما تشير إليه طائفة من الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام).
إنَّ مرونة النصِّ المهدوي وقابليته للقراءة المتعدِّدة أمر يمكن إثباته من خلال دراسة مستفيضة للأخبار، فالمحتوى الحَدَثي للروايات المهدوية يحيل إلى نمط من الفهم يأخذ في الحسبان ربط النصِّ بالواقع، فذِكْرُ الحوادث المستقبلية وملابساتها إن لم يكن بداع ربطها بالواقع لأجل الاستدلال بها على قرب ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، فلن تكون أكثر من مجرَّد تنبّؤات وتكهّنات. فعلامات الظهور مثلاً إن لم تكن مجعولة لإعلام الناس بحصول ذيها وهو ظهور المهدي (عليه السلام) بعد عصر الغيبة، فلن تختلف من حيث الشكل عن حال سائر ما وصل إلينا من التنبّؤات. ولكن لمَّا كانت تلك الأخبار من جهة المضمون مؤسَّسة على عصمة قائليها، ودائرة حول موضوع مركزي (محوري) هو ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، لا جرم أنَّها ابتعدت عن التنبّؤ والكهانة، وأضحتْ بجملتها وتفصيلها بمثابة مخطَّط استراتيجي لتحقيق وعد إلهي له ثمرة واقعية ونتيجة حتمية وهي: سيادة العدل ووراثة الصالحين، واندحار الجور والقصاص من الظالمين(١٥). ولولا هذا الوعد فإنَّ علامات الظهور، كما ألمحنا، لن تكون مختلفة في منطوقها ومفهومها عن تنبّؤات الكهنة كسطيح(١٦) ونوستراداموس(١٧). فما يجعل العلامات تمتاز عن سائر التنبّؤات أمران: أحدهما يُؤسِّس الخبر من حيث الصدق وهو عصمة المتكلِّم، والثاني يُحدِّد الغاية من جهة الواقع وهو تحقّق الوعد الإلهي المشار إليه في جملة من الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥)، وكقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (القصص: ٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥) عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «إنَّ خلفائي وأوصيائي، وحجج الله على الخلق بعدي اثنا عشر: أوَّلهم أخي وآخرهم ولدي»، قيل: يا رسول الله، ومن أخوك؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلم): «عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام)»، قيل: فمن ولدك؟ قال (صلّى الله عليه وآله وسلم): «المهدي (عليه السلام) الذي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقِّ نبيّاً لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يخرج فيه ولدي المهدي (عليه السلام)، فينزل روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) فيُصلي خلفه، وتشرق الأرض بنوره ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب». (كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: ٢٨٠).
(١٦) سطيح: ربيع بن ربيعة بن مسعود بن عدي بن الذئب، توفّي سنة (٥٢ قبل الهجرة/ ٥٧٢ م)، من بني مازن، من الأزد: كاهن جاهلي غسّاني. من المعمِّرين، يُعرَف بسطيح. كان العرب يحتكَّمون إليه ويرضون بقضائه، حتَّى أنَّ عبد المطَّلب بن هاشم - على جلالة قدره في أيّامه - رضي به حكماً بينه وبين جماعة من قيس عيلان، في خلاف على ماء بالطائف، كانوا يقولون: إنَّه لهم. وكان يضرب المثل بجودة رأيه، قال ابن الرومي:
تبدي له سرّ العيون كهانة يوحي بها رأيٌ كرأي سطيح
وقال الفيروز آبادي: سطيح، كاهن بني ذئب، ما كان فيه عظم سوى رأسه. وزاد الزبيدي: كان أبداً منبسطاً منسطحاً على الأرض لا يقدر على قيام ولا قعود، ويقال: كان يُطوى كما تُطوى الحصيرة ويتكلَّم بكلِّ أُعجوبة. وهو من أهل الجابية، من مشارف الشام. مات فيها بعد مولد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) بقليل. وكان الناس يأتونه فيقولون: جئناك بأمر؟ فما هو؟ فيجيبهم على ما في أنفسهم. (الأعلام للزركلي ٣: ١٤).
(١٧) نوستراداموس أو ميشيل دي نوسترادام (Michel de nostredame) توفّي (٢/ يوليو/ ١٥٦٦م)، وعادةً ما يُسمّى باسمه اللاتيني نوستراداموس (nostradamus)، وكان صيدلانيا ومنجِّماً فرنسياً، وقد نشر مجموعات من التنبّوءات في كتابه (النبوءات)، وقد ظهرت الطبعة الأُولى في عام (١٥٥٥م)، وأصبحت منذ ذلك الحين مشهورة في جميع أنحاء العالم. يحتوي الكتاب تنبّؤات بالأحداث التي اعتقد أنَّها سوف تحدث في زمانه وإلى نهاية العالم الذي توقَّع أن يكون في عام (٣٧٩٧م). وكان يقوم بكتابة الأحداث على شكل رباعيات غير مفهومة. (ويكيبيديا الموسوعة الحرَّة).

(٣)

ويمكننا التدليل على هذه الحقيقة بافتراض التفصيل بين واقعة الظهور والوعد الإلهي، فعلامات ظهور المهدي (عليه السلام) لن تكون حينئذٍ مختلفة عن التنبّؤ بأحداث ستأتي وبظهور أشخاص مهمّين في المستقبل تماماً مثلما يرويه لنا أرباب التنبّؤات.
ولعلَّنا نلمح في وصف المهدي (عليه السلام) بالموعود ما يشير إلى تضمين الوعد الإلهي في هويَّة المهدي (عليه السلام) وحقيقته، بحيث لا يكون المهدي (عليه السلام) هو (الموعود) لولا الوعد الإلهي المشار إليه، ونعثر في الأخبار على تضمين معنى آخر في هويَّة المهدي (عليه السلام) وهو (الزمان)، فالمهدي (عليه السلام) هو صاحب الزمان لا بل هو الساعة كما تشير إلى ذلك الأخبار(١٨)، أي إنَّ الزمان يدخل في هويَّة المهدي (عليه السلام) كما تدخل الحياة في هويَّة الخضر (عليه السلام)، ولو رجعنا إلى بعض الأدعية التي تصف المهدي (عليه السلام) بأنَّه (عين الحياة)(١٩) لأدركنا العلَّة التي لأجلها صار المهدي (عليه السلام) صاحباً للزمان، ولأدركنا المبرِّر الواقعي للانتظار، فالأمر المنتظر هو الأمر المتوقَّع حصوله، لارتباطه بسبب يُرجِّح حدوثه أو وقوعه في المستقبل كوعد ممَّن ليس من شأنه خُلف وعده، وككون صاحب الأمر حيّاً حتَّى يُحقِّق غايةً أو مهمّةً لا بدَّ له من انجازها. وبملاحظة هذه المعاني ودخالتها في تحديد (هويَّة المهدي (عليه السلام)) يمكننا - من دون كبير مشقَّة - أن نُميِّز بين المهدي (عليه السلام) الحقيقي وغيره من دعاة المهدوية الذين ظهروا عبر التاريخ، بل يسعنا في وثوق تامٍّ أن نُميِّز بين الإمام المهدي (عليه السلام) وبين غيره ممَّن يصحُّ أن يُسمّى مهدياً كذلك، فالأئمَّة (عليهم السلام) كلّهم مهديّون، مع أنَّه لا يُطلَق على أحدهم وصف الموعود ولا المنتظر ولا صاحب الزمان، ما خلا الإمام الثاني عشر (عليه السلام).
ويمكننا في هذا الصدد تحليل بعض المفاهيم في سياق المهدوية، كالانتظار والوراثة. أمَّا الانتظار فإنَّه في غير هذا السياق يدلُّ على ترقّب حصول أمر محبوب أو مرغوب فيه، لكن فهم الانتظار في سياق ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) روى الحسن بن سليمان الحلّي بإسناده عن المفضَّل بن عمر، قال: سألتُ سيِّدي الصادق. (عليه السلام): هل للمأمول المهدي (عليه السلام) من وقت موقَّت يعلمه الناس؟ فقال: «حاشَ الله أو يُوقِّت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا». قلت: يا سيِّدي، ولِمَ ذاك؟ قال: «لأنَّه هو الساعة، التي قال الله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]...» الحديث. (مختصر بصائر الدرجات: ١٧٩).
(١٩) ورد ذلك في بعض زياراته (عليه السلام)، كزيارته في يوم الجمعة التي رواها السيِّد ابن طاووس في جمال الأُسبوع: «...السلام عليك يا سفينة النجاة، السلام عليك يا عين الحياة...» (جمال الأُسبوع: ٤١).

(٣)

يتضمَّن معنى آخر، فالمنتظِر للمهدي (عليه السلام) لا يطلب بانتظاره تحصيل منفعة شخصية أو نيل حظّ من الحظوظ الدنيوية، بل ينتظره لأجل غاية أُخرى يمكننا حصرها في أمرين:
الأمر الأوَّل: نشر الإسلام في أصقاع المعمورة مع ما يترتَّب عليه من لازم إقامة العدل وإزالة الجور.
والأمر الثاني: نصرة المهدي (عليه السلام) من قواعده الجماهيرية وهم عامَّة المظلومين والمستضعفين وخاصَّة المنتظرين منهم، فلا معنى لانتظار المهدي (عليه السلام) من منتظره ما لم يكن هذا الأخير مستعدّاً لنصرته، أي إنَّ انتظار المهدي (عليه السلام) فيه اقتضاءان: اقتضاء نصرته، واقتضاء تحقّق الوعد الإلهي بظهوره، وإلَّا لصار انتظاره عبثاً، فالمرتقب لأمر محتمل وليس حتمي الوقوع (في مدَّة أقصاها فترة عمره) لا يقال له: منتظِراً إلَّا على سبيل المسامحة، والأقرب إلى وصفه في مثل هذه الحالة بالراجي والآمل، وليس المنتظِر.
ومن هنا صار اقتضاء النصرة في مفهوم الانتظار سبيلاً إلى استئناف العمر الفعلي الدنيوي بعمر آخر مدَّخر وردت الإشارة إليه في عدد من الأخبار كقوله في دعاء العهد: «اللّهمّ إن حال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتما مقضياً، فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني، شاهراً سيفي، مجرِّداً قناتي، ملبّياً دعوة الداعي في الحاضر والبادي...»(٢٠).
وبعبارة أُخرى: إنَّ الانتظار في الدنيا لظهور المهدي (عليه السلام) يوجب على المنتظرين الاستعداد لنصرته، وبمجرَّد أن تنعقد النيَّة في قلب المؤمن ويحصل العزم في نفسه على نصرة إمامه المنتظر (عليه السلام) يكون داخلاً في سلك المنتظرين، فإن حال بينه وبين إمامه الموت فإنَّ تلك النيَّة وذلك العزم سيكون بمثابة بذرة لحياة أُخرى تُستَأنف له في زمان ظهور المهدي (عليه السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) المصباح للكفعمي (جنَّة الأمان الواقية وجنَّة الإيمان الباقية)/ ط الأعلمي/ ١٤٠٣ه/ بيروت.

(٣)

وأمَّا وراثة الأرض المشار إليها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥)، فهي وراثة يأمن معها الوارث على الموروث من الضياع أو الانتقال، وذلك لسببين:
الأوَّل: ورود لفظ الوراثة في سياق قضاء حتمي مبرم من قِبَل الله تعالى.
وثانيهما: وضع اليد على جملة الأرض وليس على قطعة منها، مع القدرة على التصرّف بجميع ما فيها من الخيرات والموارد، وليس مجرَّد الانتفاع ببعض متاعها والاستحواذ على بقعة أو أكثر من بقاعها، وفي ذلك إشارة إلى ما يُسمّى بالتمكين، وهو عموم القدرة على التصرّف، ولازمه القوَّة على فعل أشياء والإتيان بها بنحو يُحقِّق الغاية المبتغاة من ورائه، فإذا انفصمت عرى هذه القوَّة فلا يعود للتمكين من معنى.
إنَّ الخطابات الواردة عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمَّة (عليهم السلام) فيما يتعلَّق بالإمام المهدي (عليه السلام) ليست خطابات آنية، ولا ذات مضامين أُحادية، إنَّ المعنى في الخطاب المهدوي ينبثق من كمون دلالي يحيل إلى قراءات عديدة. وبعبارة أُخرى: إنَّ المعنى المراد فهمه من النصِّ تتحكَّم فيه عدَّة عناصر ينبغي أخذها بنظر الاعتبار، ومن جملتها الظروف والملابسات المحيطة بصدوره، كوقت الخطاب وخصوصية المجلس الذي قيل فيه، وموقف المتكلِّم والمخاطب من سلطان العصر أو الوضع السياسي القائم، وخصائص شخصية المخاطب النفسية وقدراته الذهنية المؤثِّرة في نوعية الخطاب أو طبيعته بالإضافة إلى انتمائه العقدي والاجتماعي والسياسي(٢١)...، فكلُّ هذه العناصر تتحكَّم في معنى النصِّ وتُشكِّل كموناً دلالياً يمكن للقارئ أن يستنبط منه بعض الوجوه والمعاني. يضاف إلى كلِّ ذلك: أنَّ النصَّ المهدوي ينطوي على عنصر لا يتوفَّر في غيره من النصوص الدينية، وهو: الحوالة على مخاطب مقدَّر الوجود، أي إنَّ الخطاب وإن كان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) لا يخفى الدور الكبير لعلماء الشيعة في ضبط عدَّة من العلوم والفنون كانت الساهم الأساس في قراءة النصِّ الديني، وقد تكون هي اللبنة الأساسية لما انبثق من علوم حديثة، ودوّنت هذه المسائل والقضايا في علوم عدَّة منها: أُصول الفقه، المنطق، أُصول التفسير، بعض المباحث العقائدية كالتقيَّة وغيرها.

(٣)

موجَّهاً في ظرف صدوره إلى مخاطب بعينه حاضر في مجلس الخطاب أو إلى عدَّة مخاطبين، بيد أنَّه في الغالب يدور حول حدث أو عدَّة أحداث لم يحن وقت تحقّقها بعد، فثَمَّة دلالة يتضمَّنها بهيئة رسالة عابرة للزمن، لن تكون مفهومة إلَّا إذا تمَّ استلامها من متلقٍّ خاصٍّ وفي وقت مناسب من الزمان المستقبل.
وليس كلُّ قارئ للنصِّ مؤهَّلاً ليكون مخاطباً به إلَّا أن يفهم وجهاً من وجوهه، فقد يفهم المخاطب المستقبلي من النصِّ معنىً من غير المتوقَّع أن يهتدي إلى فهمه المخاطب الحاضر حال الخطاب، وذلك لعدم توفّر شرط أو لوجود مانع. على سبيل المثال: أن يشير الإمام إلى معنى من المعاني المفهومة عند المخاطب الحاضر، ولكن لا مصداق لها في محيط الخطاب، بل يتحقَّق مصداقها في وقت لاحق سيأتي. وهنا أودُّ الإشارة إلى أنَّ الخطاب المهدوي مهما كان عميقاً من جهة دلالته ومهما تضمَّن من إشارات أو رموز في عبارته، فمن الخطأ أن يتمَّ تصنيفه في خانة الألغاز بالنسبة إلى المخاطب الحاضر، فكلام الإمام لا بدَّ أن يكون مفهوماً عند المخاطب وإلَّا لم يتحقَّق الخطاب، إذ من شروط تحقّقه أن يكون المخاطب مدرِكاً لما يقوله المتكلِّم. نعم، قد يعجز المخاطب عن إدراك الرسالة الضمنية التي قد ينطوي عليها الخطاب إلَّا أنَّ ذلك لا يحول دون فهم منطوقه، فالتواصل بين المتكلِّم والمخاطب لا يفتقر إلى فهم جميع أوجه دلالته، ويكفي في المقام أن يفهم المخاطب وجهاً واحداً حتَّى يصير طرفاً للتواصل مع المتكلِّم. وهذا بالضبط هو الذي يجعل مشروع إعادة القراءة للنصوص ممكناً، فإنَّ تفاوت الأفهام واختلاف المدارك وتنوّع الثقافات وتعدّد الانتماءات من أولويات تعدّد المعنى واختلاف القراءة.
ومن الواضح أنَّ المخاطب مهما كان واسع الاطِّلاع ودقيق الملاحظة فإنَّه لن يحيط بجميع عناصر الدلالة التي يتضمَّنها كلام المعصوم (عليه السلام)، وحينئذٍ فالخطاب يصدر عن إمكانات ذهنية عالية لا يوجد لها نظير لدى المخاطب، ومع ذلك

(٣)

يكون للمدلول عليه في عبارة الخطاب وجوه من المعنى ينصرف إليها الكلام، فيتفاوت في فهمها المخاطبون (الفعليون أو المقدَّرون) تبعاً لاختلاف قابلياتهم الذهنية أو الثقافية أو مقدار انتباههم وملاحظتهم. وحين يتحوَّل الخطاب إلى نصٍّ مكتوب فإنَّه يصير في متناول آخرين لم يوجدوا في مجلس الخطاب ولا في زمانه، ويصبح قارئ النصِّ مخاطَباً به مفترضاً إذا تمكَّن من فهم وجه واحد على الأقلّ من وجوه معناه(٢٢)، حتَّى وإن لم يكن ذلك الوجه معبِّراً عن إرادة الإمام الجدّية، حيث تكفي في مقام إفادة المخاطب لبعض تلك الوجوه إرادته الاستعمالية(٢٣).
فما يستوعبه المخاطب من كلام الإمام في النصِّ تسهم في تحصيله قرائن مقامية وتاريخية، وأُخرى لفظية وسياقية، وثالثة إشارات حسّية وعقلية...، وفي الأعمّ الأغلب يتعذَّر الإحاطة بها جميعاً أو دفعةً واحدةً.
إنَّ الفهم العامّي البسيط للأحاديث يمكن عدّه وجهاً من وجوه المعنى، ولكن صبّ هذا الوجه المعنوي في قالب يجمُدُ عليه يتنافى مع كمونه الدلالي أو المعنوي. والتنبه إلى وجود إشارات وتلميحات في جملة الخطاب أو في بعض فقراته يضيف بعداً جديداً للفهم يسهم في إثراء المعنى وحصول وجه جديد من وجوهه، أي إنَّ بعض وجوه المعنى تفتقر في فهمها إلى انتباه وإحاطة بما يحفُّ بالنصِّ من قرائن. فالنصُّ مشحون بدلالات ووجوه واحتمالات قد لا يتسنّى للقارئ ملاحظتها واعتبارها بمجرَّد سماع منطوق النصِّ أو مطالعته، ومن هنا فمن يجمد في قراءة النصِّ على وجه واحد فلن يحظى بفهم صحيح أو تامّ. وأمَّا القراءة الواعية المتأنّية فيصاحبها في العادة التفات القارئ إلى ما يتضمَّنه النصُّ من دلائل كامنة، فالقارئ الجيِّد يجعل في حسبانه حال القراءة محاولة الكشف عن كمونات النصِّ وإمكاناته بحسب وسعه وطاقته، وكلَّما كان القارئ أقدر على استنطاق الإشارات والتلميحات والرموز (إن وُجِدَت)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «إنّي لأتكلَّم على سبعين وجهاً لي من كلّها المخرج». [بصائر الدرجات ٧: ٣٢٨].
وروي عنه (عليه السلام) في حديث له مع محمّد بن النعمان الملقَّب بمؤمن الطاق: «أنتم أفقه الناس ما عرفتم معاني كلامنا، إنَّ كلامنا ينصرف على سبعين وجهاً». (الاختصاص للمفيد: ٢٨٢).
(٢٣) ينبغي الإشارة إلى أنَّ الإرادة الجدّية هنا لا يقابلها الهزل (كما عند علماء الأُصول)، فهي هنا تعني القصد الأوَّل والنيَّة الحقيقية عند المتكلِّم من إنشاء الخطاب، ولذلك قد لا تكون مطابقة لفهم المخاطَب الفعلي أو الحاضر، فلربَّما أدركها وربَّما غفل عنها، من دون أن يُؤثِّر ذلك في فهمه لعبارة الخطاب، فالفهم منوط بمعرفة إرادة المتكلِّم الاستعمالية وليس إرادته الجدّية (الجوانية) أي نيَّته وقصده.

(٣)

وفهم القرائن التي تحفُّ بالنصِّ من داخله وخارجه... كلَّما أمكنه سبر أغواره ومعرفة أسراره.
البراكسيماتيك أو علم الاستعمال:
القراءة التي نقترحها هاهنا تستند إلى جملة من الأدوات المنهجية والنصّية التي سنعمل على تعريبها عن الأصل الفرنسي. وغرضنا هو تحقيق قراءة واعية للنصِّ المهدوي - من دون استبعاد القراءات الأُخرى أو التقليل من شأنها -، ونقصد بالقراءة الواعية: الانفتاح على إمكانات النصِّ وكمونه الدلالي بملاحظة القرائن والأحوال والمناسبات التي أدَّت إلى إنتاجه، فالانغلاق والجمود على معنى وحيد للنصِّ، أشبه ما يكون بفرض سلطة عليه من خارجه، إذ الانغلاق ليس سوى تكبيل النصِّ وتقييده بمقولات زمانية ومكانية ومفهومية، تُخرجه عن إطار الخطاب إلى أُطر أُخرى كاللغة نحواً وصرفاً واصطلاحاً. ولذلك فإنَّ علم الاستعمال يسعى إلى استنطاق ما يسكت عنه النصُّ في مفرداته وعبارته ولحاظ ما يحفُّ به كسياقه وقرائنه الخارجية وإشاراته وتلميحاته وظروف إنتاجه.
وعليه، فإنَّ مهمَّة محلِّل النصِّ عند إعادة قراءته لن تكون مهمَّة سهلة، بل تفتقر إلى دراسة متأنّية لكلِّ تلك العناصر المشار إليها، ففي داخل النصِّ ينبغي الالتفات جيِّداً إلى أنواع القرائن اللفظية والمجازات والاستعارات والكنايات، وكذلك إلى موضوع النصِّ وغايته أو غرضه واستكشاف ما يسعى النصُّ إلى إبرازه وبيانه أو طمسه وتَعْميته، فما يُراد له البروز في النصِّ مثلاً يُستَكشف بملاحظة التكرار اللفظي والمعنوي واستعمال المترادفات وأُسلوب الإسهاب، وما يُراد له الطمس والتَّعْمية يُستَكشف من خلال إجمال ما حقّه البيان والكناية عمَّا شأنه التصريح والإعلان، واللواذ خلف الكلمات الصعبة أو المهجورة، ولذلك فإنَّ الخطاب وتأكيداته وتبريراته ووضوحه وإبهامه وتعميته...

(٣)

 أُمور يسعنا الوقوف عليها بملاحظة تلك العناصر. وفي خارج النصِّ ينبغي استكشاف ظروف إنتاجه كحال المتكلِّم وحال المخاطب ومبانيهما الفكرية ومنطلقاتهما الإيديولوجية، ونفتقر أثناء التحليل أحياناً إلى تبيّن أُصولهما الثقافية والقومية واختلافهما أو اشتراكهما في فكرة أو مذهب أو انتماء سياسي...
إنَّ الخطاب مساحة دلالية مفتوحة على إمكانات واسعة، ومن الإجحاف بمكان الاقتصار في فهمه على منطوقه التعبيري المتبادر من مداليل ألفاظه، فإنَّ هذا الفهم ليس سوى فهماً سطحياً وقراءةً معجميةً، وهو يناسب ميدان اللغة وتعليمها أكثر ممَّا يناسب ميدان الخطاب، وقد أشرنا إلى أنَّ الخطاب قد يتضمَّن كموناً معنوياً واسعاً وبعداً دلالياً عميقاً، يقبع تحت سطحه اللفظي أو منطوقه اللغوي، فهو يتجاوز حرفية اللغة وثباتها الدلالي إلى تعدّد المعنى واختلاف مستويات الفهم، فالمعنى في الخطاب ليس معطىً نهائياً وإلى الأبد، نعم في المجال اللغوي ينبغي أن تكون القواعد النحوية والصرفية والمعاني المعجمية بمنأى عن التغيير، وثباتها أمر لا بدَّ منه حتَّى يكون للغة هويَّة مستقلَّة، فكلُّ لفظ وُضِعَ بإزاء معنى خاصّ يختلف عن معاني سائر الألفاظ، والقواعد النحوية والصرفية والبلاغية ينبغي أن تكون مرعيَّة ليأتِ الكلام صحيحاً من حيث الشكل ومتماسكاً من حيث المضمون، فما يُميِّز لسان قوم عن قوم هو خصوصيات ألفاظ اللغة التي يتحدَّثون بها وقواعدها الخاصَّة، فاللغة أشبه ما تكون بسجلّ أو مدوَّنة وثائقية غايتها حفظ هويَّة الأُمَّة من الضياع. بيد أنَّ الخطاب لا يخضع إلى تلك الصرامة ولا يتقيَّد بذلك الثبات، فهو في الأصل حوار حيّ بين طرفين تتدخَّل في صياغة معناه عوامل كثيرة (إدراكية ومعرفية ونفسية وثقافية واجتماعية وسياسية... الخ)، وسعة مضمون الخطاب ومرونة معناه يجعله في معرض القراءة المتعدِّدة، لاسيّما بعد الأخذ بنظر

(٣)

الاعتبار القرائن الحافَّة به، وأيضاً بملاحظة الظروف والملابسات التي أحاطت بإنتاجه.
يهدف المنهج الذي نتطرَّق إليه في هذا البحث إلى استعراض مقتضب وتعريف موجز بأبرز أدوات تحليل النصِّ وإنتاج المعنى، ومن ثَمَّ محاولة تطبيقه على أُنموذج مختار من النصِّ المهدوي في مشروع جديد لإعادة قراءته، ومن بين ما يسعى إلى تحقيقه هو تشجيع القرّاء وخاصَّة في موضوع (المهدوية) على فهم أبعاد جديدة لقراءة النصوص المهدوية والمعصومية وآليات ميسَّرة لفهم المعنى وإنتاجه. وينتمي المنهج الذي نعمل عليه إلى حقل (تحليل الخطاب وتفكيك النصِّ) في علم الألسنيات المعاصر. فقد ظهر علم تحليل الخطاب في ستّينيات القرن المنصرم وازدهر في السبعينيات كردِّ فعل على النظرية البنيوية في الألسنيات التي وضع أُسسها العالم السويسري فردينان دي سوسير، وقد خطى هذا العلم خطى واثقة وشاسعة في طريق تقويض الصرح البنيوي الذي كان قائماً آنذاك، حيث شهد علم الألسنيات تطوّراً غير مسبوق بفضل تطبيق منهج تحليل النصوص وتفكيكها، ما أدّى في المحصَّلة إلى التحرّر من البُنى والقوالب الجاهزة الموروثة عن المدرسة البنيوية، ثمّ انبثق من رحمه في بضعة سنين علم الاستعمال (البراكسيماتيك) ليدفع بعجلة التحليل والتفكيك والمعالجة والتأويل خطوات أوسع، ولاسيّما في موضوعه (إعادة قراءة النصوص)، وكانت نقطة الانطلاق الأُولى هي نقد (الدلالة الوضعية اللفظية) عند دي سوسير، وبيان زيف الأُطروحة البنيوية القاضية بجعل العلاقة بين (الدالِّ والمدلول) علاقة راسخة وثابتة، بالرغم من دعوى نشوئها عن اعتباط(٢٤) صرف ومواضعة محضة.
إنَّ الأصل الذي ينطلق منه التحليل البراكسيماتيكي هو الاستعمال (praxis)، إذ أنَّ الاستعمال للكلمات والعبارات في محيط من السياقات المتغيِّرة والقرائن المختلفة يفيد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) الاعتباط: هو عدم وجود سبب ومناسبة في العلاقة بين أمرين، وهو هنا بمعنى المصادفة أو الارتجال. وفي أصل اللغة الاعتباط: هو النحر من دون علَّة.

(٣)

في إنتاج معانٍ قد لا يكون مدلولاً عليها بحسب ثنائية (الدالّ - المدلول) الوضعية. فليس من شأن علم الاستعمال (Praxématique) الاعتناء بالمعنى اللغوي المفهوم أو المتبادر من النصِّ، بل يهدف إلى تحليل الأساليب والطرق التي تعتمدها النصوص والخطابات المختلفة في إنتاج معانيها. وذلك من خلال ربط النصوص بظروف إنتاجها واستقبالها، أي إنَّ التحليل الاستعمالي يسعى من جهة إلى إزالة (وهم) المعنى الوحيد والنهائي للنصِّ أو الخطاب، مع التنبيه إلى احتمال بروز ذلك الوهم عند القراءة أو إعادة القراءة، ومن جهة أُخرى إلى نقد وتفكيك القوالب اللغوية الجاهزة التي يحشر فيها المعنى ليبدو وحيداً ونهائياً.
وقد شرع لافونت (LaLont) مؤسِّس البراكسيماتيك قبل كلِّ شيء إلى إعادة تعريف الإنسان، فرسمه بأنَّه: (كائن يعمل)، ثمّ أوضح هذا التعريف بما حاصله: لمَّا كان العمل نشاطاً وفعاليةً إنسانيةً سواء أكانت اجتماعية أم ثقافية، فسوف نستخدم هذه الخاصَّة (العمل) في تعريف الإنسان، من دون ارتكاب أيَّة مخالفة منطقية، ومن المعلوم الذي لا يختلف فيه اثنان أنَّ اللغة هي ثمرة من ثمرات العمل الإنساني(٢٥). فإنَّ الجهد الثقافي والتواصل الاجتماعي هما نوع من العمل الذي يمارسه الإنسان في تخاطبه اليومي، وهو من الأسباب الرئيسة المؤثِّرة في تكوين النظام اللغوي لأيَّة أُمَّة من الأُمم، وذلك عبر مراحل زمنية متعاقبة، فاللغة لم تُولَد مكتملة، وللخطاب دور لا يمكن إنكاره في تأسيس اللغة وتقعيدها وتطويرها تدريجياً.
يُميِّز لافونت بين ثلاثة نماذج من الاستعمال:
١- الاستعمال التنظيمي الاجتماعي.
٢- الاستعمال الإجرائي - التغييري.
٣- الاستعمال اللغوي.
ويُعطي لافونت للاستعمال الأخير أهمّية خاصَّة، وذلك لدوره الفاعل في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) روبير لافونت وفرانسواز كارد - مداري/ المدخل إلى التحليل النصّي/ المجلَّد السادس من مجموعة (اللغة واللسان):
Robert Lafont et Françoise Gardes - Madray، Introduction à l›analyse textuelle، Larousse Université، Collection «Langue et Langage» ١٩٧٦، VI. ٥، La Production dynamique du sens: Praxème et Signifiance، p. ٩٨

(٤)

 تحليل الوقائع الاجتماعية والتاريخية ونقدها، وهذا ما يجعله متضمِّناً للاستعمالين (الاجتماعي والإجرائي) معاً، باعتبار أنَّ متعلّقهما هو الواقع.
ويُشبِّه لافونت الاستعمال بعملية برمجة واعية للمعنى، تساعدنا في فهم الأحداث فهماً موضوعياً وذلك من خلال تحليل معطيات الخطاب وإحالاته على الواقع. ففي كلِّ تحليل باراكسيماتيكي ثَمَّة وسائل لإنتاج المعنى تتفاعل مع بعضها في عملية صيرورة أو خروج من القوَّة إلى الفعل ومن الكمون إلى التحقّق.
العُملات (praxèmes):
يمكننا ترجمة الكلمة الفرنسية (praxème) المشتقَّة عن الأصل اليوناني (praxis = العمل) إلى (عُملة). فالعُملة بحسب هذا الاصطلاح: كلمة استعمالية أو مفردة نصّية لا يتحدَّد معناها إلَّا من خلال استعمالاتها في الخطابات والنصوص، فالعُملة هي العنصر الأوَّل الذي يقوم عليه مشروع إعادة قراءة النصوص وإعادة إنتاج ما تتضمَّنه من وجوه المعنى، فهي فضاء دلالي متوتِّر ومساحة لفظية حبلى بالمعاني الكامنة. والعُملات تشمل ثلاثة أصناف من الكلمات: (الأسماء، والصفات، والأفعال)، لكن لا من جهة كونها ذات مداليل لغوية أو معجمية ثابتة، بل من جهة ما تتضمَّنه من معانٍ كامنة تتجلّى في النصوص والخطابات بحسب القرائن اللفظية والخارجية.
والعملات على قسمين:
الأوَّل:
عملات حَدَثية (chronogénèses) تتمثَّل في جميع الأفعال بما تتضمَّنه من الهيأة الدالّة على أحد الأزمنة الثلاثة، وورود هذه العملات في النصوص والخطابات يكشف عن وجود عملية ذهنية انعكاسية لحركة خارجية (حَدَث)، والقيمة التي تؤسِّس هذه العملية الإدراكية هي هيأة العملة الدالّة على الزمان ضمناً، فمن الضروري لترقية اللغة الجامدة إلى خطاب حيٍّ الأخذ

(٤)

بنظر الاعتبار حصول هذه العملية في ذهن المتكلِّم (فاعل الخطاب) خاصَّة.
والثاني: عملات موضوعية (topogénèses) تتمثَّل في جميع الأسماء والصفات، وورودها في النصوص يشير إلى توفّر مشخَّص مكاني، يتحدَّد بواسطة محدَّدات خاصَّة كالعدد وأدوات التعريف، وبغياب المحدِّدات نكون بإزاء معنى لغوي (وليس معنىً خطابياً) للاسم والصفة.
الروابط أو العوامل (parapraxémes):
وهي أيضاً من جملة أدوات التحليل البراكسيماتيكي وتشمل كافَّة الوحدات النحوية والصرفية التي تُوجِد علاقة بين الخطاب والواقع، وهي تدور حول ثلاثة محاور رئيسية:
١) فاعل الخطاب [المتكلِّم والمخاطب].
٢) المكان.
٣) الزمان.
وللعوامل أهمّية بالغة في ترقية اللغة الجامدة إلى خطاب أو نصٍّ حيٍّ.
المحور الأوَّل: وتدور حوله العوامل التالية: (أنا، أنت، نحن، أنتم)، فالمتكلِّم والمخاطب يُعبِّران عن نفسيهما في أثناء الخطاب ببعض هذه الأدوات.
وهي نقاط الاستناد لكلٍّ من العملات الموضوعية والحدثية، فالمتكلِّم يُوصَف بأنَّه عامل له القدرة على تحويل المحتوى اللغوي إلى شهادة حاكية عن الواقع.
المحور الثاني: وتدور حوله العوامل المكانية التالية: (هنا، هناك، قريباً من، بعيداً عن...)، وهذه العوامل تشير إلى المحيط الخارجي الذي يتمُّ فيه التواصل بين المتخاطبين.
المحور الثالث: وتدور حوله العوامل الزمانية التالية: (الآن، اليوم، غداً، بالأمس...)، وهذه العوامل تُعيِّن حصول الخطاب في زمن محدَّد دقيق أو تقريبي من الأزمنة الثلاثة.
ويلحق بالعوامل المعرِّفات أو المحدِّدات التي تقدَّم ذكرها، وبعض الضمائر

(٤)

التي يتشكَّل بها المضمون الخطابي أو فحوى الرسالة (message) وأهمّها: أدوات التعريف، والضمائر المتَّصلة والمنفصلة، وأسماء الإشارة.
القرائن النصّية، أو الأدوات السياقية (metapraxémes):
وهي الوحدات اللغوية التي تقوم بربط المفردات فيما بينها في نسيج متجانس وفي سياق مفيد ومحكم، كأدوات العطف وحروف الجرِّ والأسماء الموصولة وأدوات التوكيد وأدوات الشرط والمفعول المطلق. ولهذه الأدوات أهمّية بالغة في تحقيق وحدة النصِّ وتماسكه الشكلي وترابط أجزائه وفقراته.
أُنموذج لإعادة القراءة طبقاً للمنهج البراكسيماتيكي:
وبعد هذا الاستعراض الموجز لعدد من أدوات التحليل الاستعمالي للخطاب نشرع في اختيار مثال واحد من النصوص المهدوية ونقوم بتحليله:
روى الشيخ النعماني في الغيبة: عن الحسن بن الجهم، قال: قلت للرضا (عليه السلام): أصلحك الله إنَّهم يتحدَّثون أنَّ السفياني يقوم وقد ذهب سلطان بني العبّاس، فقال: «كذبوا إنَّه ليقوم وإنَّ سلطانهم لقائم»(٢٦).
الحديث بصدد ذكر حوار بين الإمام عليِّ بن موسى الرضا (عليه السلام) والحسن بن الجهم بن بكير بن أعين(٢٧)، وهو من خواصّ وثقات أصحاب الإمامين الكاظم والرضا (عليهما السلام)، يُخبره الأخير بشائعة مفادها: أنَّ الناس يتحدَّثون عن القرب الوشيك لظهور السفياني وزوال سلطان بني العبّاس. ويظهر أنَّ هذه الشائعة قد انتشرت لسببين - ولا يمكن استكشافهما بطبيعة الحال من ملاحظة منطوق الرواية -:
السبب الأوَّل: الحدث التاريخي لتسنّم الإمام الرضا (عليه السلام) ولاية عهد المأمون العبّاسي في محرَّم سنة (٢٠٢) هجرية، حيث استمرَّت ولاية عهده زهاء عام وثمانية أشهر(٢٨)، فإنَّ إجمال هذه الرواية لا يتبيَّن إلَّا في سياق معرفة مجريات وملابسات ذلك الحدث. فقد ربط جماعة من الشيعة في ذلك الوقت بين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) الغيبة للنعماني/تحقيق فارس حسّون كريم/ منشورات أنوار الهدى/ ١٤٢٢ه/ إيران/ قم.
(٢٧) الحسن بن الجهم بن بكير بن أعين، أبو محمّد الشيباني، ثقة، روى عن أبي الحسن موسى والرضا (عليهما السلام). (رجال النجاشي: ٥٠).
(٢٨) ... لم يكن بين تأريخ ولاية العهد في محرَّم سنة (٢٠٢هـ) وبين شهادة الإمام (عليه السلام) بالسُّمِّ في (٢١) رمضان سنة (٢٠٣هـ) إلَّا عام وثمانية أشهر... (مسند الرضا (عليه السلام) لداود بن سليمان الغازي: ٢٦).

(٤)

ولاية عهد الإمام الرضا (عليه السلام) وبين زوال سلطان بني العبّاس، فظنّوا أنَّ الخلافة سوف تنتقل من العبّاسيين إلى العلويين بمجرَّد هلاك المأمون.
والسبب الآخر: اشتهار أخبار ظهور المهدي (عليه السلام) بعد اختلاف بني العبّاس في الملك(٢٩)، ولعلَّ اختلاف المأمون والأمين وتنازعهما على الخلافة بعد وفاة هارون العبّاسي قد أدّى إلى أن تجد تلك الأخبار في الواقع التاريخي شاهداً قويّاً على قرب الظهور.
ونتيجة هاتين المقدَّمتين أنَّ الناس صاروا يتحدَّثون عن قرب قيام السفياني على تقدير موت المأمون وانتقال الخلافة إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، ولعلَّ بعضهم قد تصوَّر أنَّ الإمام الرضا (عليه السلام) هو المهدي المنتظر (عليه السلام)، كما أشار إلى ذلك الشيخ محمّد جواد مغنية(٣٠)، أو أنَّه خليفة المهدي، بناءً على ما ذكره السيِّد المرتضى من اختلاف الواقفة بعد الإمام الكاظم (عليه السلام) فيمن يأتي بعده وأنَّه بمنزلة خليفته(٣١). ويظهر أنَّ الذين زعموا مهدوية الإمام الرضا (عليه السلام) نُسبوا كذلك إلى الوقف، ولعلَّهم قد انبثقوا عن الواقفة السابقين. والوقوف على الإمام الكاظم (عليه السلام) أو على الإمام الرضا (عليه السلام) يدلُّ على جهل كبير بالأئمَّة (عليهم السلام)، وهذا ما يُفسِّر وصف الواقفة على لسان الإمام محمّد الجواد (عليه السلام) بحمير الشيعة(٣٢)، ومنه يُفهَم أنَّ حدث تسنّم الرضا (عليه السلام) لولاية عهد المأمون قد كانت له تداعيات كثيرة على الساحتين الاجتماعية والسياسية، سرت بسببها تلك الشائعة سريان النار في الهشيم، حتَّى صار التحدّث بها في أوساط العامَّة ولاسيّما لدى تلك الجماعة الشغل الشاغل في ذلك الوقت، وهو ما استدعى أن يبادر الحسن بن الجهم (باعتباره أحد خواصّ الإمام الرضا (عليه السلام) والمقرَّبين من مجلسه) بالاستفسار عنها من الإمام شخصياً لمعرفة صدق أو كذب مضمونها.
تحليل النصّ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) منها: عن يعقوب السرّاج، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): متى فرج شيعتكم؟ قال: فقال: «إذا اختلف ولد العبّاس، ووهى سلطانهم، وطمع فيهم من لم يكن يطمع فيهم، وخلعت العرب أعنَّتها، ورفع كلُّ ذي صيصية صيصيته، وظهر الشامي، وأقبل اليماني، وتحرَّك الحسني، وخرج صاحب هذا الأمر من المدينة إلى مكّة بتراث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)». (الكافي للكليني ٨: ٢٢٤ و٢٢٥).
وعن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «... إذا اختلف بنو أُميَّة وذهب ملكهم، ثمّ يملك بنو العبّاس، فلا يزالون في عنفوان من الملك وغضارة من العيش حتَّى يختلفوا فيما بينهم، فإذا اختلفوا ذهب ملكهم...». (الغيبة للنعماني: ٢٧٠).
(٣٠) الواقفية: وهم الذين قالوا بثمانية أئمَّة: عليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين ومحمّد الباقر وجعفر الصادق وموسى الكاظم وعليّ الرضا (عليهم السلام)، ووقفوا عنده، ولم يتجاوزوا إلى غيره، وزعموا أنَّ الرضا هو المهدي المنتظر (عليه السلام) وهم من الفِرَق البائدة. (الشيعة في الميزان لمحمّد جواد مغنية: ٣٤/ دار الشروق/ بيروت).
(٣١) قال السيِّد المرتضى (رحمه الله): واختلفت الواقفة في الرضا (عليه السلام) ومن قام من آل محمّد بعد أبي الحسن موسى (عليه السلام) فقال بعضهم: هؤلاء خلفاء أبي الحسن (عليه السلام) وأُمراؤه وقضاته إلى أوان خروجه، وإنَّهم ليسوا بأئمَّة وما ادَّعوا الإمامة قطّ، وقال الباقون: إنَّهم ضالّون مخطئون ظالمون، وقالوا في الرضا (عليه السلام) خاصَّة قولاً عظيماً وأطلقوا تكفيره وتكفير من قام بعده من ولده. (الفصول المختارة للمرتضى: ٣١٣).
(٣٢) نقل العلَّامة المجلسي في بحار الأنوار (ج ٤٨/ ص ٢٦٧) عن البراثي، عن أبي عليّ، عن محمّد بن رجاء الحنّاط، عن محمّد بن عليّ (الجواد (عليه السلام)) أنَّه قال: «الواقفة هم حمير الشيعة»، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٤].

(٤)

إنَّ العامل (هم) أو ضمير الغائب الجمع بالمتَّصل ب (إنَّ) المؤكّدة يعود على جماعة من الناس معروفة لدى المخاطب والمتكلِّم، وفعل (يتحدَّثون) مضارع يعود فيه الضمير (واو الجماعة) على تلك الجماعة المعهودة بين طرفي الخطاب، واستعمال العُملة الفعلية أو الحَدثية (يتحدَّثون) بدلاً عن مرادفاتها الأُخرى مثل (يتكلَّمون) لا يخلو من مناسبة، لأنَّ معنى (يتحدَّث) هو (يتكلَّم عن حدث واقع)(٣٣)، ومنه اشتقاقه، ومع أنَّ الفعل المضارع بحسب وضعه وهيأته يدلُّ على الحال أو الاستقبال، إلَّا أنَّه يدلُّ كذلك على الاستمرار والتجدّد، وهو ما نلمحه في عبارة النصِّ، إذ الراوي بصدد الاستفسار عن خبر الشائعة الحالي المستمرّ التداول بين تلك الجماعة.
والسفياني شخصية مهمَّة من شخصيات عصر الظهور، قد جُعِلَت علامة حتمية على ظهور المهدي (عليه السلام) في جمٍّ غفير من الأخبار المرويَّة عن أهل البيت (عليهم السلام)(٣٤)، ومن الواضح أنَّ صدى تلك الأخبار كان لم يزل قويّاً في عصر الإمام الرضا (عليه السلام)، وبالخصوص لدى المتشيِّعين لأهل البيت (عليهم السلام) والمرتقبين لتحقّق الوعد الإلهي، بخلافتهم ووراثتهم للأرض عند ظهور مهديهم الموعود (عليه السلام)، والمشار إليه في ذلك العصر بالرضا من آل محمّد (عليهم السلام)، وقد كان المعني به إبّان الثورة على الأُمويين الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)(٣٥)، وقد كشف يحيى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنَّ ثورة أبيه زيد (رضي الله عنه) كانت تتضمَّن الدعوة إلى عمِّه جعفر بن محمّد (عليه السلام)(٣٦)، فلمَّا وصلت الخلافة إلى بني العبّاس ويأس الناس من خيرهم بدأ الناس في البحث عن مصداق آخر ليكون هو (الرضا من آل محمّد) الموعود بالخلافة، فتهيَّأ (نتيجةً لذلك) العقل الجمعي الإسلامي (وخاصَّة في الوسط الشيعي) لقبول وتداول الأخبار المرتبطة بالظهور، بل وإسقاطها على الواقع أيضاً، لاسيّما مع وجود موضوع خارجي تستند إليه وهو شخص الإمام الرضا (عليه السلام).
ليس ذلك فقط، بل عمد البعض إلى استباق حدث الظهور قبل أوانه،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) في قاموس المعاني: تحدَّث الشَّخصُ: تحدَّث بالواقعة، تحدَّث عن الواقعة، تكلَّم عنها وأخبر بها.
(٣٤) منها: عن المعلّى بن خنيس، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «من الأمر محتوم، ومنه ما ليس بمحتوم، ومن المحتوم خروج السفياني في رجب». (الغيبة للنعماني: ٣١٠ و٣١١).
وعن حمران بن أعين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «من المحتوم الذي لا بدَّ أن يكون من قبل قيام القائم: خروج السفياني، وخسف بالبيداء، وقتل النفس الزكيَّة، والمنادي من السماء». (الغيبة للنعماني: ٢٧٢).
وعن الفضل الكاتب في حديث عن الصادق (عليه السلام)...، قلت: فما العلامة فيما بيننا وبينك جُعلت فداك؟ قال: «لا تبرح الأرض يا فضل حتَّى يخرج السفياني، فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا - يقولها ثلاثا‍ً -، وهو من المحتوم». [الكافي للكليني ٨: ٢٧٤).
(٣٥) عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «رحم الله عمي زيداً لو ظفر لوفى، إنَّما دعا إلى الرضا من آل محمّد وأنا الرضا». (كفاية الأثر للخزّاز القمّي: ٣٠٦).
(٣٦) عن المتوكّل بن هارون، قال: لقيت يحيى بن زيد بعد قتل أبيه وهو متوجّه إلى خراسان، فما رأيت رجلاً في عقله وفضله، فسألته عن أبيه (عليه السلام) فقال: إنَّه قُتِلَ وصُلِبَ بالكناسة، ثمّ بكى وبكيت حتَّى غشي عليه، فلمَّا سكن قلت له: يا ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وما الذي أخرجه إلى قتال هذا الطاغي وقد علم من أهل الكوفة ما علم؟ فقال: نعم لقد سألته عن ذلك فقال: سألت أبي (عليه السلام) يُحدِّث عن أبيه الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، قال: «وضع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يده على صلبي فقال: يا حسين يخرج من صلبك رجل يقال له: زيد يُقتَل شهيداً إذا كان يوم القيامة يتخطّى هو وأصحابه رقاب الناس ويدخل الجنَّة»، فأحببت أن أكون كما وصفني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ثمّ قال: رحم الله أبي زيداً، كان والله أحد المتعبِّدين، قائم ليله صائم نهاره، يجاهد في سبيل الله (عزَّ وجلَّ) حقَّ جهاده. فقلت: يا ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، هكذا يكون الإمام بهذه الصفة؟ فقال: يا أبا عبد الله، إنَّ أبي لم يكن بإمام ولكن كان من سادات الكرام وزهّادهم، وكان من المجاهدين في سبيل الله، وقد جاء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) فيمن ادَّعى الإمامة كاذباً، فقال: مَهْ يا أبا عبد الله إنَّ أبي (عليه السلام) كان أعقل من أن يدَّعي ما ليس له بحقٍّ، وإنَّما قال: أدعوكم إلى الرضا من آل محمّد. عنى بذلك عمّي جعفر. (كفاية الأثر للخزّاز القمّي: ٣٠٧ و٣٠٨).

(٤)

بمحاولتهم تغيير الواقع السياسي بالقوَّة المسلَّحة والتمرّد العسكري، فقامت نتيجة ذلك ثورات عارمة في أنحاء من الدولة العبّاسية، وقد كان لتلك الثورات صدى واضح على القرار السياسي العبّاسي في عصر المأمون، حيث اضطَرَّتْ ثورات العلويين بالإضافة إلى اللغط السياسي في بلاط العبّاسيين (بعد حادثة قتل الأمين) الخليفة المأمون إلى تدبير مكيدة غرضها إطفاء نائرة الثورات وإخماد أوار الانتفاضات من جهة، وتحييد المعارضين من بني العبّاس من جهة ثانية، فأرسل المأمون في إشخاص الإمام عليّ بن موسى بن جعفر (عليه السلام) من المدينة ثمّ أجبره تحت التهديد على قبول ولاية العهد(٣٧).
ولعلَّ تلقيب الإمام من قِبَل أبيه (عليه السلام) ب (الرضا)(٣٨) قد أسهم بشكل أو آخر في الإشارة إليه من قِبَل الناس بالبنان، فظنَّ بعضهم أنَّه هو المقصود بالرضا من آل محمّد في الدعوة التي سبقت قيام الدولة العبّاسية. وانطلقت بعد تمام بيعة الرضا بولاية العهد بشائر (ومنها شائعات) في الأوساط الاجتماعية بقرب ظهور القائم (عليه السلام)، متناسين بذلك وصيَّة الأئمَّة (عليهم السلام) بعدم الاستعجال أو وبعدم المبادرة إلى الخروج قبل الأوان(٣٩)، وخاصَّة قبل تحقّق علامات خاصَّة وُصِفَت بالمحتومات ومنها قيام السفياني، كما تدلُّ على ذلك طائفة معتبرة من الروايات.
وذكر السفياني بـ(لام العهد الذهني) إشارة إلى كونه شخصاً معهوداً أو معروفاً بين طرفي الخطاب، إمَّا من جهة حقيقته (بالنسبة إلى الإمام الرضا (عليه السلام): الطرف الأوَّل للخطاب)، وإمَّا من جهة بعض أوصافه وعلائمه بالاستناد إلى ما ورد في شأنه من الأخبار عن الأئمَّة (عليهم السلام) (وذلك بالنسبة إلى الحسن بن الجهم: الطرف الثاني للخطاب). وعُملة (يقوم) دالّة على حدث قيامه الوشيك أو القريب بناءً على ما يتصوَّرونه من ذهاب سلطان بني العبّاس المترتِّب على ولاية عهد الإمام الرضا (عليه السلام) للخليفة العبّاسي المأمون.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) في سنة إحدى ومائتين بعث المأمون رجاء بن أبي الضحّاك وفرناس الخادم إلى المدينة المنوَّرة لإشخاص الرضا (عليه السلام) إلى المأمون وهو بخراسان، وذلك بعد قتل الأمين واضطراب الأُمور عليه، وبيان ذلك: أنَّ المأمون لمَّا قتل أخيه وصلب رأسه وأمر الناس أن يلعنوه خالفه بنو العبّاس وأظهروا الخلاف والنزاع، واضطربت بغداد والعراق والشام والحجاز، وانفصل أمر بني العبّاس وثارت الفتن عليهم، وظهر نصر بن سيار بن شبث بالشام، ومحمّد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبا في الكوفة، وإبراهيم بن موسى بن جعفر (عليهما السلام) في الحجاز، وزيد بن موسى في البصرة. أمَّا محمّد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فظهر بالكوفة، ويدعو إلى الرضا من آل محمّد (عليهم السلام)، والعمل بالكتاب والسُّنَّة، وكان القيّم بأمره في الحرب أبو السرايا السري بن منصور، وجرت بينه وبين الحسن بن سهل حروب كثيرة، ووجَّه الحسن بن سهل عبدوس بن محمّد المروزي في أربعة آلاف فارس، فخرج إليه أبو السرايا فلقيه بالجامع لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب، فقتل عبدوساً ولم يفلت من أصحابه أحد، وانتشر الطالبيون في البلاد وضرب الدراهم بالكوفة، ووثب من معه من الطالبيين على دور بنى العبّاس ومواليهم وأتباعهم فهدموها ونهبوها وخرَّبوا ضياعهم وأخرجوهم من الكوفة. ثمّ سيَّر جيشه إلى البصرة وواسط ونواحيها، فولّى البصرة العبّاس بن محمّد الجعفري، وولّى مكّة الحسين بن الحسن، وولّى فارس إسماعيل بن موسى بن جعفر، وولّى الأهواز زيد بن موسى بن جعفر، وولّى اليمن إبراهيم بن موسى بن جعفر، وبعث محمّد بن سليمان بن داود العلوي إلى المدائن وأمره أن يأتي بغداد من الجانب الشرقي. وأمَّا إبراهيم بن موسى بن جعفر فظهر باليمن، وبها إسحاق بن موسى بن عيسى العبّاسي وكان عاملاً للمأمون، فلمَّا بلغه قرب إبراهيم من صنعاء سار منها نحو مكّة فأتى المشاش فعسكر بها واجتمع بها إليه جماعة من أهل مكّة هربوا من العلويين، واستولى إبراهيم على اليمن، وكان يُسمّى الجزّار لكثرة من قتل باليمن وسبى و أخذ الأموال. وأمَّا زيد بن موسى بن جعفر (عليهما السلام) فإنَّه ظهر في البصرة وأحرق دور بني العبّاس وأتباعهم، وكان إذا أُتي برجل من المسودة أحرقه، وأخذ أموالاً كثيرة من مال التجّار سوى أموال بني العبّاس. وأمَّا نصر بن سيار بن شبث العقيلي فإنَّه أظهر الخلاف على المأمون، وكان نصر من بني عقيل يسكن كيسوم ناحية شمالي حلب، وكان في عنقه بيعة للأمين وله فيه هوى، فلمَّا قُتِلَ الأمين أظهر نصر الغضب لذلك وتغلَّب على ما جاوره من البلاد وملك سيمساط واجتمع عليه خلق كثير من الأعراب وأهل الطمع وقويت نفسه وعبر الفرات إلى الجانب الشرقي، وحدَّث نفسه بالتغلّب عليه، فلمَّا رأى الناس ذلك منه كثرت جموعه وزادت عمَّا كانت.
فهذه الثورات اضطربت المأمون وأخرجت البلاد من يده وهو مقيم بمرو خراسان ومتفكّر في أمره، ويشاور مع خواصّه ووزرائه، والمأمون كان من أفضل رجال بني العبّاس علماً، ورأياً، ودهاءً وهيبةً، فأراد أن يخلع نفسه عن الخلافة ويجعلها في (الرضا) من آل محمّد، ويريد بذلك كسر شوكة ابن طباطبا وسائر العلويين الذين يدعون الناس بهذا العنوان، وكان ذلك مكر وخديعة منه. (مسند الإمام الرضا (عليه السلام) للشيخ عزيز الله عطاردي ١: ٥٠ - ٥٢).
(٣٨) حياة الإمام الرضا (عليه السلام) للقرشي ١: ٢٤: روى سليمان بن حفص، قال: كان موسى بن جعفر سمّى ولده عليّاً الرضا، وكان يقول: «اُدعو لي ولدي الرضا»، و«قلت لولدي الرضا»، و«قال لي ولدي الرضا»، وإذا خاطبه قال: «يا أبا الحسن».
(٣٩) روى النعماني في كتابه الغيبة عن عبد الرحمن بن كثير، قال: كنتُ عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه مهزم، فقال له: جُعلت فداك أخبرني عن هذا الأمر ننتظره متى هو؟ فقال: «يا مهزم، كذب الوقّاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلِّمون». (الغيبة للنعماني: ١٥٨).
وعن أبي المرهف، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «هلكت المحاضير». قلتُ: وما المحاضير؟ قال: «المستعجلون. ونجا المقرِّبون، وثبت الحصن على أوتادها. كونوا أحلاس بيوتكم، فإنَّ الغبرة على من أثارها. وإنَّهم لا يريدونكم بجائحة إلَّا أتاهم الله بشاغل، إلَّا من تعرَّض لهم». (الغيبة للنعماني: ١٦٩).
وعن إبراهيم بن هليل، قال: قلتُ لأبي الحسن (الكاظم): جُعلت فداك مات أبي على هذا الأمر، وقد بلغت من السنين ما قد ترى. فقال: «يا أبا اسحاق، إنَّك تعجل». فقلتُ: إي والله أعجل‍! وما لي لا أعجل ولقد بلغتُ من السنين ما قد ترى؟ فقال: «أمَا والله يا أبا إسحاق ما يكون ذلك حتَّى تُميَّزوا وتُمحَّصوا، وحتَّى لا يبقى منكم إلَّا الأقلّ»، ثم صَفِرَ كفَّه. (الغيبة للنعماني: ١١٠).
وروى الكليني في الكافي (ج ٨/ ص ٢٧٤) عن الفضل الكاتب، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأتاه كتاب أبي مسلم فقال: «ليس لكتابك جواب، اُخرج عنّا»، فجعلنا يسار بعضنا بعضاً، فقال: «أيُّ شيء تسارون يا فضل؟ إنَّ الله (عزَّ وجلَّ ذكره) لا يعجل لعجلة العباد، ولإزالة جبل عن موضعه أيسر من زوال ملك لم ينقص أجله...» (الكافي للكليني ٨: ٢٧٤).

(٤)

وقد ردَّ الإمام الرضا (عليه السلام) خبر الشائعة التي نقلها الحسن إليه بتكذيب مروّجيها والمتحدِّثين بها فقال: (كذبوا) أي إنَّهم كذبوا بادِّعاء قيام السفياني وزوال سلطان العبّاسيين في الحاضر، ولكنَّه لم يُكذِّب أصل خبر قيام السفياني وهلاك العبّاسيين في المستقبل، بل أكَّده وشدَّد عليه، فالعُملة الحَدَثية (يقوم) المتَّصلة بالأداة السياقية (لام التوكيد) والمسندة بجملتها إلى (إنَّ) المفيدة للتوكيد في قوله: (إنَّه = أي السفياني) يشير إلى حتمية قيام السفياني في المستقبل، فالحتم كما يمكن استفادته من لفظه كذلك يستفاد من بعض الأدوات، وسنشير إلى أهمّها قريباً. ويمكن الاستظهار من إطلاق العبارة أنَّ قيام السفياني (المؤكَّد أو المحتوم) غير معلوم الوقت.
وأمَّا قوله (عليه السلام): «وإنَّ سلطانهم لقائم» فيشير إلى حقيقة ماثلة في الخارج لا تطابقها دعوى ما ورد في الشائعة: (... وقد ذهب سلطان بني العبّاس)، فإنَّه في الواقع لم يذهب، لأنَّ سلطانهم كان مستمرّاً في زمن الخطاب، وبحسب الروايات فإنَّه لا ينقطع ما دام السفياني لم يقم. إنَّ عدول الإمام الرضا (عليه السلام) عن العُملة الحدثية (يقوم) مستعيضاً عنها بالعملة الموضوعية (قائم) لا يخلو من نكتة، لأنَّ اسم الفاعل يدلُّ على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه، فلمَّا كان الحكم أو الملك لم يزل في يد العبّاسيين فإنَّ استعمال اسم الفاعل الدالّ على الثبوت أدلّ على المراد من استعمال (الفعل المضارع) الدالّ على التغيّر أو التجدّد، فالمتَّصف بكونه (قائماً) هو السطان وهو ذات لم تزل متلبّسة بحدث (القيام)، وبالتالي فلا معنى للحديث عن (ذهاب) سلطان بني العبّاس كما تُروِّج له تلك الجماعة.
تمييز المحتوم من غير المحتوم:
إنَّ هنالك قرائن يمكن الاستدلال بها على تحديد المحتوم من غيره في عبارة الأخبار الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام). وذلك من خلال معرفة الأدوات والصيغ

(٤)

الخاصَّة التي ترد في الخطابات والنصوص، التساؤل المطروح هاهنا هو: كيف يمكن التمييز بين العلامات المحتومة التي لم يشر إليها في الأخبار بلفظ (محتوم) وبين غيرها من العلامات؟
إنَّ قراءة النصِّ المهدوي طبقاً للتحليل البراكسيماتيكي يُخبرنا بوجود علامات محتومة غير مصرَّح بحتميتها ظاهراً (أي لم تُوصَف بقيد محتوم أو حتمي)، فإنَّ العلامات الموصوفة بالحتم في الأخبار قليلة وأهمّها المحتومات الخمس المشهورة: (السفياني، واليماني، والصيحة، والخسف في البيداء، وقتل النفس الزكيَّة)، يضاف إليها بضعة علامات محتومة غيرها، فالحديث الوارد عن الإمام الباقر (عليه السلام) الذي رواه عنه أبو حمزة الثمالي يشير فيه إلى علامتين محتومتين غير تلك الخمسة وهما: اختلاف بني العبّاس وطلوع الشمس من مغربها. قلتُ لأبي جعفر (عليه السلام): خروج السفياني من المحتوم؟ قال: «نعم، والنداء من المحتوم، وطلوع الشمس من مغربها من المحتوم، واختلاف بني العبّاس من المحتوم، وقتل النفس الزكيَّة محتوم، وخروج القائم من آل محمّد (عليهم السلام) محتوم...» الحديث(٤٠).
إنَّ الأدوات التي سنأتي على ذكر بعضها تُمكِّننا من تمييز المحتوم من غيره في سياقات النصوص المهدوية، فيمكن إعادة قراءة النصوص على ضوئها وإنتاج معنى (الحتم) الكامن فيها أو إبرازه وإن لم يُصرَّح فيه بلفظه: (محتوم، حتمي). فيما يلي سبعة من الأدوات التي إذا وردت في الأخبار قد يُستفاد منها حتمية مدخولها أو متعلّقها، وهي:
١ - القَسَم: ويمكننا أن نجزم بأنَّ القَسَم هو واحد من أوثق الأساليب الدالّة على إرادة الحتم، لاسيّما إذا ورد في كلام المعصوم (عليه السلام)، إنَّ عطف الواو على لفظ الجلالة هو من أساليب القسم في اللغة العربية، فالواو هنا أداة نصّية تفيد التوكيد، ويمكن أن تدخل على عملة موضوعية خاصَّة لها عند العرف قدسية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠) الإرشاد للمفيد: ٤٠٥.

(٤)

كمكّة أو السماء أو نبيّ أو إمام...، وورودها مضافة إلى (لفظ الجلالة) أقوى دلالةً وأوكد في إرادة التحقّق والوقوع، والمثال عليه ما روي عن الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام)، قال: «والله! لا يخرج واحد منا قبل خروج القائم (عليه السلام) إلَّا كان مثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه، فأخذه الصبيان فعبثوا به»(٤١).
٢ - لا بدَّ: وهذه الأداة ظاهرة في إفادة معنى الحتم ولذلك فُسِّر (المحتوم) في بعض الأخبار بالذي لا بدَّ منه(٤٢)، والمثال عليه الحديث الذي رواه أبو بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام): «لا بدَّ أن يكون قدّام القائم سنة يجوع فيها الناس، ويصيبهم خوفٌ شديد من القتل ونقص من الأموال والأنفس والثمرات. فإنَّ ذلك في كتاب الله لبيِّن». ثمّ تلا هذه الآية: «﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ﴾ [البقرة: ١٥٥]»(٤٣).
٣ - لام التوكيد: ودلالة هذه الأداة على الحتم واضحة، فكلُّ ما يفيد التوكيد يشير إلى الحتم ولو إجمالاً، ومثاله ما روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «لتتبعنَّ سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتَّى لو دخلوا جحر ضبٍّ لأتبعتموهم». قال (الراوي): قلتُ: يا رسول الله مَنْ اليهود والنصارى؟ قال: «فمن إلَّا اليهود والنصارى»(٤٤).
٤ - (إنَّ) المؤكّدة: وهي أداة تتفرَّد بها اللغة العربية، وترجمتها في اللغات الأُخرى (أكيداً)(٤٥)، ومن أمثلة ما يُستَدلُّ به على إفادة (إنَّ) للحتم الرواية المنقولة عن الصادق (عليه السلام): «وإنَّ من أعظم البلية أن يخرج إليهم صاحبهم شابّاً موفَّقاً، وهم يحسبونه شيخاً كبيراً»(٤٦).
٥ - التوكيد بالتكرار: وهو من الأساليب المعروفة في الدلالة على حتمية وقوع المعنى الذي يُكرّر لفظه، ومثاله ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «هيهاتَ هيهاتَ، لا يكون فرجنا حتَّى تُغربَلوا ثمّ تُغربَلوا ثمّ تُغربَلوا (يقولها ثلاثاً) حتَّى يُذهِب الله تعالى الكدر ويبقى الصفو»(٤٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١) الكافي للكليني ٨: ٢٢.
(٤٢) بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٢١٥.
(٤٣) بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٢٥١.
(٤٤) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٠٧.
(٤٥) تُترجَم (إنَّ) المؤكّدة في اللغة الانكليزية بكلمة (certainly) وفي الفرنسية بكلمة (certes).
(٤٦) بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٢٨٧.
(٤٧) الغيبة للطوسي: ٢٠٦.

(٤)

٦ - (إذا) الشرطية: واستعمال هذه الأداة الشرطية يدلُّ على وقوع الشرط في المستقبل. ذكر السيِّد أحمد الهاشمي في كتاب (جواهر البلاغة) في معرض كلامه عن الفرق بين (إذا) و(إنْ) ما هذا نصّه: (الأصل عدم جزم وقطع المتكلّم بوقوع الشرط في المستقبل مع (إنْ)...، بخلاف (إذا) فتُستَعمل بحسب أصلها في كلِّ ما يقطع المتكلِّم بوقوعه في المستقبل)(٤٨). والأمثلة على هذه الصيغة كثيرة جدّاً في الأخبار، نكتفي منها بذكر أحدها، عن معاوية بن سعيد، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ (عليهما السلام)، قال: «قال عليُّ بن أبي طالب: إذا اختلف رمحان بالشام فهو آية من آيات الله تعالى. قيل: ثمّ مَه؟ قال: «ثمّ رجفة تكون بالشام يهلك فيها مائة ألف يجعلها الله رحمةً للمؤمنين وعذاباً على الكافرين»(٤٩).
٧ - السين وسوف: وهما يدلّان على حدوث شيء في المستقبل بغضِّ النظر عن كونه محتوماً، إلَّا أنَّ وقوعهما في سياق كلام المعصوم (عليه السلام) يضيف إلى معناهما - ولو احتمالاً - معنى آخر يتضمَّن (الوعد) بحصول متعلّقهما، ومن أمثلته ما روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «سيأتي زمانٌ على أُمَّتي لا يعرفون العلماء إلَّا بثوب حسن، ولا يعرفون القرآن إلَّا بصوتٍ حسن، ولا يعبدون الله إلَّا شهر رمضان، فإذا كان كذلك سلَّط الله عليهم سلطاناً لا علم له ولا حلم له ولا رحم له»(٥٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) جواهر البلاغة لأحمد الهاشمي: ١٦٢.
(٤٩) الغيبة للطوسي: ٤٦١.
(٥٠) بحار الأنوار للمجلسي ٢٢: ٤٥٤.

(٥)

 

البيان في ردِّ من أشكل على صاحب الزمان (عليه السلام)

 

الشيخ نزار آل سنبل القطيفي

 

تثار حول العقيدة بإمامة صاحب الزمان (عليه السلام) عدَّة إشكاليات نأخذ منها ما يكثر الحديث حوله، مع الأخذ بنظر الاعتبار حيثية الاختصار إيراداً وردّاً لمقتضيات الحال في هذا المقال:
تعارض الهداية مع الغيبة:
ربَّما أشكل البعض بما حاصله: أنَّ تحقّق الهداية الإلهية من قِبَل الهادي لا يكون إلَّا من خلال وجوده بين الناس والأتباع، فلا يمكن التوفيق بين هداية الأُمَّة مع غيابه عنها.
والجواب:
قبل بيان الجواب النقضي والحلّي لهذا الإشكال نُقدِّم مقدَّمة حاصلها: أنَّ الشيعة الإماميَّة معتقدة بحكمة الله سبحانه وتعالى والتسليم والانقياد له، بل هو الحكيم المطلق، فكلُّ فعل من أفعاله صادر عن حكمة بالغة.
وعلى ضوئه نقول: ما دام ثبت عندنا حصول الغيبة، وأنَّه أمر لا بدَّ منه، فلا تكون الغيبة إلَّا طبق موازين الحكمة، سواء أعلمناها أم لم نعلمها، فالمدار هو ثبوتها.

(٦)

الجواب النقضي:
وحاصله: أنَّه لو كانت هناك منافاة بين كونه إماماً هادياً، وبين أن يكون غائباً عن الأنظار، لورد هذا الإشكال على الأنبياء السابقين، إذ أنَّهم غابوا بعضاً من الوقت، فإنَّ نبيَّ الله موسى (عليه السلام) غاب عن قومه فترة من الزمن، وحصل الفراق بينه وبينهم حتَّى أنَّهم عبدوا العجل في حال غيبته، ولكن ذلك لم يضـرّ شيئاً بنبوَّته ورسالته، قال الله تعالى: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْـرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٢).
وكذلك نبيُّ الله يونس (عليه السلام)، فقد غاب عن قومه، ومكث في بطن الحوت، ونجّاه الله سبحانه وتعالى بعد ذلك، قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (الأنبياء: ٨٧)، فهذه نماذج حصلت للأنبياء الصالحين بأنَّهم غابوا عن أُمَّتهم، ولم يضرّ بإمامتهم وهديهم للناس.
وقد أشار إمامنا الصادق (عليه السلام) إلى ذلك، ويجب التصديق به، وإن خفيت الحكمة علينا، بعد علمنا بأنَّ الحكيم المطلق لا تكون أفعاله إلَّا عن حكمة.
ومن ذلك ما جاء عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدَّ منها، يرتاب فيها كلُّ مبطل»، فقلت: ولِـمَ جُعلت فداك؟ قال: «لأمر لم يُؤذَن لنا في كشفه لكم؟»، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: «وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدَّمه من حجج الله تعالى ذكره، إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلَّا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضـر (عليه السلام) من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى (عليه السلام) إلى وقت افتراقهما. يا

(٦)

ابن الفضل، إنَّ هذا الأمر أمر من أمر الله تعالى، وسرٌّ من سرِّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنَّه (عزَّ وجلَّ) حكيم صدَّقنا بأنَّ أفعاله كلّها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف»(١).
وإن قيل: إنَّ غيبتهم عن قومهم كانت فترة وجيزة، ولم تكن بالغيبة الطويلة، إذ أنَّ الأنبياء كانت مدَّة غيابهم عن أقوامهم أقصر من غيبة الإمام المهدي (عليه السلام).
فيُجاب عليه: ليس المناط هو طول فترة الغياب من قصـره، فإنَّه لو كانت الغيبة أمراً باطلاً ما ضرَّ فيه قصر المدَّة وطولها، فلو كانت نفس الغيبة عن القوم تتنافى مع الهداية الإلهية فلا يضـرُّ إن كانت قصيرة المدَّة أو طويلة، فلو امتنع ذلك في الكثير امتنع في القليل، بمعنى أنَّ الممتنع حصوله لا يسعفه قصر المدَّة فيرفعه عن الامتناع إلى الإمكان، كما أنَّ قليل المحرَّم وكثيره على حدٍّ سواء في الحرمة.
الجواب الحلّي:
ويُدفَع هذا الإشكال ببيان أقسام أولياء الله سبحانه وتعالى، فإنَّه من قرأ القرآن وتدبَّره يعلم أنَّ أولياء الله على قسمين:
القسم الأوَّل: الحاضر من أولياء الله سبحانه وتعالى.
القسم الثاني: الغائب من أولياء الله سبحانه وتعالى.
فعندما نلاحظ القرآن الكريم نجد أنَّ الله سبحانه جمع بين وليَّين من أوليائه: نبيَّ الله موسى والخضـر (عليهما السلام)، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ (الكهف: ٦٥ و٦٦)، فإنَّ هذه الآيات الكريمة التي تتحدَّث عن نبيِّ الله موسى (عليه السلام) والخضـر (عليه السلام) تُبيِّن أنَّ هناك وليّاً من أولياء الله سبحانه وتعالى - وهو الخضـر (عليه السلام) -، يحمل علماً من الله سبحانه وتعالى، وعنده علم لدنّي، بحيث إنَّه قام بأُمور عديدة غيبية، مثلُ هذا العبد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) كمال الدين وتمام النعمة: ٤٨٢.

(٦)

الذي علَّمه الله سبحانه وتعالى من علمه غائب عن الأنظار، ولكن مع غيبته له وظائف ومسؤوليات، انكشف لنا بعضها من خلال الآية ولم ينكشف لنا غيرها، ولم يقل أحد: إنَّ غيابه تنافى مع كونه وليّاً وهادياً، وصاحب وظائف من قِبَل الله سبحانه وتعالى.
ومنشأ الإشكال أنَّ المشكل اعتقد الملازمة في ذهنه بين غيابه وعدم الهداية، ولا توجد أيَّة ملازمة عقلية أو عرفية أو عقلائية تدلُّ على أنَّه ما دام غائباً عن الأنظار فلا يؤدّي وظائفه، من هداية الناس وغيرها من الوظائف الإلهيَّة، ولا تنافي بين الغياب والهداية أو الرسالة أو الإمامة، فهناك من الأنبياء والأولياء الصالحين من كان وليّاً هادياً أو صاحب رسالة حتَّى أثناء غيابه عن الأنظار.
وأيضاً دلالة الأحاديث الشـريفة على أنَّ حجج الله سبحانه وتعالى على قسمين: ظاهر مشهور وغائب مستور، ومنها: ما رواه رئيس المحدِّثين الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين (عليهم السلام)، قال: «نحن أئمَّة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغرّ المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يُمسِك الله السماء أن تقع على الأرض إلَّا بإذنه، وبنا يُمسِك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وتنشـر الرحمة، وتخرج بركات الأرض...»، ثمّ قال: «ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجَّة الله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجَّة الله فيها، ولولا ذلك لم يُعبَد الله»، قال سليمان: فقلت للصادق (عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجَّة الغائب المستور؟ قال: «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب»(٢).
ومنها: ما رواه الصدوق (رحمه الله) أيضاً: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «اللّهمّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٠٧.

(٦)

بلى لا تخلو الأرض من قائم بحجَّة، إمَّا ظاهر مشهور أو خائف مغمور، لئلَّا تبطل حجج الله وبيِّناته»(٣).
فإنَّ الرواية الشـريفة دلَّت على ضرورة وجود حجَّة الله على عباده، إمَّا ظاهراً مشهوراً أو غائباً مستوراً، ولا يتنافى غيابه مع كونه حجَّة الله على خلقه. وبيَّنت أيضاً أنَّه أثناء مدَّة غيابه يبقى له نفع وفائدة من وجوده.
طول العمر:
شبهةٌ لطالما تساءل عنها البعض وشنَّع بها المخالفون واتَّخذوا بذلك آيات الله هزواً، وهي: كيف أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) يبقى كلَّ هذه الفترة الطويلة من الزمن حيّاً دون أن يموت، وقد يُعَدُّ ذلك من المحال إمَّا عقلاً أو عادةً.
والجواب عليه من وجهين:
الوجه الأوَّل: عدم دلالة العقل على امتناع البقاء مدَّة طويلة في الحياة:
فإنَّ الحقَّ أنَّه ليس بمحال عقلاً أن يعيش هذه المدَّة الطويلة، فليس ما نحن فيه من من قبيل اجتماع النقيضين في آنٍ واحدٍ وفي وقتٍ واحدٍ، وكيف لأحد أن يدَّعي ذلك مع ثبوت مثل ذلك لبعض الأنبياء (عليهم السلام) - كما سيأتي تفصيله -؟ والوقوع أدلُّ دليل على الإمكان.
الوجه الثاني: عدم دلالة غير العقل على امتناعه:
وممَّا يدلُّ على عدم استحالته عادةً، إثبات القرآن الكريم لطول عمر نبيِّ الله نوح (عليه السلام)، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ١٤)، فإنَّ الآية المباركة صرَّحت بأنَّ مدَّة الدعوة تسع مائة وخمسون عاماً وهي مدَّة طويلة جدّاً، ولم تتعرَّض لعمر نبيِّ الله نوح (عليه السلام)، فلم تُبيِّن عمره قبل الإرسال إلى قومه، ومدَّة بقائه بعد الطوفان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٩١.

(٦)

حتَّى أنَّ أصحاب التفاسير ذكروا أقوالاً عديدة في طول عمره الشريف، منها:
قال السمعاني في تفسيره: (وقوله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً﴾، روي عن ابن عبّاس أنَّه قال: بُعِثَ نوح وهو ابن أربعين سنة، ومكث بعد خروجه من السفينة ستّين سنة، وتوفّاه الله تعالى وهو ابن ألف وخمسين سنة. وفي رواية: أنَّ عمر نوح كان ألف وأربعمائة وخمسين سنة، بُعِثَ وهو ابن مائتي وخمسين سنة، وقد قيل غير هذا، والله أعلم)(٤).
وقال الزمخشـري: (كان عمر نوح (عليه السلام) ألفاً وخمسين سنة، بُعِثَ على رأس أربعين، ولبث في قومه تسعمائة وخمسين، وعاش بعد الطوفان ستّين. وعن وهب: أنَّه عاش ألفاً وأربعمائة سنة)(٥).
وذكر السيوطي حديثاً في عمر نبيِّ الله نوح (عليه السلام): (وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة، قال: كان عمر نوح (عليه السلام) قبل أن يُبعَث إلى قومه وبعدما بُعِثَ ألفاً وسبعمائة سنة)(٦).
فنصَّ القرآن والمحدِّثون وأصحاب التفاسير على أنَّ طول العمر ليس بمحال عادةً، إذ أنَّ القرآن الكريم أثبت لنا في آياته أنَّ نبيَّ الله نوح (عليه السلام) بُعِثَ لقومه لمدَّة طويلة من الزمن، ولا قائل من المفسِّـرين باستحالة ذلك وعدم إمكانه، فلو أمكن تحقّقه لنبيِّ الله نوح (عليه السلام) لأمكن للإمام المهدي (عليه السلام).
يقول الشيخ المفيد (رحمه الله): (وهذا ما لا يدفعه إلَّا الملحدة من المنجِّمين وشركاؤهم في الزندقة من الدهريين، فأمَّا أهل الملل كلّها فعلى اتِّفاق منهم على ما وصفناه. والأخبار متناصرة بامتداد أيّام المعمِّرين من العرب والعجم والهند وأصناف البشـر وأحوالهم التي كانوا عليها مع ذلك، والمحفوظ من حِكمهم، مع تطاول أعمارهم، والمأثور من تفصيل قضاتهم من أهل أعصارهم وخطبهم وأشعارهم، لا يختلف أهل النقل في صحَّة الأخبار عنهم بما ذكرناه وصدق الروايات في أعمارهم وأحوالهم كما وصفناه)(٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) تفسير السمعاني ٤: ١٧١.
(٥) تفسير الكشّاف ٣: ٤٤٥.
(٦) الدرُّ المنثور ٦: ٤٥٦. وذُكِرَ ذلك في غيره من المصادر التي ذكرت الأقوال في طول عمره الشـريف كـ: زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي ٣: ٤٠٢، وتفسير القرطبي ١٣: ٣٣٢، وفتح القدير للشوكاني ٤: ٢٣٠.
(٧) الفصول العشرة: ٩٣.

(٦)

وذكر الشيخ المفيد (رحمه الله) بعد بيان طول عمر نبيِّ الله آدم ونوح (عليهما السلام) طول عمر عدَّة معمِّرين، منهم:
(لقمان بن عاد الكبير، ربيع بن ضبيع، المستوغر بن ربيعة، أكثم بن صيفي، صيفي بن رياح، ضبيرة بن سعيد، دُريد بن الصمة، محصن بن عتبان، عمرو بن حممة الدوسي، الحرث بن مضاض، الملك الذي استحدث المهرجان، سلمان الفارسي)(٨).
وحتَّى أنَّ أهل السُّنَّة ذكروا عدَّة أشخاص معمِّرين، منهم الخضر (عليه السلام)، قال القنوجي البخاري: (قيل في إلياس والخضـر: إنَّهما حيّان، وقيل: إلياس وُكِّل بالفيافي كما وُكِّل الخضـر بالبحار، قال السيوطي في الإتقان: قال وهب: إنَّ إلياس عمَّر كما عمَّر الخضر، وإنَّه يبقى إلى آخر الدنيا)(٩).
وكذلك ذكروا لقمان بن عاد، فكان من أطول الناس عمراً من بعده، قال أبو محمّد عبد الملك بن هشام الحميري: (حدَّثنا زياد بن عبد الله البكائي، عن محمّد بن إسحاق المطلبي، قال: كان عمر لقمان بن عاد أربعة آلاف عام، عاشت ستَّة نسور كلُّ نسـر خمسمائة عام، وذلك ثلاثة آلاف عام، وعاش لبد وكان آخرها ألف عام)(١٠).
طول العمر وفق الطبّ الحديث:
وأمَّا رأي الطبِّ الحديث، فقد بيَّنوا لنا أنَّه من الممكن للإنسان أن يعيش مدَّة طويلة من خلال النظرية والتطبيق، وكتبوا في ذلك بحوثاً ودراسات، ولعلَّ من أقدمها ما كُتِبَ في مجلَّة المقتطف، في بعض أعدادها سنة (١٩٥٩م)، وحاصل ما ذُكِرَ: أنَّه من الممكن للإنسان من حيث المبدأ والنظرية أن يعيش مدَّة طويلة من الزمن، في ظرف وبيئة معيَّنة، فعندما نُهيِّئ له الظرف الخاصّ، والغذاء الخاصّ السليم، ونرفع عنه موانع طول العمر، كإبعاد المكروبات عنه، فإنَّه يمكن له أن يعيش مدَّة طويلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) من أراد التفصيل فليراجع: الفصول العشرة: ٩٤ - ١٠٢.
(٩) فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي البخاري ١١: ٤١٨؛ وأمَّا من خالف هذا القول فإنَّما خالفه لادِّعائه القصور في الأدلَّة، لا من حيث استحالة طول عمره، فإنَّ ذلك لا يمكن أن يتفوَّه به مسلم.
(١٠) التيجان في ملوك حمير ١: ٨٤، لعبد الملك بن هشام بن أيّوب الحميري المتوفّي سنة (٢١٣هـ).

(٦)

وأخرجت إحدى الباحثات الغربيات في عام (٢٠١١م) الأمر من دائرة النظرية إلى التطبيق والتجربة، فأثبتت أنَّ الكائن الحيّ يمكن أن تُهيَّئ له ظروف خاصَّة مناسبة يعيش فيها فيعيش ضعف المدَّة التي له أن يعيشها خارج هذا الإطار، وطبَّقت هذه التجربة على أقرب كائن للإنسان، بحسب كلامهم وهم الجرذان، لمحاولة إطالة عمره، وأثبتوا ذلك بالتجربة.
وقفتان:
الوقفة الأُولى: مع بقاء نبيِّ الله يونس (عليه السلام) إلى يوم يُبعَثون:

قال الله سبحانه وتعالى في يونس النبيِّ (عليه السلام): ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصافّات: ١٤٢ - ١٤٤)، و(لبث) بمعنى يعيش، وليس معناه أنَّه يموت ويبقى داخل الحوت، فالظاهر منه أنَّه يعيش في بطن الحوت.
وهذا ممَّا تُؤيِّده بعض التفاسير من الطرفين أنَّه لبث مع كونه حيّاً، فهذه قضيَّة قرآنية مسلَّمة(١١).
الوقفة الثانية: مع الدجّال:
إنَّ المخالفين المنكرين للإمام الحجَّة (عليه السلام) والمثبتين للشبه المذكورة والمحاججين فيها والساعين لإبطالها لا ينفعهم ذلك أبداً، إذ ثبت أنَّ طول العمر والغيبة عن الأنظار والاستتار ليس بممنوع عقلاً ولا شرعاً، ونضيف إلى ذلك أنَّهم في أحاديثهم أثبتوا ذلك للدجّال(١٢)، فلنا أن نتساءل: لِـمَ يكون المانع من غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) هو استبعاد واستحالة طول العمر، ويرتفع هذا المانع في الدجّال؟! أليس وليُّ الله وحجَّته والمهدي من آل محمّد (عليهم السلام) أولى من الدجّال؟ فلا يُعقل أنَّ المسلم يُجوِّز ذلك في عدوِّ الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ويمنعه مطلقاً عن وليِّه ووليِّ رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، والميزان العلمي لا يُفرِّق بينهما، إذ كما يجوز لغير المهدي (عليه السلام) يُجوِّز له (عليه السلام) أيضاً.

(٦)

وإن قلتم: هناك دليل أثبت وجود الدجّال وأنَّه حيٌّ إلى آخر الزمان، ولكن لم يرد من الأدلَّة شيء يُثبِت أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) موجود وحيٌّ.
فنقول: ثبوت ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) ووجوده وغيبته أوضح من وجود الدجّال، ومقتضـى الأدلَّة الصحيحة المتواترة والفهم الصحيح الدقيق لها يُثبِت وجود الإمام المهدي (عليه السلام)، منها: حديث الثقلين، وحديث الاثني عشـر خليفة، وحديث من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، وغيرها من الأدلَّة النقلية والعقلية على ضرورة وجوده(١٣).
فوجود المعمِّرين أمر لا يخفى على أحد من قرّاء التاريخ عند الشيعة والسُّنَّة.
وبهذا الجواب ندفع الاستحالة العادية كما دفعنا الاستحالة العقلية.
والحاصل: أنَّ المناط هو قدرة الله سبحانه وتعالى على أن يُعمِّر من شاء، ولا يقول أحد من المسلمين: إنَّ الله سبحانه وتعالى غير قادر على ذلك، لأنَّه من المقولات التي يكفر بها القائل. ولا غرابة من طول عمره، وحفظ الله سبحانه وتعالى له، وخصوصاً أنَّ الأمر متعلّق بقيام الدولة الإلهيَّة على الأرض، التي تملؤها قسطاً وعدلاً.
وظيفة الأمَّة في الغيبة الكبرى:
لعلَّك تسأل: أنَّ بقيَّة الله الأعظم (عليه السلام) غائب عن الأنظار، ولا يمكن أخذ الأحكام مشافهةً عنه والحال هذه، فما الذي يفعله الناس في غيبته بالنسبة إلى الأحكام؟
الجواب:
إنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) لم يتركوا شيئاً إلَّا وبيَّنوه، وعلى الأُمَّة أن تعمل بحلال النبيِّ.(صلّى الله عليه وآله وسلم) وتتجنَّب عن حرامه، وقد بيَّن النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) للأُمَّة المرجعيَّة التي ينبغي الرجوع إليها لأخذ الدين عقيدةً وفقهاً، بل سائر معارفه، كما في حديث الثقلين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) مع تلك الدلائل العقلية والنقلية الدالّة على وجوده (عليه السلام)، جدير بالإشارة إلى أنَّ العقل يقتضـي وجود الإمام والهادي وعديل القرآن المبيِّن لآياته وأحكامه، وأمَّا العقل لا يقتضـي وجود الدجّال بالضـرورة، فكان عقلاً الأولى بالوجود هو الإمام المهدي (عليه السلام). وأيضاً الدلائل النقلية على وجود الإمام المهدي (عليه السلام) كثيرة ومتواترة وصحيحة، والدلائل على وجود الدجّال لا تضاهيها.

(٦)

المتواتر عند الفريقين. فكما أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) لم يُبيِّن الأحكام كلّها دفعة واحدة، بل بيَّن ما يحتاج إليه الناس، فوجب أن يكون هناك من يقوم بمهمَّة بيان الدين بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وهم أهل بيته (عليهم السلام) الذين أرجع لهم في حديث الثقلين.
وحالنا في زمن الغيبة الكبرى لا يشذُّ عن هذه القاعدة، فنحن بحمد الله تعالى نمتلك تراثاً ضخماً وصل إلينا عن أئمَّة الهدى (عليهم السلام) بيد أمينة، فإذا لم نتمكَّن من ملاقاة الإمام والأخذ عنه مباشرةً - كما في زماننا - فإنَّنا نرجع إلى من أرجع إليهم الإمام (عليه السلام) وسائر الأئمَّة (عليهم السلام)، وهم فقهاء الدين والمراجع العظام، الذين يتمكَّنون من الرجوع إلى الأحاديث الشريفة واستنباط الأحكام الشرعية منها.
السرداب واتِّهام المؤرِّخين:
إنَّ المتتبِّع والقارئ لا يستغرب من اتِّهامات المخالفين للمؤمنين، ومن جملة الافتراءات التي افتعلها المخالفون لأجل التشنيع على الشيعة فرية السـرداب المبارك التي يشهد الواقع والوجدان بكذبها وبطلانها.
وإليك نصوص جماعة منهم لتقف على حجم الافتراء والتشنيع:
نصوص المخالفين:
ابن خلدون: قال في تاريخه: (يزعمون أنَّ الثاني عشـر من أئمَّتهم - وهو محمّد بن الحسن العسكري، ويُلقِّبونه المهدي - دخل في سرداب بدارهم في الحلَّة! وتغيَّب، حين اعتُقِلَ مع أُمِّه، وغاب هنالك، وهو يخرج آخر الزمان، فيملأ الأرض عدلاً، يشيرون بذلك إلى الحديث الواقع في كتاب الترمذي في المهدي، وهم إلى الآن ينتظرونه، ويُسمّونه المنتظر لذلك، ويقفون في كلِّ ليلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السـرداب، وقد قدَّموا مركباً، فيهتفون باسمه، ويدعونه للخروج حتَّى تشتبك النجوم، ثمّ ينفضّون ويرجئون الأمر إلى الليلة الآتية، وهم على ذلك لهذا العهد)(١٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) تاريخ ابن خلدون ١: ٢٤٩.

(٧)

ابن قيِّم الجوزية: يقول: (وأمَّا الرافضة الإماميَّة فلهم قول رابع: وهو أنَّ المهدي هو محمّد بن الحسن العسكري المنتظر، من ولد الحسين بن عليّ، لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار، الذي يورث العصا، ويختم الفضا، دخل سرداب سامراء طفلاً صغيراً من أكثر من خمس مائة سنة، فلم ترَه بعد ذلك عين، ولم يحسّ فيه بخبر ولا أثر، وهم ينتظرونه كلّ يوم، يقفون بالخيل على باب السرداب، ويصيحون به أن يخرج إليهم: اُخرج يا مولانا، اُخرج يا مولانا، ثمّ يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه. ولقد أحسن من قال:

ما آن للسـرداب أن يلد الذي * * * كلَّمتموه بجهلكم ما آنا

فعلى عقولكم العفاء فإنَّكم * * * ثلَّثتم العنقاء والغيلانا

لقد أصبح هؤلاء عاراً على بني آدم، وضحكة يسخر منها كلّ عاقل)(١٥) (١٦).
ابن حجر: قال في صواعقه: (قال بعض أهل البيت، وليت شعري من المخبر لهم بهذا، وما طريقه؟! ولقد صاروا بذلك، وبوقوفهم بالخيل على ذلك الـسرداب، وصياحهم بأن يخرج إليهم ضحكة لأُولي الألباب)(١٧).
عبد الله القصيمي: حيث قال: (وإنَّ أغبى الأغبياء، وأجمد الجامدين، هم الذين غيَّبوا إمامهم في السـرداب، وغيَّبوا معه قرآنهم ومصحفهم، ومن يذهبون كلّ ليلة بخيولهم وحميرهم إلى ذلك السرداب، الذي غيَّبوا فيه إمامهم، ينتظرونه وينادونه ليخرج إليهم، ولا يزال عندهم ذلك منذ أكثر من ألف عام)(١٨).
الجواب عنها:
قال تعالى: ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: ٥٢ - ٥٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥) المنار المنيف ١: ١٥٢.
(١٦) وقد تصدّى لهم ثُلَّة من علمائنا وأُدبائنا الأفذاذ بالردِّ على مثل هذه الاتِّهامات وتفنيدها، وأحدهم السيِّد حيدر الحلّي حيث أنشأ مشطّراً:

ما آن للسـرداب أن يلد الذي * * * فيه تغيَّب عنكم كتمانا

هو نـور ربِّ العالمين وإنَّما * * * صيَّرتموه بزعمكم إنسانا
فعلى عقولـكم العفاء لأنَّكم * * * أنكرتم بجحوده القرآنا

لو لم تُثنِّوا العجل ما قلتم لنا * * * ثلَّثـتم العنقاء والـغيلانا

وأشار بقوله: (أنكرتم بجحوده القرآنا)، إلى قوله تعالى: ﴿فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصافّات: ١٤٣ و١٤٤)، وهذه الآية دليل على بقاء الإمام المهدي (عليه السلام)، وهو حيٌّ يُرزَق ينتظر الأمر بظهوره.
(١٧) الصواعق المحرقة ٢: ٤٨٣.
(١٨) الصراع بين الإسلام والوثنية ١: ٣٧٤.

(٧)

نقول لمن ساغ له الافتراء على الدين الحنيف، والمذهب الرصين، بذكر أُمور واضحة البطلان، بشهادة الوجدان: ألَا تعلمون أنَّ للشيعة علماء فقهاء يذودون عنه الافتراءات والأكاذيب، وأنَّ المكتبات عامرة بكتبهم الشريفة؟!
أفلا تخافون أن تنكشف عورتكم في زمن من الأزمنة؟!
ردود أعلام الإماميَّة:
وهنا نذكر بعض ردود الأعلام - أعلى الله في الجنان مقامهم:
قال الميرزا النوري الطبرسي (رحمه الله): (والحقُّ أنَّ مكان التعجّب المخجل لتلك الجماعة مَنْ ينثر الشعير ليالي الجمع في حظائر الحيوانات التي بنوها على سطوح مساجدهم وبيوتهم لحمار الله، لأنَّه ينزل من العرش، وحتَّى لا يبقى الحيوان جائعاً(١٩).
فمن الطبيعي أن يعترضوا بهذا النوع من الاعتراضات على غيرهم.
والجواب: أنَّه لم يُرَ، ولم يُسمَع لحدِّ الآن في أيِّ كتاب من كتب الشيعة من المتقدِّمين والمتأخِّرين والفقهاء والمحدِّثين والمؤمنين بل حتى من انتحل مذهب الإماميَّة لم يقل بأنَّ المهدي (عليه السلام) بقي في السـرداب منذ غيبته.
فالحلَّة بُنيت سنة ثمان وتسعين وأربعمائة كما صرَّح بذلك ابن خلّكان في أحوال صدقة بن منصور الملقَّب بسيف الدولة، وغيره من المؤرِّخين، ولذلك فهي معروفة بالحلَّة السيفية.
وإنَّ أكثر مؤرِّخيهم نسبوا سرداب الغيبة إلى هناك، ولم يكن وقت الولادة حتَّى اسمها، كما يقول الشهرستاني في الملل والنحل مع ادِّعائه طول الباع وكثرة الاطِّلاع أنَّ قبر الإمام عليّ النقي (عليه السلام) في قم.
ولا أدري إذا كانت منقولاته في اللغة والنحو والصـرف هكذا بلا أساس فواويلاه بحال تلك العلوم)(٢٠).
وقال العلَّامة الأميني (رحمه الله): (وفرية السـرداب أشنع، وإن سبقه إليها غيره

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) حتَّى لا يظنُّ القرّاء الأعزاء أنَّ علماءنا العظام على دأب علمائهم في الكذب والافتراء، نشير إلى أنَّ ما ذكره الميرزا النوري الطبرسي - أعلى الله مقامه الشريف - ليس من عنده، بل ذكره علماء السُّنَّة أنفسهم، ومنهم: ابن عساكر، قال: (ومن أظلم ممَّن كتم شهادة عنده من الله، إنَّ جماعة من الحشوية، والأوباش الرعاع، المتوسِّمين بالحنبلية، أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة، والمخازي الشنيعة، ما لم يتسمَّح به ملحد، فضلاً عن موحِّد، ولا تجوز به قادح في أصل الشـريعة ولا معطِّل، ونسبوا كلّ من ينزّه الباري تعالى وجلَّ عن النقائص والآفات، وينفي عنه الحدوث والتشبيهات، ويُقدِّسه عن الحلول والزوال، ويُعظِّمه عن التغيّر من حال إلى حال، وعن حلوله في الحوادث، وحدوث الحوادث فيه، إلى الكفر والطغيان، ومنافاة أهل الحقِّ والإيمان...، وتمادت الحشوية في ضلالتها، والإصرار على جهالتها، وأبوا إلَّا التصـريح بأنَّ المعبود ذو قدم وأضراس ولهوات وأنامل، وأنَّه ينزل بذاته، ويتردَّد على حمار، في صورة شاب أمرد بشعر قطط، وعليه تاج يلمع، وفي رجليه نعلان من ذهب، وحُفِظَ ذلك عنهم، وعلَّلوه ودوَّنوه في كتبهم، وإلى العوامِّ ألقوه). (راجع: تبيين كذب المفتري فيما نُسِبَ للأشعري ١: ٣١٠ - ٣١١).
(٢٠) النجم الثاقب ١: ٤١٩.

(٧)

 من مؤلِّفي أهل السُّنَّة، لكنه زاد في الطمبور نغمات، بضمِّ الحمير إلى الخيول، وادِّعائه اطِّراد العادة في كلِّ ليلة، واتِّصالها منذ أكثر من ألف عام، والشيعة لا ترى أنَّ غيبة الإمام في السـرداب، ولا هم غيَّبوه فيه، ولا إنَّه يظهر منه، وإنَّما اعتقادهم المدعوم بأحاديثهم أنَّه يظهر بمكّة المعظَّمة تجاه البيت، ولم يقل أحد في السـرداب: إنَّه مغيب ذلك النور، وإنَّما هو سرداب دار الأئمَّة بسامراء، وإنَّ من المطَّرد إيجاد السـراديب في الدور، وقايةً من قايظ الحرِّ، وإنَّما اكتسب هذا السـرداب بخصوصه الشـرف الباذخ لانتسابه إلى أئمَّة الدين، وإنَّه كان مبوء لثلاثة منهم، كبقيَّة مساكن هذه الدار المباركة، وهذا هو الشأن في بيوت الأئمَّة (عليهم السلام) ومشـرِّفهم النبيِّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم) في أيِّ حاضرة كانت، فقد أذن الله أن تُرفَع ويُذكر فيها اسمه.
وليت هؤلاء المتقوِّلين في أمر السـرداب اتَّفقوا على رأي واحد في الأُكذوبة، حتَّى لا تلوح عليها لوائح الافتعال فتفضحهم، فلا يقول ابن بطوطة في رحلته (صفحة ١٩٨): (إنَّ هذا السـرداب المنوَّه به في الحلَّة)، ولا يقول القرماني في (أخبار الدول): إنَّه في بغداد. ولا يقول الآخرون: إنَّه بسامراء. ويأتي القصيمي من بعدهم فلا يدري أين هو فيطلق لفظ السرداب ليستر سوءته)(٢١).
أقول:
لا يخفى على أحد أنَّ ما ذكروه من أمر السـرداب كذب محض وافتراء واضح بشهادة الوجدان، فليس السرداب بالحلَّة وإنَّما هو في سامراء، كما لم يذكر المؤرِّخون - من غير هؤلاء الكذّابين - وقوف الشيعة في كلِّ ليلة بعد صلاة المغرب أمام السـرداب والهتاف باسم الإمام (عليه السلام).
وأمَّا دعوى غياب الإمام المهدي (عليه السلام) وبقائه في السـرداب فبينها وبين الصحَّة بُعد المشـرقين، وظنّي - وظنُّ الألمعي عين اليقين - أنَّهم يعرفون الحقيقة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) الغدير ٣: ٣٠٨.

(٧)

فيسترونها ويخفونها ويُموِّهون عليها، لأنَّ طبيعة الأماكن الحارّة آنذاك تقتضـي وجود سراديب في البيوت ليحتمي أهلها من قائظ الحرِّ ويستريحوا في برودتها، كذلك كان السـرداب في بيت الإمام العسكري (عليه السلام) شأنه شأن تلك السـراديب، ولكن هذا السـرداب تميَّز بخصوصية وهي أنَّه محلّ عبادة ثلاثة من الأئمَّة، وهم: الإمام الهادي، والعسكري، والمهدي (عليهم السلام)، فكان محلّ ومحطّ الرحمة الإلهيَّة.
فلست ترى أحداً من الشيعة الإماميَّة يؤمن بأنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) باقٍ في السـرداب، بل نحن نزوره ونُصلّي فيه لله سبحانه وتعالى وندعوه (عزَّ وجلَّ) في هذا المكان، لكونه جزءاً من البيت الذي كان أهل البيت (عليهم السلام) يدعون ويُصلّون فيه، ويبتهلون إلى الله سبحانه وتعالى في رحابه، فهو محلّ دعائهم وأعمالهم وقرائتهم للقرآن الكريم، ومنه يصعد الكلم الطيِّب، فهذه هي بيوتهم الشريفة، محلّ عناية خاصَّة من قِبَل الله سبحانه وتعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْأَصالِ﴾ (النور: ٣٦).
نعم، توجد بعض الروايات التي نقلها غير واحد من علمائنا الأبرار مفادها: أنَّ الدولة العبّاسية سمعوا القرآن في السـرداب، فهجموا عليه، وكان الإمام المهدي (عليه السلام) يتعبَّد فيه، وحين دخولهم خرج من بينهم، بحيث إنَّه مشى من جانب قائد القوم ولم يعلم به، فقالوا له: لماذا لم تُمسِكه، خرج أمامك؟! فقال لهم: ما رأيته(٢٢).
وقفة مع منشأ المنع من لطف الإمام (عليه السلام):
إنَّ الله سبحانه وتعالى منَّ على البشـر ببعث الأنبياء والرسل والأوصياء حتَّى يُعلي كلمة الحقّ والتوحيد، ويفيض الألطاف على البشـر من خلالهم، فإذا منعوا من هذه الألطاف والخيرات، فليس ذلك لعدم وجود المقتضي، بل لوجود المانع من نزول الفيض واللطف الإلهيين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) بحار الأنوار ٥٢: ٥٢ و٥٣.

(٧)

وبعبارة أُخرى: من الأُمور العقلائية المتَّفق عليها أنَّ التاجر الثري قد يُعطي أولاده أموالاً ليختبرهم فيها، فإذا تاجروا بالشكل الصحيح أعطاهم وزادهم من ثروته، وإلَّا قطع عنهم المدد والمال، والسبب في ذلك ليس عدم وجود المال، أو لأنَّه لا يريد أن يعطيهم لبخل فيه، بل إنَّ الثروة متوفِّرة والإرادة موجودة، ولكنَّه حجبها عنهم لأنَّهم لم يحسنوا استعمالها، فأسرفوا فيها، وضيَّعوها ولم يضعوها في مواضعها.
فكذلك نقول: إنَّ سبب حجب اللطف الحاصل من وجود الإمام المهدي (عليه السلام) عن الناس، هم الناس أنفسهم، فإنَّ الله تعالى جعله إماماً وأنشأه بينهم لينتفعوا بمحضـره الشـريف، ويُقرِّبهم لما فيه قربهم من الله (عزَّ وجلَّ)، وليُبعِدهم عن ما فيه بُعد عن الله تعالى، ولكنَّهم حينما جحدوا بإمامة المفترض عليهم طاعته، وحاولوا قتله ومحاربته، حجب عنهم اللطف، ولا يُنسَب حرمانهم اللطف إلى الله سبحانه، بل المسؤول عن الاحتجاب وعن الحرمان من الاستضاءة بذلك النور الساطع هم من أرادوا قتله، فتبقى الثمرة محفوظة، واللطف مصون بوجوده الشـريف، ولكن الناس هم المانع من إيصالها.
وهذا بيان لما قرَّره علماؤنا الأعلام بما حاصله: أنَّ وجود الإمام لطف، وفعله لطف آخر، وعدمه من البشـر، ومعنى ذلك أنَّ أصل وجود الإمام لطف من الله سبحانه وتعالى للبشـر، وفعل الإمام المهدي (عليه السلام) الخارجي لطف آخر للبشـر، ويرجع سبب عدم حصولهم على اللطف الثاني إليهم.

(٧)

 

إمامة الإمام المهدي (عليه السلام) بين الوجوب العقلي والنصّ

 

مرتضى علي الحلّي

 

تَمهيدٌ مَفاهيمي:
إنَّ مِنْ المُتسالمِ عليه في عِلمِ الكلامِ والعقيدةِ عندَ عُلماءِ ومتكلِّمي مَدرسةِ أهلِ البيتِ المَعصومين (عليهم السلام) أنَّ الإمامةَ هي أَصلٌ أَصيلٌ مِنْ أُصولِ المَذهبِ الاثني عشـري، وتَرتبَطُ ارتباطاً مَكيناً بأصالةِ الاعتقادِ بالتوحيد والعَدلِ الإلَهييَن يَقيناً، فضلاً عن ارتباطها بحِكمةِ اللهِ تعالى في أفعالهِ المُعلَّلَةِ بالأغراضِ، والمَقاصدِ القويمةِ، و ببعثةِ الأنبياءِ والرُسلِ. ما جَعلَ أصالةَ الإمامةِ الحَقَّةِ، تكتَسبُ مَعقوليتها وشرعيتها مِنْ نفسِ أصالةِ العدلِ الإلهي، وحِكمةِ اللهِ تعالى في خَلقهِ مُطلقاً، تكويناً وتشـريعاً، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ( الحديد: ٢٥).
(رَوى هُشامُ بن الحَكم: سألَ الزنديقُ الذي أتى أبا عبدِ الله (عليه السلام)، فقال: مِنْ أين أثبت أنبياء ورسلاً؟ قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنّا لـمَّا أثبتنا أنَّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خَلَقَ، وكان ذلك الصانعُ حَكيماً لم يجز أنْ يُشاهده خَلقه ولا يلامسوه، ولا يُباشرهم ولا يُباشروه، ويحاجّهم ويحاجّوه، فثبتَ أنَّ

(٧)

له سفراءَ في خَلقه، يدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم، وما به بقاؤهم، وفي تركه فناؤهم، فثبتَ الآمرون والناهون عن الحَكيم العَليم في خَلقه، وثبتَ عند ذلك أنَّه له معبِّرين، وهم الأنبياءُ وصفوته في خلقه، حُكماء مؤدَّبين بالحكمةِ، مبعوثين بها، غير مشاركين للناسِ في أحوالهم، على مشاركتهم لهم في الخَلقِ والتركيبِ، مؤيَّدين مِنْ عندِ الحكيمِ العليمِ بالحكمةِ والدلائل والبراهين والشواهد من إحياء الموتى...، فلا تخلو أرضُ الله مِنْ حجَّةٍ، يكون معه علمٌ يدلُّ على صدقِ مَقالِ الرسولِ، ووجوبِ عدالته)(١).
والإمامُ المَنصوبُ هو غايةٌ من غاياتِ بعثةِ الأنبياءِ والرُسلِ، فكما يكونُ مَقامُ النبيِّ في بيانِ التنزيلِ، فكذلك يكونُ مَقامُ الإمامِ المَعصومِ في حفظِ التنزيل والعلمِ بالتأويل، ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحديد: ٩)، ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (آل عمران: ٧).
فلو نظرنا في حَراكِ العقلِ الإنساني ومَدركاته نظرياً وعملياً في قبوله لأصالة الإمامةِ اعتقاداً وإذعاناً ، لوجدناه يَرتكزُ على مُستندٍ مَتينٍ في جوهرهِ وآثارهِ ، بحيث لم تكن ركيزةُ اللطفِ التي ارتكزَ عليها علماءُ الكلامِ في بناءِ مَنظومةِ العقيدة بالإمامةِ الواجبةِ والمَنصوصةِ والمَعصومةِ، قد أتَتْ مِنْ فَراغٍ، أو سَدّاً لثغرةٍ قد شُكَّ فيها، ووقعَ فيها اختلافٌ، كما هو معلومٌ في تاريخِ العقيدةِ الإسلاميَّةِ.
وقد بيَّنَ ذلك المُستندَ المتينَ السيِّدُ المرتضـى عَلمُ الهُدى (رحمه الله) في كتابهِ الشهير (الشافي في الإمامةِ)، حيثُ ذكرَ: (فالإمامةُ عندنا لطفٌ في الدينِ، والذي يدلُّ على ذلك أنّا وجَدنا أنَّ الناسَ متى خلوا مِنْ الرؤساء، ومَنْ يَفزعون إليه في تدبيرهم وسياستهم، اضطربتْ أحوالهم، وتَكدَّرَتْ عيشتهم، وفشا فيهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) علل الشرائع للصدوق ١: ٩.

(٨)

فعلُ القبيح، وظهرَ منهم الظلمُ والبغي، وأنَّهم متى كانَ لهم رئيسٌ أو رؤساءٌ يرجعون إليهم في أُمورهم، كانوا إلى الصلاحِ أقرب، ومِنْ الفساد أبعد، وهذا أمرٌ يَعمُّ كُلَّ قَبيلةٍ وبلدةٍ وكُلَّ زمانٍ وحالٍ، فقد ثبتَ أنَّ وجودَ الرؤساءِ لطفٌ، بحسب ما نذهب إليه)(٢).
بل جاء مِنْ نَفسِ حَراكِ العقلِ الإنساني، الذي استقلَّ في ادراكاته وقدراته وحُجّيته، وتحسينه وتقبيحه، لدرجةٍ ارتفعَ بها إلى موافقةِ الشـرعِ الحَكيم له، وإقراره بما يكتشفه مِنْ أدلَّةٍ وأحكامٍ وآثارٍ، على مستوى العقيدةِ والشريعةِ مَعاً، كما بيَّنَ ذلك سماحةُ السيِّد مُحَمَّد سعيد الحكيم (دام ظلُّه الوارف)، في كتابه (المُحكَمِ في أُصولِ الفقهِ)، بقوله: (إنَّ لزوم حُكمِ الشارعِ الأقدسِ على طبقِ مُقتضـى حُكم العقلِ، يبتني على وجوبِ اللطفِ منه تعالى عقلاً، بحفظِ مُقتضـى حُكم العقلِ تشـريعاً، وذلك لعدمِ كفاية الداعوية العقلية غالباً في الجري على مُقتضـى حُكم العقلِ، لمزاحمتها بالدواعي الأُخرى، التي هي أقوى منها في حقِّ أكثرِ الناسِ، فيجبُ على الشارعِ، لحفظِ مقتضياتِ الأحكامِ العقليةِ، جَعلَ الحُكمِ على طبقها، لتتأكَّدَ الداعويةُ العقليةُ بالداعويةِ الشـرعيةِ، حيث يتسنّى بجعلِ الحُكمِ الشـرعي الجريَ على مُقتضاه لأجله تعالى، والعمل لحسابهِ، لكونه المُنعم المَالك الكامل القادر)(٣).
وإنَّ واحدةً مِنْ إبداعاتِ العقلِ الإنساني في علمِ الكلامِ والعقيدةِ، أنَّه قد أدرَكَ حقيقةَ الترابطِ والانتظامِ بين أُصول الدين الإسلامي نفسها، وقد تجلَّتْ هذه الإبداعات في عمليَّةِ التنظيرِ في البحثِ العقلي والإثباتي لأصالةِ الإمامةِ في مَدرسةِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) المعصومين، ووجوبها على اللهِ تعالى عَقلاً، تحصيلاً للغرضِ الذي جُعِلَتْ من أجله.
لذا إنَّ أوَّلَ ما نَطقَ به العقلُ القويمُ في هذا البابِ هي مسألةَ أنَّ نَصب الإمامِ هو واجبٌ على اللهِ تعالى عَقلاً، وفي هذه المسألةِ اختلفتْ أفهام عُلماء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) الشافي في الإمامة ١: ٤٧.
(٣) المحكم في أُصول الفقه ٢: ١٧٧.

(٨)

الكلامِ بعد إذعانهم بوجوبِ وجودِ الإمامِ، ولم ينكر أحدٌ أصلَ الوجوبِ إلَّا مَنْ شَذَّ مِنْ بعضِ المُعتزلة والخوارجِ، فقد حكى العلَّامةُ الحلّي (رحمه الله) هذا الاختلافَ في كتابهِ (المَسلكُ في أُصولِ الدين)، وقال:
(واعلمْ أنَّ الناسَ اختلفوا في وجوبِ الإمامةِ على ثلاثةِ أقوالٍ: فمنهم مَنْ لم يُوجبها أصلاً، وهم الخوارج مُطلقاً، والأصمّ - من المعتزلة - بتقدير أنْ لا تظهر الفتنُ، ومنهم من أوجبها عقلاً، ومنهم مَن أوجبها سمعاً. و الموجبون لها عقلاً اختلفوا على قولين: فمنهم من أوجبها دفعاً للضـررِ، فأوجبَ نَصبَ الإمامِ بهذا الاعتبار على المُكلَّفين، ومنهم مَنْ أوجبها لكونها لطفاً في أداء الواجباتِ واجتنابِ المُقبَحاتِ، فأوجبَ نَصبَ الإمامِ بهذا الاعتبار على الله سبحانه وتعالى، والأوَّلُ هو مَذهب النظّام والجاحظ والخيّاط وأبي الحُسين البصري، والثاني مَذهب الإماميَّة، وهو الحقُّ)(٤).
وإنما تنازعوا في كيفيَّة هذا الوجوب ومُحدِثه، فـ (أصحاب الحديث والأشعرية قالوا: إنَّه واجبٌ سمعاً لا عقلاً، وقالتْ الإماميَّة: إنَّه واجبٌ عقلاً، وقال آخرون: إنَّه واجبٌ على العقلاء)(٥)، وقد علَّقَ الشيخُ جَعفرُ السبحاني على هذا الاختلافِ والتنازع بين متكلِّمي المسلمين، في كيفيَّةِ وجوبِ نَصبِ الإمامِ، بعد التسليمِ بأصلِ الوجوبِ، ما نصّه:
(ثمّ إنَّ اختلاف المُسلمين في كونِ النَصبِ فرضاً على اللهِ أو على الأُمَّةِ يَنجمُ عن اختلافهم في حقيقةِ الخلافةِ والإمامةِ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فمَنْ ينظرُ إلى الإمامِ بوصفه رئيس دولةٍ، ليس له وظيفة إلَّا تأمينُ الطرقِ والسُّبُلِ، وتوفيرُ الأرزاق، وإجراءِ الحدودِ، والجهادِ في سبيل الله، إلى غير ذلك ممَّا يقومُ به رؤساءُ الدولِ بأشكالها المختلفة، فقد قال بوجوب نصبه على الأُمَّة، إذ لا يُشتَرطُ فيه من المواصفاتِ إلَّا الكفاءةُ والمَقدرةُ على تدبيرِ الأُمورِ، وهذا ما يمكنُ أنْ تقومَ به الأُمَّةُ الإسلاميَّةُ. وأمَّا على القولِ بأنَّ الإمامةَ استمرارٌ لوظائفَ الرسالةِ - لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) المسلك في أُصول الدين ١: ١٨٨.
(٥) كشف المراد للعلَّامة الحلّي: ٤٩٠.

(٨)

لنفس الرسالة فإنَّ الرسالةَ والنبوَّةَ مختومتان بالتحاق النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالرفيقِ الأعلى -، فمِنْ المُتَّفقُ عليه أنّ تعهدَ هذا الأمر يتوقَّفُ على توفّرِ صلاحياتٍ عاليةٍ لا ينالها الفردُ إلَّا إذا حَظيَ بعنايةٍ إلهيةٍ خاصَّةٍ، فيخلفُ النبيَ في علمه بالأُصولِ والفروعِ، وفي سدِّ جميعِ الفراغاتِ الحاصلةِ بموتهِ، ومِنْ المعلومِ أنَّ هذا الأمرَ لا تتعرَّفُ عليه الأُمَّةُ إلَّا عن طريقِ الرسولِ، ولا يتوفَّرُ وجوده إلَّا بتربيةٍ غيبيةٍ وعنايةٍ سماويةٍ خاصَّةٍ)(٦).
ولم يقتصـر إدراكُ وجوبِ نَصبِ الإمامِ أصالةً على العقلِ، بل أنَّ العقلاءَ أنفسهم، قد أدركوا هذا المعنى في تطبيقاته موضوعاً وآثاراً، بحيث تبانوا على أنَّ وجودَ الإمامِ أمرٌ ضروري، لِما له مِنْ قدرةٍ على مَنعِ الناسِ مِنْ التنازعِ والتدافعِ فيما بينهم، بصدِّهم عن المعاصي والفسادِ، وتحضيضهم على فعلِ الطاعاتِ، والتناصفِ، والإصلاحِ، (فلا أحدٌ مِنْ العقلاءِ إلَّا وهو عالمٌ بأنَّ وجودَ الرؤساء وانبساط أيديهم مُقلِّلٌ لوقوع الظلمِ والفسادِ، والبغي والعدوانِ، أو رافعٌ لذلك)(٧).
وعلى أساسِ ما تقدَّم مِنْ أنَّ العقلَ الإنساني قد أدركَ حقيقةَ وضرورةَ ووجوبَ نصبِ الإمامِ على الله تعالى، وإنْ اختلفتْ الأفهام في كيفيَّة هذا الوجوب ومُحدِثه، وقد أذعنَ العقلاءُ في تبانيهم، عَملاً بذلك، فيتبيَّنُ أنَّ مُرتكزَ اللطفِ الإلهي، الذي قامتْ عليه أصالةُ الإمامة جَعلاً ونَصباً واعتقاداً، يقتضي ضرورةَ خَلقِ وإيجاد الإمام المعصومِ وتمكينه بالقدرةِ والعِلمِ، والنصِّ عليه باسمه ونسبه، وهذا ما قد فعله اللهُ (عزَّ وجَلَّ)، في نصِّه وذكره لإمامة أئمَّة أهل البيت المعصومين (عليهم السلام) وعصمتهم، في القرآن الكريم: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: ٣٣).
ممَّا يعني أنَّ الإمامَ المعصومَ واجبٌ وجوده ونصبه، والنصُّ عليه شخصاً وهويةً، وبالتالي سيتحمَّلُ الإمامُ المنصوبُ، تكليفه بوصفه إماماً للناسِ أجمعين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) أضواء على عقائد الشيعة الإماميَّة: ٣٨٥.
(٧) الشافي في الإمامة ١: ٥٣.

(٨)

ممَّا يستدعي ذلك جعل المُذعنين بعقيدة الإمامِ ووجوده الشـريف، على عهدةِ المسؤوليةِ العقيديةِ والشـرعية، في نمطِ التعاطي معه، من جهةِ التكاليفِ العقيديةِ والشـرعيةِ على حدٍّ سواء، بلزوم قبول الأوامر والامتناع عن النواهي، وما يحصلُ مِنْ انكارٍ لهذه الركيزةِ البُنيوية اللطفيَّة - في حدِّ نفسها، أو فيما يترشَّح منها على الناسِ آثاراً وألطافاً -، سببه عدم إيمانِ ويقينِ نفسِ المُتلطَّفِ بهم مِنْ المُكلَّفين، وإلَّا فالعقل قد أذعنَ وآمنَ بالركيزة ووافقه العقلاءُ في الجَري العملي على ذلك، ومِنْ هنا وَجَبَ تحصيلُ اليقينِ في العَقيدةِ، وأُصولها الدينية.
وتفصيل الكلام يقع في مبحثين:
المبحثُ الأوَّلُ: أدِلَّةُ الوجوبِ العقلي على إمامةِ الإمامِ المَهدي (عليه السلام):

الدليل الأوَّل: دليلُ اللُطفِ:
اللطفُ لُغةً: هو إيصالُ ما تحبّه إلى الآخرِ برفقٍ، تقولُ: لطُفَ اللهُ لكَ، أي أوصلَ إليكَ ما تحبّه برفقٍ، فاللطيفُ هو صفةٌ من صفات الله تعالى واسمُ من أسمائه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجّ: ٦٣)، وقال: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (الشورى: ١٩)، واللَّطِيف هو الذي اجتمع فيه الرِّفق في الفعلِ والعلمُ بدقائقَ المَصالحِ وإيصالها إلى مَنْ قدَّرها له مَنْ خَلقه. يُقالُ: لَطفَ به وله، بالفتح، يَلْطُف لُطْفاً إذا رَفَقَ به(٨).
مفهوم اللطفِ في علمِ الكلام:
هو أمرٌ يُحدِثه اللهُ تعالى في العبادِ، يكونُ الإنسانُ المُكلَّفُ معه أقربَ إلى فعلِ الطاعةِ وأبعدَ عن فعلِ المعصيةِ، ولم يكن لهذا الأمر المُحدَث حظٌّ أو نصيبٌ في بلوغِ حالِ المُكلَّفِ إلى التفويضِ وسلب الاختيارِ منه، ذلك لأنَّ التفويضَ ليس لطفاً وسلبُ الاختيارِ يُنافي التكليفَ. أو اللطفُ هو ما يكون المُكلَّفُ به أقربَ إلى فعلِ الطاعةِ وترك المعصيةِ، ولا يبلغ الإلجاء وهو الفعلُ بإكراهٍ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) لسان العرب/ مادَّة (لطف).

(٨)

واضطرارٍ، وليس له حظٌّ من التمكين (التفويض)، (واللطفُ هو واجبٌ في الحِكمةِ الإلهيَّةِ وإلَّا لَزِمَ مُناقضةُ الحَكيم غرضه)(٩).
بيانُ وجوبِ اللطفِ على اللهِ تعالى عَقلاً:
مِنْ المَقطوع به عقلاً في علمِ الكلامِ في مَدرسة الإماميَّة الاثني عشـرية، أنَّ اللطفَ واجبٌ عقلاً على اللهِ تعالى، إذ به يُحَصِّلُ الإنسانُ المُكلَّفُ غرضه، ولو لم يلطف اللهُ تعالى بعباده، للَزمَ نقضُ الغرضِ، ذلك أنَّ اللهَ تعالى إذا عَلِمَ أنَّ المُكلَّفَ لا يطيعُ أوامره إلاَّ بإحداثِ اللطفِ له أو به، فلو كلَّفَ اللهُ تعالى المُكلَّفين من دونِ أنْ يَلطفَ بهم أو لهم، كان حاشاه ناقضاً غرضه، لما ثَبتَ مِنْ أنَّ أفعاله سبحانه مُعللَّةٌ بالأغراضِ، وكان كمَنْ دعا غيره إلى طعام، وهو يَعلمُ أنَّه لا يُجيبه إلَّا أنْ يَستعملَ معه نوعاً مِنْ التلطّفِ والرفقِ به، فإذا لم يفعل الداعي ذلك النوعَ مِنْ الرفقِ والتلطّف بالمكلَّف، كان ناقضاً غرضه.
إذاً يَجبُ اللطفُ على اللهِ تعالى عقلاً لتحصيل الغرضِ مِنْ التكليفِ، وقد أكَّدَ هذا المفهوم العقدي، المُحقِّقُ الطوسي (رحمه الله) في كتابه (تجريدِ الاعتقادِ) بقوله: (اللطفُ واجبٌ ليُحصَّل الغرض به)(١٠).
وذكره أيضاً العلَّامةُ الحلّي (رحمه الله) في كتابه (البابُ الحادي عشـر)، حيث قال: (واللطفُ واجبٌ على اللهِ تعالى لتوقّفِ غرضِ المُكلَّفِ عليه، فإنَّ المُريدَ لفعلٍ من غيره إذا عَلِمَ أنَّه لا يفعله إلَّا بفعلٍ يفعله المُريدُ من غير مشقَّة لو لم يفعله، لكان ناقضاً غرضه وهو قبيحٌ عقلاً)(١١)، واللطفُ قد يكونُ مِنْ فعلِ اللهِ تعالى مباشرةً وصدوراً كإرساله الرسل وبعثه الأنبياء ونَصبِ الأئمَّة والأوصياء، وقد يكون اللطفُ مِن فعلِ المُكلَّف نفسه لما وجبَ في حِكمَةِ اللهِ تعالى، مِنْ أنْ يُعرِّفه به ويُشعِره ويوجبه عليه، كوجوبِ طاعةِ الأنبياء والأئمَّة المعصومين (عليهم السلام). وقد يكونُ مِن غيرِ اللهِ والمُكلَّف، بمعنى أنَّ اللطفَ يكون من فعل غيرهما، وهذا القسمُ واجبٌ في الحكمةِ الإلهيَّةِ وإيجابه ثابتٌ على الغير - غير الله والمُكلِّف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) اللوامع الإلهية للسيوري: ٢٢٧.
(١٠) كشف المراد: ٤٤٤.
(١١) النافع يوم الحشر: ٨٧.

(٨)

- كتبليغ النبيِّ الرسالةَ، ويُشتَرطُ في هذا القسم إعلامُ المُكلَّفِ به، وهو النبيُّ ومُبلِّغ الرسالة، وإيجاب الله ِتعالى تكليفُ التبليغ عليه، وأنْ يكونَ للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في مقابل ذلك نفع يعودُ إليه، ومن ثَمَّ لا يحسَنُ تكليفُ مَن له اللطفُ، إلَّا بعد العلمِ بأنَّه يقع ويتحقَّق، إذ لولاه يلزمُ مُناقضةُ الغرضِ مِنْ التكليفِ.
أحكامُ اللطفِ الإلهيِّ:
هناك أحَكام تُستَوجَبُ في اللطفِ الإلهي هي:
١- أنَّ اللطفَ عامٌّ للمؤمن والكافر، ولا يلزمُ مِنْ حصوله للكافرِ عدمُ كفره، ذلك لأنَّ اللطفَ هو لطفٌ في نفسه، سواء حَصَلَ المَلطوفُ فيه أو لا يَحصَل، بل كونه لطفاً من حيث إنَّه مُقرِّبٌ إلى طاعةِ الله تعالى ومُرجِّحٌ لوجودها، وإنَّ عدم انتفاع الكافر بذلك اللطفِ هو لسوء اختياره وعصيانه، بمعنى أنَّ عدمَ ارتفاعِ كُفر الكافرِ الذي شمله اللطفُ الإلهي، إنَّما هو بسوء اختياره وعصيانه وجحده للحقِّ وشؤونه، قال تعالى: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّـرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (لقمان: ٧).
٢- أنَّ اللهَ تعالى إذا لم يفعل اللطف لم يحسَن عقابه للمُكلَّفِ على تركِ المَلطوفِ فيه، لأنَّه إذا لم يفعل اللطفَ كان ذلك إغراءً منه، وحاشاه بالمعصية، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى﴾ (طه: ١٣٤)، فلو منعَ اللهُ تعالى إرسال الرسل، لكان للمُكلَّفين هذا السؤال والاحتجاج، ولا يكون لهم ذلك وقد لطفَ اللهُ بهم.
٣- لا بدَّ مِنْ مُناسبةٍ بين اللطفِ والمَلطوفِ فيه، أي يجب أنْ يكونَ حصولُ اللطفِ داعياً إلى حصول المَلطوف فيه، وإلَّا لصارَ عدمُ كونه لطفاً فيه أولى مِنْ كونه لطفاً لغيره من الأفعالِ.

(٨)

٤- أنْ لا يبلغُ اللطفُ وإحداثه حَدَّ الإلجاءِ، وهو سلبُ المُكلَّفِ اختياره في تكليفه، لمنافاةِ ذلك للتكليفِ أصلاً.
٥- أنْ يَدخلَ ويجوزَ في اللطفِ من جانبِ المُكلِّفِ التخييرُ لا التعيينُ، ليحقَّ للمكلَّفِ امتثالُ أحدِ الأفعالِ المُشتملة على المصلحة اللطفيَّة، كما هو الحال في خصالِ الكفّاراتِ الثلاثِ: (تحرير رقبة، او إطعام ستّين مسكيناً، أو صوم شهرين متتابعين).
باعتبار أنَّ أحدها يقوم مَقامَ الآخرِ في الإجزاء، والمُطابقة امتثالاً(١٢).
عرض دليل اللطف:
بعد بيانِ مَفهومِ اللطفِ ووجوبه وأحكامه، نقولُ: إنَّ دليلَ اللطفِ الإلهي هو مُرتكَزٌ عقلاني مَكينٌ في بُنيَّة المنظومةِ العقدية الاثني عشـرية، منذُ وقتٍ طويل، وخاصَّة في عصـرِ تدوين القواعدِ العَقدية والأُصولِ الدينيةِ الخَمسةِ: (التوحيد، النبوَّة، الإمامة، العدل، المعاد) في أواخر عصـرِ الغيبة الصغرى، واللطفُ الإلهي هو تدبيرُ الله تعالى وفعله اللطيف تكويناً وتشـريعاً، بتمكين عباده من الطاعاتِ وإبعادهم عن المعاصي، وذلك عن طريق نَصبِ الإمامِ المعصومِ، ليُبيَّن لهم المصالحَ والمَفاسدَ في هذه الحياة الدنيا، ويُمكِّنهم من تحقيق أغراضهم الإنسانيَّة، كالسلوكياتِ العامَّةِ لهم، وحفظِ نظامهم ومَصالحهم، ودفع الأضرارِ عنهم، بطريق إرشادهم إلى الأفعال الحَسنة وتجنيبهم القبيحِ منها.
وهذه القاعدةُ العقلانيةُ الانتزاع والتأسيس، بيَّنها القرآنُ الكريم في نصٍّ صريحٍ وواضحٍ يؤتِ الإنسانَ المُعتَقِدَ بإمامةِ الإمامِ المَهدي (عليه السلام)، زَخماً إيمانيَّاً قرآنياً مَتيناً، قال تعالى: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (الشورى: ١٩).
وإنَّ جملةَ ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾ هي جملة اسميةٌ خبريةٌ حَقيقيَّةُ الموضوعِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) اُنظر: اللوامع الإلهية: ٢١٣ و٢١٤.

(٨)

والحُكمِ، وهي في حدِّها تُفيدُ الثبوتَ والتمكينَ والتأكيدَ القويّ للحُكمِ وهو اللطف بالعبادِ على نحو الإطلاقِ.
وعلى هذا الأساس القرآني الحقِّ، استندتْ مدرسةُ أهل البيتِ الكلامية في تأصيلِ عقيدةِ الإمامةِ الواجبةِ على الله تعالى عقلاً، إذ أنَّها اعتقدتْ اعتقاداً قرآنياً وعقلانياً بصوابِ وحَقِّ ما ذهبتْ إليه، مِن وجوبِ نَصبِ الإمامِ المعصومِ على اللهِ تعالى، الذي أخبرَ سبحانه بأنَّه لطيفٌ بعباده، وهذه القاعدةُ القرآنيةُ والعقلانيةِ تُعتَبرُ مَدرَكاً قويّاً وقطعياً على وجودِ إمامنا المَهدي (عليه السلام)، ووجوبِ نَصبه مِنْ قِبَل اللهِ تعالى، للطفه سبحانه بعبادِه أجمعين في العقيدة والشـريعة.
(إنَّ مُقتضـى اللطفِ أنَّ ينصبَ اللهُ الأدلَّةَ على العقائدِ والتكاليفِ حتَّى الفرعية، ويرفعَ الموانعَ التي من قِبَله تعالى لكلِّ من كلَّفه بذلك، كنقصان العقلِ أو عدم وصولِ الدعوةِ أو الغفلةِ عن مُراد الله تعالى، ولذا الشخص المتَّصف بتلك الموانع لم يكن الله تعالى بمُكلَّفٍ له، لا بالعقائدِ ولا بالفروعِ، كما دلَّت الأدلَّة على ذلك)(١٣).
وإنَّ وجودَ الإمامِ هو لُطفٌ بنفسهِ قَطعاً لا مُحالة، وإنْ لم نقف على هذا اللطفِ حِسّاً، وذلك لاعتقادنا بأنَّ الإمامَ المَهدي (عليه السلام) هو حافظُ الشـريعةِ الحقَّةِ، وحارسها الأمين مِنْ الزيادةِ والنقصانِ، كشـريعةٍ نازلةٍ مِن وراءِ الغيبِ الإلهيِ وباقيةٍ، لا كما نفهمه نحن منها، نعم الزيادةُ والنقصانُ في الفَهم البشـري للشـريعةِ، وقعَ وحَصلَ، ولا زال وسيبقى كذلك، مادام الإمامُ المَهدي (عليه السلام) غائباً عن ممارسة دوره الظاهري وتعاطيه مع نصوصِ الشـريعةِ الإسلاميَّةِ ومُعطياتها الحياتية. وقد بيَّنَ السيِّدُ المرتضى (رحمه الله) ذلك الأصلَ العقيدي بقوله:
(قد علمنا أنَّ شريعة نبيِّنا (صلّى الله عليه وآله وسلم) مؤبَّدةٌ غير منسوخةٍ، ومستمرَّةٌ غير مُنقطعةٍ، فإنَّ التعبدَ لازمٌ للمُكلَّفين إلى أوانِ قيام الساعة، ولا بدَّ لها مِنْ حافظٍ، لأنَّ تركها بغير حافظٍ إهمالٌ لأمرها، وتكليفٌ لِمَنْ تعبَّدَ بها بما لا يطاق، وليس يخلو أنْ يكون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) النور الساطع ١: ٢١٧.

(٨)

الحافظُ معصوماً أو غير معصوم، فإنْ لم يكن معصوماً لم يؤمن من تغييره وتبديله، وفي جواز ذلك عليه - وهو الحافظُ لها - رجوعٌ إلى أنَّها غير محفوظةٍ في الحقيقة، لأنَّه لا فرق بين أنْ تُحفَظَ بمَن جائزٌ عليه التغيير والتبديل والزلل والخطأ، وبين أنْ لا تُحفَظ جملةً إذا كان ما يؤدّي إليه القول بتجويز ترك حفظها، يؤدّي إليه حفظها بمن ليس بمعصوم، وإذا ثبتَ أنَّ الحافظَ لا بدَّ أنْ يكون معصوماً، استحالَ أنْ تكون محفوظةً بالأُمَّةٍ وهي غير معصومةٍ، والخطأُ جائزٌ على آحادها وجماعتها، وإذا بَطلَ أنْ يكون الحافظُ هو الأُمَّةَ فلا بدَّ من إمام معصوم حافظ لها)(١٤).
ونحن أتباعُ مَدرَسةِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) مُدركون تماماً لذلك الأمر، لذا تجدنا نؤمنُ في حالِ الغيبةِ الكبرى بالأحكامِ الظاهرية، التي يَستخرجها المُجتهدون مِن مَداركها الصحيحةِ، وهذا هو معنى مذهبنا (مذهب التخطِئة)، أي إنَّ أحكامنا قد توافقُ واقعَ أحكامِ الشـريعةِ، وقد لا توافقها، لعدمِ علمنا القطعي بالأحكام الواقعيَّة، إلَّا ما قامَ عليه الدليلُ اليقيني، فالتخطئةُ تعني إمكان أنْ لا يُطابق ما وَصَلَ إليه المُجتهدُ ما عليه الواقع.
بخلافِ غيرنا مِنْ الفِرَقِ الأخرى، والذين وقعوا في مأزق استخراج الحُكم الشـرعي من الشـريعة، فقالوا بالتصويبِ على قسميه الأشعري(١٥) والمعتزلي(١٦)، والذي ينصُّ على أنَّ الأحكامَ التي يَستخرجُها المُجتهدُ هي أحكامُ اللهِ واقعاً، فما ذهبوا إليه بمذهبهم هذا هو نتيجةٌ طبيعيةٌ لعدمِ اعتقادهم بوجوبِ نَصبِ الإمامِ على اللهِ عَقلاً.
هذا من جهة، ومِنْ جهة أُخرى أنَّنا نؤمنُ قاطعين يَقيناً في فترة الغيبة الكبرى، بأنَّ اعتقادنا كمُكلَّفين بوجودِ الإمام المهدي (عليه السلام) في وقتنا هذا، واحتمال ظهوره الشـريف في أيِّ وقت يُقَرِّبنا من الطاعاتِ ويُبعِّدنا عن المفاسدِ في هذه الحياة الدنيا، وهذا في حدِّ نفسه هو مِصداقٌ للطفيةِ وجودِ الإمام المهدي (عليه السلام)، حتَّى ولو كان غائباً غير ظاهرٍ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) الشافي في الإمامة ١: ١٨٠.
(١٥) تُنسَبُ هذه الفرقةُ إلى أبي الحسن الأشعري، كان من أتباع فرقة المعتزلة ثمّ انشقَّ عليها، وقام بطرح أفكاره الجديدة التي قامت على أساسها فرقة الأشاعرة، وهي أفكار تتعلَّق بالاعتقاد، أمَّا ما يتعلق بالفقه فقد التزم فيه بفرقة الشافعي، وجاء الأشعري بأفكاره من أجل التوفيق بين العقل والنقل، أي بين الفِرَق التي أسرفت في الاعتماد على أحاديث وأقوال الصحابة والتابعين والفِرَق التي أسرفت في استخدام العقل إلَّا أنَّه مال أكثر لأهل السُّنَّة. (اُنظر: فِرَق أهل السُّنَّة، جماعات الماضي وجماعات الحاضر للورداني: ١٣٣).

(١٦) وقد ظهرتْ هذه الفرقة أوَّل ما ظهرت في البصـرة، متمثِّلة في شخص واصل بن عطاء، حيث كان من تلاميذ الحسن البصـري، ثمّ انفصل عنه، ليُؤسِّس مدرسة عُرِفَت فيما بعد بمدرسة الاعتزال بالبصـرة. في قبال مدرسة الاعتزال في بغداد، والتي أسَّسها بعد ذلك تلميذه بشـر بن المعتمر الملقَّب بالهلالي والمكنّى بأبي سهل. (اُنظر: فِرَق أهل السُّنة، جماعات الماضي وجماعات الحاضر للورداني: ٤٣).

(٨)

وإلى ذلك المعنى السديد أشارَ الخواجةُ نصير الدين الطوسي (رحمه الله) في كتابه الشهير (تجريد الاعتقاد)، وذكر: (أنَّ وجودَ الإمامِ نفسه لطفٌ، لوجوهٍ: أحدها: أنَّه يحفظ الشـرائع ويحرسها عن الزيادة والنقصان، وثانيها: أنَّ اعتقاد المكلَّفين لوجود الإمام وتجويز انفاذ حكمه عليهم في كلِّ وقت سببٌ لردعهم عن الفساد ولقربهم إلى الصلاح، وهذا معلومٌ بالضـرورة، وثالثها: أنَّ تصـرّفه لا شكَّ أنَّه لطفٌ ولا يتمُّ إلَّا بوجوده، فيكون نفسه لطفاً وتصرّفه لطفاً آخراً)(١٧).
وقد مَنعَ المخالفون لنا وجوبَ اللطفِ، وهو ظُلمٌ للهِ تعالى ولكرمه ولطفه بعباده لطفاً مُطلقاً، ومنعوا بأنَّ الإمامَ المَهدي (عليه السلام)، هو مصداقٌ للطف اللهِ تعالى في وقتِ الغيبة الكبرى.
وتبنّى ذلك المنعَ عضدُ الدين الإيجي(١٨) في كتابه (المواقف) ما نصّه: (احتجَّ المُوجبُ لنصبِ الإمامِ على اللهِ، بأنَّه لطفٌ لكون العبدِ معه أقرب إلى الطاعة وأبعد عن المعصية، واللطفٌ واجبٌ عليه تعالى. والجوابُ بعد مَنع وجوبِ اللطف، أنَّ اللطف الذي ذكرتموه إنَّما يحصلُ بإمامٍ ظاهرٍ قاهرٍ، يرجى ثوابه ويخشى عقابه، يدعو الناس إلى الطاعات ويزجرهم عن المعاصي، بإقامة الحدود والقصاص وينتصف للمظلوم من الظالم، وأنتم لا توجبونه على اللهِ، كما في هذا الزمان الذي نحن فيه، فالذي توجبونه وهو الإمام المعصوم المختفي أو ليس بلطف؟. إذ لا يُتصوَّرُ منه مع الاختفاءِ، تقريب الناس إلى الصلاح وتبعيدهم عن الفساد والذي هو لطف لا توجبونه عليه، وإلَّا لزم كونه تعالى في زماننا هذا تاركاً للواجب، وهو مُحال)(١٩).
وهذا الزعمُ مِنْ المُخالفين لنا، يشبهُ زعمَ اليهودِ في ظلمهم لأنفسهم، ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾، فجاءهم الخطابُ الإلهي تَقريعاً وإنكاراً: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) كشف المراد: ٤٩٢.
(١٨) عضد الدين الإيجي (٦٨٠ - ٧٥٦هـ)، هو قاضٍ ومتكلَّم وفقيه ولغوي، شافعي المذهب، من أهل إيج بفارس.
(١٩) المواقف ٣: ٥٨٣.

(٩)

وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ (المائدة:٦٤)، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ قَرَّرَ حقيقةً واقعيةً في لطفِ اللهِ بعبادهِ مِنْ الرزقِ وتدبير معاشهم كبشـر، وتدبير أُمورهم التكوينية والعقيدية والتشريعية.
ونَفسُ هذه الآيةِ الشـريفةِ تَبسطُ علينا بنصِّها الجَليِّ، صورَ قدرةِ الله تعالى في تدبير شؤون عباده على نحو الإطلاق والديمومةِ والبقاءِ، كما هي قدرته (عزَّ وجلَّ) على الإحداث والخلَقِ من أوَّلِ الأمرِ، فلا انقطاع للطفِ الله تعالى بعباده ولا قبض في فيوضاته المُقَدَّسة في أُمور العباد، عقيدةً وهدايةً، وأعني نَصبَ حُججه الحَقَّةِ، ومنهم الإمام المهدي (عليه السلام)، كإمام يُمثِّلُ اللطفَ الإلهي بالعبادِ واقعاً.
ولسماحةِ السيِّد محمّد سعيد الحكيم (دام ظلُّه الوارف) جوابٌ قيِّمٌ على مَنعِ المُخالفين لوجوبِ اللطفِ على اللهِ تعالى، ورفضهم لوجوب نصب الإمام على الله عقلاً طبقاً لقاعدة اللطف الإلهي، والتي بيَّنها وردَّ إشكالَ المانعين فيها، بذكرِ ما نصّه:
(إنَّ مَرجعَ قاعدةِ اللطفِ إلى أنَّ عمومَ البشـرِ حيثُ كانوا في نقص ذاتي، جاهلين بما يصلحهم، غير معصومين من الفساد والشـرِّ والظلم، بل تتنازعُ فيهم دواعي الصلاح والفساد، والخير والشـرّ، والظلم والعدل، فهم في حاجةٍ إلى إمامٍ معصومٍ، يجمعهم على الصلاح والخير والعدل، ويُبعِدهم عن الفساد والشـرِّ والظلم، فمقتضـى حِكمةِ اللهِ تعالى ورحمته، أنْ يلطفَ بهم ويُزيحَ العلَّةَ مِنْ قِبَله عنهم، بأنْ يَجعَلَ لهم إماماً معصوماً، ويُعرِّفهم به بحجَّةٍ كافيةٍ ودليلٍ واضحٍ، ولعلَّه إلى ذلك يُشيرُ قوله تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَـرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، وحيثُ كانتْ حاجتهم لذلك

(٩)

 مُستمرَّةً في جميع الأوقاتِ تبعاً لدوام نقصهم وحاجتهم، فلا بدَّ من وجودِ إمامٍ مَعصومٍ في كلِّ زمانٍ يزيحُ العلَّةَ، ولا يكفي إرسالِ النبيِّ في وقته، بعد أنْ لم يكن خالداً، لأنَّه إنَّما يكون إماماً لعصره، ولا تُزاح العلَّة بعد ذلك، لما هو المعلوم مِنْ حصولِ الخلافِ بعده، وشيوع الشـرِّ والفساد وخروج الأُمَّةِ ولو ببعض فئاتها عن طاعة الله تعالى وضياع معالم الحقِّ عليه. هذا هو مفاد قاعدة اللطف الإلهي، وهي - قاعدة اللطف الإلهي - لا تقتضـي وجوبَ تحقّق العدلِ فعلاً بسيطرة الإمام وقبضه على زمام الأُمورِ وقَسـرِ الناسِ على الانصياع له والرضوخِ لحكمه، فإنَّ ذلك لم يحصل إلَّا في فتراتٍ زمنيةٍ قصيرةٍ، وربَّما لم يكن في تلك الفترات بنحو شاملٍ، بل المرادُ منها وجوب إزاحةِ علَّتهم من قِبَل الله تعالى تشريعاً بنصب الإمام لهم، وتعريفهم به بما تتمُّ به الحجَّةُ عليهم، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]، ثمّ لهم بعد ذلك الاختيار...، فقاعدةُ اللطف بالإضافة إلى الإمامةِ ... تقتضـي بأنَّ الناسَ لـمَّا كانوا قاصرين بسبب جهلهم وفَقرهم، فالواجب على اللهِ تعالى بمقتضـى حكمته أنْ يلطفَ بهم ويُشـرِّع لهم من الأحكام ما يصلح به أمرهم في معاشهم ومعادهم، وفي علاقتهم مع الله سبحانه، ومعاشرتهم فيما بينهم، من دون أن تقضـي بوجوب تهيئة الظروف المناسبة لتطبيقهم تلك الأحكام، وحملهم على ذلك من أجل أن يفوزوا فعلاً بالخير والصلاح، ويبعدوا عن الشـرِّ والفساد، بل ليس عليه سبحانه إلَّا تشـريع الأحكام لصالحهم مع بقاء الاختيار لهم، كما قال (عزَّ من قائل) ﴿إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٣])(٢٠).
إذن على أساس ما تقدَّم يتبيَّن سقوطُ نقضِ عضد الدين الإيجي في كتابه (المواقف في علم الكلام)، على قاعدةِ اللطفِ بالإمام المَهدي (عليه السلام) المعصوم الغائب بقوله: (فالذي توجبونه وهو الإمام المعصوم المُختفي أو ليس بلطف؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) المهدي المنتظر، الإمام الثاني عشر: ١٩٣ - ١٩٦.

(٩)

إذ لا يُتصوَّر منه مع الاختفاء تقريب الناس إلى الصلاح وتبعيدهم عن الفساد، والذي هو لطف لا توجبونه عليه، وإلَّا لزم كونه تعالى في زماننا هذا تاركاً للواجب، وهو محال).
وتقريرُ سقوطِ هذا النقضِ يكون بهذه الصياغة الكلاميَّة أيضاً: (وسَقطَ أيضاً النقضُ بالإمام المعصوم الغائب، ولعلَّ منشأه الغفلة عن حقيقة الإمامة، وتوهّم كونها السلطنة الظاهرية فحسبْ، وقد عرفتَ أنَّها مَنصبٌ إلهي كالنبوَّة، فكما أنَّ النبوَّةَ قد تجتمع مع السلطنة الدنيوية والحكومة الظاهرية، وقد تفترق عنها والنبوَّة باقية، كذلك الإمامة...، والبعث والنَصب مِنْ اللهِ في جميع الأحوالِ على حاله، والنبيُّ والإمام باقيان على النبوَّة والإمامة، وعلى الناس الانقيادُ لهما، والتسليم لأوامرهما ونواهيهما، ولا إلجاء من الله كما عرفتَ، فإن فعلوا اجتمعتْ الرئاستان وتمَّ اللطف، وإلَّا افترقتا ولم تبطل النبوَّة والإمامة، بل خسَرتْ الأُمَّةُ فوائدَ بَسطِ اليدِ ونفوذ الكلمة منهما . على أنَّ وجودَ النبيِّ أو الإمامِ الفاقدِ للسلطنة الظاهرية ينطوي على بركات وآثار، حتَّى ولو كان غائباً عن الأبصار)(٢١).
وقد ذَكرَ الشيخُ المُفيدُ (رحمه الله) مُقاربةً استدلاليةً مِنْ قاعدةِ اللطفِ الإلهي على وجوبِ نَصبِ الإمامِ المَهدي (عليه السلام)، على اللهِ تعالى عقلاً ووجوبِ النصِّ عليه، وذكرَ ما نصّه:
(ومِنْ الدلائلِ على إمامةِ القائمِ بالحقِّ ابن الحسن (عليه السلام)، ما يقتضيه العقلُ بالاستدلالِ الصحيحِ من وجودِ إمامِ مَعصومٍ كاملٍ غني عن رعاياه في الأحكام والعلوم في كلِّ زمان، لاستحالة خلوّ المُكلَّفين مِن سلطانٍ يكونون بوجوده أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد، وحاجة الكلِّ من ذوي النقصان إلى مؤدِّب للجناةِ، مُقوِّم للعصاةِ، رادع للغواة، مُعلِّم للجهّال، مُنبِّهٍ للغافلين، مُحذِّرٍ للضلّال، مُقيم للحدودِ، مُنفِّذ للأحكامِ، فاصل بين أهل الاختلاف،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) الإمامة في أهمّ الكتب الكلاميَّة لعلي الميلاني: ٤٧.

(٩)

ناصب للأُمراء، سادّ للثغور، حافظ للأموال، حام عن بيضة الإسلام، جامع للناس في الجمعات والأعياد. وقيام الأدلَّة على أنَّه معصوم من الزلّات، لغناه بالاتِّفاق عن إمام، واقتضـى ذلك له بالعصمة بلا ارتياب، ووجوبُ النصِّ على من هذه سبيله من الأنام أو ظهور المعجز عليه لتمييزه ممَّن سواه، وعدم هذه الصفات من كلِّ أحد سوى من أثبت إمامته أصحاب الحسن بن عليّ وهو ابنه المهدي (عليه السلام). وهذا أصلٌ لا يُحتاجُ معه في الإمامة إلى روايةِ النصوصِ، لقيامه بنفسه في قضيَّة العقول، وصحَّته بثابتِ الاستدلالِ، ثمّ جاءتْ رواياتٌ في النصِّ على ابن الحسن، مِنْ طرقٍ تنقطعُ بها الأعذارُ)(٢٢).
الدليل الثاني: دليل الاضطرارِ:
وقد ذَكره السيِّد عبد الله شبَّر في كتابهِ (حقّ اليقين في معرفةِ أُصولِ الدين)، وبيَّن (أنَّ ما ذُكِرَ في بيانِ الاضطرارِ إلى الرسلِ فهو بعينه جار في الاضطرار إلى ‌أوصيائهم وخلفائهم، لأنَّ الاحتياجَ إليهم غير مُختصٍّ بوقتٍ دون آخرٍ، وفي حالةٍ دون أُخرى، ولا يكفي بقاءُ الكتبِ والشـرائعِ مِن دونِ قيِّم لها عالم بها، ألَا ترى إلى الفِرَق‌ المُختلفةِ والمذاهبِ المُتباينةِ كيف يستندون في مذاهبهم كلّها إلى كتاب الله (عزَّ وجلَّ)، فيستندُ المُجَسِّم إلى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥]، ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]. والمُجبِّرُ إلى قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [النساء: ٧٨]. ومن قال بخلق الأفعال إلى ‌قوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ [النحل: ٩٣]. ومن قال برؤية الله إلى قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ و٢٣]. ويُستَدلُّ العَدليَّةُ بما يخالفُ ذلك من الآيات، وبالجملة فإنَّك لا ترى فرقةً مِن الفِرَقِ المُحقَّةِ أو المُبطلةِ، إلَّا وهي تستندُ إلى كتابِ الله، بل وإلى سُنَّةِ رسولِ‌ الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، و ذلك لأنَّ كتابَ الله فيه المُحكم والمُتشابه والمُجمل والمؤوَّل والناسخ‌ والمنسوخ، والسُّنَّة فيها ذلك أيضاً مع وقوعِ الكَذبِ والتحريفِ والتصحيفِ، هذا كلّه مع ‌جهل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) الإرشاد ٢: ٣٤٢.

(٩)

أكثر الخلق بمعانيها، وتشتّت أهوائهم وزيغ قلوبهم، فلا بدَّ حينئذٍ لكلِّ نبيٍّ مُرسلٍ ‌بكتابٍ من عند الله (عزَّ وجلَّ)، أنْ يَنصبَ وصيّاً يودعه أسرار نبوَّته وأسرار الكتاب المنزل عليه،‌ ويكشف له مُبهمه، ليكون ذلك الوصيّ هو حجَّة ذلك النبيّ على أُمَّته، ولئلَّا تتصـرَّفَ الأُمَّة في ذلك الكتاب بآرائها وعقولها، فتختلف وتزيغ قلوبها، كما أخبرَ الله تعالى بذلك فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧])(٢٣).
الدليل الثالث: دليل استحالة الإهمال على اللهِ تعالى:
وهو من الأدلّة العقليّة التي تبناها علماءُ الكلامِ والعقيدةِ في مسألةِ وجوبِ نَصبِ الإمامِ على اللهِ تعالى عقلاً، فـ (إنَّ العقلَ السليمَ والفَهمَ المُستقيمَ يُحيلُ على العزيزِ الحكيمِ والرسولِ‌ الكريمِ مع كونه مَبعوثاً إلى كافَّة الأنام، وشريعته باقية إلى يوم القيامة، أنْ يهملَ أُمَّته مع نهاية رأفته وغاية شفقته بهم وعليهم، ويتركَ بينهم كتاباً في غايةِ الإجمالِ ونهايةِ الإشكالِ له ‌وجوهٌ عديدةٌ ومَحاملٌ، يحمله كلٌّ منهم على هواه ورأيه، وأحاديث كذلك لم‌ يظهر لهم منها إلَّا القليل، وفيها مع ذاك المكذوب والمُفتَرى والمُحرَّف، ولا يُعيِّن لهذا الأمر العظيم رئيساً، يُعوَّلُ في المشكلاتِ عليه ويُركن في سائر الأُمور إليه، إنَّ هذا ممَّا يحيله ‌العقلُ على ربِّ العالمين، وعلى سيِّد المرسلين، وكيف يوجب اللهُ تعالى على الإنسانِ‌ الوصيَّةَ والإيصاء عند الموتِ لئلَّا يموت ميتة الجاهلية، ولئلَّا يدع أطفاله ومتروكاته بغير قيِّم ‌ووليّ وحافظ، ولا يوجب على النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، الإيصاء والوصيَّة مع أنَّ رأفةَ الله بخلقه، ورأفة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) بأُمَّته لا نسبة لها بذلك)(٢٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) حقُّ اليقين: ١٨٣.
(٢٤) حقُّ اليقين: ١٨٤.

(٩)

المبحث الثاني: دليل النصِّ على الإمام المنصوب وجوباً على اللهِ عقلاً:
ونعني به نَصَّ النبيِّ الأكرم مُحَمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) على الإمامِ المَهدي (عليه السلام)، وبعده الأئمَّةِ المعصومين (عليهم السلام) واحداً بعد واحدٍ، وإنَّ مَدرسةَ أهل البيت المعصومين (عليهم السلام) وشيعتها، قد آمنتْ بالنصِّ على نَصبِ الإمامِ المعصومِ مِنْ لدنِ اللهِ تعالى، منذُ عَهدِ الرسولِ الأكرم محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وسَلَّمَتْ بذلك تسليماً مُطلقاً، إيماناً منها بحقِّ وشرعيَّةِ مَنْ نَصبه الرسولُ الأكرمُ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، مِن أوَّلِ الأمرِ، ألَا وهو الإمامُ عليٌّ (عليه السلام)، ومِنْ بعده الأئمَّةُ المعصومون (عليهم السلام) وقائمهم الإمامُ المَهدي (عليه السلام).
وللسيِّد الشهيد مُحَمَّد باقر الصدر (رحمه الله) توجيهٌ قيِّمٌ في مُعالجةِ الجَدلِ الذي دارَ بين المُسلمين، حول شرعيَّةِ الحاكمِ وكيفيَّةِ تسنّمه الحُكمَ وأثر العقيدةِ في ذلك المَنصبِ، ذَكره في بحثه السديدِ حول الولايةِ، وقال:
(وهكذا نرى أنَّ الشيعةَ ولدوا منذ وفاةِ الرسولِ (صلّى الله عليه وآله وسلم) مباشرةً، مُتمثِّلين في المُسلمين الذين خضعوا عملياً لأُطروحة زعامة الإمام عليّ (عليه السلام)، وقيادته التي فرَضَ النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) الابتداءَ بتنفيذها من حين وفاته مباشرةً، وقد تجَسَّدَ الاتجاهُ الشيعي منذ اللحظة الأُولى في إنكار ما اتَّجهتْ إليه السقيفةُ، مِنْ تجميدٍ لأُطروحةِ زعامةِ الإمام عليّ (عليه السلام)، وإسنادِ السلطةِ إلى غيره، ذكر الطبرسي في الاحتجاج(٢٥) عن أبان بن تغلب، قال: قلتُ لجعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): جُعلتٌ فداك، هل كان أحدٌ في أصحابِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنكر على أبي بكر فعله؟ قال: «نعم، كان الذي أنكر عليه اثني عشـر رجلاً من المهاجرين: خالد بن سعيد بن أبي العاص، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود، وعمّار بن ياسر، وبريدة الأسلمي، ومن الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان، وعثمان بن حنيف، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأُبي بن كعب وأبو أيّوب الأنصاري»)(٢٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) الاحتجاج ١: ٧٥.
(٢٦) بحث حول الولاية: ٨٠.

(٩)

فاتِّجاهُ التعبّدِ بالنصِّ والذي آمنتْ وسلَّمتْ به الشيعةُ، هو اتِّجاه قائمٌ منذ الصدر الأوَّلِ للإسلامِ، بحسبِ تعبيرِ السيِّدِ الشهيدِ مُحَمّد باقر الصدر (رحمه الله)، (وهكذا نعرفُ أنَّ الاتِّجاهَ الذي يُمثِّلُ التعبّدَ بالنصِّ، يُمثِّلُ الدرجةَ العُليا مِنْ الانصهارِ بالرسالةِ والتسليم ِالكاملِ لها، وهو لا يرفضُ الاجتهادَ ضمن إطارِ النصِّ وبذلِ الجُهدِ في استخراجِ الحُكمِ الشـرعي منه، ومن المُهمِّ أنْ نشيرَ بهذا الصددِ أيضاً إلى أنَّ التعبَّدَ بالنصِّ لا يعني الجمودَ والتصلّبَ الذي يتعارضُ مع متطلّباتِ التطوّرِ وعواملِ التجديدِ المُختلفةِ في حياةِ الإنسانِ، فإنَّ التعبَّدَ بالنصِّ معناه كما عرفنا التعبّدُ بالدينِ، والأخذُ به كاملاً دون تبعيض، وهذا الدينُ نفسه يَحملُ في أحشائه كُلَّ عناصرِ المرونةِ والقدرةِ على مسايرة الزمن، واستيعابه بكلِّ ما يحمل من ألوانِ التجديدِ والتطوّرِ، فالتعبّدُ به وبنصِّه تعبّدٌ بكلِّ تلك العناصر، وبكلِّ ما فيها من قدرةٍ على الخَلْقِ والإبداع والتجديد)(٢٧).
وقد قَرَّر العلَّامةُ الحلّي (رحمه الله) دليلَ النصِّ على إمامة الإمامِ المنصوب إلهيّاً، كما في إمامة الإمام المهدي (عليه السلام) وتبنّاه، قال:
(وقد سبقَ النصُّ عليه - على الإمام المَهدي (عليه السلام) - في مِلَّةِ الإسلامِ مِنْ نبيِّ الهدى (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ونصَّ عليه الأئمَّةُ (عليهم السلام) واحداً بعد واحدٍ، إلى أبيهِ الحَسن (عليه السلام)، ونصَّ أبوه (عليه السلام) عليه عند ثقاته وخاصَّة شيعته، وكان الخبرُ بغيبته ثابتاً قبل وجوده، وبدولته مستفيضاً قبل غيبته، وهو صاحبُ السيفِ من أئمَّة الهدى (عليهم السلام)، والقائمُ بالحقِّ، المُنتَظرُ لدولةِ الإيمانِ، وله قبل قيامه غيبتان: إحداهما أطولُ مِنْ الأُخرى كما جاءتْ بذلك الأخبارُ، فأمَّا القصـرى منهما منذ وقتِ مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته، وعُدِمَ السفراءُ بالوفاة، وأمَّا الطولى فهي بعد الأُولى وفي أخرها يقومُ بالسيف، قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]، وقال (جلَّ اسمه): ﴿وَلَقَدْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) بحث حول الولاية: ٨١.

(٩)

كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥ و١٠٦]، وقال رسولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «لن تنقضـي الأيّامُ والليالي حتَّى يبعثَ اللهُ رجلاً مِنْ أهل بيتي، يُواطئ [يُوافقُ] اسمه اسمي، يملأها قُسطاً وعدلاً، كما مُلِئَتْ ظلماً وجوراً»، وقال: «ولو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يومٌ واحدٌ لطوَّلَ اللهُ ذلك اليومَ حتَّى يَبعثَ فيه رجلاً من ولدي يواطئ [يوافق] اسمه اسمي، يملأها قِسطاً وعَدلاً كما مُلِئَتْ ظلماً وجوراً»)(٢٨).
وذكره - دليل النصِّ - العلَّامةُ الحلّي أيضاً في كتابه (مِنهاج الكرامة في معرفةِ الإمامةِ)، وقال: (إنَّ الإمامَ يجبُ أنْ يكونَ مَنصوصاً عليه، لِما بيَّنّا مِن بطلانِ الاختيارِ، وأنَّه ليس بعض المُختارين لبعضِ الأُمَّةِ أولى مِن البعضِ المُختارِ للآخر، ولأدائه إلى التنازعِ والتناحرِ، فيؤدّي نصبُ الإمام ِ إلى أعظمِ الفسادِ التي لأجل إعدام الأقلّ منها أوجبنا نصبه، وغير عليّ (عليه السلام) من أئمَّتهم لم يكن منصوصاً عليه بالإجماع، فتعيَّن أنْ يكونَ هو الإمامُ(٢٩).
لقد ذهبت الإماميَّة خاصّةً إلى أنَّ الإمام يجب أنْ يكونَ مَنصوصاً عليه، وإنَّ العلَّامةَ الحلّي (رحمه الله) عَرضَ هذا المطلبَ المُهمَّ والخطيرَ عَقديّاً والحسّاس في حياةِ الناس لغرضِ فَضِّ النزاعِ الذي دارَ حولَ الإمامةِ، وهل هي بالنصِّ أو بالبيعةِ، أي الانتخاب البشـري للإمام؟ أو غير ذلك مِن مذاهب المدارسِ العقدية الأُخرى في الإسلام. فأكَّدَ العلَّامةُ الحلّي على أنَّ طريقَ تعيين الإمام هو النصُّ ولا طريق غيره، ومستنده في ذلك: أنَّ الإمامةَ المنصوبةَ والمَعصومةَ هي أمرٌ إلهي لا يعلَم مُستحقّه إلَّا اللهُ تعالى، فلا بدَّ مِن التنصيص الإلهي والنبوي والإمامي على إمامةِ الإمامِ الحقِّ ربّانياً، والمعصومِ فعلياً، بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أو بعد الإمام ، وإلَّا - أي وإن لم يكن النصُّ طريقاً إلى معرفة الإمام الحقِّ - يبقى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) الإرشاد ٢: ٣٤٠؛ المستجاد من الإرشاد: ٢٣٣.
(٢٩) منهاج الكرامة: ١٤٤.

(٩)

خيارُ إظهارِ المُعجزة على يد مَنْ يَدعي الإمامةَ الحقَّةَ إثباتاً لصدق دعواه.
قال العلَّامةُ الحلّي: (الإمامُ يجبُ أنْ يكونَ منصوصاً عليه، لأنَّ العصمةَ من الأُمور الباطنة التي لا يعلمها إلَّا اللهُ تعالى، فلا بدَّ مِن نصِّ مَنْ يَعلمُ عصمته عليه، أو ظهورِ مُعجزةٍ على يده تدلُّ على صدقهِ، وقد علَّق الفاضلُ المقداد السيوري على ما تبنّاه العلَّامة الحلّي مِنْ طريقيةِ النصِّ حصـراً، بعد دليل اللطفِ، فقال: (هذه إشارةٌ إلى طريقِ تعيين الإمام، وقد حَصَلَ الإجماعُ على أنَّ التنصيصَ مِنْ اللهِ ورسولهِ وإمام سابقٍ، سبَبٌ مُستقلٌّ في تعيين الإمام (عليه السلام)، وإنَّما الخلافُ في أنَّه هل يَحصلُ تعيينه بسببٍ غيرِ النصِّ أم لا؟ فمَنعَ أصحابنا الإمامةَ مِن ذلك مُطلقاً، وقالوا: لا طريقَ إلَّا النصُّ، لأنّا قد بيَّنّا أنَّ العصمةَ شرطٌ في الإمامةِ، والعصمةُ أمرٌ خفي لا اطِّلاع عليه لأحدٍ إلَّا اللهُ، فلا يحصلُ حينئذٍ العِلمُ بها في أيِّ شخصٍ هي إلَّا بإعلامِ عالمِ الغيبِ، وذلك يحصل بأمرين: أحدهما: إعلامه بمعصومٍ كالنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فيُخبرنا بعصمة الإمام (عليه السلام) وتعيينه، وثانيهما: إظهارُ المعجزةِ على يده الدالّةِ على صدقهِ في ادِّعائهِ الإمامة)(٣٠).
وعلى أساسِ ذلك البناءِ العقدي جاءَ النصُّ على إمامةِ الإمامِ المَهدي (عليه السلام)، (جاءَ بالنقلِ المتواترِ من الشيعةِ خَلفاً عن سلف، والذي يفيدُ اليقينَ بعقيدةِ نصبِ الإمام وعصمته، كما كانَ النصُّ على إمامة الإمام عليّ (عليه السلام) ونصبه إلهيّاً، وقد نقلَ المخالفون ذلك من طرقٍ متعدِّدةٍ، تارةً على الإجمالِ، وأُخرى على التفصيلِ، كما روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) متواتراً أنَّه قال للحُسين (عليه السلام): «هذا ابني إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمَّة تسعة تاسعهم قائمهم»، وغير ذلك من الأخبار. وروي عن مسـروق قال: بينا نحن عند عبد الله بن مسعود إذ قال له شابٌّ: هل عَهَدَ إليكم نبيّكم (صلّى الله عليه وآله وسلم) كم يكون من بعده خليفة؟ قال: إنَّكَ لحديثِ السنِّ، وإنَّ هذا شيء ما سألني أحد عنه، نعم عَهَدَ إلينا نبيّنا (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنْ يكون بعده اثنا عشـر خليفة عدد نقباء بني إسرائيل. وقد بيَّنّا أنَّ الإمامَ يجبُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) النافع يوم الحشر: ١٠١.

(٩)

أنْ يكون معصوماً، وغير هؤلاءِ ليسوا معصومين إجماعاً، فتعيَّنتْ العصمةُ لهم، وإلَّا لزمَ خلوّ الزمان عن المعصومِ، وقد بيَّنّا استحالته)(٣١).
وبما تقدَّمَ ثبوتاً ومُستنداً في النصِّ على إمامة الإمام المهدي (عليه السلام) يبقى السؤالُ عن كيفيَّةِ الإيمانِ إثباتاً وظاهراً بصدقِ وجود الإمام المهدي (عليه السلام) فعلاً، كما ناقش ذلك السؤالَ المعرفي العقدي السيِّدُ الشهيد محمّد باقر الصدر (رحمه الله) في بحثه القيِّم حول المَهدي (عليه السلام)، وقدَّم جوابه السديد بيقينية الوجود التاريخي الحقّ للإمامِ المَهدي (عليه السلام) واستمراره حتَّى ظهوره وقيامه بالعدلِ والحقِّ، على أساسِ دليلين إسلامي وعلمي، فَصَّلَ فيهما يقينية الوجود الشـريف للإمام المهدي (عليه السلام) فعلاً وواقعاً.
ويَتَخذُ السيِّدُ الشهيد محمّد باقر الصدر (رحمه الله) هنا مَسلكاً جديداً في الاستدلالِ على مسألةِ تجسيد الفكرة - فكرة المَهدي (عليه السلام) - في إنسانٍ مُعيَّن هو الإمام الثاني عشـر، مُستفيداً من الرواياتِ والبحثِ الروائي، ومُوظِّفاً ذلك بصورة مُبدعة في إثباتِ المهدي (عليه السلام)، فيطرح أوَّلاً المبرِّرات التي يراها كافية للاقتناع، ويُلخِّصها في دليلين أحدهما أطلق عليه (الدليل الإسلامي) والآخر (العلمي)، فيقول:
(فبالدليل الإسلامي نُثْبِتُ وجودَ القائدِ المُنتَظرِ، وبالدليل العلمي نُبرهن على أنَّ المهدي (عليه السلام) ليس مُجرَّدَ أُسطورةٍ وافتراض، بل هو حقيقةٌ ثبتَ وجودها بالتجربةِ التاريخية)، ويَشـرعُ بتقديم الدليل الإسلامي، فيراه مُتمثِّلاً بمئاتِ الروايات الواردة عن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام)، والتي تَدلُّ على تعيين المَهدي (عليه السلام) وكونه من أهل البيت (عليهم السلام)، ومن ولد فاطمة (عليها السلام) (٣٢)، والتاسع من ولدِ الحُسين (عليه السلام) (٣٣)، وليس من ذرّية الحسن (عليه السلام)، وأنَّ الخلفاءَ اثنا عشـر(٣٤)، فإنَّ هذه الرواياتَ تُحدِّدُ تلك الفكرةَ العامَّةَ وتُشخِّصها في الإمام الثاني عشـر مِنْ أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) كشف المراد: ٥٣٩.
(٣٢) الحاوي للفتاوي للسيوطي ٢: ٢١٤.
(٣٣) كفاية الأثر للخزّاز القمّي: ٢٤٩، في ذكر ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) في النصِّ على إمامة الإمام المهدي (عليه السلام)، أنَّه قال: «إنَّ قائمنا هو التاسع من ولد الحسين، لأنَّ الأئمَّة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) اثنا عشـر، وهو القائم». قلتُ: يا سيِّدي، فمن هؤلاء الاثنا عشـر؟ قال: «أوَّلهم عليّ بن أبي طالب، وبعده الحسن والحسين، وبعد الحسين عليّ بن الحسين، وأنا، ثمّ بعدي هذا - ووضع يده على كتف جعفر -». قلت: فمن بعد هذا؟ قال: «ابنه موسى، وبعد موسى ابنه عليّ، وبعد عليّ ابنه محمّد، وبعد محمّد ابنه عليّ، وبعد عليّ ابنه الحسن، وهو أبو القائم الذي يخرج فيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً ويشفي صدور شيعتنا». قلت: فمتى يخرج يا رسول الله؟ قال: «لقد سُئِلَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك فقال: إنَّما مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلَّا بغتة».
(٣٤) حديثُ «الخلفاء بعدي اثنا عشـر كلّهم من قريش»، أو حديثُ «لا يزال هذا الدين قائماً ما وليه اثنا عشـر كلّهم من قريش»، هذا الحديثُ متواترٌ، روته الصحاح والمسانيد بطرق متعدِّدة وإنْ اختلفت في متنه قليلاً، نعم اختلفوا في تأويله واضطربوا. (يُراجَع: صحيح البخاري ٩: ١٠١/ كتاب الأحكام من باب الاستخلاف؛ وصحيح مسلم ٢: ١١٩/ كتاب الإمارة).

(١٠)

ثمّ يقول (رضوان الله تعالى عليه) بشأنِ تلك الروايات:
(وهي رواياتٌ بلغَتْ درجةً كبيرةً مِن الكثرةِ والانتشارِ - كما وردَ عن طرقنا - على الرغم مِنْ تَحفّظِ الأئمَّةِ (عليهم السلام) واحتياطهم في طرح ذلك على المستوى العامّ، وقايةً للخلف الصالح من الاغتيال. إنَّ الروايات الكثيرةَ جدّاً التي تُشكِّلُ رقماً إحصائياً كبيراً - أي بلوغها حدَّ التواتر(٣٥) كما حكى غيرُ واحدٍ من العلماء -)، يرى السيِّد الشهيد أنَّ الأساسَ في قبولها ليس مجرَّدَ الكثرةِ العدديةِ، على الرغم مِنْ أنَّه قد استقرَّ في الأوساط العلمية الروائية اعتبارُ مثل هذه الكثرة، بل هناك إضافة إلى ذلك مزايا وقرائن تبرهن على صحَّتها، فالحديثُ الشـريفُ عن الأئمَّة أو الخلفاء أو الأُمراء بعده (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وأنَّهم اثنا عشـر إماماً أو خليفةً أو أميراً على اختلاف متن الحديث في طرقه المختلفة، قد أحصـى بعض المؤلِّفين رواياته، فبلَغَتْ أكثرَ من مئتين وسبعين رواية مأخوذة من أشهر كُتبِ الحديثِ عند الشيعة والسُّنَّة بما في ذلك البخاري(٣٦) ومُسلم والترمذي ومسند أحمد ومستدرك الحاكم، وقد لاحظَ الشهيدُ الصدر (رحمه الله) هنا أنَّ البخاري المولود سنة (١٩٤هـ) والمتوفّى (٢٥٦هـ)، الذي نقلَ الحديثَ كان معاصراً للإمام الجواد والإمامين الهادي والعسكري (عليهم السلام)، وفي ذلك مغزى كبير، لأنَّه يبرهن على أنَّ الحديثَ قد سُجِّلَ عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) قبل أنْ يتحقَّقَ مضمونه، وهذا يعني أنَّ نقلَ الحديثِ لم يكن متأثِّراً بالواقع الإمامي الاثني عشـري، أو يكون انعكاساً له، لأنَّ الروايات المزيَّفةَ التي تُنسَبُ إلى النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) هي انعكاساتٌ أو تبريراتٌ لواقعٍ متأخّرٍ زمنياً، لا تسبق في ظهورها وتسجيلها كُتبَ الحديثِ، ولقد جاءَ الواقعُ الإمامي الاثنا عشري ابتداءً بالإمام عليّ (عليه السلام) وانتهاءً بالمَهدي (عليه السلام)، ليكون التطبيقَ الوحيدَ المعقولَ لذلك الحديث النبوي الشـريف. هذا هو الدليل الإسلامي كما اصطلح عليه السيِّد الشهيد، أي الدليل الروائي - النصّ - في إثبات المَهدي (عليه السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) التواتر: هو ما أفادَ سكون النفس سكوناً يزولُ معه الشكّ، ويحصل الجزم القاطع من إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب، فإنَّه يجب - ليكون الخبرُ متواتراً موجباً للعلم - أن تتوفَّر شروط التواتر في كلِّ طبقة، طبقة من وسائط الخبر وإلَّا لا يكون الخبر متواتراً في الوسائط المتأخِّرة، لأنَّ النتيجة تتبع أخسّ المقدَّمتين. (اُنظر: أُصول الفقه للمظفَّر ٢: ٥٤).
(٣٦) صحيح البخاري/ ج ٣/ كتاب الأحكام/ باب الاستخلاف.

(١٠)

أمَّا الدليل الآخر الذي اصطلحَ عليه بـ‍ (الدليل العلمي) والذي يسوقه السيِّدُ الشهيدُ الصدر (رحمه الله) لإثباتِ الوجودِ التاريخي للمَهدي (عليه السلام)، وأنَّه إنسانٌ بعينه ولدَ وعاشَ واتَّصلَ بقواعده الشعبية وبخاصَّته، فإنَّ هذا الدليلَ يتكوَّن كما يرى السيِّد الشهيد (رحمه الله) من التجربةِ التي عاشتها أُمَّةٌ مِنْ الناسِ فترةً امتدَّتْ سبعين سنة تقريباً، وهي فترة الغيبة الصغرى.
ويُعطي السيِّد الشهيد (رحمه الله) هنا فكرةً عن هذه الغيبةِ، ويفلسفها، مُبيِّناً دورَ القائدِ المَهدي (عليه السلام)، ودورَ سفرائه الأربعة، وما صَدرَ عنه مِن (توقيعات) أي رسائلٍ وإجاباتٍ، كلّها جَرَتْ على أُسلوبٍ واحدٍ وبخطٍّ واحدٍ وسليقةٍ واحدةٍ طيلةَ نيابةِ النواب الأربعة المُختلفين أُسلوباً وسليقةً وذوقاً وخَطّاً وبياناً، ومثل هذا كاشفٌ بالضـرورةِ عن وجود (الرجل)، لأنَّه قد ثبتَ واستقرَّ في الأوساط الأدبية وبما لا يقبل الشكّ أنَّ الأُسلوب هو للرجل، وكُلُّ الدارسين والمتذوّقين للأدبِ يدركون هذه الحقيقة بوضوحٍ.
وبعد هذه القرينة والشواهد القويَّة على وجودِ الإمامِ المَهدي (عليه السلام)، كما يُؤكِّدها السيِّد الشهيد (رحمه الله) يتَّجه إلى منطقِ الاستقراءِ ونظرية الاحتمالِ لتعزيز ذلك، فيقول:
(لقد قيل قديماً: إنَّ حبلَ الكذبِ قصيرٌ، ومنطق الحياة يُثبتْ أيضاً أنَّ مِن المُستحيل عملياً بحسابِ الاحتمالات أنْ تعيشَ أُكذوبةٌ بهذا الشكل وكلّ هذه المدَّة وضمن كلّ تلك العلاقات والأخذ والعطاء ثمّ تكسبُ ثقةَ جميعِ من حولها).
وهكذا يَخلصُ السيِّد الشهيد (رحمه الله) إلى القولِ أخيراً:
(إنَّ ظاهرةَ الغيبة الصغرى يمكن أنْ تُعتَبرَ بمثابةِ تجربةِ علميةِ لإثبات

(١٠)

ما لها من واقع موضوعي، والتسليم بالإمامِ القائدِ، بولادته وحياته وغيبته وإعلانه العامّ عن الغيبة الكبرى التي استتر بموجبها عن المسـرح ولم يكشف نفسه لأحد، أي حتَّى يأذن الله تعالى له بالظهور لتأدية دوره ووظيفته التغييرية الكبرى، «فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعدما مُلِئَتْ ظلماً وجوراً»(٣٧)، كما بشَّـر بذلك خاتم الأنبياء والمرسلين نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وهذا هو ما عليه اعتقاد الإماميَّة، ومُقتضـى توقيعِ الإمامِ الثاني عشر بإعلانه الغيبة الكبرى(٣٨) (٣٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) الكافي ١: ٣٣٨.
(٣٨) الغيبة للطوسي: ٣٩٥، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه، قال: حدَّثني أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنتُ بمدينة السلام في السنة التي توفّي فيها الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمّد السمري (قدّس سرّه)، فحضـرته قبل وفاته بأيّام فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، يا عليّ بن محمّد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميِّت ما بينك وبين ستَّة أيّام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامَّة، فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي مَنْ يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليّ العظيم». قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمَّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه، وقضى، فهذا آخر كلام سُمِعَ منه رضي الله عنه وأرضاه.
(٣٩) بحث حول المهدي (عليه السلام) ٣٤:

(١٠)

مصادر البحث

* القرآن الكريم.
* الاحتجاج: الطبرسي/ ١٩٨٣م/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
* الإرشاد: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ت مؤسَّسة آل البيت/ قم.
* أُصول الفقه: الشيخ محمّد رضا المظفَّر/ط ١/ دار الغدير/ قم.
* أضواء على عقائد الشيعة الإماميَّة: الشيخ جعفر السبحاني/ مؤسَّسة الإمام الصادق (عليه السلام).
* الإمامة في أهمّ الكتب الكلامية: السيِّد عليّ الحسيني الميلاني.
* بحث حول المهدي (عليه السلام): السيِّد محمّد باقر الصدر/ ط ١ المحقَّقة/ ١٤١٧هـ/ مركز الغدير للدراسات الإسلاميَّة.
* بحث حول الولاية: السيِّد محمد باقر الصدر/ ط ٢/ ١٣٩٩هـ/ دار التعارف للمطبوعات/ بيروت.
* الحاوي للفتاوي: جلال الدين السيوطي.
* حقُّ اليقين في معرفة أُصول الدين: السيِّد عبد الله شبَّر/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
* الشافي في الإمامة: السيِّد المرتضـى/ ت السيِّد عبد الزهراء الحسيني/ ط ٢/ نشـر مؤسَّسة الصادق للطباعة والنشر/ طهران.
* صحيح البخاري: البخاري/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
* صحيح مسلم: مسلم النيسابوري.
* علل الشرائع: الشيخ الصدوق/ ١٩٦٦م/ منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها في النجف.
* الغيبة: الشيخ الطوسي/ ط ١/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة.
* فِرَق أهل السُّنَّة، جماعات الماضي وجماعات الحاضر: صالح الورداني/ مركز الأبحاث العقائدية.
* الكافي: الشيخ الكليني/ ط ٣/ ١٣٨٨هـ/ دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
* كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: العلَّامة الحلّي/ ١٤٣٥هـ/ مؤسَّسة النشـر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
* كفاية الأثر في النصِّ على الأئمَّة الاثني

(١٠)

عشـر: الخزّاز القمّي/ ١٤٠١هـ/ نشـر بيدار/ قم.
* لسان العرب: ابن منظور.
* اللوامع الإلهيَّة في المباحث الكلامية: السيوري/ ت مجمع الفكر الإسلامي/ ط ١/ ١٤٢٤هـ/ قم.
* المحكم في أُصول الفقه: السيِّد محمّد سعيد الحكيم/ ط ١/ ١٩٩٤م/ مؤسَّسة المنار.
* المستجاد من الإرشاد: العلَّامة الحلّي.
* المسلك في أُصول الدين: العلَّامة الحلّي/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ مجمع البحوث الإسلاميَّة/ إيران/ مشهد.
* منهاج الكرامة في معرِفة الإمامة: العلَّامة الحلّي/ ط ١/ مؤسَّسة عاشوراء.
* المهدي المنتظر الإمام الثاني عشـر: السيِّد محمّد سعيد الحكيم/ ط ١/ ٢٠١٤م/ مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام).
* المواقف في علم الكلام: عضد الدين الإيجي.
* النافع يوم الحشـر: السيوري/ ط ٢/ دار الأضواء.
* النور الساطع في الفقه النافع: الشيخ عليّ كاشف الغطاء/ ١٩٦٣م/ مط الآداب/ النجف الأشرف.

(١٠)

 

اللقاء بالإمام المهدي (عليه السلام) بين الإثبات والنفي
(دراسة توفيقية بين الروايات والقواعد العامَّة والوقائع الخارجية)

 

الشيخ مشتاق الساعدي

 

مقدَّمة:
وقع الكلام في إمكان ووقوع اللقاء مع الإمام صاحب الزمان (عليه السلام) في زمن الغيبة الكبرى وعدم إمكانه، وإذا ما حصل اللقاء والتشـرّف فهل هو لقاء بشخص الإمام (عليه السلام) دون معرفة عنوانه وصفته أو هو لقاء مع معرفته شخصاً وعنواناً وأنَّه الإمام المهدي (عليه السلام).
وهنا يتوسَّع السؤال إلى إمكان التعايش معه والتواصل معه وتلقّي التعليمات الهامَّة منه.
فهل هو خفيُّ الشخص أو أنَّه واضح الشخص ولكنَّه خفيُّ العنوان أو أنَّه واضح الشخص والعنوان أو أنَّ ذلك يختلف باختلاف إيمان الإنسان ودرجة حفظه للأسرار وعدم الاتقاء منه؟ فمنهم من لا يعرف شخصه فضلاً عن معرفة عنوانه، ومنهم من يعرفه بشخصه وعنوانه، ومنهم من يتواصل معه بين الفينة والفينة، ومنهم من يكون من الثلاثين الذين ليس بهم وحشة كما جاء في الرواية التي سنعرض لها إن شاء الله تعالى.
احتمالات وبعضها أقوال:
وكلُّ هذه العناوين والاحتمالات يمكن التوفيق بينها من خلال طرح كلَّ ما يدلُّ على تلك النظريات، فإنَّ الروايات قد اختلفت في هذا الأمر - اللقاء بالإمام (عليه السلام) -، ولعلَّ الاختلاف ناشئ من أمرين أساسيين:

(١٠)

الأوَّل: اختلاف قوَّة الشخص الإيمانية والعبادية التي قد تسمح له بمساحة معيَّنة من اللقاء، وهذا الأمر غالبي وليس مطَّرداً، لأنَّ الإمام قد يلتقي بشخص مشكِّك ليرفع شكّه، أو يلتقي بمن لديه مشكلة مستعصية ليحلَّ مشكلته، أو غير ذلك من أسباب بما يراه (عليه السلام) من مصلحة. الثاني: تقويض مدَّعي السفارة أو النيابة الخاصَّة أو التواصل مع الإمام (عليه السلام) لكي لا يُستَغلُّ ذلك لمآرب غير شرعية كما حصل فعلاً من مدَّعي النيابة الخاصَّة أو البابية الذي قامت ضرورة المذهب على إنكارها في عصر الغيبة الكبرى، كما سنشير إلى ذلك في تتمَّة البحث. ونريد هنا إثبات إمكان اللقاء، بل ووقوعه بما يتلاءم مع الروايات من جهة مع اختلافها سعةً وضيقاً من حيث اللقاء، وبما يوافق ما هو منقول من وقوع التشـرّف بالإمام (عليه السلام) كما ادَّعاه جمع من العلماء، وبما يوافق وظيفة الإمام (عليه السلام) وسعتها في عصـر الغيبة الكبرى مع وقوع اللقاء به من جماعة محدَّدة يتعايشون معه ويتلقّون أوامره بلا دعوى السفارة والنيابة الخاصَّة، إذ من صلب وظيفة الإمام (عليه السلام) هو حفظ البلاد والعباد كما جاء في الروايات، ومنها ما في الاحتجاج ما نصّه:
ذُكِرَ كِتَابٌ وَرَدَ مِنَ النَّاحِيَةِ المُقَدَّسَةِ حَرَسَهَا اللهُ وَرَعَاهَا فِي أَيَّامٍ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ عَشْـرٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ، ذَكَرَ مُوصِلُهُ أَنَّهُ تَحْمِلُهُ مِنْ نَاحِيَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِالْحِجَازِ، نُسْخَتُهُ:
«لِلْأَخِ السَّدِيدِ، وَالْوَلِيِّ الرَّشِيدِ، الشَّيْخِ المُفِيدِ، أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ‏ النُّعْمَانِ أَدَامَ اللهُ إِعْزَازَهُ مِنْ مُسْتَوْدَعِ الْعَهْدِ المَأْخُوذِ عَلَى الْعِبَادِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،‏ أَمَّا بَعْدُ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا المَوْلَى المُخْلِصُ فِي الدِّينِ، المَخْصُوصُ فِينَا بِالْيَقِينِ، فَإِنَّا نَحْمَدُ إِلَيْكَ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَنَسْأَلُهُ الصَّلَاةَ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ، وَنُعْلِمُكَ أَدَامَ اللهُ تَوْفِيقَكَ لِنُصْـرَةِ الْحَقِّ،

(١١)

وَأَجْزَلَ مَثُوبَتَكَ عَلَى نُطْقِكَ عَنَّا بِالصِّدْقِ، أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَنَا فِي تَشْـرِيفِكَ بِالمُكَاتَبَةِ، وَتَكْلِيفِكَ مَا تُؤَدِّيهِ عَنَّا إِلَى مَوَالِينَا قِبَلَكَ أَعَزَّهُمُ اللهُ بِطَاعَتِهِ، وَكَفَاهُمُ المُهِمَّ بِرِعَايَتِهِ لَهُمْ وَحِرَاسَتِهِ، فَقِفْ أَمَدَّكَ اللهُ بِعَوْنِهِ عَلَى أَعْدَائِهِ المَارِقِينَ مِنْ دِينِهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَاعْمَلْ فِي تَأْدِيَتِهِ إِلَى مَنْ تَسْكُنُ إِلَيْهِ بِمَا نَرْسِمُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ. نَحْنُ وَإِنْ كُنَّا ثَاوِينَ بِمَكَانِنَا النَّائِي عَنْ مَسَاكِنِ الظَّالِمِينَ حَسَبَ الَّذِي أَرَانَاهُ اللهُ تَعَالَى لَنَا مِنَ الصَّلَاحِ وَلِشِيعَتِنَا المُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ مَا دَامَتْ دَوْلَةُ الدُّنْيَا لِلْفَاسِقِينَ، فَإِنَّا يُحِيطُ عِلْمُنَا بِأَنْبَائِكُمْ، وَلَا يَعْزُبُ عَنَّا شَيْءٌ مِنْ أَخْبَارِكُمْ، وَمَعْرِفَتُنَا بِالزَّلَلِ الَّذِي أَصَابَكُمْ مُذْ جَنَحَ كَثِيرٌ مِنْكُمْ إِلَى مَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَنْهُ شَاسِعاً، وَنَبَذُوا الْعَهْدَ المَأْخُوذَ مِنْهُمْ‏ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ‏. إِنَّا غَيْرُ مُهْمِلِينَ لِمُرَاعَاتِكُمْ، وَلَا نَاسِينَ لِذِكْرِكُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَنَزَلَ بِكُمُ اللَّأْوَاءُ، وَاصْطَلَمَكُمُ‏ الْأَعْدَاء...»(١).
فهذا صنف ممَّن التقوا الإمام (عليه السلام)، وهناك أصناف أُخر ستمرُّ عليك هنا بعضها.
ومنهم من لا يحظى به لا شخصاً ولا عنواناً، وهو الحرمان الأكبر من فرصة التزوّد منه، ولعلَّ الخفاء عن هذه الفئة للتقيَّة من القتل أو غيرها، كما ورد في بعض الروايات المستفيضة التي تُعطي بعض علل الغيبة، منها ما في (كمال الدين وتمام النعمة)(٢) باسناده عن زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِلْقَائِمِ غَيْبَةً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ». قَالَ: قُلْتُ: وَلِـمَ؟ قَالَ: «يَخَافُ»، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى بَطْنِهِ.
فهل هذه الصور كلّها واقعة - بعد الفراغ من إمكانها -؟ وهل عليها شواهد من الروايات أو لا؟ وما مدى إمكان الجمع بينها لو كانت مختلفة؟
وعندما نُحقِّق وقوعها فليس نظرنا إلى وقوعها في مصداق معيَّن من جهة، ولا نظرنا إلى أنَّها حصلت للشخص الفلاني، كما أنَّه ليس لازم وقوعها فتح باب السفارة في عصـر الغيبة، بل هو ممنوع كما سنشير، فلا يتوهَّم متوهِّم أنَّ قولنا بالوقوع لازمه ثبوت هذه الدعاوى الباطلة والبابية المنحرفة والنيابة الخاصَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٤٩٧.
(٢) كمال الدين وتمام النعمة ٢: ٤٨١.

(١١)

وهنا نناقش ذلك صورة بعد صورة لنصل إلى جواب توافقي بين كلِّ الاحتمالات والأقوال، وذلك من خلال محاولة الجمع بين الروايات من جهة، والوقائع الخارجية والأدلَّة العامَّة ودعاوى التشـرّف ومدى صحَّتها من جهة أُخرى، ووظيفة الإمام (عليه السلام) من جهة ثالثة، فلا نضطرُّ لطرح رواية خاصَّة، ولا قاعدة عامَّة، ولا تكذيب بعض الوقائع كما فعل البعض في هذا المقام.
فنُحرِّر البحث بعرض ونتيجة وتتمَّة:
عرض البحث: الأقوال في المقام:
وقع خلاف بين الباحثين في إمكان وعدم إمكان رؤية الإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة الكبرى، بل ووقوع وعدم وقوع تلك المشاهدة.
فمنهم من أقرَّ بإمكان، بل ووقوع الرؤية لصاحب الأمر (عليه السلام) لطبقة معيَّنة وبشـروط خاصَّة وبلقاء محدود مع عدم إشاعة ذلك.
ومنهم من قال بإمكان اللقاء دون القول بالوقوع.
ومنهم من قال بامتناع ذلك دفعاً للمحاذير وسدّاً لفتح باب الدعاوى والمشاهدات التي قد تضـرُّ أكثر ممَّا تنفع.
ومنهم من فصَّل بين إمكانها إذا لم يلزم منه دعوى السفارة أو تلقّي الأمر منه (عليه السلام)، وبين عدم إمكانها إذا ادَّعى الشخص السفارة أو تلقّي الأوامر منه وأنَّه باب من أبوابه (عليه السلام).
وغير ذلك من الأقوال.
وكلٌّ حاول أن يأتي بشواهد على ما يقوله ويدَّعيه من الروايات والوقائع الخارجية والأدلَّة العامَّة.
والصحيح عندنا كما سيتَّضح إمكان التوفيق بين تلك الأقوال والخروج بنتائج توافقية والقول بوقوع وتحقّق هذه الصور بلا ملازمة لدعوى السفارة

(١١)

أو البابية، وبلا تشخيص مصاديقهم وحقّانيتهم أو عدم حقّانيتهم في دعوى التشرّف بالإمام (عليه السلام).
الأدلَّة في المقام:
نعرض الروايات الواردة في المقام من خلال صور:
صور وحالات اللقاء:
ولنبدأ من الحالات الأكثر ضعفاً من حيث الشرفية إلى الأقوى كمالاً.
الصورة الأُولى: الخفاء شخصاً وعنواناً:
وهي الحالة التي يكون صاحبها أضعف كمالاً ـ من هذه الجهة ـ ، وهي عدم التشـرّف برؤية الإمام شخصاً وهيأةً ولا عنواناً وصفةً، فلو رأى الإمام الحجَّة (عليه السلام) في عصـر الظهور لقال: إنّي لم أرَه قطّ، ولا مرَّة في حياتي. وعدم الرؤية من هذا الشخص لها أسباب متعدِّدة، كأن تكون لضعف الحالة الإيمانية، أو لأنَّه لا يحضـر المواسم أو الشعائر أو البلدان التي يتواجد فيها الإمام كمواسم الحجّ وزيارات المعصومين وأماكن الطاعة والعبادة والشعائر وغيرها التي يُرغِّب الله بحضورها والتواجد فيها وإحيائها وأسباب ذلك عديدة قد لا يمكن الوقوف عليها وإحصائها وأسباب ذلك عديدة قد لا يمكن الوقوف عليها وإحصائها.
لهذه الصورة حالات دلَّت عليها بعض الروايات، نورد منها:
١ - ما في كتاب (فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام)) (٣): عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنَّه قال يوماً لحذيفة بن اليمان: «يا حذيفة...، حتَّى إذا غاب المتغيّب من ولدي عن‏ عيون‏ الناس‏، و ماج الناس بفقده أو بقتله أو بموته، أطلعت الفتنة، و نزلت البليَّة، والتحمت العصبية، وغلا الناس في دينهم، وأجمعوا على أنَّ الحجَّة ذاهبة، والإمامة باطلة، ويحجُّ حجيج الناس في تلك السنة من شيعة عليّ و نواصبه للتحسّس والتجسّس عن خلف الخلف، فلا يُرى له أثر، ولا يُعرَف له خبر ولا خلف، فعند ذلك سُبَّت شيعة عليّ، سبّها أعداؤها، وظهرت عليها الأشرار والفسّاق باحتجاجها، حتَّى إذا بقيت الأُمَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام): ٦٧ و٦٨.

(١١)

حيارى، وتدلَّهت وأكثرت في قولها: إنَّ الحجَّة هالكة والإمامة باطلة، فو ربَّ عليّ إنَّ‏ حجَّتها عليها قائمة ماشية في طرقها، داخلة في دورها وقصورها، جوّالة في شرق هذه الأرض وغربها، تسمع الكلام، وتُسلِّم على الجماعة، ترى ولا تُرى إلى الوقت والوعد، ونداء المنادي من السماء، ألَا ذلك يوم فيه سرور ولد عليّ وشيعته‏).
وقد رواها النعماني في غيبته(٤).
ثمّ قال معلِّقاً على هذا الحديث: (وفي هذا الحديث عجائب وشواهد على حقّية ما تعتقده الإماميَّة وتدين به والحمد لله، فمن ذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «حتَّى إذا غاب المتغيِّب من ولدي عن‏ عيون‏ الناس)»، أليس هذا موجباً لهذه الغيبة، وشاهداً على صحَّة قول من يعترف بهذا ويدين بإمامة صاحبها؟).
أقول: إنَّ العبارة الواردة فيها: «غاب المتغيّب من ولدي عن عيون الناس» دالّة دلالة واضحة على خفاء شخص الإمام عن الناس، وهذا يدلُّ على هذه الصورة من نفي المشاهدة.
وأمَّا قوله: «تُسلِّم على الجماعة»، فلعلَّ المراد به الجماعة الصالحة من المؤمنين الذين يدخلون في الصورة الثانية الآتية.
ولكن يقال: لعلَّ كلمة (الناس) دالّة على الطبقة الأكبر من البشـر، والذين يُمثِّلون السواد الأكبر منهم، وإنَّ هؤلاء الناس كما يُشعِر السياق من الطرف المعادي أو لا أقلّ ممَّن هو من الطرف الموالي ولكنَّه ضعيف الإيمان لتأثّره بالفتن والغلاء بالدين وذهاب وبطلان الإمامة، فليست الرواية شاملة لكلِّ البشـر، فإنَّ هناك أُناساً خارجين عن دائرة الرواية الدالّة على الغياب عن العين، فتبقى فرصة المشاهدة لشخص الإمام موجودة لهم غير منفيَّة عنهم مع قيام ما يدلُّ على ذلك.
٢ - ما في (الكافي)(٥): عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ‏ أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ وَحُفِظَ عَنْهُ وَخَطَبَ بِهِ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) كتاب الغيبة: ١٤٥.
(٥) الكافي ١: ٣٣٩.

(١١)

«اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ حُجَجٍ فِي أَرْضِكَ، حُجَّةٍ بَعْدَ حُجَّةٍ عَلَى خَلْقِكَ، يَهْدُونَهُمْ إِلَى دِينِكَ، وَيُعَلِّمُونَهُمْ عِلْمَكَ، كَيْلَا يَتَفَرَّقَ أَتْبَاعُ أَوْلِيَائِكَ، ظَاهِرٍ غَيْرِ مُطَاعٍ أَوْ مُكْتَتَمٍ يُتَرَقَّبُ، إِنْ غَابَ‏ عَنِ‏ النَّاسِ‏ شَخْصُهُمْ‏ فِي حَالِ هُدْنَتِهِمْ فَلَمْ يَغِبْ عَنْهُمْ قَدِيمُ مَبْثُوثِ عِلْمِهِمْ، وَآدَابُهُمْ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مُثْبَتَةٌ، فَهُمْ بِهَا عَامِلُونَ.
وَيَقُولُ (عليه السلام) فِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: «فِيمَنْ هَذَا وَلِهَذَا يَأْرِزُ الْعِلْمُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ حَمَلَةٌ يَحْفَظُونَهُ وَيَرْوُونَهُ كَمَا سَمِعُوهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَيَصْدُقُونَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَأْرِزُ كُلُّهُ، وَلَا يَنْقَطِعُ مَوَادُّهُ، وَإِنَّكَ لَا تُخْلِي أَرْضَكَ مِنْ حُجَّةٍ لَكَ عَلَى خَلْقِكَ ظَاهِرٍ لَيْسَ بِالمُطَاعِ أَوْ خَائِفٍ مَغْمُورٍ، كَيْلَا تَبْطُلَ حُجَّتُكَ،‏ وَلَا يَضِلَّ أَوْلِيَاؤُكَ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَهُمْ، بَلْ أَيْنَ هُمْ وَكَمْ هُمْ؟ أُولَئِكَ الْأَقَلُّونَ عَدَداً، الْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللهِ قَدْراً».
ويُقرِّب ذلك:
أنَّ الرواية دلَّت على خفاء شخص الإمام (عليه السلام) في مرحلة الهدنة مع الأعداء بسبب تسلّطهم، وأنَّه سيكون مغموراً وغير واضح حتَّى يحافظ على مبدأ الإمامة مفهوماً ومصداقاً.
ولكن يلاحظ على هذا التقريب بأنَّه ليس فيه نفي للمشاهدة عن الجميع، فإذا دلَّ الدليل على إمكانها ووقوعها فلا بدَّ من التنازل عن إطلاقها في نفي المشاهدة.
٣ - في (بحار الأنوار)(٦): عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، أَنَّهُ قَالَ:‏ «المَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِي، الْخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ، يَغِيبُ عَنْكُمْ شَخْصُهُ، وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ تَسْمِيَتُهُ».
تقريب ذلك:
إنَّ عبارة (يغيب عنكم شخصه ولا يحلُّ لكم تسميته) إنَّما هي لظرف التقيَّة الذي يمارسه الإمام (عليه السلام) إمَّا مع المعادي أو مع الموالي الذي لا يكتم السـرَّ مثلاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) بحار الأنوار ٥١: ٣٢.

(١١)

أو الذي هو ضعيف الإيمان أو المعرفة، أمَّا من كان بمستوى عالٍ من السـرّية والإيمان فلا ضرورة تدعو إلى أن يمارس الإمام التقيَّة معه، فيمكن في حقِّه رؤية الإمام (عليه السلام).
٤ - بحار الأنوار(٧): عَنْ أَبِي هَاشِمٍ الْجَعْفَرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيَّ (عليه السلام) يَقُولُ:‏ «الْخَلَفُ مِنْ بَعْدِ الْحَسَنِ ابْنِي، فَكَيْفَ لَكُمْ بِالْخَلَفِ مِنْ بَعْدِ الْخَلَفِ؟»، قُلْتُ: وَلِـمَ جَعَلَنِيَ اللهُ فِدَاكَ؟ فَقَالَ: «لِأَنَّكُمْ لَا تَرَوْنَ شَخْصَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ ذِكْرُهُ بِاسْمِهِ»، قُلْتُ: فَكَيْفَ نَذْكُرُهُ؟ فَقَالَ: «قُولُوا: الْحُجَّةُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ».
والكلام فيها نفسه في الرواية السابقة.
٥ - بحار الأنوار(٨): عَنْ سَهْلٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْحَسَنِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، قَالَ‏: «الْقَائِمُ هُوَ الَّذِي يَخْفَى عَلَى النَّاسِ وِلَادَتُهُ، وَيَغِيبُ عَنْهُمْ شَخْصُهُ،‏ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ تَسْمِيَتُهُ، وَهُوَ سَمِيُّ رَسُولِ اللهِ وَكَنِيُّهُ».
أيضاً الكلام فيها نفسه ما مرَّ في الرواية الأسبق.
٦ - بحار الأنوار(٩): عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ الصَّلْتِ، قَالَ:‏ سَأَلْتُ الرِّضَا (عليه السلام) عَنِ الْقَائِمِ، فَقَالَ: «لَا يُرَى جِسْمُهُ، وَلَا يُسَمَّى بِاسْمِهِ».
وهذه الرواية عبَّرت أنَّه (لا يُرى جسمه)، وهو تعبير آخر عن عدم رؤية شخص الإمام، وهي ظاهرة في أنَّه لا يُرى مع التقيَّة، بقرينة عدم صحَّة تسميته باسمه، أمَّا مع عدم التقيَّة فلا موجب لتخفّي التسمية أو الجسم.
٧ - الغيبة للطوسي(١٠): وَأَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ بَابَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ المُكَتِّبُ، قَالَ: كُنْتُ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيُّ (قدّس سرّه) فَحَضَـرْتُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ، فَأَخْرَجَ إِلَى النَّاسِ تَوْقِيعاً، نُسْخَتُهُ: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،‏ يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُرِيَّ أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَلَا تُوصِ إِلَى أَحَدٍ فَيَقُومَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) بحار الأنوار ٥١: ٣١.
(٨) بحار الأنوار ٥١: ٣٢.
(٩) بحار الأنوار ٥١: ٣٣.
(١٠) الغيبة للطوسي: ٣٩٥.

(١١)

مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ التَّامَّةُ، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ الله تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْأَمَدِ، وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَامْتِلَاءِ الْأَرْضِ جَوْراً، وَسَيَأْتِي شِيعَتِي‏ مَنْ يَدَّعِي‏ المُشَاهَدَةَ، [أَلَا فَمَنِ ادَّعَى المُشَاهَدَةَ] قَبْلَ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ وَالصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ». قَالَ: فَنَسَخْنَا هَذَا التَّوْقِيعَ، وَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّادِسُ عُدْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ وَصِيُّكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَقَالَ: لِلهِ أَمْرٌ هُوَ بَالِغُهُ. وَقَضَى. فَهَذَا آخِرُ كَلَامٍ سُمِعَ مِنْهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ‏.
قد يقال:
إنَّ الرواية تنفي المشاهدة بمعنى إمكان رؤية شخص الإمام، فإذا تمَّ ذلك فهو الدليل في المقام.
ولكن الواضح من الرواية أنَّ المشاهدة ليست هي النظر إلى شخص الإمام، وإنَّما هي دعوى التواصل مع الإمام وكونه باباً له الملازم لدعوى السفارة عن الإمام (عليه السلام) كما هو سياق الرواية، ويُدعَم ذلك بكلام الأعلام، فلا دلالة للرواية على هذا القول كما ادَّعى بعض.
ويدعم ذلك فهم الرواية من جملة من الأعلام، منهم العلَّامة المجلسي في (بحار الأنوار)(١١)، فقال معلِّقاً على الرواية: (لعلَّه محمول على من يدَّعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه إلى الشيعة على مثال السفراء).
الصورة الثانية: الوضوح شخصاً لا عنواناً:
وهي الحالة التي يتسنّى للفرد أن يشاهد الإمام (عليه السلام) بشخصه، ولكن لا يعرف أنَّ هذا هو الإمام (عليه السلام) حال النظر واللقاء ولا بعده، فلو ظهر الإمام (عليه السلام) في زمن الظهور لقال الفرد: إنّي رأيته مرَّة أو مرّات في موسم الحجِّ أو في الزيارة الشعبانية أو على جبل عرفة أو عند ضريح أمير المؤمنين (عليه السلام) أو في مشهد الإمام الرضا (عليه السلام) أو في قضاء حاجة مؤمن أو غيرها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) بحار الأنوار ٥٣: ٣١٨.

(١١)

وهذه الصورة أعلى كمالاً من الصورة الأُولى، لأنَّ الفرد فيها قد تشـرَّف بالنظر إلى الإمام (عليه السلام) أو السلام عليه أو التكلّم معه أو مصافحته، وهذا بحدِّ ذاته شرف عظيم.
وهذا ما دلَّت عليه جملة من الروايات، منها:
١ - ما في الغيبة للنعماني(١٢): عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، أَنَّهُ قَالَ: «يَفْتَقِدُ النَّاسُ إِمَاماً يَشْهَدُ المَوَاسِمَ‏ يَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنَهُ».
إنَّها دالّة على أنَّ هناك طبقة من الناس ترى الإمام (عليه السلام) في المواسم كالحجِّ والزيارات ويراهم، أي يرون شخص الإمام (عليه السلام) وإن لم يعرفوا عنوانه.
وهؤلاء الناس ليسوا هم من نفينا رؤيتهم للإمام شخصاً كما في الصورة الأُولى، بل هؤلاء أُناس يعترفون بإمامته (عليه السلام) كما هو ظاهر الرواية: «يفتقد الناس إماماً»، فلا تكون هذه الرواية معارضة لروايات الصورة الأُولى.
فإنَّ اعترافهم بإمامة الإمام في زمن الغيبة يرفع حضـر التقيَّة عنهم جزئياً بحيث يرون الإمام شخصاً وإن لم يعرفوه عنواناً أو يتشرَّفوا به لقاءً وتعايشاً.
وهذا يتمُّ بعد حمل الرواية على إمكان الرؤية الشخصية دون العنوانية، وإلَّا فإنَّ هذه الرواية والروايات الثلاث الآتية تكون دليلاً على الصورة الأُولى دون الثانية.
٢ - وفي غيبة النعماني: عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ: «يَفْقِدُ النَّاسُ إِمَامَهُمْ، يَشْهَدُ المَوَاسِمَ، فَيَرَاهُمُ وَلَا يَرَوْنَهُ».
٣ - عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ:‏ «إِنَّ لِلْقَائِمِ غَيْبَتَيْنِ يَرْجِعُ فِي إِحْدَاهُمَا، وَفِي الْأُخْرَى لَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ، يَشْهَدُ المَوَاسِمَ، يَرَى النَّاسَ وَلَا يَرَوْنَه».
٤ - عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، أَنَّهُ قَالَ: «لِلْقَائِمِ غَيْبَتَانِ يَشْهَدُ فِي إِحْدَاهُمَا المَوَاسِمَ، يَرَى النَّاسَ وَلَا يَرَوْنَهُ فِيهِ‏».
والكلام في الروايات الثلاث الأخيرة نفس ما تقدَّم من الرواية الأُولى السابقة عليهنَّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) الغيبة للنعماني: ١٧٥.

(١١)

٥ - الغيبة للنعماني(١٣): عن المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام): «... إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَالَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ: إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَناً مُظْلِمَةً عَمْيَاءَ مُنْكَسِفَةً لَا يَنْجُو مِنْهَا إِلَّا النُّوَمَةُ، قِيلَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وَمَا النُّوَمَةُ؟ قَالَ: الَّذِي يَعْرِفُ‏ النَّاسَ‏ وَلَا يَعْرِفُونَهُ،‏ وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ لله (عزَّ وجلَّ) وَلَكِنَّ الله سَيُعْمِي خَلْقَهُ عَنْهَا بِظُلْمِهِمْ وَجَوْرِهِمْ‏ وَإِسْرَافِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ خَلَتِ الْأَرْضُ سَاعَةً وَاحِدَةً مِنْ حُجَّةٍ لله لَسَاخَتْ بِأَهْلِهَا، وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ يَعْرِفُ‏ النَّاسَ‏ وَلَا يَعْرِفُونَهُ، كَمَا كَانَ يُوسُفُ يَعْرِفُ النَّاسَ‏ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ‏. ثُمَّ تَلَا: ﴿يا حَسْـرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [يس: ٣٠]».
تقريب الاستدلال:
إنَّ هذه الرواية واضحة الدلالة على خفاء العنوان دون الشخص، وذلك لقرينتين:
الأُولى: أنَّ الناس لا يعرفونه، والمعرفة غير الرؤية الشخصية، فإنَّها تالية على وجود من أراه، وإلَّا فإنَّه لا يقال: تعرف فلاناً إلَّا بعد أن ترى شخصه، فبدون أن ترى شخصه لا يقال: هل تعرفه؟
الثانية: التشبيه بقضيَّة النبيِّ يوسف (عليه السلام)، فإنَّ شخصه واضح لدى الناس، ولكن عنوانه خفي على أكثر الناس بما فيهم إخوته، نعم بعض الناس كان يوسف (عليه السلام) واضح الشخص والعنوان عندهم، وهذا ما سُنبيِّنه في الصورة الرابعة. والذي يهمنا في هذه الصورة أنَّ الإمام (عليه السلام) ذكر سُنَّة توجد في الإمام الحجَّة (عليه السلام) من سنن الأنبياء، وهو وضوح الشخص وخفاء العنوان.
٦ - الكافي(١٤): عَنْ سَدِيرٍ الصَّيْرَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ فِي صَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ شَبَهاً مِنْ يُوسُفَ»، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّكَ تَذْكُرُهُ حَيَاتَهُ أَوْ غَيْبَتَهُ، قَالَ: فَقَالَ لِي: «وَمَا يُنْكَرُ مِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَشْبَاهُ الْخَنَازِيرِ؟ إِنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ كَانُوا أَسْبَاطاً أَوْلَادَ الْأَنْبِيَاءِ، تَاجَرُوا يُوسُفَ وَبَايَعُوهُ، وَخَاطَبُوهُ وَهُمْ إِخْوَتُهُ وَهُوَ أَخُوهُمْ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، حَتَّى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) الغيبة للنعماني: ١٤١.
(١٤) الكافي ١: ٣٣٦.

(١١)

قَالَ: ﴿أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي﴾ [يوسف: ٩٠]،‏ فَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الْأُمَّةُ المَلْعُونَةُ أَنْ يَفْعَلَ الله (عزَّ وجلَّ) بِحُجَّتِهِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ كَمَا فَعَلَ بِيُوسُفَ؟ إِنَّ يُوسُفَ كَانَ إِلَيْهِ مُلْكُ مِصْرَ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدِهِ مَسِيرَةُ ثَمَانِيَةَ عَشَـرَ يَوْماً، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُعْلِمَهُ لَقَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، لَقَدْ سَارَ يَعْقُوبُ وَوُلْدُهُ عِنْدَ الْبِشَارَةِ تِسْعَةَ أَيَّامٍ مِنْ بَدْوِهِمْ إِلَى مِصْـرَ، فَمَا تُنْكِرُ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَنْ يَفْعَلَ الله (جَلَّ وَعَزَّ) بِحُجَّتِهِ كَمَا فَعَلَ بِيُوسُفَ؟ أَنْ يَمْشِـيَ‏ فِي‏ أَسْوَاقِهِمْ،‏ وَيَطَأَ بُسُطَهُمْ، حَتَّى يَأْذَنَ اللهُ فِي ذَلِكَ لَهُ كَمَا أَذِنَ لِيُوسُفَ، ﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ﴾».
تقريب الاستدلال:
وهذه الرواية واضحة الدلالة بل أوضح من الرواية السابقة دلالةً، إذ ورد فيها: «يمشـي في أسواقهم، ويطأ بسطهم»، فيكون شخصه واضحاً لدى بعض الناس إلَّا في ظرف التقيَّة بأن لا يظهر للمعاندين أو المنكرين أو المشكّكين به، فلا تتعارض مع الصورة الأُولى.
إلى هنا أمكن القول بخفاء الشخص على طبقة معيَّنة من الناس، وهم الأكثر عداءً وعناداً أو كفراً بإمامة الإمام، أو الذين لا يُؤمَن من شـرِّهم أو إباحة السـرِّ. وكذا يقال بوضوح الشخص على طبقة كبيرة من الناس مع عدم ظرف التقيَّة، بأن تكون الطبقة تقول بإمامة الإمام، وأنَّه حجَّة الله، إلَّا أنَّها غير مأمونة أو أنَّها لا تتَّبع الإمام حتَّى مع معرفتهم به، كما كان يفعل إخوة يوسف (عليه السلام) به.
الصورة الثالثة: الوضوح شخصاً وعنواناً بلا تعايش وتواصل دائم:
وهي أدنى كمالاً من الآتية وأرفع كمالاً من الصورتين الآنفتين، وهي تحصل في حالات قليلة، حيث يلتقي الشخص مع الإمام (عليه السلام) بشخصه مع معرفة عنوانه أي إنَّه الإمام المهدي (عليه السلام) إمَّا في نفس حال اللقاء أو بعد حين، وذلك بسبب أمارات وعلائم يجزم أو يطمئنُّ معها بأنَّه الإمام الحجَّة (عليه السلام)،

(١٢)

ولكن هذا لا يُصدَّق لمجرَّد الدعوى، ولا من أيِّ أحد، بل ضمن شروط ومميِّزات، كما حصل ذلك لبعض الأعلام من العلماء أو بعض الكاملين الذين يصعب تكذيبهم، وقد جمع ذلك بعض الأعلام في مؤلَّفات، منهم صاحب البحار في المجلَّد (٥٢) و(٥٣)، كما سنذكر ذلك لاحقاً إن شاء الله.
ويُستَدلُّ على هذه الصورة بروايات، منها:
١ - الكافي(١٥): إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله عليه السلام‏: «لِلْقَائِمِ غَيْبَتَانِ، إِحْدَاهُمَا قَصِيرَةٌ وَالْأُخْرَى طَوِيلَةٌ، الْغَيْبَةُ الْأُولَى لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلَّا خَاصَّةُ شِيعَتِهِ، وَالْأُخْرَى لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلَّا خَاصَّةُ مَوَالِيهِ»‏.
قال المولى صالح المازندراني في شرح الكافي(١٦): (قوله: «إلَّا خاصَّة مواليه»، وهم حواريه، لأنَّ لكلِّ واحد من الأئمَّة (عليهم السلام) حواريين كما كان لعيسى (عليه السلام)).
وقال الملَّا خليل القزويني في كتابه الشافي في شرح الكافي(١٧): (ثمّ لا ينافي ذلك غيبة الإمام الثاني عشر (عليه السلام) كما يظهر ممَّا يجي‏ء في كتاب الحجَّة في السادس عشـر والتاسع عشـر من باب في الغيبة من أنَّه (عليه السلام) ظاهر على ثلاثين من خاصَّة مواليه‏ في الغيبة الكبرى، فهم عدول البتَّة، وربَّما كانت العدالة في غيرهم أيضاً بتوفيق الله تعالى).
تقريب الاستدلال بالرواية:
إنَّ الرواية واضحة الدلالة على هذه الصورة، وهي اللقاء مع شخص الإمام مع وضوح عنوانه وبمكان معيَّن، ولعلَّ قرينة معرفتهم بالمكان تُعطي دلالة أوضح باللقاء المستمرّ مع الإمام الحجَّة (عليه السلام)، فتكون دليلاً على الصورة الرابعة أيضاً، فإنَّهم وإن لم يعايشوه باستمرار ولكنَّهم يعرفون مكانه ويزورونه بين الحين والآخر، نعم في الصورة الرابعة يتميَّز الملاقي للإمام بأنَّه يعيش معه أيضاً في بيت واحد أو مجاور له كما سيتَّضح جليّاً.
وهذه الرواية لا تنافي الصورة الأُولى والثانية، لأنَّه لا تقيَّة في المقام ولا محذور، لأنَّ هؤلاء الملاقين من خاصَّة أولياء الإمام، وهم من خاصَّة شيعته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥) الكافي ١: ٣٤٠.
(١٦) شرح أُصول الكافي ٦: ٢٤٥.
(١٧) الشافي في شرح الكافي ١: ٢٩٦.

(١٢)

٢ - الغيبة للنعماني(١٨): إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ الصَّيْرَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ‏: «لِلْقَائِمِ غَيْبَتَانِ، إِحْدَاهُمَا طَوِيلَةٌ وَالْأُخْرَى قَصِيرَةٌ، فَالْأُولَى يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا خَاصَّةٌ مِنْ شِيعَتِهِ، وَالْأُخْرَى لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِهِ فِيهَا إِلَّا خَاصَّةُ مَوَالِيهِ‏ فِي دِينِهِ»‏.
وتقريب الاستدلال بها كما في الرواية التي قبلها، غاية الأمر فيها إضافة «مواليه في دينه».
٣ - الغيبة للنعماني(١٩): المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ الْجُعْفِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله الصَّادِقِ (عليه السلام)، قَالَ: «إِنَّ لِصَاحِبِ‏ هَذَا الْأَمْرِ غَيْبَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا تَطُولُ حَتَّى يَقُولَ بَعْضُهُمْ: مَاتَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قُتِلَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: ذَهَبَ، فَلَا يَبْقَى عَلَى أَمْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَى مَوْضِعِهِ أَحَدٌ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ إِلَّا المَوْلَى الَّذِي يَلي أَمْرَهُ».
وهذه الرواية أيضاً كسابقتها إلَّا أنَّها تحصر اللقاء ومعرفة المكان بشخص يلي أمر الإمام.
الصورة الرابعة: الوضوح شخصاً وعنواناً مع التعايش:
وهي الصورة الأكمل للتشـرّف بالإمام شخصاً وعنواناً مع التواصل والتعايش معه والعمل المباشر تحت رعايته، وهذه الصورة يكون الشخص فيها مرافقاً للإمام (عليه السلام) ومتواصلاً معه.
دلائل هذه الصورة:
أوَّلاً: بعض روايات الصورة الثالثة حيث يُحمَل بعضها على اللقاء والتعايش وتلقّي الأوامر كما في روايات خاصَّة مواليه، فإنَّهم يلتقون معه دورياً، ولعلَّهم يجاورونه أو يرافقونه أحياناً كما بيَّنّا آنفاً.
ثانياً: الروايات المتقدِّمة التي تُشبِّه الإمام الحجَّة (عليه السلام) بالنبيِّ يوسف (عليه السلام)، فإنَّ غيبته كانت عن أكثر الناس.
ثالثاً: الرواية الخاصَّة، وهي الأهمّ، ما رواه الكليني في الكافي(٢٠): عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، قَالَ: «لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) الغيبة للنعماني: ١٧٠.
(١٩) الغيبة للنعماني: ١٧١.
(٢٠) الكافي ١: ٣٤٠.

(١٢)

غَيْبَةٍ، وَلَا بُدَّ لَهُ فِي غَيْبَتِهِ مِنْ عُزْلَةٍ، وَنِعْمَ المَنْزِلُ طَيْبَةُ، وَمَا بِثَلَاثِينَ مِنْ وَحْشَةٍ».
فإنَّ هذه الرواية تُحدِّد سكناً للإمام الحجَّة ومجموعة من خواصّ الخواصّ الذين يلتقون به بشكل دوري ومنظَّم، بل يعيشون معه، وتُرفَع الوحدة والوحشة بهم، ومن المعلوم أنَّ الوحشة والوحدة لا تُرفَع إلَّا باللقاء المستمرّ والتعايش الدائم مع هؤلاء.
والرواية تُحدِّد هؤلاء بالثلاثين، وتُعطيهم ميزة على غيرهم من الطبقات.
وهذه الرواية لا تنافي باقي الصور، لأنَّها تختصُّ بطبقة معيَّنة تعايش الإمام (عليه السلام).
النتيجة:
إنَّ الروايات التي عرضناها تدلُّ على وقوع كلّ هذه الصور، بلا ملازمة ذلك للقول بالسفارة أو تشخيص بعض المصاديق التي تشـرَّفت باللقاء، وإنَّما أردنا بيان وقوع اللقاء فضلاً عن إمكانه، ولا نقتصر على القول بالإمكان فحسب كما قال البعض.
كما أنَّه لا تنافي ولا تعارض بين الصور الأربع، لأنَّ كلَّ صورة تُعطي وجهاً محدَّداً للقاء بالإمام (عليه السلام) أو عدم اللقاء به، وإذا كان اللقاء حاصلاً فبأيِّ درجة حصل؟ هل بالشخص فقط أو بالعنوان أيضاً أو بالتعايش والاستمرار؟ وإنَّ هذا يختلف من شخص إلى آخر بحسب ما يراه الإمام (عليه السلام) من مصلحة وبحسب حالة الفرد الإيمانية غالباً.
وهذا الطرح بإمكان بل وقوع اللقاء يُعطي الدور الواضح الذي يمارسه الإمام في عصـر الغيبة، وأنَّه دور لا يقلُّ عن الدور الذي يمارسه الإمام الحاضر من خلال هذه الشبكة الرصينة التي يقود الإمام العالم من خلالها بلا دعوى للبابية والسفارة، وبلا إلغاء لدور القيادة النائبة في عصـر الغيبة وهي المرجعية

(١٢)

الدينية، بخلاف ما إذا قلنا بعدم وقوع اللقاء أو إمكانه فحسب، فإنَّ دور الإمام سيقلُّ جزماً. وهذا واضح بالوجدان، فإنَّ وجود القائد بين الرعيَّة وتواصله معهم يُعطي تأثيراً أكبر من الانقطاع عنهم.
فبناءً على القول بالوقوع يكون دوره كبيراً كما عبَّرت الروايات بأنَّه كالشمس التي حجبها السحاب، فالاستفادة منها قائمة، والنفع حاصل، غاية الأمر هي مغيَّبة عن أكثر الأنظار لمصلحة بيَّنتها بعض الروايات المعلِّلة للغيبة.
دعم النتيجة:
ويمكن أن ندعم النتيجة التي توصَّلنا إليها من وقوع اللقاء بالإمام الحجَّة (عليه السلام) بمجموعة من الأدلَّة والشواهد:
أوَّلاً: الروايات التي تُشبِّه الإمام (عليه السلام) بالشمس، ومنها ما رواه الصدوق في كمال الدين(٢١) بسنده عن جَابِرٍ الْأَنْصَارِيِ‏ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): هَلْ يَنْتَفِعُ الشِّيعَةُ بِالْقَائِمِ (عليه السلام) فِي غَيْبَتِهِ؟ فَقَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «إِي وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالنُّبُوَّةِ، إِنَّهُمْ لَيَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَيَسْتَضِيئُونَ بِنُورِ وَلَايَتِهِ فِي غَيْبَتِهِ، كَانْتِفَاعِ النَّاسِ بِالشَّمْسِ وَإِنْ جَلَّلَهَا السَّحَابُ».
وقد علَّق المحقِّق صاحب بحار الأنوار(٢٢) على الرواية بتعليق لطيف ننقل نصّه لإتمام الفائدة، قال (قدّس سرّه):
بيان التشبيه بالشمس المجلَّلة بالسحاب يومي إلى أُمور:
الأوَّل: أنَّ نور الوجود والعلم والهداية يصل إلى الخلق بتوسّطه (عليه السلام)، إذ ثبت بالأخبار المستفيضة أنَّهم العلل الغائية لإيجاد الخلق، فلولاهم لم يصل نور الوجود إلى غيرهم، وببركتهم والاستشفاع بهم والتوسّل إليهم يظهر العلوم والمعارف على الخلق، ويكشف البلايا عنهم، فلولاهم لاستحقَّ الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ولقد جرَّبنا مراراً لا نحصيها أنَّ عند انغلاق الأُمور وإعضال المسائل والبعد عن جناب الحقِّ تعالى وانسداد أبواب الفيض لـمَّا استشفعنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) بحار الأنوار ٥٢: ٩٣.
(٢٢) المصدر السابق.

(١٢)

بهم وتوسَّلنا بأنوارهم فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت تنكشف تلك الأُمور الصعبة، وهذا معاين لمن أكحل الله عين قلبه بنور الإيمان.
الثاني: كما أنَّ الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها ينتظرون في كلِّ آنٍ انكشاف السحاب عنها وظهورها ليكون انتفاعهم بها أكثر، فكذلك في أيّام غيبته (عليه السلام) ينتظر المخلصون من شيعته خروجه وظهوره في كلِّ وقت وزمان ولا ييأسون منه.
الثالث: أنَّ منكر وجوده (عليه السلام) مع وفور ظهور آثاره كمنكر وجود الشمس‏ إذا غيَّبها السحاب‏ عن الأبصار.
الرابع: أنَّ الشمس قد تكون غيبتها في السحاب أصلح للعباد من ظهورها لهم بغير حجاب، فكذلك غيبته (عليه السلام) أصلح لهم في تلك الأزمان، فلذا غاب عنهم.
الخامس: أنَّ الناظر إلى الشمس لا يمكنه النظر إليها بارزة عن السحاب، وربَّما عمي بالنظر إليها لضعف الباصرة عن الإحاطة بها، فكذلك شمس ذاته المقدَّسة ربَّما يكون ظهوره أضرّ لبصائرهم ويكون سبباً لعماهم عن الحقِّ، وتحتمل بصائرهم الإيمان به في غيبته كما ينظر الإنسان إلى الشمس من تحت السحاب ولا يتضرَّر بذلك.
السادس: أنَّ الشمس قد يخرج من السحاب وينظر إليه واحد دون واحد، فكذلك يمكن أن يظهر (عليه السلام) في أيّام غيبته لبعض الخلق دون بعض.
السابع: إنَّهم (عليهم السلام) كالشمس في عموم النفع، وإنَّما لا ينتفع بهم من كان أعمى، كما فُسِّـر به في الأخبار قوله تعالى: ﴿مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٢].
الثامن: أنَّ الشمس كما أنَّ شعاعها تدخل البيوت بقدر ما فيها من الروازن والشبابيك، وبقدر ما يرتفع عنها من الموانع، فكذلك الخلق إنَّما ينتفعون

(١٢)

بأنوار هدايتهم بقدر ما يرفعون الموانع عن حواسِّهم ومشاعرهم التي هي روازن قلوبهم من الشهوات النفسانية والعلائق الجسمانية، وبقدر ما يدفعون من قلوبهم من الغواشي الكثيفة الهيولانية إلى أن ينتهي الأمر إلى حيث يكون بمنزلة من هو تحت السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغير حجاب)، انتهى كلامه رفع الله مقامه.
ثانياً: الدعاوى التي صدرت من كبار العلماء والصالحين بالمشاهدة ورؤية الإمام الحجَّة (عليه السلام) مع كثرتها وجلالة بعض مدَّعيها، بل إنَّ بعضهم من رؤساء المذهب وأساطينه ومراجعه، وقد ادُّعي ذلك في كلِّ العصور ابتداءً من بداية الغيبة الكبرى إلى عصور متأخِّرة بل ومعاصرة.
وقد عقد العلَّامة المجلسي (قدّس سرّه) في بحار الأنوار بحثاً في موضعين:
الموضع الأوَّل: ج ٥٢ ص ١ باب (١٨) ذكر من رآه صلوات الله عليه،‏ حيث ذكر (٥٥) رواية.
الموضع الثاني في ج ٥٣ ص ١٥٠: باب (٣١) ما خرج من توقيعاته (عليه السلام)، حيث ذكر مجموعة من روايات التوقيعات الصادرة منه عن طريق بعض العلماء في زمن الغيبة الكبرى.
كما ألَّف الميرزا النوري كتاب (جنَّة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجَّة (عليه السلام) أو معجزته في الغيبة الكبرى).
وهذا يورث الاطمئنان بأصل وقوع هكذا لقاءات مع صاحب الأمر بلا دعوى السفارة أو البابية، وبغضِّ النظر عن الأشخاص المدَّعين لذلك.
ثالثاً: مقتضـى الأدلَّة العامَّة الدالّة على أهمّية منصب الإمامة في قيادة الأُمَّة وتصحيح مسارها النظري والعملي وممارسة الرعاية العامَّة لها ومنعها عن الانحراف وتسديد علمائها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإرشاد إلى سواء السبيل، فلا يُتصوَّر ترك الإمام (عليه السلام) لهذه الوظائف الإلهية في غيبته، فإن لم يظهر علناً فإنَّ هناك من يقوم مقامه في هذه الأُمور، بالإضافة إلى ما نُصَّ

(١٢)

من قيادة ظاهرة المتمثِّلة برواة أحاديثنا المعبَّر عنها بالمرجعية الدينية اشتقاقاً من قول الإمام (عليه السلام): «فارجعوا إلى رواة حديثنا».
فإنَّ هناك قيادة نائبة ظاهره تُقلَّد وتُتَّبع في الولاية العامَّة والتقليد والقضاء طبقاً لدلائل الروايات على صلاحية الفقهاء في زمن الغيبة الكبرى وارتباط الجماهير الصالحة بهم لحلِّ الحوادث الواقعة سواء على مستوى التشريعات أو الموضوعات.
إن قيل: إنَّ وجود المرجعية كافٍ عن اللقاء به (عليه السلام).
قلنا: إنَّه مطلوب لذاته لأسباب تحدَّثنا عن بعضها، فلا يكفي وجودها عن طلبه.
رابعاً: الروايات الدالّة على عظيم الرعاية والمتابعة التي يوليها الإمام (عليه السلام) لشيعته وأتباعه، وأنَّها من الأهمّية بمكان بحيث لولاها لنزل بأتباع أهل البيت. (عليهم السلام) الشـيء العظيم من البلاء واللَّأواء، فإنَّ اللقاء بالإمام (عليه السلام) باعتباره المحيط الأوَّل بما يحصل من إحراج في العالم على كلِّ المستويات يُوفِّر لشيعته من خلال ما يشير على من التقى به ما يمنع من تلك المصائب والمحن.
ومن هذه الروايات الرواية المارَّة الذكر: «إِنَّا يُحِيطُ عِلْمُنَا بِأَنْبَائِكُمْ، وَلَا يَعْزُبُ عَنَّا شَيْءٌ مِنْ أَخْبَارِكُمْ، وَمَعْرِفَتُنَا بِالزَّلَلِ الَّذِي أَصَابَكُمْ مُذْ جَنَحَ كَثِيرٌ مِنْكُمْ إِلَى مَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَنْهُ شَاسِعاً، وَنَبَذُوا الْعَهْدَ المَأْخُوذَ مِنْهُمْ‏ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ.‏ إِنَّا غَيْرُ مُهْمِلِينَ لِمُرَاعَاتِكُمْ، وَلَا نَاسِينَ لِذِكْرِكُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَنَزَلَ بِكُمُ اللَّأْوَاءُ، وَاصْطَلَمَكُمُ‏ الْأَعْدَاء...»(٢٣).
فهذه شواهد أربعة تدعم ما تبنَّيناه من توفيق بين الروايات في حقيقة اللقاء بالإمام الحجَّة (عليه السلام).
تتمَّة:
بطلان دعوى السفارة والنيابة الخاصَّة من ضروريات المذهب:
قد يقال: إنَّ فتح إمكان أو وقوع اللقاء بالإمام الحجَّة (عليه السلام) في عصـر الغيبة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) بحار الأنوار ٥٣: ١٧٥.

(١٢)

الكبرى يفتح الباب أمام فئة من الناس قد تدَّعي اللقاء به من ثَمَّ السفارة عنه والنيابة له ممَّا يزلزل دين الناس.
ولكنَّه يقال: إنَّه لا ملازمة بين القول بإمكان أو وقوع اللقاء وبين فتح باب دعاوى السفارة والبابية عن الإمام الحجَّة (عليه السلام) والنيابة الخاصَّة عنه، فإنَّ إجماع الإماميَّة قائم على نفي السفارة والنيابة الخاصَّة عن الإمام الحجَّة (عليه السلام) في عصـر الغيبة، أمَّا اللقاء به مع عدم إعلان ذلك أو إعلانه بلا ملازمة لدعوى السفارة أو نقل التوجيهات عنه، فهذا ممَّا لا فتح لبابه عند كلِّ علماء الإماميَّة.
قال الشيخ أبو القاسم بن محمّد بن قولويه صاحب كتاب (كامل الزيارات) أُستاذ الشيخ المفيد في الفقه، والذي قال النجاشي فيه: (كلَّما يُوصَف به الناس من جميل وفقه فهو فوقه):
(إنَّ عندنا أي الطائفة الإماميَّة الشيعية أنَّ كلَّ من ادَّعى الأمر أي السفارة والباب بعد السمري آخر النوّاب الأربعة في الغيبة الصغرى فهو كافر منمِّس محتال ضالٌّ مضلٌّ)(٢٤).
وقد نقل أُستاذنا المحقِّق الشيخ السند في الفصل الثاني من كتابه دعوى السفارة(٢٥) مجموعة من الأقوال في المقام، فراجع.
فالنتيجة: لا ملازمة بين ما نبني عليه من وقوع اللقاء مع الحجَّة (عليه السلام) في عصـر الغيبة الكبرى وبين دعوى السفارة والنيابة الخاصَّة، فإنَّ الأوَّل حقٌّ والثاني باطل، خصوصاً وأنَّ دعوى السفارة أو النيابة الخاصَّة في عصـر الغيبة ملازمة لتكذيب المدَّعي لورود النصوص الدينية الدالّة على المنع من جهة وقيام الإجماع والضرورة المذهبية على التكذيب لمدَّعيها من جهة أُخرى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) بحار الأنوار ٥١: ٣٧٨.
(٢٥) دعوى السفارة/ ج ١.

(١٢)

 

الإمام المهدي (عليه السلام) وقبول التوبة

 

نصرت الله آيتي

 

المصطلحات الأساسيّة:
التوبة، قبول التوبة، الظهور، الهداية، علائم العذاب، طلب التوبة.
المقدّمة:
يُعتبَر الانحطاط الأخلاقي، وتدنّي مستوى السلوك العملي للبشـر، من أهمّ شواخص دور آخر الزمان، ففي هذا العصـر تبتعد البشريَّة عن هويَّتها الحقيقيَّة لمسافات كبيرة، وتودِّع انتسابها إلى بواطن وجودها والقيم المنبثقة منها، طيَّ النسيان.
إنَّ إثبات اضطراب أوضاع البشـر في عصـر الغيبة، وابتعادها عن جادَّة السعادة، لا يحتاج إلى الاستدلال عليه بآية أو رواية، مع أنَّ الآيات الكثيرة والروايات المتعدِّدة قد وردت في ذلك، وذلك لأنَّ تاريخ عصـر الغيبة شاهدٌ حاضر على ذلك، مضافاً إلى أنَّنا نلاحظ ذلك ظاهراً للعيان في كلِّ شارع وزقاق، في كلِّ يوم ولحظة من زماننا المعاصر.
والسؤال المهمّ هنا هو: كيف سيتعامل الإمام المهدي (عليه السلام) مع كلِّ هذه الجموع الغفيرة من بشر عصر الغيبة التي تورَّطت في الضلال والانحلال؟ وكيف سيجازيهم على أفعالهم؟

(١٣)

فهل سيتَّخذ سبيل الهداية والتربية والإصلاح معهم، أم سيقوم بتصفيتهم وتطهير الأرض من شرِّهم؟
وهنا رؤيتان في القضيّة، رؤية ترى بأنَّ الإمام المهدي (عليه السلام)، ولهمَّته العالية في الإصلاح، سيحتضن هؤلاء البشـر الذين ضاقوا ذرعاً من ضياعهم، واليائسين من المناهج الوضيعة، وسيقوم بتهيئة كلّ أسباب بثِّ روح الأمل فيهم، وإعادتهم إلى حياة سليمة. فالتعليم والتزكية هي من أهمّ أُسس رسالة الإمام المهدي (عليه السلام)، ومن أُصول أساليبه للوصول إلى مجتمع المبادئ والقيم السامية.
واستناداً إلى هذه الرؤية، سيكون عصـر الظهور عصـر الرشد والتربية والتهذيب، وعصـر ترميم الكسور النفسيّة وجبران النواقص البشريّة، فرسالة الإمام المهدي (عليه السلام) ليست رسالة قمع وقلع الملوَّثين، بل هي رسالة محو التلوّث ومحاربته وإزالته.
والرؤية الثانية ترى بأنَّ عصـر الغيبة هو عصـر الفُرص واغتنامها، فالبشريّة في هذا الدور مأمورة باستثمار الألطاف الإلهيّة على أحسن وجه، وأن توصل نفسها إلى ساحل الأمان في خضم المحيط المتلاطم بفتن آخر الزمان، ومع انتهاء عصـر الغيبة، ينتهي وقت اغتنام الفرص أيضاً، ويُسلَب الإنسان حقَّ العودة وجبران النواقص، إذ لا يستحقُّ العيش في دولة العدل المهدوي إلَّا أُولئك الذين اغتنموا الفرصة في عصر الغيبة بالنحو الصحيح والأفضل.
واستناداً إلى هذه الرؤية، لن يكون ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) بمنزلة بداية التعليم والتهذيب لأفراد البشـر، بل سيكون بمثابة انتهاء دورة تحصيل الإنسان وتخرّجه من المدرسة، ولا يكون للإمام المهدي (عليه السلام) إلَّا دور منح هذا التلميذ شهادة التحصيل.
والظاهر من بعض الروايات أنَّها تُؤيّد الرؤية الثانية. وعلى أساس هذه الروايات يكون باب التوبة مسدوداً لغير المؤمنين، فلا نفع من إظهار ندمهم يومئذٍ.

(١٣)

كما أنَّ الظاهر من البعض الآخر من الروايات أنَّ مائدة الرشد والكمال في عصـر دولة الحقِّ المهدويّة ستبقى ممدودة للبشريّة جمعاء، فيمكن للجميع أن ينحرفوا عن مسير الضلال الذي كانوا عليه في زمن الغيبة، ويعودوا إلى جادَّة الحقِّ والحقيقة والهدى، وأن يضعوا أقدامهم على صراط السعادة ليخطوا خطوات راسخة في ظل هداية الإمام المهدي (عليه السلام).
تُرى، أيُّ الرؤيتين هي الصحيحة؟ وأيُّهما الخاطئة؟ وهل ستنتهي الفرص حقّاً، وينسدُّ باب التوبة في عصـر الظهور، أم أنَّ المجالات ستتعدَّد وتتَّسع، وستفتح آفاق جديدة في وجه البشـريّة لطيِّ مراحل الكمال؟
إنَّ سيرة وسُنَّة الإمام المهدي (عليه السلام) بشكل عامٍّ، وقضيّة قبول التوبة في عصـر الظهور بشكل خاصّ، هي من جملة الأبعاد المهمَّة في الفكر المهدوي، فالرؤية القائلة بانسداد باب التوبة في عصر الظهور، قد تكون داعياً ومحفِّزاً للمنتظرين لإصلاح نفوسهم وتهذيبها في زمن الغيبة، ولكنَّها في نفس الوقت قد تصير سبباً في تخوّف هؤلاء من عصـر الظهور ممَّا يؤدّي إلى إمكان التقليل من اشتياقهم لدرك ذلك العصـر الشـريف، وهذا ما قد يُؤدّي إلى إبطاء عمليّة التمهيد للظهور، مضافاً إلى نشوء الإحساس باليأس وفقدان الأمل بالمستقبل المشرق.
ومن هنا، ونظراً لوجود جذور لهذه الرؤية في بعض الروايات الشـريفة، كان لا بدَّ من التحقيق العلمي الجامع والدقيق في صحَّة وسقم هذه الرؤية، وهذا التلقّي الفكري.
أضف إلى ذلك، إذا كانت رؤية قبول التوبة في عصـر الظهور الشـريف صحيحة، فإنَّ تبيين عدم صحَّة الرؤية الثانية أمرٌ ضروريٌّ أيضاً.
وأمَّا إذا كانت الرؤية الثانية هي الصحيحة، كان لا بدَّ من دقِّ نواقيس الخطر وإذاعة ذلك وإشاعته في المجتمعات البشـريّة، لتحذيرهم من مغبَّة

(١٣)

إضاعة الفرص في عصـر الغيبة، فإنَّ انتهاء عصـر الغيبة سيكون بمثابة بداية شقائهم الأبدي.
ولكن، ومن جهة أُخرى لا بدَّ من الإجابة عن إشكالية عدم انسجام انسداد باب التوبة مع شخصيّة الإمام المهدي (عليه السلام) العطوفة الرؤوفة.
ولذا، فإنَّ التحقيق الدقيق والشامل لبيان صحَّة كلِّ فرضية من الفرضيتين الآنفتين، مطلوب جدّاً، بل هو ضروري.
الضابطة الكلّية للتوبة في القرآن الكريم:
قبل الدخول في أصل البحث وتحليل الروايات الموافقة والمخالفة، لا بدَّ من التعرّف الإجمالي على رأي القرآن الكريم في خصوص التوبة، والذي يمكننا اعتباره ضابطة كلّية في باب التوبة وقبولها أو عدمه، وسيكون المعيار في تشخيص الصحيح من الروايات عن سقيمها.
يضاف إلى ذلك، أنَّ الاعتماد على هذه الضابطة الكلّية يُمكِّننا من الفهم الصحيح للروايات وتفسيرها تفسيراً مقبولاً.
لقد تطرَّق القرآن الكريم في العديد من الآيات الشـريفة إلى التوبة وحقيقتها، وجزاء التائبين، وجزاء من يخرج من الدنيا قبل توبته من المعاصي والذنوب.
والذي يهمّنا في المقام، ويتناسب مع مورد البحث هو شرائط قبول التوبة في القرآن الكريم.
وفي هذا المجال، توجد طائفتان من الآيات الكريمة:
الطائفة الأولى:
آيات تُبشِّـر - بشكل مطلق - أُولئك الذين يندمون على اقترافهم الذنوب والمعاصي، وعلى سلوكهم المنحرف عن الشـرع، وأنَّ الله تعالى يغضُّ الطرف عن ذنوبهم بعد توبتهم، ويقبل توبتهم بسعة رحمته.

(١٣)

ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى بعض تلك الآيات المباركات:
قال تعالى:
١ - ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: ٣٩).
٢ - ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنعام: ٥٤).
٣ - ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: ٥٣).
ففي بعض هذه الآيات، اعتبرت التوبة مشـروطة بالعمل الصالح، ولكن وبحسب تعبير العلَّامة الطباطبائي (قدّس سرّه)، فإنَّ الأعمال الصالحة لا هي مقدَّمة للتوبة، ولا هي ركن من أركانها، وما هي إلَّا نتيجة من نتائج التوبة الحقيقيّة(١)، أي إنَّ التوبة إذا كانت حقيقيّة فإنَّ قبولها ليس مشـروطاً بأيِّ شرط، نعم إنَّ التوبة الحقيقيّة تستتبع القيام بالأعمال الصالحة، وقيد (أصلح) في الآية الشـريفة ناظرٌ إلى حقيقيّة التوبة لا أنَّه شرطٌ فيها(٢).
الطائفة الثانية:
وفي طائفة أُخرى من الآيات الشـريفة، اعتبر الباري (عزَّ وجلَّ) بعض الشـروط لقبول التوبة، ومن جملة تلك الشروط:
١ - عدم نزول أو ظهور بوادر العذاب الإلهي، أي إنَّ زمان التوبة لأهل العناد والمتمرِّدين الذين استحقّوا العذاب، ينتهي وينسدُّ بابها عند ظهور علامات العذاب الإلهي، فلا تُقبَل لهم توبة حينئذٍ.
قال تعالى:
﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْـرِكينَ *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) تفسير الميزان ٣: ٣٤٠، قال ما نصّه: (وأمَّا الإتيان بالأعمال الصالحة فهو وإن كان ممَّا يتفرَّع على ذلك...، غير أنَّه ليس بمقوِّم لهذه التوبة ولا ركناً منها...).
(٢) المصدر السابق ٧: ١٠٥.

(١٣)

فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتي‏ قَدْ خَلَتْ في‏ عِبادِهِ وَخَسِـرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ (غافر: ٨٤ و٨٥).
ومن ثَمَّ، لم تُقبَل توبة فرعون عند نزول العذاب بالغرق.
قال تعالى:
﴿حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * الْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس: ٩٠ و٩١).
٢ و٣ - أن لا يكون الذنب أو المعصية صادرة عن عنادٍ وإصرار، وأن لا تظهر على العاصي علامات الموت.
وهذان الشـرطان، يستفادان من هذه الآية الشـريفة، والتي يعتبرها العلَّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) (٣) مبيّنة للضابطة الكلّية لقبول التوبة وعدم قبولها، وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَـرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (النساء: ١٧ و١٨).
يقول العلَّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) في تفسير مصطلح (الجهالة)، والتي تُعتَبر الشـرط الثاني لقبول التوبة:
(فتبيَّن بذلك أنَّ الجهالة في باب الأعمال إتيان العمل عن الهوى وظهور الشهوة والغضب من غير عناد مع الحقِّ، ومن خواصِّ هذا الفعل الصادر عن جهالة أنَّه إذا سكنت ثورة القوى وخمد لهيب الشهوة أو الغضب باقترافٍ للسيِّئة أو بحلول مانع أو بمرور زمان أو ضعف القوى بشيب أو مزاج عاد الإنسان إلى العلم وزالت الجهالة، وبانت الندامة بخلاف الفعل الصادر عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) المصدر السابق ٤: ٢٤١.

(١٣)

عناد وتعمّد ونحو ذلك، فإنَّ سبب صدوره لـمَّا لم يكن طغيان شـيء من القوى والعواطف والأميال النفسانية، بل أمراً يُسمّى عندهم بخبث الذات ورداءة الفطرة، لا يزول بزوال طغيان القوى والأميال سريعاً أو بطيئاً، بل دام نوعاً بدوام الحياة من غير أن يلحقه ندامة من قريب إلَّا أن يشاء الله)(٤).
وبطبيعة الحال، فإنَّ ذلك لا يعني أنَّ معانداً لو رجع عن عناده، وتاب توبة حقيقيّة نصوحاً، فإنَّ توبته لا تُقبَل، بل إنَّ مثل هذا الشخص إذا تاب فإنَّه سيظهر أنَّ معصيته إنَّما كانت عن جهلٍ لا عن عناد(٥).
والشرط الآخر لقبول التوبة هو عدم تأخير التوبة إلى زمان حلول أجل الموت، يقول العلَّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) في خصوص هذا الشرط الثالث:
(والدليل على أنَّ المراد بالقريب في الآية هو ما قبل ظهور آية الموت قوله تعالى في الآية التالية: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَـرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (النساء:١٨) (٦).
هذا ويمكننا التمسّك بالروايات لتأييد قبول التوبة إلى ما قبل حلول أجل الموت، ففي الرواية المعتبرة عن الإمام الباقر أو الإمام الصادق (عليهما السلام)، قال:
«إِنَّ آدَمَ قَالَ: يَا رَبِّ، سَلَّطْتَ‏ عَلَيَّ الشَّيْطَانَ‏، وَأَجْرَيْتَهُ مِنِّي مَجْرَى الدَّمِ، فَاجْعَلْ لِي شَيْئاً، فَقَالَ: يَا آدَمُ، جَعَلْتُ لَكَ أَنَّ مَنْ هَمَّ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ، وَمَنْ هَمَّ مِنْهُمْ بِحَسَنَةٍ فَإِنْ لَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، فَإِنْ هُوَ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْـراً، قَالَ: يَا رَبِّ زِدْنِي، قَالَ: جَعَلْتُ لَكَ أَنَّ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ سَيِّئَةً ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لَهُ غَفَرْتُ لَهُ، قَالَ: يَا رَبِّ زِدْنِي، قَالَ: جَعَلْتُ لَهُمُ التَّوْبَةَ، أَوْ قَالَ: بَسَطْتُ لَهُمُ التَّوْبَةَ حَتَّى تَبْلُغَ النَّفْسُ هَذِه»(٧).
وعليه، واستناداً إلى الآيات والروايات الآنفة، والروايات المماثلة، فإنَّ حقَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) المصدر السابق ٤: ٢٣٩.
(٥) المصدر السابق ٤: ٢٤٠.
(٦) المصدر السابق.
(٧) الكافي للكليني ٢: ٤٤٠.

(١٣)

التوبة محفوظ لأفراد الإنسان حتَّى تتبيّن علامات الموت، فأمَّا الذين يبقون مصـرّين على تمرّدهم ومعصيتهم حتَّى تظهر فيهم علامات الموت، فلن تُقبَل منهم توبتهم حينئذٍ، ولا ينفعهم ندمهم.
وبما تقدَّم، يتَّضح أنَّ قبول التوبة - من جهة الزمان - يتحدَّد بوقتين اثنين:
الأوَّل: وقت ظهور علامات الموت.
الثاني: وقت ظهور علامات العذاب.
وبطبيعة الحال، فإنَّ زمان ظهور علامات العذاب غالباً ما يكون مقارباً لظهور علامات الموت، إذ أنَّ نزول العذاب الإلهي يستتبع موت العاصين غالباً، ولذا فإنَّ الآيات (١٧ و١٨) من سورة النساء اعتبرت الموت ضابطة زمانيّة لقبول ورفض التوبة، وزمن انتهاء الفرصة المتاحة للإنسان للندم والرجوع عن معاصيه.
والسـرُّ في عدم قبول التوبة حين ظهور علامات الموت، هو أنَّ مثل هذه التوبة ليست توبة حقيقيّة، فإنَّ توبة من يرى علامات الموت، ويرى ملائكة العذاب الذين جاؤوا لقبض روحه، مع أنَّه لم يكن نادماً إلى ما قبل عدَّة لحظات، بل كان مصـرّاً على هتك حرمة الأحكام الإلهيّة، ليست توبة نابعة عن ندم على ارتكاب المعاصي، بل هي نابعة من الاضطرار والخوف من العذاب الإلهي وللفرار من الجزاء الذي ينتظره جراء ارتكاب الذنوب.
ومن أجل ذلك، نجد أنَّ القرآن الكريم يُصـرِّح بأنَّ أمثال هؤلاء لو منحوا فرصة للتوبة لعادوا إلى ما نهوا عنه، وكرَّروا نفس السيرة التي كانوا عليها، قال تعالى:
﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ (الأنعام: ٢٨).
وبهذا يظهر لنا أنْ لا تنافي بين إطلاق الآيات التي يظهر منها أنَّ باب التوبة والرجوع إلى الله الرؤوف، مفتوح للجميع وليس مقيّداً بأيِّ قيد أو شرط، وبين

(١٣)

الآيات التي تعتبر التوبة مشـروطة بأن تكون صادرة قبل ظهور علامات الموت أو العذاب، وذلك لأنَّ الطائفة الأُولى من الآيات ناظرة إلى التوبة والإنابة الحقيقيّة، وأنَّ الله تعالى أرحم وأرفق بالنادمين ندماً حقيقياً على أفعالهم السيّئة، فلا يحتمل في حقِّه تعالى أن يرفض احتضانهم واستقبالهم بدون شرط أو قيد، وأمَّا الطائفة الثانية من الآيات فهي في صدد بيان مصاديق التوبة الحقيقيّة، لا التوبة الصادرة عن خوف واضطرار ووحشة من العذاب الإلهي، وللفرار عن الجزاء والعقاب.
وخلاصة الكلام هي أنَّه، واستناداً إلى آيات القرآن الكريم وروايات أهل البيت (عليهم السلام)، فإنَّ الضابطة والأصل الكلّي في باب قبول التوبة وردّها هي أنَّ التوبة الحقيقيّة ليست مقيّدة أو مشـروطة بأيِّ قيد أو شرط إلَّا عدم ظهور علامات العذاب أو الموت، فإنَّ مثل هذه التوبة ليست توبة حقيقيّة، وباب التوبة مفتوح للجميع وفي كلِّ مكانٍ وزمانٍ.
وبعد اتِّضاح الضابطة الكلّية لقبول التوبة، نحاول استطلاع الروايات المعالجة لهذا الموضوع.
إنَّ بعض الروايات التي رسمت إطار عصـر العصور، تتوافق مع هذه الضابطة الكلّية.
وقسمٌ آخر من الروايات والأحاديث تتنافى في ظاهرها مع هذه الضابطة الكلّية.
وعليه، توجد رؤيتان، طبقاً لظواهر الروايات، في خصوص مسألة التوبة في عصر الظهور.
الرؤية الأولى: قبول الإمام المهدي (عليه السلام) التوبة:
النظريّة الأُولى ترى أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيقبل توبة التائبين، وأنَّ سيرته مع المنحرفين، هي سيرة الانفتاح عليهم واحتضانهم.

(١٣)

فقسم من الروايات يُصـرِّح باتِّساع رقعة التوبة في عصـر الظهور، ويشير إلى قبول الإمام المهدي (عليه السلام) توبة النادمين على معاصيهم، فهذه الروايات تنفي فرضيّة انسداد باب التوبة بكلِّ وضوح، ويمكننا في هذا الصدد الإشارة إلى الرواية التي ورد فيها أنَّ عبد الحميد الواسطي سأل الإمام الباقر (عليه السلام) قائلاً:
... أَصْلَحَكَ اللهُ إِنَ‏ هَؤُلَاءِ المُرْجِئَةَ يَقُولُونَ:‏ مَا عَلَيْنَا أَنْ نَكُونَ عَلَى الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ‏ حَتَّى إِذَا جَاءَ مَا تَقُولُونَ كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ سَوَاءً، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ الحَمِيدِ، صَدَقُوا مَنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَسَرَّ نِفَاقاً فَلَا يُرْغِمُ اللهُ إِلَّا بِأَنْفِه...‏»(٨).
وفي حديث آخر، رواه النعماني بثلاثة أسانيد مختلفة، أحدها معتبر، عن بشير النبّال، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال:
«... وَيْحَ‏ هَذِهِ‏ المُرْجِئَةِ إِلَى مَنْ يَلْجَئُونَ غَداً إِذَا قَامَ قَائِمُنَا؟»، قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَوْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ كُنَّا وَأَنْتُمْ فِي الْعَدْلِ سَوَاءٌ، فَقَالَ: «مَنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَسَرَّ نِفَاقاً فَلَا يُبْعِدُ اللهُ غَيْرَه‏...»(٩).
ويمكننا استفادة عدَّة أُمور من خلال هذه الروايات، وهي:
١ - إنَّ عدالة الإمام المهدي (عليه السلام) لا تختصُّ بفكرٍ أو فئة مذهبيّة معيّنة، بل هي عامَّة وشاملة لكلِّ البشريّة.
٢ - إنَّ من مظاهر عدالة الإمام المهدي (عليه السلام) العامَّة، سعة فضاء التوبة للجميع، بلا قيد أو شرط.
وبناءً على ذلك، فإنَّ الفرصة متاحة في عصـر الظهور حتَّى لغير الشيعة لإصلاح أوضاعهم السابقة على عصر الظهور.
وطبقاً لظاهر طائفة أُخرى من الروايات، فإنَّ دعوة الإمام المهدي (عليه السلام) ستكون عامَّة. ولا شكَّ في أنَّ نفس الدعوة تعني وجود إمكان للردِّ الإيجابي، وتطمين الطرف المقابل، إذ لولا وجود احتمال القبول لكانت الدعوة لغواً بلا طائل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) الكافي ٨: ٨٠/ ح ٣٧.
(٩) الغيبة للنعماني: ٢٣٨/ باب ١٥/ ح ١ و٢. السند المعتبر لهذا الحديث: أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد ابن عقده، قال: حدَّثنا عليّ بن الحسن التيملي من كتابه، حدَّثنا العبّاس بن عامر بن رباح الثقفي، عن موسى بن بكر، عن بشير النبّال.
للتحقيق في وثاقة أحمد بن محمّد بن سعيد راجع: الفهرست للطوسي: ٧٣.
للتحقيق في وثاقة عبّاس بن عامر وهو الشيخ الصدوق راجع: رجال الطوسي: ٢٥٧/ الرقم ٦٧٦.
للتحقيق في وثاقة موسى بن بكر راجع: معجم رجال الحديث ٢٠: ٣٣.
للتحقيق في وثاقة بشير النبّال راجع: قاموس الرجال ٢: ٣٥٦؛ تنقيح المقال ١٢: ٣٦٨.

(١٤)

فالدعوة العامَّة بدون إمكان إجابة الدعوة شبيه بدعوة الأعمى إلى الرؤية، ومثل دعوة الكسيح إلى الركض والمشي، فهي بلا معنى وغير معقولة.
وعلى هذا الأساس، فإنَّ الروايات إذا كانت ترى شمول الدعوة لعموم أفراد الإنسان، المسلم وغير المسلم، فإنَّ لازم ذلك إمكان استجابة هؤلاء لدعوة المهدي (عليه السلام)، وتوفير الفرصة والأرضيّة المناسبة للاستجابة من قِبَلهم، وهذا مساوق لفتح باب التوبة لهم. والروايات الواردة في هذا السياق كثيرة، منها:
١ - قال الإمام الصادق (عليه السلام) في وصف جيش الإمام المهدي (عليه السلام):
«... لَا يَأْتُونَ‏ عَلَى‏ أَهْلِ‏ دِينٍ‏ إِلَّا دَعَوْهُمْ إِلَى اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ)، وَإِلَى الْإِسْلَامِ، وَالْإِقْرَارِ بِمُحَمَّدٍ، وَالتَّوْحِيدِ، وَوَلَايَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ. فَمَنْ أَجَابَ مِنْهُمْ وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ تَرَكُوه...»(١٠).
٢ - عن الإمام الكاظم (عليه السلام)، قال:
«... إذا خرج‏ باليهود والنصارى‏ والصابئين‏ والزنادقة وأهل الردَّة والكفّار في شرق الأرض وغربها، فعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم طوعاً أمره بالصلاة والزكاة...»(١١).
ومضافاً إلى هذه الروايات، فإنَّ أوَّل خطبة يخطبها الإمام المهدي (عليه السلام)، وهي في المسجد الحرام بمكّة، يظهر لنا عنصـر الدعوة الشاملة جليّاً. وقد وردت مضامين هذه الخطبة في عدَّة أحاديث عن الأئمَّة (عليهم السلام)، منها:
٣ - عن الإمام الباقر (عليه السلام)، في رواية معتبرة في الخطبة التي يخطبها الإمام المهدي (عليه السلام) عند ظهوره:
«... يَا أَيُّهَا النَّاسُ،‏ إِنَّا نَسْتَنْصِـرُ اللهَ‏ فَمَنْ‏ أَجَابَنَا مِنَ النَّاسِ...، فَأَنْشُدُ اللهَ مَنْ سَمِعَ كَلَامِي الْيَوْمَ لَـمَّا بَلَّغَ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ، وَأَسْأَلُكُمْ بِحَقِّ اللهِ... إِلَّا أَعَنْتُمُونَا وَمَنَعْتُمُونَا مِمَّنْ يَظْلِمُنَا...»(١٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) مختصر بصائر الدرجات لحسن بن سليمان الحلّي: ١١.
(١١) تفسير العيّاشي ١: ١٨٣/ ح ٨٢.
(١٢) الغيبة للنعماني: ٢٩٠/ باب ١٤/ ح ٦٧. سند هذا الحديث: أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد، عن هؤلاء الرجال الأربعة (محمّد بن المفضَّل، وسعدان بن إسحاق بن سعيد، وأحمد بن الحسين بن عبد الملك، ومحمّد بن أحمد بن الحسن)، عن ابن محبوب. وأخبرنا محمّد بن يعقوب الكليني أبو جعفر، قال: حدَّثني علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، قال: وحدَّثني محمّد بن عمران، قال: حدَّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى. قال: وحدَّثني عليّ بن محمّد وغيره، عن سهيل بن زياد جميعاً، عن الحسن بن محبوب. وحدَّثنا عبد الواحد بن عبد الله الموصلي، عن أبي علي أحمد بن محمّد بن أبي ناشر، عن أحمد بن هلال، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي.
للتحقيق في وثاقة أحمد بن محمّد راجع: الفهرست: ٧٣/ الرقم ٨٦.
للتحقيق في وثاقة أحمد بن حسين بن عبد الملك راجع: الفهرست: ٦٧/ الرقم ٧١.
للتحقيق في وثاقة الحسن بن محبوب راجع: رجال الطوسي: ٣٣٤/ الرقم ٤٩٧٨.
للتحقيق في وثاقة جابر بن يزيد الجعفي راجع: معجم رجال الحديث ٤: ٣٣٦/ الرقم ٢٠٣٣.

(١٤)

وفي رواية أُخرى عن الإمام الباقر (عليه السلام) أيضاً، أنَّ المهدي (عليه السلام) يقول في خطبته:
«إِلَّا أَنَّا نَسْتَنْصِرُ اللهَ‏ الْيَوْمَ‏ وَكُلَّ‏ مُسْلِمٍ»(١٣).
٤ - وعن الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا المضمار:
«إِذَا أَذِنَ اللهُ (عَزَّ اسْمُهُ) لِلْقَائِمِ‏ فِي‏ الخُرُوجِ‏ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَدَعَا النَّاسَ إِلَى نَفْسِه»(١٤).
٥ - وعن الإمام الباقر (عليه السلام) في حقِّ المهدي (عليه السلام):
«فَيَدْعُو النَّاسَ‏ إِلَى‏ كِتَابِ‏ اللهِ‏ وَسُنَّةِ نَبِيِّه‏»(١٥).
وهناك روايات عديدة أُخرى تشير إلى دعوة الإمام المهدي (عليه السلام) العامَّة، لا فقط في خطبته الأُولى في المسجد الحرام، بل وحتَّى على طول مسيرته وحركته المباركة. وكنموذج على ذلك، خذ هذا الخبر المرويّ عن الإمام الباقر (عليه السلام):
«... ثمّ ينطلق يدعو الناس إلى كتاب الله وسُنَّة نبيِّه والولاية لعليِّ بن أبي طالب»(١٦).
٦ - وفي رواية أُخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام)، يصف اهتمام الإمام المهدي (عليه السلام) بالدعوة، بقوله:
«ما من‏ معجزة من‏ معجزات‏ الأنبياء والأوصياء إلَّا ويُظهِر الله تبارك وتعالى مثلها في يد قائمنا لإتمام الحجَّة على الأعداء»(١٧).
ولا بدَّ، لتوضيح الروايات أعلاه، من بيان عدَّة نكات:
١ - فيما عدا الروايات الأُولى، والتي صُرِّح فيها بالدعوة العامَّة من قِبَل الإمام المهدي (عليه السلام) لكلِّ الناس، فإنَّ الروايات الأخيرة عُبِّر فيها عن المدعوّين بمفردات مثل (الناس)، وهي أيضاً تدلُّ على عموميّة الدعوة المهدويّة بوضوح.
فإذا ما اعتبرنا أنَّ خطاب الإمام المهدي (عليه السلام) عامٌّ لكلِّ البشـريّة، يثبت بذلك مطلوبنا، وهو عدم انسداد باب التوبة على أحدٍ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) تفسير العيّاشي ١: ٦٥/ ح ١١٧.
(١٤) الإرشاد للمفيد ٢: ٣٨٢.
(١٥) تفسير العيّاشي ٢: ٥٧.
(١٦) المصدر السابق ٢: ٥٨.
(١٧) معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) للكوراني ٣: ٣٨٠.

(١٤)

وكذلك إذا قلنا بأنَّ المخاطبين بذلك الخطاب هم الحاضرون في المسجد الحرام، وهم المشافهون به مباشرةً، فعلى أقلّ التقادير يثبت بعضُ مطلوبنا أيضاً، إذ لا يُتصوَّر انحصار الحاضرين في المسجد الحرام بشيعة أهل البيت (عليهم السلام) فقط، فمن الطبيعي أن يكون بين الحضور في ذلك الزمان - كما في سائر الأزمنة -، عموم المسلمين من ذوي العقائد والأفكار والآراء المختلفة من سائر المذاهب الإسلاميَّة، فيكون خطاب الإمام المهدي (عليه السلام) موجَّهاً لهم أيضاً.
٢ - إنَّ المهمَّ في الأمر، والذي يُثبِت مطلوبنا، هو أصل وجود الدعوة العامَّة من قِبَل الإمام المهدي (عليه السلام)، وإن كانت بعض الروايات (كالرواية السابعة) تشير إلى دعوة الإمام المهدي (عليه السلام) على طول حركته العالميّة وعدم انحصار الدعوة العامَّة من قِبَله (عليه السلام) بأوَّل الظهور، ممَّا يدلُّ بوضوح على أنَّ فرصة التوبة والرجوع إلى مسير السعادة تحت رايته، محفوظ ليس فقط في أوَّل وبداية الظهور، وإنَّما هو محفوظ أيضاً في مقاطع أُخرى في زمان الظهور.
وعلى هذا، لا يمكن اعتبار بداية الظهور نهاية للفرص وانسداد باب التوبة عن الجميع.
٣ - ومن خلال الروايات الأخيرة، والدالَّة على إظهار الإمام المهدي (عليه السلام) بعض المعجزات لدعم دعوته وهدايته الناس، يمكننا استفادة عدم انتهاء الفرصة وانسداد باب التوبة في زمن المعجزات، فإنَّ إظهارها إنَّما هو لإقناع أُولئك الذين أداروا أظهرهم لفطرتهم النقيّة ولعقولهم السليمة، من أجل إرجاعهم إلى صراط السعادة، وكذلك هو لإلقاء الحجَّة وسلب العذر من أُولئك الذين تمرَّدوا على الفضيلة وأصرّوا على العناد واللجاجة، عند الله سبحانه وتعالى.
هذا مضافاً إلى الروايات التي تضمَّنت بصـراحة دعوة عامَّة أفراد الإنسان من قِبَل الإمام المهدي (عليه السلام) في خطاباته، فإنَّ عدداً من الأحاديث تضمَّن ذكر

(١٤)

 أسماء أفراد أو جماعات خاصّين بعينهم في خطب الإمام (عليه السلام)، في حين أنَّ هؤلاء الأفراد أو الجماعات المعيّنين مشمولون بانسداد باب التوبة عليهم في روايات الفرضيّة الثانية، أعني فرضيّة انسداد باب التوبة مطلقاً. وهؤلاء الأفراد هم:
١ - النواصب:
ففي الرواية المعتبرة المرويّة عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال:
«إِذَا قَامَ‏ الْقَائِمُ‏ عَرَضَ‏ الْإِيمَانَ‏ عَلَى كُلِّ نَاصِبٍ، فَإِنْ دَخَلَ فِيهِ بِحَقِيقَةٍ وَإِلَّا ضَرَبَ عُنُقَهُ، أَوْ يُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ كَمَا يُؤَدِّيهَا الْيَوْمَ أَهْلُ الذِّمَّة»(١٨).
٢ - السفياني:
ويقول (عليه السلام) في هذا الخصوص:
«ثمّ‏ يقول‏ لأصحابه‏: سيروا إلى هذه الطاغية، فيدعوه إلى كتاب الله وسُنَّة نبيِّه»(١٩).
وفي حديث آخر عن الإمام الباقر (عليه السلام):
«إِذَا بَلَغَ‏ السُّفْيَانِيَ‏ أَنَ‏ الْقَائِمَ‏ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ مِنْ نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ يَتَجَرَّدُ بِخَيْلِهِ حَتَّى يَلْقَى الْقَائِمَ، فَيَخْرُجُ فَيَقُولُك أَخْرِجُوا إِلَيَّ ابْنَ عَمِّي، فَيَخْرُجُ عَلَيْهِ السُّفْيَانِيُّ، فَيُكَلِّمُهُ الْقَائِمُ فَيَجِيءُ السُّفْيَانِيُّ فَيُبَايِعُه‏»(٢٠).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام)، أيضاً:
«يَقْدَمُ الْقَائِمُ حَتَّى يَأْتِيَ النَّجَفَ، فَيَخْرُجُ‏ إِلَيْهِ‏ مِنَ‏ الْكُوفَةِ جَيْشُ‏ السُّفْيَانِيِّ وَأَصْحَابُهُ وَالنَّاسُ مَعَهُ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ، فَيَدْعُوهُمْ وَيُنَاشِدُهُمْ حَقَّه»(٢١).
فإذا كان الإمام المهدي (عليه السلام)، يدعو السفياني وهو ألدُّ أعداء الإمام (عليه السلام)، والذي يقود أعتى جبهة منحرفة ضالّة تقف ضدّ حركة الإمام المهدي (عليه السلام)، فكيف يمكننا إذن قبول انسداد باب التوبة والرجوع إلى طريق السعادة بوجه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) الكافي ٨: ٢٢٧/ ح ٢٨٨. سند هذه الرواية: عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن الأحول، عن سلام المستنير.
للتحقيق في وثاقة أحمد بن محمّد راجع: رجال الطوسي: ٣٣٢/ الرقم ٤٩٣٨.
للتحقيق في وثاقة الحسن بن محبوب راجع: رجال الطوسي: ٣٣٤/ الرقم ٤٩٧٨.
للتحقيق في وثاقة الأحول راجع: رجال النجاشي: ٣٥/ الرقم ١٠٧.
للتحقيق في وثاقة سلام بن المستنير راجع: معجم رجال الحديث ٩: ١٨١/ الرقم ٥٢٨٦.
(١٩) تفسير العيّاشي ٢: ٦٠.
(٢٠) بحار الأنوار ٥٢: ٣٨٨/ ح ٢٠٦.
(٢١) المصدر السابق ٥٢: ٣٨٨/ ح ٢٠٥.

(١٤)

ملايين البشـر، الذين عادةً ما تكون ضلالتهم وانحرافهم عن الحقِّ نتيجة موانع لا اختياريَّة أبعدتهم عن جادَّة الحقِّ والهُدى؟! وكيف يُتصوَّر عدم دعوة الإمام المهدي (عليه السلام) هؤلاء، فضلاً عن عدم قبول توبتهم إذا ما أقدموا هم بأنفسهم على التوبة والإنابة؟!
وهناك رواية صحيحة أُخرى تعنون بشكل أوضح وأكثر شفافيَّة مسألة دعوة الإمام المهدي (عليه السلام) البشـريّة قاطبة إلى الحقيقة، وعناية الإمام المهدي (عليه السلام) بهدايتهم وإرشادهم، وتُبيّن اشتياق وإصرار الإمام (عليه السلام) لتحقيق هذه المهمَّة، وأنَّ رسالة الإمام (عليه السلام) ليست إفناء وقتل الخاطئين، بل هي رسالة إصلاحيّة، وبناء دنياً ملؤها الروحانيّات والفضائل، عن طريق الإرشاد والهداية، وإتاحة الفرصة للقابليات والكفاءات المعنويَّة كي تتفتَّق وتُثمِر السعادة للإنسانيَّة. ففي حديث عن الإمام الباقر (عليه السلام)، في تفسير قوله تعالى:
﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَـرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٦ و١٥٧).
قال (عليه السلام):
«﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ يَعْنِي النَّبِيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وَالْوَصِيَّ وَالْقَائِمَ، ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾‏ إِذَا قَامَ، ﴿وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وَالمُنْكَرُ مَنْ أَنْكَرَ فَضْلَ الْإِمَامِ وَجَحَدَهُ، ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾‏ أَخْذَ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِهِ، ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾‏ وَالخَبَائِثُ قَوْلُ مَنْ خَالَفَ، ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ

(١٤)

إِصْرَهُمْ﴾‏ وَهِيَ الذُّنُوبُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا قَبْلَ مَعْرِفَتِهِمْ فَضْلَ الْإِمَامِ، ﴿وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾‏ وَالْأَغْلَالُ مَا كَانُوا يَقُولُونَ مِمَّا لَمْ يَكُونُوا أُمِرُوا بِهِ مِنْ تَرْكِ فَضْلِ الْإِمَامِ، فَلَمَّا عَرَفُوا فَضْلَ الْإِمَامِ وَضَعَ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ، وَالْإِصْرُ الذَّنْبُ، وَهِيَ الْآصَارُ، ثُمَّ نَسَبَهُمْ فَقَالَ: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾‏ يَعْنِي بِالْإِمَامِ ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَـرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢٢).
فطبقاً لمضمون هذه الرواية الشـريفة وقول الإمام الباقر (عليه السلام)، فإنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفتح أبواب العلم والمعرفة الحقَّة والتعريف بالطيّبات وحليَّتها، والتعريف بالخبائث وتحريمها، وحثِّ الذنوب التي كانوا يقترفونها قبل معرفتهم بالإمام المهدي (عليه السلام)، وفكِّهم من أسر الأغلال والقيود الفكريّة، هي من التحف المهدويّة التي سينالها المسيحيّون واليهود في زمان الظهور.
فهذه الرواية الصحيحة السند، تفتح باب التوبة لأهل الكتاب، وتعتبر أنَّ رسالة الإمام المهدي (عليه السلام) ليست رسالة قمع وقلع، وإنَّما هي رسالة تربية وتهذيب وإصلاح وتعليم، التعليم الذي لا يتحدَّد بحدود الدعوة إلى الفضائل والإنذار من الرذائل، بل ويتعدّاه إلى إيجاد الأرضيّة المناسبة للرشد والتزكية من جهة، وإلى رفع موانع التكامل من جهة أُخرى.
فالإمام المهدي (عليه السلام) مضافاً إلى ما تقدَّم، يقوم بوضع البلسم للجروح الروحيّة، ويتعامل مع الناس تعامل البستاني الذي يرعى الأزهار التي هي في حالة ذبول إثر عوامل البيئة المضطربة، ويُحرِّر العقول والأذهان من أسر الحيرة والضياع والتيه وأغلال العقائد الفاسدة والعادات والرسوم السيّئة.
وبشهادة الآيات القرآنيَّة الشـريفة وحديث الإمام الباقر (عليه السلام)، فإنَّ كلَّ ذلك مشروط بإطاعة ذلك القائد الملهم والإمام الهمام (عليه السلام)، وبالرحمة الإلهيَّة الخاصَّة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) أُصول الكافي ١: ٤٢٩/ ح ٨٣. سند هذه الرواية: عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصـر، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبيدة الحذّاء.
للتحقيق في وثاقة أحمد بن محمّد راجع: الفهرست: ٦١/ الرقم ٦٣.
للتحقيق في وثاقة حمّاد بن عثمان راجع: رجال النجاشي: ١٤٣/ الرقم ٣٧١.
للتحقيق في وثاقة أبي عبيدة الحذّاء وهو زياد بن عيسى راجع: رجال النجاشي: ١٧٠/ الرقم ٤٤٩.

(١٤)

كما سيحصل أهل الكتاب، وتحت ظلِّ راية الإمام الرؤوف (عليه السلام)، على الفلاح الحقيقي ببركة الإيمان بالإمام المهدي (عليه السلام) ونصرته واتِّباع النور الذي معه.
حقّاً ما أكبر التفاوت بين هذه الرؤية المنفتحة الشفّافة، مع تلك الرؤية التي تعتبر أنَّ ظهور الإمام (عليه السلام) هو بداية وضع الأقفال على باب التوبة والإصلاح.
كما أنَّ هناك طائفة من الروايات تدلُّ بوضوح على بطلان الفكر القائل بانسداد باب التوبة زمن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، وهي الأحاديث التي تتضمَّن إثمار جهود الإمام المهدي (عليه السلام) الإصلاحيّة بهداية وإقبال أتباع الأديان والمذاهب المنحرفة إلى الإسلام الأصيل واعتناقهم له.
ففي الرواية المعتبرة عن الإمام الباقر (عليه السلام)، في تفسير قوله تعالى:
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الحديد: ١٧).
قال (عليه السلام):
«يُحْيِيهَا اللهُ‏ (عَزَّ وَجَلَّ)‏ بِالْقَائِمِ‏ بَعْدَ مَوْتِهَا بِمَوْتِهَا كُفْرَ أَهْلِهَا وَالْكَافِرُ مَيِّتٌ»(٢٣).
فبحسب تفسير الإمام الباقر (عليه السلام)، فإنَّ موت الأرض إنَّما هو بكفر أهلها، وبطبيعة الحال، فإنَّ إحياءها إنَّما يكون بإيمان أهلها بعد كفرهم، وإحياء الأرض على يد الإمام المهدي (عليه السلام)، هو بمعنى اتِّخاذ التدابير المؤدّية إلى إيمان الكافرين.
فهذه الرواية الشـريفة، مضافاً إلى دلالتها على دعوة الكافرين إلى قبول منهج الحقِّ الذي يدعو إليه الإمام (عليه السلام) وأنَّ طريق السعادة سالك أمام الضالّين والتائهين في وادي الضلالة، تكشف بوضوح عن أنَّ الكافرين سيستجيبون لدعوة الإمام المهدي (عليه السلام)، وأنَّه أنفاسه المباركة ستُحيي هؤلاء الأموات فكرياً وروحيّاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: ٦٦٨/ ح ١٢. سند هذا الحديث: أخبرني علي بن حاتم، قال: حدَّثنا حميد بن زياد، عن الحسن بن علي بن سماعة، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن الحسن بن محبوب، عن مؤمن الطاق، عن سلام بن المستنير.
للتحقيق في وثاقة علي بن حاتم راجع: رجال الطوسي: ٤٣٢/ الرقم ٦١٩٠.
للتحقيق في وثاقة حميد بن زياد راجع: رجال النجاشي: ١٣٢/ الرقم ٣٣٩.
للتحقيق في وثاقة حسن بن سماعة راجع: رجال النجاشي: ٤٠/ الرقم ٨٤، وهو الحسن بن محمّد بن سماعة.
للتحقيق في وثاقة أحمد بن حسن راجع: رجال النجاشي: ٧٤/ الرقم ١٧٩، وهو أحمد بن الحسن بن إسماعيل.
للتحقيق في وثاقة الحسن بن محبوب راجع: رجال الطوسي: ٣٣٤.
للتحقيق في وثاقة مؤمن الطاق راجع: رجال النجاشي: ٣٢٥/ الرقم ٨٨٦، وهو محمّد بن علي بن النعمان.
للتحقيق في وثاقة سلام بن مستنير راجع: معجم رجال الحديث ٩: ١٨١/ الرقم ٥٢٨٦.

(١٤)

وهذا المضمون، مؤيَّد في هذه الروايات الشريفة:
عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، قال:
«يَدِينُ‏ لَهُ‏ عَرْضُ‏ الْبِلَادِ وَطُولُها، لَا يَبْقَى كَافِرٌ إِلَّا آمَنَ، وَلَا طَالِحٌ إِلَّا صَلَح»(٢٤).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام):
«فلا يبقى يهوديّ ولا نصـرانيّ ولا أحد ممَّن يعبد غير الله إلَّا آمن به وصدَّقه ويكون الملَّة واحدة ملَّة الإسلام»(٢٥).
ويقول (عليه السلام) في موضع آخر:
«إِنَ‏ عِيسَى‏ يَنْزِلُ‏ قَبْلَ‏ يَوْمِ‏ الْقِيَامَةِ إِلَى الدُّنْيَا، فَلَا يَبْقَى أَهْلُ مِلَّةِ يَهُودِيٍّ وَلَا نَصْـرَانِيٍّ إِلَّا آمَنَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيُصَلِّي خَلْفَ المَهْدِي‏»(٢٦).
وقال (عليه السلام) أيضاً:
«يكون‏ أن‏ لا يبقى‏ أحد إلَّا أقرَّ بمحمّد»(٢٧).
فالمضمون المشترك لمجموع الروايات المذكورة، والذي يتناغم منسجماً مع الضابطة الكلّية للتوبة في القرآن الكريم، هو أنَّ أرضيَّة التوبة وتغيير السلوك المنحرف لكلِّ الضالّين والمنحرفين ستكون مهيّأة ومعدَّة في عصـر ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، وأنَّ طريق السعادة سيبقى مفتوحاً وسالكاً لكلِّ أفراد البشريّة جميعاً.
الرؤية الثانية: عدم استتابة الإمام المهدي (عليه السلام) للمنحرفين:
وقبل أن نطرح مستندات الرؤية القائلة بانسداد باب التوبة في زمن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) بنحو التفصيل، لا بدَّ من بيان قضيّة لا يخلو ذكرها من فائدة، وهي أنَّ بعض الأحاديث دلَّت على أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) لا يستتيب المجرمين والمنحرفين.
وهذه الطائفة من الروايات تمتاز بلحنٍ أكثر ليونة وملائمة من الروايات التي يستدلُّ بها على انسداد باب التوبة في زمن الظهور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) بحار الأنوار ٥٢: ٢٨٠/ ح ٦.
(٢٥) معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) ٥: ١٧٦.
(٢٦) تفسير القمّي ١: ١٥٨.
(٢٧) تفسير العيّاشي ٢: ٨٧.

(١٤)

ومن الواضح، أنَّ هناك فرقاً كبيراً بين عدم طلب التوبة والاستتابة، وبين عدم قبول التوبة إذا صدرت من الشخص.
وتوضيحه هو، أنَّه وبطبيعة الحال فإنَّ ردَّة فعل المنحرفين على منهج الإمام المهدي (عليه السلام) في عصـر الظهور، ستتَّخذ أشكالاً وألواناً متعدِّدة، فقسم من هؤلاء سيندمون على أفعالهم الطالحة، وسيتطوَّعون بالندم ويطلبون العفو من الإمام (عليه السلام)، والبعض الآخر منهم، والذين لم يصلوا إلى الرشد والوعي الذي وصلت إليه المجموعة الأُولى، فلن يبادروا إلى التوبة وإعلان ندمهم. ومن هنا فإنَّهم سيحتاجون إلى استتابة الإمام (عليه السلام) لهم ودعوتهم إلى الرجوع عن طريق الضلال إلى جادَّة الحقِّ والسعادة، ولا شكَّ أنَّ جزءاً من هؤلاء سيتوبون ويندمون، ويخطون خطوات في وادي الإنابة والأوبة.
وطبقاً للروايات المشار إليها، فإنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) لن يدعو هؤلاء إلى التوبة. ولكنَّ هذه الروايات غير ناظرة إلى مسألة قبول التوبة وعدم قبولها من الطائفة الأُولى من المنحرفين الذين يتطوَّعون للتوبة بأنفسهم، فهي ساكتة عن ذلك.
وعليه، فإنَّ هذه الروايات ليست نافية لقبول التوبة في زمن الظهور بنحو الإطلاق.
وكما تقدَّم منّا، فإنَّ الرؤيتين المذكورتين متفاوتتان مع بعضهما، ولكنَّ عدم طلب التوبة من هؤلاء يعتبر درجة متدنّية من عدم قبول التوبة، ولذا كان من المناسب بداية دراسة ونقد هذه الرؤية النافية لقبول التوبة بشيءٍ من التفصيل.
والروايات الدالّة على هذا المطلب عديدة، منها:
الأُولى:
ما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال:
«يَقُومُ‏ الْقَائِمُ‏ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَكِتَابٍ جَدِيدٍ، وَقَضَاءٍ جَدِيدٍ، عَلَى الْعَرَبِ شَدِيدٌ، لَيْسَ شَأْنُهُ إِلَّا السَّيْفَ، وَلَا يَسْتَتِيبُ أَحَداً، وَلَا تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِم»(٢٨)‏.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) الغيبة للنعماني: ٢٣٨/ باب ١٣/ ح ١٩. سند هذه الرواية: أخبرنا علي بن الحسين، قال: حدَّثنا محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن حسّان الرازي، عن محمّد بن عليّ الكوفي، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عاصم بن حميد الحنّاط، عن أبي بصير.

(١٤)

الثانية: وعنه (عليه السلام) أيضاً:
«... يَقُومُ‏ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، وَسُنَّةٍ جَدِيدَةٍ، وَقَضَاءٍ جَدِيدٍ، عَلَى الْعَرَبِ شَدِيدٌ، لَيْسَ شَأْنُهُ إِلَّا الْقَتْلَ، وَلَا يَسْتَتِيبُ أَحَداً، وَلَا تَأْخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ»(٢٩).
الثالثة: أيضاً عن الباقر (عليه السلام)، قال:
«إِنَّ رَسُولَ اللهِ سَارَ فِي أُمَّتِهِ بِالمَنِّ، كَانَ يَتَأَلَّفُ النَّاسَ، وَالْقَائِمُ يَسِيرُ بِالْقَتْلِ، بِذَاكَ أُمِرَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي مَعَهُ، أَنْ يَسِيرَ بِالْقَتْلِ، وَلَا يَسْتَتِيبَ أَحَداً، وَيْلٌ لِمَنْ نَاوَاه»(٣٠).
وعبارة (لا يستتيب) ليست بمعنى (عدم قبول التوبة) كما فهمه البعض، بل هي بمعنى (لا يدعوهم إلى التوبة). جاء في كتب الصحاح، ولسان العرب، والقاموس المحيط(٣١)، في معنى الاستتابة: (سأله أن يتوب)، وفي تاج العروس: (استتابه: عرض عليه التوبة)(٣٢).
هذا وقد ورد في سند الرواية الأُولى والثانية، محمّد بن حسّان الرازي ومحمّد بن علي الكوفي، وقد صـرَّح النجاشي في وصف محمّد بن حسّان الرازي بضعفه حيث قال: (يُعرَف ويُنكَر، بين بين، يروي عن الضعفاء كثيراً)(٣٣).
كما أنَّ ابن الغضائري ضعَّف محمّد بن حسّان هذا(٣٤).
وقال النجاشي في توصيف محمّد بن علي الكوفي: (إنَّه ضعيف جدّاً، وفاسد العقيدة، ولا يُعتَمد عليه في شـيء)(٣٥).
وقال الشيخ الطوسي، نقلاً عن الفضل بن شاذان (رحمه الله)، في محمّد بن علي الكوفي: (إنَّه أشهر الوضّاعين)(٣٦).
هذا مضافاً إلى أنَّ اثنين من رواة الحديث الثاني غير موثَّقين، الأوَّل منهما يوسف بن كليب، حيث لم يرد اسمه في الكتب الرجاليّة، فهو مهمل بحسب المصطلح الحديثي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) المصدر السابق: ٢٤٠/ باب ١٣/ ح ٢٢. سند هذه الرواية: أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: حدَّثنا يحيى بن زكريا بن شيبان، قال: حدَّثنا يوسف بن كليب، قال: حدَّثنا الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن عاصم بن حميد الحنّاط، عن أبي حمزة الثمالي.
(٣٠) المصدر السابق: ٢٣٦/ باب ١٣/ ح ١٤. سند هذه الرواية: أخبرنا علي بن الحسين، قال: حدَّثني محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن حسّان الرازي، عن محمّد بن علي الكوفي، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، عن عبد الله بن بكير، عن أبيه، عن زرارة.
(٣١) الصحاح للجوهري ١: ٩٢؛ لسان العرب لابن منظور ١: ٢٣٣؛ القاموس المحيط للفيروزآبادي ١: ٤٠.
(٣٢) تاج العروس للزبيدي ١: ٣٢٩.
(٣٣) رجال النجاشي: ٣٣٨.
(٣٤) أُنظر: خلاصة الأقوال للعلَّامة الحلّي: ٤٠١، قال: (قال ابن الغضائري: محمّد بن حسّان الرازي، أبو جعفر، ضعيف).
(٣٥) رجال النجاشي: ٣٣٢، ذكر ذلك في ترجمة (محمّد بن علي بن إبراهيم الملقَّب أبا سمينة).
(٣٦) أُنظر: اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٢٣.

(١٥)

والثاني منهما الحسن بن علي بن أبي حمزة، والذي عدَّه النجاشي من رؤوس الواقفة، واعتبره ضعيفاً نقلاً عن علي بن الحسن بن فضّال(٣٧). كما عدَّه الشيخ الطوسي (كذّاباً ملعوناً) نقلاً عن علي بن الحسن بن فضّال(٣٨).
مضافاً إلى ضعف أسانيد الروايات التي يُستَدلُّ بها على عدم الاستتابة، فإنَّ هذه الروايات معارضة بروايات وأحاديث كثيرة، وسيأتي بيان هذا التعارض عند مناقشة الرؤية الثانية.
وبناءً على ذلك، فإنَّ الرؤية المذكورة فاقدة للمستند المعتبر، وهي مردودة.
أمَّا الروايات الدالّة على انسداد باب التوبة في زمن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، والتي تمتاز بلحن أشدّ من طائفة الروايات الدالّة على عدم الاستتابة، هي:
الأُولى: ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى:
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ (الأنعام: ١٥٨).
قال (عليه السلام):
«الْآيَاتُ‏ هُمُ‏ الْأَئِمَّةُ، وَالْآيَةُ المُنْتَظَرَةُ هُوَ الْقَائِمُ، فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلِ قِيَامِهِ بِالسَّيْفِ، وَإِنْ آمَنَتْ بِمَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ آبَائِه‏»(٣٩).
الثانية: عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية الآنفة، قال:
«يَعْنِي‏ خُرُوجَ‏ الْقَائِمِ‏ المُنْتَظَرِ مِنَّا»، ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): «يَا أَبَا بَصِيرٍ، طُوبَى لِشِيعَةِ قَائِمِنَا المُنْتَظِرِينَ لِظُهُورِهِ فِي غَيْبَتِهِ، وَالمُطِيعِينَ لَهُ فِي ظُهُورِهِ، أُولَئِكَ أَوْلِيَاءُ اللهِ الَّذِينَ‏ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون‏»(٤٠).
الثالثة: عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى:
﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (السجدة: ٢٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) رجال النجاشي: ٣٦.
(٣٨) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٢٧.
(٣٩) كمال الدين: ١٨.
(٤٠) المصدر السابق: ٣٥٧/ باب ٣٣/ ح ٥٤.

(١٥)

قال (عليه السلام):
«يَوْمُ‏ الْفَتْحِ‏ يَوْمٌ‏ تُفَتَّحُ‏ الدُّنْيَا عَلَى‏ الْقَائِمِ‏ لَا يَنْفَعُ أَحَداً تَقَرَّبَ بِالْإِيمَانِ مَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ مُؤْمِناً، وَبِهَذَا الْفَتْحِ مُوقِناً، فَذَلِكَ الَّذِي يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ، وَيَعْظُمُ عِنْدَ اللهِ قَدْرُهُ وَشَأْنُهُ»(٤١).
الرابعة: ورد في التوقيع الشـريف الصادر عن الإمام المهدي (عليه السلام) إلى الشيخ المفيد (رحمه الله):
«فإنَّ أمرنا بغتةً فجأة حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة»(٤٢).
ومضافاً إلى الروايات المذكورة، ذات المضمون العامّ، توجد روايتان تدلّان على عدم قبول توبة جمعٍ خاصٍّ بعينه من الناس، وفي وضع خاصٍّ أيضاً. والروايتان هما:
الأُولى: عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال:
«... فَإِذَا جَاءَ إِلَى‏ الْبَيْدَاءِ يَخْرُجُ‏ إِلَيْهِ‏ جَيْشُ‏ السُّفْيَانِيِّ، فَيَأْمُرُ اللهُ الْأَرْضَ فَتَأْخُذُ أَقْدَامَهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١) تأويل الآيات الظاهر للأسترآبادي ٢: ٤٤٥. سند هذا الحديث: قال محمّد بن العبّاس: حدَّثنا الحسين بن عامر، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن محمّد بن سنان، عن ابن درّاج.
(٤٢) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٣٣٤.

(١٥)

مَكانٍ قَرِيبٍ * وَقالُوا آمَنَّا بِهِ﴾‏ يَعْنِي بِالْقَائِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام)ـ، ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ...﴾ إلى قوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ يعني أن لا يُعذَّبوا ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني من كان قبلهم من المكذِّبين هلكوا، ﴿إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ (سبأ: ٥١ - ٥٤)»(٤٣).
الثانية: وعنه (عليه السلام) أيضاً:
«يَخْرُجُ‏ الْقَائِمُ‏ فَيَسِيرُ حَتَّى‏ يَمُرَّ بِمُرِّ، فَيَبْلُغُهُ أَنَّ عَامِلَهُ قَدْ قُتِلَ، فَيَرْجِعُ إِلَيْهِمْ، فَيَقْتُلُ المُقَاتِلَةَ وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئاً، ثُمَّ يَنْطَلِقُ فَيَدْعُو النَّاسَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْبَيْدَاءِ، فَيَخْرُجُ جَيْشَانِ لِلسُّفْيَانِيِّ، فَيَأْمُرُ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) الْأَرْضَ أَنْ تَأْخُذَ بِأَقْدَامِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ (عَزَّ وَجَلَ): ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ * وَقالُوا آمَنَّا بِهِ﴾‏ يَعْنِي بِقِيَامِ الْقَائِمِ ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ يَعْنِي بِقِيَامِ قَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ * وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ (٤٤).
والروايتان الأخيرتان تدلّان على عدم قبول توبة جيش السفياني وإظهار ندمهم حين نزول العذاب الإلهي، وهذا المضمون، أي انسداد باب التوبة حين نزول العذاب، ينسجم مع الضابطة الكلّية في باب التوبة.
ومن ثَمَّ، فإنَّ هاتين الروايتين متفاوتتان مع الروايات الأربع الأُوَل، والدالّات على عدم قبول التوبة حين ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، من غير نزول العذاب الإلهي، فلا يمكن اعتبارها من طائفة واحدة.
وعلى هذا الأساس، لا يمكن استنتاج انسداد باب التوبة في زمن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) من خلال قبول انسداد باب التوبة عن جيش السفياني حين تحقّق الخسف في البيداء.
التحقيق السندي في الروايات:
الرواية الرابعة من بين الروايات الأربع الآنفة الذكر، توقيع منسوب إلى الإمام الحجَّة (عليه السلام)، صادر في حقِّ الشيخ المفيد (قدّس سرّه).
وأوَّل من تطرَّق لهذا التوقيع بشكل مفصَّل، هو العلَّامة الطبرسي، من علماء القرن السادس الهجري، يقول (رحمه الله) بأنَّ الذي جاء بالتوقيع، الذي وصل إلى يد الشيخ المفيد في الأيام الأخيرة من شهر صفر لسنة (٤١٦هـ)، يقول بأنَّه استلمه من الناحية المتَّصلة بأرض الحجاز(٤٥).
ثمّ ينقل المرحوم الطبرسي متن التوقيع بدون إشارة إلى سنده، على الرغم من وجود فاصلة زمانية بينه وبين الشيخ المفيد تُقدَّر بحدود قرنين من الزمن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣) تفسير القمّي ٢: ٢٠٥.
(٤٤) تأويل الآيات الظاهرة ٢: ٤٧٨.
(٤٥) الاحتجاج ٢: ٣١٨.

(١٥)

وأمَّا فيما يخصُّ الرواية الثانية، فلا بدَّ من القول بأنَّ مصدر هذه الرواية هو كتاب (تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة) من تأليفات السيد شرف الدين الأسترآبادي، وهو من علماء القرن العاشر، وقد نقله عن كتاب (ما نزل من القرآن في أهل البيت (عليهم السلام))، تأليف محمّد بن عبّاس، المعروف بابن الحجّام.
هذا، مضافاً إلى عدم معرفة طريق المرحوم الأسترآبادي إلى كتاب ابن الحجّام.
وأمَّا محمّد بن سنان، وهو من رواة الحديث، فهو مضعَّف عند علماء الرجال(٤٦).
وعليه، فإنَّ هذه الرواية ضعيفة، وفاقدة لما يستَند إليه من الحجية.
هذا وقد وثَّق علماء الرجال كلَّ رواة الرواية الثانية(٤٧) ما عدا علي بن أبي حمزة البطائني والمظفَّر جعفر بن المظفر العلوي وعلي بن محمّد بن شجاع.
ورواية يونس بن عبد الرحمن، وهو من أجلّاء أصحاب الإمامية، عن علي بن أبي حمزة، وهو من أركان الواقفية(٤٨)، يدلُّ على أنَّ هذه الرواية قد رواها البطائني قبل انحرافه عن الحقِّ. ولذا فإنَّه يظهر عدم إمكان الخدشة برواية علي بن أبي حمزة.
وأمَّا جعفر بن المظفَّر، فعلى الرغم من كونه يعدُّ من مشايخ الصدوق، فلم يرد تصـريح بوثاقته، ولكن وطبقاً لمبنى بعض الأعاظم كالعلَّامة المامقاني، فإنَّ ترحّم الشيخ الصدوق على ابن المظفَّر، يمكن أن يكون دليلاً على حسن حاله(٤٩).
ومع ذلك، فإنَّ المشكلة الأساسية في هذه الرواية تكمن في وجود علي بن محمّد بن شجاع(٥٠) في سندها، حيث لم يرد توثيق في حقِّه.
وأمَّا الرواية الأُولى، فإنَّ الشيخ الصدوق (رحمه الله) ينقلها بسندين(٥١) مختلفين عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦) معجم رجال الحديث ١٧: ١٦٩. على أنَّ الرجل مختلف فيه بين من ضعَّفه ووثَّقه، وهذا خاضع لرؤية وتمامية ما يوجب التضعيف والتوثيق عند الشخص؛ هذا والمؤلِّف ينسب الضعف إلى المعجم وبعد التتبّع والبحث رأينا أنَّ السيِّد يقبل رواية محمّد بن سنان.
(٤٧) سند هذا الحديث: حدَّثنا المظفَّر بن جعفر بن المظفَّر العلوي السمرقندي (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا محمّد بن جعفر بن مسعود وحيدر بن محمّد بن نعيم السمرقندي جميعاً، عن محمّد بن مسعود العياشي، قال: حدَّثني عليّ بن محمّد بن شجاع، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير.
للتحقيق في وثاقة حيدر بن محمّد بن نعيم راجع: رجال الطوسي: ٤٢٠/ الرقم ٦٠٧٣.
للتحقيق في وثاقة محمّد بن مسعود راجع: رجال النجاشي: ٣٥٠/ الرقم ٩٤٤.
للتحقيق في وثاقة محمّد بن عيسى راجع: رجال النجاشي: ٣٣٣/ الرقم ٨٩٦.
للتحقيق في وثاقة يونس بن عبد الرحمن راجع: رجال النجاشي: ٤٤٦/ الرقم ١٢٠٨.
للتحقيق في وثاقة أبي بصير راجع: رجال النجاشي: ٤٤١/ الرقم ١١٨٧.
(٤٨) رجال النجاشي: ٢٤٩/ الرقم ٦٥٦.
(٤٩) أُنظر: قاموس الرجال ١: ٧١.
(٥٠) معجم رجال الحديث ١٣: ١٥٨/ الرقم ٨٤٤٣.
(٥١) كمال الدين: ١٨ و٣٠.

(١٥)

 الحسن بن محبوب(٥٢)، عن علي بن رئاب(٥٣)، عن الإمام الصادق (عليه السلام). وفي أحد السندين - وهو ما نقله في (ص ٣٠) - أحمد بن زياد بن جعفر الحمداني(٥٤)، علي بن إبراهيم(٥٥)، إبراهيم بن هاشم(٥٦)، محمّد بن أبي عمير(٥٧)، والحسن بن محبوب.
وفي السند الثاني، علي بن الحسين بن بابويه(٥٨) [الصدوق الأوَّل]، سعد بن عبد الله(٥٩)، محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب(٦٠)، والحسن بن محبوب.
وهذه الرواية معتبرة بكلا طريقيها، وقد صُرِّح بوثاقة كلِّ رواتها.
وممَّا تقدَّم اتَّضح أنَّ الرواية الأُولى من بين الروايات الأربع لا شكَّ في اعتبار سندها، وأمَّا الرواية الثانية والثالثة والرابعة، فليست معتبرة سنداً.
وبعد دراسة أسانيد هذه الروايات، لا بدَّ من البحث في متونها ومضامينها وكيفية دلالتها على الفرضية التي نحن في صدد دراستها.
ولتوضيح محتوى هذه الروايات، لا بدَّ بداية من ذكر عدَّة أُمور:
١ - إنَّ حديثين اثنين واردان في تفسير الآية الشريفة:
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ (الأنعام: ١٥٨).
وعلى أساس هذه الآية الشـريفة، فإنَّ إيمان طائفتين من الناس لا يقبَل عند ظهور بعض الآيات الإلهية، وبعبارة أُخرى فإنَّ باب التوبة موصودٌ بوجه هؤلاء:
الطائفة الأُولى هم أُولئك الذين لم يكونوا مؤمنين ولكنَّهم أظهروا الإيمان بعد ظهور تلك الآيات الإلهية.
والطائفة الثانية هم أُولئك الذين كانوا مؤمنين قبل إتيان الآيات الإلهية، ولكنَّ صحيفة أعمالهم كانت خالية من الأعمال الصالحة.
فإيمان مثل هاتين الطائفتين لا ينفعهما بعد ظهور تلك الآيات الإلهية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٢) للتحقيق في وثاقته راجع: رجال الطوسي: ٣٣٤/ الرقم ٤٩٧٨.
(٥٣) للتحقيق في وثاقته راجع: الفهرست: ١٥١/ الرقم ٣٧٥.
(٥٤) للتحقيق في وثاقته راجع: خلاصة الأقوال: ٧٠/ باب ٧/ الرقم ٣٧.
(٥٥) للتحقيق في وثاقته راجع: رجال النجاشي: ٢٦٠/ الرقم ٦٨٠.
(٥٦) للتحقيق في وثاقته راجع: خلاصة الأقوال: ٤٩/ باب ١/ الرقم ٩.
(٥٧) للتحقيق في وثاقته راجع: رجال النجاشي: ٣٢٦/ الرقم ٨٨٧.
(٥٨) للتحقيق في وثاقته راجع: رجال النجاشي: ٢٦١/ الرقم ٦٨٤.
(٥٩) للتحقيق في وثاقته راجع: رجال النجاشي: ١٧٦/ الرقم ٤٧٦.
(٦٠) للتحقيق في وثاقته راجع: رجال النجاشي: ٣٣٤/ الرقم ٨٩٧.

(١٥)

والسؤال المهمّ هنا هو: ما هي تلك الآيات الإلهية التي ينسدُّ باب التوبة حين مجيئها؟
وللإجابة عن هذا السؤال يمكننا الاستفادة من بعض الآيات القرآنية الشـريفة، ومن الروايات أيضاً.
ذكر العلَّامة الطباطبائي (قدّس سرّه)، واستناداً إلى تفسير القرآن بالقرآن، ثلاثة مصاديق لـ ﴿بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾، وهي:
١ - الآيات التي تقترن بتبدّل نشأة الحياة، كالموت.
٢ - الآيات المقترنة باستقرار مَلَكَة الكفر والإنكار في النفوس، بنحوٍ يمنعها من قبول الحقِّ.
٣ - العذاب الإلهي(٦١).
وقد ورد في الروايات ذكر بعض المصاديق لهذا المصطلح، مثل طلوع الشمس من المغرب(٦٢)، خروج (دابَّة الأرض)(٦٣) و... إلخ.
مضافاً إلى هذه الموارد، واستناداً إلى الروايتين الآنفتي الذكر عن الإمام الصادق (عليه السلام)، فإنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) هو من مصاديق ﴿بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾، وبظهوره ينسدُّ باب التوبة.
٢ - لم يصـرَّح في الرواية الأُولى بمتعلَّق الإيمان، أي لم يبين أنَّ الإيمان الذي لا يقبَل في زمن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، هو إيمانٌ بأيِّ شـيء؟ هل هو الإيمان بالله تعالى، أو بالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)، أو بالإمام المهدي (عليه السلام)، أو ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ قيامه بالسيف؟ ولكن، وإضافةً إلى دلالة السياق، بقرينة ذيل الرواية «وإن آمنت بمن تقدَّمه من آبائه (عليهم السلام)» يظهر أنَّ المراد من الإيمان في صدر الرواية هو الإيمان بالإمام المهدي (عليه السلام)، إذ حينما يقال بأنَّ إيمان الشخص غير المؤمن وإن كان مؤمناً بآباء المهدي (عليه السلام) لا فائدة منه بعد ظهوره، فإنَّه من الواضح أنَّ هذا الإيمان لا بدَّ أن يكون منسجماً مع الإيمان بآباء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦١) تفسير الميزان ٧: ٣٨٦ و٣٨٧.
(٦٢) التوحيد للصدوق: ٢٦٦.
(٦٣) كمال الدين: ٥٢٧.

(١٥)

المهدي. (عليهم السلام)، ولا شكَّ في أنَّ عدم الإيمان بالله وبرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لا يجتمع مع الإيمان بآباء الإمام المهدي (عليه السلام)، فلا يعقَل أن يؤمن شخصٌ بآباء المهدي (عليهم السلام) ولا يؤمن بالله وبرسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم).
وبناءً على ذلك، فإنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) هو متعلَّق الإيمان في هذه الرواية، أي إنَّ الإيمان به بعد ظهوره لمن لم يكن مؤمناً به قبل ظهوره لا فائدة منه، حتَّى لو كان مؤمناً بآبائه الكرام (عليهم السلام) جميعاً، ومن هنا فإنَّ ظهور الإمام (عليه السلام) يعني انسداد باب التوبة في وجه طائفتين من الناس:
الأُولى: من لم يكن مؤمناً بالإمام المهدي (عليه السلام) حتَّى لو كان مؤمناً بآبائه (عليهم السلام) ومعتقداً بإمامتهم ووصايتهم.
الثانية: من كان مؤمناً بالإمام المهدي (عليه السلام)، ولكنَّه لم يعمل الصالحات طبقاً لهذا الإيمان.
وبناءً على هذا التفسير، فإنَّ الشيعة المؤمنين بإمامة حضـرة صاحب الأمر (عليه السلام)، والذين يوجد في صحيفة أعمالهم ما هو خيرٌ وصلاح وما هو غير الصلاح والخير، وبتعبير القرآن الكريم: ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ (التوبة: ١٠٢)، لا يكونون مشمولين بهذه الرواية، فتُقبَل توبتهم في زمن الظهور أيضاً.
والنتيجة هي أنَّ باب التوبة سيكون مسدوداً بوجه ثلاث طوائف من الناس:
١ - غير المسلمين.
٢ - غير الشيعة.
٣ - الشيعة الذين لم يكن لهم أعمال صالحة.

وأمَّا في الحديث الثاني، والذي هو على خلاف الحديث الأوَّل الذي توسَّع في متعلَّق الإيمان بالقياس إلى القرآن، فقد سكت عن بيان متعلَّق الإيمان، ولذا فإنَّ متعلَّق الإيمان في هذا الحديث هو نفس متعلَّق الإيمان الوارد في الآية

(١٥)

المباركة، والذي يظهر أنَّه الإيمان بالله تعالى. وبطبيعة الحال، فإنَّ الإيمان بالله تعالى بدون الإيمان بالنبوَّة والمعاد، لا معنى له.
وعليه، وطبقاً لهذا الحديث فإنَّ إيمان الكافرين والمؤمنين غير العاملين في زمن الظهور لن يجديهم نفعاً، وسيكون معنى الرواية هو أنَّه يوم يأتي بعض آيات ربِّك، أي القائم المنتظر (عليه السلام) عندما يخرج، لن ينفع نفساً إيمانها، إذ لم تكن مؤمنة بالله من قبل، أو كانت مؤمنة ولم تأتِ بعمل صالح منبثق من إيمانها.
والفارق بين هذه الرواية وسابقتها، في انتفاع المؤمنين من غير الشيعة، فطبقاً للحديث الأوَّل لن يكون لإيمان هؤلاء يوم الظهور نفع وفائدة تُرتجى، وأمَّا طبقاً للحديث الثاني فإنَّ إيمان هؤلاء سينفعهم ما دامت صحيفة أعمالهم تحوي على الأعمال الصالحة، فيكون باب الإيمان مفتوحاً لهم، إذ لم يكونوا من الكافرين، ولا من المؤمنين غير العاملين.
وأمَّا الحديث الثالث فهو كالحديث الثاني، غير أنَّ الآية التي ورد هذا الحديث في تفسيرها ناظرة إلى الكفّار لا إلى المؤمنين غير العاملين.
وعليه، واستناداً إلى هذه الرواية سيكون باب التوبة مسدوداً زمن الظهور بوجه الكافرين فقط، فلا ينفعهم إيمانهم.
وفي الحديث الرابع، لم يرد كلامٌ في عدم نفع الإيمان، فلا تصل النوبة إلى تحليل متعلق الإيمان حينئذٍ، فهي سالبة بانتفاء الموضوع، بل ورد الكلام فيها صراحةً بانسداد باب التوبة زمن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، والذنب مطلق في الرواية، وهو يشمل الكفر والشرك وغيرها من الذنوب.
وعليه، فمن مجموع الروايات المذكورة يظهر أنَّ هناك اتِّفاقاً على عدم قبول إيمان الكافرين في عصر الظهور.
وفي الحديث الأوَّل والثاني والرابع أُضيف إلى الكفر، الإيمان غيرُ المقترن بالعمل الصالح، كما أنَّ الحديث الأوَّل يتضمَّن مضموناً مختصّاً به وهو عدم

(١٥)

فائدة إيمان المؤمنين من غير الشيعة. كما أنَّ الحديث الرابع يتضمَّن هو الآخر مضموناً مختصّاً به وهو عدم فائدة التوبة وقبولها، حتَّى لو كان المذنب شيعياً وخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
والنتيجة هي قبول الأحاديث الثلاثة بدليل تكرار مضامينها ووثاقة رواتها، مع غضِّ النظر عن الإشكالات التي سنذكرها لاحقاً، وعدم قبول المضمون الاختصاصي للحديث الأخير لضعف سنده.
٣ - والأمر الآخر الذي سيساعدنا بيانه على الفهم الأكبر لمعنى الحديث، هو مفهوم عدم قبول الإيمان، أو بتعبير آخر: انسداد باب التوبة.
فكما تقدَّم آنفاً، فإنَّ الروايتين الأُولتين كانتا في صدد تفسير قوله تعالى:
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ (الأنعام: ١٥٨).
ففي هذه الآية الشـريفة، وعلى الرغم من التصـريح بانسداد باب التوبة لغير المؤمنين وللمؤمنين غير العاملين حين ظهور ومجيء بعض الآيات الإلهية، إلَّا أنَّه لم يصرَّح بمصير هؤلاء الأفراد.
ولكن وعلى الرغم من عدم وجود مثل هذا التصـريح، وعلى الرغم من أنَّ انسداد باب التوبة يختلف عقلاً عن نزول العذاب، إلَّا أنَّ هذين الأمرين جُعلا متلازمين في الآية الشـريفة، فكأنَّ انسداد باب التوبة يلازم نزول العذاب وقلع جذور غير المؤمنين والمؤمنين غير العاملين من على وجه الأرض.
وبتعبير آخر: عندما يتحدَّث القرآن الكريم عن عدم نفع مثل هذا الإيمان الحاصل زمن الظهور، فإنَّ ذلك لا يعني أن يترك هؤلاء الأشخاص يمارسون حياتهم اليومية كما يشاؤون وإنْ لم تُقبَل توبتهم، لأنَّ هذه الآية نازلة في مقام التهديد، ومجرَّد عدم قبول إيمانهم بالمبدأ والمعاد لا يعتَبر تهديداً حقيقياً مؤثّراً فيهم، فلابدَّ أن يكون هناك أمر وراء عدم قبول الإيمان من هؤلاء المؤمنين

(١٥)

غير العاملين ومن غير المؤمنين بعد ظهور بعض العلامات والآيات الإلهية، وليس ذلك إلَّا نزول العذاب الإلهي العظيم واقتلاعهم من على وجه الأرض وتطهيرها منهم.
يقول العلَّامة الطباطبائي (قدّس سرّه) في هذا السياق:
(ومن هنا يظهر أنَّ الآية تتضمَّن تهديداً جدّياً لا تخويفاً صورياً...)(٦٤).
وكما جاء في الرواية الثالثة في تفسير هذه الآية الشريفة، من أنَّ انسداد باب التوبة وإنزال العذاب يحصلان معاً جنباً إلى جنب:
﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (السجدة: ٢٩).
وعليه، واستناداً إلى الروايات المذكورة، فإنَّ ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) هو من مصاديق ﴿بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ وإنَّ ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ هو يوم ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، ولذا فإنَّ غير المؤمنين والمؤمنين غير العاملين لا ينفعهم إيمانهم يوم الظهور، وسيصيبهم العذاب الإلهي على يد جيش الإمام المهدي (عليه السلام).
٤ - وفي قبال فرضية انسداد باب التوبة في زمن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) توجد إثارة وإشكالية تقول: استناداً إلى آيات القرآن الكريم وإلى كلمات الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)، وطبقاً للأصل العقلي القائل بـ (قبح العقاب بلا بيان)، فإنَّ العذاب الإلهي لن يصيب أحداً إلَّا بعد إظهار الحقيقة له وبعد إتمام الحجَّة عليه، وتمرّده عن عنادٍ أو إصرار.
يقول القرآن الكريم في هذا السياق:
﴿وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الإسراء: ١٥).
ويقول في موضع آخر:
﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً﴾ (طه: ١٣٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٤) تفسير الميزان ٧: ٣٨٨.

(١٦)

وعلى هذا الأساس، إنَّما يصحُّ اعتبار ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) نهاية لأمد الفرصة المتاحة لمعتقدي الأديان المنسوخة، والنحل والملل المنحرفة، فيما لو حصل في عصـر الغيبة ما يلقي الحجَّة عليهم، ووصول نداء الإسلام الحقيقي إلى أسماع كلِّ العالم، فهل أنَّ مثل هذا الإبلاغ وإتمام الحجَّة على كلِّ أفراد البشر قد تمَّ قبل الظهور؟
وللإجابة عن هذا السؤال يمكن القول:
نظراً للتطوّر العلمي والقفزة الكبيرة في عالم التكنولوجيا والإعلام، ونفوذ وسائل الإعلام الحديثة في كلِّ أنحاء العالم، والإقبال الواسع على هذه الوسائل من جهة، وبداية النهضة العلمية في عالم الإسلام والاقتناع بضـرورة استغلال الفرص المناسبة المتاحة في عصـر انفجار المعلومات لترويج وتبيين المعارف الإسلامية الأصيلة من جهة أُخرى، لا يبعد أن يقال بأنَّ أصل إمكان قيام الحجَّة على جميع أفراد البشـر بات متاحاً في المستقبل القريب، خاصَّة وأنَّ التطوّر العلمي في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي ينمو يوماً بعد يوم، فاختراع وإنتاج التقنية المتطوّرة بشكل متسارع أصبح من سمات عالمنا المعاصر، ممَّا ييسِّر للجميع التعرّف على الحقائق يوماً بيوم، إلى درجة يصعب معها تصوّر ما سيطالعنا في الغد القريب من وسائل متطوّرة وحديثة، فقد نصحوا ذات يوم لنشاهد بعض وسائل الإبلاغ والإعلام التي لم نكن نتخيلها، قد تحقَّقت وهي في متناول أيدينا.
إذن، فواقعيات عالمنا المعاصر لا تنفي الإمكان الثبوتي لسماع نداء الإسلام الأصيل من قِبَل كلِّ فردٍ فردٍ من أفراد البشرية في كلِّ أنحاء العالم، ممَّا يعني إمكان إقامة الحجَّة عليهم.
أضف إلى ذلك، أنَّ بعض الروايات والأحاديث قد تطرَّقت إلى تحقُّق هذا الأمر في آخر الزمان، وهذه الأحاديث حتَّى لو كانت قابلة للخدشة في

(١٦)

 أسانيدها - وهو ما يجب دراسته بشكل مستقلّ في محلِّه - ولكنَّها كافية لقبول ذلك الإمكان الثبوتي الذي يؤيد الدعوى محلّ النزاع.
ومن جملة هذه الأحاديث ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام):
«سَتَخْلُو كُوفَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَيأزر عَنْهَا الْعِلْمُ كَمَا تأزر الحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا، ثُمَ‏ يَظْهَرُ الْعِلْمُ‏ بِبَلْدَةٍ يُقَالُ‏ لَهَا: قُم، وَتَصِيرُ مَعْدِناً لِلْعِلْمِ وَالْفَضْلِ، حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مُسْتَضْعَفٌ فِي الدِّينِ حَتَّى المُخَدَّرَاتُ فِي الْحِجَالِ، وَذَلِكَ عِنْدَ قُرْبِ ظُهُورِ قَائِمِنَا، فَيَجْعَلُ اللهُ قُمَّ وَأَهْلَهُ قَائِمِينَ مَقَامَ الحُجَّةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَسَاخَتِ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا وَلَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ حُجَّةٌ، فَيُفِيضُ الْعِلْمُ مِنْهُ إِلَى سَائِرِ الْبِلَادِ فِي المَشْـرِقِ وَالمَغْرِبِ، فَيَتِمُّ حُجَّةُ اللهِ عَلَى الخَلْقِ، حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَبْلُغْ إِلَيْهِ الدِّينُ وَالْعِلْمُ، ثُمَّ يَظْهَرُ الْقَائِمُ، وَيَسِيرُ (يصير ن.خ) سَبَباً لِنَقِمَةِ اللهِ وَسَخَطِهِ عَلَى الْعِبَادِ، لِأَنَّ اللهَ لَا يَنْتَقِمُ مِنَ الْعِبَادِ إِلَّا بَعْدَ إِنْكَارِهِمْ حُجَّةً»(٦٥).
كان ما تقدَّم بياناً لنظرية انسداد باب التوبة عند ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، حيث ذكرنا مستندات هذا الرأي مع التحقيق السنديّ في الروايات، وحاولنا بيان هذه النظرية بأحسن وجه ممكن.
وهنا تصل النوبة إلى نقد هذه النظرية، فنقول:
على الرغم من أنَّ عدداً من الروايات تؤيد فرضية انسداد باب التوبة في عصـر ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، إلَّا أنَّ الأدلَّة الكثيرة قائمة على تضعيف هذه الفرضية، وهذه الأدلَّة هي:
١ - ورد في عدد كثير من الروايات ما يدلُّ على بقاء باب التوبة مفتوحاً في عصـر الظهور، وهذه الروايات التي ذكرناها مفصَّلاً، في دراستنا للفرضية الأُولى، تعارض صراحةً نظرية انسداد باب التوبة في عصر الظهور.
٢ - إنَّ هذه الفرضية تعارض الآيات القرآنية والروايات التي تُحدِّد الضابطة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٥) بحار الأنوار ٥٧: ٢١٣/ ح ٢٣.

(١٦)

الكلّية لقبول وعدم قبول التوبة، والتي على أساسها مُنِحَت الفرصة وحقّ التوبة للجميع ما لم ينزل العذاب الإلهي أو تظهر علامات الموت.
ولحلِّ هذا التعارض يمكن ادِّعاء التخصيص، بأن يقال باستثناء أُناس عصـر الظهور من ذلك العموم القائل ببقاء فرصة التوبة وقبول الإيمان ما لم ينزل العذاب الإلهي أو تظهر أمارات الموت.
ولكن هذه الآيات هي في مقام بيان الضابطة الكلّية لشـرائط قبول التوبة، أي إنَّها تُبين المعيار في كلِّ الموارد، فهي شاملة لأُناس عصـر الظهور أيضاً، ومن هنا - وبحسب الاصطلاح - فإنَّ هذه الآيات تأبى التخصيص، بل لا يمكن إبداء توجيه معقول ومنطقي لفرضية بقاء حقِّ التوبة محفوظاً لكلِّ البشـر ما لم تظهر علامات الموت أو ينزل العذاب الإلهي ما عدا التائبين في عصـر الظهور فيحرَمون من هذا الحقّ.
ولعلَّ هذا هو الذي دعا العلَّامة الطباطبائي (قدّس سرّه)، على الرغم من كونه يميل إلى انسداد باب التوبة حين طلوع الشمس من المغرب، إلى القول بأنَّ انسداد باب التوبة في زمن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) غير واضح(٦٦).
٣ - الإشكال الآخر على هذه الفرضية مورد البحث، هي أنَّها معارضة للروايات التي تدلُّ على انسداد باب التوبة عند طلوع الشمس من مغربها.
وتوضيح ذلك بأن نقول: ورد في كثير من الروايات المنقولة في المصادر المعتبرة عند الشيعة والسُّنَّة على حدٍّ سواء، بأنَّ الشمس ستشـرق من مغربها في آخر الزمان، فإذا تحقَّقت هذه الظاهرة لم ينتفع بإيمانه من لم يكن مؤمناً قبل تحقُّقها، أي إنَّ باب التوبة سينسدُّ عند تحقّق هذه الآية.
ومن جملة الروايات الدالَّة على ذلك، ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال:
«بَعَثَ اللهُ مُحَمَّداً بِخَمْسَةِ أَسْيَافٍ، ثَلَاثَةٌ مِنْهَا شَاهِرَةٌ، فَلَا تُغْمَدُ حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزارَها، وَلَنْ‏ تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزارَها حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٦) تفسير الميزان ٧: ٣٩٢.

(١٦)

 فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَيَوْمَئِذٍ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ (الأنعام: ١٥٨)...»(٦٧).
وروى مسلم النيشابوري عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم)، قال:
«ثلاث إذا خرجن ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾: طلوع الشمس من مغربها، والدجّال، ودابَّة الأرض»(٦٨).
يقول العلَّامة الطباطبائي في هذا الخصوص:
(أقول: والظاهر أنَّ الرواية من قبيل الجري، وكذا ما تقدَّم من الروايات، ويمكن أن يكون من التفسير، وكيف كان فهو يوم تظهر فيه البطشة الإلهية التي تُلجئ الناس إلى الإيمان ولا ينفعهم. وقد ورد طلوع الشمس من مغربها في أحاديث كثيرة جدّاً من طرق الشيعة عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) ومن طرق أهل السُّنَّة عن جمع من الصحابة... و إن اختلفت في مضامينها اختلافاً فاحشاً.
والأنظار العلمية اليوم لا تمنع تبدّل الحركة الأرضية على خلاف ما هي عليه اليوم من الحركة الشـرقية أو تبدّل القطبين بصيرورة الشمالي جنوبياً وبالعكس إمَّا تدريجاً كما يُبيِّنه الأرصاد الفلكية أو دفعةً لحادثة جوّية كلّية، هذا كلّه إن لم يكن الكلمة رمزاً أُشير بها إلى سـرٍّ من أسرار الحقائق)(٦٩).
وبيان التعارض الظاهري بين هاتين الطائفتين من الروايات هو أن يقال:
أوَّلاً:
بالأدلَّة التي ذُكِرَت في محلِّها، فإنَّ ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) يختلف عن طلوع الشمس من المغرب، فلا يمكننا اعتبارهما ظاهرة واحدة.
ثانياً: أنَّ ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) سابق على طلوع الشمس من المغرب، لأنَّ طلوع الشمس من مغربها هو أحد علامات قيام الساعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٧) أُصول الكافي ٥: ١٠/ ح ٢.
(٦٨) صحيح مسلم: ٢١.
(٦٩) تفسير الميزان ٧: ٣٩١.

(١٦)

وعلى هذا الأساس، إذا قلنا بانسداد باب التوبة حين ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) لم يكن هناك معنى لانسداد باب التوبة فيما بعد، أي حينما تطلع الشمس من المغرب، وإن كانت الفرصة باقية لتوبة الناس حتَّى طلوع الشمس من المغرب، فإنَّ ذلك يعني بقاء هذا الباب مفتوحاً من حين الظهور إلى حين طلوع الشمس من مغربها.
إذن، فلا يمكن قبول القول بانسداد باب التوبة في عصـر الظهور وحين طلوع الشمس من المغرب معاً.
وللجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات، قد يقال بأنَّ ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) سيكون بداية انسداد باب التوبة للمنحرفين إبّان عصـر الغيبة، وفي ظلِّ حكومة الإمام المهدي (عليه السلام) ورجعة الأئمَّة (عليهم السلام) سيكلَّف الناس بتكاليف وأحكام، وسيكون هناك ثواب وعقاب، وسيكون هناك متمرِّدون ومطيعون، فيكون باب التوبة مفتوحاً للمنحرفين منهم حتَّى تطلع الشمس من المغرب، فينسدُّ باب التوبة على هؤلاء العاصين في زمن الظهور والرجعة.
ولكنَّ قبول مثل هذه الرؤى يعني قبول التمييز بين من يكون في عصـر الغيبة الكبرى وبين من يكون في زمن الظهور فيكون الأمر أشدّ على أُناس عصـر الغيبة، مع أنَّهم لا يرون إمام زمانهم، وأمَّا أُولئك الذين يكونون في عصـر الظهور ويشاهدون أئمَّتهم ويلتقون بهم ويستمعون إليهم فسيكون حالهم أقلّ وطأةً ومشقَّةً.
وتوضيح ذلك هو: أنَّ الأشخاص الذي يعيشون في عصـر الغيبة ولا يرون إمامهم ولا تشملهم ألطاف هدايته وتربيته بصورة ظاهرة، سيكون حكمهم أشقّ وأصعب من أُولئك الذين يولدون في عصر الظهور والرجعة ويعيشون في الظلِّ الظاهري لإمام زمانهم وأئمَّتهم، فإذا انسدَّ باب التوبة على المنحرفين من الطائفة الأُولى حين الظهور، وبقي مفتوحاً للطائفة الثانية عند الظهور، حتَّى لو

(١٦)

كانوا من المعاندين لإمامهم ومن المصـرّين على الذنوب والمعاصي، فهذا يعني أنَّ الحكم على الطائفة الأُولى أشقّ من الحكم على الثانية، مع أنَّ العكس هو الأنسب، بسبب وجود الإمام (عليه السلام) ظاهراً فيهم.
ولذا، فإنَّ الروايات التي تذهب إلى انسداد باب التوبة عند طلوع الشمس من المغرب تعارض الروايات القائلة بانسداد باب التوبة حين ظهور الإمام المهدي (عليه السلام).
٤ - ونقدنا الأخير لهذه الفرضية، هو أنَّ سدَّ باب التوبة يلازم رفع التكليف عن هؤلاء، إذ لا يعقَل تكليف الإنسان بأداء التكاليف كطاعة الأوامر الإلهية وترك المحرَّمات، ومن جملة التكاليف التكليف بالتوبة وإصلاح ما فات، ثمّ يقال له: إنَّ توبتك مردودة وغير مقبولة.
ومن جملة القرائن على التلازم بين انسداد باب التوبة وبين رفع التكاليف، هو أنَّ السـرَّ في انسداد باب التوبة عند نزول العذاب أو ظهور أمارات الموت، هو أنَّ هذا الإيمان عن اضطرار وخوف وبدون إرادة حقيقية، لذا فهو إيمانٌ غير نافع ولا قيمة له، ومع خروج الإنسان عن حالة الاختيار والإرادة ينتهي التكليف.
يقول العلَّامة الطباطبائي في تفسيره للآية (١٧ و١٨) من سورة النساء:
(التوبة هي رجوع العبد إلى الله سبحانه بالعبودية، فيكون توبته تعالى أيضاً قبول هذا الرجوع، ولا معنى للعبودية إلَّا مع الحياة الدنيوية التي هي ظرف الاختيار وموطن الطاعة والمعصية، ومع طلوع آية الموت لا اختيار تتمشّى معه طاعة أو معصية)(٧٠).
وحاصل الكلام هو أنَّ انسداد باب التوبة يلازم رفع التكاليف، وهذا يؤول بنا إلى القول بأنَّ الذين يتوبون في زمن الظهور فلا تُقبَل توبتهم تسقط عنهم التكاليف الشرعية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٠) تفسير الميزان ٤: ٢٤١.

(١٦)

ومن جهة أُخرى، وبشهادة عدد من الروايات، فإنَّ غير الشيعة الذين ينسدُّ عليهم باب التوبة وتسقط عنهم التكاليف الشـرعية، سيكونون موجودين في عصـر الظهور وحكومة الإمام المهدي (عليه السلام)، أي إنَّ الكثير من الناس في عصـر الظهور، وعلى الرغم من سقوط التكاليف عنهم سينعمون بنعمة العيش الطبيعي في ظلِّ حكومة العدل الإلهي المهدوية، والحال وطبقاً لأُصول الشـريعة المسلَّمة، أنَّ أفراد البشـر لا بدَّ أن يكونوا مكلَّفين بأداء الفرائض وترك المحرَّمات ما داموا على قيد الحياة.
وعليه، فإنَّ الروايات إذا كانت تتحدَّث عن وجود أفراد البشـر الفاجرين من غير الشيعة في دور حكومة الإمام المهدي (عليه السلام)، فإنَّ ذلك يعني أنَّ باب التوبة ليس مسدوداً عليهم في زمن ظهور الإمام (عليه السلام)، وهذه الروايات هي:
١ - في رواية صحيحة عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال:
«... كُلُّ‏ مَا فِي‏ أَيْدِي‏ شِيعَتِنَا مِنَ‏ الْأَرْضِ‏، فَهُمْ فِيهِ مُحَلَّلُونَ حَتَّى يَقُومَ قَائِمُنَا، فَيَجْبِيَهُمْ طَسْقَ‏ مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَيَتْرُكَ الْأَرْضَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَمَّا مَا كَانَ فِي أَيْدِي غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ كَسْبَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَقُومَ قَائِمُنَا، فَيَأْخُذَ الْأَرْضَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَيُخْرِجَهُمْ صَغَرَة»(٧١).
٢ - وفي رواية معتبرة، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال:
«... الْأَرْضُ كُلُّهَا لَنَا، فَمَنْ‏ أَحْيَا أَرْضاً مِنَ‏ المُسْلِمِينَ‏ فَلْيَعْمُرْهَا، وَلْيُؤَدِّ خَرَاجَهَا إِلَى الْإِمَامِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، وَلَهُ مَا أَكَلَ مِنْهَا... حَتَّى‏ يَظْهَرَ الْقَائِمُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي بِالسَّيْفِ، فَيَحْوِيَهَا، وَيَمْنَعَهَا، وَيُخْرِجَهُمْ مِنْهَا كَمَا حَوَاهَا رَسُولُ اللهِ وَمَنَعَهَا إِلَّا مَا كَانَ فِي أَيْدِي شِيعَتِنَا»(٧٢).
وهذه الأحاديث ناظرة إلى نحو مواجهة الإمام المهدي (عليه السلام) للشيعة في زمان تثبيت حكومته، لأنَّ تنظيم وترتيب الأُمور الاقتصادية للمجتمع، واسترداد الأراضي المغصوبة، وفرض الضـرائب المالية والغرامات، غير ممكن للحكومة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧١) الكافي ١: ٤٠٨/ ح ٣. سند هذا الحديث: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد.
للتحقيق في وثاقة محمّد بن يحيى راجع: رجال النجاشي: ٣٥٣/ الرقم ٩٤٦.
للتحقيق في وثاقة أحمد بن محمّد راجع: رجال النجاشي: ٨١ و٨٢/ الرقم ١٩٨.
للتحقيق في وثاقة ابن محبوب راجع: رجال الطوسي: ٣٣٤/ الرقم ٤٩٧٨.
للتحقيق في وثاقة عمر بن يزيد راجع: رجال الطوسي: ٣٣٩/ الرقم ٥٠٤٦.
(٧٢) الكافي ١: ٤٧. سند هذا الحديث: محمّد بن يحيى، عن أحمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبي خالد الكابلي.
للتحقيق في وثاقة هشام بن سالم راجع: رجال النجاشي: ٤٣٤/ الرقم ١١٦٥.
للتحقيق في وثاقة أبي خالد الكابلي راجع: طرائف المقال ٢: ٤٥/ الرقم ٦٩٥٠.

(١٦)

المتزلزلة الفاقدة للقدرة والصلابة والاستحكام، فالروايات ليست ناظرة إلى أوائل عصـر الظهور ونهضة الإمام المهدي العالمية، بل هي في صدد بيان تقرير شامل عن إنجازات الإمام المهدي (عليه السلام) بعد تثبيت أركان حكومته العالمية.
ومنه نستنتج أنَّ هذه الروايات تدلُّ على وجود غير الشيعة، وعلى أقلّ التقادير في بعض مقاطع زمن ثبات حكومة الإمام المهدي (عليه السلام)، ومن هنا لا يمكننا اعتبار زمان ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) بداية انسداد باب التوبة وزمان اقتلاع جذور المنحرفين.
ورُوي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال:
«يجمع[أ ي عيسى] الكتب‏ من‏ أنطاكية حتَّى يحكم بين أهل المشـرق والمغرب، ويحكم بين أهل التوراة في توراتهم، وأهل الإنجيل في إنجيلهم، وأهل الزبور في زبورهم، وأهل الفرقان بفرقانهم‏»(٧٣).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال:
«إِنَّمَا سُمِّيَ‏ المَهْدِيُ‏ مَهْدِيّاً لِأَنَّهُ‏ يُهْدَى‏ إِلَى‏ أَمْرٍ خَفِيٍّ، وَيَسْتَخْرِجُ التَّوْرَاةَ وَسَائِرَ كُتُبِ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) مِنْ غَارٍ بِأَنْطَاكِيَةَ، وَيَحْكُمُ بَيْنَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ بِالتَّوْرَاةِ، وَبَيْنَ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ بِالْإِنْجِيلِ، وَبَيْنَ أَهْلِ الزَّبُورِ بِالزَّبُورِ، وَبَيْنِ أَهْلِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآن‏»(٧٤).
وهاتان الروايتان تدلّان أيضاً على وجود غير المسلمين في عصـر تثبيت أركان الدولة المهدوية المباركة، لأنَّ الحكم بين أهل المشـرق والمغرب، يعني وجود حكومة تسيطر على شرق وغرب العالم، كما أنَّ حكم الإمام المهدي (عليه السلام) في معتقدي الأديان الأُخرى، لايتاح إلَّا في ظلِّ تشكيل حكومة عالمية شاملة يذعن الجميع لسلطانها.
وممّا تقدَّم يتَّضح وجود رؤيتين في خصوص ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، وطبقاً للرؤية الأُولى، والتي تتطابق مع الضابطة الكلّية للتوبة في القرآن الكريم، فإنَّه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٣) معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) ١:٥٣١.
(٧٤) الغيبة للنعماني: ٢٣٧/ باب ١٣/ ح ٢٦.

(١٦)

مع ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، تبدأ خطوات السير في طريق السعادة، ويبدأ زمن جبران النواقص الروحية عند أفراد البشـر التائهين الضالّين عن الحقيقة.
والرؤية الثانية، ترى أنَّ ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) يكون بداية لانسداد باب التوبة وانتهاء زمن الفرصة التي كانت متاحة للبشرية قبل الظهور.
وهاتان الرؤيتان، اللّتان ورد مضمونهما في الروايات المعتبرة متعارضتان، فمضمون كلِّ منهما ينفي مضمون الأُخرى.
فماذا نفعل لحلِّ هذا التعارض الموجود في هاتين الطائفتين من الروايات؟
هناك طريقان لحلِّ هذا التعارض:
الطريق الأوَّل:
جاء في الحديث الأوَّل، والذي يمتاز بسند أفضل من أسانيد الروايات الثلاث الأُخريات: أنَّ إيمان الذين لم يؤمنوا قبل قيام الإمام المهدي (عليه السلام) بالسيف، والذين لم يكسبوا خيراً في إيمانهم، لا نفع فيه ولا فائدة لهم منه.
ويمكن توضيح هذا الحديث بأن يقال: إنَّ هناك فرقاً بين مرحلة ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ومرحلة قيامه بالسيف، فمرحلة الظهور، وهي مرحلة الهداية وتنوير الأفكار وإقامة الحجج، متقدِّمة على مرحلة القيام بالسيف.
﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (الأنفال: ٤٢).
وعليه، ففي مرحلة التنوير ستتمركز كلُّ جهود الإمام المهدي (عليه السلام) حول الدعوة والهداية، وفي نهاية هذه المرحلة تبدأ مرحلة التصنيف وفصل أتباع الحقِّ عن أتباع الباطل ومرحلة المواجهة بين هذين الخطّين.
وفي هذه المرحلة سيشهِر الإمام المهدي (عليه السلام) سيفه على أُولئك الذين لم تنفع معهم أساليب التنوير والهداية لإرجاعهم إلى جادَّة الحقِّ. فيرتدعون حينما يشاهدون بريق سيف المهدي (عليه السلام) فيظهِرون الإيمان. وهذا الإيمان هو إيمان غير واقعي، ناتج عن خوف حدِّ السيف، فهو مجرَّد تظاهر بالإيمان، لأنَّ سبل الهداية في عصـر الظهور ومرحلة الهداية والتنوير قد استنفذت لإفهامهم الحقائق،

(١٦)

فإصرارهم على الباطل مع وجود هذه الأرضية المناسبة ثمّ انقلابهم وإظهار الإيمان حينما لاحت لهم مشهورات السيوف، يدلُّ على أنَّ هذا الانقلاب ليس انقلاباً واقعياً، وأنَّ توبتهم ليست توبة حقيقية.
ومن الواضح أنَّ عدم قبول تظاهرهم بالإيمان وعدم قبول توبتهم الظاهرية الاضطرارية، هو من خصائص وميزات عصـر ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ومرحلة القيام بالسيف، فمنذ عصـر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وإلى نهاية زمن الغيبة، كان التعامل مع أُولئك الذين يظهِرون الإسلام والإيمان، كالتعامل مع المسلمين، فتكون أحوالهم وأنفسهم مصانة وليست مهدورة.
ومضافاً إلى الرواية المذكورة، فإنَّ هناك أدلَّة أُخرى يمكن إقامتها لإثبات هذا المطلب، منها الرواية المعتبرة عن الإمام الباقر (عليه السلام) حيث جاء فيها:
«وَيْحَ‏ هَذِهِ‏ المُرْجِئَةِ إِلَى‏ مَنْ‏ يَلْجَؤُونَ غَداً إِذَا قَامَ قَائِمُنَا؟»، قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: لَوْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي الْعَدْلِ سَوَاءٌ، فَقَالَ: «مَنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ أَسَرَّ نِفَاقاً فَلَا يُبْعِدُ اللهُ غَيْرَه‏»(٧٥).
يقول العلَّامة الطباطبائي، بعد بيان فلسفة الجهاد، والذي هو في الواقع يعود إلى الدفاع عن حقِّ الحياة للإنسانية، وأنَّ الشرك بالله يعتَبر هلاك الإنسانية وموت الفطرة:
(ومن هناك يستشعر الفَطِن اللبيب: أنَّه ينبغي أن يكون للإسلام حكم دفاعي في تطهير الأرض من لوث مطلق الشـرك وإخلاص الإيمان لله سبحانه وتعالى، فإنَّ هذا القتال الذي تذكره الآيات المذكورة إنَّما هو لإماتة الشـرك الظاهر من الوثنية، أو لإعلاء كلمة الحقِّ على كلمة أهل الكتاب بحملهم على إعطاء الجزية، مع أنَّ آية القتال معهم تتضمَّن أنَّهم لا يؤمنون بالله ورسوله ولا يدينون دين الحقِّ، فهم وإن كانوا على التوحيد لكنَّهم مشـركون بالحقيقة مستبطنون ذلك، والدفاع عن حقِّ الإنسانية الفطري يوجب حملهم على الدين الحقِّ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٥) المصدر السابق: ٢٣٨/ باب ١٥/ ح ١.

(١٧)

والقرآن وإن لم يشتمل من هذا الحكم على أمر صريح لكنَّه يبوح بالوعد بيوم للمؤمنين على أعدائهم لا يتمُّ أمره إلَّا بإنجاز الأمر بهذه المرتبة من القتال، وهو القتال لإقامة الإخلاص في التوحيد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْـرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣)، وأظهر منه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥)، و أصرح منه قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضـى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْـرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ (النور: ٥)، فقوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ يعني به عبادة الإخلاص بحقيقة الإيمان، بقرينة قوله تعالى: ﴿لا يُشْـرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾، مع أنَّه تعالى يعدُّ بعض الإيمان شركاً، قال تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْـرِكُونَ﴾ (يوسف: ١٠٦)، فهذا ما وعده تعالى من تصفية الأرض وتخليتها للمؤمنين يوم لا يُعبَد فيه غير الله حقّاً»(٧٦).
وبناءً على هذه التوضيحات المذكورة، فإن قلنا بأنَّ انسداد باب التوبة إنَّما يكون في مرحلة القيام بالسيف، لا في مرحلة الهداية والتنوير، فإنَّ التعارض بين الروايات سيزول، وستحظى رؤية انسداد باب التوبة بالجواب المناسب، وذلك:
١ - إنَّ مجموعة الأحاديث التي تدلُّ على بقاء باب التوبة مفتوحاً في عصـر الظهور وسعي الإمام المهدي (عليه السلام) لهداية أفراد الإنسان، ستكون ناظرة إلى مرحلة الهداية والتنوير، وأمَّا انسداد باب التوبة فسيكون من شؤون مرحلة القيام بالسيف، فلا تعارض بين الطائفتين من الروايات.
٢ - طبقاً للضابطة الكلّية للتوبة في القرآن الكريم، فإنَّ التوبة الحقيقية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٦) تفسير الميزان ٢: ٦٦.

(١٧)

ستكون مقبولة بلا قيد أو شرط، وعدم قبول التوبة حين ظهور علامات العذاب الإلهي أو علامات الموت، إنَّما هو بسبب عدم كون التوبة توبة واقعية حقيقية.
والروايات التي تذهب إلى انسداد باب التوبة في عصـر الظهور، تنسجم مع هذا المعيار، وذلك لأنَّ سيف الإمام المهدي (عليه السلام) الذي سيشهَر لمجازاة العاصين، هو من مصاديق العذاب الإلهي، فطبقاً للضابطة الكلّية لن تقبل التوبة حينما يشهِر الإمام (عليه السلام) سيفه.
كما أنَّ الدليل على عدم قبول الإيمان والتوبة في حال الكون في مثل هذا الحال، هو كون هذه التوبة والإيمان ليسا حقيقيين، بل هما ظاهريان.
٣ - وفي معرض الإجابة عن الإشكال الثالث، الذي أُثير على سدِّ باب التوبة، يمكننا أن نقول بأنَّ هذا الإشكال كان مبتنياً على أنَّ القول بانسداد باب التوبة في وجه المنحرفين في عصـر الغيبة، والذين كانوا محرومين من هداية الإمام المهدي الظاهرية، يستلزم كون حال هؤلاء أشقّ من حال أفراد الإنسان الذين يعيشون في عصـر الظهور حيث يتنعمون بهداية الإمام (عليه السلام) الظاهرية وإرشاداته، والحال وطبقاً للتفسير المطروح لحلِّ التعارض، فإنَّ انسداد باب التوبة الظاهرية والمصطنعة، إنَّما هي للأشخاص الذين يعيشون في عصـر الظهور وقد أدركوا الإمام (عليه السلام) وهدايته الظاهرية.
أضف إلى ذلك، فإنَّ باب التوبة قد انسدَّ على قوم عاد وثمود بظهور علامات العذاب الإلهي ونزل عليهم العذاب، وهذا لا يتعارض مع انسداد باب التوبة عند طلوع الشمس من المغرب.
فكذلك لا تعارض أيضاً بين انسداد باب التوبة على الكافرين والظالمين عند قيام الإمام المهدي (عليه السلام) بالسيف، حيث يعتَبر عذاباً إلهياً، وبين انسداد باب التوبة عند طلوع الشمس من المغرب.

(١٧)

٤ - ويمكننا الإجابة عن الإشكال الرابع أيضاً بأن يقال: إنَّ حضور غير الشيعة في دولة الإمام المهدي (عليه السلام) إنَّما هو فقط في مرحلة الهداية وتنوير الأفكار وإقامة الحُجج، لا في مرحلة القيام بالسيف.
وما قيل في رفع التعارض، هو تفسير آخر للحديث الأوَّل من الأحاديث الأربعة التي دلَّت على انسداد باب التوبة عند ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، والحديث الأوَل منها فقط هو الذي تعرَّض صراحةً لبيان انسداد باب التوبة في مرحلة القيام بالسيف فقط.
وأمَّا الأحاديث الثلاثة فلم يرد فيها هذا التخصيص.
وعليه، يمكننا أن نجعل الحديث الأوَّل معياراً - خاصّةً وأنَّ سنده أقوى من أسانيد الأحاديث الثلاثة الباقية -، فنحمل الأحاديث الثلاثة عليه من باب حمل المطلق على المقيد.
ولا بدَّ هنا من التذكير بأمرٍ، وهو أنَّ انسداد باب التوبة في مرحلة قيام الإمام المهدي (عليه السلام) بالسيف، لا يعني بحالٍ من الأحوال تصوير هذه المرحلة بأنَّها مرحلة إراقة وسفك الدماء، وذلك:
أوَّلاً: كما ثبت في محلِّه، فإنَّ مرحلة الهداية والتنوير التي يمارسها الإمام المهدي (عليه السلام) وأصحابه المخلصين المستمرَّة ستؤتي أُكُلها ويستجيب لها أكثر سكّان العالم الذين لم تتلوَّث فطرتهم السليمة، فيلبّون دعوة الإمام الحقَّة، وينهلون من صافي نميره المهدويِّ زلال الهداية والرشاد، وما ورد في الروايات من تعبيرات مثل: «لا يبقى كافرٌ إلَّا آمن ولا طالح إلَّا صلح»(٧٧) تؤيد هذا المطلب.
ثانياً: أنَّ انسداد باب التوبة سيكون بوجه عدَّة قليلة من أفراد المجتمع البشـري، وهم الذين أصرّوا واستكبروا على الحقِّ، على الرغم من الجهود الحثيثة التي تبذلها أجهزة حكومة الإمام المهدي (عليه السلام) في الإرشاد والهداية، وتوفّر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٧) بحار الأنوار ٤٤: ٢١.

(١٧)

الأرضية المناسبة جدّاً للصلاح، فهؤلاء هم الذين سيظهِرون التوبة والإيمان ويخفون في قلوبهم الكفر والضلالة.
ومن الواضح أنَّ وجود مثل هؤلاء الذين يخفون الخبث والضلال في صدورهم، قد يشكِّلون في المستقبل خطراً يزلزل أركان الدولة المهدوية كما زلزل أركان الحكومات العادلة على مرِّ التأريخ، والتي لم تكن قادرة على اقتلاع جذور أمثال هؤلاء المنافقين لعدم وجود الأرضية المناسبة لذلك.
تُرى أيهما أكثر حكمةً، عدم قبول التوبة الظاهرية الكاذبة لعدد من المتمرّدين على الحقِّ والحقيقة، أم ترك هؤلاء وشأنهم وتعريض المجتمع البشـري الفاضل، الذي كان ولا زال كعبة آمال الأنبياء والأولياء وطلّاب الحقِّ في العالم إلى التزلزل؟
الطريق الثاني لرفع التعارض بين الروايات المذكورة، هو أن يقال بأنَّ الروايتين الأُولى والثانية اللّتين دلَّتا على انسداد باب التوبة، وكانت إحداهما أكثر اعتباراً من جهة السند، هما في مقام تفسير قوله تعالى:
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ (الأنعام: ١٥٨).
ولا شكَّ في أنَّ القرآن الكريم عندما يتحدَّث عن سدِّ باب التوبة حين مشاهدة بعض الآيات الإلهية، لا يريد بذلك المنحرفين الذين انحرفوا لجهلهم بالحقيقة، وبتعبير أدقّ: المستضعفين الذين سلكوا طريقاً منحرفاً لا عن إصرار وقصد، بل إنَّ موضوع الآية الكريمة مختصٌّ بأُولئك الذين قامت عليهم الحجَّة وكُشِفَت لهم الحقيقة ولكنَّهم استكبروا على الحقيقة ولم يقبلوا الحجَّة عناداً، وبقوا على معتقداتهم المنحرفة وضلالهم.
وبناءً على ذلك، فإنَّ الرواية الواردة في تفسير هذه الآية الشـريفة ناظرة فقط إلى الأشخاص الذين ينكرون الإمام المهدي (عليه السلام)، على الرغم من اطِّلاعهم على حقّانيته، أو الذين يتورَّطون في التقلُّب في أوحال الرذائل.

(١٧)

وحينئذٍ، ومع ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ينسدُّ باب التوبة في وجه غير الشيعة الذين ينكرون إمامة الإمام المهدي (عليه السلام) في زمن الغيبة، مع أنَّهم كانوا واقفين على وضوح دلائل إمامته كوضوح الشمس في رابعة النهار، وذلك لعنادهم وتعصّبهم.
وأمَّا الشيعة الذين كانوا يقبلون الإمام المهدي (عليه السلام)، ولكنَّ صحائف أعمالهم خالية من العمل الصالح، فكذلك حالهم، حيث إنَّ مثل هؤلاء الذين يشكِّلون قلَّة في المجتمع لا يستحقّون العيش في دولة المهدي الكريمة، وأمَّا أُولئك الذين لم يكن انحرافهم عن عمد وإصرار، بل أنكروا الحقَّ جهلاً، أو الذين تلوَّثت أخلاقهم ببعض النواقص، فهؤلاء يمكنهم الاستفادة من الفرصة التي ستتاح لهم في أوائل الظهور، حيث مرحلة التنوير والهداية لتغيير سلوكهم وتزيين صحائف أعمالهم بالصالحات، فينهلون من نبع الفيوضات المهدوية الرائقة.
النتيجة:
إذا ما قبلنا الحلول المتقدِّمة للجمع بين الطائفتين من الروايات فإنَّ التعارض المتصوَّر بينهما سيرتفع، ويمكننا حينئذٍ الالتزام بكلا الطائفتين.
وأمَّا إذا لم يقبَل ذلك الجمع، وبقي التعارض قائماً بينهما، فإنَّ الترجيح سيكون للروايات المتضمِّنة لعدم انسداد باب التوبة في عصـر الظهور، ويوكل علم الروايات الدالّة على الانسداد إلى أهله، وذلك لأنَّ فرضية انسداد باب التوبة مستندة إلى أربع روايات، سند ثلاثة منها غير معتبر، وسند الرابعة وإن كان معتبراً، ولكنَّ الفرضية المقابلة، مضافاً لكونها موافقة للمعيار العامّ والضابطة الكلّية في التوبة في القرآن الكريم، مؤيدة ومستدلٌّ عليها بخمس طوائف من الروايات وهي: الروايات المصـرِّحة بقبول الإمام المهدي (عليه السلام) لتوبة التائبين، الروايات القائلة باستجابة الناس إلى دعوة الإمام المهدي (عليه السلام)، الروايات المتضمِّنة لدعوة الإمام المهدي (عليه السلام) كافَّة الناس إلى الإيمان، روايات

(١٧)

طلوع الشمس من المغرب، والروايات التي تدلُّ على وجود غير الشيعة في المرحلة المتوسِّطة من حكومة الإمام المهدي (عليه السلام).
فهذه المجموعة، والتي تشتمل على عشرات الروايات، تُقدَّم على رواية الفرضية المقابلة، باعتبارها أكثر عدداً، وباعتبار اشتمالها على عدد أكبر من الروايات المعتبرة سنداً.

(١٧)

المصادر

* القرآن الكريم.
* الكافي: الشيخ الكليني/ ت علي أكبر الغفاري/ ط ٥/ ١٣٦٣ش/ مط حيدري/ دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
* تفسير الميزان: السيِّد الطباطبائي/ منشورات جماعة المدرِّسين في الحوزة العلمية/ قم المقدَّسة.
* كتاب الغيبة: محمّد بن إبراهيم النعماني/ ت فارس حسّون/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ مط مهر/ أنوار الهدى/ قم المقدَّسة.
* الفهرست: الشيخ الطوسي/ ت الشيخ جواد القيّومي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/مط مؤسَّسة النشر الإسلامي/ الناشر: مؤسَّسة نشر الفقاهة.
* رجال النجاشي: النجاشي/ ط ٥/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة النشـر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
* معجم رجال الحديث: السيِّد أبو القاسم الخوئي/ ط ٥/ ١٤١٣هـ.
* قاموس الرجال: الشيخ محمّد تقي التستري/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ مؤسَّسة النشـر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
* مختصـر بصائر الدرجات: الحسن بن سليمان الحلّي/ ط ١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدرية/ النجف الأشرف.
* بصائر الدرجات: محمّد بن الحسن الصفّار/ ت الحاج ميرزا حسن كوچه باغي/ ١٤٠٤هـ/ مط الأحمدي/ منشورات الأعلمي/ طهران.
* تفسير العيّاشي: محمّد بن مسعود العيّاشي/ ت الحاج السيِّد هاشم الرسولي المحلَّاتي/ المكتبة العلمية الإسلاميَّة/ طهران.
* رجال الطوسي: الشيخ الطوسي/ ت جواد القيّومي الأصفهاني/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
* الإرشاد: الشيخ المفيد/ ت مؤسَّسة آل البيت/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد للطباعة والنشـر والتوزيع/ بيروت.
* بحار الأنوار: العلَّامة المجلسـي/ ط ٢ المصحَّحة/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.

(١٨٢)

* معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): الشيخ علي الكوراني العاملي/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مط بهمن/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
* كمال الدين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق/ ت علي أكبر الغفاري/ ١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
* تفسير القمّي: علي بن إبراهيم القمّي/ ت السيِّد طيِّب الموسوي الجزائري/ ط ٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة دار الكتاب للطباعة والنشر/ قم.
* الصحاح: الجوهري/ ت أحمد عبد الغفور العطّار/ ط ٤/ ١٤٠٧هـ/ دار العلم للملايين/ بيروت.
* لسان العرب: ابن منظور/ ١٤٠٥هـ/ نشر أدب الحوزة/ قم.
* تاج العروس: الزبيدي/ ت علي شيري/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
* خلاصة الأقوال: العلَّامة الحلّي/ ت الشيخ جواد القيّومي/ ١٤١٧هـ/ مط مؤسَّسة النشـر الإسلامي/ الناشر: مؤسَّسة نشر الفقاهة.
* تأويل الآيات الظاهرة: شرف الدين الحسيني/ ط ١/ ١٤٠٧هـ/ مطبعة أمير/ مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)/ قم.
* الاحتجاج: الشيخ الطبرسي/ ت السيِّد محمّد باقر الخرسان/ ١٣٨٦هـ/ دار النعمان للطباعة والنشر/ النجف الأشرف.
* التوحيد: الشيخ الصدوق/ ت السيِّد هاشم الحسيني الطهراني/ منشورات جماعة المدرِّسين في الحوزة العلمية في قم المقدَّسة.
* صحيح مسلم: مسلم النيسابوري/ دار الفكر/ بيروت.
* طرائف المقال: السيِّد علي البروجردي/ ت السيِّد مهدي الرجائي/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ مط بهمن/ مكتبة آية الله العظمى المرعشي/ قم.

(١٨)

 

الدعاوى المزيَّفة - جذورها التاريخية وطرق مقاومتها

 

الشيخ حسين الأسدي

 

في هذا البحث مدخل، وثلاثة فصول، وخاتمة.
المدخل:
وفيه نقطتان:
النقطة الأُولى:
يُمثِّل إثبات الرأي وردّ الخصم وإقناع الآخر همّاً لدى الكثير ممَّن يتبنَّون عقيدة معيَّنة، بغضِّ النظر عن نوعها وفلسفتها ومنهجها وتوجّهاتها، وبالتالي فقد أخذ هذا الأمر ومنذ زمن بعيد مكانه المهمّ في أروقة المكتبات وعقول المفكِّرين، حتَّى بات هذا الأمر عِلْماً له مناهجه وروّاده ومريدوه.
إنَّ لكلِّ عقيدة مادّةً وصورةً، المادَّة تُمثِّل واقع المبادئ والقيم والسلوكيات التي تؤمن بها تلك العقيدة ويتبنّاها أتباعها ويترجمونها في حياتهم إلى سلوك عملي، وتلك المواد - وحتَّى يلتزم أتباعها بها - تحتاج إلى إثباتها بالدليل الذي لا يُنقَض، وبالصورة التي ترسمها كأقوى ما تكون العقيدة.
وقد اختلفت طرق الإثبات من ناحية الزمان والمكان ونوع العقيدة ونوع الأتباع، والحاذق هو من يتعرَّف الطريق المناسب في الزمكان المناسب ليطرح عقيدته ضمن تلك الظروف الموضوعية المناسبة.

(١٨)

ومن المعلوم في علم المنطق أنَّ طرق الإثبات تبتني على قضايا تختلف من حيث قوَّة الإثبات:
فمنها القضايا اليقينية، التي تنتج (اعتقاداً مطابقاً للواقع لا يحتمل النقيض لا عن تقليد)(١).
ومنها القضايا الظنّية، التي تنتج اعتقاداً عن حدس أو تخمين من دون مشاهدة أو دليل أو برهان، فيشمل التقليد، والظنُّ بمعنى ترجيح أحد طرفي القضيَّة نفياً أو إثباتاً مع تجويز الطرف الآخر(٢).
ومنها القضايا المشهورات أو الذائعات، وهي التي اشتهرت نتائجها لدى الناس وذاع التصديق بها عند جميع العقلاء، أو عند أكثرهم، أو عند طائفة خاصَّة منهم(٣).
ومنها القضايا الوهميات، وهي أحكام الوهم في المعاني المجرَّدة عن الحسِّ(٤)، والتي هي في واقعها (قضايا كاذبة، إلَّا أنَّ الوهم يقضي بها قضاءً شديد القوَّة، فلا يقبل ضدّها وما يقابلها حتَّى مع قيام البرهان على خلافها، فإنَّ العقل يؤمن بنتيجة البرهان، إلَّا أنَّ الوهم يعاند...)(٥).
ومنها المسلَّمات، التي هي قضايا حصل التسالم والتوافق بين طرفين على أنَّها قضايا صادقة، مع غضِّ النظر عن واقعها وأنَّها صادقة واقعاً أو كاذبة، فالمهمّ فيها أنَّ كلا الطرفين المتنازعين يبنيان على تسليم كونها صادقة(٦).
ومنها المقبولات، وهي التي تؤخذ تقليداً عمَّن يُوثَق بصدقه، بغضِّ النظر عن سبب الوثوق بصدق المقلَّد فيها، وأنَّ له ارتباطاً بالسماء أدّى إلى الوثوق به، أو أنَّ له عقلاً متكاملاً وخبرةً عمليةً تُولِّد تلك الثقة(٧).
ومنها المشبّهات، وهي قضايا كاذبة لكن يحصل الاعتقاد بها لأنَّها تشبه اليقينيات أو المشهورات في الظاهر، فيستعمل الخصم أُسلوب المغالطة ليقنع الطرف الآخر بصدقها...(٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) المنطق للمظفَّر ٣: ٣٢٧ بتصرّف قليل.
(٢) المنطق للمظفَّر ٣: ٣٣٩ بتصرّف قليل.
(٣) المنطق للمظفَّر ٣: ٣٤٠.
(٤) المقرَّر في شرح منطق المظفَّر: ٥٠١.
(٥) المنطق للمظفَّر ٣: ٣٤٨.
(٦) المنطق للمظفَّر ٣: ٣٥١ و٣٥٢ بتصرّف.
(٧) المنطق للمظفَّر ٣: ٣٥٢ و٣٥٣ بتصرّف.
(٨) المنطق للمظفَّر ٣: ٣٥٣ بتصرّف.

(١٨)

ومنها المخيّلات، وهي القضايا التي ليس من شأنها أن توجب تصديقاً، إلَّا أنَّها توقع في النفس تخيلات تؤدّي إلى انفعالات نفسية، من انبساط في النفس أو انقباض...(٩).
ولكلِّ واحدة من هذه القضايا أنواع متعدِّدة، ولكلٍّ منها طريقة معيَّنة للصياغة.
ولا شكَّ في أنَّ أهمّ القضايا الإثباتية على الإطلاق هي القضايا اليقينية، وكلُّ ما عداها لا يصل في قوَّة إثباته - لو كانت له قوَّة - إلى مستوى اليقينيات، وبالتالي فعلى من يريد أن يتبنّى عقيدة باطمئنان ووثوق لا يتزلزلان أن يختار ما تُثبته القضايا اليقينية من عقائد، وهو ما دعا إليه الدين الإسلامي في آياته ورواياته بصورة لا تقبل التشكيك، رافضاً الطرق الظنّية فما دونها في قضايا الدين والعقيدة.
قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: ١١٦)، وقال تعالى: ﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ (النجم: ٢٨).
وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ كلَّ عقيدة تحتاج إلى أن تثبت مبادئها من خلال طرق مناسبة، وعلى أتباعها أن يهتمّوا بالمثبِّتات اليقينية منها. وعلى المنظِّرين لها صياغة أدلَّتها بما يتناسب مع الحاجة الفعلية للإثبات.
النقطة الثانية: ما هي الحاجة إلى إثبات الرأي؟
لا شكَّ أنَّ لإثبات الرأي دوافع منهجية وحاجات واقعية، تتمثَّل تلك الحاجات بالتالي:
أوَّلاً: تقوية أساس المبدأ والعقيدة، الأمر الذي يجعل منها عقيدة قويَّة في مضمونها، رصينة في منهجها، واضحة في توجّهاتها.
ثانياً: إنَّ لكلِّ عقيدة معارضين، يحاولون نقضها أو إلقاء الشبه حولها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) المنطق للمظفَّر ٣: ٣٥٤.

(١٨)

وهنا تتمثَّل الحاجة إلى إثبات الرأي والعقيدة بدفع ورفع الشبه، أي بردِّ الشبه والإشكالات المطروحة من قِبَل الطرف المناوئ، وبرفع الشبه والإشكالات المتوقِّعة قبل أن تُسوَّق وتُطرَح في العلن.
ثالثاً: إنَّ كلَّ عقيدة تهدف إلى جذب أكثر الأتباع إلى حرمها، وبالتالي فإنَّ تقويتها بالأدلَّة والبراهين يُمثِّل أقوى الطرق لجذب الأتباع، سواء كانوا من الطرف المناوئ، أو ممَّن كانوا على التلِّ.
رابعاً: فضلاً عمَّا تقدَّم، فإنَّ نفس إثبات العقيدة بأدلَّة قويَّة يستبطن إلقاء أدلَّة على بطلان العقيدة الأُخرى، وهو هدف ترنو إليه أعناق أتباع أيّ عقيدة، إذ إنَّ واحداً من أهمّ أهداف الحوار والنقاش هو إثبات بطلان الرأي الآخر.
خامساً: ولا شكَّ أنَّ الحوار وإثبات الرأي وبيانه بالحجج القويَّة والراسخة ينفع في تقريب وجهات النظر عند من يطلب الحقَّ، وفي تخفيف حدَّة الخلاف، وفي خلق جوّ وسطي من شأنه أن يجذب المخالف ويردع المعاند.
الفصل الأوَّل: الجذور التاريخية للدعاوى المزيفة:
يحكم العقل قبل النقل بضرورة التزام الفرد بما فيه، وعدم تجاوزه لغيره، فالعقل يحكم بقبح من ادَّعى شيئاً ليس له أو ليس فيه، ولا يختلف في هذا الحكم عاقل.
عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ألَا وإنّي أُقاتل رجلين: رجلاً ادَّعى ما ليس له، وآخر منع الذي عليه»(١٠).
إلَّا أنَّه ورغم ذلك، نجد الكثير ممَّن يدَّعي العقل، قد خالف هذا الحكم العقلي، وسار على غير رشد وهدى، فأخذ يتقمَّص غير لباسه، ويمدُّ عينيه إلى غير ما يملك، ويقتبس من الغافل غرَّته، فكثرت الدعاوى المزيَّفة، وكثر مدَّعوها، حتَّى لا نجد عصـراً من العصور قد خلا من دعوة كاذبة وأُخرى مزيَّفة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) نهج البلاغة ٢: ٨٦.

(١٨)

وهذا يعني أنَّ الدعاوى المزيَّفة ليست وليدة اليوم، ولم تُولَد من رحم عقيم، إنَّما لها جذور تمتدُّ في أعماق الماضي السحيق، في سُنَّة يُعبِّر عنها القرآن الكريم بسُنَّة ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (البقرة: ١١٨).
وبتقليب سريع لملفّات الماضي، يمكن أن نستكشف أنَّ الدعاوى المزيَّفة قد أخذت نمطين أساسيين:
النمط الأوَّل: الدعاوى الأرضية:
وأعني بها الدعاوى التي لا تمتُّ إلى الاتِّصال بالغيب بصلة، بل هي من نوع ادِّعاء قيادة ما، أو ادِّعاء ملك شيء ما، أو ادِّعاء شهادة دنيوية ما، ، كدعوى بطليموس أنَّ الأرض مركز الكون، وتقابلها نظرية غاليلو أنَّ الأرض كروية وليست مسطَّحة، وأنَّها كوكبٌ صغير يدور حول الشمس مع غيره من الكواكب، وهكذا.
والنماذج الكثيرة على هذا النوع أشهر من أن تُذكر، ولا يهمّنا استقصائها، لأنَّها خارج حريم هذا البحث.
النمط الثاني: الدعاوى السماوية:
وهي التي تضمَّنت دعوى اتِّصال بالغيب والسماء، كالنبوَّة، والخلافة عن نبيٍّ، أو وكالة عن وصيٍّ، أو سفارة، بل يدخل فيها حتَّى دعاوى الأُلوهية.
ويبدأ تأريخ هذه الدعاوى منذ اللحظة الأُولى لوجود الخليقة في هذا العالم، حيث ادَّعى إبليس ما لازمه أنَّه أحقّ بسجود الملائكة له من آدم، مستعملاً لإثبات هذه الدعاوى دليلاً من نوع (القياس)(١١)، ليبدأ في تزييف الدعاوى بأدلَّة ظنّية غير يقينية.
﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف: ١٢).
وقد سار على نهجه الكثير من فقهاء السلاطين ممَّن انحرفوا عن خطِّ أهل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) القياس: هو دعوى أنَّ للعقل أن يُدرك ملاكات الأحكام في المقيس عليه لاستنتاج الحكم في المقيس. وهذا معنى (الاجتهاد بالرأي). (أُصول الفقه للمظفَّر ٣: ١٣٩). إنَّ القياس نوع من (التمثيل) المصطلح عليه في المنطق...، إنَّ التمثيل من الأدلَّة التي لا تفيد إلَّا الاحتمال، لأنَّه لا يلزم من تشابه شيئين في أمر - بل في عدَّة أُمور - أن يتشابها من جميع الوجوه والخصوصيات. (أُصول الفقه للمظفَّر ٣: ١٨٨).

(١٨)

البيت (عليهم السلام)، فقد روي عن عيسى بن عبد الله القرشي، قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: «يا أبا حنيفة! بلغني أنَّك تقيس»، قال: نعم. قال: «لا تقس، فإنَّ أوَّل من قاس إبليس حين قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، فقاس ما بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين، وصفاء أحدهما على الآخر»(١٢).
وقد حفظ لنا التاريخ وثيقة سوداء التصقت بجباه بعض بني إسرائيل، ممَّن أرادوا ليِّ الإرادة الإلهية حسب مشتهياتهم، فإنَّه في الوقت الذي يعتقد جميع الموحِّدين بأنَّ جعل النبيِّ أمر خاصّ بالله تعالى، فهو وحده من له الحقّ في اختيار نبيٍّ من الأنبياء، فإنَّ بني إسرائيل أو بعضهم على الأقلّ حاول أن يجعلها تحت إرادته بطريقة هي أشبه إلى الكوميديا منها إلى الصراحة والجدِّ.
فقد روى محمّد الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ يوسف بن يعقوب (صلوات الله عليهما) حين حضـرته الوفاة جمع آل يعقوب وهم ثمانون رجلاً، فقال: إنَّ هؤلاء القبط سيظهرون عليكم، ويسومونكم سوء العذاب، إنَّما ينجيكم الله برجل من ولد لاوي بن يعقوب اسمه موسى بن عمران بن فاهث بن لاوي، غلام طوال، جعد الشعر، آدم اللون، فجعل الرجل من بني إسرائيل يُسمّي ابنه عمران، ويُسمّي عمران ابنه موسى»، فذكر أبان، عن أبي الحصين، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(١٣) أنَّه قال: «ما خرج موسى حتَّى خرج ثمانون كذّاباً من بني إسرائيل كلّهم يدَّعي أنَّه موسى بن عمران»(١٤).
وفي زمن موسى (عليه السلام) وصل الأمر بفرعون أنَّه ادَّعى الأُلوهية، بل قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ (النازعات: ٢٤) ، بل ادَّعى أنَّه لا إله غيره: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيـُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: ٣٨).
وكما ادَّعاها قبله نمرود فيما نقله القرآن الكريم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) الكافي للكليني ١: ٥٨/ باب البدع والرأي والمقاييس/ ح ٢٠.
(١٣) وروي هذا المقطع من الرواية عن أبي جعفر (عليه السلام) في كتاب كمال الدين للصدوق: ١٤٧.
(١٤) قصص الأنبياء للراوندي: ١٥١.

(١٩)

 إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْـرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥٨).
وهكذا دعوى السامري بأنَّ العجل هو ربُّ بني إسرائيل، ولكن موسى نسـي هذا الأمر!- في أحد التفسيرين - ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِـيَ﴾ (طه: ٨٨).
ولا يغيب عن البال دعاوى البنوَّة لله تعالى من قِبَل اليهود والنصارى، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً، ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ﴾ (التوبة: ٣٠).
ولو أردنا استقصاء هذه الدعاوى لخرجنا عن المألوف في البحوث إلى السرد التاريخي المطوَّل.
القضيَّة المهدوية لم تسلم من الادِّعاءات الباطلة:
حالها حال أيّ قضيَّة مصيرية، ولها وزنها الثقيل في عالم الإنسان، فإنَّ القضيَّة المهدوية لم تسلم من مثل تلك الدعاوى المزيَّفة، على عدَّة أصعدة، سواء ادِّعاء المهدوية نفسها، أو البابية إلى المهدي، أو الوكالة عنه، أو اللقاء به، أو السفارة عنه، أو اليمانية، وغيرها.
وما نشاهده اليوم من دعاوى مرتبطة بهذه القضيَّة لا يخرج عن الإطار العامّ للمزيَّف منها والباطل، وهي ليست جديدة على الساحة، فإنَّ الدعاوى المهدوية قد سبقت حتَّى ولادة مهدي الأُمم ابن العسكري (عليه السلام).
وتبرز من أوائل تلك الدعاوى عند (الكيسانية) الذين قيل: إنَّهم ادَّعوا أنَّ محمّد بن الحنفية هو المهدي، وإنَّه لم يمت وغائب في جبل رضوى بين أسد

(١٩)

ونمر يحفظانه، وعنده عينان نضّاختان تجريان بماء وعسل، وإنَّه يعود بعد الغيبة فيملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت جوراً(١٥).
وقد يظهر من بعض الروايات أنَّ البعض كان يتوهَّم أنَّ الإمام الكاظم (عليه السلام) هو المهدي المنتظر، الأمر الذي كشفت زيفه السلطات العبّاسية عندما نادت على جنازة الإمام الكاظم (عليه السلام): هذا إمام الرافضة يزعمون أنَّه لا يموت فانظروا إليه ميِّتاً(١٦).
كذلك حاول العبّاسيون أن يدَّعوا أنَّ (محمّد بن عبد الله المنصور) هو المهدي المنتظر، وقد تصدّى لهم الإمام الصادق (عليه السلام) وكشف تزويرهم الحقيقة ببثِّه للأحاديث الكثيرة التي تُثبت أنَّ المهدي هو التاسع من ولد الحسين (عليهم السلام)، وأنَّه من ولد فاطمة لا من بني العبّاس.
وغيرها من الدعاوى التي ظهرت قبل ولادة الإمام المهدي (عليه السلام).
وهكذا يستمرُّ مسلسل التزييف إبّان الغيبة الصغرى، ليُمثِّله محمّد بن عليّ الشلمغاني وأحمد بن هلال العبرتائي ومحمّد بن نصير النميري الذين ادَّعوا السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام)، بل ادَّعى بعضهم أكثر من هذا المقام.
وتفاصيل دعاواهم تضمَّنتها كتب تراجم الرجال(١٧).
وهكذا يستمرُّ المزيِّفون بحياكة الدعاوى الباطلة بخيوط الشكّ والوهم، متلمّسين غرَّة بعض وسذاجة بعض آخر ليُموِّهوا عليهم الحقيقة، وليُلبِسوا عليهم دينهم. ليخرج لنا (عادل هزيمة) بدعوى اليمانية، مصدِّراً دعوته بنصِّ رسالة هي أحقر من أن تُقرَأ، مدَّعياً أنَّها رسالة المهدي للناس، ليكمل الحلقة (ضياء الگرعاوي) وحركة (جند السماء)، فيثور من بعده (حبيب الله المختار) بثورة (الحبّ الإلهي) في بغداد، ومن (ديالى) وبالتحديد من (الخالص) يظهر لنا (الإمام الربّاني فاضل المرسومي) مدَّعياً أنَّه الفذّ والوتر، وأنَّه منجي الأُمَّة وسفينة خلاصها...، ولا ينقطع خطّ الوهم بذلك، فهناك (الميِّت العائد) حيدر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥) أعيان الشيعة لمحسن الأمين ٣: ٤٠٩؛ الملل والنِحَل للشهرستاني ١: ١٥٠.
(١٦) الفصول المهمَّة لابن الصبّاغ ٢: ٩٥٦.
(١٧) يمكن معرفة تفاصيل تلك الحركات والشخصيات وغيرها في ملحق الرصد (٣): أدعياء المهدوية، الصادر عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية/ حزيران ٢٠١٤م/ للباحث أحمد فرج الله.

(١٩)

منشد أو القحطاني، صاحب (الرجعة الروحية) الذي ستحلُّ أو حلَّت فيه روح عيسى أو روح عليّ أو روح الحسين!
وهكذا تبقى دعوى (أحمد إسماعيل گاطع) ماثلة أمامنا لتختزل خطّ الدعاوى المزيَّفة بدعوى البنوَّة للمهدي، والحاكمية للأرض بعده، واليمانية، بل والمهدوية...
فخطُّ الباطل كان ولا زال، ولم ينقطع أمس، ولا نستغرب من وجوده اليوم، هكذا أراد الله أن تمرَّ الأُمَّة بسلسلة من الاختبارات والبلاءات، حتَّى قبيل الظهور المبارك، حيث يبرز العديد وبعضهم من بني هاشم ليدَّعوا ما ليس لهم!
عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «لا تقوم الساعة حتَّى يخرج المهدي من ولدي، ولا يخرج المهدي حتَّى يخرج ستّون كذّاباً كلّهم يقول: أنا نبيٌّ»(١٨).
وعن أبي خديجة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا يخرج القائم حتَّى يخرج اثنا عشـر من بني هاشم كلّهم يدعو إلى نفسه»(١٩).
هذه هي سُنَّة البلاء التي ستعتصر الناس حتَّى يخرج منهم أطيب ما فيهم.
عن أحمد بن محمّد بن أبي نصـر، قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): «أمَا والله لا يكون الذي تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُميِّزوا أو تُمحِّصوا، حتَّى لا يبقى منكم إلَّا الأندر»، ثمّ تلا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: ١٤٢)(٢٠).
الفصل الثاني: طرق مقاومة الدعاوى المزيَّفة:
من المعلوم أنَّ الله تعالى خلق البشر وفق نظام الاختلاف، ذلك النظام الذي مدَّ ظلاله على الكثير من حيثيات الإنسان وجهات وجوده، فمن ذلك الاختلاف في الشعوب والقبائل. ﴿وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ...﴾ (الحجرات: ١٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) الإرشاد للمفيد ٢: ٣٧١.
(١٩) الغيبة للطوسي: ٤٣٧/ ح ٤٢٨.
(٢٠) الغيبة للطوسي: ٣٣٦ و٣٣٧/ ح ٢٨٣.

(١٩)

ومنه الاختلاف في مجال الاقتصاد، الذي أنتج الخادم والمخدوم والسيِّد والعبد والغنيّ والفقير. يقول تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون﴾ (الزخرف: ٣٢).
ومنه الاختلاف بالألسنة والألوان، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ (الروم: ٢٢).
وقد قيل: إنَّ اللغات الموجودة لدى البشر تتراوح بين (٤٠٠٠) إلى (٥٠٠٠) لغة!
ومنه الاختلاف في الانتماء الديني والمذهبي، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحجّ: ١٧).
ومن ذلك الاختلاف في بصمة الإبهام الأيسـر، أو في صيوان الأُذُن، أو في حدقة العين، الذي استُفيد منه كثيراً في المباحث الجنائية.
فالاختلاف قدرُ الإنسان، ولا تجد اثنين بينهما تمام الاتِّحاد والتشابه، وإلَّا لرجعا واحداً لا اثنين!
ومن تلك الجهات الملموسة والمشاهدة آثارها بكلِّ وضوح، هو الاختلاف في المستويات العقلية، وفي سرعة تقبّل المعلومة، وجودة تحليل المعرفة، والقدرة على فهم الصحيح من الأفكار من السقيم منها.
إنَّ بني البشـر يختلفون في إدراكاتهم العقلية بحسب الظروف الموضوعية التي يعيشها الفرد، فقد تجد أخوين أحدهما يكون عبقري زمانه، والآخر لا ذكر له ولا وزن، وما ذاك إلَّا لأنَّ الأوَّل قد توفَّرت له من الظروف ما أتاحت له

(١٩)

تطوير عقله، بعكس أخيه، ولا شكَّ أنَّ للتربية والتعليم أثراً مهمّاً في ذلك ممَّا ليس هذا محلّ بيانه. ولذلك تجد - والوجدان خير دليل - التفاوت الكبير بين الناس من حيث العلم والمعرفة والقدرة على الفهم السريع والابتكار والحفظ وغيرها.
وما دام الناس يختلفون في إدراكاتهم العقلية، فمن الطبيعي أن نجدهم مختلفين من حيث فهمهم لأُطروحات ومعادلات الدين.
وهذا النوع من الاختلاف فرض على الدعاة والمربّين (والأنبياء والرسل (عليهم السلام) على رأسهم) أن يتفنَّنوا في اختيار الأُسلوب المناسب للتحدّث مع الناس، وتحرّي الطريقة الناجعة لهدايتهم، والتدقيق في نوع الأدلَّة المساقة لإثبات شيء أو ردّ آخر.
عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إنَّما يداق الله العباد في الحساب يوم القيامة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا»(٢١).
ومن هذا كلّه نستنتج أنَّ على الباحث في أيِّ قضيَّة، ومنها القضيَّة المهدوية، إذا ما أراد أن يفتح باب النقاش والحوار مع طرف مخالف، أن لا يقف على طريقة معيَّنة ويجمد عندها، بل عليه أن يُنوِّع من طرق البحث والنقاش، وأن يتخيَّر منها ما يناسب الظرف الموضوعي الذي يحكمه الزمان والمكان وشخصية الطرف الآخر ووزنها العلمي.
طرق النقاش في القضايا المهدوية:
حسب المعطيات المتقدِّمة، فإنَّه يمكن أن نجد العديد من الطرق للنقاش مع أصحاب الدعاوى المزيَّفة، والتي تتناسب مع المستويات العلمية المختلفة والظروف الموضوعية المتباينة، نذكر منها التالي:
الطريق الأوَّل: الطريق الفكري:
إنَّ لكلِّ علم من العلوم وكلّ جانب من جوانب المعرفة أُصولاً موضوعية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) الكافي للكليني ١: ١١/ كتاب العقل والجهل/ ح ٧.

(١٩)

تؤخذ فيه على أنَّها أُصول ثابتة لا تنازل عنها، أي إنَّ الداخل في جانب من جوانب المعرفة سيجد فيه أساسات ومرتكزات يبتني عليها هذا الجانب المعرفي، وبالتالي على من يريد النقاش والحوار في هذا الجانب أن يلتزم أُصوله الموضوعية.
هكذا تقضي الأُصول العلمية المتعارفة في الأوساط المعرفية.
ومن هنا، فإنَّ الحوار في القضيَّة المهدوية له أساساته وأُصوله الموضوعية، وخلاصتها التالي:
أوَّلاً:
إنَّ مفردات القضيَّة المهدوية هي من نوع الروايات التاريخية أو الملاحم المستقبلية، وعليه فالروايات تُمثِّل أساساً لا يُتنازل عنه فيها، فلا موضع للتخمينات ولا للظنّيات...
ثانياً: إنَّ هذا الأمر يخضع للعلوم المتعلّقة بالروايات، كالفقه وأُصوله وقواعدهما، وقواعد التعارض والتراجيح، وعلم الرجال والتراجم، وعلم الدراية...
ثالثاً: إنَّ هذا يعني ضرورة الرجوع إلى المتخصِّص في هذه العلوم، ولا يُسمَح لغير المتخصِّص فيها أن يتطفَّل عليها.
فإذا تحقَّقت هذه العناصر أمكن أن يكون النقاش مثمراً، وصار إثبات الرأي الصائب قريباً جدّاً من حيِّز الوقوع.
مثال لهذا الطريق:
ادَّعى جماعة أحمد إسماعيل گاطع أنَّه وليّ مفترض الطاعة، وأنَّه يجب على كلِّ شيعي أن يبايعه، استناداً إلى رواية أسموها برواية الوصيَّة، وهي رواية رواها الشيخ الطوسي في غيبته، وقد ورد في ذيلها:
«... ثمّ يكون من بعده اثنا عشـر مهدياً، (فإذا حضـرته الوفاة) فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين، له ثلاثة أسامي: اسم كاسمي، واسم أبي وهو عبد الله وأحمد، والاسم الثالث: المهدي، هو أوَّل المؤمنين»(٢٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) الغيبة للطوسي: ١٥١/ ح ١١١.

(١٩)

فادَّعى ابن گاطع - وصفَّق له جماعته - بأنَّه هو المقصود بأوَّل المقرَّبين وأوَّل المؤمنين، وبالتالي يجب على الشيعة أن يبايعوه و...
ووفق هذا الطريق الفكري يكون الردّ على هذه الدعوى بمنتهى العلمية والمهنية وفي نفس الوقت بمنتهى السهولة، ذلك لأنَّ هذه الرواية ضعيفة السند جدّاً، فلا تصلح للاستدلال الفقهي فضلاً عن العقائدي.
فإنَّ الشيخ رواها بالسند التالي:
(أخبرنا جماعة، عن أبي عبد الله الحسين بن عليّ بن سفيان البزوفري، عن عليّ بن سنان الموصلي العدل، عن عليّ بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن الخليل، عن جعفر بن أحمد المصـري، عن عمِّه الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن أبيه الباقر، عن أبيه ذي الثفنات سيِّد العابدين، عن أبيه الحسين الزكي الشهيد، عن أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)...».
وهذا السند غاية في الضعف، لاشتماله على عدَّة مجاهيل وضعفاء، فإنَّ (عليّ بن سنان الموصلي العدل)، وكذلك (أحمد بن محمّد بن الخليل)، و(جعفر بن أحمد المصـري)، و(عمّه الحسن بن عليّ، عن أبيه) كلّهم مجاهيل، فلا تصلح رواية وردوا في طريقها للاستدلال(٢٣).
ومثال آخر على هذا الطريق، هو ما قد يدَّعيه البعض - ومنهم أحمد الگاطع - أنَّ اليماني من العراق من البصرة بالخصوص، وأنَّ اليماني المقصود منه النسبة إلى اليُمْن.
ويكون ردُّ هذه الدعوى وفق هذا الطريق بالرجوع أوَّلاً إلى الروايات، لنرى ما يُستفاد منها، وبالرجوع إلى أهل اللغة العربية لنرى ماذا يستفيدون من كلمة (اليماني).
وبالرجوع لهذين العلمين نجد أنَّ الروايات يُستفاد منها أنَّ اليماني من اليمن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) للتفاصيل راجع كتاب: الردُّ القاصم لدعوة المفتري على الإمام القائم للشيخ عليّ آل محسن: ٢٨ - ٣٤/ تقديم مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام).

(١٩)

 بالخصوص، فإنَّه قد ورد عن هشام، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: لـمَّا خرج طالب الحقِّ قيل لأبي عبد الله (عليه السلام): نرجو أن يكون هذا اليماني؟ فقال: «لا، اليماني يوالي عليّاً وهذا يبرأ»(٢٤).
فتجد أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) لم ينفِ اليمانية عن هذا المسمّى (الطالب للحقِّ) من جهة أنَّه خرج من اليمن لا من العراق، بل نفاها من جهة عدم موالاته لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ولو كان ثَمَّة جهة أُخرى لكان مناسباً للإمام (عليه السلام) أن يُبيِّنها.
فيظهر من هذا أنَّ كون اليماني من اليمن هو من الواضحات في الذهنية الشيعية عموماً آنذاك، أي في عصـر الإمام (عليه السلام)، وسكوت الإمام (عليه السلام) عن ذلك إقرار منه بصحَّة هذا الفهم في الذهنية العامَّة.
وهكذا لو رجعنا لأهل اللغة، لرأينا أنَّهم يفهمون من (اليماني) النسبة إلى اليَمَن، كما يفهمون من (الحبرة اليمانية) انتسابها إلى اليمن، ومن الركن اليماني الجهة المقابلة من الكعبة لليمن، وأنَّ النسبة المأخوذة من (اليُمْن) هي (ميمون) لا (يماني)، بل إنَّ المتبادر من (اليماني) هو النسبة إلى اليمن، والتبادر علامة الحقيقة، ولا ينصرف إلى غير هذا المعنى إلَّا بقرينة صارفة، وهي مفقودة في المقام.
الطريق الثاني: الطريق الخطابي:
من أهمّ الأساليب الإقناعية وأقدمها وأكثرها تأثيراً في الجمهور هو أُسلوب الخطابة، ذلك الأُسلوب الذي يكون القصد المباشر منه إقناع الجمهور والطرف الآخر، سواء كانت القضايا المستعملة فيه علمية أو مشهورة أو من نوع المسلَّمات وما شابه، فليس المقصود فيها أكثر من إقناع الطرف الآخر، بغضِّ النظر عن نوع القضيَّة المستعملة في الإقناع.
ولا نريد الخوض في أجزاء الخطابة وقوامها، فإنَّ الكلام فيه طويل الذيل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) أمالي الصدوق: ٦٦١/ ح (١٣٧٥/١٩).

(١٩)

المهمّ أن نعرف أنَّ هذا الأُسلوب نافع في الكثير من الأحيان، خصوصاً إذا كان الحوار يدور على مرأى ومسمع من جمهور متوسّط الثقافة أو قليلها.
وعندما نرجع إلى أساليب أهل البيت (عليهم السلام) في الحوار نجد أنَّهم (عليهم السلام) قد يستعملون الأُسلوب والطريق الفكري العلمي، وقد يستعملون الأُسلوب والطريق الخطابي، وما ذاك إلَّا لأنَّهم كانوا يلاحظون الظروف الموضوعية المحيطة بالحالة، فيتخيَّرون المناسب من طرق الإقناع.
وكتطبيق عملي لهذه الفكرة، نجد في الروايات الشـريفة سؤالاً واحداً توجَّه إلى اثنين من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد أجابا عنه بجوابين مختلفين، وما ذاك إلَّا لاختلاف حال السائل معهما، حيث ورد أنَّ الديصاني - وهو أحد أقطاب الزنادقة الذين كانوا يُشكِّكون بوجود الله تعالى - قال لهشام بن الحكم: ألك ربٌّ؟ قال: بلى. قال: أقادرٌ؟ قال: بلى. قال: أيقدر أن يُدخِل الدنيا كلّها في البيضة، لا يُكبِّر البيضة ولا يُصغِّر الدنيا؟ فجاء هشام إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وقال له: قال لي الديصاني كذا وكذا. فقال (عليه السلام) له: «كم حواسّك؟»، قال: خمس. قال (عليه السلام): «أيّها أصغر؟»، قال: الناظر. قال (عليه السلام): «كم قدر الناظر؟»، قال: مثل العدسة أو أقلّ. قال (عليه السلام): «فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى». قال: أرى سماءً وأرضاً ودوراً وقصوراً وجبالاً وأنهاراً. فقال (عليه السلام): «إنَّ الذي قدر على أن يُدخِل الذي تراه العدسة أو أقلّ منها قادر أن يُدخِل الدنيا كلّها البيضة، لا يُصغِّر الدنيا ولا يُكبِّر البيضة»(٢٥).
ونفس هذا السؤال أجاب عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) بجواب آخر، فعن عمر بن أذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): هل يقدر ربّك أن يُدخِل الدنيا في بيضة من غير أن يُصغِّر الدنيا أو يُكبِّر البيضة؟ قال: «إنَّ الله تبارك وتعالى لا يُنسَب إلى العجز، والذي سألتني لا يكون»(٢٦).
فنلاحظ أنَّ جواب الإمام الصادق (عليه السلام) كان جواباً خطابياً إسكاتياً، وأمَّا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) التوحيد للصدوق: ١٢٢.
(٢٦) التوحيد للصدوق: ١٢٩ و١٣٠.

(١٩)

جواب أمير المؤمنين (عليه السلام) فقد كان جواباً علمياً برهانياً، مفاده أنَّ ما يقوله السائل يستلزم محالاً عقلياً، فإنَّ قدرة الله تعالى تتعلَّق بالأمر الممكن، وأمَّا الأمر الممتنع ذاتاً فإنَّ القدرة لا تتعلَّق به، لأنَّه ممتنع بالذات، وإدخال الدنيا في البيضة مخالف لقانون عقلي متسالم عليه، وهو عدم إمكان أن يكون الصغير ظرفاً للكبير، لأنَّ قانون الظرفية العقلي يقتضـي أن يكون الكبير ظرفاً للصغير.
فهنا امتناع إدخال الدنيا في البيضة لنقص في البيضة لا لنقص في قدرة الله تعالى، تماماً كما إذا كان هناك رسّام ماهر يجيد كلَّ أنواع الرسم، فيأتيه شخص ويقول له: أتستطيع أن ترسم لي لوحة على الماء أو الهواء!؟ فهل عدم استطاعة الرسّام لذلك يعني أنَّ الرسام ليس ماهراً أم أنَّ نفس الرسم على الماء والهواء مستحيل!؟ حكِّم عقلك واخرج بنتيجة.
تطبيق في القضيَّة المهدوية:
إنَّ جماعة أحمد الگاطع وحتَّى يتملَّصوا من الردِّ العلمي على رواية الوصيَّة، أنكروا (علم الرجال) ونتائجه، فلا يكفي القول بضعف سندها لردِّها، ونحن لو تنزَّلنا عن هذا الأمر، فإنَّه يمكن أن نجيبهم بجواب خطابي لا يمكنهم أن يتملَّصوا منه، وخلاصته التالي:
إنَّ رواية الوصيَّة نصَّت على أنَّ (ابن المهدي) و(أوَّل المقرَّبين) سيتولّى مهام قيادة الدولة المهدوية بعد وفاة أبيه، إذ أنَّها قالت ما نصّه: «... ثمّ يكون من بعده اثنا عشـر مهدياً، (فإذا حضـرته الوفاة) فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين، له ثلاثة أسامي: اسم كاسمي، واسم أبي وهو عبد الله وأحمد، والاسم الثالث: المهدي، هو أوَّل المؤمنين»
(٢٧).
وهنا نقول: لو سلَّمنا أنَّ رواية الوصيَّة صحيحة السند، وأنَّ (أحمد إسماعيل گاطع) هو ابن الإمام، ولكن لا يجب علينا أن نبايعه ونتَّبعه إلَّا بعد ظهور

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) الغيبة للطوسي: ١٥١/ ح ١١١.

(٢٠)

 الإمام المهدي (عليه السلام) وحكمه الأرض ووفاته، لأنَّ هذا هو ما نصَّت عليه الرواية، وبالتالي فلا دليل على لزوم اتِّباعه اليوم إلَّا أن يخالف الوجدان ويدَّعي ظهور الإمام وموته!
الطريق الثالث: طلب المعجزة:
الاتِّصال بالغيب، ليس له أدوات حسّية للإثبات في الأعمِّ الأغلب، لذا أيَّد الله تعالى رسله وأنبياءه بالمعجزات الكثيرة، حتَّى يتمكَّنوا من إثبات اتِّصالهم بالسماء.
ذلك لأنَّ المعجزة حيث إنَّها (أمر خارق للعادة ، مقرون بالتحدّي، مع عدم المعارضة)(٢٨).
وهذا الأمر لا يحصل لأيِّ مدَّعٍ، فإنَّ جريان المعجزة إنَّما يكون بإذن الله تعالى، وهو ما صـرَّح به القرآن الكريم على لسان النبيِّ عيسى (عليه السلام): ﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ٤٩).
فجريانها إنَّما يكون بإذن الله تعالى، فلو جرت على يدي مدَّعٍ كاذب، كان هذا إغراءً من الله تعالى بالمعصية، وهو بحكم العقل قبيح، والله تعالى منزَّهٌ فعلُه عن أيِّ قبيح.
فالحكمة الإلهية واللطف الإلهي يمنع من إجراء المعجزة إلَّا على يدي الصادق، ومن له علاقة بالسماء.
ومن هنا حكم العقل بصدق من تجري المعجزة على يديه، بل وضرورة طاعته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) محاضرات في الإلهيات للسبحاني: ٢٥٨.

(٢٠)

ومن يدَّعي الاتِّصال بالإمام المهدي (عليه السلام) - وهو نوع من أنواع الاتِّصال بالغيب، إذ ليس له أدوات إثبات حسّية - عليه أن يُثبِت ذلك بنفس الكيفية، إذ ما من طريق يقيني يورث الاطمئنان بذلك إلَّا أن يأتي المدَّعي بما يكشف عن صدق دعواه، وذلك بأن يأتي بشـيءٍ خارق للعادة، من دون سابق إنذار، ومن دون تعليم مسبق، لا كما يفعل المشعوذون والسحرة.
وهذا الأمر له شواهد عديدة، نذكر منها التالي:
أوَّلاً: عن المفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين: يرجع في أحدهما إلى أهله، والأُخرى يقال: هلك، في أيِّ وادٍ سلك؟»، قلت: كيف نصنع إذا كان ذلك؟ قال: «إن ادَّعى مدَّعٍ فاسألوه عن تلك العظائم التي يجيب فيها مثله»(٢٩).
فالإمام الصادق (عليه السلام) يدلّنا على أنَّ من يدَّعي مقاماً غيبياً كالمهدوية، أو حتَّى الاتِّصال بالمهدي والسفارة عنه، فعليه أن يجيب من يسأله عن أُمور عظائم، لا يجيب عليها إلَّا الإمام أو من يرسله الإمام ويعطيه المؤيِّدات على ذلك، ومن تلك العظائم بل وعلى رأسها المعجزة.
ثانياً: ما ورد عن الحسين بن عليّ بن محمّد المعروف بأبي عليّ البغدادي، قال: رأيت في تلك السنة بمدينة السلام امرأة، تسأل عن وكيل مولانا (عليه السلام) من هو؟ فأخبرها بعض القمّيين أنَّه أبو القاسم الحسين بن روح، وأشار لها إليه وأنا عنده. فقالت له: أيّها الشيخ أيّ شيء معي؟ فقال: ما معكِ اذهبي فألقيه في دجلة، ثمّ ائتيني حتَّى أُخبركِ. قال: فذهبت المرأة، وحملت ما كان معها، فألقته في دجلة، ثمّ رجعت، ودخلت إلى أبي القاسم الروحي، وأنا عنده. فقال أبو القاسم لمملوكته: أخرجي إليَّ الحقَّة فأخرجت إليه الحقَّة، فقال للمرأة: هذه الحقَّة التي كانت معكِ، ورميتِ بها في دجلة، أُخبرك بما فيها أم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) الغيبة للنعماني: ١٧٨.

(٢٠)

تخبريني؟ قالت: بل تخبرني أنت. قال: في هذه الحقَّة زوج سوار ذهب، وحلقة كبيرة فيها جواهر وخاتمان أحدهما فيروزج، والآخر عقيق. وكان الأمر كما ذكر لم يغادر منه شيئاً. ثمّ فتح الحقَّة، فعرض عليَّ ما فيها، ونظرت المرأة إليه فقالت: هذه التي حملتها بعينها، ورميت بها في دجلة. فغشـي عليَّ وعلى المرأة لما شاهدناه من صدق الدلالة والعلامة(٣٠).
ثالثاً: ما ورد عن محمّد بن الحسن الصيرفي الدورقي المقيم بأرض بلخ يقول: أردت الخروج إلى الحجِّ، وكان معي مال بعضه ذهب وبعضه فضَّة، فجعلت ما كان معي من الذهب سبائك وما كان معي من الفضَّة نقراً، وكان قد دُفِعَ ذلك المال إليَّ لأُسلِّمه من (إلى) الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (قدَّس الله روحه)، قال: فلمَّا نزلت سرخس ضربت خيمتي على موضع فيه رمل، فجعلت أُميِّز تلك السبائك والنقر، فسقطت سبيكة من تلك السبائك منّي وغاضت في الرمل وأنا لا أعلم، قال: فلمَّا دخلت همدان ميَّزت تلك السبائك والنقر مرَّة أُخرى اهتماماً منّي بحفظها، ففقدت منها سبيكة وزنها مائة مثقال وثلاثة مثاقيل - أو قال: ثلاثة وتسعون مثقالاً -، قال: فسبكت مكانها من مالي بوزنها سبيكة وجعلتها بين السبائك، فلمَّا وردت مدينة السلام قصدت الشيخ أبا القاسم الحسين بن روح (قدَّس الله روحه)، وسلَّمت إليه ما كان معي من السبائك والنقر، فمدَّ يده من بين [تلك] السبائك إلى السبيكة التي كنت سبكتها من مالي بدلاً ممَّا ضاع منّي، فرمى بها إليَّ، وقال لي: ليست هذه السبيكة لنا، وسبيكتنا ضيَّعتها بسـرخس حيث ضربت خيمتك في الرمل، فارجع إلى مكانك وانزل حيث نزلت واطلب السبيكة هناك تحت الرمل فإنَّك ستجدها، وستعود إلى هاهنا فلا تراني. قال: فرجعت إلى سرخس ونزلت حيث كنت نزلت، فوجدت السبيكة تحت الرمل وقد نبت عليها الحشيش، فأخذت السبيكة وانصرفت إلى بلدي، فلمَّا كان بعد ذلك حججت ومعي السبيكة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) الخرائج والجرائح للراوندي ٣: ١١٢٥ و١١٢٦.

(٢٠)

فدخلت مدينة السلام وقد كان الشيخ أبو القاسم الحسين ابن روح (رضي الله عنه) مضـى، ولقيت أبا الحسن عليّ بن محمّد السمري (رضي الله عنه)، فسلَّمت السبيكة إليه(٣١).
ومن هذه الإشارات نفهم:
أوَّلاً:
ضرورة التروّي في اتِّباع أيّ مدَّعٍ لدعاوى الارتباط بالغيب، وعدم الاستعجال والدخول معه من دون بصيرة.
ثانياً: يجوز لنا أن نطالب مدَّعي الاتِّصال بالغيب بآية تُثبِت صدق دعواه، فإذا رفض كان ذلك علامة كذبه.
الطريق الرابع: الإهمال:
هل من الصحيح أن نواجه علناً كلَّ من ادَّعى دعوى غيبية؟
وهل من الصحيح أن نجالس كلَّ من طالبنا بالنقاش والمحاججة؟
وهل طاولة النقاش مفتوحة لكلِّ من هبَّ ودبَّ؟
الجواب:
إنَّ التفكير المنطقي الموزون يقضـي بضـرورة الجلوس والنقاش مع البعض، وفي نفس الوقت يحكم بضرورة اتِّخاذ إجراء (الإهمال المتعمَّد) مع بعض آخر، فإنَّه يكون أبلغ جواب له هو إهماله، إذ لعلَّ مناقشته ترفع من شأنه وهو وضيع، وقد تُلفِت الأنظار إليه فينخدع به من لا بصيرة له، فيكون التصرّف الحكيم معه هو إهماله، والاجتناب عن الجلوس معه، ليعرف الجميع ضعته وزيفه، وأنَّه لا يصل إلى منزلة يستحقُّ معها إنفاق بعض الوقت والجهد لأجله.
وهذا الأُسلوب قد استعمله بعض الأئمَّة الأطهار مع بعض الخصوم والمدَّعين، فقد ورد أنَّ أبا سَلَمة الخلال، وهو أحد نقباء الدولة العبّاسية، والعضو الفعّال في قيادة الثورة العبّاسية، بعث كتاباً إلى الإمام الصادق (عليه السلام)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) كمال الدين للصدوق: ٥١٦ و٥١٧.

(٢٠)

يُعلِن فيه استعداده للدعوة إليه والتخلّي عن بني العبّاس، فكان جواب الإمام: «ما أنا وأبو سَلَمة، وأبو سَلَمة شيعة لغيري»، فقال رسول أبي سَلَمة: إنّي رسول، فتقرأ كتابه وتجيبه. فدعا الإمام الصادق (عليه السلام) بسـراج ثمّ أخذ كتاب أبي سَلَمة فوضعه على السـراج حتَّى احترق، وقال للرسول: «عرِّفْ صاحبك بما رأيت»(٣٢).
فالإهمال في بعض الأحيان جواب كافٍ ووافٍ لمن يدَّعي ما ليس فيه.
وهذا ما فعله السفير الثالث الشيخ الحسين بن روح مع الشلمغاني، فقد ورد أنَّه أنفذ محمّد بن عليّ الشلمغاني العزاقري إلى الشيخ الحسين بن روح يسأله أن يباهله، وقال: أنا صاحب الرجل وقد أمرت بإظهار العلم، وقد أظهرته باطناً وظاهراً، فباهلني، فأنفذ إليه الشيخ (رضي الله عنه) في جواب ذلك: أيّنا تقدَّم صاحبه فهو المخصوم، فتقدَّم العزاقري فقُتِلَ وصُلِبَ...(٣٣).
وكذلك ما فعله السفير الأوَّل عثمان بن سعيد العمري الأسدي مع محمّد بن نصير النميري الذي ادَّعى أنَّه رسول نبيّ، وكان يقول بربوبية عليّ (عليه السلام)، ويقول بإباحة المحارم وتحليل نكاح الرجال...، فقد ورد أنَّه لـمَّا ظهر محمّد بن نصير بما ظهر لعنه أبو جعفر (رضي الله عنه) وتبرَّأ منه، فبلغه ذلك، فقصد أبا جعفر(رضي الله عنه) ليعطف بقلبه عليه أو يعتذر إليه، فلم يأذن له وحجبه وردَّه خائباً(٣٤).
الطريق الخامس: الاستهزاء:
نحن نعرف أنَّ الإسلام دين الاحترام وتقييم الآخر، فليس فيه دعوة أو حثّ على الاستهزاء بالآخرين، ومعه فما معنى أن يكون الاستهزاء طريقاً للنقاش والحوار وإثبات الرأي؟
إنَّ المقصود هنا هو عدم إعطاء المدَّعي - إذا ما ثبت تعمّده الكذب واختلاق مقام ليس هو من أهله - أيّ فرصة لإثبات نفسه أو شخصيته، وعدم السماح له بالنبس ببنت شفة، وإظهار أمره لخطورة دعواه الباطلة، فإنَّ ذلك في الوقت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢) اُنظر: مروج الذهب للمسعودي ٣: ٢٥٣.
(٣٣) الغيبة للطوسي: ٣٠٧/ ح ٢٥٨.
(٣٤) الغيبة لطوسي: ٣٩٨/ ح ٣٧٠.

(٢٠)

الذي قد يُؤثِّر إيجاباً على نفسية المدَّعي، بأن يرتدع عن الخوض في الباطل، أو على الأقلّ أن يُخفِّف من التبشير بدعواه خوفاً من الفضيحة والاستهزاء، كذلك فإنَّه يقف حاجزاً دون السماح للآخرين باتِّباع المبطل، فإنَّ الناس إذا رأوا حقارة ذلك المدَّعي وعدم هيبته، فإنَّهم سيحاولون الحفاظ على كرامتهم بالابتعاد عنه، وبالتالي نكون قد حصلنا على نتيجتين في آنٍ واحد: ردع المدَّعي بالباطل، ومنع الناس من اتِّباعه.
وهذا التصـرّف يحتاج إلى حنكة اجتماعية وذكاء وجداني يستطيع من خلاله الإنسان أن يعرف التصرّف المناسب مع المدَّعي، كما فعله الشيخ ابن بابويه والد الشيخ الصدوق (رحمه الله) مع الحلّاج، فقد ورد أنَّ ابن الحلّاج صار إلى قمّ، وكاتب قرابة أبي الحسن - وهو والد الشيخ الصدوق - يستدعيه ويستدعي أبا الحسن أيضاً ويقول: أنا رسول الإمام ووكيله.
قال الصدوق: فلمَّا وقعت المكاتبة في يد أبي (رضي الله عنه) خرقها، وقال لموصلها إليه: ما أفرغك للجهالات؟ فقال له الرجل: ... فإنَّ الرجل قد استدعانا فلِمَ خرقت مكاتبته!؟
وضحكوا منه وهزؤا به. ثمّ نهض إلى دكّانه ومعه جماعة من أصحابه وغلمانه. قال: فلمَّا دخل إلى الدار التي كان فيها دكّانه نهض له من كان هناك جالساً غير رجل رآه جالساً في الموضع فلم ينهض له ولم يعرفه أبي، فلمَّا جلس وأخرج حسابه ودواته كما يكون التجّار أقبل على بعض من كان حاضراً، فسأله عنه، فأخبره، فسمعه الرجل يسأل عنه، فأقبل عليه وقال له: تسأل عنّي وأنا حاضر؟ فقال له أبي: أكبرتك أيّها الرجل وأعظمت قدرك أن أسألك. فقال له: تخرق رقعتي وأنا أُشاهدك تخرقها؟ فقال له أبي: فأنت الرجل إذاً.
ثمّ قال: يا غلام برجله وبقفاه، فخرج من الدار العدوّ لله ولرسوله، ثمّ قال له: أتدَّعي المعجزات عليك لعنة الله؟ أو كما قال، فأُخرج بقفاه، فما رأيناه بعدها بقم(٣٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) الغيبة للطوسي: ٤٠٢ و٤٠٣/ ح ٣٧٧.

(٢٠)

ومنه ما ورد عن أبي نصـر هبة الله بن محمّد الكاتب ابن بنت أُمّ كلثوم بنت أبي جعفر العمري، قال: لـمَّا أراد الله تعالى أن يكشف أمر الحلّاج ويُظهِر فضيحته ويُخزيه، وقع له أنَّ أبا سهل إسماعيل بن عليّ النوبختي ((رضي الله عنه)) ممَّن تجوز عليه مخرقته وتتمُّ عليه حيلته، فوجَّه إليه يستدعيه، وظنَّ أنَّ أبا سهل كغيره من الضعفاء في هذا الأمر بفرط جهله، وقدر أن يستجرّه إليه فيتمخرق (به) ويتسوف بانقياده على غيره، فيستتبُّ له ما قصد إليه من الحيلة والبهرجة على الضعفة، لقدر أبي سهل في أنفس الناس ومحلّه من العلم والأدب أيضاً عندهم، ويقول له في مراسلته إيّاه: إنّي وكيل صاحب الزمان (عليه السلام) - وبهذا أوَّلاً كان يستجرُّ الجهّال ثمّ يعلو منه إلى غيره -، وقد أُمرت بمراسلتك وإظهار ما تريده من النصـرة لك لتقوي نفسك، ولا ترتاب بهذا الأمر. فأرسل إليه أبو سهل (رضي الله عنه) يقول له: إنّي أسألك أمراً يسيراً يخفُّ مثله عليك في جنب ما ظهر على يديك من الدلائل والبراهين، وهو أنّي رجل أُحِبُّ الجواري وأصبو إليهنَّ، ولي منهنَّ عدَّة أتحظّاهنَّ، والشيب يُبعِدني عنهنَّ [ويُبغِّضني إليهنَّ]، وأحتاج أن أُخضبه في كلِّ جمعة، وأتحمَّل منه مشقَّة شديدة لأستر عنهنَّ ذلك، وإلَّا انكشف أمري عندهنَّ، فصار القرب بعداً والوصال هجراً، وأُريد أن تغنيني عن الخضاب وتكفيني مؤنته، وتجعل لحيتي سوداء، فإنّي طوع يديك، وصائر إليك، وقائل بقولك، وداع إلى مذهبك، مع ما لي في ذلك من البصيرة ولك من المعونة. فلمَّا سمع ذلك الحلّاج من قوله وجوابه علم أنَّه قد أخطأ في مراسلته وجهل في الخروج إليه بمذهبه، وأمسك عنه ولم يرد إليه جواباً، ولم يُرسِل إليه رسولاً، وصيَّره أبو سهل (رضي الله عنه) أُحدوثة وضحكة ويطنز(٣٦) به عند كلِّ أحد، وشهر أمره عند الصغير والكبير، وكان هذا الفعل سبباً لكشف أمره وتنفير الجماعة عنه(٣٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦) طنز يطنز طنزاً: كلَّمه باستهزاء. (هامش المصدر).
(٣٧) الغيبة لطوسي: ٤٠١ و٤٠٢/ ح ٣٧٦.

(٢٠)

الفصل الثالث: آداب الحوار:
مهما كانت العقيدة التي نؤمن بها حقَّة، ومهما كانت الدعاوى المقابلة باطلة، فإنَّ المطلوب من المؤمن أن لا يخرج عن الحدود الإسلاميَّة والآداب الأخلاقية في مناظرته ونقاشه مع الآخر، ذلك لأنَّ عادة الجدال والحوار أنَّه يستثير دفائن الأُمور وكوامن النفوس، وبالتالي فإنَّ العصبية ستجد مراحاً واسعاً لتمدَّ ظلالها على طاولة النقاش، ومن هنا يلزم على المؤمن أن لا ينسى الآداب العامَّة للمناظرة، والتي أكَّد عليها القرآن الكريم والروايات الشريفة والأحكام العقلية وسيرة العقلاء.
والآداب كثيرة، نذكر منها التالي:
الأدب الأوَّل: الهدفية الإلهية:
بمعنى أن يكون الدافع من وراء إثارة النقاش هو الوصول إلى الحقِّ الذي يريده الله تعالى، لا أن يكون الدافع مجرَّد إثبات الرأي أو المراء أو إثبات أفضلية النفس والشهرة والسمعة وقوَّة إلقاء الحجَّة ورصانة التعبير، فإنَّ كلَّ شيء لا يكون المقصود من ورائه وجه الله تعالى فهو هباء.
ولازم هذا الأدب أن يخضع الشخص للحقِّ إذا ثبت، بغضِّ النظر عمَّن ثبت على يده الحقُّ.
وقد يكون هو المراد من أمر القرآن الكريم بتحديد الجدال بالتي هي أحسن، حيث يكون الهدف منه الوصول إلى الحقيقة بإخلاص وتجرّد عن الأنانية والمراء.
روي أنَّه قال أبو محمّد الحسن بن عليّ العسكري (عليهما السلام): «ذكر عند الصادق (عليه السلام) الجدال في الدين وأنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمَّة (عليهم السلام) قد نهوا عنه، فقال الصادق (عليه السلام): لم ينهِ عنه مطلقاً، ولكنَّه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن، أمَا تسمعون الله يقول: ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦]،

(٢٠)

وقوله: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]؟»(٣٨).
وهذا الأدب يتضمَّن التوسّل بالله تعالى في أن يجري الحقَّ على يديه نصـرةً لدينه لا نصـرةً لنفسه، فالمؤمن دائم الحذر من نفسه، وحتَّى لا ينخدع بخدعها، عليه أن يتوسَّل بالربِّ الجليل أن ينجيه من فتنتها واختباراتها.
الأدب الثاني: تحديد محلّ النزاع:
فليس من الصحيح أن نبدأ النقاش في موضوع متناثر الأطراف من دون تحديد الوجهة التي نقصدها من النقاش، خصوصاً في القضايا المتشعِّبة وذات المفاصل المتعدِّدة، كالقضيَّة المهدوية، وإلَّا فإنَّ عدم تحديد موضع النقاش يؤدّي إلى تضييع الجهد والوقت، وبالتالي عدم الوصول إلى نتيجة معيَّنة.
ويدخل تحت هذا الأدب أنَّ على المتحاورين أن يفتتحا نقاشهما بالأُمور الأصلية والأساسات التي ترتكز عليها العقيدة، لا أن ينشغلا بالأُمور الفرعية التي تُعتَبر من نتائج تلك الأساسات.
الأدب الثالث: تحديد مصادر إثبات الرأي:
بمعنى أن يتمَّ الاتِّفاق مسبقاً على الأُصول الموضوعية التي تؤخذ مسلَّمة أثناء النقاش، وما يمكن أن يكون مرجعاً لإثبات الرأي، وما لا يصحُّ الاعتماد عليه فيه، فنُحدِّد مثلاً أنَّ الحسن والقبح عقليان أو شرعيان، وأنَّ مرجعنا في النقاش هو الكتاب الكريم والسُّنَّة الشـريفة، ونُحدِّد ما هو الحجَّة من السُّنَّة الشـريفة، وأنَّه هل الحجَّة فيها هو كلّ ما احتملنا صدوره عن المعصوم أو خصوص ما صحَّت نسبته إليه، وأنَّ علم الرجال مثلاً من العلوم التي يُعتَمد عليها أو لا، وأنَّ الرؤى والأحلام هل هي حجَّة أو لا، وهكذا...
إنَّ عدم تحديد المرجع في إثبات الرأي وعدم الاتِّفاق المسبق يؤدّي إلى دوران

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨) الاحتجاج للطبرسي ١: ١٤.

(٢٠)

 المتناقشين في حلقة مفرغة، وإلى توقّفهم عند الخطوة الأُولى من دون إحراز أيّ تقدّم نحو النتائج اليقينية.
الأدب الرابع: الأهلية العلمية:
بمعنى أن يكون الشخص الذي يبرز للمناقشة ذا علمية وتخصّص في المجال الذي يريد النقاش فيه، ولا يكون عيالاً عليه، وإلَّا فإنَّه مغلوب محجوج لا محالة، وضياع الحقّ على يديه سيكون محتملاً جدّاً، ولن ينتج الحوار معه سوى ضياع الوقت وهدر الجهد، وهذا من أشدِّ ما ابتلى به المتخصِّصون في مجالات العلوم، حيث إنَّهم يواجهون أُناساً غير متخصِّصين، ولا يفهمون المقصود من كلام المتخصِّص، وبالتالي فإنَّ سوء الفهم لن ينتج إلَّا الجدال والمراء بغير حقٍّ.
إنَّ المتخصِّص يتميَّز بأنَّه سيكون متثبِّتاً في كلامه، مطمئنّاً بقوَّة حججه وبراهينه، وبالتالي سينعكس هذا الاطمئنان وهذه الثقة بالنفس على الطرف الآخر بالخوف والارتباك، وبالتالي الاعتراف بالعجز أو الانسحاب بخسارة.
عن عبد الأعلى، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّ الناس يعتبون عليَّ بالكلام وأنا أُكلِّم الناس، فقال: «أمَّا مثلك من يقع ثمّ يطير فنعم، وأمَّا من يقع ثمّ لا يطير فلا»(٣٩).
وعن الطيّار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): بلغني أنَّك كرهت مناظرة الناس. فقال: «أمَّا كلام مثلك فلا يُكرَه، من إذا طار يحسن أن يقع، وإن وقع يحسن أن يطير، فمن كان هكذا لا نكرهه»(٤٠).
الأدب الخامس: الجوّ المناسب:
لا شكَّ أنَّ للجوِّ أثره في إنتاج الحوار، لذلك ينبغي الاهتمام بهذا الجانب، فينبغي اختيار وقت مناسب بعيداً عن الأجواء الضوضائية، والاتِّفاق على إتاحة وقت كافٍ لكلٍّ من المتحاورين ليُبيِّن مطلبه والمعنى الذي يؤمن به،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) اختيار معرفة الرجال للطوسي ٢: ٦١٠/ الرقم ٥٧٨.
(٤٠) بحار الأنوار للمجلسي ٢: ١٣٦.

(٢١)

وعلى من يريد فتح نقاش أن يكون مرتاحاً جسدياً ونفسياً، ليتمكَّن من تجميع المعلومات وتحليلها واستنتاج النتائج منها، والانتباه إلى نقاط ضعف الخصم، وعليه أن يهتمَّ بمظهره، لأنَّ للمظهر أثره في تقبّل الآخر، وعليه أن ينتظر دوره ليلقي حججه، ولا يتطفَّل على وقت غيره، وأن يكون مستمعاً جيِّداً للطرف الآخر، ليلقي في روعه أنَّه مهتمٌّ بكلامه، وحتَّى يتمكَّن أيضاً من التقاط ما يمكن أن يُمثِّل هوة في كلام الخصم ونقطة ضعف فيه.
ويدخل تحت هذا الأدب التعارف المسبق، وإلقاء التحيَّة والترحيب والبشاشة، ونداء الطرف الآخر بما يُحبِّه من الأسماء، فإنَّ ذلك من شأنه أن يخلق جوّاً رطباً بعيداً عن التشنّجات والمهاترات.
الأدب السادس: الصبر:
إنَّ إثبات الحقِّ ليس سهلاً دائماً، لأنَّ الطرف الآخر قد يكون من النوع المعاند، وقد يكون من النوع المغالط، وبالتالي فإنَّه سيكون متعباً جدّاً أثناء الحوار، فعلى من يفتح باب النقاش أن يتحلّى بالصبر، حتَّى يستطيع أن يجني ثمار نقاشه، ولا ييأس من أوَّل محاولة فاشلة، بل عليه أن يستمرَّ بالبحث وإدلاء الأدلَّة وتقوية الأساس العقدي وتضعيف الباطل بطريقة وبأُخرى، إلى أن يكتب الله تعالى له الظفر بأهل الباطل.
الخاتمة:
إنَّ العقيدة تحتاج في مسيرتها إلى أُناس يحملون همّها وهمّ نشـرها وبثّها وإثباتها، والوقوف أمام الشبهات المثارة حولها، ورصد الطرف الآخر وتحرّكاته الفكرية والميدانية، وهذا يحتاج إلى معرفة مسبقة بنوع الطرف الآخر، وبالطريقة المناسبة للتحاور معه، وبالقضيَّة التي يمكن أن تكون هي مادَّة النقاش والحوار، وهذا يحتاج إلى تخصّص في مجال معيَّن، وإلى صبر على تحصيل العلم فيه، وإلى إخلاص في العمل، حتَّى يمكن أن يكون النقاش مثمراً.

(٢١)

وهذا المبدأ قد أكَّد عليه القرآن الكريم حينما دعا إلى إثارة النقاش والجدال بالأُسلوب الحسن الذي يُرتجى معه الظفر ونصرة الحقِّ، والإطاحة بزخارف الباطل وبهارجه.
إنَّ على كلِّ مؤمن يحمل همّ المذهب أن يرصد الدعاوى الباطلة والمزيَّفة، التي يقوم بتشييدها أبناء الباطل ودعاة الضلال، وأن يتسلَّح بالإيمان والصبر والعلم في مواجهتها، فإنَّ المسلم هو من يحمل همّ الإسلام، والمؤمن إيمانه أصلب من الجبال، فلا تهزّه ريح صرّ عاتية.
وهذه المفردة تُمثِّل إحدى تجلّيات الانتظار بمفهومه الصحيح، ذلك الانتظار الذي يجعل الفرد دائم البحث والتنقيب عمَّا يقوّي إيمانه، ويُضعِّف من أسلحة الشيطان.
وأفضل عون على ذلك هو أن يتوسَّل الإنسان بمصدر القوَّة المطلقة، والحكمة اللامتناهية، واللطف الخفيّ، ليسلم من المنزلق، ولا يقع في حفرة الباطل، ولات حين مندمِ.

(٢١)

 

البصيرة الأخلاقية في عصر الظهور

(الآليات والأساليب)

 

بقلم: رحيم كارگر
تعريب: حسن مطر

 

المدخل:
إنَّ التحقيق في كلِّ مشـروع، والوصول إلى كلِّ هدف يحتاج إلى انتهاج أساليبه وآلياته، وإنَّ البحث غير المنهجي أو توظيف آلية غير مناسبة، سيُحدِث خللاً في مسار الأُمور الإنسانية، ويُؤدّي إلى الانحراف وعدم فاعلية المشاريع.
إنَّ الأصل الجوهري في الفنون والعلوم هو العمل على منهجتها وتنظيمها ضمن المباني المعرفية، والتحقيق والبحث والتخطيط والإنتاج العلمي. ولهذا الأصل مكانة خاصَّة في العلوم الإنسانية، ولاسيّما العلوم التربوية منها، وتؤدّي إلى حيويتها واستمراريتها في مجال التنظير وتقديم الحلول العملية.
لقد كان للمدارس والمذاهب التربوية المختلفة سعي إلى لعب دور مؤثِّر في حقل التربية - من خلال أساليبها وأدواتها الخاصَّة - وحضور جادّ ومثمر في هذا الحقل المؤثِّر والحسّاس.
ويمكن بيان الأساليب الهامَّة في هذا المجال من الناحية الدينية، على الترتيب الآتي:
١ - الأُسلوب الأخلاقي: في هذا الأُسلوب يتمُّ بحث كلّ من الصفات الحسنة والقبيحة من أجل إبعاد الناس عن الصفات السيِّئة وتقريبهم من

(٢١)

 الفضائل، ويتمُّ تمحيص محاسنها وعيوبها من خلال الاستناد إلى الآيات القرآنية والروايات الإسلاميَّة، وما يترتَّب عليها من النتائج والتبعات، ويتمُّ تقديم الحلول المناسبة لرفع النواقص والعيوب.
٢ - الأُسلوب العرفاني: في هذا الاتِّجاه يتمُّ الاعتماد - بشكل رئيس - على تصفية الباطن واستئصال الصفات القبيحة، وإيجاد الفضائل الإنسانية من طريق معرفة النفس ومعرفة الله تعالى، والانقطاع الكامل عمَّا سواه. وفي هذا النهج يتمُّ الاهتمام في الغالب بأصل الكمال الإنساني، ويتمُّ الاستناد إلى عنصر محبَّة وعشق مبدأ الوجود.
٣ - الأُسلوب الفلسفي: في هذا الأُسلوب تتمُّ مواجهة الرذائل الأخلاقية، وتحقيق الكرامة الإنسانية بواسطة أدوات العقل ومن خلال التدبّر بشأن حُسن الأفعال وقبحها، مع التأكيد كذلك على حقيقة أنَّ الصفات الحسنة هي من الأُمور الوجودية ومن آثار الوجود، في حين أنَّ الصفات القبيحة أُمور عدمية. إنَّ الوجود خير محض، ويجب على الإنسان أن يتَّجه نحو الخير، وكلَّما أمكنه الابتعاد عن العدم والاقتراب من الوجود، كان أقرب إلى الكمال.
٤ - الأُسلوب التجريبي: وهو أُسلوب حديث الظهور، يُروِّج له علماء النفس الحديث والمتصدّون لشؤون التربية والتعليم في العالم المعاصر. وفي هذا الأُسلوب يتمُّ التأكيد في الغالب على الأضرار الجسدية، ورفاهية البدن، والنجاحات والإخفاقات الاجتماعية، ويحظى دور الإحصاء وإعطاء الأمثلة فيه بأهمّية كبيرة(١).
إنَّ كلَّ واحدٍ من هذه الأساليب، يستعرض آلياته وأدواته المتناسبة، أو أنَّه يهتم ببعض الجوانب التربوية للإنسان بشكل أكبر من الاهتمام بالجوانب الأُخرى.
ويبدو أنَّ أكثر المدارس والمناهج التربوية نجاحاً، هو المنهج الذي يهتمُّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) أُنظر: روش هاى تربيت للسيِّد مهدي الموسوي: ١٣ و١٤.

(٢١)

بجميع أبعاد الإنسان، ويعمل على توظيف الأساليب والأدوات المناسبة في هذا الاتِّجاه. وقد اهتمَّ القرآن الكريم والروايات الشريفة بهذه المسألة بشكل جادٍّ، وأكَّدت على جامعية الأساليب والآليات التربوية.
إنَّ أهمّ بعد تربوي في الإسلام - طبقاً لفرضية هذا البحث - هو وصول الإنسان إلى (البصيرة الأخلاقية) الذي يحصل من طريق أساليبه وأدواته الخاصَّة.
إنَّ (البصيرة الأخلاقية) تعني التعليم والتربية القدسية للإنسان، والتي سوف يُكتَب لها التحقّق في عصـر ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) الموعود بشكل كامل. وهذا لا يحصل إلَّا من خلال الآليات والأساليب المتنوِّعة.
وفي الحقيقة يمكن التعريف بعدَّة عناصر أخلاقية - فكرية هامَّة في هذه المنظومة، وذلك على النحو الآتي:
١ - رفع مستوى وعي الإنسان وطاقاته العقلية.
٢ - اجتثاث جذور الفساد وأسباب ضياع الفرد والمجتمع.
٣ - الاستعانة بالعقل في معرفة المبدأ والمعاد والخير والشرّ.
٤ - الاستعانة بقدرة الناس على الاختيار، وتوظيف ذلك في توجيههم من أجل تغيير واقعهم المزري.
٥ - تهذيب أخلاق الناس، وتعريفهم بالفضائل الإنسانية، وما إلى ذلك.
واضح أنَّ هناك الكثير من الأدوات والأساليب التي يجب توظيفها واستخدامها من أجل انتشال الناس من حمأة الضلالة والجهالة، تمهيداً لإصلاح المجتمع والتقليل من المشاكل والعقبات الماثلة أمام تقدّم الإنسان نحو الكمال. وفي عصـر الظهور سوف يتمُّ توظيف كافَّة الإمكانات والأدوات المتاحة من أجل إصلاح الأخلاق وتوفير بيئة مناسبة لبناء حياة طاهرة وسالمة للإنسان، وهذا إنَّما يأتي في ضوء العناية الإلهية وشخصية ودراية ومقدرة خاصَّة من الإمام المهدي (عليه السلام).

(٢١)

إنَّ أوَّل عمل سيقوم به الإمام المهدي (عليه السلام) يتمثَّل في تربية الناس، ليتسنّى له تحقيق سائر مشاريعه الاجتماعية الأُخرى بالشكل المناسب، وإقامة العدل والقسط في المجتمع. وتتمُّ الاستفادة من مختلف الأساليب والأدوات - المتناسبة والمستوى الفكري والأخلاقي للناس - من أجل تحقيق هذا المشـروع الأخلاقي الجامع والكامل. وفي هذا البحث سوف نتعرَّض إلى ذكر الآليات والأدوات المقتبسة من الروايات والمصادر الدينية، على النحو الآتي:
أدوات الوصول إلى البصيرة الأخلاقية:
إنَّ (البصيرة الأخلاقية) ليست مجرَّد مصطلح أو مفهوم لاستهلاك الوقت في البحث والتحقيق، بل هي حقيقة عينية، يتمكَّن الفرد - من خلال تحقيقها - من الوصول إلى أعلى المدارج التربوية والأخلاقية، ويضع خطواته على المسار الصحيح والقويم. إنَّ هذه الحقيقة قابلة للتطبيق من خلال آلياتها وأدواتها الخاصَّة، والتي سوف نخوض فيها ضمن هذا البحث على أساس مختلف الاتِّجاهات من خلال التدقيق في المصادر الحديثية والروائية، وهذه الاتِّجاهات عبارة عن:
١ - الاتّجاه الثقافي - الإعلامي الجامع:
طبقاً لهذا الاتِّجاه تقوم (البصيرة الأخلاقية) والتعليم والتربية القدسية للإنسان على أساس المشاريع الثقافية - الإعلامية الجامعة والشاملة، لتعميم الإرشاد والهداية الدينية على جميع الناس وفي كافَّة أقطار العالم.
إنَّ الآليات والأدوات الثقافية - الإعلامية الجامعة عبارة عن:
١/١ - بناء الثقافة الجامعة:
إنَّ من بين العناصر الهامَّة في التربية استيعابها لجميع أفراد المجتمع، بمعنى أنَّه يجب توفير المشاريع التربوية والأخلاقية على مختلف مستويات ومراحل الحياة المختلفة للجميع، وعلى كافَّة الأفراد أن يبادروا إلى التزكية وتهذيب

(٢١)

النفس وتعلّم الحكمة والتعقّل. فلو أنَّ أجزاءً من المجتمع - مهما كانت صغيرة - لم يكن لها نصيب من طهر النفس والأخلاق الفاضلة، فإنَّها ستعمل على تلويث سائر الأجزاء الأُخرى، وتؤدّي بها إلى الضياع والانحطاط، وتحول دون تأثير المشاريع التربوية عليها. والأهمُّ من ذلك أنَّ المنحرفين في المجتمع يُمثِّلون مانعاً رئيساً أمام مشاريع التربية والتعليم، حيث يعملون على الدوام من أجل حرف وإغواء الآخرين والسعي إلى إفساد المجتمعات. من هنا فإنَّ التربية والتعليم الحقيقي هو الذي يستوعب جميع الأفراد، والذي يُقدِّم الطرق والحلول المناسبة للإصلاح الأخلاقي. إنَّ عملية التربية والتعليم في عصـر الظهور ستكون عملية عالمية شاملة وفاعلة، وتستوعب جميع الأفراد من كافَّة الأعمار والفئات والاتِّجاهات الفكرية والاعتقادية والسياسية والجغرافية وما إلى ذلك، فلن يكون هناك شخص محروم من هذه الهداية والتربية، ويبقى هكذا سادراً في الضياع. جاء في الروايات:
- «لا يبقى كافر إلَّا آمن، ولا طالحٌ إلَّا صلح»(٢).
- «يذهب الشرُّ، ويبقى الخير..، يذهب الزنا وشرب الخمر ويذهب الربا»(٣).
- «... يعمل بكتاب الله، لا يرى فيكم منكراً إلَّا أنكره»(٤).
- «... تُعدَم الفتن والغارات، ويكثر الخير والبركات»(٥).
- «به يمحق الله الكذب، ويُذهِب الزمان الكَلِب...»(٦).
١/٢ - توظيف الهداية الكلامية:
إنَّ من بين العناصر الهامَّة والمؤثِّرة في التربية والتعليم، الاستفادة في بيان التعاليم والأفكار من الكلام النافذ والمؤثِّر والصـريح والمخلص. فإنَّ النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان في منهجه وأُسلوبه التربوي يستخدم الكلام المباشر بشكل كامل، ويُؤثِّر بحديثه النوراني والرصين في روح ونفسية المخاطَب، بحيث تنفذ الموعظة فيه إلى أعماق وجوده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٢٩٠.
(٣) منتخب الأثر للصافي الكلبايكاني: ٥٩٢/ ح ٤؛ إلزام الناصب لليزدي الحائري ٢: ١٨٢.
(٤) الكافي للكليني ٨: ٣٩٦/ ح ٥٩٧.
(٥) منتخب الأثر: ٢٠٩/ ح ٤٩؛ ينابيع المودَّة للقندوزي ٣: ٣٣٨.
(٦) الغيبة للطوسي: ١٨٥/ ح ١٤٤.

(٢١)

من هنا كان هذا الأُسلوب موضع اهتمام العلماء، ولاسيّما أساتذة الأخلاق وتهذيب النفس.
إنَّ البيان الصـريح للمسائل الأخلاقية والتربوية والتنويرية بشأن الخير والشـرّ، والسعادة والضلال، والنور والظلمة، والاستقامة والانحراف، والقيم والآفات، وما إلى ذلك من المفاهيم يستوجب التقدّم والتطوّر الفكري والأخلاقي للإنسان، ويُخرجه من حالة الغفلة والجهالة.
إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) عند ظهوره مسنداً ظهره إلى جدار الكعبة وفي جوار بيت الله، سوف يُبيِّن كلامه النوراني بوضوح ويُعرِّف الناس بتعاليمه الدينية والسماوية والقيم والفضائل التي يجب عليهم التحلّي بها، ويدعوهم إلى الأخلاق الحسنة وإلى التمسّك بها على طبق كتاب الله تعالى. وسوف يكون لكلامه التأثير الواضح والنافذ في هداية وتربية الناس بشكل لا يقبل الإنكار. وقد جاء في الروايات:
- «فيدعو الناس إلى كتاب الله وسُنَّة نبيِّه (عليه وآله السلام)، والولاية لعلي بن أبي طالب...»(٧).
وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام)، أنَّه قال: «ثمّ يظهر المهدي بمكّة عند العشاء، ومعه راية رسول الله وقميصه وسيفه، وعلامات ونور وبيان، فإذا صلّى العشاء نادى بأعلى صوته يقول: أُذكِّركم الله أيّها الناس ومقامكم بين يدي ربِّكم، فقد اتَّخذ الحجَّة وبعث الأنبياء وأنزل الكتاب، يأمركم أن لا تشـركوا به شيئاً، وأن تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله، وأن تُحيوا ما أحيى القرآن، وتُميتوا ما أمات، وتكونوا أعواناً على الهدى، ووزراً على التقوى، فإنَّ الدنيا قد دنا فناؤها وزوالها، وأذنت بالوداع وإنّي أدعوكم إلى الله وإلى رسوله والعمل بكتابه وإماتة الباطل وإحياء السُّنَّة، فيظهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً»(٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) تفسير العيّاشي ٢: ٥٧/ ح ٤٩.
(٨) الملاحم والفتن لابن طاووس: ٦٤؛ عقد الدرر للمقدسي: ١٤٥؛ الصراط المستقيم للبياضي ٢: ٤١١.

(٢٢)

١/٣ - حُسن تطبيق القوانين الإلهية والمسائل الأخلاقية:
إنَّ التمسّك بالتعاليم والتكاليف الدينية (التشـريعات الإلهية) والمسائل الأخلاقية الثابتة هي السـرُّ في حيوية وبقاء المجتمعات، وسلوك طريق سعادة الناس الساطع واللاحب. وإنَّ عدم تطبيقها بشكل كامل وحسن، أو تطبيقها بشكل منقوص أو ضعيف في المجتمع، يؤدّي إلى زوالها واضمحلالها، كما يؤدّي إلى اضطراب الحياة وتحويلها إلى حياة غير إلهية وغير أخلاقية. إنَّ التهاون في تطبيق الحدود الإلهية، والعمل بالقوانين الوضعية المخالفة للتعاليم الدينية، والتعاطي المزدوج مع التكاليف الدينية، وتفسيرها وتحليلها الشخصـي والخاطئ، والانغماس في الحياة المادّية والشهوانية وما إلى ذلك، يؤدّي إلى بُعد الإنسان عن الله تعالى والروحانيات، ويرمي به في حمأة الآفات والرذائل الأخلاقية.
إنَّ (عصـر الظهور) هو عصـر تحرّر الإنسان من هذه الآفات والانحرافات في ضوء العمل بالتعاليم الإلهية - ولاسيّما القيم الأخلاقية - وتطبيق القوانين الدينية والتعاليم السماوية. وقد ورد في الروايات:
- «... يُمهِّد الأرض، ويُحيي السُّنَّة والفرض»(٩).
- «يُقيم الناس على ملَّتي وشريعتي، ويدعوهم إلى كتاب ربّي»(١٠).
وقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد، فجمع به عقولهم، وأكمل به أخلاقهم»(١١).
٢ - الاتّجاه المتمحور حول العقل:
في هذا الاتِّجاه يتمُّ الاهتمام بآليات وأدوات التربية العقلانية وجمع المعلومات المقدَّسة، ويتمُّ الخوض في رفع مستوى العلم والمعرفة والحكمة لدى الإنسان في ضوء تعاليم القرآن والاستيعاب الكامل للتعاليم الاعتقادية والمعرفية ورفع مستوى المعرفة والتعقّل لديه.
إنَّ الإنسان في ضوء التقدّم الفكري والعلمي والاستفادة من العقل الإنساني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) ينابيع المودَّة ٣: ٢٠٨؛ إلزام الناصب ٢: ٢٠٨؛ منتخب الأثر: ٢١٠.
(١٠) كمال الدين للصدوق ٢: ٦١١/ ح ٦.
(١١) الخرائج والجرائح للراوندي ٢: ٨٤١/ ح ٧١.

(٢٢)

الخالص، يغدو بإمكانه التعرّف على الحقائق، واختيار الطريق الصحيح والمناسب.
وفي هذا الإطار يمكن أن نُعدِّد الآليات والأدوات الآتية:
٢/١ - تطوّر العقل الفردي والجمعي:
إنَّ أهمّ آلية للوصول إلى البصيرة الأخلاقية، هي آلية الكمال الفكري، بمعنى الاهتمام الخاصّ من قِبَل الدين بتطوير العقل والوعي البشـري، ورفع مستواه المعرفي مقترناً بوضوح الرؤية. وعليه فإنَّ أوَّل وأهمّ آلية تكمن في تطوير وازدهار البُعد الفكري والعقلي للناس.
إنَّ العقل يُمثِّل أساس ودعامة الإنسانية، والحجَّة الباطنة لله تعالى، وأداة الفهم، وطريق الحصول على المعارف الاعتقادية الجوهرية، وأحد مصادر استنباط الأحكام الفقهية للإسلام.
إنَّ تطوير وإنعاش هذه النعمة الإلهيَّة القيِّمة، كان هو الهدف والغاية لجميع الأديان السماوية ولاسيّما الدين الإسلامي منها.
لقد اهتمَّ الإسلام بالعقل والتعقّل كثيراً، واعتبر التربية الأخلاقية نوعاً من التربية العقلانية وإنعاش قوَّة الاستدلال.
وقد ذهب الفلاسفة والمتكلِّمون الشيعة - ومن بينهم: الشيخ الطوسي، والشيخ المفيد، وابن سينا وآخرون - إلى الاعتقاد بأنَّ العقل البشـري قادر على تحديد حُسن الأفعال وقبحها، ومعنى ذلك أنَّ عقل الإنسان في بادئ الأمر قادر على تشخيص حسن عملٍ ما أو قبحه.
إنَّ مضمون بعض الروايات يقول بأنَّ الأخلاق تقوم في الأساس على العقل والتعقّل؛ لأنَّ العقل هو الذي يردع الإنسان عن ارتكاب الأعمال القبيحة، ويدعوه إلى الطهر والبصيرة الإيمانية والأخلاقية. وبعبارة أُخرى: إنَّ العقل مثل النبيِّ الظاهري في نهي الناس عن ارتكاب الأعمال القبيحة.

(٢٢)

روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنَّه قال: «العاقل من تورَّع عن الذنوب، وتنزَّه عن العيوب»(١٢).
بالالتفات إلى كلام الإمام علي (عليه السلام)، يكون العقل عبارة عن: قوَّة تشخيص وإدراك الحقِّ والباطل (على المستوى النظري)، والخير والشـرّ (على المستوى العملي) من جهة، ويردع عن ارتكاب المعاصي، ويهدي إلى صالح الأعمال من جهة أُخرى.
إذن لكي نتمتَّع بالروح العالية لا بدَّ في الدرجة الأُولى من العمل على تطوير العقل وتنميته. ومن الطبيعي إذا كانت العلَّة متكاملة، فإنَّ المعلول بدوره سيغدو أقوى وأشدّ رسوخاً وثباتاً. وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «دعامة الإنسان العقل، والعقل منه الفطنة، والفهم والحفظ والعلم»(١٣).
إنَّ الوصول إلى الكمالات الأخلاقية إنَّما يمكن في ضوء العقل، وكلَّما أُصيب العقل بالركود، سيمتنع الانتعاش الأخلاقي بنفس النسبة. روي عن رسول الله.(صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال: «إنَّما يُدرَك الخير كلّه بالعقل»(١٤). وبطبيعة الحال فإنَّ الذي يحظى بالأهمّية في أمر التربية العقلانية، هو بذل المزيد من الاهتمام بتنمية العقل الإلهي؛ لأنَّ الإنسان السعيد في الإسلام هو الذي يكون بالإضافة إلى حصوله على التربية في عقل المعاش، يكون عقل المعاد عنده مزدهراً.
يرى الفقيد النراقي أنَّ العقل يُمثِّل أكبر طاقة في وجود الإنسان، وأنَّ اتِّباعه هو الذي يضمن تعديل سائر القوى والطاقات الأُخرى، ويحصل من خلال ذلك على الفضائل ذات الصلة(١٥).
وفي الوقت الذي تمَّ التأكيد فيه على العقل كثيراً - بطبيعة الحال - هناك اهتمام بنفس الحجم في التأكيد على تهذيب النفس أيضاً، بمعنى أنَّه لا بدَّ من الاهتمام بأمر التربية الأخلاقية والوصول إلى الطهر الداخلي أيضاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) عيون الحِكَم والمواعظ لليثي الواسطي: ٢٣.
(١٣) الكافي ١: ٢٥/ ح ٢٣.
(١٤) تحف العقول لابن شعبة الحرّاني: ٥٤.
(١٥) علم اخلاق اسلامي لمحمّد مهدي النراقي (مصدر فارسي)/ ترجمة المصطفوي: ٩٦.

(٢٢)

إنَّ القرآن الكريم كلَّما تحدَّث عن هداية الإنسان، عنى بذلك الهداية الداخلية والقلبية والشهودية (الإلهامية والإيجابية). فعلى سبيل المثال: نجد الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدى﴾ (مريم: ٧٦)، إنَّ هذا الشهود من وجهة نظر الإسلام يعني التحوّل الداخلي والباطني الذي يربط الفرد بمنشأ متعال (وهو الله سبحانه وتعالى)، ويجعل الإنسان أهلاً لتحصيل الإلهامات والمكاشفات الدينية والمذهبية.
يتميَّز عصر الظهور بازدهار العقل الفردي والجماعي للبشـر، ويتغلَّب فيه على الجهل، كما يتفوَّق فيه الوعي على الجهالة، والمعرفة القدسية على العلم المهلهل.
في العقل الفردي يصل الإنسان إلى ذروة التعقّل والتفكير، حتَّى يغدو بإمكانه تمييز الحسن من القبيح واختيار الصالح ونبذ الطالح.
وفي العقل الجمعي يصل جميع الناس إلى نموٍّ فكري متوازن، وإلى إدراك اجتماعي كبير، ومن خلال تظافر العقول يتمُّ التمهيد لاجتثاث الآفات والمشاكل، ويتمكَّن العقلاء وذوو الألباب من بلوغ حقيقة الحياة.
وقد تمَّت الإشارة في الكثير من الروايات إلى هذا البُعد من الكمال الفكري والعقلي للإنسان الذي سيرتقي إلى أعلى مراتبه في عصـر الظهور. ومن ذلك ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد، فجمع به عقولهم، وأكمل به أخلاقهم»(١٦).
قال العلَّامة المجلسـي في (مرآة العقول) عند شرحه لهذه الرواية: (الضمير في قوله: (يده) إمَّا راجع إلى الله أو إلى القائم (عليه السلام)، وعلى التقديرين كناية عن الرحمة والشفقة أو القدرة والاستيلاء، وعلى الأخير يحتمل الحقيقة)(١٧).
يبدو أنَّ هذه الجملة كناية عن تربية الناس من قِبَل الإمام القائم (عليه السلام)، وأنَّ التعبير بـ (الرؤوس) يأتي من اعتبار الناس الرأس مركزاً للعقل والتفكير،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) الكافي ١: ٢٥/ ح ٢١.
(١٧) مرآة العقول للمجلسي ١: ٥٦.

(٢٢)

وأنَّ وضع اليد على الرأس كناية عن الإقناع والتربية، وليس هناك من فرق بين أن يكون المربّي هو الله أو المهدي (عليه السلام)؛ لأنَّ تعاليم الإمام المهدي هي ذات التعاليم الإلهية، وأنَّ تربيته هي آية تربية الباري تعالى. وعلى هذه الشاكلة فإنَّ النتيجة الطبيعية والمنشودة من التربية - والتي تعني الخضوع للعقول وتكامل الأفكار - سوف تؤتي أُكُلها وثمارها(١٨).
إنَّ المراد من جمع العقول، هو توحيدها وتوافقها على معتقد واحد وعلى مشـروع وقانون موحَّد، بحيث يصعب تصوّر أن يختلف شخصان بعد انصهارهما في بوتقة المسار الفكري العامّ للدولة المهدوية العالمية، لاسيّما في الفترة التي تبلغ فيها الأُمَّة والبشـرية درجة من الكمال بحيث تبلغ الأفكار درجة (العصمة)، ويغدو التناغم والانسجام في الأُمور ميسوراً للغاية.
إنَّ المراد من تكامل الأفكار في عبارة (كملت به أحلامهم) هو بلوغ الناس أقصـى مراتب النموِّ والازدهار الفكري.
إنَّ هذا التعبير يعود إلى الناحية الخيِّرة من وجود الإنسان، وهي الناحية التي تُشكِّل العدالة الفردية أُولى مراحلها، لتبلغ أعلى مراحلها في (العصمة)(١٩)، والتي سيصل المجتمع إليها في نهاية المطاف.
إنَّ هذه النتيجة على كلا الصعيدين العلمي والنفسـي، تؤدّي إلى ظهور رؤية وصحوة في الدولة والمجتمع المهدوي، وهي الرؤية التي لا تتحقَّق في عمقها إلَّا لأُولئك الذين يعيشون في ذلك العصـر، وأمَّا نحن فلا يسعنا إلَّا التعرّف على عناوينها العريضة والعامَّة فقط.
وعليه فإنَّ وضع اليد على رؤوس العباد، يعني تربية واعتلاء الأفكار والعواطف الإنسانية، والتي إن اقترنت بالرقيِّ الأخلاقي والتزكية والتربية الصحيحة، فإنَّها ستخلق في الإنسان (بصيرة أخلاقية)، وتهديه إلى القصد والغاية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) أُنظر: تاريخ ما بعد الظهور للسيِّد محمّد الصدر: ٤٦٠.
(١٩) المصدر السابق.

(٢٢)

إنَّ تنمية العقل والفكر البشـري (التربية العقلانية) ورفع مستوى المعرفة والبصيرة لدى الإنسان، يعتبر آلية مؤثِّرة وقيِّمة في تنميته وتطويره على المستوى المعنوي، وهو أمر ناجع في كلِّ العصور، ولكنَّه في المجتمع المهدوي سيتحقَّق على نحو أكمل.
٢/٢ - بلورة الفكر القرآني (الفكر القرآني الواحد):
إنَّ القرآن يُمثِّل مشـروعاً جامعاً وكاملاً لإنشاء مجتمع سليم ومزدهر وإنساني، يسير نحو التعالي والتسامي والرقيّ.
إنَّ وجود التعاليم السماوية في القرآن بوصفه ملاكاً ومعياراً للتمييز بين الصواب والخطأ في الأفكار، ومربّياً ومصلحاً للنفوس والقلوب، خير عنصـر للفلاح والنجاة لجميع الناس من أيِّ طبقة أو منزلة كانوا.
إنَّ سيادة الأفكار الفلسفية والسياسية الوضعية والدنيوية الناقصة، تُمثِّل سبباً لبعض الانحرافات، ونقض القيم، والانغماس في المظاهر الدنيوية، والاضطراب وحتَّى الظلم وأنواع الحروب.
ومن الناحية الدينية ينشأ الكثير من هذه الآراء والنظريات عن الأهواء النفسية والأفكار البشـرية الناقصة، وحيث إنَّها لا تؤدّي إلى الحقيقة، فإنَّها تعجز عن إيجاد الحلول للمشاكل البشـرية. ولو أمكن تشذيب وتهذيب هذه الآراء والأفكار في ضوء التعاليم القرآنية، والحدّ من تكثّرها وتعدّدها، لأمكن لنا أن نتفاءل بإمكانية حلِّ المشاكل الماثلة أمامنا.
روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنَّه قال بشأن تطبيق الإمام المهدي (عليه السلام) للأفكار والقوانين والرغبات بما يتطابق وتعاليم القرآن الكريم: «يعطف الهوى على الهدى، إذا عطفو الهدى على الهوى. ويعطف الرأي على القرآن، إذا عطفوا القرآن على الرأي...»(٢٠).
وعلى هذا الأساس يعمد الإمام المهدي (عليه السلام) إلى تجميع الأفكار والآراء، وفي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) نهج البلاغة: ١٩٥/ الخطبة ١٣٨.

(٢٢)

ذلك روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد، فجمع به عقولهم، وأكمل به أخلاقهم»(٢١). وسوف يسوقهم ناحية التفكير القرآني الواحد: «هو الذي يجمع الكلم ويُتِمَّ النعم»(٢٢).
ولكي يتمَّ تحقيق هذا الفكر الواحد والجامع، يعمد الإمام المهدي (عليه السلام) إلى تعليم حقاق القرآن وتعاليمه الأصيلة، فيبني قاعدة من العلماء الأتقياء؛ لأنَّ القرآن الكريم يزيد من نور قلوبهم، ويرفع مستوى العلم والحكمة لديهم؛ فقد ورد في الحديث: «... يُعلِّم الناس القرآن على ما أنزل الله (جلَّ جلاله)»(٢٣). وفي حديث آخر: «استأنف بكم تعليم القرآن، وشرائع الدين... كما أنزل الله على محمّد»(٢٤).
٢/٣ - تعليم الحكمة المقدَّسة:
إنَّ الحكمة عبارة عن: (المعرفة اللازمة للوصول إلى قواعد الكمال في الحياة الدنيا والحياة الأُخرى، والعمل بها في مسار الحياة المعقولة)(٢٥).
لقد عبَّرت الآيات القرآنية عن الحياة المقترنة بالحكمة (والتي هي الهدف والغاية من بعثة جميع الأنبياء) بأنَّها الحياة التي يريدها الله للإنسان، وتمَّ التعبير عنها بـ (الحياة الطيِّبة)، بل تمَّ التعبير عنها بأنَّها هي الحياة الحقيقية، وذلك إذ يقول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: ٩٧).
يكمن خير وصلاح قوَّة العلم في القدرة على التفريق بين الصدق والكذب، وبين الحقِّ والباطل، وبين صالح الأعمال وطالحها، وحيث يتمكَّن الإنسان من الحصول على هذه القوَّة، فإنَّه سيحصل منها على ثمرة الحكمة، التي هي مصدر الأخلاق الحسنة، والتي قال الله سبحانه وتعالى عنها: ﴿...وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ...﴾ (البقرة: ٢٦٩). ومن حُسن قوَّة الغضب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) الكافي ١: ٢٥/ ح ٢١.
(٢٢) إلزام الناصب: ٧٥.
(٢٣) الإرشاد للمفيد ٢: ٣٨٦.
(٢٤) إثبات الهداة للحرِّ العاملي ٣: ٥٦٠/ ح ٦٢٨.
(٢٥) عرفان اسلامي لمحمّد تقي الجعفري: ١٤٩.

(٢٢)

أن يتمَّ قبضها وبسطها وتحديدها بالمقدار الذي تقتضيه الحكمة. ومن خير الشهوة وصلاحها أن تأتمر بأمر الحكمة (العقل والدين) أيضاً وهكذا(٢٦).
وعليه فإنَّ الحكمة في هذا الاتِّجاه - كما نرى - تحتلُّ مكانة مرموقة في تطوير الإنسان على المستويين الفكري والأخلاقي، فهي نور إلهي يتجلّى في صفحة قلوب المؤمنين، وتؤدّي بهم إلى البصيرة (والبصيرة أعلى درجة من الحكمة).
وعلى هذا الأساس فإنَّ تعليم (الحكمة المقدَّسة) سوف يكون من أبرز خصائص عصـر الظهور، كي يتمكَّن الناس في ضوئها من اختيار الطهر وطريق الخير، وأن يستفيدوا من قوَّة العلم والعقل في سياق تحصيل النور والمعنويات الباطنية. فقد ورد في الروايات المأثورة عن المعصومين الأطهار (عليهم السلام) أنَّهم قالوا:
- «تؤتَون الحكمة في زمانه...»(٢٧).
- «يملأ الله (عزَّ وجلَّ) به الأرض نوراً بعد ظلمتها، وعدلاً بعد جورها، وعلماً بعد جهلها»
(٢٨).
إنَّ تعليم الحكمة يؤدّي إلى معالجة واجتثاث الجهل، وزيادة العلم والمعرفة «كما هدم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أمر الجاهلية»(٢٩).
حقّاً إنَّ (الجهل) مصدر للكثير من الآفات والرذائل؛ إذ من دون العلم والمعرفة لا يتحقَّق الشـرط الأوَّل من شروط سلامة العمل، وسوف تتمخَّض الكثير من الآفات والرذائل الأخلاقية من الجهل والجهالة. وهو الأمر الذي سيكون عكسه هو القائم في عصـر الظهور، حيث تتَّخذ الأُمور شكلها الواقعي والطبيعي (حيث سيتمُّ القضاء على جميع أنواع الجهالة).
٢/٤ - تنظيم المعلومات الأصيلة:
لكي يتمكَّن الفرد - طبقاً لهذه الآلية - من إبراز السلوكيات والأفعال الصحيحة والمعتدلة، وأن يكون أخلاقياً وروحانياً، يجب أن تكون أُسسه الفكرية والمعرفية متينة وراسخة، بمعنى أنَّ الإنسان ما لم يمتلك رؤية ومعرفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) أُنظر: المحجَّة البيضاء للفيض الكاشاني ٥: ١٣٦.
(٢٧) الغيبة للنعماني: ٢٣٩/ ح ٣٠.
(٢٨) كمال الدين ١: ٢٦٠/ ح ٥.
(٢٩) الغيبة للنعماني: ٢٣٠/ ح ١٣.

(٢٢)

صحيحة وعميقة تجاه أُسسه الاعتقادية (ولاسيّما التوحيد)، فإنَّه قلَّما يتقبَّل المعايير، ونادراً ما يتحرَّك نحو كمالاته الواقعية.
وعليه فإنَّ التقدّم الفكري والأخلاقي يترتَّب على تعميق المعتقدات الدينية، والتعرّف بشكل عميق إلى البداية والنهاية وحملة الوحي الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام). فكما كانت أهمّ غاية للنبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) تكمن في استبدال الشـرك بالتوحيد، وإقامة الحضارة التوحيدية، وذلك من طريق تغيير عقائد الجاهلية، فإنَّ عصـر الظهور بدوره سيشهد تعزيزاً للأُسس الفكرية والاعتقادية، وسوف تحظى هذه الأُمور باهتمام خاصٍّ من قِبَل الإمام المنتظر (عليه السلام):
- «يدعو الناس إلى كتاب الله وسُنَّة نبيِّه، والولاية لعلي بن أبي طالب، والبراءة من عدوِّه»(٣٠).
- «لا يبقى أرض إلَّا نودي فيها شهادة لا إله إلَّا الله»(٣١).
٣ - اتّجاه بناء الشخصية:
في هذه الآلية يتمُّ البحث في النفوذ المعنوي والروحي لصاحب الولاية العظمى (إمام العصـر (عليه السلام)) في قلوب الناس، كما يتمُّ الاهتمام بتربية الشخصية وتقوية الهوية الإنسانية. وعلاوة على ذلك يتمُّ التأكيد في آلية بناء الشخصية على رفع الشعور بعدم الافتقار والتسامي الروحي، ويتمُّ الالتفات إلى إعادة صياغة المنزلة الواقعية للإنسان وبلورة شخصيته. إنَّ هذه الآلية عبارة عن:
٣/١ - النفوذ المعنوي (آلية الولاية التكوينية):
إنَّ هذا النفوذ والتأثير العميق والداخلي يتمُّ على أساس ولاية الهداية والتربية المعنوية للإمام المعصوم (عليه السلام). تقع الهداية المعنوية وتربية الفرد والمجتمع على عاتق الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام): ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ (الأنبياء: ٧٣)، وهذا يستلزم توفّر الاختيارات الخاصَّة والقدرة على النفوذ والتأثير والسلطة والولاية الخاصَّة، كي يتسنّى للإمام من طريقها إحياء القلوب الميِّتة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) تفسير العيّاشي ٢: ٥٧/ ح ٤٩.
(٣١) تفسير العيّاشي ١: ١٨٣/ ح ٨١.

(٢٢)

وجلاء الصدأ عنها، وتجريد الأرواح، وتهذيب القلوب، وهداية الناس معنوياً.
في الظروف القاسية حيث تقف الكثير من الموانع والعقبات أمام المصلحين الإلهيين، تستدعي الحكمة الإلهية أن يتمتَّع الإمام بقدرة خاصَّة كي يتمكَّن - رغم الظلمات والموانع والحُجُب - من التأثير في أعماق النفوس الميِّتة، والضمائر النائمة، والفطرة الصدئة، للتصـرّف وإحداث التغيير فيها من جهة، ونفخ روح وحياة جديدة في وجدان وفكر عامَّة أفراد المجتمع، وهداية الفرد والمجتمع في المسار التكاملي من جهة أُخرى(٣٢).
كما كان يصنع النبيُّ عيسى (عليه السلام)، والنبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) في بناء أصحابه وتسخير قلوبهم وأرواحهم لإحياء المجتمع، وكذلك ما كان يقوم به أمير المؤمنين (عليه السلام) في تربية النخب والخاصَّة من أصحابه، وإعداد الشخصيات الفذَّة من أجل إحداث التغييرات الجوهرية في المجتمع والتاريخ وما إلى ذلك.
وهناك الكثير من الأمثلة المذهلة لهذا النوع من التصـرّف والنفوذ في القلوب والنفوس، في حياة الأئمَّة المعصومين الأطهار (عليهم السلام) - ولاسيّما الإمام الحسين (عليه السلام) -، وسوف تصل في عصـر الظهور وعلى يد الإمام صاحب العصـر والزمان (عليه السلام) هذه القدرة إلى ذروتها.
وفي الحقيقة يجب القول: إنَّ ما سيقوم به صاحب الأمر (عليه السلام) تغيير لأرواح الناس وأنفسهم ومصائرهم، حيث سيُحوِّل نحاس الوجود إلى ذهب من الإبريز الخالص، ويُحوِّلها من العوج إلى سيرتها الإلهية.
إنَّ هذه الآلية التغييرية الكبرى على مستوى الباطن والتي تتمُّ في إطار التقدّم الفكري والأخلاقي للأفراد ستكون من الأعمال الإعجازية والكرامات المعنوية التي ستجري على يد الإمام المهدي (عليه السلام)، وقد تمَّ تأييد هذا الأمر بشكل صريح في الرواية المأثورة عن الإمام الباقر (عليه السلام)، إذ يقول: «إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد، فجمع به عقولهم، وأكمل به أخلاقهم»(٣٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢) أُنظر: فقه سياسي لعميد زنجاني (مصدر فارسي) ٢: ٣٢٨.
(٣٣) الخرائج والجرائح ٢: ٨٤١/ ح ٧١.

(٢٣)

وجاء في رواية أُخرى: «... وضع يده على رؤوس العباد، فلا يبقى مؤمن إلَّا صار قلبه أشدّ من زبر الحديد...»(٣٤).
وبطبيعة الحال فإنَّ جميع هذه المتغيّرات ستكون بإرادة الله وعينه ورعايته، وقد جاء في بعض الروايات بهذا الشأن: «... يمسح الله بطونهم وظهورهم، فلا يشتبه به عليهم حكم»(٣٥).
٣/٢ - الارتقاء الجذري (ازدهار الفطرة الإنسانية):
كلُّ الناس وُلدوا على الفطرة التي فطرهم الله عليها، وعلى الرغم من امتلاكهم للغرائز البهيمية، إلَّا أنَّ ملكاتهم الإنسانية والقدسية أقوى وأكثر بقاءً وثباتاً. فلو خضع الفرد لتربية صحيحة، ولم يتعرَّض لوساوس الشيطان، فإنَّه سيتكشَّف عن حيوية روحية ومعنوية استثنائية فذَّة.
وعليه فإنَّ البقاء على هذه الفطرة الطاهرة أو العودة إلى هذا المصير والسيرة الإلهية من أنسب الطرق لوصول الإنسان إلى الكمال والسموِّ الحقيقي، والتنامي والازدهار الإنساني الواقعي.
إنَّ هذا الأصل البديهي يُمثِّل الركن الثابت في الفكر المهدوي ومن الآليات التربوية الهامَّة لإخراج الإنسان من الحالة البهيمية والمادّية البحتة، ورفعه إلى ذروة (الطهر) و(القداسة)، وقد ورد في الحديث قول المعصوم (عليه السلام): «... حتَّى يكون الناس على مثل أمرهم الأوَّل، لا يوقظ نائماً، ولا يهرق دماً»(٣٦).
إنَّ المهمَّ في الارتقاء بالمنظومة هو خروج الإنسان من الحياة السطحية والنازلة والبائسة، والعمل على تفعيل طاقاته الكامنة.
٣/٣ - إصلاح الهوية والمنزلة الأصيلة:
إنَّ الإنسان يمتلك منزلةً ومقاماً عالياً وممدوحاً، ومكانة عظيمة للغاية، إلَّا أنَّها للأسف الشديد تنزل إلى الحضيض عند أدنى انحراف واعوجاج أخلاقي ونفساني، وتفقد هويتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) الغيبة للنعماني: ٣١٠؛ كمال الدين ٢: ٦٥٣/ باب ٥٧/ ح ١٧.
(٣٥) دلائل الإمامة للطبري: ٣٠٩؛ وانظر أيضاً: بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٣٤٥.
(٣٦) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٤٧.

(٢٣)

إنَّ للإنسان مكانة خاصَّة في دائرة الوجود، إنَّ هذه الدائرة تبدأ من الإنسان وبالإنسان ومع الإنسان وتعود إلى الإنسان. وممَّا قاله شيخ الإشراق السهروردي في هذا الشأن:
(إنَّ الإنسان كائن مقدَّس، ذو علم وإرادة، ولا يقبل الفناء. وقد سافر من العالم العلوي إلى هذا العالم السفلي، حيث وجد نفسه حبيس هذا السجن. إنَّه الكائن الذي اختاره الله، وقد ارتدى ثوب الكرامة الإلهية. فعليه في حياته أن يُقدِّر كرامته، وأن يحجم ويبتعد عن كلِّ ما من شأنه الإضرار بهذه الكرامة. إنَّ الصدق والعدل والإيثار وما إلى ذلك من الأُمور تعمل على بقاء وارتقاء هذه الكرامة، وإنَّ حبَّ الدنيا، والأنا، والذلّ، والارتهان إلى الغضب والشهوة يؤدّي إلى زوال هذه الكرامة)(٣٧).
إنَّ الكرامة الإنسانية وعزَّة النفس هي النقطة التي يُؤكِّد عليها الإسلام من أجل إحياء الأخلاق الإنسانية، وهداية الإنسان نحو التقدّم والكمال والارتقاء. إنَّ كرامة النفس دعامة ومحور لجميع التعاليم الأخلاقية، بمعنى احترام النفس وإبعادها عن الذنوب والمفاسد، كما يقول الإمام علي (عليه السلام): «مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهَوَاتُهُ»(٣٨).
وعليه فلو تمكَّن الإنسان من الحفاظ على عزَّة نفسه وكرامته، سيغدو باستطاعته أن يصل إلى ذلك المقام وتلك المنزلة الحقيقية، كما يمكنه كذلك استعادة هويَّته وماهيَّته الأصيلة. وهذا ما سوف يتحقَّق في عصـر الظهور، حيث سيحصل الإنسان على الكرامة، ويبلغ قمَّة منزلته الحقيقية: «يخرج في آخر أُمَّتي المهدي يسقيه الله الغيث، وتُخرج الأرض نباتها، ويُعطي المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الأُمَّة»(٣٩). وفي رواية أُخرى: «يُخرج ذلَّ الرقِّ من أعناقكم»(٤٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) مجموعة مصنَّفات (سلسلة الأعمال الكاملة) ٢: ٢٧٠، و٣: ٤٠٤.
(٣٨) نهج البلاغة: ٥٥٥/ ح ٤٤٩.
(٣٩) كنز العمّال للمتَّقي الهندي ١٤: ٣٣٤/ ح ٣٨٧٠٠.
(٤٠) الغيبة للطوسي: ١٨٥/ ح ١٤٤.

(٢٣)

٣/٤ - الغنى الروحي (الاستغناء الحقيقي):
يُمثِّل غنى النفس واحداً من الآليات والأدوات بالغة الأهمّية في التغيير والتحوّل الروحي للإنسان، والتقليل من طموحاته المادّية البحتة ومتطلِّباته الدنيوية والكمالية المتزايدة.
إنَّ ارتفاع المستوى الفكري للناس، والاهتمام بالمتطلِّبات الأصيلة والفطرية والثابتة، وخفض مستوى الميول المادّية والغريزية المتزايدة، وعدم إعطاء الأولوية للأُمور الدانية والفانية وما إلى ذلك، من العلامات على الاستغناء الروحي والمعنوي. ومن خلال الإدارة والهداية الدقيقة والصحيحة لهذه الأُمور، يمكن حلّ الكثير من المشاكل والتغلّب على الكثير من العقبات ونقاط الضعف، وهو ما سيُكتَب له التحقّق في عصر الظهور بشكل كامل وتامّ.
إنَّ الغنى النفسـي والروحي للإنسان يتحقَّق على ثلاثة أوجه ومراحل(٤١)، وجميع هذه المراحل تتحقَّق بعناية ورعاية من الله وعلى يد الإمام المهدي (عليه السلام) ويتمُّ غرسها في أفئدة الناس وأرواحهم:
أ - المرحلة الأُولى من غنى القلب، وهي عبارة عن سلامة القلب وتحرّره من كلِّ أنواع التعلّق والتشبّث بجميع الأسباب المؤثِّرة، ولا يتعارض مع قضاء الله وقدره (التسليم بحكم الله)، ويتخلَّص من حمل الضغائن والأحقاد على الآخرين. وقد ورد في بعض الروايات بشأن الاستغناء القلبي للناس في عصر الظهور ما يلي:
- «ويجعل الله الغنى في قلوب العباد»(٤٢).
- «إذا خرج المهدي ألقى الله الغنى في قلوب العباد»(٤٣).
ب - المرحلة الثانية مرحلة استغناء النفس (النفس المطمئنَّة)، وهي عبارة عن استقامة النفس في الوصول إلى غايتها المتمثِّلة بـ (الحقِّ تعالى)، وذلك عندما يصبُّ العبد كلَّ اهتمامه على مرضاة الله بعيداً عن جميع أنواع السخط

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١) أُنظر: شرح منازل السائرين: ١٦٩ و١٧٠.
(٤٢) كشف الغمَّة للإربلي ٢: ٤٧٤؛ بحار الأنوار ٥١: ٨٤.
(٤٣) الملاحم والفتن لابن طاووس ١٥٠/ باب ١٥٥/ ح ١٨٤؛ ملحقات الإحقاق للمرعشي ٢٩: ٣٣٤.

(٢٣)

والرياء. فعندما ينقطع أمل الإنسان عن الآخرين، لن يكون هناك من موضع للغضب (الذي هو عنصـر الكثير من الجرائم والهرج والمرج وانعدام الأمن وعدم الاستقرار)، كما لن يكون هناك من موضع للرياء والتفاخر (الذي هو منشأ للكثير من التشبّث بالمادّيات والكماليات والمطامح الزائفة والزائلة). فقد ورد في الحديث: «إنَّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربِّها، واستغنى الناس»(٤٤). وعندما يبدأ الإمام المهدي (عليه السلام) انطلاقته من بيت الله ويخطب في الناس، يدعوهم إلى ذكر الله «أُذكِّركم الله»(٤٥)، ويكون شعاره: «البيعة لله»(٤٦).
ج - المرحلة الثالثة هي مرحلة استغناء الإنسان بغنى الحقِّ تعالى، بمعنى اتِّصافه بالصفات الإلهية، بأن يكون ذكره ذكر الله، وأن يفنى في ذات الله. روي عن الإمام المعصوم (عليه السلام) بشأن عصر الظهور أنَّه قال: «فيُعلي أمر الله، ويُظهر دين الله»(٤٧).
والملفت أنَّ جميع هذا الانجذابات والمتغيّرات والمنعطفات الروحية إنَّما تتمُّ برعاية وعناية خاصَّة من الله سبحانه وتعالى، وبركة الوجود المقدَّس لإمام العصـر والزمان (عليه السلام)، بمعنى أنَّه لولا لطف الله، لانساق الناس - بسبب الأطماع المادّية والركون إلى أنواع الدعة - وراء الطغيان والفساد: «... لولا ما يدركهم من السعادة لبغوا»(٤٨).
٤ - الاتّجاه الأخلاقي:
إنَّ من أهمّ الآليات في التربية والتعليم القدسي للإنسان، هو العمل على تهذيب السلوك والأفكار والأقوال وتطهير الباطن من جميع أنواع الرذائل والأدران.
وفي هذه الآلية ومن خلال مختلف الأساليب الأخلاقية وحتَّى الفقهية، يخضع الناس لمعالجات روحية ومعنوية خاصَّة، فيكتسبون الملكات الإنسانية الفاضلة، وعلاوة على ذلك يتمُّ تعزيز الروح الأخلاقية لدى الإنسان من طريق العبادة ودعم البُعد العبادي لديه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤) الغيبة للطوسي: ٤٦٨.
(٤٥) أُنظر: الملاحم والفتن لابن طاووس/ الباب ١٢٩.
(٤٦) ينابيع المودَّة: ٤٣٥.
(٤٧) بحار الأنوار ٥٢: ٣٧٩.
(٤٨) تفسير العيّاشي ٢: ٦١.

(٢٣)

وهذه الآليات عبارة عن:
٤/١ - تطبيع الإنسان (بناء السلوك على الأخلاق):
يُعتَبر التزام الفرد بالمعايير مساراً يؤدّي إلى نقل التعاليم الأخلاقية والمكارم الإنسانية وترسيخها في وجدان الناس. وفي هذا المسار - كما هو الحال في النزعة الاجتماعية - يتمُّ بيان وتشـريع القيم والقوانين الأخلاقية، ويتمُّ جذب الناس إليها من خلال رفع مستوى الوعي والإدراك لديهم تجاه ما تحمله هذه الأُمور من الإيجابيات والفوائد العملية. وإنَّ من بين أهمّ الخصائص المترتِّبة على التزام الفرد بالمعايير والضوابط هو فهمه للقوانين الأخلاقية الثابتة، والعمل على توسيع هذه الأُصول وتطبيقها على أرض الواقع. بمعنى التحلّي بالقيم، والتمسّك المعرفي بها. ومن بين أهمّ أهداف الإمام المهدي (عليه السلام) سيادة القيم الأخلاقية، وبثّ الوعي بين الناس فيما يتعلَّق بهذا الشأن:
- «يشير بالتقى، ويعمل بالهدى...»(٤٩).
- «... دعاهم إلى حقِّه، وأن يسير فيهم بسيرة رسول الله، ويعمل فيهم بعمله»(٥٠).
٤/٢ - تطهير النفوس (التطهير والتزكية الباطنية من الأدران):
لقد تمَّ التعبير عن تطهير الباطن وتهذيبه في القرآن الكريم بـ (التزكية). التي تعني لغةً: التطهير أو التطهّر من الأُمور التي يجب التطهّر منها، واصطلاحاً: تطهير النفس من الشـرور والخبائث.
وقد كان تهذيب النفوس الإنسانية وتزكيتها من أهمّ أهداف الأنبياء العظام (عليهم السلام)، فقد بُعثوا لكي يُطهِّروا نفوس الناس من الرذائل والأخلاق القبيحة والصفات الحيوانية، وينشـروا الفضائل ومكارم الأخلاق.
لقد بُعِثَ الأنبياء كي يُعلِّموا الناس دروساً في بناء النفس، ويعينوهم في التعرّف على الأخلاق القبيحة كي يجتنبوها، وكي يسيطروا على رغباتهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) بحار الأنوار ٥٢: ٢٦٩.
(٥٠) الإرشاد ٢: ٣٨٢.

(٢٣)

ويكبحوا أهواءهم الهدّامة، وأن يُطهِّروا نفوسهم - بالتحذير والتخويف - من الشـرور والقبائح.
إنَّ تحذير الإسلام والعقوبات التي فرضها على الأخلاق القبيحة ليست بأقلّ من سائر الأعمال الأُخرى. إنَّ تزكية النفس تعني هداية الناس إلى بناء ذواتهم، واكتساب الفضائل الأخلاقية، واجتثاث الذنوب والمعاصي، وممارسة الجهاد الأكبر والرياضات الشـرعية وتطهير القلب من الأنا والتكبّر واتِّباع الهوى والقسوة والمعصية.
وإنَّ عصـر الظهور هو في الحقيقة عصـر تزكية النفوس وتطهيرها من خلال المشـروع النبوي الذي سيقوم به إمام العصـر والزمان (عليه السلام)، ومن خلال توعية الناس ورفع مستوياتهم الإدراكية وهدايتهم إلى تطبيق هذا المشـروع.
وقد تمَّ طرح هذه المفاهيم في الروايات المأثورة عن المعصومين (عليهم السلام) على النحو الآتي:
- «لذهبت الشحناء من قلوب العباد ...»(٥١).
- «يفتح حصون الضلالة، وقلوباً غفلاً»(٥٢).
كما يمكن اعتبار الرواية الوارد في إصلاح الأُمَّة، والقائلة: «أن يُصلِح أُمَّة بعد فسادها»(٥٣)، بوصفها مشيرة إلى تهذب الناس وتزكيتهم لأنفسهم من الشرِّ والفساد أيضاً.
٤/٣ - التأكيد على الماهية (العبادية) للإنسان:
طبقاً لرؤية القرآن الكريم والسُّنَّة الشـريفة وحتَّى فلسفة التاريخ المتعالية، تسير حركة التاريخ نحو العبودية وسيادة القيَم وتكامل الإنسان. وهو الهدف الذي يرسمه القرآن الكريم للركب البشري، إذ يقول تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦). وهذا يعني أنَّ الهدف من الحياة ليس سوى المعبود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١) بحار الأنوار ٥٣: ٣١٦.
(٥٢) ينابيع المودَّة ٢: ٥٨٨.
(٥٣) بحار الأنوار ٥١: ٨٣، وقبله: «وهو القادر على ما يشاء أن يصلح...».

(٢٣)

إنَّ من المشاكل الحادَّة والجوهرية التي يعاني منها الإنسان هو الخروج من ولاية الله وعبادته، والدخول في ولاية الشيطان. وإنَّ هذا الطغيان والانحراف يؤدّي بالإنسان إلى التكبّر والغفلة والكفر والشـرك وعبادة الذات، وهذا يسير بالإنسان في كلِّ لحظة إلى ارتكاب الكبائر والجرائم وكافَّة أنواع الجور والظلم، والطريق الوحيد للخروج من هذا المأزق واللجَّة المظلمة يكمن في عودة الإنسان إلى دائرة العبودية لله.
ومن ناحية أُخرى يذهب بعض المفسِّـرين إلى القول بأنَّ العنصـر التربوي المؤثِّر في قوله تعالى: ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا﴾ (مريم: ١٣)، هو العلاقة المعنوية القائمة بين كلِّ فرد وخالقه من خلال قناة العبادة(٥٤)، وذلك حيث يقول تعالى: ﴿وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا﴾: إنّا أعطينا لنبيِّنا يحيى من لدنّا (وليس من طريق الأسباب الطبيعية) حناناً ورحمةً وزكاةً؛ ليكون إنساناً تقيّاً. حيث تمَّ الالتفات في هذا النوع من الرؤية إلى الدور التربوي لله (عزَّ وجلَّ) من خلال تشريع العبادة أيضاً.
إنَّ عصر الظهور هو عصر ازدهار البُعد العبادي من الإنسان، وعصـر خروجه التامّ والكامل من ولاية الشيطان، ودخوله في دائرة عبودية الرحمن. إنَّ الذي يدخل في رحاب ولاية الحقِّ ويبلغ مقام العبودية، ستنفتح أمامه أبواب الرحمة والسعة والحكمة، وسوف يتمتَّع بالبصيرة الأخلاقية والمقام الرحماني. وكذلك فإنَّ الإنسان من خلال قيامه بالأعمال العبادية والتكاليف الدينية (وخاصَّة الصلاة والصوم وما إليهما) يسير على طريق تطهير النفس والتسامي المعنوي. وهذه البشارة الغيبية هي بشارة لجميع المطالبين بالحقيقة والكمال:
- «أبشروا بالمهدي... يملأ قلوب عباده عبادةً ويسعهم عدله»(٥٥).
- «الملك لله... لكن إذا قام القائم لم يُعبَد إلَّا الله (عزَّ وجلَّ)»(٥٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤) أُنظر: تربيت اسلامي (مصدر فارسي) ٢: ٢٣.
(٥٥) الغيبة للطوسي: ١٧٩.
(٥٦) تأويل الآيات لشرف الدين الحسين ١: ٢٧٣.

(٢٣)

- «يُقبِل الناس على العبادات»(٥٧).
٤/٤ - علاج الأمراض الروحية:
كما تقدَّم أن أشرنا فإنَّ منشأ جميع أعمال الإنسان وحركاته وأقواله وفضائله ورذائله، هي (النفس)، فإن صلحت النفس صلحت حياة الإنسان في الدنيا والآخرة، وإن فسدت النفس أدَّت إلى فساد الدنيا والمجتمع واختلَّ النظام الروحي والمعنوي، وابتعد الإنسان عن النظام الأحسن.
إنَّ الآفات والعيوب الروحية والمعنوية (الشرور)، على أقسام:
أ - الآفات والعيوب الاعتقادية، من قبيل: الكفر، والنفاق، والشـرك، والشكّ، والجهل، والرياء، وما إلى ذلك.
ب - الآفات والعيوب العاطفية، من قبيل: اليأس، والقنوط، والخور، والغرور، والتكبّر، والمفاخرة، والحسرة، وما إلى ذلك.
ج - الآفات والعيوب السلوكية، من قبيل: الكذب، والغيبة، والتهمة، والتجسّس، والاستهزاء، وما إلى ذلك(٥٨).
إنَّ كلَّ فتنة أو فساد أو خيانة أو جناية من أيِّ شخص صدرت، تعود في جذورها إلى نوع من أنواع الأمراض النفسية والتي تدفع به إلى ارتكاب مثل هذه السلوكيات الشاذَّة.
من هنا فإنَّ أنواع الجرائم، وسفك الدماء، وأعمال السطو والسـرقة، والتهتّك، والتحلّل، والانحرافات الجنسية، والابتلاء بأنواع الفحشاء، والإدمان على المخدِّرات، وانفراط عقد الأسر والعوائل، وحالات الطلاق، والعنف والقسوة والانتحار، وما إلى ذلك، تنشأ بأجمعها عن الاختلال النفسي والأزمة الإنسانية.
وعليه لا بدَّ من العمل على معالجة النفس الإنسانية، فكما أنَّ الإنسان بحاجة إلى علاج أمراضه الجسدية، فإنَّه أحوج إلى معالجة أمراضه النفسية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧) منتخب الأثر: ٤٧٤.
(٥٨) اُنظر: آسيب شناسي رفتاري انسان از ديدگاه قرآن: ١٤٧.

(٢٣)

والروحية من خلال الرجوع إلى الأخلاق؛ وذلك لأنَّ الأمراض النفسية تكبح وصول الإنسان إلى السعادة الأبدية والنعيم السرمدي.
قال الإمام علي (عليه السلام) في وصف النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم): «طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وَآذَانٍ صُمٍّ، وَأَلْسِنَةٍ بُكْمٍ، مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ، وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ»(٥٩).
وهذا تماماً هو الدور الذي سيقوم به الإمام المهدي (عليه السلام) في إصلاح الناس جميعاً، إذ ورد في وصفه: «سَلَكَ بِكُمْ مَنَاهِجَ الرَّسُولِ فَتَدَاوَيْتُمْ مِنَ الْعَمَى وَالصَّمَمِ وَالْبَكَمِ»(٦٠) (٦١). وفي رواية أخرى: «يفتح ... قلوباً غفلاً»(٦٢).
٥ - الاتّجاه السياسي والحكومي:
طبقاً لهذا الاتجاه فإن الدولة الأخلاقية المهدوية تعنى بالتحقق الكامل للسياسة الفاضلة (المعنوية) في العالم أجمع، وتؤكّد على إصلاح الناس والمسؤولين (في سياق التأثير على الناس) أخلاقياً، وتعمل على تغيير التركيبة الثقافية الفاسدة والمتحرفة، والسيطرة والرقابة الكاملة والشاملة على أداء المسؤولين والناس ... كما تتكفّل الدولة بضمان الحاجة المادية للناس، كي تقطع الطريق على ظهور المفاسد والآفات. هذا إن العناصر الهامة في هذا الشأن عبارة عن:
٥/١ - تطبيق السياسة الفاضلة:
إنَّ (الإمامة) في معتقد الشيعة تعني: القيادة والزعامة والولاية المتعدِّدة الأبعاد لشخص معصوم منصوب في هذا المقام من قِبَل الله سبحانه وتعالى. إنَّ هذا المقام المعنوي والديني العظيم إلى جانب قيادة الحكومة الدينية يتولّى الهداية الشاملة في أمر الدين والدنيا وتتميم مكارم الأخلاق.
وفي الحقيقة يمكن للسياسة والحكومة أن تكون على ثلاثة أنحاء: السياسة الإلهية، والسياسة الشيطانية، والسياسة الصورية (الروتينية).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩) نهج البلاغة: ١٥٦/الخطبة ١٠٨.
(٦٠) الكافي ٨: ٦٦/ ح ٢٢.
(٦١) الكليني، الكافي، ج ٨، ص ٦٦.
(٦٢) سليمان الحنفي القندوزي، ينابيع المودّة، ج ٢، ص ٥٨٨.

(٢٣)

إنَّ السياسة الشيطانية تضع جميع الأُمور والمسارات في إطار غفلة الناس والجهل وإغراقهم في الضياع والفساد واللهو والغفلة، وتكون سبباً في الكثير من الجرائم والرذائل والحروب.
والسياسة الصورية تُمثِّل برامج الحكومات العادية والمعاشية، والتي تسعى بمختلف أشكالها إلى إدارة الأُمور الروتينية للناس من خلال الاستناد إلى الجوانب المادّية والظاهرية من الحياة دون أن يكون لها شأن بالتقدّم الروحي والمعنوي للناس، بل قد تُسهِم أحياناً في نشوء بعض الانحرافات الأخلاقية أيضاً.
أمَّا السياسة الإلهية فهي السياسة الفاضلة التي تُعنى بالأُمور المعاشية والدنيوية، وتقديم الحلول المناسبة بغية إيجاد التوازن والتعادل والتقدّم في هذه المجالات، ولكنَّها تُعنى أيضاً وبشكل أكبر بالأبعاد المعنوية والروحية للناس، وتهتمُّ بالهداية والتربية والتنمية الشاملة والسعادة الواقعية لهم.
إنَّ هذه السياسة الفاضلة هي ذات الإمامة التي قال عنها الخواجة نصير الدين الطوسي: (الغرض منها تكميل الخلق، ولازمها نيل السعادة) (٦٣).
وعلى هذا الأساس فإنَّ الحكومة وسيلة لإقامة وتطبيق الفضائل والخير والصالح العامّ، والاتِّجاه العام لها هو التقرّب من الله، وتربية النفوس الإنسانية وسيادة السياسة الفاضلة. وحيث إنَّ الكثير من المراكز الثقافية والاجتماعية والعلمية خاضعة لإدارة الحكومة، يمكن لهذه المؤسَّسة أن تلعب الدور الأكبر في إصلاح أو إفساد المجتمع، وما لم يتمّ إصلاح الحكومات والحكّام، لا يمكن أن يكون هناك أيّ نوع من أنواع التقدّم والتطوّر. من هنا فقد ذُكِرَ في بيان الدولة المهدوية: (أنَّها الدولة الأخلاقية القائمة على نظام الإمامة التي تقود المجتمع في كافَّة الأبعاد والنواحي إلى الازدهار الفكري والأخلاقي والكمال الإنساني المنشود، وتعمل على إصلاح عقائد الناس وسلوكياتهم)(٦٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٣) اخلاق ناصري للخواجة نصير الدين الطوسي / د. تعريف محمّد صادق فضل الله: ٣٥٨/ دار الهادي/ ط ١/ ١٤٢٩هـ/ بيروت.
(٦٤) آينده جهان لرحيم كارگر (مصدر فارسي): ٢٣٣.

(٢٤)

إنَّ هذه السياسة الإلهية والفاضلة إن هي إلَّا استمرار لمشـروع الأنبياء - ولاسيّما النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) - كما روي عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال:
- «المهدي يقفو أثري لا يُخطئ»(٦٥).
- «يعمل بسُنَّتي وينزل الله البركة»(٦٦).
«إِنَّ قَائِمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ إِذَا قَامَ لَبِسَ ثِيَابَ عَلِيٍّ، وَسَارَ بِسِيرَةِ عَلِيٍّ»(٦٧).
٥/٢ - إصلاح أخلاق المسؤولين:
إنَّ من بين الآليات المؤثِّرة في الازدهار الفكري والأخلاقي للناس، تقدّم الإصلاح السلوكي والمعرفي للمؤثِّرين في حقل السياسة وإدارة العالم على الآخرين. فلو صلح المسؤولون من الناحية الأخلاقية، ولم ينحرفوا في عملهم - على طبق مسؤولياتهم - عن جادَّة العدل والصواب، فإنَّ الكثير من الانحرافات الأخلاقية والسلوكية في العالم سوف تزول، وسوف يتبعهم الناس ويتَّخذونهم قدوة لهم، فقد قيل: (الناس على دين ملوكهم).
إنَّ الخطوة الأُولى في إصلاح وتحسين أخلاق المسؤولين والقائمين على أُمور البلاد والعباد، تكمن في تشديد الرقابة عليهم، وأخذهم بأشدّ العقوبات فيما لو صدر عنهم تصـرّف أو سلوك يخالف القوانين والأعراف. وكذلك من خلال التدقيق في اختيار المسؤولين المخلصين الذين من شأنهم التأثير على دفع الناس نحو التعالي والكمال، أن يكونوا طليعة السائرين على طريق الازدهار والتقدّم.
إنَّ الإنسان عرضة للانحراف والخطأ في كلِّ لحظة، وللحيلولة دون ذلك، لابدَّ للقائد من أن يكون له إشراف كامل على المسؤولين والقائمين على شؤون المجتمع. ولا بدَّ من أن ينصحهم من وقت لآخر، ويمنعهم من السقط في مزالق الانحراف، كما كان الإمام علي (عليه السلام) يمارس أنجع وأدقّ أساليب الإشراف والرقابة على عمّاله، وهو ما سيقوم به الإمام المهدي (عليه السلام) أيضاً:
- «المهدي جواد بالمال، رحيم بالمساكين، شديد على العمّال»(٦٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٥) منتخب الأثر: ٦٢/ ح ٢.
(٦٦) كشف الغمَّة ٢: ٤٧٢.
(٦٧) الكافي ١: ٤٤١/ ح ٤؛ ولا يخفى أنَّ هذه الرواية مروية عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وليست عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم)، المعرِّب.
(٦٨) بشارة المصطفى للطبري: ٢٠٧.

(٢٤)

- «يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا»(٦٩).
إنَّ أهمّ ما يأمر به الإمام المهدي (عليه السلام) أصحابه، إقامة العدل والإحسان إلى الناس: «ثمّ إنَّ المهدي يُفرِّق أصحابه... فيُوجِّههم إلى جميع البلدان ويأمرهم بالعدل والإحسان»(٧٠). وإنَّ الإمام المهدي قبل أن يختارهم ويبعثهم إلى الأمصار، يأخذ عليهم ميثاقاً غليظاً، والكثير من مضامينه مضامين أخلاقية في إطار التزكية والتهذيب، فقد ورد في (عقد الدرر) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل... إلى أن قال: «فيقول - أي المهدي - لهم: إنّي لست قاطعاً أمراً حتَّى تبايعوني على ثلاثين خصلة تلزمكم، لا تُغيِّرون منها شيئاً، ولكم عليَّ ثمان خصال، فقالوا: قد فعلنا ذلك فاذكر ما أنت ذاكر يا ابن رسول الله؛ فيخرجون معه إلى الصفا؛ فيقول: أنا معكم على أن لا تولّوا، ولا تسـرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا محرماً، ولا تأتوا فاحشة، ولا تضـربوا أحداً إلَّا بحقِّه، ولا تكنزوا ذهباً ولا فضَّة ولا بُرَّاً ولا شعيراً، و...»(٧١).
٥/٣ - السيطرة والرقابة الشاملة:
كي نتمكَّن من تغيير سلوك الناس، ووضعهم على مسار الإصلاح والبناء الحقيقي، لا بدَّ من وضع برنامج ثابت ومؤثِّر لهم، وأن يقترن ذلك بالإشراف والرقابة الشاملة والكاملة على تصـرّفاتهم وممارساتهم. وعلاوة على ذلك لا بدَّ من الإشراف الكامل والجادّ على حُسن تطبيق البرامج التربوية والإصلاحية، ويجب عند الضـرورة اللجوء إلى آلية (الإنذار والتخويف) و(العقوبة). كما لابدَّ من الجديّة في تنفيذ التعاليم الدينية (في مختلف المجالات)، وعدم التسامح مع الطغيان والتمرّد على القانون. فلو خضعت البرامج الثقافية لرقابة الأنظمة الدينية، ستكون مؤثِّرة وناجعة للغاية.
إنَّ هذا الإشراف الشامل لهداية الناس إلى الصلاح والتقوى والحيلولة دون التمرّد على القوانين والوقوف بوجه الفساد، سوف يتمُّ في عصر الظهور

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٩) نهج البلاغة: ١٩٦/ الخطبة ١٣٨.
(٧٠) إلزام الناصب ٢: ١٨٢.
(٧١) عقد الدرر: ٩٦.

(٢٤)

بشكل دقيق وطبقاً لمخطَّط كامل:
- «يُنصب له عمود من نور في الأرض إلى السماء، يرى فيه أعمال العباد»(٧٢).
- «إنَّه إذا تناهت الأُمور إلى صاحب هذا الأمر، رفع الله تبارك وتعالى كلَّ منخفض من الأرض، وخفض له كلَّ مرتفع منها حتَّى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته، فأيّكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها؟!»(٧٣).
إنَّ هذا الإشراف الشامل والجامع سيؤدّي إلى التطبيق الواقعي والدقيق للحدود الإلهية على الأرض: «لا يُعصى الله (عزَّ وجلَّ) في أرضه، ويقام حدود الله في خلقه»(٧٤).
- «... لا يقرع أحد في ولايته بسوط إلَّا في حدٍّ ...»(٧٥).
٥/٤ - رفع الموانع وتغيير العناصر الثقافية السلبية:
إنَّ الاستبداد والفساد والهوى والغفلة والتكبّر والشيطنة وما إلى ذلك، هي من الموانع والسدود الكبرى التي تحول دون تكامل الإنسان، وما لم يتمّ رفع هذه الموانع، لن يكون هناك أمل في إمكانية الوصول إلى التكامل المعنوي للأفراد.
ويمكن تصوّر موانع التكامل على عدَّة أبعاد يمكن إجمالها على النحو الآتي:
أ - البُعد ما وراء الإنساني:

إنَّ من أهمّ العقبات الماثلة أمام تكامل الإنسان ووصوله إلى العبادة الخالصة والقرب من الله سبحانه وتعالى، هو الشيطان وأعوانه وأنصاره في إضلال الإنسان وإغوائه وإفساده. وما لم يتمّ القضاء على هذا المنشأ الرئيس للفساد، ستبقى الكثير من الجرائم وأنواع الخيانة وهضم الحقوق والمعاصي وعبادة غير الله تعالى، وبدفع الشيطان يتمُّ القضاء على وساوسه أيضاً، وهذا لن يكون إلَّا في عصـر الظهور وعلى يد الإمام المهدي (عليه السلام)، فقد ورد في بعض الروايات: «دولة إبليس إلى يوم القيامة، وهو يوم قيام القائم»(٧٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٢) مشارق أنوار اليقين: ١٧٦.
(٧٣) كمال الدين ٢: ٦٧٨.
(٧٤) كمال الدين ٢: ٦٤٣.
(٧٥) الملاحم والفتن لابن طاووس: ٢٦٥/ باب ٥٣/ ح ٣٨٤؛ يوم الخلاص لكامل سليمان ٢: ٦٠٣.
(٧٦) إثبات الهداة للحرِّ العاملي ٢: ٥٦٦؛ بحار الأنوار ٢٤: ٣٩٨/ باب ٦٧/ ح ١٢٠.

(٢٤)

ب - البُعد المؤسَّساتي:
إنَّ الكثير من المنظَّمات والمؤسَّسات الثقافية والاجتماعية، ليست مفتقرة إلى المشاريع والبرامج المناسبة والمعيارية والتربوية فحسب، بل إنَّها إمَّا أن تعمل على الترويج لسلسلة من التقاليد والأعراف الجافَّة وبشكل منقوص وسلبي، أو أنَّها تعاني من بعض الأفكار المشوَّهة والاتِّجاهات المتمرِّدة على الثقافة، أو أنَّها بنفسها تُعتَبر مركز وبؤرة الفساد والضياع الأخلاقي.
ومن خلال القضاء على هذه المؤسَّسات وبؤر الفساد أو تغييرها وإصلاح المشاريع والاتِّجاهات الثقافية، يمكن عقد الأمل على حلِّ بعض النواقص ونقاط الضعف التي يعاني منها المجتمع، وهو ما سيُكتَب له التحقّق في عصر الظهور. إذ تقول الروايات الواردة في هذا الشأن:
- «ليعزلنَّ عنكم أُمراء الجور، وليُطهِّرنَّ الأرض من كلِّ غاش»(٧٧).
- «يفتح مدائن الشرك»(٧٨).
- «إذا قام القائم، ذهبت دولة الباطل»(٧٩).
ج - البُعد الإنساني:
إنَّ بعض المفاسد والسلبيات التي يعاني منها المجتمع، إنَّما تنشأ عن نشاط المفسدين وشياطين الإنس والأشرار والملحدين الذين يُسخِّرون كلَّ طاقاتهم في محاربة الدين، والتنكّر للمعايير، ونصـرة الباطل، والترويج للفساد والفحشاء وحبّ الدنيا، والحصول على المصالح الشخصية من طريق العنف وما إلى ذلك.
وإنَّ المراكز والأبواق الإعلامية التابعة لهم تُمثِّل أيضاً مراكز لإشاعة المنكرات والإباحية.
ومن خلال القضاء على مهندسي الفساد والضلال أو إصلاحهم، سوف تتَّجه المجتمعات نحو الطهر والصلاح. وهو الذي سوف يُكتَب له التحقّق يقيناً في عصر الظهور:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٧) بحار الأنوار ٥١: ١٢٠/ باب ٢/ ح ٢٣.
(٧٨) كشف الغمَّة ٢: ٤٧٠.
(٧٩) الكافي ٨: ٢٨٧/ ح ٤٣٢.

(٢٤)

- «... تهلك الأشرار، وتبقى الأخيار»(٨٠).
- «يبير به كلَّ جبّار عنيد، ويُهلِك على يده كلَّ شيطان مريد»(٨١).
٥/٥ - القضاء على الفقر المادّي لإصلاح المطالب:
لو جعل الإنسان من الدنيا أكبر همّه، واعتبرها هي الهدف والغاية من الحياة، واختزل جميع الأُمور بالمادّيات، فإنَّه سيُبتلى بالطمع ولن يقنع منها بغير المزيد. وإنَّ هذا التعلّق بالدنيا سيُمهِّد الأرضية لارتكاب جميع أنواع المعاصي والآفات والرذائل؛ وذلك لأنَّه سيتَّخذ من الدنيا وسيلة لكسب العيش من الطرق المشـروعة وغير المشـروعة، وبذلك تكون الدنيا بالنسبة إليه دار غرور ولهو ولعب وسكر وعربدة، وبالتالي الخلاف والتنافس من أجل الحصول على مزيد من الحطام.
إنَّ حبَّ الدنيا يؤدّي إلى تسلّل الصفات السلبية إلى الإنسان بالتدريج، وسوف يكون التكبّر والطمع والحسد من أهمّ العلامات على ذلك، وإنَّ هذه الصفات من أسباب انحراف الناس على طول التاريخ.
إنَّ الطريق الوحيد لمعالجة هذه الرذائل، يكمن في التزكية والتربية العقلانية للإنسان، ووضعه على مسار الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام).
ومع ذلك فإنَّ الدين يهتمُّ برفع الاحتياج المادّي للإنسان، كي لا تكون الحاجة مصدر قلقه، الأمر الذي قد يُوفِّر الأرضية الخصبة لتجذّر الطمع والبخل في نفسه. فمن جهة يعمل الإسلام من خلال فرض أحكام من قبيل: الخمس والزكاة والصدقة، لرفع الفقر من المجتمع، ومن جهة أُخرى يعمل على الحيلولة دون اكتناز الثروة والإسراف والكماليات، للمنع من تكريس الثروة المادّية وتجميدها.
وسوف يتمُّ تطبيق هذا الأمر في عصـر الظهور بشكل كامل، وذلك من خلال رفع الحوائج المادّية للناس، مع اقتران ذلك بإخضاعهم للتربية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٠) منتخب الأثر: ٥٩٢/ ح ٤.
(٨١) كمال الدين ٢: ٣٦٨/ باب ٣٤/ ح ٦.

(٢٤)

الصحيحة، حيث ستزول المشاكل الناشئة عن حبِّ الدنيا، ويتمُّ وضع الاقتصاد على المسار الأخلاقي والإنساني الصحيح. فطبقاً لبعض الروايات: «تُجمَع إليه أموال الدنيا كلّها، ما في بطن الأرض وظهرها، فيقول للناس تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام، وسفكتم فيه الدماء، وركبتم فيه محارم الله، فيعطي شيئاً لم يعط أحداً كان قبله»(٨٢).
وروي أيضاً: «يُسوّي بين الناس حتَّى لا ترى محتاجاً إلى الزكاة»(٨٣). وفي رواية أُخرى: «كفيتم مؤونة الطلب والتعسّف، ونبذتم الثقل الفادح عن الأعناق»(٨٤).
٦ - الاتّجاه الاجتماعي:
يتمُّ التأكيد في هذا الاتِّجاه على بناء المجتمع السالم، وإقامة المجتمع العالمي (الاتِّحاد على المستوى البشـري)، في ضوء الأخلاق الإلهية.
وفي عملية إصلاح المجتمع يبرز دور المصلحين والمتَّقين بشكل أفضل، ويغدو تطهير المجتمع من المفاسد والشـرور على سُلَّم الأولويات في العملية الإصلاحية.
وفي هذا الاتِّجاه يمكن لنا أن نشير إلى الآليات الآتية:
٦/١ - إضاءة على المحيط الاجتماعي:
إنَّ الإنسان يعيش في محيط يشتمل على بُعدين: البُعد المادّي، والبُعد ما فوق المادّي والملكوتي. وإن الذي يراه الإنسان بحاسَّة البصـر، لا يعدو الحياة الدنيا بما فيها من الرذائل والفضائل، وإنَّ الذي يُبعِده عن حقيقته الوجودية، وذلك الفضاء المعنوي والملكوتي (ويجعله قابعاً في الفضاء الملوَّث والمظلم)، هو اهتمامه وانغماسه في المادّيات والنفسانيات والأوهام.
وفي الحقيقة فإنَّ المجتمع الملوَّث والموبوء هو المجتمع المفعم بالتيّارات السلبية والهدّامة، والأفكار الهدّامة والسامَّة، والاتِّجاهات البهيمية والشهوانية، وأنواع الإثارات الغريزية والجنسية وما إلى ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٢) علل الشرائع للصدوق ١: ١٦١/ باب ١٢٩/ ح ٣.
(٨٣) بحار الأنوار ٥٢: ٣٩٠/ ح ٢١٢.
(٨٤) الكافي ٨: ٢٦٦/ ح ٢٢.

(٢٤)

وفي الحقيقة فإنَّ الإنسان - ولاسيّما في العصـر الراهن - يعيش ضمن فضاء مظلم ومسموم يترك تأثيرات سلبية وكارثية على روحه ونفسيته وفكره على نحو مباشر أو غير مباشر.
ولكي يتخلَّص ذهن وروح الإنسان من هذه السموم الروحية وغير الثقافية، يجب تطهير الفضاء وصيانة الأفراد، عبر بناء محيط ثقافي آمن ومجتمع طاهر.
وفي هذه الأجواء فقط يتمكَّن الإنسان من تهذيب نفسه ضمن مناخ سليم (على مستوى الظاهر والباطن) ليصل إلى التكامل ويبني لنفسه مجتمعاً أخلاقياً طاهراً.
وتُقدِّم لنا الروايات صورة معبِّرة للغاية عن هذا المناخ والمشهد الطاهر والنوراني، إذ تقول:
- «يملأ الأرض عدلاً وقسطاً ونوراً وبرهاناً...»(٨٥).
- «إذا قام أشرقت الأرض بنور ربِّها...»(٨٦).
- «تطيب الدنيا وأهلها في أيّام دولته»(٨٧).
- «يُطهِّر الله به الأرض»(٨٨).
٦/٢ - الدور والآلية المعيارية للصالحين والأتقياء:
إنَّ وجود الأتقياء والصالحين والعلماء الشاهدين بين الناس، وحضورهم المشهود والواضح في المجتمع، وتصدّيهم لبعض الأُمور والمهامّ الثقافية والعلمية وحتَّى السياسية، يؤدّي إلى ارتقاء وازدهار تلك المجتمعات، وتربية نفوس أفرادها بشكل صحيح.
إنَّ هؤلاء يُمثِّلون النماذج العملية للناس، فهم معلِّمو الأخلاق، وقادة القلوب والعقول إلى الإيمان والمعرفة، وهم الذين بهم تُستَنزل البركات، وهم حجج الله على العباد مثل الأنبياء والأئمَّة والعلماء الأتقياء والعرفاء.
إنَّ تأثيرهم الإيجابي والبنّاء وحضورهم الكمّي والكيفي في المجتمعات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٥) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٢٩١.
(٨٦) الإرشاد ٢: ٤٨.
(٨٧) كشف الغمَّة ٤: ٤٩٣.
(٨٨) كمال الدين ٢: ٣٧٢/ باب ٣٥/ ح ٥.

(٢٤)

وفاعليتهم في الإصلاح وبناء الإنسان، يبلغ حدّاً يقول معه الإمام زين العابدين (عليه السلام): «هلك من ليس له حكيم يُرشده»(٨٩).
إنَّ الإنسان يحتاج على الدوام إلى معلِّم وإلى أُسوة يتأسّى بها لبلورة شخصيته وبناء نفسه.
إنَّ وجود هذه الأمثلة الإلهية يزيد من نورانية المجتمع، ويزيد من نورانية القلوب، ويُحجِّم دور المفسدين من شياطين الإنس. وكلَّما كان أساتذة الإنسان متَّصفين بالكمالات السامية، أمكن لهم أن يلعبوا دوراً إيجابياً أكبر في تطوير الناس على المستويين الفكري والأخلاقي. كما كان للنبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمَّة الأطهار (عليهم السلام) مثل هذا التأثير المعنوي والروحي في حدوده القصوى، وفي عصـر الظهور سيؤدّي الإمام المهدي (عليه السلام) والصلحاء من صفوة أنصاره هذا الدور الحيوي الخالد أيضاً.
إنَّ عودة النبيِّ والعبد الصالح عيسى بن مريم وحضور الخضـر وإلياس (عليهم السلام)، ورجعة مالك الأشتر وسلمان الفارسي والمقداد وأبي دجانة الأنصاري، وأصحاب الكهف، وأصحاب موسى وغيرهم بين أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام) في عصـر الظهور(٩٠)، لن يكون خلواً من الحكمة، فهو يُعبِّر عن تحوّلات عظيمة وكبيرة جدّاً، وهذا يُثبِت الدور البارز لرجال الله (عزَّ وجلَّ) في تطهير فضاء المجتمع وبناء الإنسان.
وبالإضافة إلى ذلك هناك مجموعات من الصالحين من بين خُلَّص أنصار الإمام (عليه السلام) سيُشكِّلون باقات ربّانية لقيادة وهداية الناس، وسوف يتولّون المناصب بوصفهم الحكّام على أقاليم العالم، وسوف يقومون بأعباء مسؤولياتهم السياسية والثقافية وشؤون التربية والتعليم العالمي. وقد ورد بهذا الشأن:
- (له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصـرونه، هم الوزراء له، يتحمَّلون أثقال المملكة عنه، ويعينونه على ما قلَّده الله)(٩١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٩) بحار الأنوار ٧٨: ١٥٨.
(٩٠) أُنظر: الإرشاد ٢: ٣٨٦.
(٩١) ينابيع المودَّة ٣: ١٧٢/ باب ٦٥، عن محي الدين ابن عربي.

(٢٤)

- عن أبي جعفر (عليه السلام): «يبايع القائم بين الركن والمقام ثلاثمائة ونيف، عدَّة أهل بدر، فيهم النجباء من أهل مصر، والأبدال من أهل الشام، والأخيار من أهل العراق»(٩٢).
وفيما يتعلَّق بالدور الثقافي الذي سيضطلع به النبي عيسى (عليه السلام) في عصـر الظهور، هناك رواية تقول: «والله لينزلنَّ ابن مريم حكماً عادلاً، فليكسـرنَّ الصليب، وليقتلنَّ الخنزير، وليضعنَّ الجزية، ولتتركنَّ القلاص، فلا يسعى عليها، ولتذهبنَّ الشحناء والتباغض والتحاسد»(٩٣).
٦/٣ - اجتثاث الشرور من المجتمع (سيادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر):
إنَّ من بين الأُصول والقواعد البديهية في تعليم وتربية الإنسان، اجتثاث الشـرور والانحرافات الاجتماعية، وإزالة المنكرات والرذائل من جميع المستويات والدرجات. بمعنى أنَّه لا بدَّ إلى جوار التربية الفردية من أن تكون هناك تربية اجتماعية، وللقيام بهذا الدور لا بدَّ أوَّلاً من القضاء على الأسباب الكامنة وراء الانحراف والرذيلة، والوقوف بشكل جادّ وحاسم أمام جميع أنواع الانحراف والمنكر. فإنَّ كلَّ نوع من أنواع التساهل والتسامح في مواجهة الشـرور والمفاسد، والتغاضي عن أصغر أنواع الانحراف والانحطاط في المجتمع سيؤدّي إلى انتشارها على نطاق واسع، حتَّى يتحوَّل ارتكاب المعاصي والمنكرات إلى مسألة عادية ومألوفة.
إنَّ المجتمع السليم والمتعلِّم هو مجتمع يؤمن بقبح الانحرافات، ومن خلال الالتفات إلى التبعات السيِّئة والمدمِّرة المترتِّبة عليها، فإنَّه لا يستطيع تحمّل وجودها، ويصـرُّ على تطبيق فريضة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
وفي عصـر الظهور يتمُّ العمل بهذا البرنامج التربوي والأخلاقي بشكل جادٍّ، حيث تُستأصل الشرور والانحرافات من المجتمع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٢) الغيبة للطوسي: ٤٧٦.
(٩٣) صحيح مسلم ١: ٩٤.

(٢٤)

إنَّ هذه المسألة يتمُّ تعقّبها في إطار التربية الدينية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي سياق سيادة وهيمنة القوانين الأخلاقية في المجتمع من قِبَل الحكومة العالمية للإمام المهدي (عليه السلام).
وقد جاءت بعض الروايات في هذا الشأن، نكتفي منها بذكر ما يأتي:
- «يعمل بكتاب الله، لا يرى فيكم منكراً إلَّا أنكره»(٩٤).
- «... يمحو الله به البدع كلّها، ويميت به الفتن كلّها»(٩٥).
- «يذهب الشرّ، ويبقى الخير...، يذهب الزنا، وشرب الخمر، ويذهب الرياء»(٩٦).
٦/٤ - الاتِّحاد البشري المعقول:
إنَّ ابتعاد الناس عن بعضهم، واختلافهم وتباغضهم، وتعدّد ثقافاتهم ومعتقداتهم، وتنوّع وتعارض مطالبهم وأهدافهم، وتبنّيهم للقيم والمعايير المتناقضة، وما إلى ذلك من الأُمور، يُعتَبر من أهمّ ما يُهدِّد المجتمعات البشـرية، كما يُشكِّل عنصـراً للركود والجمود الفكري والثقافي.
وإنَّ هذه الحقيقة تبلغ حدّاً من الخطورة بحيث يذهب بعض المفكِّرين إلى تعريف الإنسان بأنَّه: (ذئب على شكل إنسان)(٩٧).
أيّاً كانت أسباب النزاعات والخلافات بين الناس، ومهما كانت أشكالها - سواء أكانت مذهبية أو قبلية أو دينية أو عرقية أو ... -، فإنَّ تاريخها يعود إلى تاريخ حياة الإنسان، وإنَّ الكثير من الحروب والنزاعات الاستنزافية والعدوان وما إلى ذلك ما هي إلَّا ثمرة ونتيجة من نتائجها.
إنَّ من جملة الأهداف الرئيسة للأنبياء تقريب الناس من بعضهم والعمل على تأليف قلوبهم وتعميق المحبَّة بينهم، تمهيداً لإقامة أُمَّة واحدة تُعيد الناس إلى فطرتهم وسيرتهم الحقيقية. وإنَّما في ضوء هذا الاتِّحاد والتلاحم يمكن للناس أن ينتظموا تحت ثقافة واحدة ودين واحد، لتكون لهم غاية وهدف ومشـروع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٤) الكافي ٨: ٣٩٦/ ح ٥٩٧.
(٩٥) الملاحم والفتن لابن طاووس: ٢٦٤/ باب ٥٢/ ح ٣٨٤.
(٩٦) منتخب الأثر: ٥٩٢/ ح ٤.
(٩٧) أُنظر: توماس هابز، لوياتان.

(٢٥)

 واحد للحياة. وإذا لم ينخرط الناس في مجتمع عالمي واحد، وأصرّوا على التنازع والخلاف الثقافي والسياسي وما إلى ذلك، لن يُجديهم أيّ نظام تربوي وثقافي، وستبقى مشاكل البشرية كما هي.
وعليه فإنَّ من لوازم الازدهار والتقدّم الفكري والأخلاقي أن تقوم أُمَّة واحدة، وأن يتمَّ إيجاد شعور مشترك بوحدة المصير، والعمل لذلك على التقليل من الفجوات والشـروخ والخلافات وتناقض الأفكار وتفاوت القيم. وهو أمر سيُكتَب له التحقّق في عصـر الظهور بشكل كامل، ويتمُّ القضاء على جميع الخلافات والأحقاد والعصبيات الدينية والمذهبية وما إلى ذلك، وممَّا جاء في هذا الشأن:
- «يقوم قائمنا... ثمّ يجمعهم على أمر واحد»(٩٨).
- «... ليرفع عن الملل والأديان الاختلاف»(٩٩).
كما سيعمل الإمام المهدي (عليه السلام) على التأليف بين قلوب الناس، ويزيل البغضاء والشحناء والأحقاد من قلوبهم:
- «يُؤلِّف بين قلوب مختلفة»(١٠٠).
- «ذهبت الشحناء من قلوب العباد»(١٠١).
- «إذا قام القائم جاءت المزاملة...»(١٠٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٨) الغيبة للنعماني: ٢٠٦/ باب ١٢/ ح ١١.
(٩٩) مختصر بصائر الدرجات: ١٨٠؛ بحار الأنوار ٥٣: ٤.
(١٠٠) كمال الدين ٢: ٦٤٦/ باب ٥٥/ ح ٧.
(١٠١) الخصال للصدوق ٢: ٤٢٦.
(١٠٢) بحار الأنوار ٥٢: ٣٧٢/ ح ١٦٥.

(٢٥)

 

التعدّدية الدينية وعصر الظهور

 

بقلم: حسن پناهي آزاد
تعريب: حسن مطر

 

ماهيَّة التعدّدية الدينية:
إنَّ مفهوم (التعدّدية الدينية) ترجمة لمصطلح (البلوراليزم) في اللغة الإنجليزية، حيث تعني مفردة الـ (بلورال)(١): الجمع والجمعي أو التعدّدي، وتحكي عن الوجودات المتعدِّدة والمتكثِّرة. وأمَّا مصطلح (البلوراليزم) فيُطلَق على المذهب الذي يرى أنَّ ثَمَّة أكثر من حقيقة مطلقة واحدة. وقد تمَّ استعمال هذا المصطلح للمرَّة الأُولى في الدائرة الكنسية التقليدية، حيث كان يُطلَق على الشخص الذي يتولّى أكثر من مسؤولية أو منصب واحد في الكنيسة تسمية الـ (بلوراليست)(٢). ثمّ تمَّ التوسّع في استعمال هذا المصطلح في مختلف الحقول الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، والأخلاقية، والمعرفية، والدينية. من هنا، يمكن تقسيم البلوراليزم أو التعدّدية إلى مختلف الدوائر والحقول والمجالات(٣).
إنَّ نظرية التعدّدية الدينية(٤) التي تحظى بتفسيرات متنوِّعة، بالإضافة إلى القبول بتكثّر الأديان وتنوّعها - سواءً أكانت سماوية أو بشـرية - ترى صدق كافَّة الأديان بأجمعها، وتقول بأنَّها مطابقة للواقع، وتوجب السعادة والفلاح في عالم الآخرة. وعلى هذا الأساس، فإنَّ التعدّدية في امتلاك الصدق والفلاح تُعَدُّ من العناصر الأساسية للتعدّدية الدينية. إنَّ جميع الأديان الموجودة حالياً تُعتَبر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) plural.
(٢) Oxford Advanced Learners Dictionary.
(٣) اُنظر: فرهنگ واژه ها (مصدر فارسي) لعبد الرسول بيات وآخرين: ١٤٢/ الطبعة الثانية/ ١٣٨١هـ ش/ انتشارات مؤسَّسة انديشه وفرهنگ ديني/ قم.
(٤) Religious Pluralism.

(٢٥)

من وجهة نظر التعدّدية الدينية صادقة ومحقَّة، وأنَّ تعاليمها مطابقة للواقع، وأنَّ أتباع جميع هذه الأديان سيحصلون على السعادة في عالم الآخرة.
إنَّ التعدّدية الدينية تعني أنَّ الأديان الكبرى في العالم تُشكِّل الأفهام المتغيِّرة، والمدرَكات، وردود الأفعال المتنوِّعة عن الحقيقة اللاهوتية. يمكن النظر إلى هذه النظرية من خلال مقابلتها بالنظريتين المنافستين لها، أعني: نظرية المذهب الانحصاري(٥)، ونظرية المذهب الشمولي(٦) (٧). وهناك من اختار طريقاً وسطاً بين الانحصارية والشمولية، وذهب إلى احتمال إمكانية التخلّي عن المدَّعيات الانحصارية، والقول بأنَّ الأديان المتنوِّعة والمختلفة، حتَّى إذا اختلفت في إجاباتها وردود أفعالها المتنوِّعة بشأن الحقيقة الإلهيَّة، إلَّا أنَّها بأجمعها تؤدّي إلى السعادة والخلاص، أو ضمان كمال النفس لأتباعها. وهذا ما اختاره الفيلسوف (جون هيك)، وأطلق عليه مصطلح التعدّدية الدينية(٨) (٩).
الجذور التاريخية للتعدّدية الدينية:
هناك من يرى أنَّ (يانس مسكينوس) الأُسقف الأعظم في الكنيسة الأُرثودوكسية، هو أوَّل من تحدَّث عن التعدّدية الدينية، ودعا إلى مسألة الحوار بين مختلف الأديان. وهناك من يرى أنَّ (يوحنّا الدمشقي) - الذي كتب رسالة في هذا الموضوع - هو أوَّل من أثار هذا البحث(١٠).
يمكن بيان تبلور التعدّدية الدينية بصيغتها الراهنة على النحو التالي: لقد أحدثت حركة الإصلاح الديني بزعامة (مارتن لوثر) و(جون كالفين) موجة من إعادة النظر في موقع الكنيسة، أُطلق عليها عنوان (الإصلاح الديني)(١١)، لينتهي الأمر بظهور (شلايرماخر)(١٢)، وتدوين اللاهوت الليبرالي. حيث عمد هذا المنهج الفكري إلى تقديم تفسير جديد لجوهر المسيحية. وفي القرن التاسع عشـر للميلاد، تمَّ طرح الليبرالية الكلامية(١٣) من قِبَل (شلايرماخر)، بوصفها حدّاً وسطاً بين النزعة التقليدية والنزعة التجديدية، تحت عنوان (الإلهيات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) Exclusivism.
(٦) Inclusivism.
(٧) اُنظر: دين پژوهي لميرجا إلياده/ ترجمه إلى الفارسية: بهاء الدين خرمشاهي ١: ٣٠١/ الطبعة الأُولى/ ١٣٧٥هـ ش/ انتشارات پژوهشگاه علوم إنساني ومطالعات فرهنگي/ طهران.
(٨) Pluralism.
(٩) اُنظر: عقل واعتقاد ديني لمايكل بيترسون وآخرين/ ترجمه إلى الفارسية: أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني: ٤٠٦/ الطبعة الرابعة/ ١٣٨٤هـ ش/ انتشارات طرح نو/ طهران.
(١٠) اُنظر: پلوراليزم ديني يا كثرت گرائي (مصدر فارسي) لجعفر السبحاني: ٨ - ١٠/ الطبعة الأُولى/ ١٣٨١هـ ش/ انتشارات توحيد/ قم.
(١١) الإصلاح الديني (reformation): الذي استهدف إصلاح الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر. (المعرِّب).
(١٢) فريدريك إرنست دانيال شلايرماخر: وُلِدَ في بولندا عام (١٧٦٨م)، وكان أبوه قسّاً في الكنيسة المستصلحة، وكان يخدم في الجيش. ترعرع في أجواء متأثِّرة بتعاليم إسبنسـر التقشّفية. كما دخل في كلّية لاهوتية تغلب عليها تعاليم النزعة التقشّفية. ولم يكن بوسعه القبول بالإلهيات التقليدية التي كانت تُدرَّس في تلك الجامعة. ثمّ انتقل شلايرماخر لإكمال دراسته في جامعة هال، وبعد أن أصبح قسّاً، أمضـى أغلب خدمته في سلك المؤسَّسة الدينية في برلين. وبالإضافة إلى ممارسة الرعوية في الكنيسة المستصلحة ساعد على تأسيس جامعة برلين، ليُصبَح أُستاذاً فيها. وأثناء خدمته الرعوية في الكنيسة المستصلحة تمكَّن من إقناع السياسي الكبير (بسمارك) كي يُعَدُّ نفسه ليصبح عضواً في الكنيسة. وقد كان يفصل بين العقل والدين بشكل قاطع، ويجعل التجربة - وليس الإيمان - هي المحور والأساس في الدين. وقد توفّي شلايرماخر في عام (١٨٣٤م). وقد ضمَّنت الكثير من آرائه الحركة اللاهوتية الليبرالية. (اُنظر: تاريخ تفكّر مسيحي لتوني لين/ ترجمه إلى الفارسية: روبرت آساريان: ٣٧٩ و٣٨٠/ الطبعة الأُولى/ ١٣٨٠هـ ش/ دفتر نشـر پژوهش ورزان/ طهران). وإنَّ نظرية التجربة الدينية التي تركت تأثيراً ملحوظاً في ظهور نظرية التعدّدية الدينية قد انبثقت عن هذه الرؤية الصادرة عن شلايرماخر.
(١٣) Theological Liberalism.

(٢٥)

المعتدلة)(١٤). وقد عمد (شلايرماخر) - ضمن قبوله بفكرة (علمية التكامل) بدلاً من (اللاهوت الطبيعي والوحياني) - إلى اعتناق التجربة الدينية والعرفانية.
كان (شلايرماخر) يذهب إلى الاعتقاد بوجوب عدم إعطاء عيسى (عليه السلام) شأناً ومنزلةً أكبر ممَّا توحي به أعماله، أو أن ننسب له سلوكاً وتصـرّفاً لا يتناسب مع شأنه ومنزلته(١٥). يصل منطلق التعدّدية الدينية إلى (شلايرماخر) واللاهوت الليبرالي.
لقد كانت التعدّدية الدينية في العالم المسيحي ردَّة فعل على النزعة الانحصارية في الصدق والنجاة في الكلام المسيحي. وهناك نظريات أُخرى مطروحة في باب منشأ التعدّدية الدينية(١٦).
وقد عمد (جون هيك)(١٧) إلى طرح التعدّدية الدينية في قبال نظرية المذهب الانحصاري، ونظرية المذهب الشمولي. وعليه، لا بدَّ للتعرّف على التعدّدية الدينية من التعرّف على هاتين النظريتين:
النظرية الأولى: نظرية المذهب الانحصاري:
يذهب أتباع المذهب الانحصاري إلى الاعتقاد بأنَّ السعادة والخلاص والكمال، أو أيّ شيء آخر يكون هو الهدف النهائي من الدين، إنَّما ينحصـر وجوده في دين واحد بعينه، وإنَّ هذا الدين هو الذي يضع أمامنا الطريق الوحيد للسعادة والخلاص، وإنَّ أتباع الأديان الأُخرى - مهما تأصّلوا في تديّنهم - لن يتمكَّنوا من بلوغ السعادة والفلاح من طريق دينهم أبداً(١٨).
وقد ذهب الانحصاريون في الدين المسيحي - بسبب تطرّفهم وجمودهم على ظواهر نصوص الكتاب المقدَّس - إلى القول بأنَّ أنبياء الأديان السابقة على المسيحية - من أمثال: النبيّ إبراهيم والنبيّ موسى (عليهما السلام) - ليسا من أهل الجنَّة، لعدم تعميدهما على يد النبيِّ عيسى (عليه السلام). ولذلك فإنَّهم ينتظرون النبيَّ عيسى (عليه السلام) كي يُعمِّدهما، ليتمكّنا من الدخول إلى الجنَّة، والحصول على السعادة هناك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) اُنظر: علم ودين لإيان باربور/ ترجمه إلى الفارسية: بهاء الدين خرمشاهي: ٨٦ و١٣١/ الطبعة الثالثة/ ١٣٧٩هـ ش/ انتشارات مركز نشر دانشگاهي/ طهران.
(١٥) اُنظر: تاريخ تفكّر مسيحي لتوني لين/ ترجمه إلى الفارسية: روبرت آساريان: ٣٢٨.
(١٦) اُنظر: كلام جديد (مصدر فارسي) لعبد الحسين خسـروپناه: ١٧٠ - ١٨٩/ الطبعة الأُولى/ ١٣٧٩هـ ش/ انتشارات مركز مطالعات وپژوهش هاي فرهنگي حوزه علميه/ قم؛ پلوراليزم ديني يا پلوراليزم در دين (مصدر فارسي) للسيِّد حسن الحسيني: ٥ - ٢٢/ الطبعة الأُولى/ ١٣٨٢هـ ش/ انتشارات سروش/ طهران.
(١٧) John Hik.
(١٨) يُعتَبر كارل بارث الممثِّل البارز لهذه الرؤية، حيث عمد إلى تجريد الإيمان والشـريعة من التجلّي الإلهي. (اُنظر: عقل واعتقاد ديني (مصدر فارسي): ٤٠٢).

(٢٥)

وقد استند هذا التطرّف في الجمود على النصِّ إلى فقرة من الإنجيل، وهي الفقرة التي يقول فيها السيِّد المسيح (عليه السلام): (أنا هو الطريق والحقّ والحياة، لا يجيء أحد إلى الأب إلَّا بي...) (١٩).
وأقصى ما تمَّ تحريكه في هذه الرؤية، هو القول بمعذورية أتباع الأديان الأُخرى، بعد توصيف المسيحية بأنَّها الدين الحقيقي الوحيد. ومن هذا المنطلق، عمد البابا في عام (١٨٥٤) للميلاد، إلى الإعلان عن أنَّ الكنيسة الكاثوليكية تُمثِّل سفينة النجاة الوحيدة، إلَّا أنَّ تلك المجموعة من المتديِّنين المسيحيين، الذين لا يعرفون الدين الحقيقي، (وهم المسيحيون المجهولون أو المغمورون)، لا يُعتَبرون عند الله من المذنبين(٢٠).
إنَّ هذا الاعتقاد القائل بنجاة المسيحيين المجهولين، يؤدّي إلى (تعدّدية النجاة) (٢١).
النظرية الثانية: نظرية المذهب الشمولي:
إنَّ النظرية الشمولية تُمثِّل الحدّ الفاصل بين الاتِّجاه الانحصاري، والاتِّجاه التكثّري. حيث يذهب كارل رانر (١٩٠٤ - ١٩٨٠م) - بوصفه ممثِّلاً لهذه النظرية - إلى الاعتقاد بأنَّ الناس إنَّما يتمكَّنون من السعادة، بسبب وقوع حادثة خاصَّة تؤّدي إلى سعادتهم. إنَّ المسيحية لم تُعرِّفنا على عيسى (عليه السلام) بوصفه كلمة الله الفذَّة، بل أعدَّت الأرضية الاجتماعية اللازمة لحضور عيسى (عليه السلام) بين الناس أيضاً. إنَّ الله تعالى يريد النجاة لجميع الناس. لقد دفع عيسى (عليه السلام) لتحقيق هذه السعادة والنجاة كفّارةً، وقد بسط الله تعالى بركات هذه التضحية من قِبَل عيسى (عليه السلام)، لتشمل جميع الناس، حتَّى أُولئك الذين لم يسمعوا شيئاً عن السيِّد المسيح عيسى (عليه السلام)، وموته وسلطانه أبداً. ونتيجةً لذلك، وفَّر الله تعالى إمكانية التصالح والتسالم بين جميع الناس، حتَّى أُولئك الذين لم يعيشوا ضمن نطاق المسيحية التاريخية أيضاً(٢٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) إنجيل يوحنّا/ الإصحاح الرابع عشر/ الفقرة ٧.
(٢٠) اُنظر: عقل واعتقاد ديني لمايكل بيترسون وآخرين/ ترجمه إلى الفارسية: أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني: ٤١٧؛ دين پژوهي لميرجا إلياده/ ترجمه إلى الفارسية: بهاء الدين خرمشاهي ١: ٣٤١.
(٢١) اُنظر: مباحث پلوراليسم ديني لجون هيك/ ترجمه إلى الفارسية: عبد الرحيم گواهي: ٦٩/ الطبعة الأُولى/ ١٣٧٨هـ ش/ نشر تبيان/ طهران.
(٢٢) اُنظر: عقل واعتقاد ديني: ٤١٤.

(٢٦)

إنَّ أتباع النظرية الشمولية من جهةٍ - شأنهم شأن أتباع النظرية الانحصارية - يعتقدون بوجود مجرَّد طريقٍ واحدٍ للسعادة والنجاة، وأنَّ هذا الطريق لا يمكن التعرّف عليه إلَّا في دين واحد محدَّد، ويمكن للجميع أن يلج هذا الطريق. ومن جهة أُخرى، يعتقدون بأنَّ لطف الله وعنايته تتجلّى على عدَّة أنحاء، ويمكن لكلِّ شخص أن يبلغ السعادة والنجاة، حتَّى إذا كان جاهلاً بالأُصول العقائدية لذلك الدين الحقِّ(٢٣). بمعنى: أنَّ الإيمان المسيحي يؤدّي إلى نجاة وسعادة جميع الناس، حتَّى أُولئك الذين لم يسمعوا باسم السيِّد المسيح (عليه السلام) (٢٤).
التعدّدية:
عمد (جون هيك) من أجل حلِّ المشكلة الماثلة في النظرية الانحصارية والنظرية الشمولية، من خلال طرح نظرية التعدّدية(٢٥)، حيث قال في معرض بيان نظريته:
(إنَّ التعدّدية عبارة عن قبول الرؤية القائلة بأنَّ تحوّل وتبديل الوجود الإنساني من حالة الأنانية ومحورية الذات إلى محورية الله (الحقيقة)، يحدث بطرق متنوِّعة في صلب جميع تقاليد الأديان الكبرى في العالم. وبعبارة أُخرى: ليس هناك طريق أو منهج واحد للسعادة والنجاة، وإنَّما هناك طرق متعدِّدة ومتكثِّرة في هذا المجال)(٢٦).
وبعد دراسته للنظرية الانحصارية والنظرية الشمولية في المسيحية، قال:
(أرى أنَّ هناك طريقاً يمكن للمسيحيين - إذا أرادوا على المستوى الشخصـي - أن يسلكوه في إطار الإيمان بالتعدّدية الدينية. وإذا أردنا بيان هذا النوع من التعدّدية بلغة فلسفية وجب القول: إنَّ أنواع الإيمان والاعتقاد المنبثق من صُلب الأقسام الرئيسة لأساليب الإنسان الثقافية، المشتمل على المدرَكات أو التصوّرات المتنوِّعة والمتناظرة معها، تحتوي على ردود أفعال متفاوتة تجاه الحقيقة المطلقة أو الوجود الغائي. وكذلك، فإنَّ طريق حلّ كلّ واحد من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) اُنظر: المصدر أعلاه: ٤١٤ و٤١٥.
(٢٤) اُنظر: فرهنگ واژه ها (مصدر فارسي) لعبد الرسول بيات وآخرين: ١٥٠.
(٢٥) اُنظر: دين پژوهي ١: ٣٠٢.
(٢٦) اُنظر: مباحث پلوراليسم ديني لجون هيك/ ترجمه إلى الفارسية: عبد الرحيم گواهي: ٦٩.

(٢٦)

هذه التقاليد الدينية يكمن في تبديل وتحوّل الناس من حالة الأنانية والتمحور حول الذات إلى التمحور حول الله تعالى بشكل واضح. وإنَّ هذا التحوّل في حدود سعة رؤية البشـر تبدو متشابهة إلى حدٍّ كبير. من هنا يمكن اعتبار الأديان الكبرى بوصفها مجموعة من الفضاءات البديلة لبعضها، وأنَّ هناك في صُلب هذه الفضاءات طرقاً يمكن لأفراد وآحاد الناس بلوغ النجاة والسعادة والحرّية الروحية والتنوير، أو التكامل المعنوي من خلالها)(٢٧).
بعض الأدلَّة على التعدّدية الدينية:
لقد ذكر (جون هيك) وأتباع النظرية التعدّدية أدلَّة لإثبات نظريتهم، ومن بين تلك الأدلَّة(٢٨):
أ - التفكيك والفصل بين الوجود والظهور:
ذهب (جون هيك) متأثِّراً بنظرية (كانت) - في الفصل والتفكيك بين وجود الشـيء في حدِّ ذاته (نومن)(٢٩)، وبين الشـيء بحسب الظاهر وكما يبدو لنا (فينومينون)(٣٠) - إلى القول بوجود واقعية في ذات الأمر، وأنَّه لا توجد لدينا - بحكم الضـرورة - معرفة وإدراك كامل لها، وأنَّ تصوّرنا قاصر عن بلوغها، بَيْدَ أنَّ الناحية الظاهرة من الواقعية تعدُّ واقعية أُخرى بأيدينا.
إنَّ هذه الواقعية عندنا لا تطابق الواقعية في حدِّ ذاتها، وإنَّ هذا التفاوت - سواء عند الإدراك والمعرفة أو عند التقرير والتفسير - سوف يظهر ويبرز على أشكال متنوِّعة. إنَّ الأديان إنَّما تكثَّرت وتعدَّدت نتيجةً لمواجهة الناس مع الأمر القدسي، وصبِّه في ظرف العصور والثقافات المختلفة عند إدراك وتقرير تجاربهم.
(يبدو أنَّ جميع هذه المفاهيم (تفاسير الأديان المختلفة لحقيقة واحدة) والاختلافات تشبه بعضها إلى حدٍّ ما، وإن لم تكن عين بعضها في الوقت نفسه. فلو أنَّنا افترضنا أنَّ الحقيقة المطلقة واحدة، وكان إدراكنا وفهمنا لهذه الحقيقة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) اُنظر: المصدر أعلاه: ٧٣.
(٢٨) تُسمّى هذه الأدلَّة بالأدلَّة من خارج الدين على التعدِّدية. (وأمَّا بشأن الأدلَّة من داخل الدين على التعدّدية، فيمكن الاطِّلاع عليها في: نگاهي درون ديني به پلوراليسم ديني (مصدر فارسي) لعبد الحسين خسـروپناه/ مجلَّة كتاب نقد/ العدد ٤/ ص ٢٤٢).
(٢٩) النومن (noumenon): الشيء أو مفهوم الشيء في ذات نفسه، أو كما يبدو للعقل المحض [في فلسفة كانت]. (المعرِّب).
(٣٠) فينومينون (phenoumenon): الشيء كما يبدو لنا، تمييزاً له عن الشيء في ذاته [في فلسفة كانت]. (المعرِّب).

(٢٦)

متعدِّداً ومتنوِّعاً، فإنَّ هذا سوف يُوفِّر لنا أرضية لفرضية أُخرى تقول: إنَّ مختلف التجارب الدينية تُعبِّر عن إدراكاتنا وأفهامنا المختلفة لحقيقة واحدة مطلقة ومتعالية، يتمُّ إدراكها من قِبَل الأذهان البشـرية - المتأثِّرة بالأزمنة المختلفة والثقافات المتنوِّعة - على شكل صور مختلفة، وفي المقابل تُؤثِّر فيها أيضاً(٣١).
وعلى هذا الأساس، فإنَّ الدين من وجهة نظر (جون هيك) نتيجة نوع من الانعكاسات الإنسانية التي تحصل إثر السعي الواعي للناس من أجل إدراك الأمر الغائي(٣٢) (المتمثِّل بالله تعالى).
يستعين (جون هيك) لبيان نظريته بحكاية العميان الثلاثة والفيل(٣٣)، ويقول: نحن لا نستطيع القول: إنَّ أيَّ واحد من الزوايا المتعدِّدة (للتفاسير المختلفة للفيل) هو الصحيح، إذ لا وجود لأيِّ زاوية وتفسير نهائي يمكن لنا من خلاله ملاحظة ذلك المشهد من زاوية جميع العميان وذلك الفيل. وفي الحقيقة، فإنَّنا بأجمعنا عميان مرتهنون لمفاهيمنا الشخصية والثقافية. هناك من يعتقد بأنَّ الإنسان - من خلال خلع أوصافه على الله تعالى -، يُبدِع المفاهيم الدينية. ويذهب جون هيك إلى القول بأنَّ هذا الكلام صحيح إلى حدٍّ ما(٣٤).
ب - تنزيل الدين إلى مستوى التجربة الدينية:
إنَّ من بين أهمّ الأُسس التي تقوم عليها التعدّدية الدينية، هي نظرية التجربة الدينية، التي تُستَعمل في الكثير من الموارد. وقد ذهب (شلايرماخر) إلى اعتبار التجربة الدينية نوعاً من الشعور الباطني، وهو نوع من الشعور بالتبعيَّة المطلقة. أمَّا (ألستون) فقد أعطى بُعداً معرفياً للتجربة الدينية، معتبراً إيّاها نوعاً من الإدراك الحسّـي، الذي يُشكِّل أساساً ودعامةً للمعرفة الدينية. وطبقاً لرواية وتقرير آخر، تُعتَبر التجربة الدينية الوجه الذي يُميِّز المتديِّنين من غيرهم. وبالالتفات إلى أنَّ الوحي إنَّما يخصُّ عدداً محدَّداً من الأفراد، فإنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) اُنظر: فلسفه دين (مصدر فارسي): ٢٨٦.
(٣٢) Ultimate Object.
(٣٣) تقول الحكاية: إنَّ ثلاثة من العميان دخلوا بيتاً فيه فيل، وأخذ كلُّ واحد منهم يتحسَّس الفيل من زاوية مختلفة، وخرج كلُّ واحد منهم لذلك بنتيجة مختلفة، إذ أمسك الأوَّل بخرطومه، وقال بأنَّ الفيل شيء يشبه الأفعى. وقال الثاني الذي تحسَّس قوائمه الكبيرة الأربعة: إنَّه شيء يقوم على أعمدة أربعة. وقال الثالث الذي تحسَّس ذيله: إنَّه شيء يشبه المكنسة. (المعرِّب).
(٣٤) اُنظر: عقل واعتقاد ديني لمايكل بيترسون وآخرين/ ترجمه إلى الفارسية: أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني: ٤٠٧.

(٢٦)

توصيف التجربة الدينية بأنَّها نوع من المعرفة الحضورية والشهودية للحقيقة المتعالية، يُعتَبر من بين الاستعمالات الأُخرى لهذا المصطلح(٣٥).
إنَّ الذي يمكنه أن يكون قاعدةً لنظرية التعدّدية الدينية، هو الاستعمال الأوَّل للتجربة الدينية. وقد استند (جون هيك) في بيان أدلَّته إلى هذا التفسير للتجربة الدينية.
إنَّ الاهتمام بالتجربة الدينية - بوصفها قاعدةً لتوجيه وتبرير العقائد الدينية - يُمثِّل عنصـر ظهور الإلهيات المعتدلة بزعامة (شلايرماخر)(٣٦). وقد عمد (جون هيك) في جميع أعماله إلى الاستفادة من هذه النظرية لتثبيت نظرية التعدّدية الدينية.
إنَّ التجربة الدينية - بمعنى مواجهة صاحب التجربة لأمر قدسي - تتعرَّض دائماً للتنوّع أثناء التقرير والتفسير بسبب تدخّل أُمور متنوّعة من قبيل: الافتراضات، والمتبنّيات المسبقة، والبيئة الثقافية والمعرفية.
إنَّ تنوّع الأديان يُمثِّل انعكاساً للتجارب الدينية المتحقّقة والمتعيّنة، ولا شيء منها يُمثِّل الحقَّ المطلق ولا الباطل المطلق، بل كلُّ واحد منها يُمثِّل حقائق قابلة للتكامل، ولكنَّها مشوبة بالتفاسير التاريخية(٣٧).
يقول (جون هيك): (يمكن لنا أن نُقيم هذه الفرضية القائلة بأنَّ الواقعية في نفسها تتمُّ تجربتها على أساس أحد مفهومين رئيسين من المفاهيم الدينية التي يخوضها الأفراد، وأحد هذين المفهومين هو: مفهوم الإله، أو مفهوم الواقعية المطلقة، وتجربة ذلك بوصفه وجوداً متشخِّصاً يكون هو الغالب على الصور التوحيدية للدين. أمَّا ثاني هذين المفهومين، فهو: المفهوم المطلق، أو الواقعية المطلقة، وتجربتها بوصفها ذاتاً غير متشخِّصة تغلب على أنواع الصور غير التوحيدية من الدين...، إنَّ هذه الصور المرتبطة بالله تعالى، قد وُجِدَت في صُلب التقاليد والسنن الدينية المختلفة. وعلى هذا الأساس، فإنَّ (يهوه)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) اُنظر: نقد نظرية بسط تجربة نبوي لعليّ ربّاني گلپايگاني (مصدر فارسي): ٩ - ١٤/ الطبعة الثانية/ ١٣٧٩هـ ش/ انتشارات مؤسّسه فرهنگي دانش وانديشه معاصر/ قم.
(٣٦) اُنظر: علم ودين لإيان باربور/ ترجمه إلى الفارسية: بهاء الدين خرمشاهي: ١٣١.
(٣٧) اُنظر: عقل واعتقاد ديني لمايكل بيترسون وآخرين/ ترجمه إلى الفارسية: أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني: ٤١ و٤٢.

(٢٦)

والكتاب المقدَّس للعبريين قد تبلور ضمن الارتباط المتبادل والمتقابل بين اليهود، فهو يُمثِّل جزءاً من تاريخهم، وهم يُمثِّلون جزءاً منه...، ومن ناحية أُخرى يُمثِّل (كريشنا) شخصية لاهوتية مختلفة تماماً، حيث توجد فيما يتعلَّق بمجتمع ديني متفاوت...
بالالتفات إلى هذه الفرضية الجوهرية، يمكن القول: إنَّ (يهوه) و(كريشا)، وكذلك (شيوا) و(الله) و(الأب) و(عيسى المسيح) ذوات متشخِّصة مختلفة تتمُّ تجربتها وتغدو موضوعاً للتفكير على أساس تلك الواقعية الإلهية الماثلة في صُلب التيّارات المختلفة في الحياة الدينية.
من هنا فإنَّ هذه الذوات المختلفة هي إلى حدٍّ ما تجلّيات للواقعية الإلهيَّة في الوعي والوجدان البشري، كما أنَّها إلى حدٍّ ما تُمثِّل انعكاسات للوعي الذاتي والذهن البشـري، كما تأمر بذلك الثقافات التاريخية الخاصَّة)(٣٨).
وقال أيضاً: (إنَّ الأديان المختلفة عبارة عن تيّارات متفاوتة من التجارب الدينية، والتي بدأ كلُّ واحد منها في مقطع تاريخي مختلف من تاريخ الإنسانية، حيث وَجَد كلُّ واحد منها وعيه العقلي الذاتي في صُلب بيئة ثقافية مختلفة)(٣٩).
ج - الفصل بين جواهر الدين وأصدافه:
إنَّ الأصالة في هذه الرؤية تُعطى لجوهر الدين ولبابه، أمَّا التعاليم - ولا سيّما التقاليد والمناسك الظاهرية للدين - فتُمثِّل الصدف والقشـرة الخارجية منه. وإنَّ جوهر الدين ولُبَّه شيء واحد، إلَّا أنَّه يُحاط - بما يتناسب والثقافة التي تحتضن الدين - بصَدَفة خاصَّة، وبذلك تنشأ ظاهرة تعدّد الأديان أيضاً. وإنَّ جميع الأديان المشتملة على هذا الجوهر، حقٌّ وتؤدّي إلى النجاة(٤٠).
إنَّ التعاليم - طبقاً لرؤية (جون هيك) - لا تُمثِّل جوهر الدين، وإنَّما جوهر الدين يتمثَّل في تغيير الإنسان.
من هنا، فإنَّه يُحذِّر من التأكيد المفرط على التعاليم الدينية، التي هي من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨) اُنظر: فلسفه دين (مصدر فارسي): ٢٨٨ و٢٨٩.
(٣٩) اُنظر: المصدر أعلاه: ٢٧٩. وقد عبَّر بعض الكتّاب المعاصرين عن هذا النوع من التعدّدية بالتعددية التبديلية. (اُنظر: Reductive Religious Pluralism)، أو النزعة التخفيضية. وإنَّ (وليم جونز) و(رولف هود) من أنصار هذه الرؤية. (اُنظر: اسلام وپلوراليسم ديني لمحمّد ليغنهاوزن/ ترجمه إلى الفارسية: نرجس جوان دل: ٩٠/ الطبعة الأُولى/ ١٣٧٩هـ ش/ انتشارات طه/ طهران.
(٤٠) اُنظر: عقل واعتقاد ديني لمايكل بيترسون وآخرين/ ترجمه إلى الفارسية: أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني: ٤٠٦.

(٢٦)

 قبيل (تجسّد عيسى (عليه السلام)) (٤١)، ولا بدَّ من اعتبارها - مثل النظريات العلمية - قابلة للصدق والكذب.
إنَّ العقائد الدينية جهود تتكفَّل بالإجابة عن أسئلة الناس حول حياة الإنسان وتجربة الأمر الإلهي. وإنَّ هذه العقائد والتعاليم إنَّما تكون صادقة ما دامت تستطيع تغيير آرائنا ونماذجنا في مواصلة الحياة. وعلى هذا الأساس، لو اعتبرنا تعاليم الأديان المتنوِّعة - والمتناقضة بحسب الظاهر - معبِّرة عن تجربة الحياة، فإنَّ هذه التعاليم لن تبدو منسجمة ومتناغمة في الغالب(٤٢).
إنَّ للتعدّدية الدينية أنحاءً ووجوهاً متعدِّدة، أشار لها بعض الكُتّاب المعاصرين، ومن بينها: التعدّدية المعيارية(٤٣)، والتعدّدية التحقيقية(٤٤)، والتعدّدية التكليفية أو الفقهية(٤٥). ونحن في هذه الدراسة نتناول البحث في تعدّدية الحقيقة وتعدّدية النجاة(٤٦) (٤٧).
وحيث إنَّ هذه المقالة تسعى إلى بحث العلاقة بين التعدّدية الدينية والفكر المهدوي، وارتباط هذه النظرية بعصـر الظهور، وليست بصدد المواجهة مع التعدّدية الدينية ونقدها بشكل مستقلّ، فسنكتفي على نحو الإجمال ببيان عدم انسجام هذه النظرية مع المباني الكلامية للإسلام.
عدم انسجام التعدّدية الدينية مع الأسس الكلامية في الإسلام:
قبل الخوض في بحث عدم الانسجام بين التعدّدية الدينية وقواعد الكلام في الإسلام، لا بدَّ من التذكير ببعض الأُمور، على النحو التالي:
الأمر الأوَّل: إنَّ الإسلام يقوم على أساس التوحيد، وإنَّ جميع الأنبياء - طبقاً للنصِّ القرآني - هم من البشـر، وإنَّ الله تعالى مجرَّد ومنزَّه عن المادَّة والتجسيد. وبذلك، لا ينسجم الإسلام مع عقيدة المسيحيين في القول بتجسّم الله تعالى في ناسوت عيسى(٤٨)، واعتقاد اليهود بتجسّد (يهوه) ومصارعته ليعقوب (عليه السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١) تجسّد المسيح (Incarnation): اتِّحاد الأُلوهية والناسوتية فيه. (المعرِّب).
(٤٢) اُنظر: عقل واعتقاد ديني لمايكل بيترسون وآخرين/ ترجمه إلى الفارسية: أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني: ٤٠٨.
(٤٣) Normative Religious Pluralism.
(٤٤) Aletic Religious Pluralism.
(٤٥) Dontic Religious Pluralism.
(٤٦) Stotriological Religious Pluralism.
(٤٧) اُنظر: أستاد مطهَّري وكلام جديد لأحمد فرامرز قراملكي (مصدر فارسي)/ الطبعة الأُولى/ ١٣٨٣هـ ش/ انتشارات پژوهشگاه فرهنگي وانديشه اسلامي/ طهران.
(٤٨) يذهب المسيحيون إلى الاعتقاد بأنَّ الكلمة الأزلية وغير المخلوقة لله تعالى، قد تجسَّمت وظهرت على شكل عيسى الإنسان، وأخذت تعيش بين سائر الناس. وبعبارة أُخرى: إنَّ عيسى لم يأتِ بكتاب هو من وحي السماء، بل كان بنفسه تجسيداً لوحي الله. ومن هنا يُمثِّل الاعتقاد بالتجسّم الاختلاف الرئيس بين المسيحية والإسلام.

(٢٦)

وأمَّا طبقاً للتعدّدية الدينية، فيمكن القول بأنَّ الجميع على حقٍّ، وإنَّ كلا الدينين صادق. وهذا ليس سوى القول باجتماع النقيضين.
وبعبارة أُخرى: طبقاً لرؤية (جون هيك) القائلة: (إنَّ تحوّل وتبديل الوجود الإنساني من الأنانية ومحورية الذات إلى محورية الله (الحقيقة)، قائم بطرق مختلفة في جميع السنن والأعراف الدينية للأديان الكبرى في العالم)، و(إنَّ السنن الدينية فضاءات بديلة يمكن لجميع الناس أن يصلوا إلى الكمال بواسطة أيِّ واحد منها) يجب القبول بأنَّ ما تقوله المسيحية بشأن تأليه المسيح، وما يقوله الإسلام بشأن إنسانية المسيح، حقٌّ وصادقٌ.
إنَّ هذا الاعتقاد لا يمكن القبول به بحال من الأحوال، لعدم تطابقه مع الأصل البديهي القائل بـ (امتناع اجتماع النقيضين)(٤٩).
الأمر الثاني: فيما يتعلَّق بالسؤال المعرفي للتعدّدية الدينية القائل: (هل جميع الأديان والمذاهب على حقٍّ؟)، يمكن القول:
رغم أنَّ الأديان السماوية لا تخلو من بعض الحقِّ، إلَّا أنَّها ليست على قدر المساواة بأجمعها. فالإسلام متقدِّم على جميع الأديان في هذا الشأن. فالأديان إنَّما تشتمل على الحقِّ بمقدار ما تشترك فيه مع الدين الأسمى والأكمل. وعلى حدِّ تعبير (محيي الدين بن عربي)(٥٠): إنَّ دين الإسلام بمنزلة الشمس، وسائر الأديان الأُخرى بمنزلة النجوم والكواكب، فعلى الرغم من أنَّ الجميع يُرسِل ضوءاً، إلَّا أنَّ طلوع الشمس يحجب النجوم الأُخرى، ومع ذلك في وقت غياب الشمس، يكفي ضوء النجم لمن يريد أن يهتدي الطريق. إنَّ الدين الأكمل هو متمِّم للأديان السابقة. وإنَّ الأديان السابقة كانت تُمهِّد الطريق للدخول إلى الدين الجديد، من قبيل الصفوف في المرحلة الابتدائية، إذ أنَّها تُمهِّد للدخول في الصفوف في المرحلة المتوسِّطة، فإنَّها رغم تمتّعها بنصيب من الحقيقة، وإعدادها للطلّاب كي يصلوا إلى المراحل العليا، إلَّا أنَّ الحقيقة التي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) اُنظر: اسلام وپلوراليسم ديني لمحمّد ليغنهاوزن/ ترجمه إلى الفارسية: نرجس جوان دل: ٩٢.
(٥٠) اُنظر: المصدر أعلاه: ٨٧ - ٩١.

(٢٦)

يحصل عليها الإنسان في المرحلة الابتدائية لا تُعَدُّ شيئاً بالقياس إلى الحقائق والمعلومات التي يحصل عليها في مراحل الدراسات العليا.
وبعبارة أُخرى: إنَّ القول بوجود التعدّدية الطولية، هو غير الإذعان والاستسلام أمام وجود التعدّدية العرضية، والقول بأنَّها تحتوي على الحقِّ بشكل متساوٍ.
يقول الشهيد مرتضى المطهَّري بهذا الشأن:
(إنَّ الدين الحقَّ في كلِّ عصـر لا يعدو أن يكون ديناً واحداً، ويجب على كلِّ شخص أن يتَّبع ذلك الدين لا غير. وإنَّ القول بأنَّ جميع الأديان السماوية على درجة المساواة من حيث الاعتبار، ليس بالقول الصائب. نعم، لا شكَّ في عدم وجود خلاف أو نزاع بين جميع أنبياء الله تعالى... إلَّا أنَّ هذا لا يعني وجود العديد من الأديان في كلِّ زمان، وأنَّ بإمكان الإنسان في كلِّ عصـر أن يختار أيَّ دين يشاء)(٥١).
من هنا، فإنَّ التعدّدية الدينية لا تنسجم مع قواعد الكلام الإسلامي.
الفكر المهدوي والتعدّدية الدينية:
قبل الخوض في بحث إمكان أو عدم إمكان التعدّدية الدينية في عصـر الظهور، يجب أن نبحث في علاقة قواعد وأدلَّة التعدّدية الدينية من خلال بعض تعاليم المهدوية، على النحو التالي:
أوَّلاً: ورد في رواية طويلة عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّه ذكر أوصاف وشرائط آخر الزمان والإمام المهدي (عليه السلام) لسلمان الفارسي قائلاً له: «...إنَّك مدركهم وأمثالك ومن تولّاهم بحقيقة المعرفة...»(٥٢). وعليه فإنَّ الإيمان - طبقاً لهذه الرواية - ليس أمراً عارضاً أو غائباً، لأنَّ معيار إدراك الإمام المهدي (عليه السلام) يكمن في الطاعة الواعية. ولو كانت الطاعة أو مضمون الدين مجرَّد ظهور عابر، لما أمكن اعتباره معياراً لإدراك الحقائق الأُخرى (ومن بينها حضور الإمام المهدي (عليه السلام)).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١) مجموعه آثار مرتضى المطهَّري (مصدر فارسي) ١: ٢٧٥/ ط ١٣٧٧هـ ش/ انتشارات صدرا/ طهران.
(٥٢) اُنظر: بحار الأنوار للمجلسـي ٥٣: ١٤٢ و١٤٣/ ح ١٦، و٢٥: ٦ و٧/ ح ٩، ط ١٤٠٤هـ/ انتشارات دار الوفاء/ بيروت.

(٢٦)

كما وصف الإمام الصادق (عليه السلام) أساس الدين والإيمان بأنَّه أمر حضوري وشهودي، حيث قال:
«من زعم أنَّه يعرف الله بتوهّم القلوب فهو مشـرك...، ومن زعم أنَّه يعبد الاسم والمعنى فقد جعل مع الله شريكاً، ومن زعم أنَّه يعبد المعنى بالصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب، ومن زعم أنَّه يعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد لأنَّ الصفة غير الموصوف، ومن زعم أنَّه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغَّر الكبير، ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]»(٥٣).
إنَّ الاعتقاد بالفصل بين الوجود والظهور يُؤدّي بالتالي إلى المعرفة الغائبة المستندة إلى الوهم أو الخيال، في حين أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) يرى أنَّ الدين والعبادة أمر حاضر وقائم على أساس المعرفة والإدراك. يُضاف إلى ذلك أنَّ فصل الوجود عن الظهور نوع من التشكيك المنظَّم، وليس دليلاً منطقياً(٥٤).
ومن جهة أُخرى، بناءً على القول بأنَّ لحقيقة الإيمان مراتب ودرجات مختلفة، يكون الإيمان أمراً وجودياً، وليس مجرَّد وهم أو خيال، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم:
- ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ (المجادلة: ١١).
- ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران: ١٦٣).
- ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٧٦).
وعلى هذا الأساس، فإنَّ الإيمان والمعرفة حقيقتان متَّصلتان، وتؤثِّران بشكل حاسم في تعالي البشر، ولا يمكن القبول أبداً بأنَّ الدين مجرَّد ظواهر وإفرازات منبثقة عن الذهن البشري.
وثانياً: إنَّ القائلين بالتعدّدية الدينية، من خلال تنزيلهم مرتبة الدين إلى مستوى التجارب الفردية، جعلوه دليلاً على مدَّعاهم، في حين أنَّ هذا المدَّعى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣) بحار الأنوار للمجلسي ٦٥: ٢٧٦ - ٢٧٩.
(٥٤) اُنظر: شناخت در فلسفه اسلامي لجعفر السبحاني (مصدر فارسي): ١٠٨ و١٠٩/ الطبعة الأُولى/ ١٣٧٥هـ ش/ انتشارات برهان/ طهران.

(٢٦)

قابل للردِّ أيضاً، لأنَّ حقيقة الإسلام ثابتة، إلَّا أنَّ الإنسان المحدود يعجز أحياناً عن إدراك ذلك. وفي هذا الشأن روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «كأنَّني بدينكم هذا لا يزال متخضخضاً يفحص بدمه ثمّ لا يردّه عليكم إلَّا رجل منّا أهل البيت...، وتؤتون الحكمة في زمانه حتَّى أنَّ المرأة لتقضـي في بيتها بكتاب الله تعالى وسُنَّة رسول الله»(٥٥).
وطبقاً لذلك، يكون الإسلام حقيقة ثابتة، سوف تتجاوز أحداثاً مريرة، ليبلغ مكانته اللائقة به في نهاية المطاف على يد الإمام المهدي (عليه السلام). إلَّا أنَّ معرفة الدين - بناءً على عقيدة أنصار التجربة الدينية - غير ممكنة، لأنَّ فهم كلّ شخص في كلِّ لحظة يختلف عن فهمه في اللحظة الأُخرى.
إنَّ الاستناد إلى الظاهرة الذهنية (فينومينون)، وعدم ربطها بالناحية الوجودية من الدين (نومن)، يترك الفرد وحيداً أمام تصوّراته الذهنية. إنَّ هذه الرؤية لم تأتِ بمعيار لتشخيص صحَّة وسقم (مطابقة أو عدم مطابقة) تصوّراته الذهنية مع حقيقة الدين. إنَّ مذهب إنكار معيار المعرفة أو النسبية المعرفية(٥٦)، هو الذي يخدم التعدّدية الدينية(٥٧).
لو أصبح الدين المعرفي محدوداً بتجربة الأشخاص، لأمكن عرض كلّ عقيدة جديدة (غير ما جاء به النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم)) بوصفها من صميم الدين الإسلامي، وهذا هو التحريف الذي على إثره تمَّ تشبيه الإسلام بالطائر الذي يفحص بدمه، أو يخالف ويعارض جميع تعاليم الإسلام وموضوع المهدوية.
وثالثاً: إنَّ الفصل بين جوهر الدين وبين صدفه - الذي كان من أدلَّة القائلين بالتعدّدية الدينية - غير مقبول من زاوية التعاليم الإسلاميَّة. فقد جاء في كتاب (عيون أخبار الرضا) للشيخ الصدوق أنَّ المأمون سأل الإمام الرضا (عليه السلام) أن يُبيِّن له الإسلام المحض والخالص في كتاب، فأعطاه الإمام جواباً مفصَّلاً عن سؤال، وممَّا جاء فيه أنَّه قال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) الغيبة للنعماني: ٢٤٥.
(٥٦) Epistemological Relativism.
(٥٧) اُنظر: نقد مباني معرفت شناسي بلوراليسم ديني لوليِّ الله عبّاسي (مصدر فارسي)/ نشـرية إلهيات وحقوق دانشگاه علوم اسلامي رضوي/ السنة الرابعة/ العدد ١٢.

(٢٧)

«إنَّ محض الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إلهاً واحداً...، وأنَّ محمّداً عبده ورسوله، وأمينه وصفيّه...، وأنَّ جميع ما جاء به محمّد بن عبد الله هو الحقُّ المبين، والتصديق به وبجميع من مضـى قبله من رسل الله وأنبيائه وحججه، والتصديق بكتابه الصادق العزيز...، وأنَّ الدليل بعده والحجَّة على المؤمنين والقائم بأمر المسلمين... عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين...، وبعده الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنَّة، ثمّ عليّ بن الحسين زين العابدين، ثمّ محمّد بن عليّ باقر علم الأوَّلين، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق وارث علم الوصيّين، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم، ثمّ علي بن موسى الرضا، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ عليّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن عليّ، ثمّ الحجَّة القائم المنتظر ولده (صلوات الله عليهم أجمعين)، أشهد لهم بالوصيَّة والإمامة، وأنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة لله تعالى على خلقه كلّ عصـر وأوان...، وأنَّهم المعبِّرون عن القرآن، والناطقون عن الرسول بالبيان، ومن مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية»(٥٨).
وهكذا، فإنَّ الإمام الرضا (عليه السلام) قد جمع فروع الدين بقوله: «جميع ما جاء به محمّد بن عبد الله»، كما هو الحال بالنسبة إلى أُصول الدين، ضمن دائرة عناصر الإسلام المحض، ولم يقم بأيِّ تفكيك وفصل بين أيِّ واحد من هذه المضامين. من هنا، لا شكَّ في أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سوف يُطبِّق الإسلام الخالص والمحض (على ما هو مضمون الحديث المروي عن الإمام الرضا (عليه السلام))، ولن يُفكِّك بين التعاليم الدينية الخالصة أو يُقسِّمها إلى جواهر وأصداف، لأنَّ جميع أركان الإسلام تُمثِّل حقيقة واحدة.
إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) - بناءً على رواية - سيعمل على طبق سيرة النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام). وفيما يلي سنذكر ثلاث روايات على النحو التالي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٨) بحار الأنوار للمجلسي ١٠: ٣٥٣، عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ١:١١٩.

(٢٧)

- عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن القائم (عليه السلام) إذا قام بأيِّ سيرة يسير في الناس؟ فقال: «بسيرة ما سار به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) حتَّى يظهر الإسلام». قلت: وما كانت سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: «أبطل ما كان في الجاهلية، واستقبل الناس بالعدل، وكذلك القائم (عليه السلام) إذا قام يُبطِل ما كان في الهدنة ممَّا كان في أيدي الناس ويستقبل بهم العدل»(٥٩).
- عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا قام القائم دعا الناس إلى الإسلام جديداً، وهداهم إلى أمر قد دُثِرَ وضلَّ عنه الجمهور، وإنَّما سُمّي القائم مهدياً لأنَّه يهدي إلى أمر مضلول عنه، وسُمّي القائم لقيامه بالحقِّ»(٦٠).
- عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أخبرني عن قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ الإسلام بدأ غريباً، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء»؟ فقال: «يا أبا محمّد، إذا قام القائم استأنف دعاءً جديداً كما دعا رسول الله»(٦١).
وعلى هذا الأساس، فإنَّ المهدوية لا تتناسب مع القول بالتعدّدية الدينية، لأنَّ سيرة النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) في إبطال العقائد الجاهلية والتحريفات، وتطبيق الأحكام الإسلاميَّة المهجورة، وبسط العدل، والدعوة إلى الإسلام بأُسلوب جديد، وإنقاذ الإسلام وانتشاله من الغربة والعزلة، لا ينسجم أبداً مع القول بصحَّة جميع الأديان وآدابها وتقاليدها وطقوسها المتعدِّدة.
التعدّدية الدينية وتعدّد الأديان في عصر الظهور:

طبقاً لبعض الروايات التي تقول: إنَّ أتباع الديانات الأُخرى سيبقون على معتقداتهم بعد ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، يبرز هذا التوهّم القائل: ستكون إذن هناك تعدّدية دينية في عصـر الظهور. ولكنَّنا من خلال توظيف الآيات والروايات، سنعمل على البحث في فرضيتين قائمتين حول تعدّد الأديان في عصر الظهور:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩) تهذيب الأحكام ٦: ١٥٤؛ وسائل الشيعة ١٥: ٧٧.
(٦٠) بحار الأنوار ٥١: ٣١.
(٦١) الغيبة للنعماني: ٣٣٧؛ بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٣٦٧.

(٢٧)

أ - فرضية اعتناق جميع الناس للدين الإسلامي الحنيف:
طبقاً لمجموعة من الروايات، فإنَّ جميع سكّان المعمورة في عصـر الظهور سيعتنقون الدين الإسلامي الحنيف، ويكون الجميع من أتباع الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام). وقد جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْـرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣)، قال: «أظَهَرَ ذلك بعد؟!»، [فقال الإمام (عليه السلام)]: «كلَّا والذي نفسـي بيده، حتَّى لا تبقى قرية إلَّا ونودي فيها بشهادة ألَّا إله إلَّا الله، وأنَّ محمّداً رسول الله، بكرةً وعشياً»(٦٢).
ب - فرضية إسلام الغالبية العظمى من سكّان الكرة الأرضية:
عن ابن عبّاس، قال: (حتَّى لا يبقى يهودي ولا نصـراني ولا صاحب ملَّة إلَّا دخل إلى الإسلام)(٦٣).
وفي بعض الروايات: إنَّ أكثر الناس في عصـر الظهور سيعتنقون الإسلام، وأنَّ الجزية سوف ترتفع عن أهل الكتاب، ومعنى رفع الجزية أنَّه لا يقبل من أهل الكتاب إلَّا الإسلام(٦٤). وفي رواية أُخرى: «إذا خرج القائم لم يبقَ كافر بالله العظيم ولا مشـرك بالإمام إلَّا كره خروجه، حتَّى أن لو كان كافر أو مشـرك في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن، في بطني كافر فاكسرني واقتله»(٦٥).
وهناك آيات تدلُّ على تواجد وحضور لأهل الكتاب إلى يوم القيامة، وهي قوله تعالى:
﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَـى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (آل عمران: ٥٥).
هذا، وقد تمَّ تفسير كلمة (القيامة) في هذه الآية بمعنى ظهور الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) أيضاً. وعليه، لا يمكن الاستناد إلى هذه الآية لإثبات بقاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٢) تفسير الأصفى للفيض الكاشاني ٢: ١٣٠٠.
(٦٣) بحار الأنوار للمجلسي ٥١: ٦١؛ وفي ينابيع المودَّة ٣: ٢٤٠: (لا يبقى صاحب ملَّة إلَّا صار إلى الإسلام).
(٦٤) بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٣٧٥.
(٦٥) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: ٦٧٠.

(٢٧)

الأديان المتعدِّدة في عصـر الظهور. وأمَّا إذا كان المراد من (القيامة) معنى آخر، وهو يوم في الدنيا، ويوم بعث الناس في العالم الآخر، فيمكن القول: إنَّ بعض الناس سيبقون على دينهم ولا يعتنقون الإسلام حتَّى في عصـر ظهور الإمام المهدي (عليه السلام).
ثمّ إنَّه لو آمن جميع الناس بالإسلام، فلا تعود هناك من حاجة إلى خوض الحروب في مواجهة المخالفين [لعدم وجود المخالفين أصلاً](٦٦)، في حين إنَّه طبقاً لصـريح بعض الروايات ستكون هناك حروب لتوسيع رقعة الإسلام ونشره على جميع ربوع الكرة الأرضية.
ولكن هناك مع ذلك قرائن ومؤيِّدات على نزوع أكثر الناس إلى الإسلام، ويمكن إجمال هذه القرائن والمؤيِّدات على النحو التالي:
الأوَّل: إنَّ جميع وسائل التواصل الاجتماعي في عصـر حكومة الإمام المهدي (عليه السلام) ستكون طوع أمره، الأمر الذي يكون سبباً في انتشار الإسلام في العالم. يُضاف إلى ذلك أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيعمل على تبليغ الإسلام بشكل منطقي وعلى نطاق واسع، وبذلك سيُقبِل الناس على الإسلام أفواجاً أفواجاً(٦٧).
روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال [ما معناه]: «لا يواجه المهدي وأصحابه أهل ملَّة إلَّا ودعاهم إلى الله والإسلام والإقرار بنبوَّة محمّد»(٦٨).
الثاني: إنَّ الخصائص الشخصية للإمام المهدي (عليه السلام)، سوف تكون من عوامل وأسباب انجذاب الناس إليه وإعجابهم به، وبذلك يكون الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: ١٥٩)، حيث يتمتَّع الإمام المهدي (عليه السلام) بجميع كمالات الأنبياء (عليهم السلام).
الثالث: إنَّ أوصاف وخصائص أصحاب حجج الله على الأرض من أسباب انجذاب الناس إليهم وإقبالهم عليهم. وقد ذكر الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٦) ما بين المعقوفتين إضافة توضيحية من عندنا. (المعرِّب).
(٦٧) اُنظر: حكومت جهاني مهدي (عليه السلام) لناصر مكارم الشيرازي (مصدر فارسي): ٢٨٨/ الطبعة الثامنة/ ١٣٧٦هـ ش/ انتشارات مدرسة الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)/ قم.
(٦٨) اُنظر: بحار الأنوار للمجلسـي ٥١: ٣٠، وفيه: «إذا قام القائم (عليه السلام) دعا الناس إلى الإسلام جديداً، وهداهم إلى أمر قد دُثِرَ وضلَّ عنه الجمهور...».

(٢٧)

أوصاف أصحاب الحجج الإلهية - ضمن بيان له بشأن عدم خلوِّ الأرض من حجَّة إلهيَّة (ظاهرة أو غائبة) - على النحو التالي:
«اللَّهُمَّ بَلَى، لاَ تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لله بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، وَإَمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُهُ. وَكَمْ ذَا وَأَيْنَ أُولئِكَ؟ أُولئِكَ - وَاللهِ - الْأَقَلُّونَ عَدَداً، وَالْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللهِ قَدْراً، يَحْفَظُ اللهُ بِهِمْ حُجَجَهُ وَبَيِّنَاتِهِ، حَتَّى يُودِعُوهَا نُظَرَاءَهُمْ، وَيَزْرَعُوهَا فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ، هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ، وَاسْتَلاَنُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ المُتْرَفُونَ وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ، وَصَحِبُوا الدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالمَحَلِّ الْأَعْلَى، أُولئِكَ خُلَفَاءُ اللهِ فِي أَرْضِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ»(٦٩).
الرابع: إنَّ الدولة المصغَّرة التي سيقيمها الإمام المهدي (عليه السلام) في الكوفة، قبل قيام حكومته العالمية، ستكون مثالاً لدولته العالمية في تطبيق العدل والازدهار والمعنوية والأمن. ولا شكَّ في أنَّ هذه الحكومة ستُبهِر أنظار المستضعفين والممتحنين في العالم من الذين ضاقوا ذرعاً بالطغاة والحكومات الجائرة(٧٠).
الخامس: إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) في سياق بسط الإسلام وتبليغ الدعوة للناس سوف يُتِمُّ الحجَّة عليهم من خلال إظهار معجزات الأنبياء، الأمر الذي سيؤدّي إلى اعتناق الإسلام من قِبَل أتباع الديانات الأُخرى(٧١).
السادس: إنَّ خصائص الدين الإسلامي تُعتَبر من المؤيدات الأُخرى التي ستدفع بأكثر سكّان العالم إلى اعتناقه. بالالتفات إلى التبليغ الدقيق والصحيح والمنطقي الذي سوف يتَّبعه الإمام المهدي (عليه السلام)، فإنَّ ذلك سيُظهِر مختلف الجوانب الساطعة من الدين الإسلامي لجميع سكّان الأرض، وبذلك سيُقبِل الناس على الإسلام. وإنَّ القرآن الكريم وخصائصه المذهلة، وفطرية الدين الإسلامي، وانطباقه على ما يحتاج إليه الإنسان من الناحية المعنوية والفطرية، وعالمية الإسلام، وشمولية وخلود قوانين الإسلام، والخطاب الإسلامي العامّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٩) نهج البلاغة/ قسم الحكم/ الحكمة رقم ١٤٧.
(٧٠) اُنظر: بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٣٥٠.
(٧١) اُنظر: منتخب الأثر للطف الله الصافي الگلبايگاني: ٣٨٧/ الطبعة الأُولى/ ١٤١٩هـ/ انتشارات مؤسَّسة حضـرة معصومة (عليها السلام)/ قم.

(٢٧)

والعالمي، وكون دولة العدل العالمية تُمثِّل ضالَّة الإنسان، هي من بين الأسباب التي ستدعو جميع سكّان الأرض إلى اعتناق الإسلام في عصـر ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) دون شكٍّ(٧٢).
السابع: إنَّ التعاطي التربوي الذي سيقوم به الإمام المهدي (عليه السلام) تجاه الناس - الذين سبق لهم قبل ظهور الإمام (عليه السلام) أن عانوا من مختلف أنواع الانحرافات الفكرية والثقافية والعقائدية - سيكون بحيث يؤدّي إلى البلوغ الفكري والعقلاني لدى الناس، ومن خلال كشف الانحرافات وإفشاء بطلان الاتِّجاهات المنحرفة، سوف يتَّضح طريق الحقِّ لاحباً. وإنَّ عباد الله والباحثين عن الحقِّ سينتظمون تحت لواء التوحيد والحقيقة بقيادة الإمام المهدي (عليه السلام). وقد ورد في الأثر عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع به عقولهم وكملت بها أحلامهم»(٧٣).
الثامن: يُمثِّل نزول عيسى بن مريم (عليه السلام) - والذي تمَّ التأكيد عليه في الكثير من الروايات(٧٤) - أهم أسباب اتِّباع الكثير من أهل الكتاب (من اليهود والنصارى) الإمام المهدي (عليه السلام). وإنَّ صلاة النبيِّ عيسى (عليه السلام) خلف الإمام المهدي (عليه السلام)(٧٥)، تأتي كإشارة من النبيِّ عيسى (عليه السلام) إلى أحقّية الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، ودعوته لأتباعه من المسيحيين إلى الالتحاق بالإمام المهدي (عليه السلام).
التاسع: طبقاً لبعض الروايات، فإنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سوف يعمل في مستهلِّ ظهوره على محاججة أتباع كلّ دين بكتابهم، وفيما يلي نكتفي من تلك الروايات بذكر الروايتين التاليتين:
- «... ويستخرج التوراة وسائر كتب الله (عزَّ وجلَّ) من غار بأنطاكية، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل...»(٧٦).
- «... إنَّ المهدي يستخرج تابوت السكينة من غار أنطاكية، وأسفار التوراة من جبل بالشام، يُحاجّ بها اليهود، فيسلم كثير منهم...»(٧٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٢) اُنظر: ويژگيهاي حكومت جهاني مهدي (عليه السلام) للسيِّد عبد اللطيف سجّادي (رسالة على مستوى الماجستير باللغة الفارسية): ٥٣/ ط ١٣٨٣هـ ش/ انتشارات مركز جهاني علوم إسلامي/ قم.
(٧٣) الكافي للكليني ١: ٢٥؛ بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٣٢٨.
(٧٤) اُنظر: بحار الأنوار للمجلسي ٥١: ٥٨؛ منتخب الآثر للطف الله الصافي الگلبايگاني: ٦٠٠.
(٧٥) اُنظر: ينابيع المودَّة: ٤٢٢؛ تذكرة الخواصّ: ٣٧٧؛ منتخب الأثر: ٦٠٠ و٦٠١.
(٧٦) بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٣٥١.
(٧٧) ينابيع المودَّة ٣: ١٣٤٤.

(٢٧)

العاشر: إنَّ استخراج العلامات والرموز المقدَّسة والمحترمة لدى الأديان السماوية، من بين الأُمور التي سيقوم بها الإمام المهدي (عليه السلام). وبذلك سيُثبِت أحقّيته وصدقه، ويستميل أفئدة أتباع الديانات الأُخرى إلى صفِّه، ومن ذلك الرواية القائلة:
«... إذا ظهر القائم (عليه السلام) ظهر براية رسول الله، وخاتم سليمان، وحجر موسى وعصاه...»(٧٨).
وهنا سؤال: ألَا يدلُّ احتجاج الإمام المهدي (عليه السلام) على أهل الكتاب بكتبهم السماوية، على إمضاء التعدّدية الدينية؟ فهل إذا لم تكن كتب الأديان الأُخرى على حقٍّ، سيكون هناك لاحتجاجه عليهم من دليل آخر؟
والجواب: لقد وصف القرآنُ الكريم الإنجيلَ والتوراةَ بأنَّهما على نصيب من النور والهداية، ومن ذلك قوله تعالى:
- ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدى وَنُورٌ﴾ (المائدة: ٤٤).
- ﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدى وَنُورٌ﴾ (المائدة: ٤٦).
وعليه، فلو أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) يحتجُّ على أهل الكتاب بالإنجيل والتوراة، فإنَّما ذلك لما تشتمل عليه هذه الكتب من النور والهداية، لأنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) يُعَدُّ مصداقاً للهداية والإرشاد الإلهي. ومن جهة أُخرى، فإنَّ هذين الكتابين السماويين، كانا في ظرفيهما الزمانيين مرجعين للهداية والحقيقة، وكان من اللازم إطاعة التعاليم الواردة فيهما، إلَّا أنَّه وبعد نزول القرآن ينتقل وجوب الطاعة منهما إلى القرآن الكريم، والقرآن إنَّما يُؤيِّدهما بوصفهما كتابين سماويين فقط. يُضاف إلى ذلك أنَّ احتجاج الإمام المهدي (عليه السلام) على أهل الكتاب بكتابهم يحتوي على جنبة تمهيدية لا غائية، إذ يتَّضح من سياق الرواية أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) إنَّما يسلك هذا الطريق بوصفه مقدَّمةً لتشرّف أهل الكتاب بالدخول في الإسلام، وهذا يعني أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) يرى أنَّ الحقَّ يكمن في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٨) بحار الأنوار للمجلسي ٥١: ٣٥١/ الرواية رقم ١٠٥ و٣٥١؛ الغيبة للنعماني: ٢٤٤.

(٢٧)

القرآن، وليس في الأديان الأُخرى، ولو أنَّ المؤمنين بالأديان الأُخرى والكتب السماوية كانوا من المؤمنين حقّاً، لوجب عليهم الدخول في الإسلام استجابةً لما هو وارد في كتبهم(٧٩).
لقد اتَّضحت كيفية تعامل الإمام المهدي (عليه السلام) مع أتباع الديانات الأُخرى في مستهلِّ عصر الظهور من المطالب السابقة.
إنَّ السلوك الذي سيسلكه الإمام المهدي (عليه السلام) شبيه بسلوك النبيِّ الأكرم.(صلّى الله عليه وآله وسلم)،(٨٠) فكما قام النبيُّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) في مستهلِّ دعوته بإيجاد الرغبة لدى الناس في الإسلام، ثمّ أخذ بعد ذلك يعمل على ترسيخ وتثبيت دعائم الإسلام، كذلك سيفعل الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) أيضاً.
يقوم أُسلوب الإمام المهدي (عليه السلام) في بسط الإسلام على سلب القدرة عن المخالفين في معارضتهم الفكرية والاعتقادية له، الأمر الذي سيرفع من أعداد المقبلين عليه لاعتناق الإسلام، وطبقاً لبعض الروايات فإنَّ الإمدادات الغيبية سوف تساعد الإمام المهدي (عليه السلام) في توسيع دائرة الإسلام(٨١).
مصير أهل الكتاب:
إنَّ أكثر سكّان الكرة الأرضية في عصـر ظهور الإسلام سوف يعتنقون الإسلام. وفيما يتعلَّق بمصير تلك المجموعة من أهل الكتاب الذين لا يعتنقون الإسلام هناك ثلاث نظريات، وهي:
أ - العودة إلى الدين غير المحرَّف:
إنَّ النبيَّ عيسى (عليه السلام) سوف يُعرِّف أهل الكتاب على دينه الخالص، ويدلُّهم على المواطن التي طالها التحريف في كتبهم السماوية. وبعد ذلك يؤمنون بنبيِّ الإسلام امتثالاً لأمر السيِّد المسيح، ويعتنقون الإسلام.
ب - القتل:
أمَّا الذين لا يعتنقون الإسلام من أهل الكتاب فسوف يُقتَلون. وإنَّ القتل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٩) إنَّ الإنجيل - طبقاً لما ورد في القرآن الكريم - يشتمل على البشارة بظهور نبيٍّ اسمه أحمد، وذلك إذ يقول تعالى: (وَمُبَشِّـراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) (الصفّ: ٦).
(٨٠) اُنظر: ينابيع المودَّة ٣: ١٣٦/ نشر الشريف الرضي.
(٨١) اُنظر: بحار الأنوار للمجلسي ٥٣: ٦١.

(٢٧)

هو آخر العلاج الذي سيلجأ إليه الإمام المهدي (عليه السلام) في مواجهة المخالفين من أهل الكتاب، لأنَّ القتل دون إتمام الحجَّة، وبيان الإسلام بشكل كامل، وعرضه على جميع أهل الكتاب - وهو ما يستلزم وقتاً كافياً وشروطاً متعدِّدة - مخالف للشـرع والعقل. وفي مرحلة المواجهة العسكرية، لن يقضـي الإمام إلَّا على أُولئك الذين يحاربونه، أمَّا الذين يقبلون السلم فسوف يكرمهم ويسالمهم، كي يتشـرَّفوا باعتناق الإسلام.
إنَّ جميع الروايات التي تحكي عن الكشف عن مواريث الأنبياء (عليهم السلام)، واستخراج الكتب السماوية للأديان، والاحتجاج على كلِّ قوم بكتابهم، يتعارض مع الشـروع بقتل أهل الكتاب في بداية عصـر الظهور. وعليه، فإنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سوف يحاور أتباع الكتب السماوية، وسوف يدعو جميع أهل الكتاب إلى اعتناق الإسلام، استناداً إلى الأدلَّة المنطقية والكتب السماوية غير المحرَّفة، ولن يقتل إلَّا أُولئك الذين يقاتلونه.
ج - دفع الجزية (٨٢):
إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سوف يأخذ الجزية من أهل الكتاب(٨٣)، والأدلَّة على ذلك عبارة عن:
١ - القرآن الكريم، إذ يقول الله تعالى:
﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (التوبة: ٢٩).
٢ - لقد فرض رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) الجزية على أهل الكتاب، الذين يقيمون ضمن دائرة حكومته، بعد تأسيس الدولة. ومن بين خصائص الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) أنَّه سيعمل بسيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فقد ورد في الأثر:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٢) الجزية: ما يُؤخَذ من أهل الذمَّة. (لسان العرب لابن منظور ١٤: ١٤٧).
(٨٣) لقد كان العلَّامة المجلسـي من المخالفين لنظرية أخذ الجزية. (اُنظر: بحار الأنوار ٥١: ٢٩/ ح ٢؛ مرآة العقول ٢٦: ١١؛ ويژگيهاي حكومت جهاني مهدي (عليه السلام) للسيِّد عبد اللطيف سجّادي (رسالة على مستوى الماجستير باللغة الفارسية): ٣٢٥؛ تاريخ ما بعد الظهور للسيِّد محمّد الصدر: ٦١٢)، فهؤلاء من القائلين بهذه النظرية.

(٢٧)

«المهدي يقفو أثري لا يُخطئ»(٨٤).
هذا، وقد ذهب بعض العلماء إلى الاعتقاد بأنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) عندما يظهر لا يأخذ الجزية من أهل الكتاب، ودليلهم على ذلك الآتي:
أ - عن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْـرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣)، قال:
(لا يكون ذلك حتَّى لا يبقى يهودي ولا نصـراني ولا صاحب ملَّة إلَّا دخل في الإسلام، حتَّى تأمن الشاة والذئب والبقرة والأسد والإنسان والحيَّة، وحتَّى لا تقرض فأرة جراباً، وحتَّى تُوضَع الجزية ويكسـر الصليب ويقتل الخنزير، وذلك قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْـرِكُونَ﴾، وذلك يكون عند قيام القائم (عليه السلام).(٨٥)
ب - عن عليِّ [بن إبراهيم]، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): قول الله (عزَّ ذكره): ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]؟ قال: «لم يجئ تأويل هذه الآية بعدُ، إنَّ رسول الله رخَّص لهم لحاجته وحاجة أصحابه، فلو قد جاء تأويلها لم يقبل منهم لكنَّهم يُقتَلون، حتَّى يُوحَّد الله (عزَّ وجلَّ)، وحتَّى لا يكون شرك»(٨٦).
يرى العلَّامة المجلسي أنَّ معنى قوله: «رخَّص لهم» أنَّ النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) قد قبل الجزية من أهل الكتاب، والفداء من المشـركين، وإظهار الإسلام من المنافقين مع علمه بكفرهم(٨٧)، إلَّا أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) لن يفعل ذلك، وسيكون له أُسلوبه الخاصّ في التعامل مع الكفّار.
طبقاً للآية التاسعة والعشـرين من سورة التوبة، وسيرة النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم)، يجب أخذ الجزية في عصـر الظهور، بيد أنَّ هناك رواية تقول: إنَّ الإمام المهدي.(عليه السلام) سيكون له منهجه الخاصّ في التعاطي مع أهل الكتاب، ولن يقبل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٤) ينابيع المودَّة ٣: ٣٤٥.
(٨٥) اُنظر: بحار الأنوار للمجلسي ٥١: ٦١/ الرواية رقم ٥٩، و٥٢: ٣٢٨/ الرواية رقم ١٩٣.
(٨٦) معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) ٥:١٣٠ . جميع رواة هذه الرواية (من أمثال: محمّد بن مسلم، وابن عمير وهما من أصحاب الإجماع) ثقاة، وبالتالي تكون هذه الرواية صحيحة. وللمزيد من المعلومات بشأن رواة هذا الحديث، اُنظر: معجم رجال الحديث للسيِّد الخوئي ١١: ٢١٥، و١٤: ٢٧٥ و٢٧٩؛ كلّيات في علم الرجال لجعفر السبحاني/ مبحث التوثيقات العامَّة.
(٨٧) مرآة العقول للمجلسي ٢٦: ١١١.

(٢٨)

الجزية من أصحاب الفتن من أهل الكتاب، وسوف يقضي عليهم بالقتل(٨٨).
الأمر الآخر: إنَّ الآية التاسعة والعشـرين من سورة التوبة مطلقة، وتُعبِّر عن جواز أخذ الجزية من جميع أهل الكتاب - من أصحاب الفتنة وغيرهم -، ويمكن تخصيصها بصحيحة محمّد بن مسلم المتقدِّمة، وحمل عدم أخذ الجزية على أصحاب الفتنة من أهل الكتاب، إذ يجوز تخصيص إطلاق الكتاب بخبر الواحد المعتبر، والأمر محلّ بحث ونظر العلماء(٨٩).
وقد ذهب العلَّامة المجلسـي إلى القول بأنَّ أخذ الجزية من أهل الكتاب خاصٌّ بتلك الفترة من حكم الإمام المهدي (عليه السلام) السابقة على ظهور أمره على الدين كلّه، وأمَّا إذا علا أمره وعمَّ الكرة الأرضية، فلا يعود يقبل الجزية(٩٠).
مفهوم المنقذ والتعدّدية الدينية في الأديان الأخرى:
تشترك جميع الأديان الكبرى بالمنقذ والموعود العالمي، وترى أنَّ تخليص الإنسان من الظلم والجور من أهمّ خصائص المنقذ. وفيما يلي نستعرض هذا المفهوم في الأديان الآتية:
أ - الزرادشتية:
لقد وعدت الزرادشتية - وهي من أقدم الأديان السماوية ولها كتاب - بعدد من المنقذين الموعود بهم، وسمَّت بعضهم بـ (سوشيانت أو سوشيوس (المنقذ) الناصر)(٩١). يعتقد الزرادشتيون أنَّ هؤلاء (المنقذين) يظهرون في مراحل معيَّنة من التاريخ فيملأون الأرض صدقاً وإحساناً وعدلاً بعد أن تملأ ظلماً وكذباً.
(يا أهورا مزدا(٩٢)، متى يبزغ فجر الخلاص، وتهدي أمواج الناس المائجة نحو الصدق والصلاح؟ ومتى يحين وقت ظهور المنقذ الأكبر ليصل الإنسان بكلمته وحكمته إلى غايته الكبرى؟ أين أُولئك الذين سيخرج (وهمن)(٩٣) لينتشلهم من حمأة الظلم والهوان؟ كلّي أمل في أن تجعل ذلك من نصيبي يا أهورا مزدا!)(٩٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٨) بحار الأنوار للمجلسي ٥١: ٢٩.
(٨٩) اُنظر: كفاية الأُصول للخراساني: ٢٧٤/ الطبعة الثالثة/ ١٤١٥هـ/ انتشارات مؤسَّسة نشر إسلامي.
(٩٠) اُنظر: بحار الأنوار للمجلسي ٥١: ٢٩.
(٩١) اُنظر: خرده أوستا لإبراهيم بورداود (مصدر فارسي): ١٧٦/ الطبعة الأُولى/ ١٣٨٠هـ ش/ نشـر أساطير/ طهران؛ ويسپرد له أيضاً (مصدر فارسي): ٣٢ و٤٨ و٥١ و٧١ و١٣١/ الطبعة الأُولى/ ١٣٨١هـ ش/ نشـر أساطير/ طهران؛ يسنا (جزء من الأفستا) (مصدر فارسي): ٧١ و١٠٨ و١٤٩ و١٥٧.
(٩٢) أهورا مزدا هو الإله الأوحد الذي يُمثِّل الخير عند الزرادشتيين، وهو إله الخير والنور الذي يخالفه دائماً إلى الشـرِّ (أهريمان). (المعرِّب).
(٩٣) وهمن أو وهومن (بهمن) الروح الطاهرة والفكرة النقيَّة، اسم أحد أو أوَّل المنقذين في العقيدة الزرادشتية. (المعرِّب).
(٩٤) گات ها كهن ترين بخش أوستا: استودگات: يسنا لإبراهيم بورداوود (مصدر فارسي) ٣: ٤٦/ الطبعة الأُولى/ ١٣٧٨هـ ش/ نشر أساطير/ طهران.

(٢٨)

إنَّ (سوشيانت) المنقذ الناصر، سيقضـي على جميع الفاسدين والمنحرفين، وسوف يُعز الصالحين، ويُعيد الحرّية للناس جميعاً.
(اللعنة على الفاسدين والمنحرفين، الذين يتمنَّون إذلال العزيز، هؤلاء الساقطون الذين يستحقّون العقاب. أين ذلك المصلح الذي يسلبهم حقَّ الحرّية والحياة؟ يا من تلي أهورا مزدا في القدرة، امنح الحيارى حياة أفضل)(٩٥).
يذهب الزرادشتيون إلى الاعتقاد بأنَّ العالم قبل ظهور (سوشيانت) سيمتلأ ظلماً وكذباً وضلالاً، وأنَّ طريق السعادة لن يفتح أمام البشـر إلَّا بظهوره، وأنَّ سوشيانت الناصر سيملأ العالم بعدله وقسطه. ويوجد في هذا الشأن احتمالان:
١ - إذا كان الاعتقاد السائد بين الزرادشتيين قائماً على أنَّ الأديان الأُخرى إذا لم تؤمن بما تؤمن به الزرادشتية، فإنَّهم لن ينتفعوا شيئاً بظهور سوشيانت. وعليه، لن تكون التعدّدية الدينية مقبولة في الديانة الزرادشتية.
٢ - إذا كان الزرادشتيين يرون للأديان الأُخرى نصيباً من الحقيقة، سوف يمكن لأتباع تلك الأديان البقاء على أديانهم حتَّى بعد ظهور سوشيانت أيضاً، وذلك لوجود المشتركات فيما بينهم(٩٦).
ب - اليهودية:
يذهب اليهود إلى الاعتقاد بأنَّ (ماشيح) وهو من نسل النبيِّ داود (عليه السلام)، سيظهر في آخر الزمان، لينقذ العالم من شرور الظالمين.
لقد اشتملت مزامير داود على بشارات بظهور المنقذ. وفي كلِّ فصل من فصول الزبور هناك إشارة إلى ظهوره والبشارة بانتصار الصالحين على الأشرار، وإقامة حكومة عالمية واحدة، وتحوّل الأديان والمذاهب المختلفة إلى دين متين ومنيع.
وممَّا ورد في هذا الشأن في سفر التكوين:
(يكون اسمك إبراهيم...، وأمَّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٥) گات ها (هشتوايشت گات) (مصدر فارسي): ٥٩٠.
(٩٦) بالالتفات إلى عدم توفّر النصوص الدينية للزرادشتية بشكل كامل، لا يمكن الحكم بشكل قاطع في هذا الشأن. علماً أنَّ النصوص الموجودة لم تتعرَّض لهذه الناحية.

(٢٨)

أُباركه وأُثمره وأُكثره كثيراً جدّاً، اثني عشـر رئيساً يلد وأجعله أُمَّة كبيرة...، وسوف أجعل من إبراهيم أُمَّة عظيمة وأُباركك وأُعظِّم اسمك...، وتبارك فيك جميع قبائل الأرض)(٩٧).
لم يُبعَث بالنبوَّة والرسالة من نسل النبيِّ إسماعيل (عليه السلام) سوى النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وإنَّ جميع أوصياء وخلفاء النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) هم من نسل النبيِّ إسماعيل (عليه السلام) أيضاً:
(ويخرج قضيب من جذع يسّـي، وينبت غصن من أُصوله، ويحلُّ عليه روح الربِّ...، بل يقضـي بالعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسـي الأرض...، فيسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي...، لا يسوؤون ولا يفسدون في كلِّ جبل قدسي، لأنَّ الأرض تمتلئ من معرفة الربِّ كما تُغطّي المياهُ البحرَ)(٩٨).
وقد ورد ضبط كلمة (يسّـي) في بعض النسخ بـ (يشّـي) بمعنى (القوي) اسم والد النبيِّ داود (عليه السلام). وقد نقل القرآن الكريم ظهور المنجي والمنقذ عن الزبور في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
طبقاً لمضامين التوراة الراهنة، ليس هناك لأيِّ دين غير الدين المختار لليهود نصيب من الحقيقة، ولا يجب أن تكون هناك حرمة أو قيمة لأيِّ قوم غير قوم بني إسرائيل. إنَّ دين اليهود لا يؤمن بأيِّ نبيٍّ غير النبيِّ موسى (عليه السلام)، ويرى أنَّ جميع الأنبياء هم من العبريين. ومن هنا فإنَّهم لا يؤمنون بالنبيِّ عيسى (عليه السلام) ولا بنبيِّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله وسلم) أيضاً(٩٩). بل إنَّ اليهود لا يؤمنون حتَّى بإله الأديان الأُخرى أيضاً(١٠٠). وفي اليهودية لا يتمُّ الاكتفاء بحرمان جميع القوميات الأُخرى من الحقوق فقط، بل يرى اليهود جميع الناس مستحقّين للموت والفناء أيضاً. فقد وعد يهوه اليهود بأنَّ العالم سيكون حكراً على بني إسرائيل دون غيرهم:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٧) الكتاب المقدَّس (العهد القديم) [التوراة]/ سفر التكوين/ الإصحاح: ١١ و١٢ و١٤ و١٧.
(٩٨) العهد القديم (التوراة)/ سفر إشعياء/ الإصحاح: ١١؛ ويمكن الرجوع أيضاً في العهد القديم إلى: النبيِّ زكريا/ الإصحاح: ١٤، والنبيِّ صفنيا/ الإصحاح: ٣، والنبيِّ سليمان/ الإصحاح: ٢، والنبيِّ حِجّي/ الإصحاح: ٢، وصاموئيل الأوَّل/ الإصحاح: ٢، والنبيِّ صاموئيل الثاني/ الإصحاح: ١٢ و٢٣، والنبيِّ حزقيال/ الإصحاح: ٢١.
(٩٩) اُنظر: العهد القديم (التوراة)/ سفر التثنية ١٣: ٢.
(١٠٠) اُنظر: العهد القديم (التوراة)/ سفر الخروج ٢٣: ٢٤.

(٢٨)

(رَبَّنَا فَوْقَ جَمِيعِ الآلِهَةِ...، الَّذِي ضَرَبَ أَبْكَارَ مِصْـرَ مِنَ النَّاسِ إِلَى الْبَهَائِمِ. أَرْسَلَ آيَاتٍ وَعَجَائِبَ فِي وَسَطِكِ يَا مِصْرُ، عَلَى فِرْعَوْنَ وَعَلَى كُلِّ عَبِيدِهِ. الَّذِي ضَرَبَ أُمَمًا كَثِيرَةً، وَقَتَلَ مُلُوكًا أَعِزَّاءَ سِيحُونَ مَلِكَ الأَمُورِيِّينَ، وَعُوجَ مَلِكَ بَاشَانَ، وَكُلَّ مَمَالِكِ كَنْعَانَ. وَأَعْطَى أَرْضَهُمْ مِيرَاثًا، مِيرَاثًا لإِسْرَائِيلَ شَعْبِهِ)(١٠١).
تقوم تعاليم يهوه لبني إسرائيل بالقضاء على كلِّ من يقف في طريق إسرائيل، وقتل جميع أجيالهم وذرّياتهم(١٠٢).
(ملعون من يعمل عمل الربِّ برخاء، وملعون من يمنع سيفه عن الدم)(١٠٣).
(... لأَنَّ لِلرَّبِّ سَخَطًا عَلَى كُلِّ الأُمَمِ، وَحُمُوًّا عَلَى كُلِّ جَيْشِهِمْ. قَدْ حَرَّمَهُمْ، دَفَعَهُمْ إِلَى الذَّبْحِ...، لأَنَّ لِلرَّبِّ يَوْمَ انْتِقَامٍ، سَنَةَ جَزَاءٍ مِنْ أَجْلِ دَعْوَى صِهْيَوْنَ)(١٠٤).
لقد صوَّرت التوراة عصـر ظهور ماشيح على أنَّه عصـر لا يبقى فيه على الأرض دين غير دين يهوه:
(لأَنِّي حِينَئِذٍ أُحَوِّلُ الشُّعُوبَ إِلَى شَفَةٍ نَقِيَّةٍ، لِيَدْعُوا كُلُّهُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ، لِيَعْبُدُوهُ بِكَتِفٍ وَاحِدَةٍ)(١٠٥).
(وَبَنُو الَّذِينَ قَهَرُوكِ يَسِيرُونَ إِلَيْكِ خَاضِعِينَ، وَكُلُّ الَّذِينَ أَهَانُوكِ يَسْجُدُونَ لَدَى بَاطِنِ قَدَمَيْكِ، وَيَدْعُونَكِ: مَدِينَةَ الرَّبِّ، صِهْيَوْنَ قُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ(١٠٦). عِوَضًا عَنْ كَوْنِكِ مَهْجُورَةً وَمُبْغَضَةً بِلاَ عَابِرٍ بِكِ، أَجْعَلُكِ فَخْرًا أَبَدِيًّا(١٠٧) فَرَحَ دَوْرٍ فَدَوْرٍ(١٠٨)...، أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. لاَ إِلهَ سِوَايَ. نَطَّقْتُكَ وَأَنْتَ لَمْ تَعْرِفْنِي. لِكَيْ يَعْلَمُوا مِنْ مَشْـرِقِ الشَّمْسِ وَمِنْ مَغْرِبِهَا أَنْ لَيْسَ غَيْرِي. أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ(١٠٩)...، يَقُولُ الرَّبُّ: هكَذَا يَثْبُتُ نَسْلُكُمْ وَاسْمُكُمْ. وَيَكُونُ مِنْ هِلاَل إِلَى هِلاَل وَمِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ، أَنَّ كُلَّ ذِي جَسَدٍ يَأْتِي لِيَسْجُدَ أَمَامِي، قَالَ الرَّبُّ)(١١٠).
وعلى هذا الأساس، فإنَّ الدين اليهودي لا يؤمن بوجود أيِّ دين حقٍّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠١) العهد القديم (التوراة)/ المزامير/ المزمور رقم ١٣٥/ الفقرة ٦ - ١٢.
(١٠٢) العهد القديم (التوراة)/ سفر التثنية/ الإصحاح: ١٣٧/ الفقرة: ٨ و٩؛ سفر إشعياء/ الإصحاح: ١٤/ الفقرة ٢٥؛ سفر صفنيا/ الإصحاح: ٥٢؛ وغير ذلك.
(١٠٣) العهد القديم (التوراة)/ سفر إرمياء/ الإصحاح: ٤٨/ الفقرة ١٠.
(١٠٤) العهد القديم (التوراة)/ سفر إشعياء/ الإصحاح: ٣٤/ الفقرة ٢ و٨.
(١٠٥) العهد القديم (التوراة)/ سفر صفنيا/ الإصحاح: ٣/ الفقرة ٩.
(١٠٦) العهد القديم (التوراة)/ سفر إشعياء/ الإصحاح: ٦٠/ الفقرة ٢١.
(١٠٧) العهد القديم (التوراة)/ سفر إشعياء/ الإصحاح: ٦٠/ الفقرة ١٥.
(١٠٨) العهد القديم (التوراة)/ سفر إشعياء/ الإصحاح: ٥٤/ الفقرة ١١ و١٢.
(١٠٩) العهد القديم (التوراة)/ سفر إشعياء/ الإصحاح: ٤٥/ الفقرة ٦.
(١١٠) العهد القديم (التوراة)/ سفر إشعياء/ الإصحاح: ٦٦/ الفقرة: ٢٣. اُنظر: انتظار مسيحا در آيين يهودي لحسين توفيقي (مصدر فارسي): ٢٩ و٣٢.

(٢٨)

أو دين صدق خارج الديانة اليهودية. إنَّ يهوه هو الإله الوحيد الذي يجب الإيمان به، وإنَّ الدين اليهودي هو الدين الوحيد الذي يحظى بالقبول، وإنَّ اليهود وحدهم هم الجديرون بالحياة. وبالتالي لا موضع للتعدّدية في الصدق، ولا مكان للتعدّدية في النجاة في هذا الدين.
إنَّ المقارنة بين هذه التعاليم، وما تقدَّم ذكره من السياسة التي سوف ينتهجها الإمام المهدي (عليه السلام) تجاه سائر الأديان الأُخرى، تكشف لكلِّ منصف الفرق العميق والواضح بين ماهيَّة هاتين العقيدتين والرؤيتين.
ج - المسيحية:
هناك بشارات في الأناجيل - من قبيل: إنجيل متّى، ولوقا، ومرقس، وبرنابا، ومكاشفات يوحنّا - بشأن الموعود. وبطبيعة الحال فإنَّ نفس الاعتقاد بـ (انتظار المسيح) اعتقاد يهودي، وإنَّ المسيحية إنَّما آمنت بهذه العقيدة تبعاً للمعتقد اليهودي(١١١).
وممَّا جاء في إنجيل برنابا ما يلي:
(كما يسطع البرق من المشـرق، ليظهر في المغرب، كذلك سيكون ظهور ابن الإنسان...، وحيث يظهر ابن الإنسان بجلاله محاطاً بجميع الملائكة المقدَّسين، فإنَّه سيجلس على عرش جلاله، وتجتمع جميع الأُمم في حضرته، وسوف يُميِّز فيما بينها كما يُميِّز الراعي الخراف من السخال، ثمّ انظروا إلى ابن الإنسان عندما يأتي بقوَّته وجلاله العظيم على متن السُّحُب، وعندها سيحضـر الملائكة من الجهات الأربعة من أقصى الأرض إلى أقاصي الأفلاك).
لقد تكرَّرت عبارة (ابن الإنسان) في العهد الجديد ثمانين مرَّة، ولم تنطبق على النبيِّ عيسى (عليه السلام) سوى ثلاثين مرَّة(١١٢)، وأمَّا الموارد الخمسون الأُخرى فتتحدَّث عن منقذ يأتي في آخر الزمان، وأنَّ النبي عيسى (عليه السلام) سوف يأتي معه ويمنحه الجلال، ولا يعلم ساعة ويوم ظهوره أحد إلَّا الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١١) اُنظر: آشنايي با اديان بزرگ لحسين توفيقي (مصدر فارسي): ١٠٠/ الطبعة الرابعة/ ١٣٨٠هـ ش/ انتشارات سمت وطه/ طهران؛ اديان زنده جهان لروبرت هيوم/ ترجمه إلى الفارسية: عبد الرحيم گواهي: ٢٥٦.
(١١٢) اُنظر: قاموس كتاب مقدَّس لمستر هاكس/ (مترجم إلى اللغة الفارسية): ٢١٩/ مادَّة (پسـر خواهر)/ الطبعة الأُولى/ ١٣٧٧هـ ش/ نشر أساطير/ طهران.

(٢٨)

يعتقد المسيحيون أنَّ اليوم الذي يُمثِّل نهاية العالم وبسط حكومة الله، يظهر فيه النبيُّ عيسى (عليه السلام) أو ابن الإنسان ويحكم العالم بأسره، وفي ذلك اليوم سيتبعه جميع سكّان الأرض، ولن يبقى موضع من الأرض إلَّا ويحكمه النبيُّ عيسى (عليه السلام). وإنَّ هذه الحكومة ستكون هي المكان الوحيد الذي يحصل فيه الإنسان على السعادة والخلاص. ولا يحقُّ لأحد أن يُبدي رأيه فيها أو يتردَّد في الإيمان بها، بل على الجميع أن يُذعِنوا لها ويستسلموا لها مثل الأطفال ولا يبدون تجاهها أيّ شكٍّ أو توقّف، فقد ورد في إنجيل مرقس:
(الحقُّ أقول لكم من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد، فلن يدخله)(١١٣).
وعلى هذا الأساس فإنَّ حكومة دولة النبيِّ عيسى (عليه السلام) في نهاية العالم ستكون مصداقاً بارزاً للحكومة الحصرية، لأنَّها لا تسمح للآخرين حتَّى بحقِّ التفكير!
النتيجة:
يشهد عصر الظهور إقبالاً على الإسلام من قِبَل أكثر الناس، ولاسيّما من أهل الكتاب. والذين لا يعتنقون الإسلام على قسمين: أهل الكتاب، والكفّار. وقد تقدَّم أن ذكرنا مصير أهل الكتاب. أمَّا الكفّار أو المشـركون أو الملحدون، فإنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سوف يدعوهم في البداية إلى الإسلام - كما هو شأنه مع أهل الكتاب - من طريق الاستدلال المنطقي، فإن أصرّوا على عنادهم، فسوف يكون مصيرهم طبقاً للروايات والإجماع المنقول عن صاحب الجواهر هو القتل على يد الإمام المهدي (عليه السلام).(١١٤)
وبناءً على الاستنتاج من الافتراضات فإنَّ أكثر الناس في عصـر الظهور سوف يعتنقون الإسلام، وإنَّ تلك الجماعة التي لا تعتنق الإسلام من أهل الكتاب يمكنهم العيش ضمن حكومة الإمام المهدي (عليه السلام) بشـرط دفع الجزية. وأمَّا المشـركون والملحدون إذا لم يعتنقوا الإسلام فلن يكون أمامهم من طريق سوى القتل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٣) الكتاب المقدَّس/ العهد الجديد/ إنجيل مرقس/ الإصحاح: ١٠/ الفقرة ١٥.
(١١٤) اُنظر: جواهر الكلام لمحمّد حسن النجفي ٢١: ٢٣١، قال: كيف كان، فـ (لا يقبل من غيرهم) أي اليهود والنصارى والمجوس (إلَّا الإسلام) بلا خلاف أجده فيه، بل عن الغيبة وغيرها الإجماع عليه، بل ولا إشكال بعد قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْـرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ...)[التوبة: ٥]...) انتهى. ولكن يمكن القول: إنَّ هذا هو الحكم الأوَّلي، ولعلَّ هناك حكماً ثانوياً في عصر ظهور الإمام المهدي (عليه السلام).

(٢٨)

بغضِّ النظر عن إثبات أو نفي هذه الفرضيات، يجب تقييم ارتباط التعدّدية الدينية مع كلِّ واحدة من هذه الفرضيات، للحصول على النتيجة.
أمَّا الفرضية الأُولى (على فرض إثباتها) فتشتمل على أمرين، وهما:
أوَّلاً: إنَّ الإسلام - كما تقدَّم - طبقاً لقواعد الكلام الإسلامي ونصوص آيات القرآن الكريم، لا يقبل اشتمال أيِّ دين آخر على الحقِّ. وعليه، فإنَّ الإسلام يعتقد انحصار الحقِّ به، وقد تمَّ التأكيد والإصرار على هذا الانحصار في بعد الحقِّ والصدق بشكل قاطع.
وثانياً: إنَّ لازم البيان الإيديولوجي حصـر نطاق ومصاديق العقيدة في دين خاصٍّ، والإسلام لم يشذّ عن هذا الأصل، لأنَّه يعتقد بانحصار الحقِّ فيه، ولا يرى للأديان الأُخرى مثل المسيحية واليهودية إلَّا هامشاً محدوداً من الحقِّ. وقد ذهب الشهيد مرتضـى المطهَّري إلى الاعتقاد بأنَّ كلَّ زمان لا يشهد إلَّا ديناً واحداً يمتلك الحقَّ حصراً، وتكون إطاعة ذلك الدين واجبة على الجميع(١١٥).
إنَّ أكثر الناس في عصـر الظهور - طبقاً للفرضية الثانية - سوف يعتنقون الإسلام. وهناك قرائن تُؤيِّد هذه النظرية. وطبقاً لهذه الفرضية فهناك بشأن مصير أهل الكتاب ثلاث نظريات:
طبقاً للنظرية الأُولى، يمكن اعتبارها نوعاً من الشمولية، لأنَّ الشموليين يعتقدون بأنَّه على الرغم من أنَّ طريق الحقِّ والنجاة واحد لا أكثر، إلَّا أنَّ الذين يجهلون الحقيقة لا يكونون مذنبين أمام الله، وسوف يكونون من جملة الناجين.
وطبقاً للنظرية الثانية، فإنَّ كلَّ من لا يؤمن بالإمام المهدي (عليه السلام) سوف يكون مصيره القتل. وفي هذا الشأن يجب القول: إنَّ هذه النظرية تُمثِّل مصداقاً للانحصارية. وعليه، فإنَّ الإسلام - طبقاً لهذه النظرية - لن يقبل في عصر الظهور أيَّ دين آخر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٥) اُنظر: الأعمال الكاملة للشهيد مرتضى المطهَّري (مصدر فارسي) ١: ٢٥٧ و٢٧٩ و٢٩٣.

(٢٨)

وطبقاً للنظرية الثالثة، يمكن لعدد من غير المسلمين وعلى نحو مشـروط وعهود قائمة على دفع الجزية أن يعيشوا ضمن حدود الدولة المهدوية وتحت وصايتها. وفي هذه الحالة هل توجد عناصر التعدّدية الدينية أم لا؟ إنَّ الاعتقاد بأحقّية جميع الأديان من عناصر التعدّدية الدينية، بمعنى أنَّ كلَّ ادِّعاء يخلع على نفسه اسم الدين والمذهب يُعتَبر حقّاً صادقاً، ويمكنه أن يضمن السعادة للإنسان. إنَّ هذا العنصر يُعَدُّ منتفياً من موضوع الجزية، إذ في حالة قبول الحكومة المهدوية حقّانية الأديان الأُخرى، لن تكون هناك من ضرورة لكي يثبت مدَّعاه من خلال التبليغ وإتمام الحجَّة وبيان الأدلَّة، وبالتالي الدعوة إلى المواجهة، وفي نهاية المطاف يقبل بإقامة البعض ضمن حدود حكمه بشكل مشـروط، وكان من الممكن للإسلام في عصر الظهور أن يكون ديناً إلى جانب الأديان الأُخرى. من هنا لا يمكن اعتبار أخذ الجزية من أتباع الأديان الأُخرى دليلاً على التعدّدية الدينية.
ويبدو أنَّ القبول بمبدأ الجزية يأتي في إطار ترسيخ دعائم الإسلام واجتذاب الآخرين نحو الإسلام. إنَّ الرفق والصفح وإعطاء الفرصة للمخالفين بهذا الهدف المنطقي والصحيح القائم على توظيف عامل كسب الوقت الضامن للتعايش السلمي مع المسلمين (في المجتمع المهدوي والحكومة الإلهيَّة) من شأنه أن يجذب أفئدة الناس إلى الإسلام. وتُعتَبر الجزية من طرق اجتذاب الناس والتبليغ الإيجابي والمنطقي للإسلام، حتَّى في مرحلة السيطرة الكاملة للإسلام على العالم.
إذا لم يؤمن الكفّار والملحدون في عصـر الظهور بالإسلام فإنَّهم سيُقتَلون. إنَّ هذه العقيدة تُظهِر انحصار الحقّانية في الإسلام، إذ لو كان لهؤلاء نصيب من الحقيقة لما وجب قتلهم، بل يجب التعاطي معهم سلمياً، كما هو الشأن بالنسبة إلى حكم الجزية في حقِّ أهل الكتاب.

(٢٨)

إنَّ النتائج المذكورة لا تنهض دليلاً على تحقّق التعدّدية الدينية في عصـر ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) أبداً، لأنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) لن يقبل بأيِّ دين من الأديان الأُخرى، كما صرَّح القرآن الكريم ببطلان الأديان الأُخرى(١١٦). وعلى هذا، فلن يكون للتعدّدية الدينية على مستوى الصدق والأحقّية في الأبعاد العلمية والعقائدية والنظرية من موضع في عصـر الظهور. وعليه، فإنَّ الإسلام سيكون وحده الدين الحقّ(١١٧).
ربَّما أمكن الحصول على دليل على ضمان النجاة في الأديان الأُخرى (التعدّدية الدينية على مستوى النجاة)، بمعنى أنَّ عنوان الجاهل القاصر أو المستضعفين له حكم خاصٌّ في الإسلام، وإذا كان الشخص طبقاً لمعايير الإسلام جزءاً من هؤلاء الأفراد، يكون من الناجين من وجهة نظر الإسلام(١١٨).
وأمَّا حول ما إذا كان لمثل هؤلاء الأفراد من حضور في عصـر ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) أم لا؟ فهو يحتاج إلى بحثٍ مستقلٍّ.
أليس التعايش السلمي (وإن كان مشـروطاً) بين الإسلام وأتباع الديانات الأُخرى هو ذات (التساهل والتسامح)(١١٩)؟ إنَّ بيان وتوجيه هذا النوع من السياسة والتعامل مع الأديان الأُخرى، يحتاج إلى دراسة أُخرى.
لا تدلُّ أيُّ فرضية من الفرضيات السابقة على صدق التعدّدية الدينية في بعد الحقّانية. وبطبيعة الحال ربَّما أمكن القول بأنَّ حكم المستضعفين في البداية هو نفس حكم المسيحيين المجهولين أو المغمورين. كما أنَّ هذه المسألة لا تنسجم مع نظرية (جون هيك) القائمة على التعدّدية الدينية بشأن النجاة في جميع الأديان، لأنَّ (جون هيك) لا يُحدِّد أيَّ دين بوصفه محوراً للنجاة، كي يتمَّ تحديد القاصرين والجاهلين والمستضعفين من خلاله، بل يُدرج جميع الأديان ضمن دائرة نجاة واحدة، في حين أنَّ الأشخاص الجاهلين والقاصرين والمستضعفين من وجهة نظر الإسلام يتمُّ اختبارهم من حيث كسب المعرفة من طريق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٦) التوبة: ٢٩ و٣٢.
(١١٧) اُنظر: تفسير الميزان للعلَّامة الطباطبائي/ الترجمة الفارسية (ترجمة: السيِّد محمّد باقر الموسوي الهمداني) ٩: ٣٢٩/ الطبعة الثامنة عشرة/ ١٣٨٣هـ ش/ انتشارات دفتر نشر إسلامي/ قم.
(١١٨) اُنظر: پلوراليزم ديني يا كثرت گرائي لجعفر السبحاني (مصدر فارسي): ٥٣؛ الأعمال الكاملة للشهيد مرتضـى المطهَّري (مصدر فارسي) ١: ٢٨٩ و٢٩٣.
(١١٩) tolerance.

(٢٨)

الدين الإسلامي. ربَّما لا يكون لهذا الرأي من تأثير في أصل النجاة، بيد أنَّه لا يمكن القول: إنَّ حكم المستضعفين والقاصرين في الإسلام هو ذات مضمون نظرية (جون هيك) أو المسيحيين المجهولين والمغمورين من وجهة نظر البابا. فمن وجهة نظر الإسلام ينحصـر طريق النجاة إمَّا بالإسلام أو الاستضعاف والقصور، في حين يرى (جون هيك) أنَّ جميع الأديان (البشرية أو الإلهيَّة) تُمثِّل طرقاً للنجاة.
من المناسب مقارنة عناصر التعدّدية الدينية بتعاليم المهدوية (الشيعية)، وهذا موضوع هامٌّ يحتاج إلى دراسة مستقلَّة أُخرى. كما يمكن في هذه المقارنة بحث الناحيتين البارزتين من التعدّدية الدينية، وهي تعدّدية الصدق، وتعدّدية النجاة بشكل مستقلٍّ أيضاً، للحصول على نتيجة أدقّ من البحث. كما تجدر مقارنة التسامح بالتعاليم المهدوية أيضاً.

(٢٩)

 

المذهب التناسخي يعود بلباس الرجعة الروحية / القسم الأوَّل

 

الشيخ حميد الوائلي

 

حاجة المجتمع إلى الخبير:
إنَّ ممَّا لا شكَّ فيه بين الناس هو ضرورة رجوع الجاهل منهم إلى العالم، وهذا ما جرت عليه سيرة العقلاء، وقد أمضت الأديان إيجاباً وتقريراً تلك السيرة.
توضيح ذلك:
إنَّ الملاحظ لطريقة الحياة الاجتماعية لدى العقلاء سواءً ما كان منها بدائياً أو مدنياً يجد وضوحاً لا لبس فيه أنَّ العقلاء جرت سيرتهم في تعاملاتهم الحياتية على رجوع غير المتخصِّص منهم إلى الخبير المتخصِّص، وليس ذلك الرجوع منهم إلَّا تلبية لفطرة جُبلوا عليها، ولا تستقيم الحياة بدونها.
وهذه السيرة ليست مختصَّة بتخصّص ما، بل تشمل جميع صنوف الحياة وفنونها.
وجاءت الأديان لتُقرِّر وتُمضـي هذه الحالة الفطرية كما أمضت من قبلها حالات فطرية أُخرى كثيرة.
نعم هذا الإمضاء ضمن ضوابط وحدود.
وهكذا فيما نحن فيه من رجوع الجاهل إلى العالم الخبير في مجال بيان

(٢٩)

الأحكام الشـرعية الدينية وتوضيح العقائد وتبيين المختلف فيه للناس، فإنَّ أصل الإرجاع ممَّا لا شكَّ فيه (أي إرجاع غير المتخصِّص في الدين والأحكام الشـرعية إلى المتخصِّص)، نعم هناك شروط وضعتها الشـريعة في كيفية كون المتخصِّص الديني متخصِّصاً، (كما أنَّ التخصّصات الاجتماعية وضعت ضوابط لكون المتخصِّص فيها متخصِّصاً)، وما لم ترع تلك الضوابط والشـروط لا.يُسمى ذلك الشخص متخصِّصاً يجوز الرجوع إليه.
وممَّا دلَّ من الذكر الحكيم والروايات على أصل الإرجاع الديني إلى المتخصِّص.
١ - قوله تعالى: ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأنبياء: ٧).
٢ - وقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: ٨٣).
أمَّا من الروايات:
فقوله (عليه السلام): «أمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا»(١).
بعد وضوح - من خلال التتبّع والتأمّل - أنَّ الراوي المقصود به هنا هو المتخصِّص في هذا الفنّ لا مطلق من يروي عن أهل البيت (عليهم السلام).
أمَّا ما دلَّ على كيفية الإرجاع وشروط المُرجَع إليه، فمنها:
١ - قو ل الإمام العسكري (عليه السلام): «فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يُقلِّدوه»(٢).
هذا وبعد وضوح ضرورة الرجوع إلى المتخصِّص في تحصيل الأحكام، فإنَّ أفضل طريقة لمعرفة المتخصِّص هي بالرجوع إلى ذوي الخبرة في ذلك التخصّص والاعتماد على إرشادهم.
طريقة الأخذ بالروايات:
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فُصِّلت: ٤١ و٤٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) كمال الدين للصدوق: ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٢) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٢٦٣.

(٣٠)

وعن أبي عبد الله (عليه السلام): «لا تتقبَّلوا علينا حديثاً إلَّا ما وافق القرآن والسُّنَّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدِّمة»(٣).
ومن خلال النصّ القرآني والروائي يتَّضح:
١ - أنَّ هناك أحاديث مدسوسة وموضوعة.
٢ - أنَّ هناك ميزاناً لمعرفة ذلك.
توضيح ذلك: أنَّ الآية تضع لنا ميزاناً يفضح الخلط والدسّ في الرواية، فما من خلط أو دسٍّ إلَّا ويدفعه القرآن ويكشفه من خلال هذا النظم المعرفي القاضي بعزَّة القرآن وحقّانيَّته في قبال غيره.
هذا وإنَّ قول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) الذي رواه الفريقان: «ما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه»(٤) يُوضِّح الحالة المرضية (وجود الدسِّ) والعلاج بـ (الإرجاع إلى القرآن).
يقول العلَّامة الطباطبائي(٥): (فأعطى (أي الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم))ميزاناً يوزن به المعارف المنقولة منه ومن أوليائه، وبالجملة فبالقرآن يدفع الباطل عن ساحة الحقِّ، قال تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ (الأنفال: ٧)، ولا معنى لإحقاق الحقِّ وإبطال الباطل إلَّا بإظهار صفته.
وكما أنَّ القبول المطلق تكذيب للموازين المنصوبة في الدين لتمييز الحقِّ من الباطل، كذلك الطرح الكلّي تكذيب لها وإلغاء وإبطال للكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهو القائل (جلَّ ثناؤه): ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشـر: ٧)، وقال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ (النساء: ٦٤).
إذ لو لم يكن لقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) حجّية أو لما يُنقَل من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) إلينا معاشر الغائبين في عصـره أو الموجودين بعد ارتحاله من الدنيا حجّية لما استقرَّ من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) بحار الأنوار للمجلسي ٢: ٢٥٠.
(٤) الكافي للكليني ١: ٦٩.
(٥) تفسير الميزان ١: ١٠٦، بتصرّف.

(٣٠)

الدين حجر على حجر، والركون على النقل والحديث ممَّا يعتقده البشـر ويقبله، في حياته الاجتماعية قبولاً يضطرُّ إليه بالبداهة ويهديه إلى ذلك الفطرة الإنسانية، لا غنى له عن ذلك. وأمَّا وقوع الدسِّ والخلط في المعارف المنقولة الدينية فليس ببدع يختصُّ بالدين.
ونحن على فطرتنا الإنسانية لا نجري على مجرَّد قرع السمع في الأخبار المنقولة إلينا في نادي الاجتماع، بل نعرض كلّ واحد واحد منها على ما عندنا من الميزان الذي يمكن أن يوزن به، فإن وافقه وصدَّقه قبلناه، وإن خالفه وكذَّبه طرحناه، وإن لم يتبيَّن شيء من أمره ولم يتميَّز حقّه من باطله وصدقه من كذبه توقَّفنا فيه من غير قبول ولا ردّ على الاحتياط الذي جُبلنا عليه في الشرور والمضارّ.
هذا كلّه بشرط الخبرة في نوع الخبر الذي نُقِلَ إلينا، وأمَّا ما لا خبرة للإنسان فيه من الأخبار ممَّا يشتمل عليه من المضمون، فسبيل العقلاء فيه الرجوع إلى أهل خبرته، والأخذ بما يرون فيه ويحكمون به.
فهذا ما عليه بناؤنا الفطري في الاجتماع الإنساني والميزان الديني لتمييز الحقّ من الباطل، وكذا الصدق من الكذب، لا يغاير ذلك بل هو هو بعينه. وهو العرض على كتاب الله فإن تبيَّن منه شيء أُخِذَ به وإن لم يتبيَّن لشبهة فالوقوف عند الشبهة. وعلى ذلك أخبار متواترة عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمَّة من أهل بيته (عليهم السلام)) انتهى.
بيان بعض المعاني والمفاهيم ذات الصلة بالبحث:
١ - الرجعة:

الرجعة لغةً: الرجوع هو العود إلى ما كان منه البدء، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ (الأنعام: ٦٠)، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ﴾ (الأعراف: ١٥٠)، فأنت تلاحظ أنَّ الرجوع مستخدم في العودة إلى المبدأ أو إلى ما منه البدء(٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) تاج العروس للراغب الأصفهاني/ ج ١١/ مادَّة (رجع).

(٣٠)

الرجعة في اصطلاح أهل التخصّص:
يقول الحرُّ العاملي: (اعلم أنَّ الرجعة هنا في الحياة بعد الموت قبل القيامة، وهو الذي يتبادر من معناها، وصرَّح به العلماء، ويُفهَم من مواقع استعمالها، ووقع التصـريح به في أحاديثها، وصرَّح بذلك علماء اللغة، فعُلِمَ أنَّ هذا معناه الحقيقي، فلا يجوز العدول عنه في موضع لا قرينة فيه)(٧).
ويقول الشيخ المظفَّر عن الرجعة: (وأمَّا من طعن في الرجعة أنَّها تناسخ فلأنَّه لم يفرق بين معنى التناسخ وبين المعاد الجسماني والرجعة من نوع المعاد الجسماني، فإنَّ معنى التناسخ هو انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر منفصل عن الأوَّل، وليس كذلك معنى المعاد الجسماني، فإنَّه معناه رجوع نفس البدن الأوَّل بمشخَّصاته النفسية، فكذلك الرجعة)(٨).
ويقول الشيخ المفيد (رحمه الله): (إنَّ الله يردُّ قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها...، وذلك عند قيام مهدي آل محمّد صلّى الله عليهم أجمعين)، ثمّ قال: (وقد جاء القرآن بصحَّة ذلك، وتظاهرت به الأخبار، والإماميَّة بأجمعها عليه إلَّا شُذّاذ منهم تأوَّلوا ما ورد فيه ممَّا ذكرناه على وجه يخالف ما وصفناه)(٩).
وفي سفينة البحار في باب الرجعة: (قال السيِّد المرتضـى (رحمه الله): الذي تذهب الشيعة الإماميَّة إليه أنَّ الله تعالى يعيد عند ظهور إمام الزمان المهدي (عليه السلام) قوماً ممَّن كان قد تقدَّم موته شيعته ليفوز بنصرته...)(١٠).
وقال عطاء الله أشرفي: (القول بالرجعة من متفرِّدات الشيعة، والدليل على إثباتها الأدلَّة الثلاث يعني الآية والرواية والإجماع)(١١).
وقال الفيض الكاشاني: (وقد تظاهرت الأخبار عن أئمَّة الهدى من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) في أنَّ الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي قوماً ممَّن تقدَّم موتهم...)(١٢)، ثمّ قال: (... ذلك إذا خرجوا في الرجعة من القبر)(١٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) الإيقاظ من الهجعة: ٦١.
(٨) عقائد الإماميَّة/ عقيدتنا بالرجعة.
(٩) أوائل المقالات: ٩٥.
(١٠) مجمع الشتات ٧: ١٣٣.
(١١) مجمع الشتات ٧: ١٣١.
(١٢) علم اليقين ٢: ١٠٠١.
(١٣) علم اليقين ٢: ١٠٠٥.

(٣٠)

وما قاله الشيخ الصدوق ونقله عنه صاحب البحار: (إنَّ الرجعة كانت في الأُمم السالفة، وقال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) يكون في هذه الأُمَّة مثل ما يكون في الأُمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذَّة بالقذَّة، فيجب على هذا الأمر أن يكون في هذه الأُمة رجعة)(١٤).
وقال السيِّد محمّد حسين الطباطبائي: (... وهذا يفيد أنَّ يوم الرجعة من مراتب يوم القيامة وإن كان دونه في الظهور لإمكان الشرّ والفساد فيه في الجملة دون يوم القيامة...)(١٥).
٢ - التناسخ:
التناسخ لغةً من النسخ بمعنى النقل أو بمعنى إزالة الشـيء بشـيء يتعقَّبه كنسخ الشمس الظلَّ والشيب الشباب(١٦).
التناسخ في الاصطلاح: هو انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر في هذه النشأة، فإذا مات البدن انتقلت إلى الثاني والثالث وهكذا(١٧).
وعرَّفه آخرون بأنَّه: عودة الروح إلى الحياة الدنيا بجسد جديد (وهي نظرية دينية قديمة).
وعرَّفه الشهرستاني: (هو أن تتكرَّر الأكوار والأدوار إلى ما لا نهاية له، ويحدث في كلِّ دور مثل ما حدث في الأوَّل، والثواب والعقاب في هذه الدار لا في الدار الآخرة...)(١٨).
وعرَّفه صدر المتألِّهين: (انتقال النفس من بدن عنصـري أو طبيعي إلى بدن آخر منفصل عن الأوَّل. سواء كان ذلك النزول من الروح إلى البدن الحيواني وهو المسخ أو إلى البدن النباتي فيكون الفسخ أو إلى الجمادي وهو الرسخ)، ثمّ قال: (وأمَّا تحوّل النفس من النشأة الدنيوية إلى النشأة الأُخروية وصيروتها بحسب ملكاتها إمَّا ذات صورة حسنة أو سيِّئة فهو أمر ثابت بالبرهان دلَّت عليه آيات القرآن وظواهر السُّنَّة)(١٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) بحار الأنوار للمجلسي/ ج ٥٣.
(١٥) تفسير الميزان ٢: ١٠٩.
(١٦) مفردات الراغب/ مادَّة (نسخ).
(١٧) الإلهيات ٤: ٢٩٩.
(١٨) الملل والنحل ٢: ٥٩.
(١٩) الأسفار ٩: ٤.

(٣٠)

وقد عرَّفه الحرُّ العاملي بأنَّه: (تعلّق الروح ببدن آخر في الدنيا، وقد دلَّت النصوص المتواترة والإجماع على بطلانه)(٢٠).
للتناسخ ثلاث صور:
١ - التناسخ المطلق:
وهو انتقال النفس من بدن إلى آخر في هذه النشأة، فإذا مات البدن الثاني انتقلت إلى ثالث، وهكذا بلا توقّف أبداً، والبدن المنتقل إليه قد يكون بدن إنسان أو حيوان أو نبات، وطريق الانتقال غالباً هو التعلّق بجنين المنتقل إليه.
٢ - التناسخ المحدود النزولي: وهو أن يختصَّ الانتقال من الروح إلى البدن ببعض النفوس دون أُخرى، وهكذا كما هو محدود من حيث الأفراد، فكذلك هو محدود من حيث الزمان، ووجه المحدودية أنَّه لا يحصل في النفوس الكاملة التي لتكاملها لا حاجة لها للانتقال إلى أبدان أُخرى لتحصل التكامل الذي يتمُّ بالبدن الأوَّل.
٣ - التناسخ الصعودي: وهو ما يحصل فيه انتقال الروح إلى البدن من جهة الصعود من النبات إلى الحيوان إلى الإنسان، وهو تحوّل انفصالي يخالف الحركة الجوهرية التي هي تحوّل اتِّصالي، على تفصيل يُطلَب من محلِّه لا حاجة لنا به، لأنَّ غرضنا يقع في القسمين الأوَّليين.
٣ - التأييد:

التأييد لغةً: أيَّدك أي قوّاك ونصـرك، وأيَّده الله أي قوّاه، ومؤيَّد بروح القدس أي مقوّى بروح القدس...(٢١).
قال صاحب الميزان(٢٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (المجادلة: ٢٢): (التأييد التقوية، والمعنى: وقوّاهم الله تعالى بروح من عنده تعالى، وقيل: الضمير للإيمان، والمعنى: وقوّاهم الله بروح من جنس الإيمان يحيي بها قلوبهم...، قوله: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ على ظاهره يفيد أنَّ للمؤمنين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) الإيقاظ من الهجعة: ٣٨٧.
(٢١) تاج العروس/ ج ٤/ مادَّة (أيد).
(٢٢) اُنظر: تفسير الميزان ١٩: ١٩٧ - ١٩٩.

(٣٠)

وراء الروح البشـرية التي يشترك فيها المؤمن والكافر روحاً أُخرى. في الرواية: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) فقال لي: «إنَّ الله تبارك وتعالى أيَّد المؤمنين بروح تحضـره في كلِّ وقت يحسن فيه ويتَّقي، وتغيب عنه في كلِّ وقت يذنب فيه ويعتدي»).
وأنت تلاحظ عزيزي القارئ أنَّ هذه الروح فقط للمؤمنين، وأنَّها معهم دائماً وفي كلِّ عصـر من زمن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) إلى زماننا، وليست خاصَّة بزمن خاصّ.
ثمّ قال العلَّامة: (قد تبيَّن ممَّا تقدَّم في ذيل الآية أنَّ هذه الروح من مراتب الروح الإنساني ينالها المؤمن عندما يستكمل الإيمان، فليست مفارقة له...، وبذلك يظهر أنَّ المراد بقوله (عليه السلام): «بروح تحضـره»، وقوله (عليه السلام): «فهي معه»، حضور صورتها حضور الهيأة العارضة القابلة للزوال، وبقوله: «تسيخ في الثرى» زوال الهيأة على طريق الاستعارة، وكذا قوله (عليه السلام) في الرواية السابقة: «فارقه روح الإيمان»).
وممَّا تقدَّم يظهر معنى التسديد، فإنَّ التسديد لغةً هو: سدَّده قوَّمه أو وجَّهه، وسدَّده وفَّقه للسداد أي للصواب من القول والعمل، ومنه: اللّهمّ سدِّدني أي وفِّقني(٢٣).
٤ - النفس والروح:
النفس: هو أصل، معناه هو معنى ما أُضيف إليه، فنفس الشـيء معناه الشـيء ونفس الإنسان معناه الإنسان، ونفس الحجر معناه هو الحجر، فلو قُطِعَ عن الإضافة لم يكن له معنى محصَّل...
وقد شاع استعماله في لفظ الإنسان خاصَّة (وهو الموجود المركَّب من روح وبدن)، ثمّ استُعمِلَ في الروح الإنساني لما أنَّ الحياة والعلم والقدرة التي بها قوام الإنسان قائمة بها(٢٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) تاج العروس ٥: ٩.
(٢٤) تفسير الميزان ١٤: ٢٨٥.

(٣٠)

الروح: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ...﴾ (الإسراء: ٨٥)، والسؤال إنَّما هو عن حقيقة الروح، وإنَّ الجواب جاء: أنَّ حقيقة الروح من نسخ الأمر وهو الإيجاد: ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: ٨٢)، ويظهر من خلال التتبّع في الآيات والتدبّر فيها أنَّ الروح منه ما هو مع الملائكة كقوله: .﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ (النحل: ١٠٢)، ومنه ما هو مع المؤمنين كقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (المجادلة: ٢٢)، ومنه ما نُزِّل إلى الأنبياء (عليهم السلام) كقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ (البقرة: ٨٧)، ومنه ما هو في النبات والحيوان وغيرها، كما يُشعِر به التأمّل في آي القرآن.
وهذا يُؤكِّد أنَّ حقيقة الروح حقيقة وسيعة ذات مراتب مختلفة، وشاهد ذلك من الروايات عن المفضَّل بن عمر، قال: سألت عن علم الإمام...، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا مفضَّل، إنَّ الله تبارك وتعالى جعل في النبيِّ خمسة أرواح: روح الحياة فبه دبَّ ودرج، وروح القوَّة فبه نهض وجاهد، وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال، وروح الإيمان فبه آمن وعدل، وروح القدس فبه حمل النبوَّة، فإذا قُبِضَ النبيُّ انتقل روح القدس فصار إلى الإمام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، والأربعة أرواح تنام وتغفل وتزهو وتلهو»(٢٥).
فالروح الموجودة عند الإنسان دون المعصوم هي أربعة أرواح: روح الشهوة، وروح القوَّة، وروح الدرج (روح الحياة)، وروح الإيمان. وعند المعصوم روح القدس. ثمّ إنَّ روح الإيمان يزيد وينقص كما دلَّت عليه الروايات)(٢٦).
أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) تحتاج للعرض على المتخصِّص:
عن أبي جعفر (عليه السلام): قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «إنَّ حديث آل محمّد صعب مستصعب لا يؤمن به إلَّا ملك مقرَّب أو نبيٌّ مرسَل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان...، فما ورد عليكم من حديث آل محمّد فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه...،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) الكافي ١: ٢٧٢/ كتاب الحجَّة/ ح ٣.
(٢٦) تفسير الميزان، بتصرّف.

(٣٠)

وما اشمأزَّت منه قلوبكم وأنكرتموه فردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى العالم من آل محمّد، وإنَّما الهالك أن يُحدَّث أحدكم بشيء لا يتحمَّله فيقول: والله ما كان هذا...، والإنكار هو الكفر»(٢٧).
من خلال مجموع روايات (أنَّ حديثهم صعب)، وأنَّه لا بدَّ معه من المتخصِّص، وأنَّ هناك كذباً عليهم ووضعاً لأحاديثهم بأسانيد متَّصلة كما تُؤكِّده هذه الرواية عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «كان المغيرة بن سعيد يتعمَّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه، وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعوها إلى المغيرة، فكان يدسُّ فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي ثمّ يدفعها إلى أصحابه ويأمرهم أن يبثّوها في الشيعة»(٢٨).
ولا يخفى أنَّ زمننا هو زمن الفتنة، بل شدَّة الفتن كما تُؤكِّده بعض الروايات، فعن أبي عبد الله (عليه السلام): «... إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسِّك فيها بدينه كالخارط للقتاد»، والخارط من يضرب بيده على أعلى الغصن من الشجرة ثمّ يمدّها إلى الأسفل ليُسقِط الورق، والقتاد شجر الشوك. «فأيّكم يمسك شوك القتاد بيده؟»(٢٩).
من خلال ذلك كلّه اتَّضح لنا:
١ - أنَّ زمننا هو زمن الفتن والشبهات والتأويل الباطل.
٢ - أنَّ بصيص الأمل الوحيد للنجاة من الفتنة هو بالرجوع إلى العالم المتخصِّص.
وقد أكَّدت الروايات المرويَّة عن أهل البيت (عليهم السلام) كلا الأمرين، فعن العسكري (عليه السلام): «فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يُقلِّدوه، وذلك لا يكون إلَّا في بعض فقهاء الشيعة لا جمعهم»(٣٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) الكافي ١: كتاب الحجَّة.
(٢٨) بحار الأنوار للمجلسي ٢: ٢٥١.
(٢٩) الكافي ١: ٣٣٥/ كتاب الحجَّة/ باب الغيبة/ ح ١.
(٣٠) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام):٣٠١.

(٣٠)

وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «أشدُّ من يتم اليتيم الذي انقطع من أُمِّه وأبيه، يتم يتيم انقطع عن إمامه ولا يقدر على الوصول إليه، ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلي من شرائع دينه، ألَا فمن كان من شيعتنا عالماً بعلومنا وهذا الجاهل بشـريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا...، ألَا فمن هداه وأرشده وعلَّمه شريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى»(٣١).
وروى الكليني في حديث اللوح: «... فيذلُّ أوليائي في زمانه، وتتهاوى رؤوسهم كما تتهاوى رؤوس الترك والديلم، فيُقتَلون ويُحرَقون، ويكونوا خائفين مرعوبين وجلين، تُصبَغ الأرض بدمائهم، أُولئك أوليائي حقّاً، بهم أدفع كلّ فتنة عمياء حندس»(٣٢).
الأقسام المتصوّرة للرجعة:
١ - الرجعة الجسمانية، وهي تعني أنَّ الله يُرجِع أمواتاً إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها.
٢ - الرجعة بمعنى رجعة الروح فقط إلى بدن آخر، وهي ما عبَّر عنها مؤخَّراً بالرجعة الروحية حيث عرَّفوها: (رجوع بعض أرواح من محض الإيمان محضاً...، تقوم بتسديد أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام)).
٣ - الرجعة المبدئية: وهي تعني رجوع مبادئ من تحدَّثت عنهم روايات الرجعة (لا أجسادهم ولا أرواحهم) في أشخاص آخرين.
٤ - الرجعة بمعنى رجوع الدولة في زمان المهدي (عليه السلام)، ورجوع الأمر والنهي إلى الأئمَّة (عليهم السلام) وإلى شيعتهم، وأخذهم بمجاري الأُمور دون رجوع أعيان الأشخاص.
هذا ما يمكن تصوّره من معانٍ وأقسام للرجعة، وسوف نأتي على إبطال ما عدا الأوَّل الذي قام عليه الدليل كما سيتَّضح. وسنبدأ بنقاش آخرها صعوداً إلى الثاني:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) الاحتجاج للطبرسي ١: ٥.
(٣٢) الكافي ١: ٥٢٨.

(٣٠)

أمَّا القسم الرابع وهو رجعة الدولة، فالقول بها باطل لوجوه ذكرها العلماء (رضوان الله عليهم) نذكر منها:
١ - أنَّ هذا القول ناشئ من استبعاد وقوع مضمون أحاديث الرجعة بالمعنى الأوَّل، وهذا الاستبعاد ناشئ عند المستبعد نتيجة لعدم الفهم وقلَّة التدبّر.
٢ - أنَّ هذا القول يلزم منه تأويل أكثر من مائتي حديث رواها مئات العلماء، فهو خلاف المتبادر من أحاديث الرجعة فضلاً عن عدم الدليل عليه، والتبادر علامة الحقيقة.
٣ - أنَّ هذا التأويل خلاف تفسير علماء اللغة للفظ الرجعة، ونضمُّ إليه عدم إرادة الشارع المقدَّس لمعنى جديد غير المعنى اللغوي، وإلَّا فلو كان لبان.
٤ - اعتراف القائل به بأنَّ هذا القول هو تأويل، وقد دلَّ الدليل على عدم جواز التأويل بغير نصٍّ ودليل، حيث لا يجوز التأويل ما دام الحمل على الظاهر ممكناً.
٥ - أنَّه خلاف الإجماع.
فضلاً عن وجود أحاديث تدلُّ على بطلان هذا التأويل ذكرها صاحب الإيقاظ في (ص ٣٨٧).
وأمَّا القسم الثالث وهو الرجعة المبدئية، فإنَّ القول بها باطل أيضاً لوجوه ذكرها العلماء (رضوان الله عليهم)، منها:
١ - أنَّ الروايات التي دلَّت على الرجعة ذكرت رجوع الأشخاص ولم تذكر رجوع المبادئ.
٢ - لو قلنا بها للزم عدم جدوى التخصيص بآخر الزمان، لأنَّنا كثيراً ما نشهد رجوع مبادئ سامية بأشخاص على مرِّ العصور.
٣ - يلزم من هذا القول التأويل والحمل على خلاف الظاهر، ومخالفة الإجماع، وأنَّه ناشئ عن ضيق الأُفق وقلَّة التدبّر بالأحاديث والتفسير المادّي للظواهر الدينية تأثّراً بالمذهب المادّي، وبطلان الجميع ظاهر.

(٣١)

٤ - أنَّ هذا الإنكار ناشئ من عدم فهم الحكمة من الرجعة، وحمل الحكمة الظاهرية منها على الاستحسان والقياس المادّي. والحقُّ أنَّ المسألة مرتبطة بعالم الغيب، ولا سبيل لنا لمعرفتها إلَّا بالمعصوم (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: ٣٦).
وأمَّا القسم الثاني وهو الرجعة الروحية، فهي باطلة لوجوه كثيرة، وبما أنَّها محلّ الكلام فسنبسط القول فيها:
عرَّف صاحب الرجعة الروحية(٣٣) هذه المقولة بأنَّها: (رجوع أرواح بعض الأنبياء للأئمَّة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، تقوم هذه الأرواح بتسديد أصحاب الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من ممهِّدين وأنصار كلٌّ حسب رقيِّه...)، والمقصود من هذا المعنى أحد وجوه:
الوجه الأوَّل: أن يكون المقصود بها هو الرجعة المادّية (الجسمانية)، وهو بعيد، لقول صاحب المقولة: (ولكن من خلال هذا البحث... تثبت وجود رجعة روحية...)، ثمّ يقول: (والحقيقة أنَّ هذه الروايات المتقدِّمة والتي تُشير إلى أكثر من كرَّة ورجعة لا نستطيع حملها على الرجعة المادّية، ولا يمكن تفسيرها وقبولها إلَّا على القول بالرجعة الروحية).
الوجه الثاني: أن يكون المقصود بها أنَّ هناك روحاً تُسدِّد شخصاً آخر، وهو ما يُعبِّر عنه بالتسديد والتأييد. وهو أيضاً باطل وغير مراد من أحاديث الرجعة، ومن نفس معنى التسديد لغةً وشرعاً، كما سيأتي مفصَّلاً في بحث مستقلٍّ.
الوجه الثالث: أن يكون المراد بالرجعة الروحية هو التناسخ الباطل.
وبعد وضوح عدم إرادة المعنى الأوَّل (الرجعة المادّية) من مقولة الرجعة الروحية ينحصـر مرادهم إمَّا بالتناسخ أو التسديد، فإذا ما أثبتنا أنَّ معنى التسديد والتأييد يجانب تمام المجانبة معنى الرجعة التي نطقت بها الروايات انحصر مرادهم بالتناسخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) كتاب الرجعة الروحية للقحطاني.

(٣١)

فنقول: تقدَّم - إجمالاً - أنَّ معنى التسديد والتأييد هي التقوية، وهي موجودة في كلِّ وقت يحسن فيه العبد، وليست خاصَّة بزمن دون زمن ولا بفرد دون فرد، فكلُّ مؤمن مسدَّد ومؤيَّد بروح من الله تعالى، وهي روح الإيمان، وفي كلِّ وقت من الأوقات من زمن صدق الإيمان عليه إلى زوال هذا العنوان، سواء كان ذلك في عهد آدم (عليه السلام) أم موسى (عليه السلام) أم بقيَّة الأنبياء (عليهم السلام)، وسواء كان ذلك في عهد النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) أو في عهد الأئمَّة (عليهم السلام) أو في زمن الغيبة أو عند الظهور الشـريف، فلا خصوصية للمكان أو الزمان في مقولة التسديد والتأييد، فكلُّ فرد مؤمن كان مؤهَّلاً لذلك أفاض عليه تعالى تسديده وتأييده.
توضيح المطلب:
يقول صاحب مقولة الرجعة الروحية: (مبدأ التسديد والتأييد: يقوم هذا المبدأ على مفهوم التسديد والتأييد الروحي من المولى تبارك وتعالى، حيث يُسدِّد الله (عزَّ وجلَّ) ويؤيِّد عباده المخلصين من قبيل تسديدهم بروح القدس أو الملائكة أو أرواح طاهرة لتوفيقهم إلى ما فيه رضا الله (عزَّ وجلَّ) وإصلاح المجتمعات وإصلاح الكون بصورة عامَّة، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ...﴾ [المجادلة: ٢٢]، هذه الآية الشـريفة دليل واضح على مبدأ التسديد والتأييد للمؤمنين المخلصين)(٣٤) انتهى كلامه.
وخير ما نرجع إليه في تفسير مقولة التسديد والتأييد هو:
١ - أقوال اللغويين.
٢ - معنى التسديد في الروايات المفسِّرة للقرآن الكريم.
٣ - معنى التسديد والتأييد في كلمات العلماء والمفسِّرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) الرجعة الروحية للقحطاني: ١٢١.

(٣١)

معنى التسديد عند علماء اللغة:
١ - قال الجوهري: (التسديد التوفيق للسداد، وهو الصواب، والمسدّد المقوّم، والسَّداد - بالفتح - الاستقامة والصواب)(٣٥).
٢ - قال الزبيدي: (سدَّده تسديداً أي الرمح: قوَّمه، كذا في الصحاح، وسدَّده وفَّقه للسَّداد - بالفتح -، أي للصواب من القول والفعل والعمل)(٣٦).
٣ - قال سعيد الخوري: (سدَّد الرمح قوَّمه، فلاناً وفَّقه وأرشده إلى السَّداد، أي الصواب من القول والعمل، وتسدَّد الشيء استقام)(٣٧).
٤ - وقال الراغب الأصفهاني: (قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠]، فعلت من الأيد أي القوَّة الشديدة، وقال تعالى: ﴿وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْـرِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ١٣]، أي بكثير تأييده)(٣٨)، وقال في (صفحة ٤٠٣): (والسَّدد: الاستقامة).
معنى الآية الكريمة: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ عند علماء التفسير:
١ - قال العلَّامة الطبرسي عند تفسير الآية: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾: (أي قوّاهم بنور الإيمان، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلاَ الْإِيمانُ﴾ (الشورى: ٥٢) عن الزجّاج. وقيل: معناه: وقوّاهم بنور الحجج والبراهين، حتَّى اهتدوا للحقِّ، وعملوا به. وقيل: قوّاهم بالقرآن الذي هو حياة القلوب من الجهل. وقيل: أيَّدهم بجبرائيل في كثير من المواطن)(٣٩).
٢ - قال محمّد بن جرير الطبري عند تفسير الآية: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾: (وقوّاهم ببرهان منه ونور وهدى)(٤٠).
٣ - قال الفخر الرازي عند تفسير الآية: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾: (فيه قولان: الأوَّل: قال ابن عبّاس: نصـرهم على عدوِّهم، وسمّى تلك النصـرة روحاً لأنَّ بها يحيا أمرهم. والثاني: قال السدي: الضمير في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ عائد إلى الإيمان،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) الصحاح ٧: ٤٨٥.
(٣٦) تاج العروس ٥: ٩ - ١٣.
(٣٧) أقرب الموارد/ ج ٢.
(٣٨) المفردات: ٩٧.
(٣٩) مجمع البيان ٩: ٤٢٢.
(٤٠) تفسير الطبري ٢٨: ١٨.

(٣١)

والمعنى: أيَّدهم بروح من الإيمان، يدلُّ عليه قوله: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢])(٤١).
٤ - قال الالوسي في تفسير الآية: ﴿وَأَيَّدَهُمْ﴾ أي قوّاهم، ﴿بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي من عنده (عزَّ وجلَّ)، على أنَّ (مِنْ) ابتدائيَّة، والمراد بالروح نور القلب، وهو نور يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء من عباده تحصل به الطمأنينة والعروج مع معارج التحقيق)(٤٢).
٥ - قال العلَّامة المحدِّث البحراني(٤٣):
١) محمّد بن يعقوب...، عن أبي جعفر (عليه السلام)...، قال: وسألته عن قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، قال (عليه السلام): «هو الإيمان».
٢) وعنه...، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، قال (عليه السلام): «هو الإيمان».
٣) وعنه...، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «ما من مؤمن إلَّا ولقلبه أُذُنان في جوفه، إذا ينفث فيها الوسواس الخنّاس، وإذا ينفث فيها الملك، فيُؤيِّد الله المؤمن بالملك، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾».
٤) وعنه...، قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام)، فقال لي: «إنَّ الله تبارك وتعالى أيَّد المؤمن بروح منه تحضـره في كلِّ وقت يحسن فيه ويتَّقي، وتغيب عنه في كلِّ وقت يذنب فيه ويعتدي، فهي معه تهتزُّ سروراً عند إحسانه، وتسيغ في الثرى عند إساءته، فتعاهدوا عباد الله نِعَمه بإصلاحكم أنفسكم تزدادوا يقيناً وتربحوا نفيساً ثميناً، رحم الله إمرءاً همَّ بخير فعمله، أو همَّ بشـرٍّ فارتدع عنه»، ثمّ قال: «نحن نزيد الروح بالطاعة لله والعمل له».
٥) ابن بابويه...، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «﴿ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي قوّاهم»). انتهى كلام المحدِّث البحراني.
وبهذا التفسير يظهر معنى التسديد والتأييد في الروايات المارَّة الذكر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١) تفسير الرازي ٢٩: ٢٧٦.
(٤٢) روح المعاني/ المجلَّد التاسع/ ج ١٤/ ص ٢٣٠.
(٤٣) تفسير البرهان/ ج ٢٨/ المجلَّد السابع/ ص ٤٨٨.

(٣١)

٦ - قال الشيخ مكارم الشيرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾: (هل هذه الروح الإلهية التي يُؤيِّد الله سبحانه المؤمنين بها هي تقوية الأُسس الإيمانية، أو أنَّها الدلائل العقلية، أو القرآن، أو أنَّها ملك إلهي عظيم يُسمّى بالروح؟ ذُكِرَت لذلك احتمالات وتفاسير مختلفة، إلَّا أنَّه يمكن الجمع بينهما)(٤٤).
٧ - قال العلَّامة الطباطبائي في تفسير الآية: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾: (التأييد التقوية، وضمير الفاعل في ﴿أَيَّدَهُمْ﴾ الله تعالى، وكذا ضمير﴿مِنْهُ﴾، و(مِنْ) ابتدائية، والمعنى: وقوّاهم الله بروح من عنده سبحانه وتعالى. وقيل: الضمير للإيمان، والمعنى: وقوّاهم الله بروح من جنس الإيمان يحيي بها قلوبهم، ولا بأس به. وقيل: المراد بالروح جبرائيل، وقيل: القرآن، وقيل: المراد بها الحجَّة والبرهان، وهذه وجوه ضعيفة لا شاهد لها من جهة اللفظ. ثمّ الروح - على المتبادر من معناها - هي مبدأ الحياة التي تترشَّح منها القدرة والشعور، فإبقاء قوله: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ على ظاهره يفيد أنَّ للمؤمنين وراء الروح البشـرية التي يشترك فيها المؤمن والكافر روحاً أُخرى تفيض عليهم حياة خاصَّة كريمة ملازمة لسعادة الإنسان الأبدية)(٤٥) انتهى.
من خلال هذا العرض الموجز لبعض آراء اللغويين والمفسِّـرين وبعض من روايات أهل البيت (عليهم السلام) يظهر لنا جليّاً:
١ - أنَّ التسديد والتأييد هي التقوية لأجل الاستقامة.
٢ - أنَّ مقولة التأييد والتسديد مقولة عامَّة لجميع المؤمنين، وأنَّها غير خاصَّة بزمان أو مكان معيَّنين.
٣ - أنَّ روح الإيمان التي تُسدِّد المؤمن لها مراتب، وهي تقوى وتشتدُّ حسب الطاعة والقرب الإلهي. وبذلك يتَّضح أنَّ معنى الرجعة شيء ومعنى التسديد شيء آخر، ويتَّضح أنَّ المقصود بالرجعة الروحية هو التناسخ كما سنُثبِت ذلك مفصَّلاً في المباحث الآتية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤) تفسير الأمثل ١٨: ١١٣.
(٤٥) تفسير الميزان ١٩: ٢٠٤.

(٣١)

رجعتان أم رجعة واحدة؟
يقول صاحب المقولة في (ص ٩٥): (إنَّ الرجعة تكون مادّية أي بالأجساد، وإنَّها تكون قبل قيام الساعة، وهذا ما أجمعت عليه الفرقة، وليس في ذلك خلاف. ولكن من خلال هذا البحث سوف نقوم بتقديم الأدلَّة التي تُثبِت وجود رجعة روحية تسبق قيام الإمام المهدي (عليه السلام) أو تكون مقارنة لقيامه المقدَّس صلوات الله عليه).
من خلال هذا المقطع يتَّضح لنا:
إنَّ صاحب المقولة يذهب إلى القول بوجود رجعتين:
١ - الرجعة المادّية (الجسدية)، وهي التي تكون بعد وفاة الإمام المهدي (عليه السلام).
٢ - الرجعة الروحية (التسديد والتأييد)، وهي التي تكون قبل أو مع قيام الإمام المهدي (عليه السلام).
وهذا ما لم يسعفه به الدليل، بل نجد أنَّ نفس صاحب المقولة لم يلتزم بذلك في بعض موارد كلامه، وسوف نقف على ذلك في هذا البحث مفصَّلاً.
والذي ظهر لنا من خلال البحث السابق أنَّه لا توجد رجعة بمعنى الرجعة الروحية، أمَّا مبدأ التسديد والتأييد فهو مبدأ عامّ وليس مختصّاً بزمان قيام الإمام المهدي (عليه السلام) أو قبله بقليل.
وقفات تفصيلية مع مقولة الرجعة الروحية وردّها:
وفيه فصول ثمان:
الفصل الأوَّل: خالف تُعرَف:
قال صاحب مقولة الرجعة الروحية في (ص ٩٨): (وهذا القول لم يسبق لأحد أن قال به، وأشار إليه، وإنَّ أوَّل من قال به هو سيِّدنا الأُستاذ أبو عبد الله الحسين القحطاني، حيث أثبت وجود هذا المبدأ من القرآن الكريم والسُّنَّة

(٣١)

الشـريفة، فهو أوَّل من قال بالرجعة الروحية التي عدَّها أهل البيت صلوات الله عليهم من عظائم الأُمور التي ظلَّت خافية حتَّى زماننا هذا...).
اعلم أخي القارئ الكريم إنَّ أفتك مرض يمرُّ به الإنسان في مراحل حياته هو مرض الغرور والكبر، وإنَّ أوَّل معصية وقعت كان سببها الغرور، قال تعالى: ﴿قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (الأعراف: ١٢).
والغرور هو: سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع، فمن اعتقد أنَّه خير إمَّا في العاجل أو في الآجل فهو مغرور.
قال تعالى: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (لقمان: ٣٣).
يقول الشيخ النراقي عن الغرور: (اعلم أنَّ فِرَق المغترّين كثيرة، وجهات غرورهم ودرجاته مختلفة...، ثمّ قال: (أهل العلم فمنهم من اختصـر من العلم على علم الكلام والمجادلة ومعرفة آداب المناظرة ليتفاخر في أندية الرجال ويتوقَّف على الأقران والأمثال، من غير أن يكون له في العقائد قدم راسخ أو مذهب واحد، بل يختار تارةً ذلك وتارةً هذا، وتكون عقيدته كخيط مرسل في الهواء تفيئه الريح مرَّة هكذا ومرَّة هكذا، ومع ذلك يظنُّ بغروره أنَّه أعرف الناس وأعلمهم...)(٤٦).
الفصل الثاني: تعريف البدن وتقسيمه:
عُرِّف البدن في اللغة بأنَّه: (بدن محرِّكه من الجسد)، وعُرِّف الجسد بأنَّه (جسم الإنسان والجنِّ والملائكة...)(٤٧).
يُقسَّم البدن إلى: البدن الجمادي، والنباتي، والحيواني، والإنساني.
والبدن الإنساني إلى:
١ - البدن المادّي: وهو الهيكل الخارجي للإنسان، والمعبَّر عنه بصيصة الإنسان، أي شكل وجسم الإنسان الخارجي، وهو واضح لا يحتاج إلى توضيح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦) جامع السعادات ٢: ١٦٥.
(٤٧) القاموس المحيط ١: ٢٠٢.

(٣١)

٢ - البدن المثالي: وهو شبيه بجسم الإنسان الذي انتهت دورة حياته.
٣ - البدن التمثيلي: وهو تمثيل الروح بصورة كتمثل جبرئيل (عليه السلام) بصورة دحية الكلبي، وتمثل الملك لمريم بشراً سويّاً.
وسوف نقف مع هذه الأقسام الثلاثة مفصَّلا فيما يأتي من البحث.
وما نريد أن نقوله في هذا الفصل هو: إن كان مقصود صاحب مقولة (الرجعة الروحية) عن عودة أرواح الأئمَّة لتسديد أبدان المؤمنين هو البدن المثالي، بمعنى أنَّ الأرواح ترجع إلى بدنٍ ما غير البدن التي كانت فيه، فهو باطل فاسد لأوجه كثيرة، منها على نحو الإجمال وسيأتي تفصيلها:
١ - أنَّ القول بالرجعة الروحية بمعنى الرجوع إلى البدن المثالي ينتهي إلى التناسخ، وهو تعلّق الروح ببدن آخر في الدنيا، وقد دلَّت النصوص المتواترة والإجماع على بطلانه.
٢ - للتصـريحات الكثيرة (التي سوف تأتي) بأنَّهم - الراجعين - يخرجون من قبورهم، وأنَّهم ينفضون التراب عن رؤوسهم وغير ذلك.
٣ - أنَّه خلاف الظاهر، ولا موجب للعدول عنه.
٤ - إذا كان الإنسان الثاني غير الأوَّل فيلزم عدم صدق أحاديث الرجعة.
٥ - سوف يأتي أنَّه يكون في هذه الأُمَّة كلُّ ما كان في الأُمم السابقة، والرجعة التي وقعت سابقاً وقعت لأشخاص أبدانهم.
الفصل الثالث: الدافع وراء هذا القول:
الدافع وراء هذه المقولة أُمور، منها:
١ - حبُّ الظهور حسب مقولة (خالف تُعرَف)، وقد تحدَّثنا عنها.
٢ - عدم التخصّص في هذا الفنّ، والذي نتج عنه عدم إمكان الجمع بين روايات باب الرجعة التي توحي ظاهراً بالتعارض البدوي. حيث إنَّنا نعلم أنَّ صاحب هذه المقولة ليس متخصِّصاً، وإنَّما يعتمد في تلقّي معلوماته على نظرية

(٣١)

التأييد والتسديد، بمعنى أنَّ العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء دون الحاجة إلى الدرس والتعلّم. وهذا ما نُسلِّط الضوء عليه في الفصل الأخير إن شاء الله. وإنَّما نحاول هنا أن نُبيِّن أن جنوحه إلى هذه المقولة هو عجزه عن الجمع بين الروايات الشـريفة. وإليك جملة من نصوص كتابه:
يقول صاحب هذه المقولة في (ص ١١٨): (ومن ذلك نفهم أن رجعة الحسين (عليه السلام) ليست رجعة مادّية، بل هي رجعة روحية، أي رجوع روحه الطاهرة لتُسدِّد وتُؤيِّد وزير الإمام المهدي (عليه السلام) السيِّد الحسين اليماني، لذلك ترد بعض الروايات بلفظ الحسين (عليه السلام)، وترد روايات أُخرى بلفظ متغيِّر).
ويقول في (ص ١٥١): (فكما يتَّضح من هذين الحديثين أنَّ القحطاني هو من يلي المهدي ويخلفه، والقحطاني كما دلَّت عليه الأخبار هو اليماني...، لا بدَّ من القول بأنَّ عيسى هو نفسه الحسين، وهما نفسهما اليماني وزير المهدي الذي يكون مسدَّداً بروحيهما).
ويقول في (ص ١٦٣): (وبهذا يتَّضح لنا معنى الرواية المتقدمة «لا مهدي إلَّا عيسى بن مريم»، أي إنَّ المهدي الحسين اليماني هو نفسه عيسى بن مريم في آخر الزمان على حسب مفهوم الرجعة الروحية).
ويقول في (ص ١٨٠): (إلَّا أنَّ الصحيح أنَّ خروج أمير المؤمنين سيكون على نحو الرجعة الروحية، أي رجوع روحه الطاهرة لتسديد المهدي (عليه السلام) وتُؤيِّده، وبذلك يكون المهدي (عليه السلام) هو دابَّة الأرض خاصَّة إذا ما تدبَّرنا وحاولنا فهم الروايات).
فأنت تلاحظ تخبّطه في الجمع لعدم فهمه لها، وعدم اعتماده على الموازين العلمية في الجمع بين المتعارضات من الأخبار.
الفصل الرابع: حقيقة تقسيم الرجعة إلى المادّية والروحية...:
يقول في (ص ٩٥): (إنَّ الرجعة تكون مادّية، أي الأجساد، وإنَّها تكون قبل قيام الساعة، وهذا ما اجتمعت عليه الفرقة، وليس في ذلك خلاف. ولكن من

(٣١)

خلال هذا البحث سوف نقوم بتقديم الأدلَّة التي تُثبِت وجود رجعة روحية تسبق قيام الإمام المهدي (عليه السلام)).
ويقول في ص (١١٨): (ومن ذلك نفهم أنَّ رجعة الحسين (عليه السلام) ليست رجعة مادّية، بل هي رجعة روحية).
ويرد عليه:
١ - إذا كان هناك نوعان من الرجعة - ولو تنزّلاً - حسب ما يدَّعي صاحب مقولة الرجعة الروحية، فما هو الدليل على وجود هذا التقسيم في الروايات؟ حيث إنَّه لم يذكر لنا ولا دليلاً واحداً يُصرِّح به الأئمَّة (عليهم السلام) على وجود قسمين من الرجعة.
هذا فضلاً عن رفض نفس صاحب المقولة لفكرة التقسيم حيث يقول: (والواقع أنَّ المقصود في الروايات المتقدِّمة هي الرجعة الروحية)، حيث إنَّه تحدَّث عن جميع روايات الرجعة ووصفها أنَّها تدلُّ على الرجعة الروحية فقط، راجع كتاب صاحب المقولة تجد ذلك واضحاً.
٢ - لا يوجد نصٌّ معتبر من الروايات يظهر منه أنَّ روح عيسى سوف تُسدِّد أنصار الإمام المهدي (عليه السلام)، أو أنَّ الدابَّة معناها روح عليٍّ (عليه السلام) التي تُسدِّد الإمام المهدي (عليه السلام)، أو أنَّ روح الحسين وروح عيسى هي المقصود باليماني الموعود.
٣ - تقدَّم أنَّ التسديد والتأييد - الذي هو روح الرجعة الروحية - غير خاصٍّ بفئة دون فئة ولا بزمان دون زمان، بل هو عامٌّ شامل لجميع الأزمان ولكلِّ المؤمنين.
٤ - أنَّ أحاديث الرجعة - وكما سوف يتَّضح - صريحة في دلالتها على الرجعة المادّية دون غيرها.
٥ - سوف يتَّضح أنَّ الرجعة الروحية تنتهي إلى التناسخ.

(٣٢)

المعاد وإفادته الرجعة المادّية:
ينقسم القائلون بالمعاد إلى أقسام منها:
١ - المعاد الروحاني: وذلك لقولهم: إنَّ حقيقة الإنسان بالروح.
٢ - المعاد جسماني وروحاني: وذلك ما نطقت به الأدلَّة الشـرعية بحسب تركيب الإنسان من البدن والنفس.
ويرجع النزاع والاختلاف في المعاد في كونه جسمانياً لا غير، أو روحانيا كذلك، أو هو جسماني وروحاني، إلى الاختلاف في حقيقة الإنسان في النشأة الأُولى، فالذي اعتقد بأنَّ هوية الإنسان وحقيقته بجسمه فالمعاد عنده جسماني، وأمَّا الذي حصـر هوية الإنسان بروحه فإنَّ المعاد عنده روحاني ليس إلَّا، إذ العود للشـيء وشيئية الشـيء بحقيقته وهويَّته، بينما الذي ذهب إلى أنَّ الإنسان في الدنيا حقيقة واحدة ذات بعدين، فالذي يعتقد بمعاد هذه الحقيقة لا بدَّ أن يقول بمعاد جسماني روحاني.
بعد وضوح أنَّ الحشر في يوم القيامة هو للروح وللبدن معاً نقول:
١ - إنَّه تواتر عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) ومن طرق الفريقين: (أنَّ هذه الأُمة ستتبع سنن من سبق من الأُمم شبراً بشبر...)(٤٨).
٢ - إنَّ ممَّا هو متيقَّن الحصول في تلك الأُمم هي الرجعة المادّية، فقد أرجع الله تعالى من أقوام من سبق بالأُلوف بأبدانهم التي أماتهم بها، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ (البقرة: ٢٤٣)، فلا بدَّ أن تحصل (الرجعة الجسمانية الروحانية) بمقتضى الجمع بين الأمرين.
ثمّ إنَّ صاحب مقولة الرجعة الروحية استدلَّ على الرجعة بهذا الدليل كما جاء في (ص ٥٣): (ممَّا جاء عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) في تفسير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) بحار الأنوار للمجلسي ٥٣: ١٤٠.

(٣٢)

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُـرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾ [النمل: ٨٣]، قال (عليه السلام): «ما يقول الناس فيها؟»، قلت: يقولون: إنَّها في القيامة. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «يحشـر الله في القيامة من كلِّ أُمَّة فوجاً ويترك الباقين؟ إنَّما ذلك في الرجعة، فأمَّا آية القيامة فهذه: ﴿وَحَشَـرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٧]»(٤٩).
فالرواية صريحة في الدلالة على وقوع الرجعة قبل يوم القيامة كما هو واضح، فإنَّ الحشـر في يوم القيامة يشمل جميع الناس بدون استثناء، وليس البعض منهم كما دلَّت عليه الآية الشـريفة وأشار إليه الإمام الصادق (عليه السلام)) انتهى كلام صاحب المقولة.
ونقول: بما أنَّك استدللت على الرجعة بآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُـرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾، فدلَّ ذلك على أنَّ الرجعة حشـر أصغر كما قالت به الروايات، وقد ثبت فيما تقدَّم أنَّ الحشـر الأكبر (المعاد) يقع على الروح والجسد معاً، فدلَّ ذلك على أنَّ الحشر الأصغر أيضاً يقع على الروح والجسد معاً دون استثناء.
ولو كان غير ذلك (أي لو كانت الرجعة للروح فقط) لكان على الإمام المعصوم أن يُبيِّن ذلك خصوصاً أنَّه في مقام بيان مراده، إذ لو كان المقصود من الحشـر الأصغر (الرجعة) هي الروحية فقط لكان هناك بيان زائد، وحيث إنَّه غير موجود دلَّ على أنَّه غير مقصود، بل القول به بدعة، فتأمَّل.
قال الحرُّ العاملي: (فأمَّا من تأوَّل الرجعة دون رجوع الأشخاص وإحياء الأموات...، هذا غير صحيح، لأنَّ الرجعة لم تثبت بظواهر الأخبار المنقولة فقط حتَّى يتطرَّق لها التأويل...، وإنَّما المقول في إثبات الرجعة على إجماع الإماميَّة على معناها، بأنَّ الله يحيي أمواتاً...، فكيف تطرَّق التأويل على ما هو معلوم...؟)، ثمّ قال: (فإنَّ ثبوت الرجعة من ضروريات مذهب الإماميَّة عند جميع العلماء المعروفين (المصنِّفين المشهورين)، وما كان هذا حاله في أصل ثبوته فالمراد منه لا يحتاج إلى دليل)(٥٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) بحار الأنوار للمجلسي ٥٣: ٥١.
(٥٠) الإيقاظ من الهجعة: ٨١.

(٣٢٢)

بل إنَّ نفس معنى الرجعة المادّية قال به نفس صاحب مقولة الرجعة الروحية ناسباً له إلى الإماميَّة! حيث قال في (ص ١٥): (الرجعة في الاصطلاح: والمراد بها هي الرجوع إلى الحياة الدنيا بعد الممات...، وهي محلُّ بحثنا هذا، فالرجعة عند الشيعة الإماميَّة هي رجوع من محض الإيمان محضاً ومحض الكفر محضاً إلى الحياة الدنيا بعد الموت)!
الفصل الخامس:
هل أنَّ مقولة الرجعة الروحية (التسديد والتأييد) خاصَّة فقط بمن يكونون مع الإمام المهدي (عليه السلام) أم أنَّها عامَّة؟ وهل هي خاصَّة برجوع أرواح الأئمَّة والأنبياء (عليهم السلام) أم تعمُّ أرواح المؤمنين؟
إذن في هذا الفصل سؤالان:
السؤال الأوَّل: هل مقولة التسديد والتأييد خاصَّة بزمن - أو قبل - خروج الإمام المهدي (عليه السلام) أم هي تعمُّ جميع الأزمان؟
السؤال الثاني: هل أنَّ الأرواح التي ترجع لتُسدِّد وتُؤيِّد المؤمنين فقط هي أرواح الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام) أم هي عامَّة؟
الجواب عن السؤال الأوَّل: لقد تقدَّم منّا مفصَّلاً أنَّ معنى التسديد والتأييد هي التقوية، واستشهدنا بأقوال الأئمَّة (عليهم السلام)، وأقوال علماء التفسير لتوضيح معنى الآية: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (المجادلة: ٢٢). واتَّضح أنَّ هذا التسديد والتأييد (الرجعة الروحية) غير خاصٍّ بفترة زمنية معيَّنة، ولا قيد له سوى قيد الإيمان، فهو غير محدَّد الزمان والمكان، ونستذكر معاً ما يُؤيِّد هذا القول بالرواية التي رواها أبو الحسن (عليه السلام)، والتي نقلناها فيما سبق، حيث قال فيها (عليه السلام): «إنَّ الله تبارك وتعالى أيَّد المؤمنين بروح منه تحضـره في كلِّ وقت يحسن فيه ويتَّقي، وتغيب عنه في كلِّ وقت يذنب فيه ويعتدي»(٥١)، وأنت عزيزي القارئ تلاحظ أنَّ الإمام المعصوم (عليه السلام) وفي معرض تفسيره لهذه الآية يُفسِّـر التأييد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١) الكافي للكليني ٢: ٢٦٨.

(٣٢)

بالتقوية، وأنَّه غير خاصٍّ بزمان معيَّن ولا مكان معيَّن، بل هو عامٌّ وشامل لكلِّ من يتَّقي وينطبق عليه وصف الإيمان.
وبذلك يتَّضح أنَّ مقولة التسديد والتأييد ليست هي الرجعة، لأنَّ الرجعة وكما يعرف الجميع خاصَّة بزمن خاصٍّ وأشخاص خاصّين، فهي لها وضع خاصٌّ لا تحصل إلَّا به.
الجواب عن السؤال الثاني: إنَّ الذي تقدَّم منّا في تفسير معنى التسديد والتأييد أنَّ الروح التي تُسدِّد وتُؤيِّد ليست خاصَّة بالأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام)، بل هي عامَّة.
وبذلك يتَّضح جليّاً أنَّه لا موضوعية لأحاديث الرجعة بناءً على تفسيرها بالرجعة الروحية، فتأمَّل.
يقول صاحب الرجعة الروحية في (ص ٩٠٤): (فهذا لا يمكن قبوله مطلقاً، ولكن الأولى والأصحّ أن يكون المقصود من اتِّباع محمّد وعليّ (عليهما السلام) للمهدي (عليه السلام) بالرجعة الروحية، فإنَّ روح النبيِّ المصطفى تكون مع الإمام المهدي (عليه السلام) مسدِّدة ومؤيِّدة، وإنَّ روح الإمام عليّ (عليه السلام) تكون مسدِّدة ومؤيِّدة لوزير المهدي (عليه السلام)، وهذا شاهد ودليل آخر على الرجعة الروحية).
لاحظ عزيزي القارئ هذه المقولة، ثمّ لاحظ المقولة الأُخرى التي يقول بها في (ص ١٨٦): (وهو المهدي (عليه السلام) الذي يكون مسدَّداً ومؤيَّداً بروح جدِّه أمير المؤمنين (عليه السلام)).
ويقول في (ص ١٨٥): (إنَّ دابَّة الأرض هي المهدي المسدَّد بروح الإمام عليّ (عليه السلام)).
ويقول في (ص ١١٨): (ومن ذلك نفهم أنَّ رجعة الحسين (عليه السلام) ليست رجعة مادّية، بل هي رجعة روحية، أي رجوع روحه الطاهرة لتُسدِّد وتُؤيِّد وزير الإمام المهدي (عليه السلام)).

(٣٢)

ويقول في (ص ١٥١): (وهنا لا بدَّ من القول بأنَّ عيسى هو نفسه الحسين، وهما نفسهما اليماني وزير المهدي (عليه السلام)).
فأيُّ تناقض عجيب هذا؟! روح الإمام عليّ (عليه السلام) تُسدِّد المهدي وتُسدِّد اليماني، وروح الحسين (عليه السلام) تُسدِّد اليماني، وروح عيسى (عليه السلام) تُسدِّد اليماني، فاليماني على ذلك له أربعة أرواح: روحه التي كان بها يمانياً، وروح عيسى (عليه السلام)، وروح الحسين (عليه السلام)، وروح الإمام عليّ (عليه السلام)! فقل لي بربِّك من الأفضل الآن اليماني أم المهدي؟! أيُّ عقيدة يدعو هؤلاء الناس للاعتقاد بها؟!
وهنا يحسن أن نردَّ على صاحب هذه المقولة بقوله الذي قال به ردّاً على الرجعة المبدئية، حيث قال في (ص ٨٩): ( كما يرد عليه عدَّة إشكالات، منها: أنَّ الروايات دلَّت على رجوع أشخاص! ولم تشر إلى رجوع مبادئ أو ما شابه ذلك؟! ثمّ لو كان الرجوع هو رجوع المبدأ فلِمَ حُدِّدت الرجعة بآخر الزمان؟ فإنَّ من الممكن أن يظهر أشخاص قبل آخر الزمان يحملون مبادئ عظيمة...).
ونفس هذا الكلام بعينه يرد على الرجعة الروحية، فتأمَّل عزيزي القارئ.
في كيفية التسديد والتأييد:
يُعرِّف لنا صاحب المقولة كيفية حصول التأييد بقوله في (ص ٩٢): (ويكون ذلك، أي تأييد الروح للمؤمن، بخمول روحه الأصلية وهيمنة الروح الراجعة، بحيث تكون فوق المؤمن تُسدِّده وتُؤيِّده).
ويرد عليه:
١ - أنَّ العمل إلى من يُنسَب، إلى الروح الأوَّل أم إلى الثاني؟ ولا يخفى ما فيه من محاذير مانعة عن الالتزام به.
٢ - أنَّك قلت: إنَّ اليماني يُسدِّده ثلاثة أرواح، وهي: أرواح الحسين وعيسى وعليّ (عليهم السلام) مضافاً إلى روحه التي كان بها، فإلى من يُنسَب الفعل؟

(٣٢)

٣ - أنَّ أرواح الأنبياء والأئمَّة معصومة، فهل يصبح الرجل المسدَّد معصوماً أو لا؟
٤ - أنَّ هذا عين التناسخ، حيث عرَّفت التناسخ في (ص ٩٣) بأنَّه (انتقال النفس بعد المفارقة إلى جسم إنساني)، ومعلوم أنَّ روح الحسين (عليه السلام) هي روح مفارق لجسده الطاهر، وأنَّ جسم اليماني هو جسم إنساني آخر، فثبت أنَّك تقول بالتناسخ.
٥ - أنَّ هذا القول يستلزم التناسخ النزولي، لأنَّ روح الحسين (عليه السلام) روح كاملة، وبلغت كمالها من خلال بدنها، فيستحيل رجوعها إلى بدن آخر أقلّ تكاملاً من بدنها الأصلي. وهذا ما يُعرَف عندهم بالحركة الرجعية، التي سوف يأتي الحديث عنها مفصَّلاً.
٦ - أنَّ لازم الكلام الذي يقول به صاحب المقولة (خمول روحه الأصلية وهيمنة الروح الراجعة) - حيث يعترف بوجود روحين تُدبِّران بدناً واحداً - تعلّق نفسين (روحين) ببدن واحد، أحدهما النفس المفاضة على البدن لأجل صلاحيته للإفاضة (النفس الأصلية)، والنفس الأُخرى هي النفس القويَّة المهيمنة التي تُدبِّر البدن، ومن المعلوم بطلان ذلك، لأنَّ تشخّص كلّ فرد بروحه ونفسه، وفرض نفسين وروحين صادق لفرض ذاتين وشخصين ووجودين لوجود واحد وذات واحدة وهو محال، وسوف يأتي توضيح الحال في الفصل القادم.
٧ - ثمّ إنَّنا سنسأل: ما هي الفائدة من أن تُسدِّد ثلاثة أرواح معصومة شخصاً واحداً ألَا يكفي أن يُسدِّد اليمانيَ روحُ الإمام عليّ (عليه السلام)؟
ثمّ على من يقع العقاب إن فُرِضَ تحقّقه من بدن الروح الأصلية؟
ثمّ إنَّه إن قيل: هذا المسدَّد معصوم لأنَّ المهيمن معصوم، قلنا: لا دليل على ذلك.

(٣٢)

وإن قيل: إنَّ هذا المسدَّد غير معصوم، قلنا: هذا ينافي كون الروح المهيمنة هي روح المعصوم، بل هي نفس روح ذلك الشخص، بل لازم ذلك كلّه (الهيمنة من قِبَل روح المُسدَد) أن يكون للشخص حقيقتان، وهو محال.
تعريف التناسخ:
قد بيَّنّا مجموعة من التعريفات للتناسخ في المحور الخاصّ، ونكتفي هنا بذكر واحد من هذه التعاريف يكون وجهاً لنا في تحديد المصاديق وانطباق المفهوم عليها، وهو (تعلّق الروح (النفس) ببدن آخر في الدنيا).
فكلُّ تعلّق لروح (نفس) بغير بدنها في الحياة الدنيا فهو تناسخ، أمَّا تعلّق الروح ببدن آخر في غير هذه الحياة وتحوّل البدن من بدن إلى آخر (مسخ) في هذه الحياة فليس محلّ بحثنا، ومن أراد الوقوف على تفصيل الحال عليه بالرجوع إلى الأسفار(٥٢).
والتناسخ على ثلاثة أقسام:
١ - تناسخ مطلق.
٢ - تناسخ نزولي.
٣ - تناسخ صعودي.
ونشرع الآن ببيان دليل بطلان التناسخ، فنقول: التناسخ يلزم منه:
١ - لزوم اجتماع نفسين على بدن واحد، وهو محال.
٢ - عود النفس بعد تكاملها إلى نقطة البداية، وهو محال.
بيان الدليل الأوَّل:
أنَّ القول بالتناسخ (الرجعة الروحية) يؤدّي إلى القول بأنَّ لكلِّ شخص نفسين (روحين) أحدهما خاصَّة والأُخرى مهيمنة، وهذا ما لا يجده الواحد منّا إن أصغى إلى عقله وفطرته السليمة، بل الواحد منّا يجد بين جنبيه نفساً وروحاً وقلباً واحداً يسند إليها كلَّ الأفعال على اختلافها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٢) الأسفار لصدر المتألِّهين/ ج ٩.

(٣٢)

فيقول: أكلت وشربت وهكذا. وممَّا دلَّ على ذلك من الذكر الحكيم قوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ (الأحزاب: ٤)، يقول العلَّامة الطباطبائي (رحمه الله) عن تفسير هذه الآية: (إنَّ القلب هو كناية عن النفس، والآيات الكثيرة التي تذكر القلب وتريد به النفس في القرآن غير خافية على أدنى من له بصيرة به).
وشاهد ذلك من الذكر الحكيم (أي إنَّ القلوب أُريد بها النفس) قوله تعالى: ﴿قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ (المائدة: ١١٣)، وقوله تعالى: ﴿يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ (الفجر: ٢٧)، فالاطمئنان نزل على النفس، وفي الآية الأُخرى على القلب الذي هو النفس.
والواضح لا يحتاج إلى توضيح.
بيان الدليل الثاني:
١ - أنَّ تعلّق النفس بالبدن ذاتي، بمعنى أنَّه مأخوذ في حقيقتها، فلا تكون النفس نفساً بدون تعلّقها بالبدن.
٢ - لقد ثبت في الفلسفة أنَّ التركيب بين النفس والبدن من نوع التركيب الاتِّحادي البسيط.
٣ - أنَّ ما يتولَّد من ذلك الاتِّحاد هي المواكبة بين النفس والبدن في حركتهما الجوهرية في الخروج من القوَّة إلى الفعل.
النتيجة: فلو أنَّ النفس خرجت من البدن بعد تحقّق فعليتها ثمّ تعلَّقت ببدن آخر لا فعلية له للزم تعلّق بين شيئين لا إمكانية للاتِّحاد بينهما، ويلزم منه عودة النفس التي بالفعل إلى الصفر بسبب تعلّقها بالبدن.
إنَّ تعلّق النفس بالبدن ذاتي، بمعنى أنَّ النفس مأخوذ في حقيقتها تعلّقها ببدن تقوم بتدبيره، وهذا يعني:

(٣٢)

أ - أنَّ تعلّق النفس بأكثر من بدن يعني أنَّ لها أكثر من حقيقة، وهو محال كما تقدَّم في الدليل الأوَّل.
ب - أنَّ هذا القول يلزم منه التناسخ حيث عرَّفناه أنَّه تعلّق نفس واحدة بأكثر من بدن.
توضيح ذلك:
إنَّ حقيقة النفس هي بالبدن الذي تعلَّقت به، وحيث إنَّ النفس في بادئ الأمر تعلَّقت به ثمّ فارقته، وحسب القول بالرجعة الروحية عادت لتدبِّر بدناً آخر أو أكثر من بدن، دلَّ ذلك على أنَّها تنتقل من بدن إلى بدن في الحياة الدنيا، وهو عين التناسخ.
وبعبارة أُخرى: القول بالرجعة الروحية التي تعني انتقال أو تسديد أكثر من روح لبدن واحد، بمعنى أنَّ هناك أكثر من روح تقوم بتدبير بدن واحد، يلزم منه اجتماع أكثر من نفسين على بدن واحد، وهو محال، ويلزم منه التناسخ، حيث تنتقل روح عيسى والحسين والإمام عليّ (عليهم السلام) لتُدبِّر وتهيمن على بدن وروح اليماني، وهو محال أيضاً.
إذن بعد اتِّضاح بطلان تصوير الرجعة الروحية بالتسديد والتأييد المصطلح لأنَّه معنى عامّ والرجعة معنى خاصّ، انحصر تفسيرها بالتناسخ، وهو محال.
أقسام التناسخ:
قسَّم العلماء التناسخ إلى أقسام:
النسخ: ومعناه: انتقال النفس إلى بدن آخر إنساني.
المسخ: ومعناه: انتقال النفس إلى بدن آخر حيواني.
الفسخ: ومعناه: انتقال النفس إلى بدن آخر نباتي.
الرسخ: ومعناه: انتقال النفس إلى بدن آخر جمادي.

(٣٢)

ولكلِّ واحدة من هذه الأقسام الأربعة انقسام إلى الصعودي والنزولي، وهما إمَّا ملكي أو ملكوتي، وهما أيضاً إمَّا وصل أو فعل، وكلُّ واحد منهما إمَّا بروز أو نقل أو تمثيل.
معنى النزولي: وقد عرَّفناه فيما سبق.
معنى الصعودي: وقد عرَّفناه فيما سبق أيضاً.
معنى ملكي: وهو انتقال النفس المفارقة إلى بدن آخر، وهو ما تقول به التناسخية.
معنى الملكوتي: فهو عبارة عن تصوّر النفس بالصورة الأُخروية المناسبة لأعمالها.
معنى الوصل: وهو الانتقال من شيء لآخر في مادَّة واحدة، كانتقال الجماد بالحركة الجوهرية إلى جسم نام ثمّ إلى حيوان ثمّ إلى الإنسان، مثل هذا الانتقال لا محذور فيه، بل هو ممكن وواقع لا ريب فيه فيما إذا كان صعودياً لا نزولياً، حيث يستحيل، لأنَّه عودة من الفعل إلى القوَّة.
معنى الانفصال: وهو الانتقال من شيء لآخر في مواد مختلفة، وهو محال مطلقاً، لأنَّه عودة من الفعل إلى القوَّة(٥٣).
والمهمّ الذي نريد الوقوف عنده هو الأقسام الثلاثة الآتية: النقل، والبروز، والتمثيل.
١ - النقل: وهو أن تتعلَّق النفس بعد المفارقة بالموادِّ المستعدَّة للحياة والقابلة لها، كتعلّق النفس بالنطفة، وهذا لون من ألوان التناسخ المحال الذي يُسمّى بالانفصالي تارةً وبالملكي أُخرى.
٢ - التمثيل: وهو تمثّل الروح بصورة كتمثّل جبرائيل (عليه السلام) بصورة دحية الكلبي، ومحلُّ تفصيله علم الفلسفة.
٣ - البروز: وهو عبارة عن ظهور الروح في البدن الحيِّ، فالبدن الذي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣) بحوث في علم النفس الفلسفي: ٢٢١.

(٣٣)

تظهر فيه النفس هو بدن كامل بالفعل، ولا يلزم من البروز اجتماع نفسين في بدن واحد، بل الروح الواردة على البدن الحيّ تزيد في روحه الخاصَّة شدّةً وقوّةً.
ويتَّضح من خلال هذا البيان: أنَّ المقصود من الرجعة الروحية هو مقولة ملفَّقة بين التناسخ بمعنى النقل، من جهة أنَّ البدن الذي تُرَدُّ عليه الروح ليس متكاملاً وإن كان بالفعل بدن إنسان وليس بالقوَّة. وبين التناسخ بمعنى البروز بصورة أوضح وأجلى، من حيث إنَّ الروح الواردة على البدن الحيِّ تزيد في روحه الخاصَّة شدّةً وضعفاً.
ثمّ اعلم أنَّ كلَّ هذه الأقسام من التناسخ باطلة جملةً وتفصيلاً.
من أدلة بطلان التناسخ إجمالاً كما بيَّنّا:
١ - لزوم اجتماع نفسين على بدن واحد، وهو محال.
٢ - عودة النفس بعد تكاملها إلى نقطة البداية، وهو محال.
٣ - تعدّد الحقيقة تبعاً لتعدّد النفوس، وهو محال.
٤ - أنَّ من أهمّ لوازم القول بالتناسخ هو إنكار المعاد، وبثبوت المعاد يبطل التناسخ.
ومن خلال ما تقدَّم يتَّضح لنا أنَّ مقوِّم التناسخ أمران:
١ - تعدّد البدن، فإنَّ في التناسخ بدنين: أحدهما البدن الذي انسلخت عنه الروح عند موتها (البدن الأوَّل)، والثاني البدن الذي تعلَّقت به الروح وصارت مهيمنة عليه حسب مقولة الرجعة الروحية.
٢ - تراجع النفس الإنسانية من كمالها إلى الحدِّ الذي يناسب بدنها المتعلّق به والمهيمنة عليه(٥٤).
وكلا الأمرين موجودان في مقولة الرجعة الروحية، فثبت أنَّها مقولة تناسخ.
هذا ويلزم من القول بهذه المقولة القول بالجبر، حيث تكون الروح المهيمنة سالبة لحقيقة الروح الخاملة ومتصرِّفة فيها، فتأمَّل وتدبَّر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤) الإلهيات ٤: ٣٠٩، بتصرّف.

(٣٣)

توضيح وتشييد:
قبل الدخول في ردِّ دعاوى مقولة الرجعة الروحية بالتفصيل نودُّ أن نُذكِّر الإخوة القرّاء الكرام بدليل قدَّمناه يُعتَبر من أفضل الأدلَّة على ردِّ مقولة الرجعة الروحية، ولكن سوف نُشيِّد هذا الدليل هنا بمزيد من البيان والتوضيح، فنقول: هنا مقدَّمتان:
المقدَّمة الأُولى:
إنَّه ثبت بما لا يدع للشكِّ مجالاً وقوع الرجعة المادّية (عودة الروح إلى نفس البدن الذي خرجت منه) في كثير من الأُمم السابقة، ومن مصاديق هذه الرجعة المادّية:
أ - قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ (البقرة: ٢٥٩)، والآية واضحة جدّاً في أنَّ الرجعة وقعت على نفس الشخص الذي وقعت عليه الإماتة وأنَّه رجع بروحه وبدنه، ولنفس البدن الذي فارقته الروح.
ب - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: ٥٥ و٥٦)، والآية واضحة في وقوع الموت والبعث عليهم بأشخاصهم وبنفس أبدانهم ثمّ عودتهم كذلك.
ج - قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ (الكهف: ٢٥)، ﴿وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ (الكهف: ١٩)، فالآية تقول: بعثناهم أي أنفسهم بأبدانهم.
المقدَّمة الثانية:
ما رواه نفس صاحب مقولة الرجعة الروحية في (ص ٥٠)، حيث قال: (روى الزمخشـري في الكشّاف عن حذيفة: أنتم أشبه الأُمم سمتاً ببني إسرائيل،

(٣٣)

لتركبنَّ طريقهم حذو النعل بالنعل، والقذَّة بالقذَّة...)(٥٥)، وهذه الأحاديث كثيرة ومعروفة عند المسلمين.
وبعد أن ثبت لنا وقوع الرجعة في الأُمم السابقة فلا بدَّ أن تقع في أُمَّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ إنَّنا مسلمون نؤمن بأنَّ القرآن متجدِّد لا يختصُّ بزمان دون آخر...، فلو قلنا: إنَّ الرجعة لا تكون في أُمَّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) لكان معنى ذلك أنَّ الآيات التي تحدَّثت عن رجعة الأموات إلى الحياة الدنيا بعد الموت قد تعطَّلت...) انتهى كلامه.
النتيجة: حيث إنَّه ثبت من خلال المقدَّمة الأُولى وقوع الرجعة المادّية في الأُمم السابقة، فلا بدَّ أن يثبت من خلال ضمّها إلى المقدَّمة الثانية وقوع نفس الرجعة (المادّية) في هذه الأُمَّة.
قد يقول صاحب مقولة الرجعة الروحية: إنَّ هناك نوعين من الرجعة: مادّية وروحية، والذي تحدَّث عنه الدليل هو الأُولى دون الثانية.
فإنَّنا نقول له: قد تقدَّم منّا سابقاً الجواب على هذا الإشكال، حيث قلنا: إنَّ أحكام الله توقيفية، والرجعة منها، ولا يوجد هذا التقسيم في النصوص الشـرعية، فلا دليل عليه. فضلاً عن أنَّ الظهور والإجماع قائم على القول بالرجعة المادّية، وتفسير الروايات بغير ما هو ظاهر منها دون دليل مرفوض، بل إنَّه بدعة كما تقدَّم.
بقي هنا أن نُشيِّد بناء هذا القول (الرجعة المادّية) بدليل آخر يُؤكِّد المدَّعى ويهدم دعوى الخصم، فنقول:
الدليل الثاني على عدم وجود الرجعة الروحية:
وهو يتركَّب من مقدَّمتين:
المقدَّمة الأُولى:
إنَّ من أهمّ الأدلَّة على الرجعية، والتي ذكرها صاحب دعوى الرجعة الروحية، هو ما ذكره في (ص ٤٥) حيث قال: (نستعرض مجموعة من الآيات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) تفسير الكشّاف ١: شرح ص ٦١٨.

(٣٣)

 التي تدلُّ على وقوع الرجعية في المستقبل:
١ - قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُـرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: ٨٣].
إنَّ الحشـر في يوم القيامة كما هو معروف يكون لكلِّ الأُمم والأقوام من دون استثناء، إلَّا أنَّ هذا الحشـر الذي تتحدَّث عنه الآية يشير إلى حشـر فوج من كلِّ أُمَّة وليس الجميع، فإنَّ حرف (من) للتبعيض أي يُحشَـر البعض من كلِّ أُمَّة وليس كلُّ الأُمَّة، وذلك في الرجعة. وممَّا يُؤكِّد ذلك ما جاء في الروايات الواردة عن أهل بيت النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)) انتهى كلامه، ثمّ ذكر مجموعة من الروايات.
المقدَّمة الثانية:
الثابت بلا شكٍّ أنَّ الحشـر في يوم القيامة هو حشـر مادّي (المعاد الجسماني والروحاني)، وذلك بملاك التركيب الاتِّحادي بين البدن والروح، وهذا ما اتَّفق عليه أهل الحقِّ من المحقِّقين، وأصبح من ضروريات الدين، والآيات والروايات الكثيرة دالَّة على ذلك، منها:
١ - قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ﴾ (محمّد: ١٥).
٢ - قوله تعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها﴾ (النساء: ٥٦).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (يس: ٦٥).
٤ - قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (الحجّ: ٧).
٥ - قوله تعالى: ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ (الأعراف: ٢٥).
٦ - قوله تعالى: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ (طه: ٥٥).

(٣٣)

وغيرها من الدلائل الواضحة على كون المعاد جسمانياً روحانياً وليس واحداً منهما.
النتيجة: بما أنَّ خير دليل على وقوع الرجعة هو آية الحشـر التي تقدَّمت في المقدَّمة الأُولى، وأنَّ الحشـر هذا جزء من الحشـر الأكبر، وأنَّ الحشـر الأكبر هو مادّي (معاد جسماني روحاني)، دلَّ ذلك بما لا يدع للشكِّ مجالاً أنَّ الحشـر الأصغر (الرجعة) هي مادّية لا روحانية، إذ لو كان غير ذلك لبان، وإلَّا لزم الإخلال من قِبَل الهادي ونقض الغرض، وهو محال، فتأمَّل.
إذن ثبت من كلِّ ما تقدَّم:
١ - أنَّ مقولة التسديد لا تنطبق على مقولة الرجعة الروحية، بل تنافيها.
٢ - أنَّ الرجعة قسم واحد، وهو مادّي فقط.
٣ - أنَّ مقولة الرجعة الروحية هي عودة لمقولة التناسخ بلباس جديد.
٤ - أنَّ مقولة الرجعة الروحية مخالفة للقرآن والسُّنَّة القطعية، فهي زخرف ودعوة انحراف.

(٣٣)