الصفحة الرئيسية » البحوث والمقالات » (٦٤) فاز السائرون
 البحوث والمقالات

المقالات (٦٤) فاز السائرون

القسم القسم: البحوث والمقالات الشخص الكاتب: الشيخ حميد الوائلي التاريخ التاريخ: ٢٠١٨/٠١/٣٠ المشاهدات المشاهدات: ١٤٩ التعليقات التعليقات: ٠

فاز السائرون

الشيخ حميد الوائلي

يسعى الإنسان بكلِّ ما أُوتي من طاقة وإمكانات لأن يُسخِّرها قرباً من ملهمه، ربّاً كان أو عبداً، والمؤمنون تدعمهم وتُوظِّف لهم الروايات الشـريفة مخزوناً فكرياً يُنظِّم عملية استثمار الإمكانات وتسخير الطاقات باتِّجاه يُؤمِّن لهم البعد المادّي والمعنوي في حياتهم الدنيا والأُخرى.
وقد ضمنت الشـريعة المقدَّسة لمن يسير وفق تنظيمها وتسخيرها للطاقات البشـرية جملة من الضمانات الكبرى، على رأسها أن يسعد الإنسان في الدنيا، ويفوز في الآخرة. ومن بين ما قدَّمته الشـريعة المقدَّسة من أُسس تُنظِّم مخزونات الإنسان عملية الارتباط والرقيِّ في هذا الارتباط، فالذي يرتبط بالله سبحانه وتعالى من خلال الصلاة، ويستثمر طاقاته وإمكاناته لأجلها سيجد منها طريقاً ميسَّـراً للوصول، ولا يقتصر هذا الطريق على مرتبة واحدة بل سيجد أنَّ لها مراتب كلَّما أعطى لها مزيداً من طاقته وإمكاناته فهي ليست رتبة واحدة يحصل عليها وتنتهي المسألة، وهذا أجمل ما في الشريعة المقدَّسة.
وما أعدَّته الشـريعة للمؤمنين بها يختلف من بين كونه زمانياً أو مكانياً، أو أنَّه يجمع الأمرين معاً, فالحجُّ يُنظِّم طاقة الإنسان لاستثمارها وهو زماني ومكاني، وشهر رمضان كذلك إلَّا أنَّه زماني، وهكذا بقيَّة الشؤون العبادية أو غيرها التي سعت من خلالها الشـريعة المقدَّسة أن توجِد الإنسان الصالح القادر على أن يُنظِّم شؤون الدنيا ويكسب الآخرة.
ومن بين تلك النوافذ التي فتحتها الشـريعة المقدَّسة، مشـرعة الارتباط بالذوات المعصومة وبذل الطاقات البارزة والكامنة في سبيل هذا الارتباط.
واليوم نشهد احياءً لشعيرة لو استثمرت فيها الطاقات بشكل أو بآخر فإنَّها سترتقي بالأفراد الذين يتلبسون بها الى مراتب عليا في سُلَّم الكمال.
وليست هذه الشعيرة المقدَّسة إلَّا السير على الأقدام لبلوغ مرقد سيِّد الشهداء عليه السلام, إذ أنَّ هذا الزمان الخاصّ والمكان الخاصّ انقلبت فيه الموازين اجتماعياً، بل وحتَّى تلك الروايات التي وصلت إلى المؤمنين تؤكِّد هذا الانقلاب, ففي البعد الاجتماعي تجد الناس غير الناس، تجد الكرم المنقطع النظير، والخلق الرفيع، والبذل لكلِّ شيء، والانقطاع عن الدنيا، فتجد كلَّ صفة نبيلة أرادت الشـريعة المقدَّسة إيجادها من خلال الصلاة أو الصيام أو غيرها، تجد أنَّ الحسين عليه السلام قد أوجدها في نفوس سائريه.
وتجد أنَّ الشـريعة المقدَّسة قد نصَّت على أنَّ السائرين في هذا الدرب يصلون إلى مرتبة أنَّ الملائكة لا يُسجِّلون ما يصدر منهم من شرٍّ، بل يُسجِّلون الخير فقط، فعن الصادق عليه السلام أنَّ من أتاه «وكَّل الله به ملكين يكتبان ما يخرج من فيه من خير، ولا يكتبان ما يخرج من فيه من شرٍّ»(كامل الزيارات: ٢٥٥ و٢٥٦/ ح (٣٨٣/٦).)، وأنَّ الضمانات التي قدَّمتها الشـريعة لسائر هذا الدرب - وأقلّها أن لا يرى النار - تؤكِّد على هذا الانقلاب وهذه الثورة.
ولكن هذه الثورة وهذا الانقلاب لا يمكن أن يكون كما غيره من العبادات إلَّا أن يكون وليُّ الأمر حاضراً فيها، وقدوتها وراعيها، فلا بدَّ للسائرين من أن يلتفتوا إلى أنَّ كلَّما يريدون الحصول عليه، وكلَّ ما يُؤسِّسون له، وكلَّما يبذلونه من طاقات وإمكانات، لا يمكن أن يصبَّ في مصبِّه الصحيح إلَّا بأن يلحظوا إلى جنب ذلك أنَّ هذا مقدَّم بواسطة إمام العصـر، وأنَّه لا ينفذ ولا يجري ماؤه إلَّا إذا صُبَّ بين يدي وليِّ الأمر، وتلقّاه بالقبول، وسيتلقاه إذا التفتنا بلا شكٍّ.
فلا بدَّ أن نلتفت إلى أنَّ ما نبغي الحصول عليه انقلاب في ذواتنا، وأن تصبح هذه الذوات قريبة من مراتب العصمة، إذ أكَّدت النصوص الشـريفة على أنَّه لا يُسجَّل في هذا الطريق على السائرين شرٌّ، ولا يُكتَب إلَّا الخير. إنَّ ذلك كلَّه لا بدَّ أن يكون مقروناً بالطاعة المطلقة لوليِّ الأمر وصاحب الزمان عليه السلام، فالصلاة على النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم التي ينبغي أن تكون قريننا الأوَّل في سيرنا الملكوتي هذا، ينبغي أن تُقرَن بتعجيل لفرج مولانا عليه السلام والصدقة والبرُّ وحبُّ الخير وقضاء الحوائج، كلُّ ذلك - فضلاً عن العبادات الواجبة - يجب أن نلتفت أنَّها نوافذ أُريد بها الوصول إلى مرتبة من الطاعة للإمام عليه السلام نصير معها مقبولين لديه، فإذا قُبلنا عنده عليه السلام قُبلنا عند الله سبحانه وتعالى. وهذا هو الفوز الذي يتمنّى كلُّ سائر أن يحظى به ويرجع إلى محلِّه، وقد اطمأنَّت نفسه بأنَّ حاله قد تغيَّر نحو الخير، وأنَّه قد غُفِرَت له مقترفاته السابقة، وسيتجنَّب تلك الشـرور بفضل هذا السير في المستقبل. وأنَّ كلَّ هذه العملية وهذه الحالة التي مرَّ بها إنَّما كانت كذلك بفعل قربه من الإمام عليه السلام واستحضاره لوجوده، وإلَّا دون ذلك فهي بلا شكٍّ لا تعدو كونها حركة كسائر الحركات وسيراً كسائر مسيرنا، إن لم يُؤخِّرنا فلا يُقدِّمنا.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 
شبكة المحسن عليه السلام لخدمات التصميم

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2017