فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي عليه السلام
 كتب أخرى

الكتب المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي عليه السلام

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ علي الكوراني تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٨ المشاهدات المشاهدات: ١٤٥٥٢ التعليقات التعليقات: ٠

المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي عجّل الله فرجه

بقلم: علي الكوراني العاملي
الطبعة الثانية ١٤٢٧

فهرس الكتاب

مقدمة
الفصل الأول: الخطر الأكبر على الأمة.. الأئمة المضلون
١ - الأئمة المضلون هم الخطر على الأمة وليس الدجال
٢ - الأئمة المضلون يسفكون دماء العترة
٣ - محاولات تبرئة الصحابة وتأخير الوعد النبوي بالمضلين
٤ - إن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم
٥ - تطبيق أمير المؤمنين عليه السلام للأئمة المضلين
٦ - تطبيق عُبَادَة بن الصامت رحمه الله للأئمة المضلين
٧ - نصَّ النبي صلى الله عليه وآله على أن الأئمة المضلين من صحابته
٨ - وقال عمر إن النبي صلى الله عليه وآله أسرَّ اليه التحذير من الأئمة المضلين
٩ - وجاء النبي صلى الله عليه وآله الى بيت عمر ولعلها المرة الوحيدة
١٠ - سبب ابتلاء الأمة بهؤلاء الأئمة المضلين
١١ - أحاديث الشجرة الملعونة في القرآن تفسر المضلين
١٢ - حديث: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ينفعنا ولا يصح عندنا
١٣ - استمرار حكم الأئمة المضلين وأتباعهم حتى ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
الفصل الثاني: ضخموا خطر الدجال للتغطية على الأئمة المضلين
١ - الدجال من وجهة نظر أهل البيت عليهم السلام
٢ - أحاديث الدجال في مصادر السنيين غابة متناقضة
سماه اليهود المسيح الدجال بغضاً بالمسيح
خالفوا النبي صلى الله عليه وآله وجعلوا الدجال أخطر من الأئمة المضلين
وجعلوا للدجال قدرات أسطورية
الدجال عند بخاري، وأفضل ما رواه في الدجال
٣ - عقيدة اليهود في الدجال
الدجالون اليهود نشروا الأسطورة والخوف من الدجال
زعموا أن جميع الأنبياء عليهم السلام حذروا من الدجال
زاد تضخيمهم للدجال في حجة الوداع وبعدها
استمر خوف الناس من الدجال حتى طبقوه على المغول
٤ - كعب الأحبار أكبر أبطال التحريف في عقيدة الدجال
جعل كعب حركة الدجال حركة عربية
جريمة كعب ورواة الخلافة في تشويه مستقبل الأمة
زعم كعب أن اليهود يفتحون القسطنطينية
كعب يخوِّف المسلمين بالدجال إن فتحوا القسطنطينية
كعب يرد على النبي صلى الله عليه وآله وأتباع الخلافة يطيعونه
رد أهل البيت عليهم السلام على مكذوبات كعب في الدجال
كعب يربط فتح القسطنطينية بقيام الساعة
٥ - عقيدة الدجال التي نشرها تميم الداري
٦ - عقيدة الدجال التي نشرها عمر بن الخطاب
عبد الله بن عمر وحفصة يؤكدان عقيدة أبيهما
خمس ملاحظات على عقيدة الدجال عند عمر
٦ - روى علماؤنا حديث ابن صياد غير منقوص وردوا عليه
٧ - تحير علمائهم وجهالهم بين دجال تميم ودجال عمر
٨ - محنة المسكين عبد الله بن صياد وحفيده عمارة الإمام عندهم
٩ - أحاديث في الدجال يمكن أن تكون صحيحة
أنه من يهود المشرق أو يهود أصفهان
أتباعه اليهود وأولاد الحرام
المدينة ومكة محرمتان عليه
الكذابون قبل الدجال
من لم يؤمن بدجال كعب فقد كفر
ختام في دابة الأرض ويأجوج ومأجوج
آية دابة الأرض التي تكلم الناس
دابة الأرض في مصادر السنيين
أنواع المبالغات والإسرائيليات
رواية أن علياً دابة الأرض ورواية نفي ذلك
آيات يأجوج ومأجوج
نموذج من مبالغاتهم في يأجوج ومأجوج
الفصل الثالث: الطائفة الثابتة حتى يظهر إمامها المهدي عليه السلام
الغرباء والطائفة الثابتة حتى يظهر إمامها المهدي عليه السلام
من أحاديثهم في الطائفة الظاهرة أو المنصورة
أحاديث مكذوبة ومحرفة لمدح معاوية وأهل الشام
ومثلها في مدح سكان بيت المقدس وحوله
ومثلها في مدح أهل الطالقان
ومن مكذوبات اليهود في تفضيل بلاد الشام
أحاديث الغرباء وغربة الإسلام في مصادر الطرفين
مجددو الإسلام
من هم الغرباء والطائفة المنصورة
حديث بعثت بين جاهليتين
الفصل الرابع: الفتن الموعودة في هذه الأمة
١ - تحذير النبي صلى الله عليه وآله لأمته من الفتن بعده مباشرة
٢ - الفتنة العالمية وامتلاء الأرض بالظلم والجور من الجبارين
٣ - استغلال رواة الخلافة أحاديث الفتن
ثلاث ملاحظات في توظيفهم أحاديث الفتن لمقتل عثمان وحرب الجمل
٤ - أهل البيت عليهم السلام أمان الأمة وسفينة النجاة من الفتن
٥ - اختلاف الروايات في عدد الفتن في هذه الأمة
٦ - الفتن المتصلة بظهور المهدي عليه السلام
حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم
يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل
يكون على تظاهر العمر وانقطاع من الزمان
إذا كثرت الشرط وملكت الإماء
فتنة كلما قيل انقطعت تمادت
شر الفتن كلها تكون قبل ظهوره عليه السلام
٧ - فتنة كنز الكعبة وجبل الذهب
أربع ملاحظات حول كنز الكعبة وظهور المهدي من المشرق
٨ - الفتنة التي تكون بعد موت الخامس من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله
٩ - الفتنة في العقيدة بعد فقدان الخامس من ولد السابع
ملاحظتان حول الأوصياء واليماني
١٠ - تربية الشيعة على مواجهة الفتن وانتظار الإمام المهدي عليه السلام
١١ - فتنة بلاد الشام قبل ظهور المهدي عليه السلام
١٢ - شدة الفتنة قبل ظهور المهدي عليه السلام وحدث يكون في الحجاز
١٣ - نصوص كثيرة تشبه الأحاديث وليست بها
الفصل الخامس: ذم حكام السوء وعلماء آخر الزمان
١ - علماء السوء أتباع الأئمة المضلين
الفصل السادس: النبي صلى الله عليه وآله يبشر الأمة بالمهدي عليه السلام من عترته
المهدي من عترتي إسمه إسمي وكنيته كنيتي
المهدي عليه السلام حتمي ودولته العالمية حتمية
المهدي حق وهو من ولد فاطمة عليها السلام
النبي صلى الله عليه وآله يبشر فاطمة الزهراء بالمهدي عليهما السلام
النبي صلى الله عليه وآله يبشر علياً بالمهدي عليهما السلام
النبي صلى الله عليه وآله يبشر الحسين بالمهدي عليهما السلام
وكذلك بشَّر عليٌّ ولده الحسين عليهما السلام
ابتكار النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام أساليب جديدة في التحديد
الإمام الكاظم عليه السلام يشرح حديث جده صلى الله عليه وآله
أمير المؤمنين عليه السلام: يبشر بالمهدي الحادي عشر من ولده
الإمام الحسين عليه السلام يبشر بالمهدي التاسع من ولده
الإمام زين العابدين عليه السلام: كأني بصاحبكم قد علا فوق نجفكم
الإمام الباقر عليه السلام: قائمنا السابع من ولدي
الإمام الصادق عليه السلام يبشر بالمهدي السادس من ولده
الإمام الكاظم عليه السلام: القائم هو الخامس من ولدي
الإمام الرضا عليه السلام يبشر بالمهدي الرابع من ولده
الفصل السابع: الإمام المهدي عليه السلام خاتم الأوصياء
قال النبي صلى الله عليه وآله: بنا فتح الله وبنا يختم
وما من سِرٍّ إلا والمهدي عليه السلام يختمه
أمير المؤمنين عليه السلام: بنا فتح وبنا يختم لا بكم
خاتم الأوصياء من ذرية خاتم الأسباط
وبمهدينا تنقطع الحجج
الإمام العسكري عليه السلام: هو خاتم حجج الله وآخر خلفائه
الإمام العسكري عليه السلام لولده: وأنت خاتم الأئمة الطاهرين
الإمام المهدي عليه السلام: أنا خاتم الأوصياء وبي يرفع الله البلاء
الفصل الثامن: تحريف البشارة النبوية وادعاء المهدية
١ - قال النبي صلى الله عليه وآله (من عترتي) فجعلوها (من أمتي)
٢ - غيروا (إسمه إسمي) الى (يواطي اسمه اسمي)
٣ - أضافوا الى النص النبوي: (واسم أبيه إسم أبي)
٤ - (من وُلْد الحسين) جعلوها (من وُلْد الحسن)
٥ - معاوية أول من ادعى أنه المهدي الموعود
٦ - موسى بن طلحة ثاني من ادعى أنه المهدي الموعود
٧ - ادعى الحسنيون مهدوية محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى
٨ - كذب العباسيون على النبي صلى الله عليه وآله وزعموا أن المهدي عليه السلام منهم
تحريفهم حديثاً صحيحاً
كذب المنصور فادعى أن ابنه المهدي
واعترف هارون الرشيد بكذبة أبيه وجده
٩ - اثنا عشر كذاباً سيدعون المهدية قبيل ظهور الإمام عليه السلام
الفصل التاسع: من صفات الإمام المهدي عليه السلام البدنية والمعنوية
أجلى الجبهة أقنى الأنف أفلج الثنايا
شيخ السن شاب المنظر لا يهرم بمرور الأيام
أبيض اللون، مشرب بحمرة، مبدَّح البطن
غائر العينين مشرف الحاجبين عريض ما بين المنكبين
إسمه إسمي وشمائله شمائلي
سيرة المهدي عليه السلام في ملبسه
رد صفة أزْيَلُ الفخذين
من صفاته المعنوية عليه السلام: يعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي
قد لبس للحكمة جنتها وأخذها بجميع أدبها
يطبق القرآن ويعلمه للناس كما أنزل
الشريد الطريد الفريد الوحيد المفرد من أهله
معه راية النبي صلى الله عليه وآله ومواريثه ومواريث الأنبياء عليهم السلام
يُظهر القرآن بخط علي عليه السلام
معه عهدٌ معهود من النبي صلى الله عليه وآله
وهو ساقي الأمة في المحشر

وهو الصراط السوي
وهو صاحب ليلة القدر
وهو بقية الله في أرضه
وهو الكوكب الدري والنور الإلهي في الآية
وهو المهدي من ربه، والأئمة عليهم السلام هم السبع المثاني
له سيف مذخور من جده عبد المطلب رحمه الله
يجتمع أبناء الزهراء عليها السلام في العالم على تأييده
يقاتل على السنة ويكمل مهمة جده المصطفى صلى الله عليه وآله
حرفوا كتاب الفتوحات وحذفوا نسب الإمام المهدي عليه السلام
تنتهي التقية بظهوره عليه السلام
الفصل العاشر: مقام الإمام المهدي عليه السلام عند الله تعالى
المهدي عليه السلام أحد سبعة سادة أهل الجنة
الإمام المهدي عليه السلام مختارٌ مصطفى من ربه
المهدي عليه السلام محدثٌ تحدثه الملائكة
أخذ الله الميثاق للمهدي عليه السلام
المهدي عليه السلام أحد أربعة أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله بحبهم
تُرافقهُ غمامةٌ تُظِلُّه وفيها ملَك
تظهر على يده معجزات الأنبياء عليهم السلام
حتى المتعصبين لأبي بكر وعمر فضلوه عليهما
الفصل الحادي عشر: مدة ملك الإمام المهدي عليه السلام وما يكون بعده
تفاوت الروايات في مدة حكم المهدي عليه السلام
ست ملاحظات حول مدة حكمه عليه السلام
عظمة الملك الذي يعطيه الله لوليه المهدي عليه السلام
هل يقتل الإمام عليه السلام أم يموت طبيعياً
جريمة كعب ورواة الخلافة في تشويه صورة المستقبل
وزعم كعب وتلاميذه أن شخصاً مخزومياً ويمانياً يملكان بعد المهدي عليه السلام
يماني كعب يكون بعد المهدي عليه السلام ويُبيد قريشاً
يحكم بعد المهدي عليه السلام اثنا عشر من ولده
ملاحظتان حول ما يكون بعه عليه السلام
الفصل الثاني عشر: أصحاب الإمام المهدي عليه السلام
١ - أصحابه الخاصون في غيبته: عمل الإمام المهدي عليه السلام في غيبته
أصحاب المهمات الخاصة مع الإمام المهدي عليه السلام
هل لجبل رضوى علاقة بالإمام عليه السلام وأصحابه
الخضر من أصحاب المهدي عليهما السلام
وربما كان نبي الله إلياس من أصحابه عليهما السلام
أصحاب الكهف أعوان المهدي عليه السلام
ملاحظتان حول أصحاب الكهف
من أصحاب المهدي عليه السلام سبعة علماء من بلاد شتى
النفس الزكية الشهيد في ظهر الكوفة من علامات المهدي عليه السلام
النفس الزكية الشهيد في المدينة من علاماته عليه السلام
النفس الزكية في مكة من أصحابه عجل الله تعالى فرجه الشريف
٢ - أصحاب المهدي عليه السلام الخاصون الثلاث مئة وثلاثة عشر: مقام أصحاب الإمام المهدي عليه السلام
لم يسبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون
يجمعهم الله من أنحاء الأرض في ليلة واحدة
وهم الأمة المعدودة في القرآن
وهم الموعودون بالإستخلاف والتمكين في الأرض
وهم الموعودون بوراثة الأرض
وهم القوم الموعودون في الآية: فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ..
وهم الركن الشديد للإمام المهدي عليه السلام
وهم المظلومون المأذون لهم بالقتال
وهم وإمامهم عليه السلام وعد الآخرة لليهود
وهم المنتصرون في الآية
وهم من المتوسمين في الآية
يجمعهم الله من المشرق والمغرب وأقاصي الأرض
منهم أبدال الشام ونجباء مصر وعصائب العراق
أصحاب الإمام المهدي عليه السلام فيهم خمسون امرأة
يتجمَّعون في المسجد الحرام
يبايعون المهدي عليه السلام بين الركن والمقام
الأذان الأكبر دعوة المهدي عليه السلام العالم إلى إمامته
يبعثهم المهدي عليه السلام حكاماً على العالم
٣ - أصحابه الذين يتحرك بهم من مكة
حركة الإمام عليه السلام الى العراق
تجري في أصحاب المهدي عليه السلام سنة أصحاب طالوت عليه السلام
امتحان الإمام المهدي عليه السلام لأصحابه
٤ - أصحاب الإمام عليه السلام الذين يُحْيَوْنَ من قبورهم
رجعة ٢٧ رجلاً إلى الدنيا لنصرة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف
سلمان الفارسي من أنصار المهدي عليه السلام
رجعة المؤمنين الذين هم أهلٌ لنصرة الإمام المهدي عليه السلام
عجباً كل العجب بين جمادى ورجب
٥ - للإمام المهدي أنصار من الكواكب الأخرى
نقد مقولة أن الإمام عليه السلام ينتظر وجود أصحابه
شبهة أن ظهوره متوقف على امتلاء الدنيا جوراً
هل صحيح أن أصحاب المهدي عليه السلام أكثرهم من غير العرب
أحاديث لم يثبت سندها تُسَمِّي أصحابه عليه السلام
الفصل الثالث عشر: أحاديث الأبدال في مصادر أتباع الخلافة
تحريف رواة الخلافة لمفهوم الأبدال
ثم زادوا عددهم الى أربعين وستين وثمانين
ثم جعلوهم خمس مئة
في كل تحريف ابحث عن كعب
وقالوا إن الأبدال خلفاء الأنبياء عليهم السلام وإنهم عجمٌ لا عربَ فيهم
وقالوا علامة أحدهم أن يكون عقيماً
في عقيدة الأبدال وقعوا في عقيدة الإمامة الربانية
الفصل الرابع عشر: ينصر الله الإمام المهدي بالملائكة عليهم السلام
ينادي جبرئيل باسم المهدي واسم أبيه عليهما السلام
ينصره الله بملائكة بدر
أول من يبايعه جبرئيل عليهما السلام ثم تأتيه أجناد الملائكة
ينصره الله بالملائكة الذين نزلوا لنصرة الحسين عليهما السلام
ينصره الله بثلاثة عشر ألف من الملائكة
مع المهدي عليه السلام راية النبي صلى الله عليه وآله وملائكتها
في مقدمته جبرئيل وفي ساقته إسرافيل عليهم السلام
الفصل الخامس عشر: فضل المؤمنين الثابتين في غيبته عليه السلام
أيها المستعجلون: إن الله لا يعجل لعجلة العباد
النبي صلى الله عليه وآله: بعدي يجيء زمن الصبر
روح الانتظار والأمل من الفرج
الخطأ في الأمل لا يضر، واليأس كله خطأ
فضل المؤمنين المنتظرين لظهوره عجل الله تعالى فرجه الشريف
الأئمة يهدئون اندفاع شيعتهم ويعلمونهم انتظار الفرج
أمير المؤمنين عليه السلام: لا تيأسوا من رَوْح الله
الإمام الباقر عليه السلام: المنتظر المحتسب كالمجاهد مع الإمام عليه السلام
المنتظر المخلص في ولائه من أهل الجنة
الإمام الصادق عليه السلام: طوبى لمن تمسك بأمرنا في غيبة قائمنا
الإيمان في دولة الباطل أفضل منه في دولة الحق
الأرض لا تخلو من مؤمنين كاملين كأصحاب الإمام عليه السلام
لا فرق على المؤمن إن مات قبل ظهور الإمام عليه السلام أو بعده
المؤمن شهيد وإن مات على فراشه
المنتظرون له هم الصادقون في الآية
نَفَسُ المهموم لنا تسبيح
قلة عدد المؤمنين في زمن الغيبة
فأولئك معنا ونحن منهم
ذلك من رفقائي وذوي مودتي
رجعة بعض المؤمنين إلى الدنيا
رجعة بعض الشهداء والمؤمنين إلى الدنيا
أهمية الاستعداد حتى الشكلي لنصرة الإمام المهدي عليه السلام
سنة الله في غربلة أجيال المؤمنين وتصفية الشيعة
التقية واجبة الى ظهور الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف
الفصل السادس عشر: بلاد العرب في عصر ظهور المهدي عليه السلام
مدح العرب وذمهم في مصادر الحديث
الفصل السابع عشر: مصر في عصر ظهور الإمام المهدي عليه السلام
نجباء مصر من وزراء الإمام المهدي عليه السلام
يدخل الإمام المهدي عليه السلام مصر ويجعلها مركز إعلامه العالمي
الفصل الثامن عشر: بلاد الشام في عصر الظهور
بلاد الشام وحركة السفياني
السفياني يخرج سنة ظهور المهدي عليه السلام
بداية حركته بعد خروج الأبقع على الأصهب وزلزال
وحشُ الوجه ضخم الهامة أحمر أزرق
السفياني من أولاد معاوية
السفياني من المحتومات التي لابد منها
السفياني يحكم سوريا والأردن نحو سنة
الناجون من اتِّبَاع السفياني في بلاد الشام
فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا
محاولاتهم إحراج الإمام الصادق والإمام الرضا عليهما السلام
تأثير أحاديث السفياني على أتباع الأمويين
معركة قرقيسيا
الفصل التاسع عشر: الحجاز في عصر الظهور
أحداث الحجاز قبل ظهور المهدي عليه السلام
اختلاف بني فلان والهدة بين الحرمين
موت حاكم في موته فرج الناس جميعاً
نارٌ في شرقي الحجاز
جيش السفياني في الحجاز
عدد جيش السفياني ومكان الخسف به
الآيات النازلة في معجزة الخسف بالجيش
الغلام أو النفس الزكية الذي يقتل في المدينة
النداء السماوي من مصادر السنيين
النداء السماوي في أحاديث أهل البيت عليهم السلام
هو الآية التي تظل أعناقهم لها خاضعين
أبو جعفر المنصور يروي حديث النداء
النداء من المحتومات الإلهية يسمعه جميع الناس بلغاتهم
النداء هو الصيحة بالحق
يأتي في ظروف ضاغطة على المسلمين
وفي ظروف شديدة على الشيعة
يكون النداء على أثر قتال في الحجاز
ويؤمر الإمام عليه السلام في النداء بالقيام
معنى أن الإمام عليه السلام يبايع على كره منه
النداء في سنة زوجية في ليلة ٢٣ رمضان
علامة ظهوره عليه السلام سراج يطفأ ويشع بدله نوره عليه السلام
تكون قبل النداء آية في رجب
بعد نداء جبرئيل عليه السلام ينادي الشيطان بنداء مضاد
وهو غير الصوت الذي يأتي من قِبَل الشام
خمس ملاحظات حول موقف الغربيين من النداء السماوي
الفصل العشرون: شريط حركة الظهور المقدس
بيعة المهدي عليه السلام على أثر موت الحاكم وصراع القبائل
يصلح الله أمر المهدي عليه السلام في ليلة
يوم المهدي عليه السلام أحد أيام الله الثلاثة
لقاء الإمام عليه السلام بأصحابه الأبرار
الحركة الاختبارية شهادة النفس الزكية
يظهر الإمام عليه السلام في وتر من السنين
بداية ظهور عليه السلام يوم الجمعة تاسع محرم
يظهر عليه السلام يوم عاشوراء يوم سبت
رواية أن يوم عاشوراء يصادف يوم النوروز
بيان الإمام الأول الى أهل مكة
بيان الإمام عليه السلام العالمي يوم عاشوراء
وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ
يمكث الإمام عليه السلام في مكة طويلاً ثم يسير الى المدينة
ماذا يفعل الإمام عليه السلام في المدينة
يطرح الإمام المهدي عليه السلام قضية أبي بكر وعمر في المدينة
ردة فعل النواصب والبترية على عمل الإمام عليه السلام
الفصل الحادي والعشرون: العراق في عصر الظهور
العراق عاصمة دولة العدل الإلهية
ضعف رواية جفاف الفرات
ضعف روايات خراب بغداد
روايات الفريقين حول البصرة
إخبار أمير المؤمنين عليه السلام عن ثورة الزنج بالبصرة
روايات غرق البصرة
روايات خراب البصرة
الشيصباني طاغية العراق قبل السفياني
رواية الحسني
عوف السلمي الذي يخرج قبل السفياني
أزمة الجوع والخوف الذريع والقتل الفظيع قرب ظهوره عليه السلام
نزول قوات الروم الغربية في العراق
هدم سور مسجد الكوفة
قوات السفياني أو القوات السورية في العراق
هل الزرقاوي هو صاحب السفياني
ضعف رواية دخول جيش السفياني الى إيران
ضعف رواية معركة اصطخر قرب الأهواز
دخول الإمام عليه السلام الى العراق واتخاذه عاصمة له
يدخل العراق وفيه ثلاث رايات قد اضطربت فيما بينها
ينزل الإمام عليه السلام في النجف أولاً
أربع ملاحظات على أحاديث دخوله النجف
الإمام المهدي عليه السلام هو الآخذ بثأر الحسين عليه السلام
الخوارج على الإمام عليه السلام
البتريون أول الخوارج عليه
آخر خارجة تخرج عليه من المقدادية في بعقوبة
تصفية الإمام عليه السلام للعراق وتطهيره من أعدائه
عاصمته عليه السلام الكوفة ويكون لكربلاء شأن عظيم
بيت الإمام عليه السلام الشخصي في منطقة مسجد السهلة
الفصل الثاني والعشرون: قسوة أعداء الإمام المهدي عليه السلام وشدته عليهم
لا بدَّ من استئصال الغُدة السرطانية
شدة الإمام عليه السلام على القساة المعاندين
يبدأ بقتل كذَّابي الشيعة
هيبة الإمام عليه السلام ورعب أعدائه منه
ذل أعداء الإمام عليه السلام
خط بني أمية وبني العباس يستمر الى ظهوره عليه السلام
يقيم حدَّ الله تعالى على كثير من المنافقين
الفصل الثالث والعشرون: الإيرانيون في عصر الظهور
كثرة الأحاديث السُّنِّية في مدح الإيرانيين
الإيرانيون أول ثلاث فئات ممهدة للمهدي عليه السلام
حديث أن أمر المهدي عليه السلام يبدأ من إيران
حديث أصحاب الرايات السود وأهل المشرق
أحاديث نظن أنها أجزاءٌ من حديث الرايات السود
الخراساني قائد إيران وشعيب قائد جيشها
ضعف رواية دخول الإمام المهدي عليه السلام إيران قبل العراق
روايات مصادرنا في الخراسانيين وأصحاب الرايات السود
بعض ما جاء في فضل قم
حديث أتاح الله لأمة محمد صلى الله عليه وآله برجل منا أهل البيت
الفصل الرابع والعشرون: اليمانيون في حركة ظهور الإمام المهدي عليه السلام
مدح اليمانيين في مصادر المسلمين
نماذج من تخريبهم لشخصية اليماني والمهدي عليه السلام
من أحاديث أهل البيت عليهم السلام في اليماني وأنه من المحتومات
رايته أهدى الرايات وخروجه في رجب
المصري واليماني الأول
كاسر عينه بصنعاء
قيل إسم اليماني حسن أو حسين
رواية يخرج المهدي من كرعة واليماني من يكلا
الفصل الخامس والعشرون: فلسطين ومعركة القدس في عصر الظهور
أوصاف آخر فتنة في الأمة تنطبق على فتنة فلسطين
من علامات الظهور نزول الروم بفلسطين
السفياني يملك فلسطين والكور الخمس
حديث حركة رايات خراسان الى القدس
معركة دمشق والقدس الموعودة
حركة الإمام عليه السلام من العراق الى الشام والقدس
يعسكر الإمام عليه السلام في مرج عذراء قرب دمشق
يهزم الله على يديه السفياني ويهزم الروم
الضغط الشعبي على السفياني لكي يبايع الإمام عليه السلام
رواية أن الإمام عليه السلام ينزل بيت المقدس
رواية جبار قريش الذي ينزل بيت المقدس
ثلاث ملاحظات على روايات معركة دمشق والقدس
تأثير انتصار الإمام الكاسح ودخوله القدس
مدة حروب الإمام عليه السلام ثمانية أشهر
رد رواية أن المهدي عليه السلام ينتصر بدون قتال
الفصل السادس والعشرون: اليهود والمعركة معهم في عصر الظهور
الآيات في دور اليهود في عصر الظهور
المعركة الموعودة بين اليهود والمسلمين
الإمام عليه السلام يطهر بلاد العرب من اليهود
من يسلم من اليهود على يد الإمام عليه السلام
تابوت السكينة
كشف الهيكل
رايات خراسان نحو القدس
الفصل السابع والعشرون: نزول عيسى من السماء ونصرته الإمام المهدي عليهما السلام
آيات نزول عيسى عليه السلام
أحاديث نزول عيسى عليه السلام من مصادر أتباع الخلافة
أحاديث نزول عيسى عليه السلام من مصادرنا
حساسية رواة الخلافة من بعض أحاديث نزول المسيح عليه السلام
رووا أن من يقتل الدجال عيسى وروينا أن المهدي عليه السلام يقتله
أبو هريرة كان يأمل أن يدرك نزول عيسى عليه السلام
زعموا أن المسيح يدفن مع النبي صلى الله عليه وآله
أهم المسائل في نزول عيسى عليه السلام:
المسألة الأولى: أين ينزل عيسى عليه السلام
الثانية: محاولة إنكار اقتدائه بالمهدي عليهما السلام
الثالثة: تأثير عيسى عليه السلام في الشعوب المسيحية
الرابعة: في مدة بقائه عليه السلام في الأرض
الفصل الثامن والعشرون: الروم في عصر الظهور وبعده
الروم ودورهم في عصر الظهور
كثرة المكذوبات حول الروم
أقوى النصوص حول الروم في عصر المهدي عليه السلام، استثارة الروم على المسلمين
مجيء الروم إلى السواحل وخروج أهل الكهف
بعض أعداء المهدي عليه السلام يهربون إلى بلاد الروم
أحاديث الصلح بين الإمام المهدي عليه السلام والروم
تخريبهم حديث الصلح مع الروم وزيادتهم فيه
معنى أن الإمام المهدي عليه السلام يفتح المدينة الرومية بالتكبير
يحتج عيسى عليه السلام على الروم بالإمام المهدي عليه السلام
يبعث المهدي عليه السلام بقتال الروم في الملحمة
أشد الناس عليكم الروم
خزي الروم بعد الملحمة العظمى
يتعايش الإمام عليه السلام مع النصارى ويقبل منهم الجزية
المزيد من خيالات كعب ورواته عن الملحمة العظمى
زعموا أن الملحمة مع الروم نهاية الأمة الإسلامية
وقت الملحمة العظمى ومكانها بتخيل كعب وتلاميذه
وزعموا أن معقل المسلمين أي قاعدتهم تكون دمشق
زعم كعب أن الملحمة بين الروم واليهود فصار كذبه حديثاً نبوياً
وقال كعب يهرب ثلث المسلمين فصار كذبه حديثاً نبوياً
وكذبوا على حذيفة ما لم يثبت عنه وجعلوا الإمام المهدي عليه السلام موظفاً عند اليهود
القدر المتيقن من معركة الإمام عليه السلام والروم
دور اليمانيين والخراسانيين في ملحمة الإمام مع الروم
الفصل التاسع والعشرون: الترك في عصر ظهور المهدي عليه السلام
المقصود بالترك في أحاديث عصر الظهور
الفصل الثلاثون: معالم دولة العدل الإلهي على يد الإمام المهدي عليه السلام
الطور الجديد للحياة البشرية على يد الإمام عليه السلام
يلهم الله الإمام المهدي عليه السلام العلوم
يتغير نوع الطاقة والإضاءة في عصر الإمام عليه السلام
ويتصل أهل الأرض بأهل الكواكب الأخرى
تطور الحياة في عصره عليه السلام ورؤية المؤمنين للملائكة
المؤمن في عصر الإمام عليه السلام يُحيي الموتى بإذن الله
المرحلة الأولى قبل الرخاء في عصره عليه السلام
يجمع كنوز الأرض ويخطب في الناس
يحيي الله به الأرض بعد موتها
في سنة ظهوره عليه السلام تمطر السماء ٢٤ مطرة
يحثو المال للناس حثياً بدون عدٍّ
يشمل الغنى كل الناس فلا يقبل أحد صدقة
ينعم الناس في زمانه حتى يتمنى الأحياء الأموات
يوزع الإمام عليه السلام الأراضي من جديد
يسع عدله والرخاء في عصره البَرَّ والفاجر
رحيمٌ بالمساكين شديدٌ على المسؤولين
الضمان الاجتماعي والاقتصادي وتعميم الثقافة
شعبية الإمام القوية وحب الأمة له عليه السلام
عمران بلاد العرب وما بين مكة والمدينة
مسجد الجمعة العالمي بين الكوفة وكربلاء
ارتقاء الوضع الصحي والروحي
يُقَسِّمُ العالم الى٣١٣ ولاية
يقضي أصحابه بعلمهم الرباني بدون شهود
من حكام الولايات خمسون امرأة
وقد تكون إدارة الولايات بالانتخاب
يصل العالم الى مجتمع اللا نقد
يصحح الإمام عليه السلام هندسة المساجد والمشاهد
ينظم الإمام عليه السلام موسم الحج وقوانين السير
يطبق أحكاماً شرعية بعهد من جده المصطفى صلى الله عليه وآله
يُحَرِّمُ ربح المؤمن على أخيه المؤمن
يشدد على العصاة لعدم حاجتهم الى الحرام
تصطلح في عصره السباع والمؤذيات
لا يعود الظلم بعده أبداً
الفصل الحادي والثلاثون: كيف أعد النبي صلى الله عليه وآله والعترة الأمة لغيبة الإمام عليه السلام؟
إعداد النبي صلى الله عليه وآله الأمة لتحمل غيبة الإمام عليه السلام
أن المهدي عليه السلام مثل ذي القرنين يظهر بعد غيبة
يغيب عنكم كغيبة موسى عن قومه
تشبيه غيبته عليه السلام بموت عزير ثم إحيائه
أهل بيتي كنجوم السماء كلما غاب نجم طلع نجم
المهدي وغيبته عهد معهود من الله الى نبيه صلى الله عليه وآله
غيبة الإمام عليه السلام بسبب ظلم الناس وجورهم
من العلل الأساسية لطول غيبته عليه السلام
التاسع من صُلب الحسين يغيب عنهم
أمير المؤمنين عليه السلام يحدث الأمة عن النجم الغائب
الإمام الحسن عليه السلام: يطيل الله عمره في غيبته ثم يظهره بقدرته
الإمام الحسين عليه السلام: صاحب الغيبة الذي يقسم ميراثه وهو حي
الإمام زين العابدين عليه السلام: وإنَّ للقائم منا غيبتين
الإمام الباقر عليه السلام: كيف أنتم إذا غيب الله عنكم نجمكم
الإمام الصادق عليه السلام: ما ينكرون أن يمد الله للمهدي في عمره
الإمام الكاظم عليه السلام: النعمة الباطنة: الإمام الغائب
الإمام الرضا عليه السلام: المهدي خفي الولادة غير خفي في نسبه
الإمام الجواد عليه السلام: الثالث من ولدي المهدي المنتظر في غيبته
الإمام الهادي عليه السلام: وأنى لكم بالخلف بعد الخلف
الإمام العسكري عليه السلام: له غيبة يحار فيها الجاهلون
رواية الحاخام وهب في غيبة المهدي عليه السلام
الفصل الثاني والثلاثون: الموقتون الكَذَبَة والمحاضير الحمقى
الأئمة عليهم السلام يعالجون مشكلة المحاضير والمستعجلين
الفصل الثالث والثلاثون: ولادة الإمام المهدي عليه السلام
الابتكار النبوي لتعيين شخص المهدي عليه السلام
من ابتكارات الأئمة عليهم السلام في تحديد شخصية المهدي عليه السلام
أ - التاسع من صلب الحسين، بأبي ابن خيرة الإماء
الإمام المهدي ابن خيرة الإماء وكذا جده الإمام الجواد عليهما السلام
بـ - تحديدات المهدي عليه السلام بالأسماء والعدد والصفات والشخص
ج - تجري في ولادته وغيبته سنن بعض الأنبياء عليهم السلام
د - صاحب هذا الأمر من خفي مولده وقال الناس لم يولد
العباسيون على سنة نمرود وفرعون
السلطة القرشية من قديم تبحث عن الإمام المهدي عليه السلام
كان الملوك العباسيون يعرفون إمامة العترة عليهم السلام
زادت السلطة رقابتها وتحداها الإمام العسكري عليه السلام
الإمام العسكري يبشر بولادة المهدي عليهما السلام وينص عليه
نور المهدي عليه السلام وملائكته عند ولادته
تعمدَ الإمام العسكري تكثير العقيقة عن ابنه عليهما السلام
المهدي كعيسى ويحيى عليهم السلام آتاه الله الحكم صبياً
الفصل الرابع والثلاثون: من الأحاديث الصحيحة السند في ولادته عليه السلام
خلاصة بحث السيد الميلاني
كلام المحقق الحلي رحمه الله
عشرة أحاديث صحيحة مضافاً الى ما تقدم
أحاديث أخرى في ولادته عليه السلام اكثرها صحيح السند
لقاء سعد بن عبدالله الأشعري بالإمام عليه السلام
شهادة قابلته عمة أبيه حكيمة بنت الجواد عليهم السلام
أم الإمام المهدي رضي الله عنها حفيدة قيصر الروم
ختام في فضل ليلة مولده عليه السلام ليلة النصف من شعبان
الفصل الخامس والثلاثون: من سيرة الإمام عليه السلام في غيبته الصغرى
السلطة تبحث عن الإمام بعد وفاة أبيه عليهما السلام
هجوم السلطة على دار الإمام العسكري عليه السلام بعد وفاته
جعفر الكذاب يدعي أنه إمام
من معجزاته عجل الله تعالى فرجه الشريف وإجاباته الفقهية والعقائدية
ولادة الصدوق رحمه الله بدعاء الإمام عليه السلام
تحريم تسمية الإمام عليه السلام في الغيبة الصغرى
الفصل السادس والثلاثون: علامات الظهور المبارك
وجَّهَ الأئمة عليهم السلام شيعتهم أن يتوقعوا الفرج من أول الغيبة
وصف عصور الظلم خاصة عصر ظهور المهدي عليه السلام
الكسوف والخسوف قبل ظهوره عليه السلام
من العلامات جرأة دول العالم على مخالفة الجبارين
الحرب والطاعون قبل ظهوره عجل الله تعالى فرجه الشريف
الفصل السابع والثلاثون: زيارة نبينا وبعض الأنبياء والأئمة عليهم السلام الى الدنيا
أصالة عقيدة الرجعة عند الشيعة
من سخريتهم بنا لعقيدتنا بالرجعة
الرجعة خاصة ببعض الأبرار والفجار وليست عامة
عقيدة الرجعة في زيارات النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام
تشبيه الرجعة بإحياء قوم موسى عليه السلام في الميقات
الرجعة من التأويل الذي لا يحيط الناس بعلمه
الأرض تحيا بالرجعة
بعض آيات الآخرة تعني الرجعة
الاعتقاد بالمهدي عليه السلام والرجعة من الإيمان بالغيب
الرجعة هي الصيحة في الآية
بعض المسلمين سيحلفون أن الرجعة لا تكون
رجعة بعض النواصب والاقتصاص منهم
النبي صلى الله عليه وآله يرجع الى الدنيا حسب الوعد الإلهي
الرجعة على مراحل وأول من يرجع الإمام الحسين عليه السلام
إسماعيل النبي عليه السلام يرجع مع الحسين عليه السلام
رجعة بعض الأنبياء والأئمة عليه السلام
معاينة الناس الحق في الرجعة
رواية أن إبليس يظهر ويرجمه المؤمنون

رواية أن النبي صلى الله عليه وآله يقتل إبليس وحزبه في الرجعة
رواية أن المهدي عليه السلام يقتل إبليس
الفصل الثامن والثلاثون: بعض الآيات المفسرة بالإمام المهدي عليه السلام
آيات الوعد الإلهي بالإستخلاف في الأرض
المستضعفون الموعودون بالتمكين هم آل محمد صلى الله عليه وآله
آيات الوعد الإلهي بإظهار دينه وإتمام نوره
آيات القتال حتى لا تكونَ فتنة
لا تضع الحرب أوزارها إلا على يد المهدي عليهما السلام
لا ييأس الكفار من دين المسلمين إلا في عصره عليه السلام
المهدي عليه السلام من الغيب الموعود
آيات الحث على الثبات والمرابطة العقائدية
أن المهدي عليه السلام من أولي الأمر بنص الآية
أهل البيت عليهم السلام هم الصديقون الذين أنعم الله عليهم
آية فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ
آية: أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ
يوم الفتح الموعود في الآية هو المهدي عليه السلام
يوم المهدي عليه السلام يأتي تأويل القرآن
آية: حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا
أن الله أخذ ميثاق الأنبياء على الإقرار بالمهدي عليهم السلام
أخبر الله إبراهيم بولده المهدي عليهما السلام
أن المهدي عليه السلام يرث مساكن الذين ظلموا
مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد
يحق حق أهل البيت عليهم السلام ويبطل باطل بني أمية وأمثالهم
أن المهدي عليه السلام آخر حلقات العروة الوثقى
أن المهدي عليه السلام هو السنبلة السابعة بعد الإمام الصادق عليه السلام
المهدي عليه السلام صاحب ليلة القدر
أن المهدي عليه السلام يضع الأغلال والآصار عن المؤمنين
ولكل قوم هاد
يوم ندعو كل أناس بإمامهم
حرمان الناس من الاستفادة من المهدي عليه السلام
آيات الفتنة والتمحيص في عصر غيبته عليه السلام
أن ظهور المهدي عليه السلام تأويل آية: الملك يومئذ الحق للرحمن
المهدي عليه السلام مظهر قدرة الله تعالى في عترة النبي صلى الله عليه وآله
أن الأوصياء عليهم السلام هم عباد الرحمن في الآية
إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَمَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
العذاب على أعداء المهدي عليه السلام
سنة يعقوب في بنيه جرت في المهدي عليه السلام
عند المهدي جفنة فاطمة وهي مائدة أهل البيت عليهم السلام
أن ظهور المهدي عليه السلام هو الأجل القريب في الآية
ظهور المهدي عليه السلام هو العذاب الأكبر في الآية
مسخ بعض أعداء الحق عند ظهور المهدي عليه السلام
أن ظهور المهدي عليه السلام هو النصر الموعود في الآية
أن المهدي عليه السلام آية في صدور المؤمنين
الإمام المهدي عليه السلام ختام الكلمة الباقية
تأويل النبأ العظيم عند ظهور المهدي عليه السلام
أن المهدي عليه السلام لا يعمل بالتقية
الحروف المقطعة ترتبط بالإمام المهدي عليه السلام
أن ظهور المهدي عليه السلام نهاية مهلة الظالمين
يسلطه الله على دماء الظلمة
مهلة الظالمين لأهل البيت عليهم السلام الى ظهور القائم عليه السلام
أن المهدي عليه السلام يُصْلي أعداءه نار الحرب
يحق الله به الحق
العهد المكتوب للمهدي عليه السلام من جده صلى الله عليه وآله
أن المهدي عليه السلام وشيعته من السابقين
حياة الأرض بعدل المهدي عليه السلام بعد موتها بالجور
المهدي عليه السلام هو الماء المعين في الآية
إنكار المكذبين لنسب الإمام المهدي عليه السلام
أن الإمام المهدي عليه السلام يلهم ببدء ظهوره
أن دولة إبليس تنتهي بظهور المهدي عليه السلام
يغيب كالنجم الغائب ويقبل كالشهاب الثاقب
النبي صلى الله عليه وآله السماء والأئمة عليهم السلام البروج
المهدي عليه السلام هو الوتر في الآية
المهدي عليه السلام هو الفجر في سورة الفجر

المهدي عليه السلام في سورة الضحى والشمس والليل
المهدي عليه السلام يأتي بدين القيمة
الفصل التاسع والثلاثون: من الأدعية له عليه السلام والزيارات
الصلاة والتسليم على أطائب العترة عليهم السلام والدعاء لهم
الدعاء له عليه السلام يوم الجمعة ويوم العيد
الدعاء له عليه السلام بالحفظ والنصر
الدعاء له عليه السلام في ليالي شهر رمضان
زيارة آل ياسين والدعاء بعدها
دعاء الندبة الذي يقرؤه الشيعة صباح يوم الجمعة
زيارة لكل إمام معصوم يزار بها المهدي عليهم السلام
زيارة الإمام عليه السلام في داره
الدعاء بالحفظ والنصر لآل محمد صلى الله عليه وآله
دعاء تجديد العهد مع الإمام عليه السلام
مناجاة الله تعالى والدعاء للإمام المهدي عليه السلام
الدعاء للنبي والأئمة عليهم السلام في سجدة الشكر وطلب الحاجة
الدعاء للإمام المهدي عليه السلام بعد صلاة جعفر الطيار
الدعاء له عليه السلام في قنوت صلاة الجمعة
الدعاء له عليه السلام في سجدة الشكر
الدعاء بتعجيل الفرج بالمهدي عليه السلام
الدعاء له عليه السلام بعد الفريضة
دعاء عام لكل إمام معصوم عليهم السلام
الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام والدعاء للإمام المهدي عليه السلام
الدعاء له عليه السلام في يوم المباهلة
دعاء الإمام الباقر في ولاية أهل البيت عليهم السلام والبراءة من أعدائهم
زيارة الأئمة والإمام المهدي عليهم السلام
زيارة أخرى للإمام عليه السلام
زيارة الإمام المهدي عليه السلام في بيته بعد زيارة قبر والده وجده عليهم السلام
دعاء التوسل بالنبي والأئمة عليهم السلام
دعاء الاعتقاد والتوسل به عليه السلام
دعاء آخر يسمى دعاء الاعتقاد
دعاء روي أنه عليه السلام دعا في قنوته
الفصل الأربعون: سفراء الإمام عليه السلام ووكلاؤه وكذابون ادعوا السفارة
 ثقة عموم الشيعة بالسفراء الأربعة رضوان الله عليهم
بعض ما ورد في السفيرين العَمْرِيَّيْن رحمهما الله
السفير الثالث الحسين بن روح قدس سره
السفير الرابع علي بن محمد السمري قدس سره
الحسين بن روح قدس سره شخصيةٌ مُعَدَّةٌ لمرحلة التحولات
مؤلفات في سيرة السفراء الأربعة رضوان الله عليهم
الشيعة يتبركون بقبور السفراء الأربعة في بغداد
كتب السفراء ومواريثهم العلمية وكتاب الكافي
بقية الوكلاء في عصر السفراء الأربعة
سياسة الأئمة عليه السلام في قبول الأخماس والنذور والهدايا
تكذيب من ادعى السفارة وتواتر رؤية الإمام عليه السلام في غيبته الكبرى
كذابون ادعوا السفارة والنيابة عن الأئمة عليهم السلام
أهل البيت عليهم السلام ينفون عن مذهبهم الغلو والانحراف
خمس ملاحظات على نصوص الشيخ الطوسي قدس سره في مدعي السفارة
السريعي أو الشريعي ووارثه ابن نصير
محمد بن نصير آخر
كذابون صغار بالجملة
الحسين بن منصور الحلاج
رأي علمائنا في الحلاج
شخصية الحلاج التي صنعها المتصوفة
خلاصة سيرة الحلاج وشخصيته
آراء بعض علماء السنة في الحلاج
ابن أبي العزاقر الشلمغاني
أصل مذهب المُخَمِّسة من بشار الشعيري
حسد الشلمغاني للحسين بن روح قدس سره
موقف الأئمة عليهم السلام من كتب المنحرفين: خذوا ما رووا وذروا ما رأوا
الشلمغاني في مصادر السنيين
الشلمغانيون في عصرنا

مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأفضلُ الصلاة وأتمُّ السلام على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين، سيما خاتم الأوصياء، موعود الأنبياء عليهم السلام، منتظر الأجيال والأمم، مذخور الله لإصلاح العالم، روحي فداه.
وبعد، فقد وفقني الله تعالى أن أبدأ أعمالي العلمية في حوزة قم المشرفة بمعجم أحاديث الإمام المهدي صلوات الله عليه، بمساعدة مؤسسة (المعارف الإسلامية) التي أسسها المرحوم آية الله السيد عباس المهري قدس سره فاستوعبنا فيه الأحاديث الشريفة والآثار المتعلقة بالإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف ورتبناه بالتسلسل من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله ثم الأئمة المعصومين عليهم السلام، ووضعنا لكل حديث وأثر هوية علمية.
وفي نفس الوقت رأيت الحاجة مُلِحَّةً لعمل معجم موضوعي بشيء من البحث والتحقيق، فاستخرت الله تعالى، فكانت هذه البحوث المستوعبة السهلة التناول، وقد شملت عامة أحاديث المعجم والحمد لله.
وقد جعلته أربعين فصلاً، آملاً أن ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وآله: (من حفظ على أمتي أربعين حديثاً مما يحتاجون إليه من أمر دينهم، بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً)، وفي رواية: (كنت له شفيعاً). (الخصال/٥٤١، وثواب الأعمال/١٣٤).
في الختام ألفتُ النظر الى أني أوردتُ الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله كاملةً، وإن كانت في المصدر الذي نقلت منه ناقصة، على أن بعض المؤلفين من أتباع المذاهب الأخرى يُصَلُّونها تامةً غير مبتورة فيذكرون آله معه صلى الله عليه وآله، كالحاكم في المستدرك، وكثير من أصول مؤلفاتهم، لكن الناشرين حرفوها وحذفوا من طبعتها (وآله) وجعلوا بدلها (وسلم)! ولا عجب فقد امتدت أيديهم الى نصوصها فحرفوا فيها وحذفوا منها قليلاً وكثيراً، وسيمر بك بعض ذلك!
أسأل الله بعزته أن يصلي على رسوله وآله الأطهار، لاسيما خاتمهم الإمام المهديُّ من ربه، الموعودُ على لسان جده، وأن يكتبني فيمن خدم عقيدة المسلمين وبشارة نبيهم صلى الله عليه وآله بمهديه الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهو ولي التوفيق.

كتبه: علي الكَوْراني العاملي
بقم المشرفة في منتصف شهر رمضان ١٤٢٦ للهجرة

الفصل الأول: الخطر الأكبر على الأمة.. الأئمة المضلون

١ - الأئمة المضلون هم الخطر على الأمة وليس الدجال!
من الأحاديث النبوية الخطيرة التي لايحبها رواة الخلافة القرشية: تحذيرات النبي صلى الله عليه وآله المشددة لأمته من الأئمة المضلين الذين يأتون بعده، وهي أحاديث شديدة، لكنها صحيحة متواترة! وقد أدرجناها في الكتاب لأن عدداً منها نص على أن فتنتهم تستمر حتى يبعث الله المهدي من ذرية النبي صلى الله عليه وآله.
أحمد: ٤/١٢٣، عن شداد بن أوس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله عز وجل زوى لي الأرض (جَمَعَها) حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن مُلك أمتي سيبلغ ما زويَ لي منها وإني أعطيت الكنزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي عز وجل أن لا يُهلك أمتي بِسِنِةٍ بعامة، وأن لا يُسلط عليهم عدواً فيهلكهم بعامة، وأن لا يُلبسهم شيعاً ولا يُذيق بعضهم بأس بعض. قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاءً فإنه لا يُرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدواً ممن سواهم فيهلكوهم بعامة، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضاً وبعضهم يقتل بعضاً وبعضهم يسبي بعضاً! قال: وقال النبي صلى الله عليه وآله: وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة).
ونحوه أحمد: ٥/٢٧٨، عن ثوبان، ومسلم: ٤/٢٢١٥، وفيه: وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم... حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً! وابن ماجة: ٢/١٣٠٤، كأحمد، بتفاوت، وزاد فيه: وستعبد قبائل من أمتي الأوثان، وستلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وإن بين يدي الساعة دجالين كذابين، قريباً من ثلاثين كلهم يزعم أنه نبي، ولن تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله عز وجل.
قال أبو الحسن(راوي ابن ماجة): لما فرغ أبو عبد الله (ابن ماجة) من هذا الحديث قال: ما أهْوَله! وبنحوه أبو داود: ٤/٩٧، والترمذي: ٤/٤١٠، وحسنه وصححه. والبيهقي: ٩/١٨١. وصحح مجمع الزوائد: ٥/٢٣٩، آخره برواية أحمد. وكذا الألباني/٧، أوله عن مسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجة وأحمد.
وأحمد: ١/٩٨، عن علي رضي الله عنه قال: ذكرنا الدجال عند النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم فاستيقظ مُحْمَرَّاً لونه فقال: غير ذلك أخوف لي عليكم، ذكر كلمة)! وخاف الراوي أن يذكرها فتنطبق على حكام عصره! وفي أحمد: ٥/١٤٥، عن أبي ذر قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لَغَيْرُ الدجال أخوفني على أمتي، قالها ثلاثاً، قال قلت: يا رسول الله، ما هذا الذي غير الدجال أخوفك على أمتك؟ قال: أئمة مضلون).
وابن أبي شيبة: ١٥/١٤٢، عن علي قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وآله جلوساً وهو نائم فذكرنا الدجال فاستيقظ محمراً وجهه فقال: غير الدجال أخوف عليكم عندي من الدجال: أئمةٌ مضلون). وأحمد: ٥/٣٨٩، عن حذيفة قال: ذكر الدجال عند رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: لأنا لفتنة بعضكم أخوف عندي من فتنة الدجال). وصححه في الزوائد: ٧/٣٣٥. ونحوه الفردوس: ٣/١٣١، وفي هامشه: قال الإمام العراقي: روى أحمد عن أبي ذر بإسناد جيد: لأنا من غير الدجال أخوف عليكم من الدجال، فقيل: وما ذلك؟ قال: من الأئمة المضلين).
صحيحة الألباني: ٢٧١ح٥٤، عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أخوف ما أخاف على أمتي أئمة مضلين! إذا وضع السيف لم يرفع الى يوم القيامة).
سبل الهدى: ١٠/١٣٨: (أبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ليأتينَّ على الناس زمانٌ يكون عليهم أمراءُ سفهاء، يقدمون شرار الناس ويظاهرون بخيارهم ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منكم فلا يكونن عريفاً ولا شرطياً ولا جابياً ولا خازناً. وروى أحمد بن منيع برجال ثقات وابن أبي شيبة وأبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تعوذوا بالله من رأس السبعين ومن أمارة الصبيان. وروى عن ابن عباس ووثقه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يكون عليكم أمراء هم شرٌّ من المجوس).
وفي حلية الأولياء: ٧/٦٩: عن سفيان: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لسلمان: إن طعام أمرائي بعدي مثل طعام الدجال، إذا أكله الرجل انقلب قلبه).
أقول: وردت كلمة المضلين في بعض الأحاديث منصوبة وحقها الرفع، وإن صح أن النبي صلى الله عليه وآله نصبها فهو بتقدير أعني وفائدته مزيد التأكيد. والمقصود من الحديث الأخير تحذير المسلمين من التقرب إلى أمراء الجور ودعوتهم الى مقاطعتهم وعدم تناول طعامهم، لأن له تأثيراً على قلب المسلم وإيمانه يسبب انحرافه، كطعام الدجال الذي قالوا إنه يغري به الناس فيأكلونه فيكفرون.
٢ - الأئمة المضلون يسفكون دماء العترة والأمة
روينا في أحاديث الأئمة المضلين تحذير النبي صلى الله عليه وآله منهم لأنهم سيسفكون دماء عترته عليهم السلام، لكن رواة الخلافة حذفوا ذلك! وليس بعيداً على أتباع الحكام المضلين أن يسقطوا ما يتعلق بسفكهم دماء العترة الطاهرة عليهم السلام!
ففي أمالي الطوسي: ٢/١٢٦ وطبعة/٥١٢، عن عبد الله بن يحيى الحضرمي قال: سمعت علياً عليه السلام يقول: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وآله وهو نائم ورأسه في حجري فتذاكرنا الدجال فاستيقظ النبي محمراً وجهه فقال: غير الدجال أخوف عليكم من الدجال: الأئمة المضلون، وسفك دماء عترتي من بعدي، أنا حربٌ لمن حاربهم وسلمٌ لمن سالمهم). ومثله الاحتجاج: ١/٢٦٥، وطبعة/٣٩٥.
وفي أمالي الطوسي/٦٥، وأمالي المفيد/٢٨٨، عن علي عليه السلام قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وآله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ، قال لي: يا عليُّ لقد جاء نصر الله والفتح، فإذا رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً. يا علي إن الله تعالى قد كتب على المؤمنين الجهاد في الفتنة من بعدي كما كتب عليهم جهاد المشركين معي. فقلت: يا رسول الله وما الفتنة التي كتب علينا فيها الجهاد؟ قال: فتنة قوم يشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وهم مخالفون لسنتي وطاعنون في ديني! فقلت: فعلى مَ نقاتلهم يا رسول الله، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله؟ فقال على إحداثهم في دينهم وفراقهم لأمري، واستحلالهم دماء عترتي. قال: فقلت: يا رسول الله، إنك كنت وعدتني الشهادة فسل الله تعجيلها لي. فقال: أجل قد كنت وعدتك الشهادة فكيف صبرك إذا خُضبت هذه من هذا؟ وأومى إلى رأسي ولحيتي، فقلت: يا رسول الله أما إذا بَيَّنْتَ لي ما بينت فليس هذا بموطن صبر لكنه موطن بشرى وشكر! فقال: أجل فأعدَّ للخصومة فإنك تخاصم أمتي. قلت: يا رسول الله أرشدني الفلج. قال: إذا رأيت قوماً قد عدلوا عن الهدى إلى الضلال فخاصمهم، فإن الهدى من الله والضلال من الشيطان. يا علي إن الهدى هو اتَّباع أمر الله دون الهوى والرأي، وكأنك بقوم قد تأولوا القرآن وأخذوا بالشبهات، واستحلوا الخمر بالنبيذ، والبخس بالزكاة والسحت بالهدية! قلت: يا رسول الله فما هم إذا فعلوا ذلك أهم أهل ردة أم أهل فتنة؟ قال: هم أهل فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل! فقلت: يا رسول الله العدل منا أم من غيرنا؟ فقال: بل منا، بنا يفتح الله، وبنا يختم، وبنا ألف الله بين القلوب بعد الشرك، وبنا يؤلف الله بين القلوب بعد الفتنة، فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله).
أقول: روت مصادرهم جزءً من حديث أمالي المفيد والطوسي الأول وحذفوا منه ذكر الأئمة المضلين! وهذه عادتهم في تجزئة الأحاديث لتضييعها!
روى الحاكم: ٣/١٤٩، عن أبي هريرة قال: نظر النبي صلى الله عليه وآله إلى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: أنا حربٌ لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم. وصححه واستشهد له بحديث مشابه عن زيد بن أرقم، وفيه أنا حربٌ لمن حاربتم وسلمٌ لمن سالمتم).
كما رووه عن زيد بن أرقم والخدري وأم سلمة وغيرهم، وأن النبي صلى الله عليه وآله قاله مكرراً عندما نزلت آية التطهير فكان يذهب أربعين صباحاً الى باب دار علي عليه السلام فيدق عليهم الباب ويقرأ الآية ويقول هذا الكلام، وأنه قاله في حيٍّ في المدينة، وفي مرض وفاته، وفي مناسبات أخرى! كما في مسند أحمد: ٢/٤٤٢، وابن ماجة: ١/٥٢، والترمذي: ٥/٣٦٠، والزوائد: ٩/١٦٩، وابن شيبة: ٧/٥١٢، وأمالي المحاملي/٤٤٧، وابن حبان: ١٥/٤٣٤، وأوسط الطبراني: ٣/١٧٩، و: ٥/١٨٢، و: ٧ /١٩٧، والأصغر: ٢/٣، والأكبر: ٣/٤٠، و: ٥/١٨٤، وفضائل سيدة النساء لعمر بن شاهين/٢٩، وموارد الظمآن: ٧/٢٠١، وتفسير الثعلبي: ٨/٣١١، وشواهد التنزيل: ٢/٤٤، وتاريخ بغداد: ٧/١٤٤، وتاريخ دمشق: ١٣/٢١٨، و: ١٤/١٤٤، وسير الذهبي: ٢/١٢٢. ومن مصادرنا: تفسير الإمام العسكري عليه السلام /٣٧٦، وتفسير فرات الكوفي/٣٣٨.
٣ - محاولات تبرئة الصحابة وتأخير الوعد النبوي بالمضلين
أحمد: ١/٤٥٨، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ما من نبي بعثه الله عز وجل في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلَّف من بعدهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون).
الحواريون والحواري: الأصحاب الخاصون. الخُلوف: جمع خليفة، أي أجيال.
ونحوه في أحمد: ١/٤٦١، عن ابن مسعود، ومسلم: ١/٦٩، وفيه: قال أبو رافع: فحدثت عبد الله بن عمر فأنكره عليَّ، فقدم ابن مسعود فنزل بقناة فاستتبعني إليه عبد الله بن عمر يعوده، فانطلقت معه فلما جلسنا سألت ابن مسعود عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثته ابن عمر.
الطبراني الكبير: ٢٢/٣٦٢: ستكون عليكم أئمة يملكون أرزاقكم يحدثونكم فيكذبونكم ويعملون ويسيئون العمل، لا يرضون منكم حتى تُحَسِّنُوا قبيحهم وتصدقوا كذبهم، فأعطوهم الحق ما رضوا به، فإذا تجاوزوا فمن قتل على ذلك فهو شهيد).
ومثله في: ٢٢/٣٧٣. وفي الفردوس: ٢/٣١٧: يلون أرزاقكم فيمنعونكموها حتى تصدقوهم بكذبهم وتحسنوا قبيحهم... فمن قتل على ذلك فهو شهيد).
الطبراني الكبير: ٢٢/٣٧٥، عن الصدفي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: سيكون من بعدي خلفاء ومن بعد الخلفاء أمراء ومن بعد الأمراء ملوك ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً). انتهى.
أقول: لا يمكنهم إبعاد أحاديث الأئمة المضلين عن الصحابة، لأن أحاديث الحوض الصحيحة عندهم نصَّتْ على أن أكثر الصحابة يُغَيِّرون ويُبَدِّلون بعد النبي صلى الله عليه وآله فيدخلون النار! بل نصت رواية بخاري على أنهم في النار ولا ينجو منهم إلا قلةٌ يبتعدون عن جمهورهم أو قطيعهم! فقد روى في صحيحه: ٧/٢٠٨ أن النبي صلى الله عليه وآله وصف الصحابة في المحشر فقال: (بينا أنا قائمٌ فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ، فقلت أين؟ قال إلى النار والله! قلت: وما شأنهم؟! قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى! ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمَّ! قلت: أين؟! قال: إلى النار والله! قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى! فلا أراه يخلص منهم إلا مثلُ هَمَل النعم). انتهى. ومعناه أن الأئمة المضلين منهم!
وتلاحظ أن أحاديثهم في الخروج والثورة على الأئمة المضلين متناقضة، فبعضها يأمر بالخروج والمقاومة حتى الشهادة، وبعضها ينهى عنه ما أقاموا الصلاة، وبعضها ينهى عنه مهما ظلموا! ومعناه أن السلطة تدخلت في الرواية وضيعت الأمر النبوي!
٤ - إن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم!
الطبراني، الكبير: ٨/١٧٦، عن أبي أمامة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لستُ أخاف على أمتي جوعاً يقتلهم، ولا عدواً يجتاحهم (يستأصلهم) ولكني أخاف على أمتي أئمة مضلين، إن أطاعوهم فتنوهم (أضلوهم) وإن عصوهم قتلوهم).
الطبراني الصغير: ١/٢٦٤: عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وآله قال: خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدين فلا تأخذوه ولستم بتاركيه! يمنعكم الفقر والحاجة! ألا إن رحا بني مرح قد دارت وقد قتل بنو مرح. ألا إن رحا الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار. ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون أمراء يقضون لكم فإن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم. قال: يا رسول الله فكيف نصنع؟ قال كما صنع أصحاب عيسى بن مريم نُشِّروا بالمناشير وحُملوا على الخشب! موتٌ في طاعة الله خير من حياة في معصية الله عز وجل). ورواه في المطالب العالية: ٤/٢٦٧، كالطبراني بتفاوت يسير، والدر المنثور: ٢/٣٠٠، عن عبد بن حميد. ووثقه مجمع الزوائد: ٥/٢٢٧. وبنو مرح: أهل الفرح والزهو، كناية عن المشركين. وافتراق السلطان والقرآن: يعني أن الحكام سيحكمون بغير ما أنزل الله تعالى، كما حصل.
عبد الرزاق: ١١/٣٢٩، عن النبي صلى الله عليه وآله: إنها ستكون عليكم أمراء يتركون بعض ما أمروا به، فمن ناواهم نجا ومن كره سلم أو كاد يسلم، ومن خالطهم في ذلك هلك أو كاد يهلك. وفي: ١١/٣٣٠: عن الحسن البصري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ستكون عليكم أمراء بعدي فيعملون أعمالاً تعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وشايع. قالوا: أفلا نقاتلهم يا رسول الله؟ قال: لا، ما صلوا). ونحوه ابن أبي شيبة: ١٥/٧١، و/٢٤٣، عن أم سلمة وفيه: ومن اعتزلهم سلم أو كاد، ومن خالطهم هلك. والترمذي: ٤/٥٢٩، كرواية ابن أبي شيبة الأولى بتفاوت يسير، وفيه: سيكون عليكم أئمة. وقال: هذا حديث حسن صحيح. والطبراني الكبير: ١١/٣٩، كرواية ابن أبي شيبة الثانية بتفاوت يسير والبيهقي: ٨/١٥٧، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله: سيكون بعدي خلفاء يعملون بما يعلمون ويفعلون ما يؤمرون، وسيكون بعدهم خلفاء يعملون بما لا يعلمون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن أنكر عليهم برئ ومن أمسك يده سلم، ولكن من رضي وتابع. ومثله الطبراني الأوسط: ٥/٣٧٤، ومسند البزار: ٦/٦١، عن أم سلمة، وفيه: قالت يا رسول الله أو لا نقتلهم؟ قال: لا، ما أقاموا الصلاة. ومثله في الطبراني الأوسط: ١/٢٥٢، والشاميين: ١/٣٧١، وأبي يعلى: ١٠/٣٠٨. وتعبيرهم بالأمراء والخلفاء والأئمة يدل على أن المقصود بهم واحد.
٥ - تطبيق أمير المؤمنين عليه السلام للأئمة المضلين
في نهج البلاغة: ٢/١٨٨: (ومن كلام له عليه السلام وقد سأله سائل عن أحاديث البدع، وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر؟ فقال عليه السلام: إن في أيدي الناس حقاً وباطلاً وصدقاً وكذباً وناسخاً ومنسوخاً وعاماً وخاصاً ومحكماً ومتشابهاً وحفظاً ووهماً. ولقد كُذب على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيباً فقال: من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار! وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس: رجلٌ منافق مظهر للإيمان متصنع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرج، يكذب على رسول الله متعمداً! فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله، ولكنهم قالوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله رأى وسمع منه ولقف عنه، فيأخذون بقوله! وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك ووصفهم بما وصفهم به لك، ثم بقوا بعده عليه وآله السلام فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار، بالزور والبهتان فولَّوْهم الأعمال، وجعلوهم حكاماً على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا. وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله، فهو أحد الأربعة...). والكافي: ١/٦٢، والخصال/٢٥٦.
وفي الكافي: ٨/٦٢: عن أمير المؤمنين عليه السلام يشكو حال الأمة، قال: قد عملت الولاة قبلي أعمالاً خالفوا فيها رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدين لخلافه، ناقضين لعهده، مغيرين لسنته! ولو حَمَلْتُ الناس على تركها وحوَّلتها إلى مواضعها وإلى ما كانت في عهد رسول الله لتفرق عني جندي... والله لقد أمرت الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غُيِّرت سنة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً! ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري! ما لقيتُ من هذه الأمة من الفرقة، وطاعة أئمة الضلالة والدعاة إلى النار؟!).
٦ - تطبيق عُبَادَة بن الصامت رحمه الله للأئمة المضلين
ابن أبي شيبة: ١٥/٢٣٣، عن أزهر بن عبد الله قال: أقبل عُبَادَة بن الصامت حاجاً من الشام فقدم المدينة فأتى عثمان بن عفان فقال: يا عثمان ألا أخبرك شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله؟ قال: بلى، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ستكون عليكم أمراء يأمرونكم بما تعرفون ويعملون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة.
وفي/٣٥٧، أنه قال لعثمان: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله محمداً أبا القاسم يقول: ستكون عليكم أمراء يأمرونكم بما تعرفون ويعملون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة. فلا تُعْتِبوا أنفسكم، فوالذي نفسي بيده إن معاوية من أولئك! فما راجعه عثمان حرفاً. وقال: وقد روي هذا الحديث بإسناد صحيح على شرط الشيخين في ورود عُبَادَة بن الصامت على عثمان بن عفان متظلماً، بمتن مختصر. ونحوه أحمد: ٥/٣٢٩.
مسند الشاشي: ٣/١٧٢، عن رفاعة: (أن عُبَادَة بن الصامت مرت عليه قَطَارة وهو بالشام تحمل الخمر فقال: ما هذه؟ أزَيْتٌ؟ قيل: لا بل خمر تباع لفلان(معاوية)! فأخذ شفرةً من السوق فقام إليها ولم يذر منها راوية إلا بقرها، وأبو هريرة إذ ذاك بالشام فأرسل فلان إلى أبي هريرة فقال: ألا تمسك عنا أخاك عُبَادَة بن الصامت! أما بالغدوات فيغدو إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأما بالعشي فيقعد بالمسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا وعيبنا، فأمسك عنا أخاك. فأقبل أبو هريرة يمشي حتى دخل على عبادة فقال: يا عبادة مالك ولمعاوية؟ ذره وما حمل فإن الله يقول تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، قال: يا أبا هريرة لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله! بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب فنمنعه ما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا ولنا الجنة، ومن وفى وفى الله له الجنة بما بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ! فلم يكلمه أبو هريرة بشيء، فكتب فلان إلى عثمان بالمدينة أن عُبَادَة بن الصامت قد أفسد عليَّ الشام، فإما أن يكف عنا عُبَادَة بن الصامت وإما أن أخلي بينه وبين الشام. فكتب عثمان إلى فلان أدخله الى داره من المدينة فبعث به فلان حتى قدم المدينة فدخل على عثمان الدار وليس فيها إلا رجل من السابقين بعينه، ومن التابعين الذين أدركوا القوم متوافرين، فلم يهم عثمان به إلا وهو قاعد في جانب الدار فالتفت إليه فقال: ما لنا ولك يا عبادة؟ فقام عبادة قائماً وانتصب لهم في الدار فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله أبا القاسم يقول: سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله فلا تضلوا بربكم، فوالذي نفس عبادة بيده إن فلاناً لمن أولئك! فما راجعه عثمان بحرف)! ومسند الشاميين: ٢/٢٨٢، عن عبدالله بن عمرو مختصراً، وصحيحة الألباني: ٢/١٣٨، وسير الذهبي: ٢/٩، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، قال: كتب معاوية الى عثمان: إن عُبَادَة بن الصامت قد أفسد عليّ الشام وأهله، فإما أن تكفه إليك وإما أن أخلّي بينه وبين الشام. فكتب إليه أن رحِّل عبادة حتى ترجعه إلى داره بالمدينة. قال: فدخل على عثمان فلم يفاجأه إلاّ به وهو معه في الدار، فالتفت إليه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون.... فلا طاعة لمن عصى ولا تضلوا بربكم).
هذا، وقد بحثنا مواجهة عبادة رحمه الله لمعاوية وعثمان في (جواهر التاريخ/ج٢).
٧ - نصَّ النبي صلى الله عليه وآله على أن الأئمة المضلين من صحابته!
عبد الرزاق: ١١/٣٤٥، عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله قال لكعب بن عجرة: أعاذك الله يا كعب بن عجرة من إمارة السفهاء، قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يَرِدِون عليَّ حوضي، ومن لم يصدقهم على كذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم، وسَيَرِدُونَ عليَّ حوضي. يا كعب بن عجرة: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان. يا كعب بن عجرة: إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت أبداً، النار أولى به. يا كعب بن عجرة: الناس غاديان: فمبتاع نفسه فمعتقها، أو بائعها فموبقها). ومثله أحمد: ٣/٢٣١.
لا يردون عليَّ الحوض: أي لا يسقون من حوض الكوثر ولا يدخلون الجنة. جُنَّة: أي حجاب من النار. السُّحت: المال الحرام. الغادي: السائر في صبح النهار. المبتاع: المشتري.
وفي أحمد: ٥/١١١، عن خباب بن الأرت قال: إنا لقعود على باب رسول الله صلى الله عليه وآله ننتظر أن يخرج لصلاة الظهر إذ خرج علينا فقال: إسمعوا، فقلنا: سمعنا، ثم قال: إسمعوا، فقلنا: سمعنا، فقال: إنه سيكون عليكم أمراء فلا تعينوهم على ظلمهم، فمن صدقهم بكذبهم فلن يَرِدَ عليَّ الحوض).
أحمد/٣٨٤، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إنها ستكون أمراء يكذبون ويظلمون فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منهم ولا يرد عليَّ الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد عليَّ الحوض). ونحوه في: ٦/٣٩٥، وأوسع منه في: ٤/٢٤٣: عن كعب بن عجرة، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله أو دخل ونحن تسعة وبيننا وسادة من آدم فقال... وفي/٢٦٧، عن النعمان بن بشير قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلى السماء ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء فقال: ألا إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني ولا أنا منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه. ومسند ابن المبارك/١٦٣، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله: ستكون أمراء يغشاهم غواش أو حواش من الناس يظلمون ويكذبون، فمن أعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فليس مني ولا أنا منه، ومن لم يصدقهم بكذبهم ويعينهم على ظلمهم فأنا منه وهو مني. ونحوه سنن الترمذي: ٢/٥١٢، عن ابن عجرة، وفي/١٣٧، بعضه، عن جابر بن عبد الله، وعن ابن عمر قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن أربعة من العرب وخمسة من الموالي فقال: هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء فمن أعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم وغشى أبوابهم... ونحوه صحيح ابن حبان: ٥/٩، والطبراني الكبير: ٣/١٣٥، عن ابن عَجْرة قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن تسعة خمسة من العرب وأربعة من العجم فقال: إسمعوا، أما سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد عليَّ الحوض... ونحوه المسند الجامع: ١٠/٧٤٩، عن ابن عمر، والحاكم: ١/٧٨، عن خباب، وفي: ٤/١٢٦، كما في عبد الرزاق، وصححه، ونحوه تاريخ بغداد: ٥/٣٦١، وفي الزوائد: ٥/٢٤٨: رواه أحمد، والبزار، وأحد أسانيد البزار رجاله رجال الصحيح، ورجال أحمد كذلك.. الخ.
وفي مسلم: ٣/١٤٧٦، عن حذيفة: قلت: يا رسول الله إنّا كنا بِشَرٍّ فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شرٌّ؟ قال: نعم. قلت هل وراء ذلك الشر خيرٌ؟ قال: نعم. قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم. قلت كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لايهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان الآدميين! قال قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع).
٨ - وقال عمر إن النبي صلى الله عليه وآله أسرَّ اليه التحذير من الأئمة المضلين
مسند أحمد: ١/٤٢: قال عمر لكعب: إني أسألك عن أمر فلا تكتمني! قال: والله لا أكتمك شيئاً أعلمه، قال: ما أخوف شيء تخوفه على أمة محمد صلى الله عليه وآله؟ قال: أئمة مضلين. قال عمر: صدقت قد أسر ذلك إليَّ وأعلمنيه رسول الله صلى الله عليه وآله). وفي الزوائد: ٥/٢٣٩: رواه أحمد ورجاله ثقات. وفي الشاميين للطبراني: ٢/٩٧: عن عمر: أسرَّ إليَّ رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: إن أخوف ما أخاف على أمتي أئمة مضلين. قال كعب فقلت: والله ما أخاف على هذه الأمة، غيرهم). ومثله تاريخ دمشق: ٥٠/١٥٢، ومعرفة الصحابة: ١/٢٣٢.
٩ - وجاء النبي صلى الله عليه وآله الى بيت عمر ولعلها المرة الوحيدة!
حلية الأولياء: ٥/١١٩، بسنده عن أبي مسلم الخولاني، عن أبي عبيدة بن الجراح، عن عمر بن الخطاب قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بلحيتي وأنا أعرف الحزن في وجهه فقال: إنا لله وإنا اليه راجعون! أتاني جبريل آنفاً فقال لي: إنا لله وإنا اليه راجعون! فقلت: أجل إنا لله وإنا اليه راجعون، فمِمَّ ذاك يا جبريل؟ فقال: إن أمتك مفتتنة بعدك بقليل من دهر غير كثير! فقلت: فتنة كفر أو فتنة ضلالة؟ فقال: كلٌّ سيكون! فقلت: ومن أين وأنا تارك فيهم كتاب الله؟! قال: فبكتاب الله يفتنون وذلك من قبل أمرائهم وقرائهم! يمنع الناسَ الأمراءُ الحقوق فيظلمون حقوقهم ولا يعطونها، فيقتتلون ويفتتنون. ويتَّبع القراء أهواء الأمراء فيمدونهم في الغي ثم لا يقصرون! فقلت: كيف يسلم من سلم منهم؟ قال: بالكف والصبر، إن أعطوا الذي لهم أخذوه وإن منعوه تركوه). وكنز الفوائد/٦١، بنحوه. وفي الدر المنثور: ٣/١٥٥: وأخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: أتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا أعرف الحزن في وجهه فأخذ بلحيتي فقال.. الخ. ورواه في الجليس الصالح/٥٩٩، والمعرفة والتاريخ/٥٨٠. ويظهر أن النبي صلى الله عليه وآله أتاه الى بيته، ولم نجد حالة ثانية أنه صلى الله عليه وآله جاء الى بيت عمر.
١٠ - سبب ابتلاء الأمة بهؤلاء الأئمة المضلين
سببه أن الأمة اختارت ذلك عن سبق قصد وإصرار، عندما رفضت أعظم عرض قدمه نبيٌّ لأمته! فقد أحضرهم النبي صلى الله عليه وآله في مرض وفاته، وعرض عليهم أن يكتب لهم عهداً يؤمِّنهم من الضلال الى يوم القيامة ويجعلهم سادة العالم، وهو عرضٌ فريد في تاريخ النبوات! فأحسَّت قريش أنه يريد أن يجعل ولاية علي والعترة عليهم السلام رسمياً بعهد مكتوب ويأخذ منهم إقراراً والتزاماً بالإطاعة. فقام عمر وواجه النبي صلى الله عليه وآله قائلاً لا حاجة لنا بعهدك، كتاب الله يكفينا! وصاح الطلقاء القرشيون مؤيدين لعمر: القول ما قال عمر، القول ما قال عمر! حسبنا كتاب الله لاتقربوا له شيئاً ولا يكتب شيئاً! ولغطوا واتهموا النبي صلى الله عليه وآله بأنه يهجر، فأجابهم الصحابة وأهل البيت عليهم السلام وبعض نساء النبي صلى الله عليه وآله وقالوا قربوا له يكتب لكم! فقال أولئك لاتقربوا له! إستفهموه إنه يهجر! وكانوا مستعدين لأن يعلنوا ردتهم عن الإسلام إذا أصرَّ النبي صلى الله عليه وآله على كتابة عهده ويقولوا إنه لم يكن نبياً، بل كان يريد تأسيس ملك لبني هاشم!
فغضب النبي صلى الله عليه وآله عليهم وطردهم وهي الرمة الوحيدة التي طرد فيها النبي صلى الله عليه وآله أصحابه! قال لهم: (قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع ما أنا فيه خيرٌ مما تدعوني اليه)! وما يدعونه اليه هو أن يصرَّ على الكتابة ليكون مبرراً لإعلان الردة! فكان ابن عباس يقول: إن الرزيئة كل الرزيئة ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين كتابه)! رواه بخاري: ١/٣٦في ست مواضع وخفف منه ما استطاع! ورواه غيره بأوسع منه.
١١ - أحاديث الشجرة الملعونة في القرآن تفسر المضلين
قال الله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَاناً كَبِيراً).
وقد روى السنة تفسير النبي صلى الله عليه وآله هذه الآية بالأئمة المضلين من بني أمية، كما في مجمع الزوائد: ٥/٢٤٣، عن أبي يعلى ووثقه: (عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله رأى في منامه كأن بني الحكم ينزون على منبره وينزلون! فأصبح كالمتغيظ فقال: ما لي رأيت بني الحكَم ينزون على منبري نزو القردة؟! قال: فما رؤي رسول الله مستجمعاً ضاحكاً بعد ذلك حتى مات صلى الله عليه وآله)! وفي: ٥/٢٤٠، عن عبد الله بن عمرو، وصححه قال: كنا جلوساً عند النبي وقد ذهب عمرو بن العاص يلبس ثيابه ليلحقني فقال صلى الله عليه وآله ونحن عنده: ليدخلنَّ عليكم رجل لعين! فوالله ما زلت وجلاً أتشوَّف خارجاً وداخلاً حتى دخل فلان يعني الحكم).
وفي معجم الطبراني الكبير: ٣/٩٠، عن الحسن بن علي رضي الله عنه، أنه قالَ لِمن اعترض على صلحه مع معاوية: رحمك الله فإن رسول الله قد أريَ بني أمية يخطبون على منبره رجلاً فرجلاً فساءه ذلك، فنزلت هذه الآية: إنَّا أعطيناك الكوثَرْ، نهر في الجنة. ونزلت: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تملكه بنو أمية! قال القاسم: فحسبنا ذلك فإذا هو ألفٌ لا يزيد ولا ينقص). والبيهقي في فضائل الأوقات/٢١١، والترمذي: ٥/١١٥، والحاكم: ٣/١٧٠، وصححه وروى أحاديث أخرى في: ٣/١٧٥، و٤: /٧٤)!
وفي فتح الباري: ٨/٢٨٧: (عن ابن عباس أنه سأل عمر عن هذه الآية: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ؟ فقال مَن هم؟ قال: هم الأفجران من بني مخزوم وبني أمية، أخوالي وأعمامك! فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين! ثم أورد حديث علي عليه السلام وقال: وهو عند عبد الرزاق أيضاً، والنسائي، وصححه الحاكم). انتهى.
أقول: يقصد عمر بقوله: (فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر) بني مخزوم، وكان رئيسهم أبو جهل، وتنسب اليهم حنتمة أم عمر، وكان خالد بن الوليد لا يقر بذلك. ويشير عمر الى قوله تعالى: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِين. لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيءٌْ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ. (آل عمران: ١٢١ - ١٢٨).
لكن معنى الآية: أن الإرادة الإلهية أن يُمهل بعض قبائل قريش ويقطع طرفاً منهم بقتل زعمائهم واستئصالهم سياسياً، وإخراجهم من ساحة الصراع مع الإسلام! لذلك لم نرَ لهم أيَّ دور مهم في التاريخ! وهم: بنو عبد الدار، الذين كانوا فرسان قريش وأصحاب حربها، وقد قَتَلَ علي عليه السلام منهم في بدر وأحُد بضعة عشر فارساً كلهم أبطال حَمَلةُ راية قريش! وبنو المغيرة العائلة المالكة في بني مخزوم، وقد انطفأوا بعد مقتل أبي جهل في بدر، وبرز منهم عسكري واحد هو خالد بن الوليد، وطمع ابنه عبد الرحمن بالخلافة فقتله معاوية! كما انتهت تيْمٌ وعديٌّ بعد أبي بكر وعمر، وهكذا لم يبق في الساحة السياسية إلا أمية وهاشم!
أما مصادرنا فروت تأكيد النبي وآله صلى الله عليه وآله على أن كل قريش مسؤولة عن تبديل نعمة الله كفراً، وليس بني أمية وبني المغيرة المخزوميين فقط!
قال الإمام الصادق عليه السلام لأحدهم: ما تقولون في ذلك؟ فقال: نقول هما الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة. فقال عليه السلام: بل هي قريش قاطبة! إن الله خاطب نبيه فقال: إني قد فضلت قريشاً على العرب وأتممت عليهم نعمتي وبعثت إليهم رسولاً، فبدلوا نعمتي وكذبوا رسولي). (تفسيرالعياشي: ٢/٢٢٩).
وفي الكافي: ٨/٣٤٥، عن الباقر عليه السلام قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله يوماً كئيباً حزيناً فقال له علي عليه السلام: ما لي أراك يا رسول الله كئيباً حزيناً؟ فقال: وكيف لا أكون كذلك وقد رأيت في ليلتي هذه أن بني تيم وبني عدي وبني أمية يصعدون منبري هذا يردُّون الناس عن الإسلام القهقرى! فقلت: يارب في حياتي أوبعد موتي؟ فقال: بعد موتك)!
١٢ - حديث: الخلافة بعدي ثلاثون سنة صحيح عندهم
أحمد: ٤/٢٧٣، عن النعمان بن بشير قال: كنا قعوداً في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وكان بشير رجلاً يكفُّ حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت. قال حبيب: فلما قام عمرو بن عبد العزيز وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه فقلت له: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين يعني عمر بعد الملك العاض والجبرية، فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسُرَّ به وأعجبه). وفي الطيالسي/٣١، عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن الله عز وجل بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائناً خلافة ورحمة، وكائناً ملكاً عضوضاً، وكائناً عنوة وجبرية وفساداً في الأرض، يستحلون الفروج والخمور والحرير وينصرون على ذلك ويرزقون أبداً، حتى يلقوا الله).
وفي الدارمي: ٢/١١٤، عن أبي عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أول دينكم نبوة ورحمة ثم ملك ورحمة ثم ملك أعفر، ثم ملك وجبروت يستحل فيها الخمر والحرير. قال أبو محمد: سئل عن أعفر فقال: يشبه بالتراب وليس فيه خير). ونحوه أبو يعلى: ٢/١٧٧، وفيه: عتواً وجبرية وفساداً في الأمة. ونحوه الطبراني الكبير١١/٨٨، وفيه: ثم يتكادمون عليها تكادم الحمر!). ملكاً جبرية: أي تسلطاً غير شرعي بالإجبار والقهر. ملكاً عاضاً أو عضوضاً: شديد الظلم على الناس، يعضهم كالكلب!
أقول: هذا الحديث الصحيح عندهم يُفسر الأئمة المضلين ببني أمية، وينص على أن حكم معاوية ومن بعده الى عمر بن عبد العزيز حكمٌ جبري ظالم غير شرعي!
قال في فتح الباري: ٨/٦١: (وإشارته بهذا الكلام تطابق الحديث الذي أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره من حديث سفينة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً). وقال في: ١/٥٤٣: (وغالب طرقها صحيحة أو حسنة وفيه عن جماعة آخرين يطول عددهم). وقال الذهبي في سيره: ١/٤٢١: (وهو متواتر عن النبي صلى الله عليه وآله). وفي صحيحة الألباني: ١/٧٤٢: (رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وهذا من دلائل صدق نبوة النبي صلى الله عليه وآله فإن أبابكر تولى عام١١هـ. وتنازل عنها الحسن بن علي عام٤١ هـ. وهي ثلاثون عاماً كاملة). انتهى.
وهذا الحديث يتفق مع مذهبنا في نفي الشرعية عن حكم معاوية وأمثاله، لكنا لا نقبله لأنه يناقض ما تواتر عند الجميع من وصية النبي صلى الله عليه وآله بعلي والعترة عليه السلام الى جنب القرآن، ونعتبره محاولة لإخراج ابن عبد العزيز من ذم النبي صلى الله عليه وآله لعامة بني أمية!

* * *

١٣ - استمرار حكم الأئمة المضلين وأتباعهم حتى ظهور المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
عقد الدرر/٦٢، عن حذيفة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ويحُ هذه الأمة من ملوك جبابرة كيف يقتلون ويخيفون المطيعين إلا من أظهر طاعتهم، فالمؤمن التقي يصانعهم بلسانه ويفرُّ منهم بقلبه. فإذا أراد الله عز وجل أن يعيد الإسلام عزيزاً قصم كل جبار، وهو القادر على ما يشاء أن يصلح أمة بعد فسادها. فقال عليه السلام: يا حذيفة لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من أهل بيتي، تجري الملاحم على يديه، ويُظهر الإسلام، لايخلف وعده، وهو سريع الحساب. أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في صفة المهدي). ومثله العرف الوردي للسيوطي: ٢/٢، والبرهان للهندي/٩٢، وينابيع المودة/٤٤٨، وكشف الغمة: ٣/٢٦٢، والبحار: ٥١/٨٣.
وقوله صلى الله عليه وآله: لطول الله ذلك اليوم: كناية عن حتمية ظهور المهدي عليه السلام. والملاحم: جمع ملحمة، وأصلها المعركة التي يلتحم فيها الناس، وتطلق على الأحداث الكبيرة.

* * *
الفصل الثاني: ضخموا خطر الدجال للتغطية على الأئمة المضلين

١ - الدجال من وجهة نظر أهل البيت عليهم السلام
يختلف ما تقدمه مصادرنا عن الدجال وحركته، عن التصور الذي تقدمه الأحاديث الواردة في المصادر السنية، بعدة أمور:
منها: أن الدجال عندنا يهودي يقوم بحركة عالمية مضادة للإمام المهدي عليه السلام بعد ظهوره وإقامة دولته العالمية ونزول عيسى عليه السلام، وأتباع الدجال من اليهود والنواصب والشاذين والمومسات. ويظهر أنه يستفيد من تطور العلوم والرخاء الذي يحققه الإمام المهدي عليه السلام بطرق الدجل والشعبذة، ويدعي الربوبية.
ومنها: خلو أحاديثنا من عناصر الأسطورة والمبالغة التي وردت في غيرها.
ومنها: أن كعب الأحبار جعل خروج الدجال بعد فتح القسطنطينية مباشرة! وجعل قيام الساعة بعده بسبع سنوات! فقبلوا أفكاره كلهم، بينما رفضتها مصادرنا وقالت إن دولة العدل الإلهي تستمر طويلاً.
ومع أن علماءهم أجمعوا على قبول أفكار كعب، لكنهم تحيروا بين الدجال الذي قال به تميم الداري، والدجال الذي قال به عمر بن الخطاب، كما يأتي!
أما نحن فروينا أن الدجال هو آخر الأئمة المضلين، في مقابل خاتم الأئمة الهادين عليهم السلام ففي الكافي: ٨/٢٩٦، عن الإمام الباقر عليه السلام من حديث في فضل علي عليه السلام جاء فيه: وأنه ليس من أحد يدعو إلى أن يخرج الدجال إلا سيجد من يبايعه ومن رفع راية ضلال‍ة فصاحبها طاغوت). (وعنه البحار: ٢٨/٢٥٤).
وروينا أن الدجال قائد آخر فئة مضلة، ففي البصائر/٣١٧، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: سلوني قبل أن تفقدوني فوالله لا تسألوني عن فئة تهدى مائة إلا أخبرتكم بسائقها وناعقها، حتى يخرج الدجال).
وروينا أن أتباعه أعداء أهل البيت عليهم السلام: (عن حذيفة بن أسيد قال: سمعت أبا ذر يقول وهو متعلق بحلقة باب الكعبة: أنا جندب بن جنادة لمن عرفني، وأنا أبو ذر لمن لم يعرفني: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من قاتلني في الأولى وفي الثانية، فهو في الثالثة من شيعة الدجال! إنما مثل أهل بيتي في هذه الأمة مثل سفينة نوح في لجة البحر من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ألا هل بلغت؟ (رجال الكشي/٢٩).
وفي أمالي الطوسي: ١/٥٩، عن رافع مولى أبي ذر قال: رأيت أبا ذر رحمه الله آخذاً بحلقة باب الكعبة مستقبل الناس بوجهه وهو يقول: من عرفني فأنا جندب الغفاري ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من قاتلني في الأولى وقاتل أهل بيتي في الثانية حشره الله تعالى في الثالثة مع الدجال، إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق، ومثل باب حطة من دخله نجا ومن لم يدخله هلك). ونحوه: ٢/٧٤، والإيقاظ/٢٤٥، والبحار: ٢٢/٤٠٨، و: ٢٣/١١٩، والدرجات الرفيعة/٢٣٩، وتنقيح المقال: ١/٢٣٥، ومعجم رجال الحديث: ٤/١٦٧، عن الكشي.
وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام: ٢/٤٧، عن أمير المؤمنين: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها غرق، ومن قاتلنا في آخر الزمان فكأنما قاتل مع الدجال). والعمدة/٣٦٠، وكشف اليقين/١١٦، عن الخوارزمي. وغاية المرام/٢٣٧، عن المغازلي، والبحار: ٢٧/٢٠٥، عن العيون. وفي: ٥٢/٣٣٥، عن صحيفة الرضا عليه السلام.
ورواه من مصادر السنيين: مسند الشهاب: ٢/٢٧٣، عن سعيد بن المسيب، عن أبي ذر، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله، وذكره. والطبراني الصغير: ١/١٣٩، وفيه: مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح في قوم نوح من ركبها نجا، ومثل باب حطة في بني إسرائيل. والحاكم: ٣/١٥٠، وفيه: عن حنش الكناني قال: سمعت أبا ذر رضي الله عنه يقول وهو آخذ بباب الكعبة: من عرفني فأنا من عرفني ومن أنكرني فأنا أبو ذر سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول.. كالطبراني. وابن المغازلي/٦٨ و/١٣٤، والشجري: ١/١٥١، وميزان الإعتدال: ١/٤٨٢، ومقتل الخوارزمي: ١/١٠٤، وكشف الهيثمي: ٣/٢٢٢، كلها كمسند الشهاب. والزوائد: ٩/١٦٨.

* * *

فهذه الأحاديث تدل على أن الطرف الذي يقاتل الدجال هم أهل البيت عليهم السلام، وهو طبيعي لأن دولة العدل الإلهي على الأرض ستكون على يد خاتمهم صلوات الله عليهم، والدجال هو آخر حركة ضلال تكون على الأرض.
وقد دلت الأحاديث على شدة عداء الدجال وأتباعه لأهل البيت عليهم السلام ففي المحاسن/٩٠، عن الإمام الصادق عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهودياً. قيل: يا رسول الله وإن شهد الشهادتين! قال: نعم إنما احتجب بهاتين الكلمتين عن سفك دمه، أو يؤدي الجزية وهو صاغر، ثم قال: من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهودياً! قيل: وكيف يا رسول الله؟ قال: إن أدرك الدجال آمن به). ومثله ثواب الأعمال/٢٠٣ و٢٤٢، وعنه البحار: ٥٢/١٩٢، و: ٧٢/١٣٤. وفي مشارق أنوار اليقين/٥٢، عن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أيها الناس من أبغضنا أهل البيت بعثه الله يهودياً لا ينفعه إسلامه، وإن أدرك الدجال آمن به، وإن مات بعثه الله من قبره حتى يؤمن به). ورواه البسوي في المعرفة والتاريخ/٨٣٣، عن حذيفة، وفي نسخته تصحيف.
ومعنى إن أدرك الدجال آمن به: أن التحالف بين النواصب واليهود سيبلغ أوجه في زمن الإمام المهدي عليه السلام، وتكون نهاية النواصب أن يرتدوا عن الإسلام ويتبعوا الدجال زعيم اليهود!

* * *

كما روينا تحريم المدينة على الدجال بمضامين رواياتهم لكن بدون استثناءاتهم. قال الصدوق في الفقيه: ٢/٥٦٤: (وروي أن الصادق عليه السلام ذكر الدجال فقال: لايبقى منها سهل إلا وطأه إلا مكة والمدينة، فإن على كل نقب من أنقابها ملكاً يحفظهما من الطاعون والدجال). والتهذيب: ٦/١٢، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام، وعنه وسائل الشيعة: ١٠/٢٧٢.

* * *

وروت مصادرنا رواية مرسلة قد يفهم منها أن الدجال يفتك بأهل البصرة، ففي شرح النهج لابن ميثم البحراني: ١/٢٨٩، أن علياً عليه السلام (لما فرغ من حرب أهل الجمل أمر منادياً ينادي في أهل البصرة أن الصلاة جامعة لثلاثة أيام من غد إن شاء الله ولا عذر لمن تخلف إلا من حجة أو علة، فلا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً، فلما كان في اليوم الذي اجتمعوا فيه خرج فصلى في الناس الغداة في المسجد الجامع، فلما قضى صلاته قام فأسند ظهره إلى حائط القبلة عن يمين المصلي، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على النبي صلى الله عليه وآله واستغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، ثم قال: يا أهل المؤتفكة، ائتكفت بأهلها ثلاثاً وعلى الله تمام الرابعة، يا جند المرأة وأعوان البهيمة، رغا فأجبتم وعقر فهربتم، أخلاقكم دقاق وماؤكم زعاق، بلادكم أنتن بلاد الله تربة وأبعدها من السماء، بها تسعة أعشار الشر، المحتبس فيها بذنبه والخارج منها بعفو الله، كأني أنظر إلى قريتكم هذه وقد طبقها الماء حتى ما يرى منها إلا شرف المسجد كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر! فقام إليه الأحنف بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين ومتى يكون ذلك؟ قال: يا أبا بحر إنك لن تدرك ذلك الزمان وإن بينك وبينه لقروناً، ولكن ليبلغ الشاهد منكم الغائب عنكم، لكي يبلغوا إخوانهم إذا هم رأوا البصرة قد تحولت أخصاصها دوراً وآجامها قصوراً، فالهرب الهرب فإنه لا بُصَيْرَةَ لكم يومئذ! ثم التفت عن يمينه فقال: كم بينكم وبين الأبلة؟ فقال له المنذر بن الجارود: فداك أبي وأمي، أربعة فراسخ. قال له: صدقت فوالذي بعث محمداً وأكرمه بالنبوة وخصه بالرسالة وعجل بروحه إلى الجنة لقد سمعت منه كما تسمعون مني أن قال: يا علي هل علمت أن بين التي تسمى البصرة والتي تسمى الأبلة أربعة فراسخ، وقد يكون في التي تسمى الأبُلَّة موضع أصحاب العشور يقتل في ذلك الموضع من أمتي سبعون ألفاً شهيد هم يومئذ بمنزلة شهداء بدر! فقال له المنذر: يا أمير المؤمنين ومن يقتلهم فداك أبي وأمي؟ قال: يقتلهم إخوان الجن وهم جيل كأنهم الشياطين، سود ألوانهم منتنة أرواحهم شديد كَلَبُهم قليل سلبهم، طوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه، ينفر لجهادهم في ذلك الزمان قوم هم أذلة عند المتكبرين من أهل ذلك الزمان مجهولون في الأرض معروفون في السماء، تبكي السماء عليهم وسكانها والأرض وسكانها، ثم هملت عيناه بالبكاء ثم قال: ويحك يا بصرة من جيش لا رهَجَ له ولا حس!
قال له المنذر: يا أمير المؤمنين وما الذي يصيبهم من قبل الغرق مما ذكرت، وما الويح وما الويل؟ فقال: هما بابان فالويح باب الرحمة والويل باب العذاب، يا ابن الجارود نعم، ثارات عظيمة منها عصبة يقتل بعضها بعضاً، ومنها فتنة تكون بها خراب منازل وخراب ديار وانتهاك أموال، وقتل رجال وسبي نساء يذبحن ذبحاً، يا ويل أمرهن حديث عجب، منها أن يستحل بها الدجال الأكبر الأعور الممسوح العين اليمنى والأخرى كأنها ممزوجة بالدم لكأنها في الحمرة علقة، ناتئ الحدقة كهيئة حبة العنب الطافية على الماء، فيتبعه من أهلها عدة من قتل بالأبلة من الشهداء، أناجيلهم في صدورهم يقتل من يقتل ويهرب من يهرب، ثم رجف، ثم قذف، ثم خسف، ثم مسخ، ثم الجوع الأغبر، ثم الموت الأحمر وهو الغرق.
يا منذر، إن للبصرة ثلاثة أسماء سوى البصرة في الزبر الأول لايعلمها إلا العلماء منها الخريبة، ومنها تدمر، ومنها المؤتفكة. يا منذر والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو أشاء لأخبرتكم بخراب العرصات عرصة عرصة، ومتى تخرب ومتى تعمر بعد خرابها إلى يوم القيامة، وإن عندي من ذلك علماً جماً، وإن تسألوني تجدوني به عالماً لا أخطئ منه علماً. قال: فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني من أهل الجماعة ومن أهل الفرقة ومن أهل السنة ومن أهل البدعة؟ فقال: ويحك إذا سألتني فافهم عني ولا عليك أن لا تسأل أحداً بعدي: أما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلوا وذلك الحق عن أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وآله، وأما أهل الفرقة فالمخالفون لي ولمن اتبعني وإن كثروا! وأما أهل السنة فالمتمسكون بما سنه الله ورسوله صلى الله عليه وآله لا العاملون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا). وعنه البحار: ٣/١٥ و: ٣٢/٢٥٣.
لكنها خطبة مرسلة لا يمكن الأخذ بها ما عدا القسم الأول الى قوله عليه السلام: (كأنه جؤجؤ طير في لجة بحر)، فقد رواه المؤرخون كابن أبي الحديد وابن منظور وغيرهما. والفقرة التي فيها ذكرت الدجال مبهمة وهي: (يستحل بها الدجال الأكبر الأعور الممسوح العين اليمنى..)، فقد يكون دجال حركة الزنج التي وصفها الإمام عليه السلام في مطلع الخطبة، وقد تحققت وانطبقت عليهم أوصافه عليه السلام: (سود ألوانهم منتنة أرواحهم شديد كَلَبُهم قليل سلبهم، طوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه).

* * *

كما روينا أن الذي يقتل الدجال هو الإمام المهدي عليه السلام ويساعده نبي الله عيسى عليه السلام ففي كمال الدين: ٢/٣٣٥، عن المفضل قال: قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام فهي أرواحنا، فقيل له: يا بن رسول الله، ومن الأربعة عشر؟ فقال: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال ويطهر الأرض من كل جور وظلم). وعنه إثبات الهداة: ١/٥١٧ والبحار: ١٥/٢٣).
وفي منتخب الأثر للشيخ الصافي/١٧٢، عن الكامل في السقيفة لعماد الدين الطبري عن الإمام زين العابدين عليه السلام قال: (إن الله تعالى أعطانا الحلم والعلم والشجاعة والسخاوة والمحبة في قلوب المؤمنين، ومنا رسول الله ووصيه، وسيد الشهداء، وجعفر الطيار في الجنة، وسبطا هذه الأمة، والمهدي الذي يقتل الدجال).

* * *

وروينا أن الحياة تستمر بعد الدجال، رداً على الذين زعموا أن يأجوج ومأجوج يأتون بعده، وتنتهي الحياة وتقوم القيامة! ففي الكافي: ٥/٢٦٠، عن سيابة أن رجلاً سأل الصادق عليه السلام فقال: جعلت فداك أسمع قوماً يقولون إن الزراعة مكروهة! فقال له: إزرعوا واغرسوا، فلا والله ما عمل الناس عملاً أحل ولا أطيب منه، والله ليزرعن الزرع وليُغْرَسَنَّ النخلُ بعد خروج الدجال). والفقيه: ٣/٢٥٠، والتهذيب: ٦/٣٨٤، والوسائل: ١٣/١٩٣، والغايات/٨٨، وعنه البحار: ١٠٣/٦٨، ومستدرك الوسائل: ١٣/٤٦١.

* * *

وروينا أن بداية راية الدجال من بلخ في أفغانستان، ففي البصائر/١٤١، أن رجلاً من أهل بلخ دخل على الإمام الباقر عليه السلام فقال له: يا خراساني تعرف وادي كذا وكذا؟ قال: نعم، قال له: تعرف صدعاً في الوادي من صفته كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: من ذلك يخرج الدجال! في حديث طويل جاء فيه: (وخروج رجل من ولد الحسين بن علي، وظهور الدجال يخرج بالمشرق من سجستان، وظهور السفياني). وعنه المحتضر/١٤١، والبحار: ٢٦/١٨٩ و: ٥٢/١٩٠، وفي: ٥١/٦٨، عن كمال الدين.
ومعنى قوله عليه السلام: (قال له: تعرف صدعاً في الوادي من صفته كذا وكذا؟ قال: نعم قال: من ذلك يخرج الدجال): أن بداية حركة الدجال من أفغانستان من قرى ذلك الوادي، ويؤيده أنه ورد في علامات الظهور أن عَلَم الدجال يظهر في العراق، ففي مناقب آل أبي طالب: ٢/١٠٨، في حديث مرسل عن علي عليه السلام جاء فيه قوله: (وغلبة الروم على الشام، وغلبة أهل أرمينية، وصرخ الصارخ بالعراق: هتك الحجاب وافتضت العذراء وظهر عَلَمُ اللعين الدجال، ثم ذكر خروج القائم).

* * *

كما اتفقت رواياتنا مع مصادرهم في أن الدجال من علامات القيامة، لكن بعض أسانيدها يلتقي بأسانيدهم، فيقع الإشكال في صحتها، ثم في ترتيبها للعلامات.
من ذلك ما في غيبة الطوسي/٢٦٧، عن علي عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: عشر قبل الساعة لا بد منها: السفياني، والدجال، والدخان، والدابة، وخروج القائم وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى عليه السلام وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر). والبحار: ٥٢/٢٠٩.

* * *

كما وصفت رواياتنا من ينتحل ولاية أهل البيت عليه السلام كذباً بأنه أضر على الشيعة من الدجال! ففي صفات الشيعة للصدوق/١٤، عن الإمام الرضا عليه السلام قال: إن ممن يتخذ مودتنا أهل البيت لَمَنْ هو أشد فتنة على شيعتنا من الدجال! فقلت: يا ابن رسول الله بماذا؟ قال: بموالاة أعدائنا ومعاداة أوليائنا! إنه إذا كان كذلك اختلط الحق بالباطل واشتبه الأمر، فلم يعرف مؤمن من منافق). والبحار: ٧٥/٣٩١.
كما وصفت الكذابين بأنهم مهيؤون لأن يتبعوا الدجال! ففي الخصال/١٣٩، عن علي عليه السلام قال: إحذروا على دينكم ثلاثة: رجلاً قرأ القرآن حتى إذا رأيت عليه بهجته اخترط سيفه على جاره ورماه بالشرك! فقلت: يا أمير المؤمنين أيهما أولى بالشرك؟ قال: الرامي. ورجلاً استخفته الأحاديث كلما حدث أحدوثة كذب مدَّها بأطول منها! ورجلاً آتاه الله عز وجل سلطاناً فزعم أن طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، وكذِبَ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق... وإنما أمر الله عز وجل بطاعة الرسول لأنه معصومٌ مطهَّرٌ لا يأمر بمعصية. وإنما أمر بطاعة أولي الأمر لأنهم معصومون مطهرون لا يأمرون بمعصية). وكتاب سليم/٤٠٥، وشرح الأخبار: ٣/٣٩١، بتفاوت ووسائل الشيعة(آل البيت): ٢٧/١٣٠، وابن حماد: ٢/٥٢٠، بعضه، وفيه: رجل قد استخفته الأحاديث كلما وضع أحدوثة كذب وانقطعت مدها بأطول منها! إن يدرك الدجال يتبعه).

* * *

وروينا أن المسيح يساعد المهدي عليهما السلام على الدجال، ففي أمالي الصدوق/٢٢٤، عن حماد، عن عبد الله بن سليمان، وكان قارئاً للكتب قال: قرأت في الإنجيل: (يا عيسى جِدَّ في أمري ولا تهزل، واسمع وأطع، يا ابن الطاهرة الطهر البكر البتول أتيت من غير فحْل، أنا خلقتك آية للعالمين، فإياي فاعبد وعليَّ فتوكل. خذ الكتاب بقوة. فسِّر لأهل سوريا بالسريانية. بلغ من بين يديك أني أنا الله الدائم الذي لا أزول. صدقوا النبي الأمي صاحب الجمل والمدرعة والتاج والنعلين والهراوة، الأنجل العينين، الصلت الجبين، الواضح الخدين، الأقنى الأنف، المفلج الثنايا... ذو النسل القليل، إنما نسله من مباركة لها بيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب، يكفلها في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك، لها فرخان مستشهدان، كلامه القرآن، ودينه الإسلام، وأنا السلام، طوبى لمن أدرك زمانه وشهد أيامه وسمع كلامه.
قال عيسى: يا رب وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة أنا غرستها، تُظِلُّ الجنات، أصلها من رضوان، ماؤها من تسنيم، برده برد الكافور، وطعمه الزنجبيل، من يشرب من تلك العين شربةً لا يظمأ بعدها أبداً. فقال عيسى: اللهم اسقني منها، قال: حرام يا عيسى على البشر أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي، وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى تشرب أمة ذلك النبي، أرفعك إليَّ ثم أهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب، ولتعينهم على اللعين الدجال، أهبطك في وقت الصلاة لتصلي معهم إنهم أمة مرحومة). انتهى. ومثله كمال الدين: ١/١٥٩، وقال: وكانت للمسيح عليه السلام غيبات يسيح فيها في الأرض فلايعرف قومه وشيعته خبره، ثم ظهر فأوصى إلى شمعون بن حمون، فلما مضى شمعون غابت الحجج بعده واشتد الطلب وعظمت البلوى ودرس الدين وضيعت الحقوق وأميتت الفروض والسنن، وذهب الناس يميناً وشمالاً لايعرفون أيّاً من أي، فكانت الغيبة مائتين وخمسين سنة). وعنه البحار: ١٦/١٤٤، و: ٥٢/١٨١.

* * *

وأخيراً، روينا أن أشر الناس أئمة الضلال الإثنا عشر، من الأولين ستة، ومن الآخرين ستة أحدهم الدجال، كما في الخصال/٤٥٧: (اثنا عشر، ستة من الأولين وستة من الآخرين) ثم سمى الستة من الأولين ابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون وهامان وقارون والسامري (والدجال اسمه في الأولين ويخرج في الآخرين).
وفي كتاب سُليم رحمه الله /١٦١ عن علي عليه السلام: (فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله عنهم وأنتم شهود فقال: أما الأولون فابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون الفراعنة، والذي حاج إبراهيم في ربه، ورجلان من بني إسرائيل بدَّلا كتابهم وغيَّرا سنتهم، أما أحدهما فهوَّدَ اليهود والآخر نَصَّرَ النصارى، وإبليس سادسهم. وفي الآخرين الدجال). والإحتجاج: ١/١١٣.
٢ - أحاديث الدجال في مصادر السنيين غابة متناقضة
عندما تقرأ أحاديث الدجال في مصادرهم تجد التناقض فيها بلغَ أوْجَهُ وطفح! وقد سبَّب ذلك أن بعض علمائهم صار حشوياً يقبل كل ما رُوِيَ بدون تفكير! وهذه ظاهرة خطيرة تنشر في المسلمين الهرطقة والإعتقاد بالضد والنقيض وتنسبه الى الإسلام! كما هو الحال عند خادم قبر حجر بن عدي رحمه الله الذي سأله أحدهم: قبرُ مَن هذا؟ فقال: هذا قبر سيدنا حجر رضي الله عنه، فسأله: من قتله؟ قال: قتله سيدنا معاوية رضي الله عنه، فسأله: لماذا قتله: قال: لأنه لم يسب سيدنا علي رضي الله عنه! قال له: كلهم سيدك؟ قال: نعم ياسيدي! وكذلك حالهم في الدجال، فقد اعتقدوا فيه الضد والنقيض عالمهم وعاميُّهم! ذلك أنهم أعرضوا عن أهل البيت عليهم السلام وأخذوا عقيدتهم من كعب الأحبار وتميم الداري، وتأكيد عمر على ولادة الدجال وغيبته!
سماه اليهود المسيح الدجال بغضاً بالمسيح عليه السلام فتبعوهم!
المهدي عليه السلام في الأديان خاتم المبعوثين لإصلاح الأرض، وعلى يده تتحقق دولة العدل الإلهي ويزول الظلم البشري. والدجال في الأديان السماوية آخر حركة تضليلية تزويرية. وقد طبقه اليهود بظلمهم على المسيح صلوات الله على نبينا وآله وعليه فسموا الدجال افتراءً وبهتاناً (المسيح الدجال) ونشروا ذلك في المسلمين! ونسبت مصادرهم تسميته المسيح الى النبي صلى الله عليه وآله وبرروه بأن عينه ممسوحة! بل سموه المسيح فقط بدون لفظ الدجال تماماً كما فعل اليهود! ولا عجب فرواة ذلك تلاميذ أحبار اليهود الذين سماهم النبي صلى الله عليه وآله: (المتهوكين)! لكن الرائع حقاً أن النبي صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام سمَّوه الدجال فقط، ولم يسموه المسيح أبداً! فلا تجد ذلك في حديث صحيح عنهم عليهم السلام!
خالفوا النبي صلى الله عليه وآله وجعلوا الدجال أخطر من الأئمة المضلين!
حيث رووا الحديث الصحيح الذي نص على أن الأئمة المضلين أخطر من الدجال ثم رووا أن الدجال أخطر من جميع الفتن! قال ابن حماد: ٢/٥١٨، عن هشام بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما بين خلق آدم عليه السلام إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال! وفي طبقات ابن سعد: ٧/٢٦، الى هشام بن عامر قال: إنكم تجاوزوني إلى رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ما كانوا بألزم لرسول الله صلى الله عليه وآله مني، ولا أحفظ مني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما بين خلق آدم والقيامة فتنة أعظم من الدجال)! وابن أبي شيبة: ١٥/٢٣، وأحمد: ٤/١٩، ومسلم: ٤/٢٢٦٦، كابن حماد، عن عمران بن حصين. وأبو يعلى: ٣/١٢٦، بروايتين عنه وعن هشام بن عامر. والطبراني الكبير: ٢٢/١٧٤، عن هشام بن عامر، والمعجم الأوسط: ٥/٢٧، نحوه، ولفظه: ما أهبط الله إلى الأرض منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أعظم من فتنة الدجال! والحاكم: ٤/٥٢٨، كابن أبي شيبة وصححه على شرط بخاري، والفردوس: ٤/٣٤٠، كابن حماد، والجامع الصغير: ٢/٤٨٩، عن أحمد ومسلم وصححه، والدر المنثور: ٥/٣٥٤:
وابن حماد: ٢/٥١٧، عن أبي أمامة الباهلي، أنه أعظم الفتن جميعاً، وقد كذب ما صح من أن فتنة الأئمة المضلين أعظم! قال: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فكان أكثر خطبته ما يحدثنا عن الدجال يحذرناه، وكان من قوله: يا أيها الناس إنها لم تكن فتنة في الأرض أعظم من فتنة الدجال، وإن الله تعالى لم يبعث نبياً إلا حذره أمته، وأنا آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لامحالة، فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيج كل مسلم، وإن يخرج بعدي فكل امرئ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم، فمن لقيه منكم فليتفل في وجهه وليقرأ بفواتيح سورة الكهف). انتهى.
وتعالَ انظر الى هذا (الرعب الديني) من الدجال برواية ابن حماد: ٢/٥١٨، التي تزعم أن النبي صلى الله عليه وآله: (تخوف الدجال وذكر من علاماته وإمارته ومقدمات أمره، حتى ظن الملأ أنه ثايرٌ عليهم من بينهم من النخل أو خارج من النخل عليهم! ثم قام لبعض شأنه ثم عاد وقد اشتد تخوف من حضره وبكاؤهم! فقال: مهيم، ثلاثاً، ما الذي أبكاكم؟ قالوا: ذكرت الدجال وقربت أمره حتى ظننا أنه ثائر علينا، وأنه خارج من النخل علينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه. إحدى عينه مطموسة والأخرى ممزوجة بالدم كأنها الزهرة). انتهى. وقد تبعه كثيرون في نشر الرعب احتساباً قربةً الى الله! منهم: مسلم في صحيحه: ٤/٢٢٥٠، عن نواس بن سمعان قال: (ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال غداة فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل! فقال: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط عينه طافئة كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتيح سورة الكهف. إنه خارج من خلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً. يا عباد الله فاثبتوا. قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً يومٌ كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم. قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، أقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت دراً وأسيغه ضروعاً وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم فيصبحون مملحين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك! فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح بن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قَطَرَ، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يجد ريح نَفَسه أحد إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يَدَانِ لأحد بقتالهم فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم(مأجوج) النغف(الدود) في رقابهم فيصبحون فرسى(صرعى) كموت نفس واحدة! ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيت شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يكن منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرَّسل(القطيع) حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي النفر من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة). ورواه في/٢٢٥٥، وفيه: ثم يسيرون(يأجوج) حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس فيقولون لقد قتلنا من في الأرض هلمَّ فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دماً. وابن ماجة: ٢/١٣٥٦، كمسلم بتفاوت يسير، عن النواس الكلابي. وأبو داود: ٤/١١٧ مختصراً، عن النواس بن سمعان. والترمذي: ٤/٥١٠، كرواية مسلم الأولى بتفاوت، عن النواس بن سمعان. والبدء والتاريخ: ٢/١٩٣، كابن حماد بتفاوت، مرسلاً. والطبراني الكبير: ٨/١٧١، بمعناه، عن أبي أمامة الباهلي. والحاكم: ٤/٤٩٢، كمسلم وصححه على شرط الشيخين. وفي/٥٣٠، أوله بتفاوت. وفي/٥٣٦، عن نفير كابن حماد بتفاوت، وصححه على شرط مسلم. وقال السيوطي في الدر المنثور: ٤/٣٣٦: وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر، والبيهقي في البعث عن النواس بن سمعان. وفي: ٥/٣٥٣: وأخرج أحمد والحاكم وصححه، وأحمد: ٤/١٨١، عن النواس كمسلم بتفاوت. وأبو داود: ٤/١١٧، عن النواس، وآخر عن أبي أمامة بمعناه. وابن ماجة: ٢/١٣٥٦، كأحمد بتفاوت. والترمذي: ٤/٥١٠، كأحمد وحسنه، والحاكم: ٤/٤٩٢ كأحمد وصححه على شرط الشيخين! وذرى الحيوان: سنامه وأعلاه، والخواصر والذروع: جمع خاصرة وذرع. ويعسوب النحل: ملكتها. والغرض: الهدف. والنَّغَف: في الأصل الحزام الجلدي شبهت به الحشرات التي تبعث عليهم. والزَّهم بفتح الزاي: الوغف والنتن.
وهي إسرائيليات مخلوطة بخيال الراوي كبقية روايات الباب، وتلاحظ أن رواية مسلم تضمنت: (فقال صلى الله عليه وآله: غير الدجال أخوفني عليكم) لكن ذلك لا أثر له في وسط هذا الحشد الصاخب الأسطوري عن الدجال! لذلك لا بد لك أن تبحث عن المضمون النبوي الصحيح بملاحظة مجموع الروايات.
وجعلوا للدجال قدرات أسطورية!
في مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٣٥/١١٨: (وقد قال صلى الله عليه وآله: لا تقوم الساعة حتى يكون فيكم ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه رسول الله. وأعظم الدجاجلة فتنةً الدجال الكبير الذي يقتله عيسى بن مريم، فإنه ما خلق الله من لدن آدم الى قيام الساعة أعظم من فتنته! وأمَرَ المسلمين أن يستعيذوا من فتنته في صلاتهم! وقد ثبت أنه يقول للسماء أمطري فتمطر وللأرض أنبتي فتنبت! وأنه يقتل رجلاً مؤمناً ثم يقول له قم فيقوم فيقول أنا ربك! فيقول له كذبت بل أنت الأعور الكذاب الذي أخبرنا عنه رسول الله صلى الله عليه وآله، والله ما ازددت فيك إلا بصيرة. فيقتله مرتين فيريد أن يقتله في الثالثة فلايسلطه الله عليه.. فهذا هو الدجال الكبير ودونه دجاجلة منهم من يدعي النبوة). وفي فتن ابن حماد: ٢/٥٣٦، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: الدجال أعور العين اليسرى، جِفَالُ الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار... وعن ابن عمر يرفعه: الدجال إحدى عينيه مطموسة والأخرى ممزوجة بالدم كأنها الزهرة، ويسير معه جبلان جبل من أنهار وثمار وجبل دخان ونار، يشق الشمس كما يشق الشعرة، ويتناول الطير في الهواء). وأحمد: ٥/٣٢٤، عن عُبَادَة، كرواية ابن حماد الأولى بتفاوت يسير. وفي/٣٩٧، كروايته الثانية. وكذا مسلم: ٤/٢٢٤٨، وأبو داود: ٤/١١٦، كأحمد الأولى، وابن ماجة: ٢/١٣٥٣، كرواية ابن حماد الثانية، عن حذيفة. وحلية الأولياء: ٥/١٥٧، و: ٩/٢٣٥، كابن حماد الأولى، بتفاوت يسير. والبغوي: ٣/٤٩٨، كرواية مسلم، من صحاحه، وفي/٥٠٧، كابن حماد من حسانه.. الى آخر القائمة الطويلة!
ابن أبي شيبة: ١٥/١٣٣، عن حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الدجال يخوض البحار إلى ركبتيه، ويتناول السحاب، ويسبق الشمس إلى مغربها، وفي جبهته قرن يخرص منه الحيات، وقد صور في جسده السلاح كله، حتى ذكر السيف والرمح والدرق. قال قلت: وما الدرق؟ قال: الترس). الخُرص بالضم: الحلقة الصغيرة في الإذن أو غيرها وبالفتح: التخمين والظن، والمعنى أن الدجال له قرنٌ يصنع منه الحيات.
ابن أبي شيبة: ١٥/١٣٣، أو: ٨/٦٤٨، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لأنا أعلم بما مع الدجال من الدجال، معه نهران يجريان أحدهما رأي العين ماء أبيض، والآخر رأي العين نار تأجج فإما أدرك أحد ذلك فليأت النهر الذي يراه نارا فليغمض ثم ليطأطئ رأسه وليشرب فإنه ماء بارد وإن الدجال ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب). وأحمد: ٥/٣٨٦، والحاكم: ٤/٤٩١، وصححه، وبآخر أكثر أسطورة، وطوال الطبراني/١٢٥، والكبير: ٨/١٤٦، والدر المنثور: ٤/٢١٠، و٢٥٢.. الى آخر القائمة!
وعبد الرزاق: ١١/٣٩١، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية (تشترك مع فاطمة بنت قيس برواية الدجال) قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في بيتي فذكر الدجال فقال: إن بين يديه ثلاث سنين، سنة تمسك السماء ثلث قطرها، والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها، والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله والأرض نباتها كله، فلا تبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من البهائم إلا هلكت. وإن من أشد الناس فتنة أنه يأتي الأعرابي فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك ألست تعلم أنني ربك؟ قال فيقول: بلى، فيتمثل له الشيطان نحو إبله، كأحسن ما تكون ضروعاً وأعظمه أسنمة. قال: ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه فيقول: أرأيت إن أحييت لك أباك وأحييت لك أخاك أليس تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيتمثل له الشيطان نحو أبيه ونحو أخيه. قالت: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله لحاجة له ثم رجع، قالت: والقوم في اهتمام وغم مما حدثهم به، قالت فأخذ بلحمتي الباب وقال: مهيم أسماء(ماذا يا أسماء؟) قالت قلت: يا رسول الله لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال، قال: إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه وإلا فإن ربي خليفتي من بعدي على كل مؤمن. قالت أسماء: فقلت يا رسول الله والله إنا لنعجن عجينتنا فما نخبزها حتى نجوع فكيف بالمؤمنين يومئذ؟ قال: يجزئهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح والتقديس)! وابن حماد: ٢/٥٢٧، وبعده، عن ابن عمر، وأحمد: ٦/٧٥ ٧٦، عن عائشة، وقالت: فأين العرب يومئذ؟ قال صلى الله عليه وآله: العرب يومئذ قليل). الى آخر صفحاتهم من نوع ما تقدم وأكثر منه بؤساً!
الدجال في صحيح بخاري!
روى في: ١/٢٠٢، و: ٧/١٥٩/و١٦١، و: ٨/١٠٣، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله كان يستعيذ في صلاته من الدجال! فيقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات. ونحوه في: ٢/١٠٣ عن أبي هريرة، و: ٥/٢٢٣، عن أنس، وفي: ٧/١٥٨، أن سعدً كان يستعيذ (من فتنة الدنيا أي فتنة الدجال).
وروى ما نوافقه عليه في: ٨/١٠٣، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وآله قال: المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله).
وكذا في: ٢/٢٢٣، و: ٨/١٠١، عن أبي بكرة قول النبي صلى الله عليه وآله: لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان). ونحوه عن أبي هريرة.
لكن بخاري خرَّب ذلك بحديث عن أنس جاء فيه: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كل كافر ومنافق... وبآخر في: ٨/١٠١، عن أنس قال النبي صلى الله عليه وآله: يجيء الدجال حتى ينزل في ناحية المدينة ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق). وبآخر عن الخدري جاء فيه: ينزل بعض السباخ التي بالمدينة فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله صلى الله عليه وآله حديثه فيقول الدجال: أرأيت إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحييه: والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم! فيقول الدجال: أقتله فلا يسلط عليه). ورواه في: ٨/١٠٣. فصار معنى تحريم المدينة على الدجال أنه ينزل في ضاحيتها فيهرب منها أهلها! ويأتيه منافقوها ويسلط على مؤمنيها ويقتل منهم رجلاً صالحاً! فماذا بقي من حفظها منه؟!
وروى بخاري في: ٤/١٠٥، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أن الدجال: يجيء معه بمثال الجنة والنار فالتي يقول إنها الجنة هي النار. وفي/١٤٣، عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: إن مع الدجال إذا خرج ماء وناراً فأما الذي يرى الناس أنها النار فماء بارد، وأما الذي يرى الناس أنه ماء بارد فنار تحرق! فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى أنها نار فإنه عذب بارد). وفي: ٨/١٠١: (فناره ماء بارد وماؤه نار).
وفي: ٣/١٢٣، عن أبي هريرة أنه صار يحب بني تميم لأن النبي صلى الله عليه وآله قال إنهم أشد الناس على الدجال! ورواه في: ٥/١١٥، وقال: وكانت فيهم سبية عند عائشة فقال صلى الله عليه وآله: إعتقيها فإنها من ولد إسماعيل)! فجعل بني تميم من ذرية إبراهيم عليه السلام!
وروى في: ٨/١٥٨، أن جابر بن عبد الله كان يحلف أن ابن الصائد الدجال! قلت: تحلف بالله؟ قال إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي صلى الله عليه وآله فلم ينكره النبي).
وروى في: ٨/١٠١، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله صدق قول عمر وابنه في أن الدجال قد ولد وأن النبي صلى الله عليه وآله رأى الدجال عند الكعبة وقال: بينا أنا قائم أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبط الشعر ينطف أو يهراق رأسه ماء قلت من هذا؟ قالوا: ابن مريم ثم ذهبت التفت فإذا رجل جسيم أحمر جعد الرأس أعور العين كأنه عينه عنبة طافية، قالوا: هذا الدجال! أقرب الناس به شبهاً ابن قطن رجل من خزاعة). وفي: ٧/٥٨ و: ٥/١٢٦ و: ٨/٧٢، عن ابن عمر أن النبي رآه وقال صلى الله عليه وآله: وإذا أنا برجل جعد قطط أعور العين اليمنى كأنها عنبة طافية، فسألت من هذا؟ فقيل المسيح الدجال)! انتهى.
وهذه الأحاديث المزعومة مردودة بما صح عندهم عن النبي صلى الله عليه وآله من أن فتنة الأئمة المضلين أشد الفتن وأخوفها على الأمة! وبأن تحريم المدينة المنورة على الدجال يعني حفظها منه وعدم تسليطه على أهلها، وبأنه من المحال أن يعطي الله تعالى لعدوه الدجال القدرة على المعجزة وإحياء الموتى.. الخ.
وأفضل ما رواه بخاري: ٨/١٠١، حديث يكذب كل أساطيرهم في الدجال حتى ما رواه بخاري نفسه! وأنهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله عن أساطير اليهود في الدجال فقال للمغيرة بن شعبة: (مايضرك منه؟! قلت: لأنهم يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء! فقال صلى الله عليه وآله: هو أهون على الله من ذلك). وأحمد: ٤/٢٥٢، وابن حماد: ٢/٥٥٢، وابن شيبة: ١٥/١٢٩، و: ٩/٨٢ ومسلم: ٤/٢٢٥٧، و٤/١٣٥٤، وأحمد: ٤/٢٤٦ و٢٥٢، وفي/٢٤٨: إنهم يزعمون أن معه جبال الخبز وأنهار الماء.
فهذا الحديث الصحيح عندهم ينسف كل ما رووه في تضخيم الدجال وتخويف الناس من خوارقه ومعجزاته! ويضع يدك على المتهوكين الذين كانوا يشيعون أساطير الدجال في المسلمين فيكذبهم النبي صلى الله عليه وآله!
لكن رغم كل ذلك فقد أشربوا بأساطير الدجال وطول حماره، وما زلت ترى أساطير اليهود في مصادرهم وأن عوامهم في شرق الأرض وغربها يصدقونها، لأن أئمتهم سوقوها لهم وضيعوا الأحاديث المطمئنة التي تنفي المكذوبات!
فالدجال ما زال عندهم يحيي ويميت، ومعه جنة ونار، وجبل من ثريد، وحماره سبعون ذراعاً بذراع الله، وينفخ نفسه فيملأ الطريق، ومن يكفر به يفتقر! والمسلمون كلهم يفرون منه في الجبال، ويلجؤون الى بيت المقدس! الخ.
٣ - عقيدة اليهود في الدجال!
وهي تدلنا على مدى تخريب كعب والمتهوكين لعقيدة الدجال عند المسلمين! ففي إقبال الأعمال لابن طاووس: ٢/٣١ أو٣١٩، جاء في حديث طويل في مناظرة النبي صلى الله عليه وآله مع وفد نجران وإسلام أحدهم واسمه حارثة.. قال حارثة: وأحذركم يا قوم أن يكون من قبلكم من اليهود أسوة لكم، إنهم أنذروا بمسيحين: مسيح رحمة وهدى ومسيح ضلالة، وجعل لهم على كل واحد منهما آية وأمارة، فجحدوا مسيح الهدى وكذبوا به وآمنوا بمسيح الضلالة الدجال وأقبلوا على انتظاره، وأضربوا في الفتنة وركبوا نتجها، ومن قبل نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وقتلوا أنبياءه والقوامين بالقسط من عباده، فحجب الله عز وجل عنهم البصيرة بعد التبصرة، بما كسبت أيديهم، ونزع ملكتهم منهم ببغيهم وألزمهم الذلة والصغار).
وقال المناوي في فيض القدير: ٣/٧١٨: (قال البسطامي: الدجال مهدي اليهود، ينتظرونه كما ينتظر المؤمنون المهدي، ونقل عن كعب الأحبار أنه رجل طويل عريض الصدر مطموس يدعي الربوبية، معه جبل من خبز وجبل من أجناس الفواكه، وأرباب الملاهي جميعاً يضربون بين يديه بالطبول والعيدان والمعازف والنايات فلا يسمعه أحد إلا تبعه إلا من عصمه الله! قال: ومن أمارات خروجه تهب ريح كريح قوم عاد ويسمعون صيحة عظيمة وذلك عند ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكثرة الزنا وسفك الدماء، وركون العلماء إلى الظلمة والتردد إلى أبواب الملوك، ويخرج من ناحية المشرق من قرية تسمى دسر أبادين ومدينة الهوازن ومدينة أصبهان، ويخرج على حمار وهو يتناول السحاب بيده ويخوض البحر إلى كعبيه، ويستظل في أذن حماره خلق كثير، ويمكث في الأرض أربعين يوماً، ثم تطلع الشمس يوماً حمراء ويوماً صفراء ويوماً سوداء، ثم يصل المهدي وعسكره إلى الدجال فيلقاه فيقتل من أصحابه ثلاثين ألفاً فينهزم الدجال ثم يهبط عيسى إلى الأرض وهو متعمم بعمامة خضراء متقلد بسيف راكب على فرسه، وبيده حربة فيأتي إليه فيطعنه بها فيقتله. إلى هنا كلامه نقلاً عن كعب الأحبار). انتهى.
أقول: كلام كعب عن عقيدة اليهود صحيح لكنه مبتور ومضاف اليه! فقد بتر كعب تطبيق قومه اليهود للدجال على نبي الله عيسى المسيح عليه السلام! وقد عرفت أن وصف الدجال بالمسيح لم يصدر عن النبي وآله صلى الله عليه وآله، بل أخذه الصحابة المتهوكون من اليهود ونشروه في المسلمين!
كما أضاف كعب في الثقافة التي نشرها بين المسلمين ظهور المهدي ونزول المسيح عليهما السلام وقتالهما للدجال، لأنه أسلم رسمياًً فكان مضطراً لمداراة المسلمين! وفي نفس الوقت أدخل مفاهيم يهوديته في عقيدة المهدي والدجال، مثل أن الدجال عربي، وأن المهدي عليه السلام لايحقق هدفه بل يُقتل على يد الروم، وأن الكعبة تُهدم ومكة تخرب، وتنتهي الدنيا بعد الدجال بقليل، وتقوم القيامة!
والعجيب من جرأة كعب أنه روى أساطير اليهود عن النبي صلى الله عليه وآله مع أنه لم يره! بل دفع تلاميذه الى روايتها كأبي هريرة وعبدالله بن عمرو العاص وعبدالله بن عمر وغيرهم، فرووها عن كعب كأنها أحاديث أو أسندوها إكراماً لكعب الى النبي صلى الله عليه وآله!
وفي تاريخ الطبري: ١/١٢: (وزعموا أن اليهود إنما نقصوا ما نقصوا من عدد سني ما بين تاريخهم وتاريخ النصارى، دفعاً منهم لنبوة عيسى بن مريم عليه السلام، إذ كانت صفته ووقت مبعثه مثبتة في التوراة، وقالوا لم يأت الوقت الذي وقت لنا في التوراة أن الذي صفته صفة عيسى يكون فيه! وهم ينتظرون بزعمهم خروجه ووقته، فأحسب أن الذي ينتظرونه ويدعون أن صفته في التوراة مثبتة هو الدجال الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله لأمته، وذكر لهم أن عامة أتباعه اليهود، فإن كان ذلك هو عبد الله بن صياد، فهو من نسل اليهود).
اليهود نشروا الأسطورة والخوف من الدجال!
في مناقب آل أبي طالب: ١/١٢٩: (جاء أعرابي فقال: يا رسول الله بلغنا أن المسيح يعني الدجال، يأتي الناس بالثريد وقد هلكوا جميعاً جوعاً، أفترى بأبي أنت وأمي أن أكفَّ من ثريده تعففاً وتزهداً؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: يغنيك الله بما يغني به المؤمنين). انتهى. فلاحظ أن الأعرابي الصحابي سماه المسيح فقط، كما سمعه من زملائه الصحابة المتهوكين أو من أساتذتهم حاخامات اليهود.
واقرأ في ابن شيبة: ٥/١٣٤، (عن عائشة قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وآله وأنا أبكي فقال: ما يبكيك؟ فقلت يا رسول الله ذكرت الدجال، قال: فلا تبكي فإن يخرج وأنا حي أكفيكموه، وإن أمت فإن ربكم ليس بأعور وإنه يخرج معه يهود أصبهان فيسير حتى ينزل بضاحية المدينة، ولها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان، فيخرج إليه شرار أهلها، فينطلق حتى يأتي لُدّ فينزل عيسى بن مريم فيقتله، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة أو قريباً من أربعين سنة، إماماً عادلاً وحكماً مقسطاً).
وأحمد: ٦/٧٥، بنحوه، وفيه: إنه يخرج في يهودية أصبهان حتى يأتي المدينة فينزل ناحيتها، ولها يومئذ سبعة أبواب على كل نقب منها ملكان، فيخرج إليه شرار أهلها حتى يأتي(الشام كذا) مدينة بفلسطين بباب لد. وقال أبو داود مرة: حتى يأتي فلسطين بباب لد، فينزل عيسى عليه السلام فيقتله، ثم يمكث عيسى عليه السلام في الأرض أربعين سنة إماماً عادلاً.
ومجمع الزوائد: ٧/٣٣٨، ووثقه، وابن حماد: ٢/٥٨١، عن أبي عمرو الشيباني قال: كنت مع حذيفة بن اليمان في المسجد إذ جاء أعرابي يهرول حتى وقف بين يديه فقال: أخَرَجَ الدجال؟ فقال حذيفة: أنا لما دون الدجال أخوف مني للدجال، وما الدجال؟ إنما فتنته أربعون يوماً... فيوم كالسنة... قالوا: يارسول الله فكيف نصلي في تلك الأيام الطوال؟ قال: تقدرون كما تقدرون في هذه الأيام القصار ثم تصلون. ونحوه عبد الرزاق: ١١/٣٩٢، وابن شيبة: ١٥/١٣٢، بعضه، وأحمد: ٦/٤٥٤، عن عبد الرزاق، ولفظ الطبري في الأحاديث الطوال/١٢٥، أصح. وفي الزوائد: ٧/٣٣٦، عن ابن الحرث: (ماكنا نسمع فزعة ولارجة في المدينة إلا ظننا أنه الدجال)!
أقول: بكاء عائشة يدل على صلتها بأحاديث اليهود وتصديقها بها، فطمأنها النبي صلى الله عليه وآله.
وزعموا أن جميع الأنبياء عليهم السلام حذروا من دجالهم الأسطوري!
عبد الرزاق: ١١/٣٩٠، عن ابن عمر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: إني لأنذركموه، وما من نبي إلا قد أنذره قومه لقد أنذره نوح قومه! ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه، تعلمون أنه أعور وأن الله ليس بأعور! وقال: قال الزهري: أخبرني عمر بن ثابت الأنصاري أنه أخبره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال يومئذ للناس وهو يحذرهم فتنة الدجال: إنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت، وإنه مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه من كره عمله! وابن حماد: ٢/٥١٨، عن عبد الرزاق. وابن أبي شيبة: ١٥/١٢٨عن جابر وابن عمر وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله ذكر المسيح بين ظهراني الناس وقال: إن الله ليس بأعور وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية! وفي ابن أبي شيبة: ١٥/١٣١: وإنه أعور عين اليمنى لا حدقة له، جاحظة والأخرى كأنها كوكب دري وإنه يتبعه من كل قوم يدعونه بلسانهم إلهاً!
والطيالسي/٧٣، عن ابن خباب: إحدى عينيه كأنها زجاجة خضراء. ورواه من تأخر عنهم بعشرات الروايات! وفي: ٢/٣٣ و/١٢٤، و/١٣١، و١٤٩، كل ذلك عن ابن عمر. وفي: ٣/٧٩، كرواية ابن أبي شيبة الرابعة، وفيها: وعينه اليمنى عوراء جاحظة لاتخفى كأنها نخامة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تداخن. وفي: ٥/٤٣٣، بعضه، عن عبد الرزاق. والطيالسي/٢٦٥ و٣٠٦، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ما من نبي إلا وقد أنذر الدجال أمته... ألا وإني قائل فيكم قولاً لم يقله نبي قبلي: إنه أعور وربكم تبارك وتعالى ليس كذلك!).
ثم جاء بخاري فرواه في: ٤/١٦٣، كما في عبد الرزاق، عن ابن عمر. وعن أبي هريرة: ألا أحدثكم حديثاً عن الدجال ما حدث به نبي قومه، إنه أعور وإنه يجيء معه بمثال الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه. وفي: ٩/٧٥، كرواية عبد الرزاق، بتفاوت يسير، عن أنس، وأخرى كرواية الطيالسي الثانية بتفاوت يسير.
ثم جاء مسلم النيسابوري فرواه: ٤/٢٢٤٥، كعبد الرزاق بتفاوت يسير عن ابن عمر وفي/٢٢٤٧، عن ابن أبي شيبة، وفي/٢٢٤٨، كرواية الطيالسي الأولى بتفاوت يسير. ثم أبو داود: ٤/١١٦، عن الطيالسي، ومثله عن مسدد، وشعبة وأنس. والترمذي: ٤/٥٠٨، و/٥١٤، وأبو يعلى: ٢/٧٨ و: ٥/٣٦٨، وفيه: يخرج في قلة من الناس ونقص من الطعام، يدخل أمصار العرب كلها غير طيبة وهي المدينة. قال قائل: يا نبي الله أما يريد المدينة؟ قال: بلى ولكن الملائكة صافون بنقابها وأبوابها يحرسونها. ثم رواه بخمس روايات أخرى! وحلية الأولياء: ٤/٣٣٤، والخطيب البغدادي: ٣/١١٨، بثلاث روايات والبغوي: ٣/٤٩٧، بأربع روايات.. الى آخر القائمة.

* * *

وروى الطيالسي/١٥٠، حديثاً آخر عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إنه لم يكن نبي إلا وقد أنذر الدجال أمته، ألا وإنه أعور عين الشمال وباليمنى ظفرة غليظة بين عينيه كافر يعني مكتوب كاف فاء راء، ويخرج معه واديان إحداهما جنة وأخرى نار، فناره جنة وجنته نار، فيقول الدجال للناس: ألست بربكم أحيى وأميت؟ ومعه نبيان من الأنبياء إني لأعرف إسمهما وإسم آبائهما لو شئت أن أسميهما سميتهما، أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره فيقول: ألست بربكم أحيى وأميت؟ فيقول أحدهما: كذبت، فلا يسمعه أحد من الناس إلا صاحبه، ويقول الآخر: صدقت ويسمعه الناس وذلك فتنة. ثم يسير حتى يأتي المدينة فيقول: هذه قرية ذاك الرجل فلا يؤذن له أن يدخلها، ثم يسير حتى يأتي الشام فيهلكه الله عند عقبة أفيق). ورواه مَن جاء بعده على منواله كابن أبي شيبة: ١٥/١٣٧، وأحمد: ٥/٢٢١، والطبراني الكبير: ٧/٩٨، وابن عساكر في تهذيبه: ١/١٩٥، وغيرهم وغيرهم! ورووا أخرى وأخرى.. كابن أبي شيبة: ١٥/١٣٥، وابن حماد: ٢/٥٤٢، و٥٤٦، وأحمد: ١/١٩٥، وأبو داود: ٤/٢٤١، والترمذي: ٤/٥٠٧، وأبو يعلى: ٢/١٧٨، والحاكم: ٤/٥٤٢، والبغوي: ٣/٥٠٧، وغيرهم وغيرهم!
فانظر الى هذه المصيبة في أحاديثهم (الصحيحة)! وزعمهم أن الله تعالى يجعل نبيين في خدمة الدجال! ويعطيه القدرة على إخفاء صوت من يكذبه منهما! ثم يخون النبي الآخر ويكفر بربه ويصدق بالدجال! واعلم أن رواة الخلافة قلدوا اليهود في الإفتراء على الله تعالى وإهانة رسله وأنبياءه عليهم السلام.

* * *

عبد الرزاق: ١١/٣٩٥، عن هشام بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن رأس الدجال من ورائه حُبُك حبك، وإنه سيقول أنا ربكم فمن قال أنت ربي افتتن، ومن قال كذبت ربي الله وعليه توكلت وإليه أنيب فلا يضره). انتهى.
والشعر الحُبُك: بضم الحاء والباء: المجعد الذي فيه طرائق كمايفعل الأفارقة، أي شعر رأسه مجعد ذو خطوط. ورواه أحمد: ٤/٢٠، كعبد الرزاق بتفاوت يسير، وفي: ٥/٣٧٢، و/٤١٠، عن أبي قلابة قال: رأيت رجلاً بالمدينة وقد طاف الناس به وهو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله قال: فسمعته وهو يقول: إن من بعدكم الكذاب المضل، وإن رأسه من بعده حبك حبك حبك ثلاث مرات، وإنه سيقول أنا ربكم، فمن قال لست ربنا لكن ربنا الله عليه توكلنا وإليه أنبنا نعوذ بالله من شرك، لم يكن له عليه سلطان). والطبراني الكبير: ٢٢/١٧٥، والحاكم: ٤/٥٠٨، كلاهما عن عبد الرزاق. ومجمع الزوائد: ٧/٣٤٢ أوله، وصححه.

* * *

عبد الرزاق: ١١/٣٩٣، عن أبي سعيد الخدري قال: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله حديثاً طويلاً عن الدجال، فقال فيما يحدثنا: يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل أنقاب المدينة، فيخرج إليه رجل يومئذ هو خير الناس أو خيرهم فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله حديثه. فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر؟ فيقولون لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحيى: والله ما كنت قط أشد بصيرة فيك مني الآن. قال فيريد قتله الثانية فلا يسلط عليه. قال معمر: وبلغني أنه يجعل على حلقه صفيحة من نحاس وبلغني أنه الخضر الذي يقتله الدجال ثم يحييه). وابن حماد: ٢/٥٤٦، وأحمد: ٣/٣٦، وصحيح بخاري: ٩/٧٦، ومسلم: ٤/٢٢٥٦، كعبد الرزاق بتفاوت يسير، وفي مسلم: قال أبو إسحاق: يقال إن هذا الرجل هو الخضر عليه السلام... فيأمر الدجال به فيشج فيقول خذوه وشجوه فيوسع ظهره وبطنه ضرباً، قال فيقول: أوَمَا تؤمن بي؟ قال فيقول: أنت المسيح الكذاب، قال فيأمر به فينشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه، قال ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له قم فيستوي قائماً! قال ثم يقول له أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة. قال ثم يقول: يا أيها الناس، إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس قال فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاساً فلا يستطيع إليه سبيلاً، قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار وإنما ألقي في الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين). انتهى.
فاعجب للذين يدَّعون التوحيد، ويتهموننا بالغلو فيما أعطاه الله للنبي وآله صلى الله عليه وآله، وهم يقولون إن الدجال صاحب معجزات ومنها أنها يحيي الموتى، مع أنهم رووا بسند صحيح أن أمر الدجال أهون عند الله من أن يكون معه طعام وشراب!
فإن قلتَ لهم: إن المحيي المميت هو الله تعالى وحده فكيف جوزتم على الله أن يجري المعجزة على يد الدجال؟! فجوابهم: قد صح به الحديث!
لقد أفرطوا في التمسك بحديث أي راو رضيت عنه الخلافة حتى نسخوا به القرآن أما هنا فنسخوا به العقل الذي ينادي بأنه محال على الله تعالى أن يصدق ادعاء المعجزة من كافر دجال ويعطيه القدرة على إحياء الموتى! وإلا لزم نقض النبوات من أساسها، لأنها إنما ثبتت بتصديق الله للنبي عليه السلام بالمعجزة.
ثم انظر لتشنيعهم علينا لاعتقادنا بأن الله أعطى المعجزة لعترة النبي المعصومين عليهم السلام فكأن إعطاء المعجزة لأوليائه حرام، ولأعدائه كالدجال والجن والسحرة، حلال!
زاد تضخيمهم للدجال في حجة الوداع وبعدها!
روى بخاري في صحيحه: ٥/١٢٥، عن ابن عمر قال: كنا نتحدث بحجة الوداع والنبي صلى الله عليه وآله بين أظهرنا ولا ندري ما حجة الوداع! فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره، وقال ما بعث الله من نبي إلا أنذر أمته أنذره نوح والنبيون من بعده، وإنه يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس على ما يخفى عليكم ثلاثاً أن ربكم ليس بأعور وإنه أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية! ألا إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد ثلاثاً، ويلكم أو ويحكم: أنظروا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض). انتهى.
وقد جزَّأ بخاري الرواية، وحذف منها خصائص مهمة ذكرها آخرون تعطي ضوءً على الموضوع! ففي مسند أحمد: ٢/١٣٥: (فلما كان في حجة الوداع خطب رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره ثم قال: ما بعث الله من نبي إلا قد أنذره أمته، لقد أنذره نوح أمته والنبيون من بعده! ألا ما خفي عليكم من شأنه فلا يخفين عليكم أن ربكم ليس بأعور... الخ.)! وفي مجمع الزوائد: ٧/٣٣٨: عن أحمد وصححه. ومعناه أن رواية بخاري مجتزأة بدون سبب. والطبراني الكبير: ١٢/٢٧٥، وفيه: فقام رسول الله صلى الله عليه وآله خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر المسيح الدجال فأطنب في ذكره... فلا يخفى عليكم أنه أعور عين اليمنى كأنها عنبة طافية. وأبو يعلى: ٩/٤٣٥، وتاريخ دمشق: ٤٥/٣٢٤، كالطبراني، بتفاوت.
هذا، ولا يتسع المجال لبحث سبب إشاعتهم عقيدة اليهود في الدجال وتخويفهم المسلمين منه حتى أن عائشة كانت تبكي رعباً منه لأنه قادم اليوم أو غداً! فقد كان الشهران من حياة النبي صلى الله عليه وآله بعد حجة الوداع مليئان بالتحرك والأحداث الغريبة والمريبة، وقد ضاعف اليهود والطلقاء نشاطهم، وكان منه ترويج هذه الشائعات! وكله يرتبط بخطة اليهود لمرحلة ما بعد النبي صلى الله عليه وآله وإبعاد أهل بيته عليهم السلام!
واستمر خوف الناس من الدجال حتى طبقوه على المغول!
ابن حماد: ٢/٥٧٩، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ليهبطن الدجال خوز وكرمان في ثمانين ألفاً كأن وجوههم المجان المطرقة، يلبسون الطيالسة وينتعلون الشعر). ورواه ابن أبي شيبة: ١٥/١٤٦، عن أبي هريرة بتفاوت يسير. وأحمد: ٢/٣٣٧ وأبو يعلى: ١٠/٣٨٠، وفتن ابن كثير: ١/١٤٣ و١٤٤، والزوائد: ٧/٣٤٥، كأحمد.
والمجان المطرَّقة، أي التروس المضروبة عند الحداد أو المخططة، وهذا الوصف وكذا انتعال الشعر، إنما وردا في صفات المغول فقط.
٤ - كعب الأحبار أكبر أبطال التحريف في عقيدة الدجال!
عمل اليهود بقوة وإصرار للتأثير الثقافي على المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وآله حتى أنهم ترجموا توراتهم الى العربية، وأعطوها لعمر بن الخطاب ليقنع النبي صلى الله عليه وآله فيعترف بشرعيتها ويعتمدها كتاباً للمسلمين! فغضب صلى الله عليه وآله وقال: والذي نفس محمد بيده لو أصبح موسى فيكم ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم)! وفي عبد الرزاق: ٦/١١٣: (قال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة وكتب لي جوامع من التوراة أفلا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله! قال عبد الله فقلت: مسخ الله عقلك! ألا ترى ما بوجه رسول الله؟!..). وفتح الباري: ١٣/٤٣٨.
وكان لليهود مدرستان في المدينة وعلاقات مع عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله خاصة بعمر، فكان يحضر عندهم كل يوم سبت، وطلب من النبي صلى الله عليه وآله أن يكتب هو والصحابة أحاديثهم وقال إنها تأخذ بمجامع قلوبهم! فنهاهم النبي صلى الله عليه وآله وقال لهم إنهم لايمكن أن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم! لكنهم لم يطيعوا النبي صلى الله عليه وآله فتابعوا حضورهم عندهم وكتابتهم قصصهم وخرافات تلمودهم حتى اضطر النبي صلى الله عليه وآله أن يدعو المسلمين بالسلاح، ويخطب ويحذرهم من المتأثرين باليهود واطلق عليهم إسم (المُتَهَوِّكين)! الدر المنثور: ٤/٣، عن أبي يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ونصر المقدسي في الحجة، والضياء في المختارة، عن خالد بن عرفطة... وقد وثقنا ذلك في كتاب تدوين القرآن/٤١٧).
وهذا يعني أن نشر الإسرائيليات في الدجال تم في زمن النبي صلى الله عليه وآله قبل مجيء كعب الأحبار الى المدينة في زمن عمر، فقد بقي مدة حاخاماً يهودياً صديقاً للخليفة ومستشاراً ثقافياً له، ثم ادعى أنه أسلم بعد ذلك. لقد وجد كعب أن الإسرائيليات في الدجال نامية في المدينة فغذاها! ونفى أن يكون يهودياً وجعله عربياً عراقياً أو مصرياً وضاعف من تخويف المسلمين به، كما خوفهم من فتح القسطنطينية لأن فتحها يتبعه خروج الدجال ثم قيام الساعة! وجعل فتح القسطنطينية بيد اليهود من بني إسحاق لابيد المسلمين.. الخ. ومن العجائب أنك تجد كعباً يروي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله مع أنه لم يره! وأحياناً يتبرع تلاميذه أبو هريرة وعبدالله بن عمر وعبدالله بن عمرو العاص وغيرهم فيجعلون كلام كعب حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله! كما سيأتي.
جعل كعب حركة الدجال حركة عربية!
من المتفق عليه بين المسلمين أن الدجال يهودي. روى أحمد: ٣/٢٢٤، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يخرج الدجال من يهودية أصبهان، معه سبعون ألف من اليهود عليهم التيجان). ويهودية أصفهان: محلة فيها يسكنه اليهود. وفي مسلم: ٨/٢٠٧، عن أنس: (يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة). انتهى.
لكن كعباً غيَّرَ هوية الدجال من يهودي الى عربي، بل نفى أن يكون أتباعه يهوداً كما روى المسلمون واستبدلهم بعرب! قال ابن أبي شيبة: ٨/٦٧١، و: ١٥/١٨٢: (كأني بمقدمة الأعور الدجال ستمائة ألف من العرب يلبسون السيجان). (والدر المنثور: ٥/٣٥٤).
وفي الكنى من تاريخ بخاري/٦٥: (عن عبد الله بن عمر: ويتبع الدجال أربعون ألفاً من صلب العرب). والجرح والتعديل: ٩/٤٣٠، عن ابن عمرو. وعبد الرزاق: ١١/٣٩٣، عن أبي سعيد: قال النبي صلى الله عليه وآله: يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفاً عليهم السيجان. وابن حماد: ٢/٥٥١، ومصابيح البغوي: ٣/٥٠٩، مثله من حسانه، وشرح المقاصد: ١/٣٠٨، وفيه: التيجان أي الطيالسة الخضر.
لكن كعباً تكرم على بني تميم فقال لابن فاتك: (إن أشد أحياء العرب على الدجال قومك يعني بني تميم). (الآحاد والمثاني: ٢/٣٧٢). ولعله خاف من ابن فاتك!
وكان كعب يكره العراق، لأن ثقل القبائل اليمانية نزلت فيه وهم يعرفون زيفه من اليمن، ولذلك جعل الدجال عراقياً، ففي مصنف عبد الرزاق: ١١/٣٩٦، عن كعب قال: يخرج الدجال من العراق! وفي/٢٥١: أراد عمر أن يسكن العراق فقال له كعب: لا تفعل! فإن فيها الدجال وبها مردة الجن وبها تسعة أعشار السحر، وبها كل داء عضال يعني الأهواء). ومثله الدر المنثور: ٥/٣٥٤.
أقول: يردُّ كعب بذلك على تميم الداري وعمر، لأنهما قالا إن الدجال مولود ومد الله في عمره حتى يخرج. كما يرد على حديث النبي صلى الله عليه وآله المعروف عندهم أن الدجال من يهود أصفهان!
ولا يبعد أن يكون غرض كعب مما توصل اليه أخيراً فزعم أن الدجال يولد في مصر، أن يجعله يهودياً شبيهاً بموسى عليه السلام! لأنه المهدي المنتظر المحبوب عندهم!
قال في فتح الباري: ١٣/٢٧٧: (وأخرج أبو نعيم أيضاً من طريق كعب الأحبار أن الدجال تلده أمه بقوص من أرض مصر، قال: وبين مولده ومخرجه ثلاثون).
جريمة كعب ورواة الخلافة في تشويه مستقبل الأمة!
من أكبر الأعمال التخريبية التي قام بها هو وتلاميذه الأغبياء رواة الخلافة، أنهم نشروا في ثقافة المسلمين أساطير وأكاذيب عن المستقبل، نسجاً من خيالهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير! فقد أخذوا البشارة النبوية بالمهدي ونزول عيسى عليهما السلام وانتصار الأمة، ومزجوها بهرطقة اليهود وتصوراتهم! ونشروا في الأمة سيل مكذوباتهم في الدجال وفتح القسطنطينية، وما يكون بعد المهدي عليه السلام، وكذا في آية دابة الأرض الموعودة، وفي كل أشراط الساعة! فقد ربط كعب فتح القسطنطينية بالمهدي عليه السلام وزعم أن الدجال يخرج بعد فتحها مباشرة! وأن المهدي عليه السلام يقتل في معركة فتحها! وأن المسلمين يهزمون وتخرب المدينة ومكة، وتهدم الكعبة!
وتبعه رواة الخلافة! بل زادوا عليه وجعلوا هذه الأكاذيب والخيالات أحاديث نبوية، ودونوها في أصح مصادرهم، فصارت شاهد فضيحة صارخة! قال ابن حماد: ٢/٤٥٧، عن كعب قال: (المنصور مهدي يصلي عليه أهل السماء والأرض وطير السماء، يبتدي بقتال الروم والملاحم عشرين سنة ثم يقتل شهيداً في الملحمة العظمى هو وألفان معه كلهم أمير وصاحب راية. ولم يصب المسلمون بمصيبة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أعظم منها). وفي ابن حماد: ١/٣٩٣، عن كعب قال: (بلغني أن المهدي يمكث أربعة عشر سنة ببيت المقدس ثم يموت ثم يكون من بعده شريف الذكر من قوم تبع يقال له منصور، ببيت المقدس إحدى وعشرين سنة، خمسة عشر منها عدل وثلاث سنين جور، وثلاث سنين منها حرمان الأموال. لا يعطي أحداً درهماً). وفي معارج الوصول للزرندي الشافعي/١٩٨: (وعن كعب قال: يموت المهدي موتاً ثم يلي الناس بعده رجل من أهل بيته، فيه خير وشر، وشره أكثر من خيره، يُغضب الناس يدعوهم إلى الفرقة بعد الجماعة بقاؤه قليل، يثور به رجل من أهل بيته يقتله ويقتل الناس بعده قتلاً شديداً. وبقاء الذي قتله بعده قليل، ثم يموت موتاً ويليهم رجل من مضر من الشرق، يُكفر الناس ويخرجهم من دينهم)! انتهى.
فانظر كيف وجه كعب طعنته الى قلب عقيدة الإسلام والبشارة النبوية بإقامة دولة العدل الإلهي العالمية وإنهاء الظلم عن وجه الأرض! فميَّع عقيدة المهدي الإسلامية وصورها كأنها لعبةٌ وَعَدَ الله بها الأجيال، وأنه سيبعث المهدي وينزل معه عيسى عليهما السلام ثم لا يلبث المهدي عليه السلام أن يقتل ويعود الظلم والجور أشد مما كان!
ثم انظر كيف ردد ابن عمر وابن عمرو والزهري وغيرهم أفكار كعب كالببغاوات المبهورين بكعب! وحدثوا عنه بما يكون في المستقبل، ولم يسألوه ولا سألوا أنفسهم من أين أتى علم هذا الغيب إلا من خيالات كعب اليهود؟!
زعم كعب أن اليهود يفتحون القسطنطينية!
روى مسلم النيسابوري: ٤/٢٢٣٨، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق، فإذا جاؤها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها. قال ثور: لا أعلمه إلا قال الذي في البحر، ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر فيسقط جانبها الآخر ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر فيفرج لهم فيدخلوها فيغنموا فبينما هم يقتسمون المغانم، إذ جائهم الصريخ فقال إن الدجال قد خرج فيتركون كل شيء ويرجعون). ورواه الحاكم: ٤/٤٧٦، كما في مسلم، وكذا البغوي: ٣/٤٨٢، من صحاحه، وجامع الأصول: ١١/٧٥، وتذكرة القرطبي/٧٠٧، عن مسلم. وقال النووي في شرح مسلم: ١٨/٤٣: قال القاضي: كذا هو في جميع أصول صحيح مسلم(من بني إسحاق) قال بعضهم: المعروف المحفوظ من بنى إسماعيل وهو الذي يدل عليه الحديث وسياقه، لأنه إنما أراد العرب وهذه المدينة هي القسطنطينية). انتهى.
أقول: تعرف بذلك مدى تقليد أبي هريرة وابن عمرو وابن عمر، لكعب! فأصل المسألة أن كعباً سمع أن الإمام المهدي عليه السلام يفتح مدينة غربية بالتكبير، وأن بعض الرواة قال إنها القسطنطينية وكان المسلمون يتحفزون لفتحها! فنسب كعب فتحها الى قومه، وعلَّمها لأبي هريرة فرواها عن النبي صلى الله عليه وآله!
كعب يخوِّف المسلمين بالدجال إن فتحوا القسطنطينية!
كان كعب يحدث الناس بالمغيبات ويتنبأ بالمستقبل، باعتبار أنه مطلع على كتب اليهود! وكان أهل البيت عليه السلام يكذبونه وكان شيعتهم يسخرون به، وقد أوردنا في جواهر التاريخ: ٣، رد الإمام زين العابدين والإمام محمد الباقر عليهما السلام لافتراءات كعب بأن صخرة بيت المقدس التي هي قبلة اليهود أفضل من الكعبة، وأوردنا في المجلد الثاني في فصل الذين قتلهم معاوية، سخرية رشيد الهجري ومحمد بن أبي حذيفة رحمهما الله من كعب وتنبؤاته! لكن الخليفة وأتباعه كانوا يعظمونه ويسألونه عما يكون وحتى عن مستقبلهم الشخصي! راجع تدوين القرآن/٤٢٩.
وقضية الدجال حقلٌ حيويٌّ لكعب، ليغرس تصوراته في نفوس المسلمين عن مستقبلهم! لذلك تصل أقواله فيها الى رقم قياسي بالنسبة الى غيرها! وأهم شيء عنده أن يقنع المسلمين بأن هذه الأمة ستنتهي قريباً! وقد بحثنا في كتاب ألف سؤال وإشكال إقناعه عمر بأن الإسلام سينتهي وستهدم الكعبة وتخرب مكة!
كان كعب ينشر بين المسلمين بأنهم إن فتحوا القسطنطينية خرج الدجال، لأن خروجه يكون بعد فتحها مباشرة ثم تقوم القيامة! فعليهم إن أرادوا طول البقاء أن لايفتحوا القسطنطينية! وزعم أن كل هذه الأحداث تكون في سبع سنين!
وإليك عدداً من أقواله وأساطيره، وبعضها تحوَّل الى حديث نبوي على يد تلاميذه! قال ابن حماد: ٢/٥٢٩: (عن كعب قال: يفتتحون القسطنطينية فيأتيهم خبر الدجال فيخرجون إلى الشام فيجدونه لم يخرج، ثم قلَّ ما يلبثُ حتى يخرج).
وفي: ٢/٥٢٢: عن كعب قال: يأتيهم الخبر وهم يقسمون غنائمهم إن الدجال قد خرج وإنما هو كذب فخذوا ما استطعتم فإنكم تمكثون ست سنين، ثم يخرج في السابعة.
وفي/١٤٧، عن كعب قال: لا يخرج الدجال حتى تفتح القسطنطينية.
والحاكم: ٤/٤٦٢، عن كعب قال: الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب الجزيرة، والكوفة آمنة من الخراب حتى تخرب مصر، ولا تكون الملحمة حتى تخرب الكوفة، ولا تفتح مدينة الكفر حتى تكون الملحمة، ولا يخرج الدجال حتى تفتح مدينة الكفر.
وفي ابن حماد: ٢/٥٤٨، عن ابن عمر قال: ملاحم الناس خمس: فتنتان قد مضتا وثلاث في هذه الأمة. ملحمة الترك وملحمة الروم وملحمة الدجال. ليس بعد ملحمة الدجال ملحمة.
وفي/١٦١، عن كعب: بينما هم يقتسمون غنائم القسطنطينية، إذ يأتيهم خبر الدجال فيرفضون ما في أيديهم ثم يقبلون فيلحقون بيت المقدس، فيصلي خلف من يلي أمر المسلمين، ثم يوحي الله تعالى إلى عيسى بن مريم أن يسير إلى يأجوج ومأجوج، ثم يرجع إلى بيت المقدس، ثم إن الأرض تخرج زكاتها على ما كانت في أول الدنيا، ثم يلبث سبعاً ثم يبعث الله ريحاً فيقبض أرواح المؤمنين.
وفي ابن حماد: ٢/٤٩٩، عن كعب قال: الملحمة العظمى وخراب القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر، أو ما شاء الله من ذلك.
ثم صار كلام كعب هذا قولاً للصحابي عبدالله بن بسر! قال ابن حماد: ٢/٤٦٩، عن بشير بن عبد الله بن يسار قال: أخذ عبد الله بن بسر المازني صاحب رسول الله بإذني فقال: يا ابن أخي لعلك تدرك فتح قسطنطينية فإياك إن أدركت فتحها أن تترك غنيمتك منها، فإن بين فتحها وبين خروج الدجال سبع سنين).
ثم صار كلام كعب حديثاً نبوياً(ص١٤٧) عن الصحابي عبد الله بن بسر عن النبي! وفي/١٩٤، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بين فتح القسطنطينية وبين خروج الدجال سبع سنين! ثم صار كلامه في صفحة١٤٨حديثاً عن معاذ بن جبل أيضاً! قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الملحمة العظمى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر! ورواهما أحمد: ٤/١٨٩: عن عبد الله بن بسر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج مسيح الدجال في السابعة. وفي أحمد: ٥/٢٣٤، كما في رواية حماد الثالثة عن معاذ بن جبل! ومثله تاريخ بخاري: ٨/٤٣١، عن بسر، وفي ابن ماجة: ٢/١٣٧٠، عن معاذ بن جبل، وعبد الله بن بسر. وفي أبي داود: ٤/١١٠، كما في رواية ابن حماد الثالثة، عن معاذ بن جبل، وبرواية أخرى وقال: هذا أصح من حديث عيسى. وفي الترمذي: ٤/٥٠٩، كرواية ابن حماد الثالثة عن معاذ. وفي البدء والتاريخ: ٢/١٨٥: قالوا: وبين فتح القسطنطينية وخروج الدجال سبع سنين، فبينا هم كذلك إذ جاء الصريخ أن الدجال في داركم فيرفضون ما في أيديهم وينفرون إليه. وفي الحاكم: ٤/٤٢٦، كرواية ابن حماد الثالثة، عن معاذ بن جبل. وفي مصابيح البغوي: ٣/٤٨٣، كرواية ابن حماد الثالثة، من حسانه. وفي الدر المنثور: ٦/٥٩، كرواية ابن حماد الثانية، وقالوأخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، وأبو يعلى، ونعيم بن حماد في الفتن، والطبراني، والبيهقي في البعث، والضياء المقدسي في المختارة عن عبد الله بن بسر! وفيه: بين الملحمة وفتح القسطنطينية ست سنين. وفي/٦٠، كما في رواية ابن حماد الثالثة، وقال: وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجة، عن معاذ). انتهى.
ومن هذه الطامات ما رواه مسلم: ٤/٢٢٢١، عن أبي هريرة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبقوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم أفضل الشهداء عند الله، ويفتح الثلث لايفتنون أبداً فيفتحون قسطنطينية، فبينما هم يقتسمون الغنائم قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان أن المسيح قد خلفكم في أهليكم فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام خرج حينما هم يعدون للقتال يسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وآله فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته). ومثله ابن حبان: ٨/٢٨٦، والحاكم: ٤/٤٨٢، وصححه على شرط مسلم. ومصابيح البغوي: ٣/٤٨٠، من صحاحه. وقال الحاكم: ٤/٤٧٦، بعد حديث فتح بني إسحاق للقسطنطينية: فبينما هم يقتسمون الغنائم إذ جاءهم الصريخ أن الدجال قد خرج فيتركون كل شيء ويرجعون. يقال إن هذه المدينة هي القسطنطينية، وقد صحت الرواية أن فتحها مع قيام الساعة). ثم رواه عنهم غيرهم وغيرهم!
وبذلك صار كذب كعب حديثاً نبوياً صحيحاً روته المصادر المعتمدة! فهل رأيت كيف سخر اليهود رواة الخلافة ليخدموا مؤامرتهم؟! وهل رأيت كيف يقبل الرواةوالعلماء والعوام الهرطقة، ولا يسأل أحدهم نفسه: لقد فتحت القسطنطينية ومضت سبع سنوات وسبعون وسبع مائة، فأين دجال كعب الدجال وقيامته؟! وأين غاب عقول علمائهم عن كشف هذا التخليط؟!

* * *

وكان كعب يهتم بتأييد كلامه من أي شخص، ففي ابن حماد: ٢/٣٢٥، عن كعب قال: أول ما يَرِدُهُ الدجال سنام، جبل مشرف على البصرة وما إلى جنبه، كثير الساف يعني الرمل، هو أول ما يرده الدجال! وفي فائق الزمخشري: ٢/١٨٥: قال كعب لأبي عثمان النهدي: إلى جانبكم جبل مشرف على البصرة يقال له سنام؟ فقال: نعم، قال: فهل إلى جانبه ماء كثير السافي؟ قال: نعم. قال: فإنه أول ماء يرده الدجال من مياه العرب)! وفي حلية الأولياء: ٦/١٣، عن كعب... الخ. ثم صار كلامه بقدرة قادر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله)! راجع ابن حماد/١٤٩!
كعب يرد على النبي صلى الله عليه وآله وأتباع الخلافة يطيعونه!
تقدم بسند صحيح أن المغيرة بن شعبة سأل النبي صلى الله عليه وآله (إن الناس يزعمون أن معه الطعام والشراب، قال: هو أهون على الله تعالى من ذلك)! انتهى. لكن كعباً كان يصر على أساطير اليهود ويصدقه المسلمون خاصة في جبل الثريد! وقد جعله كعب جبلاً ماتعاً شاهقاً، على اسم أبيه فهو كعب بن ماتع، فهذا الثريد الماتع يكفي العرب ليأكلوا منه فيضلوا! (يقال للجبل الطويل: ماتع، ومنه حديث كعب والدجال: يُسَخَّرُ معه جبل ماتع خلاطةُ ثريد، أي طويل شاهق... وقيل كل ما جاد فقد متع وهو ماتع. والماتع من كل شيء: البالغ في الجودة الغاية في بابه). لسان العرب: ٨/٣٢٨، وغريب ابن قتيبة: ١/٢٧١، ونهاية ابن الأثير: ٤/٢٩٣، وفائق الزمخشري: ٣/٢٢٥.
رد أهل البيت عليهم السلام على مكذوبات كعب في الدجال!
مما امتازت به مصادرنا أنها اعتبرت ظهور الإمام المهدي عليه السلام مرحلة جديدة في حياة الناس على الأرض، وأن الحياة ستستمر في ظلها الى يوم القيامة. وأن خروج الدجال إنما هو حدث في أوائل ظهور الإمام المهدي ونزول المسيح عليهما السلام. فقد ورد عندنا أن الإمام المهدي عليه السلام يملك طويلاً، وفي بعض الروايات بعدد سنيِّ أهل الكهف، ثم يكون بعده اثنا عشر مهدياً، ثم يرجع النبي صلى الله عليه وآله وبعض الأئمة عليهم السلام ويحكمون.. الى آخر ذلك الطور من الحياة. وستأتي أحاديثة.
فتسلسل الأحداث في مذهب أهل البيت عليهم السلام هو: ظهور المهدي، ثم نزول المسيح عليهما السلام، ثم خروج الدجال في عصرهما والقضاء عليه، ثم وفاة عيسى واستمرار حكم المهدي عليهما السلام زمناً طويلاً، واستمرار دولة العدل الإلهي بعده الى يوم القيامة، لأنه لا عودة للظلم الى الأرض بعدها.
أما مصادر السنيين فقد تبنت مقولات اليهود وكعب الذين زعموا أن المسلمين إذا فتحوا القسطنطينية وغلبوا الروم قُتِلَ المهدي عليه السلام وخرج الدجال ثم نزل المسيح عليه السلام، ثم ظهر قوم يأجوج ومأجوج، ثم قامت القيامة! فجعلوا هذه الأحداث العظيمة المتباعدة متتابعة، وجمعوها في سبعة شهور أو سنين! وجعلوها أحاديث نبوية!
ويرد هنا سؤال عن علاقة كعب مع الروم الذين انهزموا في معركة اليرموك وودع أمبراطورهم سورية وأنطاكية وهرب الى القسطنطينية وتحصن فيها، واتجه المسلمون من يومها الى فتحها؟! فلماذا جعل كعب فتحها يساوي خروج الدجال وقيام الساعة وقتل مهدي المسلمين ونهاية العالم؟!

* * *

ومن تأثيرات كعب ما رواه ابن أبي شيبة: ١٥/١٣٥، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: عُمْرَانُ بيت المقدس خرابُ يثرب، وخرابُ يثرب خروج الملحمة، وخروجُ الملحمة فتح القسطنطينية، وفتحُ القسطنطينية خروج الدجال! ثم ضرب بيده على فخذ الذي حدَّثه أو منكبيه، ثم قال: إن هذا هو الحق كما أنك ها هنا، أو كما أنت قاعد، يعني معاذاً! وأحمد: ٥/٢٣٢ و٢٤٥، كابن أبي شيبة، وأبو داود: ٤/١١٠، كرواية أحمد الثانية بتفاوت يسير، والحاكم: ٤/٤٢٠، وصححه وفيه: حضور الملحمة. ثم ضرب معاذ على منكب عمر بن الخطاب فقال: والله إن ذلك لحق كما أنك جالس! ومصابيح البغوي: ٣/٤٨٢، كابن أبي شيبة، من حسانه، وفيه: في سبعة أشهر. والدر المنثور: ٦/٦٠:
أقول: ما يروونه عن أبي عبيدة ومعاذ بن جبل من نوع كلام كعب، يدل على أنهما كانا من مجموعة المتصلين بحاخامات اليهود في المدينة، وأخذا عنهم أحاديث التخويف بالدجال قبل أن يأتي كعب الى المدينة!

* * *

وما رواه ابن ماجة: ٢/١٣٧٠،، عن عمرو بن عوف، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقوم الساعة حتى تكون أدنى مسالح المسلمين ببولاء ثم قال صلى الله عليه وآله: يا علي، يا علي ياعلي، قال: بأبي وأمي، قال: إنكم ستقاتلون بني الأصفر ويقاتلهم الذين من بعدكم حتى تخرج إليهم روقة الإسلام أهل الحجاز الذين لا يخافون في الله لومة لائم فيفتتحون القسطنطينية بالتسبيح والتكبير فيصيبون غنائم لم يصيبوا مثلها حتى يقتسموا بالأترسة، ويأتي آت فيقول إن المسيح قد خرج في بلادكم، ألا وهي كذبة، فالآخذ نادم، والتارك نادم). والحاكم: ٤/٤٨٣، بمعناه، ومجمع الزوائد: ٧/٣٤٨، وقال: رواه ابن ماجة باختصار، ورواه البزار وفيه كثير بن عبد الله ضعَّفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه. أقول: لا أثر لتضعيفهم هذا الحديث بعد تصحيحهم أحاديث (فتحُ القسطنطينية خروج الدجال).
وفي ابن حماد: ١/٥٥، عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وآله قال: تكون أربع فتن الأولى يستحل فيها الدم، والثانية يستحل الدم والمال، والثالثة يستحل فيها الدم والمال والفرج، والرابعة الدجال. وفي: ٢/٥٥٥، عن حذيفة: يخرج الدجال في الفتنة الرابعة، بقاؤه أربعون سنة يحفظها الله على المؤمنين فتكون السنة كاليوم).
ربط كعب فتح القسطنطينية بقيام الساعة!
في فتن نعيم بن حماد: ٢/٥١٧: (عن كعب الأحبار قال: كان يقال كلب الساعة الدجال). انتهى. ومعناه أن خروجه متلازم مع الساعة كما يلازم الكلب صاحبه! ولا بد أن يكون ترجمه من تلمودهم أو بعض كتب حاخاماتهم، لأن أحاديث الدجال عندهم لم ترد في التوراة بل في مؤلفات حاخاماتهم! ذكر ذلك في الفتح: ١٣/٢٧٧، عن كعب!
وقد تحول كلام كعب كالعادة الى حديث نبوي! فجاء تلاميذه ودسوا ذكر الدجال في رواية حذيفة! وهذه قصة حديث حذيفة رحمه الله:
١ - أشهر رواياته عن أبي إدريس الخولاني عن حذيفة، وليس فيها ذكر للدجال ولا القسطنطينية ولا قيام الساعة. ورواها بخاري في صحيحه في ثلاث مواضع، عن الخولاني عن حذيفة، قال في: ٤/١٧٨: (أبو إدريس الخولاني إنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها! قلت: يا رسول الله صفهم لنا. فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا! قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك). ومثله: ٨/٩٣، ومسلم: ٦/٢٠، والبيهقي: ٨/١٥٦، والحاكم: ١/١١٣، و: ٤/٥٠٢، بنحوه وصححه. وليس في شيء منها الزيادة المتقدمة عن الدجال أو الساعة.
لاحظ تفاوت التوجيه الذي رووه عن النبي صلى الله عليه وآله في حالة عدم وجود خليفة شرعي فبعض رواياتهم أمرت بالطاعة، وبعضها أمرت بالجهاد، وبعضها أمرت بالجهاد السلبي والبعد عن الحاكم الجائر حتى الموت! وذلك تبعاً للراوي وانتمائه الى أحد الإتجاهات السياسية الثلاثة في الأمة!
٢ - والرواية الثانية عن سبيع اليشكري عن حذيفة، بثلاثة أنواع:
أ - بدون ذكر فتح القسطنطينية والدجال وقيام الساعة، وهو الصحيح، كما رواه ابن حماد في موضعين من كتابه الفتن فقال في: ١/٣٦: (عن خالد بن سبيع عن حذيفة قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أدركه، فبينا أنا عند رسول الله ذات يوم قلت يا رسول الله هل بعد هذا الخير الذي أتانا الله به من شر كما كان قبله شر؟ قال: نعم. قلت: ثم ماذا؟ قال هدنة على دخن. قلت: فما بعد الهدنة؟ قال: دعاة إلى الضلالة فإن لقيت لله يومئذ خليفة فالزمه). وفي: ١/١٤٤: (فقال إن لقيت لله يومئذ خليفة في الأرض فالزمه وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك وإلا فاهرب في الأرض حتى يأتيك الموت وأنت عاض على أصل شجرة). انتهى.
وكذلك رواه من علمائنا المفيد في أماليه/٢٢١، عن خالد بن خالد اليشكري وهو نفسه ابن سبيع، عن حذيفة، وليس فيه ذكر الساعة ولا الدجال! ولفظه: (فقلت أنا: يا رسول الله أيكون بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم. قلت: فما العصمة منه. قال: السيف. قال قلت: وهل بعد السيف بقية؟ قال: نعم، تكون إمارة على إقذاء وهدنة على دخن، قال قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم تفشو دعاة الضلالة فإن رأيت يومئذ خليفة عدل فالزمه، والا فمت عاضاً على جذل شجرة). انتهى. ورواه الطوسي في أماليه/٢٢١ عن نفس الراوي وليس فيه ذكر للدجال ولا فتح القسطنطينية ولا قيام الساعة!
بـ - رواية زادوا في آخرها الدجال بدون فتح القسطنطينية وقيام الساعة، وقد رواها الطيالسي: ٢/٥٩، عن خالد بن سبيع، قال: (غَلَتِ الدواب فأتينا الكوفة نجلب منها دواباً، فدخلت المسجد فإذا رجل صدع من الرجال، حسن الثغر يعرف أنه من رجال الحجاز، وإذ أناس مسربيون عليه، فقال: لا تعجلوا عليَّ أحدثكم، إنا كنا حديث عهد جاهلية فلما جاء الإسلام فإذا أمر لم أر قبله مثله، وكان الله رزقني فهماً في القرآن، كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وآله عن الخير وأسأله عن الشر، فقلت يا رسول الله، هل بعد الخير شر كما كان قبله شر؟ قال نعم قلت فما العصمة يا رسول الله؟ قال السيف. قلت: فهل للسيف من بقية فما يكون بعده؟ قال هُدْنَة على دخن(صلح الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية). قال قلت فما يكون الهدنة؟ قال دعاة الضلالة، فإن رأيت يومئذ لله عز وجل في الأرض خليفة فالزمه وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فإن لم تر خليفة فاهرب حتى يدركك الموت وأنت عاض على جذل الشجرة. قلت يا رسول الله فما يكون بعد ذلك؟ قال: الدجال). انتهى.
جـ - أول ما ظهر ذكر الساعة في رواية لهم عن أبي التياح عن خالد بن سبيع عن حذيفة بن اليمان رحمه الله، وفيها زيادة خروج الدجال ثم نزول عيسى عليه السلام ثم قيام الساعة! قال ابن حماد: ٢/٤٦٤: (خالد بن سبيع عن حذيفة قال: قلت يا رسول الله، الدجال قبل أو عيسى بن مريم؟ قال: الدجال ثم عيسى، ثم لو أن رجلاً أنتج فرساً لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة). ثم رواه عبد الرزاق: ١١/٣٤١، بهذا السند وهذه الزيادة، وابن أبي شيبة: ٨/٥٩٢ و: ١٥/٨، وأبو داود: ٢/٣٠٠ و: ٤/٩٥، وأحمد: ٥/٤٠٣، والحاكم: ٤/٤٣٢، ومسند الشاميين: ٢/٢٥٢، وتاريخ دمشق: ١٦/٤٣٦، والبزار: ٧/٣٦١، وجامع السيوطي: ٣/٦٣٢، وغيرهم، كلهم عن خالد بن سبيع، وهو اليشكري الذي سافر الى الكوفة ليشتري دواب.
قال ابن حجر في تهذيبه: ٣/٣٩٤: (سبيع بن خالد ويقال خالد بن خالد ويقال خالد بن سبيع وقيل فيه سبيعة بن خالد ولا يصح اليشكري البصري). وفي: ١/١٠٣: (وقال ابن خلفون: لا أعرف اليشكري ومن ظن أنه أبو ثور فقد وهم. وقال الذهبي: اليشكري مجهول). وفي تقريب التهذيب: ١/٣٤٠: (مقبول من الثانية). انتهى.
وبهذا يتبين أن الزيادة من أحد الرواة تأثراً بأفكار كعب في الربط بين فتح القسطنطينية وخروج الدجال وقيام الساعة!
ومثله حديث سمرة الذي نسبه الى النبي صلى الله عليه وآله كما في تاريخ دمشق: ٤٧/٤٩٧: عن سمرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: الدجال خارج، وإنه أعور عين الشمال عليها ظفرة غليظة، وإنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيى الموتى! ويقول للناس إني ربكم! فمن قال أنت ربي فقد افتتن، ومن قال ربي الله حتى يموت على ذلك فقد عصم من فتنة الدجال، ولا فتنة عليه وعذاب، فيمكث في الأرض ما شاء الله، ثم ينزل عيسى بن مريم من قبل المغرب مصدقاً محمداً صلى الله عليه وآله وعلى ملته، فيقتل الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة).
وفي مسند أحمد: ٢/١٦٦: (قال(شخص) لعبد الله بن عمرو: إنك تقول إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ قال: لقد هممت أن لا أحدثكم شيئاً! إنما قلت إنكم سترون بعد قليل أمراً عظيماً كتحريق البيت! قال شعبة: هذا أو نحوه، ثم قال عبد الله بن عمرو: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يخرج الدجال في أمتي فيلبث فيهم أربعين لا أدري (!) أربعين يوماً أو أربعين سنة أو أربعين ليلة أو أربعين شهراً، فيبعث الله عز وجل عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيظهر فيهلكه. ثم يلبث الناس بعده سنين سبعاً ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه. قال سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله ويبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لايعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً. قال: فيتمثل لهم الشيطان فيقول ألا تستجيبون، فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها وهم في ذلك دارة أرزاقهم حسن عيشهم ثم ينفخ في الصور فلايسمعه أحد إلا أصغى له، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق ثم لا يبقى أحد إلا صعق. ثم يرسل الله أو ينزل الله قطراً كأنه الطل أو الظل، نعمان الشاك، فتنبت منه أجساد الناس. ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. قال ثم يقال: يا أيها الناس هلموا إلى ربكم: وقفوهم إنهم مسؤولون. قال ثم يقال: أخرجوا بعث النار. قال فيقال: كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فيومئذ تبعث الولدان، ويومئذ يكشف عن ساق). ومسلم: ٤/٢٢٥٨، عن ابن مسعود الثقفي، كما في أحمد بتفاوت. والحاكم: ٤/٥٤٣، وفيه: قالوا إنك قلت: لاتقوم الساعة إلى كذا وكذا، قال: إنما قلت لايكون كذا وكذا حتى يكون أمراً عظيماً فقد كان ذاك، فقد حرق البيت وكان كذا!. وفي/٥٥٠، كما في مسلم، والبغوي: ٣/٥٢٠، من صحاحه، قريباً مما في مسلم.
وفي تفسير الآلوسي: ٢٦/٥٣: (وقال الجلال السيوطي في رسالة سماها "الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف": الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد على ألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها ألف سنة، وبنى الأمر على ما ورد من أن مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وأن النبي صلى الله عليه وآله بعث في آخر الألف السادسة وأن الدجال يخرج على رأس مائة وينزل عيسى عليه السلام فيقتله ثم يمكث في الأرض أربعين سنة وأن الناس يمكثون بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة، وأن بين النفختين أربعين سنة، وذكر الأحاديث والأخبار في ذلك). انتهى.
أقول: وهذا يدل على أنهم بنوا عقيدتهم على قول كعب، وأن خروج الدجال عندهم بعد فتح القسطنطينية مباشرةً، ثم عيسى عليه السلام، ثم تقوم الساعة!

* * *

٥ - عقيدة الدجال التي نشرها تميم الداري
تميم الداري مسيحي من بلاد الشام، وفد هو وجماعته على النبي صلى الله عليه وآله في السنة العاشرة للهجرة، أي بعد أن شمل الإسلام الجزيرة، وكان تميم تاجر خمور وأراد أن يهدي إلى النبي صلى الله عليه وآله أدناناً من الخمر فرفضها النبي صلى الله عليه وآله لأنها حرام فقال له تميم خذها وانتفع بثمنها، فقال له إن ثمنها أيضاً حرام!
ويظهر أن وضع تميم المالي كان عادياً، فسكن المدينة ثم صار مقرباً من الخليفة عمر المعجب بثقافة أهل الكتاب، خاصة قصصهم التي يجيدها تميم! وقد طلب من الخليفة أن يجيزه بأن يقص قصص أهل الكتاب في مسجد النبي صلى الله عليه وآله، فأجابه عمر إن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن ثقافة القصاصين: (إني أخاف أن يجعلك الله تحت أقدامهم) يعني أخاف عليك غضب المسلمين إذا قَصَصْتَ في مسجدهم قصص أهل الكتاب!
لكن تميماً استغل ليونة عمر فواصل طلبه كما في ابن شبة في تاريخ المدينة: ١/٩، فأصدر الخليفة مرسوماًً لتميم الداري بالقص في مسجد النبي صلى الله عليه وآله! وحضر الخليفة شخصياً تحت منبره، وأراد أن يسأله عن توضيح كلمة سمعها منه في تلك الجلسة لكنه احترمه، وكره أن يقطع كلامه! وقد اختار له يوم الجمعة، ثم أضاف له يوم السبت فصارت النتيجة مزيجاً طريفاً: قسِّيسٌ وتاجر خمر، مسيحي سابقاً ومسلم حالياً حسب قوله، يقصُّ على المسلمين قصص اليهود في مسجد نبيهم صلى الله عليه وآله، في يوم السبت!
في الوقت الذي منع عمر من التحديث بأي حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وهدد بالعقوبة! قال أحمد: ٣/٤٤٩: (لم يكن يقص على عهد رسول الله ولا أبي بكر وكان أول من قص تميماً الداري استأذن عمر بن الخطاب أن يقص على الناس قائماً فأذن له عمر). وقال عمر بن شبة في تاريخ المدينة: ١/١١: (حتى كان آخر ولايته، فأذن له أن يُذَكِّر يوم الجمعة قبل أن يخرج عمر... ثم استخلف عثمان فاستزاده فزاده مقاماً آخر، فكان يقوم ثلاث مرات في الجمعة). انتهى. وقد بلغ من تسمينهم لتميم الداري أنه صار ولياً كبيراً صاحب معجزات! فعندما ثار بركان في المدينة وانطلقت منه فوهة نار، جاء عمر الى تميم وترجاه أن يرد البركان فذهب معه وحاش فوهة البركان بيديه وطرد النار الى شعب من شعاب الجبال وركض وراءها حتى اختفت! قال البيهقي في دلائل النبوة: ٦/٨٠: (باب ما جاء في الكرامة التي ظهرت على تميم الداري رضي الله عنه... عن معاوية بن حرمل قال: قدمت المدينة فلبثت في المسجد ثلاثاً لا أطعم، قال: فأتيت عمر فقلت: يا أميرالمؤمنين تائب من قبل أن تقدر عليه، قال: من أنت؟ قلت: أنا معاوية بن حرمل (صهر مسيلمة الكذاب وكان معه، الإصابة: ١٠/٣٥) قال: إذهب الى خير المؤمنين فانزل عليه قال: وكان تميم الدارمي إذا صلى ضرب بيده عن يمينه وعن شماله فأخذ رجلين فذهب بهما، فصليت الى جنبه فضرب يده فأخذ بيدي فذهب بي فأتينا بطعام، فأكلت أكلاً شديداً وما شبعت من شدة الجوع! قال: فبينا نحن ذات يوم إذ خرجت نار بالحرة فجاءه عمر الى تميم فقال: قم الى هذه النار، فقال يا أمير المؤمنين! ومن أنا وما أنا، قال: فلم يزل به حتى قام معه، قال وتبعتهما فانطلقا الى النار فجعل تميم يحوشها بيديه حتى دخلت الشعب ودخل تميم خلفها! قال: فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم يرَ. قالها ثلاثاً. لفظ حديث الصنعاني). انتهى.
هذا هو تميم الداري الذي زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله أخذ منه عقيدة الدجال! وقد أخذها هو من اليهود! فقد روى ابن حماد: ٢/٥٤١، عن الكلاعي صاحب كعب: (ليس الدجال إنساناً إنما هو شيطان في بعض جزائر البحر موثق بسبعين حلقة لا يُعلم من أوثقه أسليمان أم غيره؟ فإذا كان أول ظهوره فكَّ الله عنه في كل عام حلقة فإذا برز أتته أتان عرض ما بين أذنيها أربعون ذراعاً بذراع الجبار! وذلك فرسخ للراكب المحث فيضع على ظهرها منبراً من نحاس ويقعد عليه فتبايعه قبائل الجن ويخرجون له كنوز الأرض ويقتلون له الناس). وفتح الباري: ١٣/٢٧٧.
وقد طوَّر تميم قصة الدجال وادعى أن الجزيرة في بلاد الشام وأنه رآه! وأخبر النبي صلى الله عليه وآله فسارع النبي صلى الله عليه وآله الى المنبر وخطب في المسلمين قاصاً عليهم قصة تميم العظيمة، وجعلها جزء من الإسلام! وهكذا دخلت أسطورة تميم عن الدجال في ثقافة المسلمين، من الإمام الحافظ نعيم بن حماد والإمام ابن أبي شيبة... الى الإمام مسلم وبقية الأئمة ومصادرهم، والحفاظ ومحفوظاتهم، حتى لا يكاد يخلو منها مصدر مهم من مصادر مذاهب الخلافة! وعرفت القصة باسم: (حديث الجساسة).
ولعل أقدم من رواها ابن أبي شيبة: ١٥/١٥٤، عن فاطمة بنت قيس قالت: (صلى النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم الظهر ثم صعد المنبر فاستنكر الناس ذلك فبيْن قائم وجالس، ولم يكن يصعده قبل ذلك إلا يوم الجمعة، فأشار إليهم بيده أن اجلسوا ثم قال: والله ما قمت مقامي هذا لأمر ينفعكم لا لرغبة ولا لرهبة، ولكن تميماً الداري أتاني فأخبرني خبراً منعني القيلولة من الفرح وقرة العين، ألا إن بني عم لتميم الداري أخذتهم عاصف في البحر فألجأتهم الريح إلى جزيرة لا يعرفونها فقعدوا في قوارب السفينة فصعدوا فإذا هم بشيء أسود أهدب كثير الشعر، قالوا لها ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة قالوا: فأخبرينا، قالت: ما أنا بمخبرتكم ولا سائلتكم عنه، ولكن هذا الدير قد رمقتموه فأتوه فإن فيه رجلاً بالأشواق إلى أن يخبركم وتخبروه، فأتوه فدخلوا عليه فإذا هم بشيخ موثق في الحديد شديد الوثاق كثير الشعر فقال لهم: من أين؟ قالوا: من الشام قال: ما فعلت العرب؟ قالوا نحن قوم من العرب، قال: ما فعل هذا الرجل الذي خرج فيكم؟ قالوا: خير، ناواه قوم فأظهره الله عليهم فأمرهم اليوم جميع وإلههم واحد ودينهم واحد، قال: ذلك خير لهم، قال: ما فعلت عين زَغَر؟ قالوا: يسقون منها زروعهم ويشربون منها لسقيهم، قال: ما فعل نخل بين عمان وبيسان؟ قالوا: يطعم في جناه كل عام، قال: ما فعلت بحيرة طبرية؟ قالوا: تدفق جانباها من كثرة الماء، فزفر ثلاث زفرات ثم قال: إني لو قد انفلتُّ من وثاقي هذا لم أترك أرضاً إلا وطأتها بقدمي هاتين إلا طيبة ليس لي عليها سلطان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إلى هذا انتهى فرحي! هذه طيبة، والذي نفس محمد بيده ما منها طريق ضيق ولا واسع إلا عليه ملك شاهر بالسيف إلى يوم القيامة). ونحوه أحمد: ٦/٤١٦، وابن ماجة: ٢/١٣٥٤، وأبو داود: ٤/١١٨، مختصراً، بخمس روايات. والترمذي: ٤/٥٢١، بتفاوت، وأبو يعلى: ٤/١١٩، بثلاث روايات... الى آخر القائمة.
لكن مسلم بن الحجاج النيسابوري مولى بني قشير، أفاض في رواية جساسة تميم فصارت من معالم صحيحه! فقد رواها في: ٤/٢٢٦١، كما في ابن أبي شيبة، بتفاوت وتفصيل. ورواها بثلاث روايات أخرى! وقال في: ٨/٢٠٤، عن فاطمة بنت قيس بعد أن تحدثت عن زواجاتها وطلاقاتها! قالت: (فلما انقضت عدتي سمعت نداء المنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله ينادى الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم فلما قضى رسول الله صلاته جلس على المنبر وهو يضحك فقال: ليلزم كل إنسان مصلاه، ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال! حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهراً في البحر ثم أرفأوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لايدرون ما قُبله من دُبره من كثرة الشعر فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة! قالوا: وما الجساسة؟! قالت: أيها القوم إنطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق. قال: لما سمَّت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة، قال فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً وأشده وثاقاً! مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد! قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم فلعب بنا الموج شهراً، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر فقلنا ويلك ما أنت فقالت انا الجساسة قلنا وما الجساسة قالت: إعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق فأقبلنا إليك سراعاً وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة! فقال: أخبروني عن نخل بيسان؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زغر؟ قالوا عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟! قلنا: نعم. قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني: إني أنا المسيح (!) وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، فهما محرمتان عليَّ كلتاهما كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها. قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وطعن بمخصرته في المنبر: هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة، يعنى المدينة، ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم. قال صلى الله عليه وآله: فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة! ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو. وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هذا من رسول الله). انتهى.
أقول: لا تحتاج هذه القصة الى كثير من التفكير لمعرفة كذبها، فيكفي أن تفحص بُنيتها وتناقضات رواياتها لتقول: سبحان الله، لاحافظة لكذوب! ففي بعضها أن تميماً كان في السفينة، وفي بعضها لم يكن! وفي بعضها أخذهم موج البحر شهراً، وفي بعضها كانوا يسيرون فظهرت لهم جزيرة فذهبوا ليشتروا خبزاً! وفي بعضها أن الجزيرة في ساحل فلسطين وفي بعضها في المغرب! وحتى النبي صلى الله عليه وآله متحير فيها أين هي! وجساستها أي الجاسوسة دابة وفي بعضها إنسان، وفي بعضها امرأة تتجسس للدجال! والدجال إنسان ضخم أو شيطان، ولماذا سجنوه في الجزيرة وما ينتظر، ولماذا سألهم أسئلة عادية عن مناطق ولم يعرف ذلك من الناس، أو يرسل جساسته لتعرف الخبر.. الى آخر التناقض والتهافت. ومن ناحية أخرى وقع رواة الخلافة في مشكلة كيف يجمعون بين هذا الحديث الصحيح وحديثهم الصحيح عن عمر وأنه أقسم يميناً بالله العلي العظيم أن الدجال هو ابن صياد وأقره النبي صلى الله عليه وآله؟! وبين ما صح عندهم من أن الدجال سيولد، وأنه جنيٌّ مسجون في جزائر اليمن.. الخ.

* * *

٦ - عقيدة الدجال التي نشرها عمر بن الخطاب
أقوى دليل عندهم عليها رواية بخاري أن عمر كان يحلف أن الدجال هو عبدالله بن صياد أو ابن صائد، وهو يهودي من المدينة!
قال في صحيحه: ٩/١٣٣: (عن محمد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن الصائد الدجال! قلت: تحلف بالله؟! قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي فلم ينكره النبي صلى الله عليه وآله). انتهى. ومعناه: أنه لايوجد نص من النبي صلى الله عليه وآله عليه إلا سكوته على حلف عمر! ومثله مسلم: ٤/٢٢٤٣، عن عبيد الله بن معاذ، وأبو داود: ٤/١٢٠ عن ابن عمر أنه كان يقول: والله ما أشك أن المسيح الدجال ابن صياد. ثم كرر روايته في/١٢١... الى آخر قائمة المصادر التي كذبوا فيها على أبيّ بن كعب أنه كان يحلف مثل عمر، وعلى أبي ذر أنه كان يحلف عشر مرات! ثم لم يتركوا الأمر عند حلف عمر وبعض الصحابة، بل أيدوه بحديث نبوي في صحيح بخاري وغيره، زعم أن النبي صلى الله عليه وآله كاد يصدق بقسم عمر! ففي مصنف عبد الرزاق: ١١/٣٨٩، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وآله مرَّ بابن صياد في نفر من أصحابه منهم عمر بن الخطاب وهو يلعب مع الغلمان عند أطم بني مغالة وهو غلام، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله ظهره بيد فقال: أتشهد أني رسول الله؟ فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنك رسول الأميين، قال ابن صياد للنبي صلى الله عليه وآله: أتشهد أني رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله: آمنت بالله ورسله. فقال له النبي صلى الله عليه وآله: ما يأتيك؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقال النبي صلى الله عليه وآله: خلط عليك الأمر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني قد خبأت لك خبيئاً، وخبأ له: (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ)، فقال ابن صياد: هو الدخّ، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إخسأ فلن تعدو قدرك. فقال عمر: يا رسول الله إئذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن يك هو فلن تسلط عليه وإن لا يكن هو فلا خير لك في قتله).
ورواه ثانيةً في/٣٩٠: عن ابن عمر قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بن كعب يوماً إلى النخل التي فيها ابن صياد حتى إذا دخلا النخل طفق رسول الله صلى الله عليه وآله يتقي بجذوع النخل وهو يَخْتُلُ ابن صياد أن يسمع من أبن صياد شيئاً من قبل أن يراه، وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة له فيها زمزمة، قال فرأت أمه رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يتقي بجذوع النخل فقالت: أي صاف، وهو اسمه، هذا محمد فثار، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو تركَتْهُ بَيَّن). أي كشف نفسه أنه الدجال.
ورواه ثالثةً: ١١/٣٨٩، عن الحسين بن علي عليه السلام! قال: إن النبي صلى الله عليه وآله خبأ لابن صياد دخاناً فسأله عما خبأ له فقال: دخ، فقال: إخسأ فلن تعدو قدرك فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وآله ما قال؟ فقال بعضهم دُخّ وقال بعضهم بل قال ريح! فقال النبي صلى الله عليه وآله: قد اختلفتم وأنا بين أظهركم وأنتم بعدي أشد اختلافاً). ومثله ابن حماد: ٢/٥٥٠، عن رواية عبد الرزاق الثانية والثالثة. وأحمد: ٢/١٤٨، وفي/١٤٩، عن ابن عمر، كرواية عبد الرزاق الأولى بتفاوت، والثالثة. وفي: ٣/٣٦٨، بنحو الأولى عن جابر، وفيه: إن يكن هو فلست صاحبه، إنما صاحبه عيسى بن مريم وإن لا يكن هو فليس لك أن تقتل رجلاً من أهل العهد، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله مشفقاً أنه الدجال).
ثم جاء عصر بخاري: فروى في صحيحه: ٧/١١٣، رواية الحسين عليه السلام المتقدمة لكن عن ابن عباس، ثم جمع بين الروايتين عن الدجال فقال: (أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر أخبره أن عمر بن الخطاب انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وآله في رهط من أصحابه قِبَل ابن صياد حتى وجده يلعب مع الغلمان في أطم بني مَغَالة وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ظهره بيده ثم قال: أتشهد أني رسول الله؟ فنظر إليه فقال: أشهد أنك رسول الأميين. ثم قال ابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ فرضَّه النبي ثم قال: آمنت بالله ورسله. ثم قال لابن صياد: ماذا ترى؟ قال: يأتيني صادق وكاذب. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلط عليك الأمر. قال: رسول الله: إني خبأت لك خبيئاً، قال: هو الدخّ. قال: إخسأ فلن تعدو قدرك! قال عمر: يا رسول الله أتأذن لي فيه أضرب عنقه؟ قال رسول الله: إن يكن هو لا تسلط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله. قال سالم: فسمعت عبد الله بن عمر يقول: انطلق بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وأبي بن كعب الأنصاري يؤمان النخل التي فيه ابن صياد حتى إذا دخل رسول الله صلى الله عليه وآله طفق رسول الله يتقي بجذوع النخل وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئاً قبل أن يراه! وابن صياد مضطجع على فراشه في قطيفة له فيها رمرمة أو زمزمة، فرأت أم ابن صياد النبي وهو يتقي بجذوع النخل فقالت لابن صياد: أي صاف وهو اسمه، هذا محمد، فتناهى ابن صياد. قال رسول الله: لو تركَتْهُ بَيَّن! قال سالم: قال عبد الله: قام رسول الله في الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم ذكر الدجال فقال: إني أنذركموه وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، لقد أنذره نوح قومه ولكني سأقول فيه قولاً لم يقله نبي لقومه: تعملون أنه أعور وإن الله ليس بأعور). الى آخر قائمة المصادر المتأخرة عن بخاري.
عبدالله بن عمر وحفصة يؤكدان عقيدة أبيهما!
أحمد: ٦/٢٨٣، عن ابن عمر أنه رأى ابن صائد في سكة من سكك المدينة فسبه ابن عمر ووقع فيه، فانتفخ حتى سد الطريق! فضربه ابن عمر بعصا كانت معه حتى كسرها عليه! فقالت له حفصة: ما شأنك وشأنه، ما يولعك به؟ أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنما يخرج الدجال من غضبة يغضبها! ومسلم: ٤/٢٢٤٦، عن نافع قال: لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة فقال له قولاً أغضبه فانتفخ(بدنه) حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها فقالت له: رحمك الله ما أردت من ابن صائد أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إنما يخرج من غضبة يغضبها؟! والطبراني: ٢٣/١٩٥، عن حفصة، وابن حماد: ٢/٥١٨... الخ.
لكن عبد الرزاق روى في: ١١/٣٩٦، عن ابن عمر ما يكذب ماتقدم! قال: لقيت ابن صياد يوماً ومعه رجل من اليهود فإذا عينه قد طفيت وكانت عينه خارجة مثل عين الجمل، فلما رأيتها قلت: يا ابن صياد أنشدك الله متى طفيت عينك أو نحو هذا؟ قال: لا أدري والرحمن، فقلت: كذبت لاتدري وهي في رأسك؟ قال: فمسحها قال فنخر ثلاثاً! فزعم اليهودي أني ضربت بيدي على صدره قال: ولا أعلمني فعلت ذلك! قلت: إخس فلن تعدو قدرك، قال: أجل لعمري لا أعدو قدري قال: فذكرت ذلك لحفصة فقالت إجتنب هذا الرجل فإنا نتحدث أن الدجال يخرج عند غضبة يغضبها)!
ملاحظات على عقيدة الدجال عند عمر
١ - معنى هذه الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله كان شاكاً في أن يكون ابن صياد هو الدجال فقد روى تشكيكه أحمد، وصححه في مجمع الزوائد: ٨/٤، فسكوته صلى الله عليه وآله على حلف عمر لايعتبر إقراراً بعد أن صرح بأنه شاك لايعلم! وعليه فعمر أعلم بالدجال من النبي صلى الله عليه وآله لأنه أقسم أنه هو بينما النبي صلى الله عليه وآله شاك لايعلم!
٢ - زعموا أن النبي صلى الله عليه وآله رأى ابن صياد وهو صبي مراهق يلعب في حي بني مَغَالة وهم بطن من بني عبد النجار(الطبقات: ٣/٥٠٣) أي خزرجيون رئيسهم سعد بن عبادة رحمه الله، الذي هو عدو عمر اللدود، لأنه وقف ضد بيعة أبي بكر وبيعته، فنفاه عمر الى الشام، ثم بعث له خالد بن الوليد فقتله!
فالحديث يشير الى أن الخزرج لهم علاقة بالدجال أو هو منهم! لكن حديث أحمد الصحيح عندهم نقل قول النبي صلى الله عليه وآله لعمر: وإن لا يكن هو فليس لك أن تقتل رجلاً من أهل العهد. فابن صياد يهودي، وقد تكون أمه خزرجية.
٣ - زعمت روايتهم أن النبي صلى الله عليه وآله ذهب متخفياً يتلصص على ابن صياد في بستان! وهذا لايصح لأنه لم يكن من أخلاقه وسلوكه صلى الله عليه وآله التجسس! كما أن ذهابه صلى الله عليه وآله ليتعرف من ابن صياد خبره، وقوله صلى الله عليه وآله عن أمه لو تركته بيَّن أمره، لا يتناسب مع نبوته صلى الله عليه وآله! فالذي ينزل عليه جبرئيل عليه السلام بالوحي من رب العالمين ومستقبل الأمة، لايحتاج الى التعرف على قضية مهمة من عقائد المسلمين، من عدو الله الدجال؟!
٤ - مما يدل على كذب الرواية تهافتها حيث لم يسموا البستان ولا صاحبه ولا مكانه كما هي العادة في مثل هذه الرواية، وهل هو لابن صياد أم للخزرجيين الذين يسكن في حيهم! وما معنى أن الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله يتغيرون في رواياتها المتعددة لكن عمر دائماً موجود فيها؟ وما معنى زمزمة ابن صياد تحت البطانية؟ فهل كان يتحدث عن نفسه وأنه الدجال، أو يقرأ من التلمود بينه وبين نفسه وعندما حضر النبي صلى الله عليه وآله سكت؟! الى آخر ما فيها من نقاط ضعف!
إنها في رأينا تصورات يهودية عامية تجدها كثيراً فيما رواه عمر وابنه وابن العاص وما روته النساء اللواتي كنَّ يعتقدن بسحر اليهود وقدراتهم الفائقة! فقد رووا أن عائشة كانت إذا مرضت تستدعي امرأة يهودية لترقيها وأن أبا بكر أقرها وصححوه وأفتوا به، وكذلك زوجة عبدالله بن مسعود كانت تسترقي لوجع عينها يهودية، وزوجة أبي بن كعب وهي أم الطفيل التي يروي عنها ابن تيمية حديث أن الله تعالى شاب أمرد شعره أجعد يقف على أرض خضراء وفي رجليه نعلان من ذهب! وقد استوفينا ذلك في كتاب الوهابية والتوحيد.
٥ - أبو بكرة بن عبيد، أخ زياد بن أبيه، هو غلام الطبيب الحارث بن كلدة، لأن أمه سمية الفارسية أمةٌ للحارث بن كلدة، زوَّجها لعبده عبيد فأولادهما غلمانه وعندما حاصر النبي صلى الله عليه وآله الطائف نزل أبو بكرة من السور ببَكْرة مستأمناً فسمي أبا بكرة، فهو غلام النبي صلى الله عليه وآله، وزعم أنه صلى الله عليه وآله أعتقه! (الإستيعاب: ٤/١٥٣).
وقد استفاد أبو بكرة من منصب أخيه زياد وصار صاحب ثروة واسعة في البصرة، وكان يتقرب الى عثمان ومعاوية ويزيد، وقد دخل على الخط في الدجال لتأييد قسم عمر، فروى عنه الطيالسي/١١٦: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يمكث أبَوَا الدجال ثلاثين عاماً لا يولد لهما، ثم يولد لهما غلام أعور أضر شيء وأقله نفعاً، تنام عيناه ولا ينام قلبه. قال: ونعت رسول الله صلى الله عليه وآله أباه فقال: أبوه رجل طوال مضطرب اللحم كأن أنفه منقار، وأما أمه فامرأة طويلة فرضاخية عظيمة الثديين. قال أبو بكرة: فسمعنا بمولود ولد بالمدينة في اليهود، فذهبت أنا والزبير بن العوام فدخلنا على أبويه فإذا نعت رسول الله صلى الله عليه وآله فيهما فقلت: هل ولد لكما من ولد؟ فقالا: مكثنا ثلاثين عاماً لا يولد لنا، ثم ولد هذا لنا أضر شيء وأقله نفعاً تنام عيناه ولا ينام قلبه، فخرجنا من عندهما فإذا هو منحول في قطيفة في الشمس له همهمة فكشف عن رأسه فقال: ما قلتما؟ قلنا: أو سمعت؟ قال: إني أنام ولا ينام قلبي)! ورواه ابن أبي شيبة: ١٥/١٣٩، وأحمد: ٥/٤٩، كما في الطيالسي بتفاوت يسير، ونحوه في/٥١، والترمذي: ٤/٥١٨، ومصابيح البغوي: ٣/٥١٤، من حسانه الى آخر القائمة. والفرضاخ والفرضاخة والفرضاخية: بكسر الفاء للرجل والمرأة العظيم البدن. وفي رواية فرغانية نسبة إلى فرغانة: سهل ومدينة في أزبكستان.
٦ - روى علماؤنا حديث ابن صياد غير منقوص وردوا عليه!
ففي كمال الدين للصدوق/٥٢٨، عن ابن عمر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى ذات يوم بأصحابه الفجر، ثم قام مع أصحابه حتى أتى باب دار بالمدينة فطرق الباب فخرجت إليه امرأة فقالت: ما تريد يا أبا القاسم؟ فقال رسول الله: يا أم عبد الله إستأذني لي على عبد الله، فقالت يا أبا القاسم وما تصنع بعبد الله فوالله إنه لمجهود في عقله يحدث في ثوبه، وإنه ليراودني على الأمر العظيم! فقال: استأذني عليه، فقالت: أعلى ذمتك، قال: نعم، فقالت: أدخل فدخل فإذا هو في قطيفة له يهينم فيها، فقالت أمه: أسكت واجلس هذا محمد قد أتاك فسكت وجلس، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما لها لعنها الله لو تركتني لأخبرتكم أهوَ هو، ثم قال له النبي صلى الله عليه وآله: ما ترى؟ قال: أرى حقاً وباطلاً، وأرى عرشاً على الماء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فقال: بل تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فما جعلك الله بذلك أحق مني. فلما كان اليوم الثاني صلى صلى الله عليه وآله بأصحابه الفجر ثم نهض فنهضوا معه حتى طرق الباب فقالت أمه: أدخل فدخل فإذا هو في نخلة يغرد فيها، فقالت له أمه: أسكت وانزل هذا محمد قد أتاك فسكت فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما لها لعنها الله لو تركتني لأخبرتكم أهو هو. فلما كان في اليوم الثالث صلى النبي صلى الله عليه وآله بأصحابه الفجر ثم نهض ونهض القوم معه حتى أتى ذلك المكان فإذا هو في غنم له ينعق بها، فقالت له أمه: أسكت واجلس هذا محمد قد أتاك، فسكت وجلس وقد كانت نزلت في ذلك اليوم آيات من سورة الدخان، فقرأها بهم النبي صلى الله عليه وآله في صلاة الغداة ثم قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ فقال: بل تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فما جعلك الله بذلك أحق مني! فقال النبي صلى الله عليه وآله إني قد خبأت لك خبيئاً فما هو؟ فقال: الدُّخّ الدخ! فقال النبي صلى الله عليه وآله: إخسأ فإنك لن تعدو أجلك، ولن تبلغ أملك ولن تنال إلا ما قدر لك. ثم قال لأصحابه: أيها الناس ما بعث الله عز وجل نبياً إلا وقد أنذر قومه الدجال وإن الله عز وجل قد أخره إلى يومكم هذا فمهما تشابه عليكم من أمره فإن ربكم ليس بأعور، إنه يخرج على حمار عرض ما بين أذنيه ميل، يخرج ومعه جنة ونار وجبل من خبز ونهر من ماء أكثر أتباعه اليهود والنساء والأعراب، يدخل آفاق الأرض كلها إلا مكة ولابَّتيها والمدينة ولابتيها). ورواه القطب الراوندي في الخرائج: ٣/١١٤١، بعدة طرق، ولم أجده في أي مصدر سني لديَّ!
وعلق عليه الصدوق رحمه الله بقوله: (قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه: إن أهل العناد والجحود يصدقون بمثل هذا الخبر ويروونه في الدجال وغيبته وطول بقائه المدة الطويلة وخروجه في آخر الزمان، ولا يصدقون بأمر القائم عليه السلام وأنه يغيب مدة طويلة ثم يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، مع نص النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام بعده عليه باسمه وغيبته ونسبه وإخبارهم بطول غيبته! إرادةً لاطفاء نور الله عز وجل وإبطالاً لأمر ولي الله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون، وأكثر ما يحتجون به في دفعهم لأمر الحجة عليه السلام أنهم يقولون: لم نرو هذه الأخبار التي تروونها في شأنه ولا نعرفها، وهكذا يقول من يجحد نبوة نبينا صلى الله عليه وآله من الملحدين والبراهمة واليهود والنصارى والمجوس أنه ما صح عندنا شيء مما تروونه من معجزاته ودلائله ولا نعرفها، فنعتقد ببطلان أمره لهذه الجهة، ومتى لزمنا ما يقولون لزمهم ما تقوله هذه الطوائف وهم أكثر عدداً منهم! ويقولون أيضاً: ليس في موجب عقولنا أن يعمر أحد في زماننا هذا عمراً يتجاوز عمر أهل الزمان، فقد تجاوز عمر صاحبكم على زعمكم عمر أهل الزمان. فنقول لهم: أتصدقون على أن الدجال في الغيبة يجوز أن يعمر عمراً يتجاوز عمر أهل الزمان وكذلك إبليس اللعين ولا تصدقون بمثل ذلك لقائم آل محمد صلى الله عليه وآله؟ مع النصوص الواردة فيه بالغيبة وطول العمر والظهور بعد ذلك للقيام بأمر الله عز وجل، وما روي في ذلك من الأخبار التي قد ذكرتها في هذا الكتاب ومع ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله إذ قال: كل ما كان في الأمم السالفة يكون في هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. وقد كان فيمن مضى من أنبياء الله عز وجل وحججه عليهم السلام معمرون، أما نوح عليه السلام فإنه عاش ألفي سنة وخمسمائة سنة، ونطق القرآن بأنه لبث قومه أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَاماً. وقد روي في الخبر الذي قد أسندته في هذا الكتاب أن في القائم عليه السلام سُنَّةٌ من نوح وهي طول العمر فكيف يدفع أمره ولا يدفع ما يشبهه من الأمور التي ليس شيء منها في موجب العقول بل لزم الاقرار بها لأنها رويت عن النبي صلى الله عليه وآله وهكذا يلزم الإقرار بالقائم عليه السلام من طريق السمع. وفي موجب أي عقل من العقول أنه يجوز أن يلبث أصحاب الكهف في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً، هل وقع التصديق بذلك إلا من طريق السمع فلمَ لا يقع التصديق بأمر القائم عليه السلام أيضاً من طريق السمع؟! وكيف يصدقون ما يرد من الأخبار عن وهب بن منبه وعن كعب الأحبار في المحالات التي لا يصح شيء منها في قول الرسول صلى الله عليه وآله ولا في موجب العقول، ولايصدقون بما يرد عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام في القائم وغيبته وظهوره بعد شك أكثر الناس في أمره وارتدادهم عن القول به، كما تنطق به الآثار الصحيحة عنهم عليهم السلام؟! هل هذا إلا مكابرة في دفع الحق وجحوده. كيف لا يقولون: إنه لما كان في الزمان غير محتمل للتعمير، وجب أن تجري سنة الأولين بالتعمير في أشهر الأجناس تصديقاً لقول صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله، ولا جنس أشهر من جنس القائم عليه السلام لأنه مذكور في الشرق والغرب على ألسنة المقرين به وألسنة المنكرين له، ومتى بطل وقوع الغيبة بالقائم الثاني عشر من الأئمة عليهم السلام مع الروايات الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه أخبر بوقوعها به بطلت نبوته لأنه يكون قد أخبر بوقوع الغيبة بمن لم يقع به، ومتى صح كذبه في شيء لم يكن نبياً! وكيف يصدق صلى الله عليه وآله فيما أخبر به في أمر عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه تقتله الفئة الباغية، وفي أمير المؤمنين عليه السلام أنه تخضب لحيته من دم رأسه، وفي الحسن بن علي عليهما السلام أنه مقتول بالسم، وفي الحسين بن علي عليهما السلام أنه مقتول بالسيف؟ ولايصدق فيما أخبر به من أمر القائم عليه السلام ووقوع الغيبة به والتعيين عليه باسمه ونسبه؟! بلى، هو صادق في جميع أقواله صلى الله عليه وآله، مصيب في جميع أحواله ولا يصح إيمان عبد حتى لايجد في نفسه حرجاً مما قضى، ويسلم له في جميع الأمور تسليماً، ولا يخالطه شك ولا ارتياب، وهذا هو الإسلام، والإسلام هو الإستسلام والإنقياد. (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
ومن أعجب العجائب أن مخالفينا يروون أن عيسى بن مريم عليه السلام مرَّ بأرض كربلا فرأى عدة من الظباء هناك مجتمعة، فأقبلت إليه وهي تبكي وأنه جلس وجلس الحواريون فبكى وبكى الحواريون، وهم لا يدرون لم جلس ولم بكى، فقالوا: يا روح الله وكلمته ما يبكيك؟ قال: أتعلمون أي أرض هذه؟ قالوا: لا، قال: هذه أرض يقتل فيها فرخ الرسول أحمد وفرخ الحرة الطاهرة البتول شبيهة أمي، ويلحد فيها، هي أطيب من المسك لأنها طينة الفرخ المستشهد، وهكذا تكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء، وهذه الظباء تكلمني وتقول: إنها ترعى في هذه الأرض شوقاً إلى تربة الفرخ المستشهد المبارك، وزعمت أنها آمنة في هذه الأرض، ثم ضرب بيده إلى بعر تلك الظباء فشمها فقال: اللهم أبقها أبداً حتى يشمها أبوه فيكون له عزاء وسلوة، وإنها بقيت إلى أيام أمير المؤمنين عليه السلام حتى شمها وبكى، وأخبر بقصتها لما مر بكربلاء. فيصدقون بأن بعر تلك الظباء تبقى زيادة على خمسمائة سنة لم تغيرها الأمطار والرياح ومرور الأيام والليالي والسنين عليه، ولا يصدقون بأن القائم من آل محمد عليه السلام يبقى حتى يخرج بالسيف فيبير أعداء الله عز وجل ويظهر دين الله. مع الأخبار الواردة عن النبي والأئمة صلوات الله عليهم بالنص عليه باسمه ونسبه وغيبته المدة الطويلة وجرى سنن الأولين فيه بالتعمير؟! هل هذا إلا عناد وجحود للحق؟!).
وفي غيبة الطوسي/١١٣: (وروى أصحاب الحديث أن الدجال موجود وأنه كان في عصر النبي صلى الله عليه وآله وأنه باق إلى الوقت الذي يخرج فيه وهو عدو الله، فإذا جاز في عدو الله لضرب من المصلحة، فكيف لا يجوز مثله في ولي الله؟! إن هذا من العناد).
أقول: إن أتباع المذاهب في الدجال في عصرنا مقلدون لكعب، ومنقسمون بين عمر وتميم، فبعضهم يعتقد بدجال عمر وأنه ابن صياد لأن أحاديثه الصحيحة أقسم عليها عمر وأولاده! وبعضهم يعتقد بأنه دجال تميم الذي أرشدت اليه جساسته في الجزيرة، لأن أحاديثه صحيحة أيضاً! فكلا الفريقين يعتقدون بأن الدجال حيٌّ غائب عن الأنظار، وأن الله تعالى مدَّ في عمره مئات السنين حسب عقيدة عمر، أو ألوف السنين حسب عقيدة تميم، فلايصح أن يُشَنَّعوا علينا لاعتقادنا بأن الإمام المهدي عليه السلام حيٌّ يرزق حتى يأذن الله تعالى بظهوره، وظهور الإسلام به. فهل تمديد الحياة لأعداء الله ممكن ولأوليائه مستحيل؟! وهل روايات تميم وكعب وأمثالهم أوثق من روايات أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله؟! وقد نَبَزَنا بعضهم بقصص وأساطير اخترعوها عن انتظارنا لظهور الإمام المهدي عليه السلام من سرداب الغيبة، الذي هو طابق أرضي في بيت الإمام عليه السلام في سامراء.. الخ. فمن حقنا أن ننبزهم بقصص عن غائبهم الدجال؟!
٧ - تحير علمائهم وجهالهم بين دجال تميم ودجال عمر!
قال ابن حجر في شرح صحيح بخاري: ١٣/٢٧٧: (وذكر نعيم بن حماد شيخ البخاري أحاديث تتعلق بالدجال وخروجه، إذا ضمت إلى ما سبق ذكره في أواخر كتاب الفتن انتظمت منها له ترجمة تامة. منها: ما أخرجه من طريق جبير بن نفير وشريح بن عبيد وعمرو بن الأسود وكثير بن مرة قالوا جميعاً: الدجال ليس هو إنسان وإنما هو شيطان موثق بسبعين حلقة في بعض جزائر اليمن، لايعلم من أوثقه سليمان النبي أو غيره، فإذا آن ظهوره فك الله عنه كل عام حلقة فإذا برز أتته أتان عرض ما بين أذنيها أربعون ذراعاً فيضع على ظهرها منبراً من نحاس ويقعد عليه ويتبعه قبائل الجن، يخرجون له خزائن الأرض! ثم أضاف ابن حجر: قلت: وهذا لا يمكن معه كون ابن صياد هو الدجال ولعل هؤلاء مع كونهم ثقات تلقوا ذلك من بعض كتب أهل الكتاب! وأخرج أبو نعيم أيضاً من طريق كعب الأحبار أن الدجال تلده أمه بقوص من أرض مصر قال: وبين مولده ومخرجه ثلاثون سنة! قال: ولم ينزل خبره في التوراة والإنجيل وإنما هو في بعض كتب الأنبياء. انتهى. وأخلق بهذا الخبر أن يكون باطلاً فإن الحديث الصحيح أن كل نبي قبل نبينا أنذر قومه الدجال وكونه يولد قبل مخرجه بالمدة المذكورة مخالف لكونه ابن صياد ولكونه موثوقاً في جزيرة من جزائر البحر. وذكر ابن وصيف المؤرخ أن الدجال من ولد شق الكاهن المشهور قال: وقال بل هو شق نفسه أنظره الله وكانت أمه جنية عشقت أباه فأولدها وكان الشيطان يعمل له العجائب فأخذه سليمان فحبسه في جزيرة من جزائر البحر! وهذا أيضاً في غاية الوهن. وأقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال، أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثوقاً، وأن ابن صياد شيطان تبدَّى في صورة الدجال في تلك المدة إلى أن توجه إلى أصبهان فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها)! انتهى. ثم اعترف ابن حجر بتناقض أحاديثهم الصحيحة وعدم إمكان الجمع بينها، فقال: ولشدة التباس الأمر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح فاقتصر على حديث جابر عن عمر في ابن صياد، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم وقد توهم بعضهم أنه غريب فرده وليس كذلك، فقد رواه مع فاطمة بنت قيس أبو هريرة وعائشة وجابر. أما أبو هريرة فأخرجه أحمد من رواية عامر الشعبي عن المحرز بن أبي هريرة عن أبيه بطوله، وأخرجه أبو داود مختصراً وابن ماجة عقب رواية الشعبي عن فاطمة).
أقول: وكلامه طويل قَبِلَ فيه حديث أن الدجال شيطان مسجون الى أن يأتي وقته وأنه مسجون في جزيرة في اليمن، أو في جزيرة تميم الداري ولعلها قبرص، وأنه عبدالله بن صياد، وأنه مولود، وقالوا إنه مختون (أحمد: ٥/٥١ وغيره)! والمتحصل من كلامه أنه يميل الى دجال تميم أكثر من دجال عمر! فهو نموذج لتخبط علمائهم لتناقض أحاديثهم الصحيحة! وقد يقبلون التناقض من صحابي واحد! وهو عين الحشو، وطريق يوصل الى الهرطقة!
٨ - محنة المسكين عبد الله بن صياد وابنه الإمام عمارة!
من مظاهر تناقضهم في دجال عمر، ترجمتهم لعبدالله بن صياد، ولإمامهم ابن الدجال! الإمام المحدث عمارة بن عبدالله بن صياد!!
فبعضهم لم يقبل قول عمر، وقال كيف يكون الرجل هو الدجال وقد أسلم وشارك في الفتوحات ومات ودفن في المدينة! وابنه عمارة إمام وثقه ابن معين وابن حبان وغيرهما، وكان أنس بن مالك لايفضل عليه أحداً.
وبعضهم قال "عنزة ولو طارت" ونسبوا الى جابر الأنصاري رحمه الله أنه قال له أبو سلمة: إنه قد مات! قال: وإن مات! قلت: فإنه قد أسلم! قال: وإن أسلم)!
ورووا أن الدجال فُقد يوم الحرة عندما هرب الناس من المدينة! وقالوا بل غاب في يهود أصفهان لأن النبي صلى الله عليه وآله أخبر أنه يخرج من هناك وأنه ذهب الى أصفهان (وأن اليهود تلقوه وقالوا هذا ملكنا الذي نستفتح به على العرب، وأدخلوه البلد ليلاً ومعه الطبول والشموع، ثم لم يعرف له خبر بعد ذلك). (تهذيب ابن حجر: ٧/٣٦٧).
وزعم ابن تيمية والبيهقي والشوكاني إن الدجال ليس ابن صياد الدجال وإنَّ عمر أخطأ في حلفه، ولم يقره النبي لأنه صلى الله عليه وآله كان(شاكاً) في أنه الدجال، فنزل عليه الوحي بأن الدجال هو دجال تميم الداري المسجون في جزيرة! فخطب في الناس وأخبرهم! قال في نيل الأوطار: ٨/٢٠: (وهذا الحديث ينافي ما استدل به على أن ابن صياد هو الدجال ولايمكن الجمع أصلاً، إذ لا يلتئم أن يكون من كان في الحياة النبوية شبه المحتلم ويجتمع به النبي صلى الله عليه وآله ويسأله، أن يكون شيخاً في آخرها مسجوناً في جزيرة من جزائر البحر موثوقاً بالحديد يستفهم عن خبر النبي صلى الله عليه وآله هل خرج أم لا، فينبغي أن يحمل حلف عمر وجابر على أنه وقع قبل علمهما بقصة تميم). انتهى.

* * *

أما ابن صياد المسكين، فكان مسلماً مقاتلاً في جيش الفتح، وكان على الخيل في معركة نهاوند(الطبري: ٣/١٨٧)، لكن لعنة عمر لصقت به كل عمره، وتبناها عبدالله بن عمر وحفصة ومن صدقهم! ولم يسمعوا لصراخ ابن صياد! فقد قال لأبي سعيد الخدري وهو ذاهب في جيش الفتح، كما روى أحمد: ٣/٧٩: (عن أبي سعيد الخدري قال: أقبلنا في جيش من المدينة قبل هذا المشرق قال فكان في الجيش عبد الله بن صياد وكان لايسايره أحد ولا يرافقه ولا يؤاكله ولا يشاربه ويسمونه الدجال، فبينا أنا ذات يوم نازل في منزل لي إذ رآني عبد الله بن صياد جالساً فجاء حتى جلس إليَّ فقال: يا أبا سعيد ألا ترى إلى ما يصنع الناس؟! لا يسايرني أحد ولا يرافقني أحد ولا يشاربني أحد ولا يؤاكلني أحد ويدعوني الدجال! وقد علمت أنت يا أبا سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الدجال لا يدخل المدينة وإني ولدت بالمدينة وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الدجال لايولد له وقد وُلد لي! فوالله لقد هممتُ مما يصنع بي هؤلاء الناس أن آخذ حبلاً فأخلو فأجعله في عنقي فأختنق فأستريح من هؤلاء الناس! والله ما أنا بالدجال)!!
لكن الرواة يجب أن يصدقوا عمر حتى لو قال لهم الشمس مظلمة! فأضافوا في الحديث على لسان أبي سعيد: (قال ثم قال لي في آخر قوله: أما والله إني لأعلم مولده ومكانه وأين هو! قال فلبَّسني) (مسلم: ٨/١٩٠) أي غشه فصدقه، ثم تراجع!
لكن البيهقي صدَّق ابن صياد فقال: (يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله كان متوقفاً في أمره ثم جاءه التثبت من الله تعالى بأنه غيره، على ما تقتضيه قصة تميم الداري، وبه تمسك من جزم بأن الدجال غير ابن صياد وطريقه أصح). (نيل الأوطار: ٨/١٩).
ولا نطيل في كلامهم الفارغ في هذه الأسطورة، ونختم ببعض نصوصهم: قال الشوكاني في نيل الأوطار: ٨/١٩: (وكذلك حلف عمر وجابر السابق على أن ابن الصياد هو الدجال. وقد أخرج أبو داود بسند صحيح أن ابن عمر كان يقول: والله لا أشك أن المسيح الدجال هو ابن صياد.... قال الخطابي: اختلف السلف في أمر ابن صياد بعد كبره، فروي أنه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا وجهه حتى يراه الناس، وقيل لهم: إشهدوا! وقال النووي قال العلماء: قصة ابن صياد مشكلة وأمره مشتبه، ولكن لا شك أنه دجال من الدجاجلة! والظاهر أن النبي صلى الله عليه وآله لم يوح إليه في أمره بشيء وإنما أوحيَ إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان صلى الله عليه وآله لا يقطع في أمره بشيء). انتهى. ورووا عن جابر بن عبدالله الأنصاري رحمه الله أنه قال: (ما زلت في شك من عبد الله بن صائد حتى قبر)! (رسالة الصاهل لأبي العلاء المعري/١٠٠).
وفي الجرح والتعديل: ٦/٣٦٧: (عبد الله بن صياد المديني روى عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يسار روى عنه مالك والضحاك بن عثمان سمعت أبي يقول ذلك، نا عبد الرحمن قال ذكره أبى عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال عمارة بن عبد الله بن صياد ثقة، نا عبد الرحمن قال سألت أبى عن عمارة بن صياد فقال هو صالح الحديث). وفي أسد الغابة: ٣/١٨٧: (عبد الله بن صياد أورده ابن شاهين وقال هو ابن صائد كان أبوه من اليهود لا يدرى ممن هو، وهو الذي يقول بعض الناس إنه الدجال ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أعور مختوناً. من ولده عمارة بن عبد الله بن صياد من خيار المسلمين، من أصحاب سعيد بن المسيب روى عنه مالك وغيره)... ثم أورد قسم عمر وتأكيدات من زعم أنه الدجال ومنها تأكيد جابر وقال (فلعله مكذوب عليه). ثم قال: الذي صح عندنا إنه ليس الدجال لما ذكره في هذا الحديث ولأنه توفي بالمدينة مسلماً، ولحديث تميم الداري في الدجال).
وفي تهذيب الكمال: ٢١/٢٤٩: (وقال محمد بن سعد: كان ثقة قليل الحديث وكان مالك بن أنس لا يقدم عليه في الفضل أحداً.... وقد أسلم عبد الله بن صياد وحج وغزا مع المسلمين وأقام بالمدينة، ومات عمارة في خلافة مروان بن محمد. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات).
كاشف الذهبي: ٢/٥٤: (عمارة بن عبد الله بن صياد هو ولد الذي ظُنَّ أنه الدجال، عن جابر، وعن ابن المسيب، وعنه مالك، وجماعة. وثقه ابن معين).
الإصابة: ٥/١٤٨: (عبد الله بن صائد وهو الذي يقال له ابن صياد ذكره بن شاهين والباوردي وابن السكن وأبو موسى في الذيل، قال ابن شاهين: كان أبوه من اليهود ولا يدري من أي قبيلة هو، وهو الذي يقال إنه الدجال ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أعور مختونا ومن ولده عمارة بن عبد الله بن صياد وكان من خيار المسلمين من أصحاب سعيد بن المسيب روى عنه مالك وغيره.... وفي الصحيحين عن جابر أنه كان يحلف أن بن صياد الدجال وذكر أن عمر كان يحلف بذلك عند النبي صلى الله عليه وآله... قال أبو سعيد: أقبلت في جيش من المدينة قبل المشرق وكان في الجيش عبد الله بن صائد وكان لا يسايره أحد..... لكن محاضر(الراوي عن أبي سعيد) في حفظه شيء.... وفي صحيح مسلم أن ابن عمر غضب منه فضربه بعصاً ثم دخل على حفصة فقالت: مالك وله! إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الدجال يخرج من غضبة يغضبها.. لكنه إن كان مات على الإسلام يكون كما قال ابن فتحون(صحابياً عادلاً) على شرط كتاب الإستيعاب).
تهذيب التهذيب: ٧/٣٦٧: (خرج أبو داود بسند صحيح عن جابر قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة! ومن طريق ابن أبي سلمة قال: شهد جابر أن ابن صياد هو الدجال فقلت: إنه قد مات! قال: وإن مات! قلت: فإنه قد أسلم! قال وإن أسلم!... وذكر الزبير بن بكار في أول نسب قريش أن ابن صياد يعني عمارة هذا، وابن حزم يعني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم استبَّا، فقال ابن حزم لابن صياد: لستم منا، وقال ابن صياد لابن حزم: لستم من العرب! فبلغ الوليد وهو خليفة فكتب أن زعم ابن حزم أنهم من ولد إسماعيل فحد له ابن صياد وإن أنكر فلا فإنا لا نعرف عربياً إلا من ولد إسماعيل فزعم ابن حزم من أنهم ولد إسماعيل فحد له ابن صياد).
وفي فتاوي ابن تيمية: ١١/٢٨٣: (وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمن النبي صلى الله عليه وآله وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال وتوقف النبي في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، لكنه كان من جنس الكهان). وفي الطبقات، القسم المتمم/٣٠٢: (عمارة بن عبد الله بن صياد ويكنى أبا أيوب وكان ثقة قليل الحديث، وكان مالك بن أنس لا يقدم عليه أحداً في الفضل، وروى عنه وروى عمارة عن سعيد بن المسيب وكانوا يقولون نحن بنو أشيهب. ثم قال ابن سعد عن أبيه عبد الله: وهو الذي قيل إنه الدجال لأمور كان يفعلها؟! وقد أسلم عبد الله بن صياد وحج وغزا مع المسلمين وأقام بالمدينة ومات عمارة بن عبد الله في خلافة مروان بن محمد).
المعارف لابن قتيبة/٢٧٢: (وأبوه عبد الله بن صياد هو الذي قيل فيه إنه الدجال لأمور كان يفعلها، وأسلم عبد الله وحج وغزا مع المسلمين وأقام بالمدينة! ومات ابنه عمارة في خلافة مروان بن محمد).
النهاية لابن الأثير: ١/٣٤٨: (وفي حديث ابن صياد: ما كان في أنفسنا أحجى أن يكون هو مذ مات يعني الدجال. أحجى بمعنى أجدر وأولى وأحق، من قولهم حجا بالمكان إذا أقام وثبت). انتهى. يعني أنهم كانوا يرونه أحق أن يكون الدجال!
أحمد: ٤/٤٤٤، عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لقد أكل الطعام ومشى في الأسواق، يعني الدجال). انتهى. وهذا يعني أنهم وضعوا حديثاً عن لسان النبي صلى الله عليه وآله أن ابن صياد هو الدجال، وقد عرفت أنهم نفوه!
عقد الدرر/٢٨٩: (وليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي صلى الله عليه وآله على قول عمر بن الخطاب، ويحتمل أنه عليه السلام كان كالمتوقف في بابه، حتى جاء التثبيت من الله عز وجل أنه غيره فقال في حديث تميم الداري ما قال).
٩ - أحاديث في الدجال يمكن أن تكون صحيحة
ونقصد باحتمال صحتها أن مضمونها لايتنافى مع آيات القرآن وقطعي السنة.
روى ابن حماد: ٢/٥١٩، عن أنس، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الدجال أعور عين الشمال بين جبينه مكتوب كافر، وعلى عينه ظفرة غليظة. ونحوه مصنف ابن أبي شيبة: ١٥/١٣٢. وفي طبقات ابن سعد: ٤/١٨٤: شبَّهَ رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثة نفر من أمته فقال: دحية الكلبي يشبه جبرئيل، وعروة بن مسعود الثقفي يشبه عيسى بن مريم، وعبد العزى(بن قطن) يشبه الدجال). وفي الطيالسي/٣٣٠، أن قطن بن عبد العزى قال: يضر بي يا رسول الله شبهه؟ فقال: لا، أنت مسلم وهو كافر) وفي ابن أبي شيبة: ١٥/١٢٩: ممسوح العين اليسرى عريض النحر، فيه دمامة، كأنه فلان بن عبد العزى).
وفي/١٣٢: إن الدجال أعور، جعد، هجان، أقمر، كأن رأسه غضة(أغصان) شجرة، أشبه الناس بعبد العزى بن قطن). ونحوه أحمد: ١/٢٤٠ و٣١٢ و٣٧٤، و: /٢٩١... الى آخر قائمة المصادر.
أنه من يهود المشرق أو يهود أصفهان
الطبراني الكبير: ١٨/١٥٥، عن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يخرج الدجال من قبل أصبهان. والزوائد: ٧/٣٣٩، عن الطبراني في الأوسط. وعنه كنز العمال: ١٤/٣٢٧، ولطبراني الصغير: ١/٢٦٠، عن أبي بردة أن النبي صلى الله عليه وآله ذكر الدجال فقال: يجيء من ها هنا لا بل من ها هنا، وأومى نحو المشرق. والحاكم: ٤/٥٢٨، وصححه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يخرج الدجال من ها هنا أو ها هنا أو من ها هنا، بل يخرج ها هنا يعني المشرق).
وروى ابن حماد: ٢/٥٣٢، وبعدها، عن أبي بكر أن الدجال يخرج من قبل المشرق من أرض يقال لها خراسان. ولم يسنده الى النبي صلى الله عليه وآله، بينما أسنده ابن أبي شيبة: ١٥/١٤٥، فقال إن أبا بكر سأل: هل بالعراق أرض يقال لها خراسان؟ قالوا نعم، قال: فإن الدجال يخرج منها). وأحمد: ١/٤، ورفعه ابن ماجة: ٢/١٣٥٣، والترمذي: ٤/٥٠٩ والحاكم: ٤/٥٢٧ والبغوي: ٣/٥٠٨، كرواية أحمد الأولى، عن أبي بكر، وقال في الدر المنثور: ٥/٣٥٤: وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي، وصححه، وابن ماجة.
وفي تهذيب تاريخ دمشق: ١/١٩٥: (روى ابن مندة عن عبد الله بن معتمر مرفوعاً قال: إن الدجال ليس به خفاء، يجيء من قبل المشرق، فيدعو لنفسه فيتبع ويقاتل ناساً فيظهر عليهم، لا يزال على ذلك حتى يقدم الكوفة فيظهر عليهم). وعبد الرزاق: ١١/٣٩٦، عن كعب أنه يخرج الدجال من العراق! وفي/٣٩٥، وابن أبي شيبة: ١٥/٣٥٧، عن ابن عمرو أنه يخرج من العراق، وفي ابن حماد: ٢/٥٣٠ عن النبي صلى الله عليه وآله: يخرج الدجال من خلة بين الشام والعراق! والنهاية: ٢/٧٣ عن الهروي. والخلة منخفض بين جبلين. وكلها من نوع مقولات كعب. وتطبيقهم الحديث التقدم المزعوم على المغول يوجب الشك في أصله.
أتباعه اليهود وأولاد الحرام
تقدمت رواية مسلم: ٨/٢٠٧: (يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة) وأن كعب الأحبار جعل أتباعه من صلب العرب!
وفي أحمد: ٣/٢٢٤: يخرج الدجال من يهودية أصبهان معه سبعون ألفاً من اليهود عليهم التيجان). وأبو يعلى: ٦/٣١٧، والمعجم الأوسط: ٥/١٥٦، ووثقه الزوائد: ٧/٣٣٨.
وفي كمال الدين/٥٢٨: (أكثر أتباعه اليهود والنساء والأعراب).
المدينة ومكة محرمتان عليه
موطأ مالك: ٢/٨٩٢، عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال. ومثله مسلم: ٢/١٠٠٥، وأحمد: ٢/٢٣٧، بتفاوت يسير، وعنه صحيح بخاري: ٩/٧٦. وتاريخ بخاري: ١/٢٤٠، وفيه: وقيل لمحمد بن مسلمة ما لرأي فلان دخل البلاد كلها إلا المدينة؟ فقال: إنه دجال من الدجاجلة وقال النبي صلى الله عليه وآله: لا يدخلها الطاعون ولا الدجال. وفي: ٦/١٨٠، عن أبي هريرة رفعه: المدينة ومكة محفوظتان بالملائكة لايدخلهما الدجال ولا الطاعون. وفي أحمد: ٢/٤٥٧، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: الإيمان يَمَانٍ، والكفر من قبل المشرق، وإن السكينة في أهل الغنم، وإن الريا والفخر في أهل الفدادين أهل الوبر وأهل الخيل، ويأتي المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة حتى إذا جاء دبر أحد تلقته الملائكة فضربت وجهه قبل الشام، هنالك يهلك، هنالك يهلك). ومثله مسلم: ٢/١٠٠٥، والترمذي: ٤/٥١٥، وصححه، والبغوي: ٣/٥٠٤ من صحاحه.
وفي الطيالسي/١٨٣، عن محجن عن النبي صلى الله عليه وآله: ويل أمها من قرية يوم يدعها أهلها أعمرَ ما كانت! يجيء الدجال فيجد على كل باب منها ملكاً مصلتاً فلا يدخلها! ونحوه: ابن أبي شيبة: ١٥/١٤٠، وأحمد: ٤/٣٣٨، والحاكم: ٤/٤٢٧.
وفي مصنف ابن أبي شيبة: ١٢/١٨١، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الدجال يطوي الأرض كلها إلا مكة والمدينة، قال: فيأتي المدينة فيجد بكل نقب من أنقابها صفوفاً من الملائكة، فيأتي سبخة الجرف، فيضرب رواقه ثم ترجف المدينة ثلاث رجفات فيخرج إليه كل منافق ومنافقة). ومثله في: ١٥/١٤٣.
وفي صحيح بخاري: ٣/٢٨، عن أبي هريرة: ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها فيخرج الله كل كافر ومنافق). ومثله مسلم: ٤/٢٢٦٥، عن أنس... الخ.
وفي ابن حماد: ٢/٥٦٢، عن أبي أمامة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الدجال لا يبقى من الأرض شيء إلا وطأه وغلب عليه إلا مكة والمدينة، فإنه لا يأتيها من نقب من نقابها إلا لقيه ملك مصلتاً بسيفه حتى ينزل عند الظريب الأحمر عند منقطع السبخة عند مجتمع السيول، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات لايبقى منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنتفي المدينة يومئذ الخبث منها كما ينفي الكير خبث الحديد، وذلك اليوم الذي يدعى يوم الخلاص. فقالت أم شريك فأين المسلمون يومئذ؟ قال: ببيت المقدس يخرج فيحاصرهم حتى يبلغه نزول عيسى فيهرب).
والنقب: المدخل من بين الجبال. الظريب: بفتح الراء تصغير ظريب بكسرها وهو الجبل الصغير. الكير: موقد نار الحداد، أو الكيس الذي ينفخ فيه.
أقول: لا يمكن قبول أحاديثهم التي تدل على دخول الدجال الى المدينة أو أنه يصل الى أحُد فيهرب منه أهل المدينة ويأتي اليه بعضهم! لأنه ينقض ما ثبت عندنا وعندهم من تحريم المدينة ومكة على الدجال وسلامتهما منه، كحديث أحمد: ١/١٨٣، عن سعد بن مالك وأبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم بارك لأهل المدينة في مدينتهم، وبارك لهم في صاعهم وبارك لهم في مدهم. اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك وإني عبدك ورسولك، وإن إبراهيم سألك لأهل مكة وإني أسألك لأهل المدينة كما سألك إبراهيم لأهل مكة ومثله معه. إن المدينة مشبكة بالملائكة، على كل نقب منها ملكان يحرسونها لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، من أرادها بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء). ونحوه أحمد: ٣/١٢٣ و٢٠٢ و٢٢٩ و٢٠٦ و٢٧٧ و/٢٢٩، وأبو يعلى: ٥/٣٩٠، والترمذي: ٤/٥١٤. ومن مصادرنا: الفقيه: ٢/٥٦٤، والتهذيب: ٦/١٢، ووسائل الشيعة: ١٠/٢٧٢.
الكذابون قبل الدجال!
ورد في مصادر السنيين أنه يكون قبل الدجال ثلاثون كذاباً، أو سبعون. ورواية الثلاثين عندهم صحيحة. وورد عندنا أنه يكون في هذه الأمة ثلاثون كذاباً، واثنا عشر إمام ضلال، كما جعل الله فيها اثني عشر إمام هدى عليهم السلام.
أما رايات الضلال فورد عند الطرفين أنها كثيرة، لكن موضوعنا منها الدجالون والكذابون قبيل ظهور الإمام المهدي عليه السلام وقبل الدجال الأصلي، ولابد أن يكونوا شخصيات أو أصحاب دعوات، والمقصود هنا من يدعي النبوة أو الإمامة منهم، وإلا فهم مئات! ومنهم عدد من رواة أحاديث الدجال!
في عبد الرزاق: ١١/٣٩٢، عن أبي بكرة قال: أكثرَ الناسُ في مسيلمة قبل أن يقول رسول الله صلى الله عليه وآله فيه شيئاً، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله خطيباً فقال: أما بعد، ففي شأن هذا الدجال الذي قد أكثرتم فيه وإنه كذاب من ثلاثين كذاباً يخرجون بين يدي المسيح وإنه ليس من بلد إلا يبلغه رعب المسيح إلا المدينة على كل نقب من أنقابها ملكان يذبان عنها رعب المسيح). انتهى.
أقول: لاحظ أن رواتهم يعبرون عن الدجال عن لسان النبي صلى الله عليه وآله بالمسيح وهو أسلوب كعب الأحبار وبقية اليهود! ومعنى أنقابها: مداخلها من بين الجبال. وابن حماد: ٢/٥٥١، وأحمد: ٥/٤١، وبخاري: ٩/٧٥، وابن حبان: ٨/٢٢٥، والحاكم: ٤/٥٤١، وصححه الزوائد: ٧/٣٣٢.
ابن أبي شيبة: ١٥/١٧٠، عن عبيد بن عمير الليثي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً، كلهم يزعم أنه نبي قبل يوم القيامة). ونحوه أحمد: ٢/٩٥ و١٠٣، وفي/١١٧، عن عبد الله بن عمر أنه كان عنده رجل من أهل الكوفة فجعل يحدثه عن المختار فقال ابن عمر: إن كان كما تقول فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن بين يدي الساعة ثلاثين دجالاً كذاباً. وفي/٢٣٦ و٣١٢ و٤٢٩ و٥٣٠، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله. وصحيح بخاري: ٤/٢٤٣، كرواية أحمد الرابعة بتفاوت يسير، عن عبد الرزاق، وفي: ٩/٧٤، كرواية أحمد الخامسة، ورواه في عدة مواضع أخرى أيضاً. ومسلم: ٤/٢٢٣٩، كرواية أحمد الرابعة، وفي ابن أبي شيبه: ١٥/١٤٦، عن أنس: إن بين يدي الدجال لستاً وسبعين دجالاً. وفي مجمع الزوائد: ٧/٣٣٣، عن أبي يعلى: نيف وسبعون دجالاً... الى آخر قائمة المصادر.
أقول: المختار المذكور في رواية أحمد الثالثة هو ابن أبي عبيد الثقفي رحمه الله الذي ثار على الأمويين بعد خمس سنوات من شهادة الإمام الحسين عليه السلام وقد نسبوا اليه أنه ادعى النبوة، ويظهر أن الرجل الكوفي المذكور في الرواية كان معادياً للمختار يطعن عليه وقد يكون من أقارب قتلة الحسين عليه السلام الذين قتلهم المختار! ونلاحظ أن عبد الله بن عمر تحفظ في الحكم على المختار فقال: إن كان كما تقول أي يدعي النبوة! لأنه من شائعات السلطة ضد الثائرين.
هذا، وتزيد أحاديثهم في الدجال على مجلد! وهي من نوع ما قدمناه وأسوأ.

* * *

من لم يؤمن بدجال كعب فقد كفر!
في فرائد السمطين: ٢/٣٣٤، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن أنكر نزول عيسى فقد كفر، ومن أنكر خروج الدجال فقد كفر). والروض الآنف: ٢/٤٣١، وابن خلدون/٣٤٧، وغيرها..
ولا يبعد أن يكون المقصود بهذا الدجال دجال كعب، وأن هرطقاتهم في الدجال واجهت رفضاً من عقلاء المسلمين، فتجرأ بعضهم وأعلنوا كفرهم بهذا الدجال أو موافقتهم لأهل البيت عليهم السلام، فوضع لهم كعب وتلاميذه هذا الحديث وربطوا دجالهم بالمهدي عليه السلام! ولو سلَّمنا جدلاً صحة الحديث فلا بد أن يكون الكفر فيه بمعناه اللغوي أي تغطية الحق، وليس الكفر المصطلح المُخرج عن الدين.

* * *

ختام في دابة الأرض ويأجوج ومأجوج
رأيت في أحاديث الدجال أن رواة الخلافة خلطوا أحاديث المهدي عليه السلام بأحاديث علامات القيامة فجعلوها قطعة واحدة! ومنها آية دابة الأرض ويأجوج المذكورتان في القرآن، فجعلوا وقتهما عند ظهور المهدي ونزول عيسى عليهما السلام، بل رووا أن عيسى عليه السلام يقاتل الدجال ثم يأجوج ومأجوج! مع أن وقت دابة الأرض في الرجعة أي بعد ظهور المهدي عليه السلام، أما يأجوج ومأجوج فوقتهم قرب القيامة!
وقد جاءتهم هذه التصورات الباطلة عن المستقبل، من الإسرائيليات وخيالات كعب الأحبار وأمثاله كما عرفت! ونختم هذا الفصل بهاتين العلامتين لأنهما في أصلهما قطعيتان نص عليهما القرآن.
آية دابة الأرض التي تكلم الناس!
قال الله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ. إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَمَا أَنْتَ بِهَادِى الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ. وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرض تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ. وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِى وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ). سورة النمل: ٧٦ - ٨٥
فالآيات خطاب لليهود ومعهم الضالون المعاندون الذين تعمدوا أن لا يسمعوا ولا يروا حقائق الكون فسماهم الله موتى! وأمر رسوله صلى الله عليه وآله أن يصرف النظر عنهم، لأنهم سيبقون هكذا حتى يقع القول عليهم ويخرج الله لهم دابة من الأرض تكلمهم!
ولا تذكر الآية أن وقت هذه الآية قرب القيامة، فقد تكون قبلها بألوف السنين، كما أن تعبير: وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ، لم يستعمل في القرآن إلا في دابة الأرض، واستعمل للقيامة تعبير: حَقَّ القَوْل، قال تعالى: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لامْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. (السجدة: ١٣) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ. (يس: ٧). قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ. (القصص: ٦٢ - ٦٣). كما أن كلمة(وقع) استعملت في القرآن لوقوع الرجز(الأعراف١٣٤) والرجس(الأعراف٧١) ووقوع العذاب الدنيوي (يونس٤٩ وما بعدها) وهذا يقرِّب ما تدل عليه أحاديثنا من أن دابة الأرض تكون في الرجعة وهي مرحلة من الحياة قد تطول ألوف السنين، وتبدأ بظهور المهدي عليه السلام ويرجع فيها النبي صلى الله عليه وآله وعدد من الأنبياء والأئمة عليهم السلام إلى الدنيا، بعضهم زائراً لمدة قصيرة، وبعضهم يحكم في الأرض مدة.
ويدل على ذلك الآية التي بعدها مباشرة التي نصت على حشر خاص لفئات قبل الحشر العام: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ).
وفي تفسير القمي: ١/١٩٨: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: (إِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً..) وسيريكم في آخر الزمان آيات، منها دابة في الأرض، والدجال، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام، وطلوع الشمس من مغربها). انتهى.
وتعبير آخر الزمان استعمل لفترة كبيرة من عمر الحياة تبدأً من بعثة النبي صلى الله عليه وآله الى آخر الدنيا، كما أن التسلسل في الرواية جاء من الراوي، لأن الأئمة عليهم السلام نصوا على أن ظهور المهدي عليه السلام قبل الدجال ودابة الأرض.
وفي الكافي: ١/١٩٧، والبصائر/١٩٩، وطبعة/٢١٩، عن أبي جعفر عليه السلام أن علياً عليه السلام قال في حديث طويل: ولقد أعطيتُ الستَّ: علم المنايا والبلايا والوصايا والأنساب وفصل الخطاب. وإني لصاحب الكرَّات ودولة الدول، وإني لصاحب العصا والميسم والدابة التي تكلم الناس). وعنهما مختصر البصائر/٤١، والإيقاظ/٣٧٢، والبحار: ٥٣/١٠١.
فهذا نصٌّ على أن علياً عليه السلام عندما يكرَّ أي يرجع الى الدنيا مع النبي صلى الله عليه وآله كما ورد، يكون صاحب الدابة أي يجعلها الله تعالى تأتمر بأمره فتكلم الناس، وصاحب العصا ولعلها عصى موسى وقد ورد أنها عصا آدم عليهما السلام، فتكون آية في الرجعة. وصاحب المَيْسَم أي الآلة التي تضع علامة على جبهة بعض الكفار، ومعناه تصنيف بعض الناس الذين لا يؤمل صلاحهم في دولة الإمام المهدي عليه السلام لكي يعرفهم الناس ويحذروا منهم، لأن الميسم يرافق دابة الأرض وهي بالأصل آية للمعاندين من اليهود وأمثالهم، فلعل الوسم لنوع خاص منهم.
وقد نصت أحاديث أهل البيت عليهم السلام على أن دابة الأرض من آيات الرجعة وليست من آيات القيامة الموعودة بقوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً)، ففي مختصر البصائر/٢١٠ عن زيد الشحام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن العذاب الأدنى الدابة والدجال). ومجمع البيان: ٤/٣٣٢، وتأويل الآيات: ٢/٤٤٤، والإيقاظ/٣٨٦، والبحار: ٥٣/. ١١٤.
وفي المحاسن/٢٣٦، عن عبد الله بن سليمان العامري، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما زالت الأرض ولله فيها حجة يعرف الحلال والحرام ويدعو إلى سبيل الله، ولا تنقطع الحجة من الأرض إلا أربعين يوماً قبل يوم القيامة، فإذا رفعت الحجة أغلق باب التوبة ولم (يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْل) أن ترفع الحجة وأولئك شرار من خلق الله وهم الذين تقوم عليهم القيامة). ونحوه الكافي: ١/٣٢٩، ومثله البصائر/٤٨٤، وكمال الدين/٢٢٩، ودلائل الإمامة/٢٢٩، والبحار: ٦/١٨ و: ٢٣/٤١.
دابة الأرض في مصادر السنيين
أما في مصادر أتباع الخلافة فتكثر الإسرائيليات، ويتشابه عنصر الأسطورة في عامة أحاديثهم عن الدجال ودابة الأرض ويأجوج ومأجوج! وأول ما تلاحظه أنهم ربطوا دابة الأرض بآية: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً)، فقد روى ابن شيبة: ١٥/١٧٨، عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدابة). ومثله أحمد: ٢/٤٤٥ ومسلم: ١/١٣٨، وأبو عوانة: ١/١٠٧، والترمذي: ٥/٢٦٤، وصححه، وتفسير الطبري: ٨/٧٦، وكثير من مصادرهم، وفي الطبراني الكبير: ٩/٢١٤، عن ابن عمر قال: التوبة معروضة على ابن آدم إن قبلها ما لم يخرج إحدى ثلاث، ما لم تطلع الشمس من مغربها أو يخرج الدابة أو يخرج يأجوج ومأجوج).
مع أنهم رووا ما يوافق مذهب أهل البيت عليهم السلام وأن التوبة تبقى مفتوحة، وصححوه، لكنهم أعرضوا عنه حباً بأحاديث كعب وتلاميذه! فقد روى الحاكم: ٤/٤٨٥في وصف دابة الأرض: (ثم يخرج الدجال فيأخذ المؤمن منه كهيئة الزكمة، وتدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالشيء الحنيذ، وإن التوبة لمفتوحة، ثم تطلع الشمس من مغربها. هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). ورواه غيره أيضاً.
من المبالغات والإسرائيليات في دابة الأرض
كيفية خروج الدابة: في الطبراني الأوسط: ١/٩٨، عن عبد الله بن عمرو العاص قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: إذا طلعت الشمس من مغربها يخر إبليس ساجداً ينادي إلهي مرني أن أسجد لمن شئت فتجتمع إليه زبانيته فيقولون: ياسيدهم ما هذا التضرع؟ فيقول: إنما سألت ربي أن ينظرني إلى الوقت المعلوم وهذا الوقت المعلوم، ثم تخرج دابة الأرض من صدع في الصفا فأول خطوة تضعها بأنطاكية ثم تأتي إبليس فتلطمه). ومجمع الزوائد: ٨/٨، وضعف ابن زبريق، والدر المنثور: ٣/٦٢، وكنز العمال: ١٤/٣٤٩.
بينما قال ا بن كثير في تفسيره: ٢/٢٠٢: هذا حديث غريب جداً وسنده ضعيف، ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبدالله يوم اليرموك! فأما رفعه فمنكر، والله أعلم).
أقول: هذا الكلام من ابن كثير يوجب الشك في كل مارواه عبد الله بن العاص لأنه كان عنده حمل بعير أو حملان من الكتب حصل عليها أيام فتح الشام وكان يحدث منها! وأخطر ما في الأمر أن ابن كثير يقول إن ابن العاص قد يكذب على النبي صلى الله عليه وآله في نسبته اليه ما يرويه من الزاملتين!
ويسري هذا الشك الى عبد الله بن عمر، فأفكاره مثله، وإسمه يختلط مع ا بن العاص عندما يقال في السند (عن عبدالله) ولا يذكرون إسم أبيه!

* * *

دابة تكلم الناس أم دابة تطارد الناس؟! روى الطيالسي/١٤٤، عن عبد الله بن عمير عن رجل من آل عبد الله بن مسعود، وحديث طلحة أتمهما وأحسن قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله الدابة فقال: لها ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج في أقصى البادية ولا يدخل ذكرها القرية يعني مكة ثم تكمن زماناً طويلاً، ثم تخرج خرجة أخرى دون ذلك، فيعلو ذكرها أهل البادية ويدخل ذكرها القرية يعني مكة. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة وخيرها وأكرمها المسجد الحرام لم يَرُعْهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام تنفض عن رأسها التراب فارفضَّ الناس معها شتى ومعاً، وثبت عصابة من المؤمنين وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله فبدأت بهم فجلت وجوههم حتى تجعلها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لايدركها طالب ولاينجو منها هارب، حتى أن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان يا فلان الآن تصلي! فيقبل عليها فتسِمُه في وجهه ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال ويصطحبون في الأمصار يعرف المؤمن من الكافر حتى أن المؤمن يقول: ياكافر إقضني حقي وحتى أن الكافر يقول: يا مؤمن إقضني حقي). وابن حماد: ٢/٦٦٦ وبعدها، بصيغ أخرى وإضافات، وفيها: فيهريق الأمراء فيها الدماء. وفي تفسير الطبري: ٢/١٠، تخرج الدابة من الصفا أول ما يبدو رأسها ملمعة ذات وبر وريش لم يدركها طالب ولن يفوتها هارب، والطبراني الكبير: ٣/١٩٣، والحاكم: ٤/٤٨٤، وصححه، وبسند آخر وصححه على شرط الشيخين! ونحوه ابن شيبة: ١٥/٦٦، والدر المنثور: ٥/١١٦، وفيه: ولها عنق مشرف يراها من بالمشرق كما يراها من بالمغرب، ولها وجه كوجه إنسان ومنقار كمنقار الطير ذات وبر وزغب معها عصا موسى وخاتم سليمان بن داود تنادي بأعلى صوتها: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وآله يا رسول الله وما بعد؟ قال: هنات وهنات، ثم خصب وريف حتى الساعة. ونحوه تفسير الطبري: ٢٠/١٠، عن ابن عمر.
وفي زهر الفردوس ٤/٦٤: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: مثل أمتي ومثل الدابة التي تخرج كمثل حيِّزٍ بُنيَ ورفعت حيطانه وسُدت أبوابه وطُرح فيه من الوحوش كلها، ثم جيء بالأسد فطرح وسطها فانذعرت وأقبلت إلى النفق تلمسه من كل جانب. كذلك أمتي عند خروج الدابة لا يفر منها أحد إلا مثلت بين عينيه، ولها سلطان من ربنا عظيم).

* * *

واخترعوا لها صفات أسطورية: ففي ابن حماد: ٢/٦٦٥، عن الشعبي قال: دابة الأرض ذات وبر تنال رأسها السماء. وجامع البيان: ٢٠/١١، وتفسير الرازي: ٢٤/٢١٧، وفيه: رأسها يبلغ السحاب، وفي الدر المنثور: ٥/١١٦، عن الشعبي: إن دابة الأرض ذات وبر تناغي السماء، وعن ابن عباس: الدابة مؤلفة ذات زغب وريش فيها من ألوان الدواب كلها! وفي التبيان: ٨/١٠٦ عن ابن عمر: إنها تخرج حتى يبلغ رأسها الغيم، فيراها جميع الخلق. وفي تفسير ابن كثير: ٣/٣٨٨، عن أبي الزبير: رأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن إيل وعنقها عنق نعامة وصدرها صدر أسد ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم بعير بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعاً! تخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان فلا يبقى مؤمن إلا نكتت في وجهه بعصا موسى نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة حتى يبيض لها وجهه ولايبقى كافر إلا نكتت في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان، فتفشو تلك النكتة حتى يسود بها وجهه. وعن أبي هريرة: ما بين قرنيها فرسخ للراكب.
وفي سنن الداني/١٠٤، في حديث طويل بعدة صفحات: عن حذيفة قال: قلت يا رسول الله وما الدابة؟ قال: ذات وبَر وريش، عظمها ستون ميلاً، ليس يدركها طالب ولا يفوتها هارب، تَسِمُ الناس مؤمناً وكافراً، فأما المؤمن فتترك في وجهه كالكوكب الدري وتنكت بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فتكتب بين عينيه نكتة سوداء، وتكتب بين عينيه كافر).
وفي تاريخ بخاري: ٣/٣١٦: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله: تخرج الدابة فتصرخ ثلاث صرخات)! وفي الزوائد: ٨/٦، عن أحمد: تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم، ثم يعمِّرون فيكم حتى يشتري الرجل البعير فيقول ممن اشتريته؟ فيقول: اشتريته من أحد المخطَّمين). وحسنه في الجامع الصغير: ١/٥٠٢. ويفهم منه أن خطمها خاص بفئة من الناس، وهذا يردُّ ما نصوا عليه من أن خطمها شامل.

* * *

وكذَبَ الرواةُ على النبي صلى الله عليه وآله! فقالوا إنه حدد مكان خروجها للصحابي بريدة الأسلمي، فروى عنه أحمد: ٥/٣٥٧، أنه قال: ذهب بي رسول الله صلى الله عليه وآله إلى موضع بالبادية قريباً من مكة فإذا أرض يابسة حولها رمل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: تخرج الدابة من هذا الموضع فإذا فِتْرٌ في شبر)! وابن ماجة: ٢/١٣٥٢. وفي الدر المنثور: ٥/١١٧: أخرج البخاري في تاريخه، وابن ماجة، وابن مردويه عن بريدة..). لكن ابن عمرو العاص صاحب الزاملتين جعل مكان خروجها الصفا فقال كما في تفسير الطبري: ٢٠/١٠: (لو شئت لانتعلت بنعليَّ هاتين فلم أمس الأرض قاعداً حتى أقف على الأحجار التي تخرج الدابة من بينها، ولكأني بها قد خرجت في عقب ركب من الحاج. قال فما حججت قط إلا خفت أن تخرج بعقبنا)!
وفي ابن حماد: ٢/٦٦٢، وبعدها، عن عطاء، قال: رأيت عبد الله بن عمرو، وكان منزله قريباً من الصفا، رفع قدمه وهو قائم وقال: لو شئت لم أضعها حتى أضعها على المكان الذي تخرج منه الدابة)! ثم أبعدها عبدالله قليلاً عن الصفا وزعم أنها تخرج من مكة من(شعب بالأجياد)! كما في ابن حماد، وابن أبي شيبة: ١٥/٦٧، ووافقه أبو هريرة: ٧/٢٥٦٩، وأمالي الشجري: ٢/٢٧٧، والفردوس: ٢/٤).
أما زميله ابن عمر فوافقه على أنها تخرج من الصفا، وقال إنها لاتكلم الناس! بل تختمهم في الحج وتنتهي مهمتها، فترفع قدمها من مكة وتضع أول خطوة لها في أنطاكية وتذهب! (ابن حماد: ٢/٦٦٧) وقال: ألا أريكم المكان الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن دابة الأرض تخرج منه فضرب بعصاه الشق الذي في الصفا). (أبو يعلى: ١٠/٦٧).
لذلك لا يمكن أن نطمئن بشيء من رواياتهم في دابة الأرض والدجال ويأجوج، مع أن فيها الصحاح على شرط الشيخين وشروط جميع المشايخ! فقد رووا فيها أكثر مما رووه في القضايا المصيرية التي سفكت فيها دماء المسلمين كنظام الحكم!
رواية أن علياً دابة الأرض ورواية نفي ذلك
في الدر المنثور: ٥/١١٧: وأخرج ابن أبي حاتم، عن النزال بن سبرة قال: قيل لعلي بن أبي طالب: إن ناساً يزعمون أنك دابة الأرض، فقال: والله إن لدابة الأرض ريشاً وزغباً وما لي ريش ولا زغب، وإن لها لحافراً وما لي من حافر، وإنها لتخرج حضر الفرس الجواد ثلاثاً، وما خرج ثلثاها). انتهى.
وابن سبرة عثماني الهوى، ويقصد أن بعض الشيعة في زمن أمير المؤمنين عليه السلام كانوا يقولون إن علياً هو دابة الأرض الموعودة! وإنه سأل علياً عليه السلام فنفى ذلك ووصف دابة الأرض كما يصفها رواة الخلافة، وأن طولها أكثر من ميدان تقطعه الفرس السريعة حتى تتعب، أي أن أكثر من خمسة كيلو مترات!
وقد روت مصادرنا أن معاوية سأل الأصبغ بن نباتة نفس سؤال ابن سبرة، قال الأصبغ: (قال لي معاوية: يا معشر الشيعة تزعمون أن علياً دابة الأرض؟ فقلت: نحن نقول؟ اليهود تقوله! قال: فأرسل إلى رأس الجالوت فقال: ويحك تجدون دابة الأرض عندكم؟ فقال: نعم. فقال: وما هي؟ فقال: رجل. فقال: أتدري ما اسمه؟ قال: نعم، اسمه إيليا، قال: فالتفت إليَّ فقال: ويحك يا أصبغ، ما أقرب إيليا من علي):
(مختصر البصائر/٢٠٨، عن تأويل الآيات). وهذا يدل على وجود عمل من الأمويين لتشويه صورة علي عليه السلام وأنه صاحب دابة الأرض فجعلوه نفس دابة الأرض! وقد يكون ذلك تسرب منهم الى مصادرنا! في رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وعدة روايات عن علي عليه السلام وأبي ذر وعمار، ففي تفسير القمي: ٢/١٣٠: (فأما قوله: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرض تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ)، فإنه حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو نائم في المسجد قد جمع رملاً ووضع رأسه عليه فحركه برجله ثم قال له: قم يا(صاحب) دابة الله! فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله أيسمي بعضنا بعضاً بهذا الإسم؟ فقال: لا والله ما هو إلا له خاصة وهو الدابة التي ذكر الله في كتابه: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرض تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لايُوقِنُونَ)، ثم قال: يا علي إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة، ومعك مَيْسَمٌ تَسِمُ به أعداءك. فقال رجل لأبي عبد الله عليه السلام: إن الناس يقولون هذه الدابة إنما تكلمهم فقال أبو عبد الله عليه السلام: كلمهم الله في نار جهنم، إنما هو يكلمهم من الكلام! والدليل على أن هذا في الرجعة قوله: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ. حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)؟! قال: الآيات أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام. فقال الرجل لأبي عبد الله عليه السلام: إن العامة تزعم أن قوله: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا)، عنى يوم القيامة، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أفيحشر الله من كل أمة فوجاً ويدع الباقين؟ لا، ولكنه في الرجعة، وأما آية القيامة فهي: (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً)). وعنه مختصر البصائر/٤٢، بتفاوت يسير، وتأويل الآيات: ١/٤٠٧، إلى قوله: فليس هذا الإسم إلا لعلي عليه السلام، والإيقاظ/٢٥٧ و٣٤٢، والبحار: ٣٩/٢٤٣ و: ٥٣/٥٢.
أقول: أظن أن أصل الرواية(صاحب دابة الله)! فسقطت منها كلمة (صاحب) التي جاءت في رواية الكافي وبصائر الدرجات. وفي مقابلها روى مصدران آخران هما تفسير القمي ومختصر البصائر الذي فيه ماليس في البصائر! أن دابة الأرض هي علي عليه السلام! ففي مختصر البصائر/٢٠٦، عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ألا أحدثك ثلاثاً قبل أن يدخل علي وعليك داخل أنا عبد الله أنا دابة الأرض صدقُها وعدلُها، وأخو نبيها، ألا أخبرك بأنف المهدي وعينه؟ قال قلت: نعم، فضرب بيده إلى صدره فقال: أنا).
وعن الجدلي أيضاً في/٢٠٧، قال: دخلت على علي عليه السلام فقال: أحدثك بسبعة أحاديث إلا أن يدخل علينا داخل، قال قلت: إفعل جعلت فداك، قال: أتعرف أنف المهدي وعينه؟ قال قلت: أنت يا أمير المؤمنين. فقال: الدابة وما الدابة، عدلها وصدقها وموقع بعثها والله مهلك من ظلمها، وذكر الحديث).
وتأويل الآيات: ١/٤٠٤، وعنهما الإيقاظ/٢٨٣، والبحار: ٣٩/٢٤٣، و: ٥٣/١١٠. وفي/٢٠٨، عن الأصبغ بن نباتة قال: دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام وهو يأكل خبزاً وخلاً وزيتاً فقلت: يا أمير المؤمنين قال الله عز وجل: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرض تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ)، فما هذه الدابة؟ قال: هي دابة تأكل خبزاً وخلاً وزيتاً! وتأويل الآيات: ١/٤٠٤، والإيقاظ/٣٨٤، والبحار: ٥٣/١١٢. وفي/٢٠٩، عن مالك بن حمزة الرواسي قال: سمعت أبا ذر يقول: علي عليه السلام دابة الأرض). وتأويل الآيات: ١/٤٠٤، والبحار: ٣٩/٢٤٣.
أما رواية تفسير القمي: ٢/١٣١، فهي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان آية في كتاب الله قد أفسدت قلبي وشككتني، قال عمار: وأي آية هي؟ قال: قول الله: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرض). الآية، فأي دابة هي؟ قال عمار: والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتى أريكها، فجاء عمار مع الرجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو يأكل تمراً وزبداً، فقال له: يا أبا اليقظان هلمَّ فجلس عمار وأقبل يأكل معه فتعجب الرجل منه، فلما قام عمار قال له الرجل: سبحان الله ياأبا اليقظان حلفت أنك لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس حتى ترينيها؟! قال عمار: قد أريتكها إن كنت تعقل) وعنه مجمع البيان: ٧/٢٣٤، والبرهان: ٣/٢١٠، والبحار: ٣٩/٢٤٢.
أقول: القدر المتيقن من الروايات أن علياً عليه السلام صاحب دابة الأرض، وأنها تخرج في رجعته مع النبي صلى الله عليه وآله، ولعل أصل القول بأن عليا عليه السلام دابة الأرض جاء من قوله عليه السلام: (وإني لصاحب العصا والميسم والدابة التي تكلم الناس). أي في الرجعة، ولعل الشبهة جاءت من قراءة الدابة بالضم مع أنها بالكسر عطفٌ على الميسم والعصا.
آيات يأجوج ومأجوج
قال الله تعالى في قصة ذي القرنين: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا. كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً. قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يأجوج وَمأجوج مُفْسِدُونَ فِي الأرض فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِّى خَيْرٌ فَأَعِينُونِى بِقُوَةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا. آتُونِى زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا. فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا. قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّى فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّا. وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا. وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا). (الكهف: ٨٩ - ١٠٠).
والمعنى: أن ذا القرنين رحمه الله الذي بعثه الله في مهمة عالمية، توجه بوسائله نحو مشرق الشمس فبلغ منطقة فيها قومٌ يتحملون أشعة الشمس الحارقة المنصبَّة عليهم، وقد يكونون هم يأجوج ومأجوج، فلم يصنع لهم شيئاً. ثم سار بوسائله حتى وصل الى منطقة بين السدين، فوجد قوماً شكوا له هجوم يأجوج ومأجوج عليهم، فصنع السد لحمايتهم من ياجوج وعرف باسمه (سد ذي القرنين) فعجزت يأجوج عن نقبه أو تسلقه، وأخبرهم ذو القرنين أن هذا السد رحمة لهم، وأنه سيستمر الى قرب يوم القيامة، حيث يدكه الله تعالى في مقدمات القيامة. قال تعالى في سياق كلامه عن بعثة الأنبياء عليهم السلام: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ. وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ. فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ. وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ. حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يأجوج وَمأجوج وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ). (الأنبياء: ٩٢ - ٩٧).
والمعنى: أن الله تعالى أرسل الأنبياء عليهم السلام وأمر الناس أن يهتدوا بهديهم ويكونوا أمة واحدة، لكنهم اختلفوا وسلكوا طرق المعصية والتفرق، وأنهم سيرجعون الى الله فيجازيهم. ثم تحدث عز وجل عن القرى التي أهلكها بظلمها أي الحضارات الجائرة وقال إنه حرَّم عليهم الرجوع! وتحير المفسرون في هذا الرجوع المحرم، فقال بعضهم: (ممتنع عليهم أن يرجعوا فيتداركوا ما فاتهم من السعي المشكور والعمل المكتوب المقبول). (تفسير الميزان: ١٤/٣٢٥). ولكن ما ذكره (تحريمٌ) عام لكل من مات فلا معنى لتخصيص المهلكين به، وكذا رأي أكثر المفسرين إنه حرم رجوعهم الى الحياة الدنيا، فهو عام أيضاً للمهلكين وغيرهم. والصحيح ما قاله أهل البيت عليهم السلام إنه تحريم رجوع المهلكين في الرجعة لا في القيامة. ففي تفسير القمي: ٢/٧٥، بسند صحيح عن الصادق والباقر عليهما السلام: (كل قرية أهلك الله أهلها بالعذاب لايرجعون في الرجعة). ثم قال القمي: (فهذه الآية من أعظم الدلالة في الرجعة لأن أحداً من أهل الإسلام لا ينكر أن الناس كلهم يرجعون إلى القيامة من هلك ومن لم يهلك). انتهى.
ثم تحدثت الآية التالية عن مسار الدنيا حتى تنفتح يأجوج ومأجوج وينسابوا في الأرض، وذلك قرب القيامة التي هي الوعد الحق! ولم تذكر أن يأجوجاً يأتون من جهة السد أو غيره، ولا أنهم يخوضون قتالاً مع أحد! وينبغي هنا تسجيل ملاحظات:
١ - أن يأجوج ومأجوج قد يكونون في مكان آخر غير أرضنا، ويشير اليه قوله تعالى: (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ...)، فقد يكون هذا السبب وسيلة فضائية ويكون مطلع الشمس الذي بلغه في غير الأرض.. الخ.
٢ - ورد أن يأجوجاً ليسوا من أبناء آدم عليه السلام ففي الكافي: ٨/٢٢٠ عن علي عليه السلام قال: (وأجناس بني آدم سبعون جنساً، والناس ولد آدم ما خلا يأجوج ومأجوج). انتهى.
وهنا أدخل كعب الأحبار أنفه فقال: (هم نادرة من ولد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء والتراب يأجوج ومأجوج فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم). (شرح مسلم: ٣/٩٨، وفتح الباري: ١٣/٩٤، والبحار: ٦/٢٩٨).
٣ - لم تذكر روايات أهل البيت عليهم السلام أي حرب للمسلمين أو غيرهم مع يأجوج ومأجوج، بينما طفحت مصادر السنيين بمعارك خيالية للمسلمين معهم، بقيادة عيسى بن مريم عليه السلام كما ستعرف.
٤ - وصف أمير المؤمنين عليه السلام المغول وغزوهم للأمة، ولم يربطهم بيأجوج أو بالقيامة! بينما طبقت مصادر أتباع الخلافة يأجوج على المغول! وقد انتهى المغول انتهوا ولم تقم القيامة فثبت كذب هذا التطبيق! ففي مسند أحمد: ٥/٢٧١: خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عاصب إصبعه من لدغة عقرب فقال: إنكم تقولون لا عدو وإنكم لا تزالون تقاتلون عدواً حتى يأتي يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه صغار العيون شهب الشعاف، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة). انتهى.
الشعاف: جمع شعفة بفتح الشين: أعلى الشيء والمعنى صفر الشعور. والمجان المطرقة: أي وجوههم مبقعة كترس الحديد المبقع من الطرق. ومثله الفائق: ٢/٢٤٨، وعنه فتن ابن كثير: ٢/١٨٣، وتفسيره: ٣/٢٠٥، ومجمع الزوائد: ٨/٦، وعن الطبراني، والدر المنثور: ٤/٣٣٦.. الخ.
٥ - روى أتباع الخلافة أن النبي صلى الله عليه وآله أخبر بقرب هلاك العرب وخروج يأجوج في أقل من قرن! ولا شيء من ذلك في أحاديث أهل البيت عليهم السلام! ففي صحيح بخاري: ٨/٨٨: (استيقظ النبي صلى الله عليه وآله من النوم محمراً وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب! فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه! وعقد سفيان تسعين أو مائة! قيل أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث). ورواه أيضاً في: ٤/١٧٦ وفي: ٤/١٠٩، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكأنها تطبقه على قتل عثمان، لكن رواه عن أبي هريرة أيضاً وطبقه على غَلَمَة قريش الذين تهلك الأمة بأيديهم!
نموذج من مبالغاتهم في يأجوج ومأجوج
لعل رواياتهم عن يأجوج ومأجوج ودابة الأرض والدجال تبلغ مجلداً كبيراً وفيها الغث الذي يناديك بأنه موضوع، لكنه صحيح على شرط الشيخ أو الشيخين! بينما لاتجد في قضايا الأمة المصيرية كقضية الخلافة والحكم ومستقبل الأمة إلا عشر معشارها! فمضافاً الى ما تقدم من صحيح بخاري، زعم في: ٤/١٦٧، أن رجلاً أخبر النبي صلى الله عليه وآله أنه رأى السد ووصفه له كأنه البُرْد المحبر أي العباءة المخططة فصدقه النبي صلى الله عليه وآله! وعقد بخاري باباً بعنوان: باب قصة يأجوج ومأجوج: ٤/١٠٨، وباباً آخر بعنوان: باب يأجوج ومأجوج: ٤/١٠٨، وروى عنهم في: ٥/٢٤١، و: ٦/١٧٥، و: ٧/١٩٦.
وروى أحمد: ٢/٥١٠، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن يأجوج ومأجوج ليحفرن السد كل يوم، حتى إذا كان شعاع الشمس قال الذي عليهم: إرجعوا فستحفرون غداً فيعودون إليه كأشد ما كان. حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله عز وجل أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: إرجعوا فستحفرونه غداً إن شاء الله ويستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفاً في أقفائهم فيقتلهم بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن شَكَراً من لحومهم ودمائهم). والنغف: بفتح الغين، دودٌ يظهر في أنوف الجمال. وشَكِرَت الدابة: بكسر الكاف، شَكَراً بفتحها: سمنت وكثر لبنها. ونحوه ابن ماجة: ٢/١٣٦٤، والترمذي: ٥/٣١٣، وحسنه، وتفسير الطبري: ١٧/٧١، عن كعب! وفيه: حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم فإذا كان الليل قالوا نجيء غداً فنخرج فيعيدها الله كما كانت، فيجيئون من الغد فيجدونه قد أعاده الله كما كان، فيحفرونه حتى يسمع الذين يلونهم قرع فؤوسهم فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم أن يقول نجيء غداً فنخرج إن شاء الله، فيجيئون من الغد فيجدونه كما تركوه فيحفرون ثم يخرجون، فتمر الزمرة الأولى بالبحيرة فيشربون ماءها، ثم تمر الزمرة الثانية فيلحسون طينها ثم تمر الزمرة الثالثة فيقولون قد كان ههنا مرة ماء، وتفر الناس منهم فلا يقوم لهم شيء. فيدعو عليهم عيسى بن مريم فيقول اللهم لا طاقة ولا يدين لنا بهم فاكفناهم بما شئت، فيسلط الله عليهم دوداً يقال له النغف فتفرس رقابهم، ويبعث الله عليهم طيراً فتأخذهم بمناقرها فتلقيهم في البحر، ويبعث الله عيناً يقال لها الحياة تطهر الأرض منهم وتنبتها حتى أن الرمانة ليشبع منها السكن! قيل وما السكن يا كعب: قال أهل البيت! قال: فبينا الناس كذلك إذ أتاهم الصريخ أن ذا السويقتين يريده، فيبعث عيسى طليعة سبعمائة أو بين السبعمائة والثمانمائة حتى إذا كانوا ببعض الطريق بعث الله ريحاً يمانية طيبة فيقبض الله فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى عجاج من الناس يتسافدون كما يتسافد البهائم، فمثل الساعة كمثل رجل يطيف حول فرسه ينتظرها حتى تضع، فمن تكلف بعد قولي هذا شيئاً أو على هذا شيئاً فهو المتكلف). ونحوه الحاكم: ٤/٤٨٨، وصححه على شرط الشيخين والدر المنثور: ٤/٢٥٠، قال: وأخرج أحمد، والترمذي، وحسنه، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة: وقال في/٢٥٢: وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن كعب). وعلى هذا فقس عشرات الروايات وربما مئاتها. ومنها في سنن الداني/١٠٤، عن حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، في حديث طويل: فعند ذلك خروج يأجوج ومأجوج، قال فيوحي الله عز وجل إلى عيسى: أحرز عبادي بالطور طور سينين، قال حذيفة: قلت يا رسول الله، وما يأجوج ومأجوج؟ قال يأجوج أمة، ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه. قال قلت: يا رسول الله صف لنا يأجوج ومأجوج، قال: هم ثلاثة أصناف صنف منهم أمثال الأرز الطوال، وصنف آخر منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع في مائة وعشرين ذراعاً وهم الذين لا يقوم لهم الحديد. وصنف يفترش إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى. قال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يكون جمع منهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشرق حتى تيبس، فيحلون بيت المقدس وعيسى والمسلمون بالطور، فيبعث عيسى طليعة يشرفون على بيت المقدس فيرجعون إليه فيخبرونه أنه ليس ترى الأرض من كثرتهم. قال: ثم إن عيسى يرفع يديه إلى السماء فيرفع المؤمنون معه، فيدعو الله عز وجل ويؤمن المؤمنون، فيبعث تعالى عليهم دوداً يقال له النغف، فيدخل في مناخرهم حتى يدخل في الدماغ، فيصبحون أمواتاً قال: فيبعث الله عز وجل عليهم مطراً وابلاً أربعين صباحاً فيغرقهم في البحر ويرجع عيسى إلى بيت المقدس والمؤمنون معه). والفردوس: ٥/٤٤١، وتهذيب ابن عساكر: ١/١٩٦، ومجمع الزوائد: ٨/٦، عن الطبراني في الأوسط. والدر المنثور: ٤/١٥٥، عن ابن مردويه، وفي/٢٥٠، عن ابن حماد، وابن مردويه وقال: وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه وابن عدي، وابن عساكر وابن النجار، عن حذيفة قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن يأجوج ومأجوج فقال... الخ.
والنتيجة: أن يأجوج ومأجوج بنص القرآن من علامات الساعة، ولا علاقة لهما بعلامات الإمام المهدي عليه السلام ولا بنزول المسيح عليه السلام، وقد تكون الفاصلة بينها مئات السنين أو ألوفها! أما دابة الأرض فهي آية لليهود وأمثالهم من المكذبين تكون في فترة رجعة النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين الى الدنيا، والذي يكون صاحبها.

* * *
الفصل الثالث: الطائفة الثابتة حتى يظهر إمامها المهدي عليه السلام

الغرباء والطائفة الثابتة حتى يظهر إمامها المهدي عليه السلام
روت مصادر السنيين أن النبي صلى الله عليه وآله أخبر أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، وأنه سيبقى من أمته عصابة أو طائفة ثابتة على الحق لايضرهم تكذيب من كذَّبهم حتى تقوم الساعة، وفي بعضها حتى يخرج الدجال، وفي بعضها حتى يأتي أمر الله، وحتى ينزل عيسى بن مريم، وحتى يظهر الإمام المهدي عليه السلام.
وقد اهتم معاوية بهذه الأحاديث وطبقها على أهل الشام، وأضاف لها الرواة صفاتٍ لهؤلاء الغرباء أهل الحق لتنطبق على أهل الشام! ثم وضعوا أحاديث تصرح بأن هذه الطائفة هم أهل الشام وإمامهم معاوية!
وفي عصرنا، حاول الإخوان المسلمون أن يطبقوا أحاديث الغرباء على حركتهم، لأنهم أمة وطائفة من الأمة ثابتة على الحق تدعو الى الإسلام.
كما حاول الفلسطينيون تطبيقها عليهم، لأن بعضها ذكر أن الفئة الظاهرة تكون في بيت المقدس وأكنافه، وبعضها ذكر أنهم يقاتلون على الحق، فهي تنطبق على المقاومين لإسرائيل.
كما حاول الوهابيون أن يطبقوها عليهم لأنها تصف الثابتين من الأمة بأنهم طائفة أو عصابة أي فئة قليلة وهم فئة قليلة فتنطبق عليهم، وفي السنوات الأخيرة ركزوا على تعبئة جماعتهم الطالبان بهذه الأحاديث، وكتبوا مقالات وكتباً في أنهم هم الطائفة المنصورة التي وصفها النبي صلى الله عليه وآله!
أما مصادرنا، فروت أن النبي صلى الله عليه وآله لم يترك حديثه مهملاً، بل سمى هؤلاء القلة الغرباء المضطهدين الثابتين على الحق، الظاهرين بالحجة، وأنهم الأئمة من عترته عليهم السلام وشيعتهم، فهم الذين أوصى بهم أمته فقال: (وإني تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض فانظروني بم تخلفوني فيهما). (مسند أحمد: ٣/١٧). وهم الذين بَشَّر بإمامتهم الربانية، وأخبر بأن الأمة سوف تضطهدهم وتكذبهم وتقتلهم، وأنهم لايضرهم تكذيب من كذبهم وعداء من عاداهم حتى يظهر خاتمهم المهدي الموعود عليه السلام فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. ففي الطبراني الكبير: ٢/٢١٣، عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يكون لهذه الأمة اثنا عشر قيِّماً لايضرهم من خذلهم). وفي: ٢/٢٦٥: (عن جابر بن سمرة: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يخطب على المنبر ويقول: اثنا عشر قيماًَ من قريش لايضرهم عداوة من عاداهم). وقال عنه في الزوائد: ٥/١٩١: رواه البزار عن جابر بن سمرة وحده، وزاد فيه: ثم رجع يعني النبي صلى الله عليه وآله إلى بيته فأتيته فقلت: ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يكون الهرج. ورجاله ثقات). انتهى.
لذلك نعتقد أن رواة أتباع الخلافة القرشية حذفوا صفات هؤلاء الثابيتين الغرباء، وجردوها من القرائن التي تدل عليهم. واليك مجموعة أحاديثهم:
من أحاديثهم في الطائفة الظاهرة أو المنصورة
نورد أولاً الأحاديث التي وصفت هذه الطائفة أو العصابة بأنها ظاهرة، ولم تعين هذا الظهور هل هو بالحجة أو بالقتال، لذا يصح تفسيره بالظهور المعنوي بالحجة حتى لو كانوا مغلوبين عسكرياً ومحكومين لمن تسلط عليهم. ففي الطيالسي/٩، عن سليمان بن الربيع العدوي قال: لقينا عمر فقلنا له: إن عبد الله بن عمرو حدثنا بكذا وكذا، فقال عمر: عبد الله بن عمرو أعلم بما يقول قالها ثلاثاً! ثم نودي بالصلاة جامعة فاجتمع إليه الناس فخطبهم عمر فقال: سمعت رسول الله يقول: لاتزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمرالله عز وجل. وسعيد بن منصور: ٢/١٤٤، عن ثوبان، وفيه: ظاهرين على الحق لايضرهم من خذلهم. وأحمد: ٢/٣٢١، عن أبي هريرة، وفيه: عصابة على الحق ولا يضرهم خلاف من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله. وفي صحيح بخاري: ٤/٢٥٢، عن مغيرة بن شعبة، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لايزال ناسٌ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون. ونحوه مسلم: ٣/١٥٢٣، عن المغيرة، والجواهر الحسان: ٢/٢٧٩، عن ابن مسعود وفيه: لاتزال طائفة من أمتي... حتى يأتي أمر بالله وهم ظاهرون. والمسند الجامع: ١٤/١٤، عن عمر، وفيه: لا يزال ناس من أمتي ظاهرين. وابن حبان: ٨/٢٩٤، عن أبي هريرة: لايزال على هذا الأمر عصابة على الحق، لايضرهم خلاف من خالفهم. وفي مسلم: ٣/١٥٢٤، عن ابن عمرو: لاتزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم، لايضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك. فقال عبد الله: أجل، ثم يبعث الله ريحاً كريح المسك مسها مس الحرير فلا تترك نفساً في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة).
لاحظ أن ابن عمرو لم يذكر القتال، وفسر أمر الله بالساعة، على مذهب أستاذه كعب بأن قيام الساعة بعد فتح القسطنطينية بسنوات قليلة!
وفي جمع الفوائد: ٣/١٥٧، عن ثوبان رفعه: (زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها... ولاتقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان! وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كل يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لانبي بعدي. ولاتزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لايضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله). ونحوه في تذكرة القرطبي: ٢/٦٣٨.
فهذان الحديثان وغيرهما جعلت وجود هؤلاء الثابتين الى أن (يأتي أمر الله) وهو ظهور المهدي عليه السلام وليس الى أن تقوم الساعة، ولم تصفهم بأنهم مقاتلون.

* * *

ونورد ثانياً، الأحاديث التي وصفتهم بأنهم يقاتلون وينتصرون.
ابن منصور: ٢/١٤٥، عن ابن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تبرح عصابة من أمتي ظاهرين على الحق لايبالون من خالفهم حتى يخرج المسيح الدجال فيقاتلونه).
وفي أحمد: ٤/٤٣٤، عن مطرف قال: قال لي عمران: واعلم أنه لن تزال طائفة من أهل الإسلام يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناواهم حتى يقاتلوا الدجال).
وفي طبقات ابن سعد: ٢/١٦٧: عصابة من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الدجال. وفي تهذيب ابن عساكر: ١/٦٥: وفي لفظ: إذا هلك أهل الشام فلا خير في أمتي، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتلوا الدجال... الخ..

وفي أحمد: ٣/٣٤٥، عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله يقول: لاتزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم عليه السلام فيقول أميرهم: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمير ليكرم الله هذه الأمة). ونحوه: ٣/٣٨٤، وفيه: تكرمة الله عز وجل. ومسلم: ١/١٣٧، كأحمد، وأبو يعلى: ٤/٥٩، وفيه: فيقول إمامهم: تقدم فيقول: أنتم أحق بعضكم أمراء بعض، أمر أكرم الله به هذه الأمة. وجامع المسانيد والسنن: ٢٥/٢٦، بنحو أبي يعلى. وسنن الداني/٤٣: لاتزال طائفة من أمتي تقاتل عن الحق حتى ينزل عيسى بن مريم عند طلوع الفجر ببيت المقدس ينزل على المهدي فيقال له: تقدم يا نبي الله فصل لنا فيقول: إن هذه الأمة أمير بعضهم على بعض لكرامتهم على الله عز وجل).
وفي الطيالسي/١٠٤، عن جابر بن سمرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لايزال هذا الدين قائماً، تقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة).

* * *

ونورد ثالثاً اهتمام معاوية بتطبيق أحاديثهم على نفسه وأهل الشام:
في أحمد: ٤/٩٧ و١٠١، عن عمير بن هاني قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان على هذا المنبر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ولن تزال من هذه الأمة أمة قائمة على أمر الله لايضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس. وفي أخرى: فقام مالك بن يخامر السكسكي فقال: يا أمير المؤمنين سمعت معاذ بن جبل يقول: وهم أهل الشام، فقال معاوية ورفع صوته: هذا مالك يزعم أنه سمع معاذاً يقول وهم أهل الشام. والشاميين للطبراني: ١/٣١٥، وسعيد بن منصور: ٢/٣٦٩، عن أبي عبد الله الشامي، قال: سمعت معاوية يخطب يقول: يا أهل الشام حدثني الأنصاري قال قال شعبة يعني زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال.. وفيه: وإني لأرجو أن تكونوا هم يا أهل الشام. وصحيح بخاري: ٩/١٦٧ كرواية أحمد الأولى. ومسلم: ٣/١٥٢٤، كرواية أحمد الثانية. وتاريخ بخاري: ٧/٣٢٧، وعلل الدارقطني: ٧/٦١، ومسند الشاميين لجماز: ١/١٠٩ و/١٣٥ و٩٦ و١٠١ و١٠٣ و١١٨ و١٢٩ و١٣١ و١٣٣ و١٤٤ و١٤٩ح٣١ و٤٩ و٦٣ و٧ و٦٩ و٨٣ و٩٢.
وكلها عن معاوية وفي عدد منها أنه كان يخطب بها على المنبر! وهدفه مدح نفسه وأهل الشام في مقابل أهل العراق والحجاز الذين كانوا ضده، ولذلك ينبغي الشك في صيغته هذه لأنها عن طريق معاوية ورواته!
أحاديث مكذوبة ومحرفة لمدح معاوية وأهل الشام
الطيالسي/١٤٥، حدثنا أبو داود قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا معاوية بن قرة، عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لا تزال طائفة من أمتي منصورين لايضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة).
لكن نلاحظ أن سعيد بن منصور: ٢/١٤٥، وأحمد: ٣/٤٣٦، وابن ماجة: ١/٤ ٥، وغيرهم، رووا هذا الحديث وكلهم عن قرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وليس فيها الزيادة عن أهل الشام، وهذا يعني أنها زيادة لمصلحة بني أمية.
وفي مسند أحمد: ٤/٤٢٩، عن عمران بن حصين، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا تزال طائفة من أمتي على الحق، ظاهرين على من ناواهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى وينزل عيسى بن مريم عليه السلام). ومثله في تاريخ بخاري: ٥/٤٥١، وتهذيب ابن عساكر: ١/٥٦: قال أبو عمرو: فحدثت قتادة بهذا الحديث فقال: لا أعلم أولئك إلا أهل الشام)! ثم صار تفسير قتادة حديثاً نبوياً! ففي حلية الأولياء: ٩/٣٠٧، عن أبي هريرة: لا تزال طائفة من أمتي قائمة على أمر الله لا يضرها من خالفها تقاتل أعداءها، كلما ذهبت حرب نشبت حرب قوم آخرين، يرفع الله أقواماً ويرزقهم منهم حتى تأتيهم الساعة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: هم أهل الشام؟).

* * *

وفي الشاميين للطبراني: ١/٥٦، عن الجرشي: كنت جالساًعند النبي صلى الله عليه وآله وفيه: ولايزال من أمتي ناس يقاتلون على الحق ويزيغ الله بهم قلوب أقوام ويرزقهم منهم حتى تقوم الساعة وحتى يأتي وعد الله. والخيل معقود في نواصيها الخير الى يوم القيامة، وعقر دار المؤمنين بالشام). ومعنى يرزقهم الله منهم: أنه ينصرهم على الزائغين! وشبيه به مسند الشاميين لجماز: ١/١٩١، عن سلمة بن نفيل بروايتين. ونحوه المعجم الكبير: ٧/٦١، وابن ماجة: ٢/١٣٦٩، عن أبي هريرة: إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثاً من الموالي هم أكرم العرب فرساً وأجوده سلاحاً، يؤيد الله بهم الدين. والحاكم: ٤/٥٤٨، عن أبي هريرة وفيه: خرج بعث من الموالي من دمشق. وصححه على شرط بخاري.. الى آخر القائمة.
فمن الواضح أنهم زادوا في الحديث ذكر الشام على لسان النبي صلى الله عليه وآله! وستأتيك قصة أحاديث أبدال الشام، في أصحاب الإمام المهدي عليه السلام.
ومثلها في مدح سكان بيت المقدس وحوله
في أحمد: ٥/٢٦٩، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاتزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين، لايضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: يارسول الله وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس). ونحوه في تهذيب الآثار مسند عمر: ٢/٨٢٣.
أبو يعلى: ١١/٣٠٢، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لاتزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله وعلى أبواب بيت المقدس وماحوله، لايضرهم خذلان من خذلهم، ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة).
ومثلها في مدح أهل الطالقان!
في تهذيب ابن عساكر: ١/٥٥، عن تاريخ داريا وقال: وفي لفظ آخر: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب بيت المقدس وما حولها وعلى أبواب أنطاكية وما حولها، وعلى باب دمشق وما حولها، وعلى أبواب الطالقان وما حولها، ظاهرين على الحق، لايبالون بمن خذلهم ولا من نصرهم، حتى يخرج الله كنزه من الطالقان فيحيي به دينه كما أميتَ من قبل). ونحوه عقد الدرر/١٢٢، قال: وفي رواية: على أبواب الطالقان حتى يخرج الله كنزه من الطالقان. وفي/٢٨٣: على أبواب بيت المقدس، وأبواب أنطاكية وما حولها.
وفي مشارق الأشواق: ١/٤٠٧، لاتزال طائفة من أمتي يقاتلون على أبواب بيت المقدس وما حولها، وعلى أبواب أنطاكية وما حولها، وعلى أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب الطالقان وما حولها، ظاهرين على الحق (لايضرهم) من خذلهم ولا من نصرهم، حتى يخرج الله كنزه من الطالقان فيحيي به دينه). انتهى.
أقول: جبال الطالقان قسم من سلسلة جبال آلبرز في إيران، وعندما تطلق في الأحاديث يقصد بها منطقة إيران، فقد كانت معروفة بإسم بلاد المشرق أو خراسان أو جبال الطالقان، كما يأتي في أحاديث أهل المشرق. والإشكال على تطبيق الفئة الظاهرة على أهل الشام يردُ في تطبيقها على أهل الطالقان، فلعل رواته الأمويين أو الفرس أرادوا مدح مناطقهم وحكامها!
نعم وردت احاديث صحيحة في أنصار المهدي عليه السلام من أهل المشرق، ولا يرد عليها هذا الإشكال كما سيأتي، وستعرف أن أحاديث مصادر السنيين في مدح الفرس أكثر منها في مصادرنا، وهذا ليس عجيباً لأن الفرس هم الذين أسسوا لهم مذاهبهم، وكتبوا لهم مصادرهم في الحديث والفقه والتفسير!
ومن مكذوبات اليهود في تفضيل بلاد الشام!
أطلق اليهود مقولات مفرطة، ووضعوا أحاديث مغالية في مدح الشام وفلسطين وتفضيلهما على الحجاز والعراق، وتفضيل بيت المقدس على مكة، وصخرتها على الكعبة! وتضمنت التعريض والتنقيص بالحجاز والعراق وأهلهما! وتبناها معاوية وبنو أمية وامتلأت بها مصادر أتباع الخلافة والمذاهب، وتلقاها عوام المسلمين على أنها جزء من الدين، لأن عدداً منها صار أحاديث صحيحة!
١ - أشاع كعب أن عاصمة هذا النبي صلى الله عليه وآله في الشام لا في المدينة أو العراق! ففي سنن الدارمي: ١/٤: (عن أبي صالح قال كعب: نجده مكتوباً: محمد رسول الله، لا فظٌّ ولا غليظٌ ولا صخَّابٌ بالأسواق، ولا يُجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر... ومولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام). انتهى. وقوله: (وملكه بالشام) زيادة منه، لم تروها مصادر الشيعة، ونصت على زيادته بعض مصادر السنة قال في فتح الباري: ٨/٤٥٠: (زاد في رواية كعب: مولده بمكة ومهاجره طيبة وملكه بالشام). انتهى. فهي زيادة يهودية لتكون الخلافة لأحبائهم بني أمية في الشام بعيداً عن الحجاز والعراق لأن أهلهما لا يحبون اليهود كأهل الشام! لكن أكثر مصادرهم روت هذه الزيادة وصححتها مع الأسف! كطبقات ابن سعد: ١/٣٦٠، وحلية الأولياء: ٥/٣٨٧، وتفسير البغوي: ٢/٢٠٥، وخصائص السيوطي: ١/١٩، وفيض القدير: ٣/٧٦٨، ودلائل الأصبهاني: ٤/١٣٣٢، ونظم درر السمطين/٥٤ وتفسير الرازي: ٣/٣٨، وتفسير ابن كثير: ٤/٣٨٣، والدر المنثور: ٣/١٣٢، وتاريخ دمشق: ١/١٨٦، و: ٤٧/٣٩٠، وتاريخ المدينة: ٢/٦٣٤، والنهاية: ٢/٩٦، و: ٦/٦١، وهداية الحيارى/٩٠، والسيرة الحلبية: ١/٣٥١، وغيرها!!
كما عثر رواة الخلافة على يهودي آخر إسمه جريجرة أكد لهم قول كعب فرووه عنه حامدين الله! (المستدرك: ٢/٦٢٢، وتاريخ دمشق: ١/١٨٤، وخصائص السيوطي: ١/٢٣).
وبذلك تعرف أن اليهود كانوا المخططين لنقل عاصمة الإسلام الى الشام بدل الحجاز أو العراق! ولذلك طلب معاوية من عثمان أن ينتقل الى الشام ليكون ضيفاً عليه ويرتب له الأمر بعده، كما رتبه أبو بكر لعمر! (راجع المجلد الثاني من جواهر التاريخ).
٢ - جاء كعب الأحبار من اليمن الى المدينة وهو يهودي وكان عمر سمع به فخرج الى استقباله، واحترمه كاحترام الأنبياء، وجعله مستشار الخليفة الثقافي والمقدم في مجلسه! وبقي كعب على يهوديته وسكن في حمص، وكان يتردد على المدينة ويمضي فيها مدة طويلة، وبعد مدة أعلن إسلامه، فطلب منه عمر أن يسكن في المدينة فقال له: (ما يمنعك أن تسكن المدينة وهي هجرة رسول الله وموضع قبره؟ قال: إني أجد في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله في الأرض، وبها كنزه من عباده)! (تاريخ دمشق: ١/١٢٢).
٣ - روى ابن حماد: ١/٢٣٦: (عن كعب قال: رأس الأرض الشام وجناحاها. ولا مصر والعراق والذنباء أي الحجاز! وعلى الذنباء يسلح الباز)!
أقول: هذا ذم يهودي خبيث لمصر والعراق والحجاز، والعجيب أن رواة الخلافة وعلماء المذاهب ومنهم عراقيون وحجازيون، قبلوه ورووه، ولم يردوا عليه!
٤ - في الدر المنثور: ١/١٣٦: (عن كعب قال: لا تقوم الساعة حتى يزفُّ البيت الحرام إلى بيت المقدس فينقادان إلى الجنة وفيهما أهلهما، والعرض والحساب ببيت المقدس)! وفي الكافي: ٤/٢٣٩: (عن زرارة قال: كنت قاعداً إلى جنب أبي جعفر(الإمام الباقر عليه السلام) وهو مُحْتبٍ مستقبلَ الكعبة فقال: أمَا إن النظر إليها عبادة، فجاءه رجل من بجيلة يقال له عاصم بن عمر فقال لأبي جعفر: إن كعب الأحبار كان يقول: إن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة، فقال أبو جعفر: فما تقول فيما قال كعب؟ فقال: صدق، القولُ ما قال كعب! فقال أبو جعفر: كذبت وكذب كعب الأحبار معك! وغضب! قال زرارة: ما رأيته استقبل أحداً بقول كذبت غيره ثم قال: ما خلق الله عز وجل بقعة في الأرض أحب إليه منها ثم أومأ بيده نحو الكعبة ولا أكرم على الله عز وجل منها، لها حرَّم الله الأشهر الحرم في كتابه يوم خلق السماوات والأرض، ثلاثة متوالية للحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة، وشهر مفرد للعمرة وهو رجب). انتهى.
٥ - في تاريخ دمشق: ١/١٥٢: (قال كعب: ما شرب ماء عذب قط إلا ما يخرج من تحت هذه الصخرة! حتى أن العين التي بدارِين ليخرج ماؤها من تحت هذه الصخرة)! (وتفسير القرطبي: ١١/٣٠٥، وأبي السعود: ٦/٥، والسيرة الحلبية: ٢/٨٢).
٦ - ألفوا كتباً شحنوها بأحاديث مدح الشام والقدس، وروى العجلوني في كشف الخفاء: ٢/٢، عدة نصوص وأحاديث في فضل الشام ولم يوثق أياً منها!
٧ - روى السيوطي في الدر المنثور: ٣/١١١، غرائب في فضل الشام عن كعب الأحبار وتلاميذه من مصادر (حديثية) متعددة! وبعضها تحول بقدرة قادر الى حديث نبوي! منها، عن كعب:
- مكتوب في التوراة أن الشام كنز الله عز وجل من أرضه بها كنز الله من عباده.
- وعن كعب قال: أحب البلاد إلى الله الشام وأحب الشام إليه القدس وأحب القدس إليه جبل نابلس، ليأتين على الناس زمان يتقاسمونه بالحبال بينهم!
- وعن كعب قال: إني لأجد في كتاب الله المنزل أن خراب الأرض قبل الشام بأربعين عاماً).
- وعن وهب بن منبه قال: إني لأجد تردد الشام في الكتب، حتى كأنه ليس لله حاجة إلا بالشام.
- وعن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: دخل إبليس العراق فقضى منها حاجته ثم دخل الشام فطردوه حتى بلغ بيسان ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عبقريه. وعن وهب بن منبه قال: رأس الأرض الشام.
- وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله قال: اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا، قالوا: وفي نجدنا؟ وفي لفظ وفي مشرقنا قال هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان. زاد ابن عساكر في رواية: وبها تسعة أعشار الشر.
- وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الخير عشرة أعشار، تسعة بالشام وواحد في سائر البلدان. والشر عشرة أعشار واحد بالشام وتسعة في سائر البلدان! وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم!
- قال النبي صلى الله عليه وآله: طوبى للشام! قيل له: ولمَ؟ قال إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم. (عن زيد بن ثابت، وقال صححه الحاكم)!
- قال رجل يا رسول الله خِرْ لي، فقال صلى الله عليه وآله: عليك بالشام، فإنها صفوة الله من بلاده فيها خيرة الله من عباده! فمن رغب عن ذلك فليلحق بنجدة، فإن الله تكفل لي بالشام وأهله... ولفظ أحمد فإنه خيرة الله من أرضه... فإن أبيتم فعليكم بيمنكم! عن واثلة بن الأسقع... فمن أبى فليلحق بيمنه ويسق من غدره! وأخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم عن عبد الله بن حوالة الأزدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: فمن أبى فليلحق بيمنه وليسق من غدره! انتهى.
ولا يمكن قبول هذه الأحاديث ومنها ذم نجد وإن رواها بخاري، لأن رواة الخلافة الأموية متهمون، بعكس أهل البيت الصادقين الطاهرين غير المتهمين عليهم السلام.
قال الشيخ محمود أبو رية، وهو من علماء الأزهر في كتابه: أضواء على السنة المحمدية/١٧٦، بعد أن نقل طعن عدد من العلماء السنيين بكعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما من أحبار اليهود: (إن الأئمة المحققين قد طعنوا في رواية هذين الكاهنين، ولايزال يوجد بيننا وا أسفاه من يثق بهما ويصدق ما يرويانه، ولا يقبل أي كلام فيهما. ولكي نستوفي القول في بيان مدى الكيد اليهودي للإسلام والمسلمين وإن كان ذلك يعد استطراداً ينحرف بنا عما نحن بسبيله، نكشف لك عن جانب آخر من عمل دهاة اليهود، ذلك هو الجانب السياسي، فلقد كان كيدهم في محاربة الإسلام يتجه إلى ضربه من ناحيتين: ناحية دينية، وأخرى سياسية... الخ.).

* * *

أحاديث الغرباء وغربة الإسلام في مصادر الطرفين
ابن حماد: ١/٧٨، عن عبد الله بن عمرو العاص قال: أحب شيء إلى الله تعالى الغرباء قيل أي شيء الغرباء؟ قال: الذين يفرون بدينهم، يُجمعون إلى عيسى بن مريم عليه السلام. وتاريخ بخاري: ٤/١٣٠، وفيه: فرَّارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى بن مريم يوم القيامة. وحلية الأولياء: ١/٢٥، وفيه: الفرارون بدينهم يبعثهم الله يوم القيامة مع عيسى بن مريم صلى الله عليه وآله. وأحمد: ١/١٨٤، عن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: إن الإيمان بدأ غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء إذا فسد الناس. والذي نفس أبي القاسم بيده ليأزرنَّ الإيمان بين هذين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها). طوبى: شجرة مميزة جداً في الجنة، وتطلق على الجنة، يأرز: يجتمع وينضم بعضه إلى بعض. هذين المسجدين: تعبير عن مكة والمدينة.
وأحمد: ١/٣٩٨، عن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وفيه: قيل: ومن الغرباء؟ قال: النزاع من القبائل. وفي: ٢/١٧٧، عن ابن عمرو العاص، وفيه: قال: أناس صالحون في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم.
وفي أحمد: ٤/٧٣، عن عبد الرحمن بن سنة وفيه: قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، والذي نفسي بيده، لينحازن الإيمان إلى المدينة كما يجوز السيل. والذي نفسي بيده ليأرزن الإسلام إلى ما بين المسجدين كما تأزر الحية إلى حجرها.
ومسلم: ١/١٣٠، كرواية أحمد الخامسة عن أبي هريرة. وابن ماجة: ٢/١٣١٩، كرواية مسلم الأولى، والبزار: ١/٣١٤، والترمذي: ٥/١٨، كرواية أحمد الثانية إلى قوله للغرباء، وبآخر فيه: إن الدين ليأرز إلى الحجاز، كما تأرز الحية إلى جحرها، وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريباً ويرجع غريباً، فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي. وقال: هذا حديث حسن صحيح. ومشكل الآثار: ١/٢٩٧، كرواية أحمد الثانية، عن عبد الله. وبنحوه المعجم الأوسط: ٢/٥٥١ عن أنس. وفي: ٥/٤٧٨، عن جابر، وفي: ٦/٣٧٧، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء، وان بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم يمسي الرجل فيها مؤمناً، ويصبح كافراً، ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً يبيع أقوام دينهم بعرض الدنيا. والمسند الجامع: ١٢/٣١٧، عن عبد الرحمن بن سنة، وفي: ٦/١٥٥، عن ابن لسعد بن أبي وقاص بنحوه. وفي: ١٤/١٩٢، عن عمرو بن عوف.. الخ.

* * *

وقد روت مصادرنا أحاديث حول غربة الإسلام كما في الجعفريات/١٩٢، عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء، فقيل ومن هم يا رسول الله؟ قال الذين يصلحون إذا فسد الناس، إنه لا وحشة ولاغربة على مؤمن، وما من مؤمن يموت في غربة إلا بكت الملائكة رحمة له حيث قلت بواكيه، وإلا فسح له في قبره بنور يتلألأ من حيث دفن إلى مسقط رأسه).
وفي كمال الدين: ١/٢٠٠، أوله عن علي عليه السلام بثلاث روايات، وقال: فقد عاد الإسلام كما قال عليه السلام غريباً في هذا الزمان كما بدأ، وسيقوى بظهور ولي الله وحجته كما قوي بظهور نبي الله ورسوله صلى الله عليه وآله، وتقر بذلك أعين المنتظرين له والقائلين بإمامته كما قرت أعين المنتظرين لرسول الله صلى الله عليه وآله والعارفين به بعد ظهوره. وإن الله عز وجل لينجز لأوليائه ما وعدهم ويُعلي كلمته ويتم نوره ولو كره المشركون.
وفي شرح الأخبار: ٣/٣٧١، أن أبا بصير طلب من الإمام الصادق عليه السلام أن يشرح له هذا الحديث: (قال أبو بصير: فقلت له إشرح لي هذا جعلت فداك يا بن رسول الله. قال عليه السلام: يستأنف الداعي منا دعاءً جديداً كما دعا رسول الله، وكذلك المهدي يستأنف دعاء جديداً إلى الله لمَّا غُيِّرت السنن وكثرت البدع وتغلب أئمة الضلال، واندرس ذكر أئمة الهدى الذين افترض الله طاعتهم على العباد وأقامهم للدعاء إليه والدلالة بآياته عليه، ونُسي ذكرهم وانقطع خبرهم لغلبة أئمة الجور عليهم. فلما أنجز الله بالدعاء للأئمة ما وعدهم به من ظهور مهديهم احتاج أن يدعوهم دعاء جديداً كما ابتدأهم رسول الله صلى الله عليه وآله بالدعاء أولاً).
وفي الإرشاد/٣٦٤، محمد بن عجلان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قام القائم عليه السلام دعا الناس إلى الإسلام جديداً، وهداهم إلى أمر قد دثر فضل عنه الجمهور، وإنما سمي القائم مهدياً لأنه يهدى إلى أمر مضلول عنه، وسمي بالقائم لقيامه بالحق). ومثله إعلام الورى/٤٣١، وعنه روضة الواعظين: ٢/٢٦٤، وكشف الغمة: ٣/٢٥٤ وإثبات الهداة: ٣/٥٢٧ و٥٥٥.
وفي النعماني/٢٣٠، عن ابن عطاء المكي، عن شيخ من الفقهاء يعني أبا عبد الله عليه السلام قال: سألته عن سيرة المهدي كيف سيرته؟ فقال: يصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله صلى الله عليه وآله أمر الجاهلية ويستأنف الإسلام جديداً). وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٣٩، والبحار: ٥٢/٣٥٢.
وفي الكافي: ١/٥٣٦، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه سئل عن القائم فقال: كلنا قائم بأمر الله واحد بعد واحد، حتى يجيء صاحب السيف، فإذا جاء صاحب السيف جاء بأمر غير الذي كان).
ومثله غيبة الطوسي/٢٨٢، ونحوه الإرشاد/٣٦٤، وعنه كشف الغمة: ٣/٢٥٥. وإثبات الهداة: ٣/٤٤٨ و٥١٦ و٥٥٥، عن الكافي وغيبة الطوسي والإرشاد، والبحار: ٥٢/٣٣٢ و٣٣٨، عن غيبة الطوسي والإرشاد.
أقول: المقصود بغربة الإسلام غربته عن التطبيق، وقد صرح بذلك الصدوق رحمه الله وربطه بظهور المهدي عليه السلام وقد حاولت مصادرهم توظيف الحديث للصراع بين أهل الحجاز وأهل الشام كما وظفوا حديث الفئة الظاهرة لمصلحة أهل الشام وبني أمية! ومعنى: يأرز الإيمان أو العلم إلى المدينة ومكة: أن وعي الدين ينحسر من الأمة، وتكون المدينة ومكة مركزاً لتجديد الإسلام وانطلاقته في آخر الزمان على يد الإمام المهدي عليه السلام، كما كانتا مركزاً لانطلاقته على يد جده خاتم النبيين صلى الله عليه وآله.

* * *

مجددو الإسلام
روت المصادر السنية نصاً عن أبي هريرة ظن الراوي أنه رفعه الى النبي صلى الله عليه وآله قال أبو داود: ٤/١٠٩: (عن أبي هريرة، فيما أعلم عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. والبيهقي في المعرفة: ١/١٣٧، والخطيب البغدادي: ٢/٦١، والجامع الصغير: ١/٢٨٢، والمسند الجامع: ١٧/٨٤٣، صحيح بخاري بشرح الكرماني: ١/٧٢. وفي مستدرك الحاكم: ٤/٥٢٢، أن رجلاً قرأ هذا النص في مجلس القاضي أبي العباس بن شريح وقال له: فأبشر أيها القاضي فإن الله بعث على رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وبعث على رأس المأتين محمد بن إدريس الشافعي، وأنت على رأس الثلاث مائة). انتهى.
أقول: الإمام المهدي عليه السلام هو المجدد القطعي للإسلام، والقدر المتيقن من المجددين هم الأئمة من أهل البيت عليهم السلام، ولم نجد مصدراً لما نقله في إحقاق الحق عن ابن حنبل من تخصيص المجدد بالعترة الطاهرة عليهم السلام. ولو صح هذا الحديث وكان يشمل غير العترة عليهم السلام، فلا يمكن معرفة هؤلاء المجددين حيث كثر ادعاء بعض الحكام والعلماء أنهم هم المجددون، والإدعاء لهم!
والذي أرجحه أن أصل الحديث عن دور العترة في حفظ الإسلام ونفي زيف المحرفين له، فزادوا فيه، وصادروه لمن يتولونهم!
كما أنه على فرض صحته يرد السؤال: هل تحسب المئة سنة من بعثة النبي أو هجرته أو وفاته صلى الله عليه وآله؟ وهل المقصود برأس المئة السنة الأولى منها، أم المعنى العرفي الذي يشمل الربع الأول منها؟ وقد اعتبر المودودي أن المهدي عليه السلام المجدد العالمي العام للإسلام، في عداد المجددين على رأس كل مئة سنة، لكن الصحيح أن له حسابه الخاص بمقياس حياة الأمة والحياة البشرية عامة.
وقد نصت أحاديثنا على أن الإمام المهدي عليه السلام هو الذي يجدد الإسلام ويخرجه من غربته. ففي عيون أخبار الرضا عليه السلام: ٢/٢٠٠، عن الحسن بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون يوماً وعنده علي بن موسى الرضا عليه السلام وقد اجتمع الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة... فقال المأمون: يا أبا الحسن فما تقول في الرجعة، فقال الرضا عليه السلام: إنها لَحَقٌّ قد كانت في الأمم السالفة، ونطق بها القرآن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يكون في هذه الأمة كل ما كان في الأمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. قال صلى الله عليه وآله: إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسى بن مريم عليه السلام فصلى خلفه. وقال صلى الله عليه وآله: إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء، قيل: يا رسول الله ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يرجع الحق إلى أهله). وعنه الإيقاظ/١٠٧، وحلية الأبرار: ٢/٣٠١، و: البحار: ٢٥/١٣٥، والبرهان: ٢/٣٥٠.
وفي تفسير فرات/٤٤، عن خيثمة الجعفي عن الإمام الباقر عليه السلام قال في تفسير قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً، يعني صفوتنا ونصرتنا. قلت إنما قدر الله عنه باللسان واليدين والقلب، قال: يا خثيمة ألم تكن نصرتنا باللسان كنصرتنا بالسيف، ونصرتنا باليدين أفضل والقيام فيها. يا خثيمة إن القرآن نزل أثلاثاً، فثلث فينا وثلث في عدونا وثلث فرائض وأحكام. ولو أن آية نزلت في قوم ثم ماتوا أولئك ماتت الآية إذا ما بقي من القرآن شيء. إن القرآن عربي من أوله إلى آخره وآخره إلى أوله ما قامت السماوات والأرض فلكل قوم آية يتلونها.
يا خيثمة إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء، وهذا في أيدي الناس فكل على هذا. يا خثيمة سيأتي على الناس زمان لا يعرفون الله وما هو التوحيد حتى يكون خروج الدجال وحتى ينزل عيسى بن مريم من السماء، ويقتل الله الدجال على يده، ويصلي بهم رجل منا أهل البيت. ألا ترى أن عيسى يصلي خلفنا وهو نبي إلا ونحن أفضل منه). وعنه البحار: ٢٤/٣٢٨.
وفي غيبة النعماني/٣٢٠، عن الإمام الباقر عليه السلام قال: إن قائمنا إذا قام، دعا الناس إلى أمر جديد، كما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وإن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء). وعنه البحار: ٥٢/٣٦٦.
وروى النعماني/٢٣٢، عن الإمام الباقر عليه السلام أيضاً أن عبد الله بن عطاء سأله: إذا قام القائم بأي سيرة يسير في الناس؟ فقال: يهدم ما قبله كما صنع رسول الله صلى الله عليه وآله ويستأنف الإسلام جديداً) وعنه حلية الأبرار: ٢/٦٢٩، والبحار: ٥٢/٣٥٤.
وروى/٣٢٢، عن الإمام الصادق عليه السلام أن أبا بصير سأله: أخبرني عن قول أمير المؤمنين عليه السلام: إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء، فقال: يا أبا محمد، إذا قام القائم عليه السلام استأنف دعاء جديداً كما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله). والبحار: ٥٢/٣٦٧.

* * *

من هم الغرباء والطائفة المنصورة؟
ينبغي الالتفات أولاً، الى أن سبب كثرة طرق الحديث ورواته عندهم، أن عمر بن الخطاب ومعاوية دخلا في رواته، وطبقه معاوية عليه وعلى أهل الشام!
وثانياً، إن محاولة معاوية استغلال الحديث تضعف صيغه التي رووها ولا تضعف أصله الذي رويناه عن أهل البيت عليهم السلام. ومحاولة معاوية تشبه محاولة العباسيين تطبيق أحاديث الرايات السود على حركتهم، ومحاولة تطبيق صفات المهدي عليه السلام على المهدي التيمي والحسني والعباسي والفاطمي المزعومين، فإن بطلان محاولاتهم لا يؤثر في قيمة أصل أحاديث المهدي عليه السلام.
ولا يمكن الأخذ بتطبيقات معاوية للحديث على أهل الشام، ولا بتطبيق العباسيين له على أهل خراسان، ولا بتطبيق المتوكل له على حزب أهل الحديث الذي أسسه وعرف باسم مجسمة الحنابلة، ولا على تطبيق ورثته الحزب الوهابي الذي أسسه محمد بن عبد الوهاب، ولا بتطبيق حركة الإخوان المسلمين التي أسسها حسن البنا أوحركة مقاومة إسرائيل وجهاد اليهود التي يشترك فيها المسلمون الفلطسينيون وغيرهم.. وسبب ذلك أن الحديث نص على أن هؤلاء الغرباء جماعة يكونون في كل جيل حتى يظهر المهدي وينزل المسيح عليهما السلام، وأنهم أقلية ولهم معارضون ومكذبون وأعداء. فهذه الصفة والأحاديث المفسرة للحديث النبوي لاتدع مجالاً للشك بأن مقصوده صلى الله عليه وآله الأئمة من عترته وأتباعهم، الذين سيكون خاتمهم الإمام المهدي عليه السلام، وقد اتضح ذلك مما تقدم من أحاديث، ولبحثه مجال آخر.
حديث بعثت بين جاهليتين
أمالي الشجري: ٢/٢٧٧، بسنده عن حصين بن مخارق، عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: بعثت بين جاهليتين لأخراهما شر من أولاهما). انتهى.
أقول: لم أجد لهذا الحديث المهم مصادر أخرى، وهو يدل على أن الجاهلية الثانية التي تكون بعد النبي صلى الله عليه وآله أسوأ من الجاهلية الأولى التي كانت قبله. ومهما فسرناها فإن الجاهلية الغربية الحاضرة جزء منها، إن لم تكن كلها.
ويؤيد ذلك قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً). (الأحزاب: ٣٣) فالآية تشير الى جاهلية ثانية يكون من صفاتها أن المرأة تتبرج فيها كما كانت في الجاهلية الأولى. وفي الآية بحوث يتصل بموضوعنا منها الإشارة الى أن ظهور الإمام المهدي عليه السلام يكون بعد الجاهلية الثانية التي هي أكثر شراً وضرراً على البشرية من الأولى.

* * *
الفصل الرابع: الفتن الموعودة في هذه الأمة

١ - تحذير النبي صلى الله عليه وآله لأمته من الفتن بعده مباشرة!
عرض النبي صلى الله عليه وآله وهو على فراش المرض على أمته كنزاً لم يعرضه نبي على أمته أبداً! أن تطيعه فيكتب لها عهداً وبرنامجاً، ويضمن لها أن تكون على الهدى ولاتضل أبداً، وتكون سيدة الأمم الى يوم القيامة! فواجهه عمر بن الخطاب ورفض ذلك، وأيده طلقاء قريش وكانوا كثروا في المدينة وصاحوا القول ما قاله عمر! لا تقربوا له دواة وقرطاساً، حسبنا كتاب الله، أي نرفض سنته ولانريد أن يكتب لنا عهداً! وقد دافع أتباع الخلافة عن موقف عمر ضد النبي صلى الله عليه وآله وما زالوا الى اليوم! وقد رواه بخاري في ست مواضع من كتابه!
ومع أن الأمة رفضت أن تدخل في التأمين الإلهي لمستقبلها، ووضعت نفسها عن علم وعمد وسبق إصرار في وسط رياح الضلال والفتن. فقد حرص النبي الرؤوف بأمته صلى الله عليه وآله على تحذيرها من الصراع وسفك الدماء على السلطة! كالحديث الذي رواه الطبراني في الكبير: ٢٢/٦٩، ومسند الشاميين: ٣/١٢٤، عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنكم تزعمون أني آخركم موتاً! وإني أولكم ذهاباً، ثم تأتون من بعدي أفناداً! يقتل بعضكم بعضاً). وتاريخ دمشق: ٥٩/٤٦ وفي الزوائد: ٧/٣٠٦: ورجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف. ومسند الشاميين: ١/٥٦، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يوحى إليَّ أني مقبوض غير ملبث، وإنكم متبعيَّ أفناداً يضرب بعضكم رقاب بعض). أي تأتون اليَّ يوم القيامة فئات مختلفين لأنكم قاتل ومقتول! ومعناه أن قضاء الله قد وقع على هذه الأمة!
ويدل قوله عليه السلام: تزعمون أني آخركم موتاً! على أنه كان من خطط الحزب القرشي إشاعة أن النبي صلى الله عليه وآله آخر أصحابه موتاً! لمنع أي تفكير بتفعيل بيعة الغدير والدعوة الى بيعة علي عليه السلام في حياته صلى الله عليه وآله! وهذا هو السبب في إصرار عمر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله على أنه صلى الله عليه وآله لم يمت، حتى جاءه أبو بكر!

* * *

وقد روى الجميع إخبار النبي صلى الله عليه وآله عن الفتن بعده وتحذيره منها، كالذي رواه ابن حماد: ١/٣٠و٤٨: عن أبي موسى: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن بين يدي الساعة لهرجاً قلت وما الهرج؟ قال القتل. قلنا أكثر ممن يقتل اليوم؟ قال والمسلمون في فروجهم يومئذ، قال: ليس بقتلكم الكفار ولكن يقتل بعضكم بعضاً حتى يقتل الرجل جده وأباه وأخاه وابن عمه وجاره. قال: فأبلس القوم حتى ما يبدي رجل منا عن واضحة). وفي رواية أحمد: ٤/٣٩١ و٤٠٦: (قالوا: سبحان الله ومعنا عقولنا؟ قال: لا، ألا إنه ينزع عقول أهل ذاك الزمان، ويخلف له هباء من الناس يحسب أكثرهم أنهم على شيء وليسوا على شيء). وأحمد: ٤/٤١٤، وأبو يعلى: ١٣/٢٠٣ و٢١٢، و٢٣٧، وابن حبان: ١٥/١٠٤ وابن أبي شيبة: ١٥/١٣، الطيالسي/٣٥ عن عبد الله، وعبد الرزاق: ١١/٣٦٤، عن ابن المسيب، ومسلم: ٤/٢٠٥٦، وابن ماجة: ٢/١٣٤٥، والترمذي: ٤/٤٨٩.. الى آخر المصادر.
والذي رواه بخاري في مواضع من صحيحه، منها: ١/٢٩ و: ٢/٢٢، عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وآله: لاتقوم الساعة حتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل القتل، حتى يكثر فيكم المال فيفيض).
وفي بخاري: ٧/٨٢: (قالوا وما الهرج قال القتل القتل. وفي: ٨/٨٩: قالوا يا رسول الله أيُّمْ هو؟ قال: القتل القتل. وفي: ٨/١٠١: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله. وحتى يقبض العلم وتكثر الزلازل ويتقارب الزمان وتظهر الفتن ويكثر الهرج وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه لا إرب لي به، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول ياليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون فذلك حين لاينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه! ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلايطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلايسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها. ومثله أحمد: ٢/٤٩٢، عن أبي هريرة والطبراني: ٩/٢٢٠، عن ابن عمرو، وغيرهم وغيرهم.
ملاحظات
الأولى: عندما ترى في كلام الصحابة وصفاً لحدث بأنه بين يدي الساعة أو في آخر الزمان، فلا يغرَّك ذلك حتى تجد قرائن قطعية تحدد زمنه الحقيقي! والسبب، أولاً، أنهم كانوا يرون أن عصرهم آخر الزمان، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله بعثت أنا والساعة كهاتين وجمع بين إصبعيه(بخاري: ٦/١٧٧)، كما أن من أوصافه صلى الله عليه وآله أنه نبي آخر الزمان. (كمال الدين/١٩٠). وثانياً، لأن رواة الخلافة كانوا يتعمدون إبعاد زمن الحدث السيء الموعود عن زمن الصحابة! فقد رأيت أن النبي صلى الله عليه وآله قال لأصحابه: (إنكم تزعمون أني آخركم موتاً، وإني أولكم ذهاباً ثم تأتون من بعدي أفناداً يقتل بعضكم بعضاً)!
أقول: مع كل هذه النصوص الصريحة حيث خاطب النبي صلى الله عليه وآله الصحابة أنفسهم وأخبرهم عن صراعهم بعده على الحكم وحذرهم بنار جهنم، زعموا أن هذا الصراع والقتل والفتنة سيكون بين يدي الساعة!
وبذلك تعرف أنه لا علاقة لهذه الأحاديث بظهور الإمام المهدي عليه السلام إلا ما دل منها على أن الإختلاف والصراع في الأمة سيستمر حتى ظهوره عليه السلام. وقد روى الطرفان ذلك وصححوه! ومنه ما رواه الطبراني في المعجم الكبير: ١٨/٥١، عن عوف بن مالك: (قلتُ وهل يفتح الشام؟ قال: نعم وشيكاً ثم تقع الفتن بعد فتحها، ثم تجيء فتنة غبراء مظلمة، ثم تتبع الفتن بعضها بعضاً حتى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له المهدي، فإن أدركته فاتبعه وكن من المهتدين). وستأتي بقيتها.
الثانية: نلاحظ أن الراوي يضيف من عاميته وما شاع في بيئته من إسرائيليات عن أشراط الساعة وغيرها، وستمر بك نماذج عديدة لذلك.
الثالثة: أن هذه الأحاديث موظفة لخدمة الخلافة القرشية، فمن أول رواتها أبو موسى الأشعري، المعروف بموقفه في تخذيل المسلمين عن نصرة أمير المؤمنين عليه السلام عندما دعاهم الى حرب البغاة الخوارج عليه، وكان أبو موسى والياً له على الكوفة، فأشاع تحذيرات النبي صلى الله عليه وآله لأمته من القتال، وجعله نهياً في القتال مع علي عليه السلام للفئة الباغية ليفسح المجال لطلحة والزبير وعائشة فيسيطروا على البصرة ثم الكوفة، ويسقطوا حكم علي عليه السلام! (راجع كتاب جواهر التاريخ: ١)
٢ - الفتنة العالمية وامتلاء الأرض بالظلم والجور من الجبارين
اتفقت مصادر المسلمين على أن مهمة الإمام المهدي عليه السلام أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن تكون ملئت ظلماً وجوراً. وهذا بنفسه دليل على أن ظهوره عليه السلام يكون بعد فتنة عامة وأن الجبابرة قبله يملؤون الأرض ظلماً وجوراً.
وامتلاء الأرض بالظلم مفهوم عرفي يصدق على أكثر عصور الأرض، فقد قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. (الروم: ٤١)، أما في عصرنا فقد ظهر الفساد في البر والبحر والجو وامتلأت الأرض بالجور حتى غصت! وهذه نماذج من أحاديث الطرفين:
في كمال الدين: ١/٢٨٦، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المهدي من ولدي، اسمه إسمي وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلْقاً وخُلُقاً، تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، ثم يقبل كالشهاب الثاقب يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً.
وفي كمال الدين: ١/٢٨٧، عن أمير المؤمنين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المهدي من ولدي، تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، يأتي بذخيرة الأنبياء عليهم السلام فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً). أي تكون له غيبة وتكون في أثنائها حيرة الأمم وضلالها. وذخيرة الأنبياء: مواريثهم من الكتب والعلم وغيرها، كما يأتي.
مسند أحمد: ٣/٣٧، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.. الخ. وسيأتي. ومسند أحمد: ٣/١٧، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاتقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي، أجلى أقنى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت قبله ظلماً)... الخ.
٣ - استغلال رواة الخلافة أحاديث الفتن!
أجمع المسلمون على أن النبي صلى الله عليه وآله حذر أمته من الفتن الآتية بعده، فجاء بعض الصحابة والرواة وطبقوها على هواهم فصارت أحاديث الفتن (فتنة)! وصار علينا أن نبحث عن رأي أهل البيت عليهم السلام للنجاة منها!
مثلاً أخذ أبو موسى الأشعري يثبِّط أهل الكوفة عن الإنضمام الى أمير المؤمنين عليه السلام في حرب الجمل مع طلحة والزبير وعائشة.
واختلف النعمان بن بشير الأنصاري والضحاك بن قيس الفهري وهما وزيرا معاوية مع بني أمية بعد موت يزيد بن معاوية، وبايعا ابن الزبير وحشدا جيشاً لمحاربة الأمويين، وكان الضحاك والياً على دمشق والنعمان على حمص، فحاربهما مروان وقبائل كلب الشامية وقتلوهما واستعادوا السيطرة على الشام!
وكان أبو هريرة مع معاوية ضد علي عليه السلام ثم مع بني مروان، ثم كان يروي في آخر عمره لعن النبي صلى الله عليه وآله لهم وتحذيره من فتنة أغيلمة قريش وحكم الصبيان!
ومن نماذج هذه الأحاديث: الطيالسي/١٠٨، عن النعمان بن بشير، وفي ابن أبي شيبة: ١١/١٩، عن أبي موسى قال النبي صلى الله عليه وآله: إن بين يدي الساعة فتناً كأنها قطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً. يبيع أقوام فيها خَلاقَهم بعرض من الدنيا قليل). وأحمد: ٢/٣٠٣ و٣٧٢ ومسلم: ١/١١٠، والترمذي: ٤/٤٨٧، عن أبي هريرة، والطبراني، الكبير: ٨/٣٥٧، والحاكم: ٣/٥٢٥، وحلية الأولياء: ١٠/١٧٠، وابن المبارك/١٥٢، عن النعمان بن بشير). والخَلاق: النصيب. والعرَض: المتاع، والمقصود به الثمن القليل. ومعنى يصبح مؤمناً ويمسي كافراً: أنه يُغيِّر ولاءه من الحق الى الباطل، أو يقبل الضلال.
ملاحظات
أولاً، طبق رواة هذا الحديث وأمثاله على فتنة حرب الجمل مع أن تعبيرهم: (إن بين يدي الساعة)! وتعبير أبي موسى في ابن أبي شيبة: (تكون في آخر الزمان)! وهذا يدلك على أنهم كانوا يتصورون أن عصرهم آخر الزمان وبين يدي الساعة. وقد وصف الحسن البصري الذين سقطوا في الفتن وباعوا دينهم فقال: (والله لقد رأيتهم صوراً ولاعقول، أجساماً ولا أحلام، فراش نار وذبان طمع، يغدون بدرهمين ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن عنز). (حلية الأولياء: ١٠/١٧٠).
ثانياً، طبقوا السقوط في الفتنة والكفر على البيعة: ففي الطبقات: ٧/٤١٠، أن الضحاك بن قيس كتب الى قيس بن الهيثم حين مات يزيد بن معاوية: سلام عليك، أما بعد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الدخان، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع أقوام خلاقهم ودينهم بعرض من الدنيا، وإنَّ يزيد بن معاوية مات وأنتم إخواننا وأشقاؤنا، فلا تسبقونا حق نختار لأنفسنا).
ومعناه أنهم كانوا يرون أن بيعة بني أمية كفر!
ثالثاً: إن أحاديثهم في الموقف من الفتنة عن أبي موسى الأشعري وأبي بكرة والضحاك وابن النعمان وأبي هريرة وسعد وحذيفة، متناقضة تماماً، فمنها ما يحرم القتال مطلقاً ويجعل الطرفين فيه من أهل النار، ومنها ما يوجب اتباع الجمهور أو الخليفة، ومنها ما يوجب اتباع الإمام العادل، ومنها ما يوجب قتال الفئة الباغية عملأً بقوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخرى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). (الحجرات: ٩).
ففي مرقاة المفاتيح: ٩/٢٧٩، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: فكسِّروا فيها قِسِيَّكم وقطِّعوا فيها أوتاركم وأخربوا سيوفكم بالحجارة فإن دُخل على أحد منكم فليكن كخير ابني آدم)
وفي مسند الشاميين: ١/٢٢٢: (فكيف نصنع يارسول الله؟ قال: تكسر يدك! قلت: فإن انجبرت؟ قال: تكسر الأخرى! قلت: فإن انجبرت؟ قال: تكسر رجلك! قلت: فإن انجبرت؟ قال: تكسر الأخرى! قلت: حتى متى؟ قال: تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية)!
وفي مستدرك الحاكم: ٤/٤٤٠، عن أبي بكرة أخ زياد بن أبيه: فإذا نزلت فمن كان له إبل فليلحق بإبله ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه. فقال له رجل: يا رسول الله أرأيت إن لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال فليأخذ حجراً فليدق به على حد سيفه ثم لينج إن استطاع النجاة. ثم قال: اللهم هل بلغت ثلاثاً، فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إلى أحد الفئتين فيرميني رجل بسهم أو يضربني بسيف فيقتلني؟ قال يبوء بإثمه وإثمك فيكون من أصحاب النار قالها ثلاثاً). وفي الحاكم: ٣/٣٢٠: (والقائم فيها خير من الماشي والماشي خير من الراكب قتلاها كلها في النار). وقال في الزوائد: ٧/٣٠٢: قلت: رواه أحمد بإسنادين ورجال أحدهما ثقات). انتهى. وستأتي رواية بخاري.
رابعاً: هذا الحديث هو أشهر حديث في مصادرهم في الفتن، ومن الملفت أن رواته كلهم أو جلهم من أعداء علي عليه السلام! وأول من رواه منهم أبو موسى الأشعري لتثبيط المسلمين! ولفظه المشهور ما رواه أحمد: ٤/٤١٦: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسى كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي! فاكسروا قسيكم وقطعوا أوتاركم واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم بيته فليكن كخير ابني آدم). أي كهابيل الذي تحمَّل القتل ولم يبسط يده لأخيه! ونحوه: نعيم بن حماد: ١/٣٠، و/٦١، و/١٧١، و١٨٧ وابن ماجة: ٢/١٣١٠، وأبو داود: ٢/٣٠٥، والحاكم: ٤/٥٥٥، وسنن البيهقي: ٨/١٩١، وابن أبي شيبة: ٧/٢١٥ و: ٨/٥٩٣، والإصابة: ٧/٢٦١، وتعجيل المنفعة/٥١١، والطبراني الأوسط: ٢/٦٥، و: ٨/٢٥٧، وصححه الألباني في إرواء الغليل: ٨/١٠٢. مع أنه يحكم على الطرفين باستحقاق النار، وينافي القرآن!
أما بخاري فرواه في صحيحه: ٤/١٧٧، وفي: ٨/٩١، عن أبي هريرة، تحت عنوان: باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، ثم عقد عنواناً: باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما، وروى فيه قصة أخ الحسن البصري مع أبي بكرة أخ زياد بن أبيه، قال: (خرجت بسلاحي ليالي الفتنة فاستقبلني أبو بكرة فقال أين تريد قلت: أريد نصرة ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قال رسول الله: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار! قيل فهذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه). انتهى.
وتغافل بخاري عن حديث أبي بكرة أخ زياد بن أبيه عندما نهى أخ الحسن البصري أن يتوجه الى حرب الجمل الى جانب علي عليه السلام (فقال: إلى أين؟ قال: إلى علي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ستكون بعدي فتنة النائم فيها خير من القاعد والقاعد فيها خير من النائم، فلزمت بيتي. فلما كان بعد ذلك لقيت جارية بن عبد الله وأبا سعيد فقالا: أين كنت أمس؟ فحدثتهما بما قال أبو بكرة فقالا: لعن الله أبا بكرة أساء سمعاً فأساء إجابة! إنما قال النبي صلى الله عليه وآله لأبي موسى: تكون بعدي فتنة أنت فيها نائم خير منك قاعد وأنت فيها قاعد خير منك ساع). انتهى.
فقد شهد هذان الصحابيان الجليلان وشهد عمار بن ياسر كما روى في الغارات: ٢/٩١٨، عندما أرسله علي عليه السلام الى الكوفة: (فقال: يا أبا موسى لمَ تُثَبِّط الناس عنَّا؟ فوالله ما أردنا إلا الإصلاح ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء! فقال: صدقت بأبي أنت وأمي ولكن المستشار مؤتمن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الراكب. فغضب عمار وساءه وقام وقال: يا أيها الناس، إنما قال له خاصة: أنت فيها قاعداً خير منك قائماً). انتهى. ومثله الطبري في تاريخه: ٣/٤٩٧.
أقول: أمعن أبو موسى الأشعري في عدائه لأمير المؤمنين عليه السلام مع أنه أقره والياً على الكوفة! وحرف حديث النبي صلى الله عليه وآله فواجهه عمار وشهد أنه من أهل ليلة العقبة الذين تآمروا لقتل النبي صلى الله عليه وآله وعزله الإمام عليه السلام وسماه سامري الأمة! وفي صفين أجبر الخوارج الإمام عليه السلام أن يجعله حكماً يمثلهم لأنه يماني!
وقد اعترف أبو موسى على نفسه بأن النبي صلى الله عليه وآله وصفه بأنه مُضِلّ! روى في مناقب آل أبي طالب: ٢/٣٦٣، عن ابن مردويه بأسانيده: (عن سويد بن غفلة أنه قال: كنت مع أبي موسى على شاطئ الفرات فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل الإختلاف بينهم حتى بعثوا حكمين ضالين ضلَّ من اتبعهما ولاتنفك أموركم تختلف حتى تبعثوا حكمين يضلان ويضل من تبعهما! فقلت: أعيذك بالله أن تكون أحدهما! قال: فخلع قميصه فقال: برأني الله من ذلك كما برأني من قميصي). ونحوه في شرح النهج: ١٣/٥٠٧. وفي تاريخ اليعقوبي: ٢/١٩٠: فقال سويد: لربما كان البلاء موكلاً بالمنطق. ولقيته بعد التحكيم فقلت: إن الله إذا قضى أمراً لم يغالب)!
خامساً: مع أن أتباع بني أمية لم يستطيعوا أن يحددوا الفتنة والفئة الباغية، وتناقضوا في حكم قتال البغاة، فحللوه لأعداء علي عليه السلام وحرموه عليه! وغرسوا في أذهان المسلمين أن قتل عثمان فتنة وقع فيها الصحابة كلهم! وحرفوا لذلك روايات الفتن ونسجوا عليها أضعافاً لخدمة عثمان ومعاوية ويزيد، وأعداء أهل البيت عليهم السلام، فكان عملهم هذا واحدةً من فتن أئمة الضلال التي حذر منها النبي صلى الله عليه وآله.
والذي يدخل في غرضنا هو الفتن المتصلة بظهور الإمام المهدي عليه السلام، وقد ذكرنا طرفاً من تحريفهم لأحاديث الفتن لأنه ينفع في فهمها.
٤ - أهل البيت عليهم السلام أمان الأمة وسفينة النجاة من الفتن
تواترت أحاديث النبي صلى الله عليه وآله التي وصف فيها أهل بيته عليهم السلام بأنهم سفينة النجاة لهذه الأمة من الفتن والضلال، وصحح الجميع حديث صلى الله عليه وآله: مَثَلُ أهل بيتي فيكم كسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق!
قال الصدوق رحمه الله في الإعتقادات/٩٤: (واعتقادنا فيهم عليهم السلام: أنهم أولوا الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم، وأنهم الشهداء على الناس، وأنهم أبواب الله، والسبيل إليه، والأدلاء عليه، وأنهم عيبة علمه، وتراجمة وحيه، وأركان توحيده، وأنهم معصومون من الخطأ والزلل، وأنهم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأن لهم المعجزات والدلائل، وأنهم أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، وأن مثلهم في هذه الأمة كسفينة نوح أو كباب حطة، وأنهم عباد الله المكرمون الذين لايسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون). وفي الخصال/٥٧٣: (يا علي، مثلك في أمتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق. وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام: ١/٣٠: مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها زج في النار. وفي دعائم الإسلام: ١/٨٠: من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق).
وفي كفاية الأثر/٢٩، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء. قيل: يا رسول الله فالأئمة بعدك من أهل بيتك؟ قال: نعم الأئمة بعدي اثنا عشر، تسعة من صلب الحسين أمناء معصومون، ومنا مهدي هذه الأئمة، ألا إنهم أهل بيتي وعترتي من لحمي ودمي ما بال أقوام يؤذونني فيهم، لا أنالهم الله شفاعتي). (وعلل الشرائع: ١/١٢٣، وكمال الدين/٢٠٥).
وروى الجميع أن أبا ذر رحمه الله كان يأخذ بحلقة الكعبة ويخطب في المسلمين هذه الخطبة، ففي الطبراني الكبير: ٣/٤٦، والأوسط: ٤/٩، و: ٥/٣٠٦، والصغير: ١/١٣٩ و: ٢/٢٢: (عن حنش بن المعتمر قال: رأيت أبا ذر الغفاري أخذ بعضادتي باب الكعبة وهو يقول: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله قال: مَثَلُ أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح في قوم نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك، ومثل باب حطة في بني إسرائيل). وابن أبي شيبة: ٧/٥٠٣، ومجمع الزوائد: ٩/١٦٨، وشواهد التنزيل: ١/٣٦٠، وتاريخ بغداد: ١٢/٩٠، وإكمال الخطيب/٥٩، وذكر طرقه وصححه. وسبل الهدى: ١١/١١، ونقل عن السخاوي تقويته... الى آخره.
وقد بحث السيد الميلاني في نفحات الأزهار: ١/٦٠، طرقه عندهم وأثبت صحته عندهم على اختلاف مذاهب علمائهم، وكشف المكابرين في إنكاره الذين يصابون بالصداع إذا ثبتت صحته! وقال الشيخ الصافي في أمان الأمة من الإختلاف/١٧١: (روى أحاديث الأمان بطرق كثيرة وألفاظ متقاربة، جمع كثير من أعلام أهل السنة عن أمير المؤمنين علي عليه السلام وأنس وأبي سعيد الخدري وجابر وأبي موسى وابن عباس وسلمة بن الأكوع... قال ابن حجر: الآية السابعة(من الآيات الواردة في أهل البيت عليهم السلام) قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)، أشار صلى الله عليه وآله إلى أنه وجد ذلك المعنى في أهل بيته عليهم السلام وأنهم أمان لأهل الأرض كما كان هو صلى الله عليه وآله أماناً لهم، وفي ذلك أحاديث كثيرة). انتهى.
لكن تعال انظر الى كبير مفسريهم الفخر الرازي، كيف تحايل على هذا الحديث ليفرغه من معناه! قال في تفسيره: ٢٧/١٦٧: (والحاصل أن هذه الآية (آية المودة) تدل على وجوب حب آل رسول الله صلى الله عليه وآله وحب أصحابه! وهذا المنصب لا يسلم إلا على قول أصحابنا أهل السنة والجماعة الذين جمعوا بين حب العترة والصحابة، وسمعت بعض المذكرين قال إنه صلى الله عليه وآله قال: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركب فيها نجا، وقال: صلى الله عليه وآله أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. ونحن الآن في بحر التكليف، وتضربنا أمواج الشبهات والشهوات، وراكب البحر يحتاج إلى أمرين: أحدهما، السفينة الخالية عن العيوب والثقب. والثاني، الكواكب الظاهرة الطالعة النيرة، فإذا ركب تلك السفينة ووقع نظره على تلك الكواكب الظاهرة كان رجاء السلامة غالباً، فكذلك ركب أصحابنا أهل السنة سفينة حب آل محمد ووضعوا أبصارهم على نجوم الصحابة فرجوا من الله تعالى أن يفوزوا بالسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة). انتهى.
فجعل الرازي سند حديث: أهل بيتي كسفينة نوح، قولَ واعظٍ مُذَكِّر! وجعل أصحابي كالنجوم حديثاً نبوياً صحيحاً قطعياً! مع أن كبار علمائهم حكموا بوضعه! ولا بد أنه يعرف صحة حديث سفينة نوح، وشهادة علمائهم بأن حديث: أصحابي كالنجوم، مكذوبٌ! لكنه التعصب والتزوير! قال ابن حزم في الأحكام: ٦/٨١٠: (وأما الرواية: أصحابي كالنجوم فرواية ساقطة ثم ذكر سندها وقال: وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة وهذا منها بلا شك). وفي تحفة الأحوذي: ١٠/١٢٥: (قال أبو بكر البزار: هذا الكلام لم يصح عن النبي صلى الله عليه وآله، وقال ابن حزم: هذا خبر مكذوب موضوع باطل). انتهى. لكنهم كالرازي يجعلون أهل البيت عليهم السلام سفينةً في بحر لا تهدي من ركب فيها! والصحابة نجوماً في السماء تهدي ركاب سفينة غيرهم!
٥ - اختلاف الروايات في عدد الفتن في هذه الأمة
اختلفت الأحاديث والأقوال في عدد الفتن الموعودة في هذه الأمة، لكن ذلك لا يضرُّ غرض بحثنا الذي هو معرفة الفتنة الأخيرة المتصلة بظهور الإمام المهدي عليه السلام وقد ذكرنا غيرها ليعرف القارئ جو نصوصها ورواتها ويتخطى حرفية كل حديث ويصل الى المعنى الذي صدر عن النبي صلى الله عليه وآله من مجموعها. وقد عدَّت بعض النصوص الفتن ثلاثاً:
ففي تاريخ ابن معين: ١/٣١٧: (عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: أتتكم الدهيماء ترمى بالنشف، والثانية ترمى بالرضف، والثالثة سوداء مظلمة إلى يوم القيامة قتلاها قتلى الجاهلية). وفي ابن حماد: ١/٢٣٤: عن كعب قال: ثلاث فتن تكون بالشام: فتنة إهراقة الدماء، وفتنة قطع الأرحام ونهب الأموال، ثم يليها فتنة المغرب وهي العمياء).
وفيه: ١/٥٧، عن حذيفة: الفتن ثلاث تسوقهم الرابعة إلى الدجال: التي ترمي بالرضف، والتي ترمي بالنشف، والسوداء المظلمة والتي تموج موج البحر). والحلية: ١/٢٧٣.
وفيه: ١/٥٧: (عن كعب قال: تكون فتن ثلاث كأمسكم أنه الذاهب: فتنة تكون بالشام، ثم الشرقية هلاك الملوك، ثم تتبعها الغربية وذكر الرايات الصفر. قال والغربية هي العمياء). وعقد الدرر/٥٢. ومعنى كأمسكم الذاهب: أنها حتمية كأمسكم الذي حدث وتحقق. والرضَف: الحجارة المحماة فكأن الذي تصيبه يجلس عليها، والنشَف: البلل فكأن الذي تصيبه مبلل الثياب. وأكثر الروايات قدمت فتنة النشف على الرضف وطبقتها على قتل عثمان.
ومقصود الراوي بالفتنة الغربية والرايات الصفر التي ذكرها كعب: حركة الفاطميين لأنهم أقبلوا من مغرب العالم الإسلامي إلى مصر وغيرها. وهذا يوجب الشك في أن الرواية مكذوبة على كعب ضد حركة الفاطميين التي يسميها أعداؤها: فتنة المغرب. وكانت راياتهم صفراء كراية الأنصار، وقد ورد في رواية في تذكرة القرطبي أن رايات الإمام المهدي عليه السلام فيها رايات صفر، وتمسك بها بعض إخواننا لرايات المقاومة.
وأنت تلاحظ أن هذه النصوص ليست أحاديث، بل أقوال لكعب وأبي هريرة وحذيفة، فقد كان المسلمون يهتمون بأي كلام للصحابة في الفتن خاصة كلام حذيفة المعروف بأنه موضع سر رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان يعرف أسماء المنافقين وأخبار الفتن. بل لعل الرواية كانت لأبي هريرة ونسبوها الى حذيفة! ونسبتها اليه مصادر اللغة في تفسير الرضف والنشف والدهيماء، أي الفتنة العظيمة التي تدهم الناس. (الفايق في غريب الحديث: ١/٣٨٩، والعين للخليل: ٦/٢٦٧، وغريب الحديث لابن سلام: ٤/١٢٤، وغريب الحديث للحربي: ٢/٨٠٨، ولسان العرب: ١٢/٢١١).
لهذا، لا قيمة علمية لهذه الأقوال قليلة، مضافاً الى توظيفها لفتن ذلك العصر كما تقدم من أبي موسى، ويزداد ما قلناه وضوحاً بما رواه في تاريخ دمشق: ٣٩/٤٧٨: (عن زيد بن وهب قال: جاءنا كتاب من عثمان قرئ على الناس: السلام عليكم أما بعد فإن جيش ذي المروة نزلوا بنا فكان مما صالحناهم عليه أن يؤدي إلى كل ذي حق حقه فمن كان له قبلنا حق فليركب إليه، فإن أبطأ أو تثاقل فليتصدق فإن الله يجزي المتصدقين، فقال الناس: اللهم تصدقنا، فلبثنا أربعين ليلة ثم جاءنا قتله فجزع الناس من ذلك. فخرجت إلى صاحب لي كنت أستريح إليه فقلت: قد صنع الناس ما ترى وفينا رهط من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله فاذهب بنا إليهم، فدخلنا على أبي موسى وهو أمير الكوفة فكان قوله نهياً عن الفتنة والأمر بالجلوس في البيوت، فخرجنا فأتينا منزل حذيفة فلم نجده فأتينا المسجد فوجدناه مسنداً ظهره إلى سارية ومعه رجل فقلت: إني أظن أن له حاجة فجلسنا دونهما، فجاء رجل فجلس إليهما فقمنا فجلسنا إليه وهو عاض على إبهامه وهو يقول: أتتكم ترمى بالنشف، ثم يليها أخرى ترمى بالرضف، ثم المظلمة التي يصبح المرء فيها مهتدياً ويمسي ضالاً، ويمسي مهتدياً ويصبح ضالاً، والعاقل حيران بين ذلك لا يدري أضل أم اهتدى؟ ألا إن لها دفعات ومثاعب، فإن استطعت أن تموت أو تكون في وقفاتها فافعل! فقال الرجل الذي جلس إليه: جزاكم الله أصحاب محمد شراً، فوالله لقد لبَّستم علينا حتى ما ندري أنقعد أم نقوم، فهلا نهيت الناس يوم الجرعة (أيام اعتراض أهل الكوفة على عثمان) قال: قد نهيت عنها نفسي وابن الخضرامة ولو لم أنهه لكان من القائمين فيها والقائلين). انتهى. ويقصد الراوي: بالفتنة الأولى التي ترمى بالنشف فتنة قتل عثمان، والتي ترمي بالرضف فتنة الحروب على علي عليه السلام، والثالثة التي لها دفعات ومثاعب أي ميازيب تصب فيها: فتنة بني أمية وحروب الخوارج الطويلة معهم. وغرضه أن يثبت أن حذيفة رحمه الله كان ضد قتل عثمان وضد حروب علي عليه السلام! مع أن حذيفة رحمه الله كان والياً لعثمان على المدائن وأخبره بأنه إن استمر على سياسته فسيقتله المسلمون، وعندما وصل اليه خبر مبايعة المسلمين لعلي عليه السلام فرح بذلك وكان مريضاً فقال إحملوني الى المنبر وخطب مبيناً حق علي عليه السلام بالخلافة بوصية النبي صلى الله عليه وآله وظلم من غصب حقه، واعلن بيعته له وأمر المسلمين أن يبايعوه، وأوصى ولديه أن يكونا معه ويحرصا على الشهادة بين يديه، وقد عملا بوصيته واستشهدا مع علي عليه السلام في صفين. ومات حذيفة رحمه الله بعد أيام في المدائن، بينما زعمت الرواية أنه كان في الكوفة، وهذا من مؤشرات الوضع!
ومن نوع الحديث المتقدم ما رواه ابن حماد: ١/٥٣: (عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تكون فتنة ثم تكون جماعة، ثم فتنة ثم تكون جماعة، ثم فتنة تعوج فيها عقول الرجال). وقصده بالفتنة الأولى: قتل عثمان، وبالثانية: حروبهم على علي عليه السلام، وبالثالثة: فتنة بني أمية! وهو يتفق مع عقيدة الخوارج.
وبعض النصوص عدَّتها أربعاً:
ففي ابن حماد: ١/٥٤، عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وآله قال: تكون أربع فتن: الأولى يستحل فيها الدم، والثانية يستحل فيها الدم والمال، والثالثة يستحل فيها الدم والمال والفروج، والرابعة الدجال). والطبراني الكبير: ١٨/١٨٠، بنحوه وليس فيه: والرابعة الدجال مما يدلك على أصابع كعب! والأوسط: ٨/١٠٩ و: ٩/٥٥، وحلية الأولياء: ٦/٢٣، عن كعب غير مسند. وجامع الجوامع: ١/٤٨١، عن نعيم، وجامع المسانيد: ٩/٤٣٤ والزوائد: ٧/٣٠٨، عن الطبراني وضعفه بابن لهيعة مع أن عدداً منهم وثقه. وعون المعبود: ١١/٢٠٧، عن ابن حماد.. وغيرهم.
وفي ابن حماد: ١/٥٣: عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تكون في أمتي أربع فتن يكون في الرابعة الفناء... في الإسلام أربع فتن تسلمهم الرابعة إلى الدجال).
وفي ابن حماد: ١/٦٧: عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: تأتيكم من بعدي أربع فتن، فالرابعة منها الصماء العمياء المطبقة تعرك الأمة فيها بالبلاء عرك الأديم، حتى ينكر فيها المعروف ويعرف فيها المنكر، تموت فيها قلوبهم كما تموت أبدانهم).
وفي: ١/٥٥: قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أربع فتن تكون بعدي، الأولى تسفك فيها الدماء، والثانية يستحل فيها الدماء والأموال، والثالثة يستحل فيها الدماء والأموال والفروج والرابعة عمياء صماء تعرك فيها أمتي عرك الأديم).
وفي: ١/٥٦: (والرابعة صماء عمياء مطبقة تمور مور الموج في البحر حتى لا يجد أحد من الناس منها ملجأ تطيف بالشام وتغشى العراق وتخبط الجزيرة بيدها ورجلها وتعرك به الأمة فيها بالبلاء عرك الأديم ثم لا يستطيع أحد من الناس يقول فيها مه مه ثم لا يعرفونها من ناحية إلا انفتقت من ناحية أخرى.... ثم قال ابن حماد: قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) (الأنعام: ٦٥) قال: أربع فتن تأتي الفتنة الأولى فيستحل فيها الدماء، والثانية يستحل فيها الدماء والأموال، والثالثة يستحل فيها الدماء والأموال والفروج، والرابعة عمياء مظلمة تمور مور البحر تنتشر حتى لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته... عن أرطاة بن المنذر قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: تكون في أمتي أربع فتن يصيب أمتي في آخرها فتن مترادفة، فالأولى تصيبهم فيها بلاء حتى يقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف، والثانية حتى يقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تنكشف، والثالثة كلما قيل انقضت تمادت، والفتنة الرابعة تصيرون فيها إلى الكفر إذا كانت الأمة مع هذا مرة ومع هذا مرة بلا إمام ولا جماعة، ثم المسيح ثم طلوع الشمس من مغربها، ودون الساعة اثنان وسبعون دجالاً منهم من لايتبعه إلا رجل واحد. وعنه جمع الجوامع: ١/٤٨١).
أقول: هذه (الأحاديث) ليست إلا خيالات وأمنيات من كعب بقرب انتهاء هذه الأمة بخروج الدجال ملك اليهود! وقد صيرها الحمقى المؤمنون بكعب أحاديث نبوية! ويدل على كذبها أن الدجال الذي وعدت به لم يخرج، فقد انتهت فتنة ابن الزبير، وفتحت القسطنطينية بعد قرون، ولم يخرج الدجال!
ويدل على كذبها أيضاً ما رواه ابن حماد نفسه: ١/٥٧: (عن عمير بن هانئ قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: فتنة الأحلاس فيها حرب وهرب، وفتنة السراء يخرج دخنها من تحت قدمي رجل يزعم أنه مني وليس مني إنما أوليائي المتقون (يقصد عليا عليه السلام!) ثم يصطلح الناس على رجل(يقصد معاوية) ثم تكون فتنة الدهيماء، كلما قيل انقطعت تمادت حتى لايبقى بيت من العرب إلا دخلته يقاتل فيها لا يدرى على حق يقاتل أم على باطل (يقصد فتنة ابن الزبير وغيره)، فلا يزالون كذلك حتى يصيروا إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، فإذا هما اجتمعا فأبصر الدجال اليوم أو غداً). ورواه مختصراً: ٢/٥٢٦. وغرضهم أن يقولوا إن حرب علي عليه السلام للبغاة الخارجين عليه(فتنة) يتحمل هو مسؤوليتها وإن النبي صلى الله عليه وآله تبرأ منه! فكان الواجب عليه برأيهم أن يسكت على الخارجين عليه حتى يأخذوا البلاد وينتصروا عليه! أما أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية فالخروج عليهم كفر عظيم! ومرتكبه باغ شاق لعصا المسلمين، ويجب عليهم أن يقاتلوه ليمنعوا الفساد في الأمة!
وقد رووا هذه (الأحاديث) وأكثروا منها، خاصة هذه العبارة المحببة الى قلوبهم: (ثم فتنة السراء دَخْلها أو دُخْنُها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني، إنما وليي المتقون). فرواه أحمد: ٢/١٣٣، عن عبدالله بن عمر، ولفظه: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله قعوداً فذكر الفتن فأكثر ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله وما فتنة الأحلاس؟ قال: هي فتنة هرب وحرب، ثم فتنة السراء دخلها أو دُخنها من تحت قدمي رجل من أهل بيتي يزعم أنه مني وليس مني إنما وليي المتقون، ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضَلَع (عَرَج) ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحداً من هذه الأمة إلا لطمته لطمة فإذا قيل انقطعت تمادت، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، حتى يصير الناس إلى فسطاطين فسطاط إيمان لا نفاق فيه وفسطاط نفاق لا إيمان فيه، وإذا كان ذاكم فانتظروا الدجال من اليوم أو غد). وأبو داود: ٢/٢٩٩، والحاكم: ٤/٤٦٦ وصححه، وحلية الأولياء: ٥/١٥٨، ومسند الشاميين: ٣/٤٠١ وعلل الحديث لابن أبي حاتم: ٢/٤١٧ والدر المنثور: ٦/٥٦.. وغيرهم. ورواه في معالم السنن: ٤/٣٣٦، عن أبي داود وقال: إنما أضيفت الفتنة إلى الأحلاس لدوامها وطول لبثها، يقال للرجل إذا كان يلزم بيته لا يبرح منه هو حلس بيته، لأن الحلس يفترش فيبقى على المكان ما دام لا يرفع... والحَرَب ذهاب المال والأهل، يقال حَرِب الرجل فهو حريب إذا سُلب أهله وماله، والدخن الدخان). والأحلاس: جمع حلس وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، شبهت به الفتنة للزومها ولصوقها. صكته: ضربته مباشرة بشدة. وقعدت الحملان: أي حكم المسلمين الأطفال. واتخذ الفيء دِولا: احتكرت ثروات المسلمين بين فئة خاصة. ويفزع الناس الى الشام: أي يهاجرون الى بلاد الشام، أو يتطلعون الى أهلها للدفاع عنهم! ويظهر أن هذه الفقرة إضافة من راوٍ أموي.
أقول: وأصل كل هذه الفرية ما رواه بخاري عن عمرو العاص أن النبي صلى الله عليه وآله أعلن براءته من آل أبي طالب! قال في صحيحه: ٧/٧٣: (عن قيس بن أبي حازم أن عمرو بن العاص قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله جهاراً غير سر يقول: إن آل أبي (قال عمر وفي كتاب محمد بن جعفر بياض) ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين).
وقد حاول ابن متولي المدرسة الجوزية في كتابه زاد المعاد: ٥/١٥٨، أن يرقع كلام بخاري فزعم أن النبي صلى الله عليه وآله يقصد بآل أبي... ليسوا لي بأولياء: آل أبيه صلى الله عليه وآله! لكن ابن حجر اعترف بأن أصل نص بخاري(آل أبي طالب) وحاول أن يرقِّع كلام بخاري من جانب آخر فقال في فتح الباري: ١٠/٣٥٢: (وقال الخطابي: الولاية المنفية ولاية القرب والإختصاص لا ولاية الدين، ورجح ابن التين الأول وهو الراجح، فإن من جملة آل أبي طالب علياً وجعفراً وهما من أخص الناس بالنبي صلى الله عليه وآله لما لهما من السابقة والقدم في الإسلام ونصر الدين. وقد استشكل بعض الناس صحة هذا الحديث لما نسب إلى بعض رواته من النصب وهو الإنحراف عن علي وآل بيته.... وأما عمرو بن العاص وإن كان بينه وبين علي ما كان فحاشاه أن يُتَّهم، وللحديث محمل صحيح لا يستلزم نقصا في مؤمني آل أبي طالب وهو أن المراد بالنفي المجموع كما تقدم ويحتمل أن يكون المراد بآل أبي طالب أبو طالب نفسه وهو إطلاق سائغ)!
وقال النووي في رياض الصالحين/٢٠٤: (وعن أبي عبد الله عمرو بن العاص قال: سمعت النبي جهاراً غير سر يقول: إن آل أبي فلان ليسوا بأوليائي)!
وفي القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع للأصبهاني/١٥٠: (إن آل أبي طالب ليسوا بأوليائي وإنما وليي الله وصالح المؤمنين). انتهى.
وقد استبشر النواصب بهذا الحديث واعتبروه إعلاناً نبوياً بالبراءة من علي والعترة عليهم السلام! وهو يدل على أمنيتهم أن يتراجع النبي صلى الله عليه وآله عن حديث الثقلين والصلاة على آل النبي صلى الله عليه وآله في الصلاة وعشرات الأحاديث في أمر المسلمين بطاعتهم! وأن ينسخ آيات القرآن في أهل البيت النبوي عليهم السلام!
قال ابن تيمية في منهاجه: ٧/٧٦: (كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وآله قال: إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء وإنما وليي الله وصالح المؤمنين! فبيَّنَ أن أولياءه صالح المؤمنين، وكذلك في حديث آخر: إن أوليائي المتقون حيث كانوا وأين كانوا).
وقد طبَّلَ بذلك في كتبه، كفتاويه: ١٠/٥٤٣، وتفسيره: ٢/٤٨، ومجموع الفتاوى: ١١/١٦٤، و: ٢٧/٤٣٥، و: ٢٨/٢٢٧، و٥٤٣، وجامع الرسائل/٥١٠ والفتاوى الكبرى: ٤/٣٥٣! ومن تلاميذه: ابن قيم في جلاء الأفهام/٢٢٦، وابن رجب في جامع العلوم والحكم/٣٤٧، وابن حجر في تغليق التعليق: ٤/٨٧. لكن الله تعالى كشف كذبهم، لأن حديثهم الموضوع تضمن الوعد بخروج الدجال في مدة قريبة بعد (فتنة علي عليه السلام) كما أملاه عليهم كعب الأحبار! بل رووا تحديد زمن الدجال بعد ٤٥ سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وآله، ونسبوه الى حذيفة رحمه الله! قال ابن حماد في الفتن: ٢/٦٨٦: (عن حذيفة قال: الفتن بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أن تقوم الساعة أربع فتن: فالأولى خمس(يقصد خلافة علي عليه السلام وكانت خمس سنوات!) والثانية عشرون، والثالثة عشرون، والرابعة الدجال). انتهى. وقد ثبت كذبهم والحمد لله!
وبعض النصوص عدَّتها خمساً:
في علل الحديث لابن أبي حاتم: ٢/٤١١: (عن عمارة بن عبيد شيخ من جثعم كبير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يذاكرنا خمس فتن، أعلم أربعة قد مضت والخامسة هي فيكم يا أهل الشام، وذاك عند هزيمة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، قال: إن أدركت الخامسة واستطعت أن تقعد في بيتك فافعل، وإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض فتدخل فيه فافعل).
وفي ابن حماد: ١/٥١: (عن حزن بن عبد عمرو، قال: دخلنا أرض الروم في غزوة الطوانة فنزلنا مرجاً فأخذت أنا برؤس دواب أصحابي فطولت لها فانطلق أصحابي يتعلفون، فبينا أنا كذلك إذ سمعت: السلام عليك ورحمة الله فالتفت فإذا أنا برجل عليه ثياب بياض فقلت: السلام عليك ورحمة الله فقال: أمن أمة أحمد؟ قلت: نعم، قال: فاصبروا فإن هذه الأمة أمة مرحومة كتب الله عليها خمس فتن وخمس صلوات. قال قلت: سمِّهِنَّ لي. قال أمْسِكْ: إحداهن موت نبيهم واسمها في كتاب الله تعالى بغتة، ثم قتل عثمان واسمها في كتاب الله الصماء، ثم فتنة ابن الزبير واسمها في كتاب الله العمياء، ثم فتنة ابن الأشعث واسمها في كتاب الله البتيراء، ثم تولى وهو يقول: وبقيت الصيلم وبقيت الصيلم، فلم أدر كيف ذهب). انتهى.
والطوانة: قرب أنطاكية داخل بلاد الروم، تراوح حكمها بين المسلمين والروم وأصاب المسلمين فيها شدة وهزيمة سنة ٨٨ هجرية. (تاريخ ابن عساكر: ٢٦/٤٤٤).
وابن الأشعث هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، وكان الأشعث رأس المنافقين في عهد علي عليه السلام وتاريخه مليءٌ بالغدر والنفاق، فقد جاء في وفد كندة الى النبي صلى الله عليه وآله وأعلن إسلامه، ثم ما لبث أن أعلن ارتداده مع بني وليعة فأسره المسلمون وطلب منهم أن يأخذوه الى أبي بكر فأطلقه وأكرمه وزوجه أخته! ثم ندم أبو بكر لأنه لم يقتله! فقد روى اليعقوبي: ٢/١٣٧، أنه كان يتحسر في مرض وفاته على أشياء يتمنى أنه لم يفعلها منها هجومه على بيت فاطمة الزهراء عليها السلام، وأشياء ليته فعلها منها قتل الأشعث قال: (فليتني قدمت الأشعث بن قيس تضرب عنقه، فإنه يخيل إليّ أنه لا يري شيئاً من الشر إلا أعان عليه)! انتهى.
وكان الأشعث عدواً لأمير المؤمنين عليه السلام بأشد من عداوة ابن سلول للنبي صلى الله عليه وآله. قال الإمام الصادق عليه السلام: (إن الأشعث بن قيس شَرِكَ في دم أمير المؤمنين، وابنته جعدة سمَّت الحسن، ومحمد ابنه شرك في دم الحسين عليهم السلام). (الكافي: ٨/١٦٧).
وكان الأشعث عميلاً لمعاوية، وبعد هلاكه صار ولده محمد وابنه عبد الرحمن رئيس قبائل كندة وكانا مع معاوية ثم مع يزيد، ثم خرج عبد الرحمن على المروانيين في البصرة وجنوب إيران، وطالت حروبه معهم حتى قتله عبد الملك بن مروان. فحركته محدودة في المكان والزمان، ولايصح أن تكون فتنة للأمة كلها، لكن يظهر أن الراوي بصري أو أهوازي فعدَّها من الفتن الخمس الموعودة، وتخيل هذا الهاتف يكلمه في مرج الطوانة.
والنص الوحيد الذي يستحق الإهتمام في هذا الباب، هو الحديث الذي رواه ابن حماد: ١/٥١: (عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: جعل الله في هذه الأمة خمس فتن: فتنة عامة، ثم فتنة خاصة، ثم فتنة عامة، ثم فتنة خاصة ثم الفتنة السوداء المظلمة التي يصير الناس كالبهائم، ثم هدنة، ثم دعاة إلى الضلالة فإن بقي لله يومئذ خليفة فالزمه). ورواه عبد الرزاق: ١١/٣٥٦، بلفظ: (جعلت في هذه الأمة خمس فتن: فتنة عامة، ثم فتنة خاصة، ثم فتنة عامة، ثم فتنة خاصة. ثم تأتي الفتنة العمياء الصماء المطبقة التي يصير الناس فيها كالأنعام).
ومثله ابن أبي شيبة: ١٥/٢٤، والحاكم: ٤/٤٣٧ و٥٠٤، وصححه في الموضعين، وابن المنادي/٧٥، عن محمد بن علي بن الحنفية بن أبي طالب.
ويصعب تفسير معنى الخاص والعام في هذه الفتن، وأصعب منه تحديد زمنها.
وجعلتها بعض النصوص سبعاً:
فتن ابن حماد: ١/٥٥: (عبد الله بن مسعود: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله: أحذركم سبع فتن تكون بعدي: فتنة تقبل من المدينة، وفتنة بمكة، وفتنة تقبل من اليمن وفتنة تقبل من الشام، وفتنة تقبل من المشرق، وفتنة من قبل المغرب، وفتنة من بطن الشام، وهي فتنة السفياني. قال فقال ابن مسعود: منكم من يدرك أولها، ومن هذه الأمة من يدرك آخرها. قال الوليد بن عياش: فكانت فتنة المدينة من قبل طلحة والزبير، وفتنة مكة فتنة ابن الزبير، وفتنة اليمن من قبل نجدة، وفتنة الشام من قبل بني أمية، وفتنة المشرق من قبل هؤلاء). والحاكم: ٤/٤٦٨، وصححه، وجامع الأحاديث للسيوطي: ١/١٣٧.
أقول: لو صح حديث ابن مسعود فلا بد أنه رواه قبل قتل عثمان لأنه توفي في حياة عثمان! ويكفي لإهمال هذا الحديث إجماله وإبهامه، وتوظيف الوليد بن عياش له! وقوله من قبل هؤلاء، يقصد العباسيين.
٦ - الفتن المتصلة بظهور المهدي عليه السلام
وهي التي تضمَّنَ نصها صراحة أو بقرائن، أن زمنها متصل بظهور الإمام المهدي عليه السلام. وأحاديثها كثيرة، منها:
حتى لا يجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم!
روى عبد الرزاق: ١١/٣٧١، عن أبي سعيد الخدري قال: (ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله بلاء يصيب هذه الأمة حتى لايجد الرجل ملجأ يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله رجلاً من عترتي من أهل بيتي فيملأ به الأرض قسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، لا تدع السماء من قطرها شيئاً إلا صبته مدراراً، ولا تدع الأرض من مائها شيئاً إلا أخرجته، حتى تتمنى الأحياء الأموات. يعيش في ذلك سبع سنين أو ثمان أو تسع سنين). وابن حماد: ١/٣٥٨، بدون الفقرة الأخيرة عن مدة ملكه عليه السلام. والحاكم: ٤/٤٦٥ بنحو عبد الرزاق وصححه. وعنه ابن حجر في صواعقه، وتذكرة القرطبي: ٢/٧٠٠ عن عبد الرزاق، وشرح المقاصد: ١/٣٠٧، أوله كعبد الرزاق، وقال: فذهب العلماء إلى أنه إمام عادل من ولد فاطمة رضي الله عنها يخلقه الله تعالى متى شاء ويبعثه نصرة لدينه. والدر المنثور: ٦/٥٨، عن الترمذي ونعيم. وصواعق ابن حجر/٦٣، عن الحاكم.. الخ.
أقول: هذا الحديث من أوضح أحاديث الفتن، وهو ينص على أن الفتنة الأخيرة تَعُمُّ كل المسلمين وتمتدُّ حتى يظهر المهدي عليه السلام، كما يتضمن دلالات على المسار العام للأمة بعد النبي صلى الله عليه وآله إلى ظهور المهدي عليه السلام.
يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل
أحمد: ٣/٣٧، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحاً، فقال له رجل ما صحاحاً؟ قال بالسوية بين الناس، قال: ويملأ الله قلوب أمة محمد غنى ويسعهم عدله حتى يأمر منادياً فينادي فيقول: من له من مال حاجة فما يقوم من الناس إلا رجل فيقول إئت السدان يعني الخازن فقل له إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً فيقول له أحثُ حتى إذا جعله في حجره وأحرزه ندم فيقول كنت أجشع أمة محمد نفساً، أوَ عجز عني ما وسعهم! قال فيرده فلا يقبل منه فيقال له إنا لا نأخذ شيئاً أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين، ثم لاخير في العيش بعده، أو قال ثم لا خير في الحياة بعده). انتهى. والمقصود بالزلازل: الإجتماعية منها بقرينة ذكرها بعد اختلاف الناس. صحاحاً: أي كاملة. أحْثُ: أي خذ منه بغير عد. الجشع: الحرص والنهم. ورواه بنحوه في/٥٢، وملاحم ابن المنادي/٤٢، بتفاوت يسير. ومجمع الزوائد: ٧/٣١٣، وقال: رواه الترمذي وغيره باختصار كثير، رواه أحمد بأسانيد، وأبو يعلي باختصار كثير ورجالهما ثقات. والدر المنثور: ٦/٥٧، عن رواية أحمد الأولى، وصواعق ابن حجر/١٦٦، كرواية أحمد الثانية، وقال: وأخرج أحمد والماوردي. والمسند الجامع: ٦/٥٢٠، عن أبي سعيد الخدري بنحوه.. الى آخر المصادر.
ورواه من مصادرنا: دلائل الإمامة/٢٤٩، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أبشروا بالمهدي فإنه يأتي في آخر الزمان على شدة وزلازل، يسع الله له الأرض عدلاً وقسطاً. وفي/٢٥٢، عن أبي سعيد الخدري، بنحو حديث أحمد.
وغيبة الطوسي/١١١، عن أبي سعيد الخدري، أوله كرواية أحمد الأولى إلى قوله: وساكن الأرض. ثم روى بالسند المتقدم: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أبشروا بالمهدي، قال ثلاثاً، يخرج على حين اختلاف من الناس وزلزال شديد، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يملأ قلوب عباده غنى ويسعهم عدله). وابن طاووس في الملاحم/٦٥، وكشف الغمة: ٣/٢٦١، عن فتن ابن زكريا، كرواية أحمد الأولى.
أقول: يظهر لك من روايتي الطوسي والطبري الشيعي أن رواية أبي سعيد أضيف اليها. والإضافة والحذف في مثلها عاديان عند رواة الخلافة!
يكون على تظاهر العمر وانقطاع من الزمان
أبو يعلى: ٢/٣٥٦: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يكون في آخر الزمان على تظاهر العمر وانقطاع من الزمان إمام يكون أعطى الناس، يجيئه الرجل فيحثو له في حجره، يهمه من يقبل عنه صدقة ذلك المال ما بينه وبين أهله، لما يصيب الناس من الخير). وابن الجعد في مسنده: ٢/٧٩٥، وقال السيوطي في الحاوي: ٢/٦٣: أخرج أبو يعلى، وابن عساكر، عن أبي سعيد، بتفاوت يسير. وجمع الجوامع: ١/١٠١٢، عن حلية الأولياء، وابن عساكر، عن أبي سعيد، كما في الحاوي.
وفي ابن حماد: ١/٣٦١، وبعدها، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن، يكون عطاؤه حثياًً يقال له السفاح). حثياً: مقداراً كثيراً يعطيه دون عد، أو يقول للآخذ: أُحْثُ أنت أي إحمل مقداراً كما في بعض الأحاديث، وفي بعض الروايات حسياً بالسين وهو قريب منه، ولعله مصحف عنه. والسفاح: سفاك الدماء.
أقول: ورد إسم السفاح صفة للمهدي عليه السلام في أحاديث من طرق الفريقين، ومعناه أنه يسفح دم أعداء الإسلام والمنافقين، لكني أشك في صحة هذه التسمية من النبي صلى الله عليه وآله، فقد تكون من الرواة العباسيين لينطبق على أول خلفائهم السفاح. ويؤيد ذلك أن عدداً من مصادرهم رووه بدونها، كابن أبي شيبة: ١٥/١٩٦ أو: ٨/٦٧٨، كابن حماد وبسنده وليس فيه ذكر السفاح، وتاريخ دمشق: ٣٢/٢٧٩، بروايات بعضها بدون زيادة السفاح. بينما رواه بالزيادة أحمد: ٣/٨٠، والبيهقي في دلائل النبوة: ٦/٥١٤، عن الحاكم، ولم نجده في المستدرك! والخطيب: ١٠/٤٨، ومجمع الزوائد: ٧/٣١٤، وقال رواه أحمد وفيه: عطية العوفي وهو ضعيف ووثقه ابن حبان. وروته بعض مصادرنا عن مصادر غيرنا كابن طاووس في الملاحم/١٦٦، عن فتن زكريا، وكشف الغمة: ٣/٢٦٢، عن أربعين أبي نعيم.
إذا كثرت الشرط، وملكت الإماء
الطبراني الكبير: ١٨/٥١، عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (كيف أنت يا عوف إذا افترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسائرهن في النار! قلت: ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا كثرت الشرط، وملكت الإماء، وقعدت الحملان على المنابر، واتخذ القرآن مزامير، وزخرفت المساجد، ورفعت المنابر، واتخذ الفيء دولاً، والزكاة مغرماً، والأمانة مغنماً، وتفقه في الدين لغيرالله، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه وأقصى أباه، ولعن آخر هذه الأمة أولها، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم الرجل اتقاء شره. فيومئذ يكون ذلك، ويفزع الناس يومئذ إلى الشام يعصمهم من عدوهم، قلت: وهل يفتح الشام؟ قال: نعم وشيكاً، ثم تقع الفتن بعد فتحها، ثم تجيء فتنة غبراء مظلمة، ثم يتبع الفتن بعضها بعضها حتى يخرج رجل من أهل بيتي يقال له المهدي، فإن أدركته فاتبعه وكن من المهتدين). ومجمع الزوائد: ٧/٣٢٣، ووثقه على مبنى ابن حبان، وكنز العمال: ١١/١٨٣.
ثم تكون فتنة كلما قيل انقطعت تمادت!
ابن حماد: ١/٥٧، عن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ستكون بعدي فتن: منها فتنة الأحلاس يكون فيها حرب وهرب، ثم بعدها فتن أشد منها، ثم تكون فتنة كلما قيل انقطعت تمادت، حتى لايبقى بيت إلا دخلته ولا مسلم إلا صكته، حتى يخرج رجل من عترتي). والمعجم الأوسط: ٥/٣٣٨، عن طلحة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: ستكون فتنة لايهدأ منها جانب إلاجاش منها جانب، حتى ينادي مناد من السماء إن أميركم فلان). ومجمع الزوائد: ٧/٣١٦.
أقول: يتعجب الإنسان من رواية طلحة بن عبيدالله لحديث النداء السماوي باسم المهدي عليه السلام أو روايتهم عنه، مع أن المهدي عليه السلام من العترة النبوية من ولد علي وفاطمة عليهما السلام وموقف طلحة من علي والعترة معروف! لكن يزول العجب عندما نعرف أن بني تيم كانوا يعملون للوصول الى الخلافة بعد أبي بكر، ثم بعد عمر وعثمان، وما زالت رواية عائشة في صحيح مسلم تزعم أن النبي صلى الله عليه وآله قال لها إدعي لي أباك وأخاك لأكتب لهما الخلافة بعدي! (عن عائشة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه: أدعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ ويقول قائل أنا أولى)! (صحيح مسلم: ٧/١١٠).
ثم تنازلت عائشة عن النص النبوي بالخلافة لأبيها وأخيها، وأرادت الخلافة لابن عمها طلحة التيمي فلم تنجح، ثم ادعى أنصار طلحة أن ولده موسى بن طلحة هو المهدي الموعود، فلم يملأ الدنيا عدلاً! فالحديث إذن في هذا السياق!
أشر الفتن كلها تكون قبل ظهوره عليه السلام!
سنن الداني/١٦١، عن محمد بن علي قال قلت: سمعنا أنه سيخرج منكم رجل يعدل في هذه الأمة؟ فقال: إنا نرجو ما يرجو الناس، وإنا نرجو لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد سيطول ذلك اليوم حتى يكون ما ترجو هذه الأمة. وقبل ذلك فتنة شر فتنة يُمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً ويصبح مؤمناً ويمسي كافراً! فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليحرز دينه وليكن من أحلاس بيته) وعنه عقد الدرر/٦١، و١٥١، والحاوي: ٢/٨١.
٧ - فتنة كنز الكعبة وجبل الذهب في مجرى الفرات
روت مصادر السنيين أحاديث عديدة صحيحة عن نزاع يقع بين أسر حاكمة أو أفراد أسرة واحدة، على كنز مدفون في بئر تحت الكعبة، وأنه يكون على أثره ظهور المهدي عليه السلام، وروت فيه مصادرنا رواية واحدة فقط.
كما رووا عن نزاع يقع على جبل من ذهب ينحسر عنه مجرى الفرات، ويقع عليه قتال بين عدة فئات ولا يصلون اليه، ويكون على أثره ظهور المهدي عليه السلام، ولم ترد فيه أي رواية في مصادرنا. وقد اختلطت أحاديث هذين الكنزين عند بعضهم:
ابن ماجة: ٢/١٣٦٧، عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم، ثم ذكر شيئاً لا أحفظه فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج فإنه خليفة الله المهدي). وفي هامشه: (وفي الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين).
أقول: رواه الروياني في مسنده/١٢٣، عن ثوبان. وابن المنادي في الملاحم/٤٤، والحاكم: ٤/٤٦٣، وصححه بشرط الشيخين، والبيهقي في دلائل النبوة: ٦/٥١٥، والشافعي في البيان/٤٨٩، وصححه. وفي/٥٢٠، عن الطبراني وقال: هذا حديث حسن المتن وقع إلينا عالياً من هذا الوجه بحمد الله وحسن توفيقه، وفيه دليل على شرف المهدي عليه السلام بكونه خليفة الله في الأرض على لسان أصدق ولد آدم. ومصباح الزجاجة: ٢/٣١٤ وفي طبعة: ٤/٢٠٣، وقال: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه الحاكم في المستدرك من طريق الحسين بن حفص عن سفيان به وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده، ولفظه: إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان، فأتوها فإن فيها خليفة الله المهدي).
وفي تناقضات الألباني الواضحات للسقاف: ١/٤٣: (ضعفه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح: ٣/١٤٩٥برقم٥٤٢٩ فقال: بسند ضعيف. ثم وجدنا أنه متناقض حيث صححه في صحيحته: ٢/٤١٥ حديث رقم٧٧٢. فتدبروا يا أولي الألباب)! انتهى.
ورواه ابن كثير في الفتن: ١/٤٢، عن ابن ماجة وقال: (تفرد به ابن ماجة وهذا إسناد قوي صحيح، والمراد بالكنز المذكور في هذا السياق كنز الكعبة يقتتل عنده ليأخذه ثلاثة من أولاد الخلفاء حتى يكون آخر الزمان فيخرج المهدي ويكون ظهوره من بلاد المشرق لامن سرداب سامراء كما يزعمه جهلة الرافضة).
ملاحظات
١ - المتواتر عند الفريقين أن المهدي عليه السلام يظهر من مكة، ولا بد أن يكون المقصود بظهوره من المشرق أن بداية أمره من المشرق على يد أصحابه الممهدين الخراسانيين. وما ذكره ابن كثير عن ظهوره من سرداب سامراء لا مدعي له من جَهَلة الشيعة فضلاً عن علمائهم، فهو من نبز مخالفيهم وافترائهم، وما زال الوهابيون يهرجون به علينا وينشرونه في العالم!
٢ - أخذ أتباع ابن تيمية بحديث خروج المهدي عليه السلام من المشرق، وأعرضوا عن الأحاديث الصحيحة المعارضة! وفسروا رايات خراسان برايات الطالبان! وادعوا المهدية لشخص من بريدة اسمه محمد بن عبدالله، وباركه إمامهم ابن باز، وأرسلوه الى الشيشان حتى ينطبق عليه أنه خرج من المشرق!
٣ - مما يتناقله أهل مكة أنه يوجد كنز للكعبة مدفون تحتها، وقد روت كتب التاريخ والسيرة والحديث حوله روايات كثيرة، ولا نعرف مدى صحة ذلك. راجع: تاريخ الطبري: ٢/٣٦، وابن هشام: ١/١٢٤، وسبل الهدى للصالحي: ١٠/١٩٠)
٤ - الحديث اليتيم في مصادرنا حول كنز الكعبة ما رواه في قرب الإسناد للحميري/٨٢: (عن مسعدة بن زياد قال: وحدثني جعفر عن آبائه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: تاركوا الحبشة ما تاركوكم فوالذي نفسي بيده لايستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين). (وعنه وسائل الشيعة: ١٥/٥٧). ورواه أحمد: ٥/٣٧١، أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: سمعت رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أتركوا الحبشة ما تركوكم فإنه لايستخرج كنز الكعبة الا ذو السويقتين من الحبشة). والنسائي: ٩/١٧٦، وأبو داود: ٢/٣١٦، والمستدرك: ٤/٤٥٣ وصححه، والزوائد: ٥/٣٠٣، ووثقه، وقال: سموا الرجل عبدالله بن عمرو، إلا أن أبا داود أبهمه كأحمد).
أقول: وحديث كنز الكعبة خارج عن موضوعنا لأنه لاربط له صريحاً بالإمام المهدي عليه السلام، كما لايصح الأخذ به لأنه يوافق مزاعم كعب بأن الكعبة ستهدم!
أما حديث كنز الفرات وجبل الذهب الذي يظهر فيه، فرواه عبد الرزاق: ١١/٣٨٢، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يحسر الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مئة تسعون أو قال: تسعة وتسعون كلهم يرى أنه ينجو).
وفي ابن حماد: ١/٥٧، عن عبد الله بن زرير الغافقي يقول: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: الفتن أربع: فتنة السراء، وفتنة الضراء، وفتنة كذا، فذكر معدن الذهب، ثم يخرج رجل من عترة النبي يصلح الله على يديه أمرهم). وعقد الدرر/٥٧، عن ابن حماد، وكذا حاوي السيوطي: ٢/٦٧، وصححه بشرط مسلم. ومثله جمع الجوامع: ٢/٣٠. ونحوه ابن حماد: ١/٢٣٩، وفيه: من ذهب وفضة فيقتل عليه من كل تسعة سبعة، فإن أدركتموه فلا تقربوه. وبرواية أخرى: تدوم الفتنة الرابعة اثني عشر عاماً تنجلي حين تنجلي وقد أحسرت الفرات عن جبل من ذهب، فيقتل عليه من كل تسعة سبعة. وفي أخرى: الفتنة الرابعة ثمانية عشر عاماً، ثم تنجلي حين تنجلي وقد انحسر... تكب عليه الأمة فيقتل على من كل تسعة سبعة. وأحمد: ٢/٢٦١، كما في عبد الرزاق.
وفي أحمد: ٥/١٣٩، عن عبد الله بن الحرث قال: وقفت أنا وأبي بن كعب في ظل أجم حسان، فقال لي أبي: ألا ترى الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا؟ قال قلت: بلى، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يوشك الفرات أن يحسر عن جبل من ذهب فإذا سمع به الناس ساروا إليه، فيقول من عنده والله لئن تركنا الناس يأخذون فيه ليذهبن، فيقتتل الناس حتى يقتل من كل مائة تسعة وتسعون وقال وهذا اللفظ حديث أبي عن عفان). ورواه بخاري في صحيحه: ٩/٧٣، كما في رواية أحمد وفيه: عن كنز من ذهب فمن حضره فلا يأخذ منه شيئاً. والحميدي: ٣/٩٨، عن أبي هريرة وفيه: لاتقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو).
وروى ابن حماد: ١/٢٣٩، عن كعب قال: يكون ناحية الفرات في ناحية الشام أو بعدها بقليل مجتمع عظيم فيقتتلون على الأموال، فيقتل من كل تسعة سبعة، وذاك بعد الهدة والواهية في شهر رمضان، وبعد افتراق ثلاث رايات يطلب كل واحد منهم الملك لنفسه فيهم رجل إسمه عبد الله). انتهى.
أقول: وردت رواية الهدة في شهر رمضان، وهي النداء من السماء باسم المهدي عليه السلام. وكذلك رواية الثلاث رايات التي تتصارع في الشام فينتصر فيها السفياني. ويظهر أن كعباً صاغ كلامه مما سمع من أحاديث وحدد وقت الصراع على كنز الفرات بأنه بعد النداء السماوي أي قرب ظهور المهدي عليه السلام أو بعده!
٨ - الفتنة التي تكون بعد موت الخامس من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله
روى ابن حماد: ١/١١٧، حديثاً عجيباً لا يتم له معنى إلا على مذهبنا، قال: (حدثنا ابن أبي هريرة عن أبيه، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا مات الخامس من أهل بيتي فالهرج الهرج حتى يموت السابع، ثم كذلك حتى يقوم المهدي. قال بلغني عن شريك أنه قال: هو ابن العَفَر، يعني هارون وكان الخامس، ونحن نقول هو السابع، والله أعلم). ورواه عنه السيوطي في الحاوي: ٢/٨٣، وفيه: حتى يموت السابع قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل كذلك. وكنز العمال: /١١/٢٤٧، وفيه: حتى يموت السابع، قالوا: وما الهرج؟ قال: الفتن، كذلك حتى يقوم المهدي). انتهى.
أقول: تَصَوَّرَ ابن حماد أن معنى الحديث أنه يكثر القتل بعد الخامس من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ثم يستمر الى أن يموت السابع، ثم يقترب ظهور المهدي عليه السلام. وطبقه على ملوك بني عباس واعتبر السابع الرشيد المتوفى قبل المئتين وبذلك استبشر بقرب ظهور المهدي عليه السلام! وقد توفي ابن حماد سنة٢٢٧.
لكن تفسيره لايصح لأن تعبير النبي صلى الله عليه وآله (مات الخامس من أهل بيتي) لم يرد في بني العباس، ولا يمكن أن يعبر النبي صلى الله عليه وآله عن بني العباس بأنهم أهل بيتي بعد أن ثبت عنه أنه حدد أهل بيته بعلي وفاطمة والحسنين عليهم السلام كما في مسند أحمد: ٤/١٠٧: (اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق) وفي رواية: ٦/٣٢٣: (قال لفاطمة ائتيني بزوجك وابنيك فجاءت بهم فألقى عليهم كساء فدكياً، قال: ثم وضع يده عليهم ثم قال: اللهم إن هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد إنك حميد مجيد. قالت أم سلمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال إنك على خير). انتهى. فلا بد أن يكون هؤلاء هم المقصودين بقوله: إذا مات الخامس من أهل بيتي فالهرج.
ومن جهة أخرى، معنى الحديث بصيغته التي رووها ضعيف، فلا بد أن يكون فيه سقطاً، إذ لامعنى لأن يبشر النبي صلى الله عليه وآله بالمهدي بأنه يكثر القتل بعد موت الخامس من ملوك بني عباس، ثم يستمر القتل هكذا حتى يكون السابع منهم، ثم يستمر القتل هكذا حتى يقوم المهدي! فإن كان المقصود أنه لايحكم منهم أكثر من سبعة فقد حكم منهم أكثر، وإن أراد أن المهدي عليه السلام يظهر بعد السابع، فلم يظهر! وإن أراد معنى آخر فلا يصلح أن يكون علامة للمهدي الموعود عليه السلام! فلا بد أنه يقصد الخامس والسابع من الأئمة الربانيين الإثني عشر من عترته، الذين بشر الأمة بهم في حجة الوداع في خطبة عرفات وغيرها، وأولهم علي وخاتمهم المهدي عليهم السلام، وأن يكون هذا الحديث محرفاً عن أحاديث مصادرنا الآتية.
٩ - الفتنة في العقيدة بعد فقدان الخامس من ولد السابع
كفاية الأثر/١٥٦، عن محمد بن الحنفية قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول، في حديث طويل في فضل أهل البيت عليهم السلام: وسيكون بعدي فتنة صمَّاء صيْلم يسقط فيها كل وليجة وبطانة، وذلك عند فقدان شيعتك الخامس من السابع من ولدك، يحزن لفقده أهل الأرض والسماء، فكم مؤمن ومؤمنة متأسف متلهف حيران عند فقده! ثم أطرق ملياً ثم رفع رأسه وقال: بأبي وأمي سميي وشبيهي وشبيه موسى بن عمران، عليه جيوب النور(أو قال: جلابيب النور) تتوقد من شعاع القدس! كأني بهم آيس ماكانوا ثَمَّ نودي بنداء يسمع من البعد كما يسمع من القرب، يكون رحمة على المؤمنين وعذاباً على المنافقين. قلت: وما ذلك النداء؟ قال: ثلاثة أصوات في رجب، أولها ألا لعنة الله على الظالمين، والثاني أزفت الآزفة والثالث ترون بدرياً بارزاً مع قرن الشمس ينادي: ألا إن الله قد بعث فلان بن فلان حتى ينسبه إلى علي فيه هلاك الظالمين، فعند ذلك يأتي الفرج ويشفي الله صدورهم ويذهب غيظ قلوبهم. قلت يا رسول الله فكم يكون بعدي من الأئمة؟ قال: بعد الحسين تسعة والتاسع قائمهم). انتهى. وبعضه في الصراط المستقيم: ٢/١٢٧، وغاية المرام/١٢، عن النصوص على الأئمة الإثني عشر للصدوق، وهو كتاب ذكروه في مؤلفاته، لكنه مفقود.
ومعنى الحديث: أن الناس سيفقدون الإمام الخامس بعد السابع من عترة النبي صلى الله عليه وآله وهو الإمام المهدي بن الحسن العسكري عليهما السلام ويبتلى المؤمنون بفتنة غيبة إمامهم عليه السلام ويسقط في الفتنة من لابصيرة له في دينه ولا يثبت على القول بولادته وغيابه إلا القليل، المتلهفون لفقده المؤمنون به مهما طال الزمان. لاحظ قوله صلى الله عليه وآله: (وسيكون بعدي فتنة صماء صيلم يسقط فيها كل وليجة وبطانة، وذلك عند فقدان شيعتك الخامس من السابع من ولدك، يحزن لفقده أهل الأرض والسماء فكم مؤمن ومؤمنة متأسف متلهف حيران عند فقده).
وروت مصادرنا أحاديث أخرى صحيحةً بمعناه، منها ما رواه الخزار رحمه الله في كفاية الأثر/١٤٧، بثلاثة أسانيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: قال علي عليه السلام: كنت عند النبي صلى الله عليه وآله في بيت أم سلمة إذ دخل علينا جماعة من أصحابه منهم سلمان وأبو ذر والمقداد وعبد الرحمن بن عوف، فقال سلمان: يا رسول الله إن لكل نبي وصياً وسبطين فمن وصيك وسبطاك؟ فأطرق ساعة ثم قال: يا سلمان إن الله بعث أربعة آلاف نبي(أربعة وعشرين ومئة ألف نبي) وكان لهم أربعة آلاف وصي وثمانية آلاف سبط، فوالذي نفسي بيده لأنا خير الأنبياء ووصيي خير الأوصياء وسبطاي خير الأسباط. في حديث طويل عدد فيه النبي صلى الله عليه وآله الأئمة من أهل بيته، وقال: (ثم يغيب عنهم إمامهم ما شاء الله، ويكون له غيبتان إحداهما أطول من الأخرى. ثم التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رافعاً صوته: الحذر إذا فقد الخامس من ولد السابع من ولدي! قال علي: فقلت: يا رسول الله فما تكون هذه الغيبة؟ قال: الصمت حتى يأذن الله له بالخروج فيخرج(من اليمن من قرية يقال لها أكرعة) على رأسه غمامة، متدرع بدرعي متقلد بسيفي ذي الفقار، ومناد ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ذلك عندما تصير الدنيا هرجاً ومرجاً يَغار بضعهم على بعض، فلا الكبير يرحم الصغير ولا القوي يرحم الضعيف، فحينئذ يأذن الله له بالخروج).
ملاحظات
١ - المتفق عليه في مصادر الجميع أن عدد الأنبياء عليهم السلام مئة وأربع وعشرون ألفاً وأن عدد الرسل ثلاث مئة وستون، وعندنا أن لكل نبي وصياً. والأربعة آلاف نبي عليهم السلام قد يكونون كبار الأنبياء ولكل واحد منهم وصي وسبطان.
٢ - وردت في مصادرنا عدة أحاديث صحيحة السند عن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام حول اليماني الذي يظهر قبل الإمام المهدي عليه السلام ويكون من خاصة أنصاره. وذكر بعضها أنه يظهر في صنعاء وأنه من ذرية زيد رحمه الله.. الخ.
أما المصادر السنية فنصوصها في اليماني أو القحطاني متعارضة، بعضها يذكر أنه يظهر قبل المهدي، وبعضها يذكر أنه يظهر بعد المهدي، وبعضها يزعم أنه هو المهدي. وبعضها ينفي أن يكون المهدي يمانياً أو قحطانياً. وبعضها يظهر فيه تأثير الخلاف الذي تعاظم في العهد الأموي بين عرب الجنوب اليمانيين وعرب الشمال القرشيين ومن معهم. وأكثر نصوص اليماني أو القحطاني عندهم غير مرفوعة ما عدا ثلاثة منها تذكر أن القحطاني هو المهدي، وهي معارضة بإجماع المسلمين على أنه من ذرية علي وفاطمة عليهما السلام. وستأتي في محلها إن شاء الله.
١٠ - تربية الشيعة على مواجهة الفتن وانتظار الإمام المهدي عليه السلام
كفاية الأثر/٢٦٠، عن مسعدة قال: كنت عند الصادق عليه السلام إذ أتاه شيخ كبير قد انحنى متكئاً على عصاه، فسلم فرد أبو عبد الله عليه السلام الجواب ثم قال: يا ابن رسول الله ناولني يدك أقبلها، فأعطاه يده فقبلها ثم بكى، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ما يبكيك يا شيخ؟ قال: جعلت فداك أقمت على قائمكم منذ مائة سنة أقول هذا الشهر وهذه السنة، وقد كبرت سني ودق عظمي واقترب أجلي ولا أرى ما أحب، أراكم مقتلين مشردين وأرى عدوكم يطيرون بالأجنحة فكيف لا أبكي!؟ فدمعت عينا أبي عبد الله ثم قال: يا شيخ إن أبقاك الله حتى ترى قائمنا كنت معنا في السنام الأعلى، وإن حلت بك المنية جئت يوم القيامة مع ثقل محمد صلى الله عليه وآله ونحن ثقله قال صلى الله عليه وآله: إني مخلف فيكم الثقلين فتمسكوا بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي. فقال الشيخ: لا أبالي بعد ما سمعت هذا الخبر. قال: يا شيخ إن قائمنا يخرج من صلب الحسن، والحسن يخرج من صلب علي، وعلي يخرج من صلب محمد، ومحمد يخرج من صلب علي، وعلي يخرج من صلب ابني هذا وأشار إلى موسى عليه السلام، وهذا خرج من صلبي، نحن اثنا عشر كلنا معصومون مطهرون.
فقال الشيخ: يا سيدي بعضكم أفضل من بعض؟ قال: لا نحن في الفضل سواء ولكن بعضنا أعلم من بعض، ثم قال: يا شيخ والله لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج قائمنا أهل البيت، ألا وإن شيعتنا يقعون في فتنة وحيرة في غيبته، هناك يثبت الله على هداه المخلصين، اللهم أعنهم على ذلك)
ومثله إرشاد القلوب/٤٠٥، وبشارة المصطفى/٢٧٥، وفيه: ثم قال يا شيخ ما أحسبك من أهل الكوفة؟ قال: لا، قال: فمن أين؟ قال: من سوادها جعلت فداك. قال: أين أنت من قبر جدي المظلوم الحسين؟ قال: إني لقريب منه. قال: كيف إتيانك له؟ قال: إني لآتيه وأكثر. قال عليه السلام: يا شيخ دم يطلب الله تعالى به، وما أصيب ولد فاطمة ولا يصابون بمثل الحسين، ولقد قتل في سبعة عشر من أهل بيته نصحوا لله وصبروا في جنب الله فجزاهم الله أحسن جزاء الصابرين، إنه إذا كان يوم القيامة أقبل رسول الله ومعه الحسين ويده على رأسه تقطر دماً فيقول: يا رب سل أمتي فيم قتلوا ولدي؟!
كمال الدين: ٢/٥١٠، خرج (توقيع) إلى العمري وابنه رضي الله عنهما رواه سعد بن عبد الله قال: قال الشيخ أبو عبد الله جعفر رضي الله عنه وجدته مثبتاً عنه رحمه الله: وفقكما الله لطاعته وثبتكما على دينه وأسعدكما بمرضاته. انتهى إلينا ما ذكرتما أن الميثمي أخبركما عن المختار ومناظراته من لقي، واحتجاجه بأنه لا خلف غير جعفر بن علي وتصديقه إياه، وفهمت جميع ما كتبتما به مما قال أصحابكما عنه، وأنا أعوذ بالله من العمى بعد الجلاء ومن الضلالة بعد الهدى، ومن موبقات الأعمال ومرديات الفتن، فإنه عز وجل يقول: (ألم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ). كيف يتساقطون في الفتنة ويترددون في الحيرة ويأخذون يميناً وشمالاً فارقوا دينهم أم ارتابوا أم عاندوا الحق أم جهلوا ما جاءت به الروايات الصادقة والأخبار الصحيحة؟! أو علموا ذلك فتناسوا ما يعلمون إن الأرض لا تخلو من حجة إما ظاهراً وإما خائفاً مغموراً؟! أو لم يعلموا انتظام أئمتهم بعد نبيهم صلى الله عليه وآله واحداً بعد واحد إلى أن أفضى الأمر بأمر الله عز وجل إلى الماضي، يعني الحسن بن علي عليهما السلام، فقام مقام آبائه عليهم السلام يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم؟! كانوا نوراً ساطعاً، وشهاباً لامعاً، وقمراً زاهراً، ثم اختار الله عز وجل له ما عنده فمضى على منهاج آبائه عليهم السلام حذو النعل بالنعل على عهد عهده، ووصية أوصى بها إلى وصي ستره الله عز وجل بأمره إلى غاية، وأخفى مكانه بمشيئة للقضاء السابق والقدر النافذ، وفينا موضعه، ولنا فضله، ولو قد أذن الله عز وجل فيما قد منعه عنه وأزال عنه ما قد جرى به من حكمه لأراهم الحق ظاهراً بأحسن حلية وأبين دلالة وأوضح علامة، ولأبان عن نفسه وقام بحجته، ولكن أقدار الله عز وجل لاتغالب وإرادته لاترد وتوفيقه لايسبق، فليَدعوا عنهم اتباع الهوى وليقيموا على أصلهم الذي كانوا عليه ولا يبحثوا عما ستر عنهم فيأثموا، ولا يكشفوا ستر الله عز وجل فيندموا، وليعلموا أن الحق معنا وفينا، لا يقول ذلك سوانا إلا كذاب مفتر، ولا يدعيه غيرنا إلا ضال غوي، فليقتصروا منا على هذه الجملة دون التفسير، ويقنعوا من ذلك بالتعريض دون التصريح إن شاء الله). والخرائج: ٣/١١٠٩، مختصراً.. الخ..
١١ - فتنة بلاد الشام الموعودة قبل ظهور المهدي عليه السلام
النعماني/٢٧٩، عن أبي جعفر عليه السلام قال: يا جابر لا يظهر القائم حتى يشمل الناس بالشام فتنة يطلبون المخرج منها فلا يجدونه! ويكون قتل بين الكوفة والحيرة قتلاهم على سواء، وينادي مناد من السماء). وعنه عقد الدرر/٥١، والبحار: ٥٢/٢٧١، الخ.
عبد الرزاق: ١١/٣٦١، تكون فتنة بالشام كأن أولها لعب الصبيان تطفو من جانب وتسكن من جانب، فلا تتناهى حتى ينادي مناد: إن الأمير فلان. وقال: فيقلب ابن المسيب يديه حتى أنهما لتنتفضان ثم يقول: ذاكم الأمير حقاً ذاكم الأمير حقاً).
ونحوه ابن حماد: ١/٣٣٧، وفي: ١/٣٣٨: ثم لايستقيم أمر الناس على شيء ولا تكون لهم جماعة، حتى ينادي مناد من السماء عليكم بفلان، وتطلع كف تشير.. عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أمه وكانت قديمة: قال: قلت لها في فتنة ابن الزبير: إن هذه الفتنة يهلك فيها الناس؟ فقالت: كلا يا بني، ولكن بعدها فتنة يهلك فيها الناس ولايستقيم أمرهم حتى ينادي مناد من السماء عليكم بفلان).
١٢ - شدة الفتنة قبل ظهور المهدي عليه السلام وحدث يكون في الحجاز
ذكرت أحاديث السنة والشيعة فتنة خاصة تكون في الحجاز، حيث يموت حاكمهم ويختلفون بعده على السلطة، وينتهي ملك السنين ويكون ملك الشهور والأيام، ولايجتمع أمرهم على أحد، فيبحث الناس عن الإمام عليه السلام ويطلبون منه أن يقبل بيعتهم، وسيأتي ذلك في فصل أحاديث الحجاز في عصر الظهور.
١٣ - نصوص كثيرة تشبه الأحاديث وليست بها
وكلها تصف فتنة تتصل بظهور الإمام المهدي عليه السلام كالذي رواه عبد الرزاق: ١١/٣٧٢ عن أبي الجلد قال: (تكون فتنة ثم تتبعها أخرى، لا تكون الأولى في الآخرة إلا كثمرة السوط تتبعه ذباب السيف، ثم تكون فتنة فلا يبقى لله محرم إلا استحل، ثم يجتمع الناس على خيرهم رجلاً، تأتيه إمارته هنيئاً وهو في بيته). وعنه ابن حماد: ١/٣٤٤، وابن أبي شيبة: ١٥/٢٤٦، وفيه: ثم تأتي الخلافة خير أهل الأرض وهو قاعد في بيته هنياً.
ثمرة السوط: طرفه من أسفله. وذباب السيف: طرفه الذي يضرب به، والمقصود تفاقم الفتن من الشديد إلى الأشد. وفي القول المختصر/٧٠: لايخرج حتى تكون قبله فتنة تستحل فيها المحارم كلها، ثم تأتيه الخلافة وهو قاعد في بيته وهو خير أهل الأرض).
وفي ملاحم ابن طاووس/١٢١، من كتاب الفتن للسليلي عن عبد الله بن عمر قال: تكون فتنة يقال لها السبيطة قتلاها في النار، فقلت: وهما مسلمان؟ قال: وهما مسلمان، قلت: وهما مسلمان! قال: وهما مسلمان، قلت: لمَ؟ قال: لأنهم تغالبوا على أمر الدنيا ولم يتغالبوا على أمر الله، فقلت قد كان ذلك؟ قال: متى لله أبوك؟ فقلت فتنة عثمان؟ قال: كلا والذي بعث محمداً بالحق حتى يدخل على العرب كلهم حجرها وحتى يأتي الرجل القبر فيقول يا ليتني كنت مكانك! وحتى تملأ الأرض ظلماً وجوراً! قلت ثم مَهْ؟ قال: ثم يبعث الله رجلاً يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يعيش بضع سنين، فقلت: وما البضع؟ قال: زعم أهل الكتاب أنه تسع أو سبع). وفي الجمع بين الصحيحين للحميدي: ٣/٢٠٣، عن أبي هريرة. والسبيطة: الطويلة، وقد تكون من السباطة أي الكناسة ومرمى الأوساخ شبهت به لاجتماع الصفات السيئة فيها. وقد تكون السبيتة بالتاء، من السبت بمعنى السكون، وتوصف به الفتنة لاستقرارها ودوامها.
وفي الداني/٩٥ والسنن/١٠٤٢، عن قتادة قال: يجاء إلى المهدي وهو في بيته والناس في فتنة تهراق فيها الدماء فيقال له: قم علينا فيأبى، حتى يُخَوَّف القتل فإذا خوف بالقتل قام عليهم فلا يهراق في سببه محجمة دم) ولم يرفعه. وعنه عقد الدرر/٦٣ وغيره. والمقصود بالتخويف بالقتل الوارد في هذا الحديث وغيره، التخويف بانكشاف أمره عليه السلام قرب مجيء جيش السفياني إلى مكة، كما فسرته أحاديث أخرى، لا أن الذين يريدونه للبيعة يخوفونه بالقتل.

* * *
الفصل الخامس: ذم حكام السوء وعلماء آخر الزمان

١ - علماء السوء أتباع الأئمة المضلين!
روى الجميع عن النبي صلى الله عليه وآله أحاديث عديدة في أن الأمة ستبتلى بحكام فاسدين يحكمون بالجور والطغيان، وعلماء سوء يبررون لهم أعمالهم! فأحاديثهم فرع من أحاديث الأئمة المضلين. وقد حاول بعضهم إبعاد وقتها عن الصحابة فجعلوها في آخر الزمان أو قرب قيام الساعة! مع أن فيها ما ينص على أن زمنها بعد النبي صلى الله عليه وآله مباشرة، وبعضها نص على استمرار ذلك البلاء حتى ظهور الإمام المهدي عليه السلام!
والآيات والأحاديث في ذم علماء السوء، وأئمتهم حكام الجور، كثيرة، عقد لها مؤلفوا الحديث أبواباً خاصة، لكن غرضنا منها ما يرتبط بظهور الإمام عليه السلام:
ففي مجمع الزوائد: ٥/٢٣٣: (عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقوم الساعة حتى يبعث الله أمراء كذبة ووزراء فجرة وأمناء خونة وقراء فسقة سمتهم سمة الرهبان وليس لهم رعية أو قال رعة فيلبسهم الله فتنة غبراء مظلمة يتهوكون فيها تهوك اليهود في الظلم. رواه البزار وفيه حبيب بن عمران كلاعي ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح). والقراء الفسقة: حملة القرآن من الرواة والعلماء. سَمْتُهم: أي هيئتهم المعنوية الظاهرة مثل الرهبان. والرِّعْيَة: بمعنى ورع عن المحارم. يتهوكون فيها: أي يقعون في الفتنة ويتخبطون كاليهود. والتهوك مصطلح نبوي لمن تأثر باليهود من أصحابه. وتعبير: لاتقوم الساعة حتى... يدل على حتميته فقط، ولايدل على أنه سيكون قرب الساعة! لكن قوله في الحديث الآتي: فإن أدركتموهم فصلوا صلاتكم لوقتها، يدل على أن وقتهم قريب من وفاة النبي صلى الله عليه وآله.
أما رواية ابن أبي شيبة: ٨/٦٩٨، فتدل على أنهم يكونون عند ظهور المهدي عليه السلام (في آخر هذا الزمان قراء فسقة..) ومثله تاريخ بخاري: ٤/٣٣٠، والزهد لابن عاصم: ١/٢١٢.
وفي الدر المنثور: ٦/٥٣: (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: حج النبي صلى الله عليه وآله حجة الوداع ثم أخذ بحلقة باب الكعبة فقال: أيها الناس ألا أخبركم بأشراط الساعة؟ فقام إليه سلمان فقال: أخبرنا فداك أبي وأمي يا رسول الله. قال: إن من أشراط الساعة إضاعة الصلاة والميل مع الهوى وتعظيم رب المال.
فقال سلمان: ويكون هذا يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفس محمد بيده، فعند ذلك يا سلمان تكون الزكاة مغرماً والفيء مغنماً، ويصدق الكاذب ويكذب الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، ويتكلم الرويبضة. قال: وما الرويبضة: قال يتكلم في الناس من لم يتكلم وينكر الحق تسعة أعشارهم، ويذهب الإسلام فلا يبقى إلا إسمه ويذهب القرآن فلا يبقى الا رسمه، وتحلى المصاحف بالذهب، وتتسمن ذكور أمتي وتكون المشورة للإماء! ويخطب على المنابر الصبيان وتكون المخاطبة للنساء! فعند ذلك تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس والبيع، وتطوَّل المنائر وتكثر الصفوف مع قلوب متباغضة وألسن مختلفة وأهواء جمة!
قال سلمان: ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفس محمد بيده، عند ذلك يا سلمان يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة، يذوب قلبه في جوفه كما يذوب الملح في الماء، مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيره، ويكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية البكر فعند ذلك يا سلمان يكون أمراء فسقة ووزراء فجرة وأمناء خونة، يضيعون الصلوات ويتبعون الشهوات، فإن أدركتموهم فصلوا صلاتكم لوقتها. عند ذلك يا سلمان يجيء سبي من المشرق وسبي من المغرب جثاؤهم جثاء الناس وقلوبهم قلوب الشياطين، لا يرحمون صغيراً ولا يوقرون كبيراً. عند ذلك يا سلمان يحج الناس إلى هذا البيت الحرام، تحج ملوكهم لهواً وتنزهاً وأغنياؤهم للتجارة ومساكينهم للمسألة وقراؤهم رياءً وسمعة!
قال: ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي نفسي بيده، عند ذلك يا سلمان يفشو الكذب ويظهر الكوكب له الذنب، وتشارك المرأة زوجها في التجارة، وتتقارب الأسواق! قال: وما تقاربها؟ قال كسادها وقلة أرباحها. عند ذلك يا سلمان يبعث الله ريحاً فيها حيات صفر فتلقط رؤساء العلماء لما رأوا المنكر فلم يغيروه! قال: ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم والذي بعث محمداً بالحق). وشبيهه في جامع الأخبار لتاج الدين الشعيري/٧٢، عن جابر، وقد تضمن عدداً من فقراته، لكنه تحدث عما يجري على الأمة وليس فيه ذكر لأشراط الساعة. وعنه بحار الأنوار: ٥٢/٢٦٢.
أقول: رغم تصريح هذا الحديث وغيره بأن هذا الفساد في الحكام والعلماء سيكون عند اقتراب الساعة، فإن عدداً من أحاديثها نص أو تضمن قرائن على أن ذلك سيكون قريباً من عصر النبي صلى الله عليه وآله! فلا بد أن يكون توقيتها بقيام الساعة من تحريف الرواة أو تكون الظاهرة متعددة بعد النبي صلى الله عليه وآله وقرب قيام الساعة.
وفي تاريخ دمشق: ٣٦/٢٨٢: (عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن في جهنم رحى تطحن علماء السوء طحناً). و: ٣٦/١٧٨، وميزان الإعتدال: ٢/٢٥٢.
وفي المستطرف: ١/٥١: (عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ويل لأمتي من علماء السوء يتخذون العلم تجارة يبيعونها لا أربح الله تجارتهم). وفيض القدير: ٦/٤٧٩، والفردوس: ٤/٣٩٨ وربيع الأبرار/٦٥٥، وكنز العمال: ١٠/٢٠٥. وفي فيض القدير: ١/١٨٣، أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن أشر الخلق على الإطلاق، فأجاب: هم علماء السوء. وفي: ٦/٤٧٨: ويل لأمتي من علماء السوء. وهي أحاديث مطلقة من حيث الزمان. وهي كثيرة جداً في مصادر الطرفين.
أما مصادرنا، فروت أحاديث صريحة في ذم علماء السوء، وتفسير آيات ذمهم، وهي تدل على أن زمنهم بعد النبي صلى الله عليه وآله الى ظهور الإمام المهدي عليه السلام.
وهذه نماذج منها: في الكافي: ٨/٣٠٧، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: سيأتي على الناس زمان لايبقى من القرآن إلا رسمه ومن الإسلام إلا إسمه، يُسمَّوْنَ به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء! منهم خرجت الفتنة واليهم تعود). ومثله ثواب الأعمال/٣٠١، وأعلام الدين/٤٠٦. ورسم القرآن: خطه. منهم خرجت الفتنة: لأنهم يؤيدون حكام الجوْر ويحرفون الإسلام لأجلهم. وإليهم تعود: بغضب المؤمنين وانتقام الله تعالى منهم.
وفي جامع الأخبار/١٢٩: علماؤهم شر خلق الله على وجه الأرض. حينئذ ابتلاهم الله بأربع خصال: جور من السلطان وقحط من الزمان، وظلم من الولاة والحكام، فتعجب الصحابة وقالوا: يارسول الله أيعبدون الأصنام؟ قال: نعم كل درهم عندهم صنم). وفي الخصال/٢٩٦: أن علياً عليه السلام قال: إن في جهنم رحى تطحن خمساً! أفلا تسألوني ما طحنها؟ فقيل له: فما طحنها يا أمير المؤمنين؟ قال: العلماء الفجرة، والقراء الفسقة، والجبابرة الظلمة، والوزراء الخونة، والعرفاء الكذبة (رؤساء العشائر والمناطق) وإن في النار لمدينة يقال لها: الحصينة أفلا تسألوني ما فيها؟ فقيل: وما فيها يا أمير المؤمنين؟ فقال: فيها أيدي الناكثين). وثواب الأعمال/٢٥٣.
وذكر في نوادر المعجزات/١٢٠، عن جابر الجعفي اضطهاد حكام الجور من بني أمية لأهل البيت عليه السلام وشيعتهم، قال: (واغتالوا شيعته في البلدان وقتلوهم واستأصلوا شأفتهم، ومالأهم على ذلك علماء السوء رغبة في حطام الدنيا).
وأورد في البحار: ٢/١٠٧، آيات ذم علماء السوء وأحاديثه تحت عنوان: ذم علماء السوء ولزوم التحرز عنهم، وهي٢٥ حديثاً، منها: عن النبي صلى الله عليه وآله: الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول الله وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم. وقوله صلى الله عليه وآله: إني لا أتخوف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً، فأما المؤمن فيحجزه إيمانه وأما المشرك فيقمعه كفره، ولكن أتخوف عليكم من كان منافقاً عليم اللسان يقول ما تعرفون ويعمل ما تنكرون.
وقوله صلى الله عليه وآله: ألا إن شر الشر شرار العلماء، وإن خير الخير خيار العلماء.
وقوله صلى الله عليه وآله: أوحى الله عز وجل إلى داود عليه السلام لاتجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدك عن طريق محبتي، فإن أولئك قطاع طريق عبادي المريدين.
وعن الإمام الباقر عليه السلام في قول الله عز وجل: وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، قال: هل رأيت شاعراً يتبعه أحد؟ إنما هم قوم تفقهوا لغير الدين فضلوا وأضلوا). انتهى.
وفي الإحتجاج: ٢/٢٦٢، وتفسير الإمام العسكري عليه السلام في تحريف علماء السوء اليهود ومن هذه الأمة: (فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم! فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم. فإن من ركب من القبايح والفواحش مراكب فسقة العامة فلا تقبلوا منا عنه شيئاً ولا كرامة... ثم وصف عليه السلام علماء السوء المحرِّفين بقوله: (وهم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي عليه السلام وأصحابه فإنهم يسلبونهم الأرواح والأموال وهؤلاء علماء السوء الناصبون المتشبهون بأنهم لنا موالون ولأعدائنا معادون ويدخلون الشك والشبهة على ضعفاء شيعتنا فيضلونهم ويمنعونهم عن قصد الحق المصيب... ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: شرار علماء أمتنا المضلون عنا القاطعون للطرق إلينا المسمون أضدادنا بأسمائنا الملقبون أضدادنا بألقابنا، يصلون عليهم وهم للعن مستحقون، ويلعنونا ونحن بكرامات الله مغمورون، وبصلوات الله وصلوات ملائكته المقربين علينا عن صلواتهم علينا مستغنون.
ثم استشهد بقول علي عليه السلام بأن شرار خلق الله العلماء إذا فسدوا، المظهرون للأباطيل الكاتمون للحقايق، وفيهم قال الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)).
وفي البصائر/٥٢، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (قرأت في كتاب أبي: الأئمة في كتاب الله إمامان: إمام هدى وإمام ضلال، فأما أئمة الهدى فيقدمون أمر الله قبل أمرهم وحكم الله قبل حكمهم! وأما أئمة الضلال فإنهم يقدمون أمرهم قبل أمر الله وحكمهم قبل حكم الله اتباعاً لأهوائهم وخلافاً لما في الكتاب).
وفي تفسير الإمام العسكري عليه السلام /٣٤٤، عن علي بن محمد عليهما السلام: لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم عليه السلام من العلماء الداعين إليه والدالين عليه والذابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله! ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل). وعنه الإحتجاج/١٨، عن الإمام العسكري عليه السلام، ومنية المريد/٣٥، والبحار: ٢/٦.
وفي الكافي: ١/٥٢، عن المفضل بن عمر قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: أكتب وبُثَّ علمك في إخوانك، فإن متَّ فأورث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس زمان هرج لايأنسون فيه إلا بكتبهم). وعنه كشف المحجة/٣٥، والإيقاظ/٢٣، والبحار: ٢/١٥٠.

* * *
الفصل السادس: النبي صلى الله عليه وآله يبشر الأمة بالمهدي عليه السلام من عترته

المهدي من عترتي إسمه إسمي وكنيته كنيتي
أحمد: ٣/٣٦، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً، قال ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي، يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً). ومثله أبو يعلى: ٢/٢٧٤، وابن حبان: ٨/٢٩٠ ٢٩١ بتفاوت يسير، والحاكم: ٤/٥٥٧، عن أبي سعيد الخدري، وصححه على شرط الشيخين).
وقال الحافظ المغربي/٥١٥: والحديث أخرجه الحاكم، عن عوف بن أبي جميلة المذكور من طريقين، الطريق الأول: عن أبي بكر بن إسحاق وعلي بن حماد العدل وأبي بكر محمد بن أحمد بن بالويه، كلهم عن بشر بن موسى الأسدي، عن هارون بن خليفة، عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي به.
الطريق الثاني: عن الحسين بن علي الدارمي، عن محمد بن إسحاق الإمام، عن محمد بن يسار، عن ابن أبي عدي، عن عوف الأعرابي به. وأخرجه الإمام أحمد عن محمد بن جعفر، حدثنا عوف الأعرابي به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وأقره الحافظ الذهبي في المستدرك، وفي هذا كفاية للمنصف).
الجامع الصحيح: ١/١٤٧، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاتقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً قال: ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً). ومثله/١٦٤، و/٣٨٢
المقصد العلي: ٤/٤٠٦، عن أبي سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وآله: لاتقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً، ثم يخرج رجل من أهل بيتي، أو قال من عترتي فيملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً وعدواناً). وجامع الأحاديث: ٨/٨١، عن ابن مسعود: يخرج رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي وخلقه خلقي فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً). ومن مصادرنا: دلائل الإمامة/٢٤٩، بنحو رواية أحمد.
أحمد: ١/٣٧٦، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله: لاتقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ إسمه إسمي). والترمذي: ٤/٥٠٥، عن عبد الله، وأبي هريرة قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي... وحسنه وصححه، والبدء والتاريخ: ٢/١٨٠، كأحمد، وقال: وأحسن ما جاء في هذا الباب خبر أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن ذر، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه).
وفي ملاحم ابن المنادي/٤١، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وآله: لا تقوم الساعة حتى يملك الأرض أحد من أهل بيتي إسمه كاسمي). وفي رواية: إسمه إسمي. وفي أحمد: ٣/٢٨ و: ٣/٧٠ عن أبي سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: تملأ الأرض ظلماً وجوراً، ثم يخرج رجل من عترتي، يملك سبعاً أو تسعاً، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً. والحاكم: ٤/٥٥٨، كما في أحمد، بتفاوت يسير، عن أبي سعيد، وصححه على شرط مسلم، وكذا استدراك الذهبي: ٧/٣٤٦١. ونحوه في حلية الأولياء: ٣/١٠١، وليس فيه مدته، وقال: مشهور من حديث أبي الصديق، عن أبي سعيد ورواه من التابعين عن أبي الصديق مطر الوراق، وعنه حماد بن زيد. وفي تذكرة الخواص/٣٦٣، عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي، اسمه كإسمي وكنيته ككنيتي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. وقال: فذلك هو المهدي، وهذا حديث مشهور). ومثله عقد الدرر/٣٢.
المهدي عليه السلام حتمي ودولته العالمية حتمية
ابن أبي شيبة: ١٥/١٩٨، عن علي عن النبي صلى الله عليه وآله قال: لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً). ومثله أحمد: ١/٩٩، بتفاوت يسير، وفيه: قال أبو نعيم: رجلاً منا. والبدء والتاريخ: ٢/١٨١، والجامع الصغير: ٢/٤٣٨، أحمد، وأبي داود. والدر المنثور: ٦/٥٨، وقال: وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد، وأبو داود. ومسند البزار: ٢/١٣٤: لو لم يبق من الدنيا إلايوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً. ومسند الشاشي: ٢/١٠٩، عن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله تعالى فيه رجلاً من أهل بيتي، يواطئ اسمه إسمي واسم أبيه إسم أبي، يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً. وجامع المسانيد: ٢٠/٣٠٠: لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي، يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً. وفي أحمد: ١/٣٧٦ و٣٧٧: لاتنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي، اسمه يواطئ إسمي. ومثله أبو داود: ٤/١٠٧، والترمذي: ٤/٥٠٥، وحسنه وصححه. والطبراني الكبير: ١٠/١٦٤ و١٦٦، والبزار: ٥/٢٠٤، عن عبد الله، ومثله الأوسط: ٧/٤٢٥، عن عبد الله بن مسعود.
وفي الطبراني الكبير: ١٠/١٦٨، عن ابن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تذهب الأيام والليالي ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم حتى يبعث الله رجلاً من أمتي، يواطئ اسمه إسمي). ومثله تحفة الأشراف: ٧/٢٣، أوله، عن أبي داود، والترمذي. والفصول المهمة/٢٩١، عن إرشاد المفيد. وفي/٢٩٤: قال: ومن ذلك ما أخرجه أبو داود، والترمذي..
وفي ابن حبان: ٧/٥٧٦، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو لم يبق من الدنيا إلا ليلة لملك فيها رجل من أهل بيت النبي). ومثله ابن حبان: ٧/٥٧٦، عن ابن مسعود وفيه: يواطئ اسمه اسمي. وملاحم ابن المنادى/٤١، عن ابن مسعود، كرواية ابن حبان الثانية، والطبراني الكبير: ١٠/١٦١، عن ابن مسعود، وفيه: رجل من أهل بيتي يوافق اسمه إسمي.
ورواه من مصادرنا: دلائل الإمامة/٢٥٥، كما في رواية الطبراني الثانية، بسند آخر، وفيه: رجل من ولدي يوافق اسمه إسمي. وبشارة المصطفى/٢٥٨، كما في الطبراني الثالثة.
وفي سنن الداني/١٠٠، عن أبي سعيد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يخرج رجل من أمتي يعمل بسنتي، ينزل الله له البركة من السماء، وتخرج له الأرض بركتها، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يعمل سبع سنين على هذه الأمة وينزل بيت المقدس).
وفي عقد الدرر/٢٠، عن سنن الداني وأبي نعيم في صفة المهدي، وفيه: من أهل بيتي، وتملأ به عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. ومجمع الزوائد: ٧/٣١٧، كالداني بتفاوت يسير، وقال: رواه الترمذي، وابن ماجة باختصار، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: ينزل الله عز وجل له القطر من السماء وينبت الله له الأرض من بركتها. والمعجم الأوسط: ٢/٤٧، عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يخرج رجل من أهل بيتي يقول بسنتي ينزل الله عز وجل له القطر من السماء وتخرج له الأرض من بركتها، تُملأ الأرض منه قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يعمل على هذه الأمة سبع سنين وينزل بيت المقدس).
ومن مصادرنا: غيبة الطوسي/١١١، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول على المنبر: إن المهدي من عترتي، من أهل بيتي يخرج في آخر الزمان ينزل الله له من السماء قطرها، ويخرج له من الأرض بذرها، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملأها القوم ظلماً وجوراً... المهدي يخرج في آخر الزمان). وفي/١١٣، عن ابن مسعود: لا تذهب الدنيا حتى يلي أمتي رجل من أهل بيتي يقال له المهدي).
المهدي حق وهو من ولد فاطمة عليها السلام
ابن ماجة: ٢/١٣٦٨، عن سعيد بن المسيب قال كنا عند أم سلمة فتذاكرنا المهدي فقالت سمعت رسول الله يقول: المهدي حق وهو من ولد فاطمة عليها السلام). ومثله تاريخ بخاري: ٣/٣٤٦، عن ابن المسيب، عن أم سلمة، وأبو داود: ٤/١٠٧، والطبراني الكبير: ٢٣/٢٦٧، والحاكم: ٤/٥٧٧، بروايتين: نعم هو حق وهو من بني فاطمة. ومشكاة المصابيح: ٣/٢٤، عن أبي داود وفيه: من أولاد فاطمة، وفي هامشه: وإسناده جيد. ومثله تذكرة الحفاظ: ٢/٤٦٣، عن أم سلمة وفي الدر المنثور: ٦/٥٨: وأخرج أبو داود، وابن ماجة، والطبراني، والحاكم، عن أم سملة. وصواعق ابن حجر/١٦٣، كأبي داود، وقال: ومن ذلك ما أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي، وآخرون. ومن مصادرنا: غيبة الطوسي/١١٤، كأبي داود عن أم سلمة. والطرائف: ١/١٧٥، كأبي داود، عن الجمع بين الصحاح، والفردوس، ومصابيح الفراء.
وفي عقيدة أهل السنة والأثر/١٨، عن أبي داود، وابن ماجة، وقال: وقد أورد هذا الحديث في الجامع الصغير، ورمز لصحته، وأورده في مصابيح السنن في فصل الحسان، وقال الألباني في تخريج أحاديث المشكاة: وإسناده جيد، وقال: رواه الترمذي، وأبو داود. وقال: أخرج أبو داود، وابن ماجة، والطبراني، والحاكم عن أم سلمة.
وفي ابن حماد: ١/٣٦٨، عن قتادة قال: قلت لسعيد بن المسيب: المهدي حق هو؟ قال حق، قال قلت: ممن هو؟ قال من قريش، قلت: من أي قريش، قال: من بني هاشم، قلت: من أي بني هاشم؟ قال: من بني عبد المطلب، قلت: من أي عبد المطلب؟ قال: من ولد فاطمة). وفي مناقب ابن المنادي/٤١: أخبرنا عبد الرزاق بن همام قال: قلت لسعيد بن المسيب أحق المهدي؟ فقال: كابن حماد، وفيه: قال: حسبك الآن. وفيها، عن سعيد بن المسيب يحدث عن أم سلمة قالت: ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وآله المهدي فقال: نعم هو حق، وهو من ولد فاطمة أو قال: من بني فاطمة. وملاحم ابن طاووس/١٦٤، عن فتن زكريا، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس، قال: وفيه: المهدي من قريش، قالوا من أي قريش؟ قال من بني هاشم، من ولد فاطمة عليها السلام. وفي فرائد فوائد الفكر/٦٥، عن قتادة، قال: قلت لسعيد بن المسيب: أحق المهدي؟ فقال: نعم هو حق. قلت: ممن هو؟ قال: من قريش. قلت: من أي قريش؟ قال: من بني هاشم. قلت: من أي بني هاشم؟ قال: من ولد عبد المطلب. قلت: من أي ولد عبد المطلب؟ قال: من ولد فاطمة. قلت: من أي ولد فاطمة؟ قال: حسبك الآن. ونحوه تيسير المطالب/٨٨، عن أم سلمة، وزين الفتى: ١/٤٠٢، عن قتادة.
وفي ابن حماد: ١/٣٧٥، عن الزهري: المهدي رجل منا، من ولد فاطمة، ونحوه في عدة موارد/٣٤٥، و٣٥٠، و٣٦٩، و٣٧٣، و٣٧٥، وعنه الحاوي: ٢/٧٨، وجمع الجوامع: ٢/١٠٤، الخ. ومقتضب الأثر/١٦٦، عن الزهري: المهدي من ولد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله. وعنه إثبات الهداة: ١/٧١٢، والبحار: ٥١/١٦٤.
وغيبة الطوسي/١١٤، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: المهدي رجل من ولد فاطمة عليها السلام، وهو رجل آدم. وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٠٤، والبحار: ٥١/٤٣.
النبي صلى الله عليه وآله يبشر فاطمة الزهراء بالمهدي عليهما السلام
الطبراني، الصغير: ١/٣٧، عن أبي أيوب: قال رسول الله عليه السلام لفاطمة: نبينا خير الأنبياء وهو أبوك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيك حمزة، ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو ابن عم أبيك جعفر، ومنَّا سبطا هذه الأمة الحسن والحسين، وهما إبناك، ومنا المهدي).
أقول: روي هذا الحديث بصيغ متشابهة عن أبي أيوب الأنصاري، وأبي سعيد وسلمان، وعلي الهلالي، وروي عن ابن عباس وغيره في حديث الأئمة من قريش من أهل البيت عليهم السلام، وتبلغ طرقه وأسانيده نحو مجلد. ففي الطبراني الأوسط: ٧/٢٧٦، والكبير: ٣/٥٢، بروايتين عن علي المكي الهلالي قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وفي شكاته التي قبض فيها، فإذا فاطمة رضي الله عنها عند رأسه، قال فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله طرفه إليها فقال: حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك؟ فقالت: أخشى الضيعة من بعدك! فقال: ياحبيبتي أما علمت أن الله عز وجل اطلع إلى الأرض إطلاعة فاختار منها أباك فبعثه برسالته، ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك وأوحى إلي أن أنكحك إياه. يا فاطمة: ونحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال لم يعط أحد قبلنا ولايعطى أحد بعدنا: أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على الله وأحب المخلوقين إلى الله عز وجل وأنا أبوك، ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وأحبهم إلى الله وهو عمك حمزة بن عبد المطلب، وهو عم أبيك وعم بعلك، ومنا من له جناحان أخضران يطير في الجنة مع الملائكة حيث يشاء وهو ابن عم أبيك وأخو بعلك، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة، وأبوهما والذي بعثني بالحق خير منهما. يا فاطمة: والذي بعثني بالحق إن منهما مهدي هذه الأمة، إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً، وتظاهرت الفتن، وتقطعت السبل، وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيراً، ولا صغير يوقر كبيراً، فيبعث الله عز وجل عند ذلك منهما من يفتتح حصون الضلالة وقلوباً غلفاً، يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان، ويملأ الدنيا عدلاً كما ملئت جوراً.
يا فاطمة: لا تحزني ولا تبكي فإن الله عز وجل أرحم بك، وأرأف عليك مني، وذلك لمكانك مني وموضعك من قلبي، زوجك الله زوجك وهو أشرف أهل بيتك حسباً، وأكرمهم منصباً، وأرحمهم بالرعية، وأعدلهم بالسوية، وأبصرهم بالقضية، وقد سألت ربي عز وجل أن تكوني أول من يلحقني من أهل بيتي. قال علي (ابن هلال) رضي الله عنه: فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله لم تبق فاطمة رضي الله عنها بعده إلا خمسة وسبعين، يوماً حتى ألحقها الله به). ومجمع الزوائد: ٩/١٦٥ عن الطبراني الكبير والأوسط وبيان الشافعي/٤٧٨، وعنه ذخائر العقبى/٤٤ و١٣٥، مختصراً، وعن أربعين الحافظ أبي العلاء الهمداني.
ومعنى أخشى الضيعة من بعدك: أي ظلم الأمة. الهرج والمرج: القتل والفوضى. تظاهرت الفتن: توالت وتعاونت في تأثيرها. تقطعت السبل: بمعنى فقد الأمن. حصون الضلالة: مراكزها. قلوباً غلفاً: عليها غلاف وغشاء عن سماع الحق واتباعه.
وفي عوالم النصوص على الأئمة/١٢٤، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله في الشكاة التي قبض فيها فاطمة عند رأسه قال: فبكت حتى ارتفع صوتها فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله طرفه اليها فقال.. كما في الطبراني بتفاوت يسير.
وفي مناقب ابن المغازلي/١٠١، عن أبي أيوب قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله مرض مرضةً فدخلت عليه فاطمة عليها السلام تعوده، وهو ناقهٌ من مرضه، فلما رأت ما برسول الله من الجهد والضعف خنقتها العبرة حتى خرجت دمعتها، فقال لها: يا فاطمة إن الله عز وجل اطلع إلى الأرض إطلاعة فاختار منها أباك فبعثه نبياً، ثم اطلع إليها ثانية فاختار منها بعلك فأوحى إلي فأنكحته واتخذته وصياً. أما علمت يا فاطمة إن لكرامة الله إياك زوجك أعظمهم حلماً، وأقدمهم سلماً، وأعلمهم علماً؟ فسرت بذلك فاطمة واستبشرت، ثم قال لها رسول الله: يافاطمة لعليٍّ ثمانية أضراس ثواقب: إيمان بالله وبرسوله، وحكمته، وتزويجه فاطمة، وسبطاه الحسن والحسين، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقضاؤه بكتاب الله عز وجل.
يا فاطمة: إنا أهل بيت أعطينا سبع خصال لم يُعْطَهَا أحدٌ من الأولين ولا الآخرين قبلنا أو قال: ولا يدركها أحد من الآخرين غيرنا: نبينا أفضل الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيك، ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وهو جعفر ابن عمك، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك، ومنا الذي نفسي بيده مهدي هذه الأمة). وينابيع المودة/٨١، عن مناقب الخوارزمي، وفيه: ومنا سبطان وسيدا شبان أهل الجنة ابناك، والذي نفسي بيده إن مهدي هذه الأمةيصلي عيسى بن مريم خلفه فهو من ولدك. والروض الداني الى المعجم الصغير للطبراني: ١/٧٥ عن أبي أيوب الأنصاري قال رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة: نبينا خير الأنبياء وهو أبوك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيك حمزة، ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو ابن عم أبيك جعفر، ومنا سبطا هذه الأمة: الحسن والحسين وهما إبناكِ، ومنا المهدي. وفي مسند فاطمة الزهراء عليها السلام للسيوطي/٤٧ و٩٣: أبشري يافاطمة فإن المهدي منك). ومن مصادرنا: أمالي الطوسي: ١/١٥٤، عن أبي أيوب الأنصاري قال: مرض رسول الله صلى الله عليه وآله مرضة فأتته فاطمة عليها السلام تعوده، فلما رأت ما برسول الله صلى الله عليه وآله من المرض والجهد استعبرت وبكت حتى سالت دموعها على خديها فقال لها النبي صلى الله عليه وآله: كما في مناقب ابن المغازلي بتفاوت.
وفي البيان للشافعي/٥٠١، عن أبي هارون العبدي قال: أتيت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل شهدت بدراً؟ فقال: نعم، قلت ألا تحدثني بشيء مما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام وفضله؟ فقال: بلى أخبرك أن رسول الله صلى الله عليه وآله مرض مرضة نقه منها، فدخلت عليه فاطمة عليها السلام تعوده وأنا جالس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وآله فلما رأت ما برسول الله صلى الله عليه وآله من الضعف خنقتها العبرة حتى بدت دموعها على خدها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: ما يبكيك يا فاطمة؟ أما علمت أن الله تعالى اطلع إلى الأرض إطلاعة فاختار منها أباك فبعثه نبياً، ثم اطلع ثانية فاختار بعلك، فأوحى إلي فأنكحته واتخذته وصياً، أما علمت أنك بكرامة الله تعالى أباك زوجك أعلمهم علماً وأكثرهم حلماً وأقدمهم سلماً. فضحكت واستبشرت، فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يزيدها مزيد الخير كله الذي قسمه الله لمحمد وآل محمد، فقال لها: يا فاطمة ولعلي ثمانية أضراس يعني مناقب: إيمان بالله ورسوله، وحكمته، وزوجته وسبطاه الحسن والحسين، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. يا فاطمة إنا أهل بيت أعطينا ست خصال لم يعطها أحد من الأولين، ولا يدركها أحد من الآخرين غيرنا أهل البيت: نبينا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عم أبيك، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك، ومنا مهدي الأمة الذي يصلي عيسى خلفه. ثم ضرب على منكب الحسين عليه السلام فقال: من هذا مهدي الأمة. وقال: قلت: هكذا أخرجه الدارقطني صاحب الجرح والتعديل).
إطلع إطلاعة: أي نظر نظرة، وبما أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وهو العالم بخلقه قبل أن يكونوا، فلا بد أن يكون المعنى أن الله تعالى اختار محمداً وآله لعلمه بتميزهم عن الخلق.
وفي عوالم العلوم/٤٨٧ و٣٠٦، عن سلمان: كنت جالساً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي قبض فيه فدخلت فاطمة عليها السلام، فلما رأت ما بأبيها من الضعف بكت حتى جرت دموعها على خديها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: ما يبكيك يافاطمة؟... أما علمت أن الله اختار من أهل الأرض أباك... يافاطمة إنا أهل بيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الأولين قبلنا... ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين ومنا... والذي نفس بيده مهدي هذه الأمة، وابناك حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة، وأبناء بعلك أوصيائي إلى يوم القيامة كلهم هادون مهديون، وأول الأوصياء بعدي أخي علي، ثم حسن، ثم حسين، ثم تسعة من ولد الحسين في درجتي... يابنية إنا آل بيت أعطانا الله عز وجل ست خصال لم يعطها أحد من الآخرين غيرنا.. نبينا سيد الأنبياء والمرسلين وهو أبوك ووصينا سيد الأوصياء وهوبعلك... وابناك حسن وحسين سبطا أمتي وسيدا شباب أهل الجنة، ومنا والذي نفسي بيده، مهديُّ هذه الأمة الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً قالت: وأي هؤلاء الذي سميتهم أفضل؟ قال: علي بعدي أفضل أمتي وحمزة وجعفر أفضل أهل بيتي بعد علي، وبعدك وبعد ابني وسبطي حسن وحسين، وبعد الأوصياء من ولد ابني هذا وأشار الى الحسين، منهم المهدي. إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا فقال علي: الحمد لله شكراً على نعمائه وصبراً على بلائه).
وفي/١٥٥: عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله تبارك وتعالى إطلع الى الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني نبياً ثم اطلع ثانية فاختار منها علياً فجعله إماماً، وجعل من صلب الحسين أئمة يقومون بأمري ويحفظون وصيتي، التاسع منهم قائمهم. ومثله في مناقب أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان: ١/٢٥٣، عن أبي أيوب. وفي كفاية الطالب/٥٠٢، عن أبي سعيد وفيه: يافاطمة إنا أهل بيت أعطينا ست خصال لم يعطها أحد من الأولين ولايدركها أحد من الآخرين غيرنا أهل البيت: نبينا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عم أبيك، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك، ومنا مهدي الأمة الذي يصلي عيسى خلفه ثم ضرب على منكب الحسين فقال: من هذا مهدي الأمة.
وفي مقاتل الطالبيين: ١/٩٧، عن الوليد بن محمد الموقري قال: كنت مع الزهري بالرصافة فسمع أصوات لعابين فقال لي: يا وليد أنظر ما هذا؟ فأشرفت من كوة في بيته فقلت: هذا رأس زيد بن علي، فاستوى جالساً ثم قال: أهلك أهل هذا البيت العجلة فقلت: أو يملكون؟ قال: حدثني علي بن الحسين عن أبيه عن فاطمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لها: المهدي من ولدك). ومثله في تهذيب ابن عساكر: ٦/٢٦. لكن في دلائل الإمامة/٢٣٤، عن الوليد بن محمد المروزي قال: كنت واقفاً بالرصافة نصف النهار على باب الزهري، فمر اللعابون يطوفون برأس زيد بن محمد، فبكى ثم قال: يملك أهل هذا البيت ولكن العجلة، قلت يا أبا بكر أو يملكون؟ قال: حدثني علي بن الحسين، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وآله قال لفاطمة: المهدي من ولدك).
وفي عوالم النصوص على الأئمة/١٧٤، عن أبي أيوب: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: علي مع الحق والحق معه وهو الإمام والخليفة بعدي... والأئمة بعد الحسين تسعة من صلبه ومنهم القائم الذي يفتح حصون الضلالة. وفي/١٧٧، عن عمار قال: لمّا حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله الوفاة دعا بعلي عليه السلام فساره طويلاً... فبكت فاطمة عليها السلام وبكى الحسن والحسين فقال لفاطمة... فإنك سيدة نساء أهل الجنة وأباك سيد الأنبياء وابن عمك خير الأوصياء وأبناك سيدا شباب أهل الجنة، ومن صلب الحسين يخرج الله الأئمة التسعة مطهرون معصومون، ومنا مهدي هذه الأمة).
وفي كفاية الأثر/٦٢، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الشكاة التي قبض فيها، إذا فاطمة عند رأسه قال فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله طرفه إليها فقال: حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك؟ قالت: أخشى الضيعة من بعدك قال: يا حبيبتي لا تبكين فنحن أهل بيت أعطانا الله سبع خصال لم يعطها قبلنا ولا يعطيها أحداً بعدنا: أنا خاتم النبيين وأحب الخلق إلى الله عز وجل وهو أنا أبوك ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وأحبهم إلى الله وهو عمك، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين وسوف يخرج الله من صلب الحسين تسعة من الأئمة أمناء معصومين، ومنا مهدي هذه الأمة إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً وتظاهرت الفتن، وتقطعت السبل وأغار بعضهم على بعض فلا كبير يرحم صغيراً ولا صغير يوقر كبيراً، فيبعث الله عند ذلك مهدينا التاسع من صلب الحسين، يفتح حصون الضلالة وقلوباً غلفاً يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً). انتهى.
وفي كتاب سُليم بن قيس/٦٩، قال سليم: سمعت سلمان الفارسي قال: كنت جالساً بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه الذي قبض فيه، فدخلت فاطمة عليها السلام فلما رأت ما برسول الله صلى الله عليه وآله خنقتها العبرة حتى جرت دموعها على خديها، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: يا بنية ما يبكيك؟ قالت: يا رسول الله أخشى على نفسي وولدي الضيعة من بعدك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله واغرورقت عيناه: يا فاطمة أو ما علمت أنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنه حتم الفناء على جميع خلقه. إن الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني منهم فجعلني نبياً، ثم اطلع إلى الأرض ثانيا فاختار بعلك وأمرني أن أزوجك إياه وأن أتخذه أخاً ووزيراً ووصياً.. في حديث طويل قال فيه: وابناك الحسن والحسين سبطا أمتي وسيدا شباب أهل الجنة، ومنا والذي نفسي بيده مهدي هذه الأمة، الذي يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجورا). ونحوه تفسير فرات الكوفي/١٧٩، عن عبد الله بن عباس عن سلمان وفيه: والمهدي الذي يصلي عيسى خلفه.. وكمال الدين: ١/٢٦٢، عن سليم بن قيس الهلالي عن سلمان بتفاوت يسير. وأمالي الطوسي: ٢/٢١٩، عن أبي الطفيل عن سلمان باختصار، وفي آخره: والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ومن ذريتكما المهدي يملأ الله عز وجل به الأرض عدلاً كما ملئت قبله جوراً. وإرشاد القلوب: ٢/٤١٩، عن كمال الدين.. الخ.
أقول: ماذا يريد المخالفون لأهل البيت عليهم السلام بعد هذا الحديث النبوي على إمامة العترة وخلافتهم؟! فلو كانوا منصفين لكفاهم هذا النص الصريح في اختيار الله لعترة نبيه صلى الله عليه وآله للإمامة والخلافة!
النبي صلى الله عليه وآله يبشر علياً بالمهدي عليهما السلام
في دلائل الإمامة/٢٥٠، عن أنس بن مالك قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم فرأى علياً فوضع يده بين كتفيه ثم قال: يا علي، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يملك رجل من عترتك يقال له المهدي، يهدي إلى الله عز وجل ويهتدي به العرب كما هديت أنت الكفار والمشركين من الضلالة. ثم قال: ومكتوب على راحتيه بايعوه فإن البيعة لله عز وجل.
النعماني/٩٢، عن عبد خير قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه يقول: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي الأئمة الراشدون المهتدون المعصومون من ولدك أحد عشر إماماً أنت أولهم وآخرهم اسمه إسمي، يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يأتيه الرجل والمال كدس فيقول يا مهدي أعطني فيقول: خذ). وغيبة الطوسي/٩٠. والكُدْس: المتراكم جمعه كدوس وأكداس.
النعماني/٥٧، عن الحسن بن أبي الحسن البصري يرفعه قال: أتى جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد إن الله عز وجل يأمرك أن تزوج فاطمة من علي أخيك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام فقال له: يا علي إني مزوجك فاطمة ابنتي سيدة نساء العالمين وأحبهن إليَّ بعدك وكائنٌ منكما سيدا شباب أهل الجنة، والشهداء المضرجون المقهورون في الأرض من بعدي، والنجباء الزهر الذين يطفئ الله بهم الظلم ويحيي بهم الحق ويميت بهم الباطل، عدتهم عدة أشهر السنة، آخرهم يصلي عيسى بن مريم خلفه). ومقتضب الأثر/٢٩، وعوالم العلوم: ١/٣٦٧. والزُّهْر: جمع أزهر: المضيء.
النبي صلى الله عليه وآله يبشر الحسين بالمهدي عليهما السلام
عقد الدرر/٢٤، عن أبي نعيم في صفة المهدي قال: وعن حذيفة رضي الله عنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله، فذكرنا رسول الله بما هو كائن، ثم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لطول الله عز وجل ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً من ولدي اسمه اسمي، فقام سلمان الفارسي رضي الله عنه فقال يارسول الله من أي ولدك؟ قال من ولدي هذا وضرب بيده على الحسين). وذخائر العقبى/١٣٦، عن حذيفة، وفرائد السمطين: ٢/٣٢٥، عن حذيفة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فذكر ما هو كائن، وفيه: فضرب بيده على ظهر الحسين. والمنار المنيف/١٤٨، عن الطبراني، والقول المختصر/٧، عن أبي نعيم وفيه: حتى يملك رجل من أهل بيتي تجري الملاحم على يديه ويظهر الإسلام، لايخلف الله وعده وهو سريع الحساب).
كفاية الطالب/٥١٠، عن حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لبعث الله فيه رجلاً اسمه إسمي وخلقه خلقي، يكنى أبا عبد الله، يبايع له الناس بين الركن والمقام، يرد الله به الدين ويفتح له فتوحاً فلا يبقى على ظهر الأرض إلا من يقول لا إله إلا الله. فقام سلمان فقال: يارسول الله من أي ولدك هو؟ قال: من ولد إبني هذا، وضرب بيده على الحسين عليه السلام).
دلائل الإمامة/٢٣٤، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده إن مهدي هذه الأمة الذي يصلي خلفه عيسى منا ثم ضرب يده على منكب الحسين وقال: من هذا، من هذا).
غيبة الطوسي/١١٦، عن أبي سعيد الخدري من حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وآله، جاء فيه: ومنا من له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنة وهو ابن عمك جعفر، ثم ضرب بيده على منكب الحسين عليه السلام فقال: من هذا، ثلاثاً).
وفي عمدة النظر/١١٦، عن جابر بن عبد الله.. وفيه: ومنا سبطا هذه الأمة وهما أبناك الحسن والحسين، وسوف يخرج الله من صلب الحسين تسعة من الأئمة معصومون. ومنا مهدي هذه الأمة إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً وتظاهرت الفتن وتعطلت السبل وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيراً ولاصغير يوقر كبيراً فيبعث الله عند ذلك مهدينا التاسع من صلب الحسين، يفتح حصون الضلالة وقلوباً غلفاً، يقوم الدين في آخر الزمان كما قمت به أول الزمان، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً). وفي النجاة في القيامة/١٦٧، عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال للحسين عليه السلام: ابني هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم. حجة ابن حجة أخو حجة أبو حجج تسع).
وفي البرهان/٤٦، عن سلمان الفارسي قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا الحسين على فخذه وهو يقبل خديه ويلثم فاه ويقول: أنت سيد ابن سيد أخو سيد، وأنت إمام ابن إمام أخو إمام، وأنت حجة أخو حجة أبو حجج تسعة، تاسعهم قائمهم المهدي. وفي الدر النظيم/٧٩١، عن سلمان قال: دخلت على رسول الله والحسين بن علي على فخذه فقال لي: ياسلمان إن ابني هذا سيد ابن سيد أبو سادة حجة ابن حجة أبو حجج إمام وابن إمام أبو أئمة تسعة من ولده، تاسعهم قائمهم).
وفي عوالم النصوص على الأئمة/١٤٦، عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول للحسين عليه السلام: ياحسين أنت الإمام ابن الإمام أخو الإمام تسعة من ولدك أئمة أبرار تاسعهم قائمهم. فقيل يا رسول الله كم الأئمة بعدك؟ قال: إثنا عشر تسعة من صلب الحسين).
وفي عمدة النظر/١١٦، عن مناقب الخوارزمي: عن سلمان قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا الحسين على فخذيه وهو يقبل عينيه ويقبل فاه ويقول: أنت سيد أخو سيد، أنت إمام ابن إمام أخو إمام، أنت حجة ابن حجة أخو حجة، وأنت أبو حجج تسعة، تاسعهم قائمهم. وفيه/١٨٢، عن حذيفة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فذكرنا بما هو كائن ثم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله عز وجل ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً من ولدي اسمه إسمي فقام سلمان الفارسي فقال: يارسول الله من أي ولدك؟ قال: هو من ولدي هذا وضرب بيده على الحسين عليه السلام).
وكذلك بشَّر عليٌّ ولده الحسين عليهما السلام
كمال الدين: ١/٣٠٤، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهم السلام أنه قال: (التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق، المظهر للدين والباسط للعدل، قال الحسين: فقلت له: يا أمير المؤمنين وإن ذلك لكائن؟ فقال عليه السلام: إي والذي بعث محمداً صلى الله عليه وآله بالنبوة واصطفاه على جميع البرية، ولكن بعد غيبة وحيرة فلا يثبت فيها على دينه إلا المخلصون المباشرون لروح اليقين الذين أخذ الله عز وجل ميثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه). وإعلام الورى/٤٠٠، وعنه كشف الغمة: ٣/٣١١، وإثبات الهداة: ٣/٤٦٤، والبحار: ٥١/١١٠، وكفاية الأثر/٦٦، كما في رواية كمال الدين الأولى.. الى آخر المصادر.
إبتكار النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام أساليب جديدة في التحديد
ينحني الإنسان إجلالاً لطريقة النبي صلى الله عليه وآله في التحديد، عندما يقرأ في مصادر الجميع أحاديث نزول آية التطهير وتحديد آله وأهل بيته صلى الله عليه وآله، فقد أرسل رسولاً فأحضر علياً وفاطمة والحسنين عليهم السلام وأدار عليهم كساءً ثم تكلم ودعا لهم، وأرادت أم سلمة أن تدخل معهم فلم يقبل، وجذب منها الكساء، كما روى أحمد وغيره! وكذا ذهابه بعد نزول الآية فجراً الى باب علي وفاطمة عليهما السلام ستة أشهر أو تسعة، كما روى أحمد وغيره، وقراءته آية التطهير بصوت مرتفع!
ومضافاً الى هذا التحديد الحسي، تضمن كلامه صلى الله عليه وآله بلاغات أخرى، رووا بعضها ورويناها كاملة، منها أنه قال: علي وفاطمة والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين تاسعهم مهديهم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً. (الكافي: ١/٥٢٩ وكفاية الأثر/٦٦).
ومن أفعاله المبتكرة صلى الله عليه وآله، أنه استدعى علياً عليه السلام في حجة الوداع وأصعده على المنبر ورفع بيده وبلغ رسالة ربه فيه، وطلب من المسلمين أن ينصبوا له خيمة ويهنؤوه ويبايعوه بالولاية بعده! وعدد من أقواله الصريحة صلى الله عليه وآله كقوله: الأئمة بعدي اثنا عشر غرسوا في هذا البطن من هاشم، لاتصلح على سواهم ولاتصلح الولاة من غيرهم). (نهج البلاغة: ٢/٢٧). وقوله صلى الله عليه وآله: إن الأئمة بعدي اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من صلب الحسين والتاسع قائمهم، يخرج في آخر الزمان فيملؤها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً) (كفاية الأثر/٢٥٠). وقوله صلى الله عليه وآله: (إذا توالت أربعة أسماء من الأئمة من ولدي محمد وعلي والحسن فرابعها هو القائم المأمول المنتظر). (دلائل الإمامة/٢٣٦).
وكذا تعابيره صلى الله عليه وآله عن المهدي عليه السلام بقوله: المهدي من عترتي.. من أولاد فاطمة.. التاسع من صلب الحسين.. ابن خيرة الإماء.. بنا فتح الله وبنا يختم.. لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوله الله ذلك اليوم حتى يبعث الله.. يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.. نحن ولد عبد المطلب سبعة سادة أهل الجنة.. الخ.
الإمام الكاظم عليه السلام يشرح حديث جده صلى الله عليه وآله
روى في الكافي: ١/٣٣٦، بسند صحيح أن الإمام الكاظم عليه السلام قال لأولاده وأرحامه: إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم لا يزيلكم عنها أحد. يابنيَّ إنه لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به! إنما هي محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه. لو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحَّ من هذا لاتبعوه. قال فقلت: يا سيدي مَن الخامس من ولد السابع؟ فقال: يا بني عقولكم تصغر عن هذا وأحلامكم تضيق عن حمله، ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه). ومثله النعماني/١٥٤، والهداية/٣٦١. وفي رواية أن أخاه علي بن جعفر سأله: فنموت بشك منه؟ قال: لا، أنا السابع وابني علي الرضا الثامن، وابنه محمد التاسع، وابنه علي العاشر، وابنه الحسن حادي عشر، وابنه محمد سمي جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وكنيته المهدي الخامس بعد السابع، قلت: فرج الله عنك يا سيدي كما فرجت عني). وإثبات الوصية/٢٢٤، وكمال الدين: ٢/٣٥٩ وعلل الشرائع: ١/٢٤٤ وكفاية الأثر/٢٦٤، ودلائل الإمامة/٢٩٢، وغيبة الطوسي/١٠٤، و٢٠٤، وإعلام الورى/٤٠٦، كالكافي وبعضها بتفاوت يسير.. الى آخر المصادر.
أمير المؤمنين عليه السلام: يبشر بالمهدي الحادي عشر من ولده
الكافي: ١/٣٣٨، عن الأصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين عليه السلام فوجدته متفكراً ينكت في الأرض فقلت: يا أمير المؤمنين ما لي أراك متفكراً تنكت في الأرض أرغبة منك فيها؟ فقال: لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوماً قط، ولكني فكرت في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي، هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، تكون له غيبة وحيرة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون. فقلت: يا أمير المؤمنين وكم تكون الحيرة والغيبة؟ قال (سبتٌ من الدهر). فقلت: وإن هذا لكائن؟ فقال: نعم كما أنك مخلوق وأنى لك بهذا الأمر يا أصبغ، أولئك خيار هذه الأمة مع أبرار هذه العترة. فقلت: ثم ما يكون بعد ذلك؟ فقال: ثم يفعل الله ما يشاء، فإن له بداءات وإرادات وغايات ونهايات). والهداية الكبرى/٨٨، وفيه: من يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي وهو المهدي.. ثم ماذا؟ قال يفعل الله ما يشاء، من الرجعة البيضاء والكرة الزهراء، وإحضار الأنفس الشح والقصاص والأخذ بالحق والمجازاة بكل ما سلف ثم يغفر الله لمن يشاء. وإثبات الوصية/٢٢٥، كالكافي بتفاوت، و/٢٢٩، وفيه: له غيبة وفي أمره حيرة.. وذلك إذا فقد الباب بينه وبين شيعتنا تكون الحيرة. وغيبة النعماني/٦٠، وفيه: سبت من الدهر.. قلت أدرك ذلك الزمان، وكمال الدين: ١/٢٨٨، كما في الكافي بتفاوت يسير. وكذا كفاية الأثر/٢١٩، ودلائل الإمامة/٢٨٩، والإختصاص/٢٠٩، وغيبة الطوسي/١٠٣، كما في الكافي، بسندين عن الأصبغ.. الخ. ورسائل المفيد/٤٠٠ وقال: هذا الخبر الذي روته العامة والخاصة وهو خبر كميل بن زياد. وفيه: ما رغبت فيها ساعة قط.. التاسع من ولد الحسين عليه السلام هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.. يكون له غيبة يرتاب فيها المبطلون، يا كميل بن زياد، لابد له من حجة، إما ظاهر مشهور شخصه وإما باطن مغمور، لكيلا تبطل حجج الله).. الخ.
وفي معاني الأخبار/٥٨، عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام قال: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بالكوفة بعد منصرفه من النهروان، وبلغه أن معاوية يسبه ويلعنه ويقتل أصحابه، فقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله، وذكر ما أنعم الله على نبيه وعليه، ثم قال في حديث طويل: ومن ولدي مهدي هذه الأمة). وبشارة المصطفى/١٢، والمحتضر/٤١، والبحار: ٣٥/٤٥.
الإمام الحسين عليه السلام يبشر بالمهدي التاسع من ولده!
في كمال الدين: ١/٣١٧، عن الحسين بن علي عليه السلام قال: قائم هذه الأمة هو التاسع من ولدي، وهو صاحب الغيبة وهو الذي يقسم ميراثه وهو حي). وعنه إعلام الورى/٤٠١ والعدد القوية/٧١، والصراط المستقيم: ٢/١٢٩، وإثبات الهداة: ٣/٤٦٥، والبحار: ٥١/١٣٣.. الخ.
وفي كمال الدين: ١/٣١٧، عن الحسين بن علي عليهما السلام قال: في التاسع من ولدي سنة من يوسف وسنة من موسى بن عمران عليهما السلام وهو قائمنا أهل البيت، يُصلح الله تبارك وتعالى أمره في ليلة واحدة). وعنه إعلام الورى/٤٠١، وكشف الغمة: ٣/٣١٢، والبحار: ٥١/١٣٢، الخ.
كفاية الأثر/٢٣٢، عن يحيى بن نعمان قال: كنت عند الحسين عليه السلام إذ دخل عليه رجل من العرب متلثماً أسمر شديد السمرة، فسلم ورد الحسين عليه السلام فقال: يا ابن رسول الله مسألة؟ قال: هات. قال: كم بين الإيمان واليقين؟ قال: أربع أصابع. قال: كيف؟ قال: الإيمان ما سمعناه واليقين ما رأيناه وبين السمع والبصر أربع أصابع. قال: فكم بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مستجابة. قال: فكم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس. قال: فما عز المرء؟ قال: استغناؤه عن الناس. قال: فما أقبح شيء؟ قال: الفسق في الشيخ قبيح، والحدة في السلطان قبيحة، والكذب في ذي الحسب قبيح، والبخل في ذي الغنا، والحرص في العالم.
قال: صدقت ياابن رسول الله، فأخبرني عن عدد الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل. قال: فسمهم لي قال: فأطرق الحسين عليه السلام ملياً ثم رفع رأسه فقال: نعم أخبرك يا أخا العرب، إن الإمام والخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين علي عليه السلام والحسن وأنا وتسعة من ولدي، منهم علي ابني وبعده محمد ابنه وبعده جعفر ابنه وبعده موسى ابنه وبعده علي ابنه وبعده محمد ابنه وبعده علي ابنه وبعده الحسن ابنه وبعده الخلف المهدي هو التاسع من ولدي، يقوم بالدين في آخر الزمان. قال: فقام الأعرابي وهو يقول:

مَسَحَ النبيُّ جَبينهُ فلهُ بريقٌ في الخدودِ * * * أبواهُ من علياً قريش ِ وجدُّهُ خيرُ الجُدود).

كمال الدين: ١/٣١٧، عن عبد الرحمن بن سليط قال: قال الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام: منا إثنا عشر مهدياً، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو القائم بالحق، يحيي الله به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحق على الدين كله، ولو كره المشركون. له غيبة يرتد فيها أقوام ويثبت فيها على الدين آخرون، فيؤذون ويقال لهم: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين أما إن الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله. وعيون أخبار الرضا عليه السلام: ١/٦٨، وكفاية الأثر/٢٣١، ومقتضب الأثر/٢٣، وإعلام الورى/٣٨٤.
إثبات الهداة: ٣/٥٦٩، عن إثبات الرجعة للفضل بن شاذان، عن أبي جعفر، عن جده الحسين عليهم السلام قال: يظهر الله قائمنا فينتقم من الظالمين، فقيل له: يا ابن رسول الله من قائمكم؟ قال: السابع من ولد ابني محمد بن علي، وهو الحجة بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي ابني، وهو الذي يغيب مدة طويلة ثم يظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كماً ملئت جوراً وظلماً).
الإمام زين العابدين عليه السلام: كأني بصاحبكم قد علا فوق نجفكم
في أمالي المفيد/٤٥ عن أبي خالد الكابلي قال: قال لي علي بن الحسين عليهما السلام: يا أبا خالد لتأتين فتن كقطع الليل المظلم، لاينجو إلا من أخذ الله ميثاقه! أولئك مصابيح الهدى وينابيع العلم، ينجيهم الله من كل فتنة مظلمة. كأني بصاحبكم قد علا فوق نجفكم بظهر كوفان، في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله وإسرافيل أمامه، معه راية رسول الله صلى الله عليه وآله قد نشرها، لا يهوي بها إلى قوم إلا أهلكهم الله عز وجل). وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٥٦، والبحار: ٥١/١٣٥.
الإمام الباقر عليه السلام: قائمنا السابع من ولدي
كفاية الأثر/٢٩٧، عن زيد بن علي عليه السلام قال كنت عند أبي علي بن الحسين عليه السلام إذ دخل عليه جابر بن عبد الله الأنصاري، فبينما هو يحدثه إذ خرج أخي محمد من بعض الحجر، فأشخص جابر ببصره نحوه ثم قام إليه فقال: يا غلام أقبل فأقبل ثم قال: أدبر فأدبر فقال شمائل كشمائل رسول الله صلى الله عليه وآله ما اسمك يا غلام؟ قال: محمد. قال: ابن من؟ قال: ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال: أنت إذاً الباقر، قال: فانكبَّ عليه وقبل رأسه ويديه ثم قال: يا محمد إن رسول الله صلى الله عليه وآله يقرؤك السلام، قال: على رسول الله أفضل السلام وعليك يا جابر بما أبلغت السلام. ثم عاد إلى مصلاه، فأقبل يحدث أبي ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي يوماً: يا جابر إذا أدركت ولدي الباقر فاقرأه مني السلام فإنه سميي وأشبه الناس بي، علمه علمي وحكمه حكمي، سبعة من ولده أمناء معصومون أئمة أبرار، والسابع مهديهم الذي يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ). وعنه إثبات الهداة: ١/٦٠٤، والبحار: ٣٦/٣٦٠.
كفاية الأثر/٢٥٠، عن أبي مريم عبد الغفار بن القاسم، قال: دخلت على مولاي الباقر عليه السلام وعنده أناس من أصحابه ذكر الإسلام فقلت: يا سيدي فأي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المؤمنون من لسانه ويده. قلت: فما أفضل الأخلاق؟ قال: الصبر والسماحة. قلت: فأي المؤمنين أكمل إيماناً؟ قال: أحسنهم خلقاًٍ. قلت: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده وأهريق دمه. قلت: فأي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت. قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: أن تهجر ما حرم الله عز وجل عليك. قلت: يا سيدي فما تقول في الدخول على السلطان؟ قال: لا أرى لك ذلك. قلت: فإني ربما سافرت إلى الشام فأدخل على إبراهيم بن الوليد. قال يا عبد الغفار إن دخولك على السلطان يدعو إلى ثلاثة أشياء: محبة الدنيا، ونسيان الموت وقلة الرضا بما قسم الله. قلت: يا ابن رسول الله فإني ذو عَيلة وأتَّجر إلى ذلك المكان لجر المنفعة فما ترى في ذلك؟ قال: يا عبد الله إني لست آمرك بترك الدنيا بل آمرك بترك الذنوب. فترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة، وأنت إلى إقامة الفريضة أحوج منك إلى اكتساب الفضيلة. قال: فقبلت يده ورجله وقلت: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله فما نجد العلم الصحيح إلا عندكم، وإني قد كبرت سني ودق عظمي ولا أرى فيكم ما أسره أراكم مقتلين مشردين خائفين، وإني أقمت على قائمكم منذ حين أقول: يخرج اليوم أو غداً. قال: يا عبد الغفار إن قائمنا هو السابع من ولدي، وليس هو أوان ظهوره، ولقد حدثني أبي عن أبيه عن آبائه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الأئمة بعدي اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل، تسعة من صلب الحسين، والتاسع قائمهم، يخرج في آخر الزمان فيملؤها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. قلت: فإن كان هذا كائن يا ابن رسول الله فإلى من بعدك؟ قال: إلى جعفر وهو سيد أولادي وأبو الأئمة، صادق في قوله وفعله، ولقد سألت عظيماً يا عبد الغفار، وإنك لأهل الإجابة، ثم قال: ألا إن مفاتيح العلم السؤال وأنشأ يقول:
شفاءُ العَمَى طولُ السؤال وإنما تمامُ العمى طولُ السكوت على الجهلِ).
الإمام الصادق عليه السلام يبشر بالمهدي السادس من ولده
كمال الدين: ١/٣٣، عن السيد بن محمد الحميري قال: كنت أقول بالغلو وأعتقد غيبة محمد بن علي بن الحنفية، قد ضللت في ذلك زماناً، فمنَّ الله عليَّ بالصادق جعفر بن محمد وأنقذني به من النار وهداني إلى سواء الصراط، فسألته بعد ما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها منه أنه حجة الله عليَّ وعلى جميع أهل زمانه، وأنه الإمام الذي فرض الله طاعته وأوجب الإقتداء به، فقلت له: يا ابن رسول الله قد رويَ لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بمن تقع؟ فقال: إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض وصاحب الزمان، والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
قال السيد: فلما سمعت ذلك من مولاي الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام تبت إلى الله تعالى ذكره على يديه وقلت قصيدتي التي أولها:

أيا راكباً نحو المدينة جَسْرةً * * * عذافرةً يُطوى بها كل سبسب
إذا ما هداك الله عاينت جعفراً * * * فقل لولي الله وابن المهذب
ألا يا أمين الله وابن أمينه * * * أتوبُ إلى الرحمن ثم تأوبي
إليك من الأمر الذي كنت مطنباً * * * أحارب فيه جاهداً كل معرب
وماكان قولي في ابن خولةَ مطنباً * * * معاندةً مني لنسل المطيب
ولكن روينا عن وصي محمد * * * وما كان فيما قال بالمتكذب
بأن وليَّ الأمر يفقد لا يرى * * * ستيراً كفعل الخائف المترقب
فتقسم أموال الفقيد كأنما * * * تغيبه بين الصفيح المنصب
فيمكث حيناً ثم ينبع نبعةً * * * كنبعة جديٍ من الأفق كوكب
يسير بنصر الله من بيت ربه * * * على سؤدد منه وأمر مسبب
يسير إلى أعدائه بلوائه * * * فيقتلهم قتلاً كحرَّانَ مغضب
فلما روِي أن ابن خولةَ غائبٌ * * * صرفنا إليه قولنا لم نكذب
وقلنا هو المهديُّ والقائم الذي * * * يعيش به من عدله كل مجدب
فإن قلت لا فالحق قولك والذي * * * أمرت فحتمٌ غير ما متعصب
وأشهد ربي أن قولك حجة * * * على الناس طراً من مطيع ومذنب
بأن ولي الأمر والقائم الذي * * * تطلُّع نفسي نحوه بتطرب
له غيبةٌ لابد من أن يغيبها * * * فصلى عليه الله من متغيب
فيمكث حيناً ثم يظهر حينه * * * فيملك من في شرقها والمغرِّب
بذاكَ أدين الله سراً وجهرةً * * * ولست وإن عوتبت فيه بمعتب).

ومثله في: ٢/٣٤٢، بدون الشعر، وإعلام الورى/٢٧٨، وبشارة المصطفى/٢٧٨، الخ.
الإمام الكاظم عليه السلام: القائم هو الخامس من ولدي
كمال الدين: ٢/٣٦١، عن يونس بن عبد الرحمن قال: دخلت على موسى بن جعفر عليهما السلام فقلت له: يا ابن رسول الله أنت القائم بالحق؟ فقال: أنا القائم بالحق ولكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله عز وجل ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون. ثم قال عليه السلام: طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أولئك منا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم ثم طوبى لهم، وهم والله معنا في درجتنا يوم القيامة). وكفاية الأثر/٢٦٥، بسند آخر، وإعلام الورى/٤٠٧... الخ.
الإمام الرضا عليه السلام يبشر بالمهدي الرابع من ولده
كمال الدين: ٢/٣٧٦، عن الريان بن الصلت قال: قلت للرضا: أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: أنا صاحب هذا الأمر ولكني لست بالذي أملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني، وإن القائم هو الذي إذا خرج كان في سن الشيوخ ومنظر الشبان، قوياً في بدنه حتى لو مدَّ يده إلى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، يكون معه عصا موسى وخاتم سليمان، ذاك الرابع من ولدي يغيبه الله في ستره ما شاء ثم يظهره فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً). وإعلام الورى/٤٠٧، وكشف الغمة: ٣/٣١٤.
كمال الدين: ١/٣٧١، عن الحسين بن خالد قال: قال علي بن موسى الرضا عليه السلام: لا دينَ لمن لا ورعَ له ولا إيمان لمن لا تقية له، إن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية، فقيل له: يا ابن رسول الله إلى متى؟ قال: إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم خروج قائمنا أهل البيت فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا! فقيل له: يا ابن رسول الله ومن القائم منكم أهل البيت؟ قال الرابع من ولدي ابن سيدة الإماء، يُطهر الله به الأرض من كل جور ويقدسها من كل ظلم. وهو الذي يشك الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه، فإذا خرج أشرقت الأرض بنوره ووضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلم أحد أحداً. وهو الذي تطوى له الأرض ولا يكون له ظل. وهو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الأرض بالدعاء إليه يقول: ألا إن حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه فإن الحق معه وفيه، وهو قول الله عز وجل: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ. إن دولة أهل البيت هي الآية في الآية). وكفاية الأثر/٢٧٠، وإعلام الورى/٤٠٨، الخ.
إثبات الوصية/٢٢٧، عن أحمد بن هلال، عن الحسن بن محبوب، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: لا بدَّ من فتنة صماء صيْلم تظهر فيها كل بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض! ثم قال من بعد كلام طويل: كأني بهم شر ما كانوا وقد نودوا ثلاثة أصوات الصوت الأول أزفت الآزفة يا معشر المؤمنين، والصوت الثاني ألا لعنة الله على الظالمين، والثالث بدن يظهر فيرى في قرن الشمس يقول: إن الله بعث فلاناً فاسمعوا وأطيعوا). وكمال الدين: ٢/٣٧٠، وعيون أخبار الرضا عليه السلام: ٢/٦، ودلائل الإمامة/٢٤٥،، وغيبة الطوسي/٢٦٨، بسندين.
ونحوه النعماني/١٨٠، وفيه: قال لي الرضا عليه السلام: إنه يا حسن سيكون فتنة صماء صيلم، يذهب فيها كل وليجة وبطانة وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يحزن لفقده أهل الأرض والسماء! كم من مؤمن ومؤمنة متأسف متلهف حيران حزين لفقده. ثم أطرق ثم رفع رأسه وقال: بأبي وأمي سمي جدي وشبيهي وشبيه موسى بن عمران، عليه جيوب النور تتوقد من شعاع ضياء القدس، كأني به آيس ما كانوا قد نودوا نداء يسمعه من بالبعد كما يسمعه من بالقرب، يكون رحمةً على المؤمنين وعذاباً على الكافرين، فقلت: بأبي وأمي أنت وما ذلك النداء؟ قال ثلاثة أصوات في رجب، أولها: ألا لعنة الله على الظالمين، والثاني: أزفت الآزفة يا معشر المؤمنين، والثالث: يرون بدناً بارزاً مع قرن الشمس ينادي ألا إن الله قد بعث فلاناً على هلاك الظالمين، فعند ذلك يأتي المؤمنين الفرج ويشفي الله صدورهم، ويذهب غيظ قلوبهم). هذا، وتأتي بشارة الإمام الجواد والهادي والعسكري عليهم السلام في غيبته عليه السلام.

* * *
الفصل السابع: الإمام المهدي عليه السلام خاتم الأوصياء

قال النبي صلى الله عليه وآله: بنا فتح الله وبنا يختم
ابن حماد: ١/٣٧٠، بعدة روايات، عن علي عليه السلام قال: قلت يا رسول الله، المهدي منا أئمة الهدى أم من غيرنا؟ قال: بل منا، بنا يختم الدين كما بنا فتح، وبنا يستنقذون من ضلاله الفتنة كما استنقذوا من ضلالة الشرك، وبنا يؤلف الله بين قلوبهم في الدين بعد عداوة الفتنة، كما ألف الله بين قلوبهم ودينهم بعد عداوة الشرك). والطبراني في الأوسط: ١/١٣٦، عن علي بن أبي طالب، قال للنبي صلى الله عليه وآله: أمِنَّا المهدي أم من غيرنا يا رسول الله؟ فقال.. كابن حماد بتقديم وتأخير، وفيه: قال علي: أمؤمنون أم كافرون؟ فقال: مفتون وكافر). وشرح النهج: ٩/٢٠٦ خطبة١٥٧، وقال: وهذا الخبر مروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله قد رواه كثير من المحدثين عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: إن الله قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين. فقلت: يا رسول الله فبأي المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك، أبمنزلة فتنة أم بمنزلة ردة؟ فقال: بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل، فقلت: يا رسول الله، أيدركهم العدل منا أم من غيرنا؟ قال: بل منا، بنا فتح وبنا يختم وبنا ألف الله بين القلوب بعد الشرك، وبنا يؤلف بين القلوب بعد الفتنة. فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله). والشافعي في البيان/٥٠٦، عن مكحول، عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قلت: يا رسول الله أمِنَّا آل محمد المهدي أم من غيرنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا بل منا، بنا يختم الله الدين كما فتح الله بنا، وبنا ينقذون من الفتنة، كما أنقذوا من الشرك وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة الفتنة إخواناً، كما ألف الله بنا بين قلوبهم بعد عداوة الشرك، وبنا يصبحون بعد عداوة الفتنة إخواناً كما أصبحوا بعد عداوة الشرك إخواناً. وقال: هذا حديث حسن عال، رواه الحفاظ في كتبهم، فأما الطبراني فقد ذكره في المعجم الأوسط، وأما أبو نعيم فرواه في حلية الأولياء، وأما عبد الرحمن بن حاتم فقد ساقه في عواليه كما أخرجناه سواء. والسلمي في عقد الدرر/٢٥، وقال: أخرجه جماعة من الحفاظ في كتبهم، منهم أبو القاسم الطبراني وأبو نعيم الأصبهاني وعبد الرحمن بن أبي حاتم وأبو عبد الله نعيم بن حماد، وغيرهم، وزاد في روايته الثانية: وبنا ينقذون من الفتن كما أنقذوا من الشرك، وبنا يصبحون بعد عداوة الفتنة إخواناً كما أصبحوا بعد عداوة الشرك إخواناً في دينهم. وفي/ص١٤٥، وقال أخرجه الحافظ أبو بكر البيهقي. والمعجم الأوسط: ١/١٣٦، عن علي بن أبي طالب أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله: أمنا المهدي أم من غيرنا يارسول الله؟ قال: بل منا بنا يختم الله كما بنا فتح وبنا يستنقذون من الشرك، وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة بينة، كما بنا ألف بين قلوبهم بعد عداوة الشرك قال علي أمؤمنون أم كافرون؟ قال مفتون وكافر.
وقال الحافظ المغربي/٥٣٥: الحديث رواه الطبراني من طريق عبد الله بن لهيعة، عن عمرو بن جابر الحضرمي، عن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، به، أما ابن لهيعة فسيأتي الكلام عليه، وأما الحضرمي فقد روى له الترمذي وابن ماجة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث عنده نحو عشرين حديثاً، وذكره البرقي فيمن ضعف بسبب التشيع وهو ثقة، وذكره يعقوب بن سفيان في جملة الثقات، وصحح الترمذي حديثه).
وفي فتن ابن حماد: ١/٣٧٥: (عن سالم قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن المهدي، فقال: إن الله تعالى هدى هذه الأمة بأول أهل هذا البيت ويستنفذها بآخرهم لا ينتطح فيه عنزان جماء وذات قرن)! ورواه من مصادرنا: الإمامة والتبصرة/٩٢، عن الإمام الباقر عليه السلام عن الحارث بن نوفل قال: قال علي عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول الله أمنا الهداة أو من غيرنا؟ قال: وفيه: بل منا الهداة إلى يوم القيامة، بنا استنقذهم الله من ضلالة الشرك، وبنا استنقذهم الله من ضلالة الفتنة، وبنا يصبحون إخواناً بعد ضلالة الفتنة كما أصبحوا إخوانا بعد ضلالة الشرك، وبنا يختم الله، كما بنا فتح الله). ومثله كمال الدين: ١/٢٣٠.
وفي أمالي المفيد/٢٨٨، عن علي عليه السلام قال: لما نزلت على النبي صلى الله عليه وآله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ، قال لي: يا علي إنه قد جاء نصر الله والفتح. يا علي إن الهدى هو اتباع أمر الله دون الهوى والرأي، وكأنك بقوم قد تأولوا القرآن وأخذوا بالشبهات، واستحلوا الخمر بالنبيذ، والبخس بالزكاة، والسحت بالهدية! قلت: يا رسول الله فما هم إذا فعلوا ذلك، أهم أهل ردة أم أهل فتنة؟ قال: هم أهل فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل، فقلت: يا رسول الله العدل منا أم من غيرنا؟ فقال: بل منا، بنا فتح الله وبنا يختم الله، وبنا ألف الله بين القلوب بعد الشرك، وبنا يؤلف الله بين القلوب بعد الفتنة. فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله).
أقول: الختام هنا بمعنى بلوغ الأوج في الإثمار وتحقيق الهدف الإلهي، فقد ختم الله النبوة بنبينا صلى الله عليه وآله وكانت نبوته افتتاحاً للمشروع الإلهي الذي يصل الى أوجه على يد الإمام المهدي عليه السلام كما وعد عز وجل بقوله: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. فعلى يده عليه السلام تبدأ المرحلة الجديدة من حياة الإنسان على الأرض.
وما من سِرٍّ إلا والمهدي عليه السلام يختمه
روى ابن شعبة الحراني رحمه الله في تحف العقول/١٧١، خلاصة من وصية أمير المؤمنين عليه السلام لكميل بن زياد عليه السلام، وهي وصية طويلة مليئة بالعلم والحكمة، جاء فيها: (يا كميل، ما من علم إلا وأنا أفتحه، وما من سر إلا والقائم يختمه). وبشارة المصطفى/٢٤، ونهج السعادة: ٨/٢٠٨. ونورد قسماً منها لذكر بعض فقراتها للإمام المهدي عليه السلام:
عن سعيد بن زيد بن أرطاة قال: لقيت كميل بن زياد وسألته عن فضل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ألا أخبرك بوصية أوصاني بها يوماً، هي خير لك من الدنيا بما فيها؟ فقلت: بلى. قال: قال لي علي عليه السلام: يا كميل، سمِّ كل يوم باسم الله وقل: لاحول ولا قوة إلا بالله، وتوكل على الله، واذكرنا وسمِّ بأسمائنا...
يا كميل، إن رسول صلى الله عليه وآله أدبه الله عز وجل وهو عليه السلام أدبني، وأنا أؤدب المؤمنين وأورث الأدب المكرمين. يا كميل، ما من علم إلا وأنا أفتحه وما من سر إلا والقائم عليه السلام يختمه. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. ياكميل، لا تأخذ إلا عنا تكن منا. يا كميل، ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة.....
يا كميل، أنتم ممتوعون بأعدائكم، تطربون بطربهم وتشربون بشربهم وتأكلون بأكلهم، وتدخلون مداخلهم وربما غلبتم على نعمتهم، إي والله على إكراه منهم لذلك، ولكن الله عز وجل ناصركم وخاذلهم، فإذا كان والله يومكم وظهر صاحبكم لم يأكلوا والله معكم ولم يردوا مواردكم ولم يقرعوا أبوابكم ولم ينالوا نعمتكم، أذلة خائبين مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً.
يا كميل، لا تغتر بأقوام يصلون فيطيلون ويصومون فيداومون، ويتصدقون فيحسبون أنهم موفقون. يا كميل، أقسم بالله لسمعت رسول صلى الله عليه وآله يقول: إن الشيطان إذا حمل قوماً على الفواحش مثل الزنا وشرب الخمر وما أشبه ذلك من الخنا والمآثم، حبب إليهم العبادة الشديدة والخشوع والركوع والخضوع والسجود، ثم حملهم على ولاية الأئمة الذين يدعون إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون...
يا كميل، إنه مستقر ومستودع فاحذر أن تكون من المستودعين، وإنما تستحق أن يكون مستقراً إذا لزمت الجادة الواضحة التي لا تخرجك إلى عوج، ولا تزيلك عن منهج ما حملناك عليه وما هديناك إليه. يا كميل، لا غزو إلا مع إمام عادل ولا نفل إلا مع إمام فاضل! يا كميل، أرأيت لو لم يظهر نبي وكان في الأرض مؤمن تقي لكان في دعائه إلى الله مخطئاً أو مصيباً؟ بلى والله مخطئاً حتى ينصبه الله عز وجل ويؤهله له! يا كميل، الدين لله، فلا تغترن بأقوال الأمة المخدوعة التي قد ضلت بعد ما اهتدت وجحدت بعد ما قبلت. يا كميل الدين لله تعالى فلا يقبل الله تعالى من أحد القيام به إلا رسولاً أو نبياً أو وصياً! يا كميل هي نبوة ورسالة وإمامة وليس بعد ذلك إلا متولون ومتغلبون وضالون ومعتدون.
يا كميل، إن النصارى لم تعطل الله تعالى ولا اليهود، ولا جحدت موسى ولا عيسى، ولكنهم زادوا ونقصوا وحرفوا وألحدوا فلُعنوا ومُقتوا ولم يتوبوا....
يا كميل، قال رسول صلى الله عليه وآله قولاً أعلنه والمهاجرون والأنصار متوافرون يوماً بعد العصر، يوم النصف من شهر رمضان، قائمٌ على قدميه من فوق منبره: عليٌّ مني وابناي منه والطيبون مني ومنهم، وهم الطيبون بعد أمهم، وهم سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هوى، الناجي في الجنة والهاوي في لظى). انتهى.
أقول: معنى قوله عليه السلام: ما من علم إلا وأنا أفتحه: أن النبي صلى الله عليه وآله جاء بأصول العلوم التي يحتاج اليها الإنسان، وأن أمير المؤمنين عليه السلام فتح هذه الأصول، أصول علوم الدين التي يتوقف عليها تكامل الإنسان وفوزه بالخلود في النعيم. وقد استدل ابن أبي الحديد في مقدمته لشرح النهج على أن العلوم الإسلامية ترجع الى أمير المؤمنين صلى الله عليه وآله فهو مؤسسها أو مرسي أسسها.
ومعنى قوله عليه السلام: وما من سر إلا والقائم عليه السلام يختمه: أن الأسرار الخفية للعلوم والحياة يكشفها الإمام المهدي عليه السلام ويضعها بين أيدي الناس. ويكفي أنه يكشف أسرار القرآن وييسر علومه للناس، ويبني به المعرفة الإنسانية العالية، والحياة المتطورة مادياً ومعنوياً.
أمير المؤمنين عليه السلام: بنا فتح الله وبنا يختم لا بكم
في ملاحم ابن المنادي/٦٤، عن الأصبغ بن نباتة قال: خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالكوفة فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن قريشاً أئمة العرب أبرارها لأبرارها وفجارها لفجارها، ألا ولا بد من رحاً تطحن على ضلالة وتدور، فإذا قامت على قطبها طحنت بحدِّها، ألا وإن لطحنها روقاً وروقها حدتها، وفَلُّها على الله عز وجل. ألا وإني وأبرار عترتي وأهل بيتي أعلم الناس صغاراً وأحلم الناس كباراً، معنا راية الحق، من تقدمها مرق ومن تأخر عنها محق ومن لزمها لحق، وإنا أهل بيت الرحمة، وبنا فتحت أبواب الحكمة، وبحكم الله حكمنا، وبعلم الله علمنا، ومن صادق سمعنا، فإن تتبعونا تنجوا، وإن تتولوا يعذبكم الله بأيدينا، بنا فك الله ربق الذل من أعناقكم، وبنا يختم لا بكم، بنا يلحق التالي وإلينا يفيء الغالي. ولولا أن تستعجلوا وتستأخروا القدر لأمر قد سبق في البشر لحدثتكم بشباب من الموالي وأبناء العرب، ونبذ من الشيوخ، كالملح في الزاد وأقل الزاد الملح. فينا معتبر ولشيعتنا منتظر، وإنا وشيعتنا نمضي إلى الله عز وجل بالبطن والحمى والسيف، وإن عدونا يهلك بالداء والدبيلة وبما شاء الله من البلية والنقمة. وأيم الله أن لو حدثتكم بكل ما أعلم لقالت طائفة ما أكذب وأرجم، ولو انتقيت منكم مائة قلوبهم كالذهب، ثم انتقيت من المائة عشرة ثم حدثتهم فينا أهل البيت حديثاً ليناً لا أقول فيه إلا حقاً ولا أعتمد فيه إلا صدقاً، لخرجوا وهم يقولون علي من أكذب الناس، ولو اخترت من غيرهم عشرة فحدثتهم في عدونا وأهل البغي علينا أحاديث كثيرة لخرجوا وهم يقولون علي من أصدق الناس! هلك خاطب الخطب، وحاص صاحب العصب، وبقيت القلوب تَقلَّب، منها مشغب، ومنها مجدب ومنها مخصب، ومنها مشتت.
يا بَنِيَّ لِيبرَّ صغاركم كباركم وليرأف كباركم بصغاركم، ولا تكونوا كالغواة الجفاة الذين لم يتفقهوا في الدين، ولم يعطوا في الله عز وجل محض اليقين، كبيض في أداح. وويحُ الفراخ فراخ آل محمد من خليفة جبار عتريف مترف، مستخفٍّ بخلفي وخلف الخلف! وبالله لقد علمت تأويل الرسالات وإنجاز العداة وتمام الكلمات. وليكونن من أهل بيتي رجل يأمر بأمر الله قوي يحكم بحكم الله، وذلك بعد زمان مكلح مفضح يشتد فيه البلاء وينقطع فيه الرجاء ويقبل فيه الرشاء، فعند ذلك يبعث الله عز وجل رجلاً من شاطئ دجلة لأمر حزبه يحمله الحقد على سفك الدماء، قد كان في ستر وغطاء، فيقتل قوماً هو عليهم غضبان شديد الحقد حران، في سنة بخت نصر، يسومهم خسفاً ويسقيهم كأساً مصبرة سوط عذاب وسيف دمار، ثم يكون بعده هنات وأمور مشتبهات. ألا إن من شط الفرات إلى النجفات باباً إلى القطقطانيات، في آيات وآفات متواليات، يحدثن شكاً بعد يقين يقوم بعد حين، تبنى المدائن وتفتح الخزائن وتجمع الأمم، ينفذها شخص البصر وطمح النظر، وعنت الوجوه وكشف البال، حين يرى مقبلاً مدبراً، فيا لهفاه على ما أعلم، رجب شهر ذكر، رمضان تمام السنين، شوال يشال فيه من القوم، ذو القعدة يقتعدون فيه، ذو الحجة الفتح من أول العشر. ألا إن العجب كل العجب بعد جمادى ورجب، جمع أشتات وبعث أموات، وحديثات هونات هونات بينهن موتات، رافعة ذيلها داعية عولها معلنة قولها، بدجلة أو حولها.
ألا إن منا قائماً عفيفةٌ أحسابه سادةٌ أصحابه، تنادون عند اصطلام أعداء الله باسمه واسم أبيه في شهر رمضان ثلاثاً، بعد هرج وقتال وضنك وخبال، وقيام من البلاء على ساق، وإني لأعلم إلى من تخرج الأرض ودايعها وتسلم إليه خزائنها، ولو شئت أن أضرب برجلي فأقول أخرجوا من هاهنا بيضاً ودروعاً!
كيف أنتم يا بني هنات إذا كانت سيوفكم بأيمانكم مصلتات، ثم رملتم رملات ليلة البيات، ليستخلفن الله خليفة يثبت على الهدى، ولا يأخذ على حكمه الرشى، إذا دعا دعوات بعيدات المدى، دامغات المنافقين، فارجات عن المؤمنين. ألا إن ذلك كائن على رغم الراغمين، والحمد لله رب العالمين). انتهى.
وروى الجاحظ في البيان والتبيين/٢٣٨، بعضها، قال: (قال أبو عبيدة: وروى فيها جعفر بن محمد: إن أبرار عترتي وأطايب أرومتي أحلم الناس صغاراً وأعلمهم كباراً ألا وإنا من أهل بيت من علم الله علمنا وبحكم الله حكمنا ومن قول صادق سمعنا، وإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا، معنا راية الحق من تبعنا لحق ومن تأخر عنا غرق. ألا وإن بنا ترد دبرة كل مؤمن، وبنا تخلع ربقة الذل من أعناقكم، وبنا فتح وبنا ختم، لا بكم). وشرح النهج: ١/٢٧٦، عن الجاحظ، وقال/٢٨١: (وقوله في آخرها: وبنا تختم لا بكم، إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الزمان، وأكثر المحدثين على أنه من ولد فاطمة عليها السلام وأصحابنا المعتزلة لاينكرونه وقد صرحوا بذكره في كتبهم واعترف به شيوخهم إلا أنه عندنا لم يخلق بعد وسيخلق). وكنز العمال: ١٤/٥٩٢ عن ابن المنادي.
ورواها في المسترشد/٧٥، وقال إنه خطبها عندما ما ولي الأمر، ونصها: (أهلك الله فرعون وهامان وقارون، والذي نفسي بيده لتخلخلن خلخلة ولتبلبلن بلبلة ولتغربلن غربلة، ولتساطن سوطة القدر حتى يعود أعلاكم أسفلكم وأسفلكم أعلاكم، ولقد عدتم كهيئتكم يوم بعث فيكم نبيكم صلى الله عليه وآله، ولقد نبئت بهذا الموقف وبهذا الأمر! وما كتمت وَشْمَة(كلمة) ولا كذبت كذبة، هلك من ادعى وخاب من افترى، اليمين والشمال مضلة، الطريق والمنهج ما في كتاب الله وآثار النبوة، ألا إن أبغض عبد خلقه الله إلى الله لعبد وكله إلى نفسه، ورجل قمش في أشباه الناس علماً فسماه الناس عالماً حتى إذا ورد من آجن وارتوى من غير طائل، قعد قاضياً للناس لتخليص ما اشتبه من غيره، فإن قاس شيئاً بشيء لم يكذب بصره، وإن أظلم عليه شيء كتم ما يعرف من نفسه، لكيلا يقال لا يعرف، خباط عشوات ومفتاح جهالات، لا يسأل عما لا يعلم فيعلم، ولاينهض بعلم قاطع، يذري الرواية إذراء الريح الهشيم، تصرخ منه المواريث، يحل بقضائه الفرج الحرام، ويحرم بقضائه الفرج الحلال، لا مليٌّ بتصدير ما ورد عليه، ولا ذاهل عما فرط عنه. ألا إن العلم الذي هبط به آدم وجميع ما فضلت به الأنبياء عليهم السلام، في عترة نبيكم، فأين يتاه بكم وأين تذهبون. يا معشر من نجا من أصحاب السفينة هذا مثلها فيكم، كما نجا في هاتيك من نجا فكذلك من ينجو في هذه منكم من ينجو! ويل لمن تخلف عنهم، إنهم لكم كالكهف لأصحاب الكهف، سموهم بأحسن أسمائهم، وبما سموا به في القرآن، هذا عذب فرات سائغ شرابه فاشربوا، وهذا ملح أجاج فاحذروا، إنهم باب حطة فأدخلوا، ألا إن الأبرار من عترتي وأطائب أرومتي أعلم الناس صغاراً وأحلمهم كباراً، من علم الله علمنا، ومن قول صادق سمعنا، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا، وإن تدبروا عنا يهلككم الله بأيدينا أو بما شاء. معنا راية الحق من تبعها لحق ومن تخلف عنها محق، وبنا ينير الله الزمان الكلف، وبنا يدرك الله ترة كل مؤمن وبنا يفك الله ربقة الذل عن أعناقكم، وبنا يختم الله لا بكم). وروى بعضها الحراني في تحف العقول/١١٥، وفيه: (بنا فتح الله عز وجل وبنا يختم الله وبنا يمحو الله ما يشاء وبنا يدفع الله الزمان الكلب وبنا ينزل الغيث. لايغرنكم بالله الغرور، لو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها ولأخرجت الأرض نباتها، وذهبت الشحناء من قلوب العباد، واصطلحت السباع والبهائم، حتى تمشي المرأة بين العراق والشام لاتضع قدميها إلا على نبات وعلى رأسها زنبيلها لايهيجها سبع ولا تخافه). ورواها في الإرشاد/١٢٨، كالبيان والتبيين وقال: ما رواه الخاصة والعامة عنه، وذكر ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره ممن لا يتهمه خصوم الشيعة في روايته، أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في أول خطبة خطبها بعد بيعة الناس له على الأمر، وذلك بعد قتل عثمان بن عفان).
خاتم الأوصياء من ذرية خاتم الأسباط
أمالي الطوسي: ٢/١١٣، عن الإمام زين العابدين عليه السلام قال: (كنت أمشي خلف عمي الحسن وأبي الحسين عليهما السلام في بعض طرقات المدينة في العام الذي قبض فيه عمي الحسن عليه السلام وأنا يومئذ غلام لم أراهق أو كدت، فلقيهما جابر بن عبد الله وأنس بن مالك الأنصاريان في جماعة من قريش والأنصار، فما تمالك جابر بن عبد الله حتى أكب على أيديهما وأرجلهما يقبلهما، فقال رجل من قريش كان نسيباً لمروان: أتصنع هذا يا أبا عبد الله وأنت في سنك هذا وموضعك من صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان جابر قد شهد بدراً، فقال له: إليك عني فلو علمت يا أخا قريش من فضلهما ومكانهما ما أعلم لقبلت ما تحت أقدامهما من التراب. ثم أقبل جابر على أنس بن مالك فقال: يا أبا حمزة أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله فيهما بأمر ما ظننته أنه يكون في بشر. قال: له أنس: وبماذا أخبرك يا أبا عبد الله؟ قال علي بن الحسين: فانطلق الحسن والحسين عليهما السلام ووقفت أنا أسمع محاورة القوم فأنشأ جابر يحدث قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم في المسجد وقد خفَّ من حوله إذ قال لي: يا جابر أدع لي حسناً وحسيناً، وكان شديد الكلف بهما، فانطلقت فدعوتهما وأقبلت أحمل هذا مرة وهذا أخرى حتى جئته بهما، فقال لي وأنا أعرف السرور في وجهه لما رأى من محبتي لهما وتكريمي إياهما: أتحبهما يا جابر؟ فقلت: وما يمنعني من ذلك فداك أبي وأمي وأنا أعرف مكانهما منك؟ قال: أفلا أخبرك عن فضلهما؟ قلت: بلى بأبي أنت وأمي قال: إن الله تعالى لما أحب أن يخلقني خلقني نطفة بيضاء طيبة فأودعها صلب أبي آدم عليه السلام فلم يزل ينقلها من صلب طاهر إلى رحم طاهر إلى نوح وإبراهيم عليهما السلام ثم كذلك إلى عبد المطلب، فلم يصبني من دنس الجاهلية. ثم افترقت تلك النطفة شطرين إلى عبد الله وأبي طالب، فولدني أبي فختم الله بي النبوة وولد أبو طالب علياً فختمت به الوصية، ثم اجتمعت النطفتان مني ومن علي فولدنا الجهر والجهير الحسنان فختم بهما أسباط النبوة وجعل ذريتي منهما وأمرني بفتح مدينة أو قال مدائن الكفر. ومن ذرية هذا، وأشار إلى الحسين عليه السلام رجل يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فهما طاهران مطهران، وهما سيدا شباب أهل الجنة، طوبي لمن أحبهما وأباهما وأمهما وويل لمن حاربهم وأبغضهم). وتأويل الآيات: ١/٣٧٩، كأمالي الطوسي بتفاوت، عن كتاب ما اتفق فيه من الأخبار للحائري. وحلية الأبرار: ٢/٦٤.
وبمهدينا تنقطع الحجج
مروج الذهب: ١/٣٢، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إن الله حين شاء تقدير الخليفة وذرأ البرية وأبدع المبدعات نصب الخلق في صور كالهباء قبل دحو الأرض ورفع السماء، وهو في انفراد ملكوته وتوحد جبروته فأساح نوراً من نوره فلمع، ونزع قبساً من ضيائه فسطع، ثم اجتمع النور في وسط تلك الصور الخفية فوافق ذلك صورة نبينا محمد صلى الله عليه وآله، فقال الله عز من قائل: أنت المختار المنتخب، وعندك مستودع نوري وكنوز هدايتي، من أجلك أسطح البطحاء، وأمرج الماء، وأرفع السماء، وأجعل الثواب والعقاب والجنة والنار، وأنصب أهل بيتك للهداية، وأوتيهم من مكنون علمي ما لا يشكل عليهم دقيق ولا يعييهم خفي، وأجعلهم حجتي على بريتي، والمنبهين على قدرتي ووحدانيتي، ثم أخذ الله الشهادة عليهم بالربوبية والإخلاص بالوحدانية فبعد أخذ ما أخذ من ذلك شاب ببصائر الخلق انتخاب محمد وآله (فقبل أخذ ما أخذ جل شأنه ببصائر الخلق انتخب محمد وآله) وأراهم أن الهداية معه والنور له والإمامة في آله، تقديماً لسنة العدل، وليكون الإعذار متقدماً، ثم أخفى الله الخليقة في غيبه، وغيبها في مكنون علمه، ثم نصب العوامل وبسط الزمان، ومرج الماء، وأثار الزبد، وأهاج الدخان، فطفا عرشه على الماء، فسطح الأرض على ظهر الماء [وأخرج من الماء دخاناً فجعله السماء] ثم استجلبهما إلى الطاعة فأذعنتا بالإستجابة، ثم أنشأ الله الملائكة من أنوار أبدعها وأرواح اخترعها، وقرن بتوحيده نبوة محمد صلى الله عليه وآله فشهرت في السماء قبل بعثته في الأرض، فلما خلق آدم أبان فضله للملائكة، وأراهم ما خصه به من سابق العلم من حيث عرفه عند استنبائه إياه أسماء الأشياء، فجعل الله آدم محرابا وكعبة وبابا وقبلة أسجد إليها الأبرار والروحانيين الأنوار، ثم نبه آدم على مستودعه وكشف له خطر ما ائتمنه عليه، بعد ما سماه إماما عند الملائكة، فكان حظ آدم من الخير ما أراه من مستودع نورنا، ولم يزل الله تعالى يخبئ النور تحت الزمان إلى أن فضل محمداً صلى الله عليه وآله في ظاهر الفترات، فدعا الناس ظاهراً وباطناً، وندبهم سراً وإعلاناً، واستدعى عليه السلام التنبيه على العهد الذي قدمه إلى الذر قبل النسل، فمن وافقه وقبس من مصباح النور المقدم اهتدى إلى سره، واستبان واضح أمره، ومن أبلسته الغفلة استحق السخط، ثم انتقل النور إلى غرائزنا، ولمع في أئمتنا، فنحن أنوار السماء وأنوار الأرض، فبنا النجاء ومنا مكنون العلم وإلينا مصير الأمور، وبمهدينا تنقطع الحجج، خاتمة الأئمة، ومنقذ الأمة، وغاية النور، ومصدر الأمور، فنحن أفضل المخلوقين، وأشرف الموحدين، وحجج رب العالمين، فليهنأ بالنعمة من تمسك بولايتنا وقبض على عروتنا). وفي تذكرة الخواص لابن الجوزي/١٢٨، عن الحسين بن علي قال: خطب أبي أمير المؤمنين يوماً بجامع الكوفة خطبة بليغة في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: وفيه: (وبمهدينا تقطع الحجج، فهو خاتم الأئمة.. وغامض السر، فليهنأ من استمسك بعروتنا، وحُشر على محبتنا). تنقطع الحجج: أي لايبقى لأحد حجة مقابل أهل البيت عليه السلام.
الإمام العسكري عليه السلام: هو خاتم حجج الله وآخر خلفائه
في إثبات الهداة: ٣/٥٦٩، عن الفضل بن شاذان في كتاب إثبات الرجعة، عن محمد بن عبد الجبار قال: قلت لسيدي الحسن بن علي عليه السلام: يا ابن رسول الله جعلني الله فداك: أحب أن أعلم من الإمام وحجة الله على عباده من بعدك؟ فقال: إن الإمام وحجة الله من بعدي ابني سميُّ رسول الله صلى الله عليه وآله وكنِيُّه، الذي هو خاتم حجج الله وآخر خلفائه، قلت: ممن هو يا بن رسول الله؟ قال: من ابنة ابن قيصر ملك الروم ألا إنه سيولد ويغيب عن الناس غيبة طويلة ثم يظهر).
وفي مصباح المتهجد/٢٨٧، صلاة للحاجة عن الإمام الصادق عليه السلام ثم ذكر التوسل بالأئمة المعصومين عليهم السلام وجاء فيه قوله: (اللهم... وأتقرب إليك بالبقية الباقي المقيم بين أوليائه الذي رضيته لنفسك، الطيب الطاهر الفاضل الخير، نور الأرض وعمادها، ورجاء هذه الأمة وسيدها، الأمر بالمعروف الناهي عن المنكر، الناصح الأمين، المؤدي عن النبيين، وخاتم الأوصياء النجباء الطاهرين، صلوات الله عليهم أجمعين).
الإمام العسكري عليه السلام لولده: وأنت خاتم الأئمة الطاهرين
غيبة الطوسي/١٦٥، أحمد بن علي الرازي، عن محمد بن علي، عن عبد الله بن محمد بن خاقان الدهقان، عن أبي سليمان داود بن عنان البحراني قال: قرأت على أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي: دخلت على أبي محمد في المرضة التي مات فيها وأنا عنده، إذ قال لخادمه عقيد وكان الخادم أسود نوبياً قد خدم من قبله علي بن محمد، وهو ربى الحسن عليه السلام، فقال: يا عقيد أغل لي ماء بمصطكى فأغلى له، ثم جاءت به صقيل الجارية أم الخلف عليه السلام (مربيته) فلما صار القدح في يديه وهمَّ بشُربه فجعلت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسن، فتركه من يده وقال لعقيد: أدخل البيت فإنك ترى صبياً ساجداً فأتني به، قال أبو سهل: قال عقيد فدخلت أتحرى فإذا أنا بصبي ساجد رافع سبابته نحو السماء فسلمت عليه، فأوجز في صلاته فقلت: إن سيدي يأمرك بالخروج إليه، إذ جاءت أمه صقيل فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن عليه السلام، قال أبو سهل فلما مثل الصبي بين يديه سلم وإذا هو دري اللون وفى شعر رأسه قطط، مفلج الأسنان، فلما رآه الحسن عليه السلام بكى وقال: يا سيد أهل بيته إسقني الماء فإني ذاهب إلى ربي، وأخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكى بيده ثم حرك شفتيه ثم سقاه، فلما شربه قال: هيئوني للصلاة، فطرح في حجره منديل فوضأه الصبي واحدة واحدة ومسح على رأسه وقدميه، فقال له أبو محمد عليه السلام: أبشر يا بني فأنت صاحب الزمان، وأنت المهدي، وأنت حجة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيي، وأنا ولدتك وأنت محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولدك رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت خاتم الأئمة الطاهرين، وبشر بك رسول الله صلى الله عليه وآله وسماك وكناك، بذلك عهد إلي أبي عن آبائك الطاهرين، صلى الله على أهل البيت ربنا إنه حميد مجيد، ومات الحسن بن علي من وقته صلوات الله عليهم أجمعين). ومثله منتخب الأنوار/٤٢، وعنه إثبات الهداة: ٣/٤١٥. الخ.
الإمام المهدي عليه السلام: أنا خاتم الأوصياء وبي يرفع الله البلاء
إثبات الوصية للمسعودي/٢٢١: (وحدثنا علان قال حدثني أبو نصر ضرير الخادم قال: دخلت على صاحب الزمان فقال لي: علي بالصندل الأحمر فأتيته به، فقال: أتعرفني؟ قلت نعم، قال من أنا؟ فقلت أنت سيدي وابن سيدي، فقال ليس عن هذا سألتك، قال ضرير فقلت: جعلت فداك فسر لي، فقال: أنا خاتم الأوصياء وبي يرفع الله البلاء عن أهلي وشيعتي). ومثله كمال الدين: ٢/٤٤١، وغيبة الطوسي/١٤٨، والخرائج: ١/٤٥٨، والهداية/٨٧، ودعوات الراوندي/٢٠٧.. الخ.

* * *
الفصل الثامن: تحريف البشارة النبوية وادعاء المهدية!

١ - قال النبي صلى الله عليه وآله (من عترتي) فجعلوها (من أمتي)
إقرأ هذا الحديث الصحيح عندهم، الذي رواه الحافظ الإمام ابن المنادي/٤١، قال: (أخبرنا عبد الرزاق بن همام قال: قلت لسعيد بن المسيب: أحقٌّ المهدي؟ قال حق، قال قلت: ممن هو؟ قال من قريش، قلت: من أي قريش؟ قال: من بني هاشم قلت: من أي بني هاشم؟ قال: من بني عبد المطلب، قلت: من أي عبد المطلب؟ قال: من ولد فاطمة. قلت: من أي ولد فاطمة؟ قال: حسبك الآن)؟ وفرائد فوائد الفكر/٦٥ عن قتادة، وابن طاووس/١٦٤ وطبعة/٣٢٠ و٣٤٤، عن فتن زكريا، ورواه في ينابيع المودة: ٣/٢٦٢، والسيد الميلاني في شرح منهاج الكرامة: ١/٢٥٥، عن شرح المواقف: ٥/٣٤٢، وشرح المقاصد: ٨/٢٣٢، وفي جميعها: قلت: من أي ولد فاطمة؟ قال: حسبك الآن). انتهى. وسبب كتمان ابن المسيب لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله أن مدح أهل البيت عليهم السلام جريمة عند السلطة، فهو يخاف منها، ويخاف من مدعي المهدية أن يكذبهم!
ومعناه: أن تخوف الرواة من رواية الأحاديث النبوية التي تحدد هوية الإمام المهدي عليه السلام وتغييرهم عترتي بأمتي كان ضرورياً للخليفة، كما ترى في صحيح ابن حبان: ٨/١١، ومسند أبي يعلى: ٢/٢٩١، عن عبد الله بن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: يخرج رجل من أمتي يواطئ اسمه إسمي وخلقه خلقي، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً). والطبراني الكبير: ١٠/١٦٨، عن ابن عمر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاتذهب الأيام والليالي، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم حتى يبعث الله رجلاً من أمتي، يواطئ اسمه) وغيره وغيره! فمرة تجد التحريف عن ابن عمر ومرة عن ابن عمرو ومرة منسوباً الى ابن مسعود! وحتى لأبي سعيد الخدري المعروف بصدقه وجرأته حتى أنه رفض البيعة ليزيد فنتف زبانيته شعر لحيته في وقعة الحرة وبعضه لم ينبت!
قال الداني في سننه/١٠٠: عن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يخرج رجل من أمتي يعمل بسنتي، ينزل الله له البركة من السماء، وتخرج له الأرض بركتها، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً). وروى تلميذه أبو الصديق الناجي أنه كان جالساً عند منبر النبي صلى الله عليه وآله يبكي وله حنين! (قلت: ما يبكيك؟ قال: تذكرت النبي صلى الله عليه وآله ومقعده على هذا المنبر، قال: إن من أهل بيتي الأقنى الأجلى، يأتي الأرض وقد ملئت ظلماً وجوراً، فيملؤها قسطاً وعدلاً). (سنن الداني/٩٣).
ولك أن تفسر بكاءه حنيناً الى النبي صلى الله عليه وآله وعترة النبوية المظلومة عليهم السلام! وأن عليك أن تضع كلمة (عترتي) بدل (أمتي) في كل حديث حرفه رواة الخلافة!
٢ - غيروا (إسمه إسمي) الى (يواطي اسمه اسمي)!
كنت أقرأ في أحاديثهم أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (يواطي إسمه إسمي) فأتساءل: هل يمكن أن يعبر النبي صلى الله عليه وآله بتعبير من يظن ظناً وهو صاحب علم ويقين، وهل يريد أن يبهم ويقول: (إسمه قريب من إسمي)؟ لكن هل للنبي صلى الله عليه وآله غرض في إبهام إسم المهدي عليه السلام؟! وعندما تتبعتُ أحاديث أهل البيت الصادقين الطاهرين عليهم السلام وجدت نصوصهم كلها (إسمه إسمي) وليس فيها أثرٌ لكلمة يواطي أو يقارب أو يوافق!
ففي كمال الدين: ١/٢٨٦، عن جابر رحمه الله قال: قال رسول الله: المهدي من ولدي إسمه إسمي وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلْقاً وخُلُقاً، تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، ثم يقبل كالشهاب الثاقب يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً). انتهى.
فالقضية إذن أن الذين يدعون المهدية لمعاوية وموسى بن طلحة يريدون زحزحة إسم المهدي عن إسم النبي صلى الله عليه وآله الى ما يواطيه أي يوافقه أو يقاربه، ليجعلوا إسم موسى ومعاوية موافقين له في المعنى! والملاحظ أن الرواة عن ابن مسعود هم الذين اخترعوا (يواطي)! قال ابن المنادي في سننه/٤١: (سألت عاصم بن أبي النجود فقلت له: يا أبا بكر أذكرت زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاتنقضي الدنيا حتى يملك الأرض رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي؟ فقال: نعم، وكذلك خليفة). انتهى. ولعل تحريفهم بدأ بجعل: إسمه إسمي: إسمه كإسمي.. يوافق إسمي.. يواطي إسمي! (الطبراني الكبير: ١٠/١٦١، وابن المنادي/٤١، عن ابن مسعود)!
بينما رواية حذيفة تقول (إسمه إسمي) كما في عقد الدرر/٢٤، عن أبي نعيم في صفة المهدي قال: وعن حذيفة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله فذكَّرنا رسول الله بما هو كائن ثم قال: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد، لطول الله عز وجل ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً من ولدي اسمه اسمي، فقام سلمان الفارسي رضي الله عنه فقال يارسول الله من أي ولدك؟ قال من ولدي هذا، وضرب بيده على الحسين). انتهى.
٣ - أضافوا الى النص النبوي: (واسم أبيه إسم أبي)؟
والد الإمام المهدي هو الإمام الحسن، المعروف بالعسكري لأن الخلافة فرضت عليه وعلى أبيه الإمام الهادي عليهم السلام الإقامة الجبرية في عاصمتها سامراء وكان إسمها العسكر، فعرف كل منهما باسم: (العسكرييْن).
لكن المعروف عند أتباع المذاهب السنية أن إسم المهدي إسم النبي صلى الله عليه وآله وإسم أبيه عبدالله، على اسم والد النبي صلى الله عليه وآله! وقد جاءهم ذلك من مدعي المهدية لمن إسم أبيه عبدالله، ومن أقدمهم المهدي الحسني محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى، والمهدي العباسي محمد بن عبدالله المنصور الدوانيقي! وقد تعصب لهذه الزيادة أتباع ابن تيمية، وزادوا عليها إلغاء كافة الأحاديث التي تنص على أن المهدي عليه السلام من أولاد علي وفاطمة عليهما السلام، ليفسحوا المجال بذلك لمهديهم محمد بن عبدالله غير الهاشمي! فقد قامت حركة محمد بن عبدالله العتيبي في مطلع القرن الخامس عشر عام١٤٠٠هجرية على ادعاء أنه هو المهدي الموعود، وسيطر على الحرم المكي لعدة أيام وكان قائده العسكري أخ زوجته جهيمان، ودعا المسلمين الى بيعة صهره المهدي محمد بن عبدالله العتيبي! وقتل هذا(المهدي) ولم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً!
ثم ادعى الوهابيون المهدية لشخص آخر من مدينة بريدة إسمه محمد بن عبدالله، مازال حياً، ولعله من قبيلة هوازن، وزعموا أن فيه صفات الإمام المهدي عليه السلام وأخذوه الى مفتيهم الأكبر ابن باز وكلمه وامتحنه فأعجبه ووافقهم على انطباق الصفات عليه وتمنى له التوفيق! وقد نشرت هذا الخبر مواقعهم قبل نحو سنتين من وفاة شيخهم ابن باز، ولم نقرأ عن مهدي بريدة بعد ذلك إلا أنهم أخذوه الى الشيشان وأفغانستان لينطبق عليه الحديث أنه يخرج من المشرق!
لكن الصحيح أن الإمام المهدي عليه السلام يخرج من مكة، ومعنى يبدأ أمره من المشرق: تبدأ حركة أنصاره الممهدين أصحاب الرايات السود وأهل المشرق.
ويظهر أن أصل هذه الزيادة من نص نسبه الراوي الى عبد الله بن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من أهلي، يواطئ اسمه إسمي واسم أبيه إسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً). وابن حماد: ١/٣٦٧، وابن شيبة: ١٥/١٩٨، وأوسط الطبراني: ٢/١٣٥، والداني/٩٤، والعلل المتناهية: ٢/٨٥٦، وتاريخ البغدادي: ٥/٣٩١، وغيرهم، وفيها كلها: واسم أبيه إسم أبي.
كما أن هذا التحريف لم يرد في مصادر أساسية معتمدة عندهم! ففي مسند أحمد: ١/٣٧٦ بروايتين عن زر بن حبيش، عن عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاتنقضي الأيام ولايذهب الدهر حتى يملك العرب... وليس فيه: واسم أبيه إسم أبي. وفي الروض الداني على المعجم الصغير: ٢/٢٩٠، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لاتذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً. ومثله جامع الأحاديث للسيوطي: ٧/٢٦٤، بروايتين عن أبن مسعود أيضاً، ولفظهما: لاتذهب الدنيا ولا تنقضي حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي). ومسند البزار: ٥/٢٢٥، وزين الفتى: ١/٣٨٢، وأبو داود: ٤/١٠٦، بثلاثة أسانيد أخرى عن عبد الله بن مسعود، وليس فيها: إسم أبيه إسم أبي. والترمذي: ٤/٥٠٥، كرواية أحمد الثانية، والطبراني الكبير: ١٠/١٦٦، والداني/٩٨، كأبي داود بتفاوت، عن عبد الله بن مسعود. ومصابيح البغوي: ٣/٤٩٢، وجامع الأصول: ١١/٤٨، بدون: إسم أبيه إسم أبي. والإعتقاد للبيهقي/١٧٣، رواه عن علي بدونها، ثم قال: ورواه عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله: وذكر فيه: يواطئ اسمه إسمي....
وقد نقد بعض كبار علمائهم هذه الزيادة كالشافعي في البيان/٤٨٢، قال: (أخبرنا الحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم الآبري في كتاب مناقب الشافعي ذكر هذا الحديث وقال فيه: وزاد زائدة في روايته لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله رجلاً مني، أو من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي واسم أبيه إسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. قلت: وذكر الترمذي الحديث ولم يذكر قوله واسم أبيه إسم أبي. وفي مشكاة المصابيح: ٣/٢٤: رواه الترمذي وأبو داود وليس فيه واسم أبيه إسم أبي وفي معظم روايات الحفاظ والثقات من نقلة الأخبار اسمه إسمي فقط، والذي رواه إسم أبيه إسم أبي فهو زائدة وهو يزيد في الحديث. والقول الفصل في ذلك أن الإمام أحمد مع ضبطه وإتقانه روى هذا الحديث في مسنده في عدة مواضع واسمه اسمي).
وقال السلمي في عقد الدرر/٢٧: أخرجه جماعة من أئمة الحديث في كتبهم منهم الإمام أبو عيسى الترمذي في جامعه، والإمام أبو داود في سننه، والحافظ أبو بكر البيهقي، والشيخ أبو عمرو الداني، كلهم هكذا، وليس فيه: واسم أبيه إسم أبي). انتهى.
أقول: يوجد عدة رواة إسم كل منهم زائدة وبعضهم ابن أبي زائدة، ولم أصل الى تحديد زائدة الذي زاد (واسم أبيه إسم أبي) وأشهرهم زائدة بن قدامة ولاينطبق عليه كلامهم، ولعلهم يقصدون: زائدة مولى عثمان بن عفان، روى عن سعد بن أبي وقاص وروى عنه أبو الزناد، وقال عنه أحمد: حديثه منكر. (الجرح والتعديل للرازي: ٣/٦١١ وكامل ابن عدي: ٣/٢٢٨). وفائدة تعيينه معرفة حاله وصلته بمدعي المهدية الذين كذب لحسابهم كمعاوية وموسى بن طلحة، ومن بعدهما من العباسيين والحسنيين.
ومع شهادتهم بأن الزيادة موضوعة، لا تبقى حاجة لمحاولة بعضهم تأويلها كالشبلنجي والأربلي والهروي والنوري والمجلسي وغيرهم، حيث قالوا ربما كان أصلها: واسم أبيه إسم نبي، أو إسم ابني أي الحسن، ثم صحفت كلمة نبي أو ابني بأبي، ولكن ذلك كله تكلف بعد طعنهم بزائدها!
هذا، وقد يستشكل على بعض علماء الشيعة بأنه أورد هذه الزيادة في بعض ما رواه، لكن ذلك دليل على أمانته في النقل، كالطوسي وابن طاووس وغيرهم، فقد روى ابن الشيخ الطوسي رحمه الله في أماليه: ١/٣٦١، بسنده عن أبيه رحمه الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال أبي: دفع النبي صلى الله عليه وآله الراية يوم خيبر إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ففتح الله عليه. وأوقفه يوم غدير خم فأعلم الناس أنه مولى كل مؤمن ومؤمنة. وقال له.... في حديث طويل جاء فيه: ثم بكى النبي صلى الله عليه وآله فقيل: مم بكاؤك يارسول الله؟ قال: أخبرني جبرئيل أنهم يظلمونه ويمنعونه حقه ويقاتلونه ويقتلون ولده ويظلمونهم بعده. وأخبرني جبرئيل عن الله عز وجل أن ذلك الظلم يزول إذا قام قائمهم وعلت كلمتهم، واجتمعت الأمة على محبتهم، وكان الشانئ لهم قليلاً والكاره لهم ذليلاً، وكثر المادح لهم. وذلك حين تغير البلاد وضعف العباد والإياس من الفرج، وعند ذلك يظهر القائم منهم. فقيل له: ما اسمه؟ قال النبي صلى الله عليه وآله: إسمه كإسمي، واسم أبيه كاسم أبي هو من ولد ابنتي، يظهرالله الحق بهم، ويخمد الباطل بأسيافهم، ويتبعهم الناس بين راغب إليهم وخائف منهم. قال: وسكن البكاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: معاشر المؤمنين أبشروا بالفرج فإن وعد الله لايخلف وقضاءه لايرد وهو الحكيم الخبير، فإن فتح الله قريب. اللهم إنهم أهلي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. اللهم أكلأهم وارعهم، وكن لهم وانصرهم وأعنهم وأعزهم ولاتذلَّهم واخلفني فيهم، إنك على كل شيء قدير). (ومناقب الخوارزمي/٢٣). أقول: لا يُتوهم أنهما يؤيدان هذه الزيادة، فقد نصّا على أن إسم أبيه الإمام الحسن العسكري عليهما السلام، بل هو من ضرورات مذهبنا. على أن أمثال هذه الزيادة في الشاذ من رواياتنا قد تكون من رواة من غير مذهبنا، وبعضهم استبصر وبقي تأثره برواياتهم، فتسربت الينا نصوص من روايته!
٤ - (من وُلْد الحسين) جعلوها (من وُلْد الحسن)!
وقد وثَّقنا في المجلد الثالث من جواهر التاريخ استغلال الأمويين ورواتهم صلح الإمام الحسن عليه السلام لمعاوية، ومحاولتهم أن يصوروه مخالفاً لأبيه وأخيه عليهم السلام وأنه كان معارضاً لحرب الجمل وصفين، وأنه أوصى الحسين أن لايخرج على بني أمية! ورووا أحاديث ظاهرها المدح له وغرضها التعريض بأبيه وأخيه عليهم السلام!
ومن أعمالهم هنا أنهم انتقموا من الحسين عليه السلام فصادروا منه أن المهدي عليه السلام من ولده وأعطوه للإمام الحسن عليه السلام! ولكي يؤكدوا كذبهم رووه عن علي عليه السلام!
قال ابن حماد: ١/٣٧٤، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمى النبي صلى الله عليه وآله الحسن سيداً، وسيخرج الله من صلبه رجلاً اسمه اسم نبيكم، يملأ الأرض عدلاً كماً ملئت جوراً). ورواه أبو داود في سننه: ٤/١٠٨، ونصه: (عن أبي إسحاق، قال: قال علي ونظر إلى ابنه الحسن فقال: إن ابني هذا سيد كما سماه النبي صلى الله عليه وآله وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق. ثم ذكر قصة يملأ الأرض عدلاً). وجامع الأصول: ١١/٤٩ ومختصر أبي داود: ٦/١٦٢، وعنهما عقد الدرر/٢٣، ومشكاة المصابيح: ٣/٢٦ وفتن ابن كثير: ١/٣٨، والحاوي: ٢/٥٩، وعون المعبود: ١١/٣٨١، وعقيدة أهل السنة /١٦.. الخ. وقد تمسك أتباع الخلافة بهذا(الحديث) وطبَّل به أتباع بني أمية وشتموا به الشيعة! وأغمضوا عيونهم حتى عن روايتهم للحديث نفسه بلفظ: (قال علي ونظر الى ابنه الحسين)، والتصحيف وارد بين إسم الحسن والحسين عليهما السلام!
قال في فيض القدير: ٦/٣٦٢: (قال السمهودي: ويتحصل مما ثبت في الأخبار عنه أنه من ولد فاطمة. وفي أبي داود أنه من ولد الحسن والسر فيه ترك الحسن الخلافة لله شفقة على الأمة، فجعل القائم بالخلافة بالحق عند شدة الحاجة وامتلاء الأرض ظلماً من ولده، وهذه سنة الله في عباده إنه يعطي لمن ترك شيئاً من أجله أفضل مما ترك أو ذريته، وقد بالغ الحسن في ترك الخلافة ونهى أخاه عنها، وتذكر ذلك ليلة مقتله فترحم على أخيه! وما روى من كونه من ولد الحسين فواه جداً). انتهى.
وقال ابن تيمية في منهاجه: ٤/٩٥: (فالمهدي الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وآله إسمه محمد بن عبد الله، لا محمد بن الحسن، وقد روى عن علي رضي الله عنه أنه قال: هو من ولد الحسن بن علي، لا من ولد الحسين بن علي). ونحوه: ٨/٢٥٨. وزاد تلميذه ابن قيم في المنار المنيف/١٥١: (القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله من ولد الحسن بن علي يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً، وأكثر الأحاديث على هذا تدل. وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف وهو أن الحسن رضي الله تعالى عنه ترك الخلافة لله فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض... وهذا بخلاف الحسين رضي الله عنه فإنه حرص عليها وقاتل عليها فلم يظفر بها)! راجع فرحتهم بهذا الحديث وتطبيلهم به وطعنهم بالإمام الحسين عليه السلام في: صواعق ابن حجر: ٢/٤٨٠ و٦٨٠، والحاوي: ٢/٨٥، والفتاوى الحديثية/٣٠، وعون المعبود: ١١/٢٥٦، وفائق: ١/٢٣٠، والسيرة الحلبية: ١/٣١٤، وغريب ابن قتيبة: ١/٣٥٩).
وأفضل ما وجدته في الرد عليهم ما كتبه السيد الميلاني في مجلة تراثنا/عدد٤٣/٥٩ قال: (لايخفى أن هذا الحديث يؤيد النتيجة المتفق عليها بين أهل الإسلام، وهي كون المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان هو من ولد فاطمة عليها السلام كما تقدم في أول البحث، وهو مقيد لما في تلك النتيجة من إطلاق... وليس فيه اختلاف أو تعارض معها، بل التعارض الظاهر فيه إنما هو لأحاديث كون المهدي من ولد السبط الشهيد الإمام أبي عبد الله الحسين بن علي عليهم السلام... وأول ما يلحظ عليه:
١ - إنه لم يخرجه أحد من المحدثين غير أبي داود، لا قبله ولا بعده، وكل من أورده من المتأخرين عن عصر أبي داود فهو نقله عنه.
٢ - اختلاف النقل عن أبي داود في هذا الحديث، فقد قال الجزري الشافعي (ت٨٣٣ ه‍) في كتابه أسمى المناقب بعد أن ذكر ما يخص كون المهدي من ذرية الإمام الحسن عليه السلام ما هذا نصه: والأصح أنه من ذرية الحسين بن علي لنص أمير المؤمنين علي على ذلك في ما أخبرنا به شيخنا المسند رحلة زمانه عمر بن الحسن الرقي قراءة عليه قال: أنبأنا أبو الحسن البخاري، أنبأنا عمر بن محمد الدارقزي، أنبأنا أبو البدر الكرخي، أنبأنا أبو بكر الخطيب، أنبأنا أبو عمر الهاشمي، أنبأنا أبو علي اللؤلؤي، أنبأنا أبو داود الحافظ قال: حدثت عن هارون بن المغيرةقال: حدثنا عمر بن أبي قيس، عن شعيب بن خالد، عن أبي إسحاق قال علي ونظر إلى ابنه الحسين.... هكذا رواه أبو داود في سننه وسكت عنه.
٣ - الحديث منقطع ولاحجة في المنقطع لأن من رواه عن علي عليه السلام هو أبو إسحاق والمراد منه السبيعي، وهو ممن لم تثبت له رواية واحدة سماعاً عن أمير المؤمنين علي عليه السلام لأنه رأى علياً رؤية كما نص عليه المنذري في شرح حديث أبي داود: وكان عمر السبيعي عند شهادة أمير المؤمنين عليه السلام سنة٤٠ ه‍سبع سنين، لأنه ولد كما في قول ابن حجر لسنتين بقيتا من خلافة عثمان).
٤ - الحديث بالإضافة إلى انقطاعه فقد رواه أبو داود عن مجهول لم يسمه حيث قال كما مر: (حُدِّثت عن هارون) ثم ساق الحديث، وهذا وحده يكفي لإبطاله! على أن السيد صدر الدين الصدر قد ناقش هذا الحديث ورده بستة وجوه، فقال ما نصه: (أقول: بحسب القواعد المقررة في أصول الفقه لا يصح الاستناد إلى رواية أبي داود المذكورة لأمور: الأول: اختلاف النقل عن أبي داود ففي عقد الدرر نقلها عن أبي داود في سننه وفيها: أن علياً نظر إلى ابنه الحسين. الثاني: إن جماعة من الحفاظ نقلوا هذه القصة بعينها وفيها: أن علياً نظر إلى ابنه الحسين، كالترمذي، والنسائي، والبيهقي كما في عقد الدرر. الثالث: احتمال التصحيف فيها فإن لفظ الحسين والحسن في الكتابة وقوع الإشتباه فيه قريب جداً سيما في الخط الكوفي. الرابع: إنها مخالفة لما عليه المشهور من علمائهم كما نص عليه بعضهم. الخامس: إنها معارضة بأخبار كثيرة أصح سنداً وأظهر دلالة. السادس: إن احتمال الوضع وكونها صنيعة الدرهم والدينار قريب جداً، تقرباً إلى محمد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكية). انتهى. وذكر في هامشه مصادر أحاديث أنه من ولد الحسين عليه السلام قال: أنظر: المنار المنيف: ١٤٨ رقم: ٣٢٩، فصل٥٠ عن المعجم الأوسط للطبراني، عقد الدرر/٢٤ باب ١، عن كتاب الأربعين لأبي نعيم الأصبهاني. ذخائر العقبى: ١٣٦، وقد جعل حديث المهدي من ولد الإمام الحسين عليهما السلام مقيداً لما أطلق قبله، فرائد السمطين: ٢/٣٢٥ رقم ٥٧٥ باب ٦١، القول المختصر: ٧/٣٧ باب ١، فرائد فوائد الفكر: ٢ باب ١، السيرة الحلبية: ١/١٩٣، مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي الحنفي: ١/١٩٦، ينابيع المودة: ٢٢٤ باب ٥٦ و٤٩٢، كشف الغمة: ٣/٢٥٩، كشف اليقين: ١١٧، إثبات الهداة: ٣/٦١٧ رقم ١٧٤ باب ٣٢، حلية الأبرار: ٢/٧٠١ رقم ٥٤ باب ٤١، غاية المرام: ٦٩٤ رقم ١٧ باب ١٤١، منتخب الأثر/١٥٤ رقم٤٠ باب ١، وفيه أحاديث كثيرة جداً من طرق أهل السنة تثبت كون الإمام المهدي من ولد الحسين، وأن أباه هو الحسن العسكري عليهم السلام). انتهى.
أقول: يظهر لك شك علمائهم في زعمهم بأنه من ولد الحسن عليه السلام، من محاولتهم الصلح بين النصين فقالوا إنه حسني وأمه حسينية أو بالعكس! ففي فوائد الفكر/١٠١: (فقال سلمان: من أي ولدك هو؟ قال: من ولد ابني هذا وضرب على الحسين... ولعل الجمع بينهما أن أباه من ذرية أحدهما، وأمه من ذرية الآخر. فتأمل). انتهى.
أما مصادرنا، فهي صريحة متواترة بأن النبي صلى الله عليه وآله نص على أن الأئمة التسعة المعصومين هم من ذرية الحسين لا من ذرية الحسن عليهم السلام. ففي تفسير العياشي: ٢/٢٩١ عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له: يا ابن رسول الله زعم ولد الحسن عليه السلام أن القائم منهم وأنهم أصحاب الأمر، ويزعم ولد ابن الحنفية مثل ذلك فقال: نحن والله أصحاب الأمر، وفينا القائم، ومنا السفاح والمنصور، وقد قال الله: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً، نحن أولياء الحسين بن علي عليهما السلام وعلى دينه). وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٥٢، والبحار: ٨/١٤٦.
وفي كمال الدين: ٢/٣٥٨، عن المفضل بن عمر، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ؟ ما هذه الكلمات؟ قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب الله عليه، وهو أنه قال: أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، إلا تبت عليَّ، فتاب الله عليه إنه هو التواب الرحيم. فقلت له: يا ابن رسول الله فما يعني عز وجل بقوله فأتمهن؟ قال: يعني فأتمهن إلى القائم اثني عشر إماماً، تسعة من ولد الحسين عليه السلام. قال المفضل فقلت: يا ابن رسول الله فأخبرني عن قول الله عز وجل: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ؟ قال: يعني بذلك الإمامة جعلها الله تعالى في عقب الحسين إلى يوم القيامة. قال فقلت له: يا ابن رسول الله فكيف صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن عليهما السلام وهما جميعاً ولدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسبطاه وسيدا شباب أهل الجنة؟ فقال: إن موسى وهارون كانا نبيين مرسلين وأخوين، فجعل الله عز وجل النبوة في صلب هارون دون صلب موسى، ولم يكن لأحد أن يقول لم فعل الله ذلك؟ وإن الإمامة خلافة الله عز وجل في أرضه وليس لأحد أن يقول لم جعلها الله في صلب الحسين دون صلب الحسن عليهما السلام لأن الله تبارك وتعالى هو الحكيم في أفعاله: لايُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ). ومعاني الأخبار/١٢٦، والخصال/٣٠٤، ومناقب ابن شهرآشوب: ١/٢٨٣، ومجمع البيان: ١/٢٠٠، وإرشاد القلوب/٤٢١، وتأويل الآيات: ١/٧٧، وإثبات الهداة: ١/٦٤٥، والبحار: ١١/١٧٧.
ولا ينافي الإختيار الإلهي ما رواه في تفسير العياشي: ٢/٧٢، عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له أخبرني عن خروج الإمامة من ولد الحسن إلى ولد الحسين كيف ذلك وما الحجة فيه؟ قال: لما حضر الحسين ما حضره من أمر الله لم يجز أن يردها إلى ولد أخيه ولا يوصى بها فيهم، يقول الله: وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ، فكان ولده أقرب رحماً إليه من ولد أخيه، وكانوا أولى بالإمامة وأخرجت هذه الآية ولد الحسن منها، فصارت الإمامة إلى الحسين، وحكمت بها الآية لهم فهي فيهم إلى يوم القيمة). انتهى. لأنه يدل على أن الله تعالى أجرى اختياره للإمامة على حكمه بأولوية الرحم في الإرث.
٥ - معاوية أول من ادعى أنه المهدي الموعود!
قال ابن حماد في الفتن: ١/٣٧٠: (عن الوليد بن هشام المعيطي عن أبان بن الوليد قال: سمعت ابن عباس وهو عند معاوية يقول: يبعث الله المهدي منا أهل البيت).
أقول: هذا هو السبب في ادعاء معاوية أنه المهدي رداً على مهدي بني هاشم! فقد روى السيد ابن طاوس رحمه الله في الملاحم والفتن/١١٥، وطبعة/٢٣٨، عن الطبري المؤرخ المعروف، في كتابه (عيون أخبار بني هاشم) الذي صنفه للوزير علي بن عيسى بن الجراح، قال ابن طاووس رحمه الله: (وجدته ورويته من نسخة عتيقة ظاهر حالها أنها كتبت في حياته، فقال ما هذا لفظه: ذكر المهدي والإمام، قال: وبإسناده: إن معاوية أقبل يوماً على بني هاشم فقال: إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة بما استحققتم به النبوة ولم يجتمعا لأحد، ولعمري إن حجتكم في الخلافة مشتبهة على الناس! إنكم تقولون نحن أهل بيت الله فما بال النبوة محلها فينا والخلافة في غيرنا؟ وهذه شبهة لها تمويه، وإنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه الحق حتى تعرف، وإنما الخلافة تنقلب في أحياء قريش برضا العامة وشورى الخاصة فلم يقل الناس ليت بني هاشم ولَوْنا، وإن بني هاشم لو ولونا لكان خيراً لنا في ديننا ودنيانا، فلا هم اجتمعوا على غيركم يمنعوكم، ولو زهدتهم فيها أمس لم تقاتلوننا عليها اليوم؟ وقد زعمتم أن لكم ملكاً هاشمياً ومهدياً قائماً، والمهدي عيسى بن مريم، وهذا الأمر في أيدينا حتى نسلمه إليه، ولعمري لئن ملكتم ما ريح عاد ولاصاعقة ثمود بأهلك للناس منكم، ثم سكت! فقام فيهم عبد الله بن عباس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما قولك إنا لا نستحق الخلافة بالنبوة فإذا لم نستحق الخلافة بالنبوة فبمَ نستحق؟!
وأما قولك إن الخلافة والنبوة لم يجتمعا لأحد، فأين قول لله سبحانه وتعالى: فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً. فالكتاب النبوة، والحكمة السنة والملك الخلافة، ونحن آل إبراهيم، أمر الله فينا وفيهم واحد والسنة فينا وفيهم جارية، وأما قولك: إن حجتنا مشتبهة فهي والله أضوأ من الشمس وأنور من القمر، وإنك لتعلم ذلك ولكن ثنى عطفَك وصعَّرَ خَدَّك قَتْلُنا أخاك وجدك وعمك وخالك فلا تبك على عظام حائلة وأرواح زائلة في الهاوية، ولا تغضبن لدماء أحلها الشرك ووضعها الإسلام! فأما ترك الناس أن يجتمعوا علينا، فما حرموا منا أعظم مما حرمنا منهم، وكل أمر إذا حصل حاصله ثبت حقه وزال باطله! وأما قولك إنا زعمنا أن لنا ملكاً مهدياً فالزعم في كتاب الله شك قال الله سبحانه وتعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُن، فكلٌّ يشهد أن لنا ملكاً وأن لنا مهدياً لو لم يبق إلا يوم واحد لبعثه الله لأمره يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، لا تملكون يوماً إلا ملكنا يومين ولا شهراً إلا ملكنا شهرين ولا حولاً إلا ملكنا حولين! وأما قولك إن المهدي عيسى بن مريم فإنما ينزل عيسى على الدجال فإذا رآه ذاب كما تذوب الشحمة، والإمام رجل منا يصلي عيسى خلفه ولو شئت سميته. وأما ريح عاد وصاعقة ثمود فإنها كانتا عذاباً وملكنا رحمة). ومثله أمالي المفيد/١٤، وعنه كشف الغمة: ٢/٥١.
لكن معاوية لم يكتف بذلك، بل رتب من يروي له أن النبي صلى الله عليه وآله دعا له ووصفه بأنه الهادي المهدي! فصرت ترى في مسند أحمد: ٤/٢١٦، عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الأزدي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه ذكر معاوية وقال: اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به). ورواه الترمذي: ٥/٣٥٠، وغيره، من مصادر حديثهم! ثم رتب معاوية شهادات علماء البلاط ومن أشربوا بني أمية بأن معاوية هو المهدي الموعود! ففي تاريخ دمشق: ٥٩/١٧٢: (عن الأعمش عن مجاهد قال: لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي). (ونهاية ابن كثير: ٨/١٤٣).
وقد ضعَّف الخلال نسبة هذين القولين الى قتادة ومجاهد، فقال في السنة: ٢/٤٣٨: (عن قتادة قال: لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم: هذا المهدي. في إسناده عمرو بن جبلة لم أتوصل إلى معرفته، أخبرنا محمد بن سليمان بن هشام قال ثنا أبو معاوية الضرير عن الأعمش عن مجاهد قال لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي. إسناده ضعيف). كما ضعف الهيثمي في مجمع الزوائد: ٩/٣٥٧، نسبة ذلك الى الأعمش أيضاً، قال: (وعن الأعمش قال: لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي. رواه الطبراني مرسلاً، وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف). انتهى.
لكن ابن تيمية الأشد أمويةً من بني أمية لم يهتم لتضعيف الخلال والهيثمي وصحح ذلك في منهاجه: ٦/٢٣٣ فقال: (يونس عن قتادة قال: لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم هذا المهدي، وكذلك رواه ابن بطة بإسناده الثابت من وجهين عن الأعمش عن مجاهد قال: لو أدركتم معاوية لقلتم هذا المهدي! عن أبي إسحاق يعني السبيعي أنه ذكر معاوية فقال: لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم كان المهدي)!
كما ضرب بعرض الحائط شهادة إمامه عبدالله بن عمرو العاص بأن معاوية لا كرامة له حتى يوصف بأنه المهدي! فقد روى ابن طاووس في الملاحم/٣٢٦، أن عبد الله بن عمرو ذكر المهدي فقال أعرابي: هو معاوية بن أبي سفيان! فقال عبد الله بن عمرو: لا ولا كرامة، بل هو الذي ينزل عليه عيسى بن مريم). انتهى.
وقال الحافظ السقاف في تناقضات الألباني الواضحات: ٢/٢٢٩: (أورد الألباني حديث عبد الرحمن بن أبي عميرة مرفوعاً: اللهم اجعله هادياً مهدياً واهد به! يعني معاوية، وهذا حديث لايصح بحال لوجوه: أولاً: قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء: ٣/١٣٢، عن إسحاق بن راهويه أنه قال: لايصح عن النبي صلى الله عليه وآله في فضل معاوية شيء. ثانياً: هذا الحديث بالخصوص نص حذاق المحدثين على أنه لايصح. قال أبو حاتم الرازي كما في علل الحديث لابنه: ٢/٣٦٢: إن عبد الرحمن بن أبي عميرة لم يسمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وآله. وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب: ٦/٢٢٠، نقلاً عن الحافظ ابن عبد البر إن عبد الرحمن بن أبي عمير هذا: لاتصح صحبته، ولا يثبت إسناد حديثه)!
ثالثاً: طرق هذا الحديث تدور على سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد عن عبد الرحمن بن عميرة به. وسعيد بن عبد العزيز اختلط كما أقر واعترف هناك الألباني. وقد زعم الألباني أنه قد تابعه جمع! ولم يَصْدُق! لأن من رجع إلى المتابعات التي زعمها في كتابه وجدها كلها تدور على سعيد بن عبد العزيز، وسعيد هذا اختلط كما قال أبو مسهر، وكذا قال أبو داود ويحيى بن معين كما تجد ذلك في التهذيب: ٤/٥٤، وقد اعترف الألباني باختلاطه في مواضع منها في ضعيفته: ٣/٣٩٣، ومنها في صحيحته: ٢/٦٤٧ وغير ذلك فكيف يصح هذا أيضاً؟! فما على الألباني إلا أن ينقل الحديث للضعيفة)!
أقول: راجع أيضاً تحقيق السقاف لكتاب دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه لابن الجوزي/٢٣٥. ويكفي للجواب على زعم معاوية وأتباعه كابن تيمية والألباني، أن يقال لهم: ما بال إمامكم معاوية المهدي من ربه لم يملأ الأرض قسطاً وعدلاً؟! لكن مشكلة مبغضي أهل البيت عليهم السلام أنهم يرون أنهم مضطرون لمصادرة البشارة النبوية بالمهدي عليه السلام من أهل البيت عليهم السلام ويتبنوا النص الأموي (المهدي رجل من أمتي)، لينطبق على معاوية، أو أي ناصبي آخر!
٦ - موسى بن طلحة ثاني من ادعى أنه المهدي الموعود!
كان عند عائشة مشروع في زمن أبيها أن تبقى الخلافة بعد أبيها لبني تيم، لأخيها عبد الرحمن بن أبي بكر، فإن لم يمكن فلابن عمها طلحة بن عبيدالله التيمي! لكنها تفاجأت هي وطلحة بموت أبي بكر مسموماً وأنه أوصى الى عمر، فدخل طلحة على أبي بكر غاضباً معترضاً: (لمَّا استخلفه أبو بكر كره خلافته طائفة حتى قال له طلحة: ماذا تقول لربك إذا وليت علينا فظاً غليظاً؟! فقال: أبا لله تخوفوني؟ أقول: وليت عليهم خير أهلك). (منهاج السنة٢: ١٧٠ ط. بولاق، وقد حرفه الوهابيون! راجع: ٦/١٥٥، و٣٤٩، و: ٧/٤٦١، من طبعتهم في برنامج مؤلفات الشيخ والتلميذ). لكن عائشة واصلت عملها، واعتبرت أنها خسرت جولةً ولم تخسر المشروع! وغاية ما حققته في عهد عمر أنها أدخلت طلحة في الشورى، التي ولدت ميتة لأنه حق النقض فيها لعبد الرحمن بن عوف صهر عثمان!
أما في عهد عثمان فاصطدمت به وأطلقت شعارات شديدة ضده، حتى دعت الى عزله أو قتله، وكان حسابها مبنياً على مكانة أبي بكر ومكانتها، وأن طلحة من كبار الصحابة والمتمولين، فهو يستطيع بمساعدة ابنة عمه أم المؤمنين أن يطرح نفسه بعد عثمان، ويقنع الصحابة ببيعته! لكنها فوجئت ببيعة الصحابة لعلي عليه السلام، فغضبت وقادت حرب الجمل، لكنها خسرتها وخسرت ابن عمها طلحة وابن أختها الزبير.
وعندما جاءت موجة معاوية اختارت عائشة المعارضة الهادئة معه، ثم صعدتها هي وأخوها عبد الرحمن، كما أوضحناه في المجلد الثاني من جواهر التاريخ، فما كان من معاوية إلا أن قتل عبد الرحمن، ويقال إنه قتل عائشة! وبموتها انتهى مشروع بني تيم لأخذ الخلافة، لكن تنظير عائشة بقي في مصادر المسلمين تنادي بأن النبي صلى الله عليه وآله أوصى بالخلافة الى أبي بكر وأولاده! وأهمه حديث في صحيح مسلم: ٧/١١٠! قالت عائشة: (قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضه: أدعي لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ ويقول قائل: أنا أولى) انتهى!
ولا بد أن تكون دعواها هذه بعد وفاة عمر لأن أبا بكر وعمر قالا إن النبي صلى الله عليه وآله لم يوص الى أحد، ولو كان هذا النص صحيحاً لاحتجَّا به! وإنما احتجَّا بأن محمداً من قريش وأن قريشاً وكلتهما بسلطانه فهما أولى به! قال عمر: (ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين. مَنْ ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مُدْلٍ بباطل أومتجانفٌ لإثم أومتورطٌ في هلكة). (تاريخ الطبري: ٢/٤٥٧). بل لو كان صحيحاً لاحتج به طلحة عندما اعترض على أبي بكر لإخراجه الخلافة من بني تيم!
ومن باب التعويض: ادعى بنو تيْم أن موسى بن طلحة هو المهدي الموعود! لكن دعواهم ماتت بموته! ولا ندري هل كانت عائشة وراء ذلك؟ وهل روت فيه شيئاً ولم يصلنا! فقد تحدثت الروايات عما بعد وفاتها: (لما خرج المختار بالكوفة قدم علينا(الى البصرة) موسى بن طلحة وكانوا يرونه في زمانهم المهدي فغشيه الناس)! (تاريخ دمشق: ٦٠/٤٣١ وتهذيب الكمال: ٢٩/٨٥، وسير الذهبي: ٤/٣٦٥، وابن حماد: ١/١٥٨، والداني: ١/١٥٨، والحلية: ٤/٣٧١، وغيرها).
٧ - ادعى الحسنيون مهدوية محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى
يظهر أن ادعاء المهدية كان موجة في أواخر القرن الأول الهجري، بعد أن ضاق المسلمون ذرعاً بالتسلط الأموي، فانتشرت بينهم أحاديث النبي صلى الله عليه وآله عن ظلامة أهل بيته الطاهرين عليهم السلام والبشارة بمهديهم. فكان ذلك أرضية لادعاء المهدية لعدد من بني هاشم، وغيرهم أيضاً كموسى بن طلحة التيمي. وفي مطلع القرن الثاني ادعيت المهدية لاثنين إسم كل منهما محمد واسم أبيه عبدالله، وهما محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى، ومحمد بن عبد الله المنصور المعروف بالمهدي العباسي، وحاول أنصار كل منهما أن يطبقوا أحاديث المهدي الموعود على صاحبهم، ولذلك رجحنا أن تكون زيادة (واسم أبيه إسم أبي) في البشارةالنبوية لمصلحة أحدهما أو كليهما!
وزاد العباسيون على ذلك، فوضعوا أحاديث تنص على أن المهدي الموعود من أولاد العباس! وقد تبرأ منها علماء الحديث وشهدوا بأنها مكذوبة كتلك التي تزعم أن المهدي عليه السلام من أولاد عمر، أو من بني أمية!
ومن الملاحظ أن مغامرات ادعاء المهدية مغرية، لكنها بسبب الضبط النبوي تنكشف بسرعة عندما لا يستطيع المهدي المزعوم أن يعمم الإسلام على العالم ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، أو يعطي المال حثياًً بغير عد! وعندما يظهر للناس أنه لايتصف بالعلم والعصمة والهداية من ربه، وبقية الصفات الإستثنائية للمهدي عليه السلام.
ويبدو أن عبد الله بن الحسن المثنى كان أبرع من ادعاها لولده محمد، فقد خطط لذلك من طفولة ابنه فسماه محمداً لأن المهدي عليه السلام على اسم النبي صلى الله عليه وآله ثم رباه تربية خاصة وحجبه عن الناس وأشاع حوله الأساطير! ففي تهذيب الكمال: ٢٥/٤٦٧: (وقال داود بن عبد الله الجعفري، عن الدراوردي عن ابن أخي الزهري: تجالسنا بالمدينة أنا وعبد الله بن حسن فتذاكرنا المهدي، فقال عبد الله بن حسن: المهدي من ولد الحسن بن علي. فقلت: يأبى ذاك علماء أهل بيتك. فقال عبد الله: المهدي والله من ولد الحسن بن علي ثم من ولدي خاصة). انتهى.
ويظهر أن عبدالله كان يدعيها أول الأمر لنفسه، قال في مقاتل الطالبيين/٢٣٩: (لم يزل عبد الله بن الحسن منذ كان صبياً يتوارى ويراسل الناس بالدعوة إلى نفسه ويسمى بالمهدي)! انتهى. ثم خطط أن يدعيها لابنه، فهو وراء زيادة (إسم أبيه إسم أبي)! وقد وصفوه بقوة الشخصية والقدرة على الإقناع، وقد أقنع بمهدية ابنه حلفاءه العباسيين ومنهم المنصور، فقد روى أبو الفرج في مقاتل الطالبيين/٢٣٩، عن عمير بن الفضل الخثعمي قال: (رأيت أبا جعفر المنصور يوماً وقد خرج محمد بن عبد الله بن الحسن من دار ابنه وله فرس واقف على الباب مع عبد له أسود وأبو جعفر ينتظره، فلما خرج وثب أبو جعفر فأخذ بردائه حتى ركب، ثم سوى ثيابه على السرج ومضى محمد، فقلت وكنت حينئذ أعرفه ولا أعرف محمداً: من هذا الذي أعظمته هذا الإعظام حتى أخذت بركابه وسويت عليه ثيابه؟ قال: أو ما تعرفه؟! قلت: لا. قال: هذا محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن مهدينا أهل البيت)!
وقال في/٢٤٤: (لهجت العوام بمحمد تسميه بالمهدي)! انتهى. وذلك بدعاية الحسنيين وحلفائهم العباسيين، قبل أن ينقلبوا عليهم ويدعوا المهدية لأنفسهم!
وقد روت مصادر التاريخ ما جرى في مؤتمر الأبواء الذي دعا له الحسنيون من أجل بيعة المهدي! ففي مقاتل الطالبيين/١٤٠: عن عمر بن شبة وعدة رواة ومؤرخين عاصروا تلك الفترة قال: إن جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء وفيهم إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، وأبو جعفر المنصور، وصالح بن علي، وعبد الله بن الحسن بن الحسن، وابناه محمد وإبراهيم، ومحمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان. فقال صالح بن علي: قد علمتم أنكم الذين تمد الناس أعينهم إليهم، وقد جمعكم الله في هذا الموضع فاعقدوا بيعة لرجل منكم تعطونه إياها من أنفسكم، وتواثقوا على ذلك حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين. فحمد الله عبد الله بن الحسن وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم أن ابني هذا هو المهدي فهلموا فلنبايعه.
وقال أبو جعفر(المنصور): لأي شيء تخدعون أنفسكم ووالله لقد علمتم ما الناس إلى أحد أطول أعناقاً ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى، يريد محمد بن عبد الله. قالوا: قد والله صدقت إن هذا لهو الذي نعلم! فبايعوا جميعاً محمداً ومسحوا على يده. قال عيسى: وجاء رسول عبد الله بن الحسن إلى أبي أن ائتنا فإننا مجتمعون لأمر وأرسل بذلك إلى جعفر بن محمد، هكذا قال عيسى. وقال غيره: قال لهم عبد الله بن الحسن: لا نريد جعفراً لئلا يفسد عليكم أمركم! قال عيسى: فأرسلني أبي أنظر ما اجتمعوا عليه، وأرسل جعفر بن محمد محمد بن عبد الله الأرقط بن علي بن الحسين فجئناهم فإذا بمحمد بن عبد الله يصلي على طنفسة رجل مثنية، فقلت: أرسلني أبي إليكم لأسألكم لأي شيء اجتمعتم؟ فقال عبد الله: اجتمعنا لنبايع المهدي محمد بن عبد الله. قالوا: وجاء جعفر بن محمد فأوسع له عبد الله بن الحسن إلى جنبه فتكلم بمثل كلامه، فقال جعفر: لا تفعلوا فإن هذا الأمر لم يأت بعد! إن كنت ترى يعني عبد الله أن ابنك هذا هو المهدي فليس به ولا هذا أوانه، وإن كنت إنما تريد أن تخرجه غضباً لله وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإنا والله لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك. فغضب عبد الله وقال: علمتَ خلاف ما تقول! ووالله ما أطلعك الله على غيبه ولكن يحملك على هذا الحسد لابني! فقال: والله ما ذاك يحملني ولكن هذا وإخوته وأبناؤهم دونكم وضرب بيده على ظهر أبي العباس، ثم ضرب بيده على كتف عبد الله بن الحسن، وقال: إنها والله ما هي إليك ولا إلى ابنيك ولكنها لهم وإن ابنيك لمقتولان! ثم نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري. فقال: أرأيت صاحب الرداء الأصفر يعني أبا جعفر؟ قال: نعم. قال: فإنا والله نجده يقتله! قال له عبد العزيز: أيقتل محمداً؟ قال: نعم. قال: فقلت في نفسي: حسده ورب الكعبة! قال: ثم والله ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتلهما! قال: فلما قال جعفر ذلك انفضَّ القوم فافترقوا ولم يجتمعوا بعدها، وتبعه عبد الصمد وأبو جعفر فقالا: يا أبا عبد الله أتقول هذا؟ قال: نعم أقوله والله، وأعلمه). انتهى.
وفي/١٤٢: (عن عنبسة بن نجاد العابد قال: كان جعفر بن محمد إذا رأى محمد بن عبد الله بن حسن تغرغرت عيناه ثم يقول: بنفسي هو، إن الناس ليقولون فيه إنه المهدي وإنه لمقتول! ليس هذا في كتاب أبيه علي من خلفاء هذه الأمة).
ثم روى ذلك أيضاً برواية ثانية في/١٧١، عن عدة مؤرخين وشهود قال: (إن بني هاشم اجتمعوا فخطبهم عبد الله بن الحسن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنكم أهل البيت قد فضلكم الله بالرسالة واختاركم لها، وأكثركم بركة يا ذرية محمد صلى الله عليه وآله بنو عمه وعترته، وأولى الناس بالفزع في أمر الله، من وضعه الله موضعكم من نبيه صلى الله عليه وآله، وقد ترون كتاب الله معطلاً وسنة نبيه متروكة والباطل حياً والحق ميتاً. قاتلوا لله في الطلب لرضاه بما هو أهله قبل أن ينزع منكم اسمكم، وتهونوا عليه كما هانت بنو إسرائيل وكانوا أحب خلقه إليه. وقد علمتم أنا لم نزل نسمع أن هؤلاء القوم إذا قتل بعضهم بعضاً خرج الأمر من أيديهم، فقد قتلوا صاحبهم يعني الوليد بن يزيد فهلمَّ نبايع محمداً فقد علمتم أنه المهدي. فقالوا: لم يجتمع أصحابنا بعد ولو اجتمعوا فعلنا، ولسنا نرى أبا عبد الله جعفر بن محمد! فأرسل إليه ابن الحسن فأبى أن يأتي فقام وقال: أنا آت به الساعة، فخرج بنفسه حتى أتى مضرب الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحرث فأوسع له الفضل ولم يصدره، فعلمت أن الفضل أسن منه فقام له جعفر وصدره فعلمت أنه أسن منه. ثم خرجنا جميعاً حتى أتينا عبد الله فدعا إلى بيعة محمد فقال له جعفر: إنك شيخ وإن شئت بايعتك وأما ابنك فوالله لا أبايعه وأدعك. وقال عبد الله الأعلى في حديثه: إن عبد الله بن الحسن قال لهم: لاترسلوا إلى جعفر فإنه يفسد عليكم فأبوا، قال: فأتاهم وأنا معهم فأوسع له عبد الله إلى جانبه وقال: قد علمت ما صنع بنا بنو أمية، وقد رأينا أن نبايع لهذا الفتى. فقال: لا تفعلوا فإن الأمر لم يأت بعد! فغضب عبد الله.. الى آخر ما تقدم...)! والإرشاد/٢٧٦، وإعلام الورى/٢٧١ و٢٧٢، ومناقب ابن شهرآشوب: ٤/٢٢٨، وفيه: إنها والله ما هي إليك ولا إلى ابنك، وإنما هي لهذا يعني السفاح، ثم لهذا يعني المنصور، يقتله على أحجار الزيت، ثم يقتل أخاه بالطفوف وقوائم فرسه في الماء، فتبعه المنصور فقال: ما قلت يا أبا عبد الله؟ فقال: ما سمعته وإنه لكائن، قال: فحدثني من سمع المنصور أنه قال: انصرفت من وقتي فهيأت أمري فكان كما قال). وإثبات الهداة: ٣/١١٢، عن إعلام الورى، وعنه وعن الإرشاد البحار: ٤٧/٢٧٦.
وفي النعماني/٢٢٩، عن يزيد بن أبي حازم قال: خرجت من الكوفة، فلما قدمت المدينة دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فسلمت عليه فسألني: هل صاحبك أحد؟ فقلت: نعم، فقال: أكنتم تتكلمون؟ قلت: نعم، صحبني من المغيرية. قال فما كان يقول؟ قلت: كان يزعم أن محمد بن عبد الله بن الحسن هو القائم، والدليل على ذلك أن اسمه اسم النبي صلى الله عليه وآله واسم أبيه اسم أبي النبي صلى الله عليه وآله، فقلت له في الجواب: إن كنت تأخذ بالأسماء فهو ذا في ولد الحسين محمد بن عبد الله بن علي، فقال لي: إن هذا ابن أمَة، يعني محمد بن عبد الله بن علي، وهذا ابن مهيرة يعني محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، فقال أبو عبد الله عليه السلام: فما رددت عليه؟ فقلت: ما كان عندي شيء أرد عليه فقال: أو لم تعلموا أنه ابن سبية يعني القائم عليه السلام). والبحار: ٥١/٤٢، وإثبات الهداة: ٣/٥٣٩.
هذا، ورجحنا في جواهر التاريخ: ٣/ أن يكون مهدي الحسنيين أو العباسيين أو غيرهما في لسانه ثقلٌ يحتبس عليه الكلام فيضرب بيده على فخذه فوصفوا المهدي عليه السلام بها لتنطبق على صاحبهم! راجع ابن حماد: ١/٣٦٥.
٨ - كذِبَ العباسيون على النبي صلى الله عليه وآله وزعموا أن المهدي عليه السلام منهم!
في تاريخ بغداد: ٢/٦٣، عن ابن عباس قال: حدثتني أم الفضل بنت الحارث الهلالية قالت: مررت بالنبي صلى الله عليه وآله وهو في الحجر فقال: يا أم الفضل إنك حامل بغلام قالت: يا رسول الله وكيف وقد تحالف الفريقان أن لا يأتوا النساء؟ قال: هو ما أقول لك، فإذا وضعتيه فأتيني به قالت: فلما وضعته أتيت به رسول الله صلى الله عليه وآله فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى، وقال: إذهبي بأبي الخلفاء، قالت: فأتيت العباس فأعلمته، فكان رجلاً جميلاً لبَّاساً، فأتى النبي فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله قام إليه فقبل بين عينيه ثم أقعده عن يمينه ثم قال: هذا عمي فمن شاء فليباه بعمه قالت: يا رسول الله بعض هذا القول، فقال: ياعباس لم لا أقول هذا القول وأنت عمي وصنو أبي وخير من أخلف بعدي من أهلي! فقلت: يا رسول الله ما شيء أخبرتني به أم الفضل عن مولودنا هذا؟ قال: نعم يا عباس، إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة فهي لك ولولدك، منهم السفاح، ومنهم المنصور، ومنهم المهدي).
وفي تاريخ بغداد: ٣/٣٤٣، عن هشام بن محمد الكلبي أنه كان عند المعتصم في أول أيام المأمون حين قدم المأمون بغداد، فذكر قوماً بسوء السيرة فقلت له: أيها الأمير إن الله تعالى أمهلهم فطغوا وحلم عنهم فبغوا، فقال لي: حدثني أبي الرشيد، عن جدي المهدي، عن أبيه المنصور، عن أبيه محمد بن علي، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وآله نظر إلى قوم بني فلان يتبخترون في مشيهم، فعرف الغضب في وجهه ثم قرأ: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ، فقيل له: أي الشجر هي يا رسول الله حتى نجتثها؟ فقال: ليست بشجرة نبات، إنما هم بنو فلان، إذا ملكوا جاروا وإذا ائتمنوا خانوا ثم ضرب بيده على ظهر العباس قال: فيخرج الله من ظهرك يا عم رجلاً يكون هلاكهم على يديه). وتاريخ دمشق: ٤/١٧٨، كرواية الخطيب الأولى. وعنه ذخائر العقبى/٢٣٦، وعن السهمي في الفضائل، وابن حبان والملا في سيرته، وقال: وزاد فيه: إن هذا ابنك أبو الخلفاء منهم السفاح ومنهم المهدي، حتى يكون منهم من يصلي بعيسى بن مريم. والزوائد: ٥/١٨٧، كرواية الخطيب الأولى، عن أوسط الطبراني، وفيه: وهي في أولادهم حتى يكون آخرهم الذي يصلي بالمسيح عيسى بن مريم. وفي الأوسط: ١٠/١١٥، عن ابن عباس، وفيه: هي لك يا عباس بعد ثنتين وثلاثين ومائة، ثم منكم السفاح والمنصور والمهدي، ثم هي في أولادهم حتى يكون آخرهم الذي يصلي بالمسيح عيسى بن مريم!
وفي ابن حماد: ١/١٢١، و٤٠٠، عن كعب قال: المنصور والمهدي والسفاح من ولد العباس. وفي عيون الأخبار لابن قتيبة: ١/٣٠٢، عن ابن عباس، أنه كان إذا سمعهم يقولون: يكون في هذه الأمة إثنا عشر خليفة، قال: ما أحمقكم! إن بعد الإثني عشر ثلاثة منا: السفاح والمنصور والمهدي يسلمها إلى الدجال. قال أبو أسامة: تأويل هذا عندنا أن ولد المهدي يكونون بعده إلى خروج الدجال. والحاكم: ٤/٥١٤، وصححه: عن مجاهد قال: قال لي عبد الله بن عباس: لو لم أسمع أنك منا أهل البيت ما حدثتك بهذا الحديث! قال فقال مجاهد: فإنه في ستر لا أذكره لمن نكره، قال فقال ابن عباس: منا أهل البيت أربعة: منا السفاح، ومنا المنذر، ومنا المنصور، ومنا المهدي، قال فقال له مجاهد: فبين لي هؤلاء الأربعة، فقال: أما السفاح فربما قتل أنصاره وعفا عن عدوه، وأما المنذر قال فإنه يعطي المال الكثير لا يتعاظم في نفسه ويمسك القليل من حقه. وأما المنصور فإنه يعطى النصر على عدوه الشطر مما كان يعطى رسول الله صلى الله عليه وآله يرعب منه عدوه على مسيرة شهرين، والمنصور يرعب عدوه منه على مسيرة شهر. وأما المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وتأمن البهائم والسباع، وتلقي الأرض أفلاذ كبدها. قال قلت: وما أفلاذ كبدها؟ قال: أمثال الأسطوانة من الذهب والفضة). وفي دلائل النبوة: ٦/٥١٣، عن سعيد بن جبير قال: سمعنا عبد الله بن عباس ونحن نقول: اثنا عشر أميراً ثم لا أمير واثنا عشر أميراً ثم هي الساعة. فقال ابن عباس: ما أحمقكم: إن منا أهل البيت بعد ذلك المنصور، والسفاح، والمهدي، يدفعها إلى عيسى بن مريم.: وفي/٥١٤: يكون منا ثلاثة أهل البيت: سفاح ومنصور ومهدي). ونحوه تاريخ بغداد: ١/٦٢ و٦٣، و: ٥/٣٩١. وفي: ٩/٣٩٩: عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: منا القائم ومنا المنصور ومنا السفاح ومنا المهدي، فأما القائم فتأتيه الخلافة لم يهرق فيها محجمة من دم، واما المنصور فلا ترد له راية، وأما السفاح فهو يسفح المال والدم، وأما المهدي فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً. وفي: ١٠/٤٨ عن ابن عباس قال: والله لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لأدال الله من بني أمية! ليكونن منا السفاح، والمنصور، والمهدي).
وفي ذخائر العقبى/٢٠٥، عن ابن عباس عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله نظر إليه مقبلاً فقال: هذا عمي أبو الخلفاء، أجود قريش كفاً وأجملها، وإن من ولده السفاح والمنصور والمهدي، وقال: أخرجه الحافظ أبو القاسم السهمي). وفي البداية والنهاية: ٦/٢٤٦، عن رواية دلائل النبوة الأولى وقال: وهذا إسناد ضعيف، والضحاك لم يسمع من ابن عباس شيئاً على الصحيح. فهو منقطع).
وفي مقدمة ابن خلدون/٢٥٣، وقال: هو من رواية إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه. وإسماعيل ضعيف وإبراهيم أبوه وإن خرج له مسلم فالأكثرون على تضعيفه. وقال الحافظ ابن الصديق المغربي/٥٤٣: وقال(الحاكم) صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بأن إسماعيل مجمع على ضعفه، وأباه ليس بذلك).
وفي جامع السيوطي: ٥/٣٧٥، عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله: لن تزال الخلافة في ولد عمي صنو أبي العباس حتى يسلموها الى الدجال)! الى آخر مصادره، وهي كثيرة!
لكنَّ نُقَّاد الحديث شهدوا في عدد منها أنها موضوعة! كما في حاوي السيوطي: ٢/٨٥: قال الدارقطني: هذا حديث غريب، تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم. يقصد مولى العباسيين. وقال في إسعاف الراغبين/١٥١: وفي إسناده وُضَّاع ولم يسمعهم). وفي فيض القدير: ٦/٢٧٨: قال ابن عدي: يضع الحديث ويصله ويسرق ويقلب الأسانيد والمتون. وقال ابن أبي معشر: هو كذاب. وقال السمهودي: ما بعده وما قبله أصح منه، وأما هذا ففيه محمد بن الوليد وضاع، مع أنه لو صح حمل على المهدي ثالث العباسيين). وقال الحافظ المغربي/٥٦٣: وهو غريب منكر، وقد جُمع بأنه عباسي الأم حسني الأب وليس بذاك. بل الحديث لا يصح.
وفي الإذاعة/١٣٥، عن الإفراد، والجامع الصغير، وقال: قال الشوكاني في التوضيح قلت: ويمكن الجمع بين هذه الثلاثة أحاديث وبين سائر الأحاديث المتقدمة بأنه من ولد العباس من جهة أمه، فإن أمكن الجمع بهذا، وإلا فالأحاديث أنه من ولد النبي صلى الله عليه وآله أرجح). وفي صواعق ابن حجر/٢٣٧، كما في ذخائر العقبى، وقال: سند كل منها ضعيف وعلى تقدير صحتهما لا ينافي كون المهدي من ولد فاطمة المذكور في الأحاديث التي هي أصح وأكثر، لأنه مع ذلك فيه شعبة من بني العباس، كما أن فيه شعبة من بني الحسين). انتهى.
أقول: من عجائبهم أنهم بعد اعترافهم بأن واضع هذه الأحاديث كلها أو أصلها هو محمد بن الوليد غلام بني عباس الكذاب الوضَّاع المتروك! ترى الشوكاني وابن حجر وغيرهما يحاولون جعل المهدي عليه السلام عباسياً كلياً أو جزئياً وترى الذهبي يتفنن بأن الأحاديث النبوية تقصد مهديَّيْن بنفس الصفات أحدهما عباسي وآخر من ذرية فاطمة! وهو تكلُّف، ولا يخلو من نصب!
أحاديثهم الموضوعة تحريفٌ لحديث صحيح!
لا يبعد أن تكون أحاديثهم المكذوبة تغطية للأحاديث التي روتها العترة النبوية من أن النبي صلى الله عليه وآله أخبر العباس بما يكون من أولاده! ففي النعماني/٢٤٧، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم في البقيع حتى أقبل علي عليه السلام فسأل عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل إنه بالبقيع فأتاه علي عليه السلام فسلم عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أجلس فأجلسه عن يمينه ثم جاء جعفر بن أبي طالب فسأل عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له هو بالبقيع، فأتاه فسلم عليه فأجلسه عن يساره ثم جاء العباس فسأل عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل له هو بالبقيع، فأتاه فسلم عليه فأجلسه أمامه ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام فقال: ألا أبشرك ألاأخبرك ياعلي؟ فقال: بلى يارسول الله فقال: كان جبرئيل عندي آنفاً وأخبرني أن القائم الذي يخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً من ذريتك من ولد الحسين، فقال علي: يارسول الله ما أصابنا خير قط من الله إلا على يديك. ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جعفر بن أبي طالب فقال: يا جعفر ألا أبشرك ألا أخبرك؟ قال: بلى يا رسول الله فقال: كان جبرئيل عندي آنفاً فأخبرني أن الذي يدفعها إلى القائم من ذريتك، أتدري من هو؟ قال لا، قال: ذاك الذي وجهه كالدينار وأسنانه كالمنشار وسيفه كحريق النار، يدخل الجند ذليلاً ويخرج منه عزيزاً يكتنفه جبرئيل وميكائيل.
ثم التفت إلى العباس فقال: يا عم النبي ألا أخبرك بما أخبرني به جبرئيل عليه السلام؟ فقال: بلى يارسول الله، قال: قال لي جبرئيل ويلٌ لذريتك من ولد العباس! فقال: يارسول الله أفلا أجتنب النساء؟ فقال له صلى الله عليه وآله: قد فرغ الله مما هو كائن).
وفي النعماني/٢٤٨، عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي: يا عباس ويلٌ لذريتي من ولدك وويلٌ لولدك من ولدي، فقال: يا رسول الله أفلا أجتنب النساء، أو قال: أفلا أجبُّ نفسي؟ قال: إن علم الله عز وجل قد مضى، والأمور بيده وإن الأمر سيكون في ولدي).
وفي كتاب سُليم/٤٢٧: (إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة ولم يرض لنا الدنيا. قال: ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على ابن عباس فقال: أما إن أول هلاك بني أمية بعد ما يملك منهم عشرة على يد ولدك فليتقوا الله وليرقبوا في ولدي وعترتي فإن الدنيا لم تبق لأحد قبلنا ولاتبقى لأحد بعدنا. دولتنا آخر الدول يكون مكان كل يوم يومين ومكان كل سنة سنتين. ومنا من وُلدي من يملأ الأرض قسطاً وعدلاًكما ملئت ظلماً وجوراً).
وادعى المنصور أن ابنه هو المهدي الموعود!
لم يكتف العباسيون بادعاء أن رايات خراسان الموعودة لنصرة المهدي عليه السلام هي رايات ثورتهم بيد أبي مسلم الخراساني، ولا بالأحاديث التي وضعوها وزعموا فيها أن النبي صلى الله عليه وآله بشر العباس بأن الملك في أولاده حتى يخرج الدجال وأن المهدي منهم! بل توصل المنصور وهو معاويةُ بني عباس، الى أنه حان الوقت بعد أن قتل أبناء عبدالله بن الحسن المثنى ومنهم محمد بن عبدالله الذي ادعوا له المهدية، لأن يجعل ابنه محمد بن عبدالله المهدي الموعود!
وقد سجل المؤرخون أنه لما استحكم له الأمر وكبر ابنه الذي سماه محمد، ابتكر أن يأخذ له البيعة على أنه المهدي الموعود لأنه محمد بن عبدالله، فكان عليه أن يُشهد الفقهاء والقضاة أن أوصاف المهدي في أحاديث النبي صلى الله عليه وآله تنطبق عليه! وكان عليه أن يعزل ولي عهده أخاه عيسى بن موسى العباسي، الذي نصبه الخليفة السفاح، فأحضره وفاوضه وهدده وأذله حتى خلع نفسه! وعقد المنصور مجلساً (شرعياً) لإعلان ولده ولي عهده والمهدي الموعود من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله! قال الذهبي في تاريخه: ٩/٤٩: (وكان السفاح لما احتضر جعل الخلافة للمنصور ثم بعده لعيسى، وقد لاطفه المنصور وكلمه بألين الكلام في ذلك (خلع نفسه) فقال: يا أمير المؤمنين فكيف بالأيمان والعهود والمواثيق التي عليَّ وعلى المسلمين، فلما رأى المنصور امتناعه تغير له وأعرض عنه، وجعل يقدم المهدي عليه في المجالس، ثم شرع المنصور يدس من يحفر عليه بيته ليسقط عليه، فجعل يتحفظ ويتمارض. وقيل بل سقاه المنصور فاستأذن في الذهاب إلى الكوفة ليتداوى وكان الذي جرأه على ذلك طبيبه بختيشوع وقال له: والله ما أجسر على معالجتك وما آمن على نفسي فأذن له المنصور، وبلغت العلة من عيسى كل مبلغ حتى تمعط شعره! ثم إنه نصل من علته ثم سعى موسى ولد عيسى بن موسى في أن يطيع أبوه المنصور خوفاً عليه منه وعلى نفسه، ودبر حيلة أوحاها إلى المنصور فقال: مُرْ بخنقي قُدَّامَ أبي إن لم يخلع نفسه! قال: فبعث المنصور من فعل به ذلك فصاح أبوه وأذعن بخلع نفسه وقال: هذه يدي بالبيعة للمهدي)!! والآداب السلطانية لابن الطقطقي/١١٩).
وهكذا تم للمنصور ما أراد، وعقد المجلس الشرعي في قصر الرصافة الذي بناه خصيصاً لولده المهدي! وأحضر الفقهاء والقضاة فشهدوا وبايعوا ولي عهده المهدي المنتظر! (وخطب المنصور الناس وأعلمهم ما جرى في أمر عيسى من تقديم المهدي عليه ورضاه بذلك وتكلم عيسى وسلم الأمر للمهدي فبايع الناس على ذلك بيعة محددة للمهدي ثم لعيسى من بعده). (تاريخ دمشق: ٤٨/٩).
ولكنهم شهدوا أن هذا (المهدي) كان فاجراً فلم يملأ الأرض عدلاً، بل زادها ظلماً وجوراً! ولم يعط المال للناس حثياً بدون عد، بل صادر أموال المسلمين وزادهم فقراً! وروت مصادرهم أنه كان خماراً زماراً سفاكاً للدماء، وأنه أنجب للمسلمين ابنة مغنية ضرابة عود هي عُلَيِّة العباسية المشهورة. (خزانة الأدب: ١١/٢١٧) وكان مغرماً بتطيير الحمام فحرَّف الرواة له حديث النبي صلى الله عليه وآله: (لاسبق إلا في نصل أو خف أو حافر) فأضافوا له (أو جناح) فأمر للراوي بصرة ذهب (مجموعة الرسائل للصافي: ٢/٤٢٤)! وكان عنيفاً سفاكاً لدماء المسلمين فقتل رجلاً لروايته حديثاً عن الأعمش(الصحيح من السيرة: ١/٨٨) ورأى مناماً أن وجهه أسود فعبروه له بأنه يُرزق أنثى فكان كذلك. (الكنى والألقاب: ١/٣١٩) وظل يطارد ابن عم أبيه ولي عهده، الذي خلع نفسه من أجله حتى قتله وجعل ابنه موسى ولي عهده! (تهذيب المقال: ٢/٣٢٠). وسلط زوجته الخيزران فكان بيدها زمام أمور الدولة (الطبري: ٣/٤٦٦) وبنى مدينة سيروان في جبال إيران وسكنها (وبها مات ودفن). (صبح الأعشى: ٤/٣٦٨) وحكم عشر سنين ومات سنة١٦٩، وعمره٤٣ سنة (الأخبار الطوال/٣٨٦ ومعارف ابن قتيبة/٣٧٩ وفيه ٤٨ سنة). لذلك اضطروا حتى ابن تيمية وابن كثير أن يعترفوا بأنه ليس المهدي الموعود! (منهاج السنة: ٤/٩٨، والنهاية: ٦/٢٧٧).
واعترف هارون الرشيد بكذبة أبيه وجده!
في إعلام الورى/ ٣٦٥ وطبعة: ٢/١٦٥، عن سليمان بن إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس قال: حدثني أبي قال: كنت يوماً عند الرشيد فذُكر المهدي وما ذكر من عدله فأطنب في ذلك، فقال الرشيد: أحسبكم تحسبونه أبي المهدي حدثني عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب، أن النبي قال له: يا عم، يملك من ولدي إثنا عشر خليفة، ثم تكون أمور كريهة شديدة عظيمة، ثم يخرج المهدي من ولدي يصلح الله أمره في ليلة فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ويمكث في الأرض ما شاء الله، ثم يخرج الدجال). ومثله قصص الأنبياء/٣٦٩، ومناقب ابن شهرآشوب: ١/٢٩٢ وطبعة ٢٥٢، والعدد القوية/٨٩، وفرائد السمطين: ٢/٣٢٩، وعنه كشف الغمة: ٣/٢٩٥، والدر النظيم/٧٩٦، وإثبات الهداة: ٣/٥٩١، والبحار: ٣٦/٣٠١.
وفي الأغاني: ١٣/٣١٣، عن الفضل بن إياس الهذلي الكوفي أن المنصور كان يريد البيعة للمهدي، وكان ابنه جعفر يعترض عليه في ذلك، فأمر بإحضار الناس فحضروا وقامت الخطباء فتكلموا، وقالت الشعراء فأكثروا في وصف المهدي وفضائله، وفيهم مطيع بن إياس فلما فرغ من كلامه في الخطباء وإنشاده في الشعراء، قال للمنصور: يا أمير المؤمنين حدثنا فلان عن فلان أن النبي صلى الله عليه وآله قال: المهدي منا محمد بن عبد الله وأمه من غيرنا، يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً! وهذا العباس بن محمد أخوك يشهد على ذلك! ثم أقبل على العباس فقال له: أنشدك الله هل سمعت هذا؟ فقال: نعم، مخافةً من المنصور! فأمر المنصور الناس بالبيعة للمهدي، قال: ولما انقضى المجلس وكان العباس بن محمد لم يأنس به قال: أرأيتم هذا الزنديق إذ كذب على الله عز وجل ورسوله حتى استشهدني على كذبه فشهدت له خوفاً، وشهد كل من حضر عليَّ بأني كاذب! وبلغ الخبر جعفر بن أبي جعفر وكان مطيع منقطعاً إليه يخدمه فخافه وطرده عن خدمته! قال وكان جعفر ماجناً فلما بلغه قول مطيع هذا غاظه وشقت عليه البيعة لمحمد فأخرج(...) ثم قال: إن كان أخي محمد هو المهدي فهذا القائم من آل محمد). راجع في تحريفهم وقبائحهم: تاريخ الطبري: ٦/ ٢٦٩، واليعقوبي: ٢/ ٣٩٥، ومعارف ابن قتيبة/٣٧٩، والنهاية: ١٠/١١١، وسمت النجوم/١٠٩٤، وشذرات الذهب: ١/٢١٩، وعبر الذهبي: ١/٢٠٧، والتحفة اللطيفة: ٢/٢٦، والمنار المنيف/١٤٩.
٩ - اثنا عشر كذاباً سيدعون المهدية قبيل ظهور الإمام عليه السلام
الإرشاد/٣٥٨، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لايخرج القائم حتى يخرج قبله اثنا عشر من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه). ومثله غيبة الطوسي/٢٦٧، وإعلام الورى/٤٢٦، والخرائج: ٣/١١٦٢، وعنه كشف الغمة: ٣/٢٤٩، وإثبات الهداة: ٣/٧٢٦ والبحار: ٥٢/٢٠٩.
وفي الكافي: ١/٣٣٨، والنعماني/١٥١، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ولتُرفعنَّ اثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يُدرى أيٌّ من أي! قال المفضل: فبكيت، فقال ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ فقلت: كيف لا أبكي وأنت تقول ترفع اثنتا عشرة راية لا يدرى أيٌّ من أي، فكيف نصنع؟ قال فنظر إلى شمس داخلة في الصفة فقال: يا أبا عبدالله ترى هذه الشمس؟ قلت: نعم. قال: والله لأمرنا أبين من هذه الشمس).
وفي ابن حماد: ١/٢٩١: ثم يسير إلى العراق وترفع قبل ذلك ثنتا عشرة راية بالكوفة معروفة منسوبة ويقتل بالكوفة رجل من ولد الحسن أو الحسين يدعو إلى أبيه).

الفصل التاسع: من صفات الإمام المهدي عليه السلام البدنية والمعنوية

أجلى الجبهة أقنى الأنف أفلج الثنايا
أبو داود: ٤/١٠٧، عن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المهدي مني أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يملك سبع سنين). وابن حماد: ١/٣٦٩، و٣٧٣، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله بعدة أحاديث، وفيها: عن النبي صلى الله عليه وآله قال: هو رجل مني. وعبد الرزاق: ١١/٣٧٢، عن أبي سعيد الخدري، ولم يرفعه. أجلى الجبهة: الذي انحسر الشعر عن جبهته وخف على جانبيها. أقنى الأنف: طويله مع دقة أرنبته واحديداب في وسطه.
وفي أحمد: ٣/١٧، عن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي، أجلى أقنى، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت قبله ظلماً، يكون سبع سنين). وفي أبي يعلى: ٢/٣٦٧، عن أبي سعيد: ليقومن على أمتي من أهل بيتي أقنى أجلى، يوسع الأرض عدلاً كما وسعت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين).
وفي الدر المنثور: ٦/٥٧: وأخرج أحمد، وأبو داود، عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وآله.. ولفظ أبي داود: المهدي مني أجلى الجبهة أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت قبله ظلماً وجوراً، يكون سبع سنين. ومن مصادرنا دلائل الإمامة/٢٥١، كما في أبي يعلى بتفاوت يسير، عن أبي سعيد. وفي/٢٥٨، عن أبي سعيد، كما في أحمد.
وفي سنن الداني/٩٤، عن أبي سعيد الخدري: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يقوم في آخر الزمان رجل من عترتي شاب حسن الوجه أجلى الجبين أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويملك كذا سبع سنين). والسنن في الفتن: ٥/١٠٣٨.
والحاكم: ٤/٥٥٧ وصححه على شرط مسلم، عن أبي سعيد: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: المهدي منا أهل البيت أشم الأنف أقنى أجلى، يعيش هكذا وبسط يساره وإصبعين من يمينه المسبحة والإبهام وعقد ثلاثة). ومعالم السنن: ٤/٣٤٤، عن أبي داود.. الخ.
وابن حماد: ١/٣٧٣، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: المهدي أجلى الجبين أقنا الأنف). ونحوه عبد الرزاق: ١١/٣٧٢.
والفردوس: ٤/٢٢١، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وآله: المهدي رجل من ولدي، وجهه كالقمر الدري، اللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الأرض والطير في الهواء. يملك عشرين سنة). ومثله العلل المتناهية: ٢/٨٥٨، عن حذيفة.. الى آخر المصادر. ومثله دلائل الإمامة/٢٣٣، وعنه العمدة/٤٣٩، والطرائف: ١/١٧٨، بتفاوت يسير، وفيه: واللون منه لون عربي. يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً). لون عربي: حنطي أو أبيض، وقد ورد في صفة المهدي عليه السلام أن لونه لون النبي صلى الله عليه وآله أبيض مشرب بحمرة. وجسم إسرائيلي: أي طويل مملوء كأجسام أبناء يعقوب عليه السلام وقد كان بنو إبراهيم معروفين بكمال أجسامهم وجمالهم، ومعناه أن صفات إبراهيم عليه السلام ظاهرة في المهدي عليه السلام. الطير في الهواء: تعبير عن عموم الرضا بالمهدي عليه السلام، وقد يكون حقيقياً بمعنى أن الإزدهار يشمل المجتمع والطبيعة.
شيخ السن شاب المنظر لايهرم بمرور الأيام
كمال الدين: ٢، ٦٥٢، عن أبي الصلت الهروي قال قلت للرضا عليه السلام: ما علامات القائم منكم إذا خرج؟ قال: علامته أن يكون شيخ السن، شاب المنظر، حتى أن الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها، وإن من علاماته أن لا يهرم بمرور الأيام والليالي، حتى يأتيه أجله). وإعلام الورى/٤٣٥، والخرائج: ٣/١١٧٠، ومنتخب الأنوار /٣٨، وإثبات الهداة: ٣/٧٢٢، والبحار: ٥٢/٢٨٥.
وفي النعماني/١٨٨ و٢١١، عن علي بن أبي حمزة. عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لو قد قام القائم لأنكره الناس، لأنه يرجع إليهم شاباً موفقاً، لا يثبت عليه إلا من قد أخذ الله ميثاقه في الذر الأول! وفي غير هذه الرواية أنه قال عليه السلام: وإن أعظم البلية أن يخرج إليهم صاحبهم شاباً وهم يحسبونه شيخاً كبيراً). وعقد الدرر/٤١، ومنتخب الأنوار/١٨٨ ونحوه غيبة الطوسي/٢٥٩، وعنه إثبات الهداة: ٣/٥١٢ و٥٣٦ و٥٨٣، والبحار: ٥٢/٢٨٧، و٣٨٥.
أبيض اللون، مشرب بحمرة، مبدَّح البطن
كمال الدين: ٢/٦٥٣، عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام وهو على المنبر: يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان أبيض اللون، مشرب بالحمرة، مبدح البطن عريض الفخذين، عظيم مشاش المنكبين، بظهره شامتان، شامة على لون جلده وشامة على شبه شامة النبي صلى الله عليه وآله، له إسمان: إسم يخفى واسم يعلن، فأما الذي يخفى فأحمد، وأما الذي يعلن فمحمد، إذا هز رايته أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، ووضع يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن إلا صار قلبه أشد من زبر الحديد، وأعطاه الله تعالى قوة أربعين رجلاً، ولا يبقى ميت إلا دخلت عليه تلك الفرحة وهو في قبره، وهم يتزاورون في قبورهم، ويتباشرون بقيام القائم صلوات الله عليه). ومثله إعلام الورى/٤٣٤، والخرائج: ٣/١١٤٩، وإثبات الهداة: ٣/٤٩٠، والبحار: ٥١/٣٥.
غائر العينين مشرف الحاجبين عريض ما بين المنكبين
النعماني/٢١٥، عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر الباقر عليه السلام: جعلت فداك إني قد دخلت المدينة وفي حِقْوَيَّ هميان فيه ألف دينار، وقد أعطيت الله عهداً أنني أنفقها ببابك ديناراً ديناراً أو تجيبني فيما أسألك عنه! فقال: يا حمران سل تجب ولا تنفقن دنانيرك، فقلت: سألتك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله أنت صاحب هذا الأمر والقائم به؟ قال: لا. قلت: فمن هو بأبي أنت وأمي؟ فقال: ذاك المشرب حمرة، الغائر العينين، المشرف الحاجبين، العريض ما بين المنكبين، برأسه حزاز وبوجهه أثر، رحم الله موسى. وفيها: عن حمران بن أعين، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام فقلت له: أنت القائم؟ فقال: قد ولدني رسول الله صلى الله عليه وآله وإني المطالب بالدم ويفعل الله ما يشاء، ثم أعدت عليه فقال: قد عرفت حيث تذهب صاحبك المبدح البطن، ثم الحزاز برأسه، ابن الأرواع رحم الله فلاناً). وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٣٨، وقال: المراد أنه من أولاد موسى بن جعفر عليه السلام أو أنه شبيه موسى بن عمران عليه السلام كما صرح به في الأحاديث المتواترة، وليس المراد به أن اسمه موسى لمنافاته للأحاديث المتواترة. والبحار: ٥١/٤٠ وقال: المشرف الحاجبين: أي في وسطها ارتفاع من الشرفة. والحزاز: ما يكون في الشعر مثل النخالة.
وفي النعماني/٢١٦، عن أبي بصير: قال أبو جعفر عليه السلام: يا أبا محمد بالقائم علامتان: شامة في رأسه وداء الحزاز برأسه، وشامة بين كتفيه من جانبه الأيسر، تحت كتفه الأيسر ورقة مثل ورقة الآس). وعنه البحار: ٥١/٤١.
إسمه إسمي.. وشمائله شمائلي
كمال الدين: ٢/٤١١، عن الإمام الصادق عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: القائم من ولدي اسمه إسمي، وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي، وسنته سنتي، يقيم الناس على ملتي وشريعتي، ويدعوهم إلى كتاب ربي عز وجل، من أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، ومن أنكره في غيبته فقد أنكرني، ومن كذبه فقد كذبني، ومن صدقه فقد صدقني. إلى الله أشكو المكذبين لي في أمره والجاحدين لقولي في شأنه، والمظلين لأمتي عن طريقته، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). والشمائل: الطبائع، وتطلق على ملامح البدن. وقد دلت هذه الأحاديث وغيرها على شبه المهدي عليه السلام بجده رسول الله صلى الله عليه وآله في خلقه وخلقه، واتباعه لسنته، وتجديده الإسلام والقرآن، وبسط نوره على العالم، وكفى به مقاماً عظيماً.
سيرة المهدي عليه السلام في ملبسه
الكافي: ١/٤١١ و: ٦/٤٤٤، عن حماد بن عثمان قال: حضرت أبا عبد الله عليه السلام وقال له رجل: أصلحك الله ذكرت أن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس الخشن يلبس تفسير القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرى عليك اللباس الجديد؟ فقال له: إن علي بن أبي طالب عليه السلام كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر عليه ولو لبس مثل ذلك اليوم شهِّرَ به، فخير لباس كل زمان لباس أهله، غير أن قائمنا أهل البيت إذا قام لبس ثياب علي وسار بسيرة علي عليه السلام). وعنه وسائل الشيعة: ٣/٣٤٨، والبحار: ٤٠/٣٣٦ و: ٤٧/٥٤.
وفي تحف العقول/٤٤٦، عن معمر بن خلاد أنه قال للرضا عليه السلام: عجل الله فرجك فقال عليه السلام: يا معمر ذاك فرجكم أنتم، فأما أنا فوالله ما هو إلا مزود فيه كف سويق مختوم بخاتم). وعنه البحار: ٧٨/٣٣٩.
رد صفة أزْيَلُ الفخذين
شرح النهج: ١/٢٨١: إسماعيل بن عباد عن علي عليه السلام أنه ذكر المهدي وقال إنه من ولد الحسين عليه السلام وذكر حليته فقال: رجل أجلى الجبين أقنى الأنف ضخم البطن، أزيل الفخذين، أبلج الثنايا بفخذه اليمنى شامة. وذكر هذا الحديث بعينه عبد الله بن قتيبة في كتاب غريب الحديث). وذكره في: ١٩/١٣٠، وفي غريب الحديث لابن الجوزي: ١/٤٤٩، وقال: أزيل الفخذين، والمراد انفراج فخذيه وتباعد ما بينهما وهو الزَّيَل. والنهاية: ٢/٣٢٥ عن الغريبين للهروي. والحاوي: ٢/٨٥.
وفي النعماني/٢١٤، عن أبي وائل قال: نظر أمير المؤمنين علي عليه السلام إلى الحسين عليه السلام فقال: إن ابني هذا سيد، كما سماه رسول الله صلى الله عليه وآله سيداً وسيخرج الله من صلبه رجلاً باسم نبيكم، يشبهه في الخلق والخلق يخرج على حين غفلة من الناس، وإماتة للحق وإظهار للجور، والله لو لم يخرج لضربت عنقه، يفرح بخروجه أهل السماوات وسكانها، وهو رجل أجلى الجبين، أقنى الانف، ضخم البطن، أزيل الفخذين، بفخذه اليمنى شامة، أفلج الثنايا، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً). ونحوه غيبة الطوسي/١١٥، والعمدة/٤٣٤، عن الجمع بين الصحاح، وفيه: ونظر إلى ابنه الحسين وقال.. كما سماه رسول الله صلى الله عليه وآله، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم.. يملأ الأرض عدلاً. والطرائف: ١/١٧٧، عن الجمع بين الصحاح، وابن طاووس/١٤٤، عن فتن السليلي، وفيه: دخل الحسين بن علي على علي بن أبي طالب عليه السلام وعنده جلساؤه فقال... قيل له: ومتى ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: هيهات إذا خرجتم عن دينكم كما تخرج المرأة عن وركيها لبعلها! وإثبات الهداة: ٣/٥٠٥، عن غيبة الطوسي، والبحار: ٥١/١٢٠.
أقول: لم ترد صفة (أزْيَل الفخذين) من طريق أهل البيت عليهم السلام، وهذا الحديث عن أمير المؤمنين عليه السلام ينتهي الى رواة غير شيعة، والقاعدة التحفظ في صفاته التي لم ترد عنهم عليهم السلام لاحتمال أن تكون موضوعة لتنطبق على شخص أفحج ادعى المهدية. نعم ورد في كمال الدين: ٢/٦٥٣، عن الإمام الباقر عليه السلام: (مُشْرَبٌ بالحمرة، مُبَدَّح البطن، عريض الفخذين، عظيم مشاش المنكبين). وعريض الفخذين بمعنى ضخامتهما، وهو غير الأزيل أي الأفحج الذي في فخذيه خلل يؤثر على مشيه وركوعه وسجوده، وقد رووا أن عمر كان أفحج، ففي تفسير الطبري٢/٧٩٤: (بينما عمر يصلي ويهوديان خلفه وكان عمر إذا أراد أن يركع خوى، فقال أحدهم لصاحبه: أهو هو؟ فلما انفتل عمر قال: رأيت قول أحدكم لصاحبه أهو هو! فقالا: إنا نجد في كتابنا قرناً من حديد يعطى ما يعطى حزقيل الذي أحيا الموتى بإذن الله). ورواه في تاريخه: ١/٣٢٣. ومعنى خوى: أنه كان لايستطيع الركوع بشكل طبيعي، فزعم اليهوديان تقرباً الى عمر أن ذلك علامة رجل يحيي الموتى كحزقيل! قال الزمخشري في الفايق: ١/٢٠٠: (الزَّيَل: الفحَج). لكن مصادر اللغة الأخرى خففته فجعلته شبيهاً بالفَحَج وليس هو! وقال ابن الأثير في النهاية: ٢/٣٢٥: (في حديث علي رضي الله عنه، ذكر المهدى فقال إنه أزيل الفخدين، أي منفرجهما، وهو الزيل والتزيل). وفي لسان العرب: ١١/٣١٧: (والزَّيَل بالتحريك: تباعد ما بين الفخذين كالفحج. ورجل أزيل الفخذين: منفرجهما متباعدهما، وهو من ذلك لأن المتباعد مفارق. وفي حديث علي كرم الله وجهه: أنه ذكر المهدي وأنه يكون من ولد الحسين أجلى الجبين أقنى الأنف أزيل الفخذين أفلج الثنايا بفخذه الأيمن شامة، أراد أنه متزايل الفخذين وهو الزيل والتزيل، والفعل منه زَيَلَ يَزِيلُ. وأزيل الفخذين أي منفرجهما).
والنتيجة: أن الزيل كالفحج أو هو نفسه، وهو عيب في المعصوم عليه السلام.
هذا، وقد مرت في الفصول الأخرى صفات عديدة للإمام المهدي عليه السلام.
من صفاته المعنوية عليه السلام
يعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي
في نهج البلاغة، شرح عبده: ٢/٢١ و: ٤/٣٦: (يعطف الهوى على الهدى، إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي. حتى تقوم الحرب بكم على ساق، بادياً نواجذها، مملوءة أخلافها، حلواً رضاعها، علقماً عاقبتها! ألا وفي غد وسيأتي غد بما لا تعرفون، يأخذ الوالي من غيرها عمالها على مساوئ أعمالها، وتخرج له الأرض أفاليذ كبدها، وتلقي إليه سلماً مقاليدها، فيريكم كيف عدل السيرة، ويحيي ميت الكتاب والسنة). وينابيع المودة/٤٣٧، وشرح ابن ميثم البحراني: ٣/١٦٨، وغرر الحكم/٣٦٣، أوله.
نهج البلاغة، شرح الصالح/٢٠٨: (وأخذوا يميناً وشمالاً ضعناً في مسالك الغي، وتركاً لمذاهب الرشد، فلا تستعجلوا ما هو كائن مرصد، وتستبطئوا ما يجيء به الغد. فكم من مستعجل بما إن أدركه ود أنه لم يدركه. وما أقرب اليوم من تباشير غد.
يا قوم هذا أبان ورود كل موعود، ودنو من طلعة ما لاتعرفون. ألا إن من أدركها منا يسري فيها بسراج منير، ويحذو فيها على مثال الصالحين، ليحل فيها ربقاً ويعتق فيها رقاً ويصدع شعباً ويشعب صدعاً، في سترة عن الناس، لا يبصر القائف أثره ولو تابع نظره، ثم ليشحذن فيها قوم شحذ القين النصل، تجلى بالتنزيل أبصارهم، ويرمى بالتفسير في مسامعهم، ويغبقون كأس الحكمة بعد الصبوح). والبحار: ٥١/١١٦.
قد لبس للحكمة جنتها وأخذها بجميع أدبها
نهج البلاغة شرح الصالح/٢٦٣ خطبة ١٨٢: (قد لبس للحكمة جنتها، وأخذها بجميع أدبها، من الإقبال عليها والمعرفة بها والتفرغ لها، فهي عند نفسه ضالته التي يطلبها وحاجته التي يسأل عنها، فهو مغترب إذا اغترب الإسلام، وضرب بعسيب ذنبه وألصق الأرض بجرانه، بقية من بقايا حجته، خليفة من خلائف أنبيائه). وينابيع المودة/٤٣٧، والبحار: ٥١/١١٣، عن نهج البلاغة.
وقال في شرح النهج: ١٠/٩٥: هذا الكلام فسره كل طائفة على حسب اعتقادها، فالشيعة الإمامية تزعم أن المراد به المهدى المنتظر عندهم والصوفية يزعمون أنه يعنى به ولي الله في الأرض، وعندهم أن الدنيا لا تخلو عن الأبدال وهم أربعون، وعن الأوتاد وهم سبعة، وعن القطب وهو واحد، فإذا مات القطب صار أحد السبعة قطباً عوضه، وصار أحد الأربعين وتداً عوض الوتد، وصار بعض الأولياء الذين يصطفيهم الله تعالى أبدالاً عوض ذلك البدل. وأصحابنا يزعمون أن الله تعالى لا يخلي الأمة من جماعة من المؤمنين العلماء بالعدل والتوحيد، وأن الإجماع إنما يكون حجة باعتبار أقوال أولئك العلماء لكنه لما تعذرت معرفتهم بأعيانهم، اعتبر إجماع سائر العلماء، وإنما الأصل قول أولئك. قالوا: وكلام أمير المؤمنين عليه السلام ليس يشير فيه إلى جماعة أولئك العلماء من حيث هم جماعة، ولكنه يصف حال كل واحد منهم، فيقول: من صفته كذا، ومن صفته كذا. والفلاسفة يزعمون أن مراده عليه السلام بهذا الكلام العارف ولهم في العرفان وصفات أربابه كلام يعرفه من له أنس بأقوالهم. وليس يبعد عندي أن يريد به القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله في آخر الوقت إذا خلقه الله تعالى وإن لم يكن الآن موجوداً، فليس في الكلام ما يدل على وجوده الآن، وقد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أن الدنيا والتكليف لاينقضي إلا عليه.
قوله عليه السلام: قد لبس للحكمة جنتها، الجنة: ما يستتر به من السلاح كالدرع ونحوها، ولبس جنة الحكمة قمع النفس عن المشتهيات، وقطع علائق النفس عن المحسوسات، فإن ذلك مانع للنفس عن أن يصيبها سهام الهوى، كما تمنع الدرع الدارع عن أن يصيبه سهام الرماية.. الخ.). انتهى. وسيأتي بحث ما قاله في الأبدال أصحاب الإمام عليه السلام.
يطبق القرآن ويعلمه للناس كما أنزل
الكافي: ٨/٣٩٦، عن أحمد بن عمر: قال أبو جعفر عليه السلام وأتاه رجل فقال له: إنكم أهل بيت رحمة اختصكم الله تبارك وتعالى بها، فقال له: كذلك نحن والحمد لله لا ندخل أحداً في ضلالة ولا نخرجه من هدى، إن الدنيا لا تذهب حتى يبعث الله عز وجل رجلاً منا أهل البيت يعمل بكتاب الله لايرى فيكم منكراً إلا أنكره). وعنه البحار: ٥٢/٣٧٨، وإثبات الهداة: ٣/٥٨٨، عن كتاب شريح. وفي الإرشاد/٣٦٥، عن جابر، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: إذا قام قائم آل محمد صلى الله عليه وآله ضرب فساطيط يعلم الناس القرآن على ما أنزل الله عز وجل، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لأنه يخالف فيه التأليف). ومثله روضة الواعظين: ٢/٢٦٥، وعنه كشف الغمة: ٣/٢٥٦، وإثبات الهداة: ٣/٥٥٦.
وفي البصائر/١٩٣، عن سالم بن أبي سلمة، قال قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أسمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس، فقال أبو عبد الله عليه السلام: مَهْ مَهْ كُفَّ عن هذه القراءة، إقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام قرأ كتاب الله على حدِّه، وأخرج المصحف الذي كتبه علي عليه السلام. وقال: أخرجه علي عليه السلام إلى الناس حيث فرغ منه وكتبه فقال لهم: هذا كتاب الله كما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله وقد جمعته بين اللوحين، قالوا: هو ذا عندنا مصحف جامع فيه القرآن لا حاجة لنا فيه! قال: أما والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبداً! إنما كان علي أن أخبركم به حين جمعته لتقرؤوه). ومثله الكافي: ٢/٦٣٣، وعنه إثبات الهداة: ٣/٤٤٩، والبحار: ٩٢/٨٨.
وفي النعماني/٣١٧، عن حبة العرني، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: كأني أنظر إلى شيعتنا بمسجد الكوفة قد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القرآن كما أنزل. أما إن قائمنا إذا قام كسره وسوى قبلته). وعنه البحار: ٥٢/٣٦٤.
أقول: الظاهر أنه يقصد عليه السلام أنهم يعلمونهم القرآن على حدوده كاملة، وقد ورد أن القرآن الذي بخط علي ويتوارثه الأئمة عليهم السلام يتفاوت مع القرآن في ترتيب سوره وربما آياته، وليس في الزيادة والنقصان، كما في الرواية التالية، في الإحتجاج: ١/١٥٥: عن أبي ذر الغفاري: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله جمع علي عليه السلام القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم، لما قد أوصاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله... فلما استخلف عمر سأل علياً أن يدفع إليهم القرآن فقال: يا أبا الحسن إن جئت بالقرآن الذي كنت قد جئت به إلى أبي بكر حتى نجتمع عليه فقال عليه السلام: هيهات ليس إلى ذلك سبيل، إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا: ما جئتنا به، إن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي! قال عمر: فهل لإظهاره وقت معلوم. فقال: نعم إذا قام القائم من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه فتجري السنة به). وعنه البحار: ٩٢/٤٢.
الشريد الطريد الفريد الوحيد، المفرد من أهله!
كمال الدين: ١/٣٠٣، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: صاحب هذا الأمر الشريد الطريد الفريد الوحيد. وفي النعماني/١٧٨، عن عبد الأعلى بن حصين الثعلبي عن أبيه قال: لقيت أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام في حج أو عمرة فقلت له: كبرت سني ودق عظمي فلست أدري يقضى لي لقاؤك أم لا فاعهد إلي عهداً وأخبرني متى الفرج؟ فقال: إن الشريد الطريد الفريد الوحيد، المفرد من أهله، الموتور بوالده، المكنى بعمه، هو صاحب الرايات، واسمه اسم نبي. فقلت: أعد علي، فدعا بكتاب أديم أو صحيفة فكتب لي فيها). وفي رواية: فقال: أحفظت أم أكتبها لك؟ فقلت: إن شئت، فدعا بكراع من أديم أو صحيفة فكتبها لي ثم دفعها إلي. وأخرجها حصين إلينا فقرأها علينا ثم قال: هذا كتاب أبي جعفر عليه السلام. وفي/١٧٩، عن أبي الجارود، عن الإمام الباقر عليه السلام: صاحب هذا الأمر هو الطريد الشريد، الموتور بأبيه، المكنى بعمه، المفرد من أهله، إسمه اسم نبي. ودلائل الإمامة/٢٦١، كالنعماني الثالثة، وعنه البحار: ٥١/٣٧، وإثبات الهداة: ٣/٥٣٥.
معه راية النبي صلى الله عليه وآله ومواريثه، ومواريث الأنبياء عليهم السلام
النعماني/٣١٥، عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: إن القائم يهبط من ثنية ذي طوى، في عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً حتى يسند ظهره إلى الحجر الأسود، ويهز الراية الغالبة. قال علي بن أبي حمزة: فذكرت ذلك لأبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام فقال: كتاب منشور). وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٤٧، والبحار: ٥٢/٣٧٠، وقال: أي هذا مثبت في الكتاب المنشور، أو معه الكتاب، أو الراية كتاب منشور).
وفي النعماني/٣٠٧، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لما التقى أمير المؤمنين عليه السلام وأهل البصرة نشر الراية راية رسول الله صلى الله عليه وآله، فزلزلت أقدامهم، فما اصفرت الشمس حتى قالوا: آمنا يا بن أبي طالب، فعند ذلك قال: لا تقتلوا الاسرى ولا تجهزوا على الجرحى، ولا تتبعوا مولياً، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن. ولما كان يوم صفين سألوه نشر الراية فأبى عليهم فتحملوا عليه بالحسن والحسين عليهما السلام وعمار بن ياسر رضي الله عنه، فقال للحسن: يا بنيَّ إن للقوم مدة يبلغونها وإن هذه راية لاينشرها بعدي إلا القائم صلوات الله عليه). وحلية الأبرار: ٢/٦٣٢، والبحار: ٥٢/٣٦٧. وفي البحار: ٥٢/٣٠٥، عن المفضل بن شاذان قال: وروي أنه يكون في راية المهدي: إسمعوا وأطيعوا). وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٨٢.
الإرشاد/٢٧٤، عن الصادق عليه السلام: علمنا غابرٌ ومزبورٌ ونَكْتٌ في القلوب ونَقْرٌ في الأسماع. وإن عندنا الجفر الأحمر والجفر الأبيض ومصحف فاطمة عليها السلام. وإن عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه. فسئل عن تفسير هذا الكلام فقال: أما الغابر فالعلم بما يكون، وأما المزبور: فالعلم بما كان، وأما النكت في القلوب فهو الإلهام والنقر في الأسماع: حديث الملائكة، نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم، وأما الجفر الأحمر: فوعاء فيه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله، ولن يخرج حتى يقوم قائمنا أهل البيت، وأما الجفر الأبيض: فوعاء فيه توراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وكتب الله الأولى، وأما مصحف فاطمة عليها السلام ففيه ما يكون من حادث، وأسماء كل من يملك إلى أن تقوم الساعة. وأما الجامعة: فهي كتاب طوله سبعون ذراعاً أملاه رسول الله صلى الله عليه وآله من فلق فيه وخط علي بن أبي طالب عليه السلام بيده، فيه والله جميع ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة، حتى أن فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة. وكان عليه السلام يقول: إن حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وحديث علي أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله، وحديث رسول الله قول الله عز وجل). ومثله الإحتجاج: ٢/٣٧٢، وعنه كشف الغمة: ٢/٣٨١، ومثله إعلام الورى/٢٧٧، وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٢٥، وعنهما البحار: ٢٦/١٨.
وفي البصائر/١٨٨، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت له: جعلت فداك إني أريد أن ألمس صدرك، فقال: إفعل فمسست صدره ومناكبه فقال: ولمَ يا أبا محمد؟ فقلت: جعلت فداك إني سمعت أباك وهو يقول: إن القائم واسع الصدر مسترسل المنكبين عريضُ ما بينهما، فقال: يا أبا محمد إن أبي لبس درع رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت تستحب على الأرض، وأنا لبستها فكانت وكانت، وإنها تكون من القائم كما كانت من رسول الله صلى الله عليه وآله مشمرةكانت ترفع نطاقها بحلقتين وليس صاحب هذا الأمر من جاز أربعين). ومثله الخرائج: ٢/٦٩١، وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٢٠.
وفي إثبات الوصية/٢٢٣: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أنت صاحبنا أعني صاحب الأمر؟ فقال: ألبست درع رسول الله صلى الله عليه وآله فانجرَّت عليَّ وإنه ليأخذ لي بالركاب، وإن صاحبكم يلبس الدرع فتستوي عليه ولايؤخذ له بالركاب. ثم قال لي: أني يكون ذلك ولم يولد الغلام الذي تربيه جدته).
البصائر/١٨٤، عن عبد الأعلى بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: عندي سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله لا أنازع فيه، ثم قال: إن السلاح مدفوع عنه لو وضع عند شر خلق الله كان أخيرهم، ثم قال: إن هذا الأمر يصير إلى من يلوى له الحنك، فإذا كانت من الله فيه المشية خرج فيقول الناس ما هذا الذي كان، ويضع الله له يده على رأس رعيته). ومثله الإرشاد/٢٧٥، وعنه البحار: ٢٦/٢٠٩.
الكافي: ١/٢٨٤، عن عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: المتوثب على هذا الأمر المدعي له، ما الحجة عليه؟ قال: يسأل عن الحلال والحرام قال: ثم أقبل علي فقال: ثلاثة من الحجة لم تجتمع في أحد إلا كان صاحب هذا الأمر: أن يكون أولى الناس بمن كان قبله، ويكون عنده السلاح، ويكون صاحب الوصية الظاهرة، التي إذا قدمت المدينة سألت عنها العامة والصبيان: إلى من أوصى فلان؟ فيقولون: إلى فلان بن فلان). ومثله الخصال: ١/١١٧، وعنهما إثبات الهداة: ٣/٧١٤، و٧٢٤، والبحار: ٢٥/١٣٨.
وفي النعماني/٢٤٣، عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: ألا أريك قميص القائم الذي يقوم عليه؟ فقلت بلى، قال: فدعا بقَمْطَر(محفظة للكتب) ففتحه وأخرج منه قميص كرابيس فنشره فإذا في كمه الأيسر دم، فقال: هذا قميص رسول الله صلى الله عليه وآله الذي عليه يوم ضربت رباعيته وفيه يقوم القائم، فقبلت الدم ووضعته على وجهي، ثم طواه أبو عبد الله عليه السلام ورفعه). وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٤٢، والبحار: ٥٢/٣٥٥.
وفي البصائر/١٦٢، عن عبد الملك بن أعين قال: أراني أبو جعفر بعض كتب علي ثم قال لي: لأي شيء كتبت هذه الكتب؟ قلت: ما أبين الرأي فيها قال: هات قلت: علم أن قائمكم يقوم يوماً فأحب أن يعمل بما فيها، قال: صدقت). وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٢٠، والبحار: ٢٦/٥١. وفي النعماني/٢٣٨، عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: عصا موسى قضيب آس من غرس الجنة، أتاه بها جبرئيل عليه السلام لما توجه تلقاء مدين، وهي وتابوت آدم في بحيرة طبرية، ولن يبليا ولن يتغيرا حتى يخرجهما القائم عليه السلام إذا قام). وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٤٠، والبحار: ٥٢/٣٥١.
وفي البصائر/١٨٣، عن محمد بن الفيض، عن محمد بن علي عليه السلام قال: كانت عصا موسى لآدم فصارت إلى شعيب ثم صارت إلى موسى بن عمران وإنها لعندنا وإن عهدي بها آنفاً، وهي خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرها وإنها لتنطق إذا استنطقت، أعدت لقائمنا ليصنع كما كان موسى يصنع بها، وإنها لتروع وتلقف! قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أراد الله أن يقبضه أورث علياً عليه السلام علمه وسلاحه وما هناك ثم صار إلى الحسن والحسين ثم حين قتل الحسين استودعه أم سلمة، ثم قبض بعد ذلك منها، قال: فقلت: ثم صار إلى علي بن الحسين ثم صار إلى أبيك ثم انتهى إليك؟ قال: نعم). ونحوه الكافي: ١/٢٣١، وفيه: إنها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون يفتح لها شعبتان: إحداهما في الأرض والأخرى في السقف وبينهما أربعون ذراعا تلقف ما يأفكون بلسانها). ومثله كمال الدين: ٢/٦٧٣، والإختصاص/٢٦٩، وإثبات الهداة: ٣/٤٣٩ و٥٥٨، والبحار: ٢٦/٢١٩، و: ٥٢/٣١٨
يُظهر القرآن بخط علي عليه السلام
في الكافي: ٨/٢٨٧، عن عاصم بن حميد، عن أبي جعفر عليه السلام في قوله عز وجل: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ؟ قال: اختلفوا كما اختلفت هذه الأمة في الكتاب وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم الذي يأتيهم به حتى ينكره ناس كثير فيقدمهم فيضرب أعناقهم).
معه عهدٌ معهود من النبي صلى الله عليه وآله
البحار: ٥٢/٣٠٥، عن السيد علي بن عبد الحميد: إذا خسف بجيش السفياني، والقائم يومئذ بمكة عند الكعبة مستجيراً بها يقول: أنا ولي الله، فيبايعونه بين الركن والمقام.. ومعه عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله قد تواترت عليه الآباء. فإن أشكل عليهم من ذلك الشيء فإن الصوت من السماء لا يشكل عليهم إذا نودي باسمه واسم أبيه). وإثبات الهداة: ٣/٥٨٢.
الإمام المهدي عليه السلام ساقي الأمة في المحشر
مائة منقبة/٢٤، عن عبد الله بن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي بن أبي طالب عليه السلام: يا علي أنا نذير أمتي وأنت هاديها، والحسن قائدها، والحسين سائقها وعلي بن الحسين جامعها، ومحمد بن علي عارفها، وجعفر بن محمد كاتبها، وموسى بن جعفر محصيها، وعلي بن موسى معبرها ومنجيها وطارد مبغضيها ومدني مؤمنيها، ومحمد بن علي قائمها وسائقها وعلي بن محمد ساترها، وعالمها والحسن بن علي مناديها ومعطيها، والقائم الخلف ساقيها ومناشدها: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ). ومناقب ابن شهرآشوب: ١/٢٩٢، عن عبد الله بن محمد البغوي، والصراط المستقيم: ٢/١٥٠، وإثبات الهداة: ١/٧٢١، والبحار: ٣٦/٢٧٠. أقول: لعل إسم عبدالله بن عمر في سند الحديث تصحيف لعبدالله آخر، فلم يعهد عنه رواية مثل هذه الأحاديث.
وهو الصراط السوي
في تأويل الآيات: ١/٣٢٣، عن عيسى بن داود النجار، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألت أبي عن قول الله عز وجل: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى)؟ قال: الصراط السوي هو القائم عليه السلام، والهدى من اهتدى إلى طاعته. ومثلها في كتاب الله عز وجل: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى). قال: إلى ولايتنا). وعنه البرهان: ٣/٥٠، والبحار: ٢٤/١٥٠.
وهو صاحب ليلة القدر
تفسير القمي: ٢/٤٣١، عن علي بن إبراهيم في قوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، قال: فهو القرآن أنزل إلى البيت المعمور في ليلة القدر جملة واحدة، وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله في طول ثلاث وعشرين سنة. (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ): ومعنى ليلة القدر أن الله يقدر فيها الآجال والأرزاق وكل أمر يحدث من موت أو حياة أو خصب أو جدب أو خير أو شر، كما قال الله: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)، إلى سنة. قوله: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)، قال: تنزل الملائكة وروح القدس على إمام الزمان، ويدفعون إليه ما قد كتبوه من هذه الأمور). وعنه البحار: ٩٧/١٤.
تفسير القمي: ٢/٢٩٠، عن عبد الله بن مسكان، عن أبي جعفر، وأبي عبد الله، وأبي الحسن عليهم السلام: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ): يعني القرآن. (فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ). وهي ليلة القدر، أنزل الله القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة. ثم نزل من البيت المعمور على رسول الله صلى الله عليه وآله في طول ثلاث وعشرين سنة. (فِيهَا يُفْرَقُ): في ليلة القدر كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ: أي يقدر الله كل أمر من الحق ومن الباطل وما يكون في تلك السنة، وله فيه البداء والمشية، يقدم ما يشاء، ويؤخر ما يشاء من الآجال والأرزاق والبلايا والاعراض والأمراض، ويزيد فيها ما يشاء وينقص ما يشاء ويلقيه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أمير المؤمنين عليه السلام ويلقيه أمير المؤمنين عليه السلام إلى الأئمة عليهم السلام حتى ينتهي ذلك إلى صاحب الزمان عليه السلام، ويشترط له ما فيه البداء والمشية والتقديم والتأخير). وعنه المحجة/٢٠٢، والبحار: ٩٧/١٢ ومجمع البيان: ٥/٦١، مختصراً، وقال: عن ابن عباس وقتادة وابن زيد، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليها السلام.
وهو بقية الله في أرضه
الكافي: ١/٤١١، عن عمر بن زاهر، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال سأله رجل عن القائم يسلم عليه بإمرة المؤمنين قال: لا، ذاك اسم سمى الله به أمير المؤمنين عليه السلام لم يسم أحد قبله ولا يتسمى به بعده إلا كافر قلت جعلت فداك كيف يسلم عليه قال يقولون السلام عليك يا بقية الله ثم قرأ: بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين). ومثله تفسير فرات/٦٣ وعنه تأويل الآيات: ١/١٨٦، وإثبات الهداة: ٣/٤٤٧، والبحار: ٢٤/٢١١.
وفي الإحتجاج: ١/٢٤٠، جاء بعض الزنادقة إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: لولا ما في القرآن من الإختلاف والتناقض لدخلت في دينكم! فقال له عليه السلام في حديث ذكر فيه الأئمة عليه السلام: فقال السائل: ماذاك الأمر؟ قال علي عليه السلام: الذي تنزل به الملائكة في الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم: من خلق ورزق وأجل وعمل وعمر وحياة وموت وعلم غيب السماوات والأرض والمعجزات التي لا تنبغي إلا لله وأصفيائه والسفرة بينه وبين خلقه. وهم وجه الله الذي قال: فأينما تولوا فثم وجه الله، هم بقية الله، يعني المهدي، يأتي عند انقضاء هذه النظرة، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً). وعنه البحار: ٩٣/١١٨.
وهو الكوكب الدري والنور الإلهي في الآية
المحكم والمتشابه/١١٢، عن تفسير النعماني عن إسماعيل بن جابر قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يقول: في حديث طويل عن أنواع آيات القرآن، فيه مجموعة أسئلة لأمير المؤمنين عليه السلام عن آيات القرآن وأحكامه، قال فيه: (وسألوه صلوات الله عليه، عن أقسام النور في القرآن، فقال: النور: القرآن، والنور اسم من أسماء الله تعالى، والنور النورية، والنور ضوء القمر، والنور ضوء المؤمن وهو الموالاة التي يلبس لها نوراً يوم القيامة، والنور في مواضع من التوراة والإنجيل والقرآن حجة الله على عباده، وهو المعصوم... فقال تعالى: (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). فالنور في هذا الموضع هو القرآن، ومثله في سورة التغابن قوله تعالى: (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا). يعني سبحانه القرآن وجميع الأوصياء المعصومين، من حملة كتاب الله تعالى وخزانه وتراجمته، الذين نعتهم الله في كتابه فقال: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)، فهم المنعوتون الذين أنار الله بهم البلاد وهدى بهم العباد، قال الله تعالى في سورة النور: (اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شيء عَلِيمٌ). فالمشكاة رسول الله صلى الله عليه وآله، والمصباح الوصي، والأوصياء عليهم السلام والزجاجة فاطمة، والشجرة المباركة رسول الله صلى الله عليه وآله، والكوكب الدري القائم المنتظر عليه السلام الذي يملأ الأرض عدلاً). والبحار: ٩٣/٣.
التوحيد للصدوق/١٥٨، عن عيسى بن راشد، عن محمد بن علي بن الحسين عليهما السلام في قوله عز وجل: (كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ)، قال: المشكاة نور العلم في صدر النبي صلى الله عليه وآله. (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ): الزجاجة صدر علي عليه السلام، صار علم النبي صلى الله عليه وآله إلى صدر علي عليه السلام. (الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ): قال: نور. (لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ): قال: لا يهودية ولا نصرانية. يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ: يكاد العالم من آل محمد عليهم السلام يتكلم بالعلم قبل أن يسأل. (نُورٌ عَلَى نُورٍ): يعني إماماً مؤيداً بنور العلم والحكمة في إثر إمام من آل محمد عليهم السلام وذلك من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة، فهؤلاء الأوصياء الذين جعلهم الله عز وجل خلفاءه في أرضه وحججه على خلقه، لا تخلو الأرض في كل عصر من واحد منهم). وعنه مناقب ابن شهرآشوب: ١/٢٨٠، ومجمع البيان: ٤/١٤٣، وتأويل الآيات: ١/٣٥٨، والبرهان: ٣/١٣٤.
المهدي والأئمة عليهم السلام هم السبع المثاني
تفسير العياشي: ٢/٢٥٠، عن القاسم بن عروة، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)، قال: سبعة أئمة والقائم عليه السلام. وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: إن ظاهرها الحمد، وباطنها ولد الولد. والسابع منها القائم عليه السلام). وعنه إثبات الهداة: ١/٦٢٩ و: ٣/٥٥١، والمحجة/١١٣، والبحار: ٢٤/١١٧.
له سيف مذخور من جده عبد المطلب رحمه الله
الكافي: ٤/٢٢٠، عن الحسن بن راشد قال: سمعت أبا إبراهيم عليه السلام يقول: لما احتفر عبد المطلب زمزم وانتهى إلى قعرها خرجت عليه من إحدى جوانب البئر رائحة منتنة أفظعته، فأبى أن ينثني، وخرج ابنه الحارث عنه، ثم حفر حتى أمعن فوجد في قعرها عيناً تخرج عليه برائحة المسك، ثم احتفر فلم يحفر إلا ذراعاً حتى تجلاه النوم فرأى رجلاً طويل الباع حسن الشعر جميل الوجه جيد الثوب طيب الرائحة وهو يقول: إحفر تغنم وجد تسلم ولا تدخرها للمقسم، الأسياف لغيرك والبئر لك، أنت أعظم العرب قدراً، ومنك يخرج نبيها ووليها والأسباط النجباء الحكماء العلماء البصراء، والسيوف لهم وليسوا اليوم منك ولا لك، ولكن في القرن الثاني منك بهم ينير الله الأرض ويخرج الشياطين من أقطارها ويذلها في عزها، ويهلكها بعد قوتها، ويذل الأوثان ويقتل عبادها حيث كانوا، ثم يبقى بعده نسل من نسلك هو أخوه ووزيره ودونه في السن... فوجد ثلاثة عشر سيفاً مسندة إلى جنبه فأخذها وأراد أن يبتَّ فقال: وكيف ولم أبلغ الماء، ثم حفر فلم يحفر شبراً حتى بدا له قرن الغزال ورأسه فاستخرجه وفيه طبع لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله فلان خليفة الله، فسألته فقلت: فلان متى كان قبله أو بعده؟ قال: لم يجئ بعد ولا جاء شيء من أشراطه... رأى عبد المطلب أن يبطل الرؤيا التي رآها في البئر ويضرب السيوف صفائح للبيت فأتاه الله بالنوم فغشيه وهو في حجر الكعبة فرأى ذلك الرجل بعينه وهو يقول: يا شيبة الحمد ضع السيوف في مواضعها، فادفع هذه الثلاثة عشر سيفاً إلى ولد المخزومية، ولا يبان لك أكثر من هذا، وسيف لك منها واحد سيقع من يدك فلا تجد له أثراً إلا أن يستجنه جبل كذا وكذا فيكون من أشراط قائم آل محمد! فانتبه عبد المطلب وانطلق والسيوف على رقبته فأتى ناحية من نواحي مكة ففقد منها سيفاً كان أرقها عنده، فيظهر من ثم. ونحن نقول: لا يقع سيف من أسيافنا في يد غيرنا إلا رجل يعين به معنا إلا صار فحماً، قال: وإن منها لواحداً في ناحية يخرج كما تخرج الحية فيبين منه ذراع وما يشبهه، فتبرق له الأرض مرارا ثم يغيب، فإذا كان الليل فعل مثل ذلك فهذا دأبه حتى يجيء صاحبه، ولو شئت أن أسمي مكانه لسميته، ولكن أخاف عليكم من أن أسميه فتسموه فينسب إلى غير ما هو عليه). وعنه البحار: ١٥/١٦٤.
يجتمع أبناء الزهراء عليها السلام في العالم على تأييده
وروايته صحيحة السند تقدمت في فصل السفياني، وهي مطلقة تدل على أن السادة أبناء علي وفاطمة عليهما السلام في كل العالم على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم يُجمعون على تأييده واتِّباعه عجل الله تعالى فرجه الشريف! وهو أمرٌ لم يحدث بعد أن كثر أولاد الحسنين عليهما السلام وتفرقوا. ففي الكافي: ٨/٢٦٤، عن عيص بن القاسم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إن أتاكم آت منا، فانظروا على أي شيء تخرجون؟... إلا مع من اجتمعت بنو فاطمة معه فوالله ما صاحبكم إلا من اجتمعوا عليه). وعلل الشرائع/٥٧٧، وعنهما البحار: ٤٦/١٧٨، و: ٥٢/٣٠١.
يقاتل على السنة ويكمل مهمة جده المصطفى صلى الله عليه وآله
ابن حماد: ١/٣٧٩، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله قال: هو رجل من عترتي، يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي). وعنه قد الدرر/١٦، والحاوي: ٢/٧٤، وصواعق ابن حجر/١٦٤، والقول المختصر/٧ و١٢، وفيه: يضرب الناس حتى يرجعوا للحق. وفي/٢٥: لا يخرج حتى لا يبقى رأس كبير إلا هلك! وفي فتوحات ابن عربي: ٣/٣٣٢: (وكذا ورد الخبر في صفة المهدي أنه قال صلى الله عليه وآله: يقفو أثري لا يخطئ). وفي/٣٣٥: (فعرفنا أنه متبع لا متبوع وأنه معصوم ولا معنى للمعصوم في الحكم، إلا أنه لا يخطئ، فإن حكم الرسول لا ينسب إليه خطأ فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى). وقال في/٣٢٧: يقفو أثر رسول الله صلى الله عليه وآله لايخطئ، له ملك يسدده من حيث لا يراه، يحمل الكل ويقوي الضعيف في الحق، ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق، يفعل ما يقول ويقول ما يعلم، ويعلم ما يشهد). انتهى.
أقول: ينبغي التنبيه على أن كلام ابن عربي وأفكاره عن الإمام المهدي عليه السلام جاءت من عالمه الخيالي دون مستند شرعي، فلم يستدل عليها بدليل برهاني، والذي فعله أنه انتقى من مصادر السنة والشيعة ما يلائم مذهبه، ووقع في التناقض في ذلك!
حرفوا نسخة كتاب الفتوحات وحذفوا نسب الإمام المهدي عليه السلام
وبمناسبة ذكرنا رأي ابن عربي في أصحاب الإمام المهدي عليه السلام ننبه الى التحريف الذي اقترفته يد من طبع كتابه، فقد نقل عدد من المصادر عبارته في الإمام المهدي عليه السلام وهي تنص على نسبه وأنه ابن الإمام الحسن العسكري عليه السلام وأورد نسبه الى علي وفاطمة عليهم السلام، فحذفوا ذلك من طبعته! قال في إلزام الناصب: ١/٢٩٢: (الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الفتوحات: واعلموا أنه لا بد من خروج المهدي لكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً، ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد طول الله ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله من ولد فاطمة، جده الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده الحسن العسكري بن الإمام علي النقي بالنون بن الإمام محمد التقي بالتاء بن الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين علي بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب يواطئ اسمه إسم رسول الله صلى الله عليه وآله، يبايعه المسلمون ما بين الركن والمقام، يشبه رسول الله في الخلق بفتح الخاء وينزل عنه في الخلق بضمها إذ لا يكون أحد مثل رسول الله صلى الله عليه وآله في أخلاقه، والله تعالى يقول: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ).
وهو أجلى الجبهة أقنى الأنف، أسعد الناس به أهل الكوفة، يقسم المال بالسوية ويعدل في الرعية، يمشي الخضر بين يديه، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً، يقفو أثر رسول الله لايخطئ، له ملك يسدده من حيث لا يراه، يفتح المدينة الرومية بالتكبير مع سبعين ألفاً من المسلمين، يعز الله به الإسلام بعد ذلة، ويحييه بعد موته، ويضع الجزية ويدعو إلى الله بالسيف فمن أبى قتل ومن نازعه خذل، يحكم بالدين الخالص عن الرأي. إلى آخر كلامه). انتهى.
بينما نص عبارته في نسخة الفتوحات المتداولة: ٣/٣٢٧: (إعلم أيدنا الله أن لله خليفة يخرج وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد طول الله ذلك اليوم حتى يلي هذا الخليفة من عترة رسول الله ص من ولد فاطمة، يواطئ اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله جده الحسين بن علي بن أبي طالب يبايع بين الركن والمقام، يشبه رسول الله في خلقه بفتح الخاء وينزل عنه في الخلق بضم الخاء، لأنه لا يكون أحد مثل رسول الله في أخلاقه والله يقول فيه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، هو أجلى الجبهة أقنى الأنف أسعد الناس به أهل الكوفة، يقسم المال بالسوية ويعدل في الرعية ويفصل في القضية، يأتيه الرجل فيقول له يا مهدي أعطني وبين يديه المال فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله! يخرج على فترة من الدين، يزع الله به ما لا يزع بالقرآن، يمسي جاهلاً بخيلاً جباناً ويصبح أعلم الناس أكرم الناس أشجع الناس، يصلحه الله في ليلة! يمشي النصر بين يديه، يعيش خمساً أو سبعاً أو تسعاً، يقفو أثر رسول الله لا يخطئ، له ملك يسدده من حيث لا يراه، يحمل الكل ويقوي الضعيف في الحق ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق يفعل ما يقول ويقول ما يعلم ويعلم ما يشهد، يفتح المدينة الرومية بالتكبير في سبعين ألفاً من المسلمين من ولد إسحاق، يشهد الملحمة العظمى مأدبة الله بمرج عكا، يبيد الظلم وأهله يقيم الدين، ينفخ الروح في الإسلام يعز الإسلام به بعد ذله ويحيا بعد موته، يضع الجزية ويدعو إلى الله بالسيف فمن أبي قتل ومن نازعه خذل يُظهر من الدين ما هو الدين عليه في نفسه، ما لو كان رسول الله لحكم به. يرفع المذاهب من الأرض فلا يبقى إلا الدين الخالص، أعداؤه مقلدة العلماء أهل الإجتهاد لما يرونه من الحكم بخلاف ما ذهبت إليه أئمتهم، فيدخلون كرهاً تحت حكمه خوفاً من سيفه وسطوته ورغبة فيما لديه، يفرح به عامة المسلمين أكثر من خواصهم، يبايعه العارفون بالله من أهل الحقائق عن شهود وكشف، بتعريف إلهي. له رجال إلهيون يقيمون دعوته وينصرونه، هم الوزراء يحملون أثقال المملكة ويعينونه على ما قلده الله. ينزل عليه عيسى بن مريم بالمنارة البيضاء بشرقي دمشق بين مهرودتين متكأ على ملكين ملك عن يمينه وملك عن يساره يقطر رأسه ماء مثل الجمان يتحدر كأنما خرج من ديماس، والناس في صلاة العصر فيتنحى له الإمام من مقامه، فيتقدم فيصلي بالناس يؤم الناس بسنة محمد. يكسر الصليب ويقتل الخنزير، ويقبض الله المهدي إليه طاهراً مطهراً، وفي زمانه يقتل السفياني عند شجرة بغوطة دمشق ويخسف بجيشه في البيداء بين المدينة ومكة حتى لا يبقى من الجيش إلا رجل واحد من جهينة، يستبيح هذا الجيش مدينة الرسول صلى الله عليه وآله ثلاثة أيام ثم يرحل يطلب مكة، فيخسف الله به في البيداء، فمن كان مجبوراً من ذلك الجيش مكرهاً يحشر على نيته. القرآن حاكم والسيف مبيد، ولذلك ورد في الخبر: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

ألا إن ختم الأولياء شهيد * * * وعين إمام العالمين فقيد
هو السيد المهدي من آل أحمد * * * هو الصارم الهندي حين يبيد
هو الشمس يجلو كل غم وظلمة * * * هو الوابل الوسمي حين يجود

وقد جاءكم زمانه وأظلكم أوانه وظهر في القرن الرابع اللاحق بالقرون الثلاثة الماضية قرن رسول الله صلى الله عليه وآله وهو قرن الصحابة، ثم الذي يليه ثم الذي يلي الثاني ثم جاء بينهما فترات وحدثت أمور وانتشرت أهواء وسفكت دماء وعاثت الذئاب في البلاد وكثر الفساد، إلى أن طم الجور وطما سيله، وأدبر نهار العدل بالظلم حين أقبل ليله، فشهداؤه خير الشهداء وأمناؤه أفضل الأمناء.
وإن الله يستوزر له طائفة خبأهم له في مكنون غيبه أطلعهم كشفاً وشهوداً على الحقائق، وما هو أمر الله عليه في عباده، فبمشاورتهم يفصل ما يفصل وهم العارفون الذين عرفوا ما ثَمَّ، وأما هو في نفسه فصاحب سيف حق وسياسة مدنية يعرف من الله قدر ما تحتاج إليه مرتبته ومنزله لأنه خليفة مسدد، يفهم منطق الحيوان يسرى عدله في الإنس والجان، من أسرار علم وزرائه الذين استوزرهم الله له قوله تعالى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين، وهم على أقدام رجال من الصحابة، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهم من الأعاجم ما فيهم عربي لكن لا يتكلمون إلا بالعربية، لهم حافظ ليس من جنسهم ما عصى الله قط، هو أخص الوزراء وأفضل الأمناء، فأعطاهم الله في هذه الآية التي اتخذوها هجيراً وفي ليلهم سميراً، أفضل علم الصدق حالاً وذوقاً فعلموا إن الصدق سيف الله في الأرض، ما قام بأحد ولا اتصف به إلا نصره الله لأن الصدق نعته والصادق اسمه فنظروا بأعين سليمة من الرمد وسلكوا بأقدام ثابتة في سبيل الرشد، فلم يروا الحق قيد مؤمناً من مؤمن، بل أوجب على نفسه نصر المؤمنين). انتهى.
تنتهي التقية بظهوره عليه السلام
في تفسير العياشي: ٢/٣٥١، عن المفضل قال: وسألته عن قوله: فإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ؟ قال: رفع التقية عند الكشف، فينتقم من أعداء الله). والبحار: ١٢/٢٠٧، عن العياشي، وقال: كان هذا كلام على سبيل التمثيل والتشبيه، أي جعل الله التقية لكم سداً لرفع ضرر المخالفين عنكم إلى قيام القائم عليه السلام ورفع التقية، كما أن ذا القرنين وضع السد لرفع فتنة يأجوج ومأجوج إلى أن يأذن الله لرفعها).

* * *
الفصل العاشر: مقام الإمام المهدي عليه السلام عند الله تعالى

المهدي عليه السلام أحد سبعة سادة أهل الجنة
ابن ماجة: ٢/١٣٦٨، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة، أنا، وحمزة، وعلي، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهدي. ومثله الحاكم: ٣/٢١١، وصححه على شرط مسلم، وفيه: أنا وعلي وجعفر وحمزة. وتاريخ بغداد: ٩/٤٣٤، وفيه: نحن سبعة بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة، أنا وعلي أخي وعمي حمزة وجعفر والحسن والحسين والمهدي). وتلخيص المتشابه: ١/١٩٧، والفردوس: ١/٥٣، وفيه: بني المطلب سادة.. ومقتل الحسين للخوارزمي: ١/١٠٨، عن أبي نعيم. وبيان الشافعي/٤٨٨، كابن ماجة، وقال: هذا الحديث صحيح أخرجه ابن ماجة الحافظ في صحيحه كما سقناه، ورزقناه عالياً بحمد الله، وأخرجه الطبراني عن جعفر بن عمر الصباح، عن سعد بن عبد الحميد كما أخرجناه، ورواه أبو نعيم الحافظ في مناقب المهدي بطرق شتى. وذخائر العقبى/١٥، و٨٩، كابن ماجة بتفاوت يسير. وعقد الدرر/١٤٤، كتاريخ بغداد وقال: أخرجه جماعة من أئمة الحديث في كتبهم، منهم الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه، وأبو القاسم الطبراني في معجمه، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني وغيرهم. وفتن ابن كثير: ١/٤٤، عن ابن ماجة، وقال: أورده البخاري في التاريخ، وابن حاتم في الجرح والتعديل. وجمع الجوامع: ١/٨٥١، عن الحاكم.
وفي المسند الجامع: ٢/٤٤٦، عن أنس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنة: أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي. وجامع الأحاديث: ٦/٧٢٣، وزوائد ابن ماجة/٥٢٨، وجامع المسانيد والسنن: ٢١/٥١، ومصباح الزجاجة: ٢/٣١٤، وشرح أصول الإعتقاد أهل السنة: ٨/١٤١٢٣، والدر النظيم/٧٥٥ و٧٩٨، واستجلاب ارتقاء الغرف/٢١٤ و٢٥٣ والكشف والبيان: ٨/٣١٢، ومسند شمس الأخبار: ٢/٣٠٥، وكفاية الطالب/٤٨٨، وعوالم النصوص/٣٠٤، وكلها عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله كالمسند الجامع. ونحوه العلل المتناهية: ١/٢٢٣، والدر النظيم/٧٩٨، ومناقب محمد بن سليمان: ١/٢٣٧، عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أول سبعة يدخلون الجنة أنا وعلي والحسن والحسين وحمزة وجعفر والمهدي محمد بن عبد الله. وفي: ٢/٥٤٩، عن ابن سيرين: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خير هذه الأمة بعد نبيها ستة. قالوا يارسول الله من هم؟ قال: علي وحمزة وجعفر والحسن والحسين والمهدي.
وقال ابن الصديق المغربي/٥٤٢: وقد وجدت ما يصلح أن يكون للحديث شاهداً، قال الطبراني في المعجم الصغير: حدثنا أحمد بن محمد بن العباس المري القنطري... عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة: نبينا خير الأنبياء وهو أبوك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيك حمزة، ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو ابن عم أبيك جعفر، ومنا سبطا هذه الأمة الحسن والحسين وهما ابناك، ومنا المهدي). انتهى.

* * *

ومن مصادرنا: كتاب سُلَيْم بن قيس رحمه الله /٢٤٥، قال: كانت قريش إذا جلست في مجالسها، فرأت رجلاً من أهل البيت قطعت حديثها، فبينما هي جالسة إذ قال رجل منهم ما مثل محمد في أهل البيت إلا كمثل نخلة نبتت في كناسة! فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فغضب ثم خرج فأتى المنبر فجلس عليه حتى اجتمع الناس، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال... وأورد خطبة طويلة في فضله وفضل أهل بيته عليهم السلام جاء فيها: (ألا ونحن بنو عبد المطلب سادة أهل الجنة، أنا، وعلي، وجعفر، وحمزة، والحسن، والحسين، وفاطمة، والمهدي). ونحوه أمالي الصدوق/٣٨٤، عن أنس، وفيه: نحن بنو عبد المطلب سادة أهل الجنة: رسول الله، وحمزة سيد الشهداء، وجعفر ذو الجناحين، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، والمهدي. وغيبة الطوسي/١١٣، كالحاكم والعمدة/٥٢ و٤٣٠، كابن ماجة عن الثعلبي، والطرائف: ١/١٧٦، مختصراً، عن الثعلبي.. الخ.
وفي دلائل الإمامة/٢٥٦، عن الأصبغ بن نباتة، قال: كنا مع علي بالبصرة، وهو على بغلة رسول الله، وقد اجتمع هو وأصحاب محمد فقال: ألا أخبركم بأفضل خلق الله عند الله يوم يجمع الرسل؟ قلنا: بلى يا أمير المؤمنين، قال: أفضل الرسل محمد وإن أفضل الخلق بعدهم الأوصياء، وأفضل الأوصياء أنا، وأفضل الناس بعد الرسل والأوصياء الأسباط، وإن خير الأسباط سبطا نبيكم، يعني الحسن والحسين، وإن أفضل الخلق بعد الأسباط الشهداء، وإن أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب قال ذلك النبي، وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين، مخضبان، بكرامة خص الله عز وجل بها نبيكم، والمهدي منا في آخر الزمان لم يكن في أمة من الأمم مهدى ينتظر غيره). وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٧٤. وفي قرب الإسناد/١٣، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: منا سبعة خلقهم الله عز وجل لم يخلق في الأرض مثلهم: منا رسول الله صلى الله عليه وآله سيد الأولين والآخرين وخاتم النبيين، ووصيه خير الوصيين وسبطاه خير الأسباط حسناً وحسيناً وسيد الشهداء حمزة عمه، ومن قد طار مع الملائكة جعفر، والقائم). و البحار: ٢٢/٢٧٥.
أقول: كفى بهذا الحديث الشريف دليلاً على مكانة هؤلاء العظماء من أبناء عبد المطلب رضوان الله عليه، وخاتمهم الإمام المهدي عليهم السلام، فهو حديث بقوته ووضوحه حاكمٌ على كل ما رووه من أفضلية زيد وعمرو.
الإمام المهدي عليه السلام مختارٌ مصطفى من الله عز وجل
في الكافي: ٨/٤٩، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: خرج النبي صلى الله عليه وآله ذات يوم وهو مستبشر يضحك سروراً، فقال له الناس: أضحك الله سنك يا رسول الله وزادك سروراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه ليس من يوم ولا ليلة إلا ولي فيهما تحفة من الله، ألا وإن ربي أتحفني في يومي هذا بتحفة لم يتحفني بمثلها فيما مضى، إن جبرئيل أتاني فأقرأني من ربي السلام وقال: يا محمد إن الله عز وجل اختار من بني هاشم سبعة لم يخلق مثلهم فيمن مضى ولا يخلق مثلهم فيمن بقي، أنت يا رسول الله سيد النبيين، وعلي بن أبي طالب وصيك سيد الوصيين، والحسن والحسين سبطاك سيدا الأسباط، وحمزة عمك سيد الشهداء، وجعفر بن عمك الطيار في الجنة يطير مع الملائكة حيث يشاء، ومنكم القائم يصلي عيسى بن مريم خلفه إذا أهبطه الله إلى الأرض، من ذرية علي وفاطمة، من ولد الحسين).
وفي المسترشد/١٥٠، عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لفاطمة عليها السلام: إنا أهل بيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من الأولين قبلنا، ولا يدركها أحد من الآخرين غيرنا: نبينا خير الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عمك، ومن له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو جعفر بن أبي طالب ابن عمك، ومنا سبطا هذه الأمة، ومهديهم ولدك).
وفي الإرشاد/٢٤، عن ابن عباس قال: لنا أهل البيت سبع خصال، ما منهن خصلة في الناس، منا النبي صلى الله عليه وآله، ومنا الوصي خير هذه الأمة بعده علي بن أبي طالب عليه السلام ومنا حمزة أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء، ومنا جعفر بن أبي طالب المزين بالجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء، ومنا سبطا هذه الأمة، وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين، ومنا قائم آل محمد الذي أكرم الله به نبيه، ومنا المنصور. والبحار: ٣٧/٤٨، عن الإرشاد، وقال: لعل المراد بالمنصور أيضاً القائم عليه السلام بقرينة أن بالقائم يتم السبع ويحتمل أن يكون المراد به الحسين عليه السلام فإنه منصور في الرجعة.
أقول: ورد وصف الإمام المهدي عليه السلام بأنه منصور في أكثر من حديث، كما ورد لقباً له في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً. (الاسراء: ٣٣) كما ورد إسماً أو لقباً لوزيره المنصور اليماني.. الخ.
أما السفاح فلعله ورد وصفاً للإمام المهدي عليه السلام لأنه يُنهي الظلم ويسفح دم أعداء الله تعالى. وقد كان المسلمون يتداولون أسماء هؤلاء الموعودين ويتصورون أنهم سيظهرون قريباً! وكان اليمانيون يفتخرون بالمنصور الموعود منهم وزير المهدي عليه السلام وكان القرشيون المتعصبون ينفون ذلك عن اليمانيين ويدعون أنه منهم! فقد روى ابن حماد: ١/١٢٠و٣٨٣ وعنه الحاوي: ٢/٧٩، والبرهان/١٦٨، أن ابن عمرو العاص كان يقول لليمانيين: يا معشر اليمن تقولون إن المنصور منكم، والذي نفسي بيده إنه لقرشي أبوه ولو أشاء أن أسميه إلى أقصى جد هو له لفعلت). انتهى.
وفي هذا الجو من التنافس على ادعاء الشخصيات الموعودة في أحاديث النبي صلى الله عليه وآله، تبنى العباسيون أسماء السفاح والمنصور والمهدي، وسموا بهم ملوكهم.
النعماني/٦٧، بسندين عن أبي عبدالله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عز وجل اختار من كل شيء شيئاً. اختار من الأرض مكة، واختار مكة المسجد، واختار من المسجد الموضع الذي فيه الكعبة، واختار من الأنعام إناثها ومن الغنم الضأن، واختار من الأيام يوم الجمعة، واختار من الشهور شهر رمضان، ومن الليالي ليلة القدر، واختار من الناس بني هاشم، واختارني وعلياً من بني هاشم، واختار مني ومن علي الحسن والحسين، وتكملة اثني عشر إماماً من ولد الحسين، تاسعهم باطنهم وهو ظاهرهم وهو أفضلهم وهو قائمهم، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين). وفي إثبات الوصية/٢٢٥، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله عز وجل اختار من الأيام يوم الجمعة ومن الليالي ليلة القدر ومن الشهور شهر رمضان واختارني من الرسل، واختار مني علياً، واختار من علي الحسن والحسين، واختار منهما تسعة، تاسعهم قائمهم وهو ظاهرهم وهو باطنهم). ومثله كمال الدين: ١/٢٨١، ودلائل الإمامة/٢٤٠، وفيه: أئمة ينفون.. ومقتضب الأثر/٩، عن جابر وفيه: واختار من الحسين حجة العالمين، تاسعهم قائمهم أعلمهم أحكمهم. ونحوه في/١٠٩.
وفي المسلك في أصول الدين/٢٧٣، عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله إطلع الى الأرض اطلاعة فاختارني منها، ثم اطلع ثانية فاختار منها علياً وهو أبو سبطيَّ الحسن والحسين. إن الله جعلني وإياهم حججاً على عباده، وجعل من صلب الحسين عليه السلام أئمة يقومون بأمري، التاسع منهم قائم أهل بيتي ومهدي أمتي. ونحوه الهداية الكبرى/٣٦٢، عن الإمام الصادق عليه السلام، وفيه: إن الله عز وجل اختار من الأيام الجمعة ومن الليالي ليلة القدر ومن الشهور شهر رمضان، واختار جدي رسول الله من الرسل واختار منه علياً واختار من علي الحسن والحسين واختار من الحسين تسعة أئمة، وتاسعهم ظاهرهم وباطنهم، وهو سمي جده وكنيُّه). وغيبة الطوسي/٩٣، مختصراً.
وفي/٣٧٤، عن الحسين عليه السلام قال: دخلت أنا وأخي الحسن على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله فأجلسني على فخذه وأجلس أخي على فخذه الآخر وقبلنا وقال: بأبي وأمي أنتما من إمامين زكيين صالحين، اختاركما الله عز وجل مني ومن أبيكما وأمكما واختار من صلبك ياحسين تسعة أئمة، تاسعهم قائمهم، وكلاكما في المنزلة سواء).
وفي تقريب المعارف/١٨٢، نص رسول الله صلى الله عليه وآله على أن الأئمة من بعده إثنا عشر عليهم السلام كقوله عليه السلام للحسين بن علي صلى الله عليه وآله: أنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة حجج تسع، تاسعهم قائمهم أعلمهم أحكمهم أفضلهم). ونحوه/٤١٩، عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه وآله. وفي/٤٤٧، عن سلمان قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد أجلس الحسين بن علي صلى الله عليه وآله على فخذه وتفرس في وجهه ثم قال: إمام ابن إمام أبو أئمة حجج تسع، تاسعُهم قائمُهم أحلمُهم أعلمُهم. وفي/٤٢٥، عن أبي جعفر عليه السلام قال: تاسعهم قائمهم.
وفي أمالي الصدوق/٥٠٤، عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما عرج بي إلى السماء السابعة ومنها إلى سدرة المنتهى ومن السدرة إلى حجب النور، ناداني ربي جل جلاله: يا محمد أنت عبدي وأنا ربك فلي فاخضع، وإياي فاعبد، وعلي فتوكل، وبي فثق، فإني قد رضيت بك عبداً وحبيباً ورسولاً ونبياً، وبأخيك علي خليفة وباباً، فهو حجتي على عبادي وإمام لخلقي، به يعرف أوليائي من أعدائي، وبه يميز حزب الشيطان من حزبي، وبه يقام ديني وتحفظ حدودي وتنفذ أحكامي، وبك وبه وبالأئمة من ولده أرحم عبادي وإمائي، وبالقائم منكم أعمر أرضي بتسبيحي وتهليلي وتقديسي وتكبيري وتمجيدي، وبه أطهر الأرض من أعدائي وأورثها أوليائي، وبه أجعل كلمة الذين كفروا بي السفلى وكلمتي العليا، وبه أحيي عبادي وبلادي بعلمي، وله أظهر الكنوز والذخائر بمشيتي، وإياه أظهر على الأسرار والضمائر بإرادتي، وأمده بملائكتي لتؤيده على إنفاذ أمري وإعلان ديني. ذلك وليي حقا ومهدي عبادي صدقاً).
المهدي عليه السلام مُحَدَّثٌ تُحدثه الملائكة
تفسير القمي: ٢/٦٥: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً: قال: ما بين أيديهم ما مضى من أخبار الأنبياء وما خلفهم من أخبار القائم عليه السلام، وقوله: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظلماً، أي ذلت. وأما قوله: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً، يعني ما يحدث من أمر القائم عليه السلام والسفياني). وعنه البحار: ٥١/٤٦.
أخذ الله الميثاق للمهدي عليه السلام
البصائر/٧٠، عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى حيث خلق الخلق خلق ماءً عذباً وماءً مالحاً أجاجاً فامتزج الماءان، فأخذ طيناً من أديم الأرض فعركه عركاً شديداً فقال لأصحاب اليمين وهم فيهم كالذر يدبون: إلى الجنة بسلام، وقال لأصحاب الشمال يدبون: إلى النار ولا أبالي. ثم قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، قال: ثم أخذ الميثاق على النبيين فقالأَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ثم قال: وأن هذا محمد رسول الله وأن هذا علي أمير المؤمنين؟ قالوا: بلى. فثبتت لهم النبوة وأخذ الميثاق على أولي العزم ألا إني ربكم، ومحمد رسولي، وعلي أمير المؤمنين، وأوصياؤه من بعده ولاة أمري وخزان علمي، وأن المهدي أنتصر به لديني، وأظهر به دولتي، وأنتقم به من أعدائي، وأعبد به طوعاً وكرهاً؟ قالوا: أقررنا وشهدنا يا رب. ولم يجحد آدم ولم يقر فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي، ولم يكن لآدم عزم على الإقرار به وهو قوله عز وجل: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً. قال: إنما يعني فترك. ثم أمر ناراً فأججت فقال لأصحاب الشمال: أدخلوها فهابوها، وقال لأصحاب اليمين: أدخلوها فدخلوها فكانت عليهم برداً وسلاماً، فقال أصحاب الشمال: يا رب أقلنا، فقال: قد أقلتكم إذهبوا فادخلوها فهابوها، فثم ثبتت الطاعة والمعصية والولاية). ومثله الكافي: ٢/٨، بتفاوت يسير، ومختصر البصائر/١٥٤، وإثبات الهداة: ١/٤٦١، والبحار: ٢٦/٢٧٩.
أقول: إذا صحت الرواية فينبغي أن تكون نسبة ذلك الى آدم عليه السلام قبل نزوله الى الدنيا، واجتباء الله له وجعله نبياً معصوماً عليه السلام.
المهدي عليه السلام أحد أربعة أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله بحبهم
كشف اليقين/١١٧، عن الفردوس، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله: الجنة تشتاق إلى أربعة من أهلي، قد أحبهم الله وأمرني بحبهم: علي بن أبي طالب والحسن والحسين والمهدي الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم). وعنه كشف الغمة: ١/٥٢.
تُرافقهُ غمامةٌ تُظِلُّه وفيها ملَك
بيان الشافعي/٥١١، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يخرج المهدي على رأسه غمامة، فيها مناد ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه. وقال: هذا حديث حسن ما رويناه إلا من هذا الوجه، أخرجه أبو نعيم في مناقب المهدي عليه السلام. ومثله عقد الدرر/١٣٥، وفرائد السمطين: ٢/٣١٦، كما في بيان الشافعي بتفاوت يسير، وفيه: هذا المهدي فاتبعوه. وعنه الفصول المهمة/٢٩٨، وقال: روته الحفاظ كأبي نعيم، والطبراني، وغيرهما. ومثله تاريخ الخميس: ٢/٢٨٨، عن أبي نعيم، وفرائد فوائد الفكر/٣٠، وكفاية الطالب/٥١١، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يخرج المهدي على رأسه غمامة فيها مناد ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه). انتهى. وفي بعض الروايات على رأسه عمامة بالعين وهو تصحيف.
وفي تلخيص المتشابه: ١/٤١٧، عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يخرج المهدي وعلى رأسه ملك ينادي إن هذا المهدي فاتبعوه). وبيان الشافعي/٥١٢، عن ابن عمرو وقال: قلت: هذا حديث حسن روته الحفاظ والأئمة من أهل الحديث كأبي نعيم والطبراني وغيرهما. ومثله المغربي/٥٧٣، وحسَّنه. والشاميين للطبراني: ٢/٧١، كبيان الشافعي. وفي مواليد الأئمة ووفياتهم عليهم السلام /٢٠١ مرسلاً: غمامة تظله من الشمس تدور معه حيثما دار، تنادي بصوت فصيح هذا المهدي. والصراط المستقيم: ٢/٢٦٠، وفيه: وروى ابن المنادي: يفهمه كل قوم بلسانهم). وعنه إثبات الهداة: ٣/٦١٥.
النعماني/٢١٢، عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال له: يا أمير المؤمنين نبئنا بمهديكم هذا؟ فقال: إذا درج الدارجون وقلَّ المؤمنون وذهب المجلبون، فهناك هناك، فقال: يا أمير المؤمنين ممن الرجل؟ فقال: من بني هاشم من ذروة طود العرب وبحر مغيضها إذا وردت، ومخفر أهلها إذا أُتيت، ومعدن صفوتها إذا اكتدرت، لايجبن إذا المنايا هكعت، ولا يخور إذا المنون اكتنعت، ولاينكل إذا الكماة اصطرعت، مشمرٌ مغلولب ظفرٌ ضرغامة، حصد مخدش ذكر، سيف من سيوف الله، رأس قثم، نشو رأسه في باذخ السؤدد وغارز مجده في أكرم المحتد، فلا يصرفنك عن بيعته صارف عارض ينوص إلى الفتنة كل مناص، إن قال فشر قائل وإن سكت فذو دعاير. ثم رجع إلى صفة المهدي عليه السلام فقال: أوسعكم كهفاً وأكثركم علماً وأوصلكم رحماً، اللهم فاجعل بعثه خروجاً من الغُمة، واجمع به شمل الأمة. فإن خار الله لك فاعزم ولا تنثنِ عنه إن وُفقت له، ولا تجوزنَّ عنه إن هديت إليه، هاه - وأومأ بيده إلى صدره - شوقاً إلى رؤيته). وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٣٧، والبحار: ٥١/١١٥.
تظهر على يده معجزات الأنبياء عليهم السلام
إثبات الهداة: ٣/٧٠٠، عن إثبات الرجعة للفضل بن شاذان بسندين، قال: ما من معجزة من معجزات الأنبياء والأوصياء إلا ويظهر الله تبارك وتعالى مثلها في يد قائمنا، لاتمام الحجة على الأعداء). ومثله أربعون الخاتون آبادي/٦٧.
النعماني/٢٤٥، عن خلاد بن الصفار قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام هل ولد القائم عليه السلام؟ فقال: لا، ولو أدركته لخدمته أيام حياتي). وعقد الدرر/١٦٠، والبحار: ٥١/١٤٨.
حتى المتعصبين لأبي بكر وعمر فضلوه عليهما
ابن أبي شيبة: ١٥/١٩٨: أبو أسامة، عن عوف، عن محمد(بن سيرين) قال: يكون في هذه الأمة خليفة لا يفضل عليه أبو بكر ولا عمر). ومثله الداني/٨١، وعنه تاريخ الخميس: ٢/٢٨٨. وفي ابن حماد: ١/٣٥٨، عنه ذكر فتنة تكون فقال: إذا كان ذلك فاجلسوا في بيوتكم حتى تسمعوا على الناس بخير من أبي بكر وعمر، قيل: يا أبا بكر، خير من أبي بكر وعمر؟ قال: قد كان يفضل على بعض الأنبياء. وعنه حاوي السيوطي: ٢/٧٧، والقول المختصر/٢٧، وفي ابن حماد: ١/٣٥٨، عن ابن سيرين قيل له: المهدي خير أو أبو بكر وعمر رضي الله عنهما؟ قال: هو خير منهما ويعدل بنبي! وعنه عقد الدرر/١٤٨، وتاريخ الخميس: ٢/٢٨٩، والقول المختصر/١٠٩.
أقول: هذه الأقوال اجتهادات من تابعين لايمكن أن تكون أحاديث نبوية، فلو صح أن النبي صلى الله عليه وآله نص على أن أبا بكر وعمر أفضل الأمة لرفعاه علماً واحتجا به في السقيفة على استحقاقهما الخلافة. لكنا نوردها لأنها تدل على مكانة المهدي عليه السلام عند أتباع أبي بكر وعمر وأن بعضهم يفضلونه عليهما! لكن يكفي أن يفكروا في تسمية الله له بالمهدي عليه السلام، فهو مقام العصمة الكاملة، ولم يدَّعه أحد لأبي بكر وعمر.
الفردوس: ٤/٢٢٢، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله: المهدي طاووس أهل الجنة. وعنه بيان الشافعي/٥٠١. وفي ابن حماد: ١/٣٦٤، عن كعب قال: المهدي خاشع لله كخشوع النسر بجناحه. وملاحم ابن طاووس/٧٣، وقال: فيما ذكره نعيم في خشوع المهدي: وفيه: كخشوع الزجاجة. وشبه خشوعه بخضوع النسر بجناحيه: لأنه يخفضهما عند مشيه أو طيرانه. وكخشوع الزجاجة: أي شفاف الروح كالزجاجة.

* * *
الفصل الحادي عشر: مدة ملك الإمام المهدي عليه السلام وما يكون بعده

تفاوت الروايات في مدة حكم الإمام المهدي عليه السلام
١ - فالمشهور في مصادر السنيين أنه يحكم سبع سنين أو تسعاً، لكنهم رووا ما يعارضها، فقد عقد نعيم بن حماد فصلاً في كتابه الفتن: ١/٣٧٦، بعنوان: قدر ما يملك المهدي، وروى فيه قولاً لأرطاة: (يبقى المهدي أربعين عاماً)، وروى عدة أحاديث عن أبي سعيد الخدري وغيره، منها: المهدي يعيش في ذلك يعني بعدما يملك سبع سنين أو ثمان أو تسع.. يكون المهدي في أمتي إن قصر فسبعاً وإلا فثمان وإلا فتسعاً.. عن أبي زرعة عن صباح قال: يمكث المهدي فيكم تسعاً وثلاثين سنة يقول الصغير ياليتني قد بلغت ويقول الكبير ياليتني صغيراً.. عن ضمرة بن حبيب قال: حياة المهدي ثلاثون سنة... عن الصقر بن رستم عن أبيه قال: يملك المهدي سبع سنين وشهرين وأيام.. عن دينار بن دينار قال: بقاء المهدي أربعون سنة وقال أحدهما مرة أربعين ومرة أربع وعشرين.. عن الزهري قال يعيش المهدي أربع عشرة سنة ثم يموت موتاً.. عن علي قال: يلي المهدي أمر الناس ثلاثين أو أربعين سنة). انتهى.
والإشكال على رواية السبع سنين ونحوها: أن مهمة الإمام عليه السلام استثمار جهود جميع الأنبياء عليهم السلام خاصة نبينا صلى الله عليه وآله، وإقامة دولة العدل الإلهي العالمية، وهو مشروع ضخم لا يكفي له بضع سنين. وستعرف أن سبب روايتها اشتباه من الراوي.
٢ - أطول مدة رويت في مدة حكمه عليه السلام أنه يحكم عدد سنيِّ أهل الكهف ثلاث مئة وتسع سنين، ففي دلائل الإمامة/٢٤١، عن الإمام الباقر عليه السلام قال: سألته متى يقوم قائمكم؟ قال: يا أبا الجارود لاتدركون. فقلت: أهل زمانه فقال: ولن تدرك أهل زمانه، يقوم قائمنا بالحق بعد إياس من الشيعة، يدعو الناس ثلاثاً فلا يجيبه أحد، فإذا كان اليوم الرابع تعلق بأستار الكعبة فقال: يا رب انصرني، ودعوته لاتسقط، فيقول تبارك وتعالى للملائكة الذين نصروا رسول الله يوم بدر ولم يحطوا سروجهم ولم يضعوا أسلحتهم، فيبايعونه ثم يبايعه من الناس ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، يسير إلى المدينة فيسير الناس حتى يرضى الله عز وجل فيقتل ألفاً وخمسمائة قرشي ليس فيهم إلا فرخ زنية.. ويهدم قصر المدينة ويسير إلى الكوفة فيخرج منها ستة عشر ألفاً من البترية شاكين في السلاح، قراء القرآن فقهاء في الدين قد قرحوا جباههم وسمَّروا ساماتهم(بكثرة صلاتهم) وعمهم النفاق وكلهم يقولون: يا ابن فاطمة إرجع لاحاجة لنا فيك فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشية الإثنين من العصر إلى العشاء فيقتلهم أسرع من جزر جزور فلا يفوت منهم رجل، ولا يصاب من أصحابه أحد، دماؤهم قربان إلى الله! ثم يدخل الكوفة فيقتل مقاتليها حتى يرضى الله. قال: فلم أعقل المعنى فمكثت قليلاً ثم قلت: جعلت فداك وما يدريه جعلت فداك متى يرضى الله عز وجل؟ قال: يا أبا الجارود إن الله أوحى إلى أم موسى وهو خير من أم موسى، وأوحى الله إلى النحل وهو خير من النحل، فعقلت المذهب! فقال لي: أعقلت المذهب؟ قلت: نعم. فقال: إن القائم ليملك ثلاثمائة وتسع سنين كما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويفتح الله عليه شرق الأرض وغربها. يقتل الناس حتى لايرى إلا دين محمد صلى الله عليه وآله. يسير بسيرة سليمان بن داود، يدعو الشمس والقمر فيجيبانه، وتطوى له الأرض فيوحي الله إليه فيعمل بأمر الله). ومثله غيبة الطوسي/٢٨٣، و٤٧٤، بتفاوت يسير، وفيه: كما لبث أهل الكهف في كهفهم. يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويفتح الله له شرق الأرض وغربها، ويقتل الناس حتى لا يبقى إلا دين محمد صلى الله عليه وآله). وعنه تاج المواليد/١٥٣، وإثبات الهداة: ٣/٥١٦، والبحار: ٥٢/٢٩١، وفي/٣٩٠، عن الغيبة للسيد علي بن عبد الحميد، وعنه إثبات الهداة: ٣/٥٨٤. وحلية الأبرار: ٢/٥٩٨، بتفاوت عن مسند فاطمة عليها السلام، وإعلام الورى: ٢/٢٩٣، وقال في الصراط المستقيم: ٢/٢٦٣: وفي كتاب علي بن حسان الواسطي: يملك القائم ثلاثمائة وتسع سنين).
٣ - روى الجميع عن أمير المؤمنين وعن الإمام الحسن عليهما السلام وابن عباس، أن دولة أهل البيت عليهم السلام تكون أضعاف دولة بني أمية، ففي شرح الأخبار: ٢/٢٨٩، عن أبي سالم قال: كنا مع علي عليه السلام بال