فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » الإمام المهدي عليه السلام الغيب الشاهد
 كتب أخرى

الكتب الإمام المهدي عليه السلام الغيب الشاهد

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: السيد محمود الموسوي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٨ المشاهدات المشاهدات: ٢١٢٧٥ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام المهدي (عجل الله فرجه) الغيب الشاهد

تأليف: السيد محمود الموسوي
إصدار: جمعية الرسالة الإسلامية

الفهرس

افتتاح
المقدمة
الانتظار ثبات على الولاية
البعد العقيدي للانتظار
الانتظار.. اعتقاد
المنتظرون هم الشيعة حقّاً
الثابتون في عصر الغيبة
الانتظار بالصبر
تشريف الإمام (عج)
شرف الرؤية
إقرأ باسم ربك الذي خلق
رعاية الله لنهاية التاريخ
الرعاية في عالم التكوين
الرعاية في الأرحام
الرعاية طفلاً وصبياً
وفي الغيبة الصغرى والكبرى
المهدي والمسيح وأمل المستقبل
التزاوج
الغيبة
وفي المستقبل
في مولد الإمام المنتظر (عج)

بسم الله الرحمن الرحيم
(فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين) سورة يونس /آية ٢٠

بسم الله الرحمن الرحيم
افتتاح

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
اللهم وصلي على ولي أمرك القائم المؤمّل والعدل المنتظر وحُفه بملائكتك المقرّبين وأيّده بروح القُدُس يا رب العالمين.
عزائم القوّة عند المسلمين قد لا تنهكها انطلاقة جبروت قوة المشركين، لأن المؤمنين يستمدّون العون والمدد من الله قاصم الجبارين ومبير الظالمين.
إنما الخوف قد ينتابنا من تسلّل الظلام إلى عقليات بعض المسلمين بقوة الإبهار التي تتفنّن دوائر إنتاج الثقافة المشركة في إخراجها بالاستفادة من كل الوسائل المعرفية (سمعية وبصرية) وبالتأثير الوجداني لزحزحة قناعات عند من لم يستقر الإيمان في قلوبهم فهم يفتنون.
ولأن (ما كل مفتون معاتب) كما يقول الإمام علي (ع) استوجب علينا ـ كمؤسسين رساليين ـ أن نتحمّل مسئولية تبليغ الرسالة بشتى الفنون وبواسطة كل الوسائل.
نحتاج ـ حقيقة ـ إلى ثورة، وهذه المرّة ليست إلا ثورة وسائل التعريف للعالم بما نملك من معرفة ربّانية، لإنقاذ النور الإلهي إلى الظلمات التي يعمل المشركون على إبقاء العالم يسبح في قعرها.
ولا أدلّ على ما ندّعي إلا تراجع معرفة أجيالنا ـ حتى الشيعية منها ـ بحقيقة الإمام والمنتظر والمهدي والمخلّص لها من الظلم والجور والفساد والانحطاط.
من هنا تأتي هذه الدراسة عن الإمام المهدي ـ الغيب الشاهد في نزع لبوس الجهل ولتعريف العالم بمنقذه، لا ليستيقن الذين آمنوا إيماناً فحسب، بل لتبقى شعلة الإيمان متلألئة في أيدي المؤمنين، المجاهدين، الصابرين، الذين ينتظرون المهدي الغائب كقائد شاهد، ويستعدون للقائه بالإيمان والصبر وتهيئة الظروف لقدومه ليقودهم نحو النصر الأعظم، حيث تتخلّص الأرض من كل صنوف الفساد وتتطهّر البلدان من الطغاة والمستبدين، فيسود العدل والإحسان ربوع الدنيا ويرث الأرض عباد الله الصالحون.
وتجدر الإشارة إلى أننا في جمعية الرسالة الإسلامية حملنا على عاتقنا مسئولية تبليغ رسالة الله، وسنصدع بما أمرنا الله جاهرين، لتعريف الناس برسول الله (ص) وبأهل بيته المظلومين، النور الذي يراد له أن يطفأ ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
ويأتي هذا الإصدار الثاني ـ بتوفيق الله ـ لنقول للمشركين إن عزائم القوة عندنا لن تنهكها انطلاقة جبروتكم، وستتفوّق ثقافتنا الربانية القرآنية على ظلاميات ضلالاتكم، لأننا نهتدي بالقرآن الذي هدانا لإمامنا الذي سيخلصنا من ظلمكم وجوركم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

جمعية الرسالة الإسلامية
١٥/ شعبان/١٤٢٣هـ

مقدمة

كما كانت النار الحارقة، برداً وسلاماً على نبي الله إبراهيم (ع)، كذلك كان الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه) غيباً وشاهداً.
فالغيب ضد الشهود، ولكن بإرادة الله تعالى صار الغيب والشهود ممتزجين في الإمام المنتظر (عج)، كما هي المعادلات الإلهية بالنسبة للغيب، (فالغيب هو خلق الشهود، وهو أصل الشهود، وهو روح الشهود، وهو محتوى الشهود، وهو في الحقيقة النور الأسطع للشهود. فاللب أهم من القشر)(١).
فإن الإمام المهدي المنتظر هو الغيب، فقد قال الإمام جعفر الصادق ـ ع ـ في قوله تعالى: (ويقولون لو لا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين)، قال: الغيب في هذه الآية هو الحجة القائم(٢).
والمؤمنون هم الذين يؤمنون بالغيب ليكون أساساً في إيمانهم، يقول تعالى: (الم * ذَلِكَ الكِتَابُ لاَرَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلمُتَّقِينَ * الَّذِينَ ُيؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ)(٣).
وهو الشاهد،لأنه الحجة على العباد وهو في حالة الغيب، فإن (الأرض لا تخلوا من حجة)، و (لو لا الحجة لساخت الأرض بأهلها)(٤)، فهو الشاهد على أعمالنا، وسلوكنا.
فالشاهد غائب، والغائب شاهد.
معاً نقرأ في هذا العمل المتواضع بعض المقاطع التاريخية التي مر بها الإمام المهدي (عج) منذ ولادته وحتى غيبته، تلك المشاهد التي لم يسجل منها إلا القليل للاعتبارات الأمنية التي كانت مشددة، ونحاول الاستفادة منها وإضافتها في تكوين وعينا، ليصبح وعينا متكاملاً ببصائر الإمامة، فمن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية كما في الروايات.

محمود الموسوي
البحرين / بني جمرة - شعبان/١٤٢٣هـ

www.mosawi.org

www.mahmood@mosawi.org

الانتظار ثبات على الولاية
إن من العقائد الثابتة لدينا أن الأرض لا تخلو من حجة إلى يوم القيامة، ولكن الظروف التي ألمّت بالشيعة في عصور الأئمة عليهم السلام اقتضت أن يكون الإمام الثاني عشر غائباً عن أنظارنا إلى أن يحين الفرج بإذن الله تعالى...
ورغم غيابه (عج) إلا إن ارتباطنا لا ينبغي أن ينقطع أو يتجمّد كما هي ادعاءات البعض.. لأنه (عج) ليس غائباً عن معادلات التأثير المرتبطة بواقعنا والمرتبطة (بالكون)...
فقد (سئل النبي (ص) هل ينتفع الشيعة بالقائم عليه السلام في غيبته؟ فقال: إي والذي بعثني بالنبوة إنهم لينتفعون به، ويستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن جللّها السحاب)(٥)، فكما أن الشمس تواصل عطاءها ودورها حتى حينما تتوارى خلف السحب، كذلك الإمام المنتظر (عج) يواصل عطاءه ويبقى نوره متوهجاً..في غيبته.. وأول ما ننتفع به هو تماسك الكون وتأثيره الكوني فيه ففي الحديث: (لو لا الحجة لساخت الأرض بأهلها)، وكما قال الإمام المنتظر نفسه (عج): (وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء)(٦).
كما أن له (عج) ارتباط وثيق بمدى تمسك المؤمنين بإيمانهم، حيث لابد أن يمهد لخروجه بالعمل الجاد الدءوب... ومن ارتباطنا بالإمام الغائب في التوسّل إلى الله وطلب الشفاعة منه، قال رسول الله (ص): (الشفعاء خمسة: القرآن، والرحم، والأمانة، ونبيكم، وأهل بيت نبيكم..)(٧).
وانتظارنا لخروجه ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملأت ظلماً وجوراً ونحن متمسكين بمبادئه ونعمل على التمهيد إلى ظهوره بإيمان وصبر لهو أفضل العبادة.. كما في الحديث عن رسول الله: (ص): (أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله عز وجل). وقول الصادق (ع): (المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله (ص) يذبّ عنه).
البعد العقيدي للانتظار
لقد كثرت الروايات حول قيمة انتظار القائم من آل محمد (ص)، إذ عبرت أنه من أفضل الأعمال في عصر غيبته (عليه السلام)، كما عن الرسول الأعظم (ص): (إن أحب الأعمال إلى الله عز وجل انتظار الفرج)، وقوله (ص): (أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج)، وعن أبي الحسن الرضا عن آبائه: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج من الله عزّ وجلّ)، بل قد جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال: (المنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه في سبيل الله)(٨).
 إن كثرة الروايات عن الانتظار وهي مهمة الشيعة في عصر الغيبة، أو هي مهمة من المهام، تجعلنا نؤكّد على دراسة مفهوم الانتظار لنستجلي معانيه ودلالاته، وأكثر ما وجدتُ من معالجات العلماء الأعلام الذين كتبوا حول الانتظار ركّزوا على البعد العملي والدلالة الإيجابية لمفهوم الانتظار، وهي الملخصة في فكرة الإعداد والاستعداد لظهور الإمام (عجل الله فرجه)، حيث أن المنتظر للضيف سيكون عمله الاستعداد والتهيئة لذلك الضيف، فإذا كان الضيف هو الإمام المعصوم (ع)، فإن الانتظار يكون الإعداد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل إلى إقامة حكم الله في الأرض، وتكوين مجتمع له الإمكان والاستعداد لحمل الراية عند ظهوره (عج).
ولاشك أن هذا المعنى لهو ما ينبغي على المؤمنين تأديته، وهو مأخوذ كما هو واضح، ليس من المعنى اللغوي لكلمة الانتظار إنما من القرينة المقامية لانتظار الإمام المعصوم (ع) ويكون المعنى اللغوي مساعداً عليه فـ (كلمة الانتظار قد أُشتقت من (نظر) كما قال صاحب المفردات: (نظر:‏ النظر تقليب البصر والبصيرة لإدراك الشيء ورؤيته وقد يراد به التأمل والفحص وقد يراد به المعرفة الحاصلة بعد الفحص.....والنظر الانتظار يقال نظرته وانتظرته وأنظرته).
 ونود أن نشير إلى بعد إضافي آخر لمفهوم الانتظار من الناحية العقيدية، ليعطي سعة لما ورد، وهو معنى لا يقل أهمية عن الأول إن لم يكن أكثر أهمية، لأنه يرتبط بالأساس العقيدي الذي تدور مدارات قبول الأعمال وعدمها بمقدار سلامته.
المعنى الذي نستخلصه للانتظار هو (البقاء على الإيمان بالعقيدة بالمهدي (عج) في عصر الغيبة) طوال حياة الإنسان، ورغم التشكيكات الضاغطة التي تتقاذف من أفواه بعض المشككين، ولا يخفى ما للبقاء على الإيمان بالمهدي (عج) من أهمية تتصل ببعد الإمامة التي تختتم به (ع)، إذ عدم الإيمان به يعد خرقاً لعقيدة الإمامة التي تؤمن بإثني عشر إماماً بعد الرسول الأعظم (ص)، كما نصّت بذلك النصوص الصحيحة.
ونحدد الوجوه التي تدل على هذا المعنى بالآتي:
الانتظار.. اعتقاد
١/ كما أن من ينتظر شخصاً، يقوم بالإعداد لقدومه، فإن من ينتظر شخصاً فإنه يعترف به، إذ قد ورد في الانتظار أن الذي سيظهر إمام من نسل الأئمة (ع)، وهو بُعد العقيدة عند الإنسان المنتظِر، فمن ينتظر عالماً فذلك اعتراف بعلميته، ومن ينتظر ظالماً فإنه يعتقد بظلمه، وهكذا من ينتظر إماماً من المؤكد أنه يعترف بإمامته.
ومن يقول في دعائه (عزيزٌ عليّ أن أرى الخلقَ ولا تُرى، ولا أسمع لك حسيساً ولا نجوى، عزيزٌ عليّ أن تحيطَ بك دوني البلوى ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى، بنفسي أنت من مغيّب لم يخل منّا، بنفسي أنت من نازحٍ ما نزحَ عنّا، بنفسي أنت أمنية شائق يتمنّى، من مؤمن ومؤمنة ذكراً فحناً)(٩)، وهو دعاء في انتظار الفرج والشوق إليه، فمن يردّد هذا الدعاء فهو بلا أدنى شك من المؤمنين بالقائم من باب أولى.
المنتظرون هم الشيعة صدقاً
٢/ الأمر الذي يؤازر هذا المعنى بشكل قوي هو اقتران امتحان عقيدة المسلم في عصر الغيبة، بمسألة الانتظار، مما يدل على أن الانتظار يشكل بعد التمسك بتلك العقيدة المهدوية وأمان من الانحراف عنها إلى غيرها، وأن المنتظرين هم الثابتون على ولاية أهل البيت (ع) وهم الشيعة صدقاً لا بالاسم بل بالاعتقاد (الانتظار)، كما في هذا الحديث العالي الشأن: (عن أبي حمزة الثمالي عن أبي خالد الكابلي عن على بن الحسين عليه السلام قال تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم والأئمة بعده يا أبا خالد إنَّ أهل زمان غيبته القائلون بإمامته المنتظِرون لظهوره أفضل أهل كل زمان لان الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والإفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة وجعلهم في ذلك الزمان بمنزله المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم بالسيف أولئك المخلصون حقا وشيعتنا صدقا والدعاة إلى دين الله سرا وجهرا وقال: انتظار الفرج من أعظم الفرج)(١٠).
ففي هذا الحديث يصف المنتظرون بأنهم أوتوا من العقول والأفهام والمعرفة ما يجعل عقيدتهم بالإمام المنتظر قوية، فكأنهم في عصر الغيبة في مشاهدة له عجل الله فرجه، وهذا هو المعنى الذي يظهر من مفهوم الانتظار.
الثابتون في عصر الغيبة
٣/ لقد ورد في الروايات عن أهل البيت (ع) أن الثبات على الولاية لها أجر عظيم، كما في الحديث عن علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام): (من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر وأحد)(١١).
وعن يمان التمّار قال: (كنّا عند أبي عبد الله (ع) جلوساً فقال لنا: إن لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسك فيها بدينة كالخارط للقتاد ثم قال: هكذا بيده، فأيّكم يمسك شوك القتاد بيده؟ ثم أطرق مليّاً، ثم قال: إن لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتق الله عبد وليتمسك بدينه)(١٢).
الانتظار بالصبر
٤/ أن بعض الروايات جاء فيها الانتظار مقروناً بالصبر، والصبر يدل على الثبات وعدم الانحراف عن العقيدة، كما عن الإمام الرضا (عليه السلام) انه قال: (إن دينهم الورع والعفة والاجتهاد.. والصلاح وانتظار الفرج بالصبر)، فالصبر أداة ووسيلة للانتظار.
فمفهوم الانتظار الذي ينبغي أن يتمثله الإنسان المسلم، إضافة إلى ما يعنيه من العمل على التهيئة والإعداد للإمام المنتظر (عج) في الإصلاح والتغيير، كذلك هو الثبات على الولاية والتمسّك بالعقيدة المهدوية في زمن التشكيكات والمشككين، فإن انتظار المهدي ثبات على الولاية، والثبات على الولاية ثبات على الدين وهو أفضل أعمال الإنسان في زمن الغيبة.
تشريف الإمام (عجل الله تعالى فرجه)
إن وجود الإمام المعصوم في الأمة هو المصدر الشرفي لها، فهو الذي يحدّد معالمها ويكوّن كيانها ويضفي عليها شرعية مستمدّة من منبع الوجود جل وعلا، فالتكوين الذي يضفيه الإمام المعصوم هو تكوين متسامٍ عن المادّيات الزائلة، وقريب من العنويات الإلهية الباقية،.. هذا الشرف الأبدي الذي اختارته السيدة نرجس عليها لسلام بعد قدومها من رحلة السفر الشاقّة ومعاناة الأسر الأليمة، حينما سألها الإمام الهادي (ع) قائلاً: فإني أريد أن أكرمك، قأيّما أحب إليك: عشرة آلاف دينار، أم بشرى لك بشرف الأبد؟
قالت: بل البشرى.. (رغم أن المبلغ لم يكن قليلاً حينها بل يعدّ ثروة طائلة، فقد اشتراها الإمام من سوق الرّق بمأتين وخمسين ديناراً فقط، وما يقدّمه الإمام لها الآن أضعافاً مضاعفة، يعادل شراء أربعين جارية بل أكثر إذا ما قيست النسبية بينهن وقتها).. فتختار السيدة نرجس شرف الأبد.. وهي متلهفة لسماع هذا الشرف من فم الإمام.. فقال عليه السلام: فابشري بولد يملك الدنيا شرقاً وغرباً، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً(١٣)..
فهذا الشرف الإلهي هو الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه) الذي يغيّر المعادلات في أي أمة تتشرّف برعايته وهي مدركة حقه ومكانته، باعتباره الإمام المعصوم المفترض الطاعة، المجسّد للقيم الإلهية بأجلى صورها..
وتمر أيام الزمن ويتزوج الإمام الحسن العسكري (ع) من السيدة نرجس، فتحمل بإمام العصر والزمان (عج).. فتأتي لها السيدة الطاهرة حكيمة عمة الإمام (ع) ليلة النصف من شعبان، وهي مدركة تماماً مدى التغيير للمعادلات الذي يصنعه مقام الإمام ومدى الشرف الذي يسبغه على المرتبط به.. فألقت السلام على أهل البيت وجلست.. فجاءت نرجس تنزع خف حكيمة وتقول لها: يا سيدتي وسيدة أهلي، فأنكرت نرجس قولها.. وقالت: ما هذا يا عمة!
فقالت حكيمة: (إن الله تعالى سيهب لك في ليلتنا هذه غلاما سيدا في الدنيا والآخرة)(١٤).
هكذا غيّر شرف الإمام (عج) المعادلات، فهل تغيرها في واقعنا بعد أن شرفنا الله بولاية إمام زماننا؟!
يتحقق ذلك عندما نجسّد تعاليم القرآن وأهل البيت (ع) في واقعنا.. ونهتدي بهديهم.. لا بما تمليه علينا أهواؤنا وعصبيّاتنا البغيضة.
شرف الرؤية
إن قيمة المسئولية تشمل فيما تشمل (نعمة البصر) بكل تفاعلاتها من الواجبات والاستحقاقات، يقول الله تعالى في تثبيت المسئولية البصرية: (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا)(١٥).
وفي ما يتفرّع منها من واجبات وموانع يقول الإمام زين العابدين (ع) في رسالة الحقوق: (وأما حق بصرك: فغضّه عمّا لا يحل لك ابتذاله إلا لموضع عبرة تستقبل بها بصراً، أو تستفيد بها علماً، فإن البصر باب الاعتبار).
فعملية النظر تتحرّك في فلك المسئولية بجميع آفاقها، ومن أهمها الالتزام بحقوقها والارتقاء بإسهاماتها لبناء شخصيّة الإنسان عن طريق (الاعتبار) وهو تحويل كل ما تراه العين إلى قيم معرفية يعتبر بها في حياته، ولذلك قال أمير المؤمنين (ع):
(وإنما ينظر المؤمن إلى الدنيا بعين الاعتبار)(١٦) لأن (الاعتبار منذر ناصح)(١٧) كما يقول (ع).
ويختلف النظر للأشياء من حيث قيمة النظر وفائدته حسب قيمة الأشياء ذاتها، من جهة، وحسب مقدرة الإنسان على تحويل النظر إلى مكسب.. فالنظر إلى المنكرات مثلاً سوء محض، فينبغي تحويل النظر إليه إلى تعوّذ من الشيطان.. والنظر إلى الكعبة المشرّفة، حسن محض، (فالنظر لها عبادة) كما في الحديث، ويزيد تلك الرؤية حسناً، الدعاء بالمأثور حال النظر إليها.
ولا شك أن النظر للأشياء الحسنة المحضة من توفيقات الله تعالى، وتشريف للإنسان بحسب استحقاقاته الذاتية والموضوعية، وكلما يكون المنظور ذا قيمة أكبر كانت شروط الاستحقاق أكثر، وبالتالي كان شرف الرؤية أعظم.
ولذلك فإن في ولادة الإمام المنتظر (عج) نظراً للظروف السياسية، وتمهيداُ للغيبة الصغرى والكبرى لم يكن الإذن بالنظر إليه إلا من الإمام العسكري (ع) الذي يأذن للخواص برؤية وجهه الكريم.. فكما جاء في التاريخ: عن عمر الأهوازي قال: أراني أبو محمد ابنه ـ عليهما السلام ـ وقال: هذا إمامكم من بعدي)، وعن الخادم الفارسي قال: (كنت بباب الدّار خرجت جارية من البيت ومعها شيء مغطّى، فقال لها أبو محمد: اكشفي عما معك فكشفت فإذا غلام أبيض حسن الوجه فقال: هذا إمامكم من بعدي، قال: فما رأيته بعد ذلك)(١٨).
وقال الخادم الفارسي: (كنت بباب الدار فخرجت جارية من البيت ومعها شيء مغطى، فقال لها أبو محمد: أكشفي عمّا معك فكشفت فإذا غلان أبيض حسن الوجه فقال: هذا إمامكم من بعدي، قال: فما رأيته بعد ذلك)(١٩).
كذلك النظر إليه وهو غلام، فقد أخرج عن يعقوب بن منفوس قال: (دخلت على أبي محمد الحسن العسكري وعلى باب البيت ستر مُسبل فقلت له: يا سيدي من صاحب هذا الأمر بعدك؟ فقال ارفع الستر فرفعته فخرج غلام فجلس على فخذ أبي محمد (ع) وقال لي أبو محمد: هذا إمامكم من بعدي، ثم قال: يا بني أدخل البيت فدخل البيت وأنا أنظر إليه، ثم قال: يا يعقوب انظر في البيت فدخلته فما رأيت أحداً)(٢٠).
فشرف رؤية الإمام المنتظر (عج) شرف عظيم، وشروطه كبيرة، وقد كانت في حياة الإمام العسكري (ع)، وقبل الغيبة الشروط كبيرة، فكيف بها حال الغيبة، فإن من يوفق لهذا الشرف إنما يكون له دلالات ذاتية في الشخص نفسه، أو لأسباب موضوعية مهمة، أو كلاهما معاً.
ومن أجل معرفة بعض شروط استحقاق الرؤية، يروي لنا التاريخ أن الإمام العسكري عندما أراد اختيار الشخص الذي يريده أن يبتاع (أم الإمام المهدي) السيدة الطاهرة نرجس، وهي في سوق الرق، قد اختار أحد أصحابه بمواصفات معيّنة، خاطبه الإمام (ع) بها قائلاً: يا بشر إنك من ولد الأنصار وهذه الولاية لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف، أنتم ثقاتنا أهل البيت وإني مزكيك ومشرفك بفضيلة تسبق بها شأو الشيعة في الموالاة بها: بسرّ أطلعك عليه وأنفذك في ابتياع أمة(٢١).. فالولاية لأهل البيت (ع) والثبات عليها من أهم شروط الرؤية.
إقرأ باسم ربك الذي خلق
تقول حكيمة عمة الإمام العسكري عليهما السلام فإذا كان اليوم السابع من الغياب _ ذهبت إلى سيدي الإمام الحسن العسكري لأرى الحجة (عجل الله تعالى فرجه)، لأني اشتقت إليه، فرأيت مولاي الإمام في المهد بزهو من نور كالقمر ليلة أربعة عشر، فقال الإمام أبو محمد (ع): هلمّي ابني، فقال الحجة (عج): اشهد أن لا اله إلا الله وثنّى بالصلاة على محمد وأمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام) حتى وقف على أبيه ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة)(٢٢) في إشارة لتجسيد الآية الشريفة في شخصه الشريف وتعبيراً عن الحقيقة الإلهية الناصعة في ختام الأئمة، بأن يمنّ الله تعالى على الناس ويكمل لهم دينهم ويلقى حجته ليملئ الأرض قسطاً وعدلاً، انطلاقا من الرسالة النبوية التي بدأها خاتم الأنبياء محمد (ص) وكما نزل الوحي بلطفه على رسولنا الكريم وهو قائم يتعبد في الغار..
إقراء: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم)(٢٣)، جاء قول الإمام العسكري (ع) لابنه الإمام المهدي (ع) اقرأ يا بني مما أنزل الله على أنبيائه ورسله.. فتتابع حكيمة (ع) حديثها فابتدأ سيدي الحجة (عج) بمصحف آدم فقرأها بالسريانية وكتاب إدريس (ع) وكتاب نوح (ع) وكتاب هود وصالح وصحف إبراهيم (ع) وتوراة موسى وزبور داوود وإنجيل عيسى وفرقان جدّي رسول الله (ص) ثم قصص الأنبياء والمرسلين وإلى عهده عليه السلام(٢٤)..
فما أشبه اقرأ النبوة بـ اقرأ الإمامة فقد جاءت اقرأ النبوة باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق.. وحذت اقرأ الإمامة حذوها وقرأت باسم الله تاريخ الإنسان من بدأ الخلق إلى الحجة البالغة بعهده (ع) ومثلما بينت اقرأ النبوة كرم الله سبحانه وتعالى على الإنسان وإفاضته عليه بالعلم بعد ظلام الجهل (علّم الإنسان ما لم يعلم) أسفرت اقرأ الإمامة عن حقيقة أن الإمام الحجة (عج) مستودع علم النبوة والرسالة ليمشي بنوره في الناس، ويسير بسيرة جده رسول الله (ص)، وينتهج نهجه متابعاً المسيرة التي بدأها الرسول (ص) بنزول الوحي، ففي الحديث عن الرسول (ص): (المهدي رجل من عترتي يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي)(٢٥).
وعن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله يقول: (أهل بيتي أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء)، قيل يا رسول الله (ص) فالأئمة بعدك من أهل بيتك؟
قال (ص): نعم بعدي اثنا عشر إماماً تسعة من صلب الحسين أمناء معصومون ومنّا مهدي هذه الأمة ألا إنهم من أهل بيتي وعترتي من لحمي ودمي ما بال أقوام يؤذوني فيهم لا أنالهم الله شفاعتي)(٢٦).
رعاية الله لنهاية التاريخ
هل أن نهاية التاريخ ستكون بهيمنة قوى بشرية تنتهج النهج النفعي والمصلحي، وتكون الأرض حينئذ تحت رعاية بشرية متكبرة ومتجبرة؟ أم أنها غير ذلك؟
لقد أجاب بعض مفكري الغرب كـ (فوكوياما)، بأن هذا هو زمن نهاية التاريخ (أي القرن الواحد والعشرين) وهو بهذه الصورة من الهيمنة الغربية على مقدرات العالم، فإن الإنسان التاريخي حسب ما يدّعيه هو ذلك الغربي الذي يزقّ في صغره مفاهيم الهيمنة ويتربى على الثقافة النفعية المادية، أمّا الذي يرأس هذا العالم بمن حواه فهو الشخص الذي يتربع على عرش السلطة الأمريكة، وحيث أن القطب الآخر (الإتحاد السوفياتي) قد انهار، فلا منافس ولا ندّ ولا مستحق ولو مستقبلاً لهذه الإدارة العالمية.
وأجاب بعض عن السؤال كـ (هنتيجتون) بأن نهاية التاريخ لابد أن تكون بيد الغرب لتقدّمه وتميّزه وإن كان ذلك بعد حين.. ولا يخفى ما لهذه النهاية التي يبشّر لها من ظلم وعدوان على الإنسان، وتحطيم لأبسط قواعد العدالة الإنسانية.. والمشهد السياسي المعاصر أبلغ شاهد على ذلك..
ونحن لا نختلف معهم على حتمية أن يكون للتاريخ نهاية، بل على العكس، إن نهاية التاريخ هي من النبؤات التي ذكرها القرآن الكريم، وأكّدها الرسول وأهل بيته بأحاديث متواترة.. يقول تعالى: (ونريد أن نمّن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)(٢٧)، وقال عز وجل (ليظهره على الدين كله)(٢٨).
إلا أن الاختلاف الجذري بيننا وبينهم هو في ماهية النهاية، وزمانها.. فأما الزمان فعلمه عند الله عز وجل، يظهره متى رأى الظروف مواتية، ففي الحديث عن الرسول (ص): (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلاً من أمتي ومن أهل بيتي يواطئ أسمه اسمي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(٢٩).
وأما ماهية النهاية وصفتها، فلا تكون إلا برعاية إلهية محاطة بألطاف الله عز وجل، كما هي دلائل الآيات أن الله هو الذي سيختار من يبوئه ويمكّنه من الأرض في قوله عز وجل: (ونجعلهم أئمة)، (ونجعلهم الوارثين).. مما يدلّ أن الهيمنة والتمكين على مقدرات الأرض إنما ستكون بجعل إلهي، لا بتقديرات بشرية زائفة.
وهذه الرعاية الإلهية هي بظهور الإمام صاحب الزمان (عجل الله فرجه).
فحسب المتواتر من الأحاديث عند المسلمين أنه لو لم يبق من الدنيا إلا يوماً واحداً لطوّل الله ذلك اليوم، ليخرج فيه الإمام المهدي المنتظر (عجل الله فرجه)، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.
فتحقق الرعاية الإلهية لنهاية التاريخ إنما هي من الرعاية الإلهية للإمام المنتظر (عج) حيث أحاطت الرعاية الإلهية بالإمام قبل أن يولد وقبل عالم الأرحام وفي ولادته وطفولته وصباه، وفي غيبتيه الصغرى والكبرى وهو مستودع عند الله عزّ وجل ليتربى في كنفه، هكذا تحدّثنا مقاطع التاريخ المهدوي..
الرعاية قبل عالم التكوين
يقول الرسول الأعظم (ص): (أنظر في أي شيء تضع ولدك فإن العرق دسّاس)(٣٠)، مما يبيّن أهمية اختيار الزوجة الصالحة ذات المميزات الحسنة والأصل الحميد، لتكون أمّا صالحة للأبناء، فالأم وعاء للجنين، ومن أحسن اختيار الوعاء من حيث المواصفات الذاتية والخارجية، كمادّة الوعاء المصنوع منها، ونظافته، فستكون المادّة التي يحويها متأثرة بتلك المواصفات.. والأم ركن أساسي في تكوين الأبناء.
وفي قصة اختيار الزوجة الصالحة لإمام معصوم كالإمام الحسن العسكري (ع)، ولتكون خير أم لإمام العصر المنتظر (عجل الله تعالى فرجه)، فقد تدخلت العناية الإلهية في ذلك الاختيار، ووقع الاختيار على السيدة نرجس (ع) والتي كان امتدادها إلى وصي النبي عيسى (ع).
وهي التي تقول معرفة نفسهاً: (أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، وأمي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون)(٣١).
وقصة الاختيار طويلة نكتفي بالإشارة لبعض فصولها:
بعد أن استيأس الرهبان والقساوسة عندما أراد أبوها أن يزوجها من ابن عمها فجمع كبراء قومه والرهبان والقساوسة، (تسافلت الصلب(٣٢) من الأعلى فلصقت بالأرض وتقوضت أعمدة العرش فانهارت إلى القرار، وخر الصاعد من العرش مغشياً عليه، فتغيرت ألوان الأساقفة وارتعدت فرائصهم).
تقول نرجس بعد تلك الحادثة: (ورأيت في تلك الليلة كان المسيح (عليه السلام) وشمعون وعدة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدي ونصبوا فيه منبراً من نور يباري السماء علواً وارتفاعاً في الموضع الذي كان نصب جدي فيه عرشه، ودخل عليهم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وختنه ووصيه (عليه السلام) وعدة من أبنائه (عليهم السلام)(٣٣).
فتقدم المسيح (عليه السلام) إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) فاعتنقه، فيقول له محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): يا روح الله إني جئتك خاطباً من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا، وأومأ بيده إلى ابي محمد (عليه السلام) ابن صاحب هذا الكتاب.
فنظر المسيح إلى شمعون وقال له: قد أتاك الشرف فصل رحمك برحم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
قال: قد فعلت.
فصعد ذلك المنبر فخطب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوجني من ابنه، وشهد المسيح (عليه السلام) وشهد أبناء محمد والحواريون.
فلما استيقظت أشفقت من أن أقص هذه الرؤيا على أبي وجدي مخافة القتل، فكنت أسرها ولا أبديها لهم، وضرب صدري بمحبة أبي محمد (عليه السلام) حتى امتنعت من الطعام والشراب، فضعفت نفسي ودق شخصي ومرضت مرضاً شديداً، فما بقي في مدائن الروم طبيب إلا أحضره جدي وسأله عن دوائي، فلما برح به اليأس قال: يا قرة عيني وهل يخطر ببالكِ شهوة فأزودكها في هذه الدنيا.
فقلت: يا جدي أرى أبواب الفرج علي مغلقة، فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من أسارى المسلمين، وفككت عنهم الأغلال وتصدقت عليهم ومنّيتهم الخلاص، رجوت أن يهب لي المسيح وأمه عافية.
فلما فعل ذلك تجلدت في إظهار الصحة في بدني قليلاً وتناولت يسيراً من الطعام، فسر بذلك واقبل على إكرام الأسارى وإعزازهم، فأريت بعد أربع عشرة ليلة كان سيدة نساء العالمين فاطمة (عليها السلام) قد زارتني ومعها مريم ابنة عمران وألف من وصائف الجنان، فتقول لي مريم: هذه سيدة نساء العالمين أم زوجك أبي محمد (عليه السلام)، فأتعلق بها وابكي وأشكو إليها امتناع أبي محمد (عليه السلام) من زيارتي.
فقالت سيدة النساء (عليها السلام): إن ابني أبا محمد لا يزورك وأنت مشركة بالله على مذهب النصارى، وهذه أختي مريم بنت عمران، تبرأ إلى الله تعالى من دينك، فان ملت إلى رضا الله ورضا المسيح (عليه السلام) ومريم (عليها السلام) وزيارة أبي محمد إياك فقولي: اشهد أن لا اله إلا الله وان أبي محمداً (ص) رسول الله.
فلمّا تكلمت بهذه الكلمة ضمتني إلى صدرها سيدة نساء العالمين (عليها السلام) وطيبت نفسي وقالت: الآن توقعي زيارة أبي محمد فإني منفذته إليك.
فانتبهت وأنا أنول وأتوقع لقاء أبي محمد (عليه السلام).
فلما كان في الليلة القابلة رأيت أبا محمد (عليه السلام) وكأني أقول له: جفوتني يا حبيبي بعد أن أتلفت نفسي معالجة حبك.
فقال (عليه السلام): ما كان تأخري عنك إلا لشركك، فقد أسلمت وأنا زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع الله تعالى شملنا في العيان، فما قطع عني زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.
الرعاية في الأرحام
لقد نال الإمام المنتظر الرعاية الإلهية منذ أن كان في رحم أمه، فقد كانت الأوضاع السياسية وقتئذ معبئة بالهواجس المستقبلية عند بني العباس الذي يريدون إخماد نور الله، لعلمهم بأن الرسول (ص) قد أنبأ بالإمام الثاني عشر من ولد الإمام الحسن العسكري سيستخلفه الله في الأرض، فأخفى الله ظهور أثر الحمل على أمه، فمن يراها لم يشر أنها حبلى..
يحدثنا التاريخ أن ليلة موعد ولادة الإمام المنتظر (عج) كانت السيدة حكيمة عمة الإمام العسكري في بيت الإمام وعندما أرادت الرحيل، قال لها العسكري (ع): لا يا عمّتاه، بيتي الليلة عندنا فإنه سيولد الليلة المولود الكريم على الله عزّ وجل، الذي يحي الله عز وجل به الأرض بعد موتها.
تحكي لنا حكيمة:
قلت: ممن يا سيدي ولست أرى بنرجس شيئاً من أثر الحبل.
فقال: من نرجس لا من غيرها.
قالت: فوثبتُ إليها فقبّلتها ظهراً لبطن، فلم أر بها أثر حبل، فعدت إليه (ع) فأخبرته بما فعلت.
فتبسّم (ع) ثم قال لي: إذا كان وقت ولادتها يظهر لك الحبل، لأن مثلها مثل أم موسى (ع) لم يظهر بها الحبل ولم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها، لأن فرعون كان يشقّ بطون الحبالى في طلب موسى (ع)، وهذا نظير موسى (ع).(٣٤)
فكان وقت الحمل في لحظات الغيب عند الله وفي رعايته سبحانه.
الرعاية طفلاً وصبيّاً
بعد ولادته عجل الله تعالى فرجه كان يتنقّل بين الغيب والشهود، فكان في وقت الغيب مستودعاً عند الله تعالى، فيظهر أحياناً لبعض الخلّص من موالي أهل البيت (عليهم السلام)، هكذا يحدثنا تاريخ الإمام المنتظر منذ ولادته وحتى غيبته الصغرى عام ٢٦٠ للهجرة وهو عام بداية الغيبة الصغرى..
تقول حكيمة وهي تحكي قصة اللحظات الأولى للولادة للإمام الموعود (ع): فرأيت اضطراباً في نرجس فضممتها إلى صدري وسمّيت عليها، فصاح أبو محمد (ع) وقال: اقرئي عليها (إنّا أنزلناه في ليلة القدر)، فأقبلت عليها وقلت لها: ما حالك؟
قالت: ظهر بي الأمر الذي أخبرك به مولاي.
فأقبلت أقرأ عليها كما أمرني، فأجاب الجنين من بطنها يقرأ كما أقرأ، وسلّم عليّ.
قالت: حكيمة: ففزعت لمّا سمعت.
فصاح بي أبو محمد (ع): لا تعجبي من أمر الله عز وجل، إن الله تبارك وتعالى ينطقنا بالحكمة صغاراً، ويجعلنا حجة في أرضه كباراً، فلم يستتمّ الكلام حتى غيبت نرجس، فلم أرها كأنه ضرب بيني وبينها حجاب.
فعدوت نحو أبي محمد (ع) وأنا صارخة.
فقال لي: أرجعي يا عمّه فإنك ستجدينها في مكانها.
قالت: فرجعت فلم البث أن كشف الحجاب الذي كان بيني وبينها، وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشّى بصري، وإذا أنا بالصبي (ع) ساجداً على وجهه، جاثياً على ركبتيه، رافعاً سبابته نحو السماء وهو يقول:
(أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن جدي محمداً رسول الله، وأن أبي أمير المؤمنين، ثم عدّ إماماً إماماً إلى أن يلغ إلى نفسه، فقال: اللهم أنجز لي وعدي، وأتمم لي أمري، وثبّت وطأتي، وأملأ الأرض بي عدلاً وقسطاً)(٣٥).
وبعد أن ولد الإمام (كانت هناك طيور ترفرف على رأسه فصاح ـ الإمام العسكري ـ (عليه السلام) بطير منها فقال له: احمله واحفظه وردّه إلينا في كل أربعين يوماً. فتناوله الطائر وطار به في جو السماء واتبعه سائر الطير، ـ تقول حكيمة عمة الإمام العسكري ـ فسمعت أبا محمد ـ العسكري ـ يقول: استودعتك الذي استودعته أم موسى.
فبكت نرجس فقال لها: اسكتي فإن الرضاع محرم عليه إلا من ثديك، وسيعاد إليك كما رد موسى إلى أمه، وذلك قوله عز وجل: (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن).
قالت حكيمة: فقلت ما هذا الطائر؟
قال (ع): هذا روح القدس الموكل بالأئمة (عليهم السلام) يوفقهم ويسددهم ويربيهم بالعلم.
وقد استمرت رعاية الله تعالى لمولانا الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) في صباه حيث كان الناس لا يشاهدونه كثيراً، فما رآه أحد إلا واختفى عنه بعد فترة وجيزة(٣٦)..
وهكذا في صباه أخذ يتردد بين الغيب والشهود، بين الرعاية الخالصة لله، وبين الظهور لأمه وأبيه ولبعض الخواص من أصحاب الإمام العسكري (ع).
عن عمر الأهوازي قال: أراني أبو محمد ابنه رضي الله عنهما وقال: هذا إمامكم من بعدي)، وعن الخادم الفارسي قال: (كنت بباب الدّار خرجت جارية من البيت ومعها شيء مغطّى، فقال لها أبو محمد: اكشفي عما معك فكشفت فإذا غلام أبيض حسن الوجه فقال: هذا إمامكم من بعدي، قال: فما رأيته بعد ذلك)(٣٧).
وقال الخادم الفارسي: (كنت بباب الدار فخرجت جارية من البيت ومعها شيء مغطى، فقال لها أبو محمد: أكشفي عمّا معك فكشفت فإذا غلام أبيض حسن الوجه فقال: هذا إمامكم من بعدي، قال: فما رأيته بعد ذلك)(٣٨).
كذلك النظر إليه وهو غلام، فقد أخرج عن يعقوب بن منفوس قال: (دخلت على أبي محمد الحسن العسكري وعلى باب البيت ستر مُسبل فقلت له: يا سيدي من صاحب هذا الأمر بعدك؟ فقال ارفع الستر فرفعته فخرج غلام فجلس على فخذ أبي محمد (ع) وقال لي أبو محمد: هذا إمامكم من بعدي، ثم قال: يا بني أدخل البيت فدخل البيت وأنا أنظر إليه، ثم قال: يا يعقوب انظر في البيت فدخلته فما رأيت أحداً)(٣٩).
وفي الغيبة الصغرى والكبرى
بعد أن كان الإمام منذ ولادته وحتى وفاة أبيه العسكري (ع) متردداً بين الغيب والشهود، متقلباً في رعاية الله، ومستودعاً في كنفه عز وجل، جاءت الغيبة الصغرى لتكون غيبة تمهيدية للغيبة الكبرى، وكما أخبر بهاتين الغيبتين الإمام علي ابن أبي طالب (ع) إذ قال: (وإن للقائم منا غيبتين احداهما أطول من الأخرى فلا يثبت على إمامته إلا من قوى يقينه وصحّت معرفته)(٤٠)، فابتدأت الغيبة الأولى وهي الصغرى منذ العام (٢٦٠) إلى العام (٣٢٩)، كانت الصلة فيها بين الإمام (ع) والشيعة عبر النوّاب الأربعة الخاصين الذين عيّنهم الإمام (ع)، وهم:
(١) أبو عمرو عثمان بن سعيد الذي كان وكيلاً للإمام الحسن العسكري (ع). وبعد وفاته أصبح نائباً للإمام الحجة (عجل الله فرجه).
(٢) وبعد وفاته عام (٢٦٦) نصب الإمام الحجة ابنه أبا جعفر محمد بن عثمان ليصبح نائباً للإمام خلال خمسين عاماً.
(٣) أما النائب الذي استخلفه محمد بن عثمان فقد كان حسين بن روح ومنذ عام (٣٠٤) وعبر اثنين وعشرين عاماً كان مرجعاً عاماً للطائفة من قبل الإمام الحجة (ع).
(٤) وبعد أن لبى حسين بن روح نداء ربه، عين الإمام أبا الحسن علي بن محمد السمري نائباً عنه، وبقي في منصبه ثلاث سنوات، ولما اقترب من أجله سئل عمّن ينوبه فأخبر بانتهاء الغيبة الصغرى بوفاته(٤١).
خلال هذه الفترة، كان (عليه السلام) في عالم الغيب، فلا يظهر إلا لهؤلاء الأربعة ليشرف على أمور المسلمين ويوجههم الوجهة المرتضاة من الله تعالى.
وفي مشهد تاريخي يوضح بداية الغيبة الصغرى، يروي الفيلسوف الكبير والعالم الرباني أبو سهل النوبختي، وهو من خواص الإمام العسكري (ع) قوله: (طلب الإمام العسكري أن يؤتى له بولد حال مرضه، وقد كان المهدي آنذاك طفلاً. فجيء بالمهدي إلى أبيه، وأدّى السلام عليه، فنظرت إليه وإذا هو درّي اللون، وفي شعر رأسه قطط، مفلج الأسنان.
خاطبه الإمام الحسن (ع) بقوله: (يا سيد أهل بيته اسقني الماء فإني ذاهب إلى ربي) فأتى له بالماء، ثم قام الطفل بتوضئة أبيه، بعد ذلك قال له الإمام العسكري (ع):
(بنيّ، أنت المهديّ، وأنت حجّة الله على الأرض..)(٤٢)..
وفي المقابل جاء في الأثر (أن رهطاً من الشيعة ـ وكانوا أربعين نفراً ـ قد اجتمعوا يوماً عند الإمام الحسن العسكري (ع)، وطلبوا منه أن يريهم ويعرّفهم الحجة من بعده، ففعل الإمام ذلك، ورأوا هؤلاء ولداً خرج عليهم، مثل فلقة القمر، وكالبدر ليلة تمامه.
فقال العسكري: (هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه، ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وأنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر، فاقبلوا من عثمان (بن سعيد العمري)، ما يقوله وانتهوا إلى أمره)(٤٣).
وقد انتهت الغيبة الصغرى عند وفاة آخر نائب للإمام، لتبدأ مرحلة الغيبة الكبرى والتي يكون الإمام في عالم الغيب بشكل كلي، إلا أنه يظهر لبعض شيعته من الأولياء والمستحقين بصورة سريعة، فيتوارى خلف الغيب في رعاية الله تعالى، لأن (الغيب لله)،كما في قوله تعالى: (فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين)(٤٤)، وما كان لله فهو في حصنه وأمانه، يربيه ويرعاه ويحفظه.
هذا هو الإمام الذي ستكون نهاية التاريخ على يديه، يأتي ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، لا بادعاءات وخداع كما هو الواقع المعاصر تحت هيمنة القوى البشرية الغربية المستكبرة، إنما ذلك القسط والعدل كله بقيادة إمام معصوم، ورعاية إلهية له منذ الولادة وحتى الظهور.
المهدي والمسيح.. وأمل المستقبل
إن أهل البيت (عليهم السلام) بهم من الشبه من الأنبياء الكثير، فكل إمام له تمازج وتشابه مع بعض الأنبياء في الشمائل أو في الحركة التاريخية أو أنواع المحن والبلايا، أو الفضائل والمواقف..
ويحدثنا التاريخ القصير الذي سجل للإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه) أن هنالك شبه بنبي الله موسى في خفاء حمل أمه به، وغيابه عنها لفترة، فيرد إليها، كما ذكر ذلك الإمام العسكري (ع) عندما تساءلت السيدة حكيمة عن أثر الحبل رد عليها قائلاً: (إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحبل، لأن مثلها مثل أم موسى (عليه السلام) لم يظهر بها الحبل ولم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها، لأن فرعون كان يشق بطون الحبالى في طلب موسى (عليه السلام)، وهذا نظير موسى (عليه السلام)(٤٥).
وسنسلط الضوء في هذا المقام على نبي الله عيسى (عليه السلام)، والتداخلات مع سيرة الإمام المهدي (عج).
فإننا نلحظ في المشاهد التاريخية، والأحاديث المنبئة بالظهور المقدّس للإمام الحجة (عج) أن هنالك تداخلات كثيرة للنبي عيسى (ع) بسيرة الإمام (عج)، وإليك عرضها:
التزاوج
لقد كان الإمام المنتظر (عج) في تكوينه الخلقي الظاهر محل انصباب الديانتين (الإسلامية والمسيحية) عندما تزوّج أبوه الإمام الحسن العسكري (ع)، بالسيدة نرجس (ع).. فكان الإمام العسكري (ع) امتداداً من وصي رسول الله محمد (ص)، حيث ينحدر نسله من الإمام علي (ع) من ناحية الأب، ومن فاطمة الزهراء (ع) إلى رسول الله (ص) من ناحية الأم، كما نقل التاريخ عن أن أباه هو العسكري، وهو ذاته الذي سيظهر في آخر الزمان، كما أكّدت الروايات عن الرسول الأعظم (ص)، ففي صحيح أبي داود ـ عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله (ص) يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة(٤٦).
أما من ناحية الأم، فأمه السيدة نرجس بنت ملك الروم الذين يدينون بالمسيحية، وأمها تنتسب لشمعون وصي نبي الله عيسى بن مريم (ع)، فقد نقل أنها ردت على خادم الإمام الهادي الذي اشتراها من سوق الرق، عندما تعجّب من لثمها لكتاب الإمام المكتوب بلغتها الرومية وتقبله، قال لها: تلثمين كتاباً لا تعرفين صاحبه؟
فقالت: أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء (عليهم السلام) أعرني سمعك وفرغ لي قلبك، أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، وأمي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون، انبئك بالعجب(٤٧).
وقد حصلت الخطبة والزواج في عالم الغيب، خطبها الرسول الأعظم (محمد) (ص)، من نبي الله عيسى (ع)، تقول السيدة نرجس وهي تحكي هذا الامتزاج في رؤيتها التي رأتها أن: النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ قال وهو يعانق المسيح ـ: يا روح الله إني جئتك خاطباً من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا، وأومأ بيده إلى أبي محمد (عليه السلام) ـ العسكري ـ ابن صاحب هذا الكتاب.
فنظر المسيح إلى شمعون وقال له: قد أتاك الشرف فصل رحمك رحم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
قال: قد فعلت.
فصعد ذلك المنبر فخطب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوجني من ابنه، وشهد المسيح (عليه السلام) وشهد أبناء محمد والحواريون.
ونتابع فصول الزواج الميمون.. فلقد حكت السيدة نرجس تلك الحادثة بعدما حدثت لها في عالم الرؤيا، ولكن الحوادث المتتابعة صدّقت تلك الحادثة، حيث أمرها الإمام العسكري في ذلك العالم، بالخروج مع المحاربين لتنتقل إلى سوق الرق، فيشتريها أحد أعوان الإمام الهادي (ع) لينقلها إليه.. وقد حدث كل ذلك.. وعند وصول بشر وهو المبعوث من قبل الإمام لشراء السيدة نرجس من سوق الرق، يقول: (فلما انكفأت بها ـ أي السيدة نرجس ـ إلى سر من رأى دَخَلَت على مولاي أبي الحسن (عليه السلام) فقال: كيف أراكِ الله عز الإسلام وذل النصرانية وشرف محمد وأهل بيته (عليهم السلام)؟
قالت: كيف اصف لك يا بن رسول الله ما أنت أعلم به مني.
قال: فاني أحببت أن أكرمك، فما أحب إليك: عشرة آلاف دينار، أم بشرى لك بشرف الأبد.
قالت: بشرى بولد لي.
قال لها: ابشري بولد يملك الدنيا شرقاً وغرباً ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
قالت: ممن؟
قال: ممن خطبك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) له ليلة كذا في شهر كذا من سنة كذا بالرومية.
قالت: من المسيح ووصيه؟
قال لها: ممن زوجك المسيح (عليه السلام) ووصيه؟
قالت: من ابنك أبي محمد (عليه السلام).
فقال: هل تعرفينه؟
قالت: وهل خلت ليلة لم يرني فيها منذ الليلة التي أسلمت على يد سيدة النساء (صلوات الله عليها).
قال: فقال مولانا: يا كافور ادع أختي حكيمة، فلما دخلت قال لها: ها هي، فاعتنقتها طويلا وسرت بها كثيراً، فقال لها أبو الحسن (عليه السلام): يا بنت رسول الله خذيها إلى منزلك وعلميها الفرائض والسنن، فانها زوجة أبي محمد وأم القائم (عليه السلام)(٤٨).
وهكذا بدأت علاقة نبي الله عيسى (ع) بالإمام المنتظر (عج) وقد ولد المولود الموعود ثمرة لذلك الزواج المبارك.
الغيبة
من الأمور المشتركة عند الإمام المنتظر (عج)، وعيسى (ع)، هي الغيبة والرفعة إلى الله، فقد رفع الله تعالى نبيه عيسى بن مريم (ع) بعد أن كان مطارداً من قبل اليهود حال دعوته فيهم إلى الله عز وجلّ، لئلا يظفروا به ويقتلوه، فعن أبي جعفر الباقر (ع): (لما كانت الليلة التي قتل فيها يوشع بن نون رفع فيها عيسى بن مريم إلى السماء..)(٤٩).
قال تعالى: (وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه مالهم به من علم إلا إتباع الظن، وما قتلوه يقينا. بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً)(٥٠).
وكذلك الإمام المنتظر (عج) قد رفعه الله تعالى وغيّبه عن أنظار الناس، بعد المطاردة ومحاولات القتل والوأد التي قام بها الحكام المتجبرون.
إلا أن الإمام المهدي كانت له غيبتان، قال الإمام علي ابن أبي طالب (ع): (وإن للقائم منا غيبتين إحداهما أطول من الأخرى فلا يثبت على إمامته إلا من قوي يقينه وصحّت معرفته)(٥١)، فابتدأت الغيبة الأولى وهي الصغرى منذ العام (٢٦٠) إلى العام (٣٢٩)، كانت الصلة فيها بين الإمام (ع) والشيعة عبر النوّاب الأربعة الخاصين الذين عيّنهم الإمام (ع)، ثم بعد وفاة آخرهم ابتدأت الغيبة الكبرى والتي هي مستمرة إلى وقتنا هذا، عسى الله أن يوفقنا لرؤيته ونصرته.
فكان وجه الشبه بين الإمام والنبي في غيبتهما، وطول عمرهما، مع توافق الأسباب الداعية إلى الغيبة، من الظروف السياسية والمطاردات الجائرة، ومحاولات القتل..
وفي المستقبل
وتستمر العلاقة بين الإمام المنتظر والمسيح إلى أن يظهرا إلى العالم بعد غيبتهما الطويلة، حيث أن الروايات تؤكد ظهورهما في زمان واحد، ولغاية مستقبلية إلهية واحدة، هي تمكين دين الله تعالى، وتوحيده، ليكون الدين كله لله.
في نزول وظهور النبي عيسى (ع)، يقول الرسول (ص): (ليس بيني، وبينه ـ يعني عيسى (ع)، نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، ينزل بين مصرتين، كأن يقطر وإن لم يصبه بلل)(٥٢).
أما الإمام المهدي (عج)، فروايات ظهوره كثيرة نذكر منها ما هو مرتبط بظهور عيسى (ع)، قال النبي (ص): (يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريم كأنه يقطر من شعره الماء، فيقول له المهدي: تقدّم صل بالناس، فيقول: إنما أقيمت لك الصلاة، فيصلي خلف رجل من ولدي: وهو المهدي)(٥٣).
ينبغي أن تلفت انتباهنا هذه العلاقة التي ابتدأت بالتزاوج، والاشتراك في الغيبة، إلى الظهور في زمان واحد، ومن أهم الملاحظات هي تلك التي تنبئ بظهور الحضارة الإسلامية على كافة العالم، بمن فيهم أهل الديانات المختلفة، ولا يخفى أن الديانة الأوسع في عالمنا المعاصر هي المسيحية، ثم الإسلام، وأمّا أسباب القوة والتمكّن فهي بيد الحضارة الغربية التي تنتمي للديانة المسيحية، فظهور المسيح في آخر الزمان له أثر بالغ على المسيحيين، خصوصاً عندما يصلي خلف الإمام المنتظر ويقر بإمامته، فإن الأحاديث تذكر أنه سيؤمن الكثير منهم.
فقد قال رسول الله (ص): (المهدي الذي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحق بشيراً لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه وتشرق الأرض بنوره ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب)(٥٤).
الأمر الذي ينبغي الاستفادة منه هو خلق الجسور بين الحضارتين الغربية والإسلامية على أساس الدين، والإيمان بالله واليوم الآخر، ليتم التعاون على محاربة الإلحاد، ومكافحة الزنا والجريمة، وكل الرذائل التي تنكرها الديانتين.
فمشاهدات أولية للمعول الذي يهدم المجتمعات ويستغل من خلاله الناس من أجل الإفساد، هو تفشي ظلم الإنسان للإنسان عبر سياسات وقوانين جائرة، وإشاعة الزنا والاتجار بالرق الأبيض لخلخلة المجتمعات وهدمها، وكل المحرمات التي اتفقت عليها الديانات، ولعل ذلك مصدر تقارب يؤدّي إلى بعث العقيدة الإسلامية بالدعوة بالتي هي أحسن في أوساط المجتمعات الغربية والمشركة التي لا تؤمن بالدين الإسلامي القويم.
في مولد الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) (٥٥)
إن لكل قوم مناسبات، ومن مناسباتنا الخاصة هو اليوم المبارك، الذي ولد فيه منذ ما يقارب من١١٦٥عاماً الإمام المهدي المنتظر (عج)، الإمام الثاني عشر الذي نأمل على يديه الخلاص الحضاري من كل القيود التي خلقتها حضارات الإنسان، لتحل محلها الحضارة الإلهية الحقة، ذلك الإمام المهدي المنظر (عج) الذي غاب عن الأنظار ولم يغب عن القلوب وعن معادلات التأثير في حياة الإنسان.. كالشمس عندما تستتر وراء السحاب..
نحتفل في مولده، ولكن احتفالنا ليس كما يحلو لمن اتبع الشهوات أن يحتفل، عبر صخب الموسيقى وهستريا الرقص وشرب الخمر حتى الثمالة.. بل نحي هذه الذكرى عبر تجسيد شخصية الإمام المنتظر وآبائه في شخصيتنا.. نحي هذه الذكرى عبر التذكير بأهدافه (عج) والتي من ضمنها إقامة العدل وإصلاح كل فاسد من أمور الناس، وإشاعة الخير ورفع الويلات التي تعاني منها شعوب العالم، والسعي لنبذ الحروب وإحلال السلام محلها.. ليس للمسلمين الشيعة فحسب، بل للعالم بأسره، لأن الإسلام عالمي الانطلاق، وعالمي في معالجاته للمشكلات الحضارية، كالفقر والجوع والجهل والظلم والاستبداد..
نحن نحتفل (فرحين) بمولد من سيعم القسط والعدل في العالم على يديه الشريفتين، ونحتفل (متضرعين) بالدعاء له بالظهور القريب والنصرة المظفرة، ونحتفل (مقتدين) نجسّد مبادئه في أرواحنا، لكي نسعى لتحقيق أهدافه الحضارية النبيلة.. ونرسم الرؤى المتقدمة في علاقاتنا بالحضارات والأقوام الأخرى.. وقد تمخضت في مجال علاقة الحضارات مع بعضها مجموعة من النظريات مثل (صدام الحضارات) للمفكر الأمريكي صموئيل هنتجتون، ونظرية (نهاية التاريخ) للياباني فوكوياما..
ولنا نحن المسلمون الشيعة رأي في ما ينبغي أن تكون عليه الحضارات من علاقة.. فلا الصراع ولا النهاية.. ولا إلغاء الخصوصيات التي تختزلها كل حضارة وتميزها عن الأخرى.. إنما لابد أن تحكمها علاقة الخير من أجل الخير، والبناء من أجل التقدم، ومن أجل إحراز هذا الهدف لابد من خطوات تخطوها الحضارات..
أولها: التعارف، وهذا ما دعا إليه القرآن الكريم في قوله تعالى (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)، فالاختلاف بين الشعوب حقيقة واضحة لا ينبغي أن نتغافلها، وفي ضل هذا الاختلاف ليس لنا إلا التعرّف على الحضارات الأخرى لكي نفهمها بوضوح، لأن (الناس أعداء ما جهلوا) كما قال الإمام علي (ع) وصي رسول الله محمد (ص).
وثانيها: الحوار، وهو المبدأ الذي ينطلق من إرادة الخير من الإنسان لأخيه الإنسان، فإذا اعتقد الإنسان أن ما يؤمن به هو الأفضل فلابد أن يدعوا أخاه الإنسان إليه، ولا يتم ذلك بالعنف والإكراه، إنما بالحوار الهادف كما أكده القرآن الكريم.. وبالتعارف والحوار تسير الحضارات نحو التكامل الحضاري الذي يخدم البشرية جمعاء.
ومن مميزات الإسلام أنه جعل الإنسان محور الحضارة لكي تقوم بالإنسان ولمصلحة الإنسان، وذلك من خلال إطلاق بعدي (العقل والروح) فالتطور المادي لابد أن يتسق مع مكانة الروح وهي السمة الربانية التي من أجلها حفظ الله تعالى كرامة الإنسان وفضله على كافة المخلوقات، فأي تطور في الحضارة يخلو عن إعطاء الروح مكانتها وقداسة إنسانية الإنسان، فلا تحمل في داخلها سمة التوازن، فيطغى الجانب المادي على الجانب المعنوي فتنهار الحضارة ولا تكون لها أي معنى، كما يحدث الآن في الغرب من تطور مادي كبير، وأما في الجانب المعنوي وما يحفظ للإنسان قيمته ومكانته معدومة في مجتمعاتهم، فالأسرة متفككة والأمراض النفسية شائعة إضافة إلى الشذوذ والأمراض الجنسية والإدمان وغيرها.. أما الإسلام فقد ضمن للنفس استقامتها وسموها كما ضمن للعقل مكانته ورفعته ووازن بينهما في داخل الإنسان.
وهذه مقتطفات من دعاء كان يدعو به الإمام المنتظر (عج) والذي نحن اليوم بصدد إحياء ذكرى مولده، يحمل في طيّاته بعض ما يؤمن صلاح الإنسان وتوازنه:
((اللهم أكرمنا بالهدى والاستقامة وسدد ألسنتنا بالصواب والحكمة، وأملأ قلوبنا بالعلم والمعرفة، وطهّر بطوننا من الحرام والشبهة، واكفف أيدينا عن الظلم والسرقة، وأغضض أبصارنا عن الفجور والخيانة، واسدد أسماعنا عن اللغو والغيبة..
وتفضل على مشايخنا بالوقار والسكينة، وعلى الشباب بالإنابة والتوبة، وعلى النساء بالحياء والعفة، وعلى الأغنياء بالتواضع والسعة، وعلى الفقراء بالصبر والقناعة.. وعلى الأمراء بالعدل والشفقة، وعلى الرعية بالإنصاف وحسن السيرة).


 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) الإمام المهدي قدوة الصديقين، لآية الله السيد محمد تقي المدرسي، ص١٢٥.
(٢) المهدي في السنة، آية الله السيد صادق الشيرازي، ص٥٦.
(٣) سورة البقرة، آية ٢.
(٤) الإمام المهدي (عج) للإمام الشيرازي.
(٥) ميزان الحكمة، للريشهري، ج١، ص٢٨٩.
(٦) المصدر نفسه.
(٧) ميزان الحكمة، للريشهري، باب الشفاعة.
(٨) الأحاديث الواردة من كتاب (الإمام المهدي (عج))، للإمام الشيرازي.
(٩) من دعاء الندبة.
(١٠) بحار الأنوار ج ٥٢ ص ١٢٢ رواية ٤ باب ٢٢.
(١١) الإمام المهدي (عج) للإمام الشيرازي.
(١٢) الأصول في الكافي، للكليني، ج١، باب الغيبة.
(١٣) الإمام المهدي (ع) للإمام الشيرازي.
(١٤) النبي وأهل بيته قدوة وأسوة، آية الله السيد محمد تقي المدرسي، ص٥٠٨.
(١٥) سورة الإسراء، آية ٣٦.
(١٦) نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٦٧ـ٥.
(١٧) نهج البلاغة، قصار الحكم ٣٦٥.
(١٨) قادتنا كيف نعرفهم، السيد محمد هادي الميلاني ج٧، ص٢١٤..
(١٩) المصدر نفسه.
(٢٠) المصدر نفسه.
(٢١) الإمام المهدي (عج) للإمام الشيرازي.
(٢٢) سورة القصص، آية ٥.
(٢٣) سورة العلق.
(٢٤) الإمام المهدي (عج) للإمام الشيرازي.
(٢٥) المهدي في السنة، ص٥٦.
(٢٦) نفس المصدر، ص٣٣.
(٢٧) سورة القصص، آية ٥.
(٢٨) سورة التوبة، آية ٣٣.
(٢٩) المهدي في السنة، ص٤٥.
(٣٠) الطفل بين الوراثة والتربية، الشيخ محمد تقي الفلسفي ج١، ٦١.
(٣١) الإمام المهدي (ع)، للإمام الشيرازي.
(٣٢) جمع صليب.
(٣٣) الإمام المهدي (عج)، للإمام الشيرازي.
(٣٤) الإمام المهدي (ع)، للإمام الشيرازي، ص ٦.
(٣٥) الإمام المهدي (ع) للإمام الشيرازي، ص ٦.
(٣٦) المهدي (عج)، للإمام الشيرازي، عن البحار ج٥١ص١٤ب١ح١٤
(٣٧) قادتنا كيف نعرفهم، السيد محمد هادي الميلاني ج٧،ص٢١٤..
(٣٨) المصدر نفسه.
(٣٩) المصدر نفسه.
(٤٠) المهدي في السنة، آية الله السيد صادق الشيرازي، ص ٦٦.
(٤١) الإمام المهدي قدوة وأسوة ـ آية الله السيد محمد تقي المدرسي.
(٤٢) شمس المغرب، محمد رضا حكيمي، ص١٦.
(٤٣) شمس المغرب، محمد رضا الحكيمي، ص١٤، عن (منتخب الأثر) للطف الله الصافي.
(٤٤) سورة يونس ـ آية ٢٠.
(٤٥) الإمام المهدي (ع)، للإمام الشيرازي.
(٤٦) المهدي في السنة، آية الله السيد صادق الشيرازي، ص٣٨.
(٤٧) الإمام المهدي (ع)، لفمام الشيرازي.
(٤٨) الإمام المهدي (ع)، للإمام الشيرازي.
(٤٩) الأنبياء، حياتهم وقصصهم، عبد الصاحب الحسني العاملي، ص٤٨٨.
(٥٠) سورة النساء، آية ١٥٧ـ١٥٨.
(٥١) المهدي في السنة، آية الله السيد صادق الشيرازي، ص ٦٦.
(٥٢) الروض الفسيح في بيان الفوارق بين المهدي والمسيح، الشيخ محمد باقر الالهي القمي.
(٥٣) المهدي في السنة، آية الله السيد صادق الشيرازي، ص٧٣.
(٥٤) المهدي في السنة، ص٣٢.
(٥٥) ترجم هذا المقال للّغة الإنجليزية ووزّع على الجاليات الأجنبية بشكل واسع عام١٤٢١هـ.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016