فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » الرواية المهدوية من خلال كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة للشيخ الصدوق
 كتب أخرى

الكتب الرواية المهدوية من خلال كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة للشيخ الصدوق

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: أحمد العلياوي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠٢٠/٠٣/٠٩ المشاهدات المشاهدات: ١٨٨٥ التعليقات التعليقات: ٠

الرواية المهدوية من خلال كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة للشيخ الصدوق ت ٣٨١هـ
دراسة تحليلية مقارنة

أطروحة تقدم بها الطالب
أحمد عبد الله حميد العلياوي
إلى مجلس كلية التربية - الجامعة المستنصرية

الفهرست

الإهداء
شكر وامتنان
المقدمة
التمهيد: الشيخ الصدوق منهجه وموارده في كتابه إكمال الدين وإتمام النعمة
الفصل الأول: الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) سيرته ووالديه والنص على إمامته في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة.
المبحث الأول - سيرة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
أولاً - أخبار ولادته.
ثانياً - اسمه وكنيته وألقابه.
ثالثاً معاني أشهر أسمائه وألقابه.
رابعاً - أوصافه الجسمانية.
خامساً: والده الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):
المبحث الثاني - السيرة المباركة للسيدة نرجس (عليها السلام) والدة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
المبحث الثالث - مفهوم الإمامة والاستخلاف في الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام) حتى إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
اولاً - مفهوم الامامة واتصال الوصية منذ خلق آدم (عليه السلام).
ثانياً - العلة التي من أجلها يحتاج إلى الإمام والنص على إمامة الأئمة (عليهم السلام).
ثالثاً - النص على إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
رابعاً - ما ورد بحقة من القرآن الكريم.
الفصل الثاني - غيبة الأنبياء (عليهم السلام) فضلاً عن غيبة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والبشارة بنبوته وغيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) والانتفاع به وامتلاكه للاسم الأعظم والرد على من أنكره وفضل انتظاره.
المبحث الاول - غيبة الأنبياء (عليهم السلام)
١ - غيبة النبي آدم (عليه السلام)
٢ - غيبة النبي إدريس (عليه السلام)
٣ - غيبة النبي نوح (عليه السلام) وبشارته بهود (عليه السلام) بعد الغيبة
٤ - غيبة النبي صالح (عليه السلام)
٥ - غيبة النبي إبراهيم (عليه السلام)
٦ - غيبة النبي يوسف (عليه السلام)
٧ - غيبة النبي موسى (عليه السلام)
٨ - وقوع الغيبة بالأوصياء والحجج بعد موسى (عليه السلام) إلى أيام عيسى (عليه السلام)
المبحث الثاني - غيبة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والبشارات بنبوته
اولاً - غيبة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
ثانياً - البشارات بنبوة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
١ - بشارة النبي عيسى (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
٢ - بشارة سلمان المحمدي (رضي الله عنه)
٣ - بشارة قس بن ساعدة الأيادي
٤ - خبر تبع الملك
٥ - خبر عبد المطلب وابي طالب (رضي الله عنها)
٦ - خبر سيف بن ذي يزن
٧ - خبر بحيرى الراهب
٨ - خبر كبير الرهبان في طريق الشام
٩ - خبر ابي المويهب الراهب
١٠ - خبر سطيح الكاهن
١١ - خبر يوسف اليهودي
١٢ - خبر دواس بن حواش المقبل من الشام
١٣ - خبر زيد بن عمر بن نفيل
المبحث الثالث - غيبة الامام المهدي (عجّل الله فرجه) والانتفاع به وامتلاكه للاسم الاعظم والرد على من أنكره وفضل انتظاره
أولاً - غيبة الامام المهدي (عجّل الله فرجه) والعلة منها
ثانياً - وجه الانتفاع بالإمام الغائب (عجّل الله فرجه)
ثالثاً - امتلاكه للاسم الأعظم
رابعاً - الرد على من أنكره وفضل انتظاره
المبحث الرابع - اوجه التشابه ما بين الامام الحجة (عجّل الله فرجه) والانبياء (عليهم السلام) وامثلة من المعمرين والاستدلال بهم على طول عمره الشريف
أولاً - اوجه التشابه ما ين الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) والانبياء (عليهم السلام)
ثانياً - امثلة من المعمرين والاستدلال بهم على طول عمر الإمام الحجة (عجّل الله فرجه)
ا - اخبار بعض المعمرين
٢ - بعض الاستدلالات عن إمكانية طول العمر
الفصل الثالث - ما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن الأئمة (عليهم السلام) في غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)
المبحث الأول - ما روي عن الخمسة أصحاب الكساء (عليهم السلام) في غيبة الامام المهدي (عجّل الله فرجه)
أولاً - ما روي عن النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
ثانياً - ما روي عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام)
ثالثاً - ما روي عن مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) في خبر الصحيفة واللوح
رابعاً - ما روي عن الإمام الحسن (عليه السلام)
خامساً - ما روي عن الإمام الحسين (عليه السلام)
المبحث الثاني - ما روي عن الأئمة السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام)
اولاً - ما روي عن الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام)
ثانياً - ما روي عن الامام محمد الباقر (عليه السلام)
ثالثاً - ما روي عن الامام الصادق (عليه السلام)
المبحث الثالث - ما روي عن الائمة الكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام)
اولاً - ما روي عن الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)
ثانياً - ما روي عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)
ثالثاً - ما روي عن الامام محمد بن علي الجواد (عليه السلام)
رابعاً - ما روي عن الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام)
خامساً - ما روي عن الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)
الفصل الرابع - ذكر أخبار من شاهد الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) في حياة أبية وفي غيبته وأخبار عمه جعفر والتواقيع الصادرة منه والعلامات الحتمية لخروجه وما قيل في الدجال وما روي من علامات عامة وظواهر طبيعية
المبحث الاول - ذكر من شاهده الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) في حياة وفي غيبته وأخبار عمه جعفر
اولاً - ذكر من شاهده الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) في حياة أبيه وفي غيبته
ثانياً - ما روي من أخبار عن جعفر عم الإمام الحجة (عجّل الله فرجه)
المبحث الثاني - التواقيع الصادرة من الإمام الحجة (عجّل الله فرجه)
المبحث الثالث - العلامات الحتمية لخروج القائم (عجّل الله فرجه) وما قيل في الدجال وما ارتبط به من أمر الإمام القائم (عجّل الله فرجه). وما روي من علامات عامة وظواهر طبيعية
أولاً - العلامات الحتمية لخروج الإمام القائم (عجّل الله فرجه)
١ - اليماني
٢ - السفياني
٣ - النداء أو الصيحة
٤ - الخسف بالبيداء
٥ - قتل النفس الزكية
ثانياً - ما قيل في الدجال وما ارتبط به من أمر القائم (عجّل الله فرجه)
ثالثاً - ما روي من علامات عامة وظواهر طبيعية
الفصل الخامس - علامات وعدد أصحاب الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وعلامات فرسه وسيفه ورايته وأقوال بعض الفرق في الغيبة وشبهات واعتراضات لبعض المخالفين والرد عليها
المبحث الاول - علامات وعدد أصحاب الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وعلامات فرسه ورايته وسيفه
اولاً - علامات وعدد أصحاب الإمام الحجة (عجّل الله فرجه)
ثانياً - ما روي في وصف علامات فرسه وسيفه ورايته (عجّل الله فرجه)
المبحث الثاني - أقوال بعض الفرق في الغيبة.
اولاً - قول الكيسانية في الغيبة
ثانياً - قول الناووسية في الغيبة
ثالثاً - قول الواقفة على موسى بن جعفر (عليه السلام) في الغيبة
رابعاً - قول الواقفة على الحسن العسكري (عليه السلام) في الغيبة
خامساً - قول المعتزلة في الغيبة
سادساً - الرد على الزيدية على ما قالوا في الإمامة والغيبة
المبحث الثالث - شبهات واعتراضات على الغيبة لبعض المخالفين والرد عليها
الخاتمة
الملاحق
ثبت المصادر والمراجع

الإهداء
إلى حلقة وصل النبوة بالإمامة، سيدتي ومولاتي فاطمة الزهراء (عليها السلام).
إليكِ يا سيدتي أتشرف بإهداء هذه الأطروحة راجياً من الله أن تتقبليها مني بقبول حَسِن ملتمساً منكِ العذر لتقصيري.

الباحث

شُكر وامتنان
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأَولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (القصص: ٧٠).

الحمد لله رب العالمين حمداً متصلاً دائماً وأبداً على ما أنعم وأتم حمداً أعجز فيه عن إحصاء ثنائه والشكر على تتابع نعمائه فالحمد له أولاً وآخراً، وأفضل الصلاة والتسليم على محمد وآل محمد سادة الخلق وشفعاء الأمة ومنتهى الحكمة وأبواب السماء ودروب الرجاء فلهم الموالاة والثناء.
بداية أتقدم بخالص الشكر والامتنان والعرفان إلى من سوف أكون ممتناً له على الدوام أستاذي الفاضل (ا. د سامي حمود الحاج جاسم) الذي تتلمذت على يديه في مرحلتي الماجستير والدكتوراه وحقيقة في نفسي لا يمكن إنكارها كان له أثر في مدى تفكيري بنوع الاختصاص والبحث منذ أيام السنة التحضيرية أثناء تدريسه لنا مادة (مناهج المؤرخين) التي دفعتني بالاطلاع على عدد من المصادر التاريخية المهمة وكتب الرجال وكانت سبباً مهماً في اختياري لنوع الدراسة وموضوعها فله كل الحب والاحترام والتقدير، وكذلك اقدم امتناني له لقبوله الإشراف على إعداد هذه الأطروحة وتتبعه لمراحل الكتابة فيها فضلاً عن توجيهاته القيمة والدقيقة التي كان لها الأثر في تقويم هذه الدراسة راجياً من الله أن يديم توفيقه وان يمن عليه بدوام الصحة والعافية وان نراهُ علماً من أعلام التاريخ الإسلامي وفقه الله وجزاه الله عني خير جزاء المحسنين.
ولا يسعني هنا إلا أن أقدم شكري وتقديري إلى أساتذتي الذين تتلمذت على أيديهم في مرحلة الدراسة التحضيرية للدكتوراه كلاً من الأستاذ الدكتور كريم عاتي الخزاعي والأستاذة الدكتورة هيفاء عاصم الطيار والأستاذة الدكتورة نضال حميد والأستاذ مساعد الدكتور رضا هادي عباس الأستاذ مساعد الدكتور عكرمة كامل الساعدي أطال الله بأعمارهم وجعلهم مناراً للعلم والمعرفة، ولا يفوتني أن أتقدم بالشكر لكل من ساعدني في المكتبات العامة منها المكتبة العامة في الجامعة المستنصرية والمكتبة العامة في جامعة بغداد وكذلك مكتبة قسم التاريخ في كلية التربية في الجامعة المستنصرية وكذلك أخص بالذكر مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في النجف الأشرف كما أتقدم بخالص الشكر الجزيل إلى جميع الإخوة من أصحاب المكتبات الخاصة الذين أعاروني جزءاً من كتبهم، كما لا يفوتني أن أتقد بالشكر والامتنان لكل من أبدى النصح والمشورة ولو بكلمة وفقهم الله جميعاً.
وأتقدم بالشكر الجزيل إلى أفراد اسرتي لوقوفهم معي وتحفيزهم لي وبالخصوص والدي ووالدتي فما توفيقي إلّا ببركة دعائهما راجياً من الله أن يوفقني لبرهما ورد الجميل لهما، وكذلك أخوتي وأخواتي فالشكر موصولاً إليهم، وزوجتي التي شاركتني سهري ومعاناتي وتحملها إياي وعملها على توفير سبل الراحة لي وتشجيعها الدائم والمستمر هي وأولادي، فلهم مني جميعاً فائق الاحترام والتقدير داعياً من الله أن يمكنني في رد الجميل لهم وجزاهم الله عني خير جزاء المحسنين أنه سميع مجيب.

والحمد لله رب العالمين

الباحث

المقدمة:
الحمد لله رب العالمين نحمده ونستغفره ونستعين به في كل أمورنا ولا حول ولا قوة إلّا به والصلاة والسلام على أشرف الموجودات الصادق الأمين حبيب رب العالمين وخاتم المرسلين نبينا ورسولنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
تعد الدراسات المتعلقة بالعقيدة المهدوية من الدراسات المهمة في التاريخ الإسلامي والتي لم يكن لها نصيب وافر ما قبل العام (٢٠٠٣م) في الجامعات العراقية أو في البحوث والدراسات الأكاديمية أو الدراسات العليا في أقسام التاريخ ولم يكن ما كتب بهذا الموضوع قبل هذه المدة متاحاً بصورة عامة للاطلاع عليه وخلال العقد والنصف المنصرم ما بعد العام المذكور أتيحت الفرصة للخوض في هذا الموضوع وطرحت الكثير من الكتب والدراسات في خارج الوسط الأكاديمي وداخله في داخل العراق وخارجه حيث تناولت الكثير من حيثياتها وكذلك فتح المجال للاطلاع على ما كتب في القضية المهدوية ما قبل التاريخ أعلاه وقد اطلعنا على عدد من الدراسات التي كتبت في هذا المجال في الأوساط الأكاديمية ما بين رسالة وأطروحة وأهمها اطروحة جواد علي المهدي المنتظر عند الشيعة الاثني عشرية وكانت اطروحته للدكتوراه في المانيا عام (١٩٣٩م) والتي ترجمت إلى العربية وطبعت إلى كتاب فيما بعد وبعضها دراسات معاصرة وقد اشرنا لهذه الدراسات في طيات صفحات الأطروحة وتناولت تلك الدراسات الكثير من جوانب القضية المهدوية والسفراء وزمن الغيبة الصغرى والكبرى وتتبعنا منهجية تلك الدراسات سيما المصادر الأولية التي استندت عليها، وكذلك كان لنا اطلاع على عدد من البحوث بنفس السياق واطلعنا على عدد كبير من كتب المراجع التي كتبت في خارج الأوساط الأكاديمية لباحثين كثر وخاصة في داخل الحوزات العلمية في النجف وقد تناولت الموضوع بالبحث والتحليل وتتبعنا الخطوات التي انتهجها هؤلاء الباحثون سيما الموسوعة المهدوية للسيد الشهيد الصدر الثاني التي كانت دراسة تاريخيه وافرة أكدت على تحليل الروايات والرمزيات التي فيها وبعد الاطلاع على تلك الدراسات والبحوث وكتب المصادر والمراجع وبالرغم بحثها لقضية الغيبة ووقوعها وأسبابها وحياة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الا أنها لم تركز في أهم جزئية من تلك القضية وهي إثبات الغيبة ووقوعها أو انها ليست بالأمر الطارئ على البشرية أي أنها لم تركز بصورة مباشرة على إثبات وقوع الغيبة بالثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام) بالرغم من أن بعض الباحثين تناول هكذا موضوع ضمناً داخل البحوث أو تلك الكتب وليس موضوعاً رئيساً إذ لا توجد دراسة أكاديمية مستقلة بهذا الصدد فكان هذا السبب الرئيس لاختيارنا لموضوع الدراسة في هذا الكتاب.
كان اختيارنا لموضوع البحث الموسوم (الرواية المهدوية من خلال كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة للشيخ الصدوق ت: ٣٨١هـ دراسة تحليلية مقارنة) إذ أخرج الصدوق كتابه هذا لغرض التركيز على قضية الغيبة وصاحب الغيبة ووقوعها ورفع الاستغراب عن طول الغيبة على وفق ما وقع من غيبات الأنبياء (عليهم السلام) واثبات وقوع غيبته (عجّل الله فرجه) بالروايات والأحاديث وبما نص عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما روي عن الأئمة (عليهم السلام) وما قالوا في الغيبة فضلاً عن الاستدلالات التي طرحها من سيرة الأنبياء (عليهم السلام) وكذلك ذكره لأهم علامات الظهور الحتمية وغير الحتمية وكذلك ذكر أصحابه وصفاتهم واعدادهم وصفة سلاحه وبعض الاخبار عن عصر الظهور ولم يذكر كل العلامات التي طرحت عند غيره ممن سبقه أو أتى بعده بل ركز على بعضها وفضلاً عن هذه المواضيع تتطرق في كتابه إلى سيرة الامام المهدي (عجّل الله فرجه) وأسمائه وألقابه وبعض الأخبار عن والدته السيدة نرجس (عليها السلام) وكذلك الكثير من الروايات عن إثبات الإمامة بصورة عامة وإمامة الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام) وتطرق إلى آراء الفرق في الغيبة وشبهات المخالفين لقضية الغيبة مع الرد عليها كما سيتضح ذلك من خلال فصول البحث.
فيعد الكتاب من أوائل الكتب المصنفة في تاريخ التشيع حول القضية المهدوية ومن الكتب المتقدمة وقد ألفه سنة (٣٥٤هـ/٩٦٥م) أي بعد وقوع الغيبة الكبرى بخمس وعشرين سنة فهو من أهم كتب الغيبة ويعد مصدراً مهماً نَقل رواياته أغلب من ألف في الغيبة من المتقدمين الذي أتوا بعد عصر الصدوق وعند أغلب المتأخرين، ولم يسبق الصدوق للتأليف في الغيبة سوى النعماني صاحب كتاب الغيبة وقد ألفه سنة (٣٤٢هـ/٩٥٣م) ولم يصل إلينا أي من الكتب التي اختصت بتاريخ الغيبة عن مؤرخي الشيعة بكتب مستقلة قبل هذين الكتابين، فكانت هذه أهم البواعث لاختيار هذا الكتاب بالدراسة والتحليل فضلاً عن الجوانب السابقة لأهمية الكتاب كذلك هي محاولة لإخراجه بطريقة بحث أكاديمي على وفق منهج البحث التاريخي تطرح أمام القراء بصورة مبسطة وترجمة المفردات الغريبة في أحاديثه ورواياته والتي من خلالها يمكن فهم الكثير من مواضيع الغيبة والهدف من الدراسة أيضاً هو إثارة موضوع الكتاب في الوسط الأكاديمي لأهمية موضوعه بخصوص تلك القضية التي يمكن أن نسميها تاريخ المستقبل، أضف إليها شمولية الكتاب لاحتوائه على مواضيع تاريخية متنوعة منها ما هو قبل الإسلام كتاريخ الأنبياء وتاريخ النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منها البشارات التي قالت بمجيء نبي يبعث في مكة قال تلك البشارات شخصيات كثيرة قبل أن يبعث وكذلك ذكره لولادته وتربيته وحديثه عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مكة قبل الاسلام وغيبته في الغار وبعض تاريخ البعثة وهذه كلها مستشهداً بها على الغيبة، ومن الأسباب الأخرى لاختيار الموضوع هي لم يعمد من حققوا الكتاب إلى تخريج الروايات أو تثبيت النصوص الواردة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن الأئمة (عليهم السلام) واكتفوا بالتقديم للكتاب أو تصحيحه عند نقله من نسخ المخطوطات المحفوظة للكتاب وهذا بحدود ما أطلعت عليه من أربع نسخ مطبوعة للكتاب، وقمنا بدورنا بتخريج الروايات من مصادر متقدمة عن كتاب الصدوق أو مصادر اعتمدت تلك الروايات ما بعد عصر الصدوق وكذلك تخريج آيات القرآن الكريم وإرجاعها إلى التفاسير لتوضيح مناسبة طرحها مع الروايات وترجمة غريب الألفاظ الواردة في الروايات ثم بدورنا طرحها معها ما يؤيد هذه الروايات من مصادر أخرى تعطي الدلالة عليها وتوضحها مع طرح عدة آراء فيها بسلوب تحليلي مختصر اعتماداً على روايات الكتاب موضوع البحث وكذلك على الروايات الواردة في مصادر اخرى لنفس الموضوع أو لنفس مناسبة الرواية.
أمّا منهجية دراسة الكتاب فلم نلتزم بما وضعه المصنف في تسلسلات ابواب الكتاب وانما وضعناها على وفق خطة متسلسلة بأسلوب منهج بحث تاريخي وجمعنا الروايات التي تتعلق بكل موضوع تحت عنوان موحد إذ يطرح المصنف أغلب الروايات متداخلة مع بعضها في المواضيع كأن يتحدث في باب ولادة الإمام (عجّل الله فرجه) ومعها روايات تشير لعلامات الظهور والغيبة وتجد حديثه عن الولادة يضعه في نهاية الكتاب أي تقديم وتأخير في المواضيع ليست على وفق تسلسل منهجي أو تاريخي ولعل هذا اسلوب متبع في عصر المصنف، أما في الدراسة فقد عمدنا إلى جمع كل رواية تخص أي عنوان كالأنبياء أو العلامات أو فضل الانتظار أو غيرها بمكان واحد في البحث يخص كل مفردة من هذه المواضيع وهي بالأصل ذكرت في عدة ابواب في الكتاب أي بمعنى أقرب قمنا بدمج بعض ابواب الكتاب وروايات كل موضوع مع بعضها ووضعت تحت عنوان موحد فقط أخذنا بعض العناوين العامة للكتاب والتي أصبحت عناوين مباحث الدراسة، مع الالتزام بنقل النصوص المروية في الكتاب والاختصار على بعض الروايات الطويلة التي وجد في بعضها تعرض مواضيع عدة ثم تتطرق لموضوع الغيبة لذا نختصر منها على موضع الحاجة مع الحرص والمحافظة على المعنى العام للرواية واختصرنا بعض المباحث الطويلة التي يطرحها المصنف سيما ما طرحه في مقدمة كتابه من مباحث ونقاشات وحوارات حول الغيبة اذا تناولناها بتصرف وأخذ المضمون العام لها لغرض الاختصار واكتفينا بالإشارة إليها وإعطاء الرأي فيها وذكر المصادر التي نقلتها وقد طرحت من باب الاستشهاد بها على جزئية معينة ومنها يورد قصة من الهند تعرف بقصة (بلوهر ويوذاسف) طرحها في الكتاب بما يزيد من خمسين صحفة أو مناظرة عامة بين أصحاب المذاهب والملل في دار يحيى بن خالد البرمكي بحضور الرشيد وغيرها من القصص اكتفينا بالإشارة اليها وأخذ الشاهد منها وإحالتها إلى مصادرها وكذلك هو الحال في قصص الانبياء (عليهم السلام) إذ لا يمكن التطرق إلى كل تلك القصص الواردة في الكتاب بتفاصيلها بل اخذ الفكرة العامة المطروحة للقصة والهدف من طرحها إذ أغلبها ذكرت لغرض مقارنة أوجه التشابه ما بين حال الإمام (عجّل الله فرجه) والأنبياء في الغيبة، ومقارنتها مع ما ورد في مصادر اخرى أو تعزيز حديث الصدوق عنها بما طرح في كتب التاريخ العام وقصص الأنبياء عنها وأيضاً اختصرنا قصص المعمرين التي يستشهد بها المصنف على طول عمر الامام المهدي (عجّل الله فرجه) فأخذنا بعض الشواهد منها واكتفينا بذكر أسماء هؤلاء المعمرين وكم عمروا وطرحنا بالمقابل معها ما قيل في طول العُمر وإمكانيته مع بعض الاستدلالات العقلية والشواهد الحاضرة في العصور الحديثة.
وكذلك قمنا بتخريج روايات الكتاب من مصادر متقدمة عن عصر الصدوق أو أتت بعد عصر الصدوق ومقارنة روايات الكتاب مع الروايات الواردة عن المعصومين في تلك المصادر أو طرح روايات تشابهها بالمعنى العام أو تتحدث عن نفس المضمون للرواية الواردة عند الصدوق وكذلك مقارنة رواية أحد المعصومين (عليهم السلام) مع غيره من الأئمة والتي تعطي نفس الدلالة والتي في بعضها تفسر ما قيل في الروايات الواردة في كتابنا موضوع البحث وذلك بما روي في كتب الخاصة والعامة على الرغم من أن بعض الروايات والأحاديث اختصت بنقلها كتب الشيعة حصراً ومنها بعض الأحاديث النبوية الشريفة لم تنقل في كتب الصحاح بل فقط في كتب المتقدمين من مؤرخي الشيعة، وكذلك قمنا بمناقشتها وطرح الآراء الواردة في رمزيات تلك الروايات في القضية المهدوية والغيبة من قبل المصنفين من المتقدمين والمتأخرين والترجيح بينها وإبداء الرأي وتحليلها على وفق الآراء المطروحة وإعطاء احتماليات تقريبية لبعض الحوادث التاريخية وذكر السنين الحاصلة فيها محاولة في تقريب الفكرة مع ما ورد في الكتاب من روايات ومنها الروايات التي تخص والدة الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) التي اكتنفها بعض الغموض وغيرها كما سيتضح في طيات البحث، وكذلك عمدنا على تخريج الآيات القرآنية الواردة في الكتاب وتفسيرها، وترجمة الغريب من المفردات المذكورة في الروايات من خلال الاستعانة بكتب المعاجم واللغة وأيضاً ترجمة من وردت عنهم الروايات من أصحاب الأئمة (عليهم السلام) بالاستعانة بكتب الرجال والتراجم.
أمّا مشايخ الصدوق الواردة أسماؤهم في الكتاب فأننا لم نترجم لهم بل ذكرنا أهم مشايخه فقط في التمهيد وذلك لأن الجزء الرابع من كتابه من لا يحضره الفقيه هو ترجمة لجميع مشايخه وكذلك لم نتحدث عن حياة الصدوق فقد اشرنا إليه إشارة بسيطة اذ توجد رسالة مستقلة درست حياته بتفاصيلها وكذلك درست معظم مشايخ الصدوق الموسومة بـ(الشيخ الصدوق وجهوده الحديثية كتاب من لا يحضره الفقيه أنموذجاً) اشرنا اليها في التمهيد، فضلاً عن جميع كتبه المطبوعة والتي تقدم سيرته ومشايخه في بداية كل كتاب أحلنا القارئ إليها عند حديثنا عن الصدوق وكتابه في فقرة التمهيد، وقد اعتمدنا في التمهيد فقط على ثلاثة نسخ مطبوعة للكتاب فضلاً عن نسخة من مخطوطة للكتاب وذلك بهدف الاشارة إلى بعض الملاحظات المطروحة عن الكتاب ونسخ الكتاب واقدم طبعاته أما باقي فصول الدراسة فكان اعتمادنا على النسخة التي قدم لها السيد محمد مهدي الخرسان والتي طبعت أول مرة سنة (١٩٦٩م) وأعيدت طباعتها سنة (٢٠٠٩م).
وقد انتظمت هذه الدراسة بتمهيد وخمسة فصول وخاتمة وثلاثة ملاحق وقائمة بالمصادر والمراجع وملخص للموضوع باللغة الانكليزية، وقد وضعنا في بداية كل فصل مقدمه توضيحية لموضوع الفصل أو عدد رواياته وهي كالتالي:
التمهيد: تضمن التعريف بالشيخ الصدوق وكتابه من سبب تأليفه الكتاب واسمه وأهميته واشرنا إلى نسخ الكتاب المخطوطة والمطبوعة والمعتمدة في الدراسة ثم عدد ابوابه وتقسيماته وبعدها وضحنا موارد الصدوق التي اعتمدها في تصنيف الكتاب ثم منهجية المصنف وأسلوبه المتبع في تأليف الكتاب.
الفصل الأول: وضع تحت عنوان الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) سيرته ووالدته والنص على إمامته من خلال كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة وفيه ثلاثة مباحث المبحث الأول منه عن سيرة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، منذ ولادته سنة(٢٥٥هـ) والاحتماليات الواردة في سنة الولادة وحادثة الولادة وما جرى بعدها ثم التطرق إلى اسمه وكنيته وألقابه ومن بعدها معرفة معاني أشهر أسمائه وألقابه وأوصافه الجسمانية ثم إشارة إلى والده الإمام العسكري (عليه السلام)، وأتى المبحث الثاني بعنوان والدة الإمام السيدة نرجس (عليها السلام) اذ كان مبحث تحليلي حول الملابسات التي دارت حول مسيرة شرائها وإسلامها وزواجها من الإمام العسكري (عليه السلام)، أما المبحث الثالث فكان عن موضوع الوصية والاستخلاف منذ أن خلق الله آدم (عليه السلام) حتى إمامة الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام) إذ يعد ارتباطاً واضحاً بالروايات التي أشارت إليه متصلاً غير منقطع في الأرض حتى انتهى هذا الاستخلاف إلى محمد وآل محمد (عليهم السلام) وختامه في الامام القائم (عجّل الله فرجه)، ومن بعده فقره خاصة توضح العلة التي من أجلها يحتاج إلى الإمام والنصوص الدالة على إمامة الأئمة (عليهم السلام) ثم النصوص الدالة على إمامة الإمام الحجة (عجّل الله فرجه).
الفصل الثاني: اندرج هذا الفصل من الدراسة تحت عنوان الغيبة في حياة الأنبياء والبشارة برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وغيبة الإمام الحجة (عجّل الله فرجه)، وكان الهدف من موضوع غيبات الأنبياء هو الاستشهاد بها على غيبة الإمام وأن الغيبة واقعة في الامم السابقة وحصلت لعدد من الأنبياء والأوصياء هذا في المبحث الأول، أما المبحث الثاني الإشارة إلى مفهوم غيبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والبشارة من قبل الأنبياء أو من عدد من الشخصيات المشهورة منذ زمن قبل الإسلام والكهنة وأحبار اليهود وأيضاً بهدف الاستشهاد بها على غيبة الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) والبشارة به من قبل جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآبائه الأئمة (عليهم السلام)، ومن بعده المبحث الثالث والتركيز فيه على موضوع غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وكيف يمكن الانتفاع به وهو غائب وامتلاكه للاسم الأعظم الذي كان بعض أجزائه في علم الانبياء ثم امتلاكه علم الاسم الأعظم من قبل الأئمة (عليهم السلام) حتى بُشّر به آباؤه بأنه عند القائم منهم، ثم الرد على من أنكر الامام القائم وغيبته وبعدها البشارة لمن انتظره وهذا كله كما ورد في روايات أهل البيت (عليهم السلام)، وتبعه المبحث الرابع عن أوجه التشابه الواقعة ما بين الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) والأنبياء (عليهم السلام) وإعطاء عدد من الأمثلة من المعمرين والاستدلال بهم على طول عمره الشريف.
الفصل الثالث: انتظم هذا الفصل في ثلاثة مباحث قد خصصت عما روي عن النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) في غيبة الإمام القائم (عجّل الله فرجه) وذكر أخبار من شاهده وأخبار عمه جعفر وقسم إلى أربعة مباحث فالمبحث الأول ما روي عن الخمسة أصحاب الكساء (عليهم السلام) في غيبة الإمام القائم (عجّل الله فرجه) والمبحث الثاني ما روي عن الأئمة السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام) والمبحث الثالث ما روي عن الأئمة الكاظم والرضا والجواد والهادي وروي عن أبيه الإمام العسكري (عليهم السلام) ومقارنة هذه الروايات والأحاديث أيضاً بما ورد عن الأئمة (عليهم السلام) في مصادر أخرى بنفس مضمونها عن نفس الامام الذي تنقل عنه الرواية أو عن غيره من الأئمة (عليهم السلام).
الفصل الرابع: وقسم هذا الفصل قسم إلى ثلاث مباحث تحت عنوان ذكر أخبار من شاهد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في حياة ابيه وفي غيبته واخبار عمه جعفر والتواقيع الصادرة من الامام الحجة (عجّل الله فرجه) وعلامات ظهوره القائم (عجّل الله فرجه) الحتمية وما قيل في الدجال، فالمبحث الاول منه ذكر فيه أخبار من شاهد الامام المهدي (عجّل الله فرجه) في حياة ابيه وفي غيبته وأخبار عمه جعفر، والمبحث الثاني عن التواقيع والرسائل الصادرة من الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) والمبحث الثالث ما روي عن العلامات الحتمية الخمسة لخروج القائم (عجّل الله فرجه) وما قيل في أمر الدجال وارتباط موضوعه بالإمام القائم (عجّل الله فرجه).
الفصل الخامس: وضع تحت عنوان علامات وعدد أصحاب الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وعلامات فرسه وسيفه ورايته وعلامات الظهور العامة والظواهر الطبيعية وأقوال الفرق في الغيبة وشبهات واعتراضات لبعض المخالفين والرد عليها، وهو من ثلاثة مباحث أيضاً الاول منها كان الحديث فيه عن أصحابه وعددهم وعلامات فرسه وسيفه ورايته وما قيل في العلامات العامة والظواهر الطبيعية، والمبحث الثاني عن أقوال بعض الفرق في الغيبة وبمن ساقوا الغيبة دون الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) مع الرد عليها، والمبحث الثالث عن الشبهات والاعتراضات التي طرحها بعض المخالفين لقضية الغيبة بصورة عامة والرد عليها وهي أغلبها ردود خاصة من المصنف أو بما نقله عن بعض المناظرات الحاصلة حول الغيبة وما طرح فيها من اراء وقد وضع فيها الباحث الكثير من الآراء والتحليلات مع وضع بعض ما ورد من اراء وردود على مثل هكذا إشكالات من قبل بعض علماء الشيعة وكذلك تعزيز هذه الردود ببعض ما ورد عن الأئمة (عليهم السلام) من روايات تدل على الغيبة وصاحبها.
عرض وتحليل لأهم المصادر والمراجع:
وقد اعتمدت هذه الدراسة على عدد من المصادر والمراجع والتي أسهمت في إظهار هذه الدراسة بتلك الصورة في المقارنة والتحليل وكذلك اسناداً وتفسيراً لروايات الكتاب موضوع البحث وهي كثيرة وقد قدمنا عرضنا موجزاً لهذه المصادر والمراجع دون تحليلها لكن سنقف هنا على أهم تلك المصادر والمراجع الرئيسة التي كان لها حضور كبير في أغلب فصول البحث ونشير إليها بوجه عام وهي:
 كتب التراث الشيعي التي نقلت أحاديث محمد وآل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتاريخهم والنص على إمامتهم وما روي عنهم حول الغيبة والتي أغلبها رافق جميع فصول البحث، أولها كتاب سليم بن قيس الهلالي(ت ٧٦هـ/٦٩٥م) من أقدم المصادر استعمالاً في البحث اذ يعد أقدم كتاب في التراث الشيعي والذي نقل فيه عدد كبير من أحاديث المعصومين (عليهم السلام) من القرن الهجري الأول، وكتاب بصائر الدرجات للصفار (ت ٢٩٠هـ/٩٠٢م) من أهم الكتب التي استخدمناها بالمقارنة وتعزيز الروايات الواردة عن المعصومين (عليه السلام) سيما في الفصل الثالث، وكتاب الإمامة والتبصرة للقمي (ت ٣٢٩هـ/٩٤٠م) والد الصدوق من أهم الكتب التي رافقت الدراسة في أغلب فصولها اذ نقل الصدوق عن والده الكثير من الروايات في أغلب ابواب الكتاب فهو أستاذه الاول وكان للكتاب حضور في جميع الفصول الثلاثة الاولى من البحث بما نقل عنه من روايات للمعصومين (عليهم السلام)، والجزء الاول من كتاب الكافي للكليني (ت ٣٢٩هـ/٩٤٠م) افدنا منه في جميع فصول البحث اذ وضع المصنف أربعة أبواب تخص تاريخ الإمام وولاته والنص عليه وبابين في الغيبة فضلاً عن باقي الاجزاء، ويأتي بعدها كتاب الهداية للخصيبي (ت٣٣٤هـ/٩٤٥م) وكتابي اثبات الوصية والتنبيه والاشراف للمسعودي(ت ٣٤٦هـ/٩٥٦م) سيما في الفصل الثاني من البحث في مبحث الإمامة ثم يأتي بعدها كتاب الغيبة للنعماني (ت ٣٦٠هـ/٩٧٠م) الذي رافق الاطروحة في جميع فصولها بالمقارنة مع أحاديث الغيبة للكتاب موضوع البحث وخاصة الفصل الثالث من البحث وكتاب تحف العقول للحراني (من اعلام القرن الرابع)، وبعده مصنفات الشيخ المفيد (ت ٤١٣هـ/١٠٢٢م) الارشاد والاختصاص والمسائل العشرة والأمالي أفادت البحث في جميع فصوله، كتاب دلائل الامامة للطبري (من اعلام القرن الرابع الهجري) والذي أفدنا منه في أغلب فصول البحث في الفصلين الاول والثالث، ومن بعده كتاب الغيبة للطوسي (ت ٤٦٠هـ/١٠٦٧) والذي لا يقل أهمية عن الكتاب موضوع البحث فكان حاضراً في الفصول الأربعة الاولى من البحث، ومن بعده كتاب سيرة المعصومين للطبرسي (ت٥٤٨هـ/١١٥٣م) الذي جمع سيرة الأئمة (عليهم السلام) وأحاديثهم وكان أكثر تواجداً في الفصل الثالث من البحث، يأتي من بعده كتاب الخرائج والجرائح للراوندي (ت٥٧٣هـ/١١٧٨م) اذ ورد ذكر الروايات المنقولة فيه في الفصول الثلاثة الاولى للبحث وكان في رواياته متقارباً بنسبة كبيرة مع الروايات الواردة في الكتاب موضوع البحث فأغلبها أخذها الراوندي نقلاً عن الصدوق، وايضاً كتاب المازندراني ابن شهر آشوب (ت ٥٨٨هـ/١١٩٢م) مناقب آل أبي طالب، وكتاب بشارة المصطفى للطبري (من اعلام القرن السادس) وكتاب كشف الغمة للاربلي (ت ٦٩٣هـ/١٢٩٣م) والذي أفدنا منه كثيراً خاصة في الفصلين الثاني والثالث، هذا فضلاً عن المصادر الاخرى وكتب الشيخ الصدوق مصنف الكتاب موضوع البحث منها كتاب من لا يحضره الفقيه وكتاب الأمالي وعيون أخبار الرضا (عليه السلام) والخصال ومعاني الاخبار وعلل الشرائع وثواب الاعمال والاعتقادات والتوحيد وكتاب الهداية وكتاب صفات الشيعة، أما كتب التراث الشيعي العامة لمصنفين متأخرين منها كتاب اثبات الهداة للعاملي (ت١١٠٤هـ/١٦٩٢م) وكتاب حلية الابرار وكتاب غاية المرام للبحراني (ت ١١٠٩هـ/١٦٩٧م) وأكثرها ذكراً كتاب بحار الأنوار للعلامة المجلسي (ت ١١١١هـ/١٦٩٩م).
كتب الصحاح والسنن للمقارنة مع ما ورد فيها من أحاديث نبوية تتعلق بأبواب الفتن والملاحم منها كتاب صحيح البخاري (ت ٢٥٦هـ/٨٦٩م) وصحيح مسلم (ت ٢٦١ه /٨٧٤م) وسنن أبي داود (ت ٢٧٥هـ/٨٨٩م) وسنن الترمذي للترمذي(ت ٢٧٩هـ/ ٨٩٢م) وغيرها، وكتب السيرة النبوية والتاريخ العام والتي اقتضت الضرورة لاستخدامها لترجمة بعض الأحداث التاريخية والسيرة النبوية هي كتاب سيرة النبي لابن هشام (ت ١٨٣هـ/٧٩٩م)، وتاريخ اليعقوبي لليعقوبي (ت ٢٩٢هـ/٩٠٤م)، وتاريخ الرسل والملوك للطبري (ت٣١٠هـ/٩٢٢م) وكذلك الكامل في التاريخ لابن الأثير (ت٦٣٠هـ/١٢٣٢م) والبداية والنهاية لابن كثير (ت٧٧٤هـ/١٣٧٢م) وغيرها من المصادر.
وأشهر الكتب التي الفت في قضية الإمام المهدي من كتب اهل السنة والتي استخدمنا بعضها في البحث منها كتاب الفتن لابن حماد المروزي (ت ٢٢٨هـ/ ٨٤٢م) وكتاب عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر للسلمي (٦٨٥هـ/١٢٨٦م) العرف الوردي في أخبار المهدي للسيوطي (ت ٩١١هـ/١٥٠٥م) كتاب القول المختصر في علامات المهدي المنتظر للهيتمي (ت ٩٧٤هـ/١٥٦٦م) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان للمتقي الهندي(ت ٩٧٥هـ/١٥٦٧م) وغيرها من الكتب التي ذكرت أخبار الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ضمناً منها كتاب الفصول المهمة لابن الصباغ (ت ٨٥٥هـ/١٤٥١م) والذي افرد باباً خاصاً في كتابه عن الإمام المهدي وكذلك كتاب الحاوي للسيوطي، وهي من مصادر أهل السنة والتي استخدمنا رواياتها في المقارنة بما ورد في المصادر الشيعية وكذلك اشرنا إلى ما يتطابق معها من أخبار وأحياناً اعتمدنا على بعض الروايات الواردة فيها لطرح بعض الاحتمالات حول القضية المهدوية اذا ما كانت فيها أخبار قريبة عما ذكر في التراث الشيعي بهدف المقارنة مع روايات الامامية عن الغيبة وتعزيزاً لها ومحاولة فهم مدى التقارب ما بين الجانبين في تلك القضية.
كتب تفسير القرآن الكريم فأخذنا منها هذا الجانب لتفسير ما وردمن آيات مباركة الواردة في الكتاب وفيما يتعلق بالموضوع وما ورد في تفسيرها بما يتعلق بالعقيدة المهدوية واستخدمنا في جميع الفصول عدداً من الكتب أهما تفسير العياشي للعياشي (ت ٣٢٠هـ/٩٣٢م)، وتفسير القمي للقمي (من أعلام القرنين ٣ و٤ ه)، وتفسير مجمع البيان للطبرسي (ت ٥٤٨هـ/١١٥٣م)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (ت٧٧٤هـ/١٣٧٢م) ومن المتأخرين تفسير البرهان للبحراني (ت: ١١٠٩هـ/ ١٦٩٧م).
وأهم الكتب التي كان لها أثر في إثبات الروايات الواردة عن قصص الانبياء وغيباتهم في الفصل الاول من البحث، كتاب قصص الانبياء للثعلبي (ت ٤٢٧هـ/١٠٥٣م) وكتاب قصص الأنبياء للراوندي (ت ٥٧٣هـ/١١٧٨م) وكتاب صحيح قصص الانبياء لابن كثير (ت ٧٧٤هـ/١٣٧٢م) فضلاً عن كتب التاريخ العام التي تناولت في أجزائها الاولى قصص الأنبياء، ومن المتأخرين قصص الأنبياء للمجلسي (ت ١١١١هـ/١٦٩٩م) وكتاب النور المبين للجزائري (ت١١١٢هـ/١٧٠٠م).
كتب الملل والفرق تواجد في البحث وخاصة في الفصل الخامس إذ كان أكثر كتابين استعمالاً هما كتاب فرق الشيعة للنوبختي(من اعلام القن الثالث الهجري) وكتاب الملل والنحل وللشهرستاني (ت ٥٤٨/١١٥٣).
وكان لكتب التراجم وكتب الرجال في مراجعة سيرة وترجمة العديد من الشخصيات الواردة في البحث حضور كبير في أغلب فصول البحث ومنها كتاب رجال الكشي للكشي (من اعلام القرن الرابع الهجري) رجال النجاشي للنجاشي (ت ٤٥٠هـ/١٠٥٧م) وكتاب رجال الطوسي للطوسي (ت ٤٦٠هـ/١٠٦٧م) وكتاب رجال ابن داوود الحلي توفي بعد سنة (٧٠٧هـ/١٣٠٧م)، وكتاب ترتيب خلاصة الأقوال للحلي (ت ٧٢٦هـ/١٣٢٥م) ومن أهم كتاب الرجال واكثرها استخداماً من المتأخرين كتاب معجم رجال الحديث وطبقاتهم للخوئي وغيرها من كتب الرجال وبالرغم من أهميتها وسعتها الا أنها افتقرت على ترجمة الكثير من الشخصيات والتي لم نتمكن من الترجمة لها أو انهم ورد ذكرهم بالاسم فقط دون التعريف بهم، هذا فضلاً عن كتب التراجم العامة منها كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان (ت ٦٨١هـ/١٢٨٢م) وسير اعلام النبلاء للذهبي (ت ٧٤٨هـ/١٣٤٧م) ومن المتأخرين كتاب الأعلام للزركلي.
وكان لكتب الأنساب حضور في طيات البحث نذكر منها كتاب سر السلسلة العلوية لابي نصر البخاري (من أعلام القرن الرابع الهجري)، وكتاب جمهرة أنساب العرب لابن حزم (ت ٤٥٦هـ/١٠٦٣) والأنساب للسمعاني (ت ٥٦٢هـ/١١٦٦م) وكتاب الشجرة المباركة في أنساب الطالبية للفخر الرازي (ت ٦٠٦هـ/١٢٠٩م) واللباب في تهذيب الأنساب لابن الاثير(ت٦٣٠هـ/١٢٣٢م)، ونهاية الارب في معرفة انساب العرب للقلقشندي (ت ٨٢١هـ/١٤١٨م)، وكتاب عمدة الطالب لابن عنبة (ت ٨٢٨هـ/١٤٢٤م).
ومن المصادر التي اعتمدناها في ترجمة المفردات غير المفهومة أو الغريبة التي وردت ضمن روايات الكتاب موضوع البحث، وهي كتب المعاجم اللغوية منها كتاب العين للفراهيدي (ت ١٧٠هـ/٧٨٦م) ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس (ت ٣٩٥هـ/١٠٠٤م)، وكتاب المخصص لابن سيدة (ت ٤٥٨هـ/١١٥٣م) وكتاب مختار الصحاح للرازي (ت ٦٦٦هـ/١٢٦٧م) وأكثرها استخداماً كتاب لسان العرب لابن منظور (ت ٧١١هـ/١٣١١م) والذي تجده حاضراً في جميع الفصول لشمولية الكتاب وسعته واحتوائه على كم هائل من التوضيحات اللغوية ومعاني المفردات، وكتاب المصباح المنير للمقرئ (ت ٧٧٠هـ/١٣٦٨)، والقاموس المحيط للفيروز آبادي (ت ٨١٧هـ/١٤١٤م).
أضف إلى ذلك أهم كتاب في مجال الجغرافية والبلدانيات معجم البلدان الحموي (ت ٦٢٦هـ/١٢٢٨م) والذي أسعفنا كثيراً في تحديد وترجمة الكثير من المواقع والمدن وكان أكثر اعتمادنا عليه في هذا الجانب.
أما كتب المراجع الحديثة فهي عشرات الكتب والموسوعات لكن نشير إلى أهم تلك المراجع والتي أصبحت دليلاً مهماً إلى روايات الأطروحة وكانت العون الاكبر في الرجوع إلى مصادر الروايات الاصلية وعلى وجه العموم نذكر بعض منها، كتاب أعيان الشيعة للسيد محسن الامين، وكتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة لاقا بزرك الطهراني، وكتاب جامع أحاديث الشيعة للبروجردي، وكتاب بشارة الاسلام في علامات المهدي (عجّل الله فرجه) للكاظمي، وكتاب الزام الناصب في اثبات الحجة الغائب للحائري، وكتاب بحث حول المهدي للسيد محمد باقر الصدر وموسوعة الامام المهدي بأجزائها الاربعة للسيد محمد الصدر، أما أهم مرجع استخدم في الاطروحة فكان له الفضل الاكبر في تخريج روايات البحث من مصادرها الاصلية هو معجم أحاديث الامام المهدي (عجّل الله فرجه) المؤلف في مؤسسة المعارف بأجزائه الثمانية.
وعلى العموم أن المصادر والمراجع المذكورة أفادت البحث في تخريج الروايات وتحليلها والمقارنة معها وتفكيك العبارات والأحاديث المبهمة في الروايات الواردة في كتاب الصدوق وشرح بعض الأخبار الواردة فيه من الأخبار الواردة في تلك الكتب، وهذه الكتب المذكورة هنا ما هي إلا مجموعة قليلة من عشرات أخرى من الكتب المثبتة في قائمة المصادر والتي لا تقل أهمية عنها من حيث المعلومات والتي لا يسع المقام إلى ذكرها هنا جميعها.
واهم المشاكل التي واجهت الباحث هو عدم الحصول على معلومات تخص تاريخ ولادة المصنف بالدقة كونه ولد في زمن الغيبة الصغرى وكذلك هو عدم العثور على تراجم مكتملة لبعض الشخصيات سيما أصحاب الأئمة (عليهم السلام) أو افتقار بعض التراجم إلى سني الوفاة والولادة سيما في كتب الرجال ووجدنا أن بعض كتب الرجال تعتمد في ذكر تراجمهم على ما ذكره الصدوق في كتاب إكمال الدين والتي تقتصر على أسمائهم وألقابهم فقط وانه من أصحاب احد الأئمة، وكذلك هو عدم الحصول على بعض المصادر التي أشير لها في كتب المتقدمين واعتمادهم عليها في تخريج رواياتهم اذ عند البحث عنها تبين انها مصادر مفقودة، وكذلك بعض الروايات التي انفرد بذكرها الصدوق في كتابه ونقلها عنه بعض المتأخرين كذلك لم نتمكن من تخريجها عن غيره ممن سبقوه من المؤرخين، وأود أن أشير إلى أن فصول الاطروحة لم تكن منتظمة من حيث عدد الصفحات وذلك بحسب طبيعة المادة في مواضيع أبواب الكتاب وكما أشرنا لها بأنه تم جمع كل موضوع بما يناسب مع عنوانه مما اضطرنا إلى دمج عدد من الأبواب في كل فصل من فصول البحث فخرج هذا الفصل أو ذاك اكثر في صفحاته بحسب كثرة أو قلة الروايات الواردة في أي موضوع في أبواب الكتاب، وكذلك وضعت الفصول تحت عناوين طويلة وذلك بسبب كثرة المفردات الواردة في عناوين وأبواب مواضيع الكتاب والتي لا يمكن تجاهلها فخرجت العناوين بتلك الصورة.
وبهذا حاولنا إخراج البحث بصورة قد تقرب الكتاب وأهمية موضوعه إلى الوسط الأكاديمي وذلك لما للقضية المهدوية من أهمية كبيرة في تاريخنا الإسلامي نرجو ان تكون باب أمام فتح مواضيع كهذا بما يخص المصادر التي تخص القضية المهدوية بالدراسة والتحليل حيث يرتبط هذا الموضوع بجزء كبير من روايات أهل البيت (عليهم السلام) والتي ترتبط بالتراث الإسلامي والشيعي على وجه الخصوص ما بين الماضي والحاضر.
ونرجو أن نكون قد وفقنا في إخراج البحث بما يليق باسم الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) بحدود الروايات الواردة في الكتاب موضوع الدراسة ومع الاعتذار نقول إنه لا يمكن أن يخلو أي عمل أو بحث من هفوة أو خطأ غير مقصود في طياته هنا أو هناك فكل ابن آدم خطاء قد تصيبه غفلة أو سهو أو نسيان الا المعصومين (عليهم السلام) سيما أن موضوع البحث في القضية المهدوية لا يمكن أن يحده بحث أو اطروحة أو رسالة فهو موضوع ممتد في رواياته ومواضيعه وفي الختام نشكر رئيس وأعضاء لجنة المناقشة متفضلين بتجشمهم عناء قراءة الأطروحة وتصويبها وكذلك تجشمهم عناء الحضور لمناقشتها فلهم مني وافر الاحترام والثناء والتقدير، ونسأل الله الحكيم العليم أن يلهمنا وإياهم الحلم والعلم والحكمة ببركة محمد وآل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبمنه وفضله انه عليٌ قدير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الباحث

التمهيد: الشيخ الصدوق منهجه وموارده في كتابه إكمال الدين وإتمام النعمة

أولاً: الشيخ الصدوق:
هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابوية القمّي(١) نسبة إلى مدينة قم(٢)، ويعرف بالصدوق(٣)، من أشهر علماء الشيعة في القرن الرابع الهجري ويعرف أيضاً بشيخ المحدثين والشيخ الأقدم، يذكر انه ولد ببركة دعاء الإمام الحجة (عجّل الله فرجه)، وذلك أن والده أبو الحسن القمي(٤)، شيخ القميين قدم إلى العراق واجتمع مع أبي القاسم الحسين بن روح(٥) (رضي الله عنه) وسأله عدة مسائل ثم كاتبه بعد ذلك وطلب منه أن يوصل له رقعه إلى صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) ويسأله فيها أن يرزق بولد فورد عليه الجواب من الإمام الحجة (عجّل الله فرجه): (قد دعونا الله لك بذلك وسترزق ولدين ذكرين خيرين) فكان احدهما أبو جعفر، وكان يقول الشيخ الصدوق نفسه (أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر (عليه السلام)) ويفتخر بذلك(٦)، ولم تذكر المصادر التاريخية سنة ولادته بالتحديد مجرد احتماليات بانه ولد سنة(٣٠٦هـ/٩١٨م) لكن يمكن القول من خلال ما أشارت إليه المصادر انه ولد بعد مكاتبة والده للسفير الثالث في اول سفارته، الذي شرع بالنيابة الخ ع الإمام (عجّل الله فرجه) سنة (٣٠٥هـ/ ٩١٧ م)، وانه دعا له بعد ثلاثة أيام من المكاتبة وكان ذلك في اول سنة من سفارة ابي القاسم(٧) من خلال الروايات لو أعطينا سقفاً زمنياً للحمل والولادة يمكن القول انه ولد بحدود سنة (٣٠٦هـ/ ٩١٨م).
نشأ الشيخ الصدوق تحت رعاية أبيه الذي يعد من علماء عصره واتقياهم أي انه تربى في أوساط العلم من اسرة بابويه المعروفة في قم بعلمائها وإنجابها للمفكرين الأفذاذ، وكانت له الكثير من الرحلات العلمية شرع فيها بين الدراسة والتدريس ومنها زيارته إلى بغداد سنة (٣٥٥هـ/ ٩٦٥م) وقد سمع منه شيوخ الطائفة، وعرف عنه انه حافظ للحديث جليل القدر لم يكن من القميين أحد مثله في حفظه وكثرة علمه وأطلق عليه الكثير من الألقاب لعلمه ومعرفته أشهرها الصدوق ولقب برئيس المحدثين والإمام الصدوق والحافظ الصدوق والشيخ الإمام وبالثقة الصدوق(٨)، عاش الشيخ الصدوق حياته كلها في طيات العلم والتأليف، يذكر أنه له أكثر من مئتي مصنف وقيل ثلاثمائة في مختلف المجالات وقد تتلمذ على يديه كبار علماء الأمامية وشهد له العامة والخاصة توفي رحمه الله سنة(٣٨١هـ/٩٩١م)(٩).
ثانياً: التعريف بكتاب إكمال الدين وإتمام النعمة:
١ - سبب تأليف الكتاب:
ذكر الشيخ الصدوق رحمه الله ما هي الدوافع وراء تأليفه لهذا الكتاب وقد أشار إليها في بداية كتابه، إذ قال: (إن الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا: (أني لما قضيت وطري من زيارة عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) رجعت إلى نيسابور(١٠)، وأقمت بها فوجدت أكثر المختلفين إلي من الشيعة قد حيرتهم الغَيبة ودخلت عليهم في أمر القائم (عجّل الله فرجه) الشبهة وعدلوا عن طريق التسليم إلى الآراء والقياس فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحق وردهم إلى الصواب بالأخبار الواردة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام))(١١).
بعدها يذكر الشيخ الصدوق انه التقى بأحد المشايخ يدعى نجم الدين أبو سعيد(١٢)، من المعروفين بالعلم والمعرفة والذي بدوره نقل كلام احد الفلاسفة والمنطقيين في قضية الإمام القائم (عجّل الله فرجه) وغيبته وقد حيره وشككه في أمر طول الغيبة وانقطاع أخباره فيقول الشيخ الصدوق فذكرت له الكثير من الأخبار الواردة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) عن غيبته حينها زال الشك عن قلب هذا العالم وسكنت نفسه وبعد حديث طلب مني أن أصنف كتاباً في هذا المعنى فوعدته في ذلك(١٣).
بعد ذلك يتطرق الشيخ إلى أنه شاهد رؤيا في المنام وهو في مدينة قم فكانت هي الدافع الأساس في تأليف الكتاب يرويها ويقول: (ذات ليلة غلبني النوم فرأيت كأني بمكة أطوف حول بيت الله الحرام فأرى مولانا القائم صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) واقفاً بباب الكعبة فأدنو منه على شغل قلب وتقسم فكر، فعلم (عليه السلام) ما في نفسي بتفرسه في وجهي فسلمت عليه فرد علي السلام، ثم قال لي: (لم لا تصنف كتاباً في الغيبة حتى تكفي ما قد همك؟ فقلت له يا بن رسول الله قد صنفت في الغيبة أشياء، فقال (عجّل الله فرجه): ليس على ذلك السبيل آمرك أن تصنف الآن كتاباً في الغيبة واذكر فيه غيبات الأنبياء (عليهم السلام))، يقول الشيخ بعدها فانتبهت فزعاً وقت الفجر وشرعت بالدعاء والبكاء فلما أصبحت شرعت بتأليف هذا الكتاب(١٤).
وهنا يمكن القول أنه لا مانع من أن تكون الرؤيا هي الدافع المعنوي له الذي دفعه إلى تأليف هذا الكتاب ومن المحتمل أنه التقى بالإمام الحجة (عجّل الله فرجه) عيناً وشاهده والتقى به وأمره بتأليف الكتاب ولا مانع في ذلك كونه من الممكن أن يلتقي بالعديد من خواص شيعته(١٥)، فضلاً عن الأسباب السابقة وحيرة الشيعة في أمر الغيبة وكذلك لقائه بالشيخ نجم الدين والذي شاهد أسلوب الشيخ الصدوق بطرحه ردوداً حول الغيبة من حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمعصومين (عليهم السلام) طلب منه أن يصنف كتاباً بهذا المعنى ويمكن أن نعد هذه الأسباب مجتمعة أن تكون سبباً في تأليف الكتاب وأضف عليها اهتمام الصدوق بقضية الغيبة كونه من مشايخ الشيعة وعلمائها لعله وجد من الواجب عليه أن يجيب على التساؤلات المطروحة فيها ودفع الشكوك في هذا الأمر وخاصة عند الشيعة.
٢ - اسم الكتاب:
يسمى الكتاب باسم (إكمال الدين وإتمام النعمة) وهذا الاسم هو ما وجد على أوجه المخطوطات التي حقق عليها الكتاب واستخدمها الباحثون كمصدر لهم بهذا الاسم فقط(١٦)، وقد يقال له كمال الدين وتمام النعمة والاسم بصورة عامة مأخوذ من الآية الشريفة، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة: ٣)(١٧)، وذلك لشأن نزولها حيث أنها نزلت يوم الغدير وذلك على إجماع الخاصة والعامة، وأن إكمال الدين وإتمام النعمة كان بتعيين منصب الإمامة التي تلي منصب النبوة مقاماً(١٨)، وصاحبها قائم مقام النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وله عليهـم الولاية العامة وكل خطة دينية ودنيوية ومتفرعة منه لذا جاءت التسمية مناسبة لتوضيح الموضوع إجمالاً(١٩)، حتى يذكر أن من ضمن ما قاله النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند نزول هذه الآية قال: (الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي)(٢٠).
عن اسم الكتاب وفي نسخة المخطوط التي اطلع عليها الباحث يسمي الكتاب في بداية الجز الثاني منه (السر المكتوم إلى الوقت المعلوم) ولعله تعبير عام أو إشارة إلى موضوع اسرار الغيبة المعد لها إلى وقت الظهور(٢١)، ووجدنا إشارة إلى نفس هذه التسمية في كتب أخرى للمصنف يحيل فيها القارئ إلى هذا الكتاب تحت هذا العنوان(٢٢)، وفي النسخة المطبوعة المعتمدة في الدراسة يضع المصحح عنوان الكتاب (إكمال الدين وإتمام النعمة في إثبات الغيبة وكشف الحيرة) ولم يوضح مصحح الكتاب إلى أي نسخة مخطوط اعتمد على هذه التسمية(٢٣).
وبهذا يتضح سبب التسمية واختيار الاسم موافقاً للنص القرآني والحديث النبوي الشريف، وذكر اسم الكتاب على بعض النسخ المحققة تحت عنوان (إكمال الدين وإتمام النعمة في إثبات الغيبة وكشف الحيرة) كون المصنف يذكر العبارة في داخل مواضيع الكتاب وكما أورده في كتب اخرى له لذا يعد هذا اسم الكتاب كاملاً، وقد اكتفينا بوضع العنوان بـ(إكمال الدين وإتمام النعمة) للاختصار وكما هو مشهور وما عرف به الكتاب.
٣ - أهمية الكتاب:
تكمن أهمية الكتاب كونه يبحث عن آخر أئمة المسلمين وخلفاء الله في العالمين ومن وعد الله المسلمين بظهور الحق على يده بعد انطماسه وتجديد الإسلام بعد اندراسه كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْـرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣)(٢٤)، فهو يبحث عن حقيقة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وغيبته وإثباتها بالحجة والدليل وحقيقة الاعتقاد به كما يعتقد البعض أنها عقيدة شيعية بحته بل هي عقيدة إسلامية حيث أن الاعتقاد بها يلي الاعتقاد بالنبوة من خلال ما طرحه مصنف الكتاب من استدلالات تثبت الغيبة ووقوعها وهي ليس بالأمر الغريب بل وقعت لعدد من الأنبياء (عليهم السلام)(٢٥).
 وتتركز أهمية الكتاب أيضاً من خلال ما استشهد به من روايات أهل البيت (عليهم السلام) وما كان لموضوع الكتاب الذي ناقش فيه قضية الغيبة وأجاب عما طرح من تساؤلات حولها ورد الشبهات عنها وأوضح ما التبس على الناس فيها كونها من القضايا التي أخذت صدى واسعاً في تاريخنا وعقيدتنا الإسلامية وقضية غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) على وجه التحديد وهذا ما سنحاول أن ناقشه في فصول البحث.
٤ - نسخ الكتاب المخطوطة وأقدم طبعاته:
من خلال ما اطلعنا عليه من عدة طبعات محققه للكتاب لكبار محققي الشيعة المعتبرين أشاروا إلى عدة مخطوطات فضلاً عن النسخة التي اطلعنا عليها وهي:
أ - اعتمد احد الباحثين على عدة نسخ مخطوطه قابلها مع بعضها في عمله بتصحيح ومراجعة نصوص كتاب إكمال الدين(٢٦) وهي:
· - نسخة من (٦٨٧ورقه) وبجزأين في مجلد واحد تم إكمال نسخها بتاريخ (١٤/ صفر/ ٩٦٠هـ/ ١٥٥٢م) ناسخها يدعى ابراهيم بن محمد الحسيني، تعود للمكتبة العامة لشهاب الدين النجفي المرعشي.
· - نسخة من (٥٣٢ ورقه) بجزأين تم نسخ الجزء الأول منها بتاريخ (شهر رجب / ١٠٥٤هـ/١٦٤٤م) والجزء الثاني نسخ في(١٨/رمضان) كاتبها محمد بن كاظم بن محمد بن معصوم أنجو الحسني الحسيني وهي تعود لخزانة مكتبة باقر تقي الألمعي.
· - نسخة غير مكتملة صفحات الجزء الأول منها وهي من(٢٦٥ ورقه) نسخت بتاريخ (جماد الآخر / ١٠٧٨هـ/١٦٦٧م) اسم ناسخها فضل الله بن حسين النائيني، تعود للمكتبة العامة لشهاب الدين النجفي المرعشي.
· - نسخه من (٤٥١ ورقه) بجزأين فرغ من نسخ الجزء الاول بتاريخ (رمضان /١٠٧٩هـ/١٦٦٨م) ونسخ الجزء الثاني بتاريخ (٩ / رجب / ١٠٨١هـ/١٦٧٠م) نسخت بخط يد شخص يدعى أبو طالب محمد بن هاشم بن عبد الله الحسيني الفتال، تعود للمكتبة العامة لشهاب الدين النجفي المرعشي.
· - نسخة من (٥٠٠ ورقه) بمجلد احد ناسخها ابن صفي الدين محمد احمد القمي فرغ من نسخها سنة (١٤ / محرم /١٠٩٠هـ/١٦٧٩م)، تعود لمكتبة حسن المصطفوي التبريزي.
· - نسخة من (٧١٦ ورقه) تعود لمكتبة عبد الرحيم الشيرازي لم يذكر تاريخ نسخها أو اسم الناسخ.
· - نسخة من(٢٦٦ورقه) تعود لمكتبة عبد الرحيم الشيرازي لم يذكر تاريخ نسخها أو اسم الناسخ.
ب - أطلع الباحث هنا في الاطروحة على نسخة مكونة من (٤٢٦ ورقه) بجزأين في مجلد واحد نسخت على يد محمد بن يوسف السروي نسخت سنة (١٠٣٧هـ/١٦٢٧م) تعود لمكتبة السيد الكلبيكاني رجع إليها في مطابقة بعض النصوص مع نسخة الكتاب المطبوعة المعتمدة في الدراسة حيث لا تختلف عنها في شيء أي تتطابق معها(٢٧)، ونسخة اخرى مخطوطة نسخت بيد أبي القاسم القارئ انتهى من نسخها بتاريخ (شهر ربيع الأول ١٢٧٩هـ/١٨٦٢م) اعتمدها أحد الباحثين وهي نسخة خاصة به(٢٨).
ج - أما النسخ المعتمدة في الدراسة هنا هي ثلاث نسخ إضافة إلى نسخة المخطوط اشرنا لها جميعها هنا في التمهيد اما النسختان الاولى والثانية أخذنا منها بعض الملاحظات حول الكتاب والمؤلف(٢٩)، أما النسخة المعتمدة في الدراسة وفي فصول البحث والتي طبعت سنة (٢٠٠٩م) وكانت لحين وقت ابتداء هذه الدراسة تعد هي أحدث النسخ المطبوعة التي قد تحصل عليها الباحث وكانت الطبعة الأولى لنسخة الكتاب التي قدم لها محمد مهدي الخرسان في المطبعة الحيدرية ذيّل مقدمته بتاريخ (١٣٨٩هـ) أي قبل ما يقارب الخمسون سنة ويمكن عدها من الطبعات القديمة للكتاب، وقد طبعت عليها النسخة الحديثة المستخدمة في الدراسة هنا في بيروت (٢٠٠٩م) والواضح إن هذه النسخة وضعت لها نفس مقدمة الطبعة القديمة التي ذيل لها المصحح سنة (١٣٨٩هـ/ ١٩٦٩م)(٣٠).
د - في النسخة المعتمدة في الدراسة لم يشر مصحح الكتاب على انه اعتمد على نسخة مخطوط والظاهر انه اعتمد على طبعات قديمة للكتاب فقط أشار إلى هذه الطبعات على حد قوله إن الكتاب طبع عدة مرات في إيران إلا أن أقدم طبعاته هي سنة (١٣٠١هـ/ ١٨٨٣م) وسنة (١٣١٨م/١٩٠١م)، وطبع في بيروت سنة (١٣٧٤هـ/١٩٥٤م) ولم يكمل، وطبع في إيران سنة(١٣٧٤هـ/ ١٩٥٤م)(٣١).
٥ - أبواب الكتاب وتقسيماته:
أشار مصنف الكتاب إلى ما ورد من مواضيع في كتابه بصورة مختصره موضحاً الخطوط العامة إلى تقسيماته إذ قال: (وقد ذكرنا الأنبياء والحجج (عليهم السلام)) الذين وقعت بهم الغيبة وذكرنا في آخر الكتاب المعمرين ليخرج بذلك ما نقوله في طول الغيبة وطول العمر من حد الإحالة إلى حد الجواز ثم صححنا النصوص على القائم الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام) من الله تعالى ومن الأئمة الأحد عشر (عليهم السلام) مع إخبارهم بوقوع الغيبة ثم ذكرنا مولده)(٣٢).
ويعد كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة كتاباً استدلالياً حول قضية غيبة الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) مثبتاً لها بالحجج والبراهين المصحوبة بالأمثلة والشواهد مع ما روي من أحاديث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) لذا جاءت تقسيمات الكتاب من مقدمة وست وستين باباً وعلى النحو التالي:
وضع مصنف الكتاب مقدمة طويلة بدأها بالحمد والثناء لله (عزَّ وجلَّ) يتطرق بعدها إلى الدافع الأساس وراء تأليف هذا الكتاب وبعدها عرض في مقدمته بحث استدلالي ضمن الحديث فيها عن مواضيع مختلفة وضح فيها مبدأ الاستخلاف قسم منها يحاول الاستشهاد بها عن قضية الغيبة وإثباتها والحكمة منه واثبات إمامة الإمام الثاني عشر ووجوب وجود خليفة لله في أرضه وأن طاعة الإمام واجبة بما أوصى به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مستشهداً بذلك ببعض النصوص القرآنية(٣٣)، وأشار في المقدمة إلى بعض أراء الفرق وإشكالاتهم والرد عليها ودحض الادعاءات التي قالوا بها وناظر المصنف العديد من أصحاب الفرق ودفع شبهات المخالفين لقضية الإمامة والغيبة(٣٤)، وفيهـا مناظرة طويلة وقعت له مع احد الملحدين حول قضية الإمامة والغيبة(٣٥).
أما أبواب الكتاب فكانت من الباب الأول منها إلى الباب السابع يتحدث فيها عن الغيبات التي حصلت لبعض الأنبياء من إدريس ونوح وصالح وإبراهيم ويوسف وموسى (عليهم السلام)(٣٦)، وكان الباب الثامن هو ما أخبر عيسى (عليه السلام) وبشارته بنبوة النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وان الله سيرفعه إليه ثم سيعود في آخر الزمان وأشار إلى غيبة عيسى عن قومه وما حصل عندهم من فراغ من بعد أن رفعه الله إليه(٣٧)، أما الباب التاسع منه كان يتحدث فيه عن خبر سلمان المحمدي(٣٨) (عليه السلام)، وما أخر به عن معجزة وخبر الألواح التي حملها سلمان تخبر بنبوة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من قبل أن يولد(٣٩)، ومن الباب العاشر إلى الباب العشرين من الكتاب هي ذكر أخبار تحكي عن بعض الشخصيات التي عرف قسم منها قبل الإسلام وتُعرِف بخبر نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من قبل مجيئه ومعرفتهم بعلاماته وصفاته وقد انتظروا قدومه(٤٠).
ثم يأتي الحديث في الباب الحادي والعشرين عن العلة التي من أجلها يحتاج إلى الإمام (عجّل الله فرجه)(٤١)، ومن بعده الباب الثاني والعشرون يتطرق فيه للحديث عن اتصال الوصية والخبر من آدم (عليه السلام) إلى يوم القيامة بأن الأرض لا تخلو من حجة(٤٢)، ثم تأتي الأبواب الثلاثة التي بعد هذا الباب يذكر فيها ما خبر به الله (عزَّ وجلَّ) نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الإسراء والمعراج بعدد من النصوص الدالة على الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وانه الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام) وما روي بهذا الصدد عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما اخبر به من وقوع الغيبة(٤٣).
ومن الباب السادس والعشرين يروي ما أخبر به الأئمة المعصومين (عليهم السلام) حيث يبدأ من الإمام علي وفاطمة الزهراء والحسن والحسين والسجاد والباقر (عليهم السلام) هذا حتى الباب الثاني والثلاثون من الكتاب وبها تكون نهاية الجزء الأول منه(٤٤)، ثم يكمل ما روي عن الأئمة (عليهم السلام) في خبر الغيبة ووقوعها فيبدأ الجزء الثاني بما أخبر به الإمام الصادق ثم الإمام موسى بن جعفر ثم الرضا والجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام) حتى نهاية الباب الأربعين(٤٥).
ثم يتكلم في الباب الحادي والأربعون في حكم ومصير من أنكر الإمام الثاني عشر ثم يشير إلى موضوع الإمامة في أنها لا تجتمع اخوين بعد الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) هذا في الباب الثاني والأربعين(٤٦) بعدها يأتي الحديث عن حياة الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) الخاصة بكل تفاصيلها حتى غيبته وما رافقها من بعض الأحداث وبعض الأخبار والتوقيعات الواردة منه في الغيبة الصغرى جاء هذا الحديث بستة أبواب كانت إلى نهاية الباب التاسع والأربعين(٤٧).
أما أبواب الكتاب من الباب الخمسين إلى الباب الستين منه فقد ذكر فيها المصنف بعض أخبار المعمرين وقصص لبعض الأمم السالفة والشخصيات العامة المعروفة حينها والتي لها أخبار وقصص ونوادر عامة حاول المصنف ربطها بموضوع الكتاب وقضية الغيبة وطول عمر الإمام (عجّل الله فرجه) والاستشهاد بهذه القصص ثم ذكر أخبار المعمرين(٤٨)، وجاء الباب الواحد والستون تحت عنوان لطائف قرآنية فقد تطرق إلى بعض خفايا القران الكريم وأسرار الله وودائعه ومتى تكشف دلالاتها وعلاقتها بالإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وغيبته وظهوره(٤٩).
واما ثواب انتظار الفرج فقد أفرد المصنف لهذا الموضوع باباً خاصاً وهـو الباب الثاني والستين من الكتاب أما النهي عن تسمية الإمام القائم (عجّل الله فرجه) فكان عنواناً للباب الثالث والستين تبعه الباب الرابع والستون فيما روي عن علامات خروجه بعد طول الغيبة ثم جاء بعده الباب الخامس والستون ذكر فيه المصنف بعض النوادر والأخبار الدالة على الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه)(٥٠)، ويختم المصنف كتابه بحديثه حول موضوع الإمامة والتعريف بها وأهميتها واثبات وجوبها في الباب السادس والستين من الكتاب(٥١).
وبهذا فأن مجموع أبواب الكتاب هي (٦٦) باباً الجزء الأول منه بـ(٣٢) باباً والجزء الثاني بـ(٣٤) باباً والترقيم المذكور في تقسيم الأبواب وضع من قبل الباحث في النسخة المستخدمة في الدراسة فمصحح الكتاب وضع الأبواب من دون أن يضع تسلسلا إحصائياً لها فقد وضعت من قبل الباحث لتسهيل الإشارة إليها، أما عدد الروايات المذكورة في جزئي الكتاب بصورة عامة فقد قام الباحث بإحصائها تبين انه يضم (٧٢٨) رواية يتفاوت عدد الروايات في كل باب بحسب ما أوردها مصنف الكتاب وهذا العدد من الروايات مع المكررة منها في عدة أبواب يستشهد بها المصنف في مناسبات مختلفة، ويتفاوت عدد الأبواب في الكتاب من طبعة إلى أخرى ويمكن أن نعد سبباً في ذلك هم من نسخ الكتاب أو بحسب رؤية مصححي الكتاب أو المعلقين عليه وبحسب اطلاعهم على بعض مخطوطات الكتاب فمنهم من يضع عنوانين في باب واحد أي انه يدمج عنوانين أو أكثر بعنوان باب واحد أو ممكن أن يضع احدهم باباً مستقلاً لعنوان ضمني أو فرعي من مواضيع الكتاب، فمثلاً نسخة المخطوط التي اطلع عليها الباحث تتضمن (٦٥) باباً(٥٢)، والنسخة المعتمدة في الدراسة والتي تتضمن (٦٦) باباً(٥٣)، ونسخ أخرى مكونة من (٥٨) باباً فقط(٥٤).
وقد ترجم كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة مرتين إلى اللغة الفارسية(٥٥).
ثالثاً - موارد ومنهج الشيخ الصدوق في كتابه إكمال الدين وإتمام النعمة:
١ - موارده:
أ - أهم مورد عنده كان أساساً في منهجه حول هذا الموضوع ومدخلاً لطرح أرائه عن قضية الغيبة هو القرآن الكريم وقصص الأنبياء (عليهم السلام) إذ استخدم الشيخ الصدوق في مقدمته حول قضية الخلافة في الأرض ووجوبها مستدلاً بها عن الغيبة(٥٦).
ب - كان لشيوخه حظوة كبيرة في كتابه هذا حيث نقل عنهم اغلب الروايات مشيراً إليهم بعبارة (حدثنا أو حدثنا شيخنا أو اخبرنا وسمعنا أو حدثني) وعلى رأسهم أبوه والذي أكثر ما نقل عنه في الكتاب بعبارة (حدثنا أبي)، يأتي بعده شيخه محمد بن الحسن(٥٧) يذكر معهم طرق نقلهم بسلسلة إسناد(٥٨) طويلة ومتصلة وصولاً إلى حديث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو أحد المعصومين (عليهم السلام)(٥٩).
ج - اما موارده من الكتب كانت مجرد خمسة إشارات فقط في جميع الكتاب، منها استخدامه لكتاب ابن بشار أبو الحسن علي بن احمد(٦٠) ونقل منه اعتراضاته في موضوع الغيبة ولم يذكر اسم الكتاب(٦١)، وكتاب الإشهاد(٦٢) لأبي زيد العلوي(٦٣) نقل منه أراءه وبعض اعتراضاته حول قضية الإمامة والغيبة(٦٤)، واخذ من كتاب ابن قبة الرازي(٦٥) كتاب نقض الإشهاد الراد به على كتاب الاشهاد لأبي زيد العلوي(٦٦)، واقتبس عن ابن أبي سهـل النوبختي(٦٧) من كتابه التنبيه الذي أشار إلى أراء المعترضين على حق إمامة علي وأبنائه (عليهم السلام)(٦٨)، وأشار إلى أخبار المعمرين من كتاب أخبار المعمرين(٦٩)، ولم يذكر صاحب الكتاب(٧٠)، ويشير أحيانا إلى مواضيع وأخذها من الكتب ويقول (ووجدته مثبتاً في بعض الكتب المصنفة في التواريخ)(٧١)، ولم يذكر عناوينها ولا أسماء مصنفيها أي انه تركها مبهمة، ومن المحتمل انه استخدم كتب شيوخه إلا انه لم يشر إليها باعتبار انه استمع بالمباشر إليهم بما حدثوه عن قضية الإمام الحجة (عجّل الله فرجه).
ه - من موارد المصنف في الكتاب هي التوقيعات التي كانت بين العامة والإمام الحجة (عجّل الله فرجه) أو استفسارات من العلماء وإجابات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) عليها لمسائل مختلفة وقد أوردها مع ذكر أسماء أصحابها بصورة مباشرة لسماعها منهم أو عن طريق ما نقل له او ما سمعه عن مشايخه هو وضعها في باب خاص في الكتاب(٧٢).
و - استخدم الشعر في كثير من مواطن الكتاب خاصة في قضية إخبار المعمرين(٧٣) أو ما قاله بعض الشعراء عن إل البيت (عليهم السلام) أو بحق الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) منها قول الشاعر دعبل الخزاعي(٧٤):

خروج إمام لا محالة خارج * * * يقوم على اسم الله والبركات
يميز فينا كل حق وباطل * * * ويجزي على النعماء والنقمات(٧٥)

أو ما قالوه عن أنفسهم منها قول لشخص يدعى عبيد بن الأبرص(٧٦)، وقد عاش ثلاثمائة سنة قال:

فنيت وأفناني الزمان وأصبحت * * * لداتي بنو نعش وزهر الفراقد(٧٧)

ز - الحديث النبوي وأحاديث الأئمة (عليهم السلام) فقد أورد فيها خمسة عشر باباً خاصاً في كتابه فضلاً عن استشهاده بأحاديثهم في الأبواب الأخرى(٧٨).
٢ - منهجية الشيخ الصدوق في كتابه إكمال الدين:
أ - وفي منهجية المصنف حول تفسير القرآن الكريم أو الاستشهاد بآياته ومن خلال ما أشار في طرح أحاديث وآيات بأنه سيخرج تفسيرها في مناسبتها في مواضيع الكتاب أو يقول بوضوح العبارة (ما شرحنا) اي يحيل بعضها إلى مواضيع سابقة أو لاحقة في داخل الكتاب، وأحيانا يقول روي في شرح بعض الآيات ولا ينسب الشرح لأحد أو لعل شرحها مروي ولا ينسبه إلى رواتها(٧٩)، فيذكر بعض الإشارات في تفسير القرآن الكريم انه آخذها من العلماء أو في قضية الغيبة، إلا أنه لم ينسبها إلى صاحب الرأي كان يقول (وقال شيخ من الإمامية..)(٨٠) ويتضح هذا الأسلوب من خلال التكرار الوارد عنده في كثير من المواضيع عند طرحه لبعض الآيات أو الأحاديث.
وقد يفسر برأيه هو أو أن يأتي بآيات من القرآن مستشهدا بها على موضوع الغيبة منها (إن الإمام يحتاج إليه لبقا العالم على صلاحه أنه ما عذب الله (عزَّ وجلَّ) أُمة إلّا أمر نبيها بالخروج من بين أظهرهم كما قال تعالى في قصة نوح (عليه السلام): ﴿حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: ٤٠)، وأمره الله جل وعز أن يعتزل عنهم مع أهل الإيمان به ولا يبقى مختلطاً بهم)(٨١).
ويفسر القرآن بما روي عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو رأي الإمام المعصوم، فقد سئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن قوله تعالى ﴿يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (النساء: ٥٩)، فقيل له يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من هم قال: (الأوصياء مني إلى أن يردوا علي الحوض فسماهم رجلاً رجلاً فيهم مهدي أمتي محمد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً)(٨٢) قيل للإمام الباقر (عليه السلام) عن معنى قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ (التكوير: ١٥ - ١٦)، فقال (هو المهدي من هذه العترة تكون له حيرة وغيبة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها أقوام)(٨٣).
ب - تطرق إلى مباحث طويلة وردود على بعض الآراء كانت ما بين علماء الشيعة ومن باقي الفرق منها ردود ابن قبة الرازي بكتابه نقض الإشهاد على كتاب الإشهاد لأبي زيد العلوي الزيدي(٨٤)، في طعنه بقضية الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وما تقوله الإمامية في ذلك(٨٥)، حتى انه أشار إلى سبب وضعه إلى هذه المباحث والردود على أصحاب الفرق وادعاءاتهم في قضية الإمامة في بداية أبواب كتابه وخاصة فرقة الزبدية بقوله (أشد الفرق علينا)(٨٦).
ج - استخدم اسلوب المقارنة في الاستدلال عند طرحه للمواضيع فمنها ما هو جائز للأنبياء (عليهم السلام) جائز للائمة (عليهم السلام)(٨٧)، مستشهداً حول ذلك الموضوع بحديث الأئمة ومثالاً على ذلك هو ما قاله الإمام الصادق (عليه السلام): (أن الله تبارك وتعالى أدار للقائم منا ثلاثة أدارها من الرسل قدر مولده تقدير مولد موسى (عليه السلام) وقدر غيبته غيبة عيسى (عليه السلام) وقدر
إبطاءهُ كإبطاء نوح (عليه السلام))(٨٨).
د - اعتمد في طرحه للروايات على السماع والحديث وذلك بإشارته قبل كل حديث أن استخدم عبارة (حدثنا، واخبرنا، وسمعنا، وقيل، سمعنا من شيخنا، حدثنا جماعة من أصحابنا) ثم ينقل سلسلة الرواة وبعدهم الحديث وهذا اغلب ما استعمله في الكتاب يطرح من حدثه بالحديث مع سنده للرواية وصولاً بها إلى حديث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو إلى احد المعصومين (عليهم السلام) أي انه طرح مادته بأسلوب بسلسلة سند الرواية(٨٩)، ومثالاً على ذلك قال حدثنا أبي ثم يذكر سلسلة سند الرواية بعدها يقول قال أبي جعفر (عليه السلام): لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لَماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله)(٩٠) أو يقول: (حدثنا جماعة من أصحابنا)(٩١).
ه - يكرر حديثه عدة مرات بأسانيد مختلفة لتأكيد الرواية التي يطرحها أي انه ينوع طرق حديثه ويذكر كل من حدثه بنفس الحديث أي أكثر شخص عن نفس الموضوع مع ذكر إسناد وطرق حديث كل واحد منهم ويوصله لنفس الإمام المروي عنه الحديث أو لعدد من الأئمة عن نفس الموضوع أو بنفس المعنى(٩٢) منها يروي حديثاً عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال (للقائم منا غيبة أمدها طويل)(٩٣) وذكر نفس الحديث بطريق اخر عن أمير المؤمنين (عليه السلام)(٩٤)، ويذكر للإمام الصادق (عليه السلام)عدة أحاديث بنفس المعنى وبأسانيد متنوعة(٩٥)، أي انه استخدم سلاسل اسناد متعددة لنفس الحديث أو بمعناه وهذا مؤشر عرض الحديث وكأنه يأتي به للتوكيد.
و - يستخدم أحيانا أسلوب الاختصار في إسناده للروايات فيقول (بإسناد) من سلسلة قصيرة للإسناد من شخصين أو ثلاثة أو يقول بعد ذكره لحديث معين بإسناد متصل ثم يذكر حديثاً ثانياً ويقول بنفس الإسناد ويذكره وقد استخدم هذا الأسلوب في مواطن كثيرة من كتابه(٩٦).
ز - يذكر الأحاديث بصورة مباشرة عن النبي والأئمة (عليه وعلى اله أفضل الصلاة والسلام)، دون سند انه ينقلها عن أصحاب الأئمة(٩٧)، ومثالاً على ذلك يقول (وبهذا الإسناد قال: قال علي بن الحسين سيد العابدين (عليه السلام): القائم منا تخفى ولادته على الناس)(٩٨)، يقول محمد تقي المجلسي عن هذا الموضوع واختصار الإسناد أو حذف الأسانيد ما مضمونه أن هذا هو من طريقة القدماء من المحدثين لاسيما من أصحاب المذهب الامامي وهو ما حصل وثوقه وتواتره من حديث المعصومين وهو متواتر وله عدة قرائن أي انه متعارف عليه(٩٩) أي بطريقة تعليق الرواية واعتمادها بدون سلسة السند هذا لوثاقتها أو انها ذكرت في مناسبات مختلفة بنفس المضمون تشير إلى صحة سندها.
ح - يذكر رواة أحاديثه بأسمائهم كاملة وكناهم وأحيانا يختصرها على اسم الراوي وأبيه أو اسمه وكنيته مثلاً يقول: (حدثنا احمد بن زياد بن جعفر الهمداني(١٠٠)،(١٠١) أو يختصرها في حديث أخر ويقول: (حدثنا احمد بن جعفر)(١٠٢)، ويتضح انه لنفس الراوي وذلك من خلال التأكد من سلسلة نقل الراوي للحديثين.
ط - يقوم في بعض الأحاديث بتكرار الحديث بسندين مختلفين لنفس الراوي الذي يحدثه به ونقل حديثه منه(١٠٣)، أي انه له طرق اسانيد مختلفة لنقل نفس الحديث ويعمد احينا لتكراره في عدة ابواب من الكتاب.
ي - يعطي رأيه دائماً بعد أن يقوم بطرح موضوع ما ويستشهد بعدد من الأحاديث عن نفس الموضوع وقد وجدت هذه التعليقات دائماً بعد عبارة تشير إلى الشيخ الصدوق وهي (قال مصنف الكتاب) ويوضح تعليقاته أو ما يطرحه حول أي حديث يذكره(١٠٤)، ولعلها لنساخ الكتاب أو لمن علق أو لمصححين الكتاب معتمدين على نسخ من المخطوط، ومثالاً على ذلك نقل حديث قال: (حدثنا احمد بن زياد بن جعفر الهمداني عندما سأل الإمام موسى ابن جعفر (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ (لقمان: ٢٠)، فقال الإمام (عليه السلام): (النعمة الظاهرة الإمام الظاهر والباطنة الإمام الغائب)(١٠٥)، وقال مصنف الكتاب (لم اسمع هذا الحديث إلا من احمد بن زياد)(١٠٦).
ك - أورد الكثير من القصص الواردة في القرآن الكريم مثل قصة أصحاب الكهف(١٠٧)، وبعض القصص العامة مثل قصة أم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)(١٠٨)، إذ يذكر هذه القصص بتفاصيلها وغيرهما من القصص الأخرى طويلة الأحداث التي يستشهد بها عن الغيبة وطول العمر للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وأخبار المعمرين(١٠٩).
ل - يذكر الصدوق العديد من الروايات عن طريق احد محدثيه إلى احد الأئمة (عليهم السلام) عن أبائه واحداً وحداً إلى أن يصل بالحديث إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أي بالسلسلة الذهبية للسند، مثالاً على ذلك يقول (عن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن أبيه)، ثم يذكر آبائه (عليهم السلام) كلهم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثم يذكر الحديث(١١٠).
م - يذكر من حدثوه في عدد من المدن أثناء رحلاته لهذه المدن وسماعه الحديث من جماعة غير قليلة منهم منها على سبيل المثال يقول: (ولقد كلمني رجل بمدينة السلام)(١١١).
ن - تطرق إلى عدد من المحادثات الحاصلة بين الأئمة (عليهم السلام) وبعض أصحابهم بما يتعلق باسم الإمام (عجّل الله فرجه) وغيبته ووجوب الاعتراف بحقه من خلال حديث الأئمة وإجاباتهم على استفسارات أصحابهم(١١٢).
س - يستخدم اسلوب الإحالة في المواضيع داخل الكتاب، منها يذكر حديث للإمام الصادق (عليه السلام) من دون سند للحديث قال: (المنكر لآخرنا كالمنكر لأولنا) وقال: (من أنكر واحداً من الأحياء فقد أنكر الأموات) ويقول بعدها الشيخ الصدوق، وسأخرج ذلك في هذا الكتاب مسنداً في موضعه)(١١٣)، وقد اخرج سند الحديثين في باب من أنكر وجود القائم (عجّل الله فرجه) وبنفس اللفظ(١١٤).
ع - يذكر أكثر من شخص قد حدثوه بنفس الحديث، ومثالاً على ذلك يقول: (حدثني أبي ومحمد بن الحسن و...) ثم ينقل الحديث الذي حدثوه به(١١٥)، ومن المرجح أن هذا الاسلوب أما للاختصار أو لتأكيد سند الرواية.
ف - تناول الكثير من الآراء المخالفة في القول والاعتقاد ومن المذاهب الأخرى وطرحها في كتابه وأورد الردود عليها أو ما يطرحه هو من رأي(١١٦)، هذا فضلاً عما يورده من أراء منصفة من غير الأمامية قد استخدمها في تعزيز أرائه هو وقد أخذها من عدد من علماء إلا أنه لم يذكرهم، وقسم يذكرهم ولم يصرح بأسماء كتبهم كان يقول (وهذه الأخبار التي ذكرتها رواها مخالفونا عن طريق...)(١١٧).
ص - أورد بعض مجالس الخلفاء العباسيين وما كان يدور فيها من نقاشات ومناظرات منها مناظرة في محضر هارون العباسي(١١٨)، وقد حضرها هارون العباسي من دون علم المتناظرين بوجوده ومن ضمن ما دار فيها هو النقاش حول إمامة الأمام علي (عليه السلام) وأحقيته بها، وخلافة معاوية ومن قال بصحتها ودار حولها كلام طويل(١١٩).
ق - ينقل الكثير من الأحداث مع ذكر سنوات وقوعها منها يذكر استشهاد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في يوم الجمعة مع صلاة الغداة في الثامن من ربيع الأول سنة (٢٦٠هـ/ ٨٧٣ م)(١٢٠).
ر - يقوم بالإحالة إلى كتبه الأخرى، مثال على ذلك انه في حديث عن ذكر الأئمة (عليهم السلام) قول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أنه يكون من بعدي اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل) يقول الصدوق: (أخرجت بعض طرق هذا الحديث في كتاب النص على الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام))(١٢١).
ش - يورد مناظرات لبعض علماء الامامية مع مخالفيهم منها مناظرة سعد بن عبد الله(١٢٢)، حيث كان سعد يضد الفرق الأخرى ويكشف عن مثالبهم حتى ناظره احد النواصب لم يذكر اسمه ونقض جميع ادعاءات سعد فيما يقوله وسعد يورد الأجوبة حتى دارت بينهم مناظر طويلة حتى قال سعد انه اثبت منه أكثر من أربعين مسألة لم يجد لها جواب حتى انه ذهب في طلب جوابها إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)(١٢٣).
ت - وفي ملاحظة عامة حول روايات الكتاب أنه يضع عنواناً معيناً لأحد الأبواب ويذكر الروايات التي تخص هذا الموضوع ومن ثم تجد روايات تخص هذا الباب في أبواب أخرى من الكتاب(١٢٤)، ولعل هذا اسلوب منهجه المعتمد على التكرار لغرض التذكير والاستدلال حاولنا من خلال الدراسة جمع كل الروايات التي تخص كل موضوع تحت عنوان واحد أو في مبحث واحد أو في فقرة واحده بما يهم العنوان الذي وضعناه لموضوع تلك الفقرة أو المبحث أحياناً تكون مجموعة من عدة أبواب من الكتاب.

الفصل الأول: الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) سيرته ووالديه والنص على إمامته في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة

المبحث الأول: سيرة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه):
أولاً - أخبار ولادته:
يذكر الصدوق حادثة ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بكل تفاصيلها ينقلها عن محمد بن الحسن بن الوليد وبسند متصل... ينقلها عن السيدة حكيمة (رضي الله عنها) بنت محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام) قالت: (بعث إلي أبو محمد الحسن بن علي (عليه السلام) فقال: يا عمة اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا فإنها ليلة النصف من شعبان فإن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة في أرضه، قالت: فقلت له ومن أمه قال لي: نرجس(١٢٥)، قلت له جعلني الله فداك ما بها أثر، فقال: هو ما أقول لك...)(١٢٦).
وينقل الصدوق عن السيدة حكيمة (رضي الله عنها) لاستغرابها من الولادة الليلة ومن السيدة نرجس (عليها السلام) فقلبتها ظهراً لبطن فلم ترى بها أثر الحمل بعدها تقول أنها عادت إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وأخبرته بما فعلت فقال (عليه السلام): (إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحبل لأن مثلها مثل أم موسى (عليه السلام) لم يظهر بها الحبل ولم يعلم بها احد إلى وقت ولادتها لأن فرعون كان يشق بطون الحبالى في طلب موسى وهذا نظير موسى (عليه السلام))(١٢٧).
وفي صدد إخفاء الولادة والحمل قد أشار المفيد والطوسي في بيان لهما بما مضمونه ان ستر ولادة صاحب الزمان ليس بخارق للعادات وقد نطق القران الكريم بقصة إبراهيم (عليه السلام) وان أمه ولدته خفيتاً وقد غيبته عن اعين الناس حتى بلغ وكان أمره ما كان، وقصة موسى (عليه السلام) فان امه ألقتهُ في البحر خوفاً وإشفاقا عليه من فرعون وذلك مشهور نطق به القرآن(١٢٨)، وهناك من الناس من يكون له ولد من جارية يستتر بها من زوجته مدة من الزمان حتى اذا حضرته الوفاة أقربه، ويوجد من الناس من يتستر على خبر ولادة ابنه خوفاً من أهله ان يقتلوه طمعاً في ميراثه فلا ينبغي التعجب من مثله في الإمام صاحب الزمان (عجّل الله فرجه)(١٢٩).
يذكر ان النبي ابراهيم (عليه السلام) لما حملت به امه في زمان(١٣٠) كان القوابل ينظرن إلى النساء ويكشفن عليهن ولا يكون في البطن شيء الا علمن به فنظرن إلى ام إبراهيم وكانت حامل الا ان القوابل قلن لم نرى به شيء اي لم يستطعن معرفة أنها حامل ام لا(١٣١)، واما حال ام موسى (عليه السلام) واسمها (نحيب أو افاحية) قيل ان فرعون قد وضع القوابل يراقبن النساء ووضع على ام موسى قابلة تراقبها ان قامت وان قعدت تكون معها فلما حملت بموسى (عليه السلام) قيل انها لم ينتأ بطنها ولم يتغير لونها الا أن تلك القابلة عرفت بالحمل وخافت ام موسى الا أن هذه القابلة ألقى الله في قلبها محبة ام موسى ووليدها وقالت: (لا تحزني فأني سوف أكتم عليك) وكتمت امره ولم تخبر به احد إلى ان ولدته امه حتى حفظه الله في التابوت حين القته امه في الماء وعاش في بيت فرعون(١٣٢).
ولعلهم في العصور السابقة لا يتاح لهم معرفة الحمل من الشهر الأول عكس ما هو معروف اليوم إذ يمكن معرفة الحمل منذ اليوم أو الأسبوع الأول في تحديد مدة الحمل حتى وان كانت للقوابل معرفة بكشف الحمل منذ بدايته ومع هذا لم يصلنا من الأخبار انه تم الكشف على نساء الإمام العسكري (عليه السلام) قبل وفاته بالرغم من أن السلطة وضعت رقابة على دار الإمام العسكري (عليه السلام) ونسائه، أما تدقيق السلطة وبحثها على انه ولد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ام لم يولد والكشف على نسائه فلم يحصل ذلك الا بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) وحبست جواريه ونسائه ووضعت تحت الرقابة بحثاً عن المولود أو الحمل كما سيتضح في أخبار لاحقه، فالحمل والولادة حصل بسرية تامة بعيداً عن أعين السلطة، وحال خفاء حمل السيدة النرجس (عليها السلام) بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) كحال الأنبياء إبراهيم وموسى (عليهم السلام) فان أثار الحمل لم تبان على والدتيهما إلى ان وضعتا الحمل بسرية تامة وبحفظ الله لأنه أراد أن يحفظ أنبيائه وكذلك ان الله يريد ان يحفظ وليه الحجة (عليهم السلام) من تلك المخاطر المحدقة به ومع هذا نرجح أن أمر الحمل والولادة ينحصر بالإعجاز الإلهي.
ثم تروي السيدة حكيمة (رضي الله عنها) كل ما حصل في هذه الليلة وهي بالقرب من السيدة نرجس (عليها السلام) مستغربة لعدم وجود أي اثر أو علامة على حمل السيدة نرجس حتى وقت الفجر قالت: (فجلست وقرأت الم والسجدة ويس فبينما أنا كذلك إذ انتبهت فزعة فوثبت إليها فقلت:... أتحسين شيئاً؟ قالت نعم يا عمة... فأخذتني فترة(١٣٣) فانتبهت بحس سيدي فكشفت الثوب عنه فإذا أنا به (عليه السلام) ساجداً يتلقى الأرض بمساجده فضممته إلي...)(١٣٤).
وفي خبر اخر ينقل الصدوق عن السيدة حكيمة (رضي الله عنها) بسند الرواية لما قربت ساعة الولادة قالت: (غيبت عني نرجس فلم أرآها كأنه ضرب بيني وبينها حجاب فعدوت نحو ابي محمد (عليه السلام) وأنا صارخة فقال لي: ارجعي يا عمة فانك ستجدينها في مكانها...فلم البث أن كشف الغطاء الذي بيني وبينها وعليها أثر النور ما غشي بصري وإذا أنا بالصبي (عليه السلام) ساجداً لوجهه جاثياً على ركبتيه رافعاً سبابتيه وهو يقول: أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وان جدي محمداً رسول الله وان أبي أمير المؤمنين، ثم عدد إماماً إماما إلى أن بلغ نفسه، ثم قال: اللهم أنجز لي ما وعدتني واتمم لي أمري وثبت وطأتي وأملا الأرض بي عدلاً وقسطاً)(١٣٥).
يؤيده هذا الخبر المروي عند الصدوق عدد من المصنفين لكن ليس بنفس النقل تماماً الا انه بنفس المعنى في هذه المضامين من السجود والتشهد وعدد الأئمة (عليهم السلام) إلى آخر كلامه ودعائه (عجّل الله فرجه)(١٣٦)، وقيل في خبر ولادته عن طريق بعض مؤرخي وعلماء الخاصة والعامة، منها اخرج ابن ماجه حديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة)(١٣٧)، ومن خلال هذا الحديث فمن المحتمل ان المراد من الحديث النبوي هو حادثة الولادة كما هو حاصل بما ترويه السيدة حكيمة (رضي الله عنها) واستغرابها بعدم وجود اثر للحمل فكان هذا كله في هذه الليلة المباركة.
والاستغراب من قبل السيدة حكيمة وأنها لم ترى في نرجس حمل أو لم ترى آثار حمل فكما قلنا مسبقاً لعل خفاء الحمل والولادة من باب الإعجاز الإلهي أي محتمل أن تكون مدة الحمل قصيرة بأمر الله حتى لا يبان عليها شيء، ونقل في الأخبار ما حصل في ولادة عيسى (عليه السلام) وسرعة حمل مريم (عليها السلام) به وسرعة ولادتها لعيسى (عليه السلام) قيل أن جبرائيل (عليه السلام) حين نفخ في جيب مريم (عليها السلام) حملت بعيسى (عليه السلام) بالليل ووضعته بالغداة وكان حملها تسع ساعات جعل الله الشهور لها ساعات، وقيل أنها حملت به سبع ساعات ووضعت عيسى (عليه السلام) من يومها(١٣٨)، فمن المحتمل أن يكون حمل السيدة نرجس (عليها السلام) وولادتها للحجة (عجّل الله فرجه) كان في غضون ساعات بحكمة اللاهية من باب إخفاء الحجة وحرصاً عليه من خطر السلطة ومن المحتمل أن حال حمل السيدة نرجس هنا كما هو في حمل وولادة مريم (عليها السلام) لعيسى (عليه السلام) ولعل هذا كله من باب الإعجاز الإلهي وكل شيء جائز وفق الإعجاز الإلهي.
وينقل الصدوق خبر ولادته (عجّل الله فرجه) بمدينة سر من رأى(١٣٩)، في النصف من شعبان يوم الجمعة سنة ست وخمسين ومائتين وقيل سنة خمس وخمسين ومائتين وفي خبر سنة مائتين وأربع وخمسين في شهر رمضان، وفي رواية اخرى يوم الجمعة سنة ست وخمسين ومائتين وقيل يوم الجمعة الثامن من شعبان خمس وخمسين ومائتين(١٤٠).
يذكر الكليني أن سنة ولادته خمس وخمسين ومائتين وفي رواية ست وخمسين ومائتين ولم ينقل حادثة الولادة المروية عن السيدة حكيمة(١٤١)، وينقل الاسكافي ان ولادته كانت بسر من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين(١٤٢)، اما المسعودي يرفع روايته بسندها عن السيدة حكيمة وبنفس القصة المذكورة عن الصدوق إلا اختلاف بسيط في العبارات وكانت الولادة يوم الجمعة في النصف من شعبان سنة مائتان وخمس وخمسين(١٤٣)، أما المفيد لم ينقل حادثة الولادة ويذكر أن الإمام (عجّل الله فرجه) ولد سنة مائتين وخمس وخمسين(١٤٤)، وفي رواية أخرى للشيخ المفيد يقول أنه ولد في النصف من شعبان سنة مائتين وأربع وخمسين(١٤٥).
وقد ذكر الطوسي خبر الولادة المروي عن السيدة حكيمة إلا انه لم يذكر ما حصل للسيدة حكيمة ونرجس في أثناء الولادة بأنهن لم يشعرن بشيء بل ينقل أن السيدة حكيمة هي التي أشرفت على الولادة وقد ذكر اسم أم الإمام (عجّل الله فرجه) سوسن وليس نرجس، وكان ذلك سنة ست وخمسين ومائتين وفي رواية اخرى ينقلها الطوسي بسنده انه ولد في النصف من شهر رمضان مائتين وخمس وخمسين(١٤٦)، أما الطبرسي ينقل خبر ولادته عن الصدوق متفقاً معه وبنفس القصة ولكنه ينقل ولادته سنة (٢٥٥هـ/٨٦٩م)(١٤٧)، وهو الأرجح من بينها.
وينقل ابن خلكان ثلاثة روايات عن تاريخ ميلاده الاولى منها يقول انه ولد في النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وفي الثانية يقول انه ولد في التاسع من ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين واخرى يقول في الثامن من شعبان سنة ست وخمسين ومائتين ويقول انه الأصح(١٤٨)، وبرواية الاربلي يذكر خبرين عن ولادته يقول انه ولد بسر من رأى في الثالث والعشرين من رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين للهجرة، ثم يعود ويقول انه ولد في النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين(١٤٩)، ويقول الزرندي انه ولد بسر من رأى ليلة الجمعة في النصف من شعبان سنة مائتين وخمس وخمسين(١٥٠)، يؤيد قوله هذا ابن الصباغ(١٥١).
وينقل خبر ولادته عدد من المتأخرين بأنه ولد في سامراء ليلة النصف من شعبان سنة مائتين وخمس وخمسين للهجرة(١٥٢).
من خلال الروايات السابقة التي طرحت انها بصورة عامة جميعها تؤكد ولادته (عجّل الله فرجه) أما حادثة الولادة من خلال رواية المسعودي والطوسي وهما من الثقات الأعلام بما يتطابق مع رواية الصدوق يمكن أن نقول بصحة الحادثة المنقولة عن السيدة حكيمة (رضي الله عنها)، وبما يتطابق مع باقي الرواة في ذكرهم لسنة الولادة والتي اخذ بها كبار محدثي الشيعة من المتأخرين(١٥٣)، ويمكن أن يقال بالمشهور من الروايات المذكورة والمرجح بينها أنه ولد (عجّل الله فرجه) في ليلة النصف من شعبان سنة (٢٥٥هـ/ ٨٦٩ م) على قول أكثر الروايات.
ويذكر الصدوق حديث بسنده عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (الأئمة من بعدي اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب [عليه السلام] وآخرهم القائم...)(١٥٤)، ودلالة على ولادة الإمام (عجّل الله فرجه) وانه من آل البيت (عليهم السلام) بما بشر به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما ذكر في بعض كتب الصحاح عدة أحاديث بهذا الصدد يمكن أن نستدل منها أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (لا يزال هـذا الدين قائماً حتى تقوم الساعة ويكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)(١٥٥)، وينقل ابو داوود بسنده ان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل ٌمن اهل بيتي يواطئ اسمه اسمي)(١٥٦)، وينقل قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (المهدي من عترتي من ولد فاطمة [عليها السلام])(١٥٧)، واخرج المجلسي بسنده أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (معاشر الناس إني نبي وعلي وصي إلا أن خاتم الأئمة منا القائم المهدي...)(١٥٨).
وبهذه الأحاديث الواردة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمهدي (عجّل الله فرجه) يستدل بها بانه من أهل بيته (عليهم السلام) والأحاديث السابقة ثابتة النقل في مصادر المدرستين وانه من ذرية ابنته فاطمة (عليها السلام) تتفق مع ما ذكره الصدوق، هذا فضلاً عن اعتراف النسابة واهل التاريخ في مصادر العامة بولادته (عجّل الله فرجه) وانه محمد المهدي القائم المنتظر بن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وانه ولده الوحيد المولود في النصف من شعبان سنة(٢٥٥هـ/٨٦٩ م)(١٥٩)، وبه تكتمل دائرة الأئمة لأثني عشر (عليهم السلام) بغض النظر عن اعترافهم بإمامته أو غيبته الا انهم يعترفون بولادته.
أما ما حصل من معاجز له بعد الولادة يذكر الصدوق ما نقل عن السيدة حكيمة (رضي الله عنها) بعد أن ولد الإمام (عجّل الله فرجه) قالت: (فصاح بي أبو محمد (عليه السلام) هلمي إلي ابني يا عمة فجئت به إليه فوضع يديه تحت أليته وظهره ووضع قدميه على صدره ثم أدلى لسانه في فيه وأمر يده على عينيه وسمعه ومفاصله ثم قال: (تكلم يا بني فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثم صلى على أمير المؤمنين وعلى الأئمة (عليهم السلام) إلى أن وقف على أبيه ثم أحجم)(١٦٠)، وفي رواية ثانية للصدوق بنفس السياق انه عندما بلغ نفسه قال: (اللهم أنجز لي ما وعدتني واتمم لي أمري وثبت وطأتي وأملأ الأرض بي عدلاً وقسطاً)(١٦١)، ومثل الرواية عند بعض المصنفين(١٦٢) ولعل الدلالة على انه احجم بعد ذكر ابيه يشير إلى نفسه (عجّل الله فرجه) باعتباره الإمام الثاني عشر.
وذكر الصدوق أن مما قاله الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) بعد ولادته في اليوم السابع من عمره الشريف(١٦٣)، انه تلى قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: ٥ - ٦)، واخرج نفس الخبر المسعودي والطوسي والطبرسي وعدد من المتأخرين(١٦٤).
ومما أخبرت به السيدة حكيمة (رضي الله عنها) بعد الولادة قالت: (فصاح بي أبو محمد (عليه السلام) فقال: يا عمة تناوليه وهاتيه... فلما مثلت بين يدي أبيه وهو على يدي سلم على ابيه فتناوله الحسن (عليه السلام) وناوله لسانه فشرب منه ثم قال امضي به إلى امه فأرضعته فردته إلى أبي محمد (عليه السلام) والطير ترفرف على رأسه فصاح بطير منها فقال له: احمله وأحفظه ورده إلينا في كل اربعين يوماً فتناوله الطير في جو السماء واتبعه سائر الطير فسمعت ابا محمد (عليه السلام) يقول: استودعك الذي أودعته ام موسى، فبكت نرجس فقال لها: اسكتي فإن الرضاع محرم عليه الا من ثديك وسيعاد اليك كما رد موسى إلى امه... قالت حكيمة: فقلت: وما هذا الطير؟ قال: هذا روح القدس الموكل بالأئمة (عليهم السلام) يوفقهم ويسددهم ويربيهم بالعلم)(١٦٥).
بعدها تقول السيدة حكيمة (رضوان الله عليها): (فلم أزل أرى ذلك الصبي في كل أربعين يوماً إلى أن رأيته رجلاً قبل مضي أبي محمد (عليه السلام) بأيام قلائل فلم أعرفه فقلت لابن أخي (عليه السلام) من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال لي: هذا ابن نرجس وهذا خليفتي من بعدي وعن قليل تفقدوني اسمعي له وأطيعي)(١٦٦).
أخرج الكليني حديثاً بسنده عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قال: (لما وهب لي ربي مهدي هذه الأمة أرسل ملكين فحملاه إلى سرادق العرش(١٦٧)، حتى وقفا به بين يدي الله (عزَّ وجلَّ) فقال له: مرحباً بك عبدي لنصرة ديني وإظهار أمري ومهدي عبادي آليت أني بك آخذ وبك أغفر وبك أعذب، أردداه أيها الملكان رداه على أبيه رداً رفيقاً وأبلغاه فإنه في ضماني وكنفي وبعيني إلى أن احق به الحق وأزهق به الباطل...)(١٦٨)، واخرج المسعودي الحديث بنفس المضمون عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنه قال: (لما ولد الصاحب (عليه السلام) بعث الله ملكين فحملاه إلى سرادق العرش حتى وقف بين يدي الله، فقال له: مرحباً بك وبك أعطي وبك أعفو وبك أعذب)(١٦٩).
بهذا الصدد أشار الكليني إلى معنى الحديث السابق عن الطير أو الملائكة دورها في حياة الأئمة (عليهم السلام)، سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ (الشورى: ٥٢)، قال: خلق من خلق الله (عزَّ وجلَّ) أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يخبره وهو مع الأئمة من بعده)(١٧٠)، واشار الطبرسي في تفسيره بان روح القدس هو ملك أعظم من جبرائيل وميكائيل ويذكر حديثاً عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (ولم يصعد السماء وانه لفينا)(١٧١)، وعن الإمام السجاد (عليه السلام) قال: (ما من ملك يهبطه الله في أمر ما يهبطه الا بدأ بالأمام فعرض ذلك عليه وان مختلف الملائكة من عند الله تبارك وتعالى إلى صاحب هذا الامر)(١٧٢)، وفي رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) أن رجلاً سأله في معنى الآية السابقة الذكر فقال: (لقد أنزل الله ذلك الروح على نبيه وما صعد إلى السماء منذ أُنزل وأنه لفينا) ومثل الرواية عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)(١٧٣).
وفي رأي للطبرسي مشابهاً للآراء السابقة عن معنى الروح هنا بأنه مثل ما أوحينا إلى الأنبياء (عليهم السلام) قبلك أوحينا إليك ﴿رُوحاً مِنْ أَمْرِنا﴾ يعني بأمرنا ومعناها القرآن لأنه يهتدى به فالقرآن فيه حياة من موت الكفر وقيل ان الروح هنا روح القدس وهو ملك أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فعن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهم السلام) قالا: (ولم يصعد إلى السماء وانه لفينا)(١٧٤).
ويسأل سائل أن الإمام (عجّل الله فرجه) يتكلم بهذا العمر، فتقول حكيمة (رضي الله عنها) أنها دخلت على بيت الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قالت: (لما كان بعد أربعين يوماً رد الغلام ووجه إلي ابن اخي (عليه السلام) دعاني، فدخلت عليه فإذا أنا بالصبي متحرك يمشي بين يديه فقلت: يا سيدي هذا ابن سنتين؟ فتبسم [أي الإمام العسكري] (عليه السلام) ثم قال: أن أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمة ينشؤون بخلاف ما ينشأ غيرهم، وأن الصبي منا إذا أتى عليه شهراً كان كمن أتى عليه سنة وان الصبي منا ليتكلم في بطن أمه ويقرأ القرآن)(١٧٥)، وينقل المسعودي نفس الخبر يذكر حديث الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بأنه قال: (يا عمتي أو ما علمت أنا معاشر الأوصياء ننشأ في اليوم مثل ما ينشأ غيرنا في الشهر وننشأ في الشهر مثل ما ينشأ غيرنا في السنة...)(١٧٦) أما الطوسي فينقل الحديث بأن الإمام العسكري (عليه السلام) قال: (يا عمتي أما علمت أنا معاشر الأئمة ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في السنة)(١٧٧)، ويقال ان نبي الله ابراهيم (عليه السلام) كان له نفس الحال بانه يشب في اليوم كما يشي غيره في الجمعة ويشب في الجمعة كما يشب غيره في الشهر(١٧٨).
ولعل المراد من النشوء هنا هو ليس فقط النمو الجسماني وإنما العلمي والمعرفي والفطنة للأمور والإدراك والاستعداد لأخذ المعارف بما يعادل الكبار في السنة أو الشهر عند الأئمة (عليهم السلام) في يوم واحد وهذا بما خصهم الله به وبالتالي أن من يتكلم بالمهد بأمر الله ليس بغريب أيضاً أن يكون نموه الجسماني أكبر من غيره، وقد حدث قبل هذا أن تكلم أطفال في المهد قبل ذلك فقد اخرج البخاري ومسلم حديثاً يرفعانه بسنده عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (لم يتكلم في المهد الا ثلاثة: عيسى بن مريم...) وفي حديث طويل يذكر طفلين من بني إسرائيل تكلموا في المهد(١٧٩) وكذلك الطفل الذي شهد على براءة النبي يوسف (عليه السلام) حينما راودته امرأة عزيز مصر عن نفسها ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ (يوسف: ٢٦)، يروى ان هذا الطفل هو ابن اخت زليخا وهو في المهد ابن ثلاثة أشهر(١٨٠)، فليس أطفال بني إسرائيل أكرم على الله (عزَّ وجلَّ) ليتكلموا في المهد بأفضل من ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، واخرج الكليني بروايات كثيرة على وراثة الأئمة (عليهم السلام) بأن لهم ما كان لجميع الأنبياء (عليهم السلام) ومنهم عيسى (عليه السلام) وعندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله وجل وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها، فعن الامام الصادق (عليه السلام) قال: (...ونحن ورثة النبيين)(١٨١)، وأن ينطق الإمام (عجّل الله فرجه) في المهد وهو ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ووارثه وهو أكرم على الله (عزَّ وجلَّ) من غيره.
قام الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بعد الولادة باستدعاء احد أصحابه وقال له: (اشتر عشرة آلاف رطل من الخبز وعشرة آلاف رطل لحم وفرقه احسبه قال على بني هاشم وعق عنه بكذا وكذا شاة)(١٨٢)، ويذكر الطوسي ايضاً أن الإمام العسكري (عليه السلام) قد عق عن ولده الا أنه يقول ابتاع اللحم يوماً وأخرى يذكر أنه عق كبشين(١٨٣)، واخرج مثله المسعودي(١٨٤)، وهذا العق عن المولود متعارف عليه من السنة المباركة فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (أن مع الغلام عقيقة فأريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى)(١٨٥)، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال)... كل مولود مرتهن بالعقيقة)(١٨٦).
وينقل الصدوق خبراً أخر بسنده عن السيدة نرجس (عليها السلام)تقول: (انه لما ولد السيد (عليه السلام) رأت نوراً ساطعاً قد ظهر منه وبلغ أفق السماء وأتت طيور بيضاء تهبط من السماء وتمسح أجنحتها على رأسه ووجهه وسائر جسده ثم تطير فأخبرنا أبا محمد (عليه السلام) بذلك فضحك ثم قال: تلك الملائكة نزلت للتبرك بهذا المولود وهي أنصاره إذا خرج)(١٨٧).
سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (التغابن: ٨) ، فقال: (النور والله الأئمة من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى يوم القيامة وهم والله نور الله الذي أنزل وهم والله نور الله في السماوات وفي الأرض...)(١٨٨)، ومن أخبار الإسراء والمعراج التي اخبر بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما ناداه الله (عزَّ وجلَّ) واراد أن يريه الأئمة (عليهم السلام) قال: يا محمد أتحب أن تراهم؟ قلت: نعم يا رب فنوديت: يا محمد ارفع رأسك فرفعت رأسي فذا أنا بأنوار علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والحجة يتلألأ من بينهم كأنه كوكب دري)(١٨٩) وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إني وأهل بيتي كنا نوراً يسعى بين يدي الله تبارك وتعالى قبل أن يخلق آدم (عليه السلام)...)(١٩٠)، ومن هذه الأحاديث يتضح عظمة ونور الأمام الحجة (عجّل الله فرجه) بما اخبر به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) مقارنة بما نقله الصدوق.
أما عن الشق الثاني لرواية الصدوق نزول الملائكة وإنها تنصر الإمام (عجّل الله فرجه) عند خروجه، فقد أورد الكليني عدة روايات تشير إلى ارتباط جميع الأئمة (عليهم السلام) بالملائكة من خلالها يمكن أن يتضح كيفية ارتباطها بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وكيف ستنصره، منها عن الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: (ما ينقم الناس منا فنحن والله شجرة النبوة وبيت الرحمة ومعدن العلم ومختلف الملائكة)(١٩١).
وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (... الحسين (عليه السلام) لما قتل عجت السماوات والأرض ومن عليها والملائكة فقالوا يا رب ائذن لنا في هلاك الخلق حتى نَجُدَّهُم عن جديد الأرض بما استحلوا حرمتك وقتلوا صفوتك فأوحى الله إليهم يا ملائكتي ويا سماواتي ويا ارضي اسكنوا ثم كشف حجاباً من الحجب فإذا خلفه محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واثنا عشر وصياً (عليهم السلام) واخذ بيد فلان القائم من بينهم فقال: يا ملائكتي ويا سماواتي ويا أرضي بهذا أنتصر لهذا قالها ثلاث مرات)(١٩٢)، واخرج النعماني بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْـرِكُونَ﴾ (النحل: ١)، فقال: (وأمرنا أمر الله (عزَّ وجلَّ) به حتى يؤيده بثلاثة أجناد: الملائكة والمؤمنين والرعب وخروجه كخروج رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(١٩٣).
من هذه الروايات يمكن أن نقول أنهم من ينصرونه ونزلوا يستبشرون به حين علموا بولادته انتظاراً منهم وتشوقاً للانتصار والثأر على ما حصل للإمام الحسين (عليه السلام) واهل بيته في كربلاء.
ويروى أن الإمام (عجّل الله فرجه) ولد مختوناً ويقول الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): (... ولكنا سنمر الموسى عليه لإصابة السنة)(١٩٤)، يستشهد الصدوق بحديث للإمام الكاظم (عليه السلام) لما ولد الرضا (عليه السلام) قال: (أن ابني هذا ولد مختونا طاهراً مطهراً وليس أحد من الأئمة يولد إلا مختوناً طاهراً مطهراً ولكن سنمر عليه الموسى لإصابة السنة وإتباع الحنفية)(١٩٥)، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (الختان سنة للرجال)(١٩٦)، وبهذا أن ما يصح لأحد الأئمة (عليهم السلام) يصح لجميعهم كونهم خير من يمثل سنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وأخرج الصدوق رواية حدثه بها أحد مشايخه عن معجزة شفاء طفل موجوع ببركة الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) بعد ولادته الإمام بيوم واحد عرفت بحادثة الميل(١٩٧) والمولود ينقل الراوي الحادثة عن جارية مسنة في أحدى بيوت سامراء قالت: (كان لنا طفل وجع فقالت مولاتي: امضي إلى دار الحسن بن علي (عليهما السلام) فقولي لحكيمة: تعطينا شيئاً نستشفي به لمولودنا هذا فلما مضيت وقلت كما قالت لي مولاتي، قالت حكيمة: إئتوني بالميل الذي كحل به المولود الذي ولد البارحة تعني ابن الحسن بن علي (عليهما السلام) فأُتيت بميل فدفعته إلي وحملته إلى مولاتي فكحلت به المولود فعوفي وبقي عندنا وكنا نستشفي به ثم فقدناه)(١٩٨).
انفرد الصدوق بنقل هذه الحادثة دون غيره من المصنفين المتقدمين، ورواها عدد من المتأخرين(١٩٩)، ودلالتها أنه منذ ولادته قل حلت بركته معه وهذه الحادثة خير شاهد بشفاء الطفل الموجوع ببركته وكذلك بقي الميل يستخدم للاستشفاء في هذا الدار على حد قول تلك الجارية وفيها التركيز على عظمة هذا المولود في بيت أبي محمد الحسن (عليه السلام) والا لما ميزت حكيمة حديثها التي تنقله الجارية حين قالت: (إئتوني بالميل الذي كحل به المولود الذي ولد البارحة) فصار سبباً للشفاء ونقلت هذه الجارية الخبر ولعل أهل البيت هذا التي تعمل به هذه الجارية هم من الموالين المخلصون لأهل البيت (عليهم السلام) ويأتمرون بأمرهم ويكتمون سرهم وأنهم والظاهر متعارف عندهم أن يستشفون بما يتفضل عليهم به أهل البيت من دار الحسن العسكري (عليه السلام).
ثانياً - اسمه وكنيته وألقابه:
ذكر الشيخ الصدوق باباً خاصاً حول تسمية الإمام الحجة، (عجّل الله فرجه) أورد فيه أربع روايات حول منع تسميته باسمه إذ لم يذكره باسمه صراحة وإنما بإشارة أو باللقب أو يرمز إليه دلالة على الإمام، في رواية يرفعها بسندها إلى الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (صاحب هذا الأمر رجلٌ لا يسميه باسمه إلا كافر)(٢٠٠)، وعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (لا يُرى جسمه ولا يسمى باسمه)، وعن ابي جعفر (عليه السلام) يقول: (سأل عمر أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عن المهدي ما اسمه قال (أما اسمه فلا إن حبيبي وخليلي عهد إلي أن لا أُحدث باسمه حتى يبعثه الله (عزَّ وجلَّ) وهو مما استودع (عزَّ وجلَّ) رسوله [صلّى الله عليه وآله وسلّم] في علمه)، وبنفس السياق يذكر الخبر الرابع عن الإمام علي الهادي (عليه السلام) قال: (... ولا يحل لكم ذكره باسمه) فقيل له فكيف نذكره قال: (قولوا الحجة من آل محمد (عليهم السلام))(٢٠١).
وفي بعض الإخبار ذكر الصدوق اسم الإمام (عجّل الله فرجه) (محمد وكني بجعفر)(٢٠٢)، وان باب النهي عن التسمية فقد أورد الكليني حديثاً ورد فيه الجواب من الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) فقد سأل بعض الأصحاب احد خواص الإمام بعد وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عن الاسم والمكان فورد الجواب: (ان دللتهم على الاسم أذاعوه وان عرفوا المكان دلوا عليه)(٢٠٣).
ويذكر الصدوق نسب الإمام الشريف إذ يقول: (القائم صاحب الزمان حجة الله ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام))(٢٠٤)، ومثل هذه الرواية عند غيره من المصنفين(٢٠٥)، واخرج الرازي أن صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) ابن الحسن العسكري (عليه السلام)(٢٠٦)، واخرج ابن الجوزي بعدة أسانيد تلك الرواية يذكر فيها النسب المبارك للإمام الحجة (عجّل الله فرجه) مع ذكر كنيته (أبو عبد الله ابو القاسم والخلف الحجة صاحب الزمان، القائم والمنتظر والتالي وهو آخر الأئمة...)(٢٠٧).
وغالباً ما يذكره بالقائم أو المهدي أو المنتظر وفي بعض الروايات يقول (فلان بن فلان) كناية عن اسم الإمام (عجّل الله فرجه)(٢٠٨)، وأحيانا يذكره باسمه المبارك لكن بصورة غير مباشرة منها ينقل عن جابر بن عبد الله الأنصاري(٢٠٩) قال: دخلت على فاطمة (عليها السلام) وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها فعددت اثني عشر أخرهم القائم ثلاثة منهم محمد وأربعة منهم علي(٢١٠).
ومن خلال ما يذكره من أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي...)، وفي حديث اخر قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إن علياً بن أبي طالب (عليه السلام) إمام أُمتي وخليفتي من عليها من بعدي ومن ولده القائم المنتظر...)(٢١١)، ويتناول ذكر الاسم في مرات عدة بحروف مقطعه (م ح م د)(٢١٢) لذا ثابت عند الصدوق أمر المنع بالتسمية صراحة حتى انه نقل حديث عن الحجة (عجّل الله فرجه) قال: (ملعون ملعون من سماني في محفل من الناس)(٢١٣)، وقد اورد بعض الروايات التي ذكر فيها اسم الإمام صراحة منها عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) انه بعث لاحد أصحابة بشاة مذبوحة قال (هذه من عقيقة ابني محمد)(٢١٤)، وغيرها كثير من الشواهد والأمثلة عن قضية التسمية واسلوب ذكره للإمام (عجّل الله فرجه) في كثير من مواطن الكتاب ولعل منع التسمية هذا كان في عصر الغيبة الصغرى حرصاً عليه.
وأيد ما نقله الشيخ الصدوق عدد من المصنفين فحديث من يسمي الإمام باسمه كافر أخرجه الكليني والمسعودي والعاملي وصاحب البحار عن الإمام الصادق (عليه السلام)(٢١٥)، أما من يؤيد نقله منهم ليس بقليل مع بعض الاختلاف بطرق النقل وصيغة النقل من السابقين له أو ممن أتى بعده بعدم حلّيِة تسمية الإمام باسمه، وكبار علماء الشيعة ممن نقلوا أخباراً عن الإمام (عجّل الله فرجه) يسمونه (القائم)(٢١٦)، منهم الكليني نقل عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (لا يرى جسمه ولا يسمى اسمه)(٢١٧) ولم يذكر الإمام باسمه في اغلب رواياته بل يذكره بصفته الصاحب أو القائم أو الحجة وذكره بإدراج حروف الاسم بصورة مقطعه (م ح م د)(٢١٨).
وجاء في الروايات (هو المسمى باسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المكنى بكنيته وان لا يحل لأحد أن يسميه باسمه ولا يكنيه بكنيته إلى أن يزين الله تعالى الأرض بظهور دولته ويلقب بالحجة والقائم والمهدي والخلف الصالح وصاحب الزمان والصاحب... وكانت الشيعة في غيبته الأولى تعبر عنه وعن غيبته بالناحية المقدسة...)(٢١٩)، هناك من ينقل حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما يوافق ما ذكره الصدوق عن ذكر الاسم المبارك بالمشابهة منها قال: (لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجلٌ من أهل بيتي يوطئ اسمه اسمي)(٢٢٠)، وفي الأخبار روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (اسم المهدي اسمي)(٢٢١).
وللمقارنة بما جاء عند الصدوق من أخبار عن الاسم والألقاب والكنية وبما ورد من الأخبار الواردة الأنفة الذكر عند عدد من المصنفين من العامة والخاصة نلاحظ أنها تتفق بأنه سمي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويكنى بكنيته وان لا يحل لأحد أن يسميه باسمه صراحة وهذا واضح حتى بما نقل من كتب الصحاح بالرغم من كونها تذكره بـ(المهدي) فقد نقلوا الأحاديث الشريفة من دون ذكر اسمه الشريف (محمد) الا أن الأحاديث الواردة تعطي دلالة على تشابه الاسم مع اسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفي مصادر الشيعة أنهم أحاطوا ذكر الاسم بالقدسية التزاماً بما أوصى به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة المعصومون (عليهم السلام).
ثالثاً - معاني أشهر أسمائه وألقابه (عجّل الله فرجه):
سنحاول في هذه الفقرة تفسير معاني أشهر أسماء وألقاب الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وأكثرها تداولاً بما ورد من أحاديث لها علاقة بالتسمية والمعنى(٢٢٢).
١ - أول أسمائه ما نص عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (اسمه اسمي وكنيته كنيتي...)(٢٢٣).
٢ - الحجة وحجة الله: أورد الصدوق باباً خاصاً في هذا المعنى بأن الأرض لا تخلو من حجة ومن جملة الأحاديث الواردة فيه عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (لم تخل الأرض من حجة عالم يحيي فيها ما يميتون من الحق)(٢٢٤) وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (لن تخلو الأرض من قائم بحجة لئلا تبطل حجج الله وبيناته)(٢٢٥)، وقد سمي بالحجة لأنه يخرج كتب الأمم السابقة ويقيم الحجة عليهم من كتبهم، ويكون حجة الله على عباده وخلقه(٢٢٦)، وأن الله (عزَّ وجلَّ) نصبه دليلاً وحجة(٢٢٧).
٣ - القائم: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (الأئمة من بعدي اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم...)(٢٢٨)، وعن الإمام الحسين (عليه السلام) قال)... منا اثنا عشر مهدياً أولهم أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) وأخرهم التاسع من ولدي وهو الإمام القائم بالحق)(٢٢٩)، وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: (سمي القائم لقيامه الحق)(٢٣٠)، وسأل الإمام الرضا (عليه السلام) لم سمي القائم، قال: لأنه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته...)(٢٣١).
٤ - المنتظر: سُئل الإمام الرضا (عليه السلام): ولم سمي بالمنتظر؟ قال: (لان له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون...)(٢٣٢)، واخرج الصدوق حديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (أفضل أعمال امتي انتظار الفرج)(٢٣٣)، وفي حديث مقارب بالمعنى قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أفضل العبادة انتظار الفرج)(٢٣٤).
٥ - المهدي: عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (سمي القائم مهدياً لأنه يهدي إلى أمر مضلول عنه)(٢٣٥)، وعن الباقر (عليه السلام) قال: (وإنما سمي المهدي لأنه يهدي إلى أمر خفي)، وقيل انه يستخرج التوراة والإنجيل ويدعو جماعة إلى تلك الكتب فيسلِم عليها كثير(٢٣٦).
٦ - صاحب الزمان: ويراد منها أنه إمام آخر الزمان ولا إمام بعده(٢٣٧) وانه إمام الأمة في آخر الزمان(٢٣٨)، وهو الخلف الحجة صاحب الزمان القائم المنتظر فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (يخرج في اخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته ككنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً فذلك هو المهدي)(٢٣٩)، ومن هذا الحديث الأخير نلاحظ أن فيه اجتمعت أشهر أسماء الإمام الحجة (عجّل الله فرجه)، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا فاطمة [عليها السلام] المهدي منا... يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان)(٢٤٠).
رابعاً - أوصافه الجسمانية:
يروي الصدوق عدة روايات يذكر فيها أوصاف الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) منذ ولادته وما روي عمن شاهده ووصفه، منها يذكر رواية بسندها عن رجل كان يخدم في دار الإمام العسكري (عليه السلام) يقول: (... فدخلت عليه يوماً وهو في دار الرجال فسمعت حركة في البيت فناداني [ يقصد الإمام العسكري] مكانك لا تبرح فلم أجسر أخرج ولا أدخل فخرجت علي جارية ومعها شيء مغطى ثم ناداني أدخل فدخلت ونادى الجارية فرجعت فقال لها: اكشفي عما معك فكشفت عن غلام أبيض حسن الوجه وكشفت بطنه فإذا شعر نابت ٌمن لبته(٢٤١) إلى سرته(٢٤٢)، أخضر ليس بأسود، فقال هذا صاحبكم...) ويذكر ناقل الرواية أن عمره يقدر حينها بسنتين(٢٤٣).
وينقل الكليني رواية تصف الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) بنفس الأوصاف السابقة(٢٤٤)، وفي رواية عن احد أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) انه دخل عليه يوما من الأيام ووجد الإمام جالس وعن يمينه توجد دار عليها ستار مسبل، وسأله: (يا سيدي من صاحب هذا الأمر فقال: ارفع الستر فرفعته فخرج علينا غلام خماسي(٢٤٥) له عشر أو ثمان أو نحو ذلك واضح الجبين(٢٤٦)، أبيض الوجه دري(٢٤٧) المقلتين(٢٤٨)، معطوف(٢٤٩) الركبتين، في خده الأيمن خال(٢٥٠) وفي رأسه ذؤابة(٢٥١)، فجلس على فخذ أبي محمد ثم قال لي هذا هو صاحبكم ثم وثب فقال له: يا بني أدخل إلى الوقت المعلوم..)(٢٥٢)، وفي رواية اخرى يرويهـا بسندهـا يذكر بأنه: (هو غلام أمرد(٢٥٣) ناصع(٢٥٤) اللون واضح الجبين، أبلج(٢٥٥) الحاجب، مسنون(٢٥٦) الخدين، أقنى(٢٥٧) الأنف أشم(٢٥٨) أروع(٢٥٩) كأنه غصن بان وكأن(٢٦٠) صفحة غرته(٢٦١) كوكب دري(٢٦٢) بخده الأيمن خال كأنه فتات مسك(٢٦٣) على بياض الفضة...)(٢٦٤)، وإذا برأسه وفرة(٢٦٥) سحماء(٢٦٦)، سبطة(٢٦٧)، تطالع شحمة أذنه(٢٦٨)، له سمت(٢٦٩)، ما رأت العيون أقصد منه ولا أعرف حسناً وسكينة وحياء)(٢٧٠)، ورواية رابعه يذكر بأنه: (...لا بالطويل الشامخ(٢٧١)، ولا بالقصير اللاصق ممدود القامة(٢٧٢) صلت الجبين أزج الحاجبين(٢٧٣) أدعج العينين(٢٧٤)، أقنى الأنف سهل الخدين(٢٧٥)، على خده الأيمن خال...)(٢٧٦)، وفي رواية اخرى بسندها ينقلهـا عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول: (يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان أبيض اللون مشرب بالحمرة(٢٧٧) مبدح(٢٧٨) البطن عريض الفخذين(٢٧٩) عظيم مشاش(٢٨٠) المنكبين(٢٨١)، بظهـره شامتان(٢٨٢) شامة على لون جلده وشامة على شبه شامة النبي(٢٨٣) (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...)(٢٨٤).
ويصفه المفيد في رواية جاء فيها: (هو شاب مربوع(٢٨٥)، حسن الوجه حسن الشعر يسبل شعره على منكبيه ويعلو نور وجهه سواد شعر لحيته ورأسه(٢٨٦) يذكر الطوسي في كتابه بعض من أوصاف الامام الحجة (عجّل الله فرجه): (... وهـو كأقحوانة(٢٨٧) أرجوان(٢٨٨) قد تكاثف عليها الندى(٢٨٩) وأصابها ألم الهوى وذا هو كغصن بان أو قضيب ريحان سمح(٢٩٠) سخي(٢٩١) تقي نقي ليس بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللازق بل مربوع القامة مدور الهامة(٢٩٢) صلت الجبين أزج الحاجبين أقنى الأنف سهل الخدين على خده الأيمن خال كأنه فتات مسك على رضراضة عنبر(٢٩٣)،(٢٩٤) وعن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) قال: (القائم منا واسع الصدر مشرف المنكبين عريض ما بينهما(٢٩٥)، ويروى عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (المهدي مني أجلى الجبهة(٢٩٦) أقنى الأنف...)(٢٩٧).
وينقل الطبري حديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (المهدي من ولدي وجهه كالكوكب الدري فاللون لون عربي(٢٩٨)، والجسم جسم اسرائيلي(٢٩٩)، يملا الأرض عدلاً كما ملئت جوراً...)(٣٠٠)، واخرج المتقي الهندي رواية بسندها عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: (... كث اللحية(٣٠١)، أكحل العينين(٣٠٢)، براق الثنايا(٣٠٣)، في وجهه خال وفي كتفه علامة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(٣٠٤)، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (... المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي أشبه الناس بي خَلقاً وخلقاً...)(٣٠٥).
ومما ينقل عن أوصاف النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن الملاحظ فيها التشابه الكبير والدقيق ما بينه وبين أوصاف الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) الجسمانية المذكورة في الروايات السابقة(٣٠٦)، وتناقل الكثير من المصنفين أوصافه الجسمانية وهي جميعها متقاربة مع ما ذكره الصدوق.
خامساً - والده الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)(٣٠٧):
الإمام الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي السجاد بن الحسين الشهيد بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ولد يوم الجمعة في الثامن من شهر ربيع الأخر سنة (٢٣٢ه / ٨٤٦م) وقبض شهيداً مسموماً في عهد المعتمد العباسي (٢٥٦هـ/٨٦٩م-٢٧٩هـ/٨٩٢م)(٣٠٨)، في الثامن من شهر ربيع الأول سنة (٢٦٠هـ/٨٧٤م) ودفن في سامراء وامه السيدة حديث أو حديثة أو سوسن (رضي الله عنها) قبض وله من العمر ثمان وعشرون سنة ومدة خلافته بعد أبيه الإمام الهادي (عليه السلام) ست سنين ولقب بالهادي مثل لقب أبيه والعسكري والسراج(٣٠٩).
المبحث الثاني: السيرة المباركة للسيدة نرجس (عليها السلام) والدة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه):
سنطرح مجمل مضمون قصة والدة الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) ثم سنحاول مناقشة فقراتها بعد طرحها بمقاطع منها لطول ورود القصة في الكتاب وقد أفردنا لها مبحثاً خاصاً وذلك لما اكتنف قصتها بعض الغموض يحتاج إلى عدة نقاشات ومقارنتها بما طرحه الصدوق من روايات أو ما تفرد بذكره في كتابه دون غيره.
وأشهر أسمائها المباركة التي عرفت بها وذكرت في أغلب المصادر التاريخية والتي نقلها الشيخ الصدوق في رواياته يذكرها بهذه الأسماء وهي: مليكة(٣١٠)، ونرجس(٣١١)، وصقيل(٣١٢)، وريحانة(٣١٣)، وسوسن(٣١٤) (عليها السلام)(٣١٥).
ينقل الصدوق روايته بسندها عن أبي الحسين محمد بن بحر الشيباني(٣١٦)، عن بشر بن سليمان(٣١٧) النخاس(٣١٨)، احد موالي الإمامين العسكريين (عليهما السلام) وجارهما في مدينة سامراء وقد تفقه على يد الإمام علي الهادي (عليه السلام) في امر بيع وشراء الرقيق(٣١٩)، فكان لا يبيع ولا يبتاع إلا بأذن الإمام ويقول: (حتى كملت معرفتي فيه فأحسنت الفرق فيما بين الحلال والحرام)(٣٢٠).
ثم يقول أن الإمام علي الهادي (عليه السلام) قد أرسل يطلبه في احد الليالي ولما مثل أمامه امتدحه الإمام واخبره انه من ثقاتهم وبعدها أراد منه أن يذهب إلى بغداد ليشتري له جارية، وكتب له كتاباً ملصقاً بخط رومي(٣٢١)، وأعطاه مبلغاً قدره مائتان وعشرون دينار واخبره بصفاتها وملبسها والنخاس الذي عنده هي وامتناعها عمن يحاول لمسها واحتشامها واخبره أن ينظر إليها من بعيد وأنها تمتنع من أن يبيعها صاحبها بشتى الطرق فعندها يأمره الإمام إذا وجدها بهذه الصفة فتقدم نحو النخاس واشتريها منه بعد أن تعطيها الكتاب ويقول بشر انه امتثل إلى أمر الإمام (عليه السلام) وبكل ما أوصاه به ويقول حتى بكت الجارية بكاء شديد بعد أن أعطيتها الكتاب وحلفت إلا أن يبيعها له حتى تم شراؤها بمقدار ما كان معه من المال يعني مائتين وعشرين ديناراً(٣٢٢).
ويقول بشر بعد أن اشتريتها وذهبت بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها في بغداد فقامت بإخراج الكتاب الذي أعطيتها لها من الإمام الهادي (عليه السلام) وأخذت تقبله وتمسح به وجهها وبدنها فيقول بشر تعجبت منها فقلت: (أتلثمين كتاباً ولا تعرفين صاحبه؟ قالت: (أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء أعرني سمعك وفرغ لي قلبك أنا مليكة بنت يشوعا(٣٢٣)، بن قيصر ملك الروم(٣٢٤))، ثم بعدها تسرد له قصة طويلة عندما أراد جدها أن يزوجها من ابن أخيه وعمرها ثلاث عشرة سنة بحضور جمع غفير من الناس وأصحاب السلطة فحصل أن ارتج القصر المعد للزواج فتشاءم الحاضرون وجدها من هذا الزواج النحس والغي ثم أراد أن يزوجها من الثاني فحصل نفس الأمر فتفرق الناس واغتم جدها من الأمر إلى أن تقول أنها رأت في المنام أن المسيح (عليه السلام) والشمعون وصي عيسى(٣٢٥)، قد اجتمعوا في القصر ونصبوا منبراً فدخل عليهم النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومعه فتية فيقول: (يا روح الله إني جئتك خاطباً من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا وأومأ بيده إلى أبي محمد... فنظر المسيح إلى شمعون فقال له: قد أتاك الشرف فصل رحمك برحم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: قد فعلت، فصعد ذلك المنبر وخطب محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وزوجني وشهد المسيح (عليه السلام) وشهد بنو محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...)(٣٢٦).
وبعدها تسترسل بالحديث وتقول أنها أسّرت هذه الرؤيا ولم تقصها على احد مخافة القتل وثم أصابها ضعف ومرض بما أصابها بمحبة أبي محمد (عليه السلام) وقد امتنعت عن الطعام وقد احضر لها جدها العديد من الأطباء فعجزوا عنها إلى أن حدثها جدها وقال لها: (يا قرة عيني فهل تخطر ببالك شهوة فأزودكها في هذه الدنيا؟ فقلت: يا جدي أرى أبواب الفرج علي مغلقة فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من أسارى المسلمين وفككت عنهم الأغلال وتصدقت عليهم ومننتهم بالخلاص لرجوت أن يهب المسيح وأمه لي عافية وشفاء فلما فعل جدي تجلدت في إظهار الصحة في بدني وتناولت يسيراً من الطعام فسر ذلك جدي وأقبل على إكرام الأسرى وإعزازهم...)(٣٢٧).
ثم تقول بعد أربعة أيام رأت في المنام السيدة الزهراء (عليها السلام) ومعها مريم (عليها السلام) حتى خاطبتها وقالت لها: (هذه سيدة النساء أم زوجك أبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأتعلق بها وأبكي وأشكو إليها امتناع أبي محمد من زيارتي فقالت لي سيدة النساء (عليها السلام) إن ابني أبا محمد لا يزورك وأنت مشركة بالله(٣٢٨) وعلى مذهب النصارى وهذه أختي مريم تبرأ إلى الله تعالى من دينك فإن ملتِ إلى رضا الله (عزَّ وجلَّ) ورضا المسيح ومريم عنك وزيارة أبي محمد إياك فتقولي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن أبي محمداً رسول الله، فلما تكلمت بهذه الكلمة ضمتني سيدة النساء إلى صدرها فطيبت لي نفسي وقالت: الآن توقعي زيارة أبي محمد إياك فإني منفذته إليك... فلما كانت الليلة القابلة جاءني أبو محمد (عليه السلام)في منامي... قال: ما كان تأخيري عنك إلا لشركك وإذ أسلمت فأني زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع الله شملنا في العيان)(٣٢٩).
ثم يسألها بشر عن كيفية وقوعها في الأسر فقالت: (أخبرني أبو محمد [عليه السلام] ليلة من الليالي أن جدك سيسرب جيوشاً إلى قتال المسلمين يوم كذا ثم يتبعهم فعليك باللحاق بهم متنكرة في زي الخدم... ففعلت فوقعت علينا طلائع المسلمين حتى كان من أمري ما رأيت وما شاهدت وما شعر أحدٌ بي بأني ابنة ملك الروم... ولقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته وقلت نرجس، عندها يتساءل بشر فقال: العجب انك رومية ولسانك عربي قالت: بلغ من ولع جدي وحمله إياي على تعلم الآداب أن أوعز إلى امرأة ترجمان له في الاختلاف الي فكانت تقصدني صباحاً ومساءً وتفيدني العربية حتى استمرَّ عليها لساني واستقام)(٣٣٠).
ويقول بشر لما عدت بها إلى سامراء ودخلت على مولانا أبي الحسن العسكري (عليه السلام) فقال لها: (كيف أراك الله (عزَّ وجلَّ) الإسلام وذل النصرانية وشرف أهل بيت محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قالت: كيف أصف يا بن رسول الله ما أنت أعلم به منّي؟ قال: فأني أريد أن أكرمك فأيما أحب إليك عشرة آلاف درهم؟ أم بشرى لك فيها شرف الأبد؟ قالت البشرى، قال (عليه السلام) فأبشري بولد يملك الدنيا شرقاً وغرباً... قالت ممن؟ قال: (عليه السلام) ممن خطبك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) له...قالت: من المسيح ووصيه؟ قال فممن زوجك المسيح ووصيه، قالت: من ابنك أبي محمد؟ قال فهل تعرفينه؟ قالت: وهل خلوت ليلة من زيارته إياي منذ الليلة التي أسلمت فيها على يد سيدة النساء أُمه، بعدها قام الإمام الهادي (عليه السلام) باستدعاء السيدة حكيمة (رضي الله عنها) وقال لها: (ها هيا فاعتنقتها طويلاً وسر بها كثيراً فقال لها مولانا: يا بنت رسول الله أخرجيها إلى منزلك وعلميها الفرائض والسنن فإنها زوجة أبي محمد وأم القائم (عليه السلام))(٣٣١).
واخرج خبر وثاقة بشر واعتمد الرواية عدد من المصنفين بما أوصاه به الإمام (عليه السلام) في إيفاده لشراء جارية(٣٣٢)، بنفس مقالة الشيخ الصدوق والآن سنحاول مناقشة هذه الرواية من عدة جوانب:
الجانب الأول:
وثاقة الرواية من خلال من حدثه بها محمد بن بحر الشيباني وهو من الثقات المذكورين في كتب الرجال وينقلها له عن بشر سليمان ويعتبر من ثقات الإمامين العسكريين (عليهما السلام)، وكونه من المتفقهين على يد الإمام (عليه السلام) يكون الأنسب في هذه المهمة وبالرغم من كل ذلك أن الإمام (عليه السلام) يحيط المهمة بشيء من السرية بكتابة الكتاب باللغة الرومية حتى لأيتمكن بشر ولا غيره من الاطلاع على الكتاب ومضمونه ونوع المهمة الا الشخصية المرسل اليها الكتاب وهو عند الصدوق ثقة اذ انه افرد هذا الباب في ذكر ام الإمام القائم (عجّل الله فرجه) برواية واحده ولم يذكر لها عدة طرق كما هو حاصل في اسلوبه في باقي الأبواب أي انه اعتمد على هذا السند للرواية اعتماداً قطعياً، ونلاحظ أن هناك من ينقل هذه الرواية ولا يختلف عنها بشيء كما وردت في الإكمال(٣٣٣).
ولا يمكن القول ان بشراً أو أن ابن بحر أو حتى الصدوق في نقله لهم مصلحة في وضع هذا الخبر إلا أنه محاط بشيء من الحذر حفاظا على هذه القضية وحتى سر القضية إن بشر النخاس لم يتحدث به إلا سنة (٢٨٦هـ/ ٨٩٩ م) حينما قصها على ابن بحر الشيباني(٣٣٤) [ويكفي لهذا سنة واحدة بين زواج السيدة نرجس من الامام الحسن العسكري (عليه السلام)الى ولادتها للإمام الحجة (عجّل الله فرجه) ومن المرجح أن مهمة الشراء والزواج كانت في سنة (٢٥٤هـ/ ٨٦٨ م)] وهي سنة استشهاد الإمام علي الهادي (عليه السلام)(٣٣٥)، قبل ولادة الإمام (عجّل الله فرجه)، وهذا واضح من خلال الرواية حينما وصلت إلى سامراء وامر الإمام الهادي (عليه السلام) عمته تعليمها الفرائض والسنن من ضمن ما قاله لها (فإنها زوجة أبي محمد وأم القائم)(٣٣٦)، أي ان بشر تحدث به بعد (٣٢) سنة وقد كان محتفظاً بسر تلك الحادثة طوال هذه المدة وقد أعطى السبب في ذلك من خلال ما قاله هو وذلك مما دار حديث بينه وبين محمد بن بحر الذي كان يرتحل في طلب العلم، إذ ذكر الصدوق مقالة ابن بحر وهو يستمع احد المشايخ والمقصود منه بشر في مشهد الإمام الكاظم (عليه السلام)(٣٣٧) اذ سمعه يقول لشخص معه: (... يا بن أخي لقد نال عمك شرفاً ما حمله السيدان من غوامض الغيوب وشرائف العلوم... وقد اشرف عمك على استكمال المدة وانقضاء العمر وليس يجد من أهل الولاية، رجلاً يفضي إليه بسره)(٣٣٨).
يلاحظ من كلامه أن بشراً النخاس كبر سنه ويخاف على نفسه من الموت فيضيع ما يحمله من خبر وسر وفضيلة للسيدة نرجس (عليها السلام) وإخبار عن الإمامين العسكريين (عليهما السلام) وهو لا يجد من يبوح له بسر هذا الأمر فينقل بمقتضاه إلى مواليهم وعلموا بخبرهم.
وهنا يبادر ابن بحر بطرح سؤاله - على الشيخ: (فقلت أيها الشيخ من السيدان؟ فقال: النجمان المغيبان في الثرى بسر من رأى، فقلت: إني اقسم بالموالاة وشرف محل هذين السيدين من الإمامة والوراثة إني خاطب علمهما وطالبٌ أثارهما وبإذن من نفسي الإيمان المؤكد على حفظ إسرارهما)(٣٣٩).
الملاحظ هنا أن ابن بحر عندما علم بان هذا الشيخ يحمل إسراراً وأخباراً من الإمامين (عليهما السلام) حينها يقدم نفسه للشيخ انه من طالب علومهم ويقسم له على ذلك وانه قادر على حفظ أسرارهم ويريد أن يعرف ما عنده من خبر هنا يبادر بشر لاختباره فيقول: (ان كنت صادقاً فيما تقول فأحضر ما صحبك من الآثار عن نقلة أخبارهم، لما فتش الكتب وتصفح الروايات منها قال: صدقت أنا ببشر بن سليمان النخاس...) لما يحمله من أخبار وكتب تخص الأئمة، فقال له ابن بحر: (فأكرم أخاك ببعض ما شاهدت من آثارهما)(٣٤٠).
هنا أراد بشر النخاس على أن يطمئن أن ابن بحر من الموالين من خلال الاطلاع على ما يحمله من كتب وأخبار تخص الأئمة وقد تأكد من ذلك وهو بهذا يعتبر كاختبار مفاجئ من دون مناسبة ما بين بشر وابن بحر فوجد انه يحمل من أخبار الأئمة حينها يصدقه ويسرد له القصة كاملاً، فلو كان بشر النخاس غير صادق لما بادر إلى اختبار ابن بحر ليسرد له الحديث كاملاً خوفه من ضياع ما يحمله من خبر وبهذا لم تذكر الرواية إلا عن طريق ابن بحر ومن بشر مباشرة فمن المحتمل أن الصدوق يعتبره خبراً موثوقاً إذ ليس له طريق آخر إذا لاحظنا أن جميع من نقل هذا الخبر كلهم يرفعون سنده إلى ابن بحر إذا لم يحدث به بِشر غيره، وان الخبر هذا كان في زمن الغيبة الصغرى (٢٨٦/٨٩٩ م) لان الغيبة الكبرى وقعت سنة (٣٢٩هـ/٩٤٠م)(٣٤١)، إي أن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) موجود أي أن بين الخبر والغيبة الكبرى (٤٣) سنة وقد تم نقله إلى إن رواه الصدوق وقت تأليف كتابه فمن المحتمل أن تكون وصلت إلى مسامع الإمام (عجّل الله فرجه) فمن غير المعقول أن يصدر هكذا موضوع حتى وان قلنا بغير صحته بوجود الإمام ويتم نقله من غير أن يصدر منه شيء بطريقة أو بأخرى لينكر الخبر المفترى على أمه (عليها السلام) وحديث جده (عليه السلام) مع بشر النخاس إلا أننا لم نجد أي اعتراض تذكره مصادر المتقدمين للإمام (عجّل الله فرجه) أو لمؤلفي تلك المصادر.
اما ضعف الرواية فنجد رأياً واحداً للمحقق الخوئي، اذ يقول عن الرواية: (في سند الرواية عدة مجاهيل(٣٤٢) على انك عرفت فيما تقدم أنه لا يمكن إثبات وثاقة شخص برواية نفسه)(٣٤٣)، ولوجود مجاهيل في الرواية هذا لا يعني نفيها وبنفس الوقت لا يوجد من يطعن أو يجرح بشخصية بشر أو الطعن بوجودها من السابقين وقد اعتمد روايته كبار مؤرخي الشيعة وأولهم شيخ المحدثين الصدوق ومن بعده الطوسي اعتمدوا على نقل الرواية عن طريق راويها محمد بن بحر الشيباني(٣٤٤) وهو من معتمدي رجال الحديث عند الشيعة إذ ترجم للشيباني النجاشي والطوسي، وأيضاً ترجم له المحقق الخوئي في رجاله بأنه كثير الأدب والحديث ولم يطعن بوثاقته(٣٤٥).
ويقول احد المتأخرين: (يكفي في توثيق الشيباني ارتضاء الصدوق... وان دواعي الوضع هنا منتفية)(٣٤٦)، وبهذا يمكن القول بصحة الرواية من ناحية السند عن محمد بن بحر الشيباني كونه لا غبار عليه من قبل مؤرخي الرجال الشيعة وأن من حدثه بها بشر النخاس الذي تعد وثاقته من باب حفظه للسر حتى أنه أحس بقرب اجله وكبر سنه فأراد أن يودع سره عند من يحرز وثاقته وولائه لحفظها عنه فقصها على الشيباني.
الجانب الثاني: قضية محاولة جدها تزويجها من ابن أخ القيصر وما هو سر الضجة وارتجاج:
القصر أثناء مراسيم التزويج حتى تشاءم الحاضرون والقيصر من هذا الزواج فمنعوه فهذا الأمر لا يعد من الغرابة بشيء فالتخطيط الرباني وما أراده الله لهذا الغرض أن تكون السيدة نرجس (عليها السلام) زوجة للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وأما للإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وان هذا ليس بغريب فما حصل لجده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم ولادته(٣٤٧)، ممكن أن يكون ويتحقق له، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (الأئمة بمنزلة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلا أنهم ليسوا بأنبياء ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأما ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(٣٤٨)، فإرادة الله (عزَّ وجلَّ) شاءت ذلك.
ومما قيل بهذا الصدد أن الذي حدث لعله معجزة إلهية حدثت للتوصل إلى غرضين: (احدهما هو استنكار بقاء هؤلاء على المسيحية مع إمكانهم الدخول في الإسلام ومعرفتهم بوجوده فأن الأولى بمصالحهم أن يعتنقوه لا أن يحاربوه، والثانية: استنكار زواج هذه المرأة فأنها مقدرة في علم الله لان تكون زوجة للإمام العسكري (عليه السلام) واماً للمهدي (عجّل الله فرجه) لا ان تكون كما يشاء جدها زوجة لابن أخيه وبحدوث هذه المعجزة يحصل في قلوبهم تشاؤم من حصول الزواج لا يقومون به كما قد اعرضوا عنه فعلاً(٣٤٩).
ربما سائل يسأل أن الذي حصل هذا ليس بولادة الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) حتى يرتج القصر وتحصل المعجزات كما حصل في ولادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنما حصل هذا عندما اراد القيصر جد نرجس (عليها السلام) تزويجها من ابن أخيه، فالجواب هنا يكون أنها ام المولود الذي سيأتي بما أراد الله لينتصر به لدينه ويتم به رسالة جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما ورد من الإخبار، عن تفسير قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (الصف: ٨)، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (بالقائم من آل محمد (عليهم السلام) حتى إذا خرج يظهـره الله على الدين كله حتى لا يعبد غير الله)(٣٥٠)، في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْـرِكُونَ﴾ (الصف: ٩)، سأل احد أصحاب الإمام موسى ابن جعفر (عليه السلام) عن معنى هذه الآية فقال: (هو الذي أمر رسوله بالولاية لوصيه والولاية هي دين الحق، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ قال: يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم...)(٣٥١)، وجاء في تفسير الكوفي عن هذه الآية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا خرج القائم (عليه السلام)...)(٣٥٢)، وعن الباقر (عليه السلام) قال: (ذلك يكون عند خروج المهدي من آل محمد صلوات الله عليه فلا يبقى احد إلا أقر بمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(٣٥٣).
وهذا كله بأراده الله لإتمام حجته على الخلق بالإمام القائم (عجّل الله فرجه) فلعل الحادثة المذكورة في عرقلة الزواج المراد للسيدة نرجس (عليها السلام) من ضمن التخطيط الإلهي المحدد فإبقائها الله لما أراده لها ان تكون زوجة للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وام الامام الحجة (عجّل الله فرجه) المؤمل لإقامة الحق ونشر وبسط العدل ومتمماً لرسالة (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحكمة الله وقدرته.
الجانب الثالث:
موضوع الرؤيا(٣٥٤)، وكيف يمكن الاعتقاد بها بكونها واقعاً مبنياً عليه صحة الرواية والحديث أعلاه، كون نرجس (عليها السلام) قد رأت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المنام وأهل بيته (عليهم السلام) ومن معهم فاثبات ذلك يدعونا للنظر بالنص القرآني والأخبار الواردة بهذا الجانب وخاصة من القرآن الكريم نأخذ منها مثالين، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: ١٠٢)(٣٥٥)، ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَـرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ * قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (يوسف: ٤-٥)(٣٥٦).
من خلال الآيات المباركة أن الرؤيا واردة بالنص القرآني واعتمدت تطبيقها وتحقيقها وخاصة منها أن يوسف (عليه السلام)، يقص روياه على أبيه حينها يأمره بكتمانها خوفاً عليه من أن تحدق به مخاطر أو أذى من قبل إخوته(٣٥٧)، ومن جانب آخر هو في قصة نبي الله إبراهيم (عليه السلام) ورؤيا لذبح ابنه حتى أقدم على ذبحه بالرغم من كونها رؤيا اي انه يريد أن يطبق ما رأه حينها يجزيه(٣٥٨)، بعدها يخاطبه الله (عزَّ وجلَّ): ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (الصافات: ١٠٥)(٣٥٩)، ثم يقول تعالى: ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (الصافات: ١٠٧)(٣٦٠).
ومن خلال ذلك نطرح ثلاثة استنتاجات، أولها أن القرآن الكريم يصرح بأن الرؤيا هي شيء واضح التطبيق وممكن أن يتحقق في الواقع، وثانيها أن القصتين المذكورتين أعلاه وبتفسيرهما ومن قبل اثنين من الأنبياء (عليهما السلام) وقد أعطوا تأوليهما للرؤيا بكونها ستّحقق وبواقع عملي كما فعل إبراهيم (عليه السلام) أنه أراد أن يطبق رؤياه في الواقع حتى جاء أمر الله بالمنع، والثالث أن الرؤيا لا يمكن إنكارها وذلك لورود ما يدل عليها في القرآن الكريم.
بقي عندنا كيف يتم معرفة الاعتقاد بالرؤيا من عدمها وهل هي صالحة من الله ام من الشيطان وذلك لإثبات حجية روايتنا المطروحة من خلال الروايات، روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (الرؤيا الصالحة من الله والحُلم من الشيطان...) وقال: (من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتخيل بي ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة) وقال: (من رآني فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتكونني)(٣٦١)، وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (من رآني في النوم فقد رآني إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي)(٣٦٢).
من خلال الأحاديث السابقة يمكن أن نرجح عدة استنتاجات منها تشير الأحاديث إلى صدق رؤية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وان الرؤيا صادقة بشهادة الحديث النبوي المبارك وإنها صادقة من الله وتعد حجة حسب الحديث وبالتالي أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أعطى رؤيته بصدق بصورة عامة ولم يخصصها للمسلمين فقد بل قال: (من رآني فقد رآني) فتعتبر رؤية السيدة نرجس (عليها السلام) جائزة له وقد شملها تفسير الأحاديث، ومن باب آخر أن من يرافق النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعيسى (عليه السلام) وشمعون في الرؤيا يشملهم صدق الرؤيا باعتبارهم مرافقين له.
ويسأل سائل كيف عرفتهم السيدة نرجس (عليها السلام) من هم هؤلاء الذين رأتهم في الرؤيا، فمن المحتمل انها عرفتهم من خلال محادثتهم في الرؤيا فيما بينهم أو كونها سمعت بهم من أسرى المسلمين والدليل هو إشفاقها على الأسرى وطلبها من جدها إطلاق سراحهم وبهذا يمكن أن نحكم بصدق رؤيتها وكون باقي ما رأته من منامات من رؤية الزهراء (عليها السلام) ومريم (عليها السلام) والإمام العسكري (عليه السلام) هي أيضا رؤيا صادقة كونهم حاضرين في أولها عند رؤية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وان كل ما قامت به لعلها مأمورة أن تقوم به من إخفاء الرؤية وخروجها مع الجيش حرصاً عليها بعد أن قلنا بصدق الرؤيا وتعتبر بشارة لها وما يدل على ذلك هو زواجها من الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) فيما بعد، أما سر كتمان الرؤية فقد أوضحته هي قولها: (مخافة القتل)(٣٦٣).
اما قضية إسلامها فأن أسلمنا لقول صدق الرؤية فأن إسلامها قد صح فمن المحتمل أنها أسلمت باليقظة بعد أن عرفت الطريقة أو الشهادة أما من خلال الرؤية أو انه احتمال سمعتها بطريقة أو بأخرى وان قلنا خلاف ذلك فنقول أنها أسلمت بعد أن ذهبت إلى سامراء على يد الإمام علي الهادي (عليه السلام) ثم سلمها لأخته حكيمة (رضي الله عنها) لتعلمها الإحكام والفرائض، بالرغم من أنها أخبرت الإمام الهادي (عليه السلام) بعد وصولها لسامراء حينما سألها عن الإمام الحسن العسكري (فهل تعرفينه؟ قالت: وهل خلوت ليلة من زيارته إياي منذ الليلة التي أسلمت فيها على يد سيدة النساء [عليها السلام] أُمّه)(٣٦٤)، وهذا ما يثير الشك أنها لها علم بكل هذا وما سيحصل فيما بعد وأنها حقاً مسلمة هو امتناعها من أن يلمسها احد في السوق وتقف محتشمة وتقبيلها للكتاب الذي أعطاه لها بشر وكأنها تعرف صاحب الكتاب واستغراب بشر من ذلك ولعل تعلمها للعربية قبل ذلك هو لغرض ما أو لأمر خفي عن الناس وهي تعرفه دون غيرها أي أنها مهيأة لهذا الأمر قبل أسرها.
أما روايتها لما حصل لها كله قالته لبشر ولم تحدث به غيره باعتبار ان الإمامين العسكريين (عليهما السلام) لهم علم به وأخبرا حكيمة (رضي الله عنها) بكل ذلك كون الأئمة يعرفون كل شيء بإذن الله، فقد سأل احد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) عن الإمام يعلم الغيب؟ فقال: لا ولكن إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه الله ذلك، وعنه (عليه السلام) قال: (أعطينا علم ما كان... وما هو كائن حتى تقوم الساعة وقد ورثناه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وراثة)(٣٦٥).
وأخبرت بشر بالقصة كلها لتأكدها من وثاقته وما حمل معه من كتاب لها يرشدها إلى ما تنتظره ولعل الكتاب فيه ما يطمئنها بوثاقة بشر وفيه أمر القدوم معه وفيه الكثير من التفاصيل التي تشير إلى ما يجب عليها من فعله وقوله حينها فأخبرته بذلك وخاصة أن بشراً لا يفهم ما فيه كونه مكتوباً بلغة رومية، وممكن ان يقال أن السيدة نرجس بالحكمة الإلهية كان لها إيحاء والهام(٣٦٦) بمقتضى المصلحة العامة كون أن الله يعلم بها انها ام الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وما سوف ترى من ضغط ومطاردة وعذاب فهي تحتاج إلى الهام ولو بشكل خاص يوجب تربيتها وتوجيه عواطفها بالشكل المخلص المؤمن فأنها لو كانت مجردة عن هذا الإلهام وكانت مشتراة من السوق من دون إخلاص سابق وتربية داخلية لامكن لها أن تجزع من التعذيب فتبوح بأمر ولدها ويؤدي الأمر إلى مخاطر عليه وهذا ما لا يريده الله أن يكون، قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ (النحل: ٦٨)، سُئل الأمام الباقر (عليه السلام) عن قوله تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ قال: إلهام)(٣٦٧)، لذا لا يمكن إنكار وجود الإلهام كحقيقة كونية إلهية تتحقق بإرادة الله تعالى عند وجود المصلحة فإنكار الإلهام هو تكذيب للقرآن الكريم(٣٦٨).
ومن هذا يمكن القول انها (عليها السلام) ممكن ان يكون حصل لها نوع من الإلهام فالإنسان أكرم على الله من سائر مخلوقاته فليس النحل أكرم على الله من السيدة نرجس (عليها السلام)، الا أنه ما يجهل تفسيره في هذه القصة هو من القيصر المقصود هنا وحتى شمعون لم تعط مصادرنا ما يكفي عنه الا ما ذكرنا في ترجمته سابقاً فيها ومن هي الحرب التي كانت بين المسلمين والروم وهربت فيها حيث أهملت الرواية ذكر اي تاريخ يدل عليها للتمحص أكثر بالرواية إلا أن الرواية مسلم بها بالإجماع والاعتقاد الامامي على الأغلب كما ذكر رواتها سابقاً.
الجانب الرابع:
محاولة استنتاج من هو القيصر المقصود في الرواية وسنة شرائها من قبل بشر النخاس، بعد ان اشرنا سابقاً بحسب الرواية أنها أسرت بعد إحدى الحروب الحاصلة بين الروم والمسلمين وان الإمام الهادي (عليه السلام) كان استشهاده (٢٥٤هـ/ ٨٦٨ م)(٣٦٩) بعد الزواج بأيام بحسب ما أشارت الرواية أنهم أقاموا أياماً عند السيدة حكيمة (رضي الله عنها) ثم مضى أبو الحسن (عليه السلام) في عهد المعتز العباسي (٢٥٢هـ/٨٦٦م - ٢٥٥هـ/٨٦٩ م)(٣٧٠)، ومن خلال ذلك يمكن الاستنتاج من الروايات اي الحروب هذه الحاصلة في هذه المدة أو الأقرب إلى هذا التاريخ ومن هو القيصر المقصود وسنة الشراء في الرواية.
بعد الرجوع للمصادر وملاحظة الحوادث الواقعة والاقرب ما بين سنتي (٢٥٠ه - ٢٥٥ه / ٨٦٤ م - ٨٦٩ م)، لم نجد ما يشير إلى وقوع حرب بين الروم والمسلمين خلال هذه المدة، ثم رجعنا إلى ما قبل هذه المدة وجدنا أن أقرب الحروب الحاصلة قبل هذه المدة هي ما بين سنتي (٢٤٨ ه - ٢٤٩هـ/ ٨٦٢ م - ٨٦٣م) وقد حصل فيها تبادل أسرى ما بين المسلمين والروم لكثرة أعداد الأسرى بين الجانبين(٣٧١) وكان الحاكم العباسي حينها هو المستعين (٢٤٨هـ/٨٦٢م-٢٥٢هـ/٨٦٦م)(٣٧٢)، وكان الملك الروماني في هذه الحقبة هو القيصر ميخائيل بن تيوفيل إذ يذكر انه تسلم حكم الإمبراطورية الرومانية بعد وفاة والده هو وأمه سنة (٢٢٨هـ/ ٨٤٢م) وكان عمره ثماني وعشرين سنة وكانت الحروب بين الروم والمسلمين مستمرة في عهده إلا انه قتل امه سنة (٢٣٣ه /٨٤٩ م) وبقي يحكم لوحده(٣٧٣)، أي انه معاصرة لزمن الإمام الهادي (عليه السلام) الذي تسلم الإمامة بعد استشهاد الإمام الجواد (عليه السلام) ما بين سنتي (٢٢٥ه - ٢٥٤هـ/ ٨٣٩ م - ٨٦٨ م)(٣٧٤)، اي ان عملية شراء الجارية كانت خلال حكم ميخائيل إذ انه بدأ يحكم سنة (٢٢٨هـ/ ٨٤٢م) ولمدة ثمان وعشرين سنة حتى قتل سنة (٢٥٣ه / ٨٦٧ م)(٣٧٥) اي قبل استشهاد الإمام الهادي (عليه السلام) (٢٥٤هـ/ ٨٦٨م) بسنة واحده(٣٧٦)، في عصر المعتز العباسي(٢٥٢هـ/٨٦٦م - ٢٥٥هـ/ ٨٦٩م)(٣٧٧)، وحكم بعد ميخائيل شخص يدعى بسيل الصقلبي وعرف باسم براكنميس من سنة(٢٥٣هـ/ ٨٦٧م) وبقي في الحكم عشرين سنة(٣٧٨)، وعند مراجعة التاريخ في السنين التي حكم فيها هذا القيصر من سنة (٢٥٣ه /٨٦٧م) إلى سنة ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لم تحصل حروب بين المسلمين والروم أو تبادل اسرى(٣٧٩).
وربما سائل يسأل ان تيوفيل والد ميخائيل هذا أيضاً عاصر الإمام الهادي (عليه السلام) ثلاث سنين (٢٢٥ه - ٢٢٨هـ/ ٨٣٩م - ٨٤٢م) قبل ان يتسنم السلطة ولده ميخائيل بن تيوفيل فاحتمال أن يكون الشراء حصل في هذه السنين، فالجواب هنا انه ليس من المعقول ان السيدة نرجس بقيت في بيت حكيمة (رضي الله عنها) من سنة (٢٢٥هـ/ ٨٣٩م) أو السنتين التي بعدها إلى سنة (٢٥٤هـ/٨٦٨ م) أي ما يقارب الثلاثين سنة فقط لتعلمها الفرائض والسنن وهذا ما لا يحتاج إلى تلك المدة هذا فضلاً أنها كان عمرها ثلاث عشر سنة ونقول ما بين سنة الحرب والأسر ثم شرائها سنة واحده يعني (١٤) سنة فيكون عمرها حين الزواج ازيد من ثلاث وأربعين وهي بهذا تكون حتى اكبر من زوجها الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لأنه، استشهد وعمره ٢٨ سنة(٣٨٠)، فالمرجح أن شراؤها كان في زمن تلك الحروب التي حصلت في عهد ميخائيل في السنة الأخيرة من حياة جدها القيصر الذي خاض حروباً كثيرة مع المسلمين في سنة (٢٤٩هـ/٨٦٣م) ويعد هذا في زمن الإمام علي الهادي (عليه السلام)) (٢٢٥ه - ٢٥٤هـ/ ٨٣٩ م - ٨٦٨ م) وعصر المستعين العباسي (٢٤٨هـ -٨٦٢م /٢٥٢هـ - ٨٦٦م)، سيما وان السنين التي تلت عصر ميخائيل لم يكن فيها حروب على الاقل إلى سنة ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، فيكون عمرها حين وصلت سامراء (١٤) سنة وبقائها عند حكيمة (رضي الله عنها) بحدود (٦) سنوات إلى وقت زواجها سنة (٢٥٤هـ/ ٨٦٨م) وعمرها(٢٠) سنة وهو عمر مقبول للزواج والإنجاب.
وربما يقال أن القيصر هو تيوفيل بن ميخائيل بن تيوفيل والذي كان في عصر المعتز العباسي، الا أن هذا القيصر لم تكن في عصره حروب مع المسلمين لأنه حكم بعد سنة (٢٥٣هـ/ ٨٦٧ م) ولم يبقَ مدة طويلة في الحكم اذ استولى على الحكم شخص ليس من سلالة العائلة المالكة(٣٨١)، والرواية تقول انها بنت ابن قيصر الروم، فالمرجح هو ميخائيل بن تيوفيل المعاصر للإمام الهادي (عليه السلام) ومعاصر لحكم المستعين (٢٤٨ه-٨٦٢م /٢٥٢ه - ٨٦٦م) الذي كانت في عصره حروب مع الروم.
الجانب الخامس:
ذكر الصدوق رواية اخرى وهي عن السيدة حكيمة (رضي الله عنها) تقول: (كانت لي جارية يقال لها نرجس فزارني ابن اخي فأقبل يحدق النظر إليها، فقلت له: يا سيدي لعلك هويتها فأرسلها إليك؟ فقال لها: لا يا عمة ولكني أتعجب منها، فقلت: وما أعجبك منها؟ فقال (عليه السلام): سيخرج منها ولد كريم على الله (عزَّ وجلَّ) الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، فقلت: فأرسلها إليك يا سيدي؟ فقال: استأذني في ذلك أبي (عليه السلام)، قالت: فلبست ثيابي وأتيت منزل أبي الحسن (عليه السلام) فسلمت وجلست فبدأني وقال: يا حكيمة ابعثي نرجس إلى ابني أبي محمد قالت: فقلت يا سيدي على هذا قصدتك على أن أستأذنك في ذلك فقال لي: يا مباركة إن الله تبارك وتعالى أحب أن يشركك في الأجر ويجعل لك في الخير نصيباً، قالت حكيمة: فلم ألبث أن رجعت إلى منزلي وزينتها ووهبتها لأبي محمد (عليه السلام) وجمعت بينه وبينها في منزلي فأقام عندي أياماً ثم مضى إلى والده (عليه السلام) ووجهت بها معه. وقالت حكيمة فمضى أبو الحسن (عليه السلام) وجلس أبو محمد (عليه السلام) مكان والده)(٣٨٢) وأخرج الرواية هذه عدد من المصنفين باختلاف السند والتقارب مع نص الرواية بالمضمون دون الاخلال بالمعنى للرواية(٣٨٣).
من خلال هذه الرواية يمكن القول أنها تأكيداً على الرواية الأولى بما تم طرحه في نهاية الرواية الأولى فمن يقول أنها جارية لحكيمة وذلك عندما تم حديث الإمام علي الهادي (عليه السلام) مع نرجس بعد أن وصلت إلى سامراء حينها استدعى السيدة حكيمة وقال لها: (أخرجيها إلى منزلك وعلميها الفرائض والسنن فأنها زوجة أبي محمد وأم القائم (عليه السلام))(٣٨٤).
وبقيت السيدة نرجس (عليه السلام) عندها إلى وقت الزواج ويمكن أن تكون مكثت لمدة طويلة أو قصيرة حتى تمكنت من تعلم الفرائض الواجبة عليها على يد حكيمة (رضي الله عنها) فهي على هذا الحال بقيت أمانة عند حكيمة (رضي الله عنها) بصفة جارية حتى عندما تسأل حكيمة (رضي الله عنها) عنها تقول جارية والدليل أن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عندما زار عمته طلب منها أن تستأذن من أبيه (عليه السلام) فذهبت واستأذنت في ذلك بأن ترسلها لولده، هذا من جانب أو أن الإمام الهادي (عليه السلام) وهبها لحكيمة (رضي الله عنها) كجارية حتى تهبها للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) فيما بعد لتكون بمأمن من أي خطر محتمل والاستئذان الذي حصل هو من باب الطاعة للإمام وأنه هو صاحب التخطيط لهذا الأمر منذ لحظة شراء الجارية حتى وصولها إلى بيت حكيمة (رضي الله عنها) وبدليل ما اخبرها به في الرواية الأولى عندما أمرها بتعليمها الفرائض (فإنها زوجة أبي محمد وام القائم) أي اعلمها بالسر بغية الحرص والحفاظ عليها إلى وقت الزواج فتقول حكيمة حينها، ووهبتها لأبي محمد (عليه السلام))(٣٨٥).
ويذكر المسعودي في مجمل روايته التي ذكرها بنفس الموضوع في خبر الولادة عندما تسأل حكيمة (رضي الله عنها) الإمام العسكري (عليه السلام) (ممن يكون هذا المولود يا سيدي، فقال: من جاريتك نرجس)(٣٨٦)، وما يدل على أمر الحرص وتأمين سلامتها هو أن الزواج في بيت حكيمة (رضي الله عنها) وبقاء الإمام العسكري (عليه السلام) وزوجته في بيت عمته أياماً إلى وقت استشهاد الإمام الهادي (عليه السلام) وآل الأمر له، وهذا هو المرجح في الأمر هو بقاؤها عند حكيمة (رضي الله عنها) بهذه الصفة كجارية، ومن المرجح أن كلا الروايتين صحيحتان.
وهذه الرواية تتفق مع الرواية السابقة بعدة امور منها أن أم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) كانت جارية مملوكة، وأن اسمها نرجس وأن زواج الإمام العسكري (عليه السلام) كان في حياة أبيه وبأذنه ولذا نستطيع أن نعتبر اتفاقهما على ذلك إثباتا تاريخياً كافياً له، إلا أن هذه الرواية تعين وقوع الزواج في الأيام الأخيرة من حياة الإمام الهادي (عليه السلام) ولم يكن هذا واضحاً في الرواية السابقة ولا يوجد اعتراض على الرواية الثانية هو كيف جاز للإمام العسكري (عليه السلام) أن ينظر إليها وهنا بأنه نظر إليها بأذن مالكتها ويحق للإنسان النظر إلى المرأة التي يريد الزواج منها بحكم ما أقره الشرع إلى ما هو مسموح به(٣٨٧)، هذا فضلاً عن أن الإمام العسكري (عليه السلام) إمام معصوم يعرف تكليفه وحدود الشرع ونواهيه وفوق هذا هو معرفته بأنها زوجته المستقبلية وأم الإمام الحجة (عجّل الله فرجه)، وليس النظر المقصود به ما هو عند باقي الناس وإنما بتعجب وليس أكثر من ذلك حينما، قال: (سيخرج منها ولد كريم على الله (عزَّ وجلَّ))(٣٨٨).
ومما يذكر في خبر وفاتها ينقل الصدوق ثلاثة أخبار منها ما نقلته إحدى الجواري كانت في دار الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قالت: (أن اسم ام السيد صقيل وأن أبا محمد (عليه السلام) حدثها بما يجري على عياله فسألته أن يدعو الله (عزَّ وجلَّ) لها أن يجعل منيتها قبله، فماتت في حياة أبي محمد (عليه السلام)، وعلى قبرها لوح مكتوب عليه هذا قبر أم محمد...)(٣٨٩)، ان هذه الرواية تجهل ذكر تاريخ الوفاة مع وجود روايات اخرى تناقضها ولعل الجارية التي نقلت هذه الحادثة لم تتقن النقل لها أو لم تفهمها أو لماذا لم يكتب على القبر احد أسمائها للدلالة على قبرها، أو لعل المخاطبة حينها غير ام الإمام بهدف حماية السيدة نرجس وولدها من أي خطر خلال هذه المدة من خلال نشر خبر يبعد الخطر عنهم والدليل أن هذه الجارية حدثت بهذا الخبر بعد استشهاد زوجها الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)؟
وفي رواية اخرى ينقل أنها كانت موجودة في نفس الليلة التي استشهد بها الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في الثامن من شهر ربيع الأول من سنة مائتين وستين(٣٩٠)، وفي رواية ثالثة انها كانت على قيد الحياة بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام)، بعد أن صلى الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) على والده ودفنه إلى جانب أبيه إلى أن وشى جعفر بن الامام علي الهادي (عليه السلام) بالموضوع بعد أن امتنع جماعة ينقلون الأموال إلى الإمام العسكري (عليه السلام) ولم يعلموا بوفاته فامتنعوا من إعطائها لجعفر فأخبر بذلك المعتمد العباسي(٢٥٦ه - ٢٧٩هـ/٨٦٩ م - ٨٩٢ م)(٣٩١)، حينها أمر بالقبض عليها بحثاً عن الوليد والتي قالت حينها أنها حامل ولم تولد بعد لتغطي على حال الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) ووضعت تحت المراقبة مع نساء الخلافة والجواري يتعاهدن أمرها في كل وقت في عهد القاضي ابن أبي الشوارب(٣٩٢)، إلى أن شغلت العباسيين بعض المشاكل التي لاقتهم(٣٩٣)، وانشغلوا عنها وخرجت من أيديهم(٣٩٤)، ووردت مثل تلك الرواية في مصادر أخرى(٣٩٥).
وبهذا يمكن القول بأنها كانت حاضرة وقت استشهاد الإمام العسكري (عليه السلام) أثناء مدة حكم المعتمد العباسي ما بين سنتي (٢٥٦ ه - ٢٧٩هـ/ ٨٦٩ م - ٨٩٢م) وان اعتقالها لم يكن قبل وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) فليس من المعقول ان تعتقل ام الإمام في حياته ويبقى ساكتاً أو لم يحتج بطريقه أو بأخرى أو لم يحدث بها أصحابه ولم تذكرها المصادر اما بعد استشهاده فمن الممكن ذلك لأنه من ضمن التخطيط لحماية الحجة (عجّل الله فرجه) فهدف السلطة هو القبض عليه بالضغط على والدته وإيداعها الحبس أو المراقبة ويمكن ان نقول انه بعد أن تبين لهم أنها غير حامل اطلق سراحها.
ولم نعثر على ما يدل سنة وفاتها إلا ما أشار إليه الذهبي ليس على وجه التحديد بأن صقيل (عليها السلام) كما يذكرها في الرواية سجنت في زمن المعتضد العباسي (٢٧٩ه - ٢٨٩ه /٨٩٢ م - ٩٠١ م)(٣٩٦)، بعد نيف(٣٩٧) وعشرين سنة من موت سيدها إلى أن ماتت في دولة المقتدر(٢٩٥ه - ٣٢٠هـ/ ٩٠٧م - ٩٣٢م)(٣٩٨)، في قصره(٣٩٩)، ونجد رواية تشير إلى اعتقال جواري وحلائل الإمام العسكري (عليه السلام) بعد وفاته الا أن رواتها يذكروها بصورة عامة(٤٠٠) وقيل أن حبس الجواري كان بوشاية جعفر للتأكد من الحمل ومعرفة من هي التي تحمل ولد أخيه(٤٠١)، ويذكر الاربلي ان اعتقال وحبس الجواري وحلائل الإمام العسكري (عليه السلام) بعد استشهاده بانتظارهم لولده(٤٠٢)، ولعل السيدة نرجس من ضمنهن وهذا يعطينا إشارة من المحتمل أنها كانت حية بعد استشهاد الإمام العسكري (عليه السلام) الا أنه بقي تاريخ وفاتها مجهولاً في جميع المصادر.
وفي رأي لأحد المتأخرين أن المقصود الأساسي من حجزها ومراقبتها ليس البحث عن جنينها أو انتظار ولادتها ويكفي عدة شهور للتأكد من ذلك وإنما المقصود اضطهادها وعزلها عن المجتمع واحتمال اتصال ولدها بها خلال هذه المدة(٤٠٣).
هذا كله يعطينا دلالة على أن السيدة نرجس (عليها السلام) كانت على قيد الحياة إلى ما بعد استشهاد الامام الحسن العسكري (عليه السلام) وأنها بقيت تحت المراقبة والاعتقال وبعيدة عن ولدها ومن المحتمل ان هدف السلطة من وضعها تحت المراقبة لعل ولدها (عجّل الله فرجه) يتصل وهذا ما كانت تطمح إليه السلطة العباسية إلا أن المصادر أغفلت ذكر تاريخ اعتقالها أو وفاتها بالتحديد، ولم نجد عند الصدوق خبر يوضح أو يشير إلى موضع قبرها (عليها السلام) الا ما أشار له أنها توفيت في حياة الإمام العسكري (عليه السلام) وعلى قبرها لوح مكتوب عليه هذا قبر ام محمد(٤٠٤).
ولم يرد في الرواية هل ان هذا القبر في سامراء ام خارجها، ومن المرجح أن القبر الذي في سامراء المجاور لضريحي الإمامين العسكريين (عليهما السلام) هو قبر السيدة حديث (عليها السلام)(٤٠٥) والدة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)(٤٠٦)، وهذا بحسب الرواية التي تقول أن السيدة حديث (عليها السلام) ام الامام العسكري (عليه السلام) أوصت أن تدفن في دار الإمام الهادي (عليه السلام)، ولعله حصل خلط في هذا الأمر وذلك لوجود تشابه بين أسماء السيدة حديث والسيدة نرجس، إذ من أسماء السيدة حديث هو سوسن وريحانة كما هي أسماء السيدة نرجس(٤٠٧) والذي يدعونا للشك هنا بأنه قبر السيدة حديث جدة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وليست امه نرجس (عليها السلام) وذلك حين ماتت الجدة أم الحسن أمرت أن تدفن في الدار وكان لجعفر اعتراض على الأمر وقال: (هي داري لا تدفن فيها، فخرج (عليه السلام) فقال: يا جعفر أدارك هي؟ ثم غاب عنه فلم يره بعد ذلك)(٤٠٨)، وحسب الروايات لا يوجد أثر لقبرين أحدهما للسيدة نرجس والآخر للسيدة حديث بل هناك قبر واحد فقط جوار قبر العسكريين (عليه السلام) فعلى ضوء وصية الجدة ام الحسن (عليه السلام) واحتجاج الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) على جعفر فالمرجح أن القبر المشار إليه هو للسيدة حديث ام الإمام العسكري (عليه السلام) تحت قبة الإمامين العسكريين (عليه السلام) بجوار قبر زوجها وولدها، ومن المحتمل أن يكون أن السيدة نرجس والسيدة حديث وكذلك السيدة حكيمة انهن دفن في هذه البقعة المباركة قرب قبري العسكريين (عليه السلام) إلا أن معالم أحد قبورهن لم يبرز أو اخفي مع قبر آخر من تلك القبور فصار هذا الخلط بين القبور ولعل قبر السيدة نرجس (عليها السلام) اخفي لحكمة ما تتعلق بالإمام الحجة (عجّل الله فرجه).
وقد مال بعض الباحثين إلى الرأي القائل بان القبر المنسوب إلى السيدة نرجس (عليها السلام) الموجود تحت قبة العسكريين (عليهم السلام) هو قبر ام الإمام العسكري (عليه السلام) أي انه قبر السيدة حديث (عليها السلام) استناداً إلى وصيتها بان تدفن في الدار(٤٠٩)، ونرجح هذا الرأي.
وما قيل بأن للإمام الحجة (عجّل الله فرجه) أنه له أخ يذكر الصدوق حسب سند الرواية الذي نقلة بسلسلة من الثقات قال: حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل(٤١٠)، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري(٤١١)، في رواية طويلة اختصرنا بعضها ينقلها المصنف عن إبراهيم بن مهزيار(٤١٢)، قال: (قدمت من مدينة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فبحثت عن أخبار أبي محمد الحسن بن علي الأخير (عليه السلام)... فرحلت إلى مكة مستبحثاً عن ذلك) ثم يروي حديثاً طويلاً انه التقى برجل(٤١٣)، من أصحاب أهل البيت (عليهما السلام) ودار بينهما حديث إلى أن سأله إبراهيم بن مهزيار قال: (هل تعرف من أخبار آل أبي محمد (عليه السلام) شيئاً؟ قال لي: أيم والله أني لأعرف الضوء بجبين محمد وموسى ابني الحسن بن علي (عليهم السلام) ثم أني لرسولهما إليك قاصداً لأنبئك أمرهما فأن أحببت لقاءهما والاكتحال بالتبرك بهما فأرتحل معي إلى الطائف وليكن ذلك في خفية من رجالك وكتمان)(٤١٤).
بعدها يذهب معه إلى الطائف إلى يقول أنهما وصلا إلى احد الأماكن في الطائف في خيمة فدخل صاحبه ليطلب له الإذن بالدخول فسلم عليهما وأعلمهم بمكان إبراهيم بن مهزيار في الخارج فيقول إبراهيم: (فخرج علي أحدهما وهو الأكبر سناً م ح م د ابن الحسن (عليهما السلام)...)، حتى قال إبراهيم: (ونسب نفسه واخاه موسى واعتزل بي ناحية) حتى دار بين إبراهيم والإمام الحجة (عجّل الله فرجه) حديث طويل إلى أن أراد الخروج فقال له الحجة (عجّل الله فرجه): (يا أبا اسحاق ليكن مجلسي هذا عندك مكتوماً...)(٤١٥).
بالرغم من وثاقة سند الرواية الا أنها تتعارض مع ما هو مشهور عند جمع غفير من المصنفين من العامة والخاصة اذ إن الروايات تقول أن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لم يعقب الا ولداً واحداً وهو الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وأنهم لم يذكروا غيره في رواياتهم(٤١٦)، وقد ذكر الطوسي القصة لكن يرجع سند روايتها إلى علي بن ابراهيم بن مهزيار(٤١٧) ولقائه بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بنفس رواية الصدوق مع اختلاف كبير في نقل القصة ولم يذكر له أخ في روايته، ومما يقوله في القصة أنه دخل على الإمام (عجّل الله فرجه) (وبادرته بالسلام)(٤١٨)، ذكر الطبري الرواية ولقاء علي بن إبراهيم بن مهزيار بالإمام الحجة (عجّل الله فرجه) أيضاً وبنفس المضمون ولم يذكر شيء من رواية الصدوق بأن له اخاً أو كان معه احد حين دخل عليه(٤١٩).
ويمكن إعطاء تحليل بسيط لهذه الرواية ومقارنتها مع رواية الطوسي والطبري وهنا عكس رواية الصدوق أنه خرج إليه ولو كان معه احد لذكره أو لقال سلمت عليهما أو إعطائه إشارة ما على وجود شخص أخر غير الشخص الذي أوصله، ولكثرة الأحاديث الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) وخاصة الإمام العسكري (عليه السلام) عن قضية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) إلا أنه لم نجده يذكر أنه له ولد آخر له غير الحجة (عجّل الله فرجه) أو ما هو مصيره بالرغم من ورود الكثير من الأخبار التي أشارت إلى والدته وجدته والعمة حكيمة (رضي الله عنها) وكثيراً ما اخبرهم عن الذي يحصل لهم بعد وفاته ولا يجود مانع لذكره مادام الخطر محدق بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وحتى الروايات التي ينقلها الصدوق في كتابه عن الإمام العسكري (عليه السلام) حين وفاته أو حديثه عن ام الإمام وحتى خبر اعتقال الجواري لم يذكر فيه شيئاً سوى الجواري ولم يكن موجوداً في حديثه عن الجدة التي كانت خارج سامراء، فمن المرجح أن هذه الرواية حصل فيها زيادة أو حتى قل انه يتحدث عن موضوع آخر غير معلوم القصد منه وحتى أن الشخص المرافق لابن مهزيار غير معلوم من هو لا في رواية الصدوق ولا حتى عند الطوسي والطبري الذين يرويان خبر اللقاء ويتفقان بمضمون نقل الرواية ويذكران انه رافقه شخص ولم يعرفا من هو.
بالرغم من أن الطوسي والطبري يرجعان سند روايتها إلى علي بن إبراهيم بن مهزيار وليس إبراهيم بن مهزيار إذ ان رواية الصدوق بما انها بنفس المضمون إلا أنها ممكن أن يكون حصل فيها الدس أو الزيادة أو من المحتمل أن هذا من هفوات النساخ بذكر اسم موسى وعلى ان مضمون رواية الصدوق هذه لم تذكر عند غيره بأن للإمام أخاً إذن لا تواتر على خبره هذا فلا قطعية فيها ولا تعتبر دليلاً على وجود الأخ لعدم تواترها وفيها مخالفة لاتفاق جميع الرواة وهنا أيضا ننزه ساحة الصدوق من هذا كون أغلب أخباره الواردة في الكتاب تتفق مع غيره بل أخذها أغلب من روى عن قضية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
وما يفند هذه الرواية هو ما أورده الصدوق في موضع آخر في الكتاب عن نفس اللقاء هذا بأن يذكرها بسند آخر صحيح انه صاحب اللقاء هو علي بن إبراهيم بن مهزيار وأن تفاصيل هذه الرواية يوجد فيها بعض الاختلافات عن الرواية السابقة ولا يذكر فيها أخاً للإمام الحجة (عجّل الله فرجه) حتى ان الفرق ما بين الروايتين فيه اختلاف عندما يذكر فيهما أوصاف الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) فالرواية الثانية منها(٤٢٠)، تتطابق مع روايات المفيد والطوسي والطبري وباقي المصنفين الذين أشرنا لرواياتهم سابقاً.
اما سر التناقض ما بين ذكر روايتين وبنفس المضمون لا يمكن أن يكون سببها الصدوق بوضوح هذا الاختلاف ما بين الروايتين إلا أنه من اسلوبه انه يذكر روايته بعدة طرق وليس بتناقض واضح ممكن أن يطلع عليه ابسط من مستوى الصدوق إلا أنها كما ذكرنا سابقاً أما بسبب النساخ أو الدس والتزييف كما هو حاصل ومعروف لكثير من الحقائق والروايات التاريخية.
المبحث الثالث: مفهوم الإمامة والاستخلاف في الأرض منذ خِلق آدم (عليه السلام) حتى إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه):
أورد الصدوق عدداً من المباحث العامة التي تشير إلى موضوع الخلافة والإمامة وهي بمجملها مقدمة يحاول الاستدلال بها على إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) سنحاول ذكرها باختصار وذلك لطول المباحث التي يطرحها في أبواب الكتاب وسنحاول فهم موضوعة هذه المباحث من خلال أحاديث النبي وآله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما ورد في تفسير بعض الآيات القرآنية ومقارنتها مع ما طرحه المصنف بالمضمون العام لها لان هذه المباحث يشير من خلالها المصنف إلى موضوع الاستخلاف وأنها حقاً في محمد وال محمد عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
أولاً - مفهوم الإمامة(٤٢١) واتصال الوصية منذ خلق آدم (عليه السلام):
يقول المصنف بأن الخلافة أوجبها الله وأوجب طاعة من يستخلفه بمقتضى المصلحة العامة للبشرية، فأن الله تبارك وتعالى يقول في محكم كتابه: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)(٤٢٢)، فبدأ بالخليفة قبل الخليقة فدل ذلك على أن الحكمة في الخليفة أبلغ من الحكمة في الخليقة يقول الإمام الصادق (عليه السلام): (الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق) ويشير إلى أن حكمة الله (عزَّ وجلَّ) أوجبت الخليفة لتنظيم امور البشرية وإقامة حدود الله وتقويم المفسد وان الطاعة تعم ثم يقول الصدوق: (من زعم أن الدنيا تخلو ساعة من إمام لزمه أن يصحح مذهب البراهمة(٤٢٣) في إبطالهم الرسالة ولو لا أن القران نزل بأن محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خاتم الأنبياء لوجب كون رسول الله في كل وقت) ثم يوضح ذلك بأن الله سبحانه وتعالى لا يقدم شيئاً للبشرية لا يتقبله العقل البشري ولا يدعو لسبب الأبعد ان يصور في العقول حقائقه وله في العقل صورة ثابتة وبالخليفة يستدل على المستخلف(٤٢٤).
ويضع العلامة الحلي تعريفاً للإمامة قال: (رئاسة عامة في امور الدين والدنيا لشخص من الأشخاص نيابة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهي واجبة عقلاً لان الإمامة لطف فأنا نعلم قطعاً أن الناس إذا كان لهم رئيس مرشدٌ مطاعٌ ينتصف للمظلوم من الظالم ويردع الظالم عن ظلمه كانوا إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد وقد تقدم أن اللطف واجب)(٤٢٥).
فالاستخلاف واجب لمعرفة الله فعن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: (إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حتى يعرف)(٤٢٦) وأمر خلافة الأرض واجب بحق الإمامة والاعتراف بمحمد وال محمد حيث وضح ذلك عندما تاب الله (عزَّ وجلَّ) على آدم(٤٢٧) (عليه السلام) وأنهم من ذريته وقيل أنهم من ضمن الأسماء التي تاب الله بها على آدم (عليه السلام)، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أن الله تبارك وتعالى عرض على آدم في الميثاق ذريته فمر به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو متكئ على علي (عليه السلام) وفاطمة صلوات الله عليها تتلوهما والحسن والحسين(عليهما السلام) يتلوان فاطمة (عليها السلام)، فقال الله: يا آدم إياك أن تنظر إليهم بحسد أهبطك من جواري فلما أسكنه الله الجنة مثل له النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين (صلوات الله عليهم) فنظر اليهم بحسد ثم عرضت عليه الولاية فأنكرها فرمته الجنة بأوراقها، فلما تاب إلى الله من حسده وأقر بالولاية ودعا بحق الخمسة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهما السلام) غفر الله له وذلك لقوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: ٣٧)(٤٢٨).
وفي تفسير الآية السابقة يروى عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (لما نزلت الخطيئة بأدم واخرج من الجنة آتاه جبرائيل (عليه السلام) فقال: يا آدم ادع ربك قال: حبيبي جبرائيل ما أدعو قال: قل رب أسألك بحق الخمسة الذين تخرجهم من صلبي آخر الزمان الا تبت علي ورحمتني فقال له آدم (عليه السلام) يا جبرائيل سمهم لي قال: رب أسألك بحق محمد نبيك وبحق علي وصي نبيك وبحق فاطمة بنت نبيك وبحق الحسن والحسين سبطي نبيك إلا تبت علي ورحمتني...)(٤٢٩)، ويروى أن آدم رأى مكتوباً على العرش أسماء معظمة مكرمة فسأل عنها؟ فقيل له هذه أسماء أجل الخلق منزلة عند الله تعالى والأسماء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) فتوسل آدم ربه بهم قبول توبته(٤٣٠).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (والله ما ترك الله أرضاً منذ قبض آدم (عليه السلام) إلّا وفيها إمام يهتدى به إلى الله وهو حجته على عباده ولا تبقى الأرض بغير إمام حجة لله على عباده) وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما زالت الأرض ولله فيها حجة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله)(٤٣١)، وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (ان الأرض لم تخل الا وفيها منا عالم فإذا زاد الناس قال زادوا وإذا نقص الناس قال نقصوا ولن يخرج الله ذلك العالم حتى يرى في ولده من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله)(٤٣٢)، وهم بهذا امتداد لخلافة الله على أرضه باتصال الوصية ووضوحها منذ خلق الله ادم (عليه السلام) إلى ان تناقلت من الأنبياء (عليهم السلام) وصولاً إلى محمد وال محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: ٢٨)(٤٣٣) فإن الكلمة الباقية هي كلمة التوحيد وعقب إبراهيم (عليه السلام) هم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآل محمد وهي الإمامة إلى يوم الدين(٤٣٤)، فالإمامة باقية في عقب الحسين (عليه السلام) إلى يوم القيامة(٤٣٥).
ويوضح ذلك الصدوق في الإشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (البقرة: ١٢٤)، سأل احد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) عن معنى هذه الآية؟ قال: (هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه وهو أنه قال: يا رب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تبت علي فتاب عليه انه هو التواب الرحيم، ...)، فَأَتَمَّهُنَّ؟ قال: (يعني أتمهن إلى القائم (عليه السلام) اثنا عشر إماما تسعة من ولد الحسين (عليه السلام))(٤٣٦).
ثم يتناول الصدوق بعد ذلك مباحث اخرى مستدلاً بها ويجعلها مقدمة ليثبت وجود الإمام ووجوب طاعته منها قضية وجوب طاعة الخليفة وان الخلافة باقية إلى يوم القيامة ومن زعم ان خلافة الأرض محصورة بالنبوة فقد أخطأ والدليل قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضـى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْـرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥)(٤٣٧) ولو كانت كذلك لأوجب أن يبعث نبياً بعد محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وان الوعد ثابت من الله بأن الخلافة غير النبوة، وهذا ان الخلافة جعلت أيضاً للهداية وتوحيد الله واثبات الحقوق ثم يشير إلى أن اختيار الخليفة هو من الله (عزَّ وجلَّ) وليس لأحد أن يختار غيره، ووجوب وحدة الخليفة في كل عصر أي وجود خليفة واحد لكل عصر ولزوم وجود ذلك الخليفة لكل عصر وان يكون الإمام بهذا معصوماً وان الله لا يستخلف إلا من له نقاء وسريرة صافية ومن ارتضاه الله وطهره مع وجوب عصمته حتى يقال ان الله سبحانه وتعالى أمر الملائكة بالسجود لأدم (عليه السلام) تعظيماً له ولما أودع صلبه من أرواح حجج الله تعالى فكان هذا السجود عبودية لله ولآدم (عليه السلام) طاعة(٤٣٨).
والواضح أن الصدوق أراد من مباحثه السابقة الإشارة إلى فضل محمد وآل محمد وان الله فضلهم على سائر خلقه وأنهم هم الخلفاء للأنبياء والرسل ومن آل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وان علي والأئمة من ولده (عليهم السلام) هم خلفاؤه، فيقال أن وجود الإمام هو لطف من الله تعالى لعبيده لأنه بكونه بينهم يجتمع شملهم ويتصل حبلهم فإذا عدم وجود الإمام بطل الشرع وأحكام الدين ويوجب أن يكون الإمام أفضل الأمة لان عبء الإمامة ثقيل وأمرها عظيم لأنه المحافظ على الشرع ولأنه عند أهل الحق والعدل يجب ان تجتمع فيه خصال الخير المتفرقة في غيره لا يتحملها إلا من كامل الأدوات حاوياً لأسباب الخيرات كالعلم بكتاب الله وسنة رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والوصول إلى معرفة هذه الخصال المحمودة والخصال المعدودة إلا بوحي من الله إلى رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وانه ينص على من يخلفه من بعده(٤٣٩).
وقد كرمهم الله دون غيرهم وجعل ذكرهم والوصاية بهم وأنهم خلفاء الله في أرضه منذ خلق الله ادم (عليه السلام) وانه فضل محمد وآل محمد صلوات الله عليهم على سائر الأنبياء والخلق عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (أن الله تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فجعل أعلاها وأشرفها أرواح محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة صلوات الله عليهم أجمعين فعرضها على السماوات والأرض والجبال فغشيها نورهم فقال الله تبارك وتعالى للسماوات والأرض والجبال هؤلاء أحبائي وأوليائي وحججي على خلقي وأئمة بريتي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منهم لهم ولمن والاهم خلقت جنتي ولمن عاداهم خلقت ناري... ومن اقر بولايتهم ولم يدع منزلتهم مني ومكانهم من عظمتي جعلته في روضات جناتي...) حتى تشفع بهم ادم (عليه السلام) إلى الله فتاب عليه فلم يزل أنبياء الله بعد ذلك يحفظون هذه الأمانة ويخبرون بها أوصياءهم والمخلصين من أُممهم(٤٤٠)، وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (والذي نفسي بيده ما استوجب آدم أن يخلقه الله وينفخ فيه من روحه وأن يتوب عليه ويرده إلى جنته إلا بنبوتي والولاية لعلي بعدي... والذي نفسي بيده ما تنبأ نبي قط الا بمعرفتنا والإقرار لنا بالولاية ولا استأهل خلق من الله النظر إليه بالعبودية له والإقرار لعلي بعدي)(٤٤١).
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (خلقت إنا وعلي من نور واحد نسبح الله يمنة العرش قبل آدم بألفي عام فلما خلق آدم جعل ذلك النور في صلبه ولقد سكن الجنة ونحن في صلبه ولقد هم بالخطيئة ونحن في صلبه ولقد ركب نوح السفينة ونحن في صلبه ولقد قذف بإبراهيم في النار ونحن في صلبه فلم يزل ينقلنا الله (عزَّ وجلَّ) من أصلاب طاهرة إلى أرحام مطهرة حتى انتهى بنا إلى عبد المطلب فقسمنا بنصفين فجعلني في صلب عبد الله وجعل علياً في صلب أبي طالب وجعل في النبوة والبركة وجعل في علي الفصاحة والفروسية وشق لنا اسمين من أسمائه فذو العرش محمود وأنا محمد والله الأعلى وهذا علي)(٤٤٢)، وفي رواية نفسها لابن المغازلي يختمها (ففي النبوة وفي علي الخلافة) وفي اخرى يقول: (فأخرجني نبياً وأخرج علي وصياً)(٤٤٣).
ولذا كان ومازال موضوع الإمامة له صلة مباشرة مع النبوة بما خرج من النص القرآني والحديث الشريف ينقل الصدوق بسنده عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (إن الله (عزَّ وجلَّ) لم يقبض نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى أكمل الدين وانزل عليه القرآن فيه تفصيل كل شيء بين فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كمالاً فقال (عزَّ وجلَّ): ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَـرُونَ﴾ (الانعام: ٣٨)(٤٤٤)، وانزل في حجة الوداع وهي آخر عمره (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة: ٣) فأمر الإمامة من تمام الدين ولم يمضِ حتى بين لأمته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد الحق وأقام لهم علياً (عليه السلام) علماً وإماما... ومن زعم ان الله (عزَّ وجلَّ) لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله العزيز ومن رد كتاب الله (عزَّ وجلَّ) فهو كافر...)(٤٤٥) حتى قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله)(٤٤٦)، وفي خبر هذه الآية السابقة قيل يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (أنزلت في علي، قال: بل فيه وفي أوصيائي إلى يوم القيامة)(٤٤٧).
جاء في الأخبار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾ (المائدة: ٥٥)(٤٤٨) قال: (إنما يعني أولى بكم أي أحق بكم وبأموركم وأنفسكم وأموالكم الله ورسوله والذين أمنوا يعني علياً وأولاده الأئمة (عليهم السلام) إلى يوم القيامة...)(٤٤٩).
يروى ان سائلاً مر بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفي يده خاتم فقال: (من أعطاك هذا الخاتم) قال ذاك الراكع وكان علي يصلي فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الحمد لله الذي جعلها في وفي أهل بيتي)(٤٥٠)، فهذا الأمر هو ثابت فيهم وعائد إليهم ومتصل إلى آخرهم، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (ليلة اسري بي إلى السماء أوحى الله (عزَّ وجلَّ) إلي: أن سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا؟ فقلت: على ماذا بعثتم؟ قالوا: على نبوءتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمة منكما ثم أوحى الله الي: أن التفت عن يمين العرش فإذا علي والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والمهدي صلوات الله عليهـم...)(٤٥١)، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (الأئمة بمنزلة رسول الله صلوات الله عليه واله الا أنهم ليسوا بأنبياء ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٤٥٢)، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (أنا ميزان العلم وعلي كفتاه والحسن والحسين خيوطه وفاطمة (عليها السلام) علاقته والأئمة من ولدهم عموده فينصب يوم القيامة فيوزن فيه أعمال المحبين لنا والمبغضين لنا)(٤٥٣).
وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نظر يوما إلى علي والحسن والحسين (عليهم السلام) فبكى(٤٥٤) وقال: أنتم المستضعفون من بعدي [ فقيل للإمام الصادق (عليه السلام)] ما معنى ذلك يا بن رسول الله قال: معناه أنكم الأئمة من بعدي أن الله تعالى يقول: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (القصص: ٥)(٤٥٥)، فهذه الآية جارية فينا إلى يوم القيامة)(٤٥٦).
وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: لعلي (عليه السلام) (يا علي أنت المظلوم من بعدي من ظلمك فقد ظلمني ومن أنصفك فقد أنصفني ومن جحدك فقد جحدني ومن والاك فقد والاني ومن عاداك فقد عاداني ومن أطاعك فقد أطاعني ومن عصاك فقد عصاني)(٤٥٧).
ويقول الصدوق: (ان الإمامة اجل وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جنباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماما باختيارهم وان الإمامة خص الله (عزَّ وجلَّ) بها إبراهيم الخليل (عليه السلام) بعد النبوة والخلة مرتبة ثالثة... فقال (عزَّ وجلَّ): ﴿قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً﴾ (البقرة: ١٢٤)(٤٥٨)، فقال الخليل (عليه السلام) سروراً بها: ﱡﭐ ﲢ ﲣﱠ، قال تبارك وتعالى: ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤)(٤٥٩)، فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة وجعلا في ذريته أهل الصفوة والطهارة... فلم يزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً حتى ورثها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ٦٨)(٤٦٠)، فكانت له خاصة فقلدها (صلّى الله عليه وآله وسلّم)علياً (عليه السلام) بأمر الله (عزَّ وجلَّ) على رسم ما فرضها الله (عزَّ وجلَّ) فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان لقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأَيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ٥٦)(٤٦١)، فهي في ولد علي (عليه السلام) خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبي بعد محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)... وان الإمامة هي منزلة الأنبياء وارث الأوصياء وان الإمامة خلافة الله تعالى وخلافة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين (عليهم السلام))(٤٦٢).
وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مخاطباً جماعة من الناس قال: (يأيها الناس ما لكم إذا ذكر إبراهيم وآل إبراهيم أشرقت وجوهكم وطابت نفوسكم وإذا ذكر محمد وال محمد قست قلوبكم وعبست وجوهكم والذي نفسي بيده لو عمل أحدكم عمل سبعين نبياً ما دخل الجنة حتى يحب هذا وولده، وأشار إلى علي بن أبي طالب...)(٤٦٣)، يقال لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (الشورى: ٢٣)(٤٦٤) قال بعض أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم، قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): علي وفاطمة وولداهما)(٤٦٥)، وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (اقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت)(٤٦٦).
فالإمامة أمر من الله وباختياره، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أترون الموصي منا يوصي إلى من يريد لا والله ولكن عهد من الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لرجل فرجل حتى ينتهي الأمر لصاحبه)(٤٦٧)، حتى أن أمر الوصية في أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما أشكل عليها من قبل البعض حينما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من كنت مولاه فعلي مولاه) وقيل له هذا منك أم من الله قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (والذي لا اله إلا هو إن هذا من عند الله (عزَّ وجلَّ))(٤٦٨)، وبهذا الصدد ذكر عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ (الصافات: ٢٤)(٤٦٩)، قال: هي ولاية علي ما صنعوا في أمره وقد أعلمهم الله (عزَّ وجلَّ) انه الخليفة بعد رسوله)(٤٧٠).
ويرد تعليق للعلامة الحلي في مضمون النص على الإمام من الله (عزَّ وجلَّ) وليس من اختيار أحد غيره يذكر فيه: (أن الله تعالى قد بين جميع أحكام الشريعة أجلها وأدونها حتى بين كيفيات الأكل والشرب وما ينبغي اعتماده في دخول الخلاء والخروج منه والعلامات الجليلة والحقيرة فكيف يهمل مثل هذا الأصل العظيم ويجعله إلى اختيار المكلفين مع علمه تعالى باختلافهم وتباين آرائهم وتنافر طباعهم)(٤٧١).
وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (لما قضى محمد نبوته واستكمل أيامه أوصى الله تعالى إليه أن يا محمد قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك فأجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وأثار علم النبوة في أهل بيتك عند علي بن أبي طالب فأني لن أقطع العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وأثار علم النبوة من العقب من ذريتك كما لم أقطعها من ذريات الأنبياء)(٤٧٢)، وفي رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (أن الله تعالى لما أسرى بنبيه قال له يا محمد إنك ان نقضت نبوتك وانقطع أجلك فمن لأمتك من بعدك فقلت يا رب قد بلوت خلقك فلم أجد أشد حباً لي من علي بن أبي طالب قال: يا محمد فأبلغه أنه غاية الهدى وإمام أوليائي ونور لمن أطاعني)(٤٧٣)، وان الله (عزَّ وجلَّ) لم يخلق أفضل من محمد وال محمد وأحبهم وأكرمهم عليه وهذا ما أقر به جميع النبيين قبله وان الله خلق جميع ما خلق له ولأهل بيته(٤٧٤).
وهذا كله إشارة إلى ذرية نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من نسل المطهرة البتول (عليها السلام) وان الإمامة فيهم لما خصهم الله من الشرف والعلم والحلم والقيام بأمر الله النصح لعباده وأعطاهم من الصفات ما لم تكن عند غيرهم للقيام بأمر الله والخلافة على أرضه وكيف لهم أن يكونوا خاصته من خلقه حتى قال الله (عزَّ وجلَّ) في الأئمة من أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وذريته (عليهم السلام): ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾ (النساء: ٥٤ - ٥٥)، فكان هذا بحكمة الله وقدرته لما أودع عندهم وبما خصهـم وذكره في كتابه هـدى للناس لإتباع الحق باختيار الله (عزَّ وجلَّ)(٤٧٥).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) في معنى الآية السابقة الذكر أنه قال: (والمراد بالفضل فيه النبوة وفي آله الإمامة) وعن الصادق (عليه السلام) قال: (نحن قوم فرض الله طاعتنا لنا الأنفال(٤٧٦) ولنا صفوة المال ونحن الراسخون في العلم ونحن المحسودون الذين قال الله في كتابه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾، قال: والمراد بالكتاب النبوة وبالحكمة الفهم والقضاء وبالملك العظيم افتراض الطاعة)(٤٧٧).
وعن الامام الباقر (عليه السلام) قال فيها: (نحن الناس)(٤٧٨)، فكانت لهم السيادة على الناس بما أرادهم الله لحفظ دينه وتوحيده، حتى جاء في معنى قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (البقرة: ١٤٣)، ورد في معناها عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (فرسول الله شاهد علينا ونحن شهداء على الناس وحجته في أرضه)(٤٧٩)، وفي ذلك ورد عن الباقر (عليه السلام) قال: (نحن الأمة الوسط ونحن شهداء الله على خلقه وحجته في أرضه...)(٤٨٠).
ثانياً - العلة التي من أجلها يحتاج إلى الإمام والنص على إمامة الأئمة (عليهم السلام):
يتطرق مصنف الكتاب إلى العلة والسبب التي يحتاج فيها إلى الإمام وقد أورد بهذا المضمون ثلاثة وعشرين حديثاً بأسانيدها نذكر جملة منها، فيروي الصدوق عن أبيه بسند الرواية عن أبي عبد الله (عليه السلام) سأله احد أصحابه قال: (قلت له: أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت(٤٨١)،(٤٨٢) وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت(٤٨٣)، بأهلها كما يموج البحر بأهله)، وعن الرضا (عليه السلام) قال: (معاذ الله لا تبقى ساعة إذاً لساخت)(٤٨٤)، وعنه (عليه السلام) قال: (نحن حج الله في خلقه وخلفائه في عباده وأمنائه على سره ونحن كلمة التقوى... بنا يمسك السموات والأرض أن تزول وبنا ينزل الغيث وينشر الرحمة ولا يخلو الأرض من قائم منا ظاهر أو خاف ولو خلت يوماً لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله)(٤٨٥).
وروي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (اني واثني عشر من ولدي وأنت ياعلي زر الأرض [يعني أوتادها وجبالها] بنا أوتد الله الأرض أن تسيخ بأهـلها فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم ينظروا)(٤٨٦)، وعن ابي جعفر (عليه السلام) قال: (لو ان الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله)(٤٨٧).
وعن هذا الأمر يضع الشريف المرتضى عدة تعليقات فيما يخص الحاجة إلى الإمام منها قال: (كون الإمام لطفاً في كل الأفعال والتكاليف لظهوره فيما يتعلق بأفعال الجوارح لا يمتنع أيضاً ان يكون لطفاً فيما يختص القلوب من الاعتقادات والقصود لان المعلوم من حال الناس أن إصلاح سرائرهم كالتابع لصلاح ظواهرهم واستقامة امورهم وحسن طريقتهم فيما يتعلق من أفعالهم الظاهرة من أبر الدواعي إلى استقامة ضمائرهم أيضاً وعلى هذا يمكن ان يكون الإمام لطفاً في الكل)(٤٨٨)، (ولزوم الحجة بالأخبار التي يكون الإمام من ورائها وحاضراً لها ومتمكناً من استدراك ما يقع فيها من الغلط من الأخبار التي لا إمام من ورائها ولا معصوم يرجع اليه عند وقوع الغلط فيها... وعدم استغنائنا عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالأخبار بعد وفاته اذا لم يكن في الزمان امام يتلافى ما يقع من الغلط فيها)(٤٨٩).
عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (شركائي الذين قرنهم الله بنفسه وبي أنزل فيهم: ﴿يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩)(٤٩٠)، فأن خفتم تنازعاً في امر فأرجعوه إلى الله والرسول أولي الامر، قلت يا نبي الله من هم قال: أنت أولهم)(٤٩١) وفي نفس الخبر عنه (عليه السلام): (قلت يا نبي الله ومن هم قال: الأوصياء إلى أن يردوا علي الحوض كلهم هاد مهتد لا يضرهم خذلان من خذلهم هم مع القرآن والقرآن معهم لا يفارقونه ولا يفارقهم بهم تنصر امتي... قلت يا نبي الله سمهم لي فسماهم رجلاً رجلاً)(٤٩٢).
وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض)(٤٩٣)، وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمير المؤمنين (عليه السلام): اكتب ما أملي عليك، قال يا نبي الله أتخاف علي النسيان؟ فقال: لست أخاف عليك النسيان وقد دعوت الله لك أن يحفظك ولا ينسيك ولكن اكتب لشركائك، قال: قلت ومن شركائي يا نبي الله؟ قال: الأئمة من ولدك بهم تسقى أمتي الغيث وبهم يستجاب الدعاء وبهم يصرف الله عنهم البلاء وبهم تنزل الرحمة من السماء وهذا أولهم وأومأ بيده إلى الحسن (عليه السلام) ثم أومأ بيده إلى الحسين (عليه السلام) ثم قال: الأئمة من ولده)(٤٩٤) ويقول الصدوق: (وتصديق قولنا إن الإمام يحتاج إليه لبقاء العالم على صلاحه أنه ما عذب الله (عزَّ وجلَّ) امة إلا وأمر نبيها بالخروج من بين أظهرهم)(٤٩٥)، وورد مثل الحديث المروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) في مصادر اخرى(٤٩٦) وعن الصادق (عليه السلام) قال: (إن الله لم يدع الأرض بغير عالم ولولا ذلك لما عرف الحق من الباطل)(٤٩٧).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أبى الله ان يجري الأشياء بأسباب فجعل لكل شيء سبباً وجعل لكل سبب شرحاً وجعل لكل شرح علماً وجعل لكل علم باباً ناطقاً عرفه من عرفه وجهله من جهله ذاك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونحن)(٤٩٨)، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (قال الله تبارك وتعالى: استكمال حجتي على الأشقياء من امتك من ترك ولاية علي والأوصياء من بعدك فأن فيهم سنتك وسنة الأنبياء من قبلك وهم خزاني على علمي من بعدك ثم قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لقد أنبأني جبرائيل (عليه السلام) بأسمائهم وأسماء آبائهم)(٤٩٩)، وعن الرضا (عليه السلام) قال: (الأئمة خلفاء الله (عزَّ وجلَّ) في أرضه)(٥٠٠)، فيكون هذا وضحاً في كونهم (عليهم السلام) هم التطبيق الواضح لديمومة هذا العالم وصلاحه وحجج الله على خلقه بما ورثوه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأنبياء من قبله.
ثم يتطرق مصنف الكتاب إلى وجوب الوصية واتصالها من أدم (عليه السلام) وان الأرض لا تخلو من حجة لله (عزَّ وجلَّ) إلى يوم القيامة وقد أوضح هذا العنوان بالإشارة إليها بخمس وستين حديث نأخذ جملة منها، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (انا سيد النبيين ووصيي سيد الوصيين أوصياؤه سادة الأوصياء... [ ثم يشير بحديث طويل عن تناقل الوصية ما بين الأنبياء إلى أن وصلت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ] ثم يقول: وأنا ادفعها إليك يا علي وأنت تدفعها إلى وصيك ويدفعها وصيك إلى أوصيائك من ولدك واحداً بعد واحد حتى تدفع إلى خير أهل الأرض بعدك ولتكفرن بك الأمة ولتختلفن عليك اختلافاً شديداً والثابت عليكم كالمقيم معي والشاذ عنك في النار والنار مثوى الكافرين)(٥٠١).
ثم يروي الصدوق حديث طويل عن الإمام الباقر (عليه السلام) يشير به إلى الأنبياء ورسالاتهم والأمم التي بعثوا إليها ثم يذكر أوصياءهم وأنها متصلة ما بين الأنبياء (عليهم السلام) والأوصياء وان هذا الأمر لا يمكن أن ينقطع إلى ان يقول: (وأرسل الله (عزَّ وجلَّ) محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الجن والإنس عامة وكان خاتم الأنبياء وكان من بعده الاثنا عشر الأوصياء منهم من أدركنا ومنهم من سبقنا ومنهم من بقي...)(٥٠٢)، واخرج الصدوق عدة أحاديث بأسانيد متفرقة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيها دلال واضحة على عدد الأئمة (عليهم السلام) قال: (يكون بعدي اثنا عشر أميراً كلهم من قريش)(٥٠٣).
واخرج الرواية السابقة الواردة عند الصدوق جملة من المصنفين(٥٠٤)، وعن الوصية اخرج عدد من المصنفين رواية عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أن الوصية نزلت من السماء على محمد كتاباً لم ينزل على محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كتاباً مختوماً إلا الوصية فقال جبرائيل: يا محمد وهذه وصيتك في امتك عند أهل بيتك فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اي أهل بيتي يا جبرائيل؟ قال: نجيب الله منهم وذريته ليرثك علم النبوة كما ورثه إبراهيم (عليه السلام) وميراثه لعلي وذريتك من صلبه...)(٥٠٥)، وعنه ايضاً (عليه السلام) قال: (دفع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى علي (عليه السلام) صحيفة مختومة باثني عشر خاتماً وقال له: فض الأول واعمل به وادفعه إلى الحسن (عليه السلام) يفض الثاني ويعمل به ويدفعها إلى الحسين (عليه السلام) يفض الثالث ويعمل بما فيه ثم واحداً واحداً من ولد الحسين (عليه السلام))(٥٠٦).
ورد عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ (النساء: ٤١)(٥٠٧)، قال نزلت في امة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خاصة في كل قرن منهم إمام منا شاهد عليهم ومحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شاهداً علينا)(٥٠٨)؛ يعني الأئمة (عليهم السلام) وجئنا بك يا محمد ﴿عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ يعني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شهيد على الأئمة وهم شهداء على الناس(٥٠٩)، وعن امير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا علي أنت أمير المؤمنين وإمام المتقين يا علي أنت سيد الوصيين ووريث علم النبيين وخير الصديقين وأفضل السابقين يا علي أنت مولى المؤمنين والحجة بعدي على الناس أجمعين استوجب الجنة من ولاك واستحق دخول النار من عاداك يا علي والذي بعثني بالنبوة واصطفاني على جميع البرية لو ان عبداً عبد الله ألف عام ما قبل الله (عزَّ وجلَّ) ذلك منه إلا بولايتك وولاية الأئمة من ولدك [(عليهم السلام)]...)(٥١٠)، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مخاطباً الزهراء (عليها السلام) قال: (يا فاطمة اما علمت إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وانه حتم الفناء على جميع خلقه وان الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض اطلاعه فاختارني منهم فجعلني نبياً ثم اطلع إلى الأرض ثانية فاختار بعلك وأمرني ان أزوجك اياه وان اتخذ منه اخاً ووزيراً ووصياً وان اجعله خليفتي في امتي فأبوك خير أنبياء الله ورسله وبعلك خير الأوصياء والوزراء وأنت أول من يلحقني ثم اطلع إلى الأرض اطلاعه ثالثة فأختار احداً وعشرة رجال من ولدك وولد اخي علي منك)(٥١١).
وروي عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: (ما ترك الله (عزَّ وجلَّ) الأرض بغير إمام قط منذ قبض آدم (عليه السلام) يهتدى به إلى الله وهو الحجة على العباد من تركه ضل ومن لزمه نجا حقاً على الله (عزَّ وجلَّ))(٥١٢) سُئل الإمام الباقر (عليه السلام) عن قوله تعالى: ﴿يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩)(٥١٣)، قال: الأئمة من ولد علي وفاطمة (عليهم السلام) إلى أن تقوم الساعة)(٥١٤)، وعنه (عليه السلام) قال: (ان علياً (عليه السلام) عالم هذه الأمة والعلم يتوارث وليس يهلك منا أحد الا ترك من أهل بيته من يعلم مثل علمه إلى ما شاء الله)(٥١٥)، وعن الرضا (عليه السلام) قال: (ان الأرض لا تخلو من أن يكون فيها إمام منا)(٥١٦)، وورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لا تبقى الأرض يوماً واحداً بغير إمام منا تفزع إليه الأمة)(٥١٧)، وعن الإمام الباقر (عليه السلام) موضحاً فضل الأئمة (عليهم السلام) قال في معنى قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (السجدة: ٢٤)، قال نزلت في ولد فاطمة (عليها السلام) خاصة جعل الله منهم أئمة يهدون بأمره(٥١٨)، ويذكر انه في علم الله (عزَّ وجلَّ) يعلم انهم يصبرون على ما يصيبهم فجعلهم أئمة، وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (الأئمة في كتاب الله إمامان إمام عادل وامام جور قال الله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ لا بأمر الناس يقدمون امر الله قبل أمرهم وحكم الله قبل حكمهم...)(٥١٩).
وفي ذات المعاني الواردة في مجمل الأحاديث السابقة أخرج الكليني عدة أحاديث تعطي نفس الدلالة فيها(٥٢٠)، وفي السياق ذاته يروى عن أبي الحسن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: (ان ليلة القدر في كل سنة وان لذلك الأمر ولاة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدثون...)(٥٢١)، ورد عن ابي جعفر (عليه السلام) في تفسير قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (النساء: ٥٨؛)(٥٢٢) قال: (أمر الله الإمام منا أن يؤدي الإمامة إلى الإمام بعده...)، وعن الصادق (عليه السلام) قال: (هي الوصية يدفعها الرجل منا إلى الرجل)(٥٢٣).
ثم اخرج الصدوق حديثاً له تسعة عشر طريقاً للسند بمضمون واحد لحديث الثقلين المروي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله (عزَّ وجلَّ) وعترتي(٥٢٤) أهـل بيتي ألا وهما الخليفتان من بعدي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض)(٥٢٥)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قام خطيباً ولم يخطب بعدها وقال: أيها الناس إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وعترتي أهل بيتي فإنه قد عهد إلي اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)(٥٢٦)، وسُئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معنى الحديث هذا قال: (أنا والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديهم وقائمهم لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حوضه)(٥٢٧).
وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (إني أوشك أن ادعى فأجيب وإني قد تركت فيكم الثقلين كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وأن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا ماذا تخلفوني فيهما)(٥٢٨)، وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (... وهم مع القرآن والقرآن معهم لا يفارقهم ولا يفارقونه كهاتين وجمع بين إصبعيه المسبحتين حتى يردا علي الحوض واحداً بعد واحد شهداء لله على خلقه وحجته في أرضه من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصى الله كلهم هاد مهدي)(٥٢٩)، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (اثنا عشر من أهل بيتي من أعطاهم الله فهمي وعلمي خلقوا من طينتي فويل للمنكرين حقهم بعدي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي)(٥٣٠)، وورد عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (لا يزال هـذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع عليهم الأمة)(٥٣١).
وروي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث طويل جاء فيه انه قال: (معاشر الناس أمرني جبريل (عليه السلام) عن الله تعالى أنه ربي وربكم أن أعلمكم أن القرآن الثقل الأكبر وأن وصيي هذا وابناي ومن خلفهم من أصلابهم حاملاً وصاياهم الثقل الأصغر يشهد الثقل الأكبر للثقل الأصغر ويشهد الثقل الأصغر للثقل الأكبر كل واحد منهما ملازماً لصاحبه غير مفارق له حتى يردا الله فيكم بينهم وبين العباد...)(٥٣٢).
وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مخاطباً الإمام علي (عليه السلام) قال: (يا علي أنا مدينة الحكمة وأنت بابها ولن تؤتى المدينة إلا من الباب فكذب من زعم انه يحبني ويبغضك لأنك مني وأنا منك لحمك من لحمي ودمك من دمي وروحك من روحي وسريرتك من سريرتي وعلانيتك من علانيتي وأنت إمام أمتي وخليفتي عليها بعدي سعد من أطاعك وشقى من عصاك وربح من تولاك وخسر من عاداك وفاز من لزمك وهلك من فارقك مثلك ومثل الأئمة من ولدك بعدي مثل سفينة نوح(٥٣٣) من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ومثلكم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة)(٥٣٤).
ويروى أن احد أصحاب الإمام علي (عليه السلام) سأله عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣)(٥٣٥)، قال (عليه السلام): (والله إنا لنحن أهل الذكر ونحن أهل العلم ونحن معدن التأويل والتنزيل ولقد سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأته من بابه)(٥٣٦)، وفي حديث قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أنا مدينة الحكمة وعلي بابها فمن أراد الحكمة فليأت الباب)(٥٣٧) وفي حديث قال: (يا علي أنا مدينة العلم وأنت بابها فمن دخل المدينة من غير بابها فقد أخطأ الطريق)(٥٣٨)، وقال: (ومثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك)(٥٣٩)، وفي حديث قال: (هم بمنزلة سفينة نوح من ركبها نجا ومن تركها غرق)(٥٤٠).
وقيل للإمام الباقر (عليه السلام) ما معنى قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (الرعد: ٧) فقال: (المنذر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلي الهادي وفي كل وقت وزمان إمام منا يهديهم إلى ما جاء به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم))، هذا يدل على انه هاد إلى شرائع دينهم ويدلهم عليها(٥٤١)، حيث ورد في تفسيرها انه حينما نزلت هذه الآية وضع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يده على صدره فقال: (أنا المنذر) وأومأ بيده إلى منكب علي (عليه السلام) وقال: (فأنت الهـادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي)(٥٤٢).
وعن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: (من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، فقيل له كل من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية، قال: نعم والواقف كافر والناصب مشرك)، وقال: (لا يعذر الناس حتى يعرفوا إمامهم)(٥٤٣)، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية) قيل له يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (من أوصيائي... فمن مات من امتي وليس له إمام يعرفه مات ميتة جاهلية فإن جهله وعاداه فهو مشرك وإن جهله ولم يعاده ولم يوال له عدواً فهو جاهل وليس بمشرك)(٥٤٤)، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (فإنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم بأيها أخذ اهتدي وبأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة، فقيل يا رسول الله من أصحابك، قال: أهل بيتي)(٥٤٥).
وبهذا تعد الإمامة ركناً مهماً يتبع النبوة بالوصية بما اخبر به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) في عقب الإمام الحسين (عليه السلام)، فيروى عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (لما أن حملت فاطمة (عليها السلام) بالحسين (عليه السلام) قال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن الله (عزَّ وجلَّ) قد وهب لك غلاماً اسمه الحسين تقتله امتي، قالت فلا حاجة لي فيه فقال: أن الله (عزَّ وجلَّ) وعدني فيه عدة، قالت وما وعدك؟ قال: وعدني أن يجعل الإمامة من بعده في ولده، فقالت: رضيت)(٥٤٦)، وروى الكليني نفس الحديث وفيه ان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أرسل يخبر فاطمة (عليها السلام) نفس الخبر السابق بما يجري على الإمام الحسين (عليه السلام) إلى أن قال: (... أن الله قد جعل في ذريته الإمامة والولاية والوصية، فأرسلت إليه أني قد رضيت)(٥٤٧).
وقد نص النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالوصية للأئمة بحضور أبي بكر وعمر وعثمان، قال: (فأني أشهدكم ومن في البيت من رجل وامرأة أن علياً بن أبي طالب خليفتي في امتي وانه أولى بالمؤمنين من أنفسهم فإذا مضى ابني هذا ووضع يده على رأس الحسن فإذا مضى فابني هذا ووضع يده على رأس الحسين (عليه السلام) ثم تسعة من ولد الحسين (عليه السلام) واحداً واحداً)(٥٤٨).
وينقل عن أبي بكر أنه قال: (ارقبوا محمد [صلّى الله عليه وآله وسلّم] في أهل بيته)(٥٤٩)، وكان خير مصداقاً للوصية هو ما أنزله الله تعالى: ﴿يا أَيـُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ﴾ (المائدة: ٦٧)، أن المراد منها أن الله أمر رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن ينصب الإمام علي (عليه السلم) وأمره أن يخبرهم بولايته يوم الغدير(٥٥٠)، ولا يخاف منهم فأن الله يعصمه من الناس(٥٥١).
وقدم احد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) يسأله قال: (قلت للصادق جعفر بن محمد (عليهم السلام): الحسن أفضل ام الحسين؟ فقال: الحسن أفضل من الحسين، قال: فكيف صارت الإمامة من بعد الحسين في عقبه دون الحسن؟ فقال أن الله تبارك وتعالى أحب أن يجعل سنة موسى وهارون(٥٥٢) جارية في الحسن والحسين (عليهم السلام) ألا ترى أنهما كانا شريكين في النبوة كما كان الحسن والحسين شريكين في الإمامة وان الله (عزَّ وجلَّ) جعل النبوة في ولد هارون ولم يجعلها في ولد موسى وان كان موسى أفضل من هارون (عليه السلام)، قلت فهل يكون إمامان في وقت واحد قال: لا إلا أن يكون احدهما صامتاً مأموماً لصاحبه والآخر ناطقاً إماماً لصاحبه فأما أن يكونا إمامين في وقت واحد فلا، قلت فهل تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)؟ قال: لا إنما هي جارية في عقب الحسين (عليه السلام) كما قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ (الزخرف: ٢٨)(٥٥٣)، ثم هي جارية في الأعقاب وأعقاب الأعقاب إلى يوم القيامة)(٥٥٤).
يروى عن ام سلمة(٥٥٥) (رضي الله عنها) في حديثها مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الأئمة قالت: قال: (عدد نقباء بني اسرائيل علي وسبطاي وتسعة من صلب الحسين هم أهل بيته وهم المطهرون والأئمة المعصومون)(٥٥٦)، روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مخاطباً الإمام الحسين (عليه السلام) قال: (أنت سيد ابن سيد أنت إمام ابن إمام اخو إمام أبو أئمة أنت حجة الله ابن حجته الله وأبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم)(٥٥٧)، وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين إنما هي في الأعقاب وأعقاب الأعقاب)(٥٥٨).
يروى عن الإمامين الباقر والصادق (عليه السلام): (أن الله تعالى عوض الحسين (عليه السلام) من قتله أن جعل الإمامة في ذريته والشفاء في تربته وإجابة الدعاء عند قبره ولا تعد أيام زائره جائياً وراجعاً من عمره... إن الله تعالى ألحقه بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فكان معه في درجته ومنزلته(٥٥٩)، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (الطور: ٢١)(٥٦٠)، في رواية طويلة عن ابن عباس يقول ان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حدثه عن الامام الإمام الحسين (عليه السلام) ومما قاله له: (... يا بن عباس من زاره عارفاً بحقه كتب الله له ثواب ألف حجة وألف عمره ومن زاره فكأنما زارني ومن زارني فكأنما زار الله وحق الزائر على الله أن لا يعذبه بالنار ألا وإن الإجابة تحت قبته والشفاء في تربته والأئمة من ولده...)(٥٦١)، روي عن الإمام الحسن بن علي ابن ابي طالب (عليه السلام) قال: (الأئمة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اثنا عشر تسعة من صلب أخي الحسين ومنهم مهدي هذه الأمة)(٥٦٢).
وخلاصة لما سبق من القول أن الله ارتضاهم وطهرهم وخصهم بالذكر دون غيرهم، عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قال: (أيها الناس أتعلمون إن الله تبارك وتعالى أنزل في كتابه: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الاحزاب: ٣٣)(٥٦٣)، فجمعني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفاطمة وحسناً وحسيناً في كساء واحد ثم قال: اللهم هؤلاء أحبتي وعترتي وثقلي وخاصتي وأهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فقالت ام سلمة: وأنا فقال: لها وأنت على خير، إنما نزلت فيَّ وفي أخي علي وفي ابتني فاطمة وفي ابنيّ الحسن والحسين وفي تسعة من ولد الحسين خاصة ليس فيها معنا احد غيرنا)(٥٦٤)، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (ونزلت هذه الآية فيَّ وفي أخي علي وفي ابنتي فاطمة وفي ابنيّ والأوصياء واحداً بعد واحد ولدي وولد اخي...)(٥٦٥) ومما يذكر أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال حينها: (اللهم قد جعلت صلواتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك على إبراهيم وآل إبراهيم اللهم إنهم مني وأنا منهم فأجعل صلواتك ورحمتك ومغفرتك ورضوانك عليَّ وعليهم)(٥٦٦).
يروى عن ام سلمة (رضي الله عنها) قالت: (نزلت هذه الآية في بيتي وفي البيت سبعة رسول الله وجبرائيل وميكائيل وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) قالت وأنا على الباب فقلت يا رسول الله ألست من أهل البيت قال إنك من أزواج النبي وما قال انك من أهل البيت)(٥٦٧).
وفي هذا الأمر أن هو بضرورة ووجوب النص على الإمام بكونه عالماً في جميع الأحكام والتي لا يفوته شيء منها، والذي نذهب إليه هو ما نص عليه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإمامة بعده ودل على وجوب طاعته هو كثرة ما نص عليه النبي من أقوال بحقه الدالة على استحقاقه من التعظيم والاختصاص دون غيره وذكرت من جميع الأمة وهناك أدلة بالأفعال منها مؤاخاته له وزواجه من سيدة نساء العالمين (عليها السلام) وانه لم نشهد انه قد ولى عليه احداً من الصحابة ولا ندبه لأمر في جيش إلا وكان هو الوالي المقدم فيه ولا أنكر عليه اي شيء من أفعاله لا تصريحاً ولا تلويحاً حتى قال عنه (علي مني وأنا منه) وقال: (علي مع الحق والحق مع علي)(٥٦٨).
وبهذا تعد الإمامة واجبة بدلالة أن الناس متى كانوا غير معصومين ويجوز منهم الخطأ والنسيان وترك الواجب إذا كان فيأخذ بأيديهم ويرشدهم للصلاح وهو يجب أن يكون معصوماً وان يكون أفضل رعيته وعالماً بجميع الشرع وحاكماً به وأشجع الناس وأعقلهم وان يكون منصوصاً عليه وله معاجز لأنه ثبت بكونه معصوماً وهذا لا يكون إلا في علي وولده من بعد (عليهم السلام) بما نص عليهم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين قال: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي) وقوله في حجة الوداع (من كنت مولاه فهذا علي مولاه)(٥٦٩)، وذكر البخاري ومسلم الحديث (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي)(٥٧٠).
ولهذا عدة أسباب وعلل أن الله (عزَّ وجلَّ) اوجب حجته وبقاء الحجج إلى يوم القيامة منها ما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لو كان الناس رجلين لكان احدهما الإمام وان آخر من يموت الإمام لئلا يحتج احدهم على الله (عزَّ وجلَّ) وتركه بغير حجة لله عليه)، وعنه (عليه السلام) قال: (أن الله لا يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان فإذا زاد المؤمنون شيئاً ردهم وإذا نقصوا كمله لهم فقال خذوه كاملاً ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين أمرهم ولم يفرق بين الحق والباطل)(٥٧١).
ومن هذا نستنتج مقارنة بين ما طرحه المصنف من أبحاث وما ورد من جملة الأحاديث في البحث إن الخلافة واجبة وأنها شرط باقي على بني آم (عليه السلام) إلى يوم القيامة وهي وراثة من الأنبياء وصولاً إلى خاتم الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واستمراراً بالوصية لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) بأمر الله وباقي أمر الاستخلاف والإمامة في ولده إلا أنها ليست كالنبوة بل امتداداً لدورها والحفاظ على الشريعة، وان ما ورد أعلاه ما هو إلا جزء يسير عما ذكر بحقهم وفضلهم (عليهم السلام) وهو واضح بما وصف من خلال الأحاديث وضوح الشمس لا يحتاج إلى تدقيق أو استنتاج بدلالة ما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ودلالة ما نقل عنهم.
ثالثاً - النص على إمامة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه):
يعطي مصنف الكتاب رأياً عن القول بإمامة الأئمة (عليهم السلام) السابقين للإمام الحجة (عجّل الله فرجه) لثبوت إمامته والاعتراف بحقه إذ قال: (لم يخل من أن يكون قائلاً بإمامة الأئمة الأحد عشر من آبائه (عليهم السلام) أو غير قائل بإمامتهم فإن كان قائلاً بإمامتهم لزمه القول بإمامة الإمام الثاني عشر لنصوص آبائه الأئمة (عليهم السلام) عليه باسمه ونسبه وإجماع شيعتهم على القول بإمامته وأنه القائم الذي يظهر بعد غيبته... وان لم يكن السائل من القائلين بالأئمة الأحد عشر (عليهم السلام) لم يكن له علينا جواب في القائم الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام) وكان الكلام بيننا في إثبات إمامة أبائه الأئمة الأحد عشر (عليهم السلام) وكذلك لو سألنا يهودي فقال لنا لما صارت الظهر أربعاً والعصر أربعاً والعتمة أربعاً والفجر ركعتين والمغرب ثلاثاً لم يكن له علينا جواب بل نقول له انك منكر لنبوة النبي الذي أتى بهذه الصلوات وعدد ركعاتها فكلمنا في نبوته وإثباتها فإن بطلت بطلت هذه الصلوات وسقط السؤال عنها وان ثبتت نبوته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لزمك الإقرار بفرض الصلوات وعلى عدد ركعاتها لصحة مجيئها عنه واجتماع امته عليها عرفت علتهـا ام لم تعرف وهكذا الجواب لمن سأل عن القائم (عليه السلام)...)(٥٧٢).
فالإمامة متصلة بالوصية والنص لمن آمن بالأئمة السابقين أن يؤمن بالإمام الثاني عشر فكل واحد منهم يعرف بالإمام الذي بعده، عن الإمام الرضا (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ (النساء: ٥٨)(٥٧٣)، قال: هم الأئمة يؤدي الإمام إلى الإمام من بعده ولا يخص بها غيره ولا يزويها عنه)(٥٧٤)، وتوجد من الأدلة في أحاديث المعصومين ما يوضح النص على إمامته (عجّل الله فرجه)، وجاء في الأخبار عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (اذا توالت أربعة أسماء من الأئمة من ولدي محمد وعلي والحسن فرابعها القائم المأمول المنتظر)(٥٧٥)، ويروي الصدوق بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا اجتمع ثلاثة أسماء محمد وعلي والحسن فالرابع القائم (عليه السلام))(٥٧٦) [وهنا المقصود الأئمة محمد الجواد وعلي الهادي وابوه الحسن العسكري (عليهم السلام) ثم إمامته]، وكذلك ورد مثل الحديث في غيره من المصادر(٥٧٧)، وعن الامام الباقر (عليه السلام) قال: (منا اثنا عشر محدثا ًالقائم السابع بعدي)(٥٧٨).
وينقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (قلت يا رسول الله المهدي منا أئمة الهدى أم من غيرنا قال بل منا بنا يختم الدين كما بنا فتح وبنا يستنقذون من ضلالة الفتنة كما استنقذوا من ضلالة الشرك وبنا يؤلف الله بين قلوبهم في الدين بعد عداوة الفتنة كما ألف الله بين قلوبهم ودينهم عداوة الشرك)(٥٧٩)، في هذا الحديث دلالة واضحة بانها متصلة منذ أن أنقذ الله البشرية من ضلالة الشرك برسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى يتممها بالمهدي (عجّل الله فرجه).
بوجود الإشارات في المباحث السابقة على إمامة الأمة (عليهم السلام) والنص عليهم وثبوت صحة النسب للإمام الحجة (عجّل الله فرجه) من النسل الطاهر بما أورده الصدوق وبما جاء عن الأحاديث المنقولة عن غيره في فقرات المباحث السابقة نجده يوضح النص على إمام الحجة (عجّل الله فرجه) بنصوص خاصة منها ما ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما اسري به إلى السماء ومنها أحاديث عامة وارده عنه وعن الأئمة (عليهم السلام) ومنها بما فسروه بحديثهم عما نزل بحقه في القرآن الكريم وبجموعها أحاديث واضحة لا تحتاج إلى التفسير أو نستدل بها من المصنف وما طرح عند غيره من المصنفين في إثبات إمامة الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه) بعد أن ثبتت إمامة آبائه والنص عليهم أي ان ما ورد سابقاً يخص جميع الأئمة (عليهم السلام) وهنا مجرد للتخصيص تطابقاً مع ضرورة البحث ومنها: عن الإمام الصادق عن الباقر عن علي بن الحسين عن الحسين ابن علي (عليهم السلام) قال: (سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معنى قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي من العترة فقال: أنا والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديهم وقائمهم لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حوضه)(٥٨٠)، مقارنة مع أحاديث المبحث السابق تجد أن هذا الحديث له ارتباط واضح ومتصل بجميع الأئمة (عليهم السلام) كما في أولهم يخصه إلى آخرهم.
ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (أيها الناس أن الله (عزَّ وجلَّ) أمركم في كتابه بالصلاة وقد بينها لكم والزكاة والصوم والحج فينها لكم وفسرها لكم وأمركم بالولاية وأني أشهدكم أنها لهذا خاصة ووضع يده على علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ثم لابنيه من بعده ثم الأوصياء من بعدهم ومن ولدهم لا يفارقون القرآن ولا يفارقهم القرآن حتى يردوا علي حوضي)(٥٨١).
ورد في الأخبار بسند متصل عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (لما عرج بي إلى ربي جل جلاله أتاني النداء: يا محمد قلت لبيك رب العظمة لبيك فأوحى الله تعالى إلي يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى؟ قلت إلهي لا علم لي، فقال: يا محمد هلا اتخذت من الآدميين وزيراً وأخاً ووصياً من بعدك فقلت إلهي ومن أتخذ تخير لي أنت يا إلهي فأوحى الله إلي يا محمد قد اخترت لك من الآدميين علي بن أبي طالب فقلت إلهي ابن عمي فأوحى الله إلي يا محمد إن علياً وارثك ووارث العلم من بعدك وصاحب لوائك لواء الحمد يوم القيامة وصاحب حوضك يسقي من ورد عليه من مؤمني امتك.... وقد جعلت له هذه الفضيلة وأعطيتك أن أخرج من صلبه أحد عشر مهدياً كلهم من ذريتك من البكر البتول وآخر رجل منهم يصلي خلفه عيسى بن مريم [عليه السلام]...)(٥٨٢).
وفي حديث طويل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يخاطب فاطمة الزهراء (عليها السلام) من ضمن ما جاء في حديثه: (ومنا والذي نفسي بيده مهدي هذه الأمة الذي يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(٥٨٣)، وعن ابن عباس حدثه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحديث طويل ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ (البروج: ١)، وقال: أتقدر يا بن عباس ان الله يقسم بالسماء ذات البروج ويعني السماء وبروجها قلت: يا رسول الله فما ذاك قال: أما السماء فأنا وأما البروج فالأئمة بعدي أولهم علي وآخرهم المهدي صلوات الله عليهم أجمعين)(٥٨٤).
جاء في الأخبار عن جابر ابن عبد الله الأنصاري يقول: (لما أنزل الله (عزَّ وجلَّ) على نبيه محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ﴿يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩)، قلت يا رسول الله عرفنا الله ورسوله فمن أولوا الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي أولهم علي بن أبي طالب ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر وستدركه يا جابر فإذا لقيته فأقرئه مني السلام ثم الصادق جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم سميي وكنيي حجة الله في أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للإيمان...)(٥٨٥).
والواضح هنا انه في علم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سيكون هناك من يشكك في إمامته ولا يقول بها لذا اخبر بذلك مع النص على إمامتهم لمن يثبت الايمان في قلبه ومن لا يثبت ايمانه اي ان الخطاب رسالة موجهه لمن يصدق بهم أو لا يصدق ليكون حجة عليهم.
حيث ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ (النساء: ٦٩)(٥٨٦)، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (النبيين رسول الله والصديقين علي والشهداء الحسن والحسين والصالحين الأئمة وحسن اولئك رفيقا القائم من آل محمد (عليهم السلام))(٥٨٧)، ومن تفسير هذه الآية مع الحديث السابق والآية الواردة فيه أن بقاء الطاعة مقرونة فيهم إلى الإمام القائم (عجّل الله فرجه).
وينقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما عرج به إلى السماء من جملة ما خبر به قال: (فنظرت وأنا بين يدي ربي إلى ساق العرش فرأيت اثنى عشر نوراً في كل نور سطر أخضر مكتوبٌ عليه اسم كل وصي من أوصيائي أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم مهدي أُمتي فقلت يا رب أهؤلاء أوصيائي من بعدي فنوديت يا محمد هؤلاء أوليائي وأحبائي وأصفيائي وحججي... وعزتي وجلالي لأظهرن بهم ديني ولأعلين بهم كلمتي ولأطهرن الأرض بآخرهم من أعدائي ولأملكنه مشارق الأرض ومغاربها...)(٥٨٨).
ورد في الخبر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مخاطباً أحد أصحابه في فضائل الإمام علي وأهل بيته (عليهم السلام) قال: (أن علياً مني روحه من روحي وطينته من طينتي وهو أخي وأنا أخوه وهو زوج ابنتي فاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين وأن منه إمامي أمتي وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين تاسعهم قائم امتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(٥٨٩)، وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (من أحب أن يتمسك بديني ويركب سفينة النجاة بعدي فليقتد بعلي بن ابي طالب وليعاد عدوه وليوال وليه فأنه وصيي وخليفتي على امتي في حياتي وبعد وفاتي...، ثم قال: الحسن والحسين إماما امتي بعد أبيهما وسيدا شباب أهل الجنة وأمهما سيدة نساء العالمين وأبوهما سيد الوصيين ومن ولد الحسين تسعة أئمة تاسعهم القائم من ولدي طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي...)(٥٩٠).
الملاحظ هنا في الحديثين تجد ترابط الخبر مع أحاديث سابقه التي تتحدث عن تشبيه ركوب السفينة من ركبها نجا والمتخلف عنها هالك لما لهم من الفضل بكل الصيغ الواردة في الحديث الشريف كل واحد منها تجد له حديثاً آخر مشابهاً في مناسبات أخرى تعطي دلالة على أن ولايتهم واجبة ومفسرة بالحديث من عدة جوانب تعطي نتيجتها بإمامة الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه) وقد وردت في الحديث قطعاً بهذا الأمر فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (لتملأن الأرض ظلماً وجوراً ثم ليخرجن رجل من أهل بيتي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وعدواناً)(٥٩١).
وروي عن سلمان المحمدي (رضي الله عنه) قال: (دخلت على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فإذا الحسين بن علي على فخذه وهو يقبل عينيه ويلثم فاه ويقول أنت سيد ابن سيد أنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة أنت حجة الله ابن حجته وأبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم)(٥٩٢) ورد مثل الحديث في مصادر أخرى(٥٩٣).
ونقل في الأخبار عن عبد الله بن عباس قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي اثنا عشر أولهم اخي وآخرهم ولدي قيل يا رسول الله ومن أخوك قال: علي بن أبي طالب، قيل فمن ولدك قال: المهدي الذي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً والذي بعثني بالحق نبياً لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم واحد طول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه وتشرق الأرض بنوره ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب)(٥٩٤).
وأخرج أبو داوود عن الإمام علي (عليه السلام) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لو لم يبقَ من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً) وفي حديث آخر: (ينقله عن ام سلمه قالت سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة)(٥٩٥)، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (المهدي من ولدي يكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم يأتي بذخيرة الأنبياء فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً)(٥٩٦)، ومن هذا الحديث الأخير ومع ما سبقه تجد ارتباط آخر بحملة ذخيرة الأنبياء ما هو الا ثبوت الوصاية والإمامة عنده وانه خاتم الأئمة (عليهم السلام).
وورد عن ابن عباس قال، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أنا سيد النبيين وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين وأن أوصيائي بعدي اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم (عليهم السلام))(٥٩٧) وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (المهدي منا أهل البيت) وفي حديث عن أم سلمة قالت: (سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: المهدي من ولد فاطمة)(٥٩٨)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)) قال: (سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول لأصحابه: آمنوا بليلة القدر أنها تكون لعلي بن أبي طالب وولده الأحد عشر من بعده)، وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنما مثل أهل بيتي في هذه الأمة مثل نجوم السماء كلما غاب نجم طلع نجم)(٥٩٩)، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أن الله (عزَّ وجلَّ) اختار من الأيام الجمعة ومن الشهور شهر رمضان ومن الليالي ليلة القدر واختارني على جميع الأنبياء واختار مني علياً وفضله على جميع الأوصياء واختار من علي الحسن والحسين واختار من الحسين الأوصياء من ولده ينفون عن التنزيل تحريف المغاليين وانتحال المبطلين وتأويل المظلين تاسعهم قائمهم وهو ظاهرهم وهو باطنهم)(٦٠٠)، والأحاديث السابقة بمجموعها في الفقرة الثانية والثالثة من هذا المبحث واضحة الدلالة ولا تحتاج إلى التوضيح الا أننا وضعنا بعض التعليقات المتداخلة فيما بينها زيادة في الإبانة والتنبيه.
رابعاً - ما روي بحقه من القرآن الكريم:
أمّا عن ما ورد بحقه من القرآن الكريم الكثير الآيات المباركات ذكرنا بعضها مسبقاً والتي فسرت بحقهم وبإمامتهم جميعاً في مناسبات مختلفة من فقرات المباحث نأخذ عدداً منها قال تعالى ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: ٢-٣)، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (المتقون شيعة علي (عليه السلام) والغيب فهو الحجة الغائب)(٦٠١)، وعنه (عليه السلام) قال: (الكتاب علي (عليه السلام) لا شك فيه ﴿هُدى لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال بيان لشيعتنا، ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قال من آمن بقيام القائم (عليه السلام) انه حق)(٦٠٢)، ووردت عدة الأخبار في مصادر اخرى عن معنى الغيب تعطي نفس دلالة تلك الآية(٦٠٣).
وروي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب في جماعة من الناس في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومما جاء في حديثه أنه قال: (أنشدكم الله أتعلمون أن الله (عزَّ وجلَّ) لما أنزل في كتابه: ﴿يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩) فقال سلمان: يا رسول الله عامة هذه أم خاصة فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم):أما المأمورون فعامة المؤمنين أُمروا بذلك وأما الصادقون فخاصة لأخي علي وأوصيائي من بعده إلى يوم القيامة)(٦٠٤)، واخرج القمي في تفسيره يقول: (كونوا مع علي ابن ابي طالب وآل محمد (عليهم السلام))(٦٠٥)، والواضح منها قوله إلى يوم القيامة إنما تدل على الإمام الثاني عشر مصداقاً لترابط الأحاديث فيما بينها.
وورد في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الانبياء: ١٠٥)، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لم تنقص الأيام والليالي حتى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(٦٠٦)، وورد في تفسيرهـا بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: القائم وأصحابه)(٦٠٧).
سئُل الإمام الصادق (عليه السلام) عن معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٨)، فقال: (الآيات هم الأئمة والآية المنتظرة القائم (عليه السلام) فيوم لا ينفع نفس إيمانهـا لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف وإن آمنت بمن تقدمه من آبائه(٦٠٨)، ورد في الخبر عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (إذا طلعت الشمس من مغربها فكل من آمن في ذلك اليوم لا ينفعه إيمانه)(٦٠٩).
وورد في الأخبار في من نزل قوله تعالى: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (الحديد: ١٦)، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: نزلت هذه الآية في القائم (عليه السلام))(٦١٠)، وعن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ (الحديد: ١٧)، قال: يحييها الله (عزَّ وجلَّ) بالقائم (عليه السلام) بعد موتها بموتها كفر أهلها والكافر ميت)(٦١١) عن الإمام الصادق (عليه السلام) في معنى الآية الاولى قال: (نزلت هذه الآية في أهل زمان الغيبة) وفي معنى الآية الثانية قال: (وأن الأمد أمد الغيبة) أي أن الله أراد بهذا بانه يا امة محمد أو يا معشر الشيعة لا تكونوا كالذين اوتوا الكتاب فطال عليهم الامد فتأويلها جاء في أهل زمان الغيبة وان ألله نهى الشيعة عن الشك في حجة الله تعالى أو أن يضنوا أن الله (عزَّ وجلَّ) يخلي أرضه من حجة طرفة عين(٦١٢).
كذلك يروى في تفسير قوله الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (سبأ: ٥١)، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: والله كأني انظر إلى القائم (عجّل الله فرجه) وقد اسند ظهره إلى الحجر ثم ينشد الله حقه ثم يقول يا أيها الناس من يحاجني في الله فأنا أولى بالله أيها الناس من يحاجني في آدم فأنا أولى بآدم أيها الناس من يحاجني في نوح فأنا أولى بنوح أيها الناس من يحاجني في إبراهيم فأنا أولى بإبراهيم أيها الناس من يحاجني في موسى فأنا أولى في موسى أيها الناس من يحاجني في عيسى فأنا أولى الناس بعيسى أيها الناس من يحاجني في محمد فأنا أولى في محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيها الناس من يحاجني في كتاب الله فأنا أولى بكتاب الله ثم ينتهي إلى المقام فيصلي ركعتين وينشد الله حقه)(٦١٣)، وما هذا الحديث أن هو توضيح لوراثته وحقه في الإمامة والوصية المتصلة التي تم الإشارة إليها سابقاً، وقد ورد بحقه (عجّل الله فرجه) الكثير من الآيات القرآن وقد افرد فيها كتباً خاصة لا يسع المقام للتطرق لجميعها هنا(٦١٤).
واخرج الصدوق بسنده انه سئُل الإمام الصادق (عليه السلام) عن المعاني الواردة في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْـرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْـرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: ١-٣)، قال: ﴿وَالْعَصْـرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْـرٍ﴾ قال: العصر عصر خروج القائم (عليه السلام) ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْـرٍ﴾ يعني أعداءنا، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾ يعني بآياتنا، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ يعني بمواساة الإخوان، ﴿وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ﴾ يعني بالإمامة ﴿وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ يعني في الفترة(٦١٥).(٦١٦)
وورد مثل هذا الخبر عند بعض من المصنفين(٦١٧)، وعن أبي عبد الله (عليه السلام) في معنى شامل لكل السورة السابقة الذكر قال: (استثنى أهل صفوته من خلقه حيث قال إن الإنسان لفي خسر الا الذين آمنوا بولاية علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وتواصوا بالحق ذرياتهم ومن خلفوا بالولاية وتواصوا بها وصبروا عليها)(٦١٨).
وبصورة مبسطه حسب الرأي القائل: (أن كل من أثبت إمامة أبيه وأجداده إلى علي (عليه السلام) قال بإمامته في الأحوال التي ذكرناها وقد دللنا على إمامتهم فلحق الفرع بالأصل والمنة لله ولأننا نعلم وكل مخالط لآل محمد (عليهم السلام) وسامع لحديثهم وتدينهم بإمامة الحجة الثاني عشر (عليه السلام) ونصهم على كونه المهدي مستثئر(٦١٩) لله ولهم من الظالمين وقد علمنا عصمتهم بالأدلة فوجب القطع على إمامة الاثني عشر (عليهم السلام) خاصة فماله وجبت إمامة الأول من الآيات والأخبار له وجبت إمامة الثاني عشر صلوات الله عليه إذ لا فرق بين الأمرين)(٦٢٠).

الفصل الثاني: غيبة الأنبياء (عليهم السلام) فضلاً عن غيبة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والبشارة بنبوته وغيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) والانتفاع به وامتلاكه للاسم الأعظم والرد على من أنكره وفضل انتظاره

المبحث الأول: غَيبة(٦٢١) الأنبياء (عليهم السلام):
تعد الغيبة في حياة الأنبياء (عليهم السلام) والأوصياء من بعدهم هي نوع من المعجزات لان أعداءهم أرادوا هلاكهم في خفية وإيذاءهم وإذا تمكن أعداؤهم منهم بالتالي هلاك الدين أو قل رسالتهم التي أرسلوا ليبلغونها فأنهم يغيبون فإذا علموا إن خوفهم قد زال حضروا وان سبب خوفهم إن طال طالت غيبتهم وان قصر قصرت مدة الغيبة بأمر الله (عزَّ وجلَّ)(٦٢٢).
لم يكن موضوع الغيبة أول عهده انه حصل بغيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بل انه أمر وارد قبل ذلك فقد حصلت غيبات لبعض الأنبياء عن أممهم وحصلت من بعدهم لبعض أوصياء الأنبياء وكل هذا كان بحكمة ما دعتهم إلى الابتعاد أو التخفي عن أقوامهم لعقوبة أو لعناد تلك الأقوام وصدها للأنبياء (عليهم السلام) إلى أن يبشروا بمن بعدهم يقوم بأمرهم، وقد أشار المصنف إلى أن أساس فكرة كتابه بعد أن شاهد الإمام (عجّل الله فرجه) في عالم الرؤيا وقال له: (آمرك أن تصنف الآن كتاباً في الغيبة واذكر فيه غيبات الأنبياء (عجّل الله فرجه)(٦٢٣).
وقد اشرنا إلى ذلك في التمهيد محاولاً من خلالها بأن يجعلها شواهد مقدمة لحديثه عن فكرة غيبة الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) والهدف وأنها ليست بالأمر الغريب على البشرية وسنحاول أخذ مضمون القصص الواردة وتخريجها بمبحث يشير إلى غيبات الأنبياء وأسبابها والحكمة من هذه الأخبار الواردة في كتاب الصدوق هو إثبات الغيبة تاريخياً لذا وجب التعرف عليها ووصية الأنبياء من واحد إلى آخر والتي ذكر أغلبها باختصار وأخذ منها أكثر ما يميز القصة أو أشهر الحوادث في حياة الأنبياء وذكرت هذه القصص في جملة من المصادر وبتفاضل أكثر أحلنا جميع هذه القصص إلى عدة مصادر تطرقت إلى تفاصيلها إذ لا يسع المجال لذكر هذه القصص كاملة في نطاق البحث لطولها.
١ - غيبة النبي آدم(٦٢٤) (عليه السلام):
يشير مصنف الكتاب إلى غيبة النبي آدم (عليه السلام) بأسلوب يختلف عن طرحه لقضية غيبة باقي الأنبياء إذ عنده التفاتة مميزة بهذا الصدد كان حديثه عنها في مقدمة الكتاب يقول بأنها غيبة قبل الوجود يقدم قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، إذ اوجب الله على الملائكة اعتقادهم بأمره والطاعة لخلقه الذي لم يكن موجوداً حينها بل أخبرهم به وجعل لهم المثوبة فالطاعة والموالاة بظهر الغيب أبلغ ثواباً لأنه يخلو من كل عيب فالطاعة بالمباشرة لبيعة خليفة مع مشاهدته تأملا لخير أو رهبة من القتل أو غيره وهذا من عادات أبناء الدنيا أما إيمان وطاعة الغيب هو مأمون من كل شيء فيذكر أن ما أخبر الله به الملائكة هذا كان قبل خلق آدم بسبعمائة عام وكانت الملائكة مطيعة لأمر الله الذي غيب عنهم خلقه وبشرهم بما يريد أن يخلق واوجب الطاعة عليهم والقبول بأمره قبل أن يخلقه وكان هذا كله مثوبة لهم في إيمانهم بهذا الغيب فأنه من الله عز وجل فأنه تبارك وتعالى أكد دينه بالأيمان بالغيب فقال: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ﴾ (البقرة: ٣٠)(٦٢٥) الإيمان بالغيب أضمن مثوبة لصاحبه(٦٢٦).
قد لا توجد فكرة الصدوق عند غيره من المفسرين أو المؤرخين لكن هناك ما يتقارب مع مضمون طرحه بأن الله يخبر الملائكة بما هو غائب عنهم قبل وجوده فورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَـراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ (الحجر: ٢٨ - ٢٩)، وهنا إشارة واضحة من خلال النص القرآني والوارد في تفسيرها أني اخلقه أي سأخلقه فيما بعد والخطاب قبل ان يخلقه فإذا سويته فأن الله يأمره حينها بالسجود تكريماً له(٦٢٧)، وان الله أخبر الملائكة بذلك على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته قبل كونه وان الله اعلم بالمصلحة فأن المراد بهذا الخلق انه سيوجد منهم الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين وبين لهم شرف آدم قبل خلقه والامتحان الذي جرى لهم بالسجود هو امتحان في الغيب(٦٢٨)، وعاش (عليه السلام) ألف سنة من مقامه في الجنة إلى حين وفاته وقيل ألف وثلاثين(٦٢٩) وبهذا إشارة واضحة بما هو غائب من أمر الله عن الملائكة وقد أمنوا به قبل وجوده أو خلقه طاعة لأمر الله بالغيب الذي في علمه ولعل المصنف أراد من هذا الموضوع هو تبيان إلى وجود فكرة الغيبة منذ بداية الخلق.
٢ - غيبة النبي إدريس(٦٣٠) (عليه السلام):
فأول الغيبات تلك هي غيبة النبي إدريس (عليه السلام) حتى حصل ما حصل لقومه من قلة الأقوات والقتل والفقر والخوف ثم ظهر (عليه السلام) ليبشرهم بان الفرج بقيام القائم من ولده وهو نوح (عليه السلام) ثم رفع الله إدريس (عليه السلام) وبقي شيعته ينظرون ما بشرهم به وهو قدوم نوح (عليه السلام) قرناً بعد قرن وخلف عن سلف صابرين على الطواغيت والعذاب حتى ظهور نوح بالنبوة(٦٣١)، ويذكر أن ما بين إدريس (عليه السلام) ونوح (عليه السلام) الف سنة(٦٣٢).
ينقل الصدوق قصة نبي الله إدريس (عليه السلام) بسند الرواية في خبر طويل عن الإمام الباقر (عليه السلام) نوردها بمضمونها مختصرة ان إدريس (عليه السلام) غاب عن قومه عشرين سنة قبل أن يرفع إلى السماء وكانت غيبته بسبب أحد الجبارين الذي قتل أحد المؤمنين حينما أراد هذا الطاغي أن يستحوذ على بستان هذا المؤمن إلا أنه رفض فأقدم على قتله فغضب الله عليه وأرسل يخبره بغضبه وتوعده بالعقاب على يد نبيه إدريس اذ قال له: (أما رضيت أن قتلت عبدي المؤمن ظلماً حتى استخلصت أرضه خالصة لك فأحوجت عياله من بعده وأجعتهم أما وعزتي لأنتقمن له منك في الآجل ولأسلبنك ملكك في العاجل ولأخربن مدينتك ولأذلن عزك ولأطعمن الكلاب لحم امرأتك فقد غرك يا مبتلي) فلما أخبره إدريس (عليه السلام) برسالة ربه فقام الملك بطرده غاضباً منه(٦٣٣).
أقدم الملك بعد ذلك بأخبار زوجته بما أخبره به إدريس فأشارت عليه بأن يقتله حتى أرسلت إليه من صوبها جماعة من أربعين رجلاً ليقتلوه حتى علم بأمرهم جماعة كانوا يختلفون إلى مجلس إدريس فقاموا بتحذيره منهم فخرج من القرية التي هو فيها مع جماعة من أصحابه حتى ناجى إدريس ربه وقال: (يا رب بعثتني إلى الجبار فبلغت رسالتك وقد توعدني هذا الجبار بالقتل بل هو قاتلي ان ظفر بي فأوحى الله (عزَّ وجلَّ): أن تنح عنه وأخرج من قريته وخلني وإياه فوعزتي لأنفذن فيه أمري ولأصدقن قولك فيه وما أرسلتك به إليه) حينها طلب إدريس (عليه السلام) من الله أن يحبس عنهم المطر فاستجاب له الله وحبس عنهم المطر وانزل على ملكهم العقاب وعلى أهل القرية الذين معه ولم ينجوا إلا أصحاب إدريس الذين أخبرهم بأن يخرجوا من القرية وملكها الظالم وكانت العشرين سنه كلها قد عاش فيها إدريس في غار في أحد الجبال يصله طعامه عن طريق أحد الملائكة إلى أن نزل إدريس من الجبل بعد أن انقطع عليه طعامه ونزل للقرية يبحث عن الطعام فشاهد ما حل بها وعلموا حينها أنه إدريس (عليه السلام) حتى ألحوا عليه بالطلب أن يدعو الله أن يفرج عنهم فأتوه هم وملكم بالتوسل به فدعا الله ليمطرهما عليهم فاستجاب الله له حتى ظنوا أنه الغرق(٦٣٤).
ولم تذكر المصادر أنه حين غاب عن قومه أو انعزل عنهم بأن أحداً التقى به أو شاهده غير الملك الذي كان يصله بطعامه طوال العشرين سنة، وان أهل قريته لما جهدوا وتابوا وأصابهم ما أصابهم ورجعوا إلى الله حينها أمره الله إن يرجع إليهم ليكون منقذهم بحكمة الله وقدرته(٦٣٥).
وفيما يتعلق بغيبته الثانية ويقال أنه رفع إلى السماء وهو حي لم يمت بعد أن طلب هو أن يرفع إلى السماء ليعبد الله وانه ذكر في حادثة الإسراء أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مر به وهو في السماء الرابعة، ويقال أنه قبضت روحه بين السماء الرابعة والخامسة بعد أن رفعه الله وكان له من العمر حين رفع الله ثلاثمائة وخمس وستون سنة(٦٣٦)، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا * وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا﴾ (مريم: ٥٦-٥٧)(٦٣٧)، وكان مسجد السهلة(٦٣٨)، مسكن نبي الله إدريس (عليه السلام) كما سيكون منزل القائم (عجّل الله فرجه) يروى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كأني أرى نزول القائم في مسجد السهلة... وهو منزل ادريس (عليه السلام) وما بعث الله نبياً الا وقد صلى فيه...)(٦٣٩).
٣ - في نبوة نوح(٦٤٠) (عليه السلام) وبشارته بهود(٦٤١) (عليه السلام) بعد الغيبة.
كانت نبوة نوح (عليه السلام) مقدمة للبشارة بهود (عليه السلام) بعد أن كانت مدة النبوة لنوح أكثر من تسعمائة وخمسين سنة، يذكر الصدوق حديثه بسنده يرفعه إلى الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (لما أظهر الله تبارك وتعالى نبوة نوح (عليه السلام) وأيقن الشيعة بالفرج اشتدت البلوى وعظمت الفرية إلى أن آل الأمر إلى شدة شديدة نالت الشيعة والوثوب على نوح بالضرب المبرح حتى مكث (عليه السلام) في بعض الأوقات مغشياً عليه ثلاثة ايام يجري الدم من إذنه ثم أفاق وذلك بعد ثلاثمائة سنة من مبعثه وهو في خلال ذلك يدعوهم ليلاً ونهاراً فيهربون ويدعوهم سراً فلا يجيبون ويدعوهم علانية فيولون فهم بعد ثلاثمائة سنة بالدعاء عليهم... فهبط عليه ثلاثة أملاك... وقالوا تؤخر الدعاء على قومك... قال: أخرت الدعاء عليهم ثلاثمائة سنة أخرى...)(٦٤٢).
وبقي نوح (عليه السلام) صابراً على قومه نفس المدة المذكورة ومستمراً بدعوتهم ثم أراد ان يدعوا عليهم مرة اخرى وايضاً هبطت عليه الأملاك وآخر دعائه مرة اخرى حتى أتم تسعمائة سنة ثم أقبلت عليه شيعته يشكون فعل العامة والطواغيت بهم فأجابهم وصلى ودعا فهبط جبرائيل (عليه السلام) فقال له: (أن الله تبارك وتعالى أجاب دعوتك فقل للشيعة يأكلوا التمر ويغرسوا النوى ويراعوه حتى يثمر فإذا أثمر فرجت عنهم فحمد الله وأثنى عليه وعرفهم ذلك فاستبشروا به...) وقد طبقوا أمر الله (عزَّ وجلَّ) وأعاده عليهم ثلاث مرات كلما أثمرت أمرهم بها من جديد حتى لم يبق منهم سوى الثلث ثابتين فأتوا إلى نوح (عليه السلام) قالوا: (لم يبق منا الا القليل ونحن نتخوف على أنفسنا بتأخر الفرج نُهلك فصلى نوح (عليه السلام) ثم قال: يا رب لم يبق من أصحابي إلا هذه العصابة وإني أخاف عليهم الهلاك ان تأخر عنهم الفرج فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليه قد أجبت دعاءك فأصنع الفلك وكان بين إجابة الدعاء وبين الطوفان خمسون سنة)(٦٤٣).
عن هذا الخبر قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ١٤)، بعد أن آيس نوح من قومه وصاروا يتواصون عليه جيلاً بعد جيل بأن لا يؤمنوا به ومحاربته ومخالفته وأذيته بكل طريق فدعا عليهم فلبى الله دعوته بعد أن دعاهم لعبادة الله ومكث فيهم ألف سنة الا خمسين عاماً فأغرقهم الله بالطوفان ونجى نوح ومن معه من الغرق(٦٤٤).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (عاش نوح بعد النزول من السفينة خمسين سنة ثم أتاه جبرائيل (عليه السلام) فقال له: يا نوح انقضت نبوتك فأنظر الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوة التي معك فأدفعها إلى ابنك سام فأني لا أترك الأرض إلا وفيها عالم تعرف به طاعتي ويكون نجاة فيما بين قبض النبي ومبعث النبي إلا ولم أترك الناس بغير حجة وداع إلي وهاد إلى سبيلي وعارف بأمري...) ففعل نوح بما أمر وأوصى وصيته وبشر أبناءه بهود (عليه السلام) وأمرهم بأتباعه وأن يفتحوا الوصية كل عام ويجعلوه عيداً لهم وبقيت الوصية يتوارثونها إلى بعث الله هوداً (عليه السلام)(٦٤٥)، واخرج الراوندي روايتين بنفس نص رواية الصدوق ينقلهما عن الإمام الصادق (عليه السلام) الا أنه يقول لبث بعد ما نزل من السفينة خمسمائة سنة(٦٤٦).
وينقل عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (لما حضرت نوحاً (عليه السلام) الوفاة دعا شيعته فقال لهم: اعلموا انه ستكون بعدي غيبة تظهر فيها الطواغيت وأن الله (عزَّ وجلَّ) يفرج عنكم بالقائم من ولدي اسمه هود له سمت وسكينة ووقار يشبهني في خلقي وخُلقي وسيهلك الله أعداءكم عند ظهوره بالريح، فلم يزالوا يترقبون هوداً (عليه السلام) وينتظرون ظهوره حتى طال عليهم الأمد وقست قلوبهم أكثر فأظهر الله تعالى ذكره نبيه هوداً (عليه السلام) عند اليأس منهم وتناهى البلاء بهم وأهلك الأعداء بالريح العقيم... ثم وقعت الغيبة به بعد ذلك إلى أن ظهر صالح(٦٤٧) (عليه السلام))، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (لما بعث الله (عزَّ وجلَّ) هوداً (عليه السلام) أسلم له العقب من ولد سام وأما الآخرون فقالوا من أشد منا قوة فأهلكوا بالريح العقيم وأوصاهم هود وبشرهم بصالح (عليه السلام))(٦٤٨).
يذكر أن نبي الله هود (عليه السلام) لما أتم أربعين سنة من عمره أوحى الله إليه أن أت قومك فأدعهم لتوحيدي وعبادتي بعد ان كانوا يترقبونه وينظرون ظهوره حتى قست قلوبهم فأظهره الله لهم ولم يسلم له الا العقب من أولاد سام اما الآخرون فد كذبوه وأهلكهم الله بالريح(٦٤٩)، وكان نوح (عليه السلام) معتزلاً قومه أربعمائة وستين سنة منشغلاً بالعبادة والطاعة لله حتى أتاه جبرائيل وقال له: (ما بالك معتزلاً؟ فقال: لان قومي لا يعرفون الله فاعتزلت عنهم، فقال له جبرائيل: فجاهدهم، فقال نوح: لا طاقة لي بهم ولو عرفوني لقتلوني، فقال له: فإن أعطيتك القوة كنت تجاهدهم؟ قال: واشوقاه إلى ذلك وقال له نوح من أنت؟ قال: فصاح جبريل صيحة واحدة تداعت(٦٥٠) فأجابته الملائكة بالتلبية ورجت الأرض وقالت لبيك يا رسول رب العالمين...)(٦٥١).
وروي أن النبي نوح (عليه السلام)كان يسكن في الكوفة وقام بصناعة سفينته فيها وحصل الطوفان فيها أيضاً(٦٥٢)، ومن جانب آخر انه أنذر قومه من الدجال(٦٥٣)، كما أنذر به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ قال: (ألا أحدثكم عن الدجال حديثاً ما حدث نبي قومه أنه أعور وأنه يجي معه بمثال الجنة والنار والتي يقوم عليها الجنة هي النار وأني أنذرتكم كما أنذر به نوح قومه)(٦٥٤)، ومن جانب آخر هو ما أخبر وهو وصيته بهود (عليه السلام) والبشارة لهم به وأمرهم بإتباعه بعد ان يكثر البلاء وتزداد الشدة(٦٥٥).
وما يتعلق بقصة نبي الله نوح (عليه السلام) والنبي هود (عليه السلام) لم أجد شيئاً في المصادر يتحدث عن غيبة أي منهما على وجه التحديد سوى ما يذكره الصدوق وعلى الظاهر أنه يقصد المدة بعد نوح (عليه السلام) سماها بالغيبة أو ابتعاده عن قومه بان عزل نفسه عنهم إلى ان بعث الله هود (عليه السلام) وحتى انه يذكره بإشارة بسيطة ضمن التطرق لقصة نوح (عليه السلام) الا أن الواضح منها هو الالتزام بوصيته التي بلغها لأبنائه لأنه بشرهم بهود (عليه السلام) وأوصاهم بإتباعه وأيضاً كان نفس ما قام به هود هو أن أوصى لصالح (عليه السلام) وغاب عنهم ولعل المراد منها حين استشهد بقصتيهما هو الغرض منه الوصية والمدة ما بين النبيين وانتظار الفرج بعد الشدة وتسلط الطواغيت وصبر الأنبياء على البلاء إلى ان يأذن الله بالفرج لهم وقد طوينا ذكر القصتين بالإحالة إلى المصادر التي تطرقت لهاتين القصتين وغير واضح سبب وضع الإشارة لقصة نوح وهود (عليهما السلام) عند الصدوق واستشهد بهما بأنهما لهما غيبة وعلى حد قول الروايات أنهم عاشوا مع أقوامهم لفترات طويل وليست لهم أي غيبات مجرد بعض الاعتزال عن أقوامهم بما سلط الله على أقوامهم ومنكري دعواتهم من عقوبات إلا أن المصنف مستدلاً بهما عن غبية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) موضوع الكتاب بأن لهم غيبة بالرغم من وجود تشابه في مواضع معينة وأوجه للمقارنة مع القصتين في جوانب أخرى غير الغيبة.
أمّا ما روي حول غيبة هود (عليه السلام) لم تذكر المصادر شيئاً عن غيبته سوى انه اعتزل قومه هو ومن معه من المؤمنين حين أرسل الله الريح على قومه ودمرتهم وتهدم كل شيء وترميهم بالحجارة فأعتزلهم مدة ثمانية أيام في مكان يقيهم حتى هدأت الريح ثم عاد حتى كان عمر هود (عليه السلام) كله مائة وخمسين سنة(٦٥٦).
٤ - غيبة النبي صالح (عليه السلام):
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أن صالحاً (عليه السلام) غاب عن قومه زماناً وكان يوم غاب عنهم كهلاً...فلما رجع إلى قومه لم يعرفوه بصورته فرجع اليهم وهم على ثلاث طبقات طبقة جاحدة لا ترجع أبداً وأخرى شاكة فيه وأخرى على يقين فبدأ (عليه السلام) حيث رجع بالطبقة الشاكة فقال لهم أنا صالح فكذبوه وشتموه وزجروه وقالوا برأ الله منك صالحاً كان في غير صورتك فقال فأتى الجحاد فلم يسمعوا منه القول ونفروا أشد النفور ثم انطلق إلى الطبقة الثالثة وهم أهل اليقين فقال لهم أنا صالح فقالوا أخبرنا خبراً لانشك فيه معك أنك صالح...فقال لهم صالح: أنا صالح الذي أتيتكم بالناقة فقالوا صدقت وهي التي نتدارس علامتها؟ فقال: لها شرب ولكم شرب يوم معلوم قالوا أمنا بالله وبما جئت به...)(٦٥٧).
ولم تذكر المصادر تفاصيل أكثر بخصوص غيبة صالح (عليه السلام) بل يتطابق ذكرها مع ما رواه الصدوق عندما أعطاهم من دلائل حين لم يتعرفوا عليه الا أن هناك حديثاً ينقل عن الإمام الصادق (عليه السلام) يسأله أحد أصحابه عن قصة صالح (عليه السلام) حينما كان غائباً عن قومه وظهر لهم ولم يعرفوه قائلاً (يا بن رسول الله هل كان ذلك اليوم عالم؟ قال: الله أعدل من أن يترك الأرض بلا عالم، فلما ظهر صالح (عليه السلام) اجتمعوا عليه، انما مثل علي والقائم صلوات الله عليهما في هذه الأمة مثل صالح (عليه السلام))(٦٥٨)، يقال ان النبي صالح (عليه السلام) غاب عن قومه حين أنزل الله عليهم العذاب حين أخبرهم بالعذاب، قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ (الاعراف: ٧٩) وانذرهم بما يصيبهم بعد أن أبلغهم رسالة ربه ودعاهم إلى الله وغاب عنهم ويقال انه التجأ إلى أرض مكة وقد أقام في قومه عشرين سنة وتوفي في مكة وعمره ثمان وخمسون سنة وقيل مائتان وسبعون سنة(٦٥٩).
ولم تذكر المصادر التاريخية تفاصيل عن غيبة صالح (عليه السلام) أو عن مدة غيبته سوى ما ذكر في أعلاه انه غاب عنهم زماناً ثم عاد إليهم وأعطاهم أدلة على نفسه لكي يعرفوه بعد أن تغيرت صورته.
٥ - غيبة النبي إبراهيم(٦٦٠) (عليه السلام):
يروى عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: كان أبو ابراهيم(٦٦١) منجماً لنمرود بن كنعان(٦٦٢) وكان لا يصدر الا عن رأيه فنظر في النجوم ليلة من الليالي فأصبح فقال: لقد رأيت في ليلتي هذه عجباً فقال له النمرود وما هو فقال: رأيت مولوداً يولد في أرضنا هذه فيكون هلاكنا على يديه ولا يلبث إلا قليلاً حتى يحمل به فعجب من ذلك النمرود وقال له: هل حملت به النساء فقال: لا وكان فيما أوتي به من العلم أنه سيحرق بالنار ولم يكن أُوتي(٦٦٣) ان الله (عزَّ وجلَّ) سينجيه، قال فحجب النساء عن الرجال فلم يترك امرأة إلّا جعلت بالمدينة حتى يخلص إليهن الرجال قال: وقع أبو إبراهيم على امرأته فحملت به وظن أنه صاحبه فأرسل إلى نساء من القوابل لا يكون في البطن شيء إلا علمن به فنظرن إلى ام إبراهيم فألزم الله تعالى ذكره ما في الرحم الظهر فقلن ما نرى شيئاً في بطنها)(٦٦٤).
ويكمل الصدوق روايته: (فلما وضعت ام إبراهيم أراد أبوه أن يذهب به إلى نمرود فقالت له امرأته لا تذهب بابنك إلى نمرود فيقتله دعني اذهب به إلى بعض الغيران أجعله فيه حتى يأتي عليه أجله ولا يكون أنت تقتل ابنك فقال لها فأذهبي به فذهبت به إلى غار ثم أرضعته ثم جعلت على باب الغار صخرة ثم انصرفت عنه فجعل الله رزقه في إبهامه فجعل يمصها فيشرب لبناً وجعل يشب في اليوم كما يشب غيره في الجمعة ويشب في الجمعة كما يشب غيره في الشهر ويشب في الشهر كما يشب غيره في السنة فمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم أن امه قالت لأبيه: لو أذنت لي حتى أذهب إلى ذلك الصبي فأراه فعلت، قال: فأفعلي فأتت الغار فإذا هي بإبراهيم (عليه السلام) وإذا عيناه تزهران كأنهما سراجان فأخذته وضمته إلى صدرها وأرضعته ثم انصرفت عنه فسألها أبوه عن الصبي، فقالت له: قد واريته في التراب فمكثت تعتلُّ وتخرج في الحاجة وتذهب إلى إبراهيم (عليه السلام) فتضمه إليها وترضعه ثم تنصرف فلما تحرك أتته أمه كما كانت تأتيه وصنعت كما تصنع فلما أرادت الانصراف أخذ بثوبها فقالت له: ما لك، فقال لها: اذهبي بي معك، فقالت له: حتى أستأمر أباك)(٦٦٥).
واخرج الراوندي والمجلسي نفس الرواية المذكورة في خبر مولده وإخفائه مع اختلاف يسير في النقل(٦٦٦)، ونفس الرواية عند الطبري ويذكر فيها أن إبراهيم (عليه السلام) قد بقي في المغارة التي تركته امه فيها خمسة عشر شهراً وبعد أن عرف ربه وعاد إلى آزر الذي كان يصنع الأصنام إلى قومه ولم يبادرهم بأن ينكر عليهم دينهم بداية أي انهم لم يعرفوا أمره(٦٦٧).
ثم يروي الصدوق: (فلم يزل إبراهيم (عليه السلام) في الغيبة مخفياً لشخصه كاتماً لأمره حتى ظهر فصدع بأمر الله تعالى ذكره وأظهر الله قدرته فيه ثم غاب (عليه السلام) الغيبة الثانية وذلك حين نفاه الطاغوت من مصر فقال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسَـى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ (مريم: ٤٨)(٦٦٨) قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا * وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ (مريم: ٤٩-٥٠)(٦٦٩)، ...لان إبراهيم قد دعا الله (عزَّ وجلَّ) أن يجعل له لسان صدق في الآخرين...)، وقيل إن لإبراهيم (عليه السلام) غيبة اخرى سار فيها وحده للاعتبار(٦٧٠).
وعن معنى الآية الواردة في الرواية في قوله: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ على حد قول الصدوق ان إبراهيم (عليه السلام) بعد أن دعا ربه أن يكون له لسان صدق في الآخرين استجاب له وجعل لإبراهيم ولإسحاق ويعقوب (عليهم السلام) لسان صدق في الآخرين وان لسان الصدق هذا في الآخرين هو علي بن ابي طالب (عليه السلام) وان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (بأن القائم هو الحادي عشر من ولده وأنه المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً وانه تكون له غيبة وحيرة يضل أقوام ويهتدي آخرون...) وقال (عليه السلام): (أن الأرض لا تخلوا من قائم بحجة أما ظاهر مشهور أو خائف مغمور لئلا تبطل حجج الله وبيناته) ويقول المصنف انه ذكر هذا للاحتجاج على مذكره في قصة ابراهيم (عليه السلام)(٦٧١)، وقد ذكر معنى لسان الصدق الوارد في الآية في بعض التفاسير الشيعية بأن المقصود منه هو الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)(٦٧٢).
وفي بيان للصدوق عن معنى لسان الصدق وما المقصود منه وضحه في كتاب آخر له وذلك ان ابراهيم (عليه السلام) حين دعى ربه كما ورد في قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (الشعراء: ٨٣)، يعني بالصالحين الذين لا يحكمون الا بحكم الله (عزَّ وجلَّ) ولا يحكمون بالآراء والقياس حتى يشهد له من يكون بعده من الحجج بالصدق وبيان ذلك في قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (الشعراء: ٨٤)، فأجابه الله وجعل لإبراهيم ولغيره من الأنبياء لسان صدق في الآخرين وهو علي بن ابي طالب (عليه السلام) وذلك لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ يشهد بالصدق لإبراهيم وللأنبياء (عليه السلام)(٦٧٣).
ويمكن التعليق على موضوع الرواية الواردة في كتاب إكمال الدين فلعل قصد المصنف بطرحه هذا الموضوع بتلك الصيغة هو ان الأئمة (عليهم السلام) هم من ذرية ابراهيم (عليه السلام) وامتداداً له وهم من ذرية أبنائه الأنبياء إلى نبينا الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهم خير من حكم بحكم الله وصدق بالأنبياء وشهدوا لهم وان الأئمة هم لسان الصدق في الآخرين من بعد الأنبياء (عليهم السلام) من أمير المؤمنين إلى الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام)، والدليل على ذلك هو حين طرح المصنف حديثين للإمام علي (عليه السلام) عن غيبة الإمام (عجّل الله فرجه) يستشهد بهما فمن المحتمل انه يقصد ان امتداد لسان الصدق في الآخرين سيكون في الإمام الحجة الغائب (عجّل الله فرجه) الذي سيرث الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)لأن الأرض لا يمكن أن تخلوا من حجة.
وذكرت المصادر نفس قصة إبراهيم (عليه السلام) الواردة في كتاب إكمال الدين وكان عمره ست عشرة سنة لما أوقدت النار وأجمعوا على قذفه فيها حينها قالت الخلائق: (أي ربنا إبراهيم ليس في أرضك أحد يعبدك غيره يحرق بالنار فيك فأذن لنا في نصرته قال: فإن استغاث بشيء منكم فأغيثوه وأن لم يدع فأنا وليه) فحينها رفع رأسه إلى السماء ودعى الله فأرسل الله ملكاً يسمى ملك الظل قد حال بين إبراهيم (عليه السلام) وبين النار وقعد إلى جنبه ليؤنسه وكان بهيئة آدمي يشبه إبراهـيم (عليه السلام) ويقال أنه جبريل (عليه السلام)(٦٧٤)، فهذه كانت معجزة نبي الله إبراهيم (عليه السلام) أن نصره الله بأحد الملائكة ووقاه من النار.
أمّا عن غيباته وإخفائه عن قومه فكما أشار الصدوق يمكن أن نعتبر ان إخفاء ولادته وتستر امه عليه إلى أن كبر هي أولها حين حفظه الله عن أعين الظالمين، أما الثانية فكانت هجرته عن قومه لما أصابه من النمرود حينه أمر النمرود أن ينفى عن بلدهم وذهب إلى الشام ومعه ابن خالته لوط(٦٧٥) (عليه السلام) حينها قال: ﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الصافات: ٩٩)(٦٧٦) وذهب إلى بيت المقدس خارجاً من أرض العراق أي أن أول هجرته إلى الشام ولم يبق فيها خوفاً من أن يلحقه قومه فيردونه إلى النمرود، ومن بعدها خرج إلى مصر حتي يقال أن توفي في الشام اي انه عاد إليها مرة أخرى ونزل في أرض فلسطين واتخذ بها مسجداً ويقال انه هاجر مرة اخرى وذهب إلى مكة بعد أن اوحى الله بالذهاب اليها وكان معه زوجته هاجر وابنه إسماعيل (عليه السلام) ولم يكن بها شيء في حينها وتركهما فيها وعاد إلى الشام وقد عاد إليهم بعد ان ماتت زوجته وكبر ابنه وتزوج وصار إبراهيم (عليه السلام) شيخاً كبيراً وكان قد زار إبراهيم خلال هذه المدة عدة مرات وآخرها أخبر ولده بأمر الله ببناء البيت حتى قيل انه كان تطوى له الأرض ليذهب إلى مكة ويرى ابنه وزوجته(٦٧٧)، ويذكر أن إبراهيم (عليه السلام) عاش مائة وخمس وسبعين سنة(٦٧٨).
والمصادر التي ذكرت هذه المعلومات تتفاوت في النقل وتتفق في المضمون إلا أن الصدوق أشار إلى أن إبراهيم (عليه السلام) قد غاب عن قومه بل هي كانت عدة هجرات وكان أولها إلى الشام ثم إلى مصر وذكر الصدوق انه ابتعد عن زوجته وابنه إلى الشام ولم يلتق بهم إلى مدة طويلة وغير معلوم كم هي بل كان يرجع إلى زوجته الاولى سارة في الشام لم يتطرق لها المصنف فكانت هذه كلها هجرات من بلد إلى آخر يلتقي بها بالناس وتراه وما كانت هذه هجراته إلا خوفاً من الظالمين وحفاظاً على الدين لعلمه بعدم القدرة للعيش مع الظالمين وهو موحداً لله ويمكن ان نسميها غيبة كونه غيَّب نفسه عن القوم الظالمين له المهددين لحياته ولم تذكر المصادر مجموع مدة هذه الهجرات أو غيبته عن قومه.
٦ - غيبة النبي يوسف(٦٧٩) (عليه السلام):
يذكر مصنف الكتاب: (أما غيبة يوسف (عليه السلام) فإنها كانت عشرين سنة لم يدهن فيها ولم يكتحل ولم يتطيب ولم يلمس النساء حتى جمع الله ليعقوب شمله وجمع بين يوسف واخوته وأبيه وخالته كان منها ثلاثة أيام في الجب(٦٨٠) وفي السجن بضع سنين وفي الملك باقي سنيه وكان هو بمصر ويعقوب بفلسطين وكان بينهما مسيرة تسعة أيام فاختلفت فيه الأحوال في غيبته من إجماع اخوته على قتله ثم إلقائهم إياه في غياهب الجب ثم بيعهم اياه بثمن بخس دراهم معدودة ثم بلواه بفتنة امرأة العزيز ثم السجن بضع سنين ثم صار اليه ملك مصر وجمع الله - تعالى ذكره - شمله وأراه تأويل رؤياه)(٦٨١).
وورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (أن يعقوب (عليه السلام) قال لملك الموت أخبرني عن الأرواح تقبضها مجتمعة أو متفرقة؟ قال: بل متفرقة، قال: فهل قبضت روح يوسف في جملة ما قبضت من الأرواح؟ قال لا... فحال العارفين في وقتنا هذا بصاحب زماننا الغائب (عليه السلام) حال يعقوب (عليه السلام) في معرفته بيوسف وغيبته وحال الجاهلين به وبغيبته والمعاندين في أمره حال أهله وأقربائه الذين بلغ جهلهم بأمر يوسف وغيبته...)، حتى تمكن يوسف من إيصال الخبر إلى ابيه عن طريق أحد الأشخاص الراحلين إلى فلسطين بعد أن أتى لشراء الطعام من مصر بإشارة ما توضح خبره لأبيه(٦٨٢).
وقيل أن أول ما أوحي ليوسف (عليه السلام) وهو في الجب قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (يوسف: ١٥)، فبعد أن ضاق به الحال تطييباً لقلبه وأخبره الوحي بأن لا يحزن فأن الله سيفرج عنه ويرفع درجته(٦٨٣) فكان مما أنعم الله على يوسف (عليه السلام) في غيبته قد أصبحت خزائن الأرض وسلمت اليه كلها بعد أن إستوثقه ملك مصر واستعمله على الملك في مصر وكان صاحب أمرها كله وجعل القضاء بيده وأصبح حكمه نافذاً وكان عمره حين استوزره ملك مصر ثلاثين سنة(٦٨٤) قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (يوسف: ٥٦)، وفي معنى الآية أن ملكه الله في الدنيا يكون فيها حيث يشاء ويصنع ما يشاء وانتصب المقام ليوسف من السجن إلى الملك والعزة بأذن الله بعد أن كان مخفياً عن أعين الناس(٦٨٥).
ويضع الطبرسي تعليقاً على انقطاع الأخبار بين يوسف وابيه (عليهما السلام) بالرغم من قرب المسافة بين مصر وفلسطين يقول: (العبرة في ذلك أنه حمل إلى مصر فبيع إلى العزيز فألزمه داره ثم لبث في السجن بضع سنين فانقطعت أخبار الناس عنه فلما تمكن احتال في إيصال خبره بأبيه على الوجه الذي أمكنه وكان لا يأمن لو بعث رسولاً اليه ألا يمكنه إخوته من الوصول إليه... ويجوز أن يكون ذلك ممكناً له وكان عليه قادراً لكن الله سبحانه أوحى اليه بأن يعدل عن اطلاعه على خبره تشديداً للمحنة عليه ولله أن يصعب التكليف أو يسهله)(٦٨٦).
ورد في الأخبار عن قصة يوسف (عليه السلام) في عمره وهو في الجب عن الإمام علي بن الحسين قال: (كان ابن تسع سنين) وعن الصادق (عليه السلام) قال: (دخل يوسف صلوات الله عليه السجن وهو ابن اثنتي عشرة سنة ومكث بعدها ثماني عشرة وبقي بعد خروجه ثمانين سنة فذلك مائة وعشر سنين(٦٨٧)، وانه غاب عن أبيه وأهله عشرين سنة حتى ذهبت عينا أبيه من الحزن حتى أرسل أخوته يبحثون عنه بعد أن علم أنه حي بعد هذه المدة(٦٨٨)، حتى التقى به بعد أن ذهب له لأبيه إلى مصر واقام عند يوسف أربعاً وعشرين سنة وقيل سبعة عشرة ومات وعمره مائة وسبع وأربعون وعاش يوسف بعد أبيه ثلاثة وعشرين سنة(٦٨٩).
وقيل إن سبب غيبته يوسف (عليه السلام) عن ابيه هو حسد اخوته له حينما رأوا اهتمام أبيهم به وتكريمه وإيثاره عليهم وذلك حينما أوحى الله ليعقوب بأن البلاء سينزل عليك عندما لم تطعموا سائلاً عابداً وقف على بابكم فخاف أبوه عليه إلى أن رأى يوسف الرؤيا وحذره أبوه أن يقصصها على أخوته وحينما قص عليهم رؤيته تآمروا عليه وحصل ما حصل له حتى كانت غيبته عن أبيه عشرين سنة أي أن سبب غيبته هو ابتلاء لأبيه(٦٩٠).
وهناك اختلاف بين المصادر بهذه الأزمنة المذكورة من مصدر إلى آخر ومن غيبته إلى لقائه بأبيه حتى وفاته كانت ستين سنة أي انه عند لقائه بأبيه ومعرفة إخوته به كانت مدة أربعين سنة وكان قد غاب عنهم شخصه وعنوانه مدة عشرين سنة مع أناس لم يعرفوا خبره أنه نبي الله وابن نبي وهو لم يذع أمره أو يدل على مكان أهله قبل اللقاء بأبيه فعرفت بغيبة يوسف (عليه السلام) عن أبيه واخوته وعن الذين يعرفونه ببعد المكان وخفائه عنهم بحكمة الله وقدرته بالرغم من قرب المسافة بين البلدين فسمي هذا البعد على الارجح والذي كان يقصد منه مصنف الكتاب وفي المصادر الأخرى بالغيبة مع فقدان أبيه له وبحثه عنه ويمكن من قصد المصنف وكما في الروايات التشبيه بالغيبة للإمام القائم (عجّل الله فرجه) لعله يكون بالقرب منا ولا نعرف بغض النظر عن طول الزمان لغيبته وقد يكون بيننا ولا نعرف من هو بين الناس ومن ثم سيظهره الله ويمكن له كما مكن ليوسف (عليه السلام) وأكثر من ذلك وكما غيب الله يوسف بسبب حسد اخوته وصاروا يكيدون له كذلك غيب الله حجته (عجّل الله فرجه) مخافة القتل وكما سيتضح من خلال الروايات في مباحث لاحقة.
٧ - غيبة النبي موسى(٦٩١) (عليه السلام):
يروى بسند الرواية عن الإمام زين العابدين عن آبائه (عجّل الله فرجه) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (لما حضرت يوسف (عليه السلام) الوفاة جمع شيعته وأهل بيته فحمد الله وأثنى عليه ثم حدثهم بشدة تنالهم يقتل فيها الرجال وتشق بطون الحبالى وتذبح الأطفال حتى يظهر الله الحق في القائم من ولد لاوي بن يعقوب وهو رجل اسمر طوال ونعته لهم بنعته فتمسكوا بذلك ووقعت الغيبة والشدة على بني اسرائيل وهم منتظرون قيام القائم أربع مائة سنة حتى بشروا بولادته ورأوا علامات ظهـوره واشتدت عليهـم البلوى... وطلب الفقيه(٦٩٢)، الذي كانوا يستريحون إلى أحاديثه فأستتر وراسلوه فقالوا: كنا مع الشدة نستريح إلى حديثك فخرج بهم إلى بعض الصحاري وجلس يحدثهم حديث القائم ونعته وقرب الأمر... فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم موسى (عليه السلام) وكان حديث السن وقد خرج من دار فرعون يظهر النزهة فعدل عن موكبه وأقبل اليهم... فلما رآه الفقيه عرفه بالنعت فقام اليه وأنكب على قدميه فقبلهما ثم قال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرانيك فلما رأى شيعته ذلك علموا أنه صاحبهم فأكبوا على الأرض شكراً لله (عزَّ وجلَّ) لم يزدهم على أن قال: أرجو أن يعجل الله فرجكم ثم غاب بعد ذلك)، وأخرج المصنف رواية ثانية مختصرة بنفس المضمون عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وعن الباقر (عليه السلام) قال: (ما خرج موسى حتى خرج قبله خمسون كذاباً من بني إسرائيل كلهم يدعي أنه موسى بن عمران)(٦٩٣)، وأخرج الراوندي نفس الرواية حتى الا أنه يذكر بانه خرج قبل موسى (عليه السلام) ثمانون كذاباً من بني اسرائيل كلهم يدعي انه موسى(٦٩٤).
في هذا الخبر أن بني اسرائيل كانوا يتدارسون في خبر نبي يبعث من ذرية إبراهيم (عليه السلام) غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه وكانت هذه البشارة مشهورة عند بني اسرائيل حتى أقدم ملك مصر على قتل أبنائهم ليضعف شوكتهم لما أصابهم منه وقتل من النفوس ما لا يحصى حتى شاء الله أن يحفظ خبره وولادته موسى (عليه السلام) وأخفى أثار حمل امه به وأن يولد وأن يتربى في دار فرعون بمشيئة الله حتى بعد أن أراد ان يذبحه فرعون ثم استوهبته امرأته فوهبه لها ورده إلى أمه وأصبحت هي مرضعته(٦٩٥).
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص: ٤) كان لا يولد لهم مولود إلا ذبح فلا يكبر الصغير وقذف الله الموت في مشايخ بني إسرائيل وأسرع فيهم وكلموا فرعون بالأمر بأنه وقع فيهم الموت وانه يأمر بذبح الصغار ولا يبلغ منهم أحد ويفنى الكبار حينها أمرهم أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، حتى حملت ام موسى في السنة التي فيها الذبح وانجبته في السنة التي فيها الترك وخافت عليه عند وضعه فأوحى الله إليها قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: ٧)، حتى ألقته في اليم والتقطته الجواري وهو في التابوت وأدخلنه على آسية زوجة فرعون وكلمت فرعون في أمره وتركه لها ولم يقتله حتى بحثوا له عن مرضعه حتى شاء الله أن تكون امه هي مرضعته كما بشرها بذلك، قال تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ (القصص: ٨)، فتربى في كنف فرعون حتى ترعرع وكبر بحمايتهم ودار ملكهم وحفظه الله من شرهم ومن القتل(٦٩٦).
ثم يكمل الصدوق الرواية ويقول: (وخرج إلى مدينة مدين(٦٩٧)، فأقام عند شعيب(٦٩٨)، (عليه السلام) ما أقام فكانت الغيبة الثانية أشد عليهم من الاولى وكانت نيفاً وخمسين سنة واشتدت البلوى عليهم واستتر الفقيه فبعثوا اليه أنه لا صبر لنا على استتارك عنا فخرج إلى بعض الصحاري واستدعاهم وطيب نفوسهم وأعلمهم أن الله (عزَّ وجلَّ) أوحى اليه أنه مفرج عنهم بعد أربعين سنة فقالوا بأجمعهم الحمد لله فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) اليه قل لهم قد جعلتها ثلاثين سنة لقولهم الحمد لله فقالوا كل نعمة فمن الله فأوحى الله اليه قل لهم قد جعلتها عشرين سنة فقالوا: لا يأتي بالخير الا الله فأوحى الله اليه قل لهم قد جعلتها عشراً فقالوا: لا يصرف السوء الا الله فأوحى الله اليه قل لهم لا تبرحوا فقد أذنت لكم في فرجكم فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم موسى (عليه السلام) راكباً حماراً... حتى وقف عليهم فسلم عليهم فقال له الفقيه: ما اسمك؟ فقال: موسى، قال ابن من؟ قال: ابن عمران، قال ابن من؟ قال ابن قاهث بن لاوي بن يعقوب، قال بماذا جئت؟ قال جئت بالرسالة من عند الله (عزَّ وجلَّ) فقام إليه فقبل يده ثم جلس بينهم... وبين فرجهم بغرق فرعون أربعون سنة)(٦٩٩)، وكذلك وردت مثل الرواية في مصادر اخرى(٧٠٠)، وكان عمره من مولده إلى مبعثه في بني إسرائيل حتى خروجه من مصر ثمانين سنة(٧٠١).
أما سبب خروجه من مصر فكان لنصرته رجل من بني اسرائيل على رجل آخر فرعوني مشرك بالله فيقال انه ضربه بعصى كانت معه فمات من حينها فخاف موسى مما يحصل له خوفاً من فرعون ومن معرفته انه من بني اسرائيل لنصرته رجلاً منهم وصار يتجول في المدينة وهو خائف يترقب ثم خرج من مصر بعد ان افشى احد الفرعونيين خبره إلى فرعون بما قام به من قتل هذا الرجل فاستقر به المقام بمدينة مدين(٧٠٢)، ومن المعاجز التي أعطاها الله لموسى العصى التي تحولت لأفعى والتهمت أفاعي السحرة وأعطاه الألواح التي فيها الحلال والحرام والمواعظ وكان مبلغ عمره كله مائة وعشرين سنة(٧٠٣).
وغاب موسى (عليه السلام) عن امه حتى صارت مرضعته ثلاثة أيام(٧٠٤)، وفي بيت فرعون مصر وكبر وبلغ مبلغ الرجال(٧٠٥)، وغاب موسى (عليه السلام) عن قومه مدة أربعين ليلة حينما أوحى الله إليه انه سوف ينزل عليه التوراة التي فيها الأحكام التي يحتاجونها وأخبرهم بأنه ذاهب إلى ميقات ربه وانه عائد إليهم بعد الأربعين يوماً واستخلف عليهم أخاه هارون حتى أن قومه قد غضبوا من انه لن يعود حتى أرادوا قتل هارون واتخذوا عجلاً لعبادته بعد ان ضاقت صدورهم من عدم عودته إلى عاد إليهم واخبرهم ان الله كلمه وناجاه ولم يؤمنوا به واستكبروا وطلبوا رؤية الله(٧٠٦)، قال تعالى: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْـرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٢).
وقد أورد المصنف قصة موسى (عليه السلام) وكيف أن الله أخفى ولادته وكيف حفظه من القتل حتى كاد الرجال يعتزلون النساء بسبب ما فعله فرعون اذ أمر بقتل الغلمان واستحياء النساء فقال لهم عمران ابو موسى (عليه السلام): (بل باشروهن فإن أمر الله واقع ولو كره المشركون) فحفظه الله من مكر فرعون في حمل امه وولادته وكيف نقله في اليم بعد أن وضع في التابوت ونقلته المياه وتربى في بيت فرعون وعادت امه وأصبحت مرضعته حتى اشتد أمره وأرسله الله (عزَّ وجلَّ) إلى فرعون وقومه بآيتين بيده وبالعصا وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (... فأن موسى بن عمران (عليه السلام) خرج ليقتبس لأهله ناراً فرجع إليهم وهو رسول نبي فأصلح الله تبارك وتعالى أمر عبده ونبيه موسى (عليه السلام) في ليلة)(٧٠٧)، ومثل تلك الأخبار تتفق مع ما ورد في مصادر أخرى ذكر فيها أن مبلغ غيبته نبي الله موسى (عليه السلام) عن قومه ثمان وعشرين سنة)(٧٠٨).
٨ - وقوع الغيبة بالأوصياء والحجج بعد موسى (عليه السلام) إلى أيام عيسى (عليه السلام):
في هذه الفقرة نتطرق إلى من ذكرهم المصنف مجموعين، يذكر ان من قام بالأمر بعد موسى (عليه السلام) يوشع بن نون(٧٠٩) (عليه السلام) صابراً على الطواغيت والضراء والجهد والبلاء حتى قاتل المنافقين من قوم موسى من الذين خرجوا عليه ومن بعد يوشع كان هناك أحد عشر من الأئمة مستترين(٧١٠) مدة أربعمائة سنة وكان قوم كل واحد منهم يختلفون إليه في وقته ويأخذون عنه معالم دينهم حتى انتهى الأمر إلى آخرهم فغاب عنهم ثم ظهر لهم فبشرهم بداوود(٧١١) (عليه السلام)(٧١٢)، وأقام يوشع بن نون في بني اسرائيل بعد موسى سبعاً وعشرين سنة(٧١٣).
أمّا خبر داوود (عليه السلام) وغيبته انه كان أبوه شيخاً وله أربعة أخوة ولا يعلمون أنه النبي المنتظر الذي يطهر الأرض من جالوت(٧١٤) وجنوده وكانت الشيعة يعلمون انه قد ولد وبلغ أشده وكانوا يرونه ويشاهدونه ولا يعلمون أنه هو حتى دارت الحرب مع جالوت وكان داوود قد تخلف عنها إلى ان مكنه الله من قتل جالوت بعد أن ضربه بحجر واجتمعت إليه الناس وملكته وانزل الله عليه الزبور وعلمه صنعة الحديد وامر الجبال والطير ان تسبح معه وأعطاه صوتاً لم يسمع بمثله حسناً وقوة العباد وأقام نبياً في بني اسرائيل(٧١٥)، توفي داوود (عليه السلام) وله من العمر مائة سنة ومد ملكه أربعين سنة(٧١٦) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (سبأ: ١٠)(٧١٧)، ولم تكن له غيبة بالمعنى المعروف ومن خلال سياق الرواية وما ذكرته المصادر عن قصة داوود (عليه السلام) انه غيب عنهم فضله وكرامته وهو بينهم إلى حين حاجة المجتمع إليه في ردع الطواغيت وما أعطاه الله لآن له الحديد وسير معه الجبال والطير وهذا ما مضمونه من غيبته وبعثه الله بالنبوة وأعطاه معها الملك على بني اسرائيل.
ويروي الصدوق أن نبي الله داوود (عليه السلام) عندما أستخلف بعده سليمان(٧١٨) (عليه السلام) بأمر من الله اعترض عليه بنو إسرائيل بأنه يستخلف عليهم من هو حدث السن وفيهم من هو أكبر منه فدعا أسباط بني إسرائيل فقال لهم: (قد بلغني مقالتكم فأروني عصيكم فأي عصا أثمرت فصاحبها ولي الأمر من بعدي، فقالوا: رضينا) ثم كتب كل واحد منهم اسمه على عصاه وكذلك سليمان (عليه السلام) اتى بعصاه وكتب عليها اسمه ثم أدخلت بيتاً وأغلق الباب وحرسته رؤوس بني اسرائيل فلما أصبح أقبل داود (عليه السلام) وفتح الباب فأخرج عصيهم وقد أورقت وعصا سليمان قد أثمرت فسلموا بذلك لداوود (عليه السلام) فسار به في بني إسرائيل فقال: (هذا خليفتي فيكم من بعدي ثم أخفى سليمان بعد ذلك أمره وتزوج بامرأة واستتر من شيعته ما شاء الله أن يستتر)(٧١٩).
والرواية السابقة وردت عند بعض المصنفين(٧٢٠)، وذكر في الأخبار ان لداوود ولداً آخر غير سليمان لما كبر داوود وصار يدعو لنفسه ويقول للقوم أنا أقوم مقامه عند ذلك أوصى داوود بسليمان (عليهما السلام)(٧٢١)، ولم يذكر الصدوق ولا غيره من المؤرخين عن غيبة سليمان شيء أو عن مدتها أو اي تفاصيل عنها فقط انه غاب ومن المرجح أنه أخفى أمره حتى قربت وفاة داوود (عليه السلام) فأوصى له.
قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيـُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ (النمل: ١٦)(٧٢٢)، يذكر أنه أتاه الملك والنبوة وهو ابن ثلاث عشرة سنة وسخر له الله كل شيء واتاه ملك لم يؤته غيره فسخر له الجن والانس والريح والطير وغير ذلك وكان كثير الغزو ويعلم أي شيء يدور حوله فقد كانت الريح تحمل له أخبار اي حديث يدور وقد جعل الله ملكه في خاتمه(٧٢٣) وقيل ان مدة ملك سليمان حتى وفاته ثلاث وخمسون سنة ملكه فيها أربعون سنة(٧٢٤).
ويروى أن سليمان (عليه السلام) بعد أن خرج لشيعته واستبشروا به وفرج الله عنهم من حيرة غيبته إلى أن حضرته الوفاة أوصى إلى آصف بن برخيا(٧٢٥)، بأمر الله فلم يزل بينهم تختلف اليه شيعته ويأخذون من معالم دينهم ثم غيبه الله تعالى غيبة طال أمدها ثم ظهـر لهم وبقي مع قومه ما شاء الله ثم ودعهم حتى اقالوا له: (أين الملتقى؟ قال: على الصراط وغاب عنهم)(٧٢٦)، وأخرج الراوندي الرواية كما وردت في إكمال الدين(٧٢٧).
ولم يتحدث أحد عن غيبة آصف غير الصدوق ولا يوجد عنها حتى إشارة، فقط تذكره المصادر انه كان مع النبي سليمان (عليه السلام) وما حصل معهم من أحداث مذكورة في القصة التي أحلناها إلى المصادر ولا يوجد أي خبر يشير إلى غيبته الا انه أشار إلى امته من الأنس والجن أنه الحجة من بعده وانه أودعه علمه بأمر الله حتى لا يختلف فيه أحد في امامته ودلالته كما فهم سليمان (عليه السلام) في حياة داود (عليه السلام) لتعرف إمامته ونبوءته بعده لتأكيد الحجة على الخلق(٧٢٨).
وبعد أن غاب آصف عنهم اشتدت بهم البلوى من بعده بغيبة آصف وتسلط عليهم من ظلمهم وهو بختنصر(٧٢٩) يقتل من يظفر به منهم وسبي ذراريهم ويسر منهم حتى وقع بيده جماعة منهم فيهم الحجة دانيال(٧٣٠) (عليه السلام) وبقي في الأسر تسعين سنة حتى عرف فضله وعلم بختنصر ما يرجو بنو اسرائيل من الفرج على يديه وينظرون خروجه حتى قام بوضعه بجب عظيم مع أسد ليأكله فلم يقربه وكان الله يأتيه بطعامه وشرابه على يد نبي من أنبيائه حتى طال الأمد واشتدت البلوى حتى شك أكثر المنتظرين له حتى رأى بختنصر في الرؤيا أن الملائكة تنزل على دانيال في الجب يبشرونه بالفرج حينها ندم بختنصر ما فعل بدانيال فأمر بإخراجه من الجب واعتذر له وفوض له امور المملكة والقضاء بين الناس حتى اجتمع اليه بنو إسرائيل ولم يلبث قليلاً حتى مات(٧٣١)، والإشارة في غيبة دانيال (عليه السلام) هنا أيضاً بأنه كان في الجب ولا يعرفه قدره وفضله حتى بين الله فضله وكرامته برؤيا التي رآها الملك بختنصر وجعلها الله سبباً ليظهره لهم.
وقبل أن يموت دانيال (عليه السلام) أفضى بالأمر من بعده إلى عزير(٧٣٢) (عليه السلام) فكانوا يجتمعون إليه حتى غيبه الله عنهم شخصه مائة عام ثم بعثه ثم غابت الحجج بعده واشتدت البلوى على بني إسرائيل(٧٣٣) قال تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِـزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ٥٩)، اختزلت هذه الآية قصة عزير (عليه السلام) يذكر انه خرج من قريته على حمار له بعد أن غزا بخت نصر بيت المقدس وخربه وحرق التوراة ولم يتبق منه إلا ما حفظ عُزير، وكان خروجه إلى ضيعة له يتفقدها وقد أصابه الحر فانتهى إلى خربة ودخل الخربة هو وحماره استظل واخرج طعامه ثم استلقى على قفاه وتفكر في تلك الخربة وكيف أصبحت خاوية وتلك العظام البالية وكيف يحيي الله الموتى وقد قالها تعجباً فأرسل الله ملك الموت فقبض روحه ومات حماره إلى جنبه وكانت مدة موته مائة عام حتى استبطأه أهله واهل قريته عودته فخرجوا يبحثون عنه فلم يعثروا عليه حتى أنه بحثوا في المكان الذي رقد فيه فغيبه الله عنهم ويأس الناس من عودته ونسوا أمره حتى أهله ثم أحياه الله وعاد لقريته بعد مائة عام وهو بعمر الاربعين بعد أن أماته وهو بعمر الأربعين فأعاده شاباً ولم يصدقوه بعد ان تغير كل شيء في قريته حتى اختبروا بأنه يعرف مكان التوراة فأخرجه لهم وكانت أوراقه قد تلفت قام بكتابته لهم لأنه كان يحفظه فصار للناس آية ومعجزة حتى توفاه الله(٧٣٤).
وبعد أن غيب الله عزيراً (عليه السلام) واشتدت البلوى ببني اسرائيل حتى ولد نبي الله يحيى(٧٣٥) (عليه السلام) وترعرع وظهر وهو ابن سبع سنين فقام خطيباً فيهم: (فحمد الله واثنى عليه وذكرهم بأيام الله وأخبرهم أن محن الصالحين إنما كانت لذنوب بني إسرائيل وأن العاقبة للمتقين ووعدهم الفرج بقيام المسيح(٧٣٦) (عليه السلام) بعد نيف وعشرين سنة)(٧٣٧)، قال تعالى: ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: ١٢)، أن هذا الغلام المبشر به ان الله علمه الكتاب وهو التوراة وأوصاه بأن يتعلمه بحرص واجتهاد وهو صغير حدث السن حتى كان يقول: (والله ما للعب خلقنا، وإنما للجدّ لأمر عظيم)(٧٣٨).
(لما ولد المسيح (عليه السلام) أخفى الله ولادته وغيب شخصه لان مريم (عليه السلام) لما حملته انتدبت به مكاناً قصياً ثم أن زكريا وخالتها أقبلا يقصان أثرها حتى وجداها وقد وضعت ما في بطنها وهي تقول: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسيا، فأطلق الله تعالى ذكره لسانه بعذرها وإظهار حجتها فلما ظهرت اشتدت البلوى والطلب على بني إسرائيل وأكب الجبابرة والطواغيت عليهم...)(٧٣٩)، حتى أعطاه الله من الكرامات وبعثه بالرسالة وتكلم في المهد وانه يحيي الموتى ويشافي المرضى ويمشي على الماء ويخلق من الطين كهيئة الطير وغيرها من الكرامات كلها بأذن الله(٧٤٠)، حتى ان الله (عزَّ وجلَّ) رفعه اليه بعد أن أراد بني اسرائيل قتله فرفعه جبرائيل (عليه السلام) حتى شبه لهم انهم قتلوه وقيل انه رفع في ليلية القدر وقيل ليلة الثاني أو الثالث والعشرين من شهر رمضان وله من العمر ثلاث وثلاثين سنة أو أربعين سنة وقد اتفقت أغلب المصادر التي اعتمدنا عليها حول هذا الموضوع مع اختلافات بسيطة متفقة جميعها بقضي انه رفع إلى السماء ووضحت ما هو سبب التشبيه لهم وكيف رفعه الله(٧٤١).
قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَـى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٧)، وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء: ١٥٨)، حتى قال بعض النصارى هنا نحن قتلناه وقال اليهود نحن قتلناه بل رفعه الله إليه بل وضع الله شبه له فقتلوه ورفعه الله وهو ابن أربع وثلاثين سنة(٧٤٢)، يروى عن رفع عيسى (عليه السلام) حيث ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ (النساء: ١٥٩) أنها في عيسى (عليه السلام) بأن الله رفعه اليه بعد أن شبه لهم أنهم قتلوه وهو في السماء وأنه منزله قبل يوم القيامة ويؤمن به البر والفجر وخاصة منهم اليهود وقيل حتى يؤمنوا بالنبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وثم يأتي الله بعيسى (عليه السلام) شاهداً عليهم يوم القيامة لأفعالهم التي شاهدها منهم(٧٤٣).
وهذا ما ذكر باختصار عن الأنبياء (عليهم السلام) وقصص غيابهم كشواهد مقدمة لأمر الغيبة فقد عرفت من قبل وهي ليست بالأمر الغريب ووقعت في أنبياء تلك الأقوام واغلبها كان بسبب المخاطر التي أحاطت بهؤلاء الأنبياء (عليهم السلام) والتهديد المحدق بهم من قبل المتسلطين والطغاة على مختلف الأزمنة حتى أن أصحاب السلطة كان لهم معرفة بأنه سيأتي من يقضي على طغيانهم وكفرهم وأقدموا على قتل الأطفال من شدة خوفهم على ملكهم حتى حفظ الله أوليائه من هؤلاء كما حصل في قصة إبراهيم وموسى (عليه السلام) ومنها قصص الغيبة عن أعين الناس لفترات طويلة بطريق إعجازي كما هو حال العزير (عليه السلام) ومنهم من رفعه الله إليه كما قيل في ادريس وعيسى (عليهما السلام) وحال باقي الأنبياء، وهكذا حال إمامنا ولعل هذا ما أراده المصنف من تقريب فكرة إخفاء الولادة والغيبة لإمامنا (عجّل الله فرجه) كما هو حال الأنبياء (عليهم السلام) من الخطر المحدق بالقائم من آل محمد من قبل ان يولد وفي ولادته إلى زمان غيبته حتى يأذن الله في ظهوره ما هو إلا بسبب الأخطار المحيطة به والتهديد بالقتل من قبل السلطات ان عرف أو القي القبض عليه حتى لم يحترز في حفظ نفسه إلّا بغيبته عن أعين الناس بأمر الله وهذا ما بشر به آباؤه (عليهم السلام) وبينوا أسباب غيبته كما سيتضح ذلك في مباحث هذه الأطروحة اللاحقة.
المبحث الثاني: غيبة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والبشارات بنبوته:
الواضح في قصص الأنبياء جميعها هو وجود ثقافة الانتظار والغيبة في الأمم السالفة جيلاً بعد جيل عند اشتداد الشدة وكثرة الظلم وغيبة المخلص عنهم فهي ليست بأمر جديد أو مستحيل تطبيقه فيكونون على أمل انتظار من يفرج عنهم مما أصابهم بعد البشارة به ممن سبقه حتى بعدة قرون وكان الأنبياء (عليهم السلام) لا تنقضي نبوة أحدهم حتى يبشر بالذي بعده أو يعرف حجة الله من قبل احد العلماء أو الأوصياء حتى لا تنقطع حجة الله على الناس وما بشر به جميع الأنبياء وآخرها النبي عيسى (عليه السلام) بنبينا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكان هناك من الصالحين من ينتظر قدوم هذا النبي أو المنقذ وكان بعضهم من المعمرين أشار إليهم الصدوق وقد لقي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من المعاناة والأذى أشد مما لقيه الأنبياء السابقون له ومر ببعض ما مروا به من مواقف قبل بعثته وبعدها وقبل التطرق لهذه البشارات هناك سؤال يطرح نفسه هل كان لنبينا غيبات تشبه غيبات الأنبياء سنحاول الإجابة عنها باختصار؟
أولاً - ما قيل في غيبة النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
لما كان الفراغ الذي يحصل ما بين نبي وآخر يطلق عليه غيبة كما هو في منهج الروايات الواردة في الكتاب لما يحل بالأنبياء من الأذى أو الخطر ان يبتعدوا عن قومهم قبل بعثتهم لرؤيتهم الإشراك بالله أو حتى بعد بعثتهم لما يصيبهم من القوم وجب على المصنف التطرق إلى ما حصل مع النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلا أنه أحجم عن ذكرها سنشير إليها لغرض التوضيح والتشابه ما بين الأنبياء لكنه فقط يذكر روايات عن الفراغ الحاصل بعد عيسى (عليه السلام) يقول: (لما مضى شمعون غابت الحجج بعده واشتد الطلب وعظمت البلوى ودرس الدين وضيعت الحقوق... فكانت الغيبة مائتين وخمسين سنة) ثم ينقل حديثاً للإمام الصادق (عليه السلام) محدثاً أحد أصحابه قال: (كان بين عيسى وبين محمد خمسمائة عام منها مائتان وخمسون عاماً ليس فيها نبي ولا عالم ظاهر، قلت فما كانوا، قال: كانوا متمسكين بدين عيسى (عليه السلام)، قلت فما كانوا قال: كانوا مؤمنين، ثم قال: ولا يكون الأرض إلا وفيها عالم)(٧٤٤)، وذكرت بعض المصادر التاريخية أن المدة هذه كانت خمسمائة وثمانين سنة وأشهر(٧٤٥)، وانفرد الصدوق بهذه الرواية من المتقدمين ونقلها المجلسي عنه(٧٤٦).
هذه المدة يوجد فيها اختلاف كما يتضح في المصادر المذكورة اعلاه ولم تحددها بالدقة وكما أن المدة التي حددها الإمام الصادق (عليه السلام) (مائتان وخمسون عاماً ليس فيها نبي ولا عالم ظاهر) اي كان هناك حجة لله في أرضه لكنه غير معروف أو ليس مشهوراً وبصورة عامة غائب وكان أتباع المسيح مؤمنين لعل القصد أتباعه الحقيقيون مؤمنون بتعاليم عيسى وما قال وملتزمون بها وأقرب دليل على حديث الإمام الصادق (عليه السلام) بأنهم مؤمنون قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (المائدة: ٨٢)، قيل أنها نزلت في قوم من النصارى كانوا متمسكين بدين عيسى لم ينحرفوا عنه فآمنوا بالنبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقيل إنها في جميع النصارى كونهم ألين عداوة من اليهود على الإسلام(٧٤٧).
ويروي الصدوق رواية يرفعها بسنده عن الامام الباقر (عليه السلام) قال: (ما أجاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحداً قبل علي بن أبي طالب وخديجة ولقد مكث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمكة ثلاث سنين متخفياً خائفاً يترقب ويخاف قومه والناس) ثم يقول مصنف الكتاب: (والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة إليه)(٧٤٨) وعن الصادق (عليه السلام): (كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) مع رسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في غيبته لم يعلم بها أحدٌ)، وقال (عليه السلام): (اكتتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمكة مختفياً خائفاً خمس سنين ليس يظهر أمره وعلي (عليه السلام) معه وخديجة ثم أمره الله (عزَّ وجلَّ) أن يصدع بما أمره فظهر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأظهر أمره) وفي خبر متخفياً ثلاث سنين(٧٤٩)، والمشهور تاريخياً بأن أول من آمن به واسلم هو الإمام علي وخديجة (عليهما السلام) حتى ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (صليت مع رسول الله [صلّى الله عليه وآله وسلّم] قبل الناس بسبع سنين) واسلم وعمره إحدى عشرة سنة(٧٥٠) ومثل تلك الأخبار الواردة عند الصدوق أوردها غيره من المصنفين(٧٥١)، وسنأخذ في هذا المبحث موضع الحاجة منها لغرض توضيح الموضوع بما قيل في غيبة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وبعث (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالرسالة لما أتم الأربعين من عمره الشريف(٧٥٢)، وكان ثلاث سنين يدعو سراً لتوحيد الله هو في مكة(٧٥٣)، وكان قبل بعثته يتعبد في غار بعيداً عن قومه، وبعد بعثته جهر بالرسالة فمكر له قومه وارادوا قتله مجتمعين على ذلك وخرج من بين المجتمعين من قريش من دون أن يشعروا به وأمر أمير المؤمنين (عليه السلام) المبيت في فراشه ودخل في الغار ولحقوا به ولم يتمكنوا من العثور عليه داخل الغار وفوق هذا كله وأهمها حادث الإسراء وما أعطى من دلائل على رحلة الإسراء والقصص التي شاهدها وبعد المسافة بين المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى التي تطول لعدة أيام وأخبرهم بالقافلة القادمة نحو مكة(٧٥٤)، ويشير احد الباحثين بتعليق له حول حادثة اختفاء النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جسدياً أمام أعين كفار قريش وخروجه من بينهم دون شعورهم يقول: (ان ثبوت هذه الحادثة يكفي تماماً للجواب على من يقول باستحالة الغياب الحسي والاختفاء أمام الحواس.. فقد اختفى أمام مردة قريش وفتيانهم الذين أرادوا قتله... وان الوقوع يدل على الإمكان)(٧٥٥)، وهذه الأمور كلها تعطي صوراً من التشابه بين حياته المباركة وحياة من سبقه من الأنبياء من قبله من أحداث حتى دفع الله عنه مكر المشركين وأخفاه حتى ولو لفترات قصيرة واعمي بصرهم وبصيرتهم عنه فيمكن أن يطلق عليها غيبات عن قومه مع قصر مدتها ووضوح معجزاته فيها وهذه الحوادث من المسلمات تاريخياً ومعروفة في جميع المصادر التي تتحدث عن السيرة وكتب التاريخ العام.
ثانياً - البشارات بنبوة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
ليس نحن بصدد ما بشر به الأنبياء لكن نتطرق إلى ما ذكره الصدوق من البشارة التي كانت من عيسى (عليه السلام) باعتباره آخر الأنبياء قبل نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن بعدها البشارات التي جاءت من بعض الموحدين والرهبان وأحبار اليهود والملوك والمعمرين الذين ذكرهم المصنف في كتابه:
١ - بشارة النبي عيسى (عليه السلام):
ينقل الصدوق رواية ذكرت في الإنجيل ولعلها منقولة من نسخ للإنجيل لم تعد موجودة الآن مفادها أن الله أوحى إلى عيسى (عليه السلام) حينما أراد رفعه واخبره عن مواصفات وعلامات وشمائل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويأمره أن يبلغ قومه الإيمان به ملمحاً فيه عن الزهراء والحسنين (عليهم السلام) اذ يقول: (نسله من مباركة لها بيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب يكفلها في آخر الزمان كما كفل زكريا امك لها فرخان مستشهدان كلامه القرآن ودينه الإسلام وانا السلام فطوبى لمن أدرك زمانه وشهد ايامه وسمع كلامه... يا عيسى أرفعك الي ثم اهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب ولتعينهم على اللعين الدجال أهبطك في وقت الصلاة لتصلي معهم انهم أمة مرحومة)(٧٥٦).
وأخرج الراوندي نفس الحديث في قصصه بطريقين مختلفين للحديث(٧٥٧) وذكر نفس الخبر عند الطبرسي(٧٥٨)، والدليل على صدق نقل الحديث هذا في نسخ للإنجيل لعلها لم تعد موجودة هو صدق القول في الكتاب العزيز، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (الأعراف: ١٥٧)(٧٥٩)، لما انتهت النبوة في بني اسرائيل إلى عيسى (عليه السلام) قام فيهم خطيباً فأخبرهم أن النبوة انقطعت عنهم وأنها بعده في النبي العربي خاتم الأنبياء وهو أحمد وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب من سلالة إسماعيل وإبراهيم (عليهم السلام)(٧٦٠)، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَـى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّـراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: ٦)(٧٦١)، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم (عليها السلام)... ويوشك أن ينزله فيكم ابن مريم عدلاً حكماً وانه نازل على امتي... ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك في زمانه الملل كلها غير الإسلام وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذاب الدجال...)(٧٦٢)، وأخرج الراوندي فصلاً كاملاً في كتابه عن البشارات بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الواردة في كتب الأمم السابقة(٧٦٣).
٢ - بشارة سلمان المحمدي (رضي الله عنه):
واسمه روزبه بن خشبوزان من أهل شيراز منتظراً لبعثة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منذ زمن يسبق ولادته وبعثته بكثير وكان أهله من عباد الشمس ولم يكن سلمان يسجد للشمس أبداً حيث يصف قصته هو وحبه وإيمانه بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل ان يراه أو يسمعه حينما كان يسير مع والده عندما ذهبوا للاحتفال بأحد أعيادهم سمع رجلاً في دير نصراني يقول اشهد ان لا اله الا الله وأن عيسى روح الله وأن محمد حبيب الله فيقول سلمان حينها: (فرسخ وصف محمد في لحمي ودمي) ثم يروي ان كتاباً كان معلق في سقف منزلهم لم يكن موجوداً قبل خروجهم للاحتفال أراد ان يطلع عليه فمنعته امه حتى تمكن من الاطلاع عليه دون علم والديه ليلاً واذا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهداً من الله إلى آدم خالق من صلبه نبياً يقال له محمد يأمركم بمكارم الأخلاق وينهى عبادة الأوثان، يا روزبه ائت وصيي عيسى وآمن واترك المجوسية) ثم علم والداه بهذا واطلاعه على الكتاب حتى قاما بحبسه في بئر عميقة حتى دعا الله أن يفرج عنه يقول فأتاني آت واخرجني واتى بي إلى صومعة(٧٦٤) فقلت اشهد ان لا اله الا الله وان عيسى روح الله وان محمد حبيب الله فأشرف عليه الديراني وسأله هل أنت روزبه فقلت نعم يقول فأصعدني عنده وخدمته حولين كاملين حتى قاربت وفاته وأعطاني لوحاً وأوصاني أن أذهب إلى راهب في إنطاكية(٧٦٥)، واسلم عليه وأعطيه اللوح(٧٦٦)، لم يذكر خبر الكتاب المعلق في السقف وما حل به ولم يتطرق إلى ما موجود في اللوح الذي أعطاه له الراهب.
بعدها يذهب إلى أنطاكية بعد موت الراهب واتى إلى صومعة وانشأ يقول اشهد ان لا اله إلا الله وان عيسى روح الله وان محمداً حبيب الله فعرفه الديراني وقعد عنده ودفع إليه اللوح وخدمه حولين حتى وفاته وأوصاه ان يذهب إلى راهب في الإسكندرية ومعه اللوح وذهب إليه وذهب إلى الإسكندرية واتى على صومعة وفعل نفس ما فعل سابقاً وبقي مع الراهب هذا حولين أيضاً حتى قربت وفاته فقال له سلمان: (على من خلفتني فقال لا أعرف أحد يقول بمقالتي في هذه الدنيا وأن محمداً بن عبد الله بن عبد المطلب قد حانت ولادته فإذا اتيته فأقرئه مني السلام وادفع إليه اللوح فلما توفي غسلته وكفنته(٧٦٧)، ودفنته وأخذت اللوح وخرجت...)(٧٦٨).
بعد ان خرج صحب قوماً وكان في خدمتهم حتى آذوه ثم استعبدوه وباعوه إلى رجل يهودي وعرف بقصته فكرهه ثم باعه إلى امرأة حتى بقي عندها مدة من الزمان ثم يقول وإذ بيوم من الأيام قد اقبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) ومعهم جماعة فقدم إليهم التمر فرأى من العلامات ما تدل على انه هو النبي المشهود وذلك بعد أن رفض النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ان يأكل من التمر حتى اخبره سلمان بأنه هدية وليس صدقة ثم قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا روزبه تطلب خاتم النبوة فقلت نعم فكشف عن كتفه فإذا بخاتم النبوة معجوم(٧٦٩) بين كتفيه عليه شعرات) ثم اشترى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سلمان من هذه المرأة مقابل أربعمائة نخلة في الموضع الذي هم فيه فأعتقه رسول الله وسماه سلمان وكان سلمان وصي وصي عيسى وهو آبي أخذ منه الوصية(٧٧٠)، وفي رواية أن سلمان كان من بقايا أوصياء عيسى (عليه السلام)(٧٧١).
وقد ذكر بعض المصنفين قصة إسلام سلمان (رضي الله عنه) وكيف كانت معرفته برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل ان يلقاه مع بعض الاختلافات في النقل وفي مضمون قصة إسلامه ينقلون القصة التي ينقلها الصدوق مع غيرها من الأخبار تشير إلى إسلامه توضح طلبه في البحث عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلّا انهم يذكرون انه من أصفهان ويذكرون انه لقي بعض الحواريين دون تسميتهم أو الرهبان وتعلم منهم ولم تذكر المصادر مدة صحبته للرهبان مع اختلاف في المدن التي ذهب إليها للقاء الرهبان وجمعيهم ينقل انه التقى بعيسى أو التقى بآخر أوصياء عيسى (عليه السلام) في الشام وبشره ببعثة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأعلمه بأوصافه(٧٧٢)، وينقل الصفدي هذه القصة دون تفاصيلها ويذكر معها إخبار الراهب له بخبر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومبعثه(٧٧٣).
وفي رواية ينقلها الصدوق عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (كان سلمان الفارسي (رحمه الله) قد أتى غير واحد من العلماء وكان آخر من أتى آبي فمكث عنده ما شاء الله فلما ظهر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: آبي: يا سلمان ان صاحبك الذي تطلبه بمكة قد ظهر فتوجه إليه سلمان رحمة الله عليه)(٧٧٤)، وعنه (عليه السلام) قال: (كان آخر أوصياء عيسى (عليه السلام) رجل يقال له آبي، ويقال بالط)(٧٧٥)، ويروي ابن الجوزي أن سلمان (رضي الله عنه) أدرك وصي عيسى (عليه السلام) وعاش مئتين وخمسين سنة(٧٧٦)، ويذكر الصدوق أن انه لم يزل ينقل من عالم إلى عالم منتظراً لقيام سيد الأولين والآخرين محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أربعمائة سنة(٧٧٧).
وروي الطبرسي أن هذه المدة في تنقلات سلمان وانتظاره هي أربعمائة سنة(٧٧٨) وقيل إن سلمان (رضي الله عنه) لقي عيسى بن مريم (عليه السلام) وبقي إلى زمان نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخبره مشهور(٧٧٩)، قيل انه توفي سنة أربع أو خمس وثلاثين وقيل ست وثلاثين وقيل سبع وثلاثين هجرية وله من العمر مائتين وخمسين سنة وقد أدرك وصي عيسى(٧٨٠)، ويروي ابن الجوزي أن سلمان (رضي الله عنه) أدرك وصي عيسى (عليه السلام) وعاش مئتين وخمسين سنة(٧٨١).
وينقل ابن عساكر والذهبي انه أدرك وصي عيسى (عليه السلام) وتوفي سنة ست أو سبع وثلاثين عاش ثلاثمائة وخمسين أو مئتين وخمسين وهذا غير مشكوك فيه بحسب قول المؤرخين(٧٨٢)، وهناك اختلاف في مبلغ عمره وسنة وفاته ومن خلال الروايات ان آخر الرهبان الذين التقى بهم سلمان (رضي الله عنه) لم يكن وصياً بل عالماً حامل للوصية إلا أن المصادر التي ذكرت قصته لم تشر إلى اسم الراهب(٧٨٣)، وذكره الصدوق باسمه ولم نجد ما يتفق مع الرواية أنه آبي حتى لم نجد ما يشير إلى أن آخر أوصيا هو آبي وقد أشار إليهم المسعودي ولم يذكر بينها هذا الاسم(٧٨٤).
يشير أحد المؤرخين عن هذه الأخبار ثم يعلق على ووصايا الرهبان لسلمان (رضي الله عنه) بما مضمونه حين تنقل بينهم من واحد إلى واحد حتى وصل إلى راهب الإسكندرية والذي قال له إن محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حانت ولادته وبهذا دليل ان الله لم يترك الأرض بغير حجة يهتدى به إلى زمن ولادة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكان آخر الرهبان الذي التقى به بالإسكندرية وأوصى إلى
سلمان وإدراكه زمن الإسلام له علم بهذا الأمر وشهد للنبي بالنبوة وتوفي(٧٨٥).
للوقوف على خبر سلمان (رضي الله عنه) ان الوصاية مستمرة ولا يوجد زمان الا وفيه حجة على الناس بما ورد من الأخبار السابقة من قصص الأنبياء أو عن طريق اناس صالحين وأوصياء لهم حتى بعث نبينا الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومستمرة إلى يوم القيامة والا لساخت بأهلها على حد قول الأخبار الواردة كما ذكرناها في موضوع إمامة الأئمة (عليهم السلام)، مع اختلاف نقل أخبار إسلام سلمان بين المصادر تتفق الروايات بالمضمون العام للقصة كما هي عند الصدوق من بحثه عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المبشر به وصحبته للرهبان وطول العمر واللوح وعلامات النبوة وتنقله بين المدن ولقائه بأحد الأوصياء أو آخرهم واسترقاقه وبيعه حتى أسلم وعتق كلها تتفق في المعنى العام للروايات.
٣ - بشارة قس بن ساعده الأيادي:
وهو قس بن ساعده بن حذافة بن زهر بن نزار أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية له من العمر ستمائة سنة وكان يعرف النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) باسمه ونسبه ويبشر الناس بخروجه إلا أن قساً توفي قبل البعثة المباركة وكان عارفاً حكيماً عالماً شاعراً يعظ الناس ويحدثهم في كل مكان ويستعمل التقية ويأمر بها في خلال ما يعظ به الناس ولا يفشي بخبره الا لخاصته وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يترحم عليه وكان يسأل من يقدم عليه من أياد ما يعرفون من حكمه ويصغي ويسمعها ويقول فيه: (يحشر يوم القيامة أمة وحده)(٧٨٦)، وصفته المصادر بما ذكر عند الصدوق وقيل انه عمر سبعمائة سنة وقيل ثلاثمائة وثمانين لكن الأشهر بينها هو ستمائة سنة مع اختلاف بسيط في بعض الأسماء في سلسل نسبه وكلها تقول انه من أياد بن نزار وقيل انه أدرك زمان الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل النبوة حتى أنه سمع من قس بعض أقواله وقيل انه أول من قال أما بعد(٧٨٧).
٤ - خبر الملك تبع: (٧٨٨)
من الذين عرفوا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وانتظر خروجه وعرف خروجه في مكة وهجرته إلى يثرب وقال فيه شعراً حتى أخذ قوماً من اليمن وأنزلهم مع اليهود وأوصاهم بنصرته إذا خرج حتى انه قال: (اما أنا فلو أدركته لخدمته وخرجت معه) فقيل إن تبع كان مسلماً(٧٨٩).
أمّا قصته التي ذكرت في المصادر، تقول بأنه من ملوك اليمن اتسع ملكه في أنحاء عديدة من الأرض قيل انه أقدم بجيش على مكة بعد ان مر على المدينة في أيام الجاهلية وقاتله اهلها حتى اخبره اثنان من علماء اليهود بأنه لا سبيل له عليها لأنها دار هجرة رسول يكون في آخر الزمان وأخذهما معه إلى اليمن وفي طريقه اراد هدم الكعبة وقد اخبروه بشأن مكة وأنها بيت إبراهيم (عليه السلام) وبأنه سيبعث فيها نبياً سينصره الله ويرفع من شأنه ويقال انه لما أهم بهدمها أرسلت عليه وأتباعه ريحاً أرهقتهم وقيل انه فكر في هدمها فأصابه مرض عجز عنه الأطباء حتى أخبره احد العلماء بأن يتراجع عما هم به لما لهذا البيت من شأن ومبعث نبي في أخر الزمان اسمه محمد، وفي خبر قيل ان احد الرهبان امتنع معه مجموعة من العلماء عددهم أربعمائة رجل عالم من التقدم نحو مكة وارادوا المقام بالقرب منها ولما استعلم تبع عن سبب امتناعهم المسير في جيشه نحو مكة قالوا انا ننتظر قدوم احد الأنبياء في هذه الأرض يقال حينها ان تبع قام بالطواف على الكعبة وأمر بالكسوة لها وآمن بالنبي حتى انه كتب كتاباً وسلمه إلى أحد علماء اليهود الذي اخبره بأمر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كتب فيه اني مؤمن بدينك وموحد لله ومؤمن بكتابك وبالإسلام وكان يتمنى ان يدرك النبي وان لم يدركه كتب في كتابه بان يشفع له وسلم الكتاب للعالم الذي نصحه بشأن الكعبة وأمره ان يعطيه له إن أدركه أو ان ينقله الأبناء إلى يصلوا لزمانه وقد وصل كتابه للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال عنه: (لا تسبوا تبعاً فقد مات مسلماً) وأمر ببناء مساكن للعلماء الذين أرادوا المكوث قرب مكة وقيل انها أصبحت مدينة بالقرب من يثرب اذ قام ببناء أربعمائة دار، ويذكر ان قومه قتلوه لإيمانه بعد أن دعاهم لترك الأصنام(٧٩٠).
ومما ذكر في خبر العلماء أنهم امتنعوا التقدم مع الملك حتى أصابه ما أصابه مرضاً شديد عجز عنه الاطباء واخبروا ان هذا أمر سماوي حتى دخل عليه أحد العلماء وأخبره بشرف هذا البيت ودعاه إلى أن يتوب مما كان عازماً عليه تجاه هذا البيت فتاب تبع وتراجع عن نيته فعوفي من تلك الساعة من مرضه وآمن بالله وبإبراهيم (عليه السلام) وقيل انه اول كسى الكعبة وخرج بعدها إلى أرض يثرب واعتزل فيها ومعه أربعمائة رجل عالم ذلك حين طلبوا البقاء ليسكنوا في هذه الارض فسألهم وزير تبع عن الحكمة من بقائهم هنا قالوا: (اعلم أيها الوزير أن شرف هذا البيت من شرف محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صاحب القرآن والقبلة واللواء والمنبر مولده بمكة وهجرته إلى ها هنا وانا على رجاء أن ندركه أو يدركه أولادنا) فسمع الملك تبع مقالة العلماء تلك وفكر الملك ان يقيم معهم سنة على أمل أن يدرك النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمر ببناء أربعمائة دار لهم وزوج كل واحد منهم جارية وأعطى كل منهم مالاً وقال لهم الملك: (ابقوا هنا حتى يخرج هذا النبي أما أنا لو أدركته لخدمته وخرجت معه)(٧٩١).
ويروى أن تبع بعد أن استقر مع هؤلاء العلماء في يثرب كتب كتاباً إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل أن يبعث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أمل أن يصل هذا الكتاب للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين يبعث بالرسالة يذكر في كتابه إيمانه وإسلامه وانه من امته ويطلب من أن يجعله تحت شفاعته ودفع بالكتاب إلى العالم الذي نصحه وأمره ان يدفع الكتاب إلى محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ان أدركه وان لم يدركه إلى أولاده وأولاد أولاده أبداً ما تناسلوا إلى حين رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبعدها ذكر ان تبع خرج من يثرب ومات في بلدة من بلاد الهند وكان ما بين وفاة تبع وبعثة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ألف سنة وبقي هذا الكتاب محفوظاً عند أهل المدينة ولما بعث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنفذ اهل المدينة الكتاب إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على يد رجل يدعى ابي ليلى وعندما وصل إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال له: (أنت ابا ليلى؟ قال: نعم، قال ومعك كتاب تبع الاول، فتحير الرجل، فقال: هات الكتاب فأخرجه ودفعه رسول الله إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقرأه عليه، فلما سمع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلام تبع قال: مرحباً بالأخ الصالح، ثلاث مرات) حتى قيل أن انصار الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أهل المدينة من أولاد هؤلاء العلماء الأربعمائة(٧٩٢)، وهذا ما يعطيناً دليلاً آخر على أن ثقافة الانتظار والبشارة بالمصلحين موجودة ومذكورة عبر التاريخ.
٥ - خبر عبد المطلب(٧٩٣) وأبي طالب(٧٩٤) (رضي الله عنهما):
وكانا من أعرف العلماء بشأن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكانا يكتمان ذلك عن الجهال وأهل الكفر والضلال وهما اعلم الناس بفضله وكرامته، يذكر أن جده عبد المطلب فكان له فراش مخصص يوضع قرب الكعبة للجلوس لا يجلس عليه غيره فكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) غلام صغير يجلس عليه وكان اعمامه يمنعونه فينهاهم عبد المطلب ويخبرهم بأنه في يوم سيكون سيدكم وكان يقربه اليه ويمتدحه امامهم ويوصي أبو طالب ويخبره بأن لهذا الغلام شأناً عظيماً فأحفظه واستمسك به وقد كفله عبد المطلب وعمره ست سنين بعد وفاة امه (عليها السلام) حتى وقت وفاة عبد المطلب وكان على صدره فأوصى به وقال له: (هل قبلت وصيتي فيه؟ فقال نعم قد قبلت والله علي بذلك شهيد) فكان يتمنى ان يدرك زمانه ومات عبد المطلب هو ابن ثماني سنين فضمه ابو طالب وكان لا يفارقه ساعة وكان ينام معه ولا يأتمن عليه أحداً(٧٩٥).
 أشارت بعض المصادر إلى هذا الخبر باختصار أكثر عما أخبر به الصدوق مع إشارتهم لوصية جده عبد المطلب إلى عمه أبي طالب برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكانت رعايته له أفضل من رعايته لأولاده ولم يخرج من مكة الا بعد وفاة ابي طالب(٧٩٦).
وينقل الصدوق خبر الرؤيا التي شاهدها عبد المطلب بأنه رأى شجرة تنبت على ظهره ونال رأسها السماء وأغصانها في الشرق والغرب ويظهر منها نور عظيم وكان هناك جماعة من قريش يريدون قطعها فكان هناك شاب يمنعهم عنها ويكسر ظهورهم حتى اردت تناول غصن من أغصانها فمنعني وقال الشاب ستعود إليها، وذكر انه ذهب إلى امرأة في قريش لتفسره وقالت له لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك ولد يملك الشرق والغرب ينبأ الناس وكان ابو طالب يحدث بهذه الرؤيا والنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد خرج ويقول: (كانت الشجرة والله أبا القاسم الأمين)(٧٩٧)، وروي نفس الخبر عند بعض المصنفين(٧٩٨).
وفي رواية انه رأى سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في الأرض والآخر في السماء وطرف في المشرق وطرف في المغرب ثم تحولت شجرة في كل ورقة منها نور يتعلق بها أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض ولذلك سماه محمداً(٧٩٩)، ويروي نفس الخبر ابن الجوزي الا أنه يقول تعلقت بها قريش(٨٠٠).
وكان أبو طالب مؤمناً يستر الإيمان ويظهر الكفر(٨٠١)، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن ابا طالب أظهر الكفر واسر الإيمان فلما حضرته الوفاة أوحى الله (عزَّ وجلَّ) إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اخرج منها فليس لك بها ناصر فهاجر إلى المدينة)، وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (والله ما عبد أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنماً قط، قيل له فما كانوا يعبدون؟ قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم (عليه السلام) متمسكين به)(٨٠٢)، وذكر خبر إيمان ابو طالب في الكافي بأحاديث المعصومين (عليهم السلام) فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (قيل له أنهم يزعمون ان ابا طالب كان كافراً فقال: كذبوا كيف يكون كافراً وهو يقول: الم تعلموا أنا وجدنا محمداً نبياً كموسى خط في أول الكتب)(٨٠٣).
وفي خبر ينقله الصدوق بسندين بما يتعلق بأيمان أبي طالب (رضي الله عنه) ينقل عن الحسين بن روح (رضي الله عنه) أنه قال: (الذي روي في أبو طالب أنه أسلم بحساب الجُمل وعقد بيده ثلاثة وستين(٨٠٤) أن معناها إله أحدٌ جواد)، ويضع الصدوق تفسيراً لمعنى ثلاث وستين والحروف التي في عبارة: (إله أحدٌ جواد) قال: (أن الألف واحدٌ واللام ثلاثون والهاء خمسة والألف واحد والحاء ثمانية والدال أربعة والجيم ثلاثة والواو ستة والألف واحد والدال أربعة ذلك ثلاثة وستون)(٨٠٥)، وهذا الخبر نقل في عدة مصادر يروى عن الإمام الصادق (عليه السلام)(٨٠٦) وروى الراوندي الخبر(٨٠٧)، مثلما ورد عند الصدوق.
وينقل الصدوق رؤيا للعباس(٨٠٨) بن عبد المطلب بعد ولادة أخيه عبد الله (عليه السلام) يقول شاهدنا في وجهه نور كنور الشمس يخبرهم حينها عبد المطلب ان لهذا الغلام شأناً عظيماً، ثم يروي الرؤيا وبمضمنها قال أنه شاهد عبد الله يخرج من منخره طائر ابيض فبلغ المشرق والمغرب حتى سقط على الكعبة فسجدت له قريش كلها حتى صار نوراً بين السماء والأرض ثم يذكر انه سأل احدى الكاهنات عن الرؤيا فقالت: (ليخرجن من صلبه ولد يصير اهل المشرق والمغرب تبعاً له)، وبعدها يقول أهمني امر عبد الله إلى ان تزوج عبد الله من آمنة فلما مات عبد الله وولدت آمنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (رأيت النور بين عينيه...)(٨٠٩)، ومثل الخبر عند المازندراني لكنه لا يذكر ما قيل بعد الولادة(٨١٠).
وينقل الصدوق ما رواه العباس بما حدثته به آمنة (عليها السلام) بخبر ولادة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سمعت كلاماً غير مفهوم وعالماً غريباً كله نور بين السماء والأرض ومن حولها طيور ثم تذكر انها شاهدت شاباً حسناً طويلاً فتقول (ما ظننته إلا عبد المطلب) وقد أخذ المولود فتفل في فيه ومعه طست من ذهب ثم شق بطنه واخرج قلبه واخرج منه نكتة سوداء ثم أعاده ومسح على بطنه واستنطقه ولم افهم ما قال الا انه قال: (في امان الله وحفظه وكلاءته وقد حشوت قلبك ايماناً وعلماً وحلماً ويقيناً وحكماً فأنت خير البشر طوبى لمن اتبعك وويل لمن تخلف عنك) ثم ضرب على كتفيه بخاتم والبسه قميصاً وقال له (هذا أمانك من آفات الدنيا) ثم يذكر العباس انه كشف عن ثوبه فذا خاتم النبوة بين كتفيه وقد كتمت أمره ونسيت الحديث إلى يوم إسلامي حتى ذكرني به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٨١١)، وينقل المازندراني هذا الخبر بتفاصيل أكثر الا انه يذكر فيه انه قد حضر حينها ثلاثة نفر بما ترويه آمنة (عليها السلام) ولم يذكر في الرواية ان فيهم عبد المطلب بل ان الذي قام بشق صدره الشريف هو الملك رضوان (عليه السلام)(٨١٢)، وعند البيهقي يقول ان الذي أتاه جبريل (عليه السلام)(٨١٣)، ورواه ابن إسحاق وابن هشام باختصار ينقل الخبر عن أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنه هو من رواه لهم لكن يذكران أن من اتاه ملكان وفي مرة هيئة رجلين وكان حينها غلام وقاما بشق بطنه إلى نهاية الخبر وفيه اختلاف كثير(٨١٤).
ولو أردنا الوقوف على دقة هذه الأخبار المتعلقة بشق الصدر ومناقشتها انها بالكلية لا يوجد فيها أحاديث مروية عن أهل البيت (عليهم السلام) توضح معنى هذه الحادثة وما الهدف منها فأن ما يصح عنهم يعتمد على وثاقته، ومن باب آخر هل من المعقول أن الله (عزَّ وجلَّ) يرسل ملكين لغرض اخراج هذه النكتة السوداء من صدر خاتم أنبيائه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فضلاً عما قيل أنهما رجلان أو حتى لو كان عبد المطلب نفسه وهل يعقل أن تكون طهارته أو تخليصه من تلك النكتة وهو أعظم خلق الله على يد من هو دونه أو قل أقل شأناً منه وقد فضله على جميع خلقه ثم يحشى قلبه إيماناً وعلماً وهل يكون هذا الذي قام بها أعظم من رسول الله وهل كانت هذه النكتة تقف في طريق ايمان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحاشى لله أن يكون كذلك حتى يتم إخراجها بعد أن يولد ولم يكن مكتملاً في خُلقه وخلقته قبل ولادته وهل يعقل ان تكون هذه النكتة وهي جزء مادي من جسم الإنسان فتكون مصدر عائق لإيمان الإنسان من عدم إيمانه اذن لقام كل إنسان باستئصالها ليثبت إيمانه فضلاً عن رسول الله وخير خلقه وهل شق الصدر وإزالة تلك النكتة قد حصل مع نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقط خاتم الأنبياء وأفضلهم أو حصلت مع من سبقه من الأنبياء لغرض تثبيت ايمانهم وهذه الحادثة تنافي ما ورد في القران الكريم وفي الروايات الشريفة.
وخير دليل على طهارته وكماله هو ما خصه الله تعالى واهل بيته في قوله: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: ٣٣) وان هذه الآية نزلت في رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) في حادثة معروفة تروى عن ام سلمة (رضي الله عنها) حيث اجتمع بهم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والقى عليهم كساء له وقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً) حينها أنزل الله فيهم هذه الآية وابعد الله عنهم الرجس ولم يجعل للشيطان عليهم سبيلاً(٨١٥).
يروى عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه سأله بعض قريش بأي شيء سبقت الأنبياء وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم قال: (إني كنت أول من آمن بربي وأول من أجاب حين أخذ الله ميثاق النبيين فسبقتهم بالإقرار بالله)، وعن أبي جعفر (عليه السلام) يقول: (أوحى الله تعالى إلى محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (أني خلقتك ولم تك شيئاً ونفخت فيك من روحي كرامة من أكرمتك بها حين أوجبت لك الطاعة على خلقي جميعاً...)، ويروى عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث له يصف فيه جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (كان والله سيد خلق الله وما برأ الله برية خيراً من محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٨١٦) وينقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل قال: (... إن خير الخلق يوم يجمعهم الله الرسل وإن أفضل الرسل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...)(٨١٧).
فهل يحتاج سيد الخلق وأعظمهم وخاتم الأنبياء وأولهم ايماناً بالله ومن نفخ فيه الله من روحه كرامة قد خصه بها دون غيره إلى أن يشق صدره ويخرج منه تلك النكتة السوداء حتى يملئ صدره إيماناً فهذا لا يعقل فان صدقنا هذا الخبر نفينا القول بأنه أفضل الأنبياء إذ تمام الخلقة والخلق قبل أن يخلقه الله فلا يحتاج إلى تلك الجراحة التي ليس لها مبرر فضلاً عن هذا كله من تضارب الأخبار بين المصادر مرة يقال إن الحادثة وقعت بعد ولادته ومرة حين كان غلام والاختلاف فيمن قام بشق صدره وهذه الاختلافات تدعونا للقول بعدم صحة هذا الخبر الذي يطعن بعصمة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونشأته من الولادة.
ولم نجد الصدوق يعلق بشيء على الحادثة أو سبب نقلها فهي غير معقولة على وفق المنظور الشيعي وكما هو معروف في آراء الإمامية أن ما يصح عن الأئمة (عليهم السلام) يؤخذ به وبهذا الجانب لا يذكر عنهم أي شيء عن حادثة شق الصدر(٨١٨) لا من قريب ولا من بعيد ولا حتى في إشارة أو تلميح ونعتقد ان ما طرح من روايات في أعلاه يكفي في نفي تلك الحادثة والجراحة التي لم يشهد لها مثيل ولا مبرر في أن يختار الله من يختم به رسالاته السماوية بان تجرى له تلك العملية وإزالة هذا العائق حتى يتخذها أعداء الدين سبة وانتقاصاً في شخص أعظم خلق الله لذا نتفق مع من يقول بأن لا صحة لتلك الحادثة.
وللعودة إلى خبر الرجلين العظيمين عبد المطلب وأبي طالب وما لهما من مكانة خاصة في مكة وهم سادت القوم واعيانهم يعلمون بخبر البشرى وامنوا بها وكفلوا صاحب البشرى من قبل ان يبعث فما هو إلا دليل على أن الأمر محفوظ من الله بين خلقه وبين شخصين موحدين كما تخبر عنهم الروايات واتصال حجة الله مبين خلقه ليكونوا حجة على الناس إمام الله بما شاهداه من كرامة للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومعرفة شأنه في المستقبل فيكفي ان جميع المصادر تقدم على مدحهم ورعايتهم له وحرصهم عليه حفظه لما له من الشأن بنظر عبد المطلب وابي طالب (رضي الله عنها).
٦ - خبر سيف بن ذي يزن(٨١٩):
من العارفين بأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخبر سيف بن ذي يزن بانه انتصر في احد حروبه بعد مولد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بسنتين وتوليه الملك باليمن فقدم عليه وفد من العرب إلى صنعاء من أشرافها وشعرائها لتهنئه ولتمدحه وكان على رأسهم عبد المطلب ووجوه قريش واستأذنوا بالدخول عليه وتقدمهم عبد المطلب بالتهنئة والمدح فقام الملك له من أنت فقال أنا عبد المطلب بن هاشم فقال له: (ابن اختنا) فرحب بهم وأكرم ضيافتهم مدة شهراً وأدنى عبد المطلب في مجلسه وقال له: (يا عبد المطلب اني مفوض إليك سراً ما لو كان غيرك لم أبح له به... فليكن عندك مطوياً حتى يأذن الله فيه فأن الله بالغ أمره) ثم صار يقص عليه من خبره وسر علمه المخزون الذي اختاره لنفسه وبشره بأن لك ولرهطك فضيلة خاصة وللناس عامة فاذا ولد غلام بين كتفيه شامة تكون له الإمامة إلى يوم القيامة حين يولد أو قد ولد اسمه محمد يموت ابوه وامه ويكفله جده وعمه ويبعث جهراً فيعز الله به أولياءه ويذل أعداءه ويكسر به الأوثان وتخمد به النيران(٨٢٠).
ثم طلب منه عبد المطلب(٨٢١) أكثر توضيحاً حينها يقسم الملك ويقول له انك لجده فسجد عبد المطلب بعدها رفع راسه الملك وقال له: (ارفع رأسك وعلا أمرك) وقد كان في هذا الوقت الذي يحدث هذا الملك عبد المطلب أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مولود وقد توفي ابوه وكان كافله جده عبد المطلب، ثم يوصي هذا الملك عبد المطلب بان يحذر عليه من اليهود وامره ان يكتم الأمر عن الذين معه خوفاً منهم ان ينفسوه ويكيدوا به ويقول سيف: (ولولا اني اخاف فيه الآفات واحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه امره) ثم امر للوفد بأعطيات كثيرة وزاد في حصة عبد المطلب عشرة أضعاف واخبره ان يعود إليه بعد سنة لكنه مات قبلها ثم يقول لقومه الذين معه: (يا معشر قريش لا يغبطني رجل ُ منكم بجزيل عطاء الملك... ولكن يغبطني بما بقي لي ولعقبي من بعدي ذكره وفخره وشرفه واذا قيل متى ذلك؟ قال: ستعلمون نبأ ما أقول بعد حين)(٨٢٢).
وروي الخبر هذا عند جملة من المؤرخين بنص الخبر المذكور عند الصدوق(٨٢٣)، منها نقل الخبر عند اليعقوبي باختصار وقال ان عبد المطلب كبر عندما سمع وصف سيف للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقال: (نعم ولد لابني غلام على مثال ما وصفت)(٨٢٤)، ومع ما ذكرته مصادر التاريخ العام وكتب السيرة واغلبها تناولت خبر الملك سيف بن ذي يزن(٨٢٥)، وبشارته بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبما أخبر به عبد المطلب الا أن المصادر نفسها لم توضح كيفية معرفة سيف بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو مصدرها أو من أين أتت معرفته أو أنها كانت سراً عنده كما حصل مع الرهبان الذين كانوا يكتمون الخبر حتى سألهم سلمان (رضي الله عنه) وقد كانت الديانات المعروفة في اليمن حينها اليهودية والنصرانية فقد أهمل المؤرخون هذا الجانب في قصته ويكتفون بنقل خبره وبشارته التي اخبر بها عبد المطلب وحروبه إلى حين مقتله، وبالرغم من إهمال المصادر بكيفية معرفة سيف بن ذي يزن نفسه بالبشارة فمن المحتمل عرفها من علماء اليهود والنصارى كما هو مشهور باليمن وفي السابق أنهم حذروا تبع من ان يهدم الكعبة لمعرفتهم بمالها من كرامة مع بعث نبي في اخر الزمان فجائز ان يكون سيف سمع نفس الأخبار من احد علمائهم ولو أنكرنا هذا فيكفي ان رواية البشارة ورودها في كل مصادر السيرة والمصادر العامة من كلا الطرفين اذا فان لموضوع سيف جذور ومعرفة بهذه البشرى من قبل ان يحدث بها عبد المطلب ويسعنا تصديق هذه الرواية كونها لا تخبرنا بشيء يتعارض مع الإسلام أو طعناً فيه بل انها تخبرنا بشيء يعرف به المسلمون وغير المسلمين حتى مع عدم اعتقادهم بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٧ - خبر بحيرى الراهب(٨٢٦):
كان بحيرى الراهب ممن قد عرف النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بصفته ونعته ونعته ونسبه قبل ظهوره بالنبوة وكان من المنتظرين لخروجه، يروي الصدوق يرفعه بسنده إلى ابي طالب انه قد خرج تاجراً للشام وقد صحب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معه في هذه الرحلة حتى اعد له مركباً خاصاً يقيه الحر وكانت القافلة تسير وكانت تظله سحابة بيضاء بلون الثلج ولا تفارقه وحيث ما تنزل القافلة يكثر الماء وتخضر الأرض حتى قربنا من بصرى(٨٢٧) الشام حتى شاهدنا صومعة تمشي كما تمشي الدابة اقتربت منا وفيها راهب حتى نظر إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقال: (ان كان احد فأنت انت)، ونزلنا تحت شجرة قليلة الأغصان ليس لها حمل فلما نزلها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اهتزت الشجرة والقت أغصانها عليه وحملت أنواعاً من الفاكهة فتعجب من معنا فلما رأى بحيرى هذا فقدم الطعام له بقدر ما يكفيه ثم استعلم على من يتولى أمره فعرفه ابو طالب به وانه عمه واستأذن منه بتقديم الطعام فلم يأكل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى أكل اصحابه معه وقد كفاهم كلهم برغم قلة الطعام وكثرتهم وقيل انهم مائة وسبعون شخصاً وبحيرى قائماً على رأسه وهو يقبله ويقول: (هو ورب المسيح) حتى استغرب بعض من في القافلة من أمره اذ لم يفعل ذلك من قبل عندما كانوا يمرون عليه حتى أخبرهم وقال: (اعلم ما لا تعلمون وان تحت هذه الشجرة لغلاماً لو انتم تعلمون ما اعلم لحملتموه على اعناقكم حتى تردوه إلى وطنه والله ما اكرمتكم الا له...) ثم صار يخبرهم بما ورد من معجزاته التي شاهدها دونهم حتى اقدم بسؤال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأجابه عليها فوافق ذلك ما عند بحيرى حتى قام وقبل رجليه وصار يمتدحه ويحدثه عن انتظاره لبعثته حتى قال له: (أنت دعوة إبراهيم وبشرى عيسى أنت المقدس المطهر من أنجاس الجاهلية) ثم تابع معهم حديثه حتى عرفهم بأنه لا يوجد يهودي ولا نصراني ولا صاحب كتاب إلا علم بولادته ثم حذر ابا طالب من المسير به إلى الشام خوفاً عليه من مكر اليهود لعلمهم بأمره ان شاهدوا العلامات التي عليه(٨٢٨).
وفي رواية للصدوق يرفعها بسندها إلى أبي طالب ان بحيرى لما فارقوه بكى بكاء شديداً وصار يوصي ابا طالب به وسيحصل له اذى من قومه وانك ستؤمن به باطناً ثم يقول بحيرى لأبي طالب: (سيؤمن به ولد تلده سينصره نصراً عزيزاً اسمه في السماوات البطل الهاصر وفي الأرض الشجاع الأنزع(٨٢٩)، منه الفرخان المستشهدان وهو سيد العرب ورئيسها... وهو في الكتب اعرف من أصحاب عيسى (عليه السلام)(٨٣٠).
ذكرت الرواية عند ابن إسحاق في خبر بحيرى الراهب بنفس المضمون حيث ذكر ان بحيرى هو اعلم أهل النصرانية في زمانه وأنهم في هذه الصومعة يأخذون علمهم عن كتاب يتوارثونه، ولم يذكر في الرواية تحرك الصومعة من مكانها وذكر ان ثلاثة من النصارى أرادوا قتل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في سفره وردهم بحيرى، ولم تذكر روايته قصة المولود من ابي طالب أو ولداه المستشهدان أو بكاء الراهب(٨٣١) واخرج ابن هشام نفس مقالة ابن اسحاق(٨٣٢)، ومثل رواية ابن اسحاق وابن هشام ذكرت في دلائل النبوة حتى يخاطب ابا طالب بان لابن اخيك شأناً عظيماً وجدناه في كتبنا نتوارثه من آبائنا وأخذت علينا المواثيق بذلك بما نزل به عيسى (عليه السلام)(٨٣٣)، وعند البيهقي بنفس مقالة الرواة السابقين(٨٣٤)، وأخرجها الأربلي باختصار أيضاً(٨٣٥).
وبنفس المضمون يورد الصدوق رواية اخرى عن نفس الموضوع حتى خرجوا بالقافلة وأتوا إلى صومعه فيها رجل يقال له بحيرى وكانت تظل رسول الله سحابة فلما رآها الراهب نزل من صومعته ودعاهم إلى الطعام حتى اخبروه بأنهم لم يعهدوا هذا منه فأتوه وتركوا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تحت الشجرة ورأى السحابة قائمة فسألهم ان تركوا احداً منهم فأخبروه انهم تركوا بالقرب من راحلتهم فقال لهم ادعوه للطعام فلما اقبل أقبلت السحابة فنظر إليه بحيرى وقال لمن هذا الغلام فأشاروا إلى ابي طالب فقال له ابا طالب هذا ابن اخي توفي أبوه وامه فقال بحيرى: (رد هذا الغلام إلى بلاده فأنه ان علمت اليهود ما اعلم منه قتلوه فإن لهذا شأناً من الشأن هذا نبي الأمة وهذا نبي السيف(٨٣٦).(٨٣٧)
ومثلها في دلائل النبوة الا ان الرواية تذكر ان ابا طالب رده من هذا المكان وارسل معه احد أصحابه ولم يأخذه إلى الشام بعد ان زوده الراهب بالطعام(٨٣٨)، وأخرجها البيهقي باختصار الا انه حذر ابا طالب من الروم ان علموا بأمر قتلوه ومنها قال لهم: (هذا رسول رب العالمين هذا يبعثه رحمة للعالمين) ولم يذكر فيها اسم الراهب(٨٣٩)، وذكر الرواية الحميري في كتابه باختصار شديد من دون ان يرد فيها اسم ابي طالب وذكر أن الراهب كان عالماً بالكتب وانه قرأ هذا الخبر في التوراة(٨٤٠).
واخرج نفس الروايتين التي ذكرهما الصدوق صاحب العدد القوية وقله عنه بعض المتأخرين مع بعض الاختلاف في العبارات ولم تذكر عندهم ما اخبر به عن مولود ابي طالب وفرخيه المستشهدين(٨٤١)، ومثلها في مناقب آل أبي طالب(٨٤٢)، ويرويها الخصيبي بنفس المضمون الا انه يقول ان ابا طالب تركه تحت الشجرة بالقرب من صومعة الراهب فأتى إليه وشاهد خاتم النبوة بين كتفيه حتى اتى ابا طالب واخبره بالبشارة وقال له بشرنا به عيسى (عليه السلام) ومكتوب بالإنجيل وحذره من ان تقتله قريش(٨٤٣).
والمختلف في رواية الصدوق عما ذكرته المصادر في خبر بحيرا الراهب أنها لم تذكر ان الراهب بكى بعد مفارقتهم له ولم تذكر بانه بشر ابا طالب بمولود وقد انفرد بها الصدوق دون غيره بهذه الإضافات بالرغم من توارد الروايات بشأن الإمام علي ابن ابي طالب (عليه السلام) والمشار إليهما في الرواية الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) واخبار شهادتها الا ان هذا لا يعني نفي رواية الصدوق إنما يمكن القول انها أدق من غيرها إذ لم نجد من يشير لها بالسلب أو الإيجاب فهي لا تخالف المشهور من الروايات عن بيحرى وبشارته بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا تخالف في غيرها من الروايات بشأن أخبار الأئمة (عليهم السلام) وقرابتهم منه.
ويورد رواية اخرى بهذا الصدد انهم بعد ان خرجوا من بحيرى وتوجهوا نحو الشام وعند وصولهم فقد اهتزت قصورها وعلا منها نور وكان سوقها مزدحم بسبب الناس تنظر إلى وجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وانتشر خبره ولم يبق حبر ولا راهب الا اجتمع عليه حتى اذا جاء حبر عظيم يدعى (نسطورا)(٨٤٤) جلس إلى جنبه وينظر إليه ولا يكلمه وهذا مدة ثلاثة أيام وفي الليلة الثالثة صار يدور حوله حتى سأل عن اسمه فقيل محمد بن عبد الله فتغير لونه وطلب منهم ان يكشف عن ظهره فلما رأى خاتم النبوة بين كتفيه قال مخاطباً ابا طالب: (يا هذا اسرع برد الغلام إلى موضعه الذي ولد فيه لو تدري كم عدواً له في أرضنا لم تكن لتقدمه معك) ثم أعطاه قميصاً فلم يقبله منه فأخذ ابو طالب القميص مخافة ان يغتم ثم عجل برده إلى مكة فاستقبلته مكة كلها شوقاً له الا ابي جهل(٨٤٥)، واخرج صاحب كتاب العدد القوية مثل هذه الرواية يشر إلى نسطورا انه كبير الرهبان في الشام(٨٤٦).
واشتهر خبر هذه الرواية والراهب نسطورا في المصادر عندما كان عمر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خمساً وعشرين سنة ولم تتطرق إلى خبر ابي طالب أو غيرها من رواية الصدوق فقط التشابه برواية الصدوق مع المصادر انه خبر نسطورا الراهب اذ اختلف ذكر باقي الرواية تماماً عما يذكره الصدوق وهي نفس السنة التي خرج بها للتجارة في الشام وعاد منها وتزوج السيدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام) وهي المرة الثانية خروجه للتجارة إلى الشام قبل البعثة ولم تذكر في المصادر رواية غيرها صادفت هذه الأسماء(٨٤٧).
ولو قلنا بصحة رواية الصدوق فمن المرجح انه التقى نسطورا الراهب مرتين مرة في حياة عمه وهو صغير واخرى بعمر الخمسة والعشرين ولم يثبت ذلك تاريخياً وهو مجرد احتمال أو لعله يقصد راهباً اخر وبما انه ذكره مع قصة بحيرى الراهب فمن المرجح انها قصة مغايرة للاولى فمن المحتمل انه سمع القصة باسلوبين مختلفين اي من طريقين فأوردها بخبر واحد لو لعل المصادر أهملت إكمال الرواية الأولى برحلته إلى الشام ولقائه بنسطورا مع ابي طالب والله العالم.
٨ - خبر كبير الرهبان في طريق الشام:
ينقل الصدوق رواية يرفعها بسندها ينقل ما حكاه خالد بن اسيد بن العيص(٨٤٨)، وطليق بن سفيان بن أمية(٨٤٩) أنهما خرجا للتجارة في السنة التي خرج فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يذكران انهما التقيا بقوم من الرهبان في سوق بصرى وألوانهم متغيرة من الخوف وقاموا بدعوتهما للحضور في الكنيسة ولقاء كبيرهم فيها ضناً منهم ان واحداَ منهم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وذهبا إليه وإذا بكبير الرهبان جالس وحوله تلاميذه وبين يديه كتاب وصار ينظر في الكتاب مرة وفي وجوههم مرة اخرى حينها خاطب أصحابه قائلاً: (لم تأتوني بالذي أريد)، ثم عرفاه انهما من قريش حتى سألهم هل معكم غيركم فأخبراه انه معهم شاب من بني هاشم يسمونه يتيم عبد المطلب حينها قال كبير الرهبان: (هلكت النصرانية والمسيح) ثم طلب منهم ان يراه أتيا سوق بصرى والراهب معهم وقبل ان يعرفا الراهب به قال: (هو هو قد عرفته والمسيح) ثم دنا منه وقبله من رأسه وصار يسأله عن علاماته ثم قال الراهب: (لئن أدركت زمانك لأعطين السيف حقه ثم قال لنا اتعلمون ما معه، معه الحياة والموت ومن تعلق به حيي طويلاً ومن زاغ عنه مات موتاً لا يحيى بعده أبداً...)(٨٥٠).
تطرقنا في خبر نسطورا الراهب والذي التقى به في اكمال مسيرهم للشام بعض المصادر تنقل رواية، خالد بن اسيد وطليق بن سفيان ان كبير الرهبان الذي التقى به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الشام وهي في رحلة ابو طالب للشام هو نفسه نسطورا والتقى به في السوق كما هو عند الصدوق إلا انه يقول عنه من احبار اليهود كما في المصادر الأخرى ويقول راهب في خبر كبير الرهبان والمصادر تشير له بأنه من أحبار اليهود(٨٥١).
من المرجح أن الروايتين هما لخبر واحد والصدوق اخرج هذه الرواية بطريقين مختلفين منها ما روي عن ابي طالب بخبر بحيرا ومن ثم أسندها بما روي عن خالد بن أسيد وطليق كون القافلة إلى الشام ضمت أكثر من مئة شخص حسب الروايات اذ ورد تكرارها اسناداً لرواية ابي طالب وهذا لا يقبل تاريخياً لان اغلب المصادر تذكر انه التقى معه بعمر الخمسة والعشرين وسفره مع ابي طالب كان بعمر ألثماني سنوات فمن المرجح انه التقى به مرتين أو ان الاسم تسمى به شخصان والتقى بهما في زمانين مختلفين أو التبس الامر على المصنف اذ اختلف في نقل الخبر عن باقي المؤرخين ولعل الراهب في روايته الأولى هو ليس نسطورا فما ذكروه ان كبير الرهبان في الشام هو نسطورا والتقى به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعمر الخمسة والعشرين.
٩ - خبر أبي المويهب(٨٥٢) الراهب:
يروي الصدوق الرواية وخبر بشارته يرفعها بسندها بان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خرج مع عبد مناف ونوفل بن معاوية(٨٥٣)، فلقيهما ابو المويهب الراهب وسألهما من اين انتم قالا من مكة من قريش فقال لهما وهل معكما غيركما من قريش قالا لا: (نعم شاب من بني هاشم اسمه محمد) بعدها أبراه انه يسمى عندهم يتيم قريش وهو أجير لامرأة تسمى خديجة وما حاجتك اليه فقال الراهب: (هو هو) واراد منهم ان يدلاه عليه حينها كان في سوق بصرى فلما عاد وشاهده الراهب فخلا به ساعة يكلمه ثم اخذ يقبل بين عينيه وهو يأبى ثم أراد ان يعطي شيئاً للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلم يقبله وبعد ان فارقه حدثهما وقال لهما انه نبي آخر الزمان والله سيخرج قريباً ويدعو الناس إلى شهادة ان لا اله الا الله اذا رأيتموه فأتبعوه ثم سألهم هل ولد أو يولد لعمه ابي طالب ولد يقال له علي فقالا لا ثم قال: (هو أول من يؤمن به) فنحن نعرفه عندنا بالوصية كما نجد صفة محمد بالنبوة واسمه في الملأ الاعلى علي وهو أعلى الخلائق بعد الأنبياء ذكراً(٨٥٤)، ومثل الرواية في المناقب والعدد القوية وكتاب البحار(٨٥٥).
١٠ - خبر سطيح الكاهن(٨٥٦):
في هذا الخبر يتحدث عن ليلة ولادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما اشتهر فيها من أحداث وعلامات منها سقوط أربع عشرة شرفة من ايوان كسرى(٨٥٧)، وخمود نار فارس فلما كان كسرى يجلس في سريره ووزرائه حوله يخبرهم بذلك حينها يخبره الموبذان(٨٥٨)، رؤيا رآها بأن ابلاً تقودها خيلاً قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها وكان الموبذان اعلمهم حينها سأله كسرى عن الأمر فقال له حادث يكون في ارض العرب، فقام كسرى بالكتابة إلى عامله النعمان بن المنذر(٨٥٩)، بأن يرسل له عالماً بما يريد ان يسأله فأرسل اليه شخص يدعى عبد المسيح بن عمرو بن حيان بن نفيلة الغساني(٨٦٠) فسأله كسرى ان كان يعرف بما يريد ان يسأله فلم يعرف فأخبره انه يدله على من يعرف ذلك وهو خاله سطيح الذي يسكن في الشام فذهب اليه عبد المسيح ووجده مشرف على الموت فقرأ عليه شعراً فلما سمعه فتح عينيه فأخبره بالعلامات والرؤيا قبل ان يخبره وسمع مقالة سطيح بتفسيرها ومات بعدها عاد عبد المسيح إلى كسرى واخبره بالتفسير بأنه يملك منهم أربعة عشر ملكاً على عدد الشرفات التي سقطت فملك منهم عشرة في اربع سنين وملك الباقون في عهد إمارة عثمان(٨٦١).
توارد خبر هذه الرواية في كثير من المصادر وصدق خبر تفسير الرؤيا واضح كونها ذكرت مع أخبار ولادة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما حصل فيها من علامات ما لا يحتاج إلى تفسير قد نقلت تلك الحوادث واغلب مصادر التاريخ بل قل كلها والتي قالت بمثل رواية الصدوق(٨٦٢).
١١ - خبر يوسف(٨٦٣) اليهودي:
ينقل الصدوق خبر ولادة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وذكر فيها خبر النجوم وتحركها وسقوطها في البر والبحر، وكان بمكة رجل يهودي اسمه يوسف فلما رأى حال النجوم قال هذا نبي ولد الليلة نجده في كتبنا انه إذا ولد رجمت الشياطين فلما أصبح أتى قريش يسألهم ان ولد الليلة مولود فقالوا له لا قال لهم حينها: (أخطأتم والتوراة ولد اذاً بفلسطين وهو آخر الأنبياء وأفضلهم) ولما علمت قريش بمولود عبد الله بن عبد المطلب في هذه الليلة حينها أخبروا يوسف فطلب أن يعرضوه عليه فمشوا إلى باب آمنة (عليها السلام) فأخرجته من قماطه ونظر في عينيه وكشف عن كتفيه فرأى شامة سوداء عليها شعرات فلما نظر اليه وقع مغشياً عليه فضحكوا عليه فرد عليهم وقال أتضحكون هذا نبي السيف فقد ذهبت النبوة من بني إسرائيل إلى آخر الأبد وتفرق الناس بعدها وهم يتحدثون بخبر يوسف اليهودي ونشأ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما ينشأ غيره في الجمعة وينشأ في الجمعة كما ينشأ غيره في الشهر(٨٦٤).
ونقل نفس الخبر جملة من المصنفين، وقد ذكرها بعضهم دون ذكر اسم يوسف اليهودي(٨٦٥)، والملاحظ هنا في الرواية هو التشابه بين صفات النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونشأته مع صفات الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) ونشأته كما ورد في روايات سابقه.
١٢ - خبر دواس بن حواش(٨٦٦) المقبل من الشام:
يروي الخبر عن ابن عباس، عندما دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكعب بن أسد(٨٦٧)، وهو من يهود بني قريظة(٨٦٨)، ليضرب عنقه وأراده ان يؤمن وذكره بخبر ابن حواش الحبر القادم من الشام إلى المدينة الذي قال: (تركت الخمر والخمير وجئت إلى الموس(٨٦٩) والتمور(٨٧٠) لنبي يبعث هذا أوان خروجه يكون مخرجه بمكة وهذه دار هجرته وهو الضحوك القتال يجتزي بالكسيرات والتمرات ويركب الحمار العاري وفي عينه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة يضع السيف على عاتقه ولا يبالي بمن يلاقي يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر)، حينها لم ينكر كعب وقال انه سمع بذلك وانه لا يؤمن وباقِ على اليهودية وانه يود لو يؤمن ويصدق الا انه يخاف من ان تعيره اليهود حينها قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (فقدموه واضربوا عنقه)(٨٧١).
هذه الرواية انفرد بذكرها الصدوق باسم دواس بن حواش اذ لم أجد اي من المصادر يذكر هكذا رواية بهذا الاسم، الا انه توجد رواية ذكرت في المصادر تتشابه نوعاً ما مع هذه الرواية تنقل عن أحد مشايخ بني قريظة تروي إسلام بعض اليهود من بني قريظة بسبب رجل من يهود اهل الشام يسميه اليهود ابن الهيبان تذكر انه رجل مؤمن أقام بينهم في الجاهلية وقبل ان يموت بشرهم بقدوم نبي وكان بداية خطابه لهم اذ قال: (يا معشر اليهود ما تدرونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض الجوع والبؤس قلنا: الله اعلم قال: فإني قدمت إلى هذا البلد لتوَكَّف(٨٧٢)، خروج نبي قد أظل(٨٧٣)، زمانه هذه البلدة مهاجرة فكن أرجو أن يبعث فأتبعه...) ثم يخبرهم بأنه يصيبكم ما يصيبكم اذا خالفتوه فأمنو به واتبعوه ولا يسبقكم اليه أحد وكانت هذه القصة قبل البعثة بسنتين، ولما اتى زمان البعثة عرف اليهود خبر ابن الهيبان بما وصف به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واسلموا(٨٧٤)، يوجد تطابق في بداية خطابه ما بين الروايتين والاختلاف في الاسم لعله سبب النقل اذ يلاحظ في تشابه الخبرين بالمضمون فلا يوجد خبر من اليهود عن هذا القادم من الشام غير هذا.
١٣ - خبر زيد بن عمرو بن نفيل(٨٧٥):
ينقل الصدوق الروية بسندها عن خبر زيد بأنه مؤمن حنفي من أشهر الموحدين في زمن الجاهلية إذ يذكر انه خرج من مكة يبحث في الأرض عن خبر الدين فقد خرج إلى الشام يلتمس ويطلب اهل الكتاب الأول دين إبراهيم (عليه السلام) ويسأل عنه حتى جال أرض الشام إلى ان وصل إلى راهب ينتهي إليه علم النصرانية فسأله عن دين إبراهيم (عليه السلام) فقال له الراهب: (انك تسأل عن دين ما أنت بواجد له الآن من يحملك عليه اليوم لقد درس علمه وذهب من كان يعرفه ولكنه قد أظَلَّك(٨٧٦) خروج نبي يبعث بأرضك التي خرجت منها بدين إبراهيم الحنيفية فعليك ببلادك فأنه مبعوث الآن هذا زمانه...) فخرج زيد مسرعاً يريد مكة إلا أنه قتل في طريق عودته إلى مكة(٨٧٧).
وروي ان جماعة من المسلمين قالا: (يا رسول الله [صلّى الله عليه وآله وسلّم] أنستغفر لزيد؟ قال: نعم فاستغفروا له فأنه يبعث يوم القيامة أمة وحده)، وفي خبر عن سعيد بن زيد سأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن أبيه زيد بن عمرو فقال: يا رسول الله ان زيد بن عمرو كان كما رأيت وكما بلغك فلو أدركك كان آمن بك فاستغفر له، قال: (نعم فاستغفر له وقال انه يجيء يوم القيامة امة وحده وكان فيما ذكروا انه يطلب الدين فمات وهو في طلبه) وكان زيد قد سئم دين اليهودية والنصرانية ولم يرضهما فخرج يبحث عن الدين(٨٧٨).
وذكر خبر زيد في عدد من المصادر كما وردت عند الصدوق بانه مات موحداً من زمن الجاهلية وقد ترحم عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومات موحداً يطلب الدين، ولم يدخل في نصرانية ولا يهودية ولا عبادة أوثان واعتزل قومه وعاب عليهم ما هم عليه وقال اعبد رب إبراهيم (عليه السلام)، وكان يحدث بأنه ينتظر نبياً من ذريته إبراهيم وهو مؤمن به ومصدقه حتى انه أعطى صفاته ونعوته وما يكون من أمره لما سمعه من اليهود والنصارى(٨٧٩).
ولسنا هنا بصدد مناقشة تلك البشارات فكما نقلها الصدوق وردت في المصادر التي ذكرناها بعد كل رواية بنفس مقالته، ولعل في قصد الشيخ الصدوق من طرحها بأن من بشر بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم اناس من العامة لم يخصهم الله بشيء وحتى من غير ملة الإسلام وكانوا منتظرين لهذا الدين وصدقت أخبارهم ونقلت في المصادر، وأما من بشر بالقائم المهدي (عجّل الله فرجه) هم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآل محمد (عليهم السلام) وهم من خصهم الله بالنبوة والإمامة فهل من ذكر هذه الأخبار أشرف منهم فتصدق ما نقل من أخبارهم وتكذب ما قاله أهل البيت (عليهم السلام) بأمر الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه) منهم وغيبته، فعلى الأرجح أن هذا هو محل الشاهد في نقل تلك البشارات لغرض الدلالة ولتقريب فكرة القضية المهدوية بشأن الغيبة والغائب وانه أيضاً بشر به آباؤه وسيأتي وهناك من يؤمن بوجوده وينتظر ظهوره.
المبحث الثالث: غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) والانتفاع به وامتلاكه للاسم الأعظم والرد على من أنكره وفضل انتظاره:
أولاً - غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) والعلة منها:
تعد غاية الكتاب كله مباحث واستشهادات في موضوع الغيبة وإثباتها ولم يكن حديثه حول الغيبة الصغرى ولم يتطرق إلى تفاصيل وكالة السفراء الأربعة التي دامت إلى ما يقارب السبعين سنة والأحداث التي رافقت سفارتهم عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)حتى عصر الغيبة الكبرى وانقطاع السفارة(٨٨٠)، وإنما كان هدف المصنف بصورة عامة إثبات الغيبة وإمامة الثاني عشر من الأئمة والعلة التي بسببها وقعت الغيبة وهذا العنوان بصوره مباشرة يتطرق إليه المصنف في عدة أماكن من كتابه منها في باب خاص ومنها مع باقي ما تطرق إليه في الأخبار الأخرى ومنها ما يشير إليه في إثبات الغيبة ومحاولة تقريب الفكرة إلى الأذهان والرد على منكري الغيب أو الغيبة، إذ يقول المصنف: (فثبت ان الله احكم الحاكمين لا يدعو إلى سبب إلا وله في العقول صورة ثابتة وبالخليفة يستدل على المستخلف...)(٨٨١)، والصورة الثابتة حول الغيبة هو ما جرى على الأنبياء كما اشير لها مسبقاً فهي ليست بالأمر الغريب ومن يؤمن بوجود هذه الغيبات اي أنها ممكنة التحقق في حجج الله وأوليائه بحكمة من الله ونحن كمسلمين نؤمن بوقوع الغيبات وهذه قصص الأنبياء وما جرى عليهم تعرفنا عليها من خلال النص القرآني وأن سنن الأنبياء باقية في الأئمة كما أخبر بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وانها باقية حتى قيام حجته على خلقه بالإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه) وبهم يستدل على هذه الخلافة في اتمام الحجة لله ويرد به كيد الشيطان عن عباده هو أيضاً غائب عن الأنظار والقول ثابت بوجوده.
ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ان جبرائيل (عليه السلام) نزل على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يخبره عن ربه فقال له: يا محمد اني لم أترك الأرض الا وفيها عالم يعرف طاعتي وهداي ويكون نجاة فيما بين قبض إلى خروج النبي الآخر ولم أكن أترك ابليس يضل الناس وليس في الأرض حجة لي وداع الي وهاد إلى سبيلي وعارف بأمري واني قضيت لكل قوم هادياً أهدي به السعداء ويكون حجة على الأشقياء)(٨٨٢)، وابليس لازال موجوداً وهو غير محسوس والجميع يؤمن بوجوده وفعله غير المحسوس من المسلمين وغيرهم ومستمراً بغيه ووفق الحديث لابد من وجود من يقف ضده حجةً لله على عباده ولكل قوم هاد فهذا عيسى (عليه السلام) بحسب الاعتقاد الإسلامي رفعه الله إليه وان القول بنزوله في آخر الزمان ويحتج به على اليهود النصارى وانه سينزل حين ظهور الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وكذلك الدجال كما أشرنا إلى ذلك مسبقاً وسنوضحه في علامات الخروج ومع المعمرين لاحقاً وهذا دليل على بقاء الإمام ولا مانع من بقائه.
والأدلة على بقائهم هو ما ذكر بالنص القرآني قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ (النساء: ١٥٩)(٨٨٣) وانها اختصت بنبي الله عيسى (عليه السلام)، أما ابليس عليه اللعنة أيضاً بالنص القرآني قال تعالى: ﴿قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (الأعراف: ١٤-١٥)، هنا إبليس طلب من الله أن يمهله إلى يوم القيامة بعد أن طرده ولعنه(٨٨٤)، وفضلاً عن ذلك هو بقاء الدجال وانه لازال على قيد الحياة بما ورد من الأخبار عند العامة والخاصة(٨٨٥).
وفي الاستدلال على من يخلف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ينقل عن الإمام الباقر (عليه السلام) انه قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال الله تبارك وتعالى: استكمال حجتي على الأشقياء من امتك من ترك ولاية علي والأوصياء من بعدك فإن فيهم سنتك وسنة الأنبياء من قبلك وهم خزاني على علمي من بعدك ثم قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): لقد أنبأني جبرائيل (عليه السلام) بأسمائهم وأسماء آبائهم)(٨٨٦)، وعن الإمام الهادي عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (من سره أن يلتقي الله (عزَّ وجلَّ) آمناً طاهراً لا يحزنه الفزع الأكبر فليتولك وليتول بنيك الحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمداً وعلياً والحسن ثم المهدي وهو خاتمهم)(٨٨٧)، وبهذا الصدد أحاديث أكثر من أن تحصى بشأن الإمامة العامة للامة وأنها فيهم (عليهم السلام).
وفي قضية السلف والخلف فما قبض الله خليفة إلا عرف خلقه الخليفة الذي يتلوه وتصديق قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (هود: ١٧)، والذي على بينة من ربه محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والشاهد الذي يتلوه علي ابن أبي طالب (عليه السلام)(٨٨٨)، وورد في معنى الآية عن الإمام الباقر والإمام الرضا (عليهما السلام) قيل (الشاهد منه علي ابي طالب (عليه السلام) يشهد للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو منه) ويقال أن الشاهد يتبعه ويشهد بصحته منه وفيه تفسيرات عدة(٨٨٩).
يروى عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) سأله أحد أصحابه عن قول تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (النساء: ٥٨) فقال: (الإمام يؤدي إلى الإمام، ثم قال... انه والله ليس منه إنما هو أمر من الله)(٨٩٠)، وعن الصادق (عليه السلام) قال: (أترون الموصي منا يوصي إلى من يريد لا والله ولكن عهد من الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لرجل فرجل حتى ينتهي الأمر إلى صاحبه)(٨٩١).
وان صاحب الأمر المهدي (عجّل الله فرجه)، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (يخرج المهدي وعلى رأسه ملك ينادي ان هذا المهدي فاتبعوه) وقيل أن أمير المؤمنين (عليه السلام) سأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (أمنا المهدي أم من غيرنا يا رسول الله؟ قال: بل منا بنا يختم الله به الدين كما فتح بنا وبنا ينقذون من الفتنة كما أنقذوا من الشرك وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة الفتنة كما ألف بينهم بعد عداوة الشرك وبنا يصبحون بعد عداوة الفتنة إخواناً كما أصبحوا بعد عداوة الشرك إخواناً في دينهم)(٨٩٢)، ولو نظرنا إلى واقعنا اليوم كمسلمين فضلاً عن باقي الأديان فأن العداوة والبغضاء والفتن والكره بين أبنا الدين الواحد على قدم وساق ولا تجد من يحتوي كل هذه الفتن ويرجع الإسلام إلى أصله وقوامه ولا تجد أي شيء يشير إلى إصلاح ذلك سوى للمنقذ الغائب ولا يمكن أن ينطبق هذا الا من ارتضاه الله ورسوله لهذا المقام وهل من معترض لو كان هذا المنقذ هو ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ويشير الصدوق إلى إثبات الغيبة والحكمة بأن الغيبة التي وقعت لصاحب زماننا (عليه السلام) قد لزمت حكمتها وبان حقها وحجتها للذي شاهدناه وعرفناه من آثار حكمة الله (عزَّ وجلَّ) واستقامة تدبيره في حججه المتقدمة في الأعصار السالفة مع أئمة الضلال وتظاهر الطواغيت واستعلائهم في الحقب الخالية وما نحن بسبيله في زماننا هذا من تظاهر أئمة الكفر ومن يعاونهم واهل العدوان والبهتان(٨٩٣).
ويضع المرتضى تعليقاً حول الغيبة فيقول: (الغيبة استتار من الظلمة فهو إخافة الظالمين له (عليه السلام) وقبضهم يده عن التصرف فيما جعل إليه التصرف والتدبير له لأن الإمام إنما ينتفع به اذا كان ممكناً مطاعاً مخلى بينه وبين أغراضه ليقوم الجناة ويحارب البغاة ويقيم الحدود ويسد الثغور وينصف المظلوم من الظالم وكل هذا لا يتم الا مع التمكين فإذا حيل بينه وبين مراده سقط عنه فرض القيام بالإمامة فإذا خاف على نفسه وجبت غيبته ولزم استتاره ومن هذا الذي يلزم خائفاً أعداءه عليه وهم حنقون أن يظهر لهم وان يبرز بينهم والتحرز من المضار واجب عقلاً وسمعاً)(٨٩٤).
ومن باب آخر كانت العلة من غيبته لها عدة أسباب تطرق إليها الأئمة (عليهم السلام) في أحاديثهم منها أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (صاحب هذا الأمر تعمى ولادته على هذا الخلق لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة(٨٩٥)، اذا خرج)، وعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (كأني بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه...، لان إمامهم يغيب عنهم، فقيل له ولم؟ قال لئلا يكون لأحد في عنقه بيعه إذا قام بالسيف)(٨٩٦).
وفي علة الغيبة من جملة ما ينقل عن حديث الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) انه قال: (... أما علة الغيبة فإن الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (المائدة: ١٠١)، انه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه واني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي... فأغلقوا أبواب السؤال عما لا يعنيكم ولا تتكفلوا على ما قد كفيتم وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإن في ذلك فرجكم)(٨٩٧)، وعن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (إن للقائم منا غيبة إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه)(٨٩٨)، وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (يقوم القائم وليس لأحد في عنقه عهد ولا عقد ولا بيعة)(٨٩٩).
ونقل في الأخبار عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) قال: (أما علمتم أنه ما منا إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه الا القائم الذي يصلي خلفه روح الله عيسى (عليه السلام) فان الله (عزَّ وجلَّ) يخفي ولادته ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعه إذا خرج ذلك التاسع من ولد اخي الحسين ابن سيدة الإماء يطيل الله عمره في غيبته ثم يظهره بقدرته بصورة شاب دون أربعين سنة ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير)(٩٠٠).
إن سبب غيبته هو التهديد المحتمل بالقتل من قبل الظالمين له ولحقه ومنعهم إياه من التصرف فيما جعل التدبير اليه والتصرف فيه فإذا حيل بينه وبين مراده سقط فرض القيام بالإمامة ولاحتمال القتل وجبت غيبته ولزم استتاره كما استتر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تارة في الشعب واخرى في الغار ولا وجه لذلك من المضار المحتملة أو الواصلة إليه(٩٠١)، وقد حصل الخطر هذا على الإمام حين استشهاد ابيه (عليه السلام) وذلك حينما كان المعتضد العباسي(حكم من٢٧٩هـ/٨٩٢م -٢٨٩هـ/٩٠١م)(٩٠٢)، يرسل أتباعه للبحث عنه والقبض عليه وقتله فمن يمكن أن يكون في تلك الدار خطراً على الدولة وكيانها غيره اذ كرر المحاولة أكثر من مرة المعتضد العباسي(٩٠٣).
ويتطرق الصدوق إلى مطالبة الخصوم بوجود صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) كوجود من تقدمه من الأئمة (عليهم السلام) إذ قالوا: (إنه قد مضى على قولكم من عصر وفاة نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أحد عشر إماماً كل منهم كان موجوداً معروفاً باسمه وشخصه بين الخاص والعام فإن لم يوجد كذلك فقد فسد عليكم أمر من تقدم من أئمتكم كفساد أمر صاحب زمانكم هذا في عدمه وتعذر وجوده) ومن بعد هذا الطرح يقدم المصنف بطرح الردود على هذا الاستشكال ويقول ان خصومنا جهلوا آثر حكمة الله تعالى وأغفلوا مواقع الحق ومناهج السبيل في مقامات حجج الله تعالى مع أئمة الضلال في دول الباطل في كل عصر وزمان فإنه قد ثبت أن ظهور حجج الله في مقاماتهم في دول الباطل على سبيل الإمكان والتدبير لأهل الزمان فان كان الحال ممكناً في ظهور حججه في تدبير الأولياء لوجود الحجة بين الأولياء كان ظهور حجته ممكناً ايضاً وان كان الحال غير ممكن كان استتاره واجباً بما تقتضيه الحكمة إلى وقت بلوغ الكتاب أجله كما هو حاصل في حجج الله المتقدمة من عصر وفاة آدم (عليه السلام) إلى حين زماننا فمنهم المستخفون ومنهم المستعلنون(٩٠٤).
وفضلاً عن ما طرحه المصنف في احتجاج البعض بقولهم بان يكون مثل آبائه أئمة معروفين وهناك من يقول، اذا كان الخوف وأحوجه للاستتار فقد كان آباؤه على تقية وخوف من أعدائهم فكيف لم يستتروا فالرد يكون ان آباءه (عليهم السلام) ما كان عليهم خوف مع لزوم التقية والعدول عن التظاهر بالإمامة ونفيها عن نفوسهم واما الزمان (عجّل الله فرجه) كل الخوف عليه لأنه معلوم بأنه يظهر بالسيف ويدعو إلى نفسه ويجاهد من يخالفه فأي نسبة بين خوفه من الأعداء وبين خوف آبائه وفضلاً عن ذلك أن آباءه (عليهم السلام) متى قتلوا أو ماتوا كان هناك من يقوم مقامهم ويسد مكانهم للإمامة من أولاده وصاحب الامر (عجّل الله فرجه) بالعكس من ذلك لان معلوماً انه لا يقوم مقامه أحد(٩٠٥)، وحاله هنا في ذلك يختلف عن حال آبائه اما لأنهم آمنوا على أنفسهم وخاف هو أو لأنه يلزمه من العروض مع ظهوره ما لا يلزمهم فيكون الحذر في جانبه أتم من غيره(٩٠٦).
وقد صرح القرآن الكريم بالأخطار التي دارت حول حججه وأنبيائه من قبل أقوامهم فالخصوم لا يعلمون مدى حجم الخطر المحدق بالإمام لذلك يطالبون به بالرغم من كونهم لا يؤمنون بقضيته والموالون منتظرون له وصابرين على غيبته بما أخبرهم به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام)، قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباءوُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (البقرة: ٦١)، حيث جاء في تفسيرها أنهم أصابتهم الذلة واحل عليهم الغضب بسبب استكبارهم عن إتباع الحق وكفرهم بآيات الله وأهانتهم لحملة الشرع وهم الأنبياء وأتباعهم إلى ان قتلوهم ولا تكبر أعظم من هذا(٩٠٧)، وقال تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٩١)، والخطاب في هذه الآية لرسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قل لليهود من بني اسرائيل إذا لم يؤمنوا ويقولون أنهم يؤمنون بما انزل عليهم فلم تقتلون أنبياء الله ان كنتم مؤمنين بما نزل عليكم وقد حرم قتلهم بالكتاب الذي انزل عليكم بل امركم إتباعهم وطاعتهم وتصديقهم(٩٠٨).
وغيرها الكثير من الشواهد التي تدل على الخطر المحدق بحجج الله فكانت الأنبياء نفسهم يقتلون كونهم يدعون للحق الواحد فكيف اذا كان من يدعو الله يقول انا وصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو حجة الله عليكم وفوقها انه يكون خطراً على السلطة الحاكمة لاستشعارها انه يزاحمها في الملك، ومن المعروف والمتسالم عليه بين العام والخاص ان الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) حين استشهد وكل بحاشيته وأهل بيته وحبست جواريه وطلب مولوده هذا أشد الطلب وكان أحد المتولين عليه عمه جعفر أخ الامام الحسن العسكري (عليه السلام) حيث ادعى الإمامة لنفسه وأن حكمة غيبته (عجّل الله فرجه) بما جرى من سنن غيبة من سبقه وما لزم من حكمة غيبته ما لزم من حكمة غيبتهم(٩٠٩).
كما ان أزمنة الأئمة (عليهم السلام) كما لا يخفى على أحد كلها عاصرهم حكام طواغيت وظلمة تربصوا للائمة بالقتل والتنكيل وعلى أتباع ال محمد وعملوا على طمس أمرهم حتى يبقوا في سلطانهم لعلمهم بأحقية الأئمة في إمامة الامة وهذا واضح تاريخياً حتى زمان الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وقد حاولت السلطة العباسية البحث عنه وقتله لعلمهم بولادته فكانت حكمة الله في غيبته كي لا ينطمس خاتم الحجج بالقتل كما حصل مع آبائه (عليهم السلام).
ومما يستشهد به المصنف حديث للإمام الصادق (عليه السلام): (إن لله رسلاً مستعلنين ورسلاً مستخفين فإذا سألته بحق المستعلنين فسله بحق المستخفين) وتصديق ذلك قوله تعالى: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ (النساء: ١٦٤)، فكانت حجج الله تعالى منذ وقت آدم (عليه السلام) إلى ظهور إبراهيم (عليه السلام) أوصياء مستعلنين ومستخفين، فلما كان وقت إبراهيم (عليه السلام) ستر الله شخصه وأخفى ولادته لأنه في زمانه يتعذر ظهور الحجة إذ كان في سلطان نمرود مستتراً لأمره وكان مظهر لنفسه فالنمرود يقتل أولاد رعيته في طلبه إلى أن دلهم إبراهيم على (عليه السلام) على نفسه وظهر لهم أمره بعد أن بلغت الغيبة أمدها ووجب إظهاره للذي أراده الله في إثبات حجته وكمال دينه إلى وقت وفاته كان له أوصياء مستعلنين ومستخفين وكذلك ما حصل لموسى (عليه السلام) فكان فرعون يقتل أولاد بني إسرائيل في طلبه الذي شاع من ذكره وخبره فستر الله ولادته حتى تربى في حجر آل فرعون وهو لا يعرفه ثم كان ما كان من أمره بعد أن أظهر دعوته ودلهم على نفسه لما مضى كان بعده أوصياء مستعلنين ومستخفين من وقته إلى زمان عيسى (عليه السلام)، فظهر في ولادته معلناً لدلائله مظهراً لشخصه غير مخفٍ كون زمانه فيه إمكان ظهور الحجة ثم كان بعده أوصياء مستعلنين ومستخفين(٩١٠).
فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) تعذر ظهوره كما كان في السابق حال آبائه عند موت أحد يعرف الثاني علناً مع لزومه التقية للخطر الذي أحاط بجميع الأئمة (عليهم السلام) فما كان أحد منهم الا مسموماً أو مقتولاً فحكمة الله اقتضت أن يغيب حجته حتى لا تخلو الأرض من حجة لله على العباد، فيروى عن الاصبغ بن نباته قال أتيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فوجدته متفكراً ينكت في الأرض، فقلت يا أمير المؤمنين مالي أراك متفكراً تنكت في الأرض أرغبت فيها؟ فقال: لا والله ما رغبت فيها ولا في دنيا يوماً قط ولكن فكرت في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي هو المهدي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً تكون له حيرة وغيبة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون، فقلت يا أمير المؤمنين وان هذا لكائن، فقال: نعم كما أنه مخلوق وأنى لك بالعلم بهذا الأمر يا أصبغ اولئك خيار هذه الأمة مع أبرار العترة، قلت وما يكون بعد ذلك؟ قال: ثم يفعل الله ما يشاء فإن له إرادات وغايات ونهايات)(٩١١).
ينقل عن الإمام الحسن الزكي (عليهم السلام) قال: (والله انه لعهد عهده إلينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماما من ولد علي (عليهم السلام) وفاطمة (عليها السلام) ما منا إلا مسموم أو مقتول)(٩١٢)، فالرسل والأنبياء والأوصياء لم تخل الأرض منهم وقد كانت لهم فترات من الخوف وأسباب لا يظهرون فيها دعوة إلا لمن آمنوه(٩١٣).
يروى عن الإمام الباقر (عليهم السلام) قال: (... أن الله (عزَّ وجلَّ) جمع لمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سنن النبيين من آدم... إلى محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قيل له وما تلك السنن؟ قال علم النبيين بأسره وإن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صير ذلك كله عند أمير المؤمنين (عليهم السلام)...)، وينقل عن جابر بن عبد الله عن الإمام الباقر (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (خلق الله آدم وأقطعه الدنيا قطيعة فما كان لأدم (عليهم السلام) فالرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما كان لرسول الله فهو للأئمة من آل محمد (عليهم السلام))(٩١٤)، وعن الإمام الباقر (عليهم السلام) قال: (ثم أخذ الميثاق على النبيين فقال: ألست بربكم؟ ثم قال إن هذا محمد رسول الله وإن هذا علي أمير المؤمنين وأوصياؤه من بعده ولاة أمري وخزان علمي وإن المهدي أنتصر به لديني وأظهر به دولتي وأنتقم به من أعدائي فأُعبد به طوعاً وكرهاً، قالوا أقررنا يا رب وشهدنا...)(٩١٥).
ومما ورد في خطبة الوداع لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال:... القائم المهدي الذي يأخذ بحق الله وبكل حق هو لنا لان الله قد جعلنا حجة على المقصرين...)، وقال: (معاشر الناس إني نبي وعلي وصي الا ان خاتم الأئمة منا القائم المهدي)، وقال: (علي أمير المؤمنين والأئمة بعده الذين هم مني ومنه أئمة قائمة منهم المهدي إلى يوم القيامة الذي يقضي بالحق...)(٩١٦).
وهذا كله صائر إلى الإمام الغائب (عجّل الله فرجه) وان غيبته بسبب التهديد بالقتل ولحكمة ما لم يصرح بها الأئمة (عليهم السلام) فيروى عن أبي عبد الله (عليهم السلام) قال: (إن للقائم منا غيبة يطول أمدها، فقيل له ولم ذلك يا بن رسول الله؟ قال: إن الله (عزَّ وجلَّ) أبى إلا أن تجري فيه سنن الأنبياء (عليهم السلام) في غيباتهم...)، وفي حديث له (عليهم السلام) يخاطب أحد أصحابه قال: (إن لصاحب هذا الأمر غيبة يرتاب كل مبطل، فقلت له: ولم جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره ان وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره كما لا ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى (عليه السلام) الا وقت افتراقهما... أن هذا الأمر أمر من أمر الله وسر من سر الله وغيب من غيب الله ومتى علما انه (عزَّ وجلَّ) حكيم صدقنا بأن أفعاله كلها حكمة وان كان وجهها غير منكشف لنا)(٩١٧).
والحديث هنا مع من صدق أمر الإمامة بوجه عام وأنها فيهم فأما من لا يؤمن فلا وجه لتوجيه الحديث له وأما من صدق في حقهم في خلافة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فهو من المسلمات بأن يؤمن بما أخبر به نبينا الكريم فيهم وبالتالي يعتقد ويؤمن بالغيبة والحكمة منها بما أخبرنا الأئمة (عليهم السلام) بالحكمة من الغيبة والتسليم لقولهم وتصديق وجه الحكمة في التخطيط الإلهي للغيبة وان المعلن منها كما سلف في الحجج السابقة وهو الخطر أما السر الذي سيكشف عنه عند الظهور فمن المرجح ان فيه خطراً على الإمام الغائب لو كشف وان موسى (عليهم السلام) نبي من أنبياء الله ولم يحتمل السكوت والاستعلام لما قام به الخضر حينها أخبره وافترق فلو كشف سر الغيبة لعامة الناس فمن المحتمل أنهم لم يحتملوا هذا السر فخفي إلى وقت الظهور حتى يتم التخطيط الإلهي للوقت المحدد لها فيمكن أن يكون حينها حجة الأمر لا تراجع فيه ان تطيع الناس ولا يكون إلا واجب الطاعة والتسليم.
وبما انه قلنا ان التسليم للإمامة وأنها واجبة لمن صدق فإن الأئمة (عليهم السلام) قالوا أنه لا يؤذن لهم في كشف السر الأساسي للغيبة وهم أئمة مفترضو الطاعة فالواجب علينا لا نسأل عن هذا السبب وننتظر حكمة الله ومن المحتمل أن يكون من ضمن هذه الإسرار هو التوضيح والتفسير لبعض القرآن الكريم الذي فسره الكثير على هواه حتى خرجت من الإسلام حركات واتجاهات تكفر من تشاء وتمدح من تشاء حتى تلاحظ ذكرهم لبعض الشخوص عبر التاريخ أكثر من ذكرهم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما هو الحال في الحركات التكفيرية في العصور الحديثة.
وأشار الطوسي إلى إشكاليات البعض في حال الغيبة فأنه كيف إصابة الحق مع غيبة الإمام فان كان الجواب بان لا سبيل لها جعل الخلق في حيرة وان كان الجواب ان الحق يصاب أدلته فهو تصريح بالاستغناء عن الإمام وهنا يجيب بقوله: (الحق على ضربين عقلي وسمعي فالعقلي يصاب بأدلته والسمعي عليه أدلة منصوبة من أقوال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونصوصه وأقوال الأئمة (عليهم السلام) من ولده وقد بينوا ذلك وأوضحوه ولم يتركوا منه شيئاً لا دليل عليه)(٩١٨)، وكما ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) يرويه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (وأخبرني جبريل عن الله (عزَّ وجلَّ) أن ذلك يزول - يعني الظلم والجور - إذا قام قائمهم وعلت كلمتهم واجتمعت الأمة على محبتهم وكان الشانئ لهم قليلاً والكاره لهم ذليلاً وكثرة المادح لهم وذلك حين تغير البلاد وضعف العباد والإياس من الفرج فعند ذلك يظهر القائم فيهم)(٩١٩).
وكما تم الإشارة إلى أن النقل في زماننا الحالي موجود ومتواتر وقد وصل إلينا وانه لابد من منقذ للبشرية بوجه عام فلم لا يصدق بخبره بما أخبر به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) أنه الإمام المولود الغائب الطريد المهدد بالقتل من قبل أعداء الله وذلك بكثرة هذه الأخبار حتى وان قلنا انها أخبار مزيفة فالحجة أنه متى كان المجال متاح لمؤرخي الأمامية متاح ليزيفوا كل هذا الكم من الأحاديث بالرغم من تطابق الكثير منها مع ما ورد من غير الامامية وأقلها أن الأئمة هم على عدد نقباء بني إسرائيل وأنهم اثني عشر إمام ولم نجد على طول ومدار التاريخ الإسلامي من كانوا اثني عشر قائداً أو وزيراً أو أميراً أو ولي عهد أو غيرهم بهذا العدد متسلسلين من أب واحد وفيهم أخبار متواترة غير الأئمة من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلماذا تكذب أخباره وأخبار الأئمة وتصدق أخبار عامة المؤرخين من المسلمين مع احتمال وجود أن التزييف فيها لطمس ذكر الإمام الثاني عشر وخاتم الأوصياء والحجج (عجّل الله فرجه) فيكون اعتراض على ما أخبر به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وان هناك ما تحقق في الإسلام ومنها ما ترك لمصلحة البشرية لو لغاية مستقبلية لم تتحق بعد، وخلاصة القول أن من يؤمن بما أنزل في القرآن الكريم واجب التصديق بالغائب وذلك لو تمعنا في بعض الآيات منها قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْـرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣).
وأخرج الصدوق رواية عن الامام الصادق (عليهم السلام) في معنى الآية قال: (والله ما نزل تأويلها حتى يخرج القائم (عليهم السلام) فإذا خرج القائم (عليهم السلام) لم يبق كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام كره خروجه حتى أن لو كان كافراً أو مشركاً في بطن صخرة لقالت يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني(٩٢٠) واقتله)(٩٢١).
وأخرج مثل رواية الصدوق في معنى الآية في عدد من المصادر، وبنفس السياق ورد في هذه المصادر تفسير الآية المباركة عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) أنه سئل عن معناها: (أظهر ذلك بعد؟ قال: كلا والذي نفسي بيده حتى لا يبقى قرية الا ونودي فيها بشهادة أن لا اله الا الله وأن محمد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بكرة وعشياً)، وعن ابن عباس قال: (لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا صاحب ملة حتى صار إلى الإسلام)(٩٢٢).
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل أن جميع البشرية أو قل سكان الأرض هل جميعهم على دين الإسلام والجواب كلا وهناك من هو باق على ديانات قد حرفت وهناك حتى من لا يؤمن بوجود الله (عزَّ وجلَّ) وهناك من ينكر كل شيء ووجود من يعبد الأصنام حتى يومنا هذا ونحن في سنة (١٤٤٠هـ) فهل من قائل من المسلمين أن هذه الآية قد تحققت بغض النظر عن التفسير العميق أو الباطن لها أو فلسفات التفسير والجواب أيضاً كلا، وهذا واضح وضوح الشمس لا يحتاج إلى تفسير أكثر سوى أن السؤال هنا متى يكون كل شيء عائداً إلى الإسلام وما هو الا عند عودة الغائب وظهوره في اليوم المقدس المأمول لذلك وغيرها من الشواهد القرآنية.
فبعد أن انقطع عنا نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجعل لنا هداة من أهل بيته وعترته يهدوننا إلى الحق ويجلون عنا العمى وينفون الخلاف والفرقة معصومين قد أمنا منهم الخطأ والزلل وقرن بهم الكتاب وأمرنا التمسك بهم على لسان نبيه وإنا لا نضل ان تمسكنا بهما ولولا ذلك لوجب إلا بعثة الرسل إلى انقطاع التكليف عنا وقال تعالى: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (الرعد: ٧)، فله الحجة البالغة علينا في ذلك(٩٢٣)، فعن الإمام الحسين (عليهم السلام) قال: (سمعت جدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: من أحب أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنة التي وعدني ربي فليتول علي بن أبي طالب وذريته الطاهرين أئمة الهدى ومصابيح الدجى من بعده فإنهم لن يخرجوكم من باب الهدى إلى باب الضلالة)(٩٢٤)، وسئل الإمام علي بن أبي طالب (عليهم السلام) عن المنتظر من آل محمد فقال: (هو العاشر من ولد الثاني يملأ الله به الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً تكون له غيبة تطول على المنتظرين لا يكفر بها إلا شقي)(٩٢٥).
ومن باب الاختبار للمسلمين بصورة عامة يمكن أن يكون وقوع الغيبة لهذا الغرض فقد جاء في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: ٢-٣)، فقد ورد في تفسير هاتين الآيتين هو استفهام إنكار معناها أن الله سبحانه وتعالى لابد من أن يبتلي عباده المؤمنين ما عندهم من إيمان كما ورد في الحديث الصحيح: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فن كان في دينه صلابة زُيدَ في البلاء)(٩٢٦)، وقيل: (أن الإيمان هو التصديق بالله وحده وصفاته وعدله وحكمته وبالنبوة وبكل علم بالضرورة مجيئ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) به مع الإقرار بذلك وعلى هذا أكثر المسلمين بل ادعى(٩٢٧)، بعضهم إجماعهم على ذلك والتصديق بإمامة الأئمة الاثني عشر وبإمام الزمان (عليهم السلام) وهذا عند الامامية)(٩٢٨).
ويعطي أحد الباحثين التفاته ودليلاً منطقياً واضحاً وذلك بأنه الغيبة ثبتت بتجلي ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بما لا يقبل الشك وعدم ذكر وفاته في المصادر ولم يجر على ألسنة الرواة والمحدثين وأهل التاريخ ولم يتم اعلان ذلك من قبل سلاطين الجور [لا سابقاً ولا حتى في عصرنا الحديث] كل ذلك دليل على وجوده وعدم تواجده فيما بيننا دليل على غيبته وبهذا يكون قبول الغيبة من الضرورات العقلية فضلاً عن الإثبات الروائي فإذا أضفنا لذلك أن الأرض لا تخلو من حجة ناطق أو صامت عرفنا ثبوت الغيبة ووجود الامام حياً يرزق وانه اختفى أو غاب خوفاً على نفسه من القتل، وكما امتحن الله البشرية من ذي قبل وعلى مر العصور والأجيال وفتنوا في اختبار وغربلة(٩٢٩)، فلا مانع أن يمتحن المسلمين ليعلمن الله الصادقين من الكاذبين في الصبر والإيمان(٩٣٠).
والإشارة في جميع ما ورد إلى الإمام الغائب فلو آمن أحدهم بولاية وخلافة علي (عليهم السلام) فكانت وصية من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يدفعها الأئمة واحد واحد حتى أشار جميعهم إلى الإمام الغائب من باب الوصية واثبات الحجة فان الوصية متصلة ولا انقطاع لما أمر به الله حتى وصلت إلى نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وللائمة من بعده إلى صاحب الزمان الغائب كما أخبر به هو والأئمة (عليهم السلام) فلا انقطاع لحجة الله على خلقه إلى يوم القيامة وهي فيهم بأمر الله فليؤمن من يؤمن ومن يكفر من يكفر فالكثير من الامم السابقة كذبوا الأنبياء حتى رسولنا الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رموه بالسحر والجنون وكذبوا الرسل بعد أن أتوهم بالبينات فلا غرابة في الطعن والتكذيب بأمر الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) لكن سيثبت ما غاب عنا من اسرار عند ظهوره وتكون الحجة الدامغة ولا ينفع إيمان نفس أنكرته فيما قبل.
فواجب التصديق بالغيبة هو التصديق برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كونه من أخبر بوجود المهدي (عجّل الله فرجه) ومن عترته وانه بشر به وسيظهر في آخر الزمان كما أسلفنا الذكر بالأحاديث المطروحة من كلا الجانبين كون نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عنده علم كل شيء وما هو إلى يوم القيامة وعلمه هذا من الله وبأمر الله ولا أحد يستطيع أن ينكر ذلك وهذا بالدليل القرآني، قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (هود: ٤٩)، ورد في تفسيرها أن هذه الأخبار التي أعلمناك ايها لم تكن تعلمها أن ولا قومك من العرب وبيان القصص فيها وواظب على القيام بأمر الله واصبر على أذى قومك يا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على تكذيب من كذبك كما صبر قبلك الأنبياء (عليهم السلام) والعاقبة للمتقين لك ولإتباعك في الدنيا والآخرة(٩٣١).
وهل نصدق بما أخبرنا به من قصص الماضين كما أعلمه بها القران ولا نصدق بما يخبرنا به للمستقبل فالقائل بهذا هو من يقطع نبوته نبينا وهي رسالة عالمية خاتمة للأديان السماوية وأنها باقية إلى يوم القيامة فالواجب هو الاعتقاد بكل ما قاله ومنها غيبة الثاني عشر من الحجج (عليهم السلام)، فلما كان وقت نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال الله (عزَّ وجلَّ) له في الكتاب: ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (فصلت: ٤٣)، ثم قال (عزَّ وجلَّ): ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا﴾ (الإسراء: ٧٧)، فكان من سنته ما قد لزم من الرسل من قبله في إقامة الأوصياء كإقامة من تقدمه لأوصيائهم فأقام أوصياء كذلك وأخبر بكون المهدي خاتم الأئمة (عليهم السلام) وانه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجورا ونقلت الأمة بأجمعها عنه وأن عيسى (عليهم السلام) ينزل وقت ظهوره فيصلي خلفه فحفظت ولادات الأوصياء ومقاماتهم في مقام بعد مقام إلى وقت ولادة صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) للقسط والعدل كما أوجبت الحكمة بغيبته(٩٣٢)، وحتى الأئمة (عليهم السلام) لم يمضِ أي واحد منهم حتى أخبر بالإمام الذي بعده إلى وقت الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) حتى وردت أحاديث من قبل جميع الأئمة بخبره وشأن غيبته إلى الوقت المراد من الله (عزَّ وجلَّ)(٩٣٣).
وهنا قد عرفت الدلالة على ان الزمان لا يخلو من إمام وانه يجب ان يكون معصوماً وكل من قال بذلك قال بان الإمام هو الذي نشير إليه وثبت من الأخبار المتواترة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) ما تتضمن النص على اسمه ونسبه ووجوده فيكفي في الجواب ان سبب الغيبة مع ثبوت العصمة ان نحمل أفعاله على الصواب وان خفي الوجه لولا مصلحة مبيحة للاستتار لما استتر(٩٣٤).
وسائل يسأل لما كانت غيبته هي بسبب أعدائه والخوف من القتل والاختفاء عن المخالفين له فلم يغيب عن أوليائه ومواليه فالجواب هنا يكون انه لم يكن في غيبة عن أوليائه من باب التقية وان غاب عنهم كغيبته من أعدائه وإنما إشفاقا عليهم فلو علم أعداء الإمام انه يلتقي أولياءه فمن المحتمل وقوع الضرر على مواليه فضلاً عن أن ذلك يؤدي إلى إتباعه واقتفاء أثره وحينها يطالب أوليائه به وان يثبتوا وجوده لمن يحتج عليهم ويقع الحرج والضرر والمكروه وليس للموالين الا الإيمان بغيبته والطاعة ولم تكن غيبته عنهم إلا لهذا الوجه(٩٣٥)، والخوف على نفسه في هذا الحال هو كحال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين استتر تارة في الشعب واخرى في الغار حتى وان استتر يسيراً ويقال ان هذا ليس كحال الإمام لان التفاوت غير مؤثر في واحد من الحالين اذ جاز تفويت الحالين مع قصر المدة وتطاولها(٩٣٦) ومن باب علة غيبته عن أوليائه انه متى ظهر لهم فلسرورهم به وفرحهم بمشاهدته يتباشرون به ويلقى كل واحد منهم من يأمنه من أصدقائه خبره حتى يشيع ذلك ويطلع عليه أعداؤه فيعود الأمر إلى الاستتار عن الجميع وحتى ان ظهر لأوليائه فلا يمكن معرفته بالمشاهدة وإنما يعرف بالجملة من ظهور العلم والمعجزة على يديه فلا يمتنع حينها ظهور الشبهة في ذلك فيذيعوا خبره فيؤدي إلى تتبعه وطلبه فيحتاج إلى الاستتار وكل هذا جائز ولا نقطع شيء منه ويكفينا ان يكون وجهاً في علة الاستتار(٩٣٧).
ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (والذي بعثني بالحق بشيراً ليغيبن القائم من ولدي بعهد معهود إليه مني حتى يقول أكثر الناس: ما لله في آل محمد حاجة ويشك آخرون في ولادته فمن أدرك زمانه فليتمسك بدينه ولا يجعل للشيطان إليه سبيلاً بشكه فيزيله عن ملتي ويخرجه من ديني فقد أخرج أبويكم من الجنة من قبل وأن الله (عزَّ وجلَّ) جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون)(٩٣٨)، وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) وكان معه الحسنين (عليهما السلام) قال: (والله لأقتلن أنا وابناي هذان وليبعثن الله رجلاً من ولدي في آخر الزمان يطالب بدمائنا وليغيبن عنهم تمييزاً لأهل الضلالة حتى يقول الجاهل: ما لله في آل محمد من حاجة)(٩٣٩).
وروي أن أحد أصحاب الإمام الرضا (عليهم السلام) سأله قال: (يا بن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الإمام الصادق (عليهم السلام) أنه قال: إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين (عليهم السلام) بفعال آبائهم فقال (عليهم السلام) هو كذلك فقلت فقول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (فاطر: ١٨)، ما معناه؟ فقال: صدق الله في جميع أقواله لكن ذراري قتلة الحسين يرضون أفعال آبائهم ويفتخرون بها ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه ولو أن رجلاَ قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل وإنما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم...)(٩٤٠).
ولهذا الامتحان والغيب عن المؤمنين ولتمييز المؤمن من الضال، فقد ورد أن سئل الإمام الحسين (عليهم السلام) (لماذا خرجت إلى كربلاء؟ فقال: فبمن يمتحن هذا الخلق...)(٩٤١)، فلو قال الخصوم لم لا يظهر لإعدائه كما ظهر وقام جده الحسين (عليهم السلام) فالجواب يكون أن المعصوم لا يمكن تعليل أفعاله لأنها تحمل على الصحة والا لما كان معصوماً، ومن جانب أن الإمام الحسين (عليهم السلام) تحققت له بعض النصرة فوجب عليه القيام والقائم لم يحصل له ذلك(٩٤٢)، يعلق أحد الباحثين على هذا الحديث الوارد عن الإمام الحسين (عليهم السلام) بأنه لو لم تكن قضية كربلاء موجودة كيف كان سيظهر جوهر حبيب بن مظاهر والشمر فلعل مظهرهما كان واحداً وعندما حدثت قضية كربلاء وإذا بها تفصل بين هذين الرجلين وهناك امور خفية في مرحلة القوة حيث يوفر الامتحان الإلهي لكي يتحول ما في هذه القوة إلى فعل(٩٤٣).
وفي قضية غيبة إمامنا يقع الاختبار ولعله لكشف الخبيث من الطيب الواقع بين المسلمين ولا يعرف الا بهذا الاختبار الذي يعد قاسياً على المؤمنين وفيه يظهر جوهر المؤمن من غيره بالفعل لا بالقول حين ظهوره المقدس وحينها تصحح للناس عقائدهم التي ظللهم بها المظللون أو أعداء السلام وأصبحت نافذة جيلاً بعد جيل.
وينقل الكليني عن الإمام موسى بن جعفر (عليهم السلام): (اذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم لا يزيلكم عنها أحد...، إنه لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الامر من كان يقول به إنما هي محنة من الله (عزَّ وجلَّ) امتحن الله بها خلقه لو علم آبائكم وأجدادكم ديناً أصح من هذا لأتبعوه...)(٩٤٤).
ويجيب المفيد عن سبب الغيبة وما الفرق بين الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وبين آبائه (عليهم السلام) قال: (كان من مضى من آبائه صلوات الله عليهم قد ابيحوا التقية من أعدائهم والمخالطة لهم والحضور في مجالسهم واذاعوا تحريم إشهار السيوف على أنفسهم وخطر الدعوة إليها وأشاروا إلى منتظر يكون في آخر الزمان منهم يكشف الله به الغمة ويحيي ويهدي به الأمة لا تسعه التقية...)(٩٤٥).
ثم يقول: (ولما كان امام هذا الزمان (عليهم السلام) هو المشار اليه بسل السيف من أول الدهر في تقادم الأيام المذكورة والجهاد لإعداء الله عند ظهوره ورفع التقية عن أوليائه وإلزامه الجهاد وانه المهدي الذي يظهر الله به الحق ويبيد بسيفه الضلال وكان المعلوم انه لا يقوم بالسيف الا مع وجود الأنصار واجتماع الحفدة والأعوان ولم يكن أنصاره (عليهم السلام) عند وجوده متهيئين إلى هذا الوقت موجودين ولا على نصرته مجمعين... وان كانوا يصلحون لنقل الآثار وحفظ الأحكام والدعاء له بحصول التمكين ومن ذلك إلى الله (عزَّ وجلَّ) لزمته التقية ووجب فرضها عليه كما فرضت على آبائه (عليهم السلام) لأنه لو ظهر بغير أعوان لألقي بيده إلى التهلكة ولو أبدى شخصه للأعداء لم يألُ جهداً في ايقاع الضرر به واستئصال شيعته... ولما ثبتت عصمته وجب استتاره حتى يعلم يقيناً لا شك فيه حضور الأعوان له واجتماع الانصار وتكون المصلحة العامة في ظهوره بالسيف ويعلم تمكنه من إقامة الحدود وتنفيذ الإحكام...)(٩٤٦).
ومثل ما أخفى الله ولادة بعض أوليائه كذلك صاحب زماننا أخفى الله ولادته وستر أمره وهو خاتمة وصية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى البشرية بعد أبائه الأئمة سيأتي بأمر الله ليستكمل دينه ويظهر حقه وقد يقول قائل هل الدين لم يكتمل برسوله والجواب انه اكتمل بوصيته لأمير المؤمنين وأبنائه من بعده الا أن اهل الظلال استحكموا الأمر عليهم أما بالقتل أو السم فأصبح الثاني عشر منهم بنفس الخطر فشاء الله أن يخفي أمره حتى ينهض بوصية جده وأمر الله وتميزاً لأهل الضلال بغيبته(٩٤٧)، وبما ورد عن الرسول وهو من بشر به وهذا من المسلمات عند مذهب الامامية وإلا يمكن الرد على المعترض بسؤال لماذا لم تنتهِ الدنيا وتقوم القيامة بعد الرسول ما هو إلّا مشيئة الله في غاية ما ولا نعرف غير انتظار الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يخرج في آخر الزمان ومن عنده تفسير عدا ذلك وجب إظهاره ولا يعلو فوق حديث رسول الله إلا القرآن فهو لا ينطق عن الهوى.
ثانياً - وجه الانتفاع بالإمام الغائب (عجّل الله فرجه):
وبهذا الصدد ورد في الكتاب موضوع البحث انه كيف الانتفاع بالإمام الغائب عن الإمام الصادق (عليهم السلام) قال: (كما ينتفعون بالشمس اذا غيبتها السحاب)(٩٤٨)، وفي هذا استدلال عقلي لطيف يطرح من قبل المصنف فيما يتعلق بالجوارح في جسم الإنسان بان تدبيرها من قبل القلب وهو غائباً عنها فإنه يحتاج إلى القلب لبقائها على صلاحها ولولا القلب لفسد تدبير الجوارح بالرغم من كونه غائب عنها كذلك يحتاج إلى الإمام يحتج به الله على الخلق وبه يدفع عنهم وبه يرزقهم وبه ينزل عليهم الغيث(٩٤٩)، وقد ورد هذا الحديث (كالشمس إذا غيبتها السحاب) عند جملة من المؤرخين بتفاوت بسيط ما بين النقل في العبارات(٩٥٠).
وقد اعطي في معنى غياب الشمس وراء السحاب وما الفائدة منها فقد وردت عدة تفسيرات عقلية لهذا الموضوع من بعض المؤرخين قيل أننا ننتفع به في غيبته بأننا نبقى منتظرين ومستعدين لظهوره مطالبين بالالتزام بخطه بما أخبرنا به جده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما أخبر به آبائه (عليهم السلام) واعتقادنا بوجوده وانه حجب عنا ولا نقبل أي فكرة تدور حول فلك العقيدة المهدوية ونتمسك بما أمرنا به ونرفض كل ما عداه ونعيش على أمل التشرف بلقائه ونصرته ونعمل على حب العدل وكره الظلم والمقيمين عليه فننتفع به كذلك الشمس تنفع الأحياء بحرارتها حين تظهر وبنورها حين يصل من خلال الغيوم يخترق الكثافات فضلاً عن ذلك إننا ننتفع بتعاليمه التي قد يعطيها لمن يلتقي به في أي مكان في المجتمعات فإنه يظهر في عدة مناسبات بين الناس(٩٥١)، يعرفهم ولا يعرفونه وينصح لهم للإسلام دون أن يخطر ببال احد انه المهدي (عجّل الله فرجه)(٩٥٢)، وورد في رسائل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) قال (... واني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء...)(٩٥٣).
وفي توضيح آخر عن مثل الشمس وغيبتها وراء السحاب يقول أحد المؤرخين المعاصرين: (الشمس أمان للمجموعة الشمسية من الفناء والزوال وفيها فائدة عظيمة للإنسان والحيوان والنبات والهواء والماء والجماد ومن الواضح ان السحاب لا يغير شيئاً من تأثير الشمس وفوائدها وإنما يحجب الشمس عن الرؤية في المنطقة التي يغيم عليها السحاب فقط، فالإمام (عجّل الله فرجه) الذي شبه بالشمس وراء السحاب هو الذي بوجوده يتنعم البشر وتنظم حياتهم وهو أمان لأهل الأرض لأن الأرض لا تخلو من الحجة لو خلت لساخت بأهلها)، ثم يكمل هذا الباحث القول بأن الامام (عجّل الله فرجه) يحضر في مواسم الحج كل عام ويتردد على المجالس والمحافل ويبادر لحل المشاكل بواسطة أو بدونهـا لبعض المؤمنين ولعل الناس لا يرونه ولا يعرفونه ولكنه يراهم ويعرفهم وقد ظفر الكثير من الناس باللقاء به في الغيبة الصغرى والكبرى(٩٥٤).
ورد عن الإمام الصادق (عليهم السلام) قال: (يفقد الناس إمامهم يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه)(٩٥٥)، ورد نفس الحديث عند الكليني والنعماني(٩٥٦)، وقال (عليهم السلام): (لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة ولا بد له في غيبته من عزلة ونعم المنزل طيبة(٩٥٧) وما بثلاثين من وحشة)(٩٥٨) وقال: (للقائم غيبتان إحداهما قصيرة والاخرى طويلة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصة شيعته والاخرى لا يعلم بمكانه إلا خاصة مواليه)(٩٥٩).
وذكر تفسيراً في معنى الشمس وغيبتها خلف السحاب مع غيبة الإمام (عجّل الله فرجه) أولها يطرح تساؤل لماذا شبه بالشمس وليس القمر بما ورد من أحاديث والجواب يكون أن نور الشمس نابع من ذاتها بينما القمر يكتسب نوره من الشمس، وان أشعة الشمس لها فوائد كثيرة ليست في أشعة القمر وان دور الشمس في المجموعة الشمسية دور قيادي رئيسي بخلاف القمر فإنه واحد من الكواكب التي تسبح في المجموعة فالمجموعة الشمسية لها مركز تدور حوله الكواكب وهي الشمس وان هذه المجموعة تسير بانتظام هو بسبب الجاذبية الموجودة في الشمس ولولا الجاذبية لاختل النظام واضطربت المجموعة وانتثرت الكواكب واصطدم بعضها ببعض وتلاشت في الفضاء وهلكت الكائنات وتبدل الوجود إلى العدم وهذا كله بقدرته سبحانه وتعالى الذي جعل هذه القوة الجاذبة الطاردة في الشمس فلولا القوة الجاذبة لتفرقت هذه الكواكب ولولا القوة الطاردة لاقتربت هذه الكواكب واحترقت فالشمس أمان المجموعة الشمسية ومن الفناء والزوال(٩٦٠).
فالنظر إلى فائدة الشمس وترسل أشعتها النافعة وتتفاعل بأنواع التفاعلات في الإنسان والحيوان والنبات والهواء والماء والتراب والجماد والسحاب لا يغير منها شيء ومن الطبيعي ان السحاب لا يتكون الا من إشراق الشمس والأمطار لا تهطل الا من السحاب فلولا الشمس ما كان السحاب ولا مطر ولا زرع وكان مصير الحياة معلوماً، فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بما شبهه من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) بالشمس وراء السحاب وبوجوده ينعم البشر وتنظم الحياة وكل ذلك من فضل الله وهو الذي تتفجر منه الخيرات والبركات والألطاف الإلهية والفيوضات المعنوية إلى الناس وهو المهيمن على الكون بإذن الله وبالرغم من غيبته التي ارادها الله له يتمتع بقدرة تمكنه من كل ما يريد وتوفر له جميع الوسائل وان جميع تصرفاته وانجازاته كلها مطابقة للحكمة والمصلحة العامة(٩٦١)، ويمكن القول ان الشمس وان غابت كما في المثل لابد لها وان تظهر ومع غيبتها لا يتحقق ضرر ما وان تحقق ضرر فأنه ينتفي بظهورها مرة اخرى وتعود لما كانت عليه بعد ترقب ظهورها وهو مؤكد وان غابت خلف السحاب وهذا حال إمامنا بأنه سيكشف ما غاب عنا وما جهلنا به كثير من الامور وان سيزيح هذه السحابة عنها ويكشف لنا السر الموعود بكشفه حال ظهوره.
وأخيراً ان شيعته والقائلين بإمامته ينتفعون به حال غيبته فهو لطف لهم في حال الغيبة كما هو حال الظهور وانهم منتفعون به لحفظ الشرع وانه لم يكتم عليهم من الشرع ما يصل إليهم وهم يقرون بإمامته بحسب الاعتقاد الامامي هي تكليف من الله (عزَّ وجلَّ) ويجب الطاعة(٩٦٢)، وان الأخبار المتواترة دلت على تنصيص النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للإمام علي (عليهم السلام) وأولاده من بعده وهي تفضي إلى العلم ثم من أولاده إلى الثاني عشر (عجّل الله فرجه) والدليل على إمامته نص النبي ونص آبائه وقولهم حجة ودليل وجوده على الجملة هو ما دل على أن الزمان مع بقاء التكليف لا يجوز أن يخلو من إمام معصوم وهو أعلم أهل زمانه(٩٦٣).
وأشار مؤرخ آخر إلى ما يقرب الفكرة من الأذهان منها انه ما الفائدة من الإمام الغائب ويجيب عنها بعدد من التساؤلات منها انه ما الفائدة من غيبات الأنبياء (عليهم السلام)، وأيضاً غيبة الخضر (عليهم السلام) وبقائه لقرون متطاولة ولا بد للحكيم جل شأنه ان جعل بقاؤه لفائدة وما الفائدة من الإمام الغائب على الفائدة من وجود الخضر وجهلنا بفائدة بقاء كل منهما ليس مبرراً لنكران الفائدة وجحد المنفعة ونحن لا نزال نجهل الكثير من الأمور العبادية ومنها أيضاً طقوس الحج نؤديها من الإحرام والطواف والسعي والتقصير ورمي الجمرات والذبح والحلق لم نهتد إلى الغاية المترتبة عليها، فلعل الفائدة من الغيبة ما هي إلا اختبار وتمحيص للمؤمنين(٩٦٤)، ونعود للتأكيد فوق كل هذا ان السر الأكبر للغيبة والذي لم يكشف عنه لا النبي ولا الأئمة (عليهم السلام) مرهون بظهوره (عجّل الله فرجه) وما علينا الا أن نصدق بما بشر به آباؤه ولا نكون كالذين كذبوا الانبياء وحاربوهم وباتوا يطالبون بالبراهين والمعجزات وما الفاصل هنا الا الصبر على الامر المعرفة أكثر حتى ينجلي ما غاب عن تفكيرنا في الحيرة منه.
ثالثاً - امتلاكه للاسم الأعظم:
ولعلاقة الأمر بالغيب يتطرق الصدوق إلى اسم الله الأعظم والعلة التي غيب اسمه عن جميع خلقه الذي اذا دعي به أجاب إلا الخاصة (ألم، وألمر، ألر، وألمص، وكهيعص، وحم عسق، وطسم، طس، ويس)(٩٦٥)، وأخرجه إلى الناس بصورة مقطعه في أوائل السور حتى تعجبوا بهذا الإعجاز وازداد أهل الإقرار بصيرة وتوقف الباقون شاكين فيه ولا همة لهم إلا البحث عما شكوا فيه وفي البحث الوصول إلى الحق، والعلة الاخرى في إنزال أوائل السور بالحروف المقطعة إلّا ليخص بها أهل العصمة والطهارة فيقيمون بها الدلائل فهم مستحقو الفضل وإذا أخرجه للعامة من الناس لحصلت ذلك ضد الحكمة وفساد التدبير، واذا جاز أن يغيب الله اسمه الأعظم في الحروف المقطعة في كتابه الذي هو حجة فكذلك جائز أن يغيب حجته من الناس عن عباده المؤمنين وغيرهم لعلمه أنه متى أظهره وقع التعدي على حدود الله فيستحقون القتل وفي أصلابهم مؤمنون فالحكمة للغيبة في مثل هذه الحالة موجبة وكذلك القائم (عجّل الله فرجه) لم يظهر أبداً حتى تخرج ودائع الله فإذا خرجت ظهر على من ظهر من أعداء الله (عزَّ وجلَّ) فقتلهم، وفي هذا ورد عن ابي عبد الله (عليهم السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (الفتح: ٢٥)، قال: (لو أخرج الله (عزَّ وجلَّ) ما في أصلاب المؤمنين من الكافرين وما في أصلاب الكافرين من المؤمنين لعذب الذين كفروا)(٩٦٦).
ورد عن الإمام الصادق (عليهم السلام) في تفسير الآية ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ قال: (ان لله ودائع مؤمنين في أصلاب قوم كافرين ومنافقين وقائمنا لن يظهر حتى تخرج ودائع الله فإذا خرجت ظهر فيقتل الكفار والمنافقين)(٩٦٧)، كما تطرقنا سابقاً أنه يخرج بسنن الأنبياء وما عندهم هو عند النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد أودعه عن الأئمة (عليهم السلام) يتناقل عندهم من واحد إلى الذي يليه حتى معاجز الأنبياء تكون عندهم منها عصى موسى والألواح وقميص آدم هو نفسه قميص يوسف وخاتم سليمان وكل علم عند الأنبياء والأوصياء الذين قبلهم يتوارث بعضهم بعضا، ومنها سيف وراية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلمه كله عندهم حتى ورد عن الصادق (عليهم السلام): (وان عندي الاسم الذي كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا وضعه بين المسلمين والمشركين لم يصل من المشركين نشابة وان عندي لمثل الذي جاءت به الملائكة)(٩٦٨)، ومنها الاسم الأعظم ورد عن الإمام الباقر (عليهم السلام) قال: (... ونحن عندنا الاسم الأعظم اثنان وسبعون حرفاً وحرف واحد عند الله تعالى استأثر به في علم الغيب ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)(٩٦٩).
ونورد مثالاً في الحروف المقطعة عن (كهيعص) عن الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) قال: (هذه الحروف من أنباء الغيب اطلع الله عليها عبده زكريا ثم قصها على محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...)(٩٧٠) وقيل ان لهذه الحروف لها علاقة بالقضية المهدوية فقيل ان حم عسق حرف من اسم الله الأعظم ورد عن الإمام الباقر (عليهم السلام) قال في معنى (ح م ع س ق): ((حم سق): أعداد سني القائم وقاف جبل محيط بالدنيا من زمرد أخضر فخضرة السماء من ذلك الجبل وعلم كل شيء في عسق)(٩٧١)، وبالتالي هو عند الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وان سر هذه العلوم عنده، ورد في خطبة لأمير المؤمنين (عليهم السلام) قال: (... وبمهدينا تقطع الحجج فهو خاتم الأئمة ومنقذ الأمة ومنتهى النور وامض السر ليهن من استمسك بعروتنا وحشر على محبتنا)(٩٧٢).
ولعل غيبة الإمام لها صلة بهذا الأمر حفظاً عليه حتى يكون من ضمن ايجابيات الغيبة والظهور هو الحفاظ على من يكشف أسرار هذه العلوم وبواطنها وما خفي على البشرية من فضل الله وأنها ستكون بحاجة إليه في وقت غير الوقت الذي نزل فيه القرآن اي إلى ما أراده الله لمستقبل البشرية وذلك لإيماننا بأن القرآن خاتم الكتب السماوية والإسلام خاتم الأديان وانه باق إلى يوم القيامة فلابد من ان يكشف الله ما فيه خير للبشرية حتى لا تبقى حجة لكل من أنكر الوحدانية الكبرى وتكون هذه العلوم حج عليهم ويكشفها الإمام الغائب (عجّل الله فرجه) ويسخرها لخدمة الدين والناس وانه لو ظهر بعد وفاة ابيه وقام بأمر الإمامة لعله وقت بقائه لا يسعفه لكشف مجموع تلك العلوم والخير الذي اراده للبشرية لأنه حينها سيكون في عيون أعداء الله المتربصين له وإلا لا نجد من سبب لبقاء البشرية حتى هذا الوقت ما هو الا لأمر أراده الله ولا يعقل ان يكون هذا الأمر بلا تخطيط أو من دون صلة بأمر الهي وبالدين أو لا يرتبط هذا الأمر برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والله العالم.
رابعاً - الرد على من أنكره وفضل انتظاره:
وبهذا الصدد يورد مصنف الكتاب أحاديث المعصومين وما نقلوه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في إنكار الأئمة ككل والغيبة وإمام الزمان (عجّل الله فرجه)، منها يروى عن الإمام الصادق (عليهم السلام) قال: (من أنكر واحدً من الأحياء فقد أنكر الأموات) وسأله أحد أصحابه قائلاً: (من عرف الأئمة ولم يعرف الإمام الذي في زمانه أمؤمن؟ قال: لا، قلت أمسلم هو؟ قال: نعم) وعن (عليه السلام) قال: (من أقر بالأئمة من آبائي وولدي وجحد المهدي من ولدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقيل له: ومن المهدي من ولدك؟ قال الخامس من ولد السابع(٩٧٣) يغيب عنهم شخصه ولا يحل لهم تسميته)، وقال: (الإمام عَلَم فيما بين الله (عزَّ وجلَّ) وبين خلقه فمن عرفه كان مؤمناً ومن أنكره كان كافراً) وقال: (من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية كفر وشرك وضلال)(٩٧٤).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (من أنكر واحد من الأحياء فقد أنكر الأموات)، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما انزل على محمد ومن أنكر عيسى فقد كفر ومن لم يؤمن بالقدر خيره وشره فقد كفر...)(٩٧٥)، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من كذب بالدجال فقد كفر ومن كذب بالمهدي فقد كفر)(٩٧٦).
ولا يكون الأذى والبغض والجحود هو أشد ما يكون عند إنكار خاتم الحجج من الأئمة (عليهم السلام)، ويتطرق المصنف في حديثه بان صاحب زماننا (عجّل الله فرجه) حفظ أهل الإيمان والمعرفة وقته وزمانه وعلاماته وشواهد أيامه ووقت ولادته ونسبه وهم على يقين من أمره في حين غيبته ومشهده وأغفل هذا أهل الجحود والإنكار والعناد وفي صاحب الزمان قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (الأنعام، آية: ١٥٨) سئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن هذه الآية فقال: (الآيات هم الأئمة والآية المنتظرة هو القائم (عليه السلام) فإذا قام لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف وإن آمنت بمن تقدم من آبائه (عليهم السلام))(٩٧٧)، وعنه (عليه السلام) قال: (ما زالت الأرض إلا ولله تعالى ذكره فيها حجة من الأرض إلا أربعين يوماً قبل القيامة فذا رفعت الحجة أغلق باب التوبة ولن ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أن ترفع الحجة أولئك شرار خلق الله تقوم عليهم القيامة)(٩٧٨).
وفي وجوب معرفة إمام الزمان (عجّل الله فرجه) أو الجهل به، ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (من مات لا يعرف إمامه مات ميته جاهلية)(٩٧٩)، وعن ابا جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (من مات لا يعرف إمامه مات ميته جاهلية كفر ونفاق وضلال)، وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (من مات وليس له إمام مات ميته جاهلية)(٩٨٠)، وينقل المفيد هذا الحديث ويعلق على الحديث بانه متسالم بين الأمة على صحته وقبوله وهو خبر صحيح يشهد به إجماع أهل الأثر وانه خبر متواتر وقد رواه علماء المذاهب الإسلامية الكبرى كافة الشيعة الامامية والزيدية واهل السنة وان مدلول الخبر لزوم وجود الإمام لزوم معرفة المسلم به ولم يتضمن وجوب ظهوره وعدم غيبته فالاعتقاد بالغيبة لا ينافي مدلول الخبر(٩٨١).
ولعل الحكمة من هذا الأمر وعلمها عند الله انه بما حصل للأنبياء والرسل على طول المدد والسنين السابقة والأزمان الماضية أنه تعالى أراد للبشرية حجة بالغة شاملة بترتيب أوسع من طول المدة وانتظار وحيرة واختلاف على يثبت حجته على الناس بما كان قبله ويثبت لهم ما أراده من صلاح للبشرية على يد هذا الإمام الغائب بعد أن كان الأنبياء والأوصياء واحداً تلو الآخر تكذبهم الأمم فجعل في طول الغيبة حكمة ما تعرف حين ظهوره المقدس ولعلها تقرب لعقول الناس صلاحهم وخيرهم الذي أراده الله لهم، أما من ينكر الغيبة نقول له ما هو الضرر الواقع عليك من غيبة الإمام حتى تنكرها وهل هناك ما يدخل الخوف على المنكرين وان كانوا لا يعتقدون بها رغم ما ورد فيها من الأخبار فترك الحديث عنها بالنسبة لمنكرها أجود له من الحديث والمعارضة وأما الحديث فيها فهو اعتراف هواجس المنكرين بوجود شيء وهل من المعقول عند كل منكر لم يصح عنده ولا خبر في شأن الغيبة وخاصة أن بعض أخبارها نقل من غير الامامية فالإنكار هو نتيجة البحث من جانب واحد والنظر بعين واحده، فأن الله سبحانه فعله كله خير ولا يريد لنا الا الخير والنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خير ولا يريد لنا الا الخير والأئمة (عليهم السلام) كلهم خير ولا يريدون لنا الا الخير فأخبرونا بالغيبة وصاحبها وبشروا المنتظرين لها بالخير، وحذروا المنكرين لها.
وكما استطالت غيبة موسى (عليه السلام) وأنكره البعض فأن المنكر للإمام الحجة (عجّل الله فرجه) ومنكر لغيبته فقد أخذ طريقاً بالضد لما أخبر به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما أخبر به الأئمة عن حكمة الله فيها، وينقل الصدوق عدة اخبار في الفضل والانكار منها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (القائم من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي وشمائله شمائلي وسنته سنتي يقيم الناس على ملتي وشريعتي ويدعوهم إلى كتاب ربي (عزَّ وجلَّ) من أطاعه فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني ومن أنكره في غيبته فقد أنكرني ومن كذبه فقد كذبني ومن صدقه فقد صدقني إلى الله أشكو المكذبين لي في أمره والجاحدين لقولي في شأنه والمضلين لأمتي في طريقه ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: ٢٢٧)،(٩٨٢) وعن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني) وقال: (من أنكر القائم من ولدي في زمان غيبته فقد مات ميتة جاهلية) ويروى عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات وليس له إمام مات ميته جاهلية...، وأن سلمان قال: يا رسول الله أنك قلت من مات وليس له إمام مات ميته جاهلية من هذا الإمام؟ قال: من أوصيائي يا سلمان فمن مات من أمتي وليس له إمام منهم يعرفه فهي ميتةً جاهلية فإن جهلة وعاداه فهو مشرك وانه جهله ولم يعاده ولم يوال له عدواً فهو جاهل وليس بمشرك)(٩٨٣).
وقد ورد هذين الحديثين السابقين عند بعض المؤرخين بتفاوت يسير تطابق مع سياق الحديث وبطرق مختلفة(٩٨٤)، ومن موارد الإنكار للإمام الحجة (عجّل الله فرجه) ورد عن الإمام علي ابن الحسين (عليه السلام) قال: (لو قد قام المهدي لأنكره الناس لأنه يرجع إليهم شاباً وهم يحسبونه شيخاً كبيراً)(٩٨٥)، وهذا مثل ما حصل مع النبي صالح (عليه السلام).
ويطرح الراوندي رداً في سبب الغيبة يقول فيه: (بقي علينا ان نبين سبب غيبته عليه الصلاة والسلام هو السبب المُحوجُ للأنبياء إلى الغيبة: مثل هرب موسى (عليه السلام) الذي دل عليه القرآن حيث قال تعالى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ (الشعراء: ٢١)، وهرب يونس(٩٨٦) (عليه السلام) ودخول ابراهيم (عليه السلام) النار ودخول نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الغار فإذا لم يوجب هرب الأنبياء خللاً في نبوتهم فبأن لا يوجب هرب الإمام مع أن الأعداء الآن أكثر)(٩٨٧).
ثم يحاول الصدوق برد إنكار المخالفين للغيبة موضحاً لهم أن من أخبر بوقوعها وطولها هو النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبالإخبار الصحيحة ونقل هذا الأمر المقربون والمخالفون فأن أنكرتم الغيبة التي أخبر بها النبي أي أنكم طعنتم في نبوته لأنه أخبر عن وقوع الغيبة بمن لم تقع به وان كذبتم ما أخبر به في شيء لم يكن نبياً فكيف يصدق فيما أخبر به في عمار بن ياسر انه تقتله الفئة الباغية وفي أمير المؤمنين (عليه السلام) انه تخضب لحيته من دم رأسه وفي الحسن (عليه السلام) انه يقتل في السم وفي الحسين (عليه السلام) انه يقتل في السيف وتصدق هذه ولا تصدق فيما أخبر به من أمر القائم ووقوع الغيبة به والتعيين له باسمه ونسبه بلى وهو (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صادق في جميع أقوله فلا يصح إيمان عبد حتى يسلم له في جميع الأمور لا يخالطه شك فهذا هو الإسلام والانقياد(٩٨٨).
هنا يريد ان يحتج عليهم بأن هذه الأخبار أخبر بها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل وقوعها ثم تحققت فكيف تكذبون بما أخبر به لمستقبل الإسلام والإمام الغائب الذي سينشر العدل وانه لا يجوز لكم تصديق جزء من الأخبار الصحيحة وتكذيب جزء بما أخبر به فهو التشكيك في النبوة وصدق الحديث الذي نقل بطرق صحيحة وتصدقون ما هو مشكوك به.
ورد في الأخبار ان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يحدث ابن عباس عن الأئمة (عليهم السلام) وعن أسمائهم وفضلهم وقربهم منه إلى أن قال: (يا بن عباس من أتى يوم القيامة عارفاً بحقهم أخذت بيده فأدخلته الجنة، يا بن عباس من أنكرهم أو رد واحداً منهم فكأنما قد أنكرني ومن أنكرني وردني فكأنما أنكر الله ورده...)(٩٨٩)، وورد عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (اشتد غضب الله على من آذاني في عترتي)(٩٩٠).
وورد عن جابر بن عبد الله انه شاهد اللوح الذي أهداه الله إلى نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد كان عند الزهراء (عليها السلام) وقد اطلع عليه جابر وشاهد فيه أسماء الأئمة (عليهم السلام) ومما جاء فيه: (... إلا وجحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي...)(٩٩١) وجاء في الأخبار عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل ورد فيه: (انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله فأن أحب الأعمال إلى الله (عزَّ وجلَّ) انتظار الفرج...)(٩٩٢)، وعن الصادق (عليه السلام) قال: (طوبى لمن تمسك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية...)(٩٩٣).
وبحسب اعتقادنا برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإخباره بالمغيبات والأمور المستقبلية وان ما قاله في السابق قد تحقق كله منها: ما قاله لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) بأنه سيقتل ووصف له قاتله ويضرب على هامته وتخضب منها لحيته فكان كما أخبره ومن ذلك اخباره بقتل الحسين (عليه السلام) ووصفه الموضع الذي يقتل فيه وحصل مثل ما قال وغيرها من الأخبار التي تحققت(٩٩٤)، ومن ذلك إخباره بالحجة الغائب القابض على مواريث الأنبياء (عليهم السلام) فالواجب التصديق له وغيبته كغيبتهم وسببها كسبب غيبتهم.
ولتقريب هدف الغيبة وإيجابياتها وما اعد لها، على هذا الأساس ندرس موقف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لنجد أن عملية التغيير التي اعد لها ترتبط من الناحية التنفيذية كأي عملية تغيير اجتماعي اخرى بظروف موضوعية تساهم في توفير المناخ الملائم لها ومن هنا كان من الطبيعي أن توقت على وفق لذلك ومن المعلوم أن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لم يكن قد اعد لعمل اجتماعي محدود ولا لعملية تغيير تقتصر على هذا الجزء من العالم أو ذاك لان رسالته التي ادخر لها من قبل الله سبحانه هي تغيير شامل واخراج كل البشرية من الظلمات إلى نور العدل وعملية التغيير الكبرى هذه لا يكفي في ممارستها مجرد وصول الرسالة والقائد الصالح والا لتمت شروطها في عصر النبوة بالذات وانما تتطلب مناخاً عالمياً مناسباً وجواً عاماً مساعداً يحقق الظروف الموضوعية المطلوبة لعملية التغيير العالمية، فمن الناحية البشرية يعتبر شعور إنسان الحضارة بالنفاذ عاملاً أساسياً في خلق المناخ المناسب لتقبل رسالة العدل الجديدة وهذا الشعور بالنفاذ يتكون ويترسخ من خلال التجارب الحضارية المتنوعة التي يخرج منها إنسان الحضارة مثقلاً بسلبيات ما بنى مدركاً حاجته إلى العون متلفتاً بفطرته إلى الغيب والمجهول(٩٩٥).
وعن فضل انتظاره والإيمان بغيبته وبصاحب الغيبة ومالها من الأجر لمواليهم منها أخرج الصدوق بسنده عن أبي عبد الله عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال: (المنتظر لأمرنا كالمتشحط(٩٩٦)، بدمه في سبيل الله)(٩٩٧)، وورد هذا الحديث في مصادر اخرى ضمن أحاديث طوال للإمام علي (عليه السلام) مع أصحابه(٩٩٨).
في رواية أخرجها المصنف بسندها عن عبد الحميد الواسطي(٩٩٩)، يخاطب الامام الباقر (عليه السلام) قال: (قلت له أصلحك الله لقد تركنا أسواقنا انتظاراً لهذا الأمر، فقال: يا عبد الحميد أترى من حبس نفسه على الله (عزَّ وجلَّ) لا يجعل الله له مخرجاً؟ بلى والله ليجعلن الله له مخرجاً رحم الله عبداً حبس نفسه عليناً رحم الله عبداً أحيا أمرنا، قال: قلت: فإن مت قبل أن أدرك القائم؟ قال: (القائل منكم أن لو أدركت قائم آل محمد نصرته، كان كالمقارع بين يديه بالسيف لا بل كالشهيد)(١٠٠٠).
روى الحديث البرقي بسنده عن عبد الحميد الواسطي كما هو عند الصدوق وفيه: (والشهيد معه له شهادتان)(١٠٠١)، أخرج الكليني الحديث هذا ضمن حديث طويل ذكره في كتابه بنفس السند(١٠٠٢)، وأخرجه صاحب البحار كما ورد عند البرقي(١٠٠٣).
ويروي الصدوق بسنده في أجر من مات وهو معتقد بالإمام الغائب وغيبته، عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (من مات منكم على هذا الأمر له كمن كان في فسطاط(١٠٠٤) القائم (عليه السلام))(١٠٠٥)، رواه عدد من المؤرخين بنفس النص الوارد عند الصدوق عن الصادق (عليه السلام)(١٠٠٦)، ودلالته كما في الحديث السابق، وورد عنه (عليه السلام) قال: (من مات على هذا الأمر كان بمنزلة من حضر مع القائم (عليه السلام) وشهد مع القائم (عليه السلام))(١٠٠٧).
وفي رواية طويلة أخذنا موضع الحاجة منها أخرجها المصنف لحديث دار بين الإمام الصادق (عليه السلام) مع أحد أصحابه سأله عن فضل العبادة مع الإمام المستتر أفضل أم مع ظهور الحق ودولته أو مع الإمام الظاهر منهم فقال (عليه السلام): (... الصدقة والله في السر أفضل من الصدقة في العلانية وكذلك عبادتكم في السر مع إمامكم المستتر في دولة الباطل أفضل لخوفكم من عدوكم في دولة الباطل...) ثم يحدثه عن فضل الإيمان والصلاة والتقية وعن وفضل من عاصر الأئمة ومدى إخلاصهم مع صبرهم على دينهم وعبادتهم وطاعتهم لأئمتهم منتظرين لدولة الحق، ثم يصف دولة العدل التي يستقيم فيها حال البلاد والعباد واجتماع الكلمة التي يرد فيها الله الحق إلى أهله ويؤلف القلوب وتقام الحدود حتى يصل الحديث إلى فضل من يحب أن يكون من أصحاب القائم (عجّل الله فرجه) قال الإمام الصادق (عليه السلام): (...لا يموت منكم ميت على الحال التي أنتم عليها إلا كان أفضل عند الله (عزَّ وجلَّ) من كثير ممن شهد بدراً وأحد(١٠٠٨)، فأبشروا)(١٠٠٩) وورد عنه (عليه السلام) قال: من مات منتظراً لهذا الأمر كان كمن كان مع القائم في فسطاطه لا بل كان كالضارب بين يدي رسول الله بالسيف)(١٠١٠).
ورد الحديث الاول بنصه في الكافي بسند مختلف(١٠١١)، والثاني ورد في كتاب الامامة والتبصرة(١٠١٢)، ونقلهما المجلسي عن الصدوق بلا اختلاف(١٠١٣).
وينقل الصدوق رواية بسنده عن أن أحد أصحاب أن الامام الرضا (عليه السلام)حدثه قائلاً: (ما أحسن الصبر وانتظار الفرج أما سمعت قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ (هود: ٩٣)، ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (الاعراف: ٧١)، فعليكم بالصبر فإنه إنما يجيء الفرج على اليأس فقد كان الذين من قبلكم أصبر منكم)(١٠١٤)، وأخرج هذه الرواية العياشي في تفسيره(١٠١٥) وكذلك وردت عند بعض المتأخرين(١٠١٦).
ودلالة هذه الأحاديث مجتمعة في إشارتها لفضل الإيمان بالإمام الغائب وان انتظاره على وفق هذه الروايات هنا لا يحده زمن فقد بشر الأئمة أصحابهم في زمنهم بهذا الفضل فأنه حتى من يموت معتقداً بالإمام الغائب وفي إيمانه ونيته انتظاره ونصرته فله أجر كمن يقاتل معه وأجر الشهيد وهذا من باب إحياء أمرهم هو أن تؤمن بهم وتؤمن بما قالوا وأن تحبس نفسك على قولهم فأن فيهم رحمة الله لقولهم الحق كما هو واضح في الحديث أن الإمام يترحم على من يحيي أمرهم ويحبس نفسه على طاعتهم فأن الله يجعل له مخرجاً وذلك ان أدرك قائمهم اما من مات قبله فله أجر كمن كان معه لأنه قد وطن نفسه على هذا الأمر وبشارة الأئمة بالعمل على الانتظار والتزام الطاعة ومكارم الأخلاق فلهم ما تمنوا حتى قبل أن يدركوا القائم (عجّل الله فرجه) والوصية من الأئمة (عليهم السلام) بالصبر وانتظار الفرج وعدم اليأس كما هو وارد في الرواية الأخيرة عن الإمام الرضا (عليه السلام) فأن الذين من قبلكم هم أصبر منكم لما تحملوا من أذى الدول الحاكم لموالاتهم لمحمد وآل محمد وهم بالرغم من كونهم معاصرين للأئمة (عليهم السلام) كذلك لهم الأمل بأن يدركوا دولة القائم من آل محمد ومن المرجح أن الأئمة (عليهم السلام) بوصيتهم يؤكدون على مواليهم بالصبر وانتظار الفرج وعدم اليأس في أي زمان من الأزمنة.
وكما حذر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) من إنكار الإمام وغيبته بما أشير له في الروايات السابقة أن مات دون أن يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، كذلك بشروا بالأجر والفضل لمن صدق به وآمن بقولهم في غيبته حتى وان مات له أجر كمن كان معه وقاتل تحت لوائه ومن آمن به ولم يدركه له أجر الشهيد معه، ويمكن أن يقال أن في الانتظار إيجابية فمردودها على الشخص المؤمن بالقضية المهدوية حيث يكون الانتظار للقضية التي تقضي على الظلم والفساد وبناء الدولة العادلة فيوطن الشخص نفسه على الالتزام بتعاليم الدين والإيمان بما أوصى به محمد وآل محمد (عليهم السلام) والاقرار بولايتهم والبراءة من أعدائهم ويؤمن هذا الفرد بمواصفات المؤمنين بالغيبة والظهور التي وضحها أهل البيت فتتولد لدى هذا الفرد رغبة في أن يكون من ضمن أنصار هذا الإمام الغائب وجزء من هذه المنظومة التي سيقودها هذا المصلح العالمي من خلال التحلي بالصبر وعدم اليأس والانتظار الحقيقي من دون تشكيك مما يؤهله على أن يكون من أنصاره عند ظهوره وأن مات منتظراً له ومؤمن به يكون أجره كأجر من أدركه.
وبهذا يكفي قولاً ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) يجمع مضامين الروايات السابقة في الانتظار وفضله، قال: (ألا أُخبركم بما لا يقبل الله (عزَّ وجلَّ) من العباد عملاً إلا به، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده والإقرار بما أمر الله والولاية لنا والبراءة من أعدائنا - يعني الأئمة خاصة - والتسليم لهم والطمأنينة والانتظار للقائم (عليه السلام)، ثم قال: إن لنا دولة يجيء الله بها إذا شاء، ثم قال من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه فجدوا وانتظروا هنيئاً لكم أيتها العصابة المرحومة)(١٠١٧).
المبحث الرابع: أوجه التشابه ما بين الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) والأنبياء (عليهم السلام) وأمثلة من المعمرين والاستدلال بهم على طول عمره الشريف:
أولاً: أوجه التشابه ما بين الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) والأنبياء (عليهم السلام):
يتبادر للذهن ما هي أوجه التشابه الواقعة ما بين الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) والأنبياء (عليهم السلام) هنا يطرح الصدوق استشكالات اعترضته ثم يضع لها ردود في إثبات المشاكلة وأوجه التشابه ما بين الأنبياء وجميع الأئمة (عليهم السلام) بصورة عامة، يقول: (مما عرضه خصومنا أن قالوا: ولم أوجبتم في الأئمة ما كان واجباً في الأنبياء... فإن الأئمة ليسوا كالأنبياء فغير جائز أن يشبه حال الأئمة بحال الأنبياء... ولن يستقيم لكم قياسكم في تشبيهكم حال الأئمة بحال الأنبياء (عليهم السلام) إلا بدليل مقنع)(١٠١٨).
يجيب المصنف على هذا الأمر بأنهم لو كانوا من أهل التفكير والتدبر وتركوا العصبية والعناد لوجدوا أن ما جاز في الأنبياء هو واجب لازم في الأئمة (عليهم السلام) فالأئمة هم خلفاء الأنبياء وأوصيائهم والقائمون بحجة الله على من يكون بعدهم كيلا تبطل حجج الله وشرائعه وما دام التكليف قائماً على العباد والامر لهم لازماً ولو وجبت المعارضة لجاز لقائل أن يقول: (أن الانبياء هم حجج الله فغير جائز أن يكون الأئمة حجج اذ ليسوا بالأنبياء ولا كالأنبياء... فغير جائز أن يسموا أئمة لأن الأنبياء كانوا أئمة وهؤلاء ليسوا بأنبياء... وغير جائز أن يقوموا بما كان يقوم به الرسول من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... اذ ليسوا كالرسول ولا هم برسل...)(١٠١٩).
والدليل هنا ممكن ان يكون أي إنسان عادي من عامة الناس أمن بالرسول موحداً لله ان يدعو للهداية والتوحيد والتقرب لله وجائز أن يكون هذا الشخص داعياً إلى الله فكيف بحال الأئمة (عليهم السلام) ولم نقول أنهم أنبياء وقد نص عليهم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبفضلهم على عامة الناس، وانهم ورثة الأنبياء بالعلم الذي ساقه الله إليهم عن طريق نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ورد عن الإمام ابي جعفر (عليه السلام) انه تحدث عن خلق الخلق في حديث طويل إلى أن تلى قول الله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ (الاعراف: ١٧٢)(١٠٢٠)، بعدها قال: (ثم أخذ الميثاق على النبيين فقال: ألست بربكم؟ ثم قال أن هذا محمد رسولي وان هذا علي أمير المؤمنين، قالوا: بلى فثبتت لهم النبوة، وأخذ الميثاق على اُولي العزم الا إني ربكم ومحمد رسولي وعلي أمير المؤمنين وأوصيائه من بعده ولاة أمري وخزان علمي وان المهدي أنتصر به لديني وأظهر به دولتي وانتقم به من أعدائي واُعبد به طوعاً وكرهاً قالوا: أقررنا وشهدنا يا رب...)(١٠٢١).
جاء في الخبر عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يا عبد الله اتاني ملك فقال: يا محمد ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا﴾ (الزخرف: ٤٥)، على ما بعثوا؟ قلت على ما بعثوا قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب)(١٠٢٢)، وفي حديث ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) من جملة ما جاء فيه قال: (ونحن أولى الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)... ونحن ورثة الأنبياء ونحن ورثة أولي العزم من الرسل...)(١٠٢٣).
وهذا الذي فضلوا به ولم يقل أحد عنهم أنهم أنبياء بل ورثة العلوم التي هي مفتاح كل شيء وليس بغريب أن يمتلك محمد وال محمد صفات وعلم الأنبياء ويمكن أن نحتج على أي شخص يقول بغير ذلك وحجتنا هي مثلاً تفسير القران الكريم وشرحه فسره علماء عاديون لهم درجة معينة من العلم ليس طعناً فيهم أو في تفاسيرهم لكن على سبيل المثال نقول من أعطى لهم الحق بتفسير القرآن حتى في عصرنا الحديث وأغلب المسلمين يرجعون إليها، ومنها ورد حديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (علماء امتي كأنبياء بني اسرائيل)(١٠٢٤) وورد عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (العلماء ورثة الأنبياء...)(١٠٢٥)، فكيف بالقريب من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهم الأئمة (عليهم السلام) وهم أولى بذلك وفيهم النص بالوصاية ولا نقول بأنهم أنبياء بل هم ورثة هذه العلوم من الأنبياء ومن جدهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
يضع المصنف إثبات المشاكلة والتشابه ما بين الأئمة والأنبياء (عليهم السلام) فهم حجج الله على الخلق كما كانت الأنبياء حججه على العباد وفرض طاعتهم لازم كفرض طاعة الأنبياء قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ (النساء: ٥٩)، وقوله تعالى ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: ٨٣)(١٠٢٦)، فولاة الأمر هم الأوصياء والأئمة بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وطاعتهم مقرونة بطاعة الرسول وقد أوجب طاعة الرسول من طاعة الله (عزَّ وجلَّ) قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ (النساء: ٨٠)(١٠٢٧)، وإذا كان الأئمة (عليهم السلام) حجج الله على من لم يلحق بالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما أن الرسول حجة على من لم يشاهده في عصره لزم من طاعة الأئمة ما لزم من طاعة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو أفضل منهم فحال الأئمة من حال الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)(١٠٢٨).
عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأنبياء ورضا الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته، ثم قال أن الله تعالى يقول ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ اما لو أن رجلاً قام ليله وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله فيواليه ويكون جميع أعماله بولاية منه اليه ما كان له على الله حق في ثوابه ولا كان من أهل الإيمان)(١٠٢٩)، وعن ابي ذر (رضي الله عنه) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعلي: (من فارقني فقد فارق الله ومن فارقك فقد فارقني)(١٠٣٠).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (انما مثل علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومثلنا من بعده في هذه الأمة كمثل موسى النبي والعالم (عليهما السلام) حيث لقيه واستنطقه وسأله الصحبة فكان من أمرهما ما اقتصه الله لنبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)... وقد كان عند العالم علم لم يكتبه لموسى في الالواح وكان موسى يظن ان جميع الأشياء التي يحتاج اليها في نبوته... كما يظن هؤلاء الذين يدعون انهم علماء وفقهاء وانهم قد اتقنوا جميع الفقه والعلم في الدين مما تحتاج هذه الامة اليه... وليس كل علم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) علموه ولا صار إليهم عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا عرفوه... فلو أنهم سئلوا عن شيء من دين الله فلم يكن عندهم فيه أثر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ردوه إلى الله والى الرسول والى أُولي الامر منهم لعلمه الذي يستنبطون العلم من آل محمد (عليهم السلام) والذي يمنعهم من طلب العلم منا العداوة لنا والحسد... وعلمنا ورثناه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يرغبوا إلينا في علمنا كما رغب موسى ذلك علم العالم أن موسى (عليه السلام) لا يستطيع صحبته ولا يتحمل أمره ولا يصبر معه... قال له العالم: ﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ (الكهف: ٦٧)، كذلك... حال قضاة هؤلاء وفقهائهم وجماعتهم اليوم لا يتحملون والله علمنا... وهو عند الله حق)(١٠٣١).
عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (ان الله (عزَّ وجلَّ) أرسل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الجن والانس وجعل من بعده اثني عشر وصياً منهم من سبق ومنهم من بقي وكل وصي جرت به سنة الأوصياء الذين من بعد محمد عليه وعليهم السلام على سنة أوصياء عيسى (عليه السلام) وكانوا اثني عشر...)(١٠٣٢)، ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (الفضل لمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو المقدم على الخلق جميعاً لا يتقدمه أحد وعلي (عليه السلام) المتقدم بعده والمتقدم بين يدي علي (عليه السلام) كالمتقدم بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكذلك يجري الأئمة من بعده واحداً بعد واحد جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها... لا يهتدي هاد من ضلالة الا بهم ولا يضل خارج من هدى الا بتقصير عن حقهم، وشهداء الله على ما أهبط الله من علم أو عذر أو نذر وشهداؤه على خلقه والحجة البالغة على الأرض جرى لآخرهم من الله مثل الذي جرى لأولهم...)(١٠٣٣).
وفي حديث طويل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد أن يذكر الأئمة وانهم تسعة من صلب الحسين (عليه السلام) إلى أن يقول: (انهم الأوصياء والخلفاء بعدي أئمة أبرار عدد أسباط يعقوب وحواري عيسى... أولهم وسيدهم علي بن أبي طالب وسبطاي وبعدهما زين العابدين علي بن الحسين وبعده محمد بن علي باقر علم النبيين والصادق جعفر بن محمد وابنه الكاظم سمي موسى بن عمران والذي يقتل بأرض الغربة ابنه علي ثم ابنه محمد والصادقان علي والحسن والحجة القائم المنتظر في غيبته فأنهم عترتي ومن دمي ولحمي علمهم علمي وحكمهم حكمي من آذاني فيهم فلا أناله الله شفاعتي)(١٠٣٤).
ويوضح المصنف بعض ما يقوله الخصوم في نفي التشابه بين الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) بقولهم أن ما يفسد تعارض الخصوم في نفي التشاكل ما بين الأئمة والأنبياء (عليهم السلام) أن الرسل الذين تقدموا قبل عصر نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان أوصياؤهم أنبياء فكل وصي قام بوصية حجة تقدمه من وقت آدم (عليه السلام) كان وصيه شيث ابنه وهو هبة الله وكان نبيا ووصي نوح (عليه السلام) سام ابنه وكان نبيا ووصي إبراهيم (عليه السلام) ابنه إسماعيل وكان نبيا ووصي موسى (عليه السلام) يوشع بن نون وكان نبيا ووصي عيسى (عليه السلام) شمعون الصفا وكان نبيا ومثل داوود (عليه السلام) وصيه سليمان (عليه السلام) وكان نبيا وأوصيا نبيا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يكونوا أنبيا لان الله جعله خاتماً لهذه الأمم كرامة له وتفضيلاً فقد تشاكل الأنبياء والأئمة بالوصية وكما تقدم فالنبي وصي والإمام وصي والوصي إمام والنبي إمام والنبي والإمام حجة فليس هناك أشبه من تشاكل الأئمة والأنبياء(١٠٣٥).
وبسند صحيح متصل عن الإمام ابو جعفر الباقر (عليه السلام) يذكر فيها الوصية من الأنبياء إلى الاوصياء من آدم (عليه السلام) واحداً واحداً إلى زمن نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى أن قال: (فلما قضى محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نبوته واستكملت أيامه أوحى الله إليه: يا محمد قد قضيت نبوتك واستكملت أيامك فاجعل العلم الذي عندك والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم عند علي بن أبي طالب (عليه السلام) فاني لم أقطع العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وأثار علم النبوة من العقب من ذريتك كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين أبيك آدم... ولا أضيع الإيمان الذي أرسلتك به من أهل بيتك من بعدك...)(١٠٣٦)، وسئل الإمام الباقر (عليه السلام)عن قول الله تعالى: (وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: ١٦)، قال: (النجم محمد والعلامات الأوصياء (عليهم السلام))(١٠٣٧).
وهذا العلم المشار اليه في الروايات حتماً سيكون مع الحجة (عجّل الله فرجه) إذ يورد المصنف حديثاً انفرد بذكره يروى عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (إن العلم بكتاب الله (عزَّ وجلَّ) وسنة نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لينبت في قلب مهدينا كما ينبت الزرع على أحسن نباته فمن بقي منكم حتى يراه فليقل حين يراه: السلام عليكم يا أهل بيت الرحمة والنبوة ومعدن العلم وموضع الرسالة)(١٠٣٨).
ولو تأملنا أخبار الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأن الأرض تملأ قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً وان العدل والقسط سيكون على يد رجل من عترته وان القيامة لا تقوم على هذه الأمة الا بعد ما ملئت الأرض عدلاً وهذا الدين سيكون له ناصر مؤيد من الله كما أيد الأنبياء والرسل لما بعثهم لتجديد الشرائع وإزالة ما فعله الظالمون فوجب ذلك ان تكون الدلائل على من يقوم بما وصفناه موجودة غير معدومة فالإمام الثاني عشر هو الذي أخبر به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونص عليه واخبر آباؤه به وبغيبته وقيامه بالسيف(١٠٣٩)، ويروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (للقائم منا سنن من الأنبياء (عليهم السلام) سنة من نوح وسنة من إبراهيم وسنة من موسى وسنة من عيسى وسنة من أيوب(١٠٤٠)، وسنة من محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأما من نوح (عليه السلام) فطول العمر واما من إبراهيم فخفاء الولادة واعتزال الناس واما من موسى فالخوف والغيبة وأما من عيسى فاختلاف الناس فيه واما من أيوب (عليه السلام) فالفرج بعد البلوى وأما من محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فالخروج بالسيف)(١٠٤١).
وقيامه بالسيف هو إشارة لإحياء السنة والقتال عليها فقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (هو رجل من عترتي يقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي) أي يقاتل على لتحكيم سنة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتطبيقها كما قاتل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أجل القرآن(١٠٤٢).
وسأل أحد أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (أخبرني عن القائم، قال: والله ما هو أنا ولا الذي تمدون اليه أعناقكم ولا يعرف... قلت: بما يسير، قال: بما سار به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(١٠٤٣)، وعن أبي عبد الله (عليه السلام): (أنه سئل عن القائم، فقال كلنا قائم بأمر الله واحداً بعد واحد حتى يجيء بصاحب السيف فإذا جاء صاحب السيف جاء بأمر غير الذي كان)(١٠٤٤)، فبعد الغيبة يكون ظهوره لإقامة الحدود وتنفيذ الاحكام وان اختفاءه لتعطيل كثير من حدود الشريعة وان الله عز وجل والإمام (عجّل الله فرجه) ليسا سبب للغيبة والا لزم ترك الواجب وهو محال وان السبب هو عدم وجود الناصر وامتناع صلاحية الحاضر فإذا حصل المساعد على تنفيذ اموره وصلحت الامة لحضوره لظهر بأمر ربه فيملأ الدنيا عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلما وجوراً(١٠٤٥).
وما هذه كلها دلالات واضحة على فضلهم وسعة علمهم بما ورثوه من الأنبياء وأنهم ليسوا أنبياء وإنما أوصياء النبي واحداً تلو الآخر حتى صاحب الزمان (عجّل الله فرجه)، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (ألا أن العلم الذي هبط به آدم من السماء إلى الأرض وجميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين في عترة خاتم النبيين)(١٠٤٦)، وجاء عن الامام ابو عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (ان داود ورث علم الأنبياء وان سليمان ورث داود وان محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ورث سليمان وإنا ورثنا محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإن عندنا صحف إبراهيم وألواح موسى)(١٠٤٧).
وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (الأئمة بعدي اثنا عشر عدد شهور الحول وأما مهدي هذه الأمة له هيبة موسى وبهاء عيسى وحكم داود وصبر أيوب)(١٠٤٨)، وبالتالي أن هذا كله عند الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) كما ذكر في السابق من الأحاديث انه يأتي بسنن جميع الأنبياء (عليهم السلام) فالمشاكلة ما بين الأئمة والأنبياء واضحة وموردها فيه النفع هو إقامة السنن ونقل العلوم وما خفي من الناس يظهره الأئمة ويكون ذلك على يد قائمهم (عجّل الله فرجه) ونشر العدل حين ظهوره وبالقضية المهدوية ينتصر الدين وان عظمتها وصدق الغيبة وقائدها هي بالوصف العظيم الذي سبقها وحجم المسؤولية التي سيؤديها.
ومن هذا فإن للمصنف احتجاجاً واضحاً ورد في مضمونه أنه كل ما كان جائز للأنبياء فهو جائز ويجري في الأئمة فلو جاز لاحد أن يجحد امامة صاحب زماننا لغيبته بعد وجود من تقدمه من الأئمة (عليهم السلام) لوجب أن تدفع نبوة موسى بن عمران (عليه السلام) لغيبته اذ لم يكن كل الأنبياء كذلك، فلما لم تسقط نبوة موسى لغيبته وصحت نبوته مع الغيبة صحت نبوة الأنبياء الذين لم تقع بهم غيبة فكذلك صحت إمامة صاحب الزمان مع غيبته كما صحت إمامة من تقدمه من الأئمة الذين لم تقع بهم غيبة(١٠٤٩).
وهذا احتجاج واضح وجلي لا يحتاج إلى توضيح ولا ينكر أي معترض ان لبعض الأنبياء (عليهم السلام) غيبة وهم القلة منهم وليست لغيرهم وكذلك حال الأئمة تقر بأنهم اثنا عشر ولا تعترف بالغائب وان معرفتنا بكل هذا هو عن طريق النقل وقسم منه توضح مضمون النقل والتفسير بالعقل وتقر ببعضه وتنكر الآخر فختاماً لحجج الله ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انه قال: (لا تقوم الساعة حتى يقوم قائم للحق منا وذلك حين يأذن الله (عزَّ وجلَّ) له ومن تبعه نجا ومن تخلف عنه هلك، الله الله عباد الله فأتوه ولو حبواً على الثلج فأنه خليفة الله (عزَّ وجلَّ))(١٠٥٠).
وقد ثبت تشابه صاحب زماننا (عجّل الله فرجه) مع الأنبياء في غيبته بغيبة موسى (عليه السلام) وغيره ممن وقعت بهم الغيبة وذلك أن غيبة صاحب الزمان وقعت من جهة الطواغيت، فيروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): المهدي منا أهل البيت يصلح الله له أمره في ليلة)، وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) عن أحد أصحابه قال سمعته يقول: (في القائم (عليه السلام) سنة موسى بن عمران (عليه السلام))، فقلت: وما سنته من موسى بن عمران؟ قال: (خفاء مولده وغيبته عن قومه)، فقلت فكم غاب موسى عن أهله وقومه؟ فقال: (ثمان وعشرون سنة) وكذلك ويفعل الله تبارك وتعالى بالقائم الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام) يصلح الله له أمره في ليلة كما أصلح أمر نبيه موسى (عليه السلام) ويخرجه من الحيرة والغيبة إلى نور الفرج والظهور، وكما جاز أن يكون موسى (علي السلام) في حجر فرعون وهو لا يعرفه ويقتل أولاد بني إسرائيل في طلبه فكذلك جائز أن يكون صاحب زماننا موجوداً بشخصه بين الناس ويدخل مجالسهم ويمشي في أسواقهم وهم لا يعرفونه إلى أن يبلغ الكتاب أجله(١٠٥١).
ووردت هذه الأحاديث عند جملة من المصنفين منها ما ينقل عن محمد بن الحنفية عن أبيه (عليه السلام) قال، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة)(١٠٥٢)، والملاحظ في غيبات الأنبياء (عليهم السلام) والأوصياء نوع من المعجزات لان أعداءهم اذا ما أرادوا هلاكهم في خفية أو إيذاءهم وكان هلاكهم هو هلاك الدين فإذا علموا بإمارات أن خوفهم قد زال حضروا فان قصر الخوف وقصرت مدته قصرت مدة الغيبة وان طالت مدة الخوف طالت الغيبة فما كان لهم من غيبة ثم لنبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) غيبتان كذلك لمهدي آل محمد (عجّل الله فرجه) غيبة فاذا علم زوال خوفه على نفسه ظهر وانتشرت رايته واستل سيفه يقتل أعداء الله وهذا مثلما كان الزمان بعد موسى (عليه السلام) فان البشارة كانت ترد اليهم بداود (عليه السلام) وقد كان بينهم يشاهدونه ويسمعونه وهم لا يعلمون انه هو حتى جاء امر الله فخرج وقتل طالوت وبعدها اقام نبياً في بني اسرائيل وكذلك راية النبي وسيفة وحكمه سيكون عند المهدي (عجّل الله فرجه) ويقتل الطواغيت ويحكم بحكم داود(١٠٥٣)، وورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (اذا قام قائم آل محمد حكم بحكم داود وسليمان لا يسأل بينة)(١٠٥٤).
واخرج الصدوق بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (... لن يهلك منا إمام قط الا ترك من بعده من يعلم مثل علمه ويسير بسيرته ويدعو إلى مثل الذي دعا اليه وانه لم يمنع الله (عزَّ وجلَّ) ما أعطى داوود أن أعطى سليمان أفضل منه)(١٠٥٥)، وعنه عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (والذي بعثني بالحق نبياً وبشيراً لتركبن أمتي سنن من كان قبلها حذو النعل بالنعل حتى لو أن حية من بني اسرائيل دخلت في جحر لدخلت في هذه الامة حية مثلها)(١٠٥٦).
وكذلك أورد المصنف عن أبي عبد الله (عليه السلام) مخاطباً أحد أصحابه قال: (إن للقائم منا غيبة يطول أمدها، فقلت له: يأبن رسول الله ولم ذلك؟ قال: لان الله (عزَّ وجلَّ) أبى إلا أن تجري فيه سنن الأنبياء (عليهم السلام) في غيباتهم وانه لابد له... من استيفاء مدد غيباتهم قال الله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ (الانشقاق: ١٩)، اي سنن من كان قبلكم)(١٠٥٧).
ووردت الروايات الثلاثة السابقة في مصادر اخرى وبنفس السياق(١٠٥٨)، وللمقارنة مع الروايات الثلاث السابقة ورد في تفسير الآية ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ اي لتركبن سنن من كان قبلكم حالاً بعد حال(١٠٥٩)، وفي حديث لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معناها قال: (لتركبن سُنة من كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة(١٠٦٠)، ولا تخطئون طريقهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع وباعاً بباع حتى ان كان من قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه)، قال اليهود والنصارى تعني يا رسول الله؟ قال: (فمن أعني لتنقض عرى الإسلام عروة عروة فيكون أول ما تنقضون من دينكم الإمامة وآخره الصلاة)(١٠٦١) وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (المهدي من ولدي يكون له غيبة وحيرة تضل فيها الامم يأتي بذخيرة الأنبياء فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(١٠٦٢).
وينقل المصنف عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (في القائم سنة من موسى وسنة من يوسف وسنة من عيسى وسنة من محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأما سنة من موسى فخائف يترقب وأما سنة من يوسف فإن إخوته كانوا يبايعونه ويخاطبونه ولا يعرفونه وأما سنة من عيسى فالسياحة(١٠٦٣)، واما سنة من محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فالسيف)(١٠٦٤) ومثله الحديث ذكر عند الطبري(١٠٦٥)، وقال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): (إذا ظهر القائم (عليه السلام) ظهر براية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخاتم سليمان وحجر موسى وعصاه...)(١٠٦٦).
ومن النقاط المشتركة بن الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) والنبي وموسى (عليه السلام) يروي الصدوق عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (كانت عصى موسى لآدم (عليه السلام) فصارت إلى شعيب ثم صارت إلى موسى بن عمران وإنها لعندنا وإن عهدي بها آنفاً وهي خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرتها وإنها لتنطق إذا استنطقت أُعدت لقائمنا (عليه السلام) يصنع بها ما كان يصنع بها موسى بن عمران (عليه السلام) وإنها تصنع ما تؤمر وإنها حيث ألقيت تلقف ما يأفكون بلسانها)(١٠٦٧)، ورد هذا الحديث في مصادر أخرى منها سبقت عصر الصدوق ومنها بعده(١٠٦٨).
وكما ورد في غيبات الأنبياء (عليهم السلام) فكان موسى (عليه السلام) يعرفون خبره وينتظرون ولادته حتى وان كبر في وسط أعدائه وله أتباع ينتظرون قبل خروجه وخرج لهم على غير موعد وغاب عنهم بسبب الخوف والتهديد الواقع له من قبل الفرعون بعد ان قتل رجلاً من اتباعه وهذا الخوف واقع عند إمامنا بسبب خطر الطواغيت وأعداء الله فضلاً عن ذلك ستكون عصى موسى معه لتعطي دليلاً آخر على التشابه الحاصل بينه وبين الأنبياء حيث تعد نقطة وعلامة مشتركة بما ورد من روايات وسيتضح خبرها عند الظهور المقدس، أما يوسف (عليه السلام) بالرغم من قرب المسافة بينه وبين أبيه وإخوته وهو في مصر الا أنهم لم يصل لهم خبره أو التعرف على مكانه وحتى بعد ان اتصلوا به لم يتعرفوا عليه وكما ورد من الأخبار عن إمامنا يراهم ولا يرونه ولا يعرفونه، ومن عيسى انه قالوا انه مات وهو رفع بأمر الله بحسب الاعتقاد الإسلامي إلى السماء ومن نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأنه بما ورد من الأحاديث انه يقاتل على سنته ويقيم العدل ويدفع الظلم.
وجاء في الأخبار عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (ان في القائم من آل محمد شبهاً من خمسة من الرسل يونس بن متي، ويوسف بن يعقوب وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين فأما شبهه من يونس فرجوعه من غيبته وهو شاب بعد كبر السن وأما شبهه من يوسف فالغيبة من خاصته وعامته واختفاؤه عن اخوته وإشكال أمره على أبيه يعقوب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع قرب المسافة بينهما وأما شبهه من موسى (عليه السلام) فهو دوام خوفه وطول غيبته وخفاء مولده على عدوه وحيرة شيعته من بعده مما لقوا من الاذى والهوان إلى أن يأذن الله في ظهوره وأيده على عدوه وأما شبهه من عيسى (عليه السلام) فاختلاف من أختلف فيه حتى قالت طائفة ما ولد وطائفة قالت مات وطائفة قالت صلب وأما شبهه من جده محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فتجريده السيف وقتله أعداء الله وأعداء رسوله والجبارين والطواغيت وانه ينتصر بالسيف والرعب وانه لا ترد له راية...)(١٠٦٩).
ويذكر الصدوق وسمى الله (عزَّ وجلَّ) يوسف (عليه السلام) غيباً حين قص قصته على نبيه محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في كتابه الكريم قال تعالى: ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (يوسف: ١٠٢)(١٠٧٠)، فكانت هي قصة يوسف بما أخبره من حاله وما آلت إليه اموره(١٠٧١)، ومما بين الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) ويوسف (عليه السلام) يروى أن القميص الذي كان على يوسف (عليه السلام) حين القي في الجب انه منزل من الجنة وان القائم (عجّل الله فرجه) إذا خرج يكون عليه هذا القميص(١٠٧٢)، فالملاحظ إن التشابه مع الأنبياء لم يكن في الغيبة فقط وإنما في كثير من التفاصيل التي لها أثر في حياتهم وميزت سيرتهم واهما وراثة العلم.
وتفسيراً لما نقله الصدوق، ينقل عن أحد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) قال: سمعته يقول: (أتدري ما كان قميص يوسف (عليه السلام)، قال لا، قال إن إبراهيم (عليه السلام) لما أوقدت له النار نزل اليه جبرائيل (عليه السلام) بالقميص وألبسه اياه فلم يضر معه حر ولا برد فلما حضرته الوفاة جعله في تميمة(١٠٧٣)، وعلقه على اسحاق (عليه السلام) وعلقه إسحاق على يعقوب (عليه السلام) فلما ولد يوسف علقه عليه وكان في عضده حتى كان من أمره ما كان فلما أخرجه يوسف (عليه السلام) بمصر من التميمة وجد يعقوب (عليه السلام) ريحه... فهو ذلك القميص الذي أنزل من الجنة، قلت جعلت فداك، فإلى من صار هذا القميص؟ قال: إلى أهله وهو مع قائمنا (عليه السلام) اذا خرج ثم قال كل نبي ورث علماً أو غيره فقد انتهى إلى محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(١٠٧٤).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) مخاطباً أحد أصحابه قال: (إن في القائم سنة من يوسف، قلت: كأنك تذكر خبره أو غيبته؟ فقال لي: وما تنكر هذه الأمة أشباه الخنازير أن أخوة يوسف كانوا أسباطاً أولاد أنبياء تاجروا بيوسف وباعوه وهم إخوته وهو أخوهم فلم يعرفوه حتى قال لهم: أنا يوسف وهذا أخي، فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله (عزَّ وجلَّ) في وقت من الأوقات يريد أن يستر حجته عنهم لقد كان يوسف يوم ماً ملك مصر وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوماً(١٠٧٥) فلو أراد الله تبارك وتعالى أن يعرفه مكانه لقدر على ذلك والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة تسعة أيام إلى مصر فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله (عزَّ وجلَّ) يفعل بحجته ما فعل بيوسف أن يكون يسير بينهم ويمشي في أسواقهم وهم لا يعرفونه حتى يأذن الله (عزَّ وجلَّ) له أن يعرفهم نفسه كما أذن ليوسف (عليه السلام) حين قال لهم أنا يوسف فقالوا أنت يوسف)(١٠٧٦)، وروي نفس هذا الخبر في مصادر اخرى(١٠٧٧).
يطرح المصنف اعتراضاً لبعض المخالفين حول التشابه ما بين غيبة إمامنا وغيبة الأنبياء فيثيرون القول حول غيبة موسى (عليه السلام) فيقولون أن حجته لم تلزم أحداً الا بعد أن أظهر دعوته ودل على نفسه فلا تلزم حجة أمامكم ولا تجب طاعته لخفاء مكانه وشخصه حتى يظهر دعوته ويدل على شخصه(١٠٧٨)، وبالرغم مما طرح من أسباب الغيبة إلا أن السبب الرئيسي الذي يترقبه من لم يقنع بالأسباب ويشكل على الغيب انه يريد الحجة بظهوره ليستدل بها على صدق الأمر وتسليماً له هو كلام المعصوم حجة علينا، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (... قال: (إن لصاحب هذا الأمر غيبة يرتاب كل مبطل، فقلت له: ولم جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره أن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف الا بعد ظهوره كما لا ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى (عليه السلام) إلا وقت افتراقهما... أن هذا الأمر أمر من أمر الله وسر من سر الله وغيب من غيب الله ومتى علما انه (عزَّ وجلَّ) حكيم صدقنا بأن أفعاله كلها حكمة وان كان وجهها غير منكشف لنا)(١٠٧٩).
يجيب الشيخ الصدوق على اعتراضهم هذا بأن الخصوم أغفلوا عما يلزم حجة حجج الله في ظهورهم واستتارهم فقد ألزمهم الله حجته البالغة ولم يتركهم سدى فقد أخبرنا الله عن قصة موسى (عليه السلام) أنه كان له شيعة وهم بأمره عارفون وبولايته متمسكون وهم منتظرين لدعوته قبل إظهارها قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (القصص: ١٥)، وقال (عزَّ وجلَّ) عن شيعته: ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا﴾ (الأعراف: ١٢٩)، فأعلمانا الله (عزَّ وجلَّ) إن لموسى شيعة من قبل أن يظهر نفسه وقبل أن يظهر دعوته يعرفونه ويعرفهم بالمولاة له أي لموسى وهو يعرفهم أنهم موالون له ولم يكونوا يعرفون أن ذلك الشخص هو موسى (عليه السلام) بعينه(١٠٨٠).
ومن المحتمل أن المصنف أراد بهذا البيان أن يقول لهم ليس كما تريدون بأن يكون معرفتكم به علناً وانه هو الإمام وانما يمكن معرفته بغير شخصه وعنوانه قبل أن يعلن أو يفصح عن نفسه اي قبل ظهوره ولا يكون ذلك قبل المخطط له من قبل الله حتى يتم حجته بصفته وشخصه وام له شيعة ينتظرونه ومثالاً على ذلك، ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (إن للقائم غيبتين يرجع في أحداهما وفي الأخرى لا يدري أين هو يشهد المواسم يرى الناس ولا يرونه)(١٠٨١).
ويطرح المصنف وجه التشابه مثل نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقد عرف أقوام أمره قبل ولادته وبعد ولادته وعرفوا مكان خروجه ودار هجرته من قبل ظهور دعوته مثل سلمان (رضي الله عنه) وقس بن ساعده وتبع الملك وعبد المطلب وأبي طالب وغيرهم فقد عرفوه بصفته ونعته ونسبه قبل وبعد مولده فليس من حجج الله (عزَّ وجلَّ) نبي ولا وصي إلا وقد حفظ المؤمنون وقت كونه وولادته وعرفوا أبويه ونسبه في كل عصر حتى لم يشتبه عليهم بشيء من أمر حجج الله في ظهورهم وقد أغفل هذا أهل الجحود والضلال ولم يكن لهم علم بشيء من هذا(١٠٨٢)، وعندما كان يخبر به الأحبار والرهبان وأهل المعرفة بخبره بأنه سيملك المشرق والمغرب وينقاد له ملوك الأرض وكان إذا سمع منهم بأن أحدهم سأل الله تعالى بتعجيل فرج هذا النبي حتى سخر منهم أهل الجهل والضلال والكفر وقالوا متى يخرج هذا النبي الذي هو نبي السيف، وكذلك الحال بالنسبة للجُهال حين يقولون متى يخرج هذا المهدي الذي تقولون لابد من خروجه وظهوره وينكره قوم ويقره آخرون(١٠٨٣).
وهناك خبر عام يرد على منكري الإمام (عجّل الله فرجه) ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (لما نزلت ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ (الاسراء: ٧١)، قال المسلمون: يا رسول الله ألست إمام الناس كلهم أجمعين؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنا رسول الله إلى الناس أجمعين ولكن سيكون بعدي أئمة على الناس من أهل بيتي من الله يقومون في الناس فيكذبونهم ويظلمهم أئمة الكفر والظلال وأشياعهم إلا فمن والاهم واتبعهم وصدقهم فهو مني ومعي وسيلقاني، إلا ومن ظلمهم وأعان على ظلمهم وكذّبهم فليس مني ولا معي وأنا منه بريء(١٠٨٤)، وقطعاً ان الحديث يشمل جميع الأئمة (عليهم السلام).
ويقول المصنف أنه كلمه أحدهم وقال الغيبة طالت والحيرة قد اشتدت ورجع كثير عن القول بالإمامة لطول الأمد فكيف هذا؟ فيجيب على هذا الإشكال بان سنن الأولين جارية في هذه الأمة منها ما حصل مع نبي الله موسى (عليه السلام) إذ ذهب إلى ميقات ربه حتى تم له في أربعين ليلة فقد تأخر عنهم عشرة أيام عن الموعد معهم وقد استطالوا هذه المدة القصيرة وقست قلوبهم وفسقوا عن أمر ربهم وعن أمر موسى وعصوا واستضعفوا خليفته وكادوا يقتلونه وعبدوا عجلاً من دون الله وهذه القصة مشهورة فليس بغريب أن يستطيل الجهال مدة غيبة صاحب زماننا (عجّل الله فرجه) ويرجع كثير منهم عما كانوا عليه من دون أصل وبصيرة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (الحديد: ١٦)(١٠٨٥)، ولا يعتبر هؤلاء المنكرون بقول الله تعالى ذكره(١٠٨٦).
وبما أن أمر الغيبة لم يقع للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ولم يكن أول من أخفى الله ظهوره فقد غاب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما كان في الغار ولا يعلم بمكانه الا القلة فلا يستطيع أحد يسأل وهو غائب عنهم وكذلك لبث موسى (عليه السلام) زمناً حتى جاء أمر الله وأمره بالذهاب إلى فرعون، ولبث إبراهيم (عليه السلام) طويلاً في دولة النمرود ولم يخبرهم بأنه رسول الله وقصة الخضر (عليه السلام) التي ورد ذكرها في القرآن الكريم تصرح بأنه لم يكن شأن الخضر معلوماً عند موسى بل خفياً ولم يصرح القرآن بسبب اخفائه بل لم يذكر أهل هو نبي أو امام أو غير ذلك وقد أخفى القرآن الكريم قصص وأسماء أنبياء كثيرين ومع ذلك نحن مأمورين بالإيمان بهم ولم نعرفهم فما العجب من خفاء المهدي (عجّل الله فرجه) وعدم ظهوره لهذا اليوم اذا كانت سنة الله قد اقتضت ذلك كما اقتضت سنته بخفاء بعض الأنبياء والصالحين لفترة معينة، وكما هو حال بعض النصارى الذين انتظروا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خمس مئة سنة وكانوا يعرفون أوصافه ومن المنتظرين له مثالاً على ذلك سلمان المحمدي ومن مات وهو ينتظر مثل قس بن ساعده الأيادي ومنهم من آمن به حين بعثته ومنهم من بقى على اليهودية والنصرانية وكذلك المهدي (عجّل الله فرجه) فهناك من ينتظر خروجه ويؤمن به حينها وهناك من ينكره قبل خروجه فسوف لن يؤمن به فلا حرج من انتظاره طالما أن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخبرنا به(١٠٨٧).
ويمكن ان نورد استنتاجاً ملخصاً لما تشاكل بينه وبين الأنبياء (عليهم السلام) بعد ان اتضحت فكرة غيبتهم وغيبة امامنا (عجّل الله فرجه) ومع المعمرين وذلك على عدة نقاط:
١ - فطول العمر هو ما كان لآدم ونوح (عليهما السلام).
٢ - وخفاء الولادة وكتمانها الا عن أهله كما هو في حال ابراهيم وموسى ويمكن ان نضع معها ولادة عيسى ومعاجزه في الولادة (عليهم السلام) وانه لازال حياً بأمر الله وتمكنه من الحضور بين الناس ويعرفهم ولا يعرفونه كما في حال هؤلاء الأنبياء وكما أصلح الله أمر نبيه موسى (عليه السلام) كذلك أمر امامنا (عجّل الله فرجه) سيصلح امره في ليلة.
٣ - كما حارب المنافقون يوشع وصي موسى (عليهما السلام) وكذلك سيحارب امامنا ويكذب في غيبته قبل ظهوره ويحارب وينكره الكثير في ظهوره.
٤ - الغيبة عن الناس أيضاً كما في حال ادريس وصالح (عليهما السلام) عندما أراد قومهم قتلهم وكما أصبح حال قوم إدريس بضيق وشدة كذلك من يؤمن بالإمام تقع بهم الضيق والشدة والتكذيب وان القائم كما هو حال صالح يظهر بصورة شاب.
٥ - وكما غاب ابراهيم (عليه السلام) مرتين عن قومه للقائم (عجّل الله فرجه) غيبتان أيضاً وانه اعتزل قومه.
٦ - وشبه من هود (عليه السلام) بشر به آباؤه وان نوح امر شيعته بانتظاره بعد غيبته.
٧ - حكمه وعدله وايضاً يتواجد بين الناس ولا يعرفونه كما هو حال نبي الله داود (عليه السلام) وينتقم من الجبابرة وكما قتل داود جالوت سيقتل الدجال بأمر امامنا (عجّل الله فرجه) على يد عيسى.
٨ - ومع سليمان (عليه السلام) انه استخلفه داود وهو صبي وكذلك امامنا جعله الله خليفة وامام وله من العمر خمس سنوات وكذلك سيكون معه ما مع سليمان منها الخاتم.
٩ - وكذلك الحال للتشبيه بالنسبة لنبي الله يحيى (عليه السلام) ان الله اتاه النبوة والحكمة والعلم وهو ابن ثلاث سنين ورد بشأنه في القرآن الكريم ﴿وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: ١٢) ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) فيها قال: (فقد يجوز أن يعطى الحكم ابن أربعين سنة ويجوز أن يعطاه الصبي(١٠٨٨)، وكذلك حال إمامنا (عجّل الله فرجه).
١٠ - عدم معرفته بالرغم من قربه ووجوده بغير شخصه وعنوانه كما هو حال يوسف (عليه السلام) مع تعامل اخوته معه وقرب المسافة بينه وبين أبيه الا انهم لم يعرفوه حتى كشف عن نفسه.
١١ - الفرج بعد الشدة وبقائه ينتظر أمر ربه وهو صابر على الغيبة كحال أيوب (عليه السلام) كذلك امامنا صابراً مما أصابه من بلاء منذ استشهاد ابيه إلى ما شاء الله في غيبته.
١٢ - يتشابه مع العبد الصالح الخضر (عليه السلام) فقضيته الوراد ذكرها في القرآن الا أنها بالرغم مما تحمله تحمل من اسرار وخفايا الا وبما وضحه المفسرون إلا أننا نؤمن بها، وكذلك حال القائم (عجّل الله فرجه) لم يتبين الكثر من الامور في قضيته الا ما وصنا من أخبار وأحاديث عن طريق آبائه (عليهم السلام) وبقيت بعض الاسرار دون وضوح وكما اخبر به المعصومين (عليهم السلام) قالوا لم يؤذن لهم في كشفها ولعلها تتضح حين ظهوره (عجّل الله فرجه).
١٣ - ومع روح الله عيسى (عليه السلام) انه تكلم في المهد وكذلك امامنا كما هو في خبر ولادته واتاه الله العلم والفهم والحكمة صبياً وكذلك امامنا ورث جميع العلوم واختلف الناس في عيسى كما اختلف الناس في امامنا وانكروه.
١٤ - وشبهاً من جده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو قيامه بالسيف والانتصار لدين الله فضلاً عن الصفات الجسمانية والخلقية التي اخبر به ذلك جده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واباؤه المعصومين (عليهم السلام).
١٥ - الاشتراك مع جميع الانبياء (عليهم السلام) بالعلم والحكمة وانه وارثها، وكذلك يتشابه في غيبته مع الذين غابوا منهم وكذلك أوصياء الأنبياء الذين تم الاشارة اليهم في مبحث سابق بسبب الخوف والبطش من الظالمين واعداء الله مع احتمال وقوع الضرر وفي هذا الغيب ليس انتقاص من الأنبياء أو الامام وانما هو لغرض تطبيق الشريعة السماوية بالحفاظ على أنفسهم لغرض تطبيقها بما أراد الله (عزَّ وجلَّ).
١٦ - واما من يعود ويقول لماذا الغيبة بعد تواتر الأحاديث وبذكر الأسباب فلا يرد التعنت والكبر الا بسؤال وهو لماذا غاب الأنبياء (عليهم السلام) والخضر كذلك وبقاء عيسى (عليه السلام)؟
ثانياً - امثلة من المعمرين والاستدلال بهم على طول عمر الإمام الحجة (عجّل الله فرجه):
١ - أخبار بعض المعمرين:
يتناول المصنف عدة أخبار عن بعض المعمرين الذين عاشوا لفترات طويل وكانت قصصهم معروفة في الأخبار التاريخية وعند العرب يوردها من باب الحجة على طول عمر الإمام (عجّل الله فرجه)، فكانت هذه المدة منذ ولادته سنة (٢٥٥هـ/٨٦٩م) حتى وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) سنة (٢٦٠هـ/ ٨٧٣م) إلى زمن السفراء الأربعة وحتى غيبته الكبرى سنة (٣٢٩هـ/٩٤١م) بوفاة السفير الرابع والى يومنا هذا(١٠٨٩)، والبعض من هؤلاء المعمرين أناس عاديون تمكنوا من الحفاظ على أنفسهم لفترات طويلة وقد ذكر المصنف الكثير منهم سنأخذ البعض من هذه الأمثلة التي طرحها ونترك الباقي لكثرة العدد الوارد في الكتاب وطول البعض منها ولكثرة تفاصيلها(١٠٩٠).
أ - الأنبياء (عليهم السلام):
يذكر الصدوق في رواياته التي ينقلها عن المعصومين (عليهم السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نورد مضمون الخبر فيما يخص أعمار الأنبياء (عليهم السلام)، أن آدم (عليه السلام) عاش (٩٣٠سنة) وانه نوح (عليه السلام) (٢٤٥٠سنة وفي رواية ٢٥٠٠سنة)، وإبراهيم (عليه السلام) (١٧٥سنة)، وإسماعيل (عليه السلام) (١٢٠ سنة)، وإسحاق (عليه السلام) (١٨٠ سنة)، ويعقوب (عليه السلام) (١٢٠ سنة) ويوسف (عليه السلام) (١٢٠سنة) وموسى (عليه السلام) (١٢٦ سنة) وهارون (١٣٣سنة) وداوود (١٠٠سنة) وسليمان (٧١٢ سنة)(١٠٩١).
وجاءت الروايات بمثل ما ورد عند الصدوق ومنها ما يختلف عنه لكن ليس المقصد هنا مناقشة تلك الروايات وإنما هو الإشارة إلى احتمال وإمكانية طول العمر، فقيل أن آدم (عليه السلام) عاش (٩٣٠سنة)(١٠٩٢)، وعاش نوح (عليه السلام) (٢٥٠٠سنة)(١٠٩٣) واليعقوبي يذكر انه عاش فقط (٩٥٠ سنة) وهذه هي مدة ما لبث في قومه(١٠٩٤)، وفي رواية ان مبلغ عمره كله(١٢٠٠سنة)(١٠٩٥)، وعاش إبراهيم في رواية اليعقوبي (١٩٥ سنة) وعند ابن طاووس (١٧٥ سنة)(١٠٩٦)، واما إسماعيل (عليه السلام) قيل انه عاش (١٣٧ سنة وقيل ١٢٠ وقيل ١٣٠سنة)(١٠٩٧)، وعمر إسحاق (١٨٠ سنة)(١٠٩٨)، ويذكر ان عمر يعقوب (عليه السلام) (١٤٧ سنة)(١٠٩٩)، والمسعودي يذكر انه مات وله (١٤٠سنة)(١١٠٠)، وعاش يوسف (١٢٠ سنة)(١١٠١)، وعمر موسى (عليه السلام) (١٢٠ سنة وفي رواية ١٢٣سنة)(١١٠٢) ومات هارون (عليه السلام) وعمره (١٢٠ سنة) وقيل (١٢٣ سنة)(١١٠٣)، وعاش داوود (عليه السلام) (١٠٠سنة)(١١٠٤)، وعاش سليمان (عليه السلام) (٧١٢سنة)(١١٠٥).
يروى عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) قال: (ان ابني هو القائم من بعدي وهو الذي يجري فيه سنن الأنبياء (عليهم السلام) بالتعمير والغيبة حتى تقسو القلوب لطول الأمد فلا يثبت على القول به إلا من كتب الله (عزَّ وجلَّ) في قلبه الإيمان وأيده بروح منه)، وعن الامام زين العابدين (عليه السلام) قال: (في القائم سنة من نوح (عليه السلام) وهي طول العمر)(١١٠٦).
ومما ذكر في أعمار الأنبياء منها ما تطابق مع رواية الصدوق ومنهـا في اختلاف بسيط فقيل أن آدم (عليه السلام) عاش(١٠٣٠سنة) وفي رواية انه عاش (٩٣٠سنة)(١١٠٧)، ونوح (عليه السلام) هناك اختلاف في مبلغ عمره قيل (٢٥٠٠سنة) وقيل اقل من ذلك(١١٠٨)، ويروى عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (عاش نوح (عليه السلام) ألفي سنة وخمسمائة سنة منها ثمانمائة سنة وخمسون سنة قبل أن يبعث وألف سنة إلا خمسين عاماً وهو في قومه يدعوهم ومائتان عام في عمل السفينة وخمسمائة عام بعد ما نزل من السفينة...)(١١٠٩)، وفضلاً عما ذكره الصدوق من الأنبياء (عليهم السلام) لم يذكرهم منهم نبي الله ادريس (عليه السلام) قيل أنه أتى عليه ثلاثمائة سنة حين رفعه الله(١١١٠)، وقيل انه عمر (٩٦٥ سنة)(١١١١) وعمر الكثير من أبناء ذرية النبي آدم (عليه السلام) وتراوحت أعمارهم ما بين (٩٠٠ و١٠٠٠ سنة)(١١١٢).
ب - الخضر (عليه السلام)(١١١٣):
ومن المعمرين الذين قيل انه أطول الآدميين عمراً هو الخضر (عليه السلام)، قيل انه شرب من عين ماء الحياة ولا يزال حياً، فعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (إن الخضر (عليه السلام) شرب من ماء الحياة فهو حي لا يموت حتى ينفخ في الصور...(١١١٤)، وفي تعليق للمصنف عن قصة الخضر (عليه السلام) الكثيرون يقولون ويسلمون بحديثه وبأنه حي غائب عن الأبصار ولا ينكرون طول حياته ويدفعون القول بكون الإمام القائم (عجّل الله فرجه) وطول حياته في غيبته ويقولون ببقاء الخضر إلى يوم النفخ في الصور، ومنها أيضاً إبقاء إبليس مع لعنته إلى يوم الوقت المعلوم في غيبته وان أخبارهم لا تتناول إبقاء حجة الله على العباد مدة طويلة في غيبته مع ورود الأخبار الصحيحة في غيبته والنص عليه باسمه ونسبه عن الله تبارك وتعالى وعن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن الأئمة (عليهم السلام)(١١١٥).
وذكرت قصة الخضر (عليه السلام) وجميع ما ورد من أخباره وانه شرب من عين ماء الحياة وانه صاحب النبي موسى (عليه السلام) وانه لازال على قيد الحياة وبعض الآراء التي تقول بانه لم يبق على قيد الحياة(١١١٦)، حتى قيل أن آدم (عليه السلام) كان على علم بأمر الطوفان وأوصى أن يحمل جسده قبل الطوفان وحمل جسده في سفينة نوح (عليه السلام) قبل الطوفان وبعد الطوفان أنزل جسده وأمر نوح أبناؤه أن يدفنوا الجسد في مكان قد دلهم عليه وأخبرهم (أن آدم قد دعا الله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة) إلا أنهم تأخروا في ذلك وتوانوا عن الأمر فقيل أن الذي تولى دفن آدم هو الخضر، فلذا قيل بأنه أطول بني آدم عمراً وانه حي إلى ما شاء الله(١١١٧).
ويحتج بعض المؤرخين بأنهم يعجبون على من يعترف بوجود ابليس وتعميره من قبل آدم (عليه السلام) إلى يوم القيامة وهو الضال رئيس الضالين ويمنعون بقاء مثل هذا الإمام الهادي من الهداة الأئمة المعصومين وانهم يعترفون بتعمير الكثير من الأنبياء قبل ملة الإسلام وينكرون تعمير هذا الإمام مع أنهم يقولون بصحة قول النبي (صلى الله عليه واله): (يحذو امتي من تقدمهم حذو النعل)(١١١٨)، وان قلنا تنزلاً بقول من يشير إلا أن الخضر لم يبق حياً الا انه من زمان آدم إلى زمان نوح (عليها السلام) إلى وقت الطوفان كونه وقف على مدفن آدم بعد الطوفان وأنهم يقرون بذلك لذا فانه عمره بحدود الثلاثة آلاف سنة وان إمام زمانا (عجّل الله فرجه) لو حسبنا عمره منذ الولادة (٢٥٥هـ) إلى يومنا هذا ونحن في سنة (١٤٣٩هـ) بلغ من العمر الآن بحدود (١١٨٥سنة) ولم يتجاوز حياة الخضر لحد الآن الذين هو ليس من الأنبياء بل عبداً صالحاً من عبيد الله.
ج - ذو القرنين(١١١٩):
ينقل المصنف بأنه بلغ من العمر (٥٠٠ عام)(١١٢٠)، ويذكر ابن الجوزي خبرين في انه عاش(٣٠٠٠ سنة) مذكور في التوراة وقيل (١٥٠٠سنة) ما ذكره المسلمون(١١٢١).
د - أصحاب الكهف(١١٢٢):
يحتج المصنف بقوله ان وجب الإقرار بالقائم (عجّل الله فرجه) من طريق السمع وفي موجب أي عقل انه يجوز أن يلبث أصحاب الكهف في كهفهم ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعاً هل وقع التصديق بذلك الا عن طريق السمع فلم لا يقع التصديق بالقائم (عجّل الله فرجه) ايضاً عن طريق السمع(١١٢٣).
قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ (الكهف: ٢٥)، قيل انهم لبثوا في الكف ثلاثمائة وتسع سنين منذ ان ارقدهم الله إلى ان بعثهم واعثر عليهم اهل ذلك الزمان وقيل ان هذا قول أهل الكتاب وقد رده الله(١١٢٤)، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرضِ﴾ (الكهف: ٢٦)، فقيل انهم اخذوا مضاجعهم فصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدي (عجّل الله فرجه) فيقال أنه يسلم عليهم فيحييهم الله (عزَّ وجلَّ) له ثم يرجعون إلى رقدتهم إلى يوم القيامة(١١٢٥).
هـ - قس بن ساعده الأيادي(١١٢٦) قيل انه عمر ستمائة سنة(١١٢٧)، واخرج الطرابلسي والراوندي والنجفي نفس مقالة الصدوق انه عاش ستمائة سنة(١١٢٨)، السجستاني وابن الجوزي يقولان انه عاش ثلاثمائة وثمانين سنة(١١٢٩).
و - دومغ بن الريان(١١٣٠)، من المعمرين الذين وصل عمره إلى ثلاثة آلاف سنة(١١٣١).
ز - قصة بلوهر ويوذاسف:
يسرد المصنف قصة مع أخبار المعمرين يضعها بعنوان أخبار من الهند لشخصين أحدهما يدعى (بلوهر) وهو رجل ناسك والظاهر من خلال القصة انه موحد ولم يتضح على أي ديانة والآخر يدعى (يوذاسف) وهو ابن ملك فيها مواعظ وحكم وإرشادات وكثير من النصائح ففي الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة ومن ضمنها يطرح هذا الناسك عدة قصص على ابن الملك موضحاً له فيها بعض السلوكيات والأخلاق ومواضيع متنوعة التي يقدمها هذا الناسك إلى ابن الملك حتى قيل في القصة أن (يوذاسف) هذا أصبح نبياً وهبط عليه ملك من السماء وقد أورد المصنف القصة في كتابه بما يزيد على تسع وخمسين صفحة لم نذكرها اذا لا حاجة للتطرق إلى التفاصيل الواردة فيها الا أن المصنف يطرحها من باب الاحتجاج بها اذ أن الكثير من يصدق بتلك القصص المنقولة ولا يصدق بأمر الغيبة وطول عمر الإمام (عجّل الله فرجه) وبعد أن يذكرها يعلق الصدوق قائلاً من هدف ذكره لهذه القصة وأخبار المعمرين قال: (ليس هذا الحديث وما شاكله من أخبار المعمرين وغيرهم مما أعتمده في أمر الغيبة ووقوعها لان الغيبة إنما صحت لي بما صح عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) من ذلك الإخبار التي بمثلها صح الإسلام وشرائعه وأحكامه ولكني أرى الغيبة لكثير من انبياء الله (عليهم السلام) ولكثير من الحجج بعدهم ولكثير من الملوك والصالحين من قبل الله تبارك وتعالى ولا أجد لها منكراً من مخالفينا وجميعها في الصحة من طريق الرواية دون ما قد صح بالأخبار الكثيرة الواردة عن النبي والأئمة (عليهم السلام) في أمر القائم الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام) وغيبته حتى يطول الأمد وتقسو القلوب ويقع اليأس من ظهوره ثم يطلعه الله وتشرق الأرض بنوره...)(١١٣٢)، ونقل المجلسي هذه القصة عن الصدوق(١١٣٣).
٢ - بعض الاستدلالات عن إمكانية طول العمر:
فضلاً عما طرح في أخبار المعمرين والغيبة، يعلق مصنف الكتاب على أخبار المعمرين في عدة مواطن من الكتاب منها يقول كيف يصدقون ما يرد من الأخبار عن المعمرين ولا يصدقون عما يرد عن النبي واله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فما هذا إلا ارتدادهم من القول الصحيح وجحودهم عن في دفع الحق وانه لما كان في الزمان غير محتمل للتعمير وجب أن تجري سنة الأولين بالتعمير في أشهر الأجناس تصديقاً لقول صاحب الشريعة (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا جنس أشهر من جنس القائم (عجّل الله فرجه) لأنه مذكور على ألسنة المقربين والمنكرين مع الروايات الصحيحة عن النبي والأئمة (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بوقوع الغيبة وانه أخبر بوقوعها في الثاني عشر من الأئمة(١١٣٤).
من خلال أخبار المعمرين على مر الأزمان إن إمكانية طول العمر متحققة ومشهودة بالنقل واعتقادنا ثابت بما ورد عن محمد وال محمد بأمر الغيبة وطول العمر للحجة القائم (صلوات الله عليهم أجمعين) وكله بقدرة الله وخير دليل على هذا الإمكان بما ورد في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الصافات: ١٤٣-١٤٤) فيذكر أن الله أوحى للحوت الذي ابتلع يونس (عليه السلام): (إني لم أجعل عبدي رزقاً لك ولكني جعلت بطنك له مسجداً فلا تكسرن له عظماً ولا تخدشن له جلداً...) وقيل انه لو لم يكن من المسبحين والذاكرين لله لبقي في بطن الحوت إلى يوم يبعثون(١١٣٥) قيل انه يبقى حياً أو ميتاً في بطن الحوت إلى يوم القيامة(١١٣٦)، أي ان إمكانية البقاء إلى يوم القيامة موجودة بقدرة الله وطول عمره وبقائه ليست نادرة الوجود فقد حصلت قبله وانها ومحتملة التكرار كحال من سبقه من المعمرين وبقائه هو بهدف الهي.
ويقول الصدوق: (هذه الأخبار التي ذكرتها في المعمرين قد رواها مخالفونا... وقد روى عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: كلما كان في الأمم السابقة يكون في هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة)، فقد صحت التعمير فيمن تقدم وصحت الغيبات الواقع بحجج الله فيما مضى من القرون فكيف السبيل إلى إنكار القائم (عجّل الله فرجه) من طول الغيبة وطول العمر مع الأخبار الواردة من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن الائمة (عليهم السلام)(١١٣٧).
ويشير أحد المؤرخين (أن استبطاء خروج صاحب الزمان وظهوره والتمسك به واتخاذه وحده طريقاً إلى نفي وجوده يشعر باعتقاد نفي القيامة والبعث والنشور وذلك لأن الاستبطاء في ذلك في ذلك أعظم وأكد وأكثر من حيث إن جميع الانبياء (عليهم السلام) من لدن آدم إلى نبينا (عليه السلام) كانوا ينذرون اممهم بالقيامة والبعث والنشور، وقد قال نبينا (عليه السلام): بعثت أنا والساعة كهاتين، وبعد فلم تقم القيامة إلى الآن لم يشكُ فيها بسبب تأخرها واستبطاء قيامها فان كان مجرد تأخر خروج صاحبنا [المقصود الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)] واستبطاء القوم ظهوره طريقاً إلى نفيه فتأخر قيام القيامة واستبطاء الخلق ظهورها وقيامها أولى بأن يتخذ طريقاً إلى نفيها)(١١٣٨).
وربما من يشكل على هذا القول السابق بأن من أخبر بالقيامة هو النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بصريح قول القرآن كذلك نقول ان من أخبر بالإمام الحجة الغائب (عجّل الله فرجه) هو جده رسول الله وآبائه المعصومين (عليهم السلام).
وفي تعليق للمصنف يقول: (فمتى صح التعمير لمن تقدم عصرنا وصح الخبر بأن السنة جارية في القائم (عليه السلام) الثاني عشر من الأئمة لم يجز الا أن يعتقد أن لو بقي في غيبته ما بقي لم يكن القائم غيره وانه لو لم يبق من الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً كما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن الائمة (عليهم السلام) من بعده)(١١٣٩)، ومن ثم يضيف تعليقاً آخر يوضح فيه أن أخبار المعمرين وغيرهم مما أعتمده في أمر الغيبة ووقوعها ليس هو المعتمد لدي فأن المعتمد هو في أمر الغيبة بما صح عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) والتي مثلها صح الإسلام وشرائعه وأحكامه، وأما ما وقع من غيبة للأنبياء والحجج والصالحين والملوك من قبل الله تبارك وتعالى ولا أجد لها منكراً من مخالفينا وجميعها صحت عن طريق الرواية، دون ما صح بالأخبار الكثيرة الواردة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) في أمر القائم (عجّل الله فرجه) وغيبته حتى يطول الأمد وتقسو القلوب ويقع اليأس من ظهوره ثم يطلعه الله فتشرق الأرض بنوره ويرفع الظلم والجور بعدله فليس في تكذيب هذه الأخبار مع الإقرار بنظائرها الا القصد من إطفاء نور الله وإبطال دينه ويأبى الله الا أن يتم نوره ويعلي كلمته ويحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المخالفون والمكذبون بما وعد الله الصالحين على لسان خير النبيين صلوات الله عليه وعلى اله الطاهرين(١١٤٠).
ويعلق الاربلي بنفس السياق ويقول: (اذا ثبت ان الله قد عمر خلقاً من البشر ما ذكرنا من الأعمار بعضهم حجج الله تعالى وهم الأنبياء وبعضهم غير حجة وبعضهم كفار ولم يكن ذاك محالاً في قدرته ولا منكراً في حكمته ولا خارقاً للعادة بل مألوفاً على الإعصار معروفاً عند جميع أهل الأديان فما الذي ينكر عمر صاحب الزمان أن يتطاول إلى غاية عمر بعض من سميناه وهو حجة الله على خلقه وأمينه على سره وخليفته على أرضه وخاتم أوصياء نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد صح عن رسول الله أنه قال: كلما كان في الامم السالفة فإنه يكون في هذه الأمة مثلة حذو النعل بالنعل...)(١١٤١).
من الممكن إخراج بعض الشواهد العقلية والواقعية التي من خلالها نحاول توضيح ما أشار اليه المصنف في مسألة طول العمر من مؤرخين معاصرين منها: فهناك استدلال لأحد المؤرخين المعاصرين في قضية الغيبة حول العلم الحديث وإمكانية العيش والبقاء لفترات طويلة حيث ان الإنسان لازال يجهل الكثير من الخفايا الكونية واسرار الطبيعة فقد كان في يوم ما ان التكنولوجيا والتطور الحاصل في زماننا الحاضر كان هذا من المستحيل وقوة خيالية ولكن أصبحت في يومنا الحالي من الامور العادية وبالرغم من هذا فان المجهولات الكونية لم تكتشف كلها لحد الآن وان العلماء كلما اكتشفوا شيئاً اعترفوا بعجزهم أكثر ومنها أسرار الطبيعة لازالت مجهولة وبعدها ينقل رأي لأحد العلماء اذ يقول: (ويعتقد البروفيسور أتينقر: أن الجيل الجديد كما آمن بالرحلات الفضائية فانه سيؤمن بان خلود الإنسان في الحياة الدنيوية ليس أمراً ببعيد فإن مع التقدم التكنلوجي الذي نشاهده اليوم سوف تتمكن البشرية في القرن القادم أن تطيل عمر الإنسان لآلاف السنين)(١١٤٢).
وهناك من الحيوانات والنباتات والحشرات ما يعمر لآلاف السنين منها وجود شجرة في كاليفورنيا في امريكا تجاوز عمرها (٤٦٠٠) سنة وكذلك الحيتان يتجاوز عمرها (١٧٠٠) سنة وكذلك الحفريات في قبور الفراعنة وجدت حبوب القمح يعود تاريخها إلى أكثر من أربعة ألاف سنة وقد أنبتت واخضرت، وان شيخوخة الإنسان تعود إلى تخمر المكروبات في الأمعاء فلو أمكن إزالتها لعاش الإنسان إلى ألفي عام وهذا ما كتب في بحوث يابانية ويقول علماء مختصون ان بالإمكان لجسم الإنسان أو أي عضو منه الاستمرار في الحياة لمدة غير محدودة اذا لم يتعرض إلى أي طارئ وهذا الرأي نتيجة تجارب علمية اذ يقول عدد من أساتذة الجامعات العالمية ان الأعضاء الرئيسية في جسم الإنسان لها القابلية على الدوام والخلود وقد ثبت ذلك بالتجارب التي لا تزال مستمرة ومتى ما تمكن العلم من حماية الجسم من هجمات الجراثيم فان باستطاعة الإنسان ان يعيش لمدة طويلة(١١٤٣).
وأشار العلوي إلى أبحاث لأساتذة من دول أوربية منها تقارير عن خلايا حيوانية لدكتور اسمه هانس سيلي أجراها في مختبره الخاص انه استنتج انه ان تمكنا من تحويل النسيج الإنساني بهذا الشكل فانه من الممكن ان يعيش الإنسان ألف سنة، ورأي لأستاذ آخر يقول بانه الأجيال القادمة سوف تصدم بحقيقة الإنسان الخالد كما هو الحال في غزو الإنسان للفضاء وان تطور العلم سيكفل حياة الإنسان لأف عام(١١٤٤)، وبما انه التجارب تأخذ بالازدياد في اتجاه تعطيل قانون الشيخوخة وتحويلة إلى إمكان تطبيقه عملياً فلا يبقى مبرر للاستغراب والاستنكار لطول العمر وذلك لمجرد انه التجارب الباحثة في هذا الاتجاه(١١٤٥).
وهذه إشارات كلها تلوح نحو العلم وتطوره واكتشافاته فكيف بمن هو عنده مواريث وعلوم جميع الأنبياء بما صح لها من الأحاديث الواردة بحقه قالت بحيازته لهذا العلم الكائن عنده من آبائه فضلاً عن ذلك ان الله (عزَّ وجلَّ) أراده لينتصر به لدينه فتكون قدرة الله وعطفه له لإصلاح العالم وأعطاه كل ما يمكنه على ديمومته والحفاظ على صحته كما قلنا ان السبب الأساسي لغيبته هو خوفه القتل فحفظه الله بما أعطاه من العلم وفوقها قدرة الله (عزَّ وجلَّ).
فلماذا يتم انكار هذا على الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) فهي نِعمٌ يتمتع بها البر والفاجر من المخلوقات ولا غرابة في ذلك ولا هو خرق للعادات ولا لنواميس الطبيعة بل ان خرقاً في الموت الذي يقطع حياة الحي بحسب رأي العلماء ونحن إذا قاصرون عن تمديد حياتنا واما الامام ومن ورائه مشيئة الله وفقد إلى تجنب ما يقطع حياته واستمرار بقائه إلى أمد قدر له ومما لا شك فيه ان مراعاة القواعد الصحية تستلزم هناء العيش وسلامة الجسم والعقل وقد قال أطباء عصورنا الحالية ان إتباع تلك القواعد في ايامنا قد محا أمراضاً كثيرة تغزو الجسم بعد ان توفرت النظافة وسلامة المناخ فما المانع من عيش الإنسان سليم الجسم طويلاً إذا بقي ملتزماً بمناخ صالح ونجا من العوارض الخارجية التي تقتطع العمر(١١٤٦).
فمن المرجح ان إمامنا له القدرة على الالتزام ببرامج صحية وغذائية والتواجد في اجواء مناخية تساعده على الحفاظ على سلامة بدنه وأعضائه من التلف وإبقائها بنشاطها واستمرارها والدليل على ذلك انه لا يوجد في الأدلة النقلية من الخوف عليه من الأمراض أو الموت بسبب الوضع الطبيعي من الكبر والموت وإنما كانت الغيبة والحذر كلها من القتل أو مثل آبائه ممكن ان يتعرض للسم لو كان ظاهراً اما عدا هذا فان الله مكنه من كل ما يحتاجه للحفاظ على نفسه، وفي عصرنا الحديث وجد الكثير من البشر أن تمكنوا من العيش لمدة طويلة ومنها هناك قبيلة تدعى قبيلة (هونزا) يسكنون في احدى القرى في اندونيسيا يتبعون نظاماً غذائياً يعتمدون في أكثره على النباتات ويعمرون من (١٠٠) سنة إلى (١٤٥) سنة أو أكثر وعملهم الزراعة ويموتون دون أي مرض(١١٤٧).
وأشارت بعض التقارير المنشورة على شبكة الانترنيت عن المعمر الصيني الذي يدعى (لتسن يون أو لي تسينون) ولد سنة (١٦٧٧م) عمر إلى (٢٥٦سنة) وان طعامه الوحيد هو الأعشاب ويعيش في جبال سيتشوان الصينية قيل انه جمع الأعشاب تعلم أسرار طول العمر وتزوج ٢٣ مرة وقيل انه كان يعمل في تدريب الجيش وتوفي في سنة (١٩٣٣م) ويذكر ان آخر ما قاله (لقد فعلت كل شيء كان علي فعله في هذا العالم والآن ذاهب إلى البيت) وبعدها توفي(١١٤٨)، ومن خلال هذه الامور ان احتمالات العيش وفرصها تكون أكثر عند إمامنا حامل العلوم المحمدية والأسرار الإلهية بعد ان تمكن البعض من معرفة أجزائها البسيطة حتى عصرنا الحالي أو الزمن القريب منا وتمكنوا من العيش لمدة طويلة.
يقول أحد المؤرخين ان المناقشة والمجادلة حول موضوع طول عمر الامام المهدي (عجّل الله فرجه) ليست مناقشة هادفة أو بناءة بل هي تجاهل العارف ونوع من العناد بدليل اننا لا نجد من يناقش في طول اعمار الملائكة أو طول عمر ابليس أو طول عمر الخضر (عليه السلام) وإنما الشبهات تجدها حول عمر صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) وما هو الهدف الا بدافع البغض والعداء لآل رسول الله أو استبعاد قدرة الله(١١٤٩).
ولو نظرنا إلى أمر طول العمر عند الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) من الناحية العقائدية بغض النظر عما وردنا من أخبار بذلك واعتقادنا بها، يشير احد الباحثين إلى ذلك بان كل مؤمن بالله يعتقد بان الآجال بيد الله تعالى ومعنى هذا ان الله هو الذي يقدر الآجال لكل نفس والله قادر على إطالة الأعمار كقدرته على تعجيل الآجال فاذا قدر الله لأحد من عباده طول العمر فمن البديهي أن يهيئ له الأسباب المادية والطبيعية الموجبة لطول العمر ومن الممكن ان يسعفه للعمر الطويل بالأمور الطبيعية والى ما وراء الطبيعة وكما هناك وسائل وعوامل لقصر العمر هناك وسائل لإطالة العمر وتأخير الأجل وكلا الوسائل بقدرة الله على حد سواء(١١٥٠).
وبنفس السياق يشير مؤرخ آخر ان الأمر بالنسبة للمسلم الذي يستمد عقيدته من القرآن الكريم والسنة المشرفة ليس منكراً أو مستغرباً إذ هو يجد ان القانون الطبيعي الذي هو أكثر صرامة قد تعطل كالذي حدث بالنسبة للنبي إبراهيم (عليه السلام) عندما القي في النار العظيمة فنجاه الله كما صرح القرآن وهذه المعجزة وأمثالها من معاجز الأنبياء قد أصبحت بمفهومها الديني اقرب إلى الفهم بدرجة اكبر في ضوء المعطيات العلمية الحديثة والانجازات الكبيرة التي حققها العلماء بوسائلهم المادية والاكتشافات والاختراعات لو تحدثنا عنها سابقاً لأنكرناها غاية الإنكار وقد أصبح كثير منها في متناولنا ومنها الأجهزة الحديثة فلقد كنا نعرف سابقاً انه سيكون في آخر الزمان من يرى ويسمع من في المشرق من هو في المغرب(١١٥١)، والملاحظ اليوم أن هذه الإمكانيات متوفرة وبشكل كبير وبطرق متعددة، وان إمامنا يكون اقرب لمعرفة ما هو أعمق منها أو تعطل له القوانين الطبيعية بأمر لله.
فان طول عمر الإنسان وبقائه قروناً متعددة ممكن منطقياً وممكن علمياً ولكنه لايزال غير ممكن عملياً إلا أن اتجاه العالم سائر في طريق تحقيق هذا الإمكان عبر طريق طويل وعلى ضوء هذا لا يبقى للاستغراب محتوى الا استبعاد أن يسبق المهدي (عجّل الله فرجه) العلم نفسه فيتحول الإمكان النظري إلى إمكان عملي في شخصه قبل ان يصل العلم في تطوره إلى مستوى القدرة الفعلية على هذا التحول وان الإسلام قد سبق حركة العلم والتطور الطبيعي للفكر الإنساني قرون عديدة أو لم تكشف رسالة السماء اسراراً من الكون لم تكن تخطر على بال إنسان ثم جاء العلم ليثبتها ويدعمها ومثال ذلك هو إسراء النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فهو في إطار القوانين الطبيعية فهو يعبر عن الاستفادة من القوانين الطبيعية بشكل لم يتيح للعلم تحقيقه لحد الآن ونفس الخبرة الربانية التي أتاحت للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التحرك السريع قبل ان يتاح للعلم تحقيق ذلك أتاحت لآخر خلفائه المنصوصين العمر المديد(١١٥٢).
وأخيرا نقول انه في عام (١٩٧٦م) أصدرت إدارة المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة فتوى تثبت ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وغيابه ويكون ظهوره حتى يأذن الله وتقول الفتوى بعد تعريفه: (انه المهدي الموعود المنتظر موعد خروجه في آخر الزمان هو من علامات الساعة الكبرى ويظهر عند فساد الزمان وانتشار الكفر وظلم الناس ويملأ الأرض عدلاً وقسطا كما ملئت جوراً وظلماً وهو آخر الخلفاء الراشدين الاثني عشر الذين أخبر عنهم صلوات الله عليه وسلامه عليه في الصحاح) ثم يذكرون مجموعة بحسب قول الناقل عشرين من الصحابة الذين نقلوا أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المهدي (عجّل الله فرجه) وذكر في الفتوى مجموعة من كتب السنن والمعاجم وسمت مؤلفيها ثم يكمل الناقل الفتوى: (وقد نص على أحاديث المهدي متواترة عند جمع من الإعلام قديماً وحديثاً، وأن الاعتقاد بخروج المهدي واجب وانه من عقائد أهل السنة والجماعة ولا ينكره الا جاهل في السنة ومبتدع في العقيدة)(١١٥٣).
فضلاً عن هذه الفتوى فقد أحصى أحد الباحثين المتأخرين أسماء عدد من المؤرخين والفقهاء والمحدثين والمفسرين والمحققين من أهل السنة وأسماء كتبهم في أزمنة مختلفة سجلوا اعترافات صريحة بولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وقد صرح اغلبهم بأن الإمام محمد بن الحسن المهدي (عجّل الله فرجه) هو الإمام الموعود بظهوره في آخر الزمان وذكر منهم مائة وثمانية وعشرون عالماً من أهل السنة وذكر اعترافاتهم منذ بداية القرن الرابع الهجري إلى عصور حديثة(١١٥٤).

الفصل الثالث: ما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن الأئمة (عليهم السلام) في غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

المبحث الأول: ما روي عن الخمسة أصحاب الكساء (عليهم السلام) في غيبة الإمام المهدي (عليهم السلام):
توطئة:
في هذا المبحث والمباحث التي تليه من هذا الفصل ننقل فيها الأحاديث التي ذكرها الصدوق في كتابه عن وقوع الغيبة بالقائم (عجّل الله فرجه) بما ورد عن النبي وأهل بيته (عليهم السلام) وسنحاول بعدم تكرار ما أشرنا إليها في الفصلين السابقين من كتاب الصدوق التي كرر ذكرها في أبواب اخرى من الكتاب أو غيره من المصادر ولعل البعض منها بما يرويه المصنف بنفس الأبواب في أمر الغيبة بما ذكر عن الأئمة (عليهم السلام) لم تكن متناسبة مع عنوان الموضوع إذ إن مناسبتها في مكان آخر استخدمناها مسبقاً أو سنستخدمها في مباحث اخرى لم نذكرها في هذا الفصل كما ذكرها المصنف بما روي عنهم فقط وأحياناً حسب حاجة الموضوع اي أنه استخدمنا الأحاديث والأخبار الواردة في الكتاب عامة وفي هذا الفصل خاصة وفق تقسيمات البحث وليس كما طرحت في أبواب الكتاب، ووضعنا هذه الأحاديث من أخبار آل محمد عن الغيبة وصاحبها في فصل مستقل لتمييزها على وجه الخصوص في أمر الغيبة كما فعل ذلك مصنف الكتاب حيث وضعها في أبواب خاصة بالرغم من كونه تطرق إلى ما يدل على هذه المواضيع في أحاديث مشابهه أو نفسها باختلاف بسيط في أبواب أخرى من الكتاب ولعله أيضاً أراد تميزها دون غيرها بما ورد عنهم (عليهم السلام) وقد قسهما المصنف في أربعة عشر باباً وما تكرر هنا من أحاديث استخدمناها لضرورة في الموضوع أو فيها اختلاف بجزئية بسيط في الحديث واحيناً تقديم أو تأخير في بعضها لمناسبة الموضوع وفي أحيان نجمع حديثين أو ثلاث أو أكثر في فقره واحده أو تحت رقم واحد لتشابهها في المضمون، وأحيناً نذكر حديث لأحد الأئمة (عليهم السلام) ونعضده بحديث يروى عن غيره من الأئمة له نفس المضمون يوضح ويعطي نفس المعنى أو المقصد المراد منه في الحديث موضوع النقاش في فقرة أي واحد من الأئمة نأخذه من مصادر أخرى تعزيزاً لما ورد عن أي واحد منهم (عليهم السلام)، ولم تختلف المصادر الاخرى عما نقله الصدوق من أحاديث هنا نصاً أو مضموناً وكثير منها تنقل عنه مع الاختصار في بعضها وقسم انفرد الصدوق وبعضها نقلت في مصدر واحد أو اثنين وبعضها نقلت عند المصنفين المتقدمين أو المتأخرين الذين اعتمدوا على هذا الكتاب بنسبة كبيرة كما سيتضح.
أولاً _ ما روي عن النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
نقل الصدوق عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمانية أحاديث في هذا الباب الذي خصصه عن الغيبة تكرر منها اثنان ذكرها المصنف بأسانيد مختلفة بنفس النص أخذنا منها ست أحاديث وهي:
١ - الحديث الأول من هذا الباب هو نفس الحديث الرابع في نفس الباب يورده بطريقين وبنفس المضمون الاول يرفعه بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه) والآخر يرفعه إلى الإمام الصادق (عليه السلام) فيهما اختلاف بسيط، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً تكون به غيبة وحيرة تضل فيها الأمم ثم يقبل كالشهاب الثاقب(١١٥٥)، يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً)، وفي الحديث الآخر المروي عن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً تكون به غيبة وحيرة تضل الخلق عن أديانهم فعند ذلك يقبل كالشهاب يملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(١١٥٦).
ورد الحديث في كتاب الإمامة والتبصرة عن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) الذي نقل الصدوق الحديث عنه(١١٥٧)، ينقل نص الحديث الأول المروي عن جابر في كفاية الأثر بنفس رواية الصدوق(١١٥٨)، ونفسه في كشف الغمة وبالسند ذاته(١١٥٩)، وكذلك نص الحديث أعلاه والسند نفسه المروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري في كتاب فرائد السمطين(١١٦٠)، وينقله ايضاً العلامة الحلي عن إكمال الدين(١١٦١)، ويرويه صاحب كتاب سيرة المعصومين بنفس السند والنص الذي يرويه الصدوق في الحديث الثاني عن أبي بصير وبنص الحديث المذكور(١١٦٢).
وفي الحديثين السابقين إشارة عامة إلى حيرة وضلال الناس اذ ورد بنفس المعنى في حديث طويل عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (... ومهدي امتي أشبه الناس بي في شمايله وأقواله وأفعاله يظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلة فيعلن امر الله ويظهر دين الله ويؤيده بنصر الله وينصر بملائكة الله فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(١١٦٣).
٢ - وفي حديث آخر مكرر بنفس المضمون الاول يرفعه بسنده عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (طوبى(١١٦٤) لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو يأتم به في غيبته قبل قيامه ويتولى أولياءه ويعادي أعداءه ذلك من رفقائي وذوي مودتي وأكرم أمتي علي يوم القيامة)(١١٦٥)، والحديث الثاني يرفعه بسنده عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (طوبى لمن أدرك قائم أهـل بيتي وهو مقتد به قبل قيامه يأتم به وبأئمة الهدى من قبله ويبرأ إلى الله (عزَّ وجلَّ) من عدوهم أولئك رفقائي وأكرم امتي عليّ)(١١٦٦).
الملاحظ من خلال الحديثين السابقين هو تشابه واضح في مضمون الحديثين مع اختلاف بسيط في نصيهما اذ أخرج صاحب كتاب الخرائج الحديث باختلاف بسيط إذ ينقل قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (طوبى لمن أدرك زمان قائم أهل بيتي وهو معتقد به قبل قيامه ويتولى وليه ويتبرأ من عدوه ويتولى الأئمة الهادية من قبله أولك أكرم خلق الله علي)(١١٦٧) وعند الطوسي الحديث الثالث المروي عن الصادق (عليه السلام) وفيه بعض الاختلاف في النص اذ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتد به قبل قيامه يتولى وليه ويتبرأ من عدوه ويتولى الأئمة الهادية من قبله أُولئك رفقائي وذوو ودي ومودتي واكرم أمتي علي)(١١٦٨)، وينقله صاحب كتاب منتخب الانوار كما ورد عند الطوسي ونفسه عند بعض المتأخرين من المؤرخين مع اختلاف يسير في النص(١١٦٩).
٣ - وروى المصنف حديث يرفعه بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (المهدي من ولدي تكون له غيبة وحيرة تضل فيه الأمم يأتي بذخيرة الأنبياء (عليهم السلام) فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً)(١١٧٠).
نقل الطبرسي هذا الحديث بنفس النص والسند عن الباقر (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (المهدي من ولدي تكون له غيبة...)(١١٧١) وعند الخراساني بلا اختلاف(١١٧٢)، ونقله بعض المتأخرين بالسند والنص نفسه(١١٧٣).
ذخيرة الأنبياء: من المرجح ان المقصود من القول هنا هو إنقاذ وتصحيح من الضلال الحاصل عند جميع أهل الديانات السماوية وغير السماوية مما أصابها من انحراف ويقيم العدل للجميع بعد انتشار الظلم حاملاً معه كل ما احتج به الأنبياء من علم وما قدموا لأقوامهم من دلال وحجج كلها تكون دليلاً على حجته وامامته وان الامم تضل فيه لعله بسبب إنكارها له كما اشير إلى التشابه الذي بينه وبين الأنبياء (عليهم السلام).
٤ - ونقل الصدوق حديث يرويه بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أفضل العبادة انتظار الفرج)(١١٧٤).
ورد في فضل انتظار الفرج عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (سلوا الله من فضله فأن الله (عزَّ وجلَّ) يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج)(١١٧٥) ذكر الصدوق نفس الحديث الذي يرويه ينقله عن الإمام الرضا (عليه السلام) في كتاب آخر له(١١٧٦)، وبهذا الإسناد ورد الحديث في فرائد السمطين اذ يشير المصنف بقوله فيه ان انتظار الفرج هو بظهور المهدي (عجّل الله فرجه)(١١٧٧)، ورد عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (أفضل جهاد امتي انتظار الفرج)(١١٧٨)، وورد في هذا المعنى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) محدثاً أصحابه قال: (... انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله فان أحب الإعمال إلى الله (عزَّ وجلَّ) انتظار الفرج ما دام عليه العبد المؤمن...)(١١٧٩).
وفي عدد من الروايات عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) يتضح فيها فضل الانتظار منها قال: (من مات منكم على هذا الامر منتظراً كان كمن هو في الفسطاط الذي للقائم (عجَّل الله فرجه))(١١٨٠) ورد نفسه عند الصدوق وفيه تكملة: (لا بل كالضارب بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالسيف)(١١٨١)، وفي حديث عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال ذات يوم: (الا أخبركم بما لا يقبل الله (عزَّ وجلَّ) من العباد عملاً الا به، فقلت بلى، فقال: شهادة أن لا اله الا الله وان محمداً عبده والاقرار بما أمر الله والولاية لنا والبراءة من أعدائنا والورع والاجتهاد والطمأنينة والانتظار للقائم (عليه السلام) ثم قال: لنا دولة يجيب الله بها اذا شاء ثم قال: من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الاخلاق وهو منتظر فان مات وقام القائم بعده كان له الاجر مثل أجر من أدركه فجدوا وانتظروا هنيئاً لكم أيتها العصابة المرحومة)(١١٨٢)، ورد مثل الحديث عند بعض المؤرخين المتأخرين(١١٨٣)، وأورد صاحب كتاب منتخب الأثر ثلاثة وعشرين حديثاً بأسانيدها تشير إلى ثواب انتظار الفرج وفضل الانتظار في عصر الغيبة ينقلها عن عدد من المصنفين ومنها عن الصدوق(١١٨٤).
ومن المرجح هنا ان المقصود في فضل الانتظار وقرن بانه أفضل العبادة وذلك لعظم المسألة في الظهور المبارك الذي سيقدم به الامام المهدي (عجّل الله فرجه) الخير والعدل للبشرية جمعا وسيكون على يديه سعادتهم وقربهم إلى الله وحده ويعيد للدين نصابه الحق وعبادة الله حق عبادته وفي ظهوره الفرج بعد الشدة والتضييق والخلاص من الظلم والجور وتنقل البشرية إلى باحة العدل الإلهي لذا تكون من افضل العبادة هي في انتظار هذا الأمر والترقب له في كل وقت لإنقاذهم مما هم فيه إيماناً بما بشر به محمد وال محمد (عليهم السلام).
٥ - عن ابن عباس قال، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إن علياً بن أبي طالب (عليه السلام) إمام أمتي وخليفتي عليها من بعدي من ولده القائم المنتظر الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً والذي بعثني بالحق بشيراً إن الثابتين على القول به في زمان غيبته لأعز من الكبريت الأحمر(١١٨٥)، فقام اليه جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله وللقائم من ولدك غيبة؟ قال: إي وربي وليمحصن(١١٨٦)، الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، يا جابر إن هذا الأمر أمر من أمر الله وسر من سر الله مطوي عن عباده فإياك والشك فيه فإن الشك في أمر الله (عزَّ وجلَّ) كفر)(١١٨٧).
ينقل الطبرسي الحديث بالسند والنص بلا اختلاف(١١٨٨)، ينقل الحديث صاحب فرائد السمطين بسنده عن الصدوق(١١٨٩)، ومثله في كشف الغمة(١١٩٠)، ومثل الحديث نقل بنفس اللفظ والسند عند بعض المصنفين المتأخرين(١١٩١) وبهذا الصدد ورد عن ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) عن أحد أصحابه انه سمعه قال: (لا يكون الامر الذي تنتظرونه حتى يبرأ بعضكم من بعض ويتفل بعضكم في وجوه بعض ويشهد بعضكم على بعض بالكفر ويلعن بعضكم بعضاً، فقلت له: ما في ذلك الزمان من خير؟ فقال الحسين (عليه السلام): الخير كله في ذلك الزمان يقوم قائمنا ويدفع ذلك كله)(١١٩٢).
٦ - وفي حديث فيه تتمة للحديث السابق يرفعه الصدوق بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مخاطباً امير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته له قال: (يا علي واعلم أن أعجب الناس إيماناً وأعظم يقيناً قوم يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا النبي وحجب عنهم الحجة فآمنوا بسواد على بياض)(١١٩٣).
وروى المصنف نفس الحديث في كتاب آخر له عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مخاطباً وموصياً أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر طويل ورد من ضمنه الحديث أعلاه(١١٩٤) ورواه الطبرسي كما في خبر الوصية المذكور(١١٩٥)، ينقل الحديث الوارد عند الصدوق جملة من المتأخرين بالسند واللفظ ذاته(١١٩٦).
وبنفس مضمون الحديث عن الإمام الباقر (عليه السلام) عن آبائه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال ذات يوم وعنده جماعه من أصحابه: (اللهم لقني إخواني مرتين، فقال من حوله من أصحابه: أما نحن إخوانك يا رسول الله فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا إنكم أصحابي وإخواني قوم في آخر الزمان آمنو بي ولم يروني لقد عرفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم من قبل أن يخرجهم من أصلاب آبائهم وأرحام امهاتهم...)(١١٩٧).
وبحديث مشابه ورد عن طرق العامة يروى عن ابن عباس بان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مخاطباً جماعة من الناس ومن ضمن ما ورد في حديثه الشريف قال: (أيا الناس من أعجب ايماناً، قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا تؤمن الملائكة وهم يعاينون الأمر، قالوا فالنبيون يا رسول الله، قال: وكيف لا يؤمن النبيون والوحي ينزل عليهم من السماء، قالوا: فأصحابك يا رسول الله، قال: كيف لا يؤمن أصحابي وهم يرون ما يرون؟ ولكن أعجب الناس إيماناً قوم يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ويصدقوني ولم يروني أولئك إخواني)(١١٩٨).
من الملاحظ في الأحاديث السابقة التي نقلها المصنف إنها مشتركة بالإشارة إلى أنصار الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) والأمم في آخر الزمان وما يحصل لها من حيرة وضلال حتى يقبل الإمام كالشهاب الثاقب ولعل المراد هنا دلالة على السرعة في ظهوره حين تصل الأمور إلى هذا الحد بعد أن تضل الناس وتبتعد عن الدين، وبنفس الوقت أشارت الأحاديث إلى كرامة وفضل أصحابه المنتظرين إلى أمره حتى قرنهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بانهم رفقاؤه يوم القيامة والانتظار لهذا الأمر بانه أفضل العبادة ومن المرجح بالإشارة إلى ذخيرة الأنبياء هو الكتب السماوية الحقة وغير المحرفة ومعها وعلوم الأنبياء التي سيحتج بها على الأمم ويهديهم للتوحيد والرشاد وأن أكثر ما يتضح في جميع الأحاديث بأنها موجهة إلى المؤمنين به بالإمام الحجة (عجّل الله فرجه) وبغيبته وفضلهم عند الله وعند رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ثانياً - ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام):
ينقل هنا تسعة عشر حديثاً بعضها مكرر أو لها نفس المضمون بألفاظ مختلفة وبعضها له مناسبات اخرى في فصول البحث سنأتي على ذكرها في مباحث لاحقة وهنا أخذنا منها سبعة أحاديث وهي:
١ - اخرج الصدوق حديثاً ينقله بسنده بخمسة عشر طريقاً للسند يروى عن كميل بن زياد النخعي(١١٩٩) (رضي الله عنه) في حديث طويل نذكره باختصار مما جاء فيه أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له: (يا كميل إن هذه القلوب أوعية(١٢٠٠)، فخيرها أوعاها... اللهم بلى لن تخلو الأرض من قائم بحجته إما ظاهراً مشهوراً أو خائف مغموراً(١٢٠١) لئلا تبطل حجج الله وبيّناته)، وفي خبر قال: (اللهم انك لا تخلي الأرض من قائم بحجة إما ظاهراً أو خائفاً مغموراً لئلا تبطل حججك وبيناتك)، وبعد ذكر الحديث يقول الصدوق ان لهذا الحديث طرقاً كثيرة البعض منها لم تذكر عبارة ظاهر مشهور أو خائف مغمور(١٢٠٢).
ذكر أصل الحديث من كلام لأمير المؤمنين (عليه السلام) موصياً كميل بعدة امور في كتاب نهج البلاغة(١٢٠٣)، وأخرجه ابن هلال الثقفي بطريق مغاير لطرق نقل الحديث عند الصدوق(١٢٠٤) ومثله في الإمامة والتبصرة(١٢٠٥)، ونقل الحديث اليعقوبي في تاريخه(١٢٠٦)، والطوسي ينقل الحديث الثاني المروي عند الصدوق(١٢٠٧)، ونقله المفيد بطريق آخر وبنفس لفظ الحديث(١٢٠٨)، وأخرجه ابن عبد ربه بطريق آخر(١٢٠٩)، كما نقله صاحب كتاب الجليس الصالح يرفعه بسنده عن كميل بن زياد(١٢١٠)، كذلك ابن كثير الدمشقي اذ أخرج طرف الحديث يقول: (وقد روى عن كميل جماعة كثيرة من التابعين وله الاثر المشهور عن علي ابن ابي طالب [عليه السلام] الذي أوله القلوب أوعية فخيرها أوعاها، وهو طويل قد رواه جماعة من الحفاظ الثقات وفيه مواعظ وكلام حسن رضى الله عن قائليه)(١٢١١)، وذكره ابن عبد البر باختصار كبير الا انه يقول: (وهو حديث مشهور عند أهل العلم يستغنى عن الإسناد لشهرته عندهم) ثم يذكر مختصر الحديث(١٢١٢) وفي تذكرة الخواص بسند أخر وبنفس ألفاظ الحديث الواردة عند الصدوق(١٢١٣).
ومما يروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث آخر يشير إلى العلم والإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في نفس الوقت ودلال على انه الغائب وهو خاتم الحجج ومخرج الأسرار التي يكشفها حين ظهوره منها أسرار القرآن وعلومه ويبني به المعرفة الإنسانية العالمية المتطورة ذلك في كلام الأمير (عليه السلام) لكميل بن زياد في وصية طويلة وكثيرة المواعظ جاء فيها: (... يا كميل إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أدبه الله (عزَّ وجلَّ) وهو (عليه السلام) أدبني وأنا أدب المؤمنين وأورث الأدب المكرمين، يا كميل ما من علم إلا وأنا أفتحه وما من سر إلا والقائم (عليه السلام) يختمه ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، يا كميل لا تأخذ إلا عنا تكن منا...)(١٢١٤).
٢ - ورى المصنف بسند يرفعه عن الإمام الباقر عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (إن الله تبارك وتعالى أخفى أربعة في أربعة أخفى رضاه في طاعته فلا تستصغرن شيئاً من طاعته فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم، وأخفى سخطه في معصيته فلا تستصغرن شيئاً من دعائه فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم، وأخفى وليه في عباده فلا تستصغرن عبداً من عباده فربما يكون وليه وأنت لا تعلم)(١٢١٥).
اخرج الصدوق نفس الحديث بالسند ذاته في مؤلفات اخرى له(١٢١٦)، واخرج الحديث بعض المتأخرين نقلاً عن الصدوق(١٢١٧)، ولم أجد الحديث عند غيره من المصنفين المتقدمين.
ونقل هذا الحديث في أبواب الأخبار بالغيبة من قبل المصنف بما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فمن المرجح ان المراد منه هو الإشارة إلى الولي في الحديث (واخفى وليه في عباده فلا تستصغرن عبداً من عباده فربما يكون وليه وانت لا تعلم) فاحتمال القصد من المصنف بالكلية من الحديث انه يوضح اولياء الله لا يكون لهم شهرة ومعرفة بين الناس لتواضعهم وقربهم من الله اما القصد من ولي الله الحجة (عجّل الله فرجه) انه غائب عن الناس ولا يظهر لهم نفسه بشخصه الحقيقي أو بعنوانه كونه الامام وإنما متخفياً تحت عنوان واسم آخر كما أشرنا مسبقاً انه ممكن ان يشهد موسم الحج ويرى الناس ولا يرونه اي لا يعرفونه من هو بسبب التخطيط الإلهي المعد لهذا الأمر حتى يأذن الله لذا يدعو الحديث انه لا تستصغرن احداً ربما يكون هو الإمام وأنت لا تعلم ولعله هذا ما أراده الصدوق من ذكر الحديث مع احاديث الغيبة والنص عليه.
ورد بهذا الصدد عن غيبته وعدم معرفة انه الحجة حتى وان كان بين الناس إلى يأذن الله عن ابي عبد الله الصادق (عليه السلام) في حديث طويل جاء فيه: (... ان الله يفعل لحجته (عليه السلام) ما فعل ليوسف (عليه السلام) فيكون يمشي في اسواقهم ويطأ بسطهم وهو لا يعرفونه حتى يأذن الله سبحان ان يعرفهم نفسه كما أذن ليوسف (عليه السلام) فقالوا له أنت يوسف؟ قال: أنا يوسف)(١٢١٨).
٣ - في حديث يرفعه بسنده عن الامام الصادق عن أبائه (عليهم السلام) عن الامام علي (عليه السلام) أنه قال في خطبه له على منبر الكوفة: (اللهم انه لابد لأرضك من حجة لك على خلقك يهديهم إلى دينك ويعلمهم علمك لئلا تبطل حجتك ولا يضل أتباع أوليائك بعد إذ هديتهم به إما ظاهر ليس بالمطاع أو مكتتم مترقب إن غاب عن الناس شخصه في حال هدايتهم فإن علمه وآدابه في قلوب المؤمنين مثبتة فهم بها عاملون)(١٢١٩).
ويروي الكليني الحديث عن بعض أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ممن يوثق به وسمع منه على منبر مسجد الكوفة على حد قوله مع بعض الاختلاف في اللفظ عن حديث الصدوق إذ يتكلم بصيغ الجمع في الحديث، قال: (اللهم لابد لك من حجج في أرضك حجة بعد حجة على خلقك يهدونهم إلى دينك ويعلمونهم علمك كيلا يتفرق أتباع أوليائك ظاهر غير مطاع أو مكتتم مترقب ان غاب عن الناس شخصهم في حال هدايتهم فلم يغب عنهم قديم مثبوت علمهم وآدابهم في قلوب المؤمنين مثبته فهم بها عاملون... وانك لا تخلي أرضك من حج لك على خلقك ظاهر ليس بالمطاع أو خائف ممور كيلا تبطل حجتك ولا يضل أوليائك بعد اذ هديتهم...) ويكمل إلى نهاية الخطبة بهذا المقال(١٢٢٠)، وينقله النعماني بنفس رواية الكليني بتفاوت يسير(١٢٢١)، وعند المسعودي بسند آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام) إلى أن يقول: (فهم بها عاملون) وينهي الحديث(١٢٢٢).
لعل هذا التفاوت في نقل الحديث هو نتيجة النقل بالسماع من قبل من تواجد في المسجد عن الخطبة الملقاة عليهم من أمير المؤمنين (عليه السلام) ونتج هذا الاختلاط عندهم بالسماع ما بين الجمع أو الأفراد في الإشارة عن المقصود في الحديث لكن بالعموم انها تؤدي معنى واحداً بالإشارة إلى الحجج من الأئمة ومن المرجح انه المقصود منها الامام الحجة (عجّل الله فرجه) كون نهاية الحديث تشير إلى الحجة منهم الغائب والمؤمنين ثابت عندهم قوله في القلوب بما وصل إليهم من أتباعه بوصية آبائه وهم على ذلك عاملون ولعل هذا المراد من الحديث وهنا كما اشير في مباحث سابقة إلى ضرورة وجوده وان كان غائباً كون الانتفاع به ضرورياً للبشرية في غيبته وعند ظهوره بما بشر به محمد وال محمد.
٤ - يروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أحد أصحابه قال: سمعته يقول: (كأني بكم تجولون جولان(١٢٢٣) النعم تطلبون المرعى فلا تجدونه)(١٢٢٤)، وبنفس المضمون أخرج الصدوق حديث آخر بطريقين عن الإمام الجواد عن آبائه (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (للقائم منا غيبة أمدها طويل كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى(١٢٢٥) فلا يجدونه الا من ثبت منهم على دينه ولم يقس قلبه لطول أمد غيبة إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة، ثم قال (عليه السلام): إن للقائم منا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه)(١٢٢٦)، وعن أحد أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) قال سمعته يقول: (كأني بكم تجولون جولان الإبل تبتغون المرعى فلا تجدونه يا معشر الشيعة) أخرج سند هذا الحديث بطريقين(١٢٢٧).
نقل الحديث عن كتاب الإمامة والتبصرة بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ويرويه بطريقين للسند قال: (كأني بكم تجول جولان الأبل تبتغون المرعى فلا تجدونه يا معشر الشيعة)(١٢٢٨) ومثله في كتاب الغيبة(١٢٢٩)، ويروي الطبرسي نفسه (للقائم منا غيبة) كما عند الصدوق وبسند مختلف مع تفاوت يسير بالألفاظ(١٢٣٠).
لعل المراد من مجمل مفهوم الأحاديث أعلاه الإشارة إلى الغيبة وطول أمدها والتي على أثرها تكون الناس في حيرة حيث تجولون جولان النعم حين لا تجد مرعاها أو من لا يرعاها أو حين لا تجد مرعى خصب لها اي ممكن القول انها تتخبط في مسيرها حينها تجد البشارة في الحديث الا من ثبت ولم تصبه قسوة القلب بسبب طول الغيبة والملاحظ ان الكلام موجه إلى الشيعة أي إلى من يؤمن بالقضية بأنكم لا تجدون إمامكم إلا حين اليوم المشهود له فيحثهم على الثبات على الامر دون التخبط حين شبهه الامر بجولان النعم بلا مرعى حيث لا يعرف وجهتها الا الثابتون منهم والله اعلم.
٥ - في حديث يرفع سنده عن الاصبغ بن نباته قال: (سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: صاحب هذا الأمر الشريد(١٢٣١)، الطريد(١٢٣٢) الفريد(١٢٣٣) الوحيد(١٢٣٤))(١٢٣٥).
رواه الطرابلسي نقلاً عن الصدوق(١٢٣٦) وأخرجه القاضي النعمان بسند مختلف وبنفس العبارة(١٢٣٧)، ويروى عن جماعة كانوا عند أمير المؤمنين (عليه السلام) فكان اذا أقبل الإمام الحسن (عليه السلام) يقول: (مرحباً يا بن رسول الله) وإذا أقبل الحسين (عليه السلام) يقول: (بابي انت وامي يا أبا ابن خير الإماء) فقيل له: (يا أمير المؤمنين ما بلك تقول هذا للحسن وتقول هذا للحسين، ومن ابن خير الإماء؟ فقال: (ذاك الفقيد الطريد الشريد محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين هذا ووضع يده على رأس الحسين (عليه السلام))(١٢٣٨).
وللنظر في معاني مصطلحات الحديث تجدها واضحة أنها في الإمام الغائب وانه الملاحق والمطارد من أعدائه حتى أصبح شريداً فريداً وهو الوحيد بقية آل محمد (عليهم السلام) وكلمتي الطريد الشريد لعلها تدل ايضاً على حركته في كل مكان حرصاً على حياته بعيداً عن مواليه متجولاً مبتعداً عن أنظار اعداء الله حتى يأمن شرهم إلى اليوم المشهود لظهوره.
٦ - في حديث يتصل سنده بالإمام الرضا عن آبائه (عليهم السلام) يروى ان أمير المؤمنين (عليه السلام)) قال مخاطباً ولده الإمام الحسين (عليهما السلام): (التاسع من ولدك يا حسين هـو القائم (عجَّل الله فرجه) بالحق المظهر للدين والباسط للعدل، قال الحسين [عليه السلام]: فقلت له يا أمير المؤمنين وأن ذلك لكائن؟ فقال (عليه السلام): إي والذي بعث محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالنبوة واصطفاه على جميع البرية ولكن بعد غيبة وحيرة فلا يثبت فيها على دينه إلا المخلصون المباشرون لروح اليقين الذين أخذ الله (عزَّ وجلَّ) ميثاقهم بولايتنا وكتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه)(١٢٣٩).
ورد الحديث في كشف الغمة محذوف السند يرفعه ايضاً عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بنفس اللفظ(١٢٤٠)، وينقله الطبرسي عن الصدوق بالسند والنص المذكور(١٢٤١)، وإشارة للحديث المروي عند الصدوق هذا إشارة إلى انه من ذرية الإمام الحسين (عليه السلام) وفي شق الحديث الثاني فضل أصحابه ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (ابني هذا إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة تاسعهم قائمهم حجة ابن حجة أخو حجة أبو حجج تسع)(١٢٤٢).
وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) تشير إلى المنتظرين للفرج والمؤمنين بغيبته قال: (اقرب ما يكون العباد من الله وأرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجة الله (عزَّ وجلَّ) ولم يظهر لهم ولم يعلموا بمكانه وهم في ذلك يعلمون انه لم تبطل حجة الله جل ذكره ولا ميثاقه فعندها توقعوا الفرج صباحاً ومسا فان أشد ما يكون غضب الله (عزَّ وجلَّ) على أعدائه إذا افتقدوا حجة الله فلم يظهر لهم وقد علم الله أن أولياءه لا يرتابون ولو علم انهم يرتابون ما غيب حجته عنهم طرفة عين ولا يكون ذلك الا على شرار الناس)(١٢٤٣).
٧ - وأخرج الصدوق بسنده أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لابن عباس: (إن ليلة القدر في كل سنة وانه ينزل في تلك الليلة أمر السنة ولذلك الأمر ولاة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال ابن عباس: هم؟ قال: أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدثون)(١٢٤٤).
ورد نفس الحديث عند بعض المصنفين(١٢٤٥)، ويعد هذا الحديث مكرراً إذ ذكر أول الأمر في الفصل الأول من البحث في المبحث الثالث الا انه تعمدنا ذكره لما له علاقة بالغيبة وما له صلة بها وبالإمام مثلما أورده الصدوق في هذا الباب في سابق ذكره وضع بالدلالة العامة على إمامة الأئمة (عليهم السلام) اما هنا للرجوع لسورة القدر قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (القدر: ١-٥).
وورد في تفسير ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ ان ليلة القدر خير من الف شهر ليس فيها ليلة القدر اذ ورد عن الإمام الحسن (عليه السلام) بعد ما حصل الصلح مع معاوية فقال لبعض الناس: (ان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رأى بني امية يخطبون على منبره فساءه ذلك فنزلت ﴿إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ (الكوثر: ١) يا محمد يعني نهراً في الجنة ونزلت ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يملكها بعدك بنو امية يا محمد، فقال أحدهم فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يوماً ولا تنقص يوم)(١٢٤٦).
ورد في تفسير السورة المباركة ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ فهو القرآن انزل في البيت المعمور جملة وحده وعلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في طول ثلاث وعشرين سنة ﴿وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ ومعنى ليلة القدر ان الله يقدر فيها الآجال والأرزاق وكل أمر يحدث من موت أو حياة أو خصب أو جدب أو خير أو شر كما قال الله ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (الدخان: ٤)(١٢٤٧)، إلى السنة قوله ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها﴾ قال تنزل الملائكة وروح القدس على إمام الزمان ويدفعون إليه ما قد كتبوه من هذه الأمور هذا قوله تعالى ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قال رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في نومه قروداً تصعد منبره فغمه ذلك فانزل الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ تعني خير من الف شهر تملكه بنو امية، ليس فيها ليلة قدر، وقوله ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ﴾ والسلام هنا تحية يحي بها الإمام إلى أن يطلع الفجر (قيل لابي جعفر (عليه السلام) تعرفون ليلة القدر؟ فقال: وكيف لا نعرف ليلة القدر والملائكة يطوفون بنا فيها)(١٢٤٨).
وأهم شيء كل هذه المعاني الإشارة بان الأمر في عرض الأعمال على الأئمة (عليهم السلام) وهذا ما يحصل في ليلة القدر من السنة إلى السنة ومنها ان الملائكة تسلم على الأئمة (عليهم السلام) وتعرض عليهم ما يدور من امر العباد وتطوف بهم في كل ليلة قدر وبالنتيجة ان الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) كما هو حال آبائه (عليه السلام) كما ورد في البحث سابقاً لابد لله من حجة على الناس، ينقل عن ابي بصير عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: (سألته عن قول (عزَّ وجلَّ): ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ (النحل: ٢)، فقال (عليه السلام): جبرائيل الذي نزل على الأنبياء والروح تكون معهم ومع الأوصياء لا تفارقهم وتفقههم وتسددهم من عند الله...)(١٢٤٩).
وعن حال بني امية وما هي العلاقة هنا اذا انه ورد في الأخبار عنه انه يقتص من بني امية قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) اذا خرج، فينقل عن الإمام الرضا (عليه السلام) ان احد أصحابه سأله قال: (قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) ما تقول في حديث روي عن الصادق (عليه السلام): انه قال: اذا خرج القائم (عليه السلام) قتل ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) بفعال آبائهم؟ فقال (عليه السلام): هو كذلك، فقلت: وقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ (الأنعام: ١٦٤)، ما معناه؟ قال: صدق الله في جميع أقواله ولكن ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) يرضون بأفعال آبائهم ويفتخرون بها ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه ولو أن رجلاً قتل بالمشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله (عزَّ وجلَّ) شريك القاتل وإنما يقتلهم القائم (عليه السلام) اذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم...)(١٢٥٠).
وفي مجمل الامر انه ورد عن امير المؤمنين (عليه السلام) انه قرأ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ وعنده الحسن والحسين (عليهما السلام) فقال له الحسين: يا أبتاه كأن بها من فيك حلاوة؟ فقال له: يا بن رسول الله وابني إني أعلم ما لا تعلم أنها نزلت بعث لي جدك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقرأها علي ثم ضرب عل كتفي الأيمن وقال: يا اخي ووصيي وولي امتي بعدي وحرب أعدائي إلى يوم يبعثون: هذه السورة لك من بعدي ولولدك من بعدك إن جبرئيل أخي من الملائكة حدث إلي أحداث امتي في سنتها وانه ليحدث ذلك إليك كأحداث النبوة ولها نور ساطع في قلبك وقلوب أوصيائك إلى مطلع فجر القائم (عليه السلام))(١٢٥١).
ثالثاً - ما روي عن مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) في خبر الصحيفة واللوح(١٢٥٢):
ما روي عن مولاتنا الزهراء (عليها السلام) في خبر الصحيفة يشير إلى جميع أسماء الأئمة (عليهم السلام) وأسماء امهاتهم وأن الثاني عشر منهم القائم (عجّل الله فرجه)(١٢٥٣)، وفي خبر اللوح الذي أهداه الله (عزَّ وجلَّ) إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ودفعه رسول الله إلى فاطمة (عليها السلام) وعرضته على جابر بن عبد الله الأنصاري حتى قرأه وانتسخه وأخبر به الإمام الباقر (عليه السلام) بعد ذلك وفيه النص على القائم (عجّل الله فرجه)(١٢٥٤)، وقد روى المصنف هذين الخبرين في أبواب ما روي عن الأئمة (عليها السلام) في خبر الغيبة وأخرجهما في بابين وبطرق وأسانيد مختلفة يرفعها عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن مولاتنا الزهراء (عليها السلام) وبعضها عن الإمام الصادق (عليه السلام) يرويها عن أبيه الإمام الباقر (عليه السلام) بما أخبره جابر بن عبد الله الأنصاري ولم نذكر الأسانيد توخياً للاختصار وجمعنا الأخبار المطروحة في البابين المذكورين في الكتاب بترقيم عددي:
١ - في خبر الصحيفة قيل انه لما احتضر الإمام الباقر (عليه السلام): (دعا بابنه الصادق (عليه السلام) فعهد إليه فقال له أخوه زيد بن علي بن الحسين: لو امتثلت في تمثال الحسن والحسين (عليه السلام) لرجوت ان لا تكون أتيت منكراً، فقال له يا أبا الحسن إن الأمانات ليست بالتمثال ولا العهود بالرسوم وإنما هي امور سابقة عن حجج الله تبارك وتعالى، ثم دعا بجابر بن عبد الله فقال له: يا جابر حدثنا بما عاينت في الصحيفة؟ فقال له جابر: نعم يا أبا جعفر دخلت على مولاتي فاطمة (عليها السلام) لأُهنئها بمولود الحسن (عليه السلام) فإذا هي بصحيفة بيدها من درة بيضاء، فقلت يا سيدة النساء ما هذه الصحيفة التي أراها معك؟ قالت: فيها أسماء الأئمة من ولدي فقلت ناوليني لأنظر فيها، قالت: يا جابر لولا النهي لكنت أفعل لكنه نهي أن يمسها الا نبي أو وصي نبي أو أهل بيت نبي ولكنه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها، قال جابر: فقرأت فإذا فيها: أبو القاسم محمد بن عبد الله المصطفى أمه آمنة بنت وهب [ ثم يعدد أسماء الأئمة واحداً واحداً وألقابهم وأسماء امهاتهم إلى أن يقول ] أبو القاسم محمد بن الحسن هو حجة الله تعالى على خلقه القائم امه جارية اسمها نرجس صلوات الله عليهم أجمعين)(١٢٥٥).
وروى الحلي نفس الخبر السابق باختصار عن جابر حتى يختم خبره بقوله: (قلت لها: ناوليني لأنظر فيها قال: إليك مأذون أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها فقرأت فيها عدد الأئمة الاثني عشر بأسمائهم حتى انتهى إلى ابي القاسم محمد بن الحسن الحجة القائم (عليه السلام))(١٢٥٦)، واخرجه البياضي محذوفاً السند يذكر الخبر بقوله الصحيفة التي أخرجها جابر وقال: (أشهد بالله اني رأيته مكتوباً في اللوح) ثم يذكر نفس الوارد في النص عند الصدوق مختصراً مع بعض الاختلاف اذ يذكر في آخر الرواية: (وابو القاسم محمد بن الحسن هو حجة الله على خلقه القائم المنتظر امه جارية اسمها نرجس صلوات الله عليهم أجمعين)(١٢٥٧).
وهذا الخبر هنا غير مؤكد كونه يقول عندما احتضر الإمام الباقر (عليه السلام) وذلك لان الإمام توفي سنة (١١٤هـ)(١٢٥٨)، وجابر كان قد توفي قبله سنة (٧٤ او٧٧ او٧٨ ه)(١٢٥٩)، وممكن ان يكون صحيحاً لو لم يذكر انه احتضر لقلنا انه وقع في وقت ماء غير هذا كون مضمون الحديث وما ذكر في خبر اللوح فيه يتطابق مع غيره من الأحاديث ولعل السبب في هذا الخلط أو الالتباس هو كثرة نقل الحديث بالسماع فمن المرجح ان احد رواته التبس عليه في عبارة أو كلمة احتضر أو زمان رواية الحديث ويمكن ان نعد الحديث صحيحاً لو كان لقاء الإمام الباقر (عليه السلام) مع جابر حتى لو كان ذلك في حياة ابيه السجاد (عليه السلام) ولا مانع من ذلك ثم نقله إلى أولاده أو نقله الإمام الصادق (عليه السلام) فيما بعد عن ابيه كما سيتضح ذلك في الأحاديث التالية، ويمكن ان يكون الخبر صحيحاً ان الإمام الباقر (عليه السلام) روى لأبنائه ومن كان حاضراً عند احتضاره ما حصل بينه وبين جابر الأنصاري من قبل الا انه حصل في نقل الحديث بعض الخلط فمن الممكن ان الناقل أضاع أو نسي ذكر انه لما احتضر الإمام حدثهم بما حصل بينه وبين جابر قبل هذا الوقت وليس انه دعى جابر فهناك بعض النصوص ممكن ان يتغير معناها بحذف أو إضافة حرف فلو اضيف للحديث المذكور على سبيل المثال انه دعيت جابر أو التقيت جابر في احد الأيام لما حصل هذا الخلط أو الشك في نقله ولصح الحديث والله العالم وللنظر في الحديث الثاني لتجد انه منطقي بترتيب اللفظ والنقل بالرغم انهما بنفس المضمون العام للحديث.
الدليل على ذلك هو الحديث التالي بسند مختلف عن السابق أيضاً أخرج الصدوق حديثاً بسنده عن الإمام الباقر (عليه السلام) نفس الخبر الأول ولكن لا ينقل عن جابر وهو ان الإمام الباقر (عليه السلام) جمع ولده وفيهم عمه زيد بن علي ثم أخرج كتاباً بخط أمير المؤمنين (عليه السلام) وإملاء رسول الله مكتوب فيه: هذا كتاب العزيز الحكيم العليم - وذكر حديث اللوح إلى الموضع الذي يقول فيه (أًولئك هم المهتدون)(١٢٦٠)، ومن المرجح ان هذا الكتاب هو نفسه في الحديث السابق الذي أخرج فيه الإمام الكتاب وقرأه على أبنائه وهو نفس الذي رآه جابر في الصحيفة التي عند مولاتنا الزهراء (عليها السلام) وحدث به الإمام الباقر (عليه السلام).
٢ - وروى الصدوق خبره الثاني بطريقين يرفعه بسنده إلى الإمام الصادق (عليه السلام) برويه عن أبيه الامام الباقر (عليه السلام) بنفس النقل جاء فيه: (قال أبي (عليه السلام) لجابر بن عبد الله الأنصاري: أن لي إليك حاجة فمتى يخفف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها، فقال له جابر: في أي الأوقات شئت، فخلى به أبو جعفر (عليه السلام)، قال له: يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يدي امي فاطمة [عليها السلام] بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما أخبرتك به أنه في ذلك اللوح مكتوباً، فقال جابر: أُشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة [عليها السلام] في حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُهنئها بولادة الحسين (عليه السلام) فرأيت في يدها لوحاً أخضر ظننت أنه من زمرد(١٢٦١) فيه كتابة بيضاء شبيهة بنور الشمس، فقلت لها: بأبي أنت وأمي يا بنت رسول الله ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا اللوح أهداه الله (عزَّ وجلَّ) إلى رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابنيَّ وأسماء الأوصياء من ولدي فأعطانيه أبي ليسرني بذلك. قال جابر: فأعطتنيه أُمك فقرأته وانتسخته، فقال له أبي (عليه السلام): فهل لك يا جابر أن تعرضه علي؟ فقال نعم، فمشى معه أبي (عليه السلام) حتى انتهى إلى منزل جابر فأخرج إلى أبي صحيفة من رق، فقال: يا جابر انظر انت في كتابك لأقرأه أنا عليك، فنظر جابر(١٢٦٢) في نسخته فقرأه عليه أبي (عليه السلام) فوالله ما خالف حرفاً، قال جابر: فأني أُشهد بالله أني رأيته في اللوح مكتوباً)(١٢٦٣).
ثم ينقل الصدوق الخبر بطوله الوارد عن بهذا السند ومما جاء فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمد نوره وسفيره وحجابه ودليله نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين [فيه خبر طويل لم نذكره توخياً للاختصار(١٢٦٤)، إلى ان يذكر فيه أسماء الأئمة وبما خص كل واحد منهم إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ثم يقول ] ثم أكمل بابنه رحمة للعالمين عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيوب ستذل أوليائي في زمانه... أولئك أوليائي حقاً بهم أدفع كل فتنة... أولئك صلوات من ربهم ورحمه وأولئك هم المهتدون) وينقل عن ابي بصير انه قال في هذا الخبر: (لو لم تسمع في دهرك الا هذا الحديث لكفاك فصنه إلا عن أهله)(١٢٦٥).
٤ - وعن طريق آخر يذكر خبر اللوح عن الإمام الصادق (عليه السلام) وهو يحدث أحد أصحابه، أنه قال: (ألا أبشرك، قلت بلى جعلت فداك يا بن رسول الله فقال: وجدنا صحيفة بإملاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخط أمير المؤمنين (عليه السلام) فيها: (هذا كتاب العزيز الحكيم [ ثم يذكر ما ورد في اللوح حتى آخره انه جاء فيه ] هذا دين الملائكة والرسل فصنه عن غير أهله يصنك الله ويصلح بالك ثم قال (عليه السلام) من دان بهذا أمن عقاب الله (عزَّ وجلَّ))(١٢٦٦).
وهذين الحديثان الأخيران من المرجح أنهما نفس الحديث كونهما يشيران إلى نفس الصحيفة، اذ ينقل الصدوق هذا الخبر عن أبيه الوارد في كتاب الإمامة والتبصرة بنفس اللفظ والسند(١٢٦٧)، وأخرجه الصدوق بنفس النص والسند في كتاب آخر له(١٢٦٨)، واخرج مثل هذا الحديث بأسانيد مختلفة عدد من المصنفين ذكرنا عدداً كبيراً منهم كون الحديث هنا عن خبر واحد نقل عن ابي عبد الله الصادق عن أبيه (عليهما السلام) عن جابر ثم يذكرون الخبر نفسه عند زيارة جابر إلى فاطمة الزهراء (عليها السلام) ليهنئها بولادة الإمام الحسين (عليه السلام)(١٢٦٩)، وينقله صاحب كتاب الفضائل مثل النص المذكور عند الصدوق محذوف الأسانيد(١٢٧٠) ويورد الطبرسي الخبر نقلاً عن الصدوق(١٢٧١).
ويذكر الحديث عند الطوسي بنفس الخبر كما ورد عند الصدوق وبسند مختلف برواية جابر يرويها الإمامين الباقر والصادق (عليها السلام) الا انه يوجد اختلاف واختصار في نص الكلام الوارد في الكتاب الذي يذكره جابر اذ يقول في آخره: (والخلف محمد يخرج في آخر الزمان على رأسه غمامة بيضاء تظله من الشمس ينادي بلسان فصيح يسمعه الثقلين والخافقين وهو المهدي من آل محمد يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً)(١٢٧٢).
٥ - وفي خبر أخرجه الصدوق بسند آخر يرفعه إلى الإمام الباقر (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: (دخلت على مولاتي فاطمة وأمامها لوح يكاد ضوؤه يغشي الأبصار فيه اثنا عشر اسماً ثلاثة في ظاهره وثلاثة في باطنه وثلاثة أسماء في آخره وثلاث أسماء في طرفه فعددتها فهي اثنا عشر اسماً، فقلت: أسماء من هؤلاء؟ قالت: هذه أسماء الأوصياء أولهم ابن عمي وأحد عشر من ولدي آخرهم القائم (عليه السلام)، قال جابر: فرأيت فيها محمداً محمداً في ثلاثة مواضع وعلياً وعلياً وعلياً في أربعة مواضع)(١٢٧٣).
٦ - وبالمضمون ذاته في خبر آخر اخرجه بسندين مختلفين عن الإمام الباقر (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (دخلت على فاطمة [عليها السلام] وبين يديها لوح مكتوب فيه أسماء الأوصياء فعددت اثني عشر آخرهم القائم ثلاثة منهم محمد وأربعة منهم علي)(١٢٧٤).
وعن الحديث أخرج الصدوق في مصنفات أخرى له أحد هذه الحديث القائل: (عن ابي جعفر (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: دخلت على فاطمة (عليها السلام) وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها فعددت اثني عشر أحدهم القائم ثلاثة منهم محمد وأربعة منهم علي (عليهم السلام)) ثم يضيف تعليقاً يقول: (أخرجت الأخبار المسندة الصحيحة في هذا المعنى في كتاب إكمال الدين...)(١٢٧٥)، واخرجه المسعودي بسند مختلف مع تباين بسيط في اللفظ عن الباقر (عليه السلام)(١٢٧٦)، وينقله الطوسي بطريق آخر(١٢٧٧)، ونفس الخبر في كتاب تقريب المعارف اذ يقول: (ورووا قصة اللوح الذي اهبطه الله تعالى على نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيه أسماء الأئمة الاثني عشر وروا ذلك من عدة طرق عن جابر بن عبد الله الانصاري رحمه الله قال: دخلت على فاطمة (عليها السلام) وبين يديها لوح فيه اسماء الأوصياء من ولدها (عليهم السلام) فعددت اثني عشر أحدهم القائم بالحق اثنان منهم محمد واربعة منهم علي (عليهم السلام))(١٢٧٨)، ومثل ما ذكر في كتاب تقريب المعارف ينقله صاحب كتاب الاستنصار بالسماع عن المفيد(١٢٧٩)، ويقول المفيد ومثله الاربلي مكتفيان بالإشارة إلى خبر اللوح اذ يقولا: (وروت الشيعة في خبر اللوح الذي هبط به جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الجنة فاعطاه فاطمة (عليها السلام) وفيه أسماء الأئمة (عليهم السلام) من بعده وفيه محمد بن علي بعد ابيه)(١٢٨٠)، وكذلك الرازي يذكر سنداً مختلف ويكتفي بالإشارة عن خبر اللوح دون ذكره)(١٢٨١)، ونقله البعض عن الصدوق بالسند والنص نفسه بلا اختلاف(١٢٨٢).
ويذكره صاحب كتاب المقنع في الإمامة في ما روي عن جابر مع الإمام علي ابن الحسين (عليه السلام) ولم أجده عند غيره بالرغم من انه ينقل الحديث نفسه باختلاف بسيط يذكر فيه عن جابر: (بانه رأى في يد فاطمة الزهراء [عليها السلام] لوحاً أخضر من زمردة خضراء فيه كتابة بيضاء قال جابر: قلت لها (عليها السلام) ما هذا اللوح يا بنت رسول الله؟ فقالت: لوح أهداه الله تعالى إلى أبي وأهداه أبي الي فيه اسم ابي واسم بعلي والأئمة من ولدي، قال جابر: فنظرت في اللوح فرأيت فيه ثلاثة عشر اسماً كان فيهم محمد في أربعة مواضع)(١٢٨٣).
وكما رواه الصدوق بعدة اسانيد وبصياغات مختلفة كذلك رواه عدد من المصنفين من المتقدمين والمتأخرين كذلك بأسانيد وصيغ متعددة ويذكره البعض منهم باختصار أو بالإشارة فقط إلى خبر اللوح الذي أعطاه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لفاطمة (عليها السلام) يروى عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) وعن جابر يحمل أسماء الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) تؤدي نفس الغاية والهدف من الحديث بالإشارة إلى إمامة الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) وآخرهم القائم كون اللوح هو مما أعطاه الله (عزَّ وجلَّ) لرسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو أعطاه للزهراء (عليها السلام) كما قالت: (فأعطنيه أبي ليسرني بذلك) وبتواتر هذا الخبر وكثرة نقله ومع اختلاف طرق نقله وأسانيده والتفاوت في الألفاظ مع اختصاره أو ذكره بتفاصيله وارتفاع سنده عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري ومنها بصورة مباشرة يرفع سند الحديث عنهما يعد خبراً موثوقاً وكافياً بالإشارة إلى الإمام الغائب (عجّل الله فرجه) كونه دالاً على امام إبائه وفي نهاية الاحاديث المروية بالقول وآخرهم القائم (عجّل الله فرجه) بما يتوافق في القول مع ما ذكر من احاديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن الأئمة (عليهم السلام) بهذا الصدد.
والمرجح من هذه الأخبار هو الثاني منها عند زيارة جابر للزهراء (عليها السلام) يهنئها بولادة الحسين (عليه السلام) كونه أكثر الأخبار نقلاً، وعن الاختلاف في ولادة من كانت زيارة جابر هو فرق النقطتين بين اسمي الإمامين (عليهم السلام) فمن المرجح أنها سقطت في بعض الروايات فكانت باسم الإمام الحسن (عليه السلام) أو قل انها أضيفت للاسم اشتباهاً من الرواة أو النساخ فصارت باسم الإمام الحسين (عليه السلام) وسقوطها أسهل من إضافتها بسبب النسيان أو السهو أو عدم الالتفات لذا فالأرجح أنها في ولادة الإمام الحسين (عليه السلام)، خبر اللوح الأخضر وكذلك هناك اشارة اخرى في الخبر الثاني هي والاختلاف الحاصل بين الروايتين حول اللوح فالأولى قال: (بيدها صحيفة من درة بيضاء) والثانية قال: (في يدها لوحاً أخضر ظننت أنه من زمرد فيه كتابة بيضاء) فأغلب الروايات تشير إلى اللوح الأخضر ولعل كلمة أو لون أخضر سقطت من بعض الروايات فصارت لوح أو قل صحيفة بيضاء وحسب الرواية الثانية التي يرويها الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه الإمام الباقر (عليه السلام) بتطابق الصحيفة التي عند جابر حين نظر فيها وهي نسخة عن اللوح الذي رآه الإمام الباقر (عليه السلام) لذا يمكن القول أن الرواية هي أصح وأدق.
رابعاً - ما روي عن الإمام الحسن (عليه السلام):
ينقل المصنف فر هذا الباب حديثين عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) وهما:
١ - يروى المصنف بسنده في رواية طويلة نذكرها باختصار عن الإمام ابي جعفر الثاني محمد بن علي (عليه السلام)(١٢٨٤) في حادثة وقعت مع الإمام الحسن (عليه السلام) قال: (أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم ومعه الحسن بن علي [عليه السلام] وسلمان الفارسي (رضي الله عنه) متكئاً على يد سلمان فدخل المسجد الحرام فجلس إذ أقبل رجل حسن الهيئة واللباس فسلم على أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتني بهن علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنهم ليسوا بمأمونين في دنياهم ولا في آخرتهم وإن تكن الأخرى علمت أنك وهم شرع سواء فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) سلني عما بدا لك؟ [ فسأل الرجل ما بدا له في مسائل عامة، حينها التفت الأمير (عليه السلام) إلى الإمام الحسن (عليه السلام) وأمره أن يجيب الرجل على ما سأل فأجابه عن جميع ما سأل وبعد أن أجابه ] فقال الرجل: أشهد أن لا اله الا الله ولم أزل أشهد بها وأشهد أن محمد رسول الله ولم أزل أشهد بها وأشهد أنك وصيه والقائم بحجته بعده وأشار بيده إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)[ ثم شهد بذلك لجميع الأئمة (عليهم السلام) إلى أن قال الرجل ]: وأشهد على رجل من ولد الحسن [العسكري] بن علي لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر أمره فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ثم قام فمضى)(١٢٨٥).
ثم يكمل أنه بعد أن مضى: (فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا أبا محمد اتبعه فانظر أين يقصد؟ فخرج الحسن (عليه السلام) في أثره قال: فما كان الا أن وضع رجله خارج المسجد فما دريت أين أخذ من أرض الله فرجعت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأعلمته فقال: يا أبا محمد أتعرفه؟ فقلت الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم، فقال: هو الخضر (عليه السلام))(١٢٨٦).
قد يعترض البعض على ورود هذا الحديث في باب ما ذكر عن الغيبة والنص على الامام (عجّل الله فرجه) فكما اشرنا سلفاً ان حال الائمة (عليهم السلام) جميعهم واحد في النص على الامامة بحديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما نزل بحقهم من القرآن فضلاً عن ذلك يتضح في نهاية الحديث أن السائل هو الخضر الذي قلنا ببقائه على قيد الحياة حيث المراد من هذا كله هو الاقرار منه على الائمة (عليهم السلام) حيث شهد بها بحضور امير المؤمنين والحسن (عليهما السلام) وبحضور سلمان وفي المسجد الذي من المحتمل وجود غيرهم فيه من العامة وفوق هذا ان ما خص بشهادته فقرة خاصة عن الامام الحجة (عجّل الله فرجه) حيث قال: (وأشهد على رجل من ولد الحسن بن علي لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر أمره فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته) وبهذا يكون مغزى ذكر الحديث هنا واضحاً.
ورد الحديث عند الكثير من المصنفين منها يورده صاحب المحاسن مع بعض الاختلافات يرفعه بسنده عن ابي عبد الله (عليه السلام) يخاطب أحد أصحابه ويخالف في قضية المولود يشبه أعمامه وأخواله فانه يذكرها: (المولود الذي يشبه اباه كيف يكون) ولم يذكر أسماء الأئمة واحداً واحد إلى ان يقول: (واشهد ان الحسين وصيك حتى أتى على آخرهم فقال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) فمن الرجل؟ قال: الخضر)(١٢٨٧)، واخرجه القمي في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) كما هو عند الصدوق مع اختلاف بسيط في صياغة الجمل(١٢٨٨)، ونفس رواية الصدوق نقلها عدد من المصنفين المتقدمين بأسانيد عدة ومنهم من كان سابق لعهد الصدوق ومنهم من نقلها عنه ونقلها بعض المتأخرين عنه وعن غيره من المؤرخين يرونها عن ابي جعفر الثاني الامام محمد الجواد (عليه السلام)(١٢٨٩).
٢ - يروى أن الإمام الحسن (عليه السلام) لما صالح معاوية(١٢٩٠)، فدخل عليه بعض الناس فلامه بعضهم على بيعته، فقال (عليه السلام): (ويحكم ما تدرون ما عملت والله الذي عملت خيراً لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت ألا تعلمون أنني إمامكم مفترض الطاعة عليكم واحد سيدي شباب أهل الجنة بنص من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليَّ؟ قالوا بلى، قال: أما علمتم أن الخضر (علي السلام) لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك وكان عند الله تعالى ذكره حكمة وصواباً أما علمتم أنه ما منا أحدٌ إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) خلفه فإن الله (عزَّ وجلَّ) يخفي ولادته ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعه إذا خرج ذلك التاسع من ولد أخي الحسين [عليه السلام] ابن سيدة الإماء يطيل الله عمره في غيبته ثم يظهر بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير)(١٢٩١).
ونقل الخبر عدد من المؤرخين في مصنفاتهم في أبواب ما يتعلق بحياة الإمام الحسن (عليه السلام) والأحداث التي حدثت في عصره(١٢٩٢)، الملاحظ في هذه الأحاديث المبارك ثلاثة أوجه من الحكمة مع كونه يشير إلى حقه بالإمامة وانه مفترض الطاعة وهي أن الإمام الحسن (عليه السلام) أراد أن يربط بين وجه الحكمة من صلحه مع معاوية إذ أنَّ هذا الصلح فيه مصلحتهم وحماية لهم من إراقة الدماء وكف الأذى إذ لم يتضح لهم ذلك حين ذلك حين اتخذ الإمام (عليه السلام) هذا القرار فلم يصبروا على طاعته فلاموه على الصلح وضرب لهم مثالاً صريحاً من القران الكريم وما حصل بين الخضر وموسى (عليهما السلام) ولم يتضح وجه الحكمة في الأمر حتى لم يصبر موسى فوضح له الخضر الغاية مما قام به، ثم يربط الموضوع بقضية الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) ويشير لهم إلى في الحديث لوجه الحكمة في غيبته حتى لا يكون في عنقه بيعه لاحد وينبههم بطول عمره ويظهر بصورة الشباب.
وبهذا الصدد يروى عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في حديث طويل له كان بعد الصلح مع معاوية من ضمن ما جاء فيه: (... والله لئن آخذ عهداً من معاوية عهداً أحقن به دمي وأؤمن به في أهلي خيرٌ من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعون إليه سلماً والله لئن سالمته وأنا عزيز خيرٌ من أن يقتلني وأنا أسيرٌ أو يمن علي فيكون سنة على بني هاشم آخر الدهر لمعاوية لا يزال يمن بها وعقبة على الحي منا والميت...[ثم يتكلم عن حكم بني امية وطغيانهم إلى ان يتم حديثه عن الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) فيقول] حتى يبعث الله رجلاً في آخر الزمان وكَلَبٍ من الدهر وجل من الناس يؤيده الله بملائكته ويعصم أنصاره وينصره بآياته ويظهره على أهل الأرض حتى يدينوا طوعاً وكرهاً يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ونوراً وبرهاناً يدين له عرض البلاد وطولها... فطوبى لمن أدرك أيامه وسمع كلامه)(١٢٩٣).
خامساً - ما روي عن الإمام الحسين (عليه السلام):
١ - عن الإمام الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عن الإمام الحسين (عليه السلام) قال: (في التاسع من ولدي سنّة من يوسف وسنةّ من موسى بن عمران وهو قائمنا أهل البيت يصلح الله تبارك وتعالى أمره في ليلة واحدة)(١٢٩٤).
اخرج الحديث من كلا الجانبين عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن الأئمة (عليهم السلام) البعض منهم يخرج الشق الثاني من الحديث منها عن العامة، أخرجه أبو شيبة في مصنفه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة)(١٢٩٥)، وينقل ابن ماجة نفس الحديث(١٢٩٦) ورواه الموصلي يرفع سنده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (المهدي منكم أهل البيت يصلحه الله في ليلة)(١٢٩٧)، وذكره غيرهم بأسانيد عدة(١٢٩٨)، وفي مصادر الإمامية أخرجه جملة من المصنفين كما هو النص عند الصدوق وبأسانيد مختلفة(١٢٩٩).
وينقل عن الإمام محمد الجواد (عليه السلام) قال: (إن القائم منا هو المهدي الذي يجب ان ينتظر في غيبته ويطاع في ظهوره هو الثالث من ولدي والذي بعث محمداً بالنبوة وخصنا بالإمامة انه لوم لم يبق من الدنيا الا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً وان الله تبارك وتعالى ليصلح له امره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى (عليه السلام) اذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً فرجع وهو رسول نبي) وفي خبر عن الصادق (عليه السلام) قال:... وهكذا يفعل الله تبارك وتعالى بالقائم الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام) يصلح له أمره كما أصلح أمر نبيه موسى (عليه السلام) ويخرجه من الحيرة والى نور الفرج والظهور)(١٣٠٠).
وقد اشير في الفصل الأول من الاطروحة في خبر الولادة ان من المحتمل المراد من ليلة واحدة هو ليلة ولادته (عجّل الله فرجه) اذ لم يعرف أمرها ولم يتبين على والدته شيئا إلا في ليلة الولادة حيث شاء الله ان تكون كل اعراض الحمل والولادة في تلك الليلة لحمايته من المخاطر المحتملة وهذا احتمال عن هذا الحديث والاحتمال الآخر ولعله هو المراد من الحديث هو ليلة الظهور المقدس حين يمكن له بامر الظهور والنصرة على أعدائه ويهيئ له أسباب الوقوف على الحق ورد أعداء الله والدين وقد بان مقصدها من الحديث السابق، واما سنن من الأنبياء (عليهم السلام) فتطرقنا إليها مسبقاً.
٢ - ويروى عن الإمام الحسين (عليه السلام) أنه قال: (قائم هذه الأمة هو التاسع من ولدي وهو صاحب الغيبة وهو الذي يقسم ميراثه وهو حي)(١٣٠١).
روى هذا الحديث الطبرسي نقلاً عن الصدوق قال الامام الحسين (عليه السلام): (هو قائم هذه الامة...) ويكمل نفس الحديث(١٣٠٢)، وينقل الحديث عنه صاحب كتاب المسلك في اصول الدين مختصراً إلى (وهو صاحب الغيبة)(١٣٠٣)، ومثله في العدد القوية مختصراً(١٣٠٤)، وفي الصراط المستقيم عن الصادق عن الباقر عن أبيه عن الإمام الحسين (عليهم السلام) وينقل ما رواه الصدوق(١٣٠٥).
في ذكر سابق للأحاديث عن المواريث منها ما ورد بشأن العلم ومواريث الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) واضحة المقال ذكرت في مباحث سابقه من البحث الا أن الواضح من هذا الحديث المقصود منه هو الميراث المادي للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) حتى وان لم يقسمه بالمعنى التام المعروف للمواريث الا انه طالب بميراثه وأشار اليه كما تذكر الروايات فالاحتراز المطلوب لحفظه منعه من يكون طلبه جهاراً إمام الملأ ولعل المقصود من يقسم ميراثه وهو حي ممكن ان يكون القصد: (انه يُقَسم اي قسم ميراثه دون وجوده وهو على قيد الحياة)، حيث كان جعفراً(١٣٠٦)، عمه يطمع بالميراث والذي قيل انه قسم الميراث مع الجدة بمساعدة السلطة الا ان صاحب الأمر وضحه ببعض الامور على الرغم من انه لم يأخذ ميراثه كما هو معروف في المواريث الا انه اراد ان يبين للناس ان للحسن العسكري (عليه السلام) ولداً يخلفه وانه الثاني عشر والدليل ان السلطة حينها بقيت تبحث عنه بعد وشاية جعفر لعلمها بوجود الثاني عشر من الأئمة لطمعه بالميراث حتى انه بعد وقوف السلطة على قسمة الميراث قال جعفر للمعتمد: (اجعل مرتبة أبي وأخي واصلُ إليك كل سنة عشرين الف دينار)(١٣٠٧).
وبعد شهادة الإمام العسكري (عليه السلام) حين تقدم جعفر للصلاة على الإمام حينها خرج عليهم الحجة (عجّل الله فرجه) وتقدم للصلاة كما تصفه الرواية إن خرج عليهم صبي وقال لجعفر: (تأخر يا عم فأنا أحق بالصلاة على أبي فتأخر جعفر وقد أربد(١٣٠٨)، وجهه واصفر فتقدم الصبي وصلى عليه ودفن إلى جانب قبر ابيه (عليه السلام))(١٣٠٩)، والأمر الثاني قيل: (خرج صاحب الزمان على جعفر الكذاب من موضع لم يعلم به عندما نازع في الميراث بعد مضي ابي محمد (عليه السلام)، فقال له: يا جعفر مالك تعرض في حقوقي؟ فتحير جعفر وبهت ثم غاب عنه فطلبه جعفر بعد ذلك فطلبه جعفر بعد ذلك في الناس فلم يره، فلما ماتت الجدة ام الحسن امرت ان تدفن في الدار فنازعهم في الدار وقال هي: داري لا تدفن فيها فخرج (عليه السلام) فقال: يا جعفر أدارك هي؟ ثم غاب عنه فلم يره بعد ذلك)(١٣١٠).
في المعنى العام لهذه الأخبار ما يوضح قضية الميراث ومنها الصلاة على والده وتنحي جعفر عن الصلاة دون ان يعترض هذا جانب، والجانب الآخر ظهوره له قال له مالك تعرض في حقوقي هذه إشارة بانه صاحب الحق وان لم يضع يده عليه الا انه أراد أن يفصل بالقول في حقه وبالرغم من ان هذه الحادثة بين الإمام وجعفر الا انه من المرجح انها عرفت حين طلبه جعفر وبحث عنه بين الناس ولم يره نتيجة ما تفاجأ به، والثالث هو دفن الجدة وايضاً وضح ذلك الإمام بانه صاحب الدار اي المالك الشرعي لها يعني ان المرجح في لب الموضوع يقسم ميراثه وهو حي انه أشار بتلك الحوادث وفصل الأمر لجعفر ورسالة للعامة انه الوارث الشرعي وانه حي على قيد الحياة وليست الغاية ان يضع يده على أموال أبيه أو داره وحتى ان في هذا ايجابية اخرى تخص إثبات وجود الإمام حيث ان الاعتراف به لم يكن فقط عن طريق مواليه ومحبيه بل حتى عن طريق من افشى به للسلطة أو اراد به سوءاً رغبة في الميراث حيث شاع الأمر بانه يبحث عنه كما أشارت الرواية السابقة بعد التقى به ما هو الا دليل على وجوده كون العامة تعرف بان جعفراً وقف مع السلطة بعد وفاة العسكري والثانية يبحث عن الامام بين الناس وهو عمه يعني تعطي دلالة على اثبات وجوده (عجّل الله فرجه).
٣ - وفي حديث يرفعه بسنده إلى الامام الحسين (عليه السلام) قال: (منا اثنا عشر مهدياً أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم التاسع من ولدي وهو الامام القائم بالحق يحيي الله به الأرض بعد موتها ويظهر به دين الحق على الدين كله ولو كره المشركون، له غيبته يرتد فيها أقوام ويثبت فيها على الدين آخرون فيؤذون ويقال لهم ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (الملك: ٢٥)، أما إنّ الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(١٣١١).
أورده المصنف في عيون أخبار الرضا(١٣١٢)، وورد في عدد من المصادر البعض منهم نقله عن الصدوق(١٣١٣)، واخرجه الحلي باختصار نقلاً عن الصدوق(١٣١٤) وكذلك صاحب كتاب منتخب الأنوار المضيئة من بعد كلمة ويؤذون يذكر بعدها (يقال لهم: (﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ اين امامكم الذي تزعمون)(١٣١٥)، وكذلك صاحب العدد القوية باختصار(١٣١٦).
الحديث المذكور فيه عدة مضامين أولها إحياء الأرض بعد موتها حيث ورد في قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ (الحديد: ١٧)، بالرغم من ذكرها في المبحث الأول من الفصل الأول لكن زيادة على ذلك ورد في روضة الكافي عن تفسير هذه الآية عن الصادق (عليه السلام) قال: (العدل بعد الجور)(١٣١٧)، وورد عنه (عليه السلام) قال: (أي يحييها الله بعدل القائم عند ظهوره بعد موتها بجور أئمة الضلال)(١٣١٨)، والشاهد على ذلك من حين ولادته اذ ورد عن الإمام العسكري (عليه السلام) في ليلة ولادة الحجة (عجّل الله فرجه) حين قال لعمته حكيمة: (بيتي عندنا الليلة فإنه سيولد الليلة المولود الكريم على الله (عزَّ وجلَّ) الذي يحيي الله (عزَّ وجلَّ) به الأرض بعد موتها...)(١٣١٩).
وبمعنى اقرب للحديث ما يروى عن الإمام الحسين (عليه السلام) يذكر ان رجلاً إعرابياً سأل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (يا رسول الله هل يكون بعدك نبي؟ قال: لا أنا خاتم النبيين ولكن بعدي أئمة من ذريتي قوامون بالقسط كعدد نقباء بني اسرائيل أولهم علي بن ابي طالب فهو الإمام والخليفة بعدي وتسعة من الأئمة من صلب هذا ووضع يده على صدري والقائم تاسعهم يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت في أوله)(١٣٢٠)، وهذا الحديث يوضح مقصد الشق الثاني من الحديث المروي عن الإمام الحسين (عليه السلام) عن الصابر في غيبته له أجر المجاهد في زمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اذ ان الإمام (عجّل الله فرجه) يقوم بالدين كما قام به جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اول الأمر حيث نلاحظ تطابق مضامين الأحاديث اذ ان المعصومين (عليهم السلام) حديثهم حديث جدهم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الإشارة والنص على الإمام القائم (عجّل الله فرجه).
٤ - ينقل حديث بسنده عن عبد الله بن عمر قال: (سمعت الحسين بن علي [عليه السلام] يقول: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله (عزَّ وجلَّ) ذلك اليوم حتى يخرج رجلٌ من ولدي فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً كذلك سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول)(١٣٢١).
ذكر الحديث في عدد من المصادر مع اختلاف الألفاظ الا أنها تؤدي معنى الحديث المذكور، منها في سنن ابي داوود عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (لو يبقى من الدهر الايوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً)(١٣٢٢)، رواه السلمي بعدة أسانيد وألفاظ منها عن عبد الله بن عمر وعن غيره من الصحابة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منها قال: (لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً) وقال: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي) وفي أحاديث يقول من العرب ومنها يقول من أهل بيتي(١٣٢٣).
ورواه ابن قيم الجوزية بعدة أسانيد ولمناسبات مختلفة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مرة يذكره (حتى يبعث رجل مني اسمه اسمي) ومرة (المهدي مني) واخرى يذكره (المهدي من أهل البيت يصلحه الله في ليلة) ويذكره (المهدي من عترتي من ولد فاطمة) وفي بعضها يقول: (يملك رجل من أهل بيتي) وفي حديث مشابه لما ورد عن الصدوق ينقله عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (لم يبقى من الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من ولدي اسمه اسمي)، وقال: (اسمه اسمي وخلقه خلقي)(١٣٢٤)، وينقله السيوطي بعدة مضامين منها قال: (لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله تعالى رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً)(١٣٢٥)، وهناك مصنفين نقلوا الحديث وله المضامين نفسها بأنه لو لم يبقى الا يوم ذكرت في جميعها(١٣٢٦).
وفي الإرشاد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لن تنقضي الأيام والليالي حتى يبعث الله رجلاً من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(١٣٢٧)، ورواه الطوسي بسند آخر: (لو لم يبقى من الدنيا الا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً)(١٣٢٨)، ومثله في كشف الغمة(١٣٢٩)، وفي فرائد السمطين قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا تنقضي الدنيا [او] لا تذهب الدنيا حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي) وفي حديث (رجل من اهل بيتي) وفي آخر يملك العرب رجل من اهل بيتي)(١٣٣٠)، ويذكر انه قال: (... رجل من أهل بيتي يقال له المهدي)(١٣٣١)، ويروى عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انه قال: (لو يبقى من الدنيا الا يوم واحداً لطول الله (عزَّ وجلَّ) ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من ولدي اسمه اسمي، فقام سلمان (رضي الله عنه) فقال: يا رسول الله من أي ولدك هو؟ قال من ولدي هذا وضرب بيده على الحسين (عليه السلام))(١٣٣٢).
ان الحكمة من القول لا تعني انه سيقوم بيوم واحد وينتهي الأمر لكن تشير الأحاديث هنا إلى حتمية الأمر فحتى لو لم يبقى الا يوم واحد لا بد من ظهوره ولطول الله ذلك اليوم اي وقت ذلك اليوم حتى يقوم بما أوكل إليه من امر القيام كأنما الحديث يرد على المنكرين والمعترضين على صاحب الغيبة فانه مهما كانت اعتراضاتكم وحججكم وبقي يوم واحد من الدنيا سيظهر بأمر الله (عزَّ وجلَّ).
٥ - ينقل الصدوق حديثه يرفع بسنده عن عيسى الخشاب قال: (قلت للحسين بن علي [عليه السلام]: أنت صاحب هذا الأمر؟ قال: لا ولكن صاحب الأمر الطريد الشريد الموتور(١٣٣٣)، بأبيه المكنى بعمه يضع سيفه على عاتقه ثمانية أشهر)(١٣٣٤)، وعن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: (هو الطريد الوحيد الغريب الغائب عن أهله الموتور بابيه)(١٣٣٥).
نقل الصدوق الحديث عن أبيه المذكور في كتاب الإمامة والتبصرة(١٣٣٦)، وبالسند نفسه نقله عن الصدوق بعض المتأخرين(١٣٣٧)، والحديث الثاني لم ينقله سوى المتأخرين(١٣٣٨)، ويروي الحديث صاحب دلائل الإمامة بطريقين مختلفين عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بأقل لفظاً(١٣٣٩)، روي الحديث عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: صاحب هذا الأمر هو الطريد الشريد الموتور بأبيه المكنى بعمه المفرد من اهله اسمه اسم نبي)(١٣٤٠)، وأخرج الصدوق في أبواب الغيبة عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (في صاحب الأمر سن من موسى وسنة من عيسى وسنة من يوسف وسنة من محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم): فأما من موسى فخائف يترقب وأما من يوسف فالسجن والغيبة وأما من محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فالقيام بسيرته وتبين آثاره ثم يضع سيفه على عاتقه ثمانية أشهر فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله (عزَّ وجلَّ) [فقيل له] وكيف يعلم أن الله تعالى قد رضي؟ قال: يلقي الله (عزَّ وجلَّ) في قلبه الرحمة)(١٣٤١)، وذكر الحديث المروي عن الخروج بالسيف عند عدد من المصنفين بعدة اسانيد(١٣٤٢).
وتنقل بعض المصادر حديثاً مروياً عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في حديث طويل نذكره باختصار عن أبيه (عليه السلام) انه قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):... وهو الطريد الشريد الموتور بابيه وجده صاحب الغيبة يقال مات أو هلك أي واد سلك...)(١٣٤٣).
وعن كنيته بقوله (المكنى بعمه) فالمقصود فعمه جعفر بأنه يكنى بعمه تعني ابا جعفر، وفي بعض الروايات التي تصرح بذلك بانه (أبو جعفر) وقيل انه له كنى أحد عشر إماماً اي يكنى بكنى أجداده وآبائه الطاهرين (عليهم السلام)(١٣٤٤)، والمعروف ان آباؤه كنى البعض منهم بأبي جعفر (عليهم السلام).
ما قيل انه يضع سيفه على عاتقه ثمانية أشهر، في حديث طويل عن ابي عبد الله (عليه السلام) فيه: (... سيفه سيف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يجرد السيف على عاتقه ثمانية أشهر...)(١٣٤٥)، وفي الحاوي في خبر السفياني وحربه معه في حيث عن امير المؤمنين (عليه السلام) ورد فيه: (إذا بعث السفياني إلى المهدي جيشاً... ويخرج قبله رجل(١٣٤٦)، من أهل المشرق ويحمل السيف على عاتقه ثمانية أشهر...)(١٣٤٧).
وللحديث عن خبر الثمانية أشهر اخرج احد المؤرخين استنتاجاً من خلال اطروحتين:
الأطروحة الأولى: أن هذا القتل هو الذي يحدث خلال الفتح العالمي والثمانية أشهر هي المدة التي يتم فيها الاستيلاء على العالم.
الأطروحة الثانية: ان القتل الذي يحدث خلال الثماني أشهر ليس للفتح العالمي بل لاجتثاث المنحرفين نحو الباطل من المجتمع(١٣٤٨).
ومن الملاحظ في أحاديث المعصومين على اختلاف زمان كل إمام فيها ترابط كبير وبالرغم من أن كل إمام منهم نطق بأحاديث خاصة به تجاه القضية المهدوية لكن تجدها بنفس المعنى مع ما ورد عند غيره من الأئمة ولذا تجد في كثير من مواضع البحث عند ذكر حديث لأحد الأئمة استشهدنا عليه بما ورد عن غيره من الأئمة وبنفس المضمون.
المبحث الثاني: ما روي عن الأئمة السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام):
أولاً - ما روي عن الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام):
روى في هذا الباب تسعة أحاديث أربعة منها أشير إليها في مباحث سابقة(١٣٤٩) واقتطعنا من بعض الروايات ما يشير إلى أخبار جعفر ستذكر لاحقاً في الفصل الرابع وفي هذه الفقرة أخذنا خمس روايات فقط أحدها ذكره المصنف بسندين وهي:
١ - ينقل الصدوق في خبر طويل لمحادثة جرت بين الإمام السجاد (عليه السلام) وبين أحد أصحابه أبي خالد الكابلي(١٣٥٠) يذكره بسندين للحديث نأخذ بعض المقاطع منها انه يروي عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (... إذ ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه الصادق فأن للخامس من ولده ولداً اسمه جعفر يدعي الإمامة اجتراء على الله وكذباً عليه فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري على الله (عزَّ وجلَّ) والمدعي لما ليس له بأهل المخالف على أبيه والحاسد لأخيه ذلك الذي يروم كشف ستر الله عند غيبة ولي الله (عزَّ وجلَّ)، ثم بكى علي ابن الحسين بكاء شديد ثم قال كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله والمغيب في حفظ الله والتوكل بحرم أبيه جهلاً منه بولادته وحرصاً منه على قتله إن ظفر به وطمعاً في ميراثه حتى يأخذه بغير حق... يا أبا خالد أن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان لأن الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة وجعلهم بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالسيف أولئك المخلصون حقاً وشيعتنا صدقاً والدعاة إلى دين الله (عزَّ وجلَّ) سراً وجهراً وقال علي بن الحسين: (انتظار الفرج من أعظم الفرج) ويقول الصدوق: (ذكر زين العابدين (عليه السلام) لجعفر الكذاب دلالة في إخباره بما يقع منه)(١٣٥١).
تجد هذا الخبر يركز على جزئيتين الغيبة من يومها الأول والميراث الذي طمع به جعفر فبهذا عند المتفكرين في امر الغيبة لو جعلت في أذهانهم أمر الغيبة ووقتها ليستدلوا عليها وبصدقها بما أشار المعصوم قبل وقوعها بزمن طويل والتحذير من جعفر وما سيقوم به ومن جانب ثاني إشارة في حديث الإمام السجاد (عليه السلام) بمنزلة المجاهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هذا دلالة على ارتباط القضية الإلهية كما بدأ بها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تختم على يد قائم آل محمد الغائب (عجّل الله فرجه) حين ظهوره.
واعتمد هذا الخبر عند بعض المصنفين المتقدمين منهم النيسابوري المتوفي قبل الصدوق بنفس السند والنص(١٣٥٢)، ومثله في كتاب الاحتجاج باختلاف يسير(١٣٥٣)، كذلك عند الطبرسي كما في إكمال الدين ومثله عند بعض المتأخرين نقلاً عن الصدوق(١٣٥٤) ونقله الراوندي في قصصه نقلاً عن الصدوق إلا أنه لا يكمل الحديث يقف عند (دين الله سراً وجهراً)(١٣٥٥)، ونقل الخبر في كتاب الخرائج باختصار إلى عبارة (والمغيب في حفظ الله) من دون ذكر السند فقط يذكره عن الكابلي(١٣٥٦).
٢ - ويروى عنه (عليه السلام) بسند الحديث عن سعيد بن جبير قال: (قال علي بن الحسين سيد العابدين: القائم منا تخفى ولادته على الناس حتى يقولوا: لم يولد بعد، ليخرج حين يخرج وليس لأحد في عنقه بيعة)(١٣٥٧).
ونقل الحديث عدد من المصنفين عن الصدوق اغلبهم من المتأخرين ونقله الطبرسي عنه فقط من المتقدمين ولم أجده عند غيره(١٣٥٨)، والحديث واضح وصريح خفاء الولادة والقول بأنه لم يولد بعد وكذلك ليس في عنقه بيعه ومعها البشارة بخروجه هذه الأمور نوقشت من قبل بما نقل من أحاديث وتطابق معها في المضمون إلا أن العبارة الملفتة للنظر في الحديث هي: (ليخرج حين يخرج) لماذا لم يقل الإمام السجاد (عليه السلام) ليخرج ويكمل باقي الحديث لماذا هذا التكرار فمن المرجح هنا انه أراد أن يبين قوام الخروج بمرحلتين فالأولى منها هو القصد خروجه بشخصه أي إعلانه عن نفسه أو بما هو مخطط له للإعلان عنه (عجّل الله فرجه)، أما الثانية لعل المقصود منه قيامه بما وضع له أو قل ما وكل إليه من أمر يقوم به ويخرج بحربه ضد الظلال وأهله والوقوف بوجه الظالمين والجائرين أصحاب السلطة والدنيا شاهراً سيفه دون أن يحتج عليه أحد ببيعة أو عهد.
٣ - وورد عن الإمام السجاد (عليه السلام) قال: (من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله (عزَّ وجلَّ) أجر ألف شهيد من شهداء بدر وأُحد)(١٣٥٩).
لم يذكر نص الحديث نفسه عند المصنفين إلا من أخذه عن الصدوق ومنهم الطبرسي وبعض المتأخرين(١٣٦٠)، لكن نقل ما يدل على نفس المعنى ومنها يقول أحد أصحابه بأنه سمع أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (من مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر كمن هو مع القائم في فسطاطه، قال ثم مكث هنيئة، ثم قال: لا بل كمن قارع معه بسيفه ثم قال: لا والله إلا كمن استشهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(١٣٦١).
وضع أجر المنتظر لهذا الأمر بألف شهيد من شهداء بدر وأحد اولى معارك الإسلام ضد الكفر التي ثبت فيها قوة التوحيد فكذلك المنتظرين لهذا الأمر لهم الضعف بألف لإيمانهم برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يروه وبالأئمة (عليهم السلام) وبالحجة القائم (عجّل الله فرجه) بما بشر به جده وآباؤه.
وكما نقل في حديث سابق الذكر في المبحث الأول من هذا الفصل وما لهؤلاء الناس من فضل عن ابن عباس عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مخاطباً جماعة من الناس قال: (أيها الناس من أعجب إيمانا، قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا تؤمن الملائكة وهم يعاينون الأمر، قالوا فالنبيون يا رسول الله، قال: وكيف لا يؤمن النبيون والوحي ينزل عليهم من السماء، قالوا: فأصحابك يا رسول الله، قال: كيف لا يؤمن أصحابي وهم يرون ما يرون؟ ولكن أعجب الناس إيماناً قوم يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ويصدقوني ولم يروني أولئك إخواني)(١٣٦٢) وورد عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (من شهد أمراً فكرهه كان كم غاب عنه ومن غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده)(١٣٦٣).
٤ - وأخرج الصدوق رواية يرفعها بسندها عن أبي حمزة الثمالي عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) أنه قال: (فينا نزلت هذه الآية: ﴿وَأُولُوا الْأَرحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ (الأحزاب: ٦)، وفينا نزلت هذه الآية: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ (الزخرف: ٢٨)، والإمامة في عقب الحسين بن علي بن أبي طالب إلى يوم القيامة، وإن للقائم من غيبتين إحداهما أطول من الأخرى أما الأولى فستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين وأما الأخرى فيطول أمدها حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر من يقول به فلا يثبت عليه إلا من قوي يقينه وصحت معرفته ولم يجد في نفسه حرجا ً مما قضينا وسلم لنا أهل البيت)(١٣٦٤).
لم نعثر على الحديث كما هو مروي عن الإمام السجاد (عليه السلام) أو بنفس المضمون في جمع آيتين في حديث ثم يكمل الحديث عن الإمامة وإنما وجدناه في شقين، في الشق الأول منها قول الإمام الصادق (عليه السلام) عن في معنى قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾، قال: (فلا يكون بعد علي بن الحسين (عليه السلام) إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب(١٣٦٥) وعن ابي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ قال: (في عقب الحسين (عليه السلام) فلم يزل هذا الأمر منذ أفضي إلى الحسين (عليه السلام) ينتقل من والد إلى ولد ولا يرجع إلى أخ ولا إلى عم ولا يعلم أن أحداً منهم إلا وله ولد...)(١٣٦٦).
وسئل الإمام العسكري (عليه السلام) عن أوجه الشبه بين الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وبين الخضر وذو القرنين، قال: (طول الغيبة [ فقيل له ] يا بن رسول الله وان غيبته لتطول؟ قال: إي وربي حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به ولا يبقى إلا من أخذ الله (عزَّ وجلَّ) عهده لولايتنا وكتب في قلبه الإيمان وأيده بروح منه...)(١٣٦٧).
اما لتوضيح معنى الشق الثاني في مدة الغيبة الوارد في حديث الإمام السجاد (عليه السلام) ففي حديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الأصبع بن نباته قال: (أتيت أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم فوجدته مفكراً ينكُتُ(١٣٦٨)، في الأرض فقلت يا أمير المؤمنين تنكت في الأرض أرغبة منك فيها؟ فقال: لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا ساعة قط ولكن فكري في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً تكون له غيبة وحيرة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون، فقلت يا أمير المؤمنين وكم تكون الحيرة والغيبة؟ قال ستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين، فقلت: وإن هذا لكائن؟ فقال: نعم كما انه مخلوق وأنى لك بهذا الأمر يا أصبغ أولئك خيار الأمة مع خيار أبرار العترة، فقلت ثم ما يكون بعد ذلك؟ فقال ثم يفعل الله ما يشاء فإن له بداءات(١٣٦٩)، وإرادات وغايات ونهايات)(١٣٧٠)، ونقل بعض المصنفين نفس الحديث هذا دون ذكر الستة أيام أو الستة أشهر ام ستة سنين(١٣٧١).
وبما ورد في الروايات السابقة تجتمع ما عني به الحديث المروي عن الإمام السجاد (عليه السلام) لكن المشهور إن للإمام غيبتين(١٣٧٢)، كما تسمى صغرى وكبرى والمعروف إن مدة الصغرى أطول مما اشير لها في الحديث ستة أيام أو أشهر أو سنين وان مدة الغيبة الصغرى المعروفة هي من سنة (٢٦٠هـ/٨٧٤ م إلى سنة ٣٢٩هـ/٩٤١) بوفاة السفير الرابع والتي دامت لقرابة السبعين سنة، والغيبة الكبرى ممتدة إلى ما شاء الله إذن ان من المرجح المقصود في معنى الستة في الحديث السابق هي من ولادته (عجّل الله فرجه) (٢٥٥هـ/٨٦٩م) إلى (٢٦٠هـ/٨٧٤م) على أكثر الروايات إلى لحظة ظهوره للعامة بعد تجهيز والده والصلاة عليه ومن ثم غاب وهي مدة الست سنوات(١٣٧٣).
ولعل المقصود من هذه الغيبة في الحديث هي منذ ولادته إلى حين وفاة والده هو حديث عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لصاحب هذا الأمر غيبتان إحداهما يرجع منها إلى أهله والأخرى يقال: هلك في أي واد سلك...)(١٣٧٤)، وهنا بغض النظر عن كيفية الغيبة لم يعلم بأمره إلا والده ومن كان يثق بهم وكان يعرضه عليهم(١٣٧٥)، حيث رجع الإمام هنا بعد تجهيز والده (عليه السلام) وصلى عليه الصلاة الأخيرة التي لم يظهر قبلها للعوام الا في هذه الصلاة، وفي الغيبة وطولها أحاديث صريحة غير هذا هو ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) نفس الرواية المذكورة عن الاصبغ بن نباته الا انه يسأل فيها الاصبغ فيقول: (فقلت يا أمير المؤمنين فكم تكون تلك الحيرة والغيبة؟ فقال: سبت(١٣٧٦)، من الدهر...)(١٣٧٧).
والملاحظ هنا لم تحدد المدة في الغيبة وللعودة للحديث موضوع النقاش ان المدة المقصودة فيه ليست الغيبة الصغرى ولا الكبرى أو يجري عليها أمر البداء، وللمجلسي بيان حول مدة السبت أيام أو اشهر أو سنين في حديث الإمام السجاد (عليه السلام) قال: (فستة أيام لعلها شارة إلى اختلاف أحواله (عليه السلام) في غيبته فستة أيام لم يطلع على ولادته الا الخاص من أهاليه (عليهم السلام) ثم ستة أشهر اطلع عليه غيرهم من الخواص ثم بعد ست سنين عند وفاة والده ظهر أمره لكثير من الخلق، أو إشارة إلى أنه بعد إمامته لم يطلع على خبره إلى ستة أيام أحد ثم بعد ستة أشهر انتشر أمره وبعد ست سنين ظهر وانتشر أمر السفراء والأظهر انه إشارة إلى بعض الأزمان المختلفة التي قدرت لغيبته وانه قابل للبداء...) [ثم بعدها يستشهد بحديث أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقول بستة أيام أو ستة أشهر أو ست سنين وفيه القول بالبداء] ثم يقول المجلسي: (فأنه يدل على أن هذا الامر قابل للبدا والترديد قرين ذلك والله يعلم)(١٣٧٨)، والأمر قابل هنا للبداء أي ان التوقيتات والحسابات يمكن أن تتغير بما تقتضي المصلحة بحكمة من الله (عزَّ وجلَّ) بما يراه مناسباً وكلها بعلمه أولها وما تبدل إليه.
٥ - وعنه (عليه السلام) قال: (إن دين الله (عزَّ وجلَّ) لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة ولا يصاب إلا بالتسليم فمن سلّم لنا سلم ومن اقتدى بنا هدى ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك ومن وجد في نفسه شيئاً مما نقوله أو نقضي به حرجاً كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم)(١٣٧٩).
انفرد الصدوق بنقل هذا الحديث دون غيره من المتقدمين وأخرج بعض المتأخرين نقلاً عنه(١٣٨٠) وهنا الإمام يقسم بحقهم وان الهدى برأيهم وقولهم وما أوصوا به ولعل المصنف وضع الحديث ضمن هذه الأبواب إشارة منه بإتباع قولهم وان لا يحيد عنه احد خاصة في مسألة الغيبة والحق في قولهم بان لهم إماماً غائباً وهذه القاعدة تشمل القول بما أشاروا بأحاديثهم عن الإمام الغائب القائم بالحق وان من يحيد عنهم وما قالوا فانه لن يصيب الحق وليس له من دين الله شيء اذ لا يقاس بهم احد فالأئمة اثنا عشر وخاتمهم القائم (عجّل الله فرجه) إكمالا للحق من المرجح إن هدف المصنف في نقل هذا الحديث مع ابواب الغيبة كي لا يقاس بالغائب أحد وان يتبع القول عنه غير ما قال عنه آبائه (عليهم السلام) وان الحق محفوظ فيهم إلى يوم القيامة والدليل على ذلك هو قول المصنف في سبب تأليفه للكتاب قال: (إذ قال: (إن الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا: أني لما قضيت وطري من زيارة عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) رجعت إلى نيسابور، وأقمت بها فوجدت أكثر المختلفين إلي من الشيعة قد حيرتهم الغَيبة ودخلت عليهم في أمر القائم (عجّل الله فرجه) الشبهة وعدلوا عن طريق التسليم إلى الآراء والقياس فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحق وردهم إلى الصواب بالأخبار الواردة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام))(١٣٨١).
وبهذا الجانب ان الحق فيهم ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (ان عند كل بدعة تكون من بعدي يكاد بها الإيمان ولياً من أهل بيتي موكلاً به يذب عنه ينطق بإلهام من الله ويعلن الحق وينوره ويرد كيد الكائدين ويعبر عن الضعفاء فاعتبروا يا أولي الأبصار وتوكلوا على الله)، وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أن أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالقياس فلم تزدهم المقاييس من الحق إلا بعداً وان دين الله لا يصاب بالمقاييس) وعن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في حديث طويل في حديثه مع أحد أصحابه وهو يسأل والإمام يجيب مما جاء فيه: (... قلت: أتى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الناس بما يكتفون به في عهـده؟ قال: نعم وما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة، فقلت: فضاع من ذلك شيء؟ فقال: لا هو عند أهله)(١٣٨٢).
ثانياً - ما روي عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام):
نقل في هذا الباب سبعة عشر حديث فبعضها مورده سيكون في باب العلامات لم نذكرها هنا وبعضها ذكرت في فقرة اوجه التشابه مع الأنبياء في المبحث الرابع من الفصل السابق والباقي منها اثنا عشر حديثاً أخذناها هنا في هذه الفقرة وهي:
١ - أخرج الصدوق رواية بسنده يرفعها عن الإمام الباقر (عليه السلام) انه سئل عن معنى قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ (التكوير: ١٥-١٦)، فقال: (إمام يخنس في زمانه عند انقضاء من عمله سنة ستين ومائتين ثم يبدو كالشهاب الوقاد في ظلمة الليل فإن أدركت ذلك قرت عيناك)(١٣٨٣).
٢ - وأخرج الصدوق بسند آخر رواية عن نفس الآيتين تروى عن أم هاني الثقفية(١٣٨٤) بأنها قالت: (غدوت على سيدي محمد بن علي الباقر [عليه السلام] فقلت له: يا سيدي آية في كتاب الله (عزَّ وجلَّ) عرضت بقلبي فأقلقتني وأسهرت ليلي، قال: فسلي يا أم هانئ، قالت: قلت: يا سيدي قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾، قال نعم المسألة التي سألتني يا أم هانئ هذا مولود في آخر الزمان هو المهدي من هذه العترة تكون له حيرة وغيبة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها أقوام فيا طوبى لك إن أدركتيه ويا طوبى لمن أدركه)(١٣٨٥).
ورد الحديثان في الكافي بنفس الأسانيد عن ام هانئ عن الباقر (عليه السلام) ولم يذكر فيهما عند انقضاء عمله الا انه يقول في نهاية الأول: (كالشهاب يتوقد في الليلة الظلماء فإن أدركت زمانه قرت عينك) وفي الثاني يختمه بقوله: (كالشهاب الواقد في ظلمة الليل فإن أدركت ذلك قرت عينك)(١٣٨٦)، وورد الحديث عند النعماني كما في الكافي وبنفس السند(١٣٨٧)، وفي إثبات الوصية كذلك(١٣٨٨)، وعند الطوسي نفسه(١٣٨٩)، واثبت الحديث كذلك في منتخب الأنوار المضيئة(١٣٩٠).
وللعودة إلى تفسير هذه الآيات: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ قيل هو اسم النجوم ﴿الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ قيل النجوم تكنس(١٣٩١)، بالنهار فلا تبين، ونقل في تفسيرها نفس الرواية المروية عن ام هانئ عن الإمام الباقر (عليه السلام)(١٣٩٢)، وقيل أن الخنس هي جمع لكملة خانس وهو الغائب عن طلوع، والكنس جمع كانس واصلها تعني الستر، وفي رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (أن الخنس النجوم لأنها تخنس بالنهار وتبدوا في الليل) فقيل أنها تخنس في مغيبها أي تغيب بعد طلوعها، وقيل في ﴿الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ معناها النجوم التي تجري في مسيرها ثم تغيب في مغاربها بتدبير الله (عزَّ وجلَّ) في طلوعها ومسيرها ثم غيبها(١٣٩٣).
والواضح من هذا التشبيه في الروايتين السابقتين أنها الإشارة إلى الغيبة وصاحبها وما أمره الا بتدبير الله وأن الأئمة (عليهم السلام) كالنجوم مهما غابت في نهارها فإنها تظهر من جديد وهم واحداً بعد واحد، ومن المرجح ان المقصود من انقضاء عمله المراد منها هو الصلاة على والده والشروع بالغيبة الصغرى وعمل السفراء ثم الغيبة الكبرى، ورد عن الإمام الباقر عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (إنما مثل أهل بيتي في هذه الأمة كمثل نجوم السماء كلما غاب نجم طلع نجم حتى إذا مددتم إليه حواجبكم وأشرتم إليه بالأصابع أتاه ملك الموت فذهب به ثم بقيتم سبتاً من دهركم لا تدرون أياً من أي فاستوى في ذلك بنو عبد المطلب فبينما أنتم كذلك إذ طلع عليكم نجمكم فاحمدوه وأقبلوه)(١٣٩٤).
٣ - ونقل الصدوق بسنده رواية عن عبد الله بن عطاء(١٣٩٥)، قال: (قلت لأبي جعفر (عليه السلام) إن شيعتك بالعراق كثيرون فو الله ما في أهل بيتك مثلك فكيف لا تخرج؟ فقال: يا عبد الله بن عطاء قد أمكنت الحشو(١٣٩٦) في إذنيك والله ما أنا بصاحبكم، قلت فمن صاحبنا، قال: انظروا من تخفى على الناس ولادته فهو صاحبكم)(١٣٩٧).
نقله بعض المصنفين الحديث عن الصدوق(١٣٩٨)، وورد عند جملة من المصنفين يروون الحديث بتفاوت يسير يذكر فيه ان عبد الله بن عطاء عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: (قلت له إن شيعتك بالعراق كثيرةٌ والله ما في أهل بيتك مثلك فكيف لا تخرج؟ قال: فقال يا عبد الله بن عطا قد أخذت تفترش أُذنيك للنوكى(١٣٩٩)، إي والله ما أنا بصاحبكم، قال: قلت فمن صاحبنا؟ قال: انظروا من عمي على الناس ولادته فذاك صاحبكم إنه ليس منا أحدٌ يشار إليه بالأصبع ويمضغ بالألسن إلا مات غيظاً أو رغم أنفه)(١٤٠٠)، وروي بنفس السياق عنه (عليه السلام) قال: (أن الشيعة قالت له يوماً أنت صاحبنا الذي يقوم بالسيف؟ قال: لست بصاحبكم، انظروا من خفيت ولادته فيقول قوم ولد ويقول قوم ما ولد فهو صاحبكم)(١٤٠١)، وكما اشير مسبقاً إن التفاوت في النقل لعله بسبب نقل الأحاديث بالسماع ومن ناقل إلى آخر واتفاقها بالمضمون يعطي صحة في الحديث لنفس المقصد.
وأخرج النعماني بسنده حديث آخر فيه بعض الاختلافات يرويه عن عبد الله بن عطاء قال: (خرجت حاجاً من واسط فدخلت على أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) فسألني عن الأسعار فقلت تركت الناس مادين أعناقهم إليك لو خرجت لاتبعك الخلق، فقال: يا بن عطاء قد أخذت تفترش إذنيك للنوكى(١٤٠٢) لا والله ما أنا بصاحبكم ولا يشار إلى رجل منا بالأصابع ويمط إليه بالحواجب إلا مات قتيلاً أو حتف أنفه، قلت وما حتف أنفه؟ فقال: يموت بغيضه على فراشه حتى يبعث الله من لا يؤبه(١٤٠٣)، لولادته، قلت ومن لا يؤبه لولادته، فقال: انظر من لا يدري الناس انه ولد أم لا فذاك صاحبكم)(١٤٠٤).
وللإمام الباقر (عليه السلام) إجابة عن مثل هذا الموضوع في مناسبة أخرى، اذ سأله جابر الجعفي قال: (قلت: يا سيدي أليس هذا الأمر لكم؟ قال: نعم، قلت: فلم قعدتم عن حقكم ودعواكم وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ (الحج: ٧٨)، قال: فما بال أمير المؤمنين (عليه السلام) قعد عن حقه حيث لم يجد ناصراً؟ أو لم تسمع قول الله في قصة لوط: ﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (هود: ٨٠)، ويقول في حكايته عن نوح: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِـرْ﴾ (القمر: ١٠)، ويقول في قصة موسى: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِـي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (المائدة: ٢٥)، فالوصي اعذر يا جابر إنما مثل الإمام مثل الكعبة يؤتى ولا يأتي)(١٤٠٥).
٤ - عن أبي بصير ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ (الملك: ٣٠)، فقال: هذه نزلت في القائم، يقول: إن أصبح إمامكم غائباً عنكم ولا تدرون أين هو فمن يأتيكم بإمام ظاهر يأتيكم بأخبار السماء والأرض وحلال الله (عزَّ وجلَّ) وحرامه ثم قال (عليه السلام): والله ما جاء تأويل هذه الآية ولا بد من أن يجيء تأويلها)(١٤٠٦)، واورد الصدوق مثله عن الامام الصادق (عليه السلام) قال في تفسيرها قال: أرأيتم إن غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم بإمام جديد)(١٤٠٧).
روي الحديث عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ إذا غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم بإمام جديد) ومثله عن موسى بن جعفر (عليه السلام)(١٤٠٨) وعنه في حديث يختمه بـ(ماذا تصنعون)(١٤٠٩)، وروي الحديث عند البعض كما هو عند الصدوق بتفاوت يسير عن الإمام الباقر (عليه السلام) لكن يقول: (نزلت في الإمام)، وفي خبر بنفس السياق عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) إلا انه يختم حديثه بقوله: (... إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فماذا تفعلون)(١٤١٠) في حديث عن معنى الآية قال الإمام الكاظم (عليه السلام): (... إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فما أنتم صانعون)(١٤١١)، وسئل الإمام الرضا (عليه السلام) عن تفسيرها قال: (ماؤكم أبوابكم أي الأئمة (عليهم السلام) والأئمة أبواب الله بينه وبين خلقه فمن يأتيكم بماء معين يعني علم الإمام)(١٤١٢).
فيما يخص فقرة الحديث (والله ما جاء تأويل هذه الآية ولا بد من أن يجيء تأويلها)(١٤١٣) لعل المراد منه ان تأويلها الذي سيكون على أكمل وجه هو حين يظهر الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) فمن المعروف ان اسرار القرآن الكريم لم تدرك جميعها من قبل البشرية ولا يستطيع احد ان يجزم بان جميع أسراره قد كشفت وعرفت ولعل هذا كله سيكون على يديه المباركتين وبعلمه بما ورثه عن جده وآبائه (عليهم السلام).
ولتوضيح معنى هذا الحديث وتأييده بما ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث طويل ينقل عن عمار بن ياسر(رضي الله عنه) أخذنا منه موضع الحاجة قال: (كنت مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بعض غزواته وقتل علي (عليه السلام) أصحاب الألوية وفرق جمعهم وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي وقتل شيبة بن نافع(١٤١٤)، أتيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقلت له: يا رسول الله صلى الله عليك إن علياً قد جاهد في الله حق جهاده، فقال: لأنه مني وأنا منه وانه وارث علمي وقاضي ديني ومنجز وعدي والخليفة بعدي ولولاه لم يعرف المؤمن المحض بعدي حربه حربي وحربي حرب الله وسلمه سلمي وسلمي سلم الله الا أنه أبو سبطي والأئمة بعدي من صلبه يخرج الله تعالى الأئمة الراشدين ومنهم مهديّ هذه الأمة، فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا المهدي؟ قال يا عمار إن الله تبارك وتعالى عهد إلي أنه يخرج من صلب الحسين أئمة تسعة والتاسع من ولده يغيب عنهم وذلك قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ يكون له غيبة طويلة يرجع عنها قوم ويثبت آخرون...)(١٤١٥).
٥ - ونقل المصنف حديث آخر عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (إن الله تبارك وتعالى أرسل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الجن والأنس وجعل من بعده الاثني عشر وصياً منهم من مضى ومنهم من بقي وكل وصي جرت فيه سنة من الأوصياء الذين بعد محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على سنة أوصياء عيسى (عليه السلام) وكانوا اثنى عشر وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) على سنة المسيح)(١٤١٦).
روى الصدوق الحديث عن أبيه الوارد في كتاب الإمامة والتبصرة(١٤١٧)، ورواه المصنف في كتابين آخرين له بغير هذا السند يرفعه إلى أبي حمزة عن الباقر (عليه السلام)(١٤١٨)، وروي الحديث في الكافي بالإسناد واللفظ نفسه(١٤١٩)، ونقل المسعودي نفس الحديث إلا انه فيه إضافة: (... وكل وصي أجرت سنة الأوصياء الذين بعد محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على سنة أوصياء عيسى (عليه السلام) إلى ظهور محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكانوا اثني عشر أولهم شمعون وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) على سنة المسيح)(١٤٢٠) ومثل هذا الحديث الذي رواه المسعودي نقل عند الطوسي(١٤٢١)، وفي الإرشاد كما هو عند الصدوق(١٤٢٢)، وكذلك عند الاربلي(١٤٢٣).
عن أنس ابن مالك عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (سألت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن حواري عيسى، فقال: كانوا من صفوته وخيرته وكانوا اثني عشر مجردين(١٤٢٤) مكمشين(١٤٢٥) في نصرة الله ورسوله لا زهو فيهم ولا ضعف ولا شك كانوا ينصرونه على بصيرة ونفاذ وجد وعناء، قلت فمن حواريك يا رسول الله، فقال: الأئمة بعدي اثنا عشر من صلب علي وفاطمة وهـم حواريّ وأنصار ديني عليهم من الله التحية والسلام)(١٤٢٦).
والمراد من الحديث على سنة المسيح والتشابه فيما بيه وبين الأمير (عليه السلام) قيل ان الناس افترقوا في علي ثلاث فرق كافتراق في عيسى (عليه السلام) فالغلاة من الشيعة ادَّعوا الربوبية وكذلك غلاة النصارى قالوا المسيح ابن الله، وبنوا امية طعنوا علياً وسبوه على المنابر ثمانين سنة وحكموا عليه بالكفر وكذلك اليهود طعنوا على عيسى (عليه السلام) ونسبوا امه على المناكير واما الفرقة الثالثة فهم اهل العدل الذين نزلوهما منزلتهما عند الله(١٤٢٧) ومن جانب روي في الدليل على هذا المعنى بالترابط ما بين الأمام علي (عليه السلام) والمسيح (عليهم السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يا علي إن فيك مثلاً من عيسى بن مريم أحبه قوم وأفرطوا في حبه فهلكوا وأبغضه قوم وافرطوا في بغضه فهلكوا واقتصد قوم فيه فنجوا) وروي عن امير المؤمنين (عليه السلام) انه قال: (اللهم إني بريء من الغلاة كبراءة عيسى بن مريم من النصارى اللهم اخذلهم أبدا ولا تنصر منهم أحداً)(١٤٢٨).
وعلاوة على ذلك ان الثاني عشر من الأئمة واجب التصديق به بما أشارت الروايات عن جده وآبائه (عليهم السلام) وكما موضح في هذا الحديث مع وجود المشككين والطاعنين بالأمر والغلاة إلا انه يوجد من ينتظر الإمام الغائب (عجّل الله فرجه) ومن وطنوا أنفسهم لنصرته وطاعته ومعتقدين بما ورد عن آبائه في أمره المؤمل له.
٦ - عن أبي الجارود(١٤٢٩) عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (قال لي: يا ابا الجارود إذا دار الفلك(١٤٣٠)، وقال الناس: مات القائم أو هلك بأي واد سلك، وقال الطالب: أنى يكون ذلك وقد بليت عظامه فعند ذلك فارجوه(١٤٣١) فإذا سمعتم به فأتوه ولو حبواً(١٤٣٢) على الثلج)(١٤٣٣)، رواه النعماني بسند آخر إلا انه فيه تفاوت يسير في نص الحديث اذ لم يذكر عبارة (قال الناس) وفيه: (قالوا) ويكمل الحديث(١٤٣٤)، ورواه الطبرسي برواية الصدوق(١٤٣٥).
للوقوف على عبارة (فإذا سمعتم به فأتوه ولو حبوا على الثلج) لعل المقصود منها ان الإمام الباقر (عليه السلام) يحث على نصرته حتى لو صعب الذهاب إليه إذا كان في اي مكان وسمعتم بظهوره عن طريق الإعلام في وقتنا الحاضر أو في المستقبل مثلاً بكل وسائله فسهولة انتشار الخبر تعطي العلم بذلك فاذهبوا إليه حتى لو كان هذا الذهاب حبواً اي زحفاً وان كان على الثلوج أو في منطقة ما يصعب السير فيها ويكون وجوده فيها حينها فلعله لا عذر في عدم نصرته ومبايعته، من المرجح ان المقصود منها مبايعته واجبه مهما كان الوصول اليه صعباً لأسباب طبيعية أو حتى بسبب الحروب أو بسبب صعوبة التنقل بين بلد وآخر بسبب الأنظمة العالمية المشروطة في التنقل ومع هذا فلا مناص من نصرته ومبايعته لأي سبب أو ظرف كان والواجب على كل من يتمكن من ذلك ويستطيع أن يجتاز هذه الصعوبات أو الموانع معتقداً ومؤمن كل الإيمان بقضيته أن يتوجه لنصرته والله أعلم.
ونقل حديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قريب المضمون عن ذلك في مصادر العامة عن أحد أصحابه قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله [صلّى الله عليه وآله وسلّم] إذ أقبل فتية من بني هاشم فلما رآهم النبي [صلّى الله عليه وآله وسلّم] اغرورقت عيناه وتغير لونه، قال: فقلت: ما نرى في وجهك شيئاً نكرهه فقال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريد وتطريداً حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطونه فيقاتلون فينتصرون فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطاً كما ملوؤها جوراً فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبواً على الثلج)، وفي حديث آخر: (... فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبواً على الثلج فانه خليفة الله المهدي)(١٤٣٦)، وهنا الحديث يعطي نفس التوجيه وهي الاتجاه صوبه أو من ينصره ولو حبواً على الثلج مهما كانت الصعوبة.
٧ - وروي عنه (عليه السلام) انه قال: (إن أقرب الناس إلى الله (عزَّ وجلَّ) وأعلمهم به وأرأفهم بالناس محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة فادخلوا أين دخلوا وفارقوا من فارقوا فان الحق فيهم وهم الأوصياء ومنهم الأئمة فأينما رأيتموهم فاتبعوهم وان أصبحتم يوماً لا ترون منهم أحداً فاستغيثوا بالله (عزَّ وجلَّ) وانظروا السنة التي كنتم عليها واتبعوها وأحبوا من كنتم تحبون وابغضوا من كنتم تبغضون فما أسرع ما يأتيكم الفرج)(١٤٣٧).
الحديث لم يذكر في كتب المتقدمين عند غيره لكن فيما يخص حقهم فالأحاديث أكثر من أن تحصى كما ذكرت مسبقاً في المبحث الثالث من الفصل الاول النص عليهم في لزوم جانب الأئمة (عليهم السلام) والتمسك بهم حتى آخرهم، وهذا الحديث لم يروَ في كتب المتقدمين وقد انفرد الصدوق بهذا المعنى دون غيره ونقل الحديث عنه في بعض كتب المتأخرين(١٤٣٨)، وما ورد من أحاديث عامة المعنى عنه في لزم جانب الأئمة قال (عليه السلام): (... إنما كلف الناس ثلاثة: معرف الأئمة والتسليم لهم فيما ورد عليهم والرد إليهم فيما اختلفوا فيه) وعنه (عليه السلام) قال: (ليس عند أحد من الناس حق ولا صواب ولا أحد من الناس يقضي بقضاء حق إلا ما خرج منا أهل البيت واذا تشعبت بهم الامور كان الخطأ منهم والصواب من علي (عليه السلام))، وعن الامام الصادق (عليه السلام) قال: (من سره أن يستكمل الايمان كله فليقل: القول مني في جميع الأشياء قول آل محمد فيما أسروا وما أعلنوا وفيما بلغني عنهم وفيما لم يبلغني)(١٤٣٩).
والحديث المروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) فيه عدة توجيهات وهي في قوله: (وان أصبحتم يوماً لا ترون منهم أحداً فاستغيثوا بالله (عزَّ وجلَّ)) هنا يدعونا الإمام للاستغاثة بالله (عزَّ وجلَّ) كون فقد الإمام يترك فراغاً عند الأمة بسبب الحاجة له في ما غمض أو ضاع تفسيره أو حكمه من امور الدين والدنيا والأئمة لم يفقد منهم أحد الا أتى من يخلفه ولم يحصل هذا الأمر الا عند غيبة الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) فالخطورة الأمر أن نستغيث بالله من هذا الأمر وكما اشير مسبقاً ندعو بالفرج ونعمل بوصاياهم والالتزام بما التزموا به في العقيدة اسروه أو أعلنوه، ومن جانب آخر يدعونا للسير على سنتهم ونتبعها والتوجيه هنا أكيد بالحق ونحب من نحب ونبغض من نبغض وبعدها يكون الانتظار المرجو لنا الذي أوصى به أئمتنا فيأتي الفرج ان ثبتنا على موالاتهم وتعاليمهم.
٨ - وروي عنه (عليه السلام): (إذا قام القائم (عليه السلام) قال: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الشعراء: ٢١)(١٤٤٠).
روي الحديث في مصادر أخرى عن الإمام الصادق عن أبيه (عليهم السلام) بأسانيد مختلفة(١٤٤١)، ونقل الحديث عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (ان لصاحب هذا الأمر غيبة يقول فيها: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وقال: (إذا قام القائم تلا هذه الآية: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾(١٤٤٢)، وعن الحديث ينقل أن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (إذا ظهر قائمنا أهل البيت (عليهم السلام) قال: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾ خفتكم على نفسي وجئتكم لما أذن لي ربي وأصلح أمري)(١٤٤٣)، وفي تفسيرها ذكر ان الله تعالى حاكياً عن موسى أنه قال لفرعون إني فررت منكم لما خفتكم فالفرار الذهاب على وجه التحرز من الإدراك ومثله الهرب ووهب الله لموسى (عليه السلام) من التوراة والعلم بالحلال والحرام وسائر الأحكام وجعله نبياً(١٤٤٤).
وبما اشير له مسبقاً في التشابه ما بين الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) والأنبياء ومنهم موسى (عليهم السلام) فانه من ضمن أسباب الغيبة هو الخوف على نفسه من القتل والتحرز عن اعدائه بان غاب عنهم كما حصل مع موسى وانه عنده علم جده وإبائه (عليهم السلام) الأحكام ووراثة علم الأنبياء وجعله الله أحد خلفاء وأوصياء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والثاني عشر منهم الذي سيقوم بالأمر في نهايته كما قام به جده في أوله(١٤٤٥)، إذن فان مناسبة ذكر هذه الآية من المعصومين واضحة المعالم للشبيه بين الإمام القائم (عجّل الله فرجه) وبين نبي الله موسى (عليه السلام) في الغيبة والعلم ومن ثم التصريح بنفسه عن نفسه حي يأذن الله له وسيخاطب بها الناس بعد انتهاء غيبته وظهوره.
٩ - عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (إن صاحب هذا الأمر فيه سنة من يوسف ابن أمة سوداء يصلح الله (عزَّ وجلَّ) أمره في ليلة)(١٤٤٦).
ورد الحديث عند بعض المصنفين بطرق مختلفة عن الإمام الباقر (عليه السلام) بنفس اللفظ ونقله البعض دون ذكر كلمة سوداء(١٤٤٧)، وفي حديث ثان طويل ينقله النعماني يختلف عن سند الحديث السابق المروي عن المصنفين عن ابي بصير عن الإمام الباقر (عليه السلام) يوضح فيه تشابهاً مع الأنبياء وأيضاً يذكر فيه ابن أمة سوداء(١٤٤٨)، ونقل النعماني نحو هذا الحديث عن الإمام الباقر (عليه السلام) ووضع تعليقاً بقوله يريد بالشبه من يوسف (عليه السلام) الغيبة(١٤٤٩).
أمّا في القول انه ابن أمة سوداء لم يثبت تاريخياً أن ام الإمام (عجّل الله فرجه) سوداء فالمعروف أنها رومية الأصل والمعروف عنهم أنهم الجنس الأبيض من الناس كما هو معروف اليوم عن الشعوب الأوربية وكما قيل في الحديث سنة من يوسف ابن أمة سوداء ايضاً الأمر غير دقيق ويمكن أن يقال أن كلمة (سوداء) كما هو معروف والتصاق الذهن على الغالب بأن كل أمة هي سوداء فيحتمل أن هذه الكلمة أضيفت على أصل الرواية من دون قصد، والعودة ليوسف وامه (عليهم السلام) ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (أعطي يوسف وامه شطر الحُسن)(١٤٥٠)، إذن امتاز بالجمال هو وامه وهنا ينتفي التشبيه المادي أو باللون (الأسود) وبالنتيجة السيدة نرجس (عليها السلام) تنتمي للجنس الأبيض.
وبما هو متفق في الروايات أن ام الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) رومية وليست سوداء فالظاهر أن كلمة سوداء في الروايات زائدة ولا يبعد أن يكون الشبه المقصود في الحديث مفسراً بقوله: (ابن أمة يصلحه الله في ليلة فيكون شبهاً من يوسف من جهتين بكونه ابن أمة وبأن الله تعالى يحدث تطورات سياسية في العالم دفعة واحده تمهيداً لبداية أمره وظهوره)(١٤٥١).
ولو سلمنا للحديث وقلنا بصحة الكلمة فحين الرجوع لمعجم المعاني اللغوي وجدنا أن للسواد عدة معانِ اخترنا البعض منها لعل واحدة هي المقصودة في الحديث بأنه قيل سواد الأمير هو ثقله ولفلان سواد أي كثير المال، ويقال ان عند العرب السواد الشخص، ويذكر ان الأنثى تسمى أسودة في بعض الوصف وقيل ان الأسود الدراسة والسواد الحديث والسواد المال والسواد الصفر من اللون ويقال أسود من فلان اي أجمل منه والسواد الحدقة من العين وورد في المثل: (وللشر أقم سوادك أي أصبر)(١٤٥٢).
ونستنج من ذلك ان السواد الأمير أو كثير المال فأنها (عليها السلام) ابنة امراء وبطبيعة الحال كثيرة المال من جهة أهلها، والسواد قيل في بعض التعابير انه يطلق عل الأنثى فهذا واضح والأسود الدراسة فمن المرجح بما أنها ابنة أمراء فلابد ان تكون تلقت شيئاً من التعليم وأنها تحسن الحديث لعله بلغة العرب أيضاً والسواد الأصفر من اللون ممكن ان يكون هذا اللون طاغياً على شكلها وهذا أمر عادي أو اسود من فلان كناية عن الجمال أو للون الحدقة وبروزها في العين ولعل المراد هو المثل الأخير (للشر أقم سوادك) أي اصبر فقد صبرت (عليها السلام) كثيراً من الأسر حتى سوق النخاسين إلى الشراء وطريق السفر ثم الحمل والخوف من السلطة وما لقيت بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) هذه كلها احتمالات لعل واحده منها هي المقصودة في معنى السوداء.
وورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (سأل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ فقال: أما اسمه فإن حبيبي شهد إلي أن لا أحدث باسمه حتى يبعثه الله، قال: أخبرني عن صفته؟ قال: هو شاب مربوع حسن الوجه حسن الشعر يسيل شعره على منكبيه ونور وجهه يعلو سواد لحيته ورأسه بأبي ابن خير الإماء)(١٤٥٣)، قطعاً لما لهذه الصفات الجميلة ان أخذ جزءاً منها عل الأقل من والدته (عليها السلام) فلا يعقل لان يكون المقصود لون السواد في الحديث عن البشرة.
١٠ - يروى أن أحد الأشخاص قال: (قلت لأبي جعفر الباقر (عليه السلام): أخبرني عنكم؟ قال: نحن بمنزلة النجوم إذا خفي نجم بدا نجم منّا أمن وأمان وسلم وإسلام وفاتح ومفتاح حتى إذا استوى بنو عبد المطلب فلم يدرِ أي من أيّ أظهر الله (عزَّ وجلَّ) لكم صاحبكم فاحمدوا الله (عزَّ وجلَّ) وهو يخيّر الصعب والذلول، فقلت جعلت فداك فأيهما يختار؟ قال: يختار الصعب على الذلول)(١٤٥٤).
نقل الحديث عند بعض المصنفين مع اختلاف يسير في الألفاظ فعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (إنما نحن كنجوم السماء كلما غاب نجم طلع نجم حتى إذا أشرتم بأصابعكم وملتم بأعناقكم غيب الله نجمكم فاستوت بنو عبد المطلب فلم يعلم أي من أي فإذا طلع نجمكم فاحمدوا ربكم)(١٤٥٥)، وينقل النعماني نفس الحديث إلا انه يختلف بعبارة (إذا أشرتم بأصابعكم وملتم بحواجبكم)(١٤٥٦)، ونقل الحديث صاحب دلائل الإمامة ويختلف عنه في ختام الحديث اذ يقول: (فأيهما يختار، قال: (حتى اذا كان الذي تمدون إليه أعناقكم وترمقونه بإبصاركم جاء ملك الموت فذهب به ويستوي بنو عبد المطلب لا يدري أياً من أي فعنده يبدو لكم صاحبكم... يختار الصعب على الذلة)(١٤٥٧).

عن خبر الصعاب والذلول قال تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ (الكهف: ٨٤) ورد في تفسرها أي وسعنّا مملكته في البلاد وأعطيناه الآت المملكة ما يستعين به على تحصيل ما يحاوله من المهمات العظيم والمقاصد الجسيمة، وهي في ذي القرنين فروي عن أمير المؤمنين علي ابن ابي طالب (عليه السلام) سأله رجل عن ذي القرنين كيف بل المشرق والمغرب، قال: (سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له في النور...)(١٤٥٨)، ولتوضيح المضمون العام للحديث في ذي القرنين والصعاب المشار إليها التي يركبها الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) فعن الإمام الباقر (عليه السلام) محدثاً أحد أصحابه قال: (أما ذا القرنين قد خيّر السحابين فاختار الذلول وذخر لصاحبكم الصعب، قال: قلت: وما الصعب؟ قال: ما كان من سحاب فيه رعد وبرق وصاعقة فصاحبكم يركبه أما إنه سيركب السحاب ويرقى في الأسباب أسباب السماوات السبع والأرضيين السبع خمس عوامر واثنتان خرابان)(١٤٥٩).
وفي حديث للإمام الباقر (عليه السلام) قال: (إن ذا القرنين كان عبداً صالحاً ناصحاً لله فناصحه فسخر له السحاب وطويت له الأرض وبسط له في النور وكان يبصر بالليل كما يبصر بالنهار وأن أئمة الحق كلهم سخر الله لهم السحاب وكان يحملهم إلى المشرق والمغرب لمصالح المسلمين ولإصلاح ذات البين وعلى هذا حال المهدي (عليه السلام) ولذلك يسمى صاحب المرأى والمسمع فله نور يرى به الأشياء من بعيد كما يرى من قريب ويسمع من بعيد كما يسمع من قريب وانه يسيح في الدنيا كلها على السحاب مرة وعلى الريح اخرى وتطوى له الأرض مرة فيدفع البلايا عن العباد والبلاد شرقاً وغرباً)(١٤٦٠).
وعن النجوم اشرنا إليها في مناسبات مختلفة منها انه سئل الإمام الباقر (عليه السلام) عن قول الله تعالى: ﴿وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: ١٦)، قال: (النجم محمد والعلامات الأوصياء (عليهم السلام))(١٤٦١)، ويضع المجلسي تعليقاً حول مسألة الصعاب والذلول قال: (لم يدر أي من أي لا يعرف أيهم الإمام أو لا يتميزون في الكمال تميزاً بيناً لعدم كون الإمام ظاهراً بينهم والصعب الذلول إشارة إلى السحابتين اللتين خير ذو القرنين بينهما فاختار الذلول وترك الصعب للقائم (عليه السلام))(١٤٦٢)، ولعل في الأمر إشارة توضح حين يلتبس الأمر فيمن هو صاحب الأمر أو حين يدعي البعض بذلك لاحد ما يعتقد انه خطر على الأمة حينها يظهر فيدعو الإمام في حديثه إلى الحمد لله على ظهوره ومن ثم يبين ان الله يمكن له السحاب ليتنقل بها بحسب ما تضح من أحاديث كما سخرت لذي القرنين.
١١ - يروى عن جابر عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنه قال: يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان إنّ أدنى ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم البارئ جل جلاله فيقول: عبادي وإمائي آمنتم بسري وصدقتم بغيبي فأبشروا بحسن الثواب مني فأنتم عبادي وإمائي حقاً منكم أتقبل وعنكم أعفو ولكم أغفر وبكم أسقي عبادي الغيث وأدفع عنهم البلاء ولولاكم لأنزلت عليهم عذابي، قال جابر: فقلت: يا بن رسول الله فما أفضل ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان؟ قال: حفظ اللسان ولزوم البيت)(١٤٦٣).
نقل الحديث المروي عند الصدوق بالسند واللفظ عدد من المصنفين(١٤٦٤)، وقد ورد عنه (عليه السلام) بالوصية لبعض مواليه لمنتظري الظهور المقدس ورد ان جماعة قدموا عليه فقالوا: (يا ابن رسول الله إنا نريد العراق فأوصنا فقال أبو جعفر (عليه السلام): ليقو شديدكم ضعيفكم وليعد غنيكم على فقيركم ولا تبثوا سرنا ولا تذيعوا أمرنا وإذا جاءكم عنا حديث فوجدتم عليه شاهداً أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به والا فقفوا عنده ثم ردوه الينا حتى يستبين لكم، واعلموا أن المنتظر لهذا الأمر له مثل أجر الصائم القائم ومن أدرك قائمنا فخرج معه فقتل عدونا كان له مثل أجر عشرين شهيد ومن قتل مع قائمنا كان له مثل أجر خمسة وعشرين شهيداً(١٤٦٥).
ولهذا الأمر تفرعات وتفاصيل كثيرة تخص أمور الانتظار والتقيه والجهاد والعزلة لا يسع المقام للتطرق لها هنا(١٤٦٦)، وكان لفضل المنتظرين له وكرامتهم في أحاديث النبي والأئمة (عليهم السلام) اشرنا اليها في المبحث الأول من هذا الفصل، لكن العبارة التي نقف عليها هنا هي (حفظ اللسان ولزوم البيت) فمن المرجح فيها ان حفظ اللسان من الكلام الذي يبعد المرء عن ربه وإمامه وعدم الخوض فيما يقرب للفتن بكثرة الكلام أو لعله التزام جانب التقية في حفظ اللسان ويمكن ان يقال ان حفظ اللسان هنا في عصرهم (عليهم السلام) بتوصية أصحابهم بأن لا يذيعوا ما يخبرونهم به حول القضية المهدوية بما يخبرون مواليهم حول القائم وحفظ اللسان من التفوه بشؤون الإمام وما يدل عليه وعلى فضله في زمن الفتن والاضطرابات ولعل أكثر وقت أكد عليه الأئمة في حفظ اللسان من المرجح أنهم يشيرون إلى زمان غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الصغرى وتزامنها في العصر العباسي الذي عد أكثر خطورة عليه من بعد ولادته حتى غيبته الكبرى.
ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (كفوا ألسنتكم والزموا بيوتكم فأنه لا يصيبكم أمر تخصون به أبداً...)(١٤٦٧)، وقال (عليه السلام): (نفس المهموم لنا المغتم لظلمنا تسبيح وهمه لأمرنا عباده وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل الله ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): يجب أن يكتب هذا الحديث بالذهب)(١٤٦٨).
أما لزوم البيت لعل المقصود منها ليست العزلة التامة وإنما الاندماج في ضروريات الحياة وتوابعها والابتعاد عن معاشرة كل ما يكون احتمالاً لنسيان ذكر الإمام (عجّل الله فرجه) فيكون الانتظار بالصبر والتقرب إلى الله والاستعداد لعصر الظهور بالعبادة والتواصل المستقيم في الدنياً مع لزوم شيء من العزلة لكن لا تعني العزلة التامة لتعطلت الحياة ولعل المقصود هو عدم الخروج مع كل من يدعي الاتصال بالإمام أو الرايات التي تدعو للظلال أو تحاول ان تبعد الموالين عن قضيتهم في الانتظار له بل يجب التمحص في كل أمر يخص القضية المهدوية وعدم الخوض فيها من دون دراية والتزام جانب التعاليم الإسلامية الحقة بل ان الأمر معروف وله منهج وضعه محمد وال محمد للمنتظرين للإمام المنتظر (عجّل الله فرجه) والعمل على فق ما يجب على المكلف في زمن الغيبة الكبرى ويمكن أن يقال أن الجلوس في البيت أو لزومه هو في حال الفتن.
١٢ - اخرج المصنف بسنده حديث عن الإمام الباقر (عليه السلام) بأنه ذكر سِيرَ الخلفاء الاثني عشر الراشدين (عليهم السلام) فلما بلغ آخرهم قال: (الثاني عشر الذي يصلي عيسى بن مريم (عليه السلام) خلفه [عليك ](١٤٦٩) بسنته والقرآن الكريم)(١٤٧٠).
ونقل البياضي الحديث عن الصدوق خالي السند(١٤٧١)، ونقله البعض المصنفين المتأخرين عن الصدوق بتفاوت اللفظ(١٤٧٢)، واخرج الصدوق حديث عن الامام الصادق (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث طويل له مع أحد اليهود أخذنا منه موضع الحاجة قال: (... ومن ذريتي المهدي إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته وصلى خلفه)(١٤٧٣)، وعن صلاة عيسى خلفه ينقل ان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (فيهبط عيسى فيرحب به الناس ويفرحون بنزوله لتصديق حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثم يقول للمؤذن أقم الصلاة ثم يقول له الناس صل بنا، فيقول: انطلقوا إلى إمامكم فليصل بكم فإنه نعم الإمام فيصلي بهم إمامهم ويصلي معهم عيسى)(١٤٧٤)، وفي كثير من الروايات ان عيسى (عليه السلام) يقدمه ويصلي خلفه(١٤٧٥)، ومن يشكل في ذلك بان الإمام كيف يتقدم على نبي فالجواب انه كيف لعيسى (عليه السلام) ان يتقدم على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو على نائبه، وخاصة أن عيسى (عليه السلام) والإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هما قدوتان ومعصومان من ارتكاب القبائح ولا يدعوا احدهما إلى فعل ما يكون خارج حكم الشريعة ولا مخالفة لمراد الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلو علم الإمام (عجّل الله فرجه) أن عيسى أفضل منه لما جاز له أن يتقدم عليه لأن الله نزهه من ارتكاب كل مكروه، وكذلك لو علم عيسى (عليه السلام) أنه أفضل من الإمام لما جاز له أن يقتدي به الا انه بما تحقق عند عيسى وعلمه أن الإمام أفضل واعلم منه فلذلك يقدمه ويصلي خله ولولا ذلك لم يسعه الاقتداء به كون الله نزههما من ارتكاب كل مكروه(١٤٧٦).
ثالثاً - ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام):
وهذا الباب أطول ابواب الكتاب فيما ذكره المصنف عن الأئمة (عليهم السلام) في أخبار غيبة الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام) إذ ورد فيه خمسة وخمسون(١٤٧٧)، حديثاً قسم منها مكرر في مواضيع سابقه في التشابه مع الأنبياء أو الغيبة أو فضل الانتظار أو الإنكار وقسم منها له مناسباته في مواضيع اخرى وخاصة في موضوع العلامات في الفصل اللاحق سيتم التطرق إليها على وفق الخطة الموضوعة لعناوين البحث إذ ما ذكر من روايات وأحاديث في أغلب أبواب الكتاب تنقل عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وهنا أخذنا منها خمسة عشر حديثاً في هذه الفقرة وهي:
١ - ينقل الصدوق رواية بسندها يرفعها عن إبراهيم الكرخي(١٤٧٨)، قال: (دخلت على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق [عليه السلام] وإني لجالس عنده إذ دخل أبو الحسن موسى بن جعفر [عليه السلام] وهو غلام فقمت إليه فقبلته وجلست فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يا إبراهيم أما أنه لصاحبك من بعدي أما ليهلكن فيه أقوام ويسعد فيه آخرون فلعن الله قاتله(١٤٧٩)، وضاعف على روحه العذاب أما ليخرجن الله من صلبه خير أهل الأرض في زمانه سميُّ جدَّه ووراث علمه وأحكامه وفضائله ومعدن الإمامة ورأس الحكمة يقتله جبار بني فلان بعد عجائب طريفة حسداً له ولكن الله (عزَّ وجلَّ) بالغ أمره ولو كره المشركون يخرج الله من صلبه تكملة اثني عشر إماماً مهدياً اختصهم الله بكرامته وأحلهم دار قدسه المنتظر للثاني عشر منهم كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يذب عنه، قال فدخل رجل من موالي بني امية فأنقطع الكلام فعدت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) إحدى عشرة مرة أريد منه أن يستتم الكلام فما قدرت على ذلك فلما كان قابل السنة الثانية دخلت عليه وهو جالس فقال: يا إبراهيم هو المفرج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد وبلاء طويل وجزع وخوف فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان حسبك يا إبراهيم، قال فما رجعت بشيء أسر من هذا لقلبي ولا أقرهُ لعيني)(١٤٨٠).
رواه النعماني بسند مختلف يرفعه ايضاً إلى إبراهيم الكرخي وبنفس الألفاظ(١٤٨١)، ونقل الحديث في باب النص على إمامته عند الطبرسي بالإسناد واللفظ ذاته المذكور عند الصدوق(١٤٨٢)، ونجد الحديث يتطرق إلى فضل الانتظار والمنتظرين وتأكيد الأئمة عليه في كثير من أحاديث دلال على التنبيه المستمر للأمر المحتوم بالظهور وحتى ان لم يكن الشخص موجوداً في عصر الظهور الا أنهم ينبهم لتحصيل فضل وأجر الانتظار كمن هو موجود في زمن الانتظار وان كان ميتاً.
٢ - وفي حديث أخرجه المصنف بثلاث طرق في أن ابي بصير في حديث له مع أحد الموالين فيمن قال هذا الحديث وهو انه (عليه السلام) قال: (نحن اثنا عشر مهدياً) ويقول ابو بصير: (تا لله لقد سمعت ذلك من أبي عبد الله (عليه السلام) فحلف مرة أو مرتين أنه سمع ذلك منه) وقال أبو بصير: لكني سمعته من أبي جعفر (عليه السلام))(١٤٨٣).
وبنفس السياق أخرج المصنف حديث ثاني بسنده عن أبي بصير قال: (قلت للصادق جعفر بن محمد: يا بن رسول الله إني سمعت من أبيك (عليه السلام) أن قال: يكون بعد القائم اثنا عشر مهدياً(١٤٨٤)، فقال: إنما قال: اثنا عشر مهدياً ولم يقل اثنا عشر أماما ولكنهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقنا)(١٤٨٥).
ذكر الحديث الاول في الكافي عن ابي بصير بلفظ (اثنا عشر محدثاً) قول ابو بصير عن ابي جعفر(١٤٨٦)، وذكره المسعودي بسنده عن مولى لابي جعفر (عليه السلام) قال: (انه سمع أبا جعفر (عليه السلام) انه قال: منا اثنا عشر محدثاً القائم السابع بعدي، فقام إليه ابو بصير فقال أشهد لسمعت أبا جعفر (عليه السلام) يذكر هذا منذ أربعين سنة(١٤٨٧)، ورى الصدوق هذا الحديث في كتابين آخرين له بلفظ (اثنا عشر محدثاً) كذلك عن ابي بصير(١٤٨٨)، ونقله عنه الطبرسي بنصه لكن عبارة اثني عشر مهدياً عنده (اثنا عشر محدثاً)(١٤٨٩)، ومن المرجح انه التبس على ابي بصير من قال الحديث أو لعله يقصد انه سمعه منهما (عليهم السلام) ومن المرجح على الأكثر انه عن ابي جعفر (عليه السلام) ولا فرق ولعل المقصود حديثين في أحدهما لفظ محدثاً وفي الآخر مهدياً.
أما الحديث الثاني نقله بعض المصنفين كما ورد عند الصدوق عن ابي بصير(١٤٩٠)، وتثبيتاً لقول الإمام الصادق (عليه السلام) اثنا عشر مهدياً بعد القائم، يروى انه في الليلة التي توفي فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال للإمام علي (عليه السلام): (يا أبا الحسن أحضر لي صحيفة ودواة فأملأ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصيته حتى انتهى إلى موضع فقال: يا علي سيكون بعدي اثنا عشر إماما ومن بعدهم اثني عشر مهدياً فأنت يا علي أول الاثني عشر إماماً...[ثم يذكر اسماء الأئمة جميعهم إلى ان يقول عند وصوله للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)] قال: فإذا حضرته الوفاة فليسلمها إلى أبنه محمد المستحفظ من آل محمد (عليهم السلام) فذلك اثنا عشر إماماً ثم يكون بعده اثنا عشر مهدياً...)(١٤٩١).
٣ - يروى عن المفضل(١٤٩٢)، بن عمر قال: (قال الصادق جعفر بن محمد: إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نوراً قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام فهي أرواحنا، فقيل له يا بن رسول الله ومن الأربعة عشر؟ فقال: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبة فيقتل الدجال ويطهر الأرض من كل جور وظلم)(١٤٩٣).
ونقل حديث النور عند عدد من المصنفين(١٤٩٤) وقد وردت بهذا الصدد أحاديث عدة بصياغات اخرى، منها، عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) قال: (إن الله خلق محمداً وعلياً وأحد عشر من ولده من نور عظمته فأقامهم أشباحاً في ضياء نوره يعبدونه قبل خلق الخلق يسبحونه الله ويقدسونه وهم الأئمة من ولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(١٤٩٥)، وسئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٧)، قال: (النور في هذا الموضع علي أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام))(١٤٩٦)، وعن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (ان الله خلقنا من نور عظمته ثم صور خلقنا من طينة مخزونة مكنونة من تحت العرش فأسكن ذلك النور فيه فكنا نحن خلقاً وبشراً نورانياً لم يجعل لأحد في مثل الذي خلقنا منه نصيباً...)(١٤٩٧).
وعن جابر بن عبد الله عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (قلت لم سميت فاطمة الزهراء زهراء؟ فقال لان الله (عزَّ وجلَّ) خلقها من نور عظمته فلما أشرقت أضاءت السماوات والأرض بنورها وغشيت أبصار الملائكة وخرت الملائكة لله ساجدين وقالوا: إلهنا وسيدنا ما لهذا النور فأوحى الله اليهم هذا نور من نوري أسكنته في سمائي خلقته من عظمتي أخرجه من صلب نبي من أنبيائي أفضله على جميع الأنبياء وأخرج من ذلك النور أئمة يقومون بأمري يهدون إلى حقي وأجعلهم خلفائي في أرضي بعد انقضاء وحيي)(١٤٩٨)، وبالنتيجة أن أحد هذه الأنوار هو الإمام المتمم لسلسة الأنوار الغائب الحجة (عجّل الله فرجه) وخاتم الأوصياء والحجج الذي سيطهر الله به الأرض.
٤ - وأخرج الصدوق حديثاً بثلاث طرق انه (عليه السلام) قال: (أقرب ما يكون العباد من الله (عزَّ وجلَّ) وأرضى ما يكون عنهم إذا فقدوا حجة الله (عزَّ وجلَّ) فلم يظهر لهم ولم يعلموا بمكانه وهم في ذلك يعلمون أنه لم تبطل حجج الله عنهم وبيانته فعندها توقعوا الفرج صباحاً ومساء وأن أشد ما يكون غضب الله تعالى على أعدائه إذا افتقدوا حجة الله فلم يظهر لهم وقد علم أن أولياءه لا يرتابون ولو علم أنهم يرتابون لما غيب عنهم حجته طرفة عين ولا يكون ذلك إلا على رأس شرار الناس) وفي الثاني نفسه والثالث يقول: (العبد) وليس العباد وينتهي عند عبارة (ما أفقدهم حجته طرفة عين)(١٤٩٩).
ونقل مثل الحديث في كثير من المصادر بعدة أسانيد(١٥٠٠)، وللتمعن مضامين الحديث تجدها واضحة بالجملة وعند الوقوف على عبارة (ولا يكون ذلك إلا على رأس شرار الناس) ورد في شرح الكافي عن هذه الجملة (دل على ظهوره لا يكون إلا عند أن يفشو الشر في الناس ويبعد الخير عنهم وقد دل ذلك أيضاً على تعيين الشرور والمفاسد)(١٥٠١).
٥ - وينقل الصدوق عن السيد بن محمد الحميري(١٥٠٢)، في حديث طويل يقول فيه: (قلت للصادق جعفر بن محمد: يا بن رسول الله قد روي لنا أخبارٌ عن آبائك في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بمن تقع فقال (عليه السلام): إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض وصاحب الزمان والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(١٥٠٣) ونقل الصدوق هذا الخبر عن السيد الحميري مع قصيده طويلة نقلها في مقدمة كتابه(١٥٠٤)، قيل إن الحميري ألقاها في محضر الإمام الصادق (عليه السلام) مما جاء فيهـا:

له غيبة لابد أن سيغيبها * * * فصلى عليه الله من متغيب(١٥٠٥)

روي الحديث عدد من المصنفين على ما هو عند الصدوق ونقل خبر الحميري مع الحديث إذ كان يقول بالغلو ويقول بان الغيبة وقعت في محمد بن الحنفية إلى ان التقى بالإمام الصادق (عليه السلام) وهداه إلى سبيل الرشاد حتى قال الحميري: (فمن الله جل وعز علي بالصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) وأنقذني من النار)(١٥٠٦) ونقل الطبري نفس الخبر بسند مختلف ويرفعه إلى السيد الحميري(١٥٠٧)، وعن قصيدة السيد الحميري الواردة في الخبر اذ علق المفيد عليها مستدلاً بها على الغيبة قائلاً: (فانظروا رحمكم الله قول السيد هذا وهو في الغيبة كيف وقع له أن يقوله لولا أنه سمعه من أئمته (عليهم السلام)، وأئمته سمعوه من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإلا فهل يجوز لقائل أن يقول قولاً فيقع كما قال ما يخرم منه حرف)(١٥٠٨).
٦ - وروي عنه أنه (عليه السلام) قال: (إن لصاحب هذا الأمر غيبة فليتق الله عبدٌ وليتمسّك بدينه)(١٥٠٩)، وورد بنفس المضمون قال (عليه السلام): (إن لصاحب هذا الأمر غيبة المتمسك فيها بدينة كالخارط(١٥١٠)، للقتاد(١٥١١)، ثم قال هكذا بيده، ثم قال: إن لصاحب هذا الأمر غيبة فليتقِ الله عبدٌ وليتمسك بدينه)(١٥١٢).
ورد الحديث في الكافي الشريف بالنص ذاته وبسند مختلف مع زيادة بسيطة في اللفظ بعد ان يقول هكذا بيده (فأيكم يمسك شوك القتاد بيده) وليس (فأيكم يمسك شوك القتاد بيده)(١٥١٣)، ويذكر المسعودي الحديث قال: (لصاحب هذا الأمر غيبة المتمسك فيها بدينة كالخارط للقتاد، ثم قال: ومن يطيق خرط القتاد)(١٥١٤)، وفي كتاب الغيبة ينقله بطريقين أحدهما ينقله عن الكليني(١٥١٥)، وعند الطوسي بسند مختلف وباللفظ الوارد عن الكليني والنعماني بزياد عبارة (كالخارط للقتاد بيديه)(١٥١٦)، وفي تقريب المعارف كما في الكافي(١٥١٧)، ولم ينقل حديث الصدوق الأول المختصر في بعض كتب المتأخرين(١٥١٨).
٧ - وينقل عن أحد أصحاب الامام الصادق (عليه السلام) أنه سأله عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ (إبراهيم: ٢٤)، قال: أصلها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفرعها أمير المؤمنين (عليه السلام) والحسن والحسين [(عليهم السلام)] ثمرها وتسعة من ولد الحسين أغصانها والشيعة ورقها والله أن الرجل منهم ليموت فتسقط ورقة من تلك الشجرة، قلت قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها...﴾ (إبراهيم: ٢٥)، قال: ما يخرج من علم الإمام إليكم في كل سنة من حج وعمرة)(١٥١٩).
ورد الحديث بهذا المعنى في بصائر الدرجات سبعة أحاديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن الإمامين الباقر والصادق (عليهم السلام) وفيها: (الشجرة رسول الله نسبه ثابت في بني هاشم وفرع الشجرة علي وغصن الشجرة فاطمة (عليها السلام) وثمرتها الأئمة من ولد علي وفاطمة (عليهم السلام) وشيعتهم ورقها...، وقال الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها﴾ قال: (ما يفتي الأئمة (عليهم السلام) شيعتهم في كل حج وعمره) وقال الصادق (عليه السلام): (والفرع الولاية لمن دخل فيها)(١٥٢٠) ونقل الصدوق في كتاب آخر له عن الإمام الباقر (عليه السلام) فيه اختلاف بسيط(١٥٢١).
وورد الحديث في الكافي بسند مختلف عن الإمام الصادق (عليه السلام) دون ذكر لتكملة الحديث عن الآية الثانية مع اختلاف بسيط في اللفظ وزيادة فيه (وعلم الأئمة ثمرها)(١٥٢٢)، وفي تفسير فرات الكوفي يوردها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن ابي عبد الله (عليه السلام) بصياغات مختلفة وبنفس المضمون(١٥٢٣)، وفي الخرائج من ضمن حديث طويل يذكره الامام الصادق عن أبيه (عليهم السلام) قال: (...نحن الشجرة الطيبة ﴿أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ نحن نعطي شيعتنا ما نشاء من علمنا...)(١٥٢٤).
٨ - عن أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إن سنن الأنبياء بما وقع بهم من الغيبات حادثة في القائم منا أهل البيت حذو النعل بالنعل والقذَّة بالقذَّة، قال ابو بصير: ومن القائم منكم أهل البيت؟ فقال: يا أبا بصير هو الخامس من ولد ابني موسى ذلك ابن سيدة الإماء يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون ثم يظهره الله (عزَّ وجلَّ) فيفتح الله على يده مشارق الأرض ومغاربها وينزل روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) فيصلي خلفه وتشرق الأرض بنور ربها ولا تبقى في الأرض بقعة عبد فيها غير الله (عزَّ وجلَّ) إلا عبد الله فيها ويكون الدين كله لله ولو كره المشركون)(١٥٢٥).
نص الحديث أعلاه لم أجده عند غيره لكن نقل الحديث عن الصدوق بعض اكابر المتأخرين(١٥٢٦) ومع هذا الخبر نذكر ما صح عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهذا الصدد في مصادر الشيعة بان الحاصل في الأمم السابقة سيحصل في امته قال: (يكون في هذه الأمة مثل ما يكون في الأمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة)(١٥٢٧)، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لتركبن سنن الذين من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو ان رجل دخل حجر ضب لدخلتموه فقيل يا رسول الله اليهود والنصارى، قال فمن أرى فدل (لترتدن كما ارتدت اليهود والنصارى حين فقدوا موسى وعيسى (عليهم السلام)...)(١٥٢٨).
في خبر طويل اخذنا موضع الحاجة منه، قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (كائن في امتي ما كان في بني اسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة فان الثاني عشر من ولدي يغيب حتى لا يرى ويأتي على امتي زمن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن الا رسمه فحينئذ يأذن الله له بالخروج فيظهر الإسلام ويجدد الدين)(١٥٢٩).
وما بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والإمام الصادق (عليه السلام) بما ذكر من أحاديث ترابط في الوصف لما كان في الأمم سابقة الإسلام ستكون في امته بالدقة ومنها شاهد الكلام غيبة خاتم الأوصياء كما هو حال الأنبياء وضعف الأمم وتكذيبهم إذا فقد واحد منهم بغيبة أو بموت والإمام الغائب في هذه الأمة الذي سيجدد الدين وان هذا لكائن لا محالة.
٩ - ويروى عنه (عليه السلام) قال: (إن هذا الأمر لا يأتيكم إلا بعد إياس لا والله لا يأتيكم حتى تميزوا لا والله لا يأتيكم حتى تمحصوا ولا والله لا يأتيكم حتى يشقى من شقي ويسعد من سعد)(١٥٣٠).
نقل الحديث في الكافي بسند مغاير يرفعه إلى نفس الراوي عن الصادق (عليه السلام) وبالفظ نفسه(١٥٣١)، جاء ذكر الحديث عند بعض المصنفين ضمن حديث ينقل عن الإمام الصادق (عليه السلام) محدثاً جماعه من أصحابه قال: (في أي شيء أنتم هيهات هيهات لا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تمحصوا هيهات ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تميزوا ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تغربلوا ولا يكون الذي تمدون اليه أعناقكم الا بعد يأس ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى يشقى من شقي ويسعد من سعد)(١٥٣٢) وروي مثله عن الإمام الباقر (عليه السلام) يقول كل فقرة بيمين لا والله(١٥٣٣)، وفي حديث للإمام الصادق (عليه السلام) عن الاختلاف والامتحان قبل الظهور قال: (والله لتكسرن تكسر الزجاج وان الزجاج ليعاد فيعود كما كان والله لتكسرن تكسر الفخار وان الفخار ليتكسر فلا يعود كما كان والله لتغربلن ووالله لتميزن ووالله لتمحصن حتى لا يبقى منكم إلا الأقل وصعر(١٥٣٤) كفه)(١٥٣٥).
١٠ - عن المفضل بن عمر الجعفي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إياكم والتنويه أما والله ليغيبن إمامكم سنيناً من دهركم ولتمحصن حتى يقال: مات أو هلك بأي واد سلك ولتدمعن عليه عيون المؤمنين ولتكفأنَّ كما تكفأ السفن في أمواج البحر ولا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الأيمان وأيده بروح منه ولترفعن اثنتا عشرة راية متشبهة(١٥٣٦)، لا يُدرى أيُّ من أيٌّ، قال فبكيت، فقال لي ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ فقلت: وكيف لا أبكي وأنت تقول اثنتا عشرة راية متشبهة لا يدري أيٌّ من أيٌّ فكيف نصنع؟ قال: فنظر إلى شمس داخلة في الصفة(١٥٣٧)، فقال: يا أبا عبد الله ترى هذه الشمس؟ قلت: نعم، والله لأمرنا أبين من هذه الشمس)(١٥٣٨).
ونقل نفس الحديث مختلف الاسانيد مرفوعا إلى المفضل بن عمر عند عدد من المصنفين(١٥٣٩)، ورد الحديث أيضاً عند جملة منهم بأسانيد عدة فيه اختلاف بسيط في الألفاظ منها كلمه (ولتمحصن) عندهم (وليخملن) (ولتدمعن) عندهم (ولتفيض) و(الصفة) عندهم (كوة)(١٥٤٠)، وباقي الاختلافات بنفس السياق اللفظي مثل (ولتكفأن) عندهم (وليكفأن)(١٥٤١)، وورد عنه (عليه السلام) قال: (لا يخرج القائم حتى يخرج قبله اثنا عشر من بني هاشم كلهم يدعي الإمامة)(١٥٤٢)، ولعلهم هم المقصودون باثنتي عشرة راية.
وهنا الإمام الصادق (عليه السلام) يصرح بان قبل خروجه اثني عشر مدعياً بالإمامة فيصبح هو ثلاثة عشر بالتسلسل وهذا ما يثبت فساد هؤلاء الاثني عشر المدعين أما هو (عجّل الله فرجه) فله علامات ودلالات وضحها آباؤه تعرف عليه حين خروجه ومنه هؤلاء الاثنا عشر المدعين من بني هاشم فمن أحرز إحصائهم ومتابعة خبرهم فليعلم أن من يخرج بعدهم هو القائم، والمرجح مع اختلاف النقل واتفاق المعنى ومضمون الرواية أعلاه انه نفس الحديث وهذا الاختلاف لعله كما اشرنا مسبقاً لاختلاف طرق سماع الأحاديث من راوِ إلى آخر والكلام فيه يشير إلى الاختبار في فقد الإمام والصبر في غيبته عند خضوع الناس للبلاء ولهذا الأمر تدمع عليه عيون الصابرين وان الأمر واضح كوضوح الشمس وحاصل لا محالة.
١١ - وقال (عليه السلام) كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هـدى ولا عَلم يتبرأ بعضكم من بعض فعند ذلك تميزون وتمحصون وتغربلون وعند ذلك اختلاف السيفين [ السنين](١٥٤٣)، وإمارة من أول النهار وقتل وخلع من آخر النهار)(١٥٤٤).
ورد الحديث عند والد الصدوق بالسند والنص ذاته الذي ذكره الصدوق وهو سمعه من أبيه(١٥٤٥)، ولو سلمنا للقول بالحديث (اختلاف السيفين) وصغر مدة الحكم وردت أحاديث توضح هذا المقصد، فعن الصادق (عليه السلام) عن ابي بصير قال: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) كان ابو جعفر (عليه السلام) يقول: للقائم غيبتان احدهما أطول من الأخرى، فقال: قلت نعم ولا يكون ذلك حتى يختلف سيف بني فلان(١٥٤٦) وتضيق الحلقة ويظهر السفياني ويشتد البلاء ويشمل الناس موت وقتل يلجئون فيه إلى حرم الله وحرم رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(١٥٤٧).
وفي حديث عن ابي بصير قال: (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: من يضمن لي موت عبد الله(١٥٤٨) أضمن له القائم، ثم قال: اذا مات عبد الله لم يجتمع الناس بعده على أحد ولم يتناه هذا الأمر دون صاحبكم ان شاء الله ويذهب ملك السنين ويصير ملك الشهور والأيام، فقلت: يطول ذلك، قال: كلا)(١٥٤٩)، ولعل القصد من كلمة (لا يطول) ذلك بعد موت عبد الله هذا.
١٢ - وقال أبو عبد الله (عليه السلام): (إذا أصبحت وأمسيت لا ترى إماماً تأتم به فأحببت من كنت تحب وأبغض من كنت تبغض حتى يظهره الله (عزَّ وجلَّ))(١٥٥٠).
نقل الحديث صاحب الكافي بسنده مختلف عن الإمام الصادق (عليه السلام) ويروي الحديث نفسه(١٥٥١)، واخرجه النعماني بسندين يرفعهما عن الإمام الصادق (عليه السلام) ويذكر نفس الحديث(١٥٥٢)، وجاء في الخبر عنه (عليه السلام) ان احد أصحابه سمعه يقول: (القائم إمام ابن الإمام يأخذون منه حلالهم وحرامهم قبل قيامه، قلت أصلحك الله إذا فقد الناس الإمام عمن يأخذون، قال إذا كان ذلك فأحب من كنت تحب وانتظر الفرج فما أسرع ما يأتيك)(١٥٥٣)، كذلك هذا الحديث يحث على الصبر والتزام أمرهم وانتظار الفرج.
١٣ - ونقل الصدوق ثلاثة أحاديث تعطي نفس المضمون الاول قال (عليه السلام): (كيف انتم إذا بقيتم دهراً من عمركم لا تعرفون إمامكم؟ قيل له: فإذا كان ذلك فكيف نصنع؟ قال: تمسكوا بالأمر الأول حتى يستبين لكم)، وفي الثاني عن زرارة قال: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): يأتي على الناس زمانٌ يغيب عنهم إمامهم فقلت له ما يصنع الناس في ذلك الزمان؟ قال يتمسكون بالأمر الذي هم عليه حتى يتبين لهم)، والحديث الثالث أن الإمام الصادق (عليه السلام) سئُل: (هل يكون الناس في حال لا يعرفون الإمام؟ فقال: قد كان يقال ذلك، [فقيل له] فكيف يصنعون قال: يتعلقون بالأمر الأول حتى يستبين لهم الآخر)(١٥٥٤).
تعد هذه الأحاديث الثلاثة من باب الوصية للمنتظرين للإمام الغائب في مجمل معانيها وهي التمسك بالأمر الأول وهو إتباع وصاياهم والثبات على موالاتهم وانتظار الفرج حتى يتبين الأمر اي يظهر القائم (عجّل الله فرجه)، وهنا لم نجد عدداً من المتقدمين يتطرقون إلى نص هذا الأحاديث سوى النعماني الذي نقل ثلاثة أحاديث بأسانيد مختلفة تعطي نفس دلالة الأحاديث التي عند الصدوق واحد منها يشبه الحديث الثاني مع اختلاف يسير في اللفظ كما رواه الصدوق، سئل الإمام الصادق (عليه السلام): (يكون فترة لا يعرف المسلمون فيها إمامهم؟ فقال: يقال ذلك، قلت: فكيف نصنع، قال: إذا كان ذلك فتمسكوا بالأمر الأول حتى يتبين لكم الآخر)(١٥٥٥) وفي حديث له (عليه السلام) مخاطباً أحد اصحابه قال)... فتمسكوا بما في أيديكم حتى يتضح لكم الأمر)(١٥٥٦) وانه سأله أحد أصحابه قائلاً له: (إنا نروي بأن صاحب هذا الأمر يفقد زماناً فكيف نصنع عند ذلك، قال: تمسكوا بالأمر الأول الذي أنتم عليه حتى يتبين لكم)(١٥٥٧).
١٤ - عن أبان بن تغلب(١٥٥٨) قال: (قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (يأتي على الناس زمان يصيبهم فيه سبطة، يأرز العلم فيها بين المسجدين كما تأرز الحية(١٥٥٩)، في جحرها يعني بين مكة والمدينة فبينما هم كذلك إذا أَطلع الله (عزَّ وجلَّ) لهم نجمهم، قال: قلت: وما السبطة؟ قال: الفترة والغيبة لإمامكم، قال: قلت: فكيف نصنع فيما بين ذلك؟ فقال: كونوا على ما أنتم عليه حتى يطلع الله لكم نجمكم)(١٥٦٠).
اخرج مثل الحديث بعض المصنفين بأسانيد مختلفة عن حديث الصدوق والبعض نقل عنه مع اختلاف غير معتد به باللفظ(١٥٦١)، وعن ابان بن تغلب قال: قال (عليه السلام) (كيف أنتم اذا وقعت السبطة بين المسجدين فيأرز العلم فيها كما تأرز الحية في جحرها واختلفت الشيعة بينهم وسمى بعضهم بعضاً بالكذابين ويتفل بعضهم في وجوه بعض، فقلت: ما عند ذلك من خبر؟ قال: الخبر كله عند ذلك - ويقوله ثلاثاً ويريد قرب الفرج)(١٥٦٢)، وفي بيان للمجلسي حول الحديث قال: (إشارة إلى جيش السفياني واستيلائهم بين الحرمين وعلى ما في الأصل لعل المعنى يأرز العلم بسبب ما يحدث بين المسجدين أو يكون خفاء العلم في هذا الموضع أكثر بسبب استيلاء أهل الجور فيه)(١٥٦٣).
لعل المراد من السكون في فترة الغيبة هو في مرحلة ما يحصل فتور حتى في العلم وينحصر اي تصل الأمور إلى حدود ضيقه في كل شي ومن ثمة بعد هذا الفتور يظهر الإمام (عجّل الله فرجه) كناية عن اسمه بالنجم كما أشير سلفاً بأنهم هم النجوم ثم تكملة الحديث للموالين ان يبقوا على حالهم كما هو بالصبر على الغيبة في الانتظار له إلى ان يؤذن له بالظهور ومن المرجح وان الإشارة إلى المسجدين كونهما يصبحان المنطلق لتجديد الفكر والحركة الإسلامية في عصر الظهور وتأكيداً على حديث الإمام الصادق (عليه السلام) بما ورد من تلميحات عن الغيبة وصاحبها وحال آخر الزمان وانحصاره العلم وفقدانه وان هذا كله في زمن الغيبة حتى تحل كل هذه الأمور بظهور حجته وإظهار علمه نصرة لدين الله مع منتظريه الصابرين على غيبته الملتزمين بما أوصاهم به أئمتهم (عليهم السلام).
في حديث لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً فطوبى للغرباء وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها)(١٥٦٤)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: اللهم واني لأعلم أن العلم لا يأرز كله ولا ينقطع مواده وأنك لا تخلي أرضك من حجة لك على خلقك ظاهراً ليس بالمطاع أو خائف مغمور كي لا تبطل حجتك ولا يضل أولياؤك...)(١٥٦٥).
واخرج الصدوق حديثاً بسندين مختلفين عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء) وعند الصدوق تعليق عن قضية الغربة هنا والتي توضح خال المنتظرين للإمام الغائب يقول: (... فقد عاد الإسلام غريباً كما قال (عليه السلام) غريباً في هذا الزمان وسيقوى بظهور ولي الله وحجته كما قوي بظهور نبي الله ورسوله وتقر يذلك أعين المنتظرين له القائلين بإمامته كما قرت أعين المنتظرين لرسول الله والعارفين به بعد ظهوره...)(١٥٦٦).
١٥ - وينقل الصدوق رواية بسنده عن المفضل بن عمر قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تفسير جابر فقال: لا تحدث به السفل فيذيعوه أما تقرأ في كتاب الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾(١٥٦٧) إن منا إماماً مستتراً فإذا أراد الله (عزَّ وجلَّ) إظهار أمره نكت في قلبه نكتة فظهر وأمر بأمر الله (عزَّ وجلَّ))(١٥٦٨).
نقل الحديث عدد من المصنفين من المتقدمين والمتأخرين بأسانيد عدة مع اختلاف يسير في بعض عباراته(١٥٦٩)، من المرجح في القول أن المقصود هنا بحديث أو تفسير جابر في سؤال المفضل هو حديث اللوح الذي رواه جابر (رضي الله عنه) عن مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) اذا ينقل الصدوق ما ذكر الامام محمد الباقر بما سمعه عن أبيه (عليه السلام) عن خبر اللوح الذي سمعه منه هكذا الحديث قال في نهايته: (هذا سر الله ودينه ودين ملائكته فصنه إلا عن أهله وأوليائه)(١٥٧٠)، وفي إثبات الوصية ينقل الحديث موضوع النقاش أعلاه عن سؤال المفضل بن عمر للإمام الصادق (عليه السلام) عن تفسير جابر حيث ذكره بعد ان يذكر خبر اللوح المروي عن جابر(١٥٧١)، وأخرج المجلسي نفس الحديث واضع بياناً عليه قال فيه: (ذكر الآية لبيان أن في زمانه (عليه السلام) يمكن إظهار تلك الأمور أو استشهاد بأن من تفاسيرنا ما لا يتحمله عامة الخلق مثل تفسير تلك الآية)(١٥٧٢).
وهنا ما يعطينا دلاله على انه هو الحديث المقصود في سؤال المفضل هو الأرجح لا غيره اما التأكيد على كتمان هذا الخبر وعدم إذاعته فلعل هذا المقصد كان في زمانهم اي قبل وقوع الغيبة الكبرى وانقطاع السفارة اما بعدها فأصبح الحديث متداولاً ومشهوراً إلى يومنا هذا وتذكره الكثير من المصادر.
أمّا المقصود من الناقور عن الإمام الباقر (عليه السلام): (الناقور هو النداء من السماء ألا إن وليكم الله وفلان بن فلان القائم بالحق ينادي به جبرئيل في ثلاث ساعات من ذلك اليوم فذلك يوم عسير على الكافرين غير يسير)، ويعني بالكافرين هنا الذين كفروا بنعمة الله وبولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام)(١٥٧٣).
المبحث الثالث: ما روي عن الأئمة الكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام):
أولاً: - ما روي عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليهم السلام):
نقل المصنف في هذا الباب ستة أحاديث اثنين منها ذكرت في مناسبات سابقة من البحث أخذنا منها هنا أربعة وذكر في نفس الباب مناظرة طويلة تركنا ذكرها(١٥٧٤).
١ - يروى عن علي بن جعفر(١٥٧٥)، عن أخيه الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: (إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم لا يزيلكم أحدٌ عنها يا بني: أنه لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرده عن هذا الأمر من كان يقول به إنما هي محنة الله (عزَّ وجلَّ) امتحن الله بها خلقه ولو علم آبائكم وأجدادكم ديناً أصح من هذا لاتبعوه فقلت، يا سيدي وما الخامس من ولد السابع؟ فقال: يا بني عقولكم تضعف عن ذلك وأحلامكم تضيق عن حملة ولكن تعيشوا فسوف تدركونه)(١٥٧٦).
هذا الخبر يرويه الصدوق في إكمال الدين عن أبيه الوارد في كتابه الإمامة والتبصرة كما هو في الإكمال بالسند والنص(١٥٧٧) ورد الخبر نفسه في الكافي في باب ما ورد عن الغيبة باختلاف عبارة (عقولكم تضعف) وهنا (عقولكم تصغر)(١٥٧٨)، ونقل الحديث الخصيبي وفيه اختلاف منها عبارة (حتى يرجع من كان يقول فيه فرضاً)(١٥٧٩)، وعبادة (أن تعيشوا فسوف تدركونه) هنا (تذكرون) ويكمل الحديث (قلت يا سيدي فنموت بشك منه، قال أنا السابع وابني علي الرضا الثامن وابنه محمد التاسع وابنه علي العاشر وابنه الحسن الحادي عشر وابنه محمد سمي جده رسول الله وكنيته المهدي الخامس بعد السابع، قلت فرج الله عنك يا سيدي كما فرجت عني(١٥٨٠) وفي إثبات الوصية كما في الكافي(١٥٨١)، وكذلك عند النعماني عن الكافي(١٥٨٢)، ونقل الخبر في دلائل الإمامة بـ(إياكم أن تفشوا بذكره)(١٥٨٣)، وعند الطوسي الخبر كما في الإكمال باختلاف يسير ويروي بسندين للحديث وفي الثاني اختلاف يسير مع الاختصار إلى أن يقول: (امتحن الله بها خلقه)(١٥٨٤)، ورواه الطبرسي عن الصدوق بالسند واللفظ ذاته(١٥٨٥).
وما ورد من تعليق حول بعض عبارات الحديث: (ولو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصح من هذا لاتبعوه) دل على أن هذا الدين أصح الأديان وليس دين أصح منه وإلا لأتبعه الصالحون المطهرون الذين شأنهم طلب الأصلح والأفضل وإتباع الأشرف والأكمل ولعل التفضل هنا مجرد عن معناه فلا يلزم ثبوت الصحة لغير هذا الدين... (وقوله (يا بني) الظاهر أنه على صيغة الجمع وان علي بن جعفر يدخل في الخطاب على سبيل التغليب، وقوله (إن تعيشوا فسوف تدركونه) لا يقال كيف يدركونه مع فقده لأنا نقول معناه فسوف تدركون زمانه أو فسوف تدركونه قبل فقده وغيبته أو نقول معناه تعيشون وتبقون على هذا الدين فسوف تدركونه بعد الظهور بالرجعة وفيه بعد والله أعلم)(١٥٨٦).
٢ - يروى أن الإمام الكاظم (عليه السلام) قال: (صاحب هذا الأمر من يقول النّاس: لم يولد بعد)(١٥٨٧)، وينقل نفس الحديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) ويورد الصدوق حديث آخر بطريقين يرفعه بسنده إلى الإمام علي الهادي (عليه السلام) قال: (صاحب هذا الأمر من يقول الناس أنه لم يولد بعد)(١٥٨٨).
الحديث الأول عند الصدوق لم نجد عند المتقدمين مثله عن الإمام الكاظم (عليه السلام) رواه بعض المتأخرين من كبار مصنفي الشيعة نقلاً عن الصدوق(١٥٨٩)، أما حديث الثاني المروي عن الإمام الهادي (عليه السلام) ونقله عدد من المتقدمين والمتأخرين بنفس المضمون(١٥٩٠).
ويضع النعماني بياناً في هذا الأمر بعد ان يطرح عدد من أحاديث الغيبة اذ يقول: (وهذه الأحاديث دالة على ما قد آلت إليه أحوال الطوائف المنتسبة إلى التشيع ممن خالف الثلة المستقيمة على إمامة الخلف بن الحسن بن علي (عليه السلام) لان الجمهور منهم من يقول في الخلف أين هو؟ وأنى يكون هذا؟ وإلى متى يغيب؟ وكم يعيش هذا؟ وله الآن نيف وثمانون سنة فمنهم من يذهب إلى أنه ميت ومنهم من ينكر ولادته ويجحد وجوده بواحدة ويستهزئ بالمصدق به ومنهم من يستبعد المدة ويستطيل الأمد ولا يرى أن الله في قدرته
ونافذ سلطانه...)(١٥٩١)، وفي ذلك ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة قال: (... وهو المُنتظَرُ وهو الذي يُشك في ولادته...)(١٥٩٢)، ويكفينا على هذا رداً ما اثبت في الفصل الاول عن أخبار ولادته وتواترت الروايات في خبرها من كلا المدرستين بما ينفي مقالة هؤلاء الناس ومن يشك بأنه لم يولد(١٥٩٣).
٣ - ويروى عن يونس بن عبد الرحمن(١٥٩٤)، قال: (دخلت على موسى ابن جعفر [عليه السلام] فقلت له: يا بن رسول الله [صلّى الله عليه وآله وسلّم] أنت القائم بالحق؟ فقال: أنا القائم بالحق ولكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله (عزَّ وجلَّ) ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً وهو الخامس من ولدي له غيبة يطول أمدها على نفسه يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون، ثم قال (عليه السلام) طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا أولئك منا ونحن منهم قد رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة فطوبى لهم طوبى لهم وهم والله معنا وفي درجتنا يوم القيامة)(١٥٩٥).
روى الخبر جملة من المصنفين من المتقدمين والمتأخرين عن يونس بن عبد الرحمن عن الإمام الكاظم (عليه السلام)(١٥٩٦)، ولا يوجد شيء غير واضح في الحديث الا انه كما في أحاديث سابقة تكلم في فضل الانتظار والمتمسكين بخط الأئمة (عليهم السلام) وما للموالين من الفضل وزاد فيه أن قال بما بشر به المنتظرين: (في درجتنا يوم القيامة).
وعن فضل من تولى الأئمة (عليهم السلام) وما درجته يوم القيامة بصورة عامة في حب جميع الأئمة قيل انه مرض الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) فعادهما الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأخذهما وقبلهما ثم رفع يده إلى السماء ودعا لهما ثم قام بوضع يده المباركة عل كتف الإمام الحسن (عليه السلام) وقال: (أنت الإمام وابن ولي الله، ووضع يده على صلب الحسين [عليه السلام] فقال: أنت الإمام وأبو الأئمة تسعة من صلبك أئمة أبرار والتاسع قائمهم من تمسك بكم وبالأئمة من ذريتكم كان معنا يوم القيامة وكان معنا في الجنة في درجتنا...)(١٥٩٧)، وفي خبر عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مخاطباً الامام علي (عليه السلام) قال: (يا علي أما علمت أنه من أحبنا وانتحل محبتنا أسكنه الله معنا(١٥٩٨)؟ وتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر: ٥٤-٥٥) وما ورد في تفسيرها ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ ضياء وسعة وقيل أراد أنهاراً، ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ في مقعد صدق: (أي في دار كرامة الله ورضوانه وفضله وامتنانه وجوده وإحسانه، عند مليك مقتدر، أي: عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها ومقدرها وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون)(١٥٩٩).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (... لا يحبنا عبد ويتولى الإمام منا إلا كان معنا يوم القيامة ونزل منازلنا...)(١٦٠٠)، وعنه (عليه السلام) قال: (والله لا يحبنا عبد إلا كان معنا يوم القيامة فاستظل بظلنا ورافقنا في منازلنا والله لا يحبنا عبد حتى يطهر قلبه ولا يطهر قلبه حتى يسلم لنا وإذا سلم لنا سلمه الله من سوء الحساب وآمنه من الفزع الأكبر)(١٦٠١).
٤ - يروى الصدوق عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني(١٦٠٢)، يرفعه بسنده عن أبي أحمد محمد بن زياد الأزدي(١٦٠٣)، قال: (سألت سيدي موسى ابن جعفر عن قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ (لقمان: ٢٠) فقال (عليه السلام): النعمة الظاهرة الإمام الظاهر، والباطنة الإمام الغائب، فقلت له: ويكون في الأئمة من يغيب؟ قال: نعم يغيب عن أبصار الناس شخصه ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، وهو الثاني عشر منا يسهل الله له كل عسير ويذلل له كل صعب ويظهر له كنوز الأرض ويقرب له بعيد ويبير به كل جبار عنيد ويهلك على يده كل شيطان مريد ذلك ابن سيدة الإماء الذي تخفى على الناس ولادته ولا يحل لهم تسميته حتى يظهره الله (عزَّ وجلَّ) فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(١٦٠٤).
الحديث هنا واضح المعنى مفسراً في قوله ونقل من عدد كبير من المؤرخين بأسانيد متشابه ومغايره وبنصه ومختصراً ومنها: ورد الخبر في كفاية الأثر بالعبارات والسند نفسه عدا احمد بن زياد بن جعفر ليس فيه والباقي كما في الإكمال(١٦٠٥)، وفي مجمع البيان عن الإمام الباقر: (عليه السلام) (النعمة الظاهرة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما جاء به من معرفته وتوحيده وأما النعمة الباطنة ولايتنا أهل البيت وعقد مودتنا)(١٦٠٦)، وينقله صاحب الخرائج محذوف السند مختصر الحديث ويقف في روايته عند عبارة (ويقرب عليه كل بعيد) وكذلك ورد مثله في منتخب الانوار المضيئة والبحار(١٦٠٧)، وينقل المازندراني في مناقبه حديثين بهذا الصدد الأول كما ورد في مجمع البيان والثاني عن الإمام الكاظم (عليه السلام) قال: (الظاهرة الإمام الظاهر والباطنة الإمام الغائب)، ونقله عنه بعض المتأخرين(١٦٠٨)، ويرويه البياضي باختصار يقف عند عبارة (ويهلك على يده كل شيطان مريد)(١٦٠٩).
ويقول مصنف الكتاب عن هذا الخبر: (لم أسمع هذا الحديث إلا من أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني (رضي الله عنه) بهمدان عند منصرفي في حج بيت الله الحرام وكان رجلاً ثقة ديناً فاضلاً رحم الله عليه ورضوانه)(١٦١٠)، ولعل هذا القول يدل على تأكيد الأحاديث المنقولة عند الصدوق ووثاقتها كونه لم يترك مثل هذا التعليق مع أي حديث آخر ما يدل على انه سمع أحاديثه المروية في كتابه موضوع البحث أكثر من مرة وعن أكثر من راوِ وهذا ما لمسناه عنده حيث يروي أحيانا الحديث بأكثر من طريق وباختلاف العبارات لنفس المضامين، وفقط علق على هذا الحديث لأنه سمعه مرة واحدة حسب قوله وعن هذا الشخص فقط وهو كذلك يعد خبراً موثوقاً لكثرة تناقله في المصادر.
ثانياً: ما روي عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام):
ورد في هذا الباب من الكتاب سبع أحاديث أخذناها كلها واحد منها متشابه في المعنى في الحديث السادس حاولنا الاختصار منه لطوله:
١ - ينقل الصدوق حديث بسنده عن أيوب بن نوح(١٦١١) قال: (قلت الرضا (عليه السلام) إنا لنرجو أن تكون صاحب هذا الأمر وأن يرده الله (عزَّ وجلَّ) إليك من غير سيف فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك(١٦١٢)، فقال: ما منا أحدٌ اختلفت إليه الكتب، وسئل عن المسائل وأشارت إليه الأصابع وحملت إليه الأموال إلا اغتيل أو مات على فراشه حتى يبعث الله (عزَّ وجلَّ) لهذا الأمر رجلاً خفي المولد والمنشأ غير خفي في نسبه)(١٦١٣).
اخرج الحديث صاحب الكافي بسند مغاير يرفعه إلى أيوب بن نوح مع بعض الاختلاف في كلمات الحديث حيث يبدأ قوله قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام)، وعبارة يسوقه الله إليك بدل أن يرده، وبدل كلمة رجلاً عبارة (غلاماً منا) وأخذه عن الكليني عدد من المصنفين(١٦١٤)، وعند النعماني مثله(١٦١٥)، وفي سير المعصومين كما هو عند الصدوق الا في عبارة يرده الله إليك يذكرها هنا يسوقه الله إليك(١٦١٦)، ورد الحديث كذلك في كشف الغمة(١٦١٧).
وعن فقرة الحديث: (ما منا أحدٌ اختلفت إليه الكتب، وسئل عن المسائل وأشارت إليه الأصابع وحملت إليه الأموال إلا اغتيل أو مات على فراشه) هنا توضيح من قبل الإمام للسائل الذي طلب منه ان يقوم بالأمر فلعل المراد منها بأنه لو سلطت الأنظار والحديث وتوجهت الناس صوب اي احد من الأئمة يكون مصيره القتل على فراشه قبل إن يفعل اي شيء أو ينهض بالقوة أو بدون قوة وهذا لا يتحقق عند اي احد منهم ولا تكون له دولة إلا عند قيام الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) الذي تخفى ولادته ومعروفاً نسبه حسب قول الرضا (عليه السلام): (حتى يبعث الله (عزَّ وجلَّ) لهذا الأمر رجلاً خفي المولد والمنشأ غير خفي في نسبه) وعلى الأرجح انه بما توارد من أحاديث عند عدد من المصنفين بقولهم: (غلاماً منا)(١٦١٨) وهذه الأقرب للمعنى الوارد عند الصدوق (رجلاً).
٢ - سئُل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) عن القائم (عجّل الله فرجه) فقال: (لا يرى جسمه ولا يسمى باسمه)(١٦١٩).
نقل الصدوق الحديث عن أبيه ورواه جملة من المؤرخين ومنهم من نقله عن الصدوق وعن غيره من المصنفين وبأسانيد عدة تلتقي بنفس الراوي(١٦٢٠)، وبهذا المعنى ورد عن الرضا (عليه السلام) قال: (القائم المهدي بن الحسن لا يُرى جسمه ولا يسمى باسمه أحد بعد غيبته حتى يراه ويعلن باسمه ويسمعه كل الخلق، فقلنا له: يا سيدنا وإن قلنا صاحب الغيبة وصاحب الزمان والمهدي، قال: هو كل جائز مطلق وإنما نهيتكم عن التصريح باسمه ليخفى اسمه عن أعدائنا فلا يعرفوه)(١٦٢١).
٣ - وينقل الصدوق رواية بسندها يرفعها إلى الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في حديث له مع أحد أصحابه يدعى الحسن بن محبوب(١٦٢٢) قال له: (لابد من فتنة صماء(١٦٢٣)، صليم(١٦٢٤) يسقط فيها كل بطانة(١٦٢٥)، ووليجة(١٦٢٦)، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض وكل حرَّى وحرَّان(١٦٢٧)، وكل حزين ولهفان، ثم قال (عليه السلام) بأبي وأمي سميّ جدي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وشبيهي وشبيه موسى بن عمران (عليه السلام) عليه جيوب النور يتوقد من شعاع ضياء القدس يحزن لموته أهل الأرض والسماء كم من حرَّى مؤمنة وكم من مؤمن متأسف حرَّان حزين عند فقدان الماء المعين كأني بهم آيس ما كانوا قد نودوا نداء يسمع من بعد كما يسمع من قرب يكون رحمة على المؤمنين وعذاباً على الكافرين)(١٦٢٨)، وفي نفس الباب ينقل المصنف حديثاً آخر مختصر بنفس السياق بسنده يرفعه عن شخص يدعى أحمد بن زكريا(١٦٢٩) قال: (قال لي الرضا علي بن موسى (عليه السلام): أين منزلك ببغداد؟ قلت: الكرخ، قال: أما إنه أسلم موضع ولابد من فتنة صماء صليم تسقط فيها كل وليجة وبطانة وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي)(١٦٣٠).
روى الصدوق هذا الحديث عن أبيه الوارد في كتابه الإمامة والتبصرة(١٦٣١)، ورواه المصنف في عيون أخبار الرضا بنفس اللفظ والسند(١٦٣٢) ونقل الحديث عن مصنف آخر باختصار يقف عند عبارة (يبكي عليه أهل السماء والأرض)(١٦٣٣)، ورواه الراوندي بسند مختلف وقد سقطت منه بعض العبارات عن النص المروي عند الصدوق(١٦٣٤)، ونقل نفس الخبر عند بعض المصنفين لكن فيه إضافة فوق الحديث المروي عند الصدوق مع بعض التفاوت في جزء الحديث الأول وبسند مختلف يرفعه بسنده عن الحسن بن محبوب الزراد من بعد عبارة وعذاباً للكافرين وبعدها يقول الزراد: (فقلت: بأبي وأمي أنت وما ذلك النداء؟ قال: ثلاثة أصوات في رجب أولها: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود: ١٨).
والثاني: ﴿أَزِفَتِ الْأَزِفَةُ﴾ (النجم: ٥٧)(١٦٣٥)، يا معشر المؤمنين، والثالث: يرون يداً بارزاً مع قرن الشمس ينادي: ألا أن الله قد بعث فلاناً على هلاك الظالمين فعند ذلك يأتي المؤمنين الفرج ويشفي صدورهم ويذهب غيظ قلوبهم(١٦٣٦)، ونقل الطوسي نفس الحديث المروي عن النعماني وفيه تفاوت وفيه بدل يداً (والصوت الثالث يرون بدناً بارزاً نحو عين الشمس: هذا أمير المؤمنين(١٦٣٧) قد كر في هلاك الظالمين) مضافاً عليه: (وقالا جميعاً فعند ذلك يأتي الناس الفرج وتود الناس لو كانوا أحياء: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: ١٤)(١٦٣٨)، وفي منتخب الأنوار المضيئة كما في غيبة الطوسي بتفاوت اللفظ وتطابق في المضمون(١٦٣٩).
ويضع المجلسي تعليقاً حول عبارة: (عليه جيوب النور يتوقد من شعاع ضياء القدس) بقوله: (لعل المعنى ان جيوب الأشخاص النورانية من كمل المؤمنين والملائكة المقربين وأرواح المرسلين تشتعل للحزن على غيبته وحيرة الناس فيه وانما ذلك نور إيمانهم الساطع من شموس عالم القدس ويتحمل أن يكون المراد من جيوب النور الجيوب المنسوبة إلى النور والتي يسطع منها أنوار فيضه وفضله تعالى والحاصل أن عليه صلوات الله عليه أثواب قدسية وخلع ربانية تتقد من جيوبها أنوار فضله وهدايته تعالى... وجلابيب النور يتحمل ان يكون على تعليله أي بركة هدايته وفيضه (عليه السلام) يسطع من جيوب القابلين أنوار القدس(١٦٤٠)، من العلوم والمعارف الربانية)(١٦٤١).
وفي خبر ينقله محمد بن الحنفية (رضي الله عنه) عن ابيه (عليه السلام) في خبر طويل يشتمل على نفس المضامين اخذنا منه موضع الحاجة انه سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (... يا علي أنت مني وأنا منك وأنت أخي ووزيري فإذا مت ظهرت لك ضائن في صدور قوم وستكون بعدي فتنة صما صليم يسقط فيها كل وليجة وبطانة وذلك عند فقدان شيعتك الخامس من ولد السابع من ولدك تحز لفقده أهل الأرض والسماء فكم من مؤمن ومؤمنة متأسف متلهف حيران عند فقده، ثم أطرق ملياً ثم رفع رأسه وقال: بأبي وامي سميي وشبيهي وشبيه موسى بن عمران عليه جيوب النور أو قال جلابيب النور يتوقد من شعاع القدس كأني بهم آيس من كانوا ثم نودي بنداء يسمعه من البعد كما يسمعه من القرب يكون رحمة على المؤمنين وعذاباً على المنافقين...)(١٦٤٢)، ويكمل نفس الحديث الوارد عند الطوسي.
ومن خلال الروايات ان المرجح في رواية الصدوق ان سقط قسماً منها أو لعله نقلها على ما سمعها ومقارنتاً مع ما ورد عن النعماني والطوسي وباقي المؤرخين للغيبة، وفي كلمة (يداً) ان المحتمل والأصح منها انه (جسماً) كون العبارات تشير إلى صدور صوت وليس اشارة فبروز جسم كامل توضح الخطاب بعبارة أو صيحة وليس إشارة باليد، واما جيوب النور وشعاع القدس لعلها مما يعطيه الله (عزَّ وجلَّ) من قدرات وإمكانيات تؤيده في نهضته عند ظهوره تعطي له هيبة وتمكين على أعدائه وتفرح بها قلوب محبيه وأنصاره إذ عنده ما يوضح به نور الحق مؤيداً بتأييد الله وقدسه ومن المحتمل أن شعاع القدس المقصود هنا هي نفسها روح القدس(١٦٤٣)، التي يسدد بها النبي والأئمة (عليهم السلام).
ولو أمعنا النظر في عبارة (لابد من فتنة... وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي) هنا السؤال متى هذه الفتنة بفقده مباشرة بعد غيبته الكبرى ام ان هذه الفتنة المقصود منها كثرة الفتن من غيبته إلى حين ظهوره عند العودة للحديث الثاني ومنزل احمد بن زكريا في الكرخ حيث اخبره الإمام انها أمنه عند وقوع الفتنة حينها هذا يعطينا الاحتمال في القول أنها بعد وقوع الغيبة الكبرى فاحمد بن زكريا ليس حياً إلى عصر الظهور فيكون في مأمن في جانب الكرخ ومن المرجح هنا أن الفتنة هي بعد الغيبة الكبرى اذ إنه مع وجود الفتن على طول الزمان وفقدان الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) عند غيبته أوقع المجتمع في الحيرة والتخبط في كثير من الإشكالات التي أصابتهم بعد الغيبة والتي سيتعرض لها الناس فيما بعد بصورة عامة والموالين من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) على وجه الخصوص ولعل هذه الفتن ستتكرر وستقع في أزمنة مختلفة في زمان الغيبة الكبرى.
٤ - قال الرضا (عليه السلام): (لا دين لمن لا ورع له ولا ايمان لمن لا تقية له إن أكرمكم عند الله أعلمكم بالتقية فقيل له: يا بن رسول الله إلى متى؟ قال إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم خروج قائمنا أهل البيت فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا، فقيل له يا بن رسول الله ومن القائم منكم أهل البيت؟ قال: الرابع من ولدي ابن سيدة الإماء يطهر الله به الأرض من كل جور ويقدسها من كل ظلم وهو الذي يشك الناس في ولادته وهو صاحب الغيبة قبل خروجه فإذا خرج أشرقت الأرض بنوره ووضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلم أحدٌ أحداً وهو الذي تطوي له الأرض ولا يكون له ظل وهو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الأرض بالدعاء إليه يقول: ألا إن حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه فإن الحق معه وفيه وهو قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ٤)(١٦٤٤).
نقل الحديث في عدد من المصادر المتقدمين وتناقله عنهم العديد من المؤرخين المتأخرين منها في كفاية الأثر عن الصدوق بلا اختلاف(١٦٤٥)، وكذلك ورد نفس الخبر عند الطبرسي(١٦٤٦)، ومثله في كشف الغمة(١٦٤٧) وفرائد السمطين عن الصدوق بالسند والنص(١٦٤٨).
ويرتبط هذا الحديث مع الحديث الذي سبقه في معنى من المعاني من خلال موضوع النداء أو الصيحة(١٦٤٩)، من السماء وذلك من خلال الرجوع للروايات الواردة في الآية السابقة، ورد عن الامام الباقر (عليه السلام) انه سئل عن قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ قال: (نزلت في قائم آل محمد صلوات الله عليهم ينادى باسمه من السماء)(١٦٥٠)، ونقل عن الإمام الصادق (عليه السلام) فيها قال: (تخضع رقابهم يعني بني امية وهي الصيحة من السماء باسم صاحب الأمر)(١٦٥١).
وهنا يعطي علامة لمعرفة الإمام (عجّل الله فرجه) وهي انه ليس له ظل وهذه صفة ملازمة للمعصومين لا تكون لغيرهم إذ ورد بهذا الصدد عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (للإمام علامات يكون أعلم الناس وأحكم الناس وأتقى الناس وأشجع الناس وأسخى الناس يولد مختوناً ويكون مطهراً ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه ولا يكون له ظل وإذا وقع إلى الأرض من بطن امه وقع على راحتيه رافعاً صوته بالشهادتين ولا يحتلم وينام عينه ولا ينام قليه...)(١٦٥٢)، ويروى ان هذه الصفات هي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشاركه فيها أمير المؤمنين (عليه السلام)(١٦٥٣)، فبالتالي هي للأئمة من ولده (عليهم السلام).
وينقل عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: (عشر خصال من صفات الإمام العصمة والنص وان يكون اعلم الناس واتقاهم بكتاب الله وان يكون صاحب الوصية الظاهرة ويكون له المعجز والدليل وتنام عينه ولا ينام قلبه ولا يكون له فيئ ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه)، ... ويعلق ناقل النص هذا: (معجزة الإمام ودليله في العلم استجابة الدعوة فإما إخباره بالحوادث التي تحدث قبل حدوثها فذلك بعهد معهود إليه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنما لا يكون له فيئ لأنه مخلوق من نور الله (عزَّ وجلَّ) وأما رؤيته من خلف كما يرى من بين يديه فذلك بما أوتي من التوسم والتفرس في الأشياء قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (الحجر: ٧٥)(١٦٥٤).
اما عن هذه الآية قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (فكان رسول الله المتوسم والأئمة من ذريتي المتوسمون إلى يوم القيامة...)، وعن الباقر (عليه السلام) قال: (... لا يأتينا من يبغضنا إلا نجد بين عينينه مكتوباً كافر ولا من محبينا إلا نجد بين عينيه مؤمناً وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ فنحن المتوسمون)، وعن الصادق (عليه السلام) قال: (إذا قام القائم لم يقم بين يديه أحد من خلق الرحمن الا عرفه صالح هو أم طالح لأن فيه آية للمتوسمين وهي بسبيل مقيم)(١٦٥٥).
٥ - يروي الصدوق خبر يرفعه بسنده عن عبد السلام بن صالح الهروي(١٦٥٦)، قال: (سمعت دعبل بن علي الخزاعي(١٦٥٧) يقول: (أنشدت مولاي الرضا علي بن موسى (عليه السلام) قصيدتي التي أولها:

مدارس آيات خلت من تلاوة * * * ومنزل وحي مقفر العرصات

فلما انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة خارج * * * يقوم على اسم الله والبركات
يميز فينا كل حق وباطل * * * ويجزي على النعماء والنقمات

بكى الرضا (عليه السلام) بكاءً شديداً ثم رفع رأسه إلي فقال لي: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام ومتى يقوم؟ فقلت: لا يا مولاي إلاّ أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً، فقال: يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر غيبته المطاع في ظهوره لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ واحدٌ لطول الله (عزَّ وجلَّ) ذلك اليوم حتى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، أما متى فإخبار عن الوقت فقد حدثني أبي عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) إن النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مثله مثل الساعة التي ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ (الأعراف: ١٨٧)(١٦٥٨).
وفي خبر ثانِ أخرجه المصنف قيل: (... دخل دعبل بن علي الخزاعي (رضي الله عنه) على ابي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو فقال له يا بن رسول الله إني قد قلت فيكم قصيدة وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك، فقال (عليه السلام) هاتها، فأنشدها:

مدارس آيات خلت من تلاوة * * * ومنزل وحي مقفر العرصات

فلما بلغ قوله:

أرى فيئهم في غيرهـم متقسماً * * * وأيديهم من فيئهم صفرات

بكى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وقال: صدقت يا خزاعي، فلما بلغ قوله:

إذا وتروا مدوا إلى واتريهم * * * أكفاً عن الأوتار منقبضات

جعل أبو الحسن (عليه السلام) يقلب كفيه وهو يقول: أجل والله منقبضات، فلما بلغ قوله:

لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها * * * وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي

قال له الرضا (عليه السلام): آمنك الله يوم الفزع الأكبر، فلما انتهى إلى قوله:

وقبر ببغداد لنفس زكية * * * تضمنه الرحمن في الغرفات

فقال له الرضا (عليه السلام): أفلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟ فقال: بلى يا بن رسول الله، فقال (عليه السلام):

(وقبر بطوس يا لها من مصيبة * * * توقد الأحشاء بالحرقات
إلى الحشر حتى يبعث الله قائمنا * * * يفرج عنا الهم والكربات)

ثم يتحدث دعبل مع الإمام قليلاً وبعدها يكرم الإمام (عليه السلام) دعبل بمائة دينار على قصيدته وطلب دعبل من ثياب الامام شيئاً فأعطاه جبَّة ليتبرك بها...(١٦٥٩)، وتركنا باقي الحديث كونه ليس له علاقة بموضوع الغيبة في شيء.
نقل المصنف نفس الخبرين المذكرين هنا في كتاب آخر له بلا اختلاف عنها(١٦٦٠)، وروى كلا الخبرين في كتب المتقدمين والمتأخرين منهم الرازي الخبر الأول بسند مختلف(١٦٦١)، وورد الخبرين في سيرة المعصومين كما في الإكمال(١٦٦٢)، ونقل الخبرين الاربلي وذكر معهما نص قصيد دعبل التي تربوا على مائة وعشرون بيت(١٦٦٣) وكذلك وورد في منتخب الانوار المضيئة الخبر الأول المذكور عند الصدوق(١٦٦٤)، وفي فرائد السمطين كما هو في عيون أخبار الرضا وأخذه عنه بعض المتأخرين(١٦٦٥).
أمّا عن الآية الكريمة الواردة ضمن الحديث: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾، وقد يشكل البعض بأنها ليست في الإمام الحجة (عجل الله فرج) ولا تتحدث عن الغيبة، وهذا واضح فقد ورد في تفسيرها انها تشير عن قيام الساعة وذلك حينما سئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن قيام الساعة ووقتها فنزل ما يشير إلى السؤال والجواب قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٧) ووضح هذا المعنى من قبل الكثير من المفسرين ولا خلاف في ذلك(١٦٦٦).
ويورد الطوسي في تفسيره تعليقاً على الآية المباركة بعد ان يوضح معناها ويرد على إشكال من يقول ان آخر الأئمة يعلم ان القيامة تقوم بعده ويزول التكليف عن الخلق وذلك خلاف قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾، فيقول: (لا يمتنع ان يكون آخر الأئمة يعلم أنه لا إمام بعده وإن لم يعلم متى تقوم الساعة لأنه لا يعلم متى يموت فهو يجوز أن يكون موته عند قيام الساعة إذا أردنا بذلك انه وقت فناء الخلق...)(١٦٦٧)، وكما هو الحديث النبوي الشريف المتداخل ضمن حديث الإمام الرضا (عليه السلام) ينقل عن الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث طويل ورد فيه أنه سئل عن الإمام الغائب: (فمتى يخرج يا بن رسول الله؟ قال: (لقد سئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن ذلك فقال: أنما مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلا بغتة)(١٦٦٨).
ولعل المراد من ورود الآية فقد وضحها الحديث الشريف اذا ان المقام في الحديث هنا هو عن الظهور المقدس وتقريب الفكرة انه بغتة كقيام الساعة بالرغم من وجود العلامات والدلائل التي تشير إلى عصر الظهور الا انه وقت الظهور سيأتي بغتة على الناس فلا يمكن تحقيقه أو تكهن ساعته من قبل اي احد.
وعن القصيد ذكرت في ديوان دعبل وقيل انه قرأها للإمام الرضا (عليه السلام) عندما بايع المأمون للإمام بولاية العهد وصار دعبل إلى الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وأنشد هذه القصيد التي عرفت بالقصيدة التائية الخالدة ذاكراً فيها ما أصاب آل البيت (عليهم السلام) من كوارث وألم بهم من رزايا وحوادث وذكرت بمائة وخمسة عشر بيت مع بعض الاختلاف في مطلع القصيدة اي الأبيات الأولى منها مع ما ورد عند الصدوق(١٦٦٩)، وروي في خبر القصيدة التي نقلت كاملة في معجم الأدباء أن دعبلاً الخزاعي كتبها في ثوب وأحرم فيه وأوصى بأن يكون في أكفانه وأيضاً هناك اختلاف في نقل مطلع القصيدة(١٦٧٠).
وقد تركنا المقارنة في النقل بين القصيدة وشرحها كون الموضوع يطول شرحه ويحمل موضوع البحث ما ليس فيه وكذلك أنها ليس من اختصاصنا إلا أن الأبيات التي ذكرها الصدوق في الإكمال هي نفسها الأبيات الموجودة في ديوان دعبل الخزاعي وفي المصادر الأخرى التي نقلت القصيدة مع اختلاف النقل في مطلع القصيدة التي ذكرتها تلك المصادر بتمامها.
٦ - قيل للإمام الرضا (عليه السلام): (أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: أنا صاحب هذا الأمر ولكني لست بالذي أملأها عدلاً كما ملئت جوراً وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني وإن القائم هو الذي إذا خرج كان في سن الشيوخ ومنظر الشبان وقوياً في بدنه حتى لو مد يده إلى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها يكون معه عصا موسى وخاتم سليمان (عليهم السلام) ذلك الرابع من ولدي يغيبه الله في سترة ما شاء ثم يظهره فيملأ به الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(١٦٧١).
يروي الخبر الطبرسي نفسه إلّا أنه يزيد عليه في نهاية الحديث: (كأني بهم آيس ما كانوا قد نودوا نداء يسمع من بعد كما يسمع من قرب يكون رحمة للمؤمنين وعذاباً على الكافرين)(١٦٧٢)، واخذه الاربلي في كشفه عن الطبرسي(١٦٧٣)، وفي منتخب الانوار المضيئة عن الإكمال(١٦٧٤)، ونقل الخبر في الصراط المستقيم بتفاوت عن حديث الصدوق ويقف عند عبارة (يغيبه الله ثم يظهره)(١٦٧٥).
ونقل الرواية السابقة الذكر عدد من المتأخرين نقلاً عن الصدوق(١٦٧٦)، وعن عمر الشباب وكيف يكون ذلك تناولنا هذا الخبر في مناسبات مضت في طيات الاطروحة منها ما روي عن الإمام الحسن بن علي بن ابي طالب (عليهما السلام) في حديث له عن الغيبة والإمام الغائب قال فيه: (... يطيل الله عمره في غيبته ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير)(١٦٧٧).
وبحسب ما ورد في الحديث انه عمره الذي سيكون عليه هو بقدرة الله (عزَّ وجلَّ) وهي حجة لعلها تكون حتى على منكري التوحيد ان الله على كل شيء قدير، وانه كما غاب واستتر عن الناس بقدرة الله (عزَّ وجلَّ) فانه قادر على هذه، واما إمكانياته مثل قلع شجرة أو دك الجبال أو غيرها أو حتى أكبر من هذا فبما انه قلنا يمتلك إمكانيات الأنبياء وبما ذكر في هذا الحديث وكما ذكر في فقرة التشابه بينه وبين الأنبياء بأنه عنده عصى موسى وخاتم سليمان (عليهما السلام) فالمعروف ان الله سخر لسليمان كل شيء وقدرات خارقه لذا بوجود هذه الإمكانيات عند الإمام القائم (عجّل الله فرجه) حين ظهوره فليس بغريب أن يقتلع شجرة أو دك جبل هذا فضلاً عن عصا موسى، وان قلنا غير هذا فلعل التطور الذي سيحصل في عصره من تطورات تكنولوجية أو غيرها وستكون تحت سيطرته حينها هذه الأمور ستكون سهلة وليس بالمفاجئة ومفهومة، ولكن اسلوب الخطاب في عصر الأئمة وجهوا الأحاديث بتلك الطريقة مثل قول قلع شجرة أو ما شابه بلغة خطاب عصرهم ولو تكلموا بأساليب المستقبل لاستغرب أكثر من يسمعه عنهم وبات غير معقول عندهم، ومنها ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (كلنا قائم بأمر واحد بعد واحد حتى يجيء صاحب السيف فإذا جاء صاحب السيف جاء بأمر غير الذي كان)(١٦٧٨).
ثالثاً: ما روي عن الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام):
أخرج الصدوق في هذا الباب ثلاثة أحاديث ذكرناها جميعها وهي:
١ - ينقل الصدوق روايته بسندها عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني(١٦٧٩) قال: (دخلت على سيدي محمد بن علي... (عليهم السلام) وأنا أريد أن أسأله عن القائم أهو المهدي أو غيره فابتدأني فقال لي: يا أبا القاسم إن القائم منا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته ويطاع في ظهوره وهو الثالث من ولدي والذي بعث محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالنبوة وخصنا بالإمامة إنه لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول ذلك اليوم حتى يخرج فيه فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً إن الله تبارك وتعالى ليصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى (عليه السلام) إذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً فرجع وهو رسول نبيٌ ثم قال (عليه السلام) أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج)(١٦٨٠).
هذا الحديث ذكرت مضامينه مجزأة في أحاديث سابقه من الفصل الأول والثاني والثالث من الاطروحة عن الإمام الجواد وعن غيره من الأئمة (عليهم السلام) أشرنا إليه هنا كونه شامل لهذا المضامين في قضية الغيبة وسنشير فقط إلى من نقله أو من رواه عن الصدوق وغيره من الرواة مع بعض التفاوت في الحديث وفي السند أو في النص(١٦٨١).
٢ - وينقل عن عبد العظيم الحسني قال: (قلت لمحمد بن علي بن موسى (عليهم السلام) إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً فقال (عليه السلام): يا أبا القاسم ما منا إلا وهو قائم بأمر الله (عزَّ وجلَّ) وهاد إلى دين الله ولكن القائم الذي يطهر الله (عزَّ وجلَّ) به الأرض من أهل الكفر والجحود ويملأها عدلاً وقسطاً وهو الذي تخفى على الناس ولادته ويغيب عنهم شخصه ويحرم عليهم تسميته وهو سميٌّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكنيه وهو الذي تطوي له الأرض ويذل له كلّ صعب ويجتمع إليه من أصحابه عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أقاصي الأرض وذلك قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ١٤٨) فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن الله (عزَّ وجلَّ) فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله (عزَّ وجلَّ)، قال عبد العظيم: فقلت له: يا سيدي وكيف يعلم ان الله (عزَّ وجلَّ) قد رضي؟ قال: يلقي في قلبه الرحمة فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقها)(١٦٨٢).
ورد الحديث في كفاية الأثر فيه اختلاف يسير في السند ولا توجد فيه عبارة (فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقها) ونقله عنه بعض المتأخرين بنفس اللفظ(١٦٨٣) ونقله الطبرسي من دون ذكر سند الحديث(١٦٨٤)، وفي الاحتجاج كما هي في الإكمال أيضاً محذوف السند فيه عن عبد العظيم الحسني (رضي الله عنه) عن الإمام الجواد (عليه السلام)(١٦٨٥)، كذلك نقل في منتخب الأنوار المضيئة عن الصدوق يختلف عنه بعبارة (ولكن القائم منا الذي...)(١٦٨٦).
وعن فقرة (ويجتمع إليه من أصحابه عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر(١٦٨٧)، رجلاً من أقاصي الأرض وذلك قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ١٤٨))، ورد فيها عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (... يعني أصحاب القائم الثلاثمائة والبعض عشر رجلاً قال وهم الامة المعدودة(١٦٨٨)، قال يجتمعون في ساعة واحدة قزع(١٦٨٩)، كقزع الخريف(١٦٩٠)، وفي حديث طويل يستشهد به في تفسير هذه الآية عن الإمام الباقر (عليه السلام) فيه هذا الحديث مع الثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً قال: (... فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكة على غير ميعاد قزعاً كقزع الخريف يتبع بعضهم بعضاً)(١٦٩١)، وعن الصادق (عليه السلام) قال: (... فيصير إليه أنصاره من أطراف الارض تطوى لهم طياً حتى يبايعوه...)(١٦٩٢)، وعن ابي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (إذا أذن الإمام دعا الله باسمه العبراني فأتيحت له صحابته الثلاثمائة والثلاث عشرة قزع كقزع الخريف فيهم أصحاب الألوية منهم من يفقد من فراشه ليلاً فيصبح بمكة ومنهم من يسير في السحاب نهاراً يعرف باسمه واسم ابيه وحليته ونسبه...)(١٦٩٣).
ومن المرجح ان أصحاب القائم (عجّل الله فرجه) المعنيين هنا بهذه هم عينة القوم من أصحابه أو قادة نهضته عند الظهور الذين سيكونون متفرقين من اماكن عدة من بقاع الأرض سيجتمعون في ليلة واحده في المكان المقرر لتجمعهم للانطلاق بالتوجيه المعد لهم وسيكون تجمعهم سريعاً على وفق العلم الحديث هذا ليس مستحيل بوساطة النقل المتطورة أو ما شابه فضلاً عن امتلاك الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) كما اسلفنا إمكانيات الأنبياء الهائلة فبواسطتها يمكن ان يجمعهم كيف يشاء.
وتتمة للرواية السابقة (فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره فإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن الله)، يروى عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (... وقد وفاه ثلاث مائة وبضع عشر رجلاً فيبايعونه ويقيم بمكة حتى يتم أصحابه عشرة آلاف نفس ثم يسير منها إلى المدينة)(١٦٩٤).
وهنا لعلها تتمة الجيش الذي سيعد للانطلاق صوب تنفيذ المشروع الإلهي والا ليس من المعقول يكون فقط بالثلاثمائة وثلاثة عشر ولكن مع عشرة آلاف يكون الامر معقولاً كما هو معروف اليوم ممكن ان يكون هناك جيش بهذا العدد لأي بلد ما ولو كان عندهم المعدات والتطور الآلات الحربية والتكنولوجية الذي لا يمتلكه أي احد غيرهم سيمكنهم من تحقيق اكبر تقدم على شتى الأصعدة، وكما خفي الكثير مما لا يتضح للبشرية سبق ان سمعوا بها أصبحت يسيرة الآن بتطور الحياة لعل هذا يحصل لنا بما لا يفهم شيء منه الا في المستقبل سيكون يسير الفهم وواضح المعنى عند الأجيال القادمة.
اما ما قيل (فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقها) فتلك الإلهة لم تكن موجوده حتى في زمان الامام الجواد (عليه السلام) وقد نطق بهما في سياق حديثه اذ لعلها تشير هنا إلى اسلوب المخاطب حينها وان اللات والعزى اذ ان الناس كانت تفهم ان الشرك متمثل باللات والعزى أو قل عرف بأشهرها وفي زمان الظهور فمن المرجح ان المقصود بها هي قوى الكفر الإلحاد في ذلك الزمان والصنمية المتبعة من قبل اهل الفكر المادي المستشري في العالم والتي تظلل الناس عن اديانها وحتى يمكن القول انها متمثلة بأشخاص يضعون مسير البشرية على وفق اسلوب الحادي يبعدونهم عن جادة الصواب وما يدعونا للقول هذا انه لم يذكر اسم المدينة تلك وان كان كناية للتشبيه عن اللات والعزى في الجاهلية فقد كان مركزها في مكة وليس المدينة فيمكن القول انه للتشبيه عن الكفر الذي سيكون مركزه إحدى مدن العالم التي تدعو للكفر والشرك.
ويقرب تلك الفكرة السابقة انه في خبر عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (... فإذا اجتمع عنده العقد عشرة آلاف رجل فلا يبقى يهودي ولا نصراني ولا احد ممن يعبد غير الله الا آمن به وصدقه وتكون الملة واحده ملة الإسلام وكل ما كان من معبود سوى الله فينزل عليه ناراً فيحرقه)(١٦٩٥).
٣ - وروى عنه (عليه السلام) أنه سمعه قال: (إن الإمام بعدي ابني علي أمره أمري وقوله قولي وطاعته طاعتي والإمام بعده ابنه الحسن أمره أمر أبيه وقوله قول أبيه وطاعته طاعة أبيه ثم سكت، [ فقيل له ]: يا بن رسول الله فمن الإمام بعد الحسن؟ فبكى (عليه السلام) بكاءً شديداً، ثم قال: إن من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر، فقلت له: يا بن رسول الله لم سمي القائم؟ قال: لأنه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته، فقلت له: ولم سمي المنتظر؟ قال: لأن له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزئ بذكره الجاحدون ويكذب فيها الوقاتون ويهلك فيها المستعجلون وينجو فيها المسلمون)(١٦٩٦).
ورد الحديث في كثير من المصادر الأولية والثانوية وجلها أخذت الحديث عن الصدوق وبعضها دون ذكره محذوف السند والبعض الآخر ينقله باختصار(١٦٩٧).
يتطرق الحديث إلى من يخلص في الانتظار اذ تكون لهم الفرحة بخروجه وكما أنكر وجوده على طول الأزمنة حين ظهوره لعل هناك من ينكره ويقف ضده ويستهزئ بكره من لا إيمان له بالغيبة والإمام (عجّل الله فرجه) وهذا الأمر ليس فيه تقويت فهذا دلالة على المعترضين أن الأمر كله بيد الله (عزَّ وجلَّ) ومن يستعجل بالأمر يهلك فلعله يتذمر لتأخر خرجه فيكون من الهالكين وينجو منها من يسلم للأمر ويؤمن به بكل ما أحاط به.
والأهم في هذه الفقرات هي قضية التوقيت وللاستدلال على ذلك بما روي عن الأئمة (عليهم السلام) عن نفس الموضوع، منها يروى عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه سُئل هل لهذا الأمر وقت، قال: (كذب الوقاتون كذب الوقاتون كذب الوقاتون)(١٦٩٨)، ويروى أن الإمام الصادق (عليه السلام) قال مخاطباً أحد أصحابه: (... من أخبرك عنا توقيتاً فلا تهابن أن تكذبه فإنا لا نوقت لأحد وقتاً) وقال (عليه السلام): (أبى الله إلّا أن يخالف وقت الموقتين) وقال: (إنا لا نوقت هذا الأمر)، وقال أيضاً: (كذب الموقتون ما وقتنا فيما مضى ولا نوقت فيما يستقبل(١٦٩٩).
رابعاً - ما روي عن الإمام علي الهادي (عليه السلام):
أخرج الصدوق في هذا الباب تسعة أحاديث عن الإمام علي الهادي (عليه السلام) طرحنا منها اربعة مكررة في مناسبات سابقة وأخذنا خمسة أحاديث فقط:
١ - في حديث طويل اقتطعنا جزءاً منه عن عبد العظيم الحسني يقول انه دخل على الإمام الهادي (عليه السلام) ودار بينهما حديث طويل يذكر فيه انه طرح بعض اعتقاداته من عقائد الدين وفروضه الواجبة إلى أن يطرح مسألة الإمامة والخلافة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويشهد أن من بعده أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة (عليهم السلام) من بعده ويشهد بأسمائهم واحداً تلو الآخر إلى أن يصل إلى الإمام علي الهادي (عليه السلام) حينها يحدثه الإمام ويقول: (ومن بعدي الحسن ابني فكيف للناس بالخلف من بعده؟ قال: فقلت: وكيف ذاك يا مولاي؟ قال لأنه لا يرى شخصه ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، قال: فقلت: أقررت وأقول: أن وليهم ولي الله وعدوهم عدو الله وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله...)(١٧٠٠).
روى المصنف الحديث نفسه في كتب أخرى له بالسند ونص نفسه(١٧٠١)، ونقله عنه عدد من المصنفين(١٧٠٢)، وروى الحديث في روضة الواعظين عن الصدوق محذوفاً السند فقط يذكره عن عبد العظيم الحسني(١٧٠٣)، وكذلك روي الحديث في كتاب سيرة المعصومين عن الإكمال واخذه بعض المؤرخين عنه(١٧٠٤).
بالرغم من كون الحديث وردت مضامينه مسبقاً وواضح المعنى إلّا أن الإقرار من قبل عبد العظيم الحسني وبحضرة الإمام الهادي (عليه السلام) لعله يعطي دلالة وتنبيهاً فيه تكرار عما سبق من الأحاديث ان الحق فيهم ومعهم الحديث فيه رسالة من شخصية مثل شخصية عبد العظيم الحسني(رضي الله عنه) تقر بهذا الأمر علناً وهو أصلاً أبناء الأئمة (عليهم السلام) فهنا تنبيه لأمر الغيبة على لسان الإمام بأنكم تروني وترون ابني فكيف يكون أمركم حين لا ترون ابنه فيبشر الإمام الهادي بالإمام الغائب (عليهما السلام) فيقر الحسني على الأمر قبل وقوعه ويعترف به ويقرنه بطاعة الله فكيف بمن يأتي بعد زمان الغيبة ويسمع كل تلك الأخبار والحوادث التي أشارت للغيبة ولا يؤمن به وقد آمن بها من لم يدرك زمان الإمام أو زمان الغيبة.
٢ - وينقل الصدوق بسنده عن علي بن مهزيار(١٧٠٥)، قال: (كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر (علي السلام) أسأله عن الفرج، فكتب إلي: إذا غاب صاحبكم عن دار الظالمين فتوقعوا الفرج)(١٧٠٦).
رواه الصدوق عن أبيه الذي رواه في كتابه الإمامة والتبصرة بنفس السند(١٧٠٧)، وورد الحديث في بعض المصادر نقلاً عن الصدوق وعن ابيه(١٧٠٨).
أن توقع الفرج في كل حين ولعله هذا لغرض إبقاء الموالين بالصبر على غيبته وان إمامهم ظاهر لا محالة لكن لا يصيبكم اليأس فالفرج آت في حينه فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (... فتوقعوا الفرج صباحاً ومساء...)(١٧٠٩)، التوقع هنا في حديث الامام الهادي (عليه السلام) لا يعني التثبيت في وقت ما وإنما الإمام يعطي سقفاً زمنياً مفتوحاً في الحديث بكلمة (توقعوا) والمخاطب في الحديث واحد لعل الخطاب هنا يشمل كل الأجيال قادمة فبعد الغيبة عن دار الظالمين اي ان الإمام مازال في غيبته يعني وجود ظالمين يبحثون عنه للقضاء عليه وهذا قبل ان يكتمل أنصاره ويظهر أو قبل التخطيط المعد لظهوره ليقف بوجه هذا الظلم المستشري في كل زمان اي توقعوا الفرج في كل زمان اذ لا يوجد توقيت محدد لظهوره فالفرج بظهوره يبقى متوقعاً في كل حين.
٣ - ويذكر أن الإمام الهادي (عليه السلام) كتب رداً لأحد السائلين عن نفس الامر السابق قال فيه: (ذا رفع علمكم من بين أظهركم فتوقعوا الفرج من تحت أقدامكم)(١٧١٠).
روى الصدوق الحديث كما ورد في كتاب أبيه الإمامة والتبصرة مثله ونقله عنه جملة من المصنفين(١٧١١)، وبسند مختلف ينقله صاحب الكافي(١٧١٢)، ورواه صاحب إثبات الوصية كما في الكافي(١٧١٣)، ومثله في كتاب الغيبة عن الكافي(١٧١٤).
وجه التشابه هنا مع الحديث السابق بالفرج متوقع بكل حين لكن هنا تحت أقدامكم يعني قريباً جداً اذ يقول المازندراني في شرح الحديث الوارد في الكافي في عبارة (إذا رفع علمكم من بين أظهركم) يقول: (هذا أيضاً من علامات ظهوره (عليه السلام) لأن الناس في ذلك العصر المعزولين عن العلم والعمل وموصوفين بالجهل والزلل ولاهّم لهم الا السير في ميدان الظلالة والشقاوة ولا عزم الا السباق في مضمار الرواية والغباوة) وفي قوله (فتوقعوا الفرج من تحت أقدامكم) مبالغة في قرب زمان ظهوره حينئذ أو كناية عن ظهوره قبل رجعوهم إلى منازلهم(١٧١٥).
وهذا الشرح على الحديث من المرجح انه ليس قاعدة عامة ولعله يصف فيه جزء من المجتمع إن صح شرحه للحديث فليس من المعقول ان يكون شاملاً على الجميع فهناك الكثير من الناس همهم الظهور وسلواهم الانتظار لإمامهم ولعل المقصود بعبارة اذا رفع علمكم اي أنها تشير إلى الذين لا يعلمون عن هذا شيئاً أو أنهم لا يهتمون ان قرب الظهور أو بعد عنهم أو عن زمانهم لانهم يأسوا من الأمر فهنا يتوقع الفرج وهنا البشارة للمنتظرين، ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) بهذا الجانب عن أبي بصير قال: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك متى الفرج؟ فقال: يا أبا بصير وأنت ممن يريد الدنيا؟ من عرف هذا الأمر فقد فرج عنه لانتظاره)(١٧١٦).
٤ - يذكر انه بعد وفاة الإمام الجواد (عليه السلام) كتب الشيعة إلى أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) يسألونه عن الأمر فكتب: (الأمر لي ما دمت حياً فإذا نزلت بي مقادير الله (عزَّ وجلَّ) آتاكم الخلف مني وأنى لكم بالخلف بعد الخلف)(١٧١٧).
ورد نفس الخبر عند الطوسي وفيه اختلاف بالسند والنص اذ ينقل عن الإمام الهادي (عليه السلام) قال: (ذلك إلي مادمت حياً باقياً ولكن كيف بهم إذا فقدوا من بعدي)(١٧١٨)، وفي سيرة المعصومين اورده صاحب الكتاب عن الصدوق(١٧١٩)، وعن قوله (عليه السلام): (... وأنى لكم بالخلف بعد الخلف...) ما يوضحه أنه ورد عنه كذلك قال: (الخلف من بعدي الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف [ فقيل له] ولم جعلني الله فداك؟ قال إنكم لا ترون شخصه...)(١٧٢٠) أي فكيف لكم الحيلة بمعرفة الخلف بعد الخلف(١٧٢١).
٥ - وأخرج الصدوق رواية يرفعها بسندها عن الصقر بن ابي دلف(١٧٢٢) أنه دخل على الإمام الهادي (عليه السلام) وقال له: (يا سيدي حديث يروى عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا أعرف معناه، قال: فما هو؟ قلت قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا تعادوا الأيام فتعاديكم)، ما معناه؟ فقال: نعم الأيام نحن بنا قامت السماوات والأرض، فالسبت اسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأحد أمير المؤمنين والاثنين الحسن والحسين والثلاثاء علي بن الحسين ومحمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق والأربعاء موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وأنا والخميس ابني الحسن والجمعة ابن ابني وإليه تجتمع عصابة الحق وهو الذي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً فهذا معنى الأيام ولا تعادوهم في الدنيا فيعادوكم في الآخرة، ثم قال (عليه السلام) ودع واخرج فلا آمن عليك)(١٧٢٣).
أورده الصدوق نفس الحديث في كتب(١٧٢٤)، ونقله الرازي كما هو عند الصدوق بتفاوت يسير(١٧٢٥)، وورد الخبر في روضة الواعظين مختصراً عن الصقر بن ابي دلف دون ذكر سند الرواية(١٧٢٦)، ورواه الطبرسي كاملاً عن الصدوق(١٧٢٧) ونقله الراوندي وعدد من المتأخرين بتفاوت في العبارات ومختصر يختم بعبارة: (والجمعة القائم منا أهل البيت)(١٧٢٨) ونقله المازندراني عن روضة الواعظين وفي نهاية يقول: (وعدد ساعات النهار اثنتا عشرة وعدد ساعات الليل اثنتا عشرة)(١٧٢٩)، وفي جامع الأخبار ينقله عن الخصال ومعاني الأخبار فيه تفاوت في العبارات عما هو في الإكمال(١٧٣٠)، وكذلك ورد الخبر في غيرها من المصادر عن الصدوق وعن غيره من أخذ الحديث عنه وذكر الخبر عند اغلبهم مختصراً دون ذكر قصة كيف وصول الصقر بن ابي دلف إلى الإمام الهادي (عليه السلام)(١٧٣١).
وقال مصنف الكتاب موضوع البحث في كتابه اخر حول هذا الحديث: (الأيام ليست بأئمة ولكن كنى بها (عليه السلام) الأئمة لئلا يدرك معناها غير أهل الحق كما كنى الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (التين: ١-٣)(١٧٣٢)، عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلي والحسن والحسين (عليهم السلام) وكما كنى (عزَّ وجلَّ) بالنعاج عن النساء على قول من روى ذلك في قصة داوود والخصمين(١٧٣٣)، وكما كنى بالسير في الأرض عن النظر في القرآن، سئل الصادق (عليه السلام) عن قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرضِ﴾(١٧٣٤)، قال: ما معناه أولم ينظروا في القرآن...)(١٧٣٥).
وعن معنى الأيام قيل أن جماعة وردوا على الإمام الهادي (عليه السلام) قالوا: (فسألناه عن أسعد الأيام وأنحسها فقال: لا تعادوا الأيام فتعاديكم، وسألناه عن معنى الحديث، فقال: معناه بين ظاهر وباطن إن السبت لنا والأحد لشيعتنا والاثنين لبني امية والثلاثاء لشيعتهم والأربعاء لبني العباس والخميس لشيعتهم والجمعة للمؤمنين، والباطن ان السبت جدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأحد أمير المؤمنين والاثنين الحسن والحسين والثلاثاء علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد والأربعاء موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وانا والخميس ابني الحسن والجمعة ابنه الذي تجتمع فيه الكلمة وتتم به النعمة ويحق الله الحق ويزهق الباطل فهو مهديكم المنتظر ثم قرأ: ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (هود: ٨٦)، ثم قال: لنا: والله وهو بقية الله)(١٧٣٦)، والحديث عن رسول الله (صلّ