فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) في نهج البلاغة - بحث تأويلي دلالي
 كتب أخرى

الكتب الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) في نهج البلاغة - بحث تأويلي دلالي

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ حيدر فاضل الشكري تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٨/١٢/٢٦ المشاهدات المشاهدات: ٢٢٣ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) في نهج البلاغة - بحث تأويلي دلالي

الشيخ حيدر فاضل الشكري

الفهرست

المقدمة
١ - وخلَّف فينا راية الحق، من تقدَّمها مرق، ومن تخلَّف...
٢ - يعطف الهوى على الهدى، إذا عطفوا الهدى على الهوى...
٣ - فلا تستعجلوا ما هو كائن مرصد، ولا تستبطئوا ما يجيء...
٤ - قد لبس للحكمة جنّتها، وأخذها بجميع أدبها...
٥ - فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه...
٦ - لتعطفنَّ الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس...
٧ - اللهم بلى، لا تخلوا الأرض من قائم لله بحجة...
المصادر والمراجع

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد بن عبد الله وعلى أهل بيته المظلومين خلفاء الله في العالمين.
وبعد....
في فلسفة وجود الإنسان في دار الدنيا، أن هذا الإنسان محاط بجملة من الضوابط والتكاليف الشرعية التي تحفظ له إنسانيته ومن دونها يهبط إلى أسفل سافلين.
إنّ هذه الضوابط والتكاليف قد جاء بها الأنبياء والمرسلون لا سيما خاتمهم الحبيب المصطفى محمد (صّلى الله عليه وآله وسلّم) الذي تمثّل رسالته خلاصة كل الرسالات والكتب السماوية.
وكان (صّلى الله عليه وآله وسلّم) يمثّل الحجة المعصومة لله (عزَّ وجلَّ) في تبليغ الرسالة وإرشاد الخلق إلى طريق الهدى والصلاح. فإذا ما رحل (صّلى الله عليه وآله وسلّم) عن هذه الدنيا فلابدّ من وجود حجج معصومة من بعده في كل عصر وزمان لإتمام الحجة الإلهية على العباد؛ إذ لا يخلو زمان من حجة وهذا مضمون ما ورد عن امير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة حيث قال (عليه السلام): «اللهم بلا لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله وبيّناته».
ومن هذا المنطلق تتبين حتميّة وجود إمام حقّ في كل زمان يكون حجة لله تبارك وتعالى على خلقه في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (الإسراء: ٧١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: ٧).
فإذا كانت العصور الماضية لم تخل من إمام، وقد مضى أحد عشر إماماً من ائمة أهل البيت (عليهم السلام) وكان آخرهم الإمام العسكري (عليه السلام) الذي استشهد سنة (٢٦٠هـ)، فهل يمكن أن تبقى الأرض ويبقى الخلق منذ ذلك الوقت والى يومنا هذا بلا امام؟! والحال أنّ الحديث الشريف يقول: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية».
الجواب: هذا محال؛ وذلك لحصول نقص في إتمام الحجة الإلهية على عباده. وكذلك فإن حياة الأرض وما عليها يرتبط ارتباط ضرورياً لا انفكاك له بالإمام المعصوم. وبتعبير آخر فإن وجود الإمام (عليه السلام) لا يخصّ مسألة الهداية للخلق فحسب، بل أنّ كل القوانين الطبيعية مرتبطة به، فهو متجذّر ومتأصّل في كل الطبيعة وفي كل دقائق هذا الكون. ومن هنا يثبت معنى ما ورد في الروايات عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام): «لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها».
إضافة إلى ما ذكرنا فإنّ هناك فلسفة أُخرى في ضرورة وجود الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) تكمن في حتمية وجود ميزان فيصل بين مراحل الصلاح والفساد. فإذا رجحت كفة الفساد يفترض وجود من يثقل كفة الصلاح. وإلّا فعدم التوازن بينهما يؤدّي الى النهاية الحتمية للأرض ومن عليها.
إنّ الموازين المنطقية والتفكير العقلائي مضافاً إليها الأدلّة القرآنية والروائية، كلّها تؤكّد وجود الإمام (عجّل الله فرجه) وضرورة ظهوره في آخر الزمان لينشأ الدولة العالمية التي تنصف المظلوم وتقتص من الظالم وتنشر العدل وتعطي كل ذي حقّ حقّه ويطبّق فيها الإسلام المحمدي الأصيل.
وفي بحثي هذا آليت التطرق إلى الفصول الخاصة بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، والتي وردت في نهج البلاغة لبيان مضامينها ودلالاتها، وهي تشمل جملة من العناوين الخاصة بالعقيدة المهدوية. راجياً من الله تعالى التوفيق والقبول إنّه سميع مجيب.
(١) قال (عليه السلام):

«وَخَلَّفَ فِينَا رايَةَ الْحَقِّ، مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ، وَمَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ، دَلِيلُهَا مَكِيثُ الْكَلامِ، بَطِيءُ الْقِيَامِ، سَرِيعٌ إِذَا قَامَ، فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ، وَأَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ، جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ، فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللهُ حَتَّى يُطْلِعِ اللهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَيَضُمُّ نَشْرَكُمْ. أَلاَ إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّد (صّلى الله عليه وآله وسلّم)، كَمَثَلِ نُجُومِ السَّماَءِ، إِذَا خَوَى نَجْمٌ، طَلَعَ نَجْمٌ، فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللهِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ، وَأراكُم مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ»(١).
«وَخَلَّفَ فِينَا رايَةَ الْحَقِّ»: الفعل (خلّف) يعود إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم).
«راية الحق»: هناك أكثر من قول في تأويلها:
الأول: قال ابن أبي الحديد: (إنّ المراد براية الحق: الثقلان المخلّفان الكتاب والعترة)(٢).
فقد روى مسلم، أنّ رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «وإنّي تارك فيكم ثقلين، أوّلهما كتابُ الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به»، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ثم قال: «وأهل بيتي، أذكّركم في أهل بيتي، أذكركم في أهل بيتي»(٣).
الثاني: قال ابن ميثم: (المراد: الكتاب والسنة)(٤).
الثالث: المراد براية الحق خصوص الكتاب وهو الأرجح بدليل قوله (عليه السلام): «دليلها مكيث الكلام...» أي: العترة الطاهرة (عليهم السلام) دليل كتاب الله تعالى، فإنّهم كتاب الله الناطق الذي يمثل الدليل على أحكام الكتاب الصادق، وكما قال امير المؤمنين (عليه السلام) لأهل صفين – عندما رفعوا المصاحف-: «ويحكم! أنا كتاب الله الناطق».
«من تقدمها مرق»: اي من تقدمّ راية الحق خرج من الدين.
«ومن تخلّف عنها زهق»: اي هلك كل من لم يعلم بأحكامها.
«ومن لزمها لحق»: اي: وصل المتمسّك بها إلى غايته ومقصده.
دليلها: أي: دليل الراية، وأراد الإمام (عليه السلام) به نفسه (عليه السلام)؛ لأنّ الحق يدور معه كيفما دار بشهادة الرسول الأعظم كما في الحديث الشريف: قال (صّلى الله عليه وآله وسلّم): «علي مع الحق، والحق مع علي، يدور معه كيفما دار»(٥).
مكيث الكلام: المكث في الكلام ليس معناه قلة الكلام، وإنّما يكون الكلام عن تدّبر وروية للعقل حتى ولو كثر الكلام، وهذه من الصفات الممدوحة، ويقابلها السرعة في الكلام وإن كان قليلاً، وكما قيل: لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام تفكّر فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت، وقلب الجاهل وراء لسانه، فإنّ همّ بالكلام تكلّم من غير تروٍّ، سواء كان له أو عليه.
«بطيء القيام، سريع إذا قام»: أي: أنّه إذا اقتضت مصلحة الدين من الإمام (عليه السلام) القعود أحجم وامتنع عن القيام، كما صنع علي (عليه السلام) بعد النبي (صّلى الله عليه وآله وسلّم) عندما اغتصب حقه في الخلافة، وعندما ظلمت فاطمة الزهراء (سلام الله عليها)، بينما في أيام خلافته (عليه السلام) اقتضت الحكمة والمصلحة العليا للإسلام القيام بوجه الناكثين والقاسطين والمارقين، ونظير هذين الموقفين لأمير المؤمنين (عليه السلام) ما قام به ولداه الحسن والحسين (عليهما السلام)، حيث قعد الحسن (عليه السلام) عن للقتال بينما قام الحسين للقتال، وهذا مصداق ما ورد عن النبي (صّلى الله عليه وآله وسلّم) عندما قال: «الحسن والحسين إماما حقّ إن قاما، وإن قعدا، وأبوهما خير منهما»(٦).
إذن التأني في الأُمور هو من صفات العقل والتسرع من صفات الجهل. وقد وردت في هذا المعنى جملة من الروايات نذكر بعضها.
في الوسائل عن الصدوق بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لمحمد بن الحنفية قال (عليه السلام): «من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ ومن تورّط في الأمور غير ناظر في العواقب فقد تعرّض لمفظعات النوائب، والتدبير قبل العمل يؤمّنك من الندم، والعاقل وعظه التجارب، وفي التجارب علم مستأنف، وفي تقلّب الأحوال علم تجارب الرجال»(٧).
وفيه من مجالس الشيخ بإسناده عن أبي قتادة القمي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «ليس لحاقن رأي، ولا لملول صديق، ولا لحسود غني، وليس بحازم من لا ينظر في العواقب والنظر في العواقب تلقيح للقلوب»(٨).
ومن محاسن البرقي مسنداً إلى أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «أتى رجل رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلّم) فقال: علمني يا رسول الله، قال (صّلى الله عليه وآله وسلّم): عليك باليأس مما في أيدي الناس، فإنّه الغنى الحاضر، قال: زدني يا رسول الله، قال (صّلى الله عليه وآله وسلّم): إياك والطمع فإنّه الفقر الحاضر، قال: زدني يا رسول الله، قال (صّلى الله عليه وآله وسلّم): إذا هممت بأمر فتدبّر عاقبته إن يك خيراً ورشداً فاتبعه، وإن يك غيّاَ فاجتنبه»(٩).
إنّ كل ما كان يصدر من الأئمة الهداة (عليهم السلام) الذين اختارهم الله تعالى لأمره وجعلهم حججاً على عباده، من قول ومن فعل إنّما هوعن تدبّر العقل ورويته وعن الدين وشريعته، فإذا ظهر وجه المصلحة في القيام بأمرٍ ما للمعصوم قام سريعاً وانتهز الفرصة، وإلّا فإنّه (عليه السلام) يحجم ويمتنع عن القيام والمبادرة.
ثم قال (عليه السلام): «فإذا أنتم ألنتُم له رقابكم، وأشرتم إليه بأصابعكم، جاءه الموت فذهب به»: الضمير له وإليه يعود إلى الإمام (عليه السلام)، نفي المقطع الأول من عبارته (عليه السلام) كناية عن طاعتهم له وانقيادهم لأمره بعد ما كانوا يخالفون أوامره من قبل، وفي المقطع الثاني كناية عن إجلالهم له (عليه السلام) بعد ما يعرفون مكانته وعظمته ما عدا البعض منهم، فإذا ما بلغوا هذا المبلغ من معرفتهم به وتعظيمهم له (عليه السلام) وامتثالهم لأوامره قبضه الله سبحانه وتعالى إليه وتركهم حيارى لا يهتدون إلى رشد ويتفرقون ثانية ويتسلط عليهم الأعداء.
اختلف شراح نهج البلاغة في زمن اجتماع الناس حوله وانقيادهم له (عليه السلام) ومنهم ابن أبي الحديد والمحقق التستري، فقد قال ابن أبي الحديد: «واعلم أنّ هذه الخطبة خطب بها أمير المؤمنين (عليه السلام) في الجمعة الثالثة من خلافته، وكنّى فيها عن حال نفسه، وأعلمهم فيها أنّهم سيفارقونه ويفقدونه بعد اجتماعهم عليه وطاعتهم له، وهكذا وقع الأمر، فإنّه نقل أنّ أهل العراق لم يكونوا أشدّ اجتماعاً عليه من الشهر الذي قتل فيه (عليه السلام)، وجاء في الأخبار أنّه عقد للحسن ابنه (عليه السلام) على عشرة آلاف، ولأبي ايوب الأنصاري على عشرة آلاف ولفلان وفلان، حتى اجتمع له مائة ألف سيف، وأخرج مقدّمته أمامه يريد الشام فضربه اللعين ابن ملجم، وكان من أمره ما كان، وانفضّت تلك الجموع، وكانت كالغنم فقدت راعيها»(١٠).
وقد نفى المحقق التستري في كتابه (بهج الصباغة) رأي ابن أبي الحديد واعتبر أنّ المراد بهذا المقطع من خطبته (عليه السلام) هو انتقال أصل الخلافة الظاهرية إليه (عليه السلام) ولم يكن اجتماع الناس وطاعتهم له في الشهر الذي قتل فيه على اعتبار أنّ أمره (عليه السلام) بعد التحكيم صار مضطرباً غاية الاضطراب، حتى بعد رجوعه عن حرب الخوارج نهى الناس عن دخول البلد، ليشخصوا إلى معاوية، فلم يعتنوا به، وكان معاوية يغير كل يوم على بلاده (عليه السلام) غير الكوفة، ويصيح (عليه السلام) بهم في الدفاع، ولم يصغوا إليه حتى قتل (صلوات الله عليه)(١١).
وكان (عليه السلام) في أُخريات أيامه يرتقب الموت في لهفة ويقول مردّداً: «أنّ رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلّم) عهد إليّ أن لا أموت حتى أؤمّر، وتخضّب هذه من دم هذا، - وأشار إلى لحيته ورأسه – قضاءً مقضياً، وعهداً معهوداً منه إليّ»(١٢).
ثم قال (عليه السلام) «فلبثتم بعده ما شاء الله حتى يطلع الله لكم من يجمعكم ويضّم نشركم».
وهنا بشّر (عليه السلام) بنصر قادم حتى لا يشعر أصحابه باليأس، أي: أنّ هناك قيام واجتماع للناس وهنا نقول متى يحدث هذا؟
هناك أكثر من رأي:
١ - ظهور قائم آل محمد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) وهذا ما ذكر ابن أبي الحديد حيث قال: «كلامه (عليه السلام): إشارة إلى المهدي الذي يظهر في آخر الوقت، إلّا أنّه عند أصحابنا غير موجود الآن وسيوجد وعند الإمامية أنّه موجود»(١٣).
إنّه رأي ابن أبي الحديد بعدم وجود المهدي (عليه السلام) الآن، فهذا مردود لما يأتي من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه الخطبة حيث قال (عليه السلام): «مثل آل محمد (صّلى الله عليه وآله وسلّم) كمثل نجوم السماء، إذا هوى نجم طلع نجم»، وكذلك في خطبة أُخرى – ستأتي لاحقاً – حيث يقول (عليه السلام): «لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً»(١٤).
وكذلك فهو يتعارض مع حديث الثقلين من عدم افتراق القرآن والعترة الطاهرة (عليهم السلام) حتى يردا على رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلّم) الحوض.
٢ - قيل: إنّ المراد هو قيام دولة بني العباس الذي أنهى دولة بني أمية وهذا ما ذكره ابن ميثم في شرحه(١٥)، حيث نقل الرأي الأول أيضاً. وهذا مردود – أيضاً – لأنّ راية بني العباس باطلة كسابقها راية بني أمية في ظلمهم وفسادهم، حين أنّ الإمام (عليه السلام) بين في خطبته هذه أنّ اجتماع الناس وضم نشرهم على راية الحق.
٣ - وقيل: أنّ المراد بهذا الاجتماع هو الاجتماع الفكري والثقافي إلى جانب الاجتماع السياسي والعسكري، وهو المعنى الذي تحقق على عهد الإمام الباقر والصادق والرضا (عليهم السلام)(١٦).
ولعلَّ هذا الاجتماع مستبعداً لعدم انسجام هذا المعنى مع العبارات السابقة التي أشارت إلى الاجتماع السياسي والعسكري.
والرأي الأوّل هو الأنسب فليس هناك من يجمع الناس ويضم نشرهم غير قائم آل محمد (صّلى الله عليه وآله وسلّم) الذي سوف يظهر في آخر الزمان، وطوبى لمن أدرك زمانه (عليه السلام).
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «المنتظر الثاني عشر هو المفرج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد، وبلاء طويل، وجزع وخوف، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان»(١٧).
ثم قال (عليه السلام): «ألا إنّ مثل آل محمد، (صّلى الله عليه وآله وسلّم) كمثل نجوم السماء، إذا أخوى نجم طلع نجم».
وهنا دعا (عليه السلام) الناس إلى الاهتداء بآل الرسول (صّلى الله عليه وآله وسلّم)؛ لأنّ مثلهم كمثل نجوم السماء التي يهتدي بها الناس في ظلمات البر والبحر كما في قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» (الانعام: ٩٧).
فالنجاة في الدنيا والآخرة ونيل السعادة في الدارين والفوز بالرضوان إنّما هو في ظل هدي آل محمد (صّلى الله عليه وآله وسلّم) حيث لا تخلوا الأرض منهم كنجوم السماء فكلما غابت نجمة، ظهرت أخرى، وهنا أئمة العصمة (عليهم السلام) كلما رحل إمام جاء بعده إمام إلى خاتم الأئمة وهو المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
ثم بشَّرهم (عليه السلام) بقوله: «فكأنّكم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع»، أي: نعمه وآلاؤه تعالى، «وأراكم ما كنتم تأملون»، أي: لا تيأسوا عسى الله أن يأتي بالفرج من قريب، والمتحقق الوقوع قريب وإن كان بعيدًا ويمكن أن يكون إراءة المخاطبين مأمولهم في الرجعة والله أعلم.
ولا يخفى بأنّ المراد من المأمول هو ظهور القائم (عجّل الله فرجه). في خبر جابر الجعفي عن الباقر (عليه السلام): «كأنّي بأصحاب القائم (عجّل الله فرجه) وقد أحاطوا بما ين الخافقين، فليس من شيء إلّا وهو يطيع لهم، حتى سباع الأرض وسباع الطير»(١٨).
وفي خبر آخر عنه (عليه السلام): «اذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد، فجمع فيها عقولهم، وكملت بها أحلامهم»(١٩).
وعن الصادق (عليه السلام): «وإنّ الرجل منهم ليعطى قوة أربعين رجلاً، وإنّ قلبه لأشدّ من زبر الحديد، ولو مرّوا بجبال الحديد لقلعوها...»(٢٠).
وقد نقل ابن ميثم في شرح هذه الخطبة حديثاً فقال: رأيت حديثاً للإمام (عليه السلام) يمكنه أن يوضح هذه الخطبة: «يا قوم اعلموا علماً يقيناً، إنّ الذي يستقبل قائمنا من أمر جاهليتكم ليس بدون ما استقبل الرسول من أمر جاهليتكم... ولعمري لينزعنّ عنكم قضاة السوء، وليقبضنّ عنكم المرائين، وليعزلنّ عنكم أمراء الجور، وليطهرنّ الأرض من كل فاش، وليعملنّ فيكم بالعدل، وليقومنّ فيكم بالقسطاس المستقيم»(٢١).
وممّا مرّ بنا من البيان والتأويل لنستدل على ما يلي:
١ - إنّ أي افتراق عن راية الحقّ من جانب الإفراط والتفريط معناه الخسران المبين والهلكة في الدنيا والآخرة.
٢ - إنّ الصفات التي ذكرها الإمام (عليه السلام) لدليل راية الحق، من حيث التروي والتدبّر بالقول والفعل، ومعرفة عواقب الأُمور، لابدّ من وجودها في هذا الدليل؛ لأنّه يمثل الزعيم الرباني والمدّبر لأُمور العباد والمرجع الأعلى لهم في كل أمورهم الدينية والدنيوية.
٣ - لابدّ من تحقق ذروة تكامل النعم الإلهية، وذلك عند ظهور الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام).
(٢) وقال (عليه السلام):

«يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَيَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ».
وقال (عليه السلام): «حَتَّى تَقُومَ الْحَرْبُ بِكُمْ عَلَى سَاق، بَادِياً نَوَاجِذُهَا، ممْلُوءَةً أَخْلاَفُهَا، حُلْواً رَضَاعُهَا، عَلْقَماً عَاقِبَتُهَا. ألاَ وَفِي غَد - وَسَيَأْتِي غَدٌ بِمَا لاَ تَعْرِفُونَ - يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى مَسَاوِئ أَعْمَالِهَا، وَتُخْرِجُ لَهُ الأرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا، وَتُلْقي إِلَيْهِ سِلْماً مَقَالِيدَهَا، فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَة، ويحي ميت الكتاب والسنة»(٢٢).
إنّ هذه العبارات في هذه الخطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) فيها إشارة واضحة إلى صفات الإمام المنتظر (عجّل الله فرجه) في آخر الزمان.
قال (عليه السلام): «يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَيَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ».
العبارة الأولى تشير إلى الهداية العقلية، أي: أنّه (عجّل الله فرجه) يردّ النفوس الضالّة عن طريق الله تعالى، والمحجوبة بحجب الهوى، والسالكة للطرق الفاسدة، والمذاهب المنحرفة؛ وذلك بسبب غياب منطق العقل والهداية. يردّها (عليه السلام) إلى سبيل الله تعالى من خلال جعل السيادة لهداية باتباع أنوار الهداية – وهم العترة الطاهرة (عليهم السلام) -.
وأمّا العبارة الثانية فتشير إلى الهداية القرآنية، أي: أنّه (عجّل الله فرجه) يردّ الآراء جميعاً إلى القرآن فيحملهم على ما وافقه منها دون ما خالفه. فالقرآن هو ميزان التقييم عنده (عجّل الله فرجه) ويضرب كل تفسير بالرأي وحمله على القرآن الكريم، فهناك من ذوي الأطماع والمصالح الدنيوية من حاول تطبيق النصوص القرآنية وحسب آرائهم بما يوافق تحقيق أطماعهم اللامشروعة. ولا يخفى أنّ التفسير بالرأي وحمل الآيات القرآنية عليه لهو من مكائد الشيطان الكبرى في تحريف الآيات عن معناها الحقيقي وإسقاط الوحي عن قيمته، ولذا فقد وردت روايات عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) أنزلت هذا الأمر بمنزلة الكفر، حيث قال الإمام الصادق (عليه السلام): «من فسّر برأيه من كتاب الله فقد كفر»(٢٣).
إنّ ما أصاب المسلمين من البؤس والشقاء هو من وراء هذين الانحرافين وهما تحكيم هوى النفس على العقل وتطبيق الرغبات والأطماع على آيات القرآن من خلال التفسير بالرأي.
لذلك فإنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو الذي يقف بوجه هذه الانحرافات عند ظهوره.
وفي الفصل الثاني من هذه الخطبة أشار (عليه السلام) إلى الفتن التي تظهر عند ظهور القائم (عجّل الله فرجه) وهو قوله (عليه السلام): «حتى تقوم الحرب بكم على ساق»:
«الساق»: ما بين الركبة والقدم، والجمع سوق. قال تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ (ص: ٣٣). والساق يأتي بمعني: الشدّة كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ (القلم: ٤٢)، أي: عن شدّة. قال الفيروزآبادي: والتفّت الساق بالساق آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة.
فأراد الإمام (عليه السلام) بهذه العبارة اشتداد الحرب والتحامها. قال الشارح البحراني والعلامة المجلسي: وقيامها على ساق كناية عن بلوغها غايتها في الشدّة.
ثم قال (عليه السلام): «بادياً نواجذها»، النواجذ: أقصى الأضراس (أو الأسنان عند الضحك كما في مجمع البحرين)(٢٤).
في هذه العبارة كناية عن بلوغ الحرب غايتها فجاء التشبيه بظهور الأضراس (عند غاية الضحك كما قال ابن أبي الحديد، واعترض عليه البحراني بأنّ هذا وإن كان محتملاً إلاّ أنّ الحرب مظنّة إقبال الغضب لا إقبال الضحك. وهنا يكون التشبيه بظهور أضراس الأسد عن غضبه وافتراسه هو الأنسب في هذا المقام.
وقال (عليه السلام): «مملوءة أخلافها». (الأخلاف): جمع الخلف بالكسر كحمل وأحمال وهومن ذوات الخف والظلف كالثدي للإنسان، أو حملة ضرع الناقة ووردت بحملة ضرع سائر الحيوانات كالبقرة والشاة.
وهنا صفة ثالثة في تأكيد شدة الحرب حيث نزلها (عليه السلام) منزلة النافة ذات اللبن في استعدادها واستكمالها عدتها كما تستكمل النافة باللبن وتهيؤه لولدها.
ثم أشار الإمام (عليه السلام)، إلى نكتة لطيفة وهي أنّ البعض من يستأنس ويستلذ بمقدمات بعض الأمور والتي تكون عاقبتها وخيمة، وفي هذا المعنى قال (عليه السلام): «حلواً رضاعها وعلقماً عاقبتها»، والعقلم هو الحنظل، ويقال لكل شيء مرّ ومعنى هذه العبارة أنّ هناك من يستلذ ويستحلي الحرب طمعاً بالنصر والغلبة على الأقران والشجعان وغير ملتفتين إلى مرارة آخرها حيث القتل والهلاك وتكون عاقبة أكثرهم إلى النار والعذاب الأليم، قال الشاعر:
لحرب أول ما تكون فتية * * * تسعى بزينتها لكلّ جهول
حتى إذا اشتعلت وشبّ ضرامها * * * عادت عجوزاً غير ذات خليل
شمطاء جزت رأسها وتنكرت * * * مكروهة للشمّ والتقبيل(٢٥)
وفي العبارات التالية يتطرق الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى بعض من سيرة ولده الإمام القائم (عجّل الله فرجه) فقال:
«ألا وفي غٍد - وسيأتي غدٌ بما لا تعرفون -»، ومعنى هذه العبارة أنّه يخبر عن بعض الأمور التي ستكون ومنها قال (عليه السلام): «يأخذ الوالي من غيرها عمالها على مساوئ أعمالها»، ومعنى هذا: أنّ الإمام المنتظر (عجّل الله فرجه) – وهو رئيس الدولة المهدوية – يؤاخذ المسيء بأعماله، ويعاقبه بما هو جزاؤه دون أي هوادة، فيحاسب (عجّل الله فرجه) العمال على كل صغيرة وكبيرة، وفي هذا المعنى وردت روايات في كتب الخاصة والعامة ومنها:
عن رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: «إنّ القائم يومذاك يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت جوراً وظلماً»(٢٦).
قال الشارح المعتزلي – في هذه العبارة من الخطبة -: هذا الكلام منقطع عما قبله، وقد كان تقدّم ذكر طائفة من الناس ذات ملك وأمره فذكر (عليه السلام) أنّ الوالي من غبر تلك الطائفة يعني الإمام الذي يخلفه في آخر الزمان يأخذ عمال هذه الطائفة بسوء أعمالهم(٢٧).
أي: يؤاخذهم بذنوبهم.
ومن هذه المؤاخذة ما ورد في رواية أبي بصير دون غيره عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: «إذا قام القائم هدم المسجد الحرام حتى يردّه إلى أساسه، وحوّل المقام إلى الموضع الذي كان فيه، وقطع أيدي بني شيبة وعلّقها بالكعبة، وكتب عليها هؤلاء سراق الكعبة»(٢٨).
ووردت الأخبار - أيضاً - بملك الجبابرة وولاة السوء عند ظهوره (عجّل الله فرجه)، ومنها: في الحديث الذي رواه (كاشف الغمة)، من كتاب (كفاية الطالب، عن الحافظ أبي نعيم في فوائده، والطبراني في معجمه الأكبر، عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلّم) قال: «سيكون بعدي خلفاء ومن بعد الخلفاء أمراء ومن الأمراء ملوك جبابرة، ثم يخرج المهدي من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً»(٢٩).
ثم ذكر (عليه السلام) صفات أخرى للدولة المهدوية حيث قال:
«وتخرج الأرض أفاليذ كبدها». (الأفاليذ): جمع (أفلاذ)، وأفلاذ جمع (فلذ)، وهي القطعة من الكبد. وهنا كناية عن أنّ الأرض في عهد الإمام المنتظر (عجّل الله فرجه) تعطي خيراتها ما ظهر منها وما بطن من حيث المعادن والنبات وكل ما فيها من الكنوز والخزائن والتي استعمار الإمام (عليه السلام) لفظة الكبد عنها، ويعضد هذا ما ورد في كتاب الله تعالى حيث قال (جلَّ وعلا): ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (الزلزلة: ٢).
وتلقي إليك سلماً مقالدها (المقاليد) إي: المفاتيح.
بمعنى أنّ الكلّ يطيع الإمام (عجّل الله فرجه) ويتمثل لأوامره وهنا أراد أهل الأرض في هذه الكناية بأنّ الأرض تلقي مفاتيحها. وذكر المحقق الخوئي في منهاج البراعة أنّ المراد بإلقاء المقاليد فتح المدائن والأمصار وهو الأقرب(٣٠).
وينقل المحقق الخوئي رواية من (كشف الغمة) بهذا المعنى بأسانيدها عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلّم): «بينكم وبين الروم أربع هدن يوم الرابعة على يد رجل من آل هرقل يدوم سبع سنين». فقال له رجل من عبد النفيس - يقال له المستورد بن غيلان -: يا رسول الله، من إمام الناس يومئذٍ؟ قال: «المهدي من ولدي، ابن أربعين سنة، كأن وجهه كوكب درّي، في خدّه الأيمن خال أسود، عليه عباءتان قطوانيتان، كأنّه من رجال بني إسرائيل، يستخرج الكنوز، ويفتح مدائن الشرك»(٣١).
ثم قال (عليه السلام): «فيريكم عدل السيرة، ويحي ميت الكتاب والسنّة».
وهذه من خصائص الدولة المهدوية، وهي السيرة العادلة بإحقاق الحقّ وإزهاق الباطل، وأنّه (عجّل الله فرجه) يرجع الناس إلى هداية القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بعد أن دُرست آثارهما. وفي هذا المعنى روى المفضل بن عمرو الجعفي قال: سمعت أبا عبد الله - جعفر بن محمد (عليه السلام) - قال: «إذا أذن الله تعالى للقائم في الخروج صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه، وناشدهم الله، ودعاهم إلى حقّه، وأن يسير فيهم بسنّة رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلّم)، ويعمل فيهم بعمله، فيبعث الله جبرئيل حتى يأتيه فينزل على الحطيم ويقول له: إلى أي شيٍء تدعو؟ فيخبره القائم (عليه السلام)، فيقول جبرئيل: أنا أول من يبايعك وابسط يدك فيمسح على يده وقد وافاه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلاً فيبايعونه ويقيم بمكة حتى يتم أصحابه عشرة آلاف»(٣٢).
وما مرّ بنا إشارة إلى بعض سيرته (عجّل الله فرجه) عند قيامه وطريقة أحكامه.
ومن الاستدلالات في هذه العبارات لخطبة الإمام (عليه السلام):
١ - وحدة البشرية تحت راية واحدة وتدير شؤونها دولة واحدة.
٢ - تحقيق العدل والأمن والمساواة للناس أجمعين، في ظل الدولة المهدوية العالمية.
٣ - يعيش الناس في رغٍد من العيش وينعمون بالخيرات فلا يبقى فقير في هذه الدولة.
٤ - تسود الفضائل والأخلاق بين الناس وينشر الحبّ والصفاء بينهم وتختفي مساوئ الأخلاق من قبيل الحسد والتنافس والأحقاد وغيرها.
٥ - إنّ الإمام المهدي المنتظر - أرواحنا له الفداء - عندما يحكم الناس بكتاب الله وسنة نبيه (صّلى الله عليه وآله وسلّم) فبذلك يثبت للعالم أجمع أنّ القرآن والسنّة اللتين حكمتا الناس في جاهليتهم الأولى سيحكمان الناس في آخر الزمان وهم في قمة تطورهم الحضاري والتكنولوجي، مما يدل على أنّ القرآن الكريم والسنّة النبوية لكل عصر وزمان.
٦ - تتم العقول في ظل حكومة المهدي (عجّل الله فرجه)، وتمشي البشرية في طريق التكامل المادي والمعنوي.
(٣) قال (عليه السلام):

«فَلاَ تَسْتَعْجِلُوا مَا هُو كَائِنٌ مُرْصَدٌ، وَلاَ تَسْتَبْطِئُوا مَا يَجِيءُ بِهِ الْغَدُ، فَكَمْ مِنْ مُسْتَعْجِل بِمَا إِنْ أَدْركَهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَمَا أَقْرَبَ الْيَوْمَ مِنْ تَبَاشِيرِ غَد!
يَا قَوْمِ، هذَا إِبَّانُ وُرُودِ كُلِّ مَوْعُود، وَدُنُو مِنْ طَلْعَةِ مَا لاَ تَعْرِفُونَ، أَلاَ وَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَهَا مِنَّا يَسْرِي فِيهَا بِسِرَاج مُنِير، وَيَحْذُو فِيهَا عَلَى مِثَالِ الصَّالِحِينَ، لِيَحُلَّ فِيهَا رِبْقاً، وَيُعْتِقَ رِقّاً، وَيَصْدَعَ شَعْباً، وَيَشْحَبَ صَدْءاً، فِي سُتْرَة عَنِ النَّاسِ لاَ يُبْصِرُ الْقَائِفُ أَثَرَهُ وَلَو تَابَعَ نَظَرَهُ. ثُمَّ َيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ. تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ، وَيُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهمْ، وَيُغْبَقُونَ كَأْسَ الْحِكْمَةِ بَعْدَ الصَّبُوحِ»(٣٣).
الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في الفصل الأول من هذا المقطع من خطبته ينهى عن الاستعجال في أمر هو متحقق لا محالة، وفي خطبة أخرى يقول (عليه السلام): «لاَ تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اللهُ لَكُمْ»(٣٤).
والإنسان إذا ما أراد أن يصل إلى مراده لا بدّ له من الصبر والتروي، وعدم العجلة، وأن يضع الأمور في مواضعها، لكي يتجنّب الوقوع في ما يكره من العواقب.
ولا يخفى أنّه (عليه السلام) أراد هنا استعجال الشيعة لقيام القائم (عجّل الله فرجه). هذا الأمر قد نهى عنه أئمة الهدى (عليهم السلام)؛ حيث أوصوا شيعتهم بالصبر والسكون حتى تحقق شرائط القيام وعلاماته. وقد وردت جملة الروايات في هذا المعنى ومنها:
روى النعماني في الغيبة: «أنّ الصادق (عليه السلام) قال في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (النحل: ١): «هو أمر الله تعالى، لا نستعجل به. يؤيده ثلاثة أجناد: الملائكة، والمؤمنون، والرعب»(٣٥).
وروي: «أنّ مهزم الأسدي قال للصادق (عليه السلام): جعلت فداك، متى هذا الأمر الذي ننتظره، متى هو؟ فقال (عليه السلام): «يا مهزم، كذب الوقّاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلّمون»(٣٦).
وعن الصادق (عليه السلام): «هلكت المحاضير». قيل: وما المحاضير؟ قال: «المستعجلون، ونجا المقّربون، وثبت الحصنُ على أوتادها، كونوا أحلاس بيوتكم. فإنّ الفتنة على من أثارها، وإنهم لا يريدونكم بجائحة إلّا أتاهم الله بشاغل لأمر يعرض لهم»(٣٧).
وعن الباقر (عليه السلام): «اسكنوا ما سكنت السماوات والأرض»(٣٨).
وروي: «أنّ إبراهيم بن هليل قال لأبي الحسن (عليه السلام): مات أبي على هذا الأمر، وقد بلغت من السنين ما قد تري، أموت ولا تخبرني بشيء؟ فقال له: «أنت تعجل». فقال: أي والله أعجل، ومالي لا أعجل وقد بلغت من السن ما قد تري، فقال: «أما والله يا أبا إسحاق، ما يكون ذلك حتى تميزوا»(٣٩).
يقول (عليه السلام): «فكم من مستعجل بما إن أدركه ودّ أنّه لم يدركه».
وهنا نقول: لعل الإمام (عليه السلام) أشار إلى أمر هو غاية الأهمية؛ حيث أنّ الانتظار لأمر القائم (عجّل الله فرجه) يستوجب تحقق شرائط هذا الانتظار، من تهيئة الإنسان المنتظر لنفسه من دون أن يتعجل في هذا الأمر وإلّا فسيكون انتظاره انتظاراً سلبياً. وفي هذا المعنى ورد عن النبي (صّلى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: «أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج». أي: أن الانتظار يمثل القيام بأعمال متمثّلة بتطهير النفس وتزكيتها، والقيام بالفرائض التي افترضها الله تعالى علينا.
فإذا ما حصل العكس صار الانتظار انتظاراً سلبياً قد يؤدي بالإنسان إلى الهلاك، وبالتالي يودّ أنّه لم يدرك هذا الأمر ولم ير ما يقوم به الإمام (عجّل الله فرجه)، وما يقتل من الناس؛ حيث روي «عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «لو يعلم الناس ما يصنع القائم (عليه السلام) إذا خرج، لأحبّ أكثرهم ألّا يروه مما يقتل من الناس. أما إنّه لا يبدأ إلّا بقريش، فلا يأخذ منها ألّا بالسيف، ولا يعطيها إلّا السيف، حتى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمد، لوكان من آل محمد لرحم»(٤٠).
ثم قال (عليه السلام): «وما أقرب اليوم من تباشير غد»:
البشارة: هي أوائل كلّ شيء، وتباشير الصبح أي: أوائله.
يشير الإمام (عليه السلام) هنا إلى الفرج الموعود على يد قائم آل محمد (عجّل الله فرجه)، بعد الفتن الحالكة التي أخبرهم (عليه السلام) بها، فلابدّ للشمس أن تشرق ولكن بعد أن تتم الغيوم عملها حيث أنّ لكلّ زمان شرائط لابدّ أن تتحقق. فالثمار لا تقطف إلّا بعد نضوجها.
وقال (عليه السلام): «يا قوم هذا إبّان ورود كل موعود ودنوّ من طلعة ما لا تعرفون»:
المقصود بـ(إبّان) أي: الوقت.
وهنا يبين (عليه السلام) أنّه قد حان وقت حدوث الفتن التي ستبدأ من بعده (عليه السلام) إلى قيام القائم (عجّل الله فرجه).
يقول الشارح المعتزلي: «أي: دنا وقت القيامة، وظهوره الفتن التي تظهر أمامها، وإبّان الشيء - بالكسر والتشديد -: وقته وزمانه، وكنّى عن تلك الأهوال بقوله: «ودنو من طلعة ما لا تعرفون»، لأنّ تلك الملاحم والآثار الهائلة غير معهود مثلها نحو دابة الأرض، والدجّال وفتنته، وما يظهر على يده من المخاريق والأمور الموهمة، وواقعة السفياني»(٤١).
ولعلّ مراده (عليه السلام) فتن بني أمية وبني العباس إلى علامات القائم (عجّل الله فرجه)؛ لأنّ قوله (عليه السلام): «هذا إبّان...» يدلّ على أنّ حين خاطبهم بهذا الكلام صار زمان ما وعدهم، وقرب ما أخبرهم.
روى النعماني في غيبته: أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال على منبر الكوفة: «أنّ من ورائكم فتناً مظلمة عمياء منكسفة لا ينجو منها ألّا النوَمة»(٤٢).
والمقصود من ورائكم أي: أمامكم؛ لما في قوله تعالى: «وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا» (الكهف: ٧٩).
وفي رواية أخري: «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ (الزخرف: ٦٥) فقال (عليه السلام): «انتظروا الفرج من ثلاث»، قيل: وما هنّ؟ قال: «اختلاف أهل الشام بينهم، والرايات السود من الخراسان، والفزعة في شهر رمضان». قيل: وما الفزعة؟ فقال: «أو ما سمعتم قوله تعالى: «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ» (الشعراء: ٤)، هي آية تُخرج الفتاة من خدرها، وتوقظ النائم، وتفرع اليقظان»(٤٣).
وروي عن الصادق (عليه السلام) قال: «العام الذي فيه الصيحة قبله الآية في رجب». قيل: وما هي؟ قال (عليه السلام): «وجه يطلع في القمر، ويد بارزة»(٤٤).
والروايات كثيرة في هذا المعني، فلا نريد أن نطيل ونكتفي بهذا القدر منها.
ثم قال (عليه السلام): «ألا وإنّ من أدركها منّا يسري فيها بسراجٍ منير، ويحذو فيها على مثال الصالحين».
لعّل الإمام (عليه السلام) أراد بهذه العبارة خصوص الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ويعضده ما جاء بعد هذه العبارة من صفات غيبته، واستتاره عن أعين الناس، بحيث لا يمكن الوصول إليه ولو استقصي للطلب، وهو قوله (عليه السلام): «في شدّة عن الناس، لا يبصر القائف أثره، ولو تابع نظره».
أو لعّل المراد عموم أهل البيت (عليهم السلام) حيث أنّهم يتعاملون مع الفتن الكثيرة والمتنوعة بالحكمة والعقل، وبما تقتضيه مصلحة الدين كما يفعل الأنبياء والصالحين، أي: أنّهم (عليهم السلام) يمشون في ظلمات الفتن الحالكة بسراج منير، وهو نور الإمامة والولاية، بحيث لا توجب ظلمات تلك الفتن انحرافهم عن طريق الهدي، بل هم يسلكون طريق الحقّ المبين.
وهنا نقول: إنّ الرأي الأول هوا لأنسب؛ لأنّ سياق الخطبة يوحي بذلك حيث أنّ المقام هو ذكر صفات ومميزات خاصة بإمام الزمان (عجّل الله فرجه). وهذا ما ذهب إليه ابن أبي الحديد المتعصب لأكثر المسائل المرتبطة بالإمامة لكنه في شرح هذه العبارة يقول: «إنّ المراد بها مهدي آل محمد (صّلى الله عليه وآله وسلّم)، كما ترى انطباق سائر الصفات المذكورة عليه، وإن كان اعتقاد العامة بالنسبة للإمام المهدي (عليه السلام) أنّه يولد في آخر الزمان)(٤٥).
والغريب عند بعض العامة أنّهم لا يستوعبون بقاء الإمام (عليه السلام) على قيد الحياة هذه المدة الطويلة في حيث أنّ العمر الطويل ليس بدعاً في تأريخ البشرية، فهناك من عاش أكثر من هذا العمر، أمثال: نوح، وإلياس، وادريس، والخضر (عليهم السلام)، وغيرهم.
ثم تطرق الإمام (عليه السلام) إلى بعض من الخصائص المنطبقة على الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) حيث قال: «ليحُلّ فيها ربقاً، ويعتِقَ رقَّاً، ويصدعَ شعباً، ويشعبَ صدعاً، في سُترة عن النَّاسِ، ولا ييصرُ القِائفُ أثرهُ، ولو تابع نظرهُ»:
«ربقاً» أي: عقداً، ويأتي بمعنى الحبل، فيه عدّة عرى تشدّ به البهم.
«يعتق رقّاً» - بالكسر -، أي: مملوكاً.
«ويصدع شعباً»: الصدع: يعني الشق، وصدعت الشيء: أظهرته(٤٦). والإظهار حيث يظهر باطن الشيء بالشق. ويصدع شعباً: أي: يفرق جمعاً.
«ويشعب صدعاً»، أي: الاجتماع والالتئام بعد التفرق.
والمراد من هذه العبارات هو أنّه (عجّل الله فرجه) بظهوره يدفع الشبهات، ويحلّ المشكلات وعقدها، وكذلك يعتق الناس من الجهل والضلال؛ حيث يهتدي الكثير منهم بنوره إلى جادة الصواب والهداية، ويفرق جموع الباطل والضلال، ويميز الأخيار المؤمنين عن غيرهم ممن يتظاهرون بالخير والصلاح كذباً وزوراً ورياءً. ثم أنّه (عجّل الله فرجه) يجمع متفرق الحقّ ويوحد كلمة المؤمنين تحت لوائه. ويفعل الإمام (عجّل الله فرجه) كل هذا مبتغياً وجه الله تعالى، وليس حباً للسمعة والشهرة وبحثاً عن المدح والشكر: وهذا هو الإخلاص الحقيقي الذي يمكن أن نجده إلّا عند أئمة هذا البيت الطاهر (عليهم السلام)، الذين وهبوا كل شيء لله تبارك وتعالى.
وبعد ذلك بدأ الإمام (عليه السلام) بذكر أنصار صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) وأصحابه والعلماء المستجمعين لكمالات النفوس، ممن سلك طريق الحق، وهم من جاء منهم قبلنا ومن يأتي في آخر الزمان؛ حيث قال (عليه السلام): «ثم ليشحذَنَّ فيها قوم شحذَ القَين النَّصْل، تجلى بالتنزيل أبصارُهُمْ، ويرمى بالتفسير في مسامعهم، ويغْبقون كأس الحكمة بعد الصَّبوح:
«ليشحذنّ» - بلفظ المجهول، من شحذت السكين، أي: حددته.
«شحذ القين»، أي: الحداد.
«النصل»، أي: حديد السيف، والسكين.
«يغبقون»، - بلفظ المجهول -، و(الغبوق): الشرب بالعشي، فتقول: غقبته فاغتبق.
«كأس»، قال ابن الأعرابي: لا تسمّى الكأس كأساً إلّا وفيها الشراب(٤٧).
«الحكمة»، أي: إتقان الأمور، والأصل فيها حكمة اللجام، وهي ما أحاط بالحنك.
«بعد الصَّبوح»: أي: الشرب في الصباح، والغبوق والصبوح بكأس الحكمة استعارة كقول زرقاء اليمامة لمّا سُئلت عن سبب قوة عينيها قالت: (كنت أكحلهما بصبوح من صبر، وغبوق من أثمد)(٤٨).
هذه صفات أصحاب وأنصار الإمام المنتظر (عجّل الله فرجه) المتميزون بشجاعتهم وعلمهم بجلال الله وحرامه وبكتابه وسنة نبيه (صّلى الله عليه وآله وسلّم)، فهم دائموا التعلّم صباحاً ومساءً ويزدادون استعداداً وتأهّباً. إنّهم الشيعة الحقيقيون الذين وصفهم الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال: «شيعتنا من لا يهرّ هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل الناس بكفّه وإن مات جوعا». قيل له: أين نطلبهم؟ قال: «أطلبوهم في أطراف الأرض، أولئك الخشن عيشهم، المنتقلة ديارهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا، وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا، وإن خطبوا لم يزوّجوا، وإن ماتوا لم يشهدوا، أولئك الذين في أموالهم يتواسون، وفي قبورهم يتزاورون، ولا تختلف أهواؤهم، وإن اختلفت بهم البلدان»(٤٩).
قال الشارح البحراني - في مضمون العبارات السابقة -: (في أثناء ما يأتي من الفتن تشحذ أذهان قوم وتعدّ لقبول العلوم والحكمة، كما يشحذ الحدّاد النصل. ولفظ الشحذ مستعار لإعداد الأذهان، ووجه الاستعارة الاشتراك في الإعداد التام النافع، فهو يمضي في مسائل الحكمة والعلوم كمضي النصل فما يقطع به وهو وجه التشبيه المذكور»(٥٠).
أمّا المحقق الخوئي فقد قال في معني: «يجلي بالتنزيل أبصارهم، ويرمي بالتفسير في مسامعهم»:
(أي: يكشف الرين، وتدفع ظلمات الشكوك والشبهات عن أبصار بصائرهم بالقرآن والتدّبر في بديع أسلوبه معانيه، ويرمي بتفسيره حق التفسير من مسامعهم، والجملة الثانية بمنزلة التعليل للأولي، يعني: أنّهم لتلقّيهم تفسيره على ما يحقّ وينبغي من أهل الذكر الذين هم معادن التنزيل والتأويل، وتحصيلهم المعرفة عنهم (عليه السلام) بمعاينه ومباينه وأسراره الباطنة والظاهرة وحكمه الجلية والخفية ارتفعت أغطية الشبهات وغشاوة الشكوكات عن ضمائرهم وبصائرهم، فاستعدّت أذهانهم لإدراك المعارف الحقّة والحكم الإلهية، ولم تزل الأسرار الربانية والعنايات الإلهية تفاض عليهم صباحاً ومساءً وهذا معنى قوله: «ويغبقون كأس الحكمة بعد الصّبوح»(٥١).
ومما مّر علينا من البيان والتأويل لهذه الخطبة نستطيع أن نصل إلى الاستدلالات التالية:
١ - البشارة بظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ويعضد ها ما ورد من الروايات عن رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلّم) - عن الطريق الفريقين -، وكذلك روايات أئمة الهدى (عليهم السلام) في هذا المعني.
٢ - إنّ الإمام المهدي - أرواحنا له الفداء - حي يرزق وهو إمامنا الذي لا يمكن أن تخلو الأرض منه فهو حجة الله على خلقه. وقد ورد في علل الشرائع بإسناده عن أبي حمزة قال: قلت لأبي عبد الله: تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: «لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت»(٥٢).
٣ - إن خروج الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) سيكون في زمن قد فشلت فيه كل القوانين البشرية في إصلاح العالم، فيكون المصلح الأعظم للقرون جميعاً.
٤ - لا يتحقق الظهور ألّا بعد تحقق شرائطه، ومنها: وقوع الفتن التي أخبر عنها أمير المؤمنين (عليه السلام) - في خطبته -. وأن تتحقق حالة امتلاء الأرض بالجور والظلم. وكذلك الاستعداد التام والتهيئة لأنصار الإمام (عجّل الله فرجه)، الذين سيخرج بهم لتطهير الأرض من الشرك والإلحاد والظلم والبغي.
٥ - إنّ الحكمة تكون في مواقف الاعتدال، وعدم الغلوّ في الأشياء؛ لأنّه قد يودي بالإنسان إلى التهلكة، وكما قيل في المثل: كل ما زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه. وفي هذا المعنى ورد عن النبي الأكرم (صّلى الله عليه وآله وسلّم): «أنا والله أخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكن أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنّتي فليس مني»(٥٣).
ومن هنا يتضح لنا بأنّ الاستعجال لهومن الغلو في الأشياء.
(٤) قال (عليه السلام):

«قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا، وَأَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا، فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا، وَحَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا، فَهُو مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الإسْلاَمُ، وَضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ، وَأَلْصَقَ الأرْضَ بِجِرَانِهِ، بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ، خَلِيفَةٌ مِنْ خَلاَئِفِ أَنْبِيَائِهِ»(٥٤).
«الجُنَّة»: بالضمّ نوع من السلاح، أو ما استتر به من سلاح»(٥٥).
اختلف شراح النهج في بيان الفاعل لفعل (لبس)؛ لأنّ صدر الكلام لم يذكره السيد الرضي (رحمة الله)، فراحت كل طائفة تفسّر كلام الإمام (عليه السلام) حسب اعتقادها.
قال العلامة المجلسي: إنّه إشارة إلى القائم (عجّل الله فرجه)، ونقله الشارح المعتزلي في الشيعة والأولياء.
وقال الصوفية: إنّه (عليه السلام) يعني به ولي الله في الأرض، وعندهم لا يخلو الدنيا من الأبدال والأولياء.
وقالت الفلاسفة: إنّ مراده (عليه السلام) به العارف.
وقالت المعتزلة: إنّه (عليه السلام) يريد به العالم بالعدل والتوحيد. وزعموا أنّ الله لا يخلي الأمّة من جماعة من المؤمنين العلماء بالتوحيد والعدل، وإنّ الإجماع إنّما يكون حجّة باعتبار قول أولئك، لكنه ما تعذرت معرفتهم بأعيانهم اعتبر إجماع الجميع، وإنّما الأصل قول أولئك.
قال ابن أبي الحديد - بعد نقل هذه الأقوال -: وليس يبعد أن يريد (عليه السلام) به القائم من آل محمد (صّلى الله عليه وآله وسلّم) في آخر الوقت، إذا خلقه الله تعالى وإن لم يكن الآن موجوداً، فليس في الكلام ما يدّل على وجوده الآن، وقد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أنّ الدنيا والتكليف لا ينقضي إلّا عليه. انتهى(٥٦).
وهنا نقول: الأصوب هو رأي الإمامية، أي: أنّ المراد به قائم آل محمد (عجل الله تعالي فرجه الشريف)؛ لأنّ قضية القائم (عجّل الله فرجه) مسلّم بها عند جميع المسلمين بتواتر الأخبار الواردة عنه (عليه السلام) مع اختلاف البعض من غير الإمامية بعدم وجوده الآن، وسيولد في آخر الزمان، وهذا مردود كما مرّ علينا سابقاً؛ لأنّ الأدلة العقلية والنقلية دلّت على عدم خلوّ الأرض من حجة، وإلا ساخت وانخسفت بأهلها. إضافة إلى ذلك فإنّ حجة الله لا تتم على عباده، ويعضد هذا كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) المتواتر لكميل بن زياد حيث قال: «اللهم بلي، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، أو خائقاً مغموراً، لئلّا تبطل حجج الله وبيناته»(٥٧).
ونأتي الآن لبيان مضامين ودلالات هذا الفصل من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام):
«قد لبس للحكمة جنّتها»:
وردت لفظة الحكمة في كتاب الله - عزّ وجلّ - في مواضع عديدة، وقد فسّرها علماء التفسير بوجوه عديدة حسب الآية. فمثلاً في قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (آل عمران: ٤٨)، أي الفقه والمعرفة، وفي قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: ٢)، القرآن والشريعة، وفي قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ٢٦٩)، أي: بتحقيق العلم وإتقان العمل.
وفي الروايات الشريفة معناها بوجوه عدة منها: عن العياشي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «الحكمة المعرفة والفقه في الدين ومن فقه منكم فهو حكيم»(٥٨).
وعنه (عليه السلام): «معرفة الإمام واجتناب الكبائر التي أوجب الله عليها النار»(٥٩).
وفي الصافي من الكافي، وتفسير العياشي عن الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ... وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، قال: «طاعة الله، ومعرفة الإمام»(٦٠).
وعن مصباح الشريعة عنه (عليه السلام): «الحكمة ضياء المعرفة، وميراث التقوى، وثمرة الصدق، ولو قلت: ما أنعم الله على عباده بنعمة أنعم وأعظم وأرفع وأجزل وأبهى من الحكمة لقلت.
قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ... وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، أي: لا يعلم ما أودعت وهيأت في الحكمة ألّا من استخلصته لنفسي وخصصته بها. والحكمة هي الكتاب وصفة الحكيم هي الثبات عند أوائل الأمور، والوقوف عند عواقبها، وهو هادي خلق الله إلى الله»(٦١).
وفي الكافي عن النبي (صّلى الله عليه وآله وسلّم) إنّه كان ذات يوم في بعض أسفاره إذ لقاه ركب فقالوا: السلام عليك يا رسول، فالتفت إليهم وقال: «ما أنتم»؟ فقالوا: مؤمنون، قال: «فما حقيقة إيمانكم»، قالوا: الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، والتفويض إلى الله، فقال رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلّم): «علماء حكماء كادوا أن يكونوا من الحكمة أنبياء، فإن كنتم صادقين فلا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تجمعوا ما لا تأكلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون»(٦٢).
ومن هنا ترى أنّ الآيات الكريمة والروايات الشريفة دلّت على شرافة ومنزلة الحكمة. وإذا رجعنا إلى قوله (عليه السلام): «قد لبس للحكمة جنّتها» فالمقصود بجنة الحكمة مخافة الله - عزّ وجلّ -، وحيث جعل النبي (صّلى الله عليه وآله وسلّم) رأس الحكمة مخافة الله كما في الخصال عنه (صّلى الله عليه وآله وسلّم): «رأس الحكمة مخافة الله»(٦٣)، حيث أنّ وجود الحكمة يكون رادعاً للنفس عن شهواتها وأهوائها، وبالتالي تكون جنّة من الوقوع في العذاب والهلكة، كما أنّ السلاح يستتر به مثل الدرع حتى لا يصاب الإنسان بالأذى من قبل العدو.
ثم قال (عليه السلام): «وأخذها بجميع أدبها».
والمقصود أنّه عمل بموجبها، فأخذها بجميع كمالاتها وآدابها من الإقبال عليها والمعرفة بأحكامها، والتفرغ لها، والانصراف عن الفضول والخوض بما لا نفع فيه، أي: أنّه بعد ما عرف أنّ من يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً، وأنّها ذات فضل وشرف أقبل عليها وحرص على أن تكون همّته فيها وترك كل ما يشغله من أمور الدنيا التي تتعارض مع الحكمة. فلا يمكن لعاقل أن يهتم بما وصفه الله في كتابه الكريم على أنّها متاع قليل - أي: الدنيا -، ويفوته ما فيه الخير الكثير- أي: الحكمة -.
ومن هذا المنطلق نجد أنّ الحكماء - ومنهم لقمان لزهده بأمور الدنيا، وورعه في الله، وعدم اكتراثه بما يمر عليه في هذه الدنيا، من الفرح لما أتاه، أو الحزن لما فقده، فإنّ الله تعالى آتاه الحكمة، وعصمه من الزلل، فكان أحكم أهل زمانه -.
وقال (عليه السلام): «فهي عند نفسه ضالته التي يطلبها، وحاجته التي يسأل عنها»:
هذا المعنى رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة، حيث قال (عليه السلام): «الحكمة ضالة المؤمن»(٦٤). وليس المراد أنّها غير موجودة، وإنّما أراد الشوق والمحبّة والرغبة بالحكمة لما فيها من الفضل بحيث أنّ الله تبارك وتعالى نقل حكم لقمان في كتابه الكريم في سورة لقمان، من الآية ١٣ - إلى الآية ١٩.
«فهو مغترب إذا اغترب الإسلام»:
ولا يخفى بأنّ المراد بهذا المقطع من خطبة الإمام علي (عليه السلام) هو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الذي يستتر عن أعين الناس، ويختار العزلة، وذلك عندما يكون الإسلام غريباً ضعيفاً كما أخبر النبي (صّلى الله عليه وآله وسلّم) عن ذلك عندما قال: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ»(٦٥).
وروى النعماني في غيبته عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أخبرني عن قول أمير المؤمنين: «إنّ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء»، فقال (عليه السلام): «يا أبا محمد، إذا قام القائم (عجّل الله فرجه) استأنف دعاءً جديداً، كما دعا رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلّم)»(٦٦).
وإذا اغترب الإسلام فالمؤمن يكون غريباً بينهم كما هو الشأن في عصرنا هذا.
«وضرب بعسيب ذنبه»:
عسيب الذنب: أي: أصله. وقيل: عسيب الذنب منبته من الجلد والعظم(٦٧).
وهنا كناية عن ضعف الإسلام وتبعه، فشبّهه (عليه السلام) بالبعير البارك، الذي تعب وتأذى ضرب بذنبه، أو أنّ المؤمن المخلص يكون بين القوم الفاسقين كالبعير الذي ألصق نحره في الأرض وضربها بذنبه، فلا يستطيع في شيء سوى ذلك. وقيل: معناه أنّه فارق أهل الفتنة، وضرب في الأرض ذاهباً في أهل دينه وأتباعه، الذين يتبعونه على رأيه وهم الأذناب.
وقال الزمخشري: الضرب بالذنب - هاهنا - مثل للإقامة والثبات، يعني: أنّه يثبت هو ومن تبعه على الدين(٦٨).
«وألصق الأرض بجرانه»:
في الصحاح: جران البعير: مقدّم عنقه من مذبحه إلى منحره، والجمع جرن، وكذلك من الفرس(٦٩).
قال ابن أبي الحديد: معنى الكلام: أنّه إذا صار الإسلام غريباً مقهوراً، وصار الإسلام كالبعير البارك يضرب الأرض بعسيبه – وهو أصل الذنب - ويصلق جرانه – وهو صدره - في الأرض فلا يكون له تصّرف ولا نهوض(٧٠). ولا يخفى أنّ في الكلام إشارة إلى غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
روى الصدوق في كماله عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن الصادق (عليه السلام) قال: «إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لابدّ منها، يرتاب فيها كلّ مبطل». فقلت فَلَم - جعلت فداك -؟ قال: «لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم». قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: «وجه الحكمة في غيبته، وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج الله تعالى ذكره، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى (عليه السلام)، إلى وقت افتراقهما»(٧١).
وبعد ما وصفه الإمام (عليه السلام) بلبسه لجنّة الحكمة، وإيثاره العزلة والغيبة، عرفه بأنّه: (بقية من بقايا حجته) على عباده و(خليفة من خلائف أنبيائه) في بلاده. وهذا يرجّح بأنّ المراد بهذا الفصل من الخطبة هو الإمام القائم (عجّل الله فرجه).
والمراد أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو الباقي من حجج الله تعالى، الذين يحتجّ بهم على عباده وهو امتداد لأنبيائه ورسله.
روى الصدوق في (كمال الدين) عن الورّاق عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن إسحاق الأشعري، قال: دخلت على أبي محمد الحسن (عليه السلام) وأنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده، فقال لي مبتدئاً: «يا أحمد بن إسحاق، إنّ الله تعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم، ولا يخليها - إلّا أن تقوم الساعة - من حجة الله على خلقه، به يدفع الله البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزل الغيث، وبه تخرج بركات الأرض»، فقلت له: يا بن رسول الله، فمن الإمام والخلف بعدك؟ فنهض مسرعاً، فدخل البيت، ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر من أبناء ثلاث سنين، فقال: «يا أحمد لولا كرامتك على الله عزّ وجلّ، وعلى حججه، ما عرضت عليك ابني هذا، إنّه سمي رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلّم)، وكنيه الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يا أحمد، مثله في هذه الأمّة مثل الخضر، ومثل ذي القرنين: والله ليغيبنّ غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلّا من ثبّته الله عزّ وجلّ على القول بإمامته، ووفّقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه». قال أحمد: قلت: يا مولاي فهل من علامة يطمئن إليها قلبي؟ فنطق الغلام بلسان فصيح فقال: «أنا بقية الله في أرضه، والمنتقم من أعدائه، ولا تطلب يا أحمد أثراً بعد عين».
فخرجت فرحاً، فلمّا كان من الغد عدت إليه، فقلت: يا ابن رسول الله، لقد عظم سروري بما مننت به عليّ، فما السنّة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟ قال: «طول الغيبة»، قلت: وإنّ غيبته لتطول؟ قال: أي وربّي، حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به»(٧٢).
وفي هذا المقطع من الخطبة يقول ابن أبي الحديد المعتزلي:
فإن قلت: أليس لفظ الحجّة ولفظ الخليفة مشعراً بما تقوله الإمامية؟ قلت: لا، فإنّ أهل التصوّف يسمّون صاحبهم حجّة وخليفة، وكذلك الفلاسفة، وأصحابنا لا يمتنعون من إطلاق هذه الألفاظ على العلماء المؤمنين في كل عصر، لأنّهم حجج الله، أي: أجماعهم حجّة، وقد استخلفهم الله في أرضه ليحكموا بحكمه.
أقول: إنّ هذا مردود؛ حيث أنّ حجّة الله لابدّ أن تكون معصومة فهي تمثل الأسوة بالنسبة للخلق، فلا يحتجّ الله تعالى على عباده بشخص يمكن أن يرتكب الذنوب والمعاصي كسائر الناس.
وهنا كيف يقتدي الناس بحجّة منحرفة؟ ثمّ أنّ الشارح المعتزلي يقول: إنّ المتصوّفة والفلاسفة وأصحابه المعتزلة يطلقون لفظ الحجة، فهذا ادّعاء بإطلاقهم لهذا اللفظ ولا يستند إلى شيء.
وأمّا حجية العلماء، وأنّهم ورثة الأنبياء، ليس من باب أنّ قوله حجّة؛ لأنّه عالم، بل على اعتبار دخول قول المعصوم في جملة قوله، فيكون بذلك حجّة.
وأمّا قول البحراني: أنّ العلماء والعارفين هم حجج الله في الأرض على عباده - استناداً إلى حديث: «العلماء ورثة الأنبياء» -، وهذا أيضاً لا وجه له؛ لأنّ الوراثة هنا ليست وراثة حقيقية، وإنّما جاء من باب التشبيه والمجاز، أي: أنّهم أخذوا علومهم أو ورثوا علوم الأنبياء، في حين أنّ وراثة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وخلافته هي وراثة وخلافة حقيقية.
ومن بعد ما مرّ علينا من البيان والتأويل في هذه الخطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) نذكر فيما يأتي بعض الاستدلالات التي توصلنا إليها وهي:
١ - لا يمكن أن تجتمع الحكمة مع هذه الدنيا ولهوها ولذاتها، فالحكيم من لا يكترث بهذه الدنيا وما يمر فيها من الفرح والحزن وغيرها.
٢ - إنّما صارت الحكمة جنّة من الوقوع في العذاب والهلكة، وذلك كونها تمثّل رادعا لنفس الإنسان من شهواتها وأهوائها.
٣ - إنّ وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده القائم (عجّل الله فرجه) حين قال: «لبس للحكمة جنّتها» يبين أنّه (عجّل الله فرجه) أراد الحكمة لأجل الحكمة لا لأجل أن تكون درعاً يستتر به من الوقوع في الهلكة كما عند من لبس الحكمة من عوام الناس؛ وذلك لأنّه (عجّل الله فرجه) معصوم فلا يحتاج إلى مثل هذه الدرع لكي يستتر به من الوقوع في العذاب والهلكة.
٤ - عودة الإسلام غريباً دليل عودة الجاهلية الأولى في آخر الزمان؛ حيث لم يبق من الإسلام إلّا اسمه، ومن القرآن إلّا رسمه؛ وذلك لابتعاد الناس عن تعاليم الإسلام الأصيلة وعن مناهج القرآن الكريم، وعند ما يكون المؤمن سجيناً في مجتمع من غير سنخه.
(٥) قال (عليه السلام):

«فإذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه، فيجتمعون إليه كما يجتمع قَزَعُ الخريف»(٧٣).
«اليعسوب»: السيد العظيم المالك لأمور الناس يومئذٍ ويعسوب النحل: الذكر العظيم منها، الذي تتبعه، وكثر ذلك حتى سمّوا كل رئيس يعسوباً(٧٤).
«بذنبه»: واحد الأذناب، والمراد بذلك وقت ظهور القائم (عجّل الله فرجه) شبّهه (عليه السلام) بملك النحل يضرب بذنبه في موضع فيجتمع عليه النحل.
«القزع»: قطع الغيم التي لا ماء فيها.
والمراد: أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) عند ظهوره يجتمع إليه أتباعه كما يجتمع قزع الخريف. قال في (النهاية): (وما في السماء قزعة)، أي: قطعة من الغيم، ومنه حديث علي (عليه السلام) فيجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف(٧٥).
قال ابن أبي الحديد بعد العنوان: الخبر من أخبار ملاحمه التي كان يخبر بها (عليه السلام)، وهو يذكر فيها المهدي (عجّل الله فرجه)(٧٦).
روى النعماني مسنداً إلى الأخنف بن قيس قال: دخلت على علي (عليه السلام) في حاجة لي. فجاء ابن الكوّا وشبث بن ربعي فستأذنا عليه، فقال لي علي (عليه السلام): «إن شئت فأذن لهما، فإنّك أنت بدأت بالحاجة»، قلت: يا أمير المؤمنين فأذن لهما، فلمّا دخلا قال لهما علي (عليه السلام): «ما حملكما على أن خرجتما عليّ بحروراء»؟ قالا: أجبنا أن نأمن من الغضب. قال: «ويحكما، وهل في ولايتي غضب؟ أو يكون الغضب حتى يكون من البلاء كذا وكذا، ثم يجتمعون قزعاً كقزع الخريف من القبائل ما بين الواحد والاثنين والثلاثة والأربعة والخمسة والستة والسبعة والثمانية والتسعة والعشرة».
عن المفضل بن عمر، قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا أذن للإمام (عليه السلام) دعا الله باسمه العبراني، فأتيحت له صحابته الثلاثمائة والثلاثة عشر، قزع كقزع الخريف، منهم أصحاب الألوية، منهم من يُفقد من فراشه ليلاً فيصبح بمكة، ومنهم من يرى يسير في السحاب نهاراً، هم المفقودون، وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾(٧٧).
وفي (فتن نعيم بن حماد) - من العامة - عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «يظهر المهدي بمكة عند العشاء، ومعه راية النبي (صّلى الله عليه وآله وسلّم) وقميصه، وسيفه، فيظهر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدّة أهل بدر على غير ميعاد، قزعاً كقزع الخريف، رهبان بالليل، أسد بالنهار...»(٧٨).
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) - في ذكر القائم (عجّل الله فرجه):‌ «والله ليضربنّكم على الدين عوداً كما ضربتموهم عليه بدءاً»(٧٩).
ومما يستدّل عليه في هذا الفصل من خطبة الإمام (عليه السلام):
١ – إنّ دور الإمام المهدي (عليه السلام) يختلف عن أدوار من سبقه من أئمة الهدى (عليهم السلام)، فله (عجّل الله فرجه) غيبة كبيرة لم تكن لمن سبقه منهم (عليهم السلام)، وكذلك فإنّ أصحاب أبائه من المعصومين (عليهم السلام) كانوا حولهم ومعهم في حياتهم، أمّا أصحاب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) فهم مفترقون عنه في بقاع الأرض، ويجتمعون حوله من غير ميعاد عند ظهوره في مكة.
٢ – إنّ تشبيه الإمام (عليه السلام) اجتماع أصحاب ولده المهدي (عجّل الله فرجه) بقزع الخريف فيه دلالة واضحة على سرعة اجتماعهم حوله إذا ظهر في آخر الزمان، حيث أنّ الغيوم الخالية من الماء تكون أسرع بحركتها من تلك التي هي محملة بالماء.
(٦) وقال (عليه السلام) - عن رجعة أهل البيت (عليهم السلام) -:

«لتعطفنّ الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها»، وتلا عقيب ذلك: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: ٥).
«لتعطفنّ الدنيا علينا بعد شماسها»:
شمس الفرس شموساً، وشماساً، أي: منع ظهره(٨٠).
«عطف الضروس على ولدها»: ناقة ضروس في (الصحاح)، أي: سيئة الخلق، تعضّ حالبها، ومنه قولهم: هي بجنّ ضراسها، أي: بحدثان نتاجها، وإذا كانت كذلك حامت عن ولدها(٨١).
وهنا يشير الإمام (عليه السلام) إلى دولة القائم (عجّل الله فرجه) في آخر الزمان، وفي هذا المعنى روي عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) كان يقول:
لكل أُناسٍ دولة يرقبونها ودولتنا في آخر الدهر تظهر(٨٢) بإسناده عن ربيعة بن ناجد قال: سمعت علياً (عليه‌ السلام) يقول في هذه الآية: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: ٥): «لتعطفنّ هذه الدنيا على أهل البيت كما تعطف الضروس على ولدها»(٨٣).
والإمام (عليه السلام) إنّما تلا هذه الآية عقب كلامه كشاهد لعطف الدنيا عليهم أخيراً، فهم المستضعفون في الآية.
روى العياشي بإسناده عن أبي الصباح الكناني، قال: نظر أبو جعفر (عليه السلام) إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: «هذا والله من الذين قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا...﴾، الآية.
وقال سيد العابدين علي بن الحسين (عليه السلام): «والذي بعث محمداً بالحقّ بشيراً ونذيراً، إنّ الأبرار منّا أهل البيت، وشيعتهم بمنزلة موسى وشيعته، وإنّ عدوّنا وأشياعهم بمنزلة فرعون وأشياعه»(٨٤).
وفي كتاب الغيبة لشيخ الطائفة، بإسناده إلى محمد بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن علي (عليه السلام) في قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، قال: «هم آل محمد، يبعث الله مهديّهم بعد جهدهم فيعزّهم ويذّل أعدائهم»(٨٥).
وقال القمّي: أخبر الله نبيّه (صّلى الله عليه وآله وسلّم) بما لقي موسي (عليه السلام) وأصحابه من فرعون من القتل والظلم، ليكون تعزية له في ما يصيبه في أهل بيته من أمّته، ثم بشّره بعد تعزيته أنّه يتفضّل عليهم بعد ذلك، ويجعلهم خلفاء في الأرض وأئمة على أمّته يقول: ﴿... مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: ٦). أي: من آل محمد، ولو كانت نزلت في موسى لقال: منه ما كانوا يحذرون، ولم يقل (منهم)(٨٦).
ومن الجدير بالذكر أنّ الآيتين (٥-٦) من سورة القصص، أنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) تلاهما في اليوم السابع من ولادته، في إشارة على أنّهما قد نزلتا بحقّه وبوراثته الأرض، ومن عليها في آخر الزمان، كما هو في تفسير نور الثقلين، عن كتاب (كمال الدين وتمام النعمة)، بإسناده إلى حكيمة قالت: لما كان اليوم السابع من مولد القائم (عليه السلام) جئت إلى أبي محمد (عليه السلام) فسلّمت عليه وجلست فقال: «هلمّي إلي ابني»، فجئت بسيدي – وهو في الخرقة – ففعل به كفعله الأول – هكذا وردت في المصدر - ثم أدلى لسانه في فيه كأنّما يغذّيه لبناً وعسلاً، ثم قال: «تكلّم يا بني»، قال: «أشهد أن لا إله إلّا الله»، وثنّى بالصلاة على محمد وعلى أمير المؤمنين وعلى الأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين حتى وقف على أبيه (عليه السلام) ثم تلا هذه الآية: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ... مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة(٨٧).
ولا يخفى أنّ الآيتين (٥-٦) من سورة القصص جاءتا بصيغة الفعل المضارع والاستمرار، ‌وهذا معناه أنّهما ليستا مختصّتين بالمستضعفين من بني إسرائيل، وحكومة الفراعنة - آنذاك -، وإنّما تخصّان مستضعفي آخر الزمان، والحكومات الفرعونية الظالمة.
يقول ابن أبي الحديد: والإمامية تزعم أنّ ذلك وعد منه بالإمام الغائب الذي يملك الأرض في آخر الزمان وأصحابنا يقولون إنّه وعد بإمام يملك الأرض ويستولي على الممالك، ولا يلزم من ذلك أن يكون موجوداً وأن يكون غائبا إلى أن يظهر، بل يكفي في صحة هذا الكلام أن يخلق في آخر الوقت(٨٨).
وقال ابن أبي الحديد - أيضاً -: وقال بعض أصحابنا: إنّه إشارة إلى ملك السفاح والمنصور(٨٩).
أقول: إنّما قالت الإمامية أنّه إشارة إلى الإمام المهدي المنتظر، وأنّه موجود وغائب عن الأبصار؛ لأنّه قد ثبت عندهم ذلك بأدلّة كثيرة، ومنها ما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا تخلوا الأرض من قائم لله بحجّة إمّا ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً، لئلّا تبطل حجج الله وبيّناته»(٩٠). وقوله (عليه السلام): «إذا خوى نجم طلع نجم»(٩١).
ويعضد هذا ما ورد في البشارة لأهل البيت (عليهم السلام) في القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).
أقول: وهل هناك عباد صالحون ومؤمنون عاملون للصالحات مثل أهل بيت العصمة (عليهم السلام)؟
إنّهم (عليهم السلام) من تنطبق عليهم الصفات التي ذكرتها الآية الكريمة؛ لذا فهم الوارثون في الأرض والمستخلفون فيها وكما وعد الله تعالى، ومن يكفر بهذا فهو من الفاسقين بنص الآية الكريمة.
إنّ هذا الاستخلاف وهذه الوراثة لم تتحقق أيام الأئمة الأحد عشر (عليهم السلام)، والله قد وعدهم وهو لا يخلف الميعاد، ومن هنا لابدّ من تحقق هذا الوعد في عصر الثاني عشر منهم (عليهم السلام) وبما أنهم (عليهم السلام) بمنزلة النفس الواحدة، لذا فوراثة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) واستخلافه في الأرض وتمكين الله تعالى له دينه الذي ارتضاه وتبديل خوفه أمناً، إنمّا تنطبق كل هذه المعاني على جميع الأئمة الطاهرين (عليهم السلام).
ومن دلالات هذا المطقع من الخطبة:
١ – إنّ البقاء والخلود في آخر المطاف لابدّ أن يكون للحق ورجاله، مهما كانت صولات وجولات للباطل وأهله عبر العصور، ويعضد هذا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (الرعد: ١٧). فالزبد إشارة إلى الباطل، وما ينفع الناس فهو الحقّ الذي يملك مقومات البقاء والخلود.
٢ – إنّ الآية الخامسة من سورة القصص التي تلاها الإمام (عليهم السلام) بعد هذا المقطع من خطبته قد نزلت في قائم آل محمد (صّلى الله عليه وآله وسلّم) كما نزلت في أمّة موسى (عليهم السلام)؛ لأنّ آيات القرآن الكريم تجري مجرى الشمس ومجرى الليل والنهار لا تتوقف. إضافة إلى أنّ ما حدث في الأمم السابقة يحدث في هذه الأمّة، كما في قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ (الانشقاق: ١٩).
يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية: «أي: لتركبنّ سنن من كان قبلكم من الأولين وأحوالهم»(٩٢).
٣ – يعضد كلام الإمام (عليه السلام) ما ورد عن النبي (صّلى الله عليه وآله وسلّم): «وإنّما الأعمال بخواتيمها»(٩٣).
(٧) قال (عليه السلام) لكميل بن زياد النخعي:

«اللَّهُمَّ بَلَى! لاَ تَخْلُو الاَرْضُ مِنْ قَائِم لله بِحُجَّة، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، أوْ خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُهُ»(٩٤).
لقد تقدّم الكلام في بحثنا حول أهل البيت (عليهم السلام) في نهج البلاغة في أنّ الأرض لا يمكن أن تخلو من حجّة بشرية معصومة لله تعالى إلى جانب القرآن الكريم، وهذا المعنى قد ورد في حديث الثقلين حيث قال رسول الله (صّلى الله عليه وآله وسلّم): «إنّي قد تركتُ فيكم الثقلين، واحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»(٩٥).
إنّ حجة الله تعالى على عباده لا تكمل إلّا بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة (عليهم السلام)، لذا لا يمكن أن يخلو عصر من إمام معصوم، إلى جانب القرآن الكريم. وفي هذا جاء بإسناده عن أبي حمزة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تبقى الأرض بغير إمام؟ قال (عليه السلام): «لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت»(٩٦). والروايات كثيرة في ضرورة وجود المعصوم في كل عصر وزمان ومنها:
قال الصدوق في (كمال الدين): في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: ٧)، دليل على أنّه لم تخل الأرض من هداة في كل قوم، وكل عصر تلزم العباد الحجّة لله تعالى من الأنبياء والأوصياء، فالهداة من الأنبياء والأوصياء لا يجوز انقطاعهم ما دام التكليف من الله تعالى لازماً للعباد(٩٧).
وقال - أيضاً - في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً...﴾ (البقرة: ٣٠)، دليل على أنّ الحكمة في الخليفة أبلغ من الحكمة في الخليفة، فلذلك ابتدأ به لأنّه سبحانه حكيم، والحكيم من يبدأ بالأهم دون الأعم، وذلك تصديق قول الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام)، حيث يقول: «الحجّة قبل الخلق، ومع الخلق وبعد الخلق»(٩٨). ولو خلق الله الخليفة خلواً من الخليفة لكان قد عرّضهم للتلف إلى أن قال: ومن زعم أن الدنيا تخلوا ساعة من إمام لزمه أن يصحّح مذهب البراهمة في إبطالهم الرسالة، ولولا أنّ القرآن نزل بأنّ محمداً (صّلى الله عليه وآله وسلّم) خاتم الأنبياء لوجب كون الرسول في كل وقت فلمّا صحّ ذلك ارتفع معنى كون الرسول بعده، وبقيت الصورة المستدعية للخليفة في العقل(٩٩).
وروى ابن قتيبة في عيون الأخبار مسنداً عن إبراهيم بن عبدالرحمن قال: قال النبي (صّلى الله عليه وآله وسلّم): «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين(١٠٠).
وروى الكليني عن الكافي بإسنادين عن الحسن بن محبوب، عن أبي أسامة وهشام بن سالم، عن أبي حمزة، عن أبي إسحاق عمّن يثقُ من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «اللهم إنّك لا تخلي أرضك من حجّة لك على خلقك»(١٠١).

المصادر والمراجع

القرآن الكريم
١ – أساس البلاغة، للزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد (ت ٥٣٨هـ).
٢ – الإرشاد، للشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام الحارثي العكبري (ت٤١٣هـ).
٣ – البحار، للمجلسي، الشيخ محمد باقر (ت ١١١١هـ).
٤ – البداية والنهاية، لابن كثير، أبو الفداء، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت٧٧٤هـ).
٥ – بهج الصباغة، للمحقق التستري، محمد تقي.
٦ – تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت (ت٤٦٣هـ).
٧ – تاريخ دمشق، لابن عساكر (ت ٥٧١ هـ).
٨ – ترجمة الإمام علي (عليه السلام)، لابن عساكر، (ت ٥٧١هـ).
٩ – الترغيب والترهيب، للألباني، محمد ناصرالدين (ت ٤٢٠هـ).
١٠ – التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، محمد المحسن بن مرتضى (ت ١٠٩١هـ).
١١ – التفسير الكبير، للفخر الرازي، فخرالدين (ت ٦٠٤هـ).
١٢ – تفسير القرطبي، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي (ت٦٧١هـ).
١٣ – تفسير الميزان، للطباطبائي (ت ١٤٠٢هـ).
١٤ – تفسير نور الثقلين، للشيخ عبد علي بن جمعة العرسي الحويزي (ت١١١٢هـ).
١٥ – جمهرة اللغة، لمحمد بن الحسن بن دريد أبوبكر (ت ٣٢١هـ).
١٦ – دعائم الإسلام، للقاضي النعمان المغزي (ت٣٦٣هـ).
١٧ – روضة الواعظين، لابن الفتال النيسابوري (ت ٥٠٨هـ).
١٨ – سنن أبي داود، لسليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥هـ).
١٩ – السنن الكبرى، لابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني (ت ٢٧٣هـ).
٢٠ – السنن الكبرى، للبيهقي، أحمد بن الحسين (ت ٤٥٨هـ).
٢١ – شرح النهج، ابن أبي الحديد المعتزلي (ت ٦٥٦هـ).
٢٢ – شرح النهج البلاغة، ابن ميثم البحراني (ت ١٢٩٩هـ).
٢٣ – الشعر والشعراء، ابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ).
٢٤ – صحاح اللغة، أبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (ت ٣٩٣هـ).
٢٥ – صحيح ابن حبان، محمد بن حبان (ت ٣٥٤هـ).
٢٦ – صحيح الترمذي، أبي عيسى محمد بن عيسى (ت ٢٩٧هـ).
٢٧ – صحيح مسلم، أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري (ت ٢٦١هـ).
٢٨ – الصواعق المحرقة، لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ).
٢٩ – عيون الأخبار، لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ).
٣٠ – الغيبة، للنعماني، الشيخ ابن أبي زينب محمد بن إبراهيم (من أعلام القرن الرابع الهجري).
٣١ – فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ).
٣٢ – فرائد السمطين، للحمويني (ت ٧٢٢هـ).
٣٣ – الكافي، للكليني، محمد بن يعقوب (ت ٣٢٩هـ).
٣٤ – كتاب الأربعين، لمحمد صادق الخاتون آبادي (ت ١٢٧٢هـ).
٣٥ – كمال الدين، للصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (ت ٣٨١هـ).
٣٦ – كنز العمال، للمتقي الهندي، علاء الدين علي بن حسام الدين (ت ٩٧٥هـ).
٣٧ – لسان العرب، لابن منظور، جمال الدين أبو الفضل محمد بن مكرم بن منظور الأنصاري الأفريقي (ت ٧١١هـ).
٣٨ – مجمع البحرين، للطريحي، فخرالدين (ت ١٠٨٥هـ).
٣٩ – مجمع الزوائد، لابن حجر الهيثمي (ت ٨٠٧هـ).
٤٠ – المحاسن، للبرقي، أحمد بن محمد بن خالد البرقي (ت ٢٧٤هـ).
٤١ – مستدرك سفينة البحار، للشيخ علي النمازي الشاهرودي (ت ١٤٠٢هـ).
٤٢ – المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله (ت ٤٠٥هـ).
٤٣ – مسند أحمد بن حنبل، أبوعبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (ت ٢٤١هـ).
٤٤ – المعجم الكبير، للطبراني، سليمان بن أحمد الطبراني (ت ٣٦٠هـ).
٤٥ – الملاحم والفتن، لابن طاووس، السيد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر (ت ٦٦٤هـ).
٤٦ – الملل والنحل، للشهرستاني، أبو الفتح تاج الدين الشهرستاني (ت ٥٤٨هـ).
٤٧ – من لا يحضره الفقيه، للشيخ الصدوق، أبو جعفر ابن بابويه القمي (ت ٣٨١هـ).
٤٨ – مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، محمد بن علي (ت ٥٨٨هـ).
٤٩ – منهاج البراعة، للمحقق الخوئي، حبيب الله (ت ١٣٢٦هـ).
٥٠ – ميزان الحكمة، لمحمدي الريشهري.
٥١ – نفحات الولاية في شرح نهج البلاغة، لناصر مكارم شيرازي.
٥٢ – النهاية، لابن الأثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (ت ٧٧٤هـ).
٥٣ – وسائل الشيعة، للحر العاملي، محمد بن الحسن الحر العاملي (ت ١١٠٤هـ).
انتهى.

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
(٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ١٨٩.
(٣) صحيح مسلم ١٨٧٣:٣، ح ٢٤٠٨، فرائد السمطين / للحمويني ٢٣٤:٢، الدرّ المنثور للسيوطي ٢٤٩:٧، السنن الكبرى / لابن ماجة ١٩٤٠:١٠، ح ٢٠٣٣٥، مسند أحمد بن حنبل ١٧:٣ و١٨١:٥، المستدرك على الصحيحين ١٠٩:٣، تاريخ دمشق / لابن عساكر ٤٥:٢ ح ٥٤٥، كنز العمال / للمتقي الهندي ١٦٨:١ح ٩٥٩، غيرها من المصادر الكثيرة.
(٤) شرح ابن ميثم ٧:٣.
(٥) صحيح الترمذي ٥:٢٩٧، ح ٣٧٩٨، تفسير الفخر الرازي ١: ٢٠٥، مجمع الزوائد للهيثمي ٧: ٢٣٥و٩: ١٣٤، تاريخ بغداد ١٤: ٣٢١، فرائد السمطين للحمويني ١: ١٧٧، ح ١٣١، المستدرك ٣: ١٩و١٢٤، تاريخ ابن عساكر ترجمة الامام علي عليه لسلام ٣: ١١٩، ح ١١٦٢، كنز العمال ١١:٦٠٣، ح ٣٢٩١٢، الملل والنحل ١: ١٠٣، وقال ابن الجوزي: (لا يختلف العلماء في ذلك) صيد الخواطر: ٣٨٥.
(٦) دعائم الاسلام للقاضي النعمان المغزي ١: ٢٨، باب ذكر ايجاب الصلاة على محمد وال محمد.
(٧) من لا يحضره الفقيه ٤: ٣٨٨، ووسائل الشيعة ١٥: ٢٨١، ح ٢٠٥١٧.
(٨) وسائل الشيعة ١٥: ٢٨٢، ح ٢٠٥٢١، بحار الأنوار للمجلسي ٧٥: ١٩٧، ح ١٩.
(٩) وسائل الشيعة ١٥: ٢٨٢، ح ٢٠٥٢٢، الكافي للكليني ٨: ١٥٠، ح ١٣.
(١٠) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ١٩٨.
(١١) بهج الصباغة للمحقق التستري ٣: ٤٤٨.
(١٢) جاء بألفاظ متعددة كما في البداية والنهاية ٦: ٢١٨ و٧: ٣٥٨، مجمع الزوائد للهيثمي ٩: ١٣٧، والحاكم في المستدرك وصحيحه ٣: ١١٣ و١٤٣، الصواعق لابن حجر: ١٢١، ب٩، ف٢، وغيرها من المصادر.
(١٣) شرح النهج لابن ابي الحديد ٢: ١٩٢.
(١٤) شرح النهج لابن ابي الحديد، الكلمات القصار: ١٤٣، ٣٤٧.
(١٥) شرح ابن ميثم ٣: ٨.
(١٦) نغمات الولاية مكارم الشيرازي ٤: ٢٣٦.
(١٧) كمال الدين للصدوق: ٣٣٤، ح٥، والغيبة للنعماني: ٥٧، والنقل بتقطيع.
(١٨) كمال الدين للصدوق: ٦٧٣، ح ٢٥.
(١٩) كمال الدين للصدوق: ٦٧٥، ح ٣٠، الكافي للكليني ١٠: ٢٥، ح ٢١.
(٢٠) كمال الدين للصدوق: ٦٧٣، ح ٢٦.
(٢١) شرح النهج لابن ميثم ٣: ٩.
(٢٢) شرح النهج لابن ابي الحديد: خطبة ١٣٨، ٩: ٤٠- ٤١.
(٢٣) البحار - للمجلسي ١٩:١.
(٢٤) مجمع البحرين / للطريحي ٢٧٠:٤.
(٢٥) الشعر والشعراء:١٣٨.
(٢٦) الإرشاد / للمفيد ٢: ٣٤٠، تاريخ بغداد ٤: ٣٨٨، كنز العمال / للمتقي الهندي الهندي ٣: ٣٤٣، ح ٢٣٣٢، سنن أبي داود ٣: ٣٠٦، ح
٤٢٨٢، فرائد المسطين / للحمويني ٢: ٣٢٤، ح ٥٧٤، حلية أبي نعيم ٥: ٧٥، مناقب ابن شهر آشوب ٢: ٢٧٣، البحار / للمجلسي- ٣٦: ٣١٩، ح ١٧١، و٢٠٠ و٢٢١، و٣٥٤، ح ٢٢٥، و٤١: ٣١٨، ح٤٢، وغيرها.
(٢٧) شرح النهج / لابن أبي الحديد ٩: ٤٦.
(٢٨) روضة الواعظين: ٢٦٥، الإرشاد / للمفيد ٢: ٣٨٤.
(٢٩) كتاب الأربعين:٢٠٧، ميزان الحكمة ١: ١٧٩، ح٢٣٢.
(٣٠) منهاج البراعة / للمحقق الخوئي ٨: ٣١١.
(٣١) البحار / للمجلسي ٥١: ٨١، المعجم الكبير / للطبراني ٨: ١٠٢.
(٣٢) البحار / للمجلسي ٥٢: ٣٧٧، ح٧٨، مستدرك سفينة البحار ١: ٥١٥.
(٣٣) شرح النهج / لابن أبي الحديد خطبة ١٥٠، ١٢٦:٩.
(٣٤) نهج البلاغة، خطبة:١٩٠.
(٣٥) غيبة النعماني:١٣٢.
(٣٦) نفس المصدر: ١٣١- ١٩٨.
(٣٧) غيبة النعماني: ١٣١.
(٣٨) نفس المصدر: ١٣٤.
(٣٩) نفس المصدر:١٣٩.
(٤٠) غيبة النعماني: ١٥٣.
(٤١) شرح النهج / لا بن أبي الحديد ٢: ٤١٦.
(٤٢) غيبة النعماني: ٩٢.
(٤٣) غيبة النعماني: ١٦٨.
(٤٤) نفس المصدر: ١٦٨.
(٤٥) شرح النهج / لا بن أبي الحديد ٩: ١٢٨.
(٤٦) صحاح اللغة ٣: ١٢٤١، مادة (صدع).
(٤٧) لسان العرب ٦: ١٨٩، مادة (كأس).
(٤٨) راجع أساس البلاغة / للزمخشري: ٦٧٠.
(٤٩) غيبة النعماني: ١٣٦.
(٥٠) شرح النهج / لابن ميثم البحراني ٣: ٢٠٢.
(٥١) منهاج البراعة / للمحقق الخوئي ٩: ١٣٠.
(٥٢) البحار / للمجلسي ٢٣: ٢١.
(٥٣) صحيح البخاري ٥: ١٩٤٩، ح ٤٧٧٦، تفسير القرطبي ٦: ٢٦١، سنن البيهقي الكبرى ٧: ٧٧، ح ١٣٢٢٦، الترغيب والترهيب ٣: ٣٠، ح ٢٩٥٣، فتح الباري ١٠: ٥٤١، ح ٥٧٥١، صحيح ابن حبان ٢: ٢٠، ح ٣١٧.
(٥٤) شرح النهج / لابن أبي الحديد، خطبة: ١٨٣، ١٠: ٩٥.
(٥٥) صحاح اللغة ٥: ٢٠٩٤، مادة (جن).
(٥٦) البحار / للمجلسي ٥١: ١١٤، وشرح النهج / لابن أبي الحديد ١٠: ٩٦.
(٥٧) شرح النهج / لابن أبي الحديد، الكلمات القصار: ١٤٣، ١٨: ٣٤٧.
(٥٨) البحار / للمجلسي ١: ٢١٥، ح ٢٥، ميزان الحكمة ١: ٢٧٢، ح ٩١٩.
(٥٩) شرح أصول الكافي ٩: ٢٧٢، ح ٢٠.
(٦٠) شرح أصول الكافي ١: ١٣٦، ميزان الحكمة ١: ١١٩، ح ١٤٣.
(٦١) التفسير الصافي ١: ٢٩٩، التفسير الأصغر ١: ١٢٩.
(٦٢) المحاسن ١: ٢٦٦، الكافي / للكليني٢: ٥٣، ح ١.
(٦٣) ميزان الحكمة ١: ٦٧٣، ح ٩٢٢، التفسير الصافي ١: ٢٩٩.
(٦٤) رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة ٤: ٨٠، الحكمة: ١٨، عن علي (عليهم السلام).
(٦٥) ميزان الحكمة ٢: ١٣٤٤، صحيح مسلم ١: ٩٠.
(٦٦) الغيبة / للنعماني: ٢٢١.
(٦٧) صحاح اللغة ١: ١٨١، مادة (عسب).
(٦٨) النهاية / لابن الأثير ٣: ٢٣٤، مادة (عسب)، والنقل بتصرف في الترتيب.
(٦٩) صحاح اللغة ٥: ٢٠٩١، مادة (جرن).
(٧٠) شرح النهج / لابن أبي الحديد ٢: ٥١٦.
(٧١) كمال الدين / للصدوق: ٤٨١، ح ١١.
(٧٢) كمال الدين / للصدوق: ٣٨٤، ح١.
(٧٣) نهج البلاغة، غريب كلامه: ٦١٣.
(٧٤) جمهرة اللغة ٣٨٤:٣.
(٧٥) النهاية ٥٩٠:٤، مادة (قزع).
(٧٦) شرح النهج، لابن أبي الحديد ٣٥٥:٤.
(٧٧) غيبة النعماني: ٢١٢-٢١٣ - والآية في سورة البقرة: ١٤٨.
(٧٨) رواه ابن طاووس في (الملاحم): ٦٤، عن فتن نعيم بن حماد، والسيوطي في العرف الوردي: ١٤٤، والنقل بتقطيع.
(٧٩) أبو عبيدة في غريب الحديث ٤٨٤:٣، والثقفي في الغارات ٤٩٨:٢، والمبرد في الكامل ١٩٦:٤.
(٨٠) صحاح اللغة ٩٣٧:٢، مادة (شمس).
(٨١) بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، للمحقق التستري ٤٩٥:٣.
(٨٢) أمالي الصدوق: ٣٦٦، ح ٣، المجلس: ٧٤.
(٨٣) البحار، للمجلسي ١٧٠:٢٤، ح ٥.
(٨٤) مجمع البيان، للطبرسي ٤١٤:٧.
(٨٥) غيبة الطوسي: ١١٣.
(٨٦) تفسير القمي ١٣٣:٢، والنقل بتلخيص.
(٨٧) تفسير نور الثقلين ٣١١:٥، عن كمال الدين: ٤٢٥، ب ٤٢، ح ١.
(٨٨) شرح النهج، لابن أبي الحديد ٣٣٦:٤.
(٨٩) نفس المصدر السابق.
(٩٠) شرح النهج، لابن أبي الحديد، الكلمات القصار: ١٤٣، ٣٤٧:١٨.
(٩١) شرح النهج، لابن أبي الحديد، خطبة ٩٩، ٨٤:٧.
(٩٢) تفسير الميزان، للسيد الطباطبائي ٢٧٦:٢٠.
(٩٣) مسند أحمد بن حنبل ٣٣٥:٥، ونقله البخاري في صحيحه في كتاب الرقاص، وقال: إنّه حديث صحيح لا غبار عليه سنداً ومتناً.
(٩٤) شرح النهج، لابن أبي الحديد ٣٤٧:١٨، الكلمات القصار: ١٤٣.
(٩٥) البحار، للمجلسي ١١٣:٢٣.
(٩٦) البحار، للمجلسي ٢١:٢٣.
(٩٧) كمال الدين، للصدوق: ٦٦٧.
(٩٨) الكافي، للكليني ١٧٧:١، ح ٤، وكمال الدين، للصدوق: ٢٢١، ح ٥، و٣٢٣، ح ٣٦.
(٩٩) كمال الدين، للصدوق: ٤، الكافي، للكليني ١٧٧:١، ح ٤.
(١٠٠) عيون الأخبار، لابن قتيبة ١١٩:٢.
(١٠١) الكافي، للكليني ١٧٨:١، ح ٧.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016