فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام الجزء الثالث
 كتب المركز

الكتب محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام الجزء الثالث

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الشيخ محمد السند الشخص المحقق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٥ المشاهدات المشاهدات: ٢٣٨٩٣ التعليقات التعليقات: ٠

محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام (الجزء الثالث)

سماحة الشيخ محمد السند
إعداد وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله فرجه

الفهرست

مقدمة المركز
شكر وتقدير
المحاضرة الأولى: مقام صاحب الزمان عليه السلام
المعنى الصحيح للغيبة والإمامة
أهمية الإعتقاد بالإمام المهدي عليه السلام
الخضر عليه السلام وقضية الإمام المهدي عليه السلام
مفهوم الفيء
المحاضرة الثانية: ولادة الإمام المهدي عليه السلام
النقطة الأولى: تنجز الوعد الإلهي
النقطة الثانية: معنى الغيبة
الأسلوب الأول: الأسلوب الفطري
الأسلوب الثاني: أسلوب الخضر عليه السلام
الأسلوب الثالث: الحكومة الظاهرية
المحاضرة الثالثة: الإمامة ضرورة بشرية
دور الإمام في الغيبة
مقام الإمامة
أسئلة وأجوبة حول الغيبة
السؤال الأول: معنى الغيبة
أساليب وأنواع الحكومات
السؤال الثاني: مفهوم الغيبة وعدم الوجود
السؤال الثالث: الخفاء وواقع الأمة
السؤال الرابع: أساليب القدرة والتحكم
الأسلوب الأول: الأسلوب الفطري
الأسلوب الثاني: أسلوب الخضر عليه السلام

مصادر التحقيق

مقدّمة المركز

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وخاتم رسله وعلى آله الطيبين الطاهرين...
أمّا بعد:
شاءت القدرة الإلهيّة أن تضع بأزاء كل حقّ باطلاً يتناسب معه بالقوّة والاستطالة ويوازيه من حيث الاتجاه والمسيرة التأريخية، فكان ذلك من القوانين والسنن الثابتة التي ابتنت عليها أسس الخليقة منذ نشأتها الأولى، والتي رسمت للدنيا إطارها الذي لا تملك أن تخرج عن حدوده.
وهذا هو ذات الأمر الذي أشارت إليه الآية المباركة في قوله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(١)، إذ أنّ التتبّع الواعي لكل مسيرة أو حركة تنتسب إلى الحق في منهجيتها يبرهن لنا أنّ مسيرة الباطل وحركته لم تتخلّ يوماً عن ملازمة حركات الإصلاح والتحرّر والسير الحثيث بموازاتها، منذ اليوم الأوّل الذي وقف فيه أبونا آدم ليعبد الله الواحد القهّار، ومروراً بما يحدّثنا التأريخ عن قابيل وهابيل والأنبياء والمصلحين، وإلى يومنا الذي نعيشه.
ولعلّ من أوضح الأفكار والرؤى التي تنتسب إلى الحق ونهجه القويم، بل وينتسب الحق إليها، هي الفكرة العقائدية الربّانية المقدّسة التي زرعتها الشرائع السماوية المتعاقبة في حقل الذهن البشري من خلال المسيرة التكاملية للأنبياء والرسل والأوصياء، وهي فكرة المنقذ الذي سيمدّ يده التي باركتها قدرة السماء لتنتشل البشرية من الأودية السحيقة للظلم والجور إلى مرابع القسط والعدل الإلهي، والتي ستحقق الأحلام والآمال التي بذل الأنبياء والمصلحون دماءهم زهيدة في سبيل تحقيقها، ساعين بذلك لجذب الدنيا من بؤر الظلم والفساد والعبودية إلى آفاق الحرية والعيش الرغيد.
فخضعت هذه العقيدة المقدّسة لهذه القوانين الثابتة وتعرضت لشتى أنواع المحاربة على مر العصور، فكانت هذه المحاربة متناسبة مع عظم الأهمية والسمو والرفعة التي أولتها السماء لها.
وبما أنّ أهميّة الدفاع عن هذه العقيدة تنبع من طرفين أوّلهما مقدار عظمة هذه الفكرة من حيث ارتباطها بمبدأ العقيدة الإسلامية التي عبّر عنها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في قوله: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(٢)، وثانيهما مقدار ما يبذله الأعداء من جهود لم يعرف لها مثيل من تسخير كافة الطاقات لإظهارها على أنها العامل الخرافي الذي يتشبث به أناس ناموا على أمل أن يجدوا العالم ذات يوم يحقق لهم آمالهم وأحلامهم التي كبتها ظلم الظالمين مدة مديدة من الزمن العسير.
لذلك وجدنا أنفسنا _ في خضم هذه الظروف والمداخلات _ نتحمل عبئاً كبيراً وجزءً غير يسير من المسؤولية الملقاة على عاتق المجتمع الصالح من أتباع أهل البيت عليهم السلام في الدفاع عن هذا المبدأ المقدّس الذي يعتبر أس العقيدة وأساس المذهب.
على أنّ كثرة المدافعين من العلماء الأعلام وذوي الأقلام الشريفة على مرّ الدهور لا تغني عن الاستمرار في انتهاج سبيل الذود عن هذه العقيدة المقدسة، إذ أنّ الشبهات _ وإن تكررت بصيغ مختلفة _ تحتاج إلى ردود تتناسب والطريقة التي يتبناها أعداء الحق والأساليب التي يسلكونها والطرق الملتوية التي يتبعونها في توجيه سهام الحقد الأسود للصورة الناصعة لهذه العقيدة المقدّسة.
ومركزنا الذي أنشئ بعد الاستشارة والمداولة مع ثلة من العلماء الأعلام وفضلاء الحوزة العلمية المباركة، وبرعاية من المرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله، يجد أنّ واجبه الأول هو بذل الجهد للدفاع عن سيدنا ومولانا صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف.
فتبنّى هذا المركز مجموعة من المحاور في عمله منها:
١ _ طباعة ونشر الكتب المختصّة بالإمام المهدي عليه السلام، بعد تحقيقها، وذلك ضمن سلسلة وسمناها بـ (سلسلة اعرف إمامك).
٢ _ نشر المحاضرات المختصّة به عليه السلام من خلال تسجليها وطبعها وتوزيعها، ضمن سلسلة (محاضرات في الإمام المهدي).
٣ _ إقامة الندوات العلمية التخصصية في الإمام عجّل الله فرجه، ونشرها من خلال التسجيل الصوتي والصوري وطبعها وتوزيعها في كتيّبات ضمن (سلسلة الندوات المهدوية)، أو من خلال وسائل الإعلام وشبكة الانترنيت.
٤ _ إصدار مجلّة شهرية تخصّصية باسم (الانتظار).
٥ _ العمل في المجال الإعلامي بكل ما نتمكّن عليه من وسائل مرئية ومسموعة، بما فيها شبكة الانترنت العالمية من خلال الصفحة الخاصّة بالمركز.
٦ _ نشر كل ما من شأنه توثيق الارتباط بين الأجيال الجديدة وإمامهم المنتظر عليه السلام، وذلك من خلال القصص والكتب التي تتناسب مع أعمارهم.
٧ _ الاهتمام بنشر التراث المختص بالإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، ضمن (سلسلة التراث المهدوي).
وها نحن عزيزي القارئ الكريم نضع بين يديك هذا الكتاب الذي يحمل بين طياته المحاضرات الفكرية المختصّة بالإمام المنتظر عجل الله فرجه، بعد جمعها وإعدادها، ثم تحقيقها وإستخراج المصادر والمنابع التي اعتمد عليها المحاضرون بالمقدار الذي نتمكّن عليه، بالصورة التي توثّق المعلومات الواردة فيها، ثم مراجعتها وإخراجها بهذه الحلّة التي نسأل الباري عز وجل أن يجعلها محط قبولكم ورضاكم، وأن يجعل هذا العمل مرضياً عند إمام زماننا الذي يعيش بين أظهرنا ويتفقد أحوالنا ويعلم بكل سرائرنا.
إنه نعم المولى ونعم المجيب.
شكر وتقدير
يتقدم المركز بالشكر الجزيل لكل من ساهم في إعداد هذه السلسلة تحت عنوان محاضرات حول المهدي عجل الله فرجه ونخصّ بالذكر كلاً من:
١ _ لجنة التحقيق، المؤلفة من: سماحة الشيخ رعد الجميلي، وسماحة الشيخ أحمد الساعدي، والأخ الفاضل علاء عبد النبي.
٢ _ قسم الحاسوب الآلي لجهودهم الكبيرة في إنجاز هذا العمل، ونخص بالذكر مسؤول القسم الأخ الفاضل ياسر الصالحي.
سائلين المولى القدير جلّ وعلا أن يجعل هذا العمل وجميع الأعمال محطّ قبوله، وأن يأخذ بأيدي الجميع لما فيه الصلاح والموفقية والسؤدد.

والحمد لله ربّ العالمين

السيد محمد القبانجي
مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي عليه السلام
النجف الأشرف

المحاضرة الأولى: مقام صاحب الزمان (عجل الله فرجه)
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.
أسعد الله أيّامكم ولياليكم بهذا الميلاد الميمون المبارك.
المعنى الصحيح للغيبة والإمامة:
مرّ بنا في الليلتين السابقتين تفشي الغلط في فهم معنيين:
الأول: الغيبة إذ يعني (خفاء الهوية) وليس (عدم الوجود) أو إقصاء الوجود ونأي الديار كما هو متبادر في أذهان الكثيرين حتى الوسط العلمي، وهذه غفلة قد يكون أوجدها ظهور بعض الروايات، لأنّ الغيبة تكون مقابل الظهور، والظهور يقابله الخفاء لا العدم.
الغيبة إذن تعني خفاء الهوية والنشاط والحركة وتشخيص الشخص لا نأي الديار والجمود والقعود، ويوصف عليه السلام بهذا الوصف الذي تعرفون _ قاف ألف همزة ميم _.
الثاني: إمامة أهل البيت عليهم السلام وإمامة المهدي عجل الله فرجه أيضاً، فليس معناها الإمامة السياسية بشكلها الضيق من أشكال الدور السياسي وهي الرئاسة أو القيادة السياسية المعلنةً فقط.
وأنتم إذا ذهبتم إلى البرزخ تُسألون عن إمامة أهل البيت عليهم السلام، فلا يتبادر إلى ذهنكم عند سؤال منكر ونكير أنّها بمعنى الرئاسة الإجتماعية فقط، حتى بلحاظ علو درجاتهم في الآخرة، بل بمعنى نوع من المناصب الإلهيّة الذي يوجب الإرتباط بين البشر والباري تعالى، نوع ارتباط تكويني ملكوتي.
هذه هي أعلى مقامات الإمامة، وأول معنى من معاني الإمامة التي يجب أن يتدين به المرء والفرد المؤمن، والإمامة السياسية بشكلها المعلن أحد شؤون الإمام النازلة، وإلاّ فانّ للإمام أدواراً سياسية خفية جداً، وأدواراً اجتماعية واقتصادية وروحية أيضاً لكن لا يسع الوقت لتبيانها بشكل مفصل.
إذن الإمامة وإن ذكرها متكلمو الشيعة في الكثير من كتبهم وتعرف بأنّها رئاسة اجتماعية دينية أو رئاسة سياسية اجتماعية ويلحقون بالتعريف: ويكون حافظاً للدين والديانة للناس، ويكون حفظ الدين في الواقع بالارتباط مع المقام الملكوتي للإمام، فإنّه سبب ملكوتي متصل بين الأرض والسماء.
معنى الإمامة إذن منصب إلهي ملكوتي يخلف النبي والرسول صلى الله عليه وآله وإن لم تكن حقيقتها نبوة ورسالة، لكنها سنخ آخر من أنواع الإرتباط الغيبي.
وقد حدثنا القرآن الكريم بنماذج كثيرة من هذا القبيل نظير، مريم بنت عمران التي كان يجيئها وحي غير نبوي، ويخاطبها جبرئيل وتخاطبها الملائكة، ويخاطبها الله عزّوجل وحياً مباشراً بلا واسطة حتى جبرئيل:
(قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ).(٣)
وذي القرنين وطالوت وآصف بن برخيا صاحب سليمان في سورة النمل:
(قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ).(٤)
ولم يقل القرآن الكريم وقال نبي، وقال رسول الله، هذا العلم من الكتاب يؤهله للارتباط بعرش الله وبما وراء الغيوب.
قنوات الغيب في القرآن الكريم إذن غير محصورة بالنبوة والرسالة أبداً، ومن يقصر ويحصر قنوات الغيب والإرتباط بالغيب بهما فلابد أن يشطب على كثير من سور القرآن. الإيمان بالكتاب كله إذن يلجئنا للإيمان بوجود ارتباط غيبي بقنوات أخرى غير قنوات النبوة والرسالة، وهي قناة الإمامة والإصطفاء والحُجية، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك في آية التطهير لأهل البيت عليهم السلام وربط التطهير فيها بهذه الآيات من سورة الواقعة:
(فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ).(٥)
ماذا يريد أن يبرهن الباري بهذا القسم العظيم؟
يقول: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ) القرآن له ظرف آخر علوي ملكوتي، في كتاب مكنون في _ كن _ يعني محفوظ لا يصل إليه أحد الاّ المطهرون، ولم يعبّر الباري تعالى بـ (الاّ المتطهرون) مما يدلل على انّ هذا الكتاب العلوي الغيبي لا يصل إليه الاّ أناس ذواتهم مطهرة، أي ذوو عصمة ذاتية مشروطة في آية التطهير من قبل الله، لا انّهم يتطهرون.
ومن أين نقول بأنّه علم غيبي؟
الجواب: بالآية الكريمة نفسها، أنظروا إلى الترسيم القرآني:
(تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) يعني هذا الكتاب (القرآن الكريم) في كَن علويّ غيبي ملكوتي لا يرتفع إليه وإلى الغيب والملكوت الاّ المطهرون.
وهذا هو حديث الثقلين في هذه الآية من سورة الواقعة كما أفصح بذلك صادق آل محمد صلوات الله عليه والأئمة عليهم السلام: الثقل الأول: هو الكتاب العلوي حيث لا نظن انّ القرآن هو القرآن المنزل فقط، وإن كان مقدساً وعظيماً فللقرآن وجودات هو ينادي بها، بل هو قرآن كريم، في لوح محفوظ (لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ).(٦)
بعد ذلك يضيف الباري تعالى في ذيل الآية: (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ) هذا الذي قد قسم عليه الباري (أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) ترتابون؟
انّ أسّ معرفة إمامة أهل البيت إذن والتي بدونها تكون معرفتنا ضلالاً ونقصاً هو كون الإمام مرتبطاً بالغيب ارتباطاً متواصلاً ومستمراً، وليست له قيادة سياسية ظاهرة معلنة فقط، بل هذه أدنى شؤون الإمامة النازلة.
 هذه معارف يجب علينا أن نعتنق ونعتقد بها، وبحمد الله كلنا معتقدون بها ارتكازاً، ولكن يجب أن نلتفت إليها بشكل أكثر بسطاً وتفصيلاً.
انّ إحدى المعارف المطروحة في مذهب أهل البيت عليهم السلام هي ما جاء في زيارة الحجة عليه السلام حيث نقول:
(أتولى آخركم بما تولّيت به أولكم).(٧)
ويعني أنّ الإرتباط بالغيب حقيقة متصلة عند أئمة أهل البيت عليهم السلام، كما كان النبي صلى الله عليه وآله مرتبطاً بالغيب بقنوات عديدة لأنّه سيد البشرية ومرتبط بقناة النبوة والإمامة، هذا الإرتباط بالغيب لم ينقطع منذ نزول آدم إلى المهدي الخاتم عجل الله فرجه.
لماذا ورد أنّ المنكر لأحدنا كالمنكر لجميعنا، وكمن أنكر النبي صلى الله عليه وآله؟
النكتة هي أنّ هذا الإرتباط بالغيب إذا أٌنكر في قطعة من قطع الزمان فانّه يدل على أنّ معرفة الشخص بالأئمة معرفة ناقصة، كأن يعرف علي بن أبي طالب رئيسا للدولة، وإنّه نُصّب من قبل السماء لرئاسة المجتمع، وهذه معرفة ناقصة وليست معرفة بالإمامة. معرفة الإمام تعني انّه لا يمكن للبشر أن يُقطع عنهم الإتصال بالغيب والباري تعالى، ولا يمكن أن تُقطع يدا الرحمن يعني تصرفه، فقد قالت اليهود: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ)(٨) فـ (يد) تعني التصرف، والاّ فانّ الله عزّوجل ليس بجسم له يد وجارحة وأصابع وما شابه، جل الباري عن أن يوصف بالجسمية، والجسم محدود وهذه صفات المخلوقين العاجزين، فعندما يقال: (غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ) فإنّه يعني انّ تصرفه في المجتمعات البشرية موجود دائما، ومن ثمّ يكون أحد ألقاب الإمام المعصوم (يد الله)(٩) يعني مظهر تصرف الله عزّوجل في خلقه، حينئذ من أنكر أحدنا فكأنّما أنكر الأئمة جميعاً وأنكر النبي صلى الله عليه وآله(١٠)، لأنّه يدل على أنّ معرفته بالأئمة ناقصة، وهي أنّ الإمام قائد سياسي غاية الأمر إنّه مرشح من قبل السماء.
في عيد الغدير وغيره عندما نتعايد بولاية أهل البيت وولاية أمير المؤمنين عليه السلام يجب في الواقع أن نتعايد أيضاً بأنّ الولاية بيد المهدي من آل محمد صلى الله عليه وآله أي إنّ من يشكّل الآن حلقة الوصل والربط بين البشر وعالم الغيب والباري تعالى هو المهدي من آل محمد عليه السلام حينئذ تكون معرفة الإمامة، هذه بداية لمعرفة إمامة المهدي عليه السلام.
أهمية الإعتقاد بالإمام المهدي عليه السلام
كيف يكون الإعتقاد بإمامة المهدي عجل الله فرجه في ظل نصوص الفريقين والآيات بوابة واسعة لاعتناق إمامة كل الأئمة عليهم السلام؟
يعني من يلج في باب المهدي عجل الله فرجه والإعتقاد به وحبه وتولّيه سوف يلج ويعتنق ويعتقد تلقائياً بإمامة كل أهل البيت، حتى أنّ بعض علمائنا المحققين الكبار يقول بأنّ إمامة المهدي عجل الله فرجه بمفردها من البراهين البينة على إمامة الأئمة الإثني عشر، كنص الغدير الذي هو أحد الشهب الساطعة والبراهين البينة لإمامة أهل البيت وكبقية النصوص والأدلة والبراهين، فهي بنفسها في نصوص الفريقين، بل في نصوص التوراة والإنجيل باب واسع يدخل الناس فيه أفواجاً على الإيمان، ولكن نحن أتباع مذهب أهل البيت مقصّرون في معرفة الناس _ سواء من المذاهب الإسلامية أو الملل والأديان الأخرى _ لانّ باب المهدي عليه السلام باب واسع لادخال الناس زرافات وفوجاً فوجاً في الإيمان بإمامة أهل البيت.
أحد العلماء من تلاميذ الميرزا الكبير محمد حسن الشيرازي (صاحب فتوى التنباك المعروف) وهو الشيخ أغا رضا الهمداني _ وهو أحد فقيهين كانا بهذا الإسم ارتأى أن يخدم مذهب أهل البيت بالخطابة في طهران وتبيان العقائد، وكان من رواد البحث في العقيدة في زمانه _ له كتاب حول المهدي عليه السلام يسمى بـ (الأنوار القدسية) وللأسف لا زال مخطوطاً أو ربما طبع طبعة حجرية قديمة ولم يجدد لحد الآن، استقصى فيه فهرست نصوص الفريقين والأحاديث الواردة في المهدي عليه السلام عند المذاهب الإسلامية جمعاء ومصادرها وتعدادها مع حذف المتكرر، وقد بلغت إثني عشر ألف حديث، وقلما تجد حقيقة وعقيدة إسلامية قد ورد فيها مثل هذا الكم الهائل من الحديث من شتى مصادر المذاهب الإسلامية.
وقد صدرت قبل سنين من أحد الشيوخ الأفاضل موسوعة تضم خمسة آلاف حديث باسم (موسوعة المهدي)، وبحمد الله أطلعني أحد الإخوة وهو مدير لـ (مؤسسة الإنتظار) وتعنى بشؤون المهدي عليه السلام في قم بأنّها قد استقصت بيمن وبركة الله عزّوجل الأحاديث بشكل أكثر تتبعاً وسعة نطاق، وأوصلت رقم الحديث الوارد عند المذاهب الإسلامية إلى ما توصل إليه الشيخ آغا رضا الهمداني، يعني إثنا عشر ألف حديث، وهي الآن في حالة برمجة بيبلوغرافية لهذة الاشرطة الكمبيوترية من خلال برنامج نشط جداً تستوعب الاثني عشر ألف حديث.
هذه حقيقة كبرى ولا نستغرب ذلك، حتى إنّ هذا العالم الرباني المحقق يقول: إنّ في المهدي لوامع محمدية، يعني الكثير من البراهين والآيات والبينات والإرهاصات التي حدثت قبل مجيء النبي وبعثته صلى الله عليه وآله تصاحب ظهور المهدي عليه السلام.
كما إنّ الأئمة عليهم السلام كلهم سفن النجاة وأبواب هدى، ومنهم سيد الشهداء، فصار الحسين هو الدليل على دين جده ولا يزال حياً، لكن هنا نخصص الكلام في باب المهدي عجل الله فرجه: إنّه باب واسع وعقيدة إسلامية ثابتة محققة. دع عنك الشذاذ أمثال:
ابن خلدون الذي يشكك في أصل حقيقة عقيدة المهدي والمهدوية عند المسلمين، مع إنّه في مقدمته يعترف ويذعن أنّ مذاهب الإسلام والمسلمين كافة يعتقدون بالمهدي، وإنّه من ذرية فاطمة ومن آل محمد صلى الله عليه وآله وسيظهر في آخر الزمان و... بعد ذلك يأتي بتساؤلات توهم القارئ وتوسوس له في هذه العقيدة الشريفة الكبيرة الضخمة.(١١)
وأحمد أمين الذي يدعي في (فجر الإسلام) أنّ المهدي ليس من المعلوم إنّه شخص شخيص، وإنّما هو عنوان لكل مصلح(١٢)، كما ينادي بذلك الآن بعض العلمانيين من المسلمين.
هذا كله خلاف الروايات المتواترة بين المذاهب الإسلامية التي تنص كلها على أنّه من ولد فاطمة عليها السلام(١٣) وليس عنواناً عاماً يدخل فيه زيد وعبيد من كل حدب وصوب، بل هو شخص شخيص ينزل ويصلي خلفه عيسى بن مريم عليها السلام، حتى أنّ البخاري نص في كتاب الأنبياء:
(كيف بكم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم).(١٤)
وحتى المناوي قال في رواية أخرى: (والخليفة منكم، من قريش).(١٥)
على أيّ حال فانّ القائل بأنّ المهدوية فكرة اخترعتها وابتكرتها الثورات التاريخية في عصور الإسلام السابقة لكي تجذب الجماهير لنفسها لا يدري أنّه ينكر حقيقة وعقيدة إسلامية، وإذا تبرّأ منها يكون رادّاً على رسول الله صلى الله عليه وآله بغض النظر عن المحاذير الملحوظة في الكتب الفقهية، ويناقض نفسه بنفسه، إذ كيف تجذب الحركات التاريخية في عصور الإسلام السابقة الجماهير بشيء ليس هو في معتقدهم بنحو مسلّم، فلابد أن يكون المهدي والمهدوية عقيدة مسلمة موروثة عن النبي وحقيقة نبوية، وكيف تستطيع الحركات أن تخدع الجماهير وتقول مثلاًًًًًً إنّ محمد بن عبد الله من نسل الإمام الحسن، أو إنّ فلانا هو المهدي مما يدلل على أنّ فكرة المهدوية عقيدة راسخة في معتنق المسلمين جيلاً بعد جيل ونسلاً بعد نسل، غاية الأمر إنّ الحركات التاريخية في عصور الإسلام حاولت أن تستغل هذه العقيدة وتجذب الجماهير لنفسها.
هذه المقولة لو لم تكن عقيدة بهذه الضخامة والقدسية فكيف تجذب الجماهير إليها؟ مما تدل على وجود تعطش في أجيال المسلمين جيلاً بعد جيل، بحيث إنّ الحركات لا ترى بصيص النجاح والنصر الاّ من خلال هذه البوابة العقيدية في المهدي التي لها عقيدة ضخمة وتراث ضخم وشؤون وزوايا عديدة نحن في غفلة عنها.
الحوزات العلمية _ الشيعية والسنية _ انبرت بحمد الله في تحقيق هذه الزوايا، مما يدل على أنّ مشروع السماء في عقيدة المهدي مشروع ضخم جداً، ولا يخفى إنّه قاسم مشترك لوحدة المسلمين، لأنّهم يعتقدون به جميعاًًً وإنّه من ذرية فاطمة عليها السلام، وهذا ما يجب أن يتلاقى المسلمون عليه كما يتلاقون على مودة أهل البيت عليهم السلام بنص القرآن:
(قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى).(١٦)
فالى جانب القواسم الأخرى من القبلة الواحدة والكتاب الواحد والنبي الواحد لدينا هذان القاسمان المشتركان الكبيران.
على أيّ حال، كلهم يعتقدون بالوعد الإلهي الذي كرره القرآن في أكثر من موضع:
(لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).(١٧)
المسلمون إذن على ترقب وانتظار لتنجز الوعد الإلهي، وهو اظهار الدين على الكرة الأرضية كلها، والله لا يخلف الميعاد، إذ إنّه لم يحصل في عهد الرسول والعهود السابقة والفتوحات، ولكنه وعد إلهي موجود وسيتحقق بيد المهدي كما هم يروون، مما يدل على أنّ الفتح الأعظم والظهور الأكبر هو بيد هذا المهدي من آل محمد، وكما بدأ الإسلام بآل محمد سيختم بآل محمد (بكم فتح الله وبكم يختم)(١٨) بدأ صرح الإسلام بالنبي صلى الله عليه وآله وابن عمه وصنوه وشيّدت أركان الدولة الإسلامية على انقاض مجتمع متفتت ضعيف متهرّئ أمام حضارات عظمى في العالم لكن بهدي النبي صلى الله عليه وآله وسيف علي عليه السلام شيّد هذا التراث الضخم (الدولة الاسلامية)، فبهم بدأ الله عزّوجل وبالمهدي عجل الله فرجه يختم.
بيت القصيد في البحث بعد الإلتفات إلى هذه المقدمة مع ما تقدم في الليلة الماضية هو انّ إمامة أهل البيت عليهم السلام تعني الإرتباط الغيبي بالسماء، ونشاهد انّ ملامح الإرتباط الغيبي بالسماء عند المهدي موجودة حتى في روايات اخواننا السنّة في صحاحهم ومسانيدهم، لو حاولنا أن نتدبر معهم فيها نجد أنّها ليست لإمامة سياسية ورئاسة مجتمع فقط، لنتدبر المواصفات التي رووها ونحن رويناها فهي إذن متواترة بين المذاهب صفة صفة، وكل نصوص النبي صلى الله عليه وآله من وحي القرآن إذا تدبرناها نجدها أنّها تشير إلى هذا المعنى نفسه من عقيدة المهدي عجل الله فرجه نفسه وهي تنبيء بوضوح وبيان ساطع على أنّ للمهدي ارتباطاً بالغيب، وهذا أحد مقاماته الكبرى، وسائر المقامات هي دون ذلك.
انظر إلى هذه الرواية: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم)(١٩) كيف يصلي عيسى بن مريم وهو نبي من أنبياء أولي العزم وصاحب شريعة عليه السلام خلف المهدي عجل الله فرجه، تذكر ذلك كل مصادر إخواننا السنّة، وإن كان البخاري (وهكذا مسلم) لم يورد لفظ المهدي لكنهما أوردا رواية المهدي نفسها، وهي موجودة في صحيح النسائي وأبي داود وابن ماجة والترمذي وابن حنبل وفي صحاح معتبرة وفي المستدرك على صحيح البخاري و...
الخضر وقضية الإمام المهدي عليه السلام
إذا كان عيسى بن مريم من أنبياء أولي العزم وصاحب شريعة وزيراً للمهدي فهل يعني أنّها قضية تشريفات وديكور؟
كيف يمكن أن يتقدم المفضول على الفاضل عقلا؟ مما يدل على أنّ الإمام المهدي عجل الله فرجه حجة من حجج الله، مرتبط بالغيب، كما اتبع موسى عليه السلام الخضر:
(قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً).(٢٠)
وقد ورد تعريف الخضر في سورة الكهف:
(فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً).(٢١)
يعني هو واجد للرحمة اللدنّية، قد أهّله العلم اللدني لأن يقتدي به موسى، وهو من أولي العزم ونبي من أصحاب الشرائع الكبرى. إذن ليس بدعاً في الديانة الإلهيّة ما نقرؤه في الأحاديث _ حيث يرى البعض وجوب ضربها عرض الجدار إذ كيف يعقل أن يتبع النبي عيسى المهدي ويكون وزيره _ فالخضر في سورة الكهف مثال ضربه الله للمهدي عجل الله فرجه في الكثير من زواياه: خفاؤه، تدبيره الخفي، القرآن الكريم يضربه لنا مثالاً في أنّه يدير ويدبر المجتمعات بشكل خفي، في الجانب الإقتصادي وكفالة المحرومين والحفاظ على عقيدة الناس.
فالذي قتله الخضر وهو الغلام الصبي لو قدر أن يعيش لأمكن أن يكون صدام الثاني فيقتل سبعين نبياً، فكما أنّ الخضر كانت له هذه الأدوار المهمة والموقعية فانّ للمهدي موقعية أكبر، كيف لا، والقرآن يشهد بأنّ أهل البيت المطهرين _ بنص آية التطهير _ يمسّون الكتاب وهوالقرآن الكريم المهيمن على التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم؟
أنظروا إلى هذه اللمحة من لمحات الصفة التي ذكرها المسلمون في رواياتهم لا خصوص الشيعة، ألا تنبيء وتشير بوضوح إلى أنّ الإمام المهدي عجل الله فرجه رجل له مقام غيبي ملكوتي، والاّ كيف يتبع النبي عيسى عليه السلام على شأنه وجلالته المفضول والعياذ بالله؟ والاّ يجب أن يكون المهدي رعية لعيسى.
هذا معنى عميق بحثته الصوفية وغيرهم والمتكلمون من السنّة والشيعة وهو من الملاحم الكبرى.
هناك مسألة أخرى ذكرت في الروايات، ففي حديث متواتر عن النبي صلى الله عليه وآله جرد المرحوم السيد المرعشي _ أحد مراجع قم _ في كتابه (تتمة إحقاق الحق) قائمة من الأسماء ربما زادت عن خمسين مصدراً من مصادر إخواننا السنّة:
(إن عدة الخلفاء بعدي عدة نقباء موسى).(٢٢)
(لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى إثنى عشر خليفة كلهم من قريش).(٢٣)
وهذه من ملامح العقيدية الموجودة عند كل المسلمين: إنّ خلفاء النبي صلى الله عليه وآله اثنا عشر، كلهم من قريش(٢٤)، وهذه فقرة ثابتة أيضاً في نصوص الفريقين في الحديث المتواتر، ومن ثم من اراد أن يفسر من هم هؤلاء الخلفاء الإثنا عشر؟ قال: لا محالة إنّ المهدي هو آخرهم، لأنّه قد سمّاه النبي بأن يظهر الله الدين على يديه، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وهو خليفة المسلمين، بل خليفة الله في تعبير الروايات(٢٥) حتى في روايات اخواننا السنّة، وليس فقط خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أنّ إبن عربي محي الدين _ وهو محسوب من أتباع المذهب المالكي _ في كتابه (الفتوحات) قال: هذه لقطة مهمة عقائدية معنوية يجب أن نقف عندها ملياً... انّ هذه اللقطة (إنّه خليفة الله) مما يدل على جلالة شأنه.
حينئذ إذا كان الخلفاء للنبي صلى الله عليه وآله اثني عشر آخرهم المهدي أوليس يتضح جلياً انّ أولهم علي بن أبي طالب عليه السلام جده؟ هذا باب آخر وبرهان آخر للدلالة على انّ المهدي بوابة واسعة لإمامة أهل البيت عليهم السلام لكن نحن غافلون، أو لا نتدبر ملياً ببيان وتبيان مثل هذا المطلب؟
صفة أخرى مذكورة أيضاً بشكل متواتر للمهدي عليه السلام في أحاديث الفريقين هي إنّه (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً) وفي بعض الروايات:
(يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ونوراً وعلماً، كما ملئت ظلماً وجوراً).(٢٦)
وهذه الصفة لم تتحقق على يد أيّ نبي من الأنبياء وأيّ رسول من الرسل وأيّ مصلح من المصلحين.
مفهوم الفيء:
هذه الصفة لأهل البيت مذكورة في القرآن الكريم، أما تقرؤون قوله تعالى:
(ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ).(٢٧)
اللام في _ لله _ ملكية وولاية تصرف، وفي _ للرسول _ ملكية تصرف وتدبير لا ملكية شخصية ضيقة النطاق.
(الفيء) يعني كل خيرات الأرض بتطابق المسلمين، ويقال للغنائم التي تغنم من الحرب أيضاً، لأنّها في الأصل لله وللرسول ولذي القربى، كانت تحت أيدي الكفار، والله لم يخلق مخلوقاته وخيراته للمعاندين الجاحدين به كلا وحاشا، وإنّما خلق هذه الأرض ليدبرها خليفته (إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً)(٢٨) فخليفة الله هو مالك التصرف والتدبير، ليس ملكية كسرى، أو ملكية الأقاصرة فتلك ملكية ضيقة وسفاسف وهذه ملكية مقام وتدبير التصرف.
الفيء _ بتوافق كل المسلمين _ لله وللرسول ولذي القربى، فهل يريد الله أن يجعل ذي القربى برجوازيين واقطاعيين؟
كلا، يعلل الله عزّوجل في القرآن بأنّ في ذلك كما يقول الصادق هذه الآية والسورة (فيها جدع الأنف)(٢٩) يعني ترغم الإنسان للاعتناق والإنقياد لأهل البيت مثلما تمسك بالبعير فتجدع أنفه، فهل الباري تعالى جعل هذه الأموال في الأرض تحت تصرف القربى لأجل أن يجعل منهم اقطاعيين؟
كلا، يحكي لنا القرآن أنّها لله وللرسول ولذي القربى، بعد ذلك لا يقول: ولليتامى بل (واليتامى) فلم غيّر التعبير ثم قال: (والمساكين وابن السبيل) ولم يقل لابن السبيل؟
القرآن يُحفظ بمعانيه لا بأصواته فقط، وإن كان لها آثار عجيبة غريبة، لكن لا نقتصر على هذا النهل من القرآن فقط، حتى مسابقات القرآن لا تقتصر على لقلقة اللسان والحفظ اللساني فقط، وإن كان هذا أيضاً مرتبة عظيمة للقرآن وله آثاره العجيبة في الفضاء، بل يجب أن نحفظ ونتدبر معانيه:
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ).(٣٠)
(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها).(٣١)
العمدة هو معنى القرآن، فلا يجمعنا مع المذاهب الإسلامية الأخرى صوت القرآن فقط فالمفروض أن نهتدي بمعاني القرآن أيضاً.
الآية تدل على أنّ الطبقات المحرومة مصرف لهذا الفيء، لا أنهم أولياء الأموال العامة إذ إنّهم الله عزّوجل وهو الحاكم الأول، وينيبه رسوله صلى الله عليه وآله ثم ذو القربى، وما الحكمة في ذلك؟ يفسر القرآن الكريم ذلك، وهذا وصل الشاهد مع موضوعنا السابق ويقول:
(كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَْغْنِياءِ مِنْكُمْ).(٣٢)
يعني هذه الأموال الطبيعية في كل الكرة الأرضية خصصتها لذي القربى كي تستتب العدالة، ولا تكون هناك إثرة، وهذه الآية ملحمة قرآنية عظيمة في أنّه لم ولن تستتب العدالة في الكرة الأرضية إلاّ بيد ذي القربى وآخرهم المهدي عليه السلام الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
لا يقول مثقف أو يُشكل كاتب لم يتعلم حتى أصول الحديث في المذاهب الإسلامية على هذه الرواية فيها كذا وكذا فحتى النظام العالمي لم تستطع بعض الدول العظمى أن توحّده في الدنيا فكيف هو يستطيع؟
نقول: انّ نصوص المهدي وأهل البيت عموماً كلها موجودة وتفهم من ظاهر القرآن، فإنّه يحدثنا بأنّ ذوي القربى هم المؤهلون لأن يملؤوا الأرض قسطاً وعدلاً (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَْغْنِياءِ مِنْكُمْ) يعني بإسنادها إلى ذوي القربى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم.
لنبحث الرواية المتواترة بين الفريقين من انّه عليه السلام وذوي القربى هم الذين يملؤونها قسطاً وعدلاً، فكيف يمكن ذلك بلا علم معصوم وعلم لدنّي؟ إنّه ممتنع.
وهل يمكن أن تشمل العدالة كل أرجاء الكرة الأرضية بلا أمانة؟
أنظروا إلى ما يقول يوسف عليه السلام:
(اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأَْرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ).(٣٣)
أو كما تقول بنت شعيب لابيها:
(إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَْمِينُ).(٣٤)
يعني أن تدبير أموال وخزائن الأرض يحتاج إلى صفتين: العلم والأمانة، والعلم التجريبي لا ينفع، العلم الإشتراكي لم يحقق العدالة للبشرية، والشيوعية كذلك بل زادت الطين بلة، وكذلك الرأسمالية بل بالعكس حيث أن تسعين بالمئة من ثروات أمريكا هي بيد أربعة بالمئة من الشعب الأمريكي حسب الإحصاءات الرسمية وألمانيا كذلك، إذن النظرية بالعكس.
إنّ علم الإدارة بشُعبه العديدة اليوم عبارة عن علم القيادة، وهذا هو الذي يركز عليه الإمامية، وعلم الإدارة في العلوم والدول والنظم كشريان حياة النظام العالمي.
ان البشرية تحتاج إلى إدارة ليس فيها حيف ولا ميل أبداً، كيف يتصور ذلك؟ وأيّ حاسبات آلية وعلوم ومناهج وطاقات تحتاجها هذه الإدارة؟
ورد أنه عليه السلام يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فلو لم يكن لديه علم بالنقد العادل وكانت له سياسة نقدية ومصرفية خاطئة فإنّها تسبب الظلم وإن لم يكن متعمداً، فالسياسة الإقتصادية الخاطئة ظلم.
إنّ علوم الإدارة تبرهن على هذا المطلب، والكثير منها يخدم المذهب وهي اللغة العصرية لمذهبنا.
لابد إذن من علم لدني، فالسياسة النقدية الخاطئة تسبب الظلم، والسياسة الصناعية الخاطئة تدمر الطبيعة، ولم يتوصل إلى الآن إنّهم وبعد التجارب التي مرّت بها البشرية وبعد اللتيّا والتي يقولون: واعجزاه!
التفتوا إذن! إنّ العدالة سهلة باللسان وفي المعنى هي بحر عميق، إنّ البشرية بعد هذه القرون وهذا التطور وهذه المدنية لم تتوصّل لحد الآن إلى برنامج عادل، السياسة إذا لم يكن هناك برنامج قضائي عادل فانّ الظلم يبدأ مرة أخرى، وإن لم يكن هناك برنامج أمني دقيق فقد يكون هناك إفراط وتفريط فامّا يُجحف في حق آخرين أو يستأثر آخرون بالقدرة، ان نظام المدنية البشرية حقيقة معقدة. يقول الشيعة وأتباع مذهب أهل البيت: لابد من إمام معصوم أو فقيه من باب أن (ما لا يدرك كله لا يترك كله) ولكن إذا أردنا الكمال المنشود والمدنية الفاضلة فلابد من عصمة وتسديد علم لدني، ولو كان العلم اللدني بلا عصمة عملية فلا يمكن أيضاً، والفقيه يجوز تقليده مادام عادلاً وفقيهاً، والخيانة تسلب منه صفة العدالة وتذهب صلاحياته. ليس بممتنع إذن _ أعوذ بالله _ أن يخون العادل، إذن لابد من عصمة عملية أيضاً، إذن آية سورة الحشر(٣٥) نفسها تدل على طهارة أهل البيت وعلمهم. وكما دلت آية التطهير على عصمة أهل البيت عليهم السلام وسورة الواقعة على عصمتهم العلمية تدل سورة الحشر أيضاً على عصمتهم حيث تقول: (كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَْغْنِياءِ مِنْكُمْ)(٣٦) يعني العدالة لا تطبّق ولم ولن تتفشى في الكرة الأرضية إلاّ بإسناد أرجاء الكرة الأرضية كافة، ولم تقل بإسنادها إلى النبي عيسى ولا موسى بل قالت:
(ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى) فتدل على مقامهم، ومن ثمّ هذه صفة أخرى تدل على أنّ المهدي عجل الله فرجه وأهل البيت هم المؤهّلون لإفشاء العدالة ولملء الأرض قسطاً وعدلاً.
وهناك صفات أخرى لا يسعها المجال قد ذكرها إخواننا السنّة في رواياتهم، وبأدنى تأمل والتفات إلى الآيات القرآنية نشاهد أنّها كلها صفات العصمة لأهل البيت، فالمهدي إذن باب واسع للهداية إلى إمامة أهل البيت عليهم السلام، والحمد لله رب العالمين.

والحمد لله رب العالمين

* * *
المحاضرة الثانية: ولادة الإمام المهدي (عجل الله فرجه)
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام على أفضل الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
السلام على صاحب هذه الليلة المباركة، السلام على العلم النور في طخياء الديجور، السلام على باب الله ورباني آياته، السلام على داعي الله وميثاقه، ووعده الذي ضمنه.
وبعد، فانّ النعوت التي وردت في وصف الإمام المهدي عجل الله فرجه كثيرة. وأردت أن أستطرق بعضها ربما لم يقف عليها الأخوة الأعزاء، أو لم يعطوها شيئاً من التأمل الواسع.
من تلك النعوت التي وردت في الإمام المهدي عجل الله فرجه هو النعت الوارد في خطبة الغدير للنبي صلى الله عليه وآله التي وردت بطرق عديدة وبمقولات متعددة.(٣٧) فبعض الرواة نقل بعض فقراتها، وبعض نقلها بطولها، ومن ثم اختلفت الروايات أو النسخ في طول أو قصر الخطبة.
ومن الملفت للنظر أنه صلى الله عليه وآله في هذه الخطبة مع أنّها مكرسة لنصب أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام عموماً إلا أن النبي صلى الله عليه وآله بين كل فقرة وأخرى عندما يؤكد على نصب علي عليه السلام إماماً للمسلمين بأمر من الله تعالى ويذكر إمامة الحسنين وولد الحسين يعاود بالتنويه والتخصيص بذكر إمامة الأمام المهدي ونعوته وصفاته. ومن تلك النعوت التي ذكرها النبي صلى الله عليه وآله للمهدي عجل الله فرجه أنه تاسع ولد الحسين الذين هم كلهم أئمة.(٣٨) وعبّر صلى الله عليه وآله: هو تاسعهم، وهو قائمهم، وهو باطنهم، وهو ظاهرهم، وهو أفضلهم، تعبير يستحق التأمل، وربما هناك إطباق أو شهرة عظيمة بين علماء الأمامية في أفضلية المهدي عجل الله فرجه على الثمانية من بعد الخمسة أصحاب الكساء. وهذا نعت _ على أيّ حال _ يستحق التروي والتأمل والتمعن فيه.
ومن النعوت المتميزة أيضاً التي وقفت عليها _ وكم هي كثيرة إلا إنّها تسترعينا لكي نتدبرها ونمعن النظر فيها _ هو ما ورد في إحدى زيارات الحجة عجل الله فرجه:
(السلام عليك سلام من عرفك بما عرّفك به الله، ونعتك ببعض نعوته)(٣٩) فنعت الله للمهدي في الآيات القرآنية الكثيرة. وورد وبتسالم عدة من مفسري الفريقين أن هناك آيات مخصوصة بظهور المهدي عجل الله فرجه، فالزيارة تشير إلى تلك النعوت مورد الشاهد.
ما نقرؤه: (سلام من عرفك بما عرّفك به الله، ونعتك ببعض نعوته التي أنت أهلها وفوقها) يدل ذيل الزيارة على أن ما ذكر من نعوت للإمام الثاني عشر عجل الله فرجه _ سواء أكانت نعوتاً خاصة به كـ (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) وما شابه ذلك، أو نعوتاً عامة له ولبقية الأئمة _ هي دون النعت الذي هو عليه، أي إنّ ذيل الزيارة: (ونعتك ببعض نعوته التي أنت أهلها وفوقها) يدل على أن الإمام المهدي عجل الله فرجه مقامات إلهيّة لم تذكر في ظاهر القرآن، وإن كانت قد ذكرت في باطنه.
هذا على أيّ حال إستهلال ببعض نعوت الحجة، ثم نخوض في نقاط متتالية بحسب ما يسع الوقت:
النقطة الأولى: تنجز الوعد الإلهي
هناك وعد إلهي لم ينجز إلى الآن، وهو محط نظر المسلمين، حيث أن الله تعالى قد وعد نبي الإسلام بانتشار الدين الإسلامي على أرجاء الكرة الأرضية كافة. وهذا الوعد الإلهي لم يتحقق على يد الدولة العثمانية، ولا على يد المسلمين الآن، قال تعالى:
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).(٤٠)
أو في آية أخرى:
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً).(٤١)
وهذا الوعد ملحمة قرآنية إعجازية ونبوءة نبّأ بها القرآن البشرية أجمع وتحداها، ولم تتحقق إلى الآن. وليس هناك من متصور لانتشار الدين الإسلامي إلا على يدي الإمام الثاني عشر المهدي عليه السلام بحسب نصوص روايات الفريقين.
وهذه _ على أيّ حال _ صفة ومدحة خالدة للإمام المهدي في القرآن الكريم، حيث أن الوعد الإلهي لم يتحقق إلا على يده الشريفة.
وبعبارة أخرى (بكم بدأ الله) بسيف علي تحققت المؤازرة والمناصرة للنبي صلى الله عليه وآله وانتشر الدين الإسلامي، وأعدت قواعده وشيدت أركانه. فبأهل البيت بدأ الدين، وبهم سوف يختم، وبهم سوف ينتشر، وهذه ملحمة وقلادة تكوينية خصها الله بآل محمد صلى الله عليه وآله.
ومن ثَمّ يشير عدة من المحققين من أعلام الإمامية إلى أن إمامة الإمام المهدي عجل الله فرجه هي بنفسها دليل مستقل مفعم ناصع على إمامة آل محمد، يعني إنّ أحد أدلة إمامة الأئمة الإثني عشر هو إمامة الأمام المهدي.
وقد قال أحد العلماء المحققين المجتهدين الماضين وهو متخصص في أمور الإمام المهدي عجل الله فرجه أيضاً:
لو أن قائلاً يقول: إنّ الروايات التي وردت في الإمام المهدي تضاهي ما قد ورد في إمامة الإمام أمير المؤمنين لم يكن مبالغاً. وهذا الكم الهائل من الآيات والروايات يدل على إمامة المهدي ومن ثم على إمامة آبائه الأحد عشر.
ولذا ترى اليوم في الأندية العديدة العلمية والدينية في مختلف الأمكنة _ سواء الانترنت أو الجلسات المباشرة أو الكتب التي تصدر عن الفريقين _ سجالاً عظيماً مؤدّاه: إنّكم كيف توجهون إمامة الإمام المهدي وأنه به يُبسط العدل، ويسدد من السماء، ويصلي خلفه النبي عيسى عليه السلام وما شابه ذلك، مما يدل على أن إمامة الإمام المهدي منصب إلهي وتعيين إلهي يكون عيسى عليه السلام تبعاً ووزيراً لمن لا يكون معصوماً، وهل يعقل هذا؟! لا يعقل.
وكثير ممن استبصر إلى المذهب الحق مذهب أهل البيت عليهم السلام كان أحد بواعث الجذب والبصيرة والإبصار هو تفكره في إمامة الإمام المهدي.
كتب أحد علمائنا كتاباً باسم (الأنوار القدسية) _ غير كتاب الأنوار القدسية للمرحوم الإصفهاني في أشعار مدح أهل البيت _ ويدور حول المهدي فقط ويحتمل أن يكون مطبوعا طباعة حجرية قد أحصى فيه إثني عشر ألف حديث وارد في إمامة الإمام المهدي عجل الله فرجه.
والغريب أنّه ذُكر عن بعض الأخوة المشرفين على بعض المؤسسات الخاصة بموسوعات الإمام المهدي أنّه قال: غاية ما استقصيناه الآن خمسة آلاف أو ستة آلاف حديث.
ومع هذه الوفرة من الطرق يأتي كاتب من رجال الدين السوريين من أهل السنّة، ويكتب كتاباً حول المهدي في روايات أهل السنّة والشيعة، ويسوق في كتابه كثيراً من الخلط العلمي، ولكن الخبير الفطن المطلع على بحوث الرجال والحديث يلتفت إلى أن الكثير من مباني هذا الكاتب هشة وخاطئة منها:
إنّه يرفض أن الكثرة في الروايات الآحاد تؤسس تواتراً. وهذا أمر غريب جداً، لأنّ التواتر كما بيّنه علماؤنا الأعلام يتولد من عامل التراكم كيفاً وكما _ كما هو واضح _ وبيّن ذلك (الشهيد الصدر) في كتابه (الأسس المنطقية للإستقراء) بأنّه مبنى رياضي. طبعاً هذا المبحث أثاره الرياضيون بشكل واسع.
لا يقل قائل إنّه كيف خبر واحد وواحد النتيجة تتبع أخس المقدمتين وإنّما هذا عامل الكم غير عامل المفرد، فهذه من أوضح الأمور ومع ذلك يتنكر لها هذا الكاتب.
إنّه يقول: نعم، وردت روايات صحيحة أنه يخرج رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه إسمي…، كذا وكذا، ولكن ليس في الرواية أنه المهدي. نعم، في روايات أخرى صحيحة: المهدي يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلا، لكن ما الذي يدل على التشابه بين الروايتين؟(٤٢)
نقول له: مثل هذه الإشكالات سخيفة جداً، المفروض إذا كنت في صدد البحث عن حقيقة معينة عليك أن تجمع عدداً كبيراً من الروايات لتخرج بنتيجة.
على أية حال لا أطيل في هذه النقطة، وأظن أن القراء الكرام لهذا الكتاب يقفون على مواضع الضعف الشديد في أبحاثه.
النقطه الثانية: معنى الغيبة
هناك معلومة مغلوطة حول إمامة الأمام المهدي عجل الله فرجه _ ربما تسربت للأسف حتى إلى الأبحاث التخصصية والكثير من الكتابات _ ألا وهي معنى الغيبة، ففي روايات أئمة أهل البيت عليهم السلام قوبلت مع الظهور ولم تقابل مع الحضور. لكن جرى في كتب علماء الأمامية أن يقابلوا بين الغيبة والحضور، وللأسف هذه المقابلة فيها غفلة شديدة، لأنّ الغيبة إذا قوبلت مع الحضور صارت بمعنى أنه عجل الله فرجه ناءٍ مجمّد نشاطه وأفعاله، بينما إذا قوبلت مع الظهور فإنّها تأخذ معنى آخر هي خفاء الهوية لا زوال وجوده بين ظهرانينا.
في الخطبة المعروفة لأمير المؤمنين عليه السلام:
(... لا تخلو الأرض من قائم لله بحجته، إما ظاهراً مشهوراً، وإما خائفاً مغموراً).(٤٣) قوبل بين الظهور والغيبة.
وعليه إنّ الغيبة إذا قوبلت مع الظهور تكون بمعنى الخفاء، أمّا إذا قوبلت مع الحضور فإنّها تكون بمعنى النأي والانسحاب عن ساحة الأمة، وهذا مفهوم خاطئ جداً.
وعلى ضوء هذا المفهوم الخاطئ ربما يتصور _ حتى في الأبحاث التخصصية _ أن ممارسة الحجة عجل الله فرجه الآن تعليقية. وربما يتسرب لأذهان حتى بعض أهل التخصص أن الولاية الآن هي ولاية الأمة أو ولاية شورائية، لأنّ النص على الأئمة الإثنى عشر عليهم السلام الآن مجمد. ومثل هذه القناعات الشاطة عن جادة مذهب أهل البيت نشأت كلها بسبب المفهوم الخاطئ عن معنى الغيبة.
وهناك دلائل كثيرة على أن الإمام عجل الله فرجه يمارس دوره في النظام الاجتماعي البشري أجمع، لا في خصوص المسلمين فضلاً عن الطائفة الشيعية. هناك دلائل قرآنية وروائية كثيرة على أن للأئمة من قبل الله تعالى منذ آدم إلى الوصي الخاتم تدبيرا في النظام الاجتماعي البشري بشكل خفي.
نلاحظ في سورة البقرة _ مثلاًًًًًً _ قوله تعالى: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً).(٤٤)
التعبير بالخليفة هو أحد عناوين الإمامة في القرآن الكريم، لأنّ الخلافة من مفاهيم القدرة والسلطنة والسيطرة والتصرف وليست مفهوماً علمياً كالنبوة والرسالة، ولم يعبر القرآن الكريم: إنّي جاعل في الأرض نبياً أو رسولاً، ولم يقل إنّي جاعل آدم خليفة مما يعني أنّ القضية عامة وليست محدودة بزمن ولا ببرهة معينة وهذا المنصب ليس منصب نبوة ورسالة وإنّما منصب خليفة. وهذا هو الذي تعتقده الشيعة (لا تخلو الأرض من حجة).
أراد أن يعرف الملائكة بأنّ هناك طبيعة بشرية سوف تخلق على وجه الأرض، فأبرزُ خبر أنبأ به الله ملائكته هو:
(إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً) ليس نبياً ولا رسولاً، بل خليفة يعني إماماً متصرفاً ولم يحدده بآدم.
ثم إن أبرز تعريف لهذا الخليفة يذكره القرآن الكريم هو: اعتراض الملائكة (قالوا) وأورده القرآن الكريم ليس اعتباطاً وإنّما للتدليل على أبرز صفة للخليفة:
(قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ).(٤٥)
هل أورد الباري تعالى في قرآنه في تعريف وبيان ماهية الخليفة اعتراض الملائكة ليدلل على أنّ من أبرز سمات وصفات الخليفة هو أنّه مانع عن الفساد في الأرض وسفك الدماء؟
أي فساد في الأرض يمنعه الخليفة ونحن نشاهد الفساد وسفك الدماء والحروب بين البشر منذ آدم إلى يومنا هذا.
لتنمعّن قليلاً في الآية الكريمة لنجد أنّ الملائكة عندما يوردون اعتراضاً على الباري تعالى من أنّ الخليفة أو الظاهرة الطبيعية للبشر سوف تستلزم سفك الدماء والفساد في الأرض، ليس مقصودهم الفساد ولا سفك الدماء الجزئي والا فهذه من لوازم العيش في الأرض والتضاد والتناحر. وهذا ليس بقبيح كما ذكر الفلاسفة أو الحكماء والمتكلمون.
هل في الشر القليل في مقابل النفع الكثير اعتراض؟!
كلا، فالتاجر يزاول عمل التجارة ويخسر ٣٠% ليربح ٧٠% فهذا ليس باعتراض عقلاً. إنّما يصح الاعتراض عقلاً إذا كان الفساد وسفك الدماء مطبقاً أو أكثر كما حدث في النسناس وغيره من المخلوقات البشرية، حيث أبيدوا عن بكرة أبيهم للتناحر بينهم وللفساد.
ولذا قال الله عزّوجل إنّ هذا الخليفة يمنع عن سفك الدماء والفساد الأكثري بتدبيره للنظام البشري. في الحرب العالمية الأولى أو الثانية _ حفظ الله الجميع _ لم يكن فيها سفك دماء مطبق ينقرض به النسل البشري.
هذا الخليفة بتدبيره في الأرض يمنع من انقراض النسل البشري، ومن انتشار الأيدز بشكل مطبق، حيث يلهم ويسدد في بعض الموارد عبر الخلايا والشبكة التي هو يديرها، ويمنع انتشار الظلم الاقتصادي الذي يفرط بالفطرة البشرية ويهدد الأنظمة الاجتماعية البشرية، لا أنّه يمنع كل فساد.
إذن هذا من لوازم وجود الخليفة _ وليس هذا خاصاً بالمهدي عجل الله فرجه _ منذ آدم إلى النبي إبراهيم وبقية الأنبياء والرسل الذين وصلوا إلى مقام الإمامة وإلى النبي صلى الله عليه وآله. في الـ ٢٥ سنة أو ٤٠ سنة في مكة هل كان يدير المجتمع المكي فقط؟ كلا فان الكثير من الروايات دال على أنّ تدبيراته كانت تشمل كثيرا من أمور المجتمعات بشكل خفي.
وهل كان علي عليه السلام في الـ ٢٥ سنة وهو جليس البيت يدير ويدبر المجتمع الإسلامي فقط؟ كلا، كان تدبيره يزيد نطاقه على ذلك. وتدبيرات أئمة أهل البيت كذلك كما الآن تطالعنا بها حتى الأدبيات السياسية الأكاديمية العصرية إن حكومة المجتمعات البشرية لا تقتصر على الحكومة الظاهرية الرسمية العلنية. إذ أنّها أحد أشكال تدبير أمور المجتمعات البشرية وأحد أشكالها الآن هي المخابرات العالمية التي هي الحكومة الحقيقية في الدول العظمى. وهل هي حكومات علنية؟ كلا، وما هذه الوزارات ورئاسة الوزراء ورئاسة الجمهوريات إلاّ أغلفة وحكومات رسمية علنية. والحكومات الحقيقية هي بيد الأجهزة الخفية التي ليست وزارة في مقابل بقية الوزارات بل هي متشعبة ومنتشرة في كل الوزارات والمؤسسات العامة. ولا تقتصر على بقعة جغرافية بل في كل البقاع.
وهذا الأسلوب البشري لإدارة المجتمعات تفطّن إليه البشر منذ قرنين أو ثلاثة لكن السماء متفطنة إليه منذ خلقة البشرية. ومن ثم ورد في روايات الفريقين عن شبكة الأبدال والنقباء والنجباء والسيّاح، نقرأ في دعاء أم داود:
(السلام على السيّاح والأبدال).(٤٦)
وفي دعاء رجب: (اللهم إنّي أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك المأمونون على سرك.. إلى أن يقول: وبشرك المحتجبون)(٤٧). مرت عليكم وفاة الإمام الكاظم عليه السلام ولابد أنّ الخطباء قد قرعوا مسامعكم برواية خروج الإمام موسى بن جعفر من السجن مع علي بن المسيب وذهب به بطيّ الأرض إلى المدينة المنورة، وفي رجوعه عليه السلام صلى فوق جبل فرأى علي بن المسيب أربعين شخصاً وراء الإمام يصلون فسأل: يا أبا إبراهيم من هؤلاء؟ قال: هؤلاء أصفياء الله جمعهم الله ليصلّوا معي. هذه الشبكة نفسها موجودة في حياة كل الأئمة وليس أئمة أهل البيت فقط، حتى مع الأنبياء. إذا تتصفح التوراة والإنجيل تشاهد أنّ الأنبياء السابقين الذين وصلوا إلى منصة الإمامة كانوا يديرون المجتمعات البشرية بهذا الأسلوب الخفي. لست أشير إلى الأسلوب بتوسط قوى الملكوت وما شابه ذلك، وإن كان هذا أيضاً أسلوباً من أساليب الإدارة في المجتمعات البشرية _ والدول الوضعية اليوم تستخدم التنجيم والجن والتنويم المغناطيسي والسحر يعني الملكوت النازل باصطلاح المتكلمين في الإدارة ومعادلة القوى _ بل الأسلوب الخفي البشري الذي هو من الأسباب الطبيعية لم يفقده أئمة أهل البيت بما فيهم الإمام المهدي عجل الله فرجه.
سورة الكهف أيضاً تشير إلى هذا المطلب حيث تقول:
(فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)(٤٨) القرآن طبعاً يخاطب النبي _ إياك اعني واسمعي يا جارة _ يعني أيها المسلمون، أيها المؤمنون:
لا تصيبكم حالة اليأس، إن لله في نشر الدعوة الإسلامية ثلاث طرق:
الأسلوب الأول: الأسلوب الفطري
وهو طريق أصحاب الكهف أي من دون حتى إمام بل بتوسط الإلهام الفطري والفطرة العقلية، ونحن نشاهد في عصرنا الحديث أن كثيراً من المجتمعات تعترض على أنظمتها، وعلى السياسات الدولية، ففطرتها تنادي بالحق.
هذا أسلوب من أساليب نشر الدعوة الإلهيّة، لأنّ دين الله أكثره فطري:
(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)(٤٩) أكثر تشريعات الدين الإسلامي فطرية. هذا هو الأسلوب الأول لنشر الدعوة لنشر الإسلام الذي هو دين الأنبياء.
الأسلوب الثاني: أسلوب الخضر عليه السلام
فالخضر في لقائه مع النبي موسى عليه السلام أهم شيء بيّنه للنبي موسى هو أن هناك تدبيراً إلهيّاً عبر شبكة رجال الغيب في منعطفات مسيرة المجتمعات البشرية:
(وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي).(٥٠)
والخضر قال عنه تعالى:
(فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً).(٥١) القرآن لا يعرف الخضر بأنّه نبي أو رسول، بل من له رابطة غيبية بالسماء هي قناة العلم اللدني، وعليه لا تستشكل أو تنقض سائر الفرق الإسلامية على مذهب الإمامية بأنّكم تقولون في حق أئمتكم إنّهم أنبياء يوحى لهم، إذ نقول: القرآن الكريم ينادي أن هناك قناة غيبية، وسبباً متصلاً بين الأرض والسماء، ليس هو نبوة ولا رسالة بل العلم اللدني (وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) والذي يؤتى العلم اللدني يدير المجتمعات البشرية، وأحد أساليبه هي الإدارة التدبيرية الخفية.
الأسلوب الثالث: الحكومة الظاهرية
وهو أسلوب ذي القرنين، إنّ سورة الكهف كلها رموز وبدايتها عنوان لمضمونها وهو كيفية نشر الديانة الإلهيّة:
(فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً)(٥٢) الأسلوب الثالث هو أسلوب الحكومة الرسمية. أسلوب حكومة ذي القرنين.
إن كمّاً كثيراً من الروايات الواردة عند الفريقين يدل على أنّ للإمام المنصوب من قبل الله وخليفة الله في أرضه تدبيراً خفياً للمجتمعات البشرية عبر شبكة خفية تسمى بالأبدال والنقباء والنجباء ورجال الغيب.
ولا يفوتني أن أنبّه إلى أن هؤلاء رجال غيب وليسوا من مرتزقة الدجل، ممن يدّعون الوساطة والاتصال بالحجة عجل الله فرجه هم رجال الغيب والأبدال والأوتاد والنقباء ولا ربط لهم حتى بالنواب الأربعة كما هو الآن في مصطلح القوى الخفية في البشرية.
إنّ أيّ عنصر من العناصر الخفية إذا ظهر أمره يعدم، لأنّ مهمته تفوت ومن الخطر أن يظهر. كذلك في الأبدال والأوتاد حيث تناله رصاصة الأجل لا رصاصة الحديد. وكم ذكر في سير علمائنا أنّ كثيراً من الأبدال والأوتاد عُرفوا وما ان عُرفوا ماتوا، يصيبهم الأجل لأنّ هذه الشبكة خفية وهي موجودة في روايات الفريقين، يعني عنوان الأبدال والنقباء والنجباء والسياح هي دوائر عديدة أقرّ بها الصوفية من السنّة ومحدثو السنّة والشيعة، ودلت عليها الآيات الكريمة كما ذكرت في سورة البقرة أو سورة الكهف وهلم جرا، فنخلص إلى هذه النتيجة وهي أنّ تدبير الحجة حقيقة ثابتة.
ومن ضمن تلك الأحاديث التي تشير إلى هذه الحقيقة ما ذكره المرحوم السيد المرعشي في كتابه (إحقاق الحق)(٥٣) في ذيل الروايات في خمسين صفحة من طرق السنّة في رواية:
(الأئمة من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش).
حيث ورد عن طرقهم:
(لا يزال أمر هذا الدين قائماً ما بقوا).
(لا تزال أمتي ظاهرة لا يغلبها من أراد بها كيداً ما بقوا)، انظر إلى ذيل الأحاديث مما يدل على أن ببقاء هؤلاء الأئمة يدفع الله الأعادي عن هذه الأمة، يدفعهم عن الافتتان والشبهات في هذا الدين. مما يدل على أن لهؤلاء الأئمة تدبيراً.
إذن نستخلص وننتهي إلى هذه النتيجة: إنّ تدبير الإمام فعلي وهو وليّ الأمر والفقهاء نوابه، لا أنّ الولاية تصل إلى الفقيه أو إلى نوابه من الأمة، فالولاية تنشعب منه عجل الله فرجه الشريف، وهو وليهم بالفعل وإمام بالفعل ومدبر للمجتمع البشري أجمع بالفعل، فضلاً عن الأمة الإسلامية والطائفة الشيعية.

والحمد لله رب العالمين

* * *
المحاضرة الثالثة: الإمامة ضرورة بشرية
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وآله الطيبين الطاهرين.
أسعد الله أيامكم وأيامنا بذكرى ميلاد منقذ البشرية وأمل البشرية المهدي عجل الله فرجه.
دور الإمام في الغيبة:
امتداداً لما قدمناه الليلة الماضية أواصل بعض التساؤلات والإثارات المطروحة حول المهدي عجل الله فرجه وغيبته وربما سمعنا بها من نواح ٍوأطرافٍ متعددة في الوسط الداخلي أو خارجه، من قبيل إنّ وجود الإمام عجل الله فرجه في ظل وستر الغيبة كالعدم _ أعوذ بالله، هكذا يفهمون _ إذ لا يثمر أي شيء لدى أتباعه فضلاً عن المسلمين وجميع البشرية، والحال إنّ الإمامة في عقيدة الشيعة ضرورة بشرية قبل أن تكون إسلامية أو إيمانية، فإذا كانت ضرورة بشرية فأين هذا الدور؟
ويواصل المتسائل: إنّ الإمامية أنفسهم قد تخلّوا عن ضرورة العصمة في زمن الغيبة حيث انّهم ينشئون نظام معيشتهم وما شابه ذلك من دون توقف على المعصوم، لأنّه لا يمكن أن تتعطل الحياة ومرافق المعيشة مع الغيبة وستار الغيبة، مما يدل على أنّهم تخلّوا عن مقولتهم القديمة من ضرورة العصمة وأقام أتباع مذهب أهل البيت والإمامية الدنيا وأقعدوها، في الواقع وجدوا أنفسهم أمام فرضية تخيّلية هي أنّ العصمة لابد منها في إدارة المجتمعات وفي بناء نظام المعيشة، ولو كانت ضرورة فكيف نشاهد قروناً من الحياة البشرية لم تُدر ولم تُنظّم من قبل رأس في هرم السلطة وهو المعصوم؟ مما يدل على أنّ العصمة التي ادعاها علماء الإمامية وأتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام من أنّها ضرورة عقلية أو ضرورة تكوينية هي مجرد فرضية ونظرية، وإلاّ كيف نرى أنّ معيشة المجتمعات البشرية مستمرة لقرون من دون رئاسة المعصوم في رأس هرم السلطة ولا نرى أي خلل أو خطر فادح ينتابها؟ ومن ثم رفع الإمامية اليد عن العصمة وقالوا بالشورى في النظام المدني المعيشي الذي يذهبون إليه في الغيبة، وبالتالي يقولون: نستند في الغيبة إلى نظام الشورى في بناء المجتمعات، هذا على الصعيد النظري، وبالتالي إذا أمكن أن تكون هناك حقبة زمنية ولو لفترة معينة تؤصل فيها قاعدة الشورى من دون ضرورة العصمة وضرورة وجود الإمام فإنّه أبين دليل وبرهان على أنّ العصمة ليست بضرورة عقلية أو تكوينية أو شرعية.
هذا الطرح إذن هو تخلٍّ واضح من علماء الإمامية عن القول بضرورة الإمامة والعصمة.
ألم يقبلوا في فترة الغيبة قاعدة الشورى وارتضوها في كتاباتهم وتنظيراتهم؟ وحيث انّهم قد أقروا على أنفسهم بأنّ الإمامة ليست بضرورة عقلية ولا ضرورة تكوينية ولا ضرورة شرعية نقلية وإلاّ كيف يُرفع الضروري ولو في حقبة زمنية معينة فضلاً عن قرون؟
وهذه المقولة كتبت ونشرت وكثر منها على صفحات الإنترنيت وصفحات الكتب، فأحببت أن أذكر صورتها بشكل واضح كي نبدأ في الجواب.
قالوا: حيث بنى علماء الإمامية على قاعدة الشورى إذن هذا اعتراف منهم ولو على الصعيد النظري أنّه لا ضرورة للإمامة والعصمة، ويمكن أن تعقد الإمامة بالشورى وما شابه ذلك، وربما يجد الباحث هذه العبارة في بعض عبائر حكماء الإمامية والتي قد توهم الإنسان أنّ نصير الدين الطوسي وهو معروف من حكماء الإسلام الكبار فضلاً عن الإمامية في شرحه لكتاب (الإشارات) لابن سينا في الفلسفة يشير إليها عندما يبحث عن بحوث الحكمة العملية وما شابه ذلك في كتاب الإلهيّات ـ الجزء الثالث حيث يقول:
(نعم إنّ الإمامة أو العصمة ضرورة لكمال البشرية، لا لأدنى مراتب المعيشة).
يعني يمكن أن يعيش البشر في ضمن نظام ومجتمع مدني بشري من دون معصوم، ونحن نشاهد كثيراً في القرون السابقة أنّ البشر عاشوا في نظام مجتمع مدني من دون معصوم، فالعصمة ضرورة لكمال المجتمع البشري، لا أنّها ضرورة لأصل حياة المجتمع المدني البشري، بعبارة أخرى إنّ العصمة ضرورة عقلية لكمال البشرية، لا أنّها ضرورة تكوينية لأصل معيشة البشرية.
هكذا سُردت المقولة، وربما يظنون بأنّه يمكن حينئذ أن تسند كل صلاحيات المعصوم لغير المعصوم ممن يكون له اطلاع بعلوم الشريعة وما شابه ذلك.
هذه المقولة قد سجّلت في المؤتمر الإسلامي في القاهرة قبل ما يقارب عشرين سنة من قِبل أحد المتكلمين من علماء بعض المذاهب ونشرها في جريدة في بلده، وربما بعض الكتابات الشيعية في الوسط الشيعي موهمة لهذا المطلب، ولكن الصحيح إنّهم لم يلتفتوا إلى معنى الإمامة التي تعتقد بها الإمامية وهذه أيضاً إحدى الغفلات المتفشية، وهي أنّ معنى غيبة المعصوم هو انعدام الوجود، ويظن الكثير انّه قاصي الديار، والحال إنّ معناها ليس ذلك بل تعني غيبة هوية وخفاء في الهوية لا الوجود، إنّه موجود ولكن تخفى هويته عليك، أي لا تعلم أنّ هذا ما اسمه، ولكن للأسف يُفسّر بنحو خاطئ بمعنى تغييب الوجود، وإنّه قاصٍ معطل جامد ليس له أيّ دور بشكل خفي وشبكته الخفية في المجتمعات.
هذا المعنى الخاطئ ربما متفشٍ حتى في الوسط العلمي، إذ لدينا بعض الكتابات انطلت عليها هذه الغفلة، والصحيح هو أنّ الغيبة مقابل الظهور، والظهور يقابله الخفاء وليس العدم، فالظهور يعني: شيء موجود ظهر لك، نظير ما يقول القرآن:
(فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ).(٥٤)
يعني إنّها حقائق موجودة خافية عليك فالغيبة بمعنى الخفاء ليست بمعنى الإنعدام.
وأحد المفاهيم والعناوين التي وقع فيها الغفلة وقلب المفاهيم وبنحو متفش وخاطيء في أذهان الكثير أيضاً بل ربما نجده حتى عند الوسط العلمي والكتابات العلمية هو عنوان (الإمامة) فالكثير من المذاهب الإسلامية يظنون أنّ الإمامية عندما يقولون إنّ الإمام إمام يعتقدون إنّ الإمامة تعني الإمامة السياسية، فدور الإمام في المجتمع هو المنصب السياسي فقط. إنّه رئيس ومدير مجتمع وما شابه ذلك، ولكن هذا فهم خاطيء وفيه غفلة عميقة أيضاً، فالإمامية لا يعتقدون بأنّه رئيس مجتمع والإمامة سياسية وإنّه يدير المجتمع فقط.
إنّ السبب في الخطأ في هذا المفهوم للأسف هو البحث والسجال العلمي الذي دار بين متكلمي مذهب الإمامية على طوال التاريخ مع متكلمي المذاهب الإسلامية الأخرى باعتبار أنّ أفق معنى الإمامة عند متكلمي المذاهب الإسلامية الأخرى هو الرئاسة والقدرة والقيادة للمجتمع فقط، لأنّ تصوراتهم عن الإمام والإمامة تصورات ضحلة، بينما نحن نقول: إنّ منصب الإمامة الذي نعتقد به لا ينحصر دوره في رئاسة المجتمع والإمامة السياسية فقط، فإنّ هذا الدور هو أدون أدوار الإمام المعصوم، كالنبوة فانّ أحد شؤونها هو الحاكمية السياسية، فالنبي هو الشخص والنفس البشرية التي ارتقت بحيث تسمع الكلام الإلهي والوحي، فالنبوة والرسالة إذن مقام ومنصب تكويني تتلقى فيه النفس البشرية الوحي، وبالتالي لديها مسؤولية الإبلاغ والهداية البشرية والإنذار والبشارة وشؤون عديدة، فلو فرض أنّ أحد الرسل أو الأنبياء عزل عن الإمامة والقيادة السياسية فهل معنى ذلك ذهاب نبوته ورسالته سدى؟ كلا.
وهل يعني عدم كون رسالته محققة بالفعل ذهابَ نبوته ودوره الرسالي في شؤون عديدة سدى، أو أنّ نبوته ورسالته موجودة بالفعل؟
ربما يكون قد أُقصي عن أحد أدواره وهي القيادة السياسية مع أنّ لها أشكال عديدة قد يُزوى أحدها عن الأنبياء والرسل والأئمة عليهم السلام وهي القيادة الرسمية المعلنة، وإلاّ فانّ أشكالا ًمن القيادة في المجتمعات في مجالات متعددة توجد بشكل خفي لديهم.
حذارِ أن نتصور تصوراً خاطئاً عن (الإمامة) بأنّها منحصرة في الإمامة السياسية الرسمية المعلنة فانّ هذا هو محط الخلاف بين المذاهب الإسلامية في عقيدة الإمامة والعصمة فيها.
ومحط الحوار بين المذاهب الإسلامية في لزوم عصمة الإمام هو كون الإمام يخلف النبي صلى الله عليه وآله في كل الشؤون والمناصب الإلهية عدا النبوة والرسالة.
للنبي والرسول لاسيما سيد المرسلين وخاتم النبيين علم لدني وللإمام الهداية التكوينية للبشر أيضاً وله مقامات تكوينية مختلفة، فالمعجزات التي تصدر عن النبي صلى الله عليه وآله هل تصدر من حيث نبوته ورسالته أو من حيث كونه ولي الله الأعظم؟ إنّها تصدر من حيث كونه ولي الله الأعظم وسيد الأولياء وإمامهم وخاتم النبيين، وكذلك علمه اللدني، لذلك ترى الآيات الكريمة تقول:
(فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً)(٥٥) لم يعدد الباري تعالى هذه الكمالات ليبين لنا أنّ الكمالات الإلهيّة والمناصب الإلهيّة لا تنحصر في النبوة والرسالة إذ هناك علم الكتاب وعلم الحكمة.
(وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)(٥٦) وليس منظور الآية ومن يؤت النبوة فقد أوتي خيراً كثيراً، وإن كانت النبوة أعظم لكي يبين لنا القرآن الكريم انّه هناك مناصب إلهيّة غير النبوة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا، أو كما في توصيف الخضر:
(فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً).(٥٧)
العلم اللدني منصب إلهي وليس نبوة ولا رسالة، أليس القرآن الكريم يقول:
(فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ).(٥٨)
مقام الإمامة:
لِمَ أتى بصيغة الجمع (مطهّرون
جاء بها لكي يدلل على أنّ في هذه الأمة أمة مطهرة تمس الكتاب المكنون أي المحفوظ، أنظروا إلى التفسير القرآني:
(تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ).(٥٩)
إذن هو عُلويّ نظير سورة البروج:
(بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ).(٦٠)
إذن شهد القرآن الكريم أنّ صنفاً يمس وجوده الغيبي ولكن من أي صنف؟ الله أعلم، ومن أي طبيعة؟ الله اعلم. هذا الكتاب الغيبي العُلويّ المكنون في كَن _ أي محفوظ _ ليس مقتصراً في الوصول إليه على النبي صلى الله عليه وآله بل ورّثه للمطهرين من هذه الأمة وهم أهل آية التطهير:
(إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).(٦١)
إذن دلل وأشار القرآن إلى من يخلف النبي في ميراث الكتاب، هذه مناصب عديدة ينادي بها القرآن وموجودة لجماعة وثلة من هذه الأمة الإسلامية هم أهل آية التطهير وهي غير مناصب النبوة والرسالة.
كذلك في سورة آل عمران:
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ).(٦٢)
هذا يعني أنّ قسماً من القرآن محكم وقسم متشابهاً، قسم منه تنزيل وقسم تأويل، وجل القرآن في التأويل لا التنزيل.
عند من هذا التأويل؟ هل هو عند كل الأمة الإسلامية وفقهاء الأمة الإسلامية؟
كلا، وما يعلمه إلاّ المطهرون، إذن هذه مناصب عديدة يبينها لنا القرآن، مناصب إلهيّة كانت للنبي صلى الله عليه وآله والرسول يخلفه الإمام في هذه المناصب.
الإمامة إذن لها مقامات تكوينية، التفتوا هنا لب البحث:
الإمامة لها مناصب ومقامات تكوينية ولا نحصرها في أيّ شكل من الإمامة السياسية المعلنة الرسمية، من قال بأنّ عقيدة الإمامية في معنى الإمام والإمامة ينحصر في الإمامة السياسية بشكلها الضيق وهو الإمامة السياسية المعلنة؟
إنّ أهم مواطن مقامات ومناصب الإمامة إنّه واسطة إلهيّة بين الله في عرشه والبشر، وبعبارة ثقافية يفهمها الجميع (انترنيت إلهي)، إنّ الكثير من أتباع الأديان كاليهود والنصارى والمذاهب الإسلامية قالوا بانقطاع السبب المتصل بين الأرض والسماء بموت النبي صلى الله عليه وآله فلا اتصال بين الله وخلقه لأنّهم ظنوا أنّ أسباب الإتصال منحصرة في النبوة والرسالة مع أنّ القرآن يفند هذه الفكرة:
إنّ طالوت لم يكن نبياً ولكن يعلم بإرادة الله ومشيئته، يقول القرآن عنه:
(إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ)(٦٣) ولم يقل إنّ نبيكم يخبر عن الله بأنّ الله مبتليكم بل هو يخبر.
ومريم بنت عمران قد اصطفاها الله ولم تكن نبية ولا رسولة، تتحدث مع جبرئيل والملائكة بل مع الله:
(قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ).(٦٤)
إنّه حوار من سنخ الوحي وليس بنبوة ورسالة لا يستطيع المسلم والمؤمن أن ينكر ظاهر القرآن.
وذو القرنين، قال تعالى:
(قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً).(٦٥)
وهكذا الخضر ونماذج عديدة قرآنية يسطرها لنا القرآن ليس من باب البذخ الفكري وإنّما من باب فهم أنّه لا تنحصر أسباب الإتصال بين البشر وبين السماء بالنبوة والرسالة بل لها إشكال أخرى وهي الإمامة وخليفة الله وحجة الله (أين السبب المتصل بين الأرض والسماء)(٦٦) أي إنترنيت إلهي، هذا أكبر مقامات الإمامة ولا تنحصر في الأمم السابقة، لأنّ هذه أمة تركب سنن الأمم السابقة طبق النعل بالنعل والقذة بالقذة.(٦٧)
هناك نماذج أخرى لأسباب الإتصال غير النبوة والرسالة يستعرضها لنا القرآن حيث يقول:
(وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا).(٦٨)
يد الله مغلولة يعني انّه لا يتصرف في خلقه، لا يتصل مع خلقه والمجتمعات البشرية، تركها الله سدى ليتفرج! غُلّت أيديهم ولعنوا بما قالوا، كيف الله عزّوجل يزوى، أو ليس كان الله في ظل حكومة النبي يتصرف في المجتمعات البشرية، الحاكم السياسي والعسكري والقاضي الأول ليس الرسول بل الله، يعني ولاية الله كانت مبسوطة، يقول للنبي: اغزُ، أحجم، هادن، اقض.
كان الله هو الحاكم الأول في حكومة الرسول ثم الرسول صلى الله عليه وآله، وهل تنقطع ولاية الله وتُغل يده عن التصرف في مجتمعاته البشرية؟
نحن وحدنا _ أي الطائفة الحقة _ على هذه الكرة الأرضية الذين يقولون بهذه العقيدة: وهي انّ حاكمية الله ليس لها حد ولا تقتصر على التشريع ولازالت هي المتنفذة في كل شؤون البشر ليس فقط التكوينية بل التشريعية وكل المجالات.

والحمد لله رب العالمين

* * *
أسئلة وأجوبة حول الغيبة
بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال الأول: معنى الغيبة
سماحة الشيخ: تعتبر الغيبة الكبرى التي نحن بصددها قضية جديدة في واقع الأمر لم يمارسها الأنبياء، حيث جاؤوا وبلّغوا وكانوا حاضرين في أممهم، فانفرد الإمام المعصوم بهذه التجربة على سائر قيادات الأنبياء والصالحين وأوصياء الأنبياء. هلاّ نتعرف على حقيقة هذه التجربة، بمعنى آخر ما معنى الغيبة في عصرنا هذا؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
السلام عليكم أيّها الحضور الكرام وأسعد الله أيّامكم بالبركات ورحمة الله وبركاته، وبدوري أشكر إدارة الأوقاف الجعفرية في هذا البلد(٦٩) لإتاحة الفرصة للّقاء مع المؤمنين من خلال أروع حديث.
عن الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه وإن كنا لا نرقى لأن نتفوّه بنفحة من نفحات هذا الجو الطاهر المقدس الذي يتحدث ويدور حول الإمام المهدي عجل الله فرجه، ولكن من باب أداء بعض المسؤولية نتطرق لهذا الحديث ونقحم أنفسنا فيه.
في الواقع إنّ التساؤل عن دور الإمام الحجة عليه السلام في الغيبة، وبعبارة أخرى ما معنى الغيبة؟ طبعاً هذا السؤال يصب في مصب: ما هي ثمرة آثار الإمام؟ وما معنى الإمامة ودور الإمام مع فرض الغيبة؟
وهذا التساؤل في الواقع لا يقتصر على الإمام الثاني عشر عجل الله فرجه، بل قد يثار أيضاً حول إمام منصوص في القرآن الكريم على إمامته وإمامة ولده، ألا وهو النبي إبراهيم عليه السلام حيث يقول الباري في سورة البقرة:
(وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).(٧٠)
فهذا نص قرآني على إمامة النبي إبراهيم، وكذلك هناك نصوص قرية على إمامة يعقوب وأسحاق عليه السلام:
(وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ).(٧١)
إذن هناك جمع من الحجج الإلهيّة المشار إليها في القرآن وُصفوا بالإمامة، مع أنّه لم يطالعنا أيّ مؤرخ ولم يُشر كتاب سماوي إلى تقلّد النبي إبراهيم وولده أيّ حكومة رسمية في العلن بحسب الظاهر، طبعاً بالمعنى الدارج للحكومة وإدارة شؤون البشر.
وكذلك فيما ينصه ويشير إليه القرآن الكريم من جعل خليفة دائمي في الأرض يدوم بدوام البشر:
(إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً).(٧٢)
العبارات في القرآن الكريم من ربِّ العزة، وكل كلمة تحتها بحور من المعاني فهو كلام الخالق، يقول الباري تعالى: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً) ولم يقل نبياً أو رسولاً، ولم يقل إنّي جاعل آدم خليفة، مما يدل على أنّ هذه المعادلة الإلهيّة عامة وشاملة لكل عمر البشرية منذ بدوها إلى ختمها.
إنّ مقام الخليفة هو عين مقام الإمامة، لأنّ الخلافة عبارة عن استخلاف وتصرف وتدبير في الأمور، وتعني من يخلفني في أهلي وبلدي ودولتي وأرضي وبشري ومخلوقاتي، وإن لم يكن هناك بينونة عزلة وتجاف من الباري عن التصرف في الأمور _ العياذ بالله _ ولكن الخلافة هنا بمعنى التمثيل، فالخلافة عنوان من عناوين الإمامة، فبدلاً من أن يقول (إنّي جاعل في الأرض إماماً) فإنّ لفظ الخليفة في التعبير (إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً) يعني مصدر قدرة وتصرف وتدبير، فأول ما انطبقت هذه المعادلة العامة على النبي آدم عليه السلام.
أساليب وأنواع الحكومات:
وهنا يُثار التساؤل أيضاً: لم يُشر لنا التاريخ إلى أنّ آدم أقام دولة، أو كان في زمنه مجتمع وما شابه ذلك، فما معنى الخلافة؟ بل هذا التساؤل ينجر حتى إلى عهد أمير المؤمنين عليه السلام حيث لم يرتئِ جماعة تقديمه، فهل يا ترى _ كما يعتقده أتباع أهل البيت _ إنّ إمامة أمير المؤمنين منصوبة ومنصوصة؟ الإمامة إذن في عهد علي عليه السلام قبل تسلّمه للحكومة الرسمية لم يكن يدير شؤونها، وكذلك في عهد بقية الأئمة كالصادق والباقر عليه السلام، هذا التساؤل إذن لا ينحصر بدقة في الإمام المهدي عليه السلام بل يتسرّى ويتّسع حتى لمن نص القرآن الكريم على إمامتهم نظير النبي إبراهيم وولده أو آدم أو بقية الأئمة، حيث لم يطالعنا التاريخ على تسلمهم واستنادهم إلى مقاليد القدرة الرسمية الظاهرة.
الجواب: ركّز الأكاديميون في الجامعات السياسية الحديثة على نقطة هي أنّ الحكومة وإدارة شؤون المجتمعات هل تنحصر في الحكومة الرسمية _ كما في اللغة الأكاديمية الأدبية السياسية القديمة _ أم لها عدة طرق وقنوات؟
وبعبارة أخرى: للقدرة في المجتمعات البشرية أشكال عديدة، وليست الحكومة لدى الأدبيات السياسية الأخيرة والتي تدرس اليوم في الجامعات الأكاديمية هي الحكومة الرسمية فقط.
الحكومة تعني التحكم في مصير المجتمعات البشرية وإدارتها وتدبيرها، والحكومة الرسمية المعلنة ليست إلاّ عبارة عن حكومة فدرالية أو كونفدرالية في الواقع، وإن كانت تسمى ملكية أو جمهورية أو اتحادية، فكل بلدان العالم في الواقع تدار حقيقة بها، ومرادهم من الفدرالية أو الكونفدرالية وإن تغايرا في المصطلح هو أنّ الحكومة الرسمية في أيّ بلاد _ شاسعة أو محدودة بمدن معينة _ عبارة عن قوى اجتماعية متعددة تتوازن وتتناسب بمعادلة معينة، ويكون الحكم الرسمي الظاهري المعلن هو عبارة عن ميزان وفاق بين تلك الحكومات المتعددة.
فمثلاً ترى في بلاد شاسعة أنّ القبيلة لها قدرة ونفوذ، وشريحة التجار لها نفوذ في ذلك المجتمع، ولكل مذهب من المذاهب نفوذ معين، وشريحة الجامعيين والنقابات أو المتخصصين لهم نفوذ، وبالتالي هذا المجتمع الذي نراه مجتمعاًًًً بسيطاً من حيث المعادلات والبنية الإجتماعية لا نراه متركباً ومؤلّفاً من بُنى اجتماعية عديدة ودوائر بشرية عديدة كالولايات الأمريكية المتحدة ذات الـ ٥١ ولاية، وحتى البلد الواحد من البلدان الإسلامية أو غير الإسلامية يتألف من ولايات، لكن لا ببقاع جغرافية متباعدة بل بقاع جغرافية بشرية، يعني كل شريحة وكل صاحب نفوذ وقدرة يتحكم في شريحة بشرية معينة من جهة المذهب أو القدرة المالية أو الثقافية أو القبلية وهلمّ جرا، فالحكومة الرسمية في الواقع ليست إلاّ إحدى قنوات القدرة وإدارة المجتمعات، ولا ينحصر الحكم والحكومة في قناة الحكومة الرسمية.
إذن هذا بداية الجواب: إنّ الحكم والحكومة والتدبير والقدرة لا تنحصر في الحكومة الرسمية المعلنة، بل هناك قنوات لإدارة المجتمعات، سواء أكانت إسلامية أو بشرية أو مؤمنة بطرق متعددة، فمثلاًًًًًً يعتبرون الحكومة الثقافية _ والتي تسيطر اليوم على الشارع الثقافي والعقول البشرية أو على عقول بلاد معينة _ قدرة تحكّم قوية في ذلك الشعب أو في الساحة البشرية أو الظاهرة البشرية لأنّ الثقافة حكومة من الحكومات، وصاحب المنبع والمصدر الثقافي يتحكم في أنسجة المجتمع ومعالمه وسننه وأعرافه ونخبه ووجوهه التي تديره، كذلك صاحب القدرة الإقتصادية والمالية والجامعية...
إذن هناك عدة أساليب وقنوات للحكم، فليس الحاكم بحكومة تدير البشرية هو الذي ينصب رسمياً فقط، فمثلاًًًًًً هم اليوم يقولون في تحليل أدبيات السياسة الأكاديمية: لازال نبي الإسلام حاكماً على المسلمين وذا نفوذ وقدرة، لأنّ سننه ووصاياه وأوامره وإن لم يكن المسلمون يؤدونها حق أدائها، لكن بهذا المقدار من تلوّن دول عديدة بشرية تحت منهاج نبي عاش قبل ألف وأربعمائة سنة معناه حكومة ونفوذ، ومن ثم يعبّرون أنّ حكومات الأنبياء ليست حكومات مؤقتة، والمفكرون وأصحاب الثقافات ليست حكوماتهم مؤقتة كالحكومات السياسية المعلنة الرسمية.
يرون اليوم أنّ الحكومات الثقافية والحضارية التي كان يقودها الأنبياء أو أصحاب المدارس الفكرية والثقافية أطول عمراً وأوسع باعاً ولا تحد بجغرافية معينة لأنّها تغزو القلوب والعقول، فان كانت القدرة السياسية تتحكم في الأبدان والإنتقال الجغرافي فإنّ الحكومات الثقافية والحضارية تتحكم في شخصية الإنسان وفكره وعقله ومسيره ومنهاجه وزواجه وعلاقاته.
لازلنا في النقطة الأولى التي هي نقطة أدبية أكاديمية سياسية وهي أنّ إدارة الحكومات والمجتمعات لا تقتصر على الحكومة المعلنة رسمياً، ومن ثمّ إنّ الكثير من خطوات علي بن أبي طالب عليه السلام في حكومته خمس سنوات أو ما قبلها إذا قرأتها بلغة السياسة القديمة، أي الحكومات السياسية فانّك لا تستطيع أن تفسر خطوات وحركات وبرامج أمير المؤمنين السياسية، بل ترى معاوية مثلاًًًًًً أنضج في خطواته، وهذه قراءة ضيقة بلغة الحكومة السياسية المؤقتة.
أما إذا أردت أن تعرف خطوات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أسد الله الغالب فاقرأها من خلال لغة الحكومة الحضارية، فإنّه عليه السلام قد بنى حضارة بحيث أنّ كوفي عنان(٧٣) _ وهو مسيحي _ كان يصر قبل سنتين بأنّ عهد علي بن أبي طالب إلى مالك الأشتر يجب أن يكون مصدراً قانونياً للأمم المتحدة في تشريع البنود القانونية المختلفة، وأحد مصادر التشريع الدولي ويُصوّت على بنوده ويُطرح للمداولة بين الدول المسيحية والوثنية المختلفة.
من الحاكم اليوم والمخلد للنفوذ في البشرية: علي أو معاوية؟
لقد رأى عنان عبارة وضّاءة تتعطش إليها البشرية في يومنا هذا:
(يا مالك! الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).(٧٤)
وقال: هذه عبارة ذهبية يجب أن تُسجل وتُخط على كل منظمة حقوقية في العالم، ولم يكتف عنان الذي اشرأبّ إلى هذا الفكر وهذا التقنين العملاق في البشرية بل وفي السماوات، ولم يكتف بعهده عليه السلام لمالك الأشتر بل أصرً على عهود أخرى وصودق عليها، وجُعلت أحد مصادر التقنين البشري. لا أقول حصروا التقنين البشري في نهج البلاغة لكنّ الكثير من عهود علي إلى ولاته وأمرائه والبرنامج والنظام المالي والسياسي والإداري والإقتصادي والقضائي والعسكري الذي طرحه فيها جعلتها البشرية اليوم وهي في قمة التحضر والتمدن نبراساً لها. ليس من الهيّن والسهل أن تصادق البشرية دولياً على هدي علي عليه السلام مع هذه الحضارات التي مرت عليها، هذه حكومة.
وما المراد من الحكومة؟
أليست الهيئات الدستورية التي تحكم البلدان من الهيئات العليا التي تحكم لأنّها السلطة التشريعية؟
إذن سلطة علي التشريعية لا زالت نافذة في البشر، فمن هو الحاكم اليوم: علي أو معاوية؟
إنّنا نرى حكم علي لازال ذا سؤدد، وهذا هو المصطلح الذي وسّعوه اليوم في الأكاديميات والأدبيات السياسية الجامعية.
إنّ الحكومة الرسمية السياسية المعلنة حكومة مؤقتة زائلة، أما الحكومة الثقافية فإنّها لا تعرف حدوداً زمنية وجغرافية وأعراقاً بشرية خاصة. إنّ مسيرة حكومات الأنبياء والأوصياء وسنن إبراهيم إذن لازالت قائمة:
(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ).(٧٥)
لازالت سنن إبراهيم الذي سنّها في البشرية تتحكم في قطاع واسع في البشرية، إذن من الإمام ومن المدبر؟
لازال إبراهيم إذن حاكماً متنفذاً يدير ويدبر، ولازال الأنبياء وسيدهم نبي الإسلام صلى الله عليه وآله حاكماً ومتنفّذاً ومطاعاً في أوامره.
إذن لا تنحصر لغة الحكومة والإدارة والتدبير للمجتمعات البشرية في الحكومات السياسية أبداً، أصغرها وأهونها وأقصرها عمراً هي الحكومة الرسمية المعلنة، وأوسعها هي تلك الحكومة العقائدية والحضارية والثقافية.
إنّ الإمام الصادق عليه السلام لازال يتحكم في أتباعه، حيث اختط منهجاً ومسيرة ثقافية للنخبة من أتباعه، مسيرة حتى للبشرية في مجالات تمدنية عديدة من خلال تلاميذه كجابر بن حيان وغيره. إذن الحكومة لها أساليب وأدوار مختلفة.
أزيدكم: لا ريب أنّ الحكومات الرسمية المعلنة _ في الأدبيات السياسية الموجودة حتى الجامعية اليوم _ ليست هي مصدر قوة الحكومة بل هناك قوة خفية فيها تسمى (المخابرات) كالـ (سي. آي. إيه) أو الـ (ك. جي. بي) أو ما هو أخفى منها، وكلما ازداد جسم الحكومة الخفية خفاءاً ازدادت قوته.
العجيب إنّ الخفاء مصدر قوة، وهو ما تطرحه الشيعة الإمامية الإثنا عشرية من الخفاء والغيبة، ولذا يقال عنهم: باطنيون وأسطوريون وخرافيون وغنوصيون(٧٦) وغيرها من الكلمات المتشدقة الرنانة الجوفاء.
إنّ البشرية اليوم تسجد لهذا المنطق وتقول إنّ هذا المنهج جبار. نعم، كلما ازداد الجسم الحاكم خفاءاً ازداد دهاءً وهو الذي يحمي الدول. أيّة دولة بلا جهاز حاكم خفي تكون معرضة للتهديد الإقتصادي والأمني والثقافي والمالي وسقوط عملتها، ليس في جانب معين فقط كقنوات ضخ المعلومات، بل في كل الأجهزة، الأمن الإقتصادي والمالي والثقافي والزراعي و...
إنّ الخفاء في إدارة أيّ حقل وإدارة وميدان هو عنصر شرياني في الإدارة. عجيبة إذن هذه الفكرة التي ينادي بها الشيعة منذ غيبة إمامهم، منذ ١٢٠٠ سنة، فالبشرية اليوم تبجّل الخفاء كعنصر قوة ومقدرة.
السؤال الثاني: مفهوم الغيبة وعدم الوجود
قبل الإنتقال إلى الأسلوب الآخر، أوضحتم إنّ السر في الغيبة هو أنّ الخفاء يعطي قوة وهيمنة أكبر، نحن الآن نتكلم عن غيبة، فمع الخفاء قد تكون لنا صلات مع القائد، اما الإمام المهدي عليه السلام فقد أسدل عليه ستار التغييب، فهل تدخل عملية الاتصال به وتوجيهه إلى الأمة ضمن دائرة الخفاء أو التغييب؟
الجواب:
هذا ما نريد أن نصل إليه بالضبط، فقد انتشر مفهوم الغيبة عبر قرون للأسف حتى في الوسط الداخلي عند الشيعة الاثني عشرية _ فضلاً عن الطوائف والمذاهب الإسلامية الأخرى، بل لا أخفيكم ربما وصلت حتى إلى كتابات بعض علمائنا الأبرار _ على أنّها تعني عدم الوجود وأنّه عليه السلام ناءٍ في أقاصي الديار، والحال أنّ الغيبة لا تعني أنّه غير موجود بين أظهرنا، ولا تعني الانعدام والزوال _ أعوذ بالله _ وكأنّما الإمام المعصوم هذا النور الأكبر مغيّب في _ فريزر! _ في أقاصي الجزر والديار إلى أن يؤون أوان الظهور.
هذا معنى خاطئ للغيبة، لا يعتقده فحول علماء الإمامية. الغيبة تقابل الظهور، ولذلك نحن نعتقد بالظهور ولا نعتقد أنّ الغيبة مقابل الوجود أو الغيبة مقابل المجيء، كأنما الغيبة بمعنى الرواح ثم مقابل الغيبة يكون المجيء.
الغيبة مقابل الظهور، وماذا يعني الظهور في مقابل الخفاء؟ ظهر الشيء خفي الشيء، بقرينة ما تواتر في عقيدتنا وروايتنا ونصوصنا بل نصوص المسلمين، فإنّ الظهور يقابله الخفاء لا أنّ الغيبة بمعنى الزوال والانعدام.
الغيبة إذن _ كما تنص عليه النصوص القرآنية الكثيرة والروايات التي سأبينها _ تعني خفاء الهوية وليس أصل الوجود، كما يقال أنّ في باطن جهاز المخابرات الـ (سي. آي. إيه) جهاز أخفى منه وعقدوا لأجله دراسات كثيرة، فهذه غيبة بمعنى غيبة الهوية، يعني أنّك لا تشخّص هذا الطرف من هو؟ وليس هو جهاز كسب معلومات فقط كما ذكرت، إنّما هو جهاز تحكّم وقدرة في المجال الزراعي والاقتصادي والثقافي والمالي والعلمي والأمني والعسكري و...
في رواية عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يقول:
(حتى إذا غاب المتغيب من ولدي عن عيون الناس وماج الناس بفقده... إلى أن يقول: حتى إذا بقيت الأمة حيارى وتدلهت، وأكثرت في قولها إنّ الحجة هالك، والإمامة باطلة فوربِّ عليّ إنّ حجتها عليها قائمة، ماشية في طرقها، داخلة في دورها) إذن ليس متغيب بمعنى معدوم الوجود بل خفيّ الهوية (وقصورها) يعني تحكم في كل البقاع والأماكن (في شرق الأرض وغربها) يعني أنّ أمير المؤمنين يريد القول أنّه عليه السلام ذو سيطرة ونفوذ في شرق الأرض وغربها مع خفاء هويته وهو عنصر قوة (... تسمع الكلام...) فالحجة يسمع الكلام فهو إذن يسيطر على كل الأوضاع (وتسلّم على الجماعة، ترى ولا تُرى إلى الوقت والوعد...)(٧٧) أي إلى أن يظهر هويته.
لذلك عندنا روايات في أنّ الحجة عندما يظهر يقولون: هذا كنا نراه، لكن لم نكن نعرفه، ليس فقط بشخصه، بل حتى في الجهاز البشري الذي هو يديره بشكل خفي.
السؤال الثالث: الخفاء وواقع الأمة
الآن هو يرانا ولا نراه، وخفي ويمارس دوره الامتدادي للإمامة، وواقع الأمة يعيش حالة من الغليان، والمعادلات غاية في الصعوبة، والحالة الاقتصادية والاجتماعية متردية جداً، والمسلمون يتكالب عليهم من كل صوب، فماذا يعمل الخفاء في واقع الأمة في ظل وجود هذه المعادلات الصعبة؟
الجواب:
هذا السؤال قد طرحته الملائكة، والإجابة عن ربّ العزة موجودة:
(وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً...).(٧٨)
في الواقع هذا انتقال إلى النقطة الثانية في الجواب، قلنا أنّ مقام (خليفة) في (إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً) وليس رسولاً ولا نبياً وإن كان يشمل الأنبياء عليهم السلام، لكنه مقام يختلف عن مقام النبوة والرسالة، إذ يعني مقام القدرة وتدبير الشؤون والتصرف في الأمور البشرية، وأول تعريف ينادي به القرآن للإمام هو اعتراض الملائكة حيث قالوا:
(... أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ).(٧٩)
أخبر الباري تعالى البشر بأنّ معادلته وسنته الدائمة من بدء عمر البشرية إلى ختمه معادلة وسنّة دائمة وكأنّما هي اليافطة الأولى للحياة البشرية، إنّي جاعل في الأرض خليفة، وهي عقيدة أتباع أهل البيت:
(لا تخلو الأرض من حجة).(٨٠)
(الحجة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق).(٨١)
(لو لا الحجة لساخت الأرض بأهلها).(٨٢)
القرآن يقول إنّ سنّة الباري الدائمة هي: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً) وقلنا أنّ الخليفة عنوان من عناوين الإمامة والتصرف والقدرة والحكم، حينئذ يكون أول تعريف يطالعنا القرآن الكريم هو التعريف بمقام الخليفة.
ويأتينا القرآن باعتراض الملائكة بأنّ دور الخليفة ما هو؟ وإشكال الملائكة أوسع مما طرحه الأستاذ السائل؟ فليس هو في نطاق المؤمنين أو الأمة الإسلامية بل البشرية: أتجعل فيها من يفسد فيها؟ يعني دور الخليفة لا يقتصر على طائفة المؤمنين ولا على دين المسلمين بل يشمل كل البشرية.
أتجعل فيها من يفسد فيها؟ أي يفسد في جميع الأرض ويسفك الدماء.
البشرية إذا تركت وأُسدي الأمر إليها على حالها يحدث الفساد في الأرض نتيجة للنزوات والغرائز البشرية الشهوية والغضبية وما شابه ذلك، وتقع حرب عالمية ويقتل بعضهم البعض بالأسلحة البيولوجية، فكيف تترك البشرية على غاربها؟
أورد الباري هذا الاعتراض ليبيّن أنّ أهم تعريف ودور للخليفة والإمام كسنّة إلهيّة دائمة في الأرض هو أنّه يمانع عن الفساد في الأرض وسفك الدماء.
لكن أيّ فساد في الأرض يمانعه الإمام والخليفة؟ وأيّ سفك في الدماء؟
لقد جرت حروب عالمية كثيرة ولم نرَ الإمام مانعها، حتى النبي إبراهيم عليه السلام وقعت في زمنه حروب عديدة، وسفكت دماء عديدة مع أنّه إمام من قبل الله وخليفة، كما أنّ الفساد في الأرض كثير، الفساد الصحي والأخلاقي والثقافي والمالي إلى ما شاء الله فأين الإمام الدارئ لهذا الفساد؟ حتى في عهد إبراهيم نقرأ في التأريخ هكذا كان، إذن أيّ فساد يمانعه الخليفة؟
الجواب: ليس المراد هو الفساد بصورة مطلقة، بل المراد _ كما يقول الحكماء والفلاسفة _ هو الفساد الغالب وسفك الدماء الغالب الذي يستأصل النسل البشري، فالفساد تارة يكون غالباً يعني فساد ثلاثة أرباع النظام المدني البشري في الجانب الصحي والثقافي والاقتصادي والأمني، ويكون الفساد قليلاً تارة أخرى يحرق ربع النظام المدني البشري في الأرض، أترون أنّ الملائكة يعترضون على الباري في الفساد الذي يقع في ربع النظام البشري أو سفك الدماء في ربعه أو عشره؟ كلا، لأنّه في مقابل الفساد القليل هناك خير وربح كثير، ولا يعترض المعترض العاقل _ فضلاً عن الملائكة _ على البارئ بلحاظ الفساد أو سفك الدماء القليل، فلابد أنّ اعتراضهم هو على سفك الدماء الكثير بأن يتآكل ثلاثة أرباع البشرية في الحرب، وعدم تخصيصه في الفئة المؤمنة أو المسلمين ولا في دين معين بل كل البشرية ككرة أرضية، فاعتراضهم إذن على الفساد وسفك الدماء الأكثري، ومعنى ذلك أنّ الخليفة والإمام هو دارئ للفساد الأكثري، أي لا يمكن لمرض السارس أو الأيدز أو أيّ شيء يهدد كل النظام البشري أن يأكله ككل، فهو يقف وبجهازه الخفي ويحول دون أن ينتشر الفساد الصحي أو الفساد الأخلاقي.
أنظروا كم هم اليهود في العالم، وكم تريد الثقافة الأمريكية أن يسري التحلل والإبتذال الثقافي والأخلاقي في البشرية لكن هل استطاعت؟
الآن نرى في قضايا المسلمين مثلاًًًًًً تنادي الشعوب الأوربية كلها في صف واحد بفطرتها:
(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ).(٨٣)
من الذي يحافظ على هذه الفطرة التي هي أكثر دين الإسلام وأحكامه وتشريعاته هو دين الفطرة مقابل شر اليهود في كل العالم في تجارة المخدرات والحروب والإبتذال الأخلاقي والكثير من القضايا؟
لا زال قلب البشرية في شعوب العالم ينبض مع الفطرة، يأبى الظلم والعولمة الظالمة والنظام الموحد الظالم، بل تساند شعوباًً أخرى مع أنّها غير محتاجة للمساندة، سواء شعوب الأمريكيتين أو آسيا الوسطى أو أوربا. الشعوب هي عامة الطبقات سيما الرازحة تحت نير الاقطاعيين نراها اليوم لا زالت تنبض بهذه الفطرة التي هي (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها)(٨٤) نفسها، وأكثر تشريعات دين الإسلام مطابقة للفطرة.
إذن لازالت الفطرة الإلهيّة الوديعة الإلهيّة الغالية الثمينة والتي هي دين الإسلام تنبض في البشرية، فمن الذي يحافظ عليها؟
السائل: هل توزعون هذه الفطرة إلى الإمام المهدي عجل الله فرجه؟
الجواب: لا ريب في المحافظة عليها، لأنّنا نشاهد أرقاماً وعلامات، فالحرب العالمية الأولى لم تهلك كل البشرية، بل ولا نصفها، وكذلك الحرب العالمية الثانية والحروب الأخرى، كما نرى الفساد الصحي والفتن الاقتصادية والأخلاقية لا تقوّض ثلاثة أرباع أو نصف النظام المدني البشري الفطري، ولازالت بنية النظام البشري الفطري محافَظاً عليها بشكل غالب.
دع عنك أن تقول إنّ هؤلاء ليسوا مسلمين، فإنّ ثلثي تشريعات الإسلام فطرية يرجع إلى قبح الظلم وحسن العدل، وهذا من أسس الإسلام وتؤمن بها الفطرة البشرية كالمساواة والعدل والكثير من القضايا.
من هنا يتضح دوره عليه السلام وإن لم يتقلد الحكومة الرسمية والمنصب الرسمي، لكن لا زال يضخ في البشرية عبر جهازه الخفي وهو أقوى من أجهزة أيّ إمام سواء أكان النبي إبراهيم أو أئمتنا المعصومين عليهم السلام.
على الأنبياء صلوات الله عليهم إذن أن يحافظوا عبر أجهزتهم الخفية على النظام الفطري البشري، فهذه وديعة إلهيّة غالية الثمن في كل المجالات، فدور الإمام إذن لا ينحصر في الأمة الإسلامية فضلاً عن الطائفة المؤمنة بل يشمل كل البشرية، لأنّها وديعة إلهيّة عبر دوره الخفي، فمن ثمّ نرى القرآن يطرح لنا في تعريف الإمام:
(وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً) يعني إمام يستخلف له القدرة، الإدارة وشؤون الحكومة، لكن ليس من الضروري _ كما قلنا _ أن يكون له أضعف أشكال الحكومة الرسمية المعلنة.
السؤال الرابع: أساليب القدرة والتحكم
هل يمارس هذا الدور من خلال نوابه أو ايحاءات إلى قلوب البشرية؟
الجواب:
القنوات المذكورة في روايات الفريقين من السنّة والشيعة وحتى النصوص القرآنية عديدة، وهذه هي النقطة الثالثة التي أريد أن أتوصّل إليها:
إنّ القرآن يطرح أساليب للقدرة والتحكم في القدرات البشرية ولقيام الخليفة والإمام _ كسنّة إلهيّة دائمة _ بدرء الفساد الصحي والأمني والأخلاقي فهو الحامي للبشرية كلها.
إنّ مطلع كل سورة كما يذكر المفسر الكبير العلامة الطباطبائي رحمه الله ونعم ما يقول وهو قد استفاده من روايات أهل البيت عليهم السلام راجع إلى الغرض الخاص من تلك السورة(٨٥)، والقرآن يطرح لنا في مطلع سورة الكهف أسلوبا للهداية حيث يخاطب النبي صلى الله عليه وآله _ من باب اياك اعني واسمعي يا جارة _:
(فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً).(٨٦)
أي يخاطب المسلمين: إنّ الإنسان قد يكون وجلاً حينما لا تنتشر الدعوة الإلهيّة، فيطرح أربعة أو ثلاثة أساليب لانتشارها في سورة الكهف وهي سورة الرموز والخفايا أحدها:
الأسلوب الأول: الأسلوب الفطري
وهو أسلوب هداية أصحاب الكهف بتحريك فطرتهم من قبل الله سبحانه، حيث اهتدوا إلى التوحيد ونبذوا الشرك، وهذا منهج متبع اليوم في الدول والقوى والقدرات ويسمى الايحاءات والخواطر والجلاء السمعي والبصري والفكري والتخاطر، وهو مطروح في ثقافة المسلمين بمعنى الإلهامات.
الأسلوب الثاني: أسلوب الخضر عليه السلام
ثم يطرح القرآن الكريم أسلوباً آخر لنشر الدعوة وهو الأسلوب الخفي كقصة الخضر، فهل يا ترى طرحها كأسطورة أو قصة رومانية؟
أعوذ بالله، فإنّ القرآن منزه عن الخيالات والتخيلات والخرافات والأساطير، إذن ماذا يعني استعراضها في وسط السورة التي تعنى بشؤون انتشار ودعوة الإسلام كما هو مطلع السورة:
(فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً).
أي حديث الدعوة للإسلام فيقول القرآن:
أحد أجوبة هذا التساؤل هو دور الخضر كنموذج، فقد كان دوره كله في الخفاء وبشكل شبكة خفية، حيث يقول عن النبي موسى عليه السلام (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا).(٨٧) مغموراً مخفياً _ وهو أنيس للمهدي وتحفته كما في الروايات(٨٨)، ومن شبكة المهدي والمهدوية وله محورية خاصة في هذه الشبكة الخفية وسيظهر معه _ قال تعالى:
(فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً).(٨٩)
ثم يستعرض القرآن ثلاث قضايا مصيرية في تاريخ البشرية أمام النبي موسى عليه السلام مارسها الخضر، هي:
القضية الأولى: ردع الظلم الاقتصادي الذي يؤثر في اقتصاد عامة البشر، فالمقصود من السفينة هو الأمن الاقتصادي البشري.
القضية الثانية: قصة الصبي، ففي روايات الفريقين انّ هذا الصبي طبع كافراً فأراد الله تعالى أن يبدلهما خيراً منه مكان الابن بنت، فولدت سبعين نبياً(٩٠)، يعني أنّ الخضر قام بحركات مفصلية مصيرية خطيرة في الهداية البشرية، إذ لو كان هذا الصبي باقياً لحرم البشرية من سبعين نبياً، وهذا حرمان عظيم في تمدن وهداية البشر.
القضية الثالثة: قصة أصحاب الجدار والكنز، وهي رمز عن كفالة الأيتام والفقراء والطبقات المحرومة.
الخضر إذن يدير الأمن الاقتصادي والثقافي والعقائدي والضمان والكفالة الاجتماعية، أي يدير طبقات البشر أيضاً ويقول:
(وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً).(٩١)
إنّ الباري تعالى ينزّل سورة بأكملها تتلى إلى يوم القيامة ليس لأجل بيان أسطورة وقصة رومانية تدغدغ مشاعرنا.
السؤال الأول مطروح في صدر السورة: كيف تنتشر الدعوة؟ وكيف يحامى عنها؟
يظهر القرآن قصة الخضر لأجل أن يدل على أنّ هذا أسلوب من أساليب الباري تعالى ضمن شبكة بشرية.
في دعاء رجب تقرأ:
(اللهم إنّي أسألك بمعاني جميع ما يدعوك ولاة أمرك... إلى أن يقول: وبشرك المحتجبون، الواصفون لقدرتك...).(٩٢)
سورة الكهف تتحدث لنا عن رجال إلهيّين ليسوا بأنبياء ورسل بل قال:
(فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ...).
أولاً هو ولي من أولياء الله العظام، لأنّه شرّف بهذا اللقب (عبادنا) (آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا) والمهم (وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) يعني لديه علم لدنّي _ وليس لديه أنباء ووحي ورسالة _ يزق بواسطة الغيب وقناة انترنيت غيبية، كما ذكر القرآن ذلك في قصة طالوت:
(قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً)(٩٣) يعني ليس نبياً، بل إماماً (زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ)(٩٤) علم لدنّي ويبسط له العلم، فإذن صاحب العلم اللدنّي هو نوع من الإمامة والحجية يقوم بالدور الخفي.

والحمد لله رب العالمين

* * *
مصادر التحقيق

القرآن الكريم
نهج البلاغة: أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام _ دار المعرفة/ بيروت
صحيح البخاري: محمد بن إسماعيل البخاري _ دار الفكر/ بيروت
صحيح مسلم: مسلم النيسابوري _ دار الفكر/ بيروت
سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني _ دار الفكر/ بيروت
سنن الترمذي: محمد بن عيسى الترمذي _ دار الفكر/ بيروت
المستدرك على الصحيحين: الحاكم النيسابوري _ دار المعرفة/ بيروت
السنن الكبرى: أحمد بن الحسين بن علي البيهقي _ دار الفكر/ بيروت
مسند احمد بن حنبل: أحمد بن حنبل _ دار صادر/ بيروت
تاريخ ابن خلدون: ابن خلدون _ دار إحياء التراث العربي/ بيروت
المهدي والمهدوية: أحمد أمين المصري
كنز العمال: علاء الدين الهندي _ مؤسسة الرسالة/ بيروت
مجمع الزوائد: نور الدين الهيثمي _ دار الكتب العلمية/ بيروت
فيض القدير: محمد عبد الرؤوف المناوي _ دار الكتب العلمية/ بيروت
كمال الدين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق/ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم
كتاب الغيبة: محمد بن إبراهيم النعماني _ مكتبة الصدوق/ طهران
الكافي: محمد بن يعقوب الكليني _ دار الكتب الإسلامية/ طهران
شرح إحقاق الحق: السيد المرعشي النجفي _ مكتبة المرعشي/ قم
الخصال: الشيخ الصدوق _ جماعة المدرسين/ قم/ إيران
بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي _ مؤسسة الوفاء/ بيروت
تهذيب الأحكام: محمد الطوسي _ دار الكتب الإسلامية/ طهران
المحاسن: أحمد بن محمد بن خالد البرقي _ دار الكتب الإسلامية
الإيضاح: الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري
كامل الزيارات: جعفر بن محمد بن قولويه القمي
الجامع الصغير: جلال الدين السيوطي _ دار الفكر/ بيروت
الغدير: الشيخ عبد الحسين النجفي _ دار الكتاب العربي/ بيروت
رسائل المرتضى: الشريف المرتضى _ دار القرآن الكريم _ قم/ إيران
الإمامة والتبصرة: ابن بابويه القمي
المهدي المنتظر في روايات السنة والشيعة: عداب محمود الحمش
إقبال الأعمال: علي بن طاووس _ مكتب الإعلام الإسلامي/ قم/ إيران
تفسير الميزان: السيد الطباطبائي _ جماعة المدرسين/ قم/ إيران
تفسير العياشي: محمد العياشي _ المكتبه العلمية الإسلامية _ طهران
تفسير مجمع البيان: الفضل الطبرسي _ مؤسسة الأعلمي _ بيروت
مصباح المتهجد: محمد بن الحسن الطوسي _ مؤسسة فقه الشيعة/ بيروت


 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) العنكبوت (٢٩): ٢.
(٢) الكافي: ١/ ٣٧٦ الباب الأول _ الحديث ١ _ ٤، المحاسن للبرقي: ١/ ٩٢ الحديث ٤٦، إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤٠٩ الحديث ٩، الإيضاح لابن شاذان: ٧٥، مجمع الزوائد: ٥/ ٢٢٤، مسند أبي داوود: ٢٥٩، كنز العمال: ١/ ٢٠٣ الحديث ٤٦٤، وفي صحيح مسلم: ٦/ ٢٢ والسنن الكبرى للبيهقي: ٨/ ١٥٦ بلفظ (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)....
(٣) مريم: ٢٠.
(٤) النمل: ٤٠.
(٥) الواقعة: ٧٥ – ٧٧.
(٦) الواقعة: ٧٨ـ ٧٩.
(٧) راجع كامل الزيارات لابن قولويه: ٥١٩.
(٨) المائدة: ٦٤.
(٩) عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (انا عين الله، وانا يد الله...) راجع كتاب الكافي ج١: ١٤٥، ح٨ (باب النوادر).
(١٠) راجع الكافي للكليني ج١: ٣٧٣، ح ٨، باب (من ادعى الإمامة... ومن جحد الأئمة أو بعضهم).
(١١) مقدمة ابن خلدون ج ١: ٣١١، الفصل ٥٢.
(١٢) راجع أيضاً كتايه (المهدي والمهدوية) وقد حاول فيه تضعيف أحاديث المهدي والتشكيك بها رغم إيمان أهل السنّة بها.
(١٣) انظر المستدرك للحاكم ج٤: ٥٥٧، سنن ايي داود ج٢: ٣١٠، ح ٤٢٨٤...
(١٤) صحيح البخاري ج٤: ١٤٣.
(١٥) فيض القدير للمناوي ج٥: ٧٤، ح ٦٤٤٠.
(١٦) الشورى: ٢٣.
(١٧) التوبة: ٣٣.
(١٨) وهو ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام في كيفية زيارة الحسين عليه السلام _ راجع الكافي للكليني ج٤: ٥٧٦، ح٢، باب (زيارة قبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام).
(١٩) صحيح البخاري ج٤: ١٤٣.
(٢٠) الكهف: ٦٦.
(٢١) الكهف: ٦٥.
(٢٢) الجامع الصغير ج ١، ص ٣٥٠، ح ٢٢٩٧.
(٢٣) كنز العمال ج ١٢، ص ٣٢، ح ٣٣٨٥٠.
(٢٤) راجع هذه الاحاديث ونحوها في صحيح البخاري ج٨: ١٢٧، صحيح مسلم ج٦:٣، سنن أبي داود ج٢: ٣٠٩، ح٤٢٨٠، المستدرك للحاكم ج٣: ٦١٧،......
(٢٥) راجع مسند أحمد ج٥: ٢٧٧، كنز العمال ج١٤: ٢٦١، ح ٣٨٦٥١ و٣٨٦٥٨ و....
(٢٦) سنن أبي داود ج٢: ٣٠٩، المستدرك للحاكم ج٤: ٤٦٤، مسند أحمد ج٣: ٢٧.
(٢٧) الحشر: ٧.
(٢٨) البقرة: ٣٠.
(٢٩) التهذيب للشيخ الطوسي ج٤: ١٣٣، ح٣٧١.
(٣٠) القمر: ٢٢.
(٣١) محمد صلى الله عليه وآله: ٢٤.
(٣٢) الحشر: ٧.
(٣٣) يوسف: ٥٥.
(٣٤) القصص: ٢٦.
(٣٥) (لكي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم).
(٣٦) الحشر: ٧.
(٣٧) راجع الغدير للأميني ج١: ٢١٥.
(٣٨) راجع الخصال للصدوق ص٣٠٥، ورسائل المرتضى ج٣ ص٢٠٩، والإمامة والتبصرة لابن بابويه ص١ و١١ و١١١ ومصادر أخرى كثيرة.
(٣٩) البحار للمجلسى ج٩٩: ١١٧.
(٤٠) التوبة: الآية ٣٣.
(٤١) الفتح: الآية ٢٨.
(٤٢) راجع كتاب المهدي المنتظر في روايات أهل السنّة والشيعة للدكتور عداب محمود الحمش.
(٤٣) نهج البلاغة ج٤: ٣٧.
(٤٤) البقرة، الآية ٣٠.
(٤٥) البقرة، الآية ٣٠.
(٤٦) البحار ج٩٥: ٤٠١.
(٤٧) البحار ج٩٥: ٣٩٣.
(٤٨) الكهف، الآية ٦.
(٤٩) الروم، الآية ٣٠.
(٥٠) الكهف، الآية: ٨٢.
(٥١) الكهف، الآية: ٦٥.
(٥٢) الكهف، الآية: ٦.
(٥٣) راجع شرح إحقاق الحق للمرعشي ج ٢، ٧، ١٣،١٩، ٢٩...
(٥٤) ق: ٢٢.
(٥٥) النساء: ٥٤.
(٥٦) البقرة: ٢٦٩.
(٥٧) الكهف: ٦٥.
(٥٨) الواقعة: ٧٥ ـ ٨٠.
(٥٩) الواقعة: ٨١.
(٦٠) البروج: ٢٢.
(٦١) الأحزاب: ٣٣.
(٦٢) آل عمران: ٧.
(٦٣) البقرة: ٢٤٩.
(٦٤) مريم: ٢٠.
(٦٥) الكهف: ٨٦.
(٦٦) إقبال الأعمال، لابن طاووس: ٥٠٩.
(٦٧) راجع سنن الترمذي ج٣: ٣٢١، باب (لتركبن سنن من كان قبلكم)، مستدرك الحاكم، ج٤: ٤٥٥، مسند أحمد، ج ٥: ٣٤٠.
(٦٨) المائدة: ٦٤.
(٦٩) الإمارات العربية المتحدة ـ دبي ـ مسجد الإمام المنتظر عجل الله فرجه.
(٧٠) البقرة: ١٢٤.
(٧١) السجدة: ٢٤.
(٧٢) البقرة: ٣٠.
(٧٣) الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة حالياًًًًًًً.
(٧٤) من عهد أمير المؤمنين عليه السلام كتبه لمالك الأشتر النخعي لمّا ولاه مصر، راجع نهج البلاغة ج٣: ٨٢، رقم ٥٣.
(٧٥) البقرة: ١٣٠.
(٧٦) جماعة تحمل أفكاراً هنية إشراقية نتيجة للتركيب بين الثقافتين الهندية والسامية.
(٧٧) الغيبة للنعماني: ١٣٤.
(٧٨) البقرة: ٣٠.
(٧٩) البقرة: ٣٠.
(٨٠) نهج البلاغة ج٤: ٣٥، خ ١٤٧، الكافي للكليني ج١: ١٧٨، باب (ان الأرض لا تخلو من حجة).
(٨١) الكافي للكليني ج١: ١٧٧، ح ٤ (باب ان الحجة لا تقوم لله على خلقه الا يإمام).
(٨٢) الكافي للكليني ج١: ١٧٩، ح ١٠ (باب ان الأرض لا تخلو من حجة).
(٨٣) الروم: ٣٠.
(٨٤) الروم: ٣٠.
(٨٥) راجع الميزان للطباطبائي ج١: ١٦.
(٨٦) الكهف: ٦.
(٨٧) الكهف: ٦٥.
(٨٨) راجع كمال الدين للصدوق: ٣٩٠، باب ٣٨، ح ٤.
(٨٩) الكهف: ٦٥.
(٩٠) تفسير العياشي ج٢: ٣٣٦؛ ح٦١، مجمع البيان للطبرسي ج ٦: ٣٧٥.
(٩١) الكهف: ٨٢.
(٩٢) مصباح المتهجد للشيخ الطوسي: ٥٤٤.
(٩٣) البقرة: ٢٤٦.
(٩٤) البقرة: ٢٤٧.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ١ / ١.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016