الغيبة الصغرى للإمام المهدي (عليه السلام)

لعل أهم بحث يرغب المسلم معرفته، ويتعطّش المؤمن لاستماعه وفهمه، هو البحث عن غيبة الإمام المنتظر (عليه السلام)، ومعرفة الأسباب التي دعت إلى هذه الغيبة والعوامل الكامنة خلف احتجابه عن أنظار المسلمين وعدم قيامه بمهامه كإمام وزعيم في المساحة الإجتماعية والسياسية، كما يهم القرّاء والمستمعين معرفة معنى الغيبة وأسبابها وفوائدها ومعرفة توابع الغيبة من امتداد عمره الشريف إلى يومنا هذا، وعدم خضوع الإمام لظاهرة الشيخوخة وغيرها من المسائل المتعلقة بالغيبة والظهور، التي سوف نتحدث عنها باختصار.

ومعنى غيبة الإمام المنتظر هو اختفاؤه عن عيون الناس حسب إرادة اللَّه، فلا تراه العيون مع كونه موجوداً أو يراه البعض ولكن لا يعرفه، كما دلت على ذلك بعض الروايات، ولذا عند ظهوره يقول الكثير من الناس إني قد رأيته من قبل.

وقد يراه بعض أصحاب الإيمان والتقوى من أولياء اللَّه، كماذكر الشيخ المجلسي والشيخ النوري وجماعة من الذين تشرفوابلقائه في أيام الغيبة الكبرى، وسوف نتطرق لذكر بعض القصص والحكايات المرتبطة بهذه اللقاء ات ولكن قبل ذلك لا بدَّ من الحديث حول غيبته الصغرى.

إختلف العلماء والمحدثون حول بداية الغيبة الصغرى، وأنّهاهل بدأت من أوائل عمر الإمام المهدي (عليه السلام) وفي عهد والده الإمام العسكري (عليه السلام) أم بدأت بعد وفاة الإمام العسكري؟ المشهور هوالقول الثاني فتكون الغيبة الصغرى للإمام في سامراء من عام (260هـ. ق) يوم وفاة أبيه الإمام العسكري إلى عام (329 هـ. ق) الذي توفى فيه النائب الرابع للإمام المهدي أبو الحسن علي بن محمد السَّمري وحينئذ تكون الغيبة الصغرى 69 عاماً.

ولعل من الصحيح أن نقول: إن الغيبة الصغرى بدأت من أوائل عمر الإمام المهدي (عليه السلام) لأنّ حياته منذ الولادة كانت مقرونه بالاستتار والاختفاء عن الناس، فيمكن أن نعتبر السنوات الخمس التي قضاها الإمام المهدي (عليه السلام) مع والده الإمام العسكري (عليه السلام) من ضمن الغيبة الصغرى تبعاً للشيخ المفيد وغيره (1) وحينئذ تكون غيبة الإمام (74) عاماً من مبدأ ولادته إلى وفاة النائب الرابع للإمام وبعدها تبدأ الغيبة الكبرى للإمام (عليه السلام) من عام (329 هـ. ق).

ولكن الثابت ان الإمام العسكري (عليه السلام) كان يعرض نجله المبارك على خلّص أصحابه وثقاة الشيعة خلال حياته بين الحين والآخر ويعرّفه بإنه الإمام الثاني عشر، وانه المهدي الموعود المنتظر (عليه السلام) فلذا يرجّح القول المشهور بعدم اعتبار هذه الفترة من عمر الإمام ضمن الغيبة الصغرى، فتكون مدة الغيبة الصغرى من وفاة الإمام العسكري إلى وفاة النائب الرابع للإمام المهدي 69عاماً.

النوّاب الأربعة للإمام المهدي (عليه السلام)

تعتبر النيابة الخاصة للإمام المهدي (عليه السلام) في زمن الغيبة الصغرى من المناصب المهمة التي لا تليق إلّا بمن تتوفر فيه الصفات اللازمة كالأمانة، والتقوى والورع وكتمان الأمور، وتنفيذ الأوامر والتعليمات الواصلة من الإمام وغير ذلك من الشروط.

ولا يخفى أن النيابة الخاصة أهم وأعلى من النيابة العامة التي هي مرتبة الاجتهاد للعلماء والفقهاء والمراجع في زمن الغيبة الكبرى، ولا نريد الخوض في هذا البحث أكثر من هذا، وإنّما نكتفي بذكر أسماء النوّاب الأربعة ودورهم الفعّال في زمن الغيبة الصغرى للإمام.

ولمّا كان الإمام المهدي (عليه السلام) يرى ضرورة الارتباط بالأمّة وحلّ مشاكلها بقدر المستطاع وعلى الأخص في الجانب الفقهي والعقائدي رأى تعيين نوّاباً عنه وأولى مهامهم ربط الأمّة به ورفع كتبها التي من خلالها تسأل عمّا تريد إليه (عليه السلام) وعلى أيدي هؤلاء كانت ترد الأجوبة والحلول اللازمة في زمن الغيبة الصغرى وهم أربعة أشخاص من كبار الشيعة وكانوا يحظون بلقائه، وهكذا كانت الشيعة تأتي بالأموال الشرعية ويسلمونها إلى النوّاب ويأخذون توقيعات الإمام منهم.

وهؤلاء النوّاب الأربعة بحسب الترتيب الزمني كما يلي:

الأوّل: أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عمرو العمري الأسدي) وكيل الإمام الهادي والعسكري).

الثاني: ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري المتوفى سنة (304 ه. ق).

الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي المتوفى سنة (326 ه. ق).

الرابع: أبو الحسن علي بن محمد السَّمري المتوفى سنة (329 ه. ق).

ومن الواضح أن هناك وكلاء آخرون -غير هؤلاء الأربعة -في كثير من البلاد الإسلامية يقومون بدور كبير بين الإمام والسفراء أو بين الإمام والناس أي: كان الوكلاء تارة يراجعون السفراء في القضايا والأسئلة الموجهة إليهم، وتارة يراسلون الإمام المهدي مباشرة ومن بين هؤلاء الوكلاء علي بن مهزيار الأهوازي، وأحمدبن اسحاق بن سعيد بن مالك الأشعري القمي، وكان واسطة بين القميّين والأئمة الجواد والهادي والعسكري وأدرك شطراً من غيبة الإمام المهدي، وهُو الذي عرَّف عليه الإمام العسكري ولده المهدي حينما سأله عن خليفته وأراه إيّاه وحدّثه ببعض ما يكون من أمره خلال غيبته الصغرى والكبرى.

وغير هؤلاء ممن أوكل إليهم الإمام المهدي (عليه السلام) بعض ما يهمّه من أمور المسلمين وقبض الأخماس وقضاء حوائج المؤمنين،وكانوا كما ذكرنا يتصلون بالإمام إحياناً عن طريق سفرائه الذين اعتمدهم لقضاء الحوائج وحل المشاكل وأخرى عن طريق المراسلة.

وهكذا استمرت النيابة الخاصة للإمام المهدي (عليه السلام) إلى عام (329 هـ. ق) الذي توفي فيه النائب الرابع وهو أبو الحسن علي بن محمد السَّمري وقبل ستة أيام من وفاة السفير الرابع أخرج للمؤمنين توقيعاً من الإمام المهدي (عليه السلام) يعلن فيه انتهاء الغيبة الصغرى وعهد السفراء المعيَّنين من قبل الإمام مباشرة إيذاناً ببدء الغيبة الكبرى وكان هذا آخر توقيع صدر عن الإمام في الغيبة الصغرى ونص التوقيع هو: (بسم اللَّه الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السَّمري، أعظم اللَّه أجر إخوانك فيك فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك. فقد وقعت الغيبة التامة. فلا ظهور إلّا بإذن اللَّه تعالى ذكره وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً. وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر ولاحول ولا قوة إلّا باللَّه العلي العظيم) (2).

الغيبة الكبرى للإمام المهدي (عليه السلام)

كما أشرنا سابقاً قد انتهت الغيبة الصغرى بوفاة النائب الرابع للإمام المهدي (عليه السلام) وذلك في سنة (329 هـ. ق) وابتدأت الغيبة الكبرى، ولا تزال مستمرة إلى الآن وبذلك انقطعت طرق الاتصالات بالإمام المهدي (عليه السلام)، وقد أرشد الإمام (عليه السلام) الشيعة لحلّ مشاكلهم وأخذ معالم دينهم بإرجاعهم إلى رواة الأحاديث والعلماء في التوقيع الذي كتبه إلى أحد وجهاء الشيعة وهو إسحاق بن يعقوب، بواسطة النائب الثاني محمد بن عثمان والذي جاء فيه: (... وامّا الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجة اللَّه عليكم... ) (3).

وينقل المرحوم الطبرسي في كتاب (الاحتجاج) عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال ضمن حديثٍ: (وأمّا من كان من الفقهاء صائناًلنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام ان يقلّدوه) (4).

فقد فوض الإمام (عليه السلام) شؤون المسلمين في زمان الغيبة الكبرى إلى الولي الفقيه الجامع للشرائط، وصحيح انَّ منصب الفتوى والقضاء كان قد جعل للفقهاء من قبل بواسطة الأئمة (عليه السلام) وفي عهدهم إلّا انَّ شرعية المرجعية والزعامة والحكومة تبدأ من تاريخ الغيبة الكبرى وهي مستمرة إلى ظهور الإمام صاحب الأمر والزمان وعندما يظهر يكون هو المرجع والزعيم والحاكم إن شاء اللَّه.

وفي ضوء الغيبة الكبرى للإمام المهدي (عليه السلام) أثيرت بعض الشكوك والأوهام وتبادرت إلى اذهان الناس، بعض التساؤلات،عن جدوى وجود الإمام المهدي (عليه السلام) حال غيبته الكبرى وما فائدة الناس به وما ينتفعون منه وكيف عمّر إلى هذا اليوم؟ وغيرها من الشبهات والتساؤلات، نطرحها ونجيب عنها باختصار.

أسباب غيبة الإمام المنتظر (عليه السلام) وفوائدها

لا شك أنَّ الغيبة هي من أسرار اللَّه وهو أعرف بأسبابها وفوائدها الحقيقية ولكن هناك ثمة أسباب صرَّحت بها الأخبار والأحاديث نذكر بعضها:

من تلك الأسباب أن حياة الإمام المهدي كانت مهددة بالقتل من قبل الحكّام العباسيين فكانوا يبحثون عنه في كل مكان حتى فتشوا دار الإمام العسكري، ولذا كان الإمام العسكري يحاول إخفاء ولادة الإمام (عليه السلام) عن عامّة الناس، تحفّظاً على حياة ولده من شرالحكّام العباسيين وهكذا استمر الخطر عليه من قبل سائر الحكّام كالعثمانيين وغيرهم ممّن حكموا بلاد الشرق، لأنهم علموا بأن المهدي هو الذي يزلزل كراسي الظالمين ويدمِّر كيانهم، ولا زال الخطر محدق بالإمام وهذا الأمر سبب طول غيبته، لذا شيعته دائماًيدعون له بالسلامة من الأعداء والتعجيل في ظهوره وفرجه.

وثمة سبب آخر علل به غيبة الإمام (عليه السلام)، وهو امتحان العبادواختبارهم، وتمحيصهم، فقد ورد عن النبي (عليه السلام) انه قال: (أما واللَّه ليغيبنَّ إمامكم شيئاً من دهركم، ولتمحصنَّ، حتى يقال: مات أوهلك بأي وادٍ سلك، ولتدمعن عليه عيون المؤمنين) (5) ولذا كان انتظار الفرج والظهور من أفضل العبادات كما صرحت بذلك الروايات.

وهنا يطرح سؤال هو: ما الفائدة في وجود إمامٍ غائبٍ؟ وكيف ينتفع الناس به؟؟

لقد وردت أحاديث متعددة تذكر فوائد وجود الإمام الغائب (عليه السلام) ووجه الانتفاع به، وفيما يلي نذكر بعضها:

عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله: هل ينتفع الشيعة بالقائم (عليه السلام) في غيبته؟

فقال صلى الله عليه وآله: (إي والذي بعثني بالنبوة، إنهم لينتفعون به،ويستضيئون بنور ولايته في غيبته، كإنتفاع الناس بالشمس وإن جلّلها السحاب) (6).

فالشمس أمان للمجموعة الشمسيّة من الفناء والزوال وفيهافائدة عظيمة للإنسان والحيوان والنبات والهواء والماء والجماد.

ومن الواضح أن السحاب لا يغير شيئاً من تأثير الشمس،وفوائدها، وإنّما يحجب الشمس عن الرؤية - في المنطقة التي يخيم عليها السحاب - فقط.

فالإمام المهدي الذي شُبِّه بالشمس وراء السحاب هو الذي بوجوده يتنعم البشر وتنتظم حياتهم وهو أمان لأهل الأرض، لأنّ الأرض لا تخلو من الحجة ولو خلت لساخت بأهلها. وورد هذاالمعنى في رسالة الإمام المهدي (عليه السلام) إلى إسحاق بن يعقوب: (... وإني لأمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء... ) (7).

وبالاضافة إلى هذا فانّ إمام العصر أرواحنا فداه يحضر في مواسم الحج كل عام، ويتردد على المجالس والمحافل، وما أكثرالمشاكل التي يحلّها بالواسطة أو من دون واسطة لبعض المؤمنين،ولعل الناس لا يرونه ولا يعرفونه ولكن الإمام (عليه السلام) يراهم ويعرفهم،وقد ظفر كثير من الناس بلقائه خلال الغيبة الصغرى والكبرى ورأواالكثير - من معاجزه وكراماته، وحُلّت على يديه مشاكل عدد من المؤمنين.

نعم كم من مسألة في الأصول والفروع قد أجاب عنهاومشكلة في الدّين أو الدنيا قد أنقذ منها، وكم من مريض قد شفاه ومضطر قد نجاه ومنقطع قد هداه وعطشان قد سقاه وعاجز قد أخذبيده وذلك بلطف اللَّه تعالى واستجابة لدعواته وتوسلاته المباركة بحق هؤلاء وأمثالهم فكيف جاز ان يقول القائل كيف ينتفع بالإمام الغائب، هذا والإمام يرعى شيعته، ويمدهم بدعائه الذي لا يحجب،وقد أعلن ذلك في إحدى رسائله للشيخ المفيد، فقد قال (عليه السلام): (إنّاغير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم الأواء (8)، واصطلمكم (9) الأعداء... ) (10).

رؤية الإمام المهدي (عليه السلام) في الغيبة الكبرى

يستفاد من عدد من الأحاديث الشريفة أنَّ للإمام المهدي (عليه السلام) جماعة من الأولياء المخلصين يلتقون به بإستمرار في غيبته الكبرى ومن أهل كل عصر، وتصرح بعض الأحاديث بأنّ عددهم ثلاثون شخصاً، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (لا بدَّ لصاحب هذاالأمر من غيبة ولا بدَّ له في غيبته من عزلة ونعم المنزل طيبة وما بثلاثين من وحشة ) (11) وروي عنه (عليه السلام): (للقائم غيبتان إحداهماقصيرة والأخرى طويلة، الغيبة الأُولى لا يعلم بمكانه إلّا خاصّة شيعته والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّة مواليه) (12) وتصرّح بعض الأحاديث بأنّ الخضر (عليه السلام) من مرافقيه في غيبته (13) ولعلَّه يستعين بهؤلاء الأولياء المخلصين للقيام بمهامٍّ، كحفظورعاية المؤمنين وتسديد العلماء ودفع الأخطار عنهم والتمهيدلظهوره.

وتصرّح الأحاديث الشريفة بأنَّ من سيرته (عليه السلام) في غيبته الكبرى حضور موسم الحج في كل عام وهي فرصة مناسبة للإلتقاء بالمؤمنين من أنحاء أقطار العالم وإيصال التوجيهات إليهم ولو من دون التعريف بنفسه صراحة.

ويستفاد من الأحاديث والأخبار المتواترة بإن لقاء ات الإمام المهدي لا تنحصر في عدد معين ومكانٍ معين بل تشمل كل من له صلاحية هذا الإلتقاء في كل عصرٍ وفي أي مكان بالاخص الأماكن المقدسة والمشاهد المشرفة فالأخبار الدالة على مشاهدته في الغيبة الكبرى كثيرة وعددها يفوق حد التواتر، بحيث نعلم لدى مراجعتها واستقرائها، عدم الكذب والخطأ فيها في الجملة (14).

وتشمل هذه المقابلات قضاء حوائج المؤمنين بمختلف أقسامها المادية والمعنوية، كما تشتمل على توجيه، الوصاياالتربوية وتوضيح غوامض المعارف الإلهية أو التنبيه إلى الأحكام الشرعية الصحيحة وغير ذلك من مهام الإمام في كل عصر.

وتحققت من هذه اللقاء ات إضافة لذلك ثمار مهمة تتمحور حول ترسيخ الإيمان بوجوده (عليه السلام) وإزالة التشكيكات الواردة حوله في كل عصر بما يعزز سيرة المؤمنين في التمهيد لظهوره (عليه السلام).

وهذه الكتب المؤلفة في أزمنة مختلفة وبلاد متفاوتة ألّفهاثقات لا يعرف بعضهم بعضاً وفيها من الحكايات الشاهدة لما ذكرنامن مشاهدة الإمام المهدي (عليه السلام) والتشرف بخدمته.

وبما أن للقصص أهمية كبرى في التثقيف والتوجيه والتعليم،نذكر حكايتين من الذين تشرفوا بلقاء الإمام (عليه السلام)، مع مُراعاة الاختصار:

الأولى: قصة المقدس الأردبيلي.

الثانية: قصَّة الحاج علي البغدادي.

المقدَّس الأردبيلي يتشرّف بلقاء الإمام (عليه السلام)

ذكر العلّامة المجلسي -رحمه اللَّه- أنّه سمع من جماعة أخبروه عن السيد الفاضل أمير علّام قال: كنت في صحن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في ساعة متأخّرة من الليل، فرأيت رجلاً مقبلاًنحو الروضة المقدّسة، فاقتربت منه فإذا هو العالم التقيّ مولاناالشيخ أحمد الأردبيلي -قدَّس اللَّه روحه- فاختفيت عنه، فجاء إلى باب الروضة - وكان مغلقاً - فانفتح له الباب، ودخل الروضة،فسمعته يتكلّم كأنّه يُناجي أحداً، ثم خرج وأغلق باب الروضة،فتوجه نحو مسجد الكوفة وأنا خلفه أتّبعه وهو لا يراني، فدخل المسجد وقصد نحو المحراب الذي إستُشهِدَ فيه الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام).

ومكث هناك طويلاً، ثم رجع نحو النجف وكنت خلفه أيضاً،وفي أثناء الطريق غلبني السعال، فسعلت، فالتفت إليَّ وقال: أنت أمير علّام؟

قلت: نعم.

قال: ما تصنع هاهنا؟!

قلت: كنت معك منذ دخولك الروضة المقدَّسة وإلى الآن،وأُقسم عليك بحقّ صاحب القبر أن تخبرني بما جرى عليك من البداية إلى النهاية؟

قال: أخبرك بشرط أن لا تخبر به أحداً ما دمت حياً، فوافقت الشرط.

فقال: كنت أتفكّر في بعض المسائل الفقهية الغامضة، فقرّرت أن أحضر عند مرقد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لأسأله عنها، فلمّا وصلت إلى باب الروضة إنفتح لي الباب بغير مفتاح، فدخلت الروضة وسألت اللَّه تعالى أن يجيبني مولاي أمير المؤمنين (عليه السلام) عن تلك المسائل، فسمعت صوتاً من القبر: أن ائت مسجد الكوفة،وسل من القائم، فإنّه إمام زمانك.

فأتيت المسجد عند المحراب، وسألت الإمام المهدي (عليه السلام) عنها فأجابني عن ذلك، وها أنا إلى بيتي (15).

الحاج علي البغدادي يتشرّف بلقاء الإمام (عليه السلام) (16)

ذكر الشيخ النوري في كتابه (النّجم الثاقب) أنَّ رجلاً مِن أهل بغداد، اسمه الحاج علي البغدادي، وكان من الصالحين الأخيار،وقد فاز بلقاء الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) وإليك خلاصة قصَّة تشرُّفه بلقاء الإمام:

كان الحاج علي يُسافر -بصورة دائمة - من بغداد إلى مدينة الكاظمية -التي تقع في ضاحية بغداد- وذلك لزيارة الإمامين الكاظم والجواد (عليهما السلام).

يقول الحاج علي: كان قد وجب عليَّ شي ء من الخمس والحقوق الشرعيَّة، فسافرت إلى مدينة النجف الأشرف، ودفعت عشرين توماناً منها إلى العالم الزاهد الفقيه الشيخ مرتضى الأنصاري وعشرين توماناً (17) إلى المجتهد الفقيه الشيخ محمدحسين الكاظمي، وعشرين توماناً منها إلى الشيخ محمد حسن الشروقي، وبقيت عندي عشرون منها، قرَّرتُ أن أدفعها -عندرجوعي إلى بغداد- إلى الفقيه الشيخ محمد حسن آل ياسين.

وعُدت إلى بغداد في يوم الخميس، فتوجهت -أوّلاً- إلى مدينة الكاظميّة، وزرت الإمامين الكاظم والجواد (عليهما السلام)، ثم ذهبت إلى دار الشيخ آل ياسين، وقدَّمت له جزء اً ممّا بقي عليَّ من الخمس، كي يصرفه في موارده المقرَّرة في الفقه الإسلامي،واستأذنت منه على أن أدفع باقي المبلغ بصورة تدريجيَّة إليه أو إلى من أراه مستحقاً لذلك، ثم أصرَّ الشيخ بأن أبقى عنده، فلم أُجِبه إلى ذلك، معتذراً بأن عليَّ بعض الأشغال الضروريَّة، وودَّعته وتوجَّهتُ نحو بغداد، فلمّا قطعت ثُلُثَ الطريق إلتقيتُ بسيّدٍ جليل القدر، عظيم الشأن، عليه الهَيبة والوقار، وقد تعمَّم بعمامة خضراء، وعلى خدّه خال أسود، وكان قاصداً مدينة الكاظميّة للزيارة، فاقترب منّي وسلَّم عليَّ، وصافحني وعانقني بحرارة وضمَّني إلى صدره،ورحَّبَ بي وسألني: على خير.. إلى أين تذهب؟

قلت: لقد زرت الإمامين الكاظمين، والآن أنا عائد إلى بغداد.

فقال: عُد إلى الكاظمين فهذه ليلة الجمعة.

قلت: لا يسعني ذلك.

فقال: إنَّ ذلك في وسعك، إرجع كي أشهد لك بأنك من الموالين لجدِّي أمير المؤمنين (عليه السلام) ولنا، ويشهد لك الشيخ، فقد قال تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْن).

وكنت قد طلبت من الشيخ آل ياسين أن يدفع إليَّ وثيقة يشهد لي فيها بأنَّني من الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) كي أجعلها في كفني.

فسألت السيّد: من أين عرفتني.. وكيف تشهد لي؟

فقال: كيف لا يعرف المرء من وافاه حقَّه!

قلت: وأيّ حقٍ هذا الذي تقصده؟

فقال: الحقّ الذي قدّمته لوكيلي.

قلت: ومَن هو؟

قال: الشيخ محمد حسن.

قلت: أهو وكيلك؟ قال: نعم.

فتعجّبتُ من كلامه، واحتملتُ أن تكون بيننا صداقة سابقة لاأتذكّرها، لأنّه ناداني باسمي في أوّل اللقاء، كما أنّني احتملت أن يكون متوقِّعاً منّي لأن أدفع إليه شيئاً من الخمس -باعتباره مِن ذُرِّية رسول اللَّه.

فقلت له: سيّدنا، لقد بقي في ذمّتي شي ء من حقكم -حقّ السادة - وقد استأذنت الشيخ محمد حسن أن أدفعه إلى مَن أُحب.

فتبسَّم وقال: نعم.. لقد دفعت شيئاً -من حقِّنا- إلى وكلائنافي النجف الأشرف.

فقلت: هل حُظيَ هذا العمل بالقبول؟

قال: نعم.

ثم انتبهت إلى أنَّ هذا السيّد يُعبِّر عن أعاظم العلماء بكلمة (وكلائي) فاستعظمت ذلك، لكن عادت إليَّ الغفلة مرة أُخرى.

ثم قال لي: عُد إلى زيادة جدِّي. فوافقت فوراً وتوجَّهنا معاًنحو مدينة الكاظميَّة، وكانت يدي اليسرى في يده اليمنى.

وسرنا نتجاذب أطراف الحديث، وكنت أسأله عن مسائل مختلفة ويجيبني عليها، وكان ممّا سألته: سيّدنا.. إنَّ خطباء المنبرالحسيني يقولون: إنَّ سليمان الأعمش تذاكر مع رجل حول زيارة سيّد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) فقال له الرجل: إنَّ زيارة الحسين بدعة، وكلُّ بدعة ضلالة - وكلُّ ضلالة في النار، ثم رأى ذلك الرجل- في المنام - أنَّ هودَجاً بين السماء والأرض، فسأل عن الهودَج فقيل له: إنّ فيه السيدة فاطمة الزهراء وخديجة الكُبرى، فسأل أين تذهبان؟ فقيل له: إلى زيارة الحسين في هذه الليلة - وهي ليلة الجمعة -، وشاهد رِقاعاً - جمع رُقعة - تتساقط إلى الأرض من ذلك الهودج، وقد كُتِبَ عليها: أمان من النار لِزّوار الحسين (عليه السلام) في ليلة الجمعة، أمان من النار إلى يوم القيامة.. فهل صحيح هذا الحديث؟

فقال: نعم.. تامٌ صحيح.

قلت: سيّدنا.. هل صحيح ما يقال أنّ من زار الإمام الحسين (عليه السلام) ليلة الجمعة كان آمناً؟

فقال: نعم.. ودمعت عيناه وبكى.

فلم تمض علينا إلّا فترة قصيرة من الوقت.. وإذا بي أرى نفسي في روضة الإمامين الكاظمين (عليهما السلام) من دون أن نمرّ بالشوارع والطرق المؤدِّية إلى الروضة الشريفة.

ووقفنا على مدخل الحرم الشريف.. فقال لي: زُر قلت: لاأُحسِن القراء ة.

قال: هل أقرأ الزيارة وتقرأ معي؟ قلت: نعم.

فشرع في الزيارة. وجعل يُسلِّم على رسول اللَّه والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) واحداً بعد واحد.. حتى بلغ إلى الإمام العسكري.. ثم خاطبني قائلاً: هل تعرف إمام عصرك؟ فقلت: وكيف لا أعرفه؟

قال: فسَلِّم عليه، فقلت: السّلام عليك يا حُجَّة اللَّه يا صاحب الزمان يا بن الحسن، فتبسَّم وقال: عليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته.

ثم دخلنا الحرم الشريف، وقبّلنا الضريح المقدَّس، فقال لي: زُر، قلت: لا أُحسن القراء ة قال: هل أقرأ لك الزيارة؟ فقلت: نعم.

فشرع بالزيارة المعروفة بـ (أمين اللَّه) وبعد انتهاء الزيارة، قال لي: هل تزور جدّي الحسين؟ قلت: نعم، فهذه ليلة الجمعة، فزاره الزيارة المعروفة بزيارة الوارث، وحان وقت صلاة المغرب،فأمرني بالصلاة، وقال لي: التحق بصلاة الجماعة.

فوقفت للصلاة وبعد الفراغ من الصلاة غاب عني ذلك السيّد،فخرجت أبحث عنه فلم أجده.

فانتبهت من غفلتي وتذكَّرت أنَّ السيد ناداني باسمي،ودعاني إلى العودة إلى الكاظمية مع العلم أنني امتنعت عن ذلك،وكان يُعبّر عن الفقهاء بـ (وكلائي) ثم غاب عني فجأة، فعلمت أنَّه صاحب الزمان الإمام المهدي (عليه السلام) (18).

 


الهوامش


(1)  عدَّ المرحوم السيد محسن الأمين في كتاب (أعيان الشيعة 4: 15( مدة الغيبة الصغرى (74) عاماً، وقال ان مبدء ها هو تاريخ ميلاد الإمام المهدي (عليه السلام).

(2)  كمال الدين: 516، الغيبة لطوسي: 242، الاحتجاج، للطبرسي 2: 556.

قال العلامة المجلسي (قدس سره): لعلّه محمول على من يدّعي المشاهدة مع النيابة، وإيصال الأخبار من جانبه (عليه السلام) إلى شيعته على مثال السفراء، لئلا ينافي الأخبار التي مضت وستأتي فيمن رآه (عليه السلام) ـ بحار الأنوار 52: 151.

(3)  هذا نص في كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي، أما في (اكمال الدين) للشيخ الصدوق 2: 484 فقد ورد الشطر الأخير ـ من الحديث ـ هكذا: (وأنا حجة اللَّه عليهم) وفي كتاب (الاحتجاج) للطبرسي 2: 470 لا يوجد لفظ (عليهم) ولا (عليكم).

(4)  الإحتجاج، للطبرسي 2: 263، بحار الأنوار 2: 88.

(5)  بحار الأنوار 53: 281.

(6)  كمال الدين 1: 253 ط طهران سنة 1395 ه.

(7)  كمال الدين 2: 485 وكتاب الغيبة للطوسي: 177.

(8)  الأواء: الشدة ـ المصباح 2: 256.

(9)  إصطلمه: استأصله ـ القاموس 4: 140.

(10)  الاحتجاج للطبرسي 2: 598.

(11)  أصول الكافي 1: 340 الغيبة للنعماني: 188.

(12)  أصول الكافي 1: 340 الغيبة للنعماني: 170.

(13)  كمال الدين: 390 وعنه في إثبات الهداة 3: 480.

(14)  راجع بحار الأنوار للعلّامة المجلسي، وكتاب النّجم الثاقب للميرزا النوري، وكتاب تاريخ الغيبة الكبرى للسيّد الصدر وقد ناقش هؤلاء العلماء في كتبهم قضية الإلتقاء بالإمام في الغيبة الكبرى، وعدم تعارضها مع أمر الإمام المهدي (عليه السلام) في توقيعه للشيخ السَّمري بتكذيب مَنْ ادعى المشاهدة في الغيبة الكبرى وأثبتوا جواز الإلتقاء بالإمام في الغيبة الكبرى وذكروا بعض الحكايات وقصص الذين تشرفوا بلقاء الإمام (عليه السلام).

(15)  بحار الأنوار 52: 175.

(16)  أورد هذه القصّة الشيخ النوري في جنّة المأوى والنّجم الثاقب الحكاية الواحدة والثلاثون وقال في كتاب النَّجم الثاقب انّه لو لم يكن في هذا الكتاب سوى هذه القصَّة المتقنة الصحيحة الحاوية على فوائد جمّة الحادثة في عصرنا لكفاه شرفاً. وأورد هذه القصّة أيضاً الشيخ عباس القمّي في كتابه مفاتيح الجنان.

(17)  التومان: هي العُملة الإيرانية.

(18)  كتاب النّجم الثاقب للشيخ النوري ـ الحكاية الواحدة والثلاثون.